بحوث في علم الأصول - ج8

- الشيخ حسن عبد الساتر المزيد...
490 /
355

و القبح قد تتزاحم في مرحلة تالية، كما لو اقتضت حيثيّة حفظ الأمانة لزوم الكذب، فإنّه حينئذ يقتضي قبح الصدق أو حسن تركه، و تقع المزاحمة بين حرمة الصدق و حرمة خيانة الأمانة، و المتحصل بعد الكسر و الانكسار قضايا نظرية في العقل العملي ليست بديهية، لكنّها قد تستقر على ميزان أخلاقي «ما»، و لا يعني كونها نظرية أنّها مستنبطة بالبرهان من القضايا الأولية كما كنّا نقصد بالعقل النظري، بل بمعنى أنّها رؤية أخرى وراء العقل العملي، لكنّها ليست واضحة دائما و قد قلنا فيما تقدّم انّه ليس كل قضية أولية يجب أن تكون واضحة إذ لا دليل على ذلك، بل قد يكون الدليل على خلافها كما أوضحنا ذلك في كتاب الأسس المنطقية للاستقراء، إذ كون القضايا قضايا نظرية لا يعني أنّها معرفة ثانوية مستنبطة، بل معناه- مع الحفاظ على كونها معرفة أولية- انّ بعضها يكون واضحا فيكون بديهيا، و بعضها ليس كذلك.

و نحن نرى انّ الاختلافات الموجودة بين النّاس السويّين في تفكيرهم على اختلاف مجتمعاتهم و أعرافهم، إنّما ترجع بحسب الحقيقة- إذا استثنينا بعض حالات الشذوذ- إلى باب التزاحم، و إلى الاختلاف في تقديم قيمة على قيمة في عملية الكسر و الانكسار، و رغم هذا، فإنّ هذه الاختلافات لا توجب تشكيكنا في أصل إدراكاتنا للعقل العملي الأول.

ثمّ انّ هناك شبهات و إشكالات تذكر للأشاعرة في مقام نفي الحسن و القبح العقليّين في علم الكلام، نعرض عنها لكونها تخرجنا عن محل الكلام، و لاكتفائنا بذكر ما يناسب المقام من ناحية البحث الحلّي.

إلّا أنّه بقي هناك نقطة لا بدّ من بيانها، و هي انّ العقل العملي وحده لا يمكن ان يستكشف به حكم شرعي، أو يستدل به على ذلك، فلو حكم العقل العملي بحسن الصدق، و قبح الكذب فهذا لا يكفي‏

356

لاستكشاف وجوب الصدق أو حرمة الكذب، ما لم نضمّ إليه قانونا و قضية أخرى من العقل النظري هي قانون الملازمة بين حكم العقل و حكم الشرع، و انّه كلّما حكم به العقل حكم به الشرع، فإذا ثبت هذا التلازم، حينئذ، يمكن استكشاف الحكم الشرعي من العقل.

و قد توهم بعض الأكابر كما ورد في كلماته‏ (1)، انّ الملازمة بين حكم العقل و حكم الشرع واضحة في المقام، باعتبار انّ الشارع سيّد العقلاء فإذا حكم العقلاء بحكم بما هم عقلاء، كان الشارع في طليعتهم و أول الحاكمين به، و من هنا قال المحقّق الأصفهاني (قده)، انّ التعبير بالملازمة، فيه تسامح، بل الأنسب التعبير بالتضمن، أي انّ حكم العقل و العقلاء يتضمن حكم الشارع لاندراج الشارع في العقلاء، فيكون حكمه ضمن حكمهم.

و لكن هذا الكلام غير تام، و ذلك لأنّ الحسن و القبح ليسا حكمين مجعولين من قبل العقلاء كي يقال: انّ جعل العقلاء لحكم يكشف عن جعل الشارع له، لأنّه منهم، بل سيّدهم، بل الحسن و القبح أمران واقعيان ثابتان في لوح الواقع، و قولنا: العقلاء يحكمون بهما، يعنى:

انّهم يدركونهما لا أنّهم يشرعونهما و يجعلونهما، فحينما نقول: بأنّ العقلاء يدركون الحسن و القبح، نقول أيضا، إنّ الشارع يدركهما ضمنا، لكن فرق بين إدراك الشارع لشي‏ء، و بين جعله الحكم على طبقه، فإنّ إدراك الحكم لا يلزم منه جعله لا التزاما، و لا تضمنا، إذن فإدراك العقلاء لشي‏ء و إن كان يتضمن إدراك الشارع، لكن حكمهم على شي‏ء، لا يتضمن حكم الشارع عليه أصلا و لا يلزمه.

و كأنّ هذا الكلام صدر عن الأصفهاني (قده) بناء على مبناه في‏

____________

(1) نهاية الدراية: الأصفهاني، ج 2، ص 8- 124.

357

الحسن و القبح، حيث يرجعهما إلى ما يشبه الأحكام العقلائية، و نحن لو تنزلنا و سلّمنا ذلك المبنى، فإنّه أيضا لا يلزم من صدور هذا الحكم من العقلاء بما هم عقلاء، أن يكون صادرا من الشارع أيضا، بدعوى أنّه أحد العقلاء، و ذلك لأنّ صدوره منهم، إنّما كان رعاية لمصالحهم و حفاظا على نظامهم، فلو فرضنا أنّ عاقلا لا يعيش في ظل هذا النظام كالشارع الحكيم مثلا، فليس من الضروري عقلا حينئذ أن يشرّع نفس تشريعهم و يحكم بحكمهم.

إذن فالصحيح في المقام، انّ الملازمة بين حكم العقل و حكم الشرع في الحسن و القبح غير ثابتة.

و الخلاصة: هي انّ استكشاف الحكم الشرعي من العقل يحتاج إلى حكم عقلي قائل بالتلازم، أو التضمن، و قد عرفت وجه الخلل في ذلك.

و في مقابل دعوى التلازم بين حكم العقل و حكم الشرع، يمكن إبراز دعوى أخرى على عكسها، مفادها: انّه لا يعقل جعل الحكم الشرعي بملاك الحسن و القبح العقليّين، لأنّ جعل الحكم الشرعي إنّما هو لأجل التحريك و الزجر بتوسيط حكم العقل بحسن الطاعة و قبح المعصية، و المفروض في المقام انّ الحسن و القبح حاصلان في المرتبة السابقة على جعل الحكم الشرعي، فالكذب قبيح، مع قطع النظر عن تحريمه، إذن يكون جعل الحكم الشرعي من باب تحصيل الحاصل، و تحصيل الحاصل محال، و عليه: فلا مجال لإعمال المولوية في المقام.

و هذه الدعوى باطلة أيضا، لما ذكرناه في بحث التجري، من أنّ إعمال المولى لمولويته في موارد الحسن و القبح، يوجب إيجاد ملاك آخر للحسن و القبح وراء المحركيّة و الزجرية الّتي كان مفروغا عنها في المرتبة السابقة، فمثلا: الخيانة للأخ، أو الوطن، قبيحة في نفسها

358

عقلا، لكن إذا حكم الشارع بحرمتها، صارت خيانة للشارع و معصية له، فوجد فيها هنا ملاك آخر للقبح، و بهذا يتأكد المحرك و الزاجر العقلي، لتعدّد الحيثيّات الموجبة لاشتداد الحسن و القبح، إذن فهذه الدعوى إنّما تردّ إذا لم يكن الحسن و القبح قابلا للاشتداد و التأكيد.

و الصحيح هو أن يقال: انّ الحسن و القبح بثبوتهما الواقعيين و بما يستتبعان واقعا- بقطع النظر عن جعل جاعل- من استحقاق المدح و الثواب و الذمّ و العقاب، لهما محركيّة ذاتية و زاجرية ذاتية أيضا بمرتبة من المراتب، و حينئذ يقال: انّ الشارع بعد التفاته للحسن و القبح، و إدراكه لما ندركه من حسن هذا، و قبح ذاك، تارة يكون غرضه- في مقام حفظ هذا الحسن و ترك ذاك القبيح- بنفس مرتبة و حافظية تلك المحركيّة الذاتية للحسن و القبح العقليين الواقعيين، ففي مثله، لا مجال لإعمال المولى مولويته في جعل حكم جديد، غايته أنّه يرشد إلى الحسن و القبح العقليين الموجودين في المقام، و تارة أخرى تكون درجة اهتمام المولى- في حفظ هذا المرام من عدم ارتكاب ذلك القبيح أو فعل ذلك الحسن- أشدّ و أقوى من الحافظية الذاتية الضيقة للحسن و القبح لو خلّي و أنفسهما، ففي مثله يتصدّى المولى بنفسه لإصدار الأمر و النهي لأجل تأكيد تلك الحافظية، و حينئذ، يحصل حكم شرعي مولوي على طبق الحسن و القبح.

و تشخيص مرتبة اهتمام المولى في المقام بالحسن و القبح، تارة يكون بدليل شرعي، و أخرى يكون راجعا إلى مناسبات و أذواق عقلائية، لا يمكن التعويل عليها، ما لم تبلغ إلى درجة الجزم و اليقين الأصولي، و بناء عليه: يصحّ القول انّه لا برهان- مبدئيا- على ثبوت الملازمة بين الحسن و القبح العقليين، و بين حكم الشارع، بمعنى أنّه لا دليل على أنّه كلّما حكم به العقل حكم به الشرع.

359

هذا هو الكلام في العقل العملي بكلا مقاميه، و بهذا يتضح انّه لا يتصور قصور في كاشفية الدليل العقلي، و إلى هنا يتمّ الكلام في المقام الثاني.

3- المقام الثالث: هو دعوى أن يكون القصور المدّعى في الدليل العقلي، من ناحية المنجزية و المعذرية بمعناها الأصولي‏

، و في هذه المرحلة، يفرض أن الأخباري يعترف بأنّ الجعل الشرعي لا قصور في إطلاقه، و انّ الدليل العقلي لا قصور في كاشفيته و سلّم حصول القطع من الدليل العقلي، إلّا أنّه يدّعي عدم معذريّة هذا القطع الناشئ من العقل، بسبب نهي الشارع عن اتباعه، و هذا النهي يمكن تصوره ثبوتا، على نحوين، كما أشار إليه الشّيخ الأعظم (قده) (1) في الرّسائل.

1- النحو الأول: هو دعوى نهي الشارع عن اتباع القطع الناشئ عن الدليل العقلي بعد فرض حصوله.

2- النحو الثاني: هو دعوى نهي الشارع قبل حصول القطع عن الخوض في المقدّمات العقلية في مقام استنباط الأحكام الشرعية، و صرف الذهن إلى استنباطها من الأدلة اللفظية.

و يظهر الفرق بين هذين النحوين من النهي فيما لو اتفق أنّ إنسانا حصل له قطع عقلي بحكم شرعي من دون أن يتسبّب في ذلك، و يرتب له مقدّماته العقلية، بحيث يشمله النهي عن العمل بقطعه، لو كان النهي باللّسان الأول، دون اللّسان الثاني، فإنّه لا يشمله كما هو واضح.

و قد يقال: بأنّ النهي باللّسان الثاني إنّما يفيد قبل الاستدلال‏

____________

(1) المصدر السابق.

360

و حصول القطع، لكن بعد الاستدلال و حصول القطع فلا، لأنّه بعد حصول القطع، على أيّ شي‏ء يعاقب؟ فهل يعاقب على مخالفة هذا النهي، أم أنّه يعاقب على مخالفة الواقع؟

فإن كان على مخالفة النهي، فهذا النهي طريقي و ليس نهيا حقيقيا نفسيا ليستحق عليه العقاب، و إن كان على مخالفة الواقع- أي ما قطع به- فهو الآن مضطر إلى تطبيقه على قطعه، و العمل به، لأنّ القاطع يرى بقطعه الواقع أمام عينه، صحيح بعد أن قطع يضطر إلى تطبيقه في الواقع، لكنّه من التطبيق بالاضطرار بسوء الاختيار، و هو يشبه دخول الأرض المغصوبة بسوء الاختيار، و لذا لو أدّى هذا الاضطرار للعمل بالقطع، إلى مخالفة حكم شرعي، فإنّه يعاقب عليه، لأنّه بسوء اختياره.

و من هنا يعلم، انّ النهي باللّسان الثاني معقول، بمعنى النهي عن الدخول في هذا الباب و التسبّب بالأسباب العقلية إلى الأحكام الشرعية، و لكن هذا بخلاف النهي باللّسان الأول، لما بيّناه في بحث حجيّة القطع، من أنّه لا يعقل جعل حكم في حق القاطع على خلاف قطعه، إذن: فالنهي له لسانان، فالنهي باللّسان الأول مستحيل ثبوتا، بخلاف النهي باللّسان الثاني، حيث أنّه معقول ثبوتا، و لكنّه لم يدلّ عليه دليل إثباتا.

نعم قد توهم و ادّعي دلالة روايات عليه إثباتا، و أهم ما يتوهم دلالته عليه هو روايات ناهية عن العمل بالرأي و ناهية عن الاستقلال عن الأئمّة (عليهم السّلام)، حيث أنّ من راجعها و لاحظ ظروف صدورها، لا يشكّ في أنّ المقصود منها و من الإفتاء بالرأي، هو النهي عن العمل بالقياس، و الاستحسان، و المصالح المرسلة و نحوها من الظنون ممّا كان معروفا في وقت صدورها، كما أنّ المقصود بها أولئك العاملين بتلك الأمور من بقية فقهاء المسلمين ممّن كانوا يجعلون أنفسهم في مقابل الأئمّة

361

الأطهار (عليهم السّلام) و يفتون النّاس دون أن يكون عندهم علم بذلك، و دون أن يرجعوا إلى الإمام المعصوم من أهل البيت (عليهم السّلام) رغم أنّهم كانوا معاصرين له، و هكذا، تكون هذه الرّوايات أجنبية عن محل الكلام.

ثمّ إنّه لو سلّم دلالة هذه الرّوايات، بمعنى أنّه سلّم أنّ عنوان الرأي المذكور فيها مطلق يشمل الرأي الظني و الرأي القطعي، إذن، فتكون دالة على عدم حجيّة الدليل العقلي القطعي بالإطلاق، فتقع المعارضة بينها و بين بعض الطوائف من الرّوايات الدالة على لزوم اتباع العلم و الدالة على براءة العالم إذا عمل بعلمه‏ (1)، من دون تقييد بأن يكون مصدر هذا العلم العقل أو الشرع، و حينئذ، تكون النسبة بين هاتين لطائفتين، العموم و الخصوص من وجه، لأنّ هذه الطائفة الثانية تدلّ على أنّ من قضى بالواقع و هو يعلم فهو في الجنّة، أي سواء كان علمه عقليا أم شرعيا، و تلك الطائفة تدلّ على أنّ من أفتى برأيه فهو في النّار، أي سواء كان رأيه ظنيا أو قطعيا، و معه: فيتعارضان في مادة الاجتماع، و هو مورد العلم العقلي، و مع عدم المرجح، يتساقطان فيه، و معه: لا يبقى دليل على الردع عن العمل بالعلم العقلي.

ثمّ إنّ هناك طائفة من الرّوايات، ذكرها في أصول الكافي‏ (2)، كما أشار إليها الشيخ الأعظم (قده) (3)، تحثّ على العمل بالعقل، و هذه الرّوايات لو تمّت سندا و دلالة، لوقعت طرفا للمعارضة مع تلك الرّوايات المدّعى دلالتها على النهي عن العمل بالعقل أو الرأي.

و قد يقال: بأنّ ما دلّ على حرمة العمل بالرأي، مقدّم على هذه‏

____________

(1) أصول الكافي: ج 1، ص 42- 43- 44.

(2) أصول الكافي: الكليني، ج 1، باب النهي عن القول بغير علم، ص 42.

(3) الرّسائل: الأنصاري، ص 11- 12.

362

الطائفة الّتي تحثّ على العمل بالعقل، و ذلك لأنّ روايات حرمة العمل بالرأي مطلقة، تشمل العقل النظري البرهاني و العقل الفطري بينما الرّوايات الّتي تحثّ على العمل بالعقل، فإنّ المقصود بها هو العقل الفطري الخالي من شوائب الأوهام، و بهذا تكون مخصصة لتلك الرّوايات، و معه تبقى دالة على حرمة العمل بالعقل النظري.

لكن قد يقال: انّ هذه الرّوايات إذا لوحظت من ناحية أخرى، وجدنا أعميّة في عنوان «الرأي» بحيث أنّها تشمل الرأي الظنّي و الرأي القطعي، بينما روايات الحثّ على العمل بالعقل، لا تقتضي حجيّة الرأي الظنّي، و إنّما هي في مقام إمضاء العقل على طبقه، إذ من الواضح أنّ العقل لو خلّي و طبعه لأدرك بنفسه عدم حجيّة الظن، إذن فالنسبة بينهما عموم من وجه أيضا، إذ أنّ روايات النهي عن العمل بالرأي أخصّ، لعدم شمولها الفطريات، لكنّها أعمّ لشمولها الظنون العقلية، و مع كون النسبة بينهما العموم من وجه، إذن، تتعارض الطائفتان ثمّ تتساقطان في مادة الاجتماع، و كل هذا لو فرض صحة هذه الطائفة.

إلّا أنّه عند مراجعة هذه الرّوايات- روايات الحثّ على العمل بالعقل- يتضح عدم تماميتها سندا أو دلالة، فالمهم، التعويل على الطائفة الأولى الدالة على براءة ذمّة العالم إذا عمل بعلمه‏ (1)، حيث أنّها وافية بالغرض مع كونها طرفا للمعارضة بنحو العموم من وجه مع تلك الطائفة الّتي احتجّ بها الأخباريون من النهي عن العمل بالرأي بالنحو الّذي بيّناه، و بعد التساقط لو سلّم التساقط لا يبقى دليل على الردع- مدّعى الأخباري- لا بالوجه المنقول عنهم، و لا بغيره.

و الحاصل هو أنّ الأهم هو، إيقاع المعارضة بين أخبار الرأي،

____________

(1) أصول الكافي: الكليني، باب استعمال العلم، ص 44- 45.

363

و بين الطائفة الثانية الدالة على جواز التدين و القول بعلم لأجل حجيّة سندها، و تكون المعارضة بينهما بنحو العموم من وجه، لاجتماعهما في العقل القطعي، و افتراق أخبار الرأي بالعقل الظنّي، و افتراق أخبار العلم بالقطع الناشئ من الأدلة اللفظية، و بعد التساقط، لو سلّمنا به، لا يبقى دليل على مدّعى الأخباري.

364

في مخالفة العلم التفصيلي‏

بقي هناك فروع تعرض لها الشيخ الأعظم (قده) (1)، بعنوان أنّه قد يستدل بها الأخباريون، ليوهموا بها إثبات إمكان الردع عن العمل بالقطع، بدعوى أنّ الاختيارات الفقهية في هذه الفروع تستدعي أمر الشارع بطرح علم تفصيلي، و قد ذكروا فروعا نقتصر فيها على التعرّض للفروع الستة الّتي ذكرها السيّد الخوئي (قده) (2) تبعا للشيخ الأعظم (قده)، بحيث تكون أنموذجا للباقي. و لكن ليس بملاك تتميم النقاش مع الإخباريين، بل باعتبار ما في تحقيقها من نكات صناعية، و من تمرين على الصناعة.

1- الفرع الأول: هو أنّه لو علم الإنسان بجنابة نفسه أو جنابة شخص آخر، فإنّ مثل هذا العلم الإجمالي غير منجز

، باعتبار أنّه علم إجمالي بتكليف متوجه إلى العالم أو إلى شخص آخر، و العلم الإجمالي إنّما يتنجز إذا كان علما إجماليا بالتكليف الفعلي للعالم كي يدخل حينئذ في عهدته، و إن كان تكليف الغير لا يدخل في عهدته، فإذا لم يكن هذا العلم منجزا، ففي مثله لا مانع من جريان الأصول المؤمنة في كل‏

____________

(1) الرّسائل: الأنصاري، ص 16- 17.

الرّسائل: تحقيق النورابي، ج 1، مؤسسة النعمان- بيروت، ص 28- 29.

(2) أجود التقريرات: الخوئي، ج 2، ص 57- إلى ص 62.

365

الأطراف حيث لا تعارض بينها، فيستصحب بقاء طهارته و عدم وجوب الغسل عليه، كما أنّه يجري استصحاب بقاء طهارة الرجل الآخر.

و هذان الاستصحابان إنّما يجريان معا لعدم تنجيز العلم الإجمالي، مع انّ جريانهما معا قد يؤدّي إلى طرح علم تفصيلي في بعض الأحيان.

فمثلا: تارة يفرض انّ هذا الإنسان يستصحب طهارته و يصلّي فرادى، فهنا لا يكون مخالفا لعلم تفصيلي، و قد يفرض أنّه اغتسل و صلّى خلف الآخر، فكذلك لا مخالفة تفصيلية، و أمّا إذا لم يغتسل، و كذلك الشخص الآخر لم يغتسل، و صلّى خلفه، فحينئذ، تكون صلاته صحيحة بمقتضى الاستصحابين، و لكنّها معلومة البطلان وجدانا و تفصيلا، لأنّها إمّا أنّها صلاة جنب، و إمّا لأنّها صلاة خلف الجنب، إذن، فهنا قد طرح علم تفصيلي باعتبار إجراء الأصلين، فإذا جاز ذلك، إذن فكيف يقال لا يجوز الردع عن العمل بالعلم.

و قد أجيب عن هذه الشبهة بأجوبة مترتبة.

1- الجواب الأول: هو أن يدعى انّ صحة الائتمام موضوعها واقعا هو، الأعم من صحة صلاة الإمام واقعا، أو اعتقادا، أو ظاهرا، بمعنى أنّ الصحة الظاهرية لصلاة الإمام، أو الصحة الاعتقادية لصلاته هي، موضوع للحكم الواقعي، فتصح صلاة المأموم حتّى لو لم تكن صلاة الإمام صحيحة في الواقع، و بناء على ذلك، فحينئذ لا بأس في المقام بجريان الأصلين معا، و لا يلزم من إعمالهما في حال ائتمام أحدهما بالآخر، طرح علم تفصيلي ببطلان الصّلاة، إذ لا علم تفصيلي للمأموم ببطلان صلاته، لأنّه لو كان هو الجنب فصلاته باطلة، و إن كان الإمام هو الجنب فصلاة المأموم صحيحة، لأنّ صلاة الإمام بحسب الحكم الظاهري، أو بحسب اعتقاد المأموم صحيحة، و هذه موضوع للصحة الواقعية عند المأموم، إذ لا علم تفصيلي للمأموم ببطلان صلاته‏

366

على كلّ حال ليلزم المحذور، نعم هو يعلم ببطلانها على تقدير كونه هو الجنب.

و لكن هذا الجواب غير تام مبنى، لأنّ ظاهر الأدلة هو إناطة جواز الائتمام بصحة صلاة الإمام واقعا، و كون صحة صلاة الإمام ظاهرا هي الموضوع للحكم بجواز الائتمام واقعا، يحتاج إلى دليل، مع أنّه لا دليل في المقام على ذلك.

2- الجواب الثاني: هو أنّ هذين الاستصحابين المؤمّنين لا يجريان في المقام- حتّى بقطع النظر عن هذا العلم التفصيلي- و ذلك، لأنّ هذين الأصلين على خلاف علم إجمالي منجز، و ليس كما ادّعى أنّه غير منجز.

و توضيح ذلك: هو أنّ المكلّف إذا علم إمّا بجنابة نفسه، و إمّا بجنابة الغير، فتارة: يفرض أنّ ذلك الغير ممّن يجوز الائتمام به لو كانت صلاته صحيحة، و أخرى: يفرض أنّه ممّن لا يجوز الائتمام به حتّى لو كانت صلاته صحيحة، فإذا فرض انّ هذا الغير كان ممّن يجوز الصّلاة خلفه، إذن، سوف يتشكل لدينا علم إجمالي منجز، و ذلك، لأنّ هذا المكلّف يعلم إجمالا، إمّا ببطلان صلاته الّتي يصلّيها فرادى قبل أن يغتسل، و إمّا ببطلان صلاته الّتي اقتدى بها خلف الشخص الآخر و لو بعد أن يغتسل، و ذلك لأنّه إن كان هو الجنب، كانت صلاته باطلة سواء اقتدى أم صلّى فرادى، و إن كان الإمام هو الجنب، فلا يجوز الاقتداء به، و حينئذ، تبطل صلاته لو اقتدى و إن اغتسل، و حينئذ، فهذا علم إجمالي منجز يوجب تعارض الأصلين و الاستصحابين و تساقطهما فلا يجريان، و معه لا تصل النوبة إلى ما ادّعي من لزوم طرح علم تفصيلي.

و من هنا قلنا في تعليقتنا على منهاج الصالحين إلّا إذا كانت جنابة

367

أحدهما موضوعا لحكم إلزامي لآخر كما في الكلام المتقدّم في الجنابة الدائرة بين شخصين و قد ذكر هنا دعويان‏ (1).

1- الدعوى الأولى: هي انّ العلم الإجمالي هنا ينحل باستصحاب عدم الجنابة في كل منهما، و باعتبارهما أصلين من سنخ واحد فيسقطان، فتصل النوبة إلى أصالة الصحة في صلاة الإمام مثلا، و أصالة الاشتغال من ناحية إحراز الطهور من الحدث الأكبر لكونه شكّا في المحصل.

و هذه الدعوى مدفوعة: بأنّ أصالة الصحة دليلها لبّي لا إطلاق فيه لمثل هذه الحالات.

2- الدعوى الثانية: هي انّ جواز الائتمام مرجعه إلى إمكان تحمل الإمام القراءة عن المأموم، أي عدم وجوب القراءة عليه، و هذا بخلاف شرطية الطهور من الحدثين، إذ بعد تساقط الاستصحابين يكون الأصل الحكمي الجاري في أحد الطرفين هو أصالة الاشتغال، و في الآخر أصالة البراءة عن وجوب القراءة، لأنّه من الشكّ في الجزئية.

و هذه الدعوى مدفوعة أيضا، لأنّ الائتمام بحسب ما يستفاد من أدلته، أمر وجودي، و هو الاقتداء بمن تكون صلاته صحيحة، و معه يعلم حينئذ بوجوب الجامع بين القراءة في الصّلاة، و الاقتداء بالغير الّذي تكون صلاته صحيحة، فيكون هذا من الشكّ في تحصيل هذا الجامع المعلوم وجوبه، و معه تبقى منجزية العلم الإجمالي قائمة بدون ردع عنها.

3- الجواب الثالث: هو أنّه لو سلّم جريان الأصلين الموضوعيين‏

____________

(1) أجود التقريرات: الخوئي، ج 2، ص 58- 59.

368

في حقّ الشخصين معا و عدم تعارضهما و غفل عن هذا العلم الإجمالي، نقول حينئذ: إنّ الأصلين الجاريين هنا، يستحيل أن يكونا شاملين للأثر المعلوم بطلانه، فإنّ كل أصل عملي إنّما يصحح محتمل البطلان، و لا يعقل أن يصحح معلوم البطلان، فيترتب على استصحاب طهارة هذا الإنسان، و على استصحاب طهارة ذاك الرجل، كل آثارها غير ما يعلم بعدمه، و حينئذ نلتزم بجريان الاستصحابين معا،- بقطع النظر عن ذاك العلم الإجمالي- و نلتزم بأنّهما لا يؤدّيان إلى الترخيص بائتمام أحد الشخصين بالآخر بدون غسل من الاثنين، لأنّ هذه الصّلاة معلومة البطلان، و الاستصحاب لا يتعبّدنا بمثل هذه الآثار، إذن فيلتزم بجريان الاستصحابين و التبعيض في الآثار المترتبة على جريانهما بين ما لا يقطع بعدم ترتبه، و ما يقطع بذلك.

2- الفرع الثاني: هو ما لو اختلف شخصان، فقال أحدهما، قد بعتك هذا الكتاب بدينار، فقال الآخر، بل وهبته لي‏

، ففي مثل ذلك حكم الفقهاء بعدم ثبوت البيع و لا الهبة، و برجوع الكتاب لصاحبه، باعتبار التهافت، و حينئذ، فلو فرض ان انتقل الكتاب إلى شخص ثالث بالشراء و نحوه، فهو يعلم تفصيلا أنّه انتقل إليه من غير مالكه، لأنّه يعلم انّ مالكه الأول إمّا باعه لذلك الشخص، أو وهبه له، فإذا حكم في المقام بانفساخ ما وقع، سواء كان بيعا أو هبة، فمعنى هذا أنّه قد حكم على خلاف الواقع- لأنّنا نعلم بتحقيق أحد الأمرين- و معه يلزم من ذلك مخالفة علم تفصيلي.

و قد أجاب السيّد الخوئي (قده) عن ذلك، بأنّ الهبة المدعاة، تارة تكون جائزة، و أخرى تكون لازمة، فإن فرض أنّها كانت جائزة، فحينئذ نفس دعوى صاحب الكتاب تكون سببا في رجوع الكتاب إليه على كلّ حال، سواء كان الواقع هو الهبة، أو البيع، لأنّه إن كان الواقع هو البيع‏

369

و المفروض أنّ البائع لم يقبض ثمنه، و المشتري ممتنع عن دفع الثمن، إذن، يثبت للبائع حقّ الفسخ حينئذ، و استرجاع الكتاب، و إن كان الواقع هو الهبة، فالمفروض أنّها جائزة، و حينئذ، فنفس إنكارها يعدّ رجوعا فيها، و بهذا يكون الكتاب قد رجع رجوعا واقعيا إلى مالكه الأول، و حينئذ، لو فرض أنّ شخصا ثالثا أخذه، إذن فقد أخذه من مالكه الواقعي.

و أمّا إذا كانت الهبة لازمة، فحينئذ، يكون كل منهما منكرا لما يدّعيه الآخر، فيصير المورد من موارد التحالف، و التحالف من أسباب انفساخ المعاملة واقعا، و به يرجع الكتاب إلى مالكه الأول واقعا، و لا إشكال.

و الجواب: هو انّ ما أفاده بالنسبة إلى ما إذا كانت الهبة جائزة، فصحيح، و أمّا بالنسبة إلى ما إذا كانت الهبة لازمة فهو غير صحيح، بل الصحيح هو انّ المورد ليس من موارد التحالف لأنّ مورد التحالف‏ (1) إنّما يكون فيما لو ادعى كل من المتخاصمين شيئا على الآخر، و الآخر ينكره، و المقام ليس من هذا القبيل، لأنّ المدّعي هو صاحب الكتاب فقط، حيث يدعي شيئا بالبيع على مدّعي الهبة، أمّا مدّعي الهبة، فإنّه لا يدّعي شيئا على صاحب الكتاب، و إنّما، صاحب الكتاب، و صاحب الهبة كلاهما، متفقان فعلا على انّ الكتاب ملك لمدّعي الهبة، و يختصّ صاحب الكتاب بدعوى استحقاقه الثمن في ذمّة الآخر، فهو مدّعي و الآخر ينكر، كما انّ صاحب الكتاب يدّعي حقّ استرجاع الكتاب، لأنّه لم يقبض الثمن من الآخر، و الآخر ينكر ذلك، إذن فهناك حقّان يدّعيهما الأوّل على الثاني، و أمّا مدّعي الهبة، فهو يدّعي ملكيته للكتاب، و هذا شي‏ء لا ينكره الأوّل.

____________

(1) اللّمعة الدمشقية: الشهيد الثّاني، ج 3، ص 539.

370

و بهذا يتضح، انّ الأوّل يكون مدّعيا، و الثّاني منكرا، فإذا لم تكن للأوّل بيّنة، ثمّ حلف الثّاني على عدم البيع، تثبت في المقام، نتيجة الهبة بالنسبة إليه، و تسقط إلزامات الأوّل حينئذ.

و هنا لا تردّ شبهة الأخباري، لأنّ مالكية الثّاني للكتاب أمر مفروغ عنه حدوثا، و محتمل بقاء، إذن فلا علم تفصيلي ليلزم طرحه بتطبيق تلك القواعد الشرعية.

3- الفرع الثالث: هو أنّه قال الفقهاء: إنّه لو أقرّ زيد بعين لعمرو، حكم لعمرو بها، تنفيذ القاعدة حجيّة الإقرار

، فلو قال زيد بعد ذلك، إنّ هذه العين ليست لعمرو، بل هي لخالد، فأيضا ينفذ هذا الإقرار و ذلك بأن يغرّم زيد قيمة العين إن كانت قيمية أو مثلها لخالد إن كانت مثلية باعتبار أنّها في حكم التالفة بعد أن أعطيت لعمرو، مع أنّه يعلم إجمالا انّ أحدهما لا يستحقّ ما أخذه، و حينئذ، فلو انتقلت كلا العينين إلى ثالث، فهذا الثالث يحصل له علم إجمالي بحرمة التصرف في إحداهما، و قد ينتهي الأمر إلى مخالفة علم تفصيلي، كما لو جعل كلا العينين معا ثمنا لعين أخرى، فإنّه هنا يعلم تفصيلا بعدم استحقاقه لهذه العين، و حينئذ يقال: أنّه هنا قد طرح علم إجمال منجز، بل علم تفصيلي، و هذا يدلّ على أنّه يمكن الردع عن العمل بالعلم.

و في مقام الجواب هنا ذكر السيّد الخوئي (قده) (1)، بأنّ ما ذكره الفقهاء هو على مقتضى القاعدة، فإنّ مقتضى القاعدة هو شمول حجيّة الإقرار للإقرار الأوّل، كما أنّ الإقرار الثّاني مشمول لدليل حجيّة الإقرار، و مقتضى حجيّة الثّاني هو ثبوت ملكية العين للمقرّ له ثانيا، لكن‏

____________

(1) أجود التقريرات: الخوئي، ج 2، ص 61.

مصباح الأصول: بحر العلوم، ج 2، ص 65.

371

حيث أنّها صارت تالفة على المقر له ثانيا من قبل المقر بسبب إقراره الأوّل، أو بحكمها، فينطبق عليها حكم التلف، فينتقل حينئذ إلى بدلها من المثل أو القيمة لا محالة، و يلتزم بتمام آثار حجيّة هذين الإقرارين، ما لم يلزم مخالفة علم إجمالي منجز أو علم تفصيلي.

و الخلاصة، انّ السيّد الخوئي (قده) أفاد، بأنّ مقتضى القاعدة هو، شمول دليل حجيّة الإقرار لكلا هذين الإقرارين، فنلتزم بتمام آثارهما ما لم يلزم مخالفة علم إجمالي منجز، أو علم تفصيلي.

و التحقيق انّ ما ذكره الفقهاء في المقام من العمل بالإقرارين صحيح كما أفاد السيّد الخوئي (قده)، و لكن تخريج ذلك ليس كما ذكر آنفا على ما يبدو من ظاهر كلام السيّد الخوئي (قده) (1)، و عليه: فلا بدّ من تخريج آخر لما أفاده، بناء على قاعدة حجيّة الإقرارين، فإنّه ربّما يقال: إنّ كلام زيد الثّاني له مدلولان، مطابقي و هو، انّ هذه العين ملك لخالد، و التزامي، و هو أنّه مشغول الذمّة لخالد لأنّه فوّت عليه ماله و المدلول المطابقي ليس إقرارا في الواقع لأنّه إقرار بالعين الخارجة عن ملك المقر، لأنّها أصبحت ملكا لعمرو بمقتضى الإقرار الأوّل، و حينئذ، لا يكون إقراره الثّاني بلحاظ مدلوله المطابقي مشمولا لدليل حجيّة الإقرار لأنّه إقرار بما هو ملك الغير بمقتضى إقراره الأوّل، فإنّ الإقرار إنّما يكون حجّة بمقدار ما يكون على الشخص، بحيث لو أخذ المقر به منه لخسر، و لو لم يؤخذ لاستفاد، و لذا قيل: «إقرار العقلاء على أنفسهم نافذ»، و هنا لو أخذنا بإقراره الثّاني بلحاظ مدلوله المطابقي لم يخسر المقرّ شيئا، لأنّ العين ليست ملكا له، و لو رفضنا إقراره لم يربح شيئا، و بهذا يتبين انّ الكلام الثّاني بلحاظ مدلوله المطابقي غير مشمول‏

____________

(1) المرجع السابق: ص 61.

372

لدليل حجيّة الإقرار، بل هو ادّعاء، و عنوان الإقرار يطبق ابتداء على مدلوله الالتزامي، و هو كونه مشغول الذمّة لخالد، فيكون دليل حجيّة الإقرار شاملا له ابتداء، و حينئذ، يضمن المقر المثل أو القيمة، و لا مانع أن يكون كلام واحد بلحاظ مدلوله المطابقي ادّعاء، بلحاظ مدلوله الالتزامي إقرار، و المفروض انّ الحجيّة يكون بلحاظ مقدار الإقرار، و لا يتوهم انّ هذا على خلاف المتفق عليه من حيث تبعية الدلالة الالتزامية للدلالة المطابقية في الحجيّة، و ذلك، لأنّ التبعية إنّما تكون، في مورد تكون فيه الدلالة المطابقية حجّة ابتداء، و بتبعها تكون الحجيّة شاملة للدلالة الالتزامية، كما لو كان موضوع دليل الحجيّة عنوانه الإخبار، كما في خبر الواحد، و الخبر ينطبق على الدلالة المطابقية و لا ينطبق على الالتزامية إلّا بتبع ذلك، ففي مثله، إذا سقط الخبر عن الحجيّة بلحاظ الدلالة المطابقية، حينئذ نلتزم بسقوطه عن الحجيّة بلحاظ مدلوله الالتزامي، و هنا محل كلامنا ليس من هذا القبيل، فإنّ دليل الحجيّة من أوّل الأمر أخذ في موضوعه عنوان لا ينطبق إلّا على الدلالة الالتزامية، إذن، فالحجيّة من أوّل الأمر لم تشمل المطابقية، و شملت الالتزامية، و بهذا لم تكن حجيّة الالتزامية بتبع المطابقية، إذ أنّه لم تكن المطابقية مشمولة لدليل الحجيّة من أوّل الأمر أصلا، لا أنّها أسقطت عن الحجيّة.

و الحاصل هو، أنّه لا يصحّ تطبيق حجيّة الإقرار على الإقرار الثّاني بلحاظ مدلوله المطابقي كما عرفت، و إنّما الّذي يكون مرادا من فتوى الفقهاء هو، انّ الإقرار الثاني له مدلولان، و مدلوله المطابقي هو انّ العين لخالد، و مدلوله الالتزامي هو أنّه قد فوّت على خالد ماله بعد أن حكم به لعمرو، و لهذا يكون مشغول الذمّة له فإنّ إخباره بأنّه فوّت على خالد، أمر مشغل لذمّته، و إلزام لنفسه بشي‏ء، يكون إقرارا، هذا حاصل تخريج فتوى الفقهاء في المقام.

373

و أمّا تمسك الأخباري بذلك، و كونه ملازما لمخالفة علم إجمالي منجز أو تفصيلي، فجوابه كما ذكر السيّد الخوئي (قده) من عدم الالتزام بمخالفة علم إجمالي أو تفصيلي.

4- الفرع الرابع: هو أنّه لو اختلف المتبايعان في تشخيص البيع أو الثمن، كما لو قال البائع، بعتك هذا الكتاب بدينار، فقال المشتري: بل بعتني قلما بدينار، ففي مثله: حكم الفقهاء بالتحالف‏ (1)

، لأنّ كلا منهما يدّعي شيئا ينكره الآخر.

أمّا البائع، فلأنّه و إن كان أصل ملكيته للثمن- الدينار- معلوما، إلّا أنّه يدّعي على المشتري حقّ الإلزام بدفعه بمجرد إعطائه الكتاب.

و أمّا المشتري، فيدّعي على البائع ملكيته للقلم و بالتالي حقّ إلزامه بدفعه بمجرد تقديم الثمن إليه، و حينئذ، هنا يتحالفان، و بعد التحالف قد يحكم ظاهرا بعدم كلا الأمرين، و حينئذ، يأخذ كل منهما ماله، مع انّ إعمال ذلك يلزم منه علم إجمالي، إمّا بخروج الكتاب أو القلم عن ملك البائع، كما يعلم تفصيلا بخروج الثمن عن ملك المشتري، مع انّ إعمال هذا يؤدّي إلى طرح إجمالي منجز، بل طرح علم تفصيلي.

و قد ذكر السيّد الخوئي (قده) (2) في مقام التعليق، أنّه إن بني على انّ التحالف يوجب الانفساخ الواقعي، إذن، فبالحلف لا يبقى وجود للمعاملة بحكم الشارع، و معه لا يلزم ما ذكر، و إذا لم نبن على انّ التحالف موجب للانفساخ الواقعي، و إنّما يوجب ترتيب الآثار ظاهرا، فإنّه حينئذ، يبنى على ترتب كل أثر لا يلزم منه مخالفة علم إجمالي منجز أو علم تفصيلي.

____________

(1) اللّمعة الدمشقية: الشهيد الأوّل، ج 3، ص 539.

(2) أجود التقريرات: الخوئي، ج 2، ص 61.

374

و تحقيق الحال في هذه المسألة، أنّه بعد الفراغ عن كون المورد من موارد التحالف، يقع الكلام في مقامين.

1- المقام الأوّل: هو في انّ التحالف هل يوجب انفساخ العقد واقعا أو لا؟ و على تقدير أنّه لا يوجبه، فهل هناك نكتة أخرى تقتضي انفساخه الواقعي أم لا؟

2- المقام الثّاني: هو في جواب الأخباري- الّذي ينقض بهذا الفرع- و يكون جوابه على ضوء ما يتمّ في المقام الأوّل.

أمّا المقام الأوّل: و هو إيجاب التحالف للانفساخ الواقعي، فقد يقرب استفادة الانفساخ من دليل اليمين بعدّة وجوه.

1- الوجه الأوّل: هو أن يقال: إنّ مفاد دليل اليمين، هو إنهاء الخصومة و سدّ بابها، و من الواضح إنّها الخصومة و سدّ بابها لا يتحقّق إلّا مع انفساخ العقد، و افتراض كون العقد كأنّه لم يكن، إذ مع بقائه على حاله، يبقى دعوى كل من المتحالفين قائمة، و هذا مناف لإنهاء الخصومة، و من هذا يعرف معنى الانفساخ، و هو ممّا يستفاد من دليل اليمين.

و هذا الوجه غير تام: و ذلك، لأنّ إنهاء الخصومة شي‏ء، و إنهاء منشأ الخصومة شي‏ء آخر، و ما يتكفله دليل اليمين هو الأوّل، فإنّه لا شكّ في انّ دليل اليمين مفاده إنهاء نفس الخصومة، بمعنى: أنّه لا هذا من حقّه أن يطالب ذاك، و لا العكس، بل قد أفتى الفقهاء في مورد اليمين، بأنّ من حرم من ماله باليمين، لو وجد ماله و أمكنه أخذه و لو بالسرقة، لما جاز له ذلك، و هذا إنهاء لفعلية الخصومة، إذن، ما يتكفله دليل اليمين هو إنهاء الخصومة، أي الشق الأول، بينما محل البحث هو الثاني، أي منشأ الخصومة.

375

و فيه يقال: إنّ منشأ الخصومة الّذي هو العقد، لا يستفاد من دليل اليمين حلّه إذ كون دليل اليمين يتكفل إنهاء الخصومة، و لا يتكفل إنهاء منشئها لا ملازمة بينهما.

2- الوجه الثّاني: هو أن يقال: إنّ مفاد دليل اليمين، و إن كان إنهاء الخصومة، و لا ملازمة بين إنهائها، و زوال منشئها، لكن بقاء العقد، لغو عرفي بعد نفوذ اليمين، و هذا اللغو باعتبار لغويته، يراه العقلاء كأنّه المجمل، إذ ما فائدة بقاء عقد لا يترتب عليه الأثر خارجا، كيف و قد أشرنا سابقا إلى انّ الفقهاء أفتوا بأنّ الشخص لو عثر على ماله المحروم منه باليمين، لا يجوز له أخذه، إذن، فأيّ أثر في إبقاء العقد في عالم الجعل.

و هذا الوجه يمكن مناقشته، و ذلك بمنع اللغوية، حيث أنّه من جملة الثمرات لبقاء العقد هو، أنّه لو تاب المعاند من المدّعيّين، و أقرّ بكذب يمينه، فحينئذ يجب عليه أن يرتب آثار العقد، لأنّ اليمين إنّما ينفذ مفعولها إذا لم يقرّ صاحبها بكذبها و لكن إذا أقرّ بالحق يكون إقراره حاكما على اليمين.

3- الوجه الثالث: هو انّ هذا التحالف يكون إتلافا للمال قبل قبضه، كما هو الحال في محل الكلام، حيث أنّ البائع أنكر أن يكون باع المشتري قلما و حلف على إنكاره، و بذلك يكون قد فوّت القلم على مشتريه، و هذا التفويت بحكم تلف القلم قبل قبضه، و قد حكم الفقهاء بأنّ كل مبيع تلف قبل قبضه فهو من مال بائعه، و محل الكلام: بحكم التلف، لأنّ التحالف إتلافا للمال على من انتقل إليه قبل قبضه، فيتعدّى بالمناسبات العرفية من التلف بعنوانه، إلى محل الكلام.

أمّا إذا كان الدليل على الانفساخ لفظيا، فلا بدّ حينئذ من التعدّي بالمناسبات العرفية، من مورد الرّواية إلى محل الكلام.

376

و أمّا إذا لم يكن لفظيا، بل كان عبارة عن الارتكازات العقلائية الممضاة شرعا، فإنّه حينئذ يقال: بسعة هذه الارتكازات و التعدّي بها أيضا إلى غير البيع من سائر المعاوضات، لأنّ روح المعاوضة عقلائيا هو التسليم و التسلّم، فإذا تعذّر ذلك، انفسخت المعاملة.

و هذا الوجه مفيد و لو في الجملة، فمن يقتصر في حكم تلف المبيع قبل قبضه على مورد النصّ، و هو البيع في خصوص المبيع، فيكون هذا الوجه مفيدا له في خصوص مورد النصّ، و أمّا لو كان التحالف داخلا في باب الصلح، فلا يتمّ هذا الوجه بالنسبة للتحالف، لأنّه لا يكون من مورد النصّ.

نعم لو كان التعدّي من مورد التلف إلى ما نحن فيه، و لم يكن مستندا- بالنسبة لحكم التلف قبل القبض- إلى دليل لفظي- الرّواية- بل كان مستندا إلى المرتكزات العرفية العقلائية القائلة: بأنّ روح المعاوضة عبارة عن التسليم و التسلّم لا مجرد الإنشاء، فإذا تلف قبل التسليم تبطل روح المعاوضة، حينئذ، بناء على ذلك يمكن التعدّي من مورد البيع إلى الصلح، و من مورد المبيع- المثمن- إلى الثمن، و حينئذ، يكون شاملا لمحل الكلام.

و الحاصل هو، أنّه في كل مورد تمّ فيه الوجه الثالث، حينئذ يثبت الانفساخ بالتحالف، و في كل مورد لم يتم فيه الوجه الثالث، إمّا لعدم تمامية الدليل، و إمّا لعدم إمكان التعدّي، فحينئذ ننتهي إلى السؤال الثاني، و هو أنّه هل هناك نكتة أو سبب آخر غير نفس التحالف يقتضي انفساخ العقد أم لا؟

و الجواب على ذلك هو، انّ هناك سبب آخر يقتضيه، و ذلك لأنّ كل متعاوضين، المحقّ منهما له خيار الفسخ بلا إشكال، لأنّ كل متعاوضين إذا تصدّى أحدهما لدفع و تسليم ما بيده ممّا وقعت عليه‏

377

المعاوضة، و امتنع الآخر عن التصدي لذلك، يكون للمتصدي خيار الفسخ، و في محل الكلام، المحق من المتداعيين له خيار الفسخ، لأنّه متصدي لدفع ما وقعت عليه المعاوضة، و حينئذ، فمع امتناع الآخر يكون له خيار الفسخ، فإذا ضممنا إلى ذلك، انّ نفس ظهور حال المتداعيين دال عرفا على انّ المحقّ لا يرضى بهذه المعاملة على فرض أن لا يسلم إليه ما اشتراه، فإذا كان للمرافعة ظهور عرفي في ذلك، فهذا معناه: انّ هذه المعاملة قد انفسخت، هذا حاصل الكلام في المقام الأول، و على ضوئه نأتي إلى المقام الثاني.

2- المقام الثاني: هو في جواب الأخباري الّذي ينقض بهذا الفرع.

و حاصل جوابه هو، أنّه إذا ثبت انّ قانون التحالف يوجب الفسخ الواقعي، إذن لا موضوع للنقض، لأنّه مع الفسخ يرجع كل مال إلى صاحبه، كما أنّه إذا ثبت الفسخ الواقعي، بملاك إعمال الخيار بالنحو الّذي أشرنا إليه، فأيضا لا موضوع للنقض، و لا إشكال.

و أمّا إذا لم نقل بالفسخ الواقعي بأحد الملاكين، بل قلنا انّ المترتب على التحالف و غيره أحكام ظاهرية، فحينئذ، نلتزم بهذه الأحكام ما لم يلزم منها مخالفة علم إجمالي منجز أو علم تفصيلي، فإنّها حينئذ تسقط بمقدار المخالفة، فلا نقض إذن.

5- الفرع الخامس: و هو فيما لو أودع إنسان عند الودعي درهما، و أودع إنسان آخر عنده درهمين، فضاع أحد الدراهم الثلاثة

، إمّا مع الاحتياط، أو مع عدمه، و لم يميّز الودعي انّ الضائع من أيّ من الوديعتين، و في هذا الفرع قولان للفقهاء.

1- القول الأول: هو قول مشهور، بأنّه يعطى درهما لصاحب الدرهمين، لأنّه يعلم أنّه قد بقي له درهم، و الدرهم الثاني الباقي يصبح‏

378

مردّدا بينهما، فينصّف بينهما نصفين، لكلّ نصف جمعا بين الحقّين، فيكون لصاحب الدرهمين، درهما و نصف، و لصاحب الدرهم نصف، و ذلك عملا براوية السكوني‏ (1).

2- القول الثاني: و هو ما استقرّ به الشهيد الثاني في المسالك و نسب الميل إليه إلى الشهيد الأول في الدروس، و قيل انّه أحد أقوال العلّامة.

و الحاصل: انّ الدرهمين الباقيين تقسمان أثلاثا، فيعطى ثلثاهما لصاحب الدرهمين، و يعطى ثلثهما لصاحب الدرهم.

و هذا القول، مبني على استضعاف رواية السكوني، و تحكيم القاعدة، و اعتقاد انّ الاختلاط بين الدراهم يوجب الشركة قبل الضياع، و حينئذ، إذا تلف درهم، توزع الخسارة بالنسبة، تطبيقا لقواعد الشركة.

و الجواب هو أنّه إذا كان نقض الإخباري بلحاظ القول الأول، فهو مبني على انّ رواية السكوني- الّتي هي الأصل- إنّما هي بصدد بيان أحكام ظاهرية، و حينئذ، نلتزم بتلك الأحكام ما لم يلزم منها مخالفة علم إجمالي منجز أو علم تفصيلي كما عرفت، و أمّا إذا كانت هذه الرّواية بصدد بيان تعين الصلح بينهما واقعا كما احتمل الفقهاء ذلك- و لذا أدخلوا هذه المسألة في باب الصلح- فإنّه حينئذ لا وجه لنقض الأخباريّين، لأنّ كلا من المودعين يملك ما أعطي له واقعا.

و أمّا إذا كان نقض الإخباري بلحاظ القول الثاني، فدفعه واضح، لأنّه بناء على حصول الشركة الواقعية، إذن يحدث انقلاب واقعي في الملكية، و معه لا موضوع للنقض، فكل منهما يملك ما أعطي له.

و إلى هنا نكتفي بهذا القدر من الفروع الّتي نقض بها الأخباري على الأصولي، ظانا أنّها فروع ردع بها عن العمل بالعلم.

____________

(1) الرّسائل: الأنصاري، ص 17.

379

مباحث منجزية العلم الإجمالي‏

[مواضع بحث الاصوليين العلم الاجمالى‏]

و قد تعرّض الأصوليون لبحث العلم الإجمالي في موضعين.

1- الموضع الأول: في مباحث القطع، حيث تكلموا هناك في منجزية العلم الإجمالي باعتباره فردا من أفراد العلم.

2- الموضع الثاني: في مباحث الأصول العملية، في أحكام الشكّ في المكلّف به، حيث تكلموا عن جريان الأصول في أطرافه كلا أو بعضا، و قد حصل تكرار في بعض الجهات بحسب الواقع الخارجي، إلّا أنّ لكل من الموضعين حصته المناسبة له من الكلام، و لو أنّه اقتصر في كل منهما على الحصة المناسبة له لما لزم التكرار.

[الكلام في منجزية العلم الإجمالي يقع على مرحلتين‏]

و توضيح ذلك هو، انّ الكلام في منجزية العلم الإجمالي يقع على مرحلتين.

1- المرحلة الأولى: هي في تأثير العلم الإجمالي في التنجيز بلحاظ مرتبة المخالفة القطعية

، بمعنى انّ العلم الإجمالي، هل يستدعي بطبعه حرمة المخالفة القطعية عقلا، أو لا يستدعي ذلك؟ إذن، في هذه المرحلة يبحث عن أصل استدعاء العلم الإجمالي و تأثيره في حرمة المخالفة القطعية، فإذا أفرغ عن استدعائه لذلك، يقع الكلام في انّ هذه المؤثرية للعلم الإجمالي في حرمة المخالفة القطعية و تنجيزها عقلا، هل هي على نحو

380

الاقتضاء فقط، أو على نحو العليّة، بمعنى انّ العلم الإجمالي هل يكون بنفسه علّة تامة لمنجزية هذه المرتبة، كما تكون العلّة مع المعلول، بحيث يستحيل أن يقترن بما يمنعه عن التأثير، و حينئذ يكون من نتائج ذلك، امتناع ورود ترخيص من قبل الشارع في المخالفة القطعية، أو يكون تأثير العلم الإجمالي في تنجيز هذه المرتبة على نحو المقتضي بالنسبة لمقتضاه، و معه يمكن حينئذ أن يقترن المقتضي بما يمنعه عن التأثير في التنجيز، و من نتائجه حينئذ، إمكان ورود الترخيص من قبل الشارع في المخالفة القطعية، فيمنع عن تأثير المقتضي، بدعوى انّ فعلية تأثير المقتضي، معلقة على عدم ورود الترخيص من قبل الشارع، ثمّ إنّه إذا ثبت انّ العلم الإجمالي مؤثر في تنجيز حرمة المخالفة القطعية، حينئذ، يقع الكلام في مرحلة الثانية.

2- المرحلة الثانية: هي أنّه بعد الفراغ عن تأثير العلم الإجمالي، في تنجيز حرمة المخالفة القطعية، فهل يكون العلم الإجمالي مؤثرا في وجوب الموافقة القطعية عقلا، بحيث أنّه لا بدّ للمكلّف من رعاية تمام الأطراف، أم لا؟ فإن لم يثبت له تأثير أصلا في وجوب الموافقة القطعية، فلا كلام، و إن ثبت تأثيره في وجوب الموافقة القطعية أيضا، يقع الكلام حينئذ في انّ تأثيره هذا في ذلك، هل هو بنحو العليّة، بحيث يستحيل تخلف المعلول عنه، و معه يستحيل ورود ترخيص ظاهري من الشارع و لو بطرف واحد، انّ تأثير العلم الإجمالي في وجوب الموافقة القطعية يكون على نحو تأثير المقتضي في مقتضاه، و حينئذ، يكون تأثير المقتضي الفعلي معلّق على عدم المانع، كما في الترخيص الشرعي في بعض الأطراف؟.

و حينئذ، كل من هاتين المرحلتين ينبغي أن يتكلم عنهما بحسب المنهجية في بحث القطع، لأنّه بحث عن شئون العلم حينما يصبح العلم إجماليا.

381

و حينئذ، فإن اخترنا العلية في كل من المرحلتين، و قلنا بأنّ العلم الإجمالي علّة تامة لحرمة المخالفة القطعية، و كذلك لوجوب الموافقة القطعية، حينئذ لا يبقى مجال لبحث آخر إلّا من باب التطبيقات، و أمّا إذا لم نقل بالعلية في كلتا المرحلتين و إنّما قلنا بالاقتضاء إمّا في كلتا المرحلتين، أو في خصوص المرحلة الثانية فقط، فهذا معناه: إنّ ورود الترخيص الشرعي في بعض الأطراف إن لم يكن في كل الأطراف، أمر معقول ثبوتا.

و من هنا ينفتح بحث آخر محلّه الأصول العملية، و هو انّ أدلة الأصول العملية، هل تفي بجريان الأصول في كل الأطراف لو أنكرنا العلية في المرحلتين، أو في بعض الأطراف على الأقل لو أنكرنا العلية في خصوص المرحلة الثانية؟.

و بعد هذا ندخل في البحث، حيث قلنا إنّ الكلام في تنجيز العلم الإجمالي يقع في مرحلتين، الأولى: في تنجيزه بلحاظ حرمة المخالفة القطعية، و أصل تنجيزه بلحاظ ذلك، بمعنى أنّه لو خلي و طبعه يكون منجزا، و كذلك تنجيزه بلحاظ وجوب الموافقة القطعية، بمعنى أنّه لو خلي و طبعه لكان منجزا، أي أنّ أصل المنجزية هو الجامع بين الاقتضاء و العلية، و أصل هذا التنجيز إنّما نبحث عن تحصيله في العلم الإجمالي بناء على مسلك قاعدة قبح العقاب بلا بيان، فإذا قلنا بأنّ العقل يحكم بقبح العقاب بلا بيان، و هو ما يسمّى بالبراءة العقلية، فحينئذ، بقطع النظر عن العلم الإجمالي لا منجزية هنا، و إنّما المنجزية يجب اقتناصها من العلم الإجمالي.

و من هنا يقع البحث بلحاظ المرحلتين، بمعنى انّ العلم الإجمالي إلى أيّ مقدار و مدى يبدل من اللّابيان إلى البيان لكي يخرج الموضوع عن قانون قبح العقاب بلا بيان، و أمّا بناء على مسلكنا الّذي حقّقناه في‏

382

أوّل بحث القطع، و هو مسلك حق الطاعة، فقد أنكرنا- بناء عليه- البراءة العقلية، و أنّه لا أساس لموضوعها، «قبح العقاب بلا بيان»، و انّ الصحيح هو انّ وصول التكليف و لو كان بالاحتمال فهو منجز فضلا عن وصوله بالعلم، فبناء عليه يكون المنجز في المقام ثابت حتّى بقطع النظر عن العلم الإجمالي، و لم نعد بحاجة في اقتناص أصل التنجيز إلى العلم الإجمالي، و بهذا يكون أصل تنجيز حرمة المخالفة القطعية و أصل تنجيز وجوب الموافقة القطعية أمر مفروغ عنه، و إنّما يتجه الكلام إلى انّ العلم الإجمالي إذا ضممناه إلى منجزية الاحتمال، فهل يحول هذه المنجزية إلى منجزية مطلقة و منجزة و غير معلّقة على ورود ترخيص من قبل الشارع؟ أو أنّها تبقى منجزية معلّقة على عدم ورود ترخيص من قبل الشارع؟ و حينئذ بناء على مسلكنا، يقع البحث في انّ هذه المنجزية، هل هي بنحو العلية، أو بنحو الاقتضاء فقط؟

و بهذا يتبين انّ البحث عن أصل التنجيز يلائم مسلك المشهور القائل بقاعدة قبح العقاب بلا بيان، و أمّا البحث عن نوعية هذا التنجيز، و أنّه على نحو العلية أو الاقتضاء، فهو بحث يلائم كلا المسلكين، مسلكنا، و مسلك المشهور.

و الخلاصة هي، انّ البحث عن أصل منجزية العلم الإجمالي في كلتا المرحلتين مبني على مسلك المشهور، من «قبح العقاب بلا بيان»، إذ بناء عليه لا يكون الاحتمال منجزا، فيقع الكلام في منجزية العلم الإجمالي، و من هنا يقع الكلام بلحاظ كلتا المرحلتين- أصل المنجزية- و عن أنّها بأي نحو هي، هل بنحو الاقتضاء، أم بنحو العلية، و أمّا بناء على مسلكنا، من إنكار قانون قبح العقاب بلا بيان، و كون الاحتمال منجزا، فإنّه لا يبقى موضوع للبحث عن منجزية العلم الإجمالي بلحاظ كلتا المرحلتين، لأنّه إذا كان الاحتمال منجزا، فالعلم‏

383

الإجمالي منجز بطريق أولى، بل حينئذ، يبحث في انّ هذا العلم الإجمالي إذا ضمّ إلى منجزيته منجزية الاحتمال، فهل يحوّل هذه المنجزية إلى منجزية مطلقة و غير معلّقة على ورود ترخيص من قبل الشارع، أو أنّها تبقى منجزية معلّقة على عدم ورود مثل ذلك الترخيص؟

و عليه: بناء على مسلكنا، يكون البحث عن انّ هذه المنجزية هل هي بنحو العلية؟ أو بنحو الاقتضاء؟

و بهذا يتضح انّ البحث عن أصل المنجزية و التنجيز يلائم مسلك المشهور القائل بقانون قبح العقاب بلا بيان، بينما البحث عن نوعية هذا التنجيز و أنّه بنحو العلية أو الاقتضاء، يلائم كلا المسلكين، مسلكنا، مسلك المشهور، هذا حاصل منهجة البحث،

[الكلام في المرحلة الأولى في مقامين‏]

و بعد هذا يقع الكلام في المرحلة الأولى في مقامين.

1- المقام الأول: هو في أصل منجزية العلم الإجمالي لحرمة المخالفة القطعية

، و لا إشكال في أصل تنجيز العلم الإجمالي لها، حتّى بناء على مسلك المشهور القائل بقاعدة قبح العقاب بلا بيان، لأنّ البيان تام بلحاظ الجامع بلا إشكال، و المخالفة القطعية مخالفة لذلك الجامع، فمن علم إجمالا بوجوب صلاة الظهر أو الجمعة، يكون تركه للإثنين مخالفة قطعية لجامع الوجوب.

و من الواضح انّ العلم الإجمالي، علم بالجامع على جميع المسالك في تفسير هوية العلم الإجمالي، أي سواء فسّر العلم الإجمالي بأنّه علم بالجامع و شكّ في الزائد عليه، أو فسّر بأنّه علم بالواقع المشوب بالإجمال، أو فسّر بأنّه علم بالفرد المردّد، إذ على جميع هذه التفاسير و المسالك، العلم الإجمالي علم بالجامع، غايته انّ الجامع، إمّا معلوم وحده، بناء على التفسير الأوّل، أو مع زيادة، بناء على التفسيرين الأخيرين، و سيأتي تفصيل ذلك في محله إن شاء اللّه تعالى، إذن،

384

الجامع قد تمّ عليه البيان و أصبح منجزا، و ترك امتثاله مخالفة قطعية لما هو معلوم، و هو حرام.

و بهذا يثبت أصل منجزية العلم الإجمالي للجامع على جميع المباني بلا إشكال.

2- المقام الثاني: [في انّ تأثير العلم الإجمالي في حرمة المخالفة القطعية، هل هو على نحو العلية، أو على نحو المقتضي‏]

في انّ تأثير العلم الإجمالي في هذه المنجزية- أي في حرمة المخالفة القطعية، و عدم إطلاق العنان فيهما معا- هل هو على نحو العلية، أو على نحو المقتضي المعلّق تأثيره الفعلي على عدم ورود الترخيص في تمام الأفراد؟

و قد اختار المشهور في هذه المرحلة، انّ العلم الإجمالي علّة تامة لحرمة المخالفة القطعية، و أنّه يستحيل الترخيص في تمام الأفراد.

و خالف في ذلك صاحب الكفاية (قده)، حيث ذهب إلى أنّ العلم الإجمالي ليس علّة تامة لحرمة المخالفة القطعية، و انّ مرتبة الحكم الظاهري محفوظة في أطرافه، فيعقل ثبوتا جريان الأصول العملية في تمام أطرافه.

و الصحيح ما ذهبنا إليه كصاحب الكفاية (1) لكن لا بالنحو الّذي ذكره، بل الصحيح، انّ العلم الإجمالي ليس علّة تامة لذلك، بمعنى أنّه لا يستحيل عقلا أن يتعبّدنا الشارع بالأصول العملية الترخيصيّة في تمام الأطراف، حتّى لو أدّى ذلك إلى الترخيص في المخالفة القطعية.

و العلماء القائلون بالعليّة، و هم المشهور، ذكروا وجوها لإثبات العليّة من قبيل أن يقال: إنّ جريان الأصول في تمام الأطراف يوجب الترخيص في المعصية، لأنّ هذا ترخيص في المخالفة القطعية، و المخالفة القطعية معصية، و هي قبيحة بحكم العقل، و الترخيص بذلك قبيح، و عليه: يستحيل جريانها في تمام الأطراف.

____________

(1) كفاية الأصول: الخراساني، ج 2، ص 35- 36.

385

و سوف نتعرّض للوجوه الأخرى الّتي ذكروها لإثبات العليّة.

و ما ذكرناه، إنّما هو نموذج فقط لبيان المنهج، و لكن منهج البحث يقتضي أن نرجع إلى الأدلة الّتي ذكرت في مقام التوفيق و الجمع بين الأحكام الواقعية و الظاهرية، حيث أنّه قد عولج الإشكال في جعل الأحكام الظاهرية و نفي التضاد بينها، و حينئذ، لا بدّ من الرّجوع إلى المسلك الصحيح في تصوير جعل الأحكام الظاهرية و كيفية التوفيق بينها و بين الأحكام الواقعية، لنرى أنّ ذلك المسلك الّذي يصحح جعل الأحكام الظاهرية، هل يختصّ بخصوص موارد الشّبهات البدوية، أو أنّه يشمل موارد العلم الإجمالي؟. و هل انّ مجرد العلم بالجامع في موارد العلم الإجمالي، هل يمنع عن ذلك التوافق المبرهن بين الأحكام الواقعية و الظاهرية أو لا يمنع عن ذلك، بل يمكن التوفيق بين الواقع و الظاهر في موارد العلم الإجمالي بنفس الطريقة الّتي يوفق فيها بين الواقع و الظاهر في سائر الشّبهات البدوية؟.

و حتّى نعرف مدى إمكان جعل الحكم الظاهري الترخيصي في تمام أطراف العلم الإجمالي، فلا بدّ- بحسب المنهجة المتقدّمة للبحث- من استعراض كيفية تخريج الأحكام الظاهرية، و طريقة الجواب على شبهة ابن قبّة، فإذا حدّدنا كيفيّة التخريج هذه، يمكننا حينئذ أن نعرف مدى إمكان انطباقها على محل الكلام.

و هنا لا بدّ و أن نتعرّض لبعض ما ذكر في مقام الجمع، فنقول: إنّ شبهة استلزام جعل الأحكام الظاهرية لاجتماع الضدين، و ذلك للتضاد بين الحكم الواقعي و الظاهري، هذه الشبهة ليست مستحكمة إذا لوحظ فيها عالم الامتثال، لأنّه لا امتثال للحكم الواقعي في مورد الحكم الظاهري، باعتبار عدم وصوله، كما أنّها ليست مستحكمة إذا لوحظ فيها عالم الجعل، باعتبار أنّ المجعول بما هي أمور اعتبارية لا تضاد بينها، و إنّما تستحكم هذه الشبهة إذا لوحظ فيها عالم مبادئ الأحكام من‏

386

المصلحة و المفسدة، و الإرادة، و الكراهة، و الحب و البغض، في فعل واحد، فمن يقول يلزم اجتماع حكمين متضادين، واقعي و ظاهري فإن أراد اجتماعهما و كونهما متضادين بحسب عالم الامتثال، فيمكن الجواب عنه، بأنّ الحكم الواقعي لا امتثال له، لأنّه غير واصل، و إن أراد بيان التضاد بلحاظ عالم الجعل، فكذلك يجاب عنه، بأنّ المجعول بما هي أمور اعتبارية لا تضاد بينها، و إنّما جوهر الإشكال هو في كيفية التوفيق بينها بحسب عالم المبادئ، فإنّه إذا كانت هذه المبادئ الواحدة بنفسها منتجة لحكم واقعي كالتحريم، و لحكم ظاهري كالوجوب، فكيف يمكن التوفيق بينهما مع التضاد بينهما بحسب عالم المبادئ، حيث انّ مبادئ التحريم هي المفسدة و المبغوضيّة، و مبادئ الوجوب هي المصلحة و المحبوبيّة، و هي مضادة لمبادئ التحريم، فيلزم من ذلك اجتماع الضدين بلحاظ مبادئ الحكمين، هذا مضافا إلى لزوم نقض الغرض، و من هنا كان جوهر حل هذا الإشكال أن يقال: إنّ مبادئ الأحكام الظاهرية هي نفسها مبادئ الأحكام الواقعية، و لا مبادئ لها وراءها، فإذا كانت نفس تلك المبادئ بنفسها نكتة جعل الأحكام الظاهرية، كما أنّها هي نفسها نكتة جعل الأحكام الواقعية، إذن فلا يعقل افتراض التضاد بين الظاهرية و الواقعية بحسب عالم المبادئ، و هنا يردّ سؤال:

و هو أنّه كيف يمكن أن تكون هذه المبادئ الواحدة بنفسها منتجة لحكم واقعي كالتحريم، و لحكم ظاهري كالوجوب؟.

و قد ذكرنا في جواب ذلك، بأنّ هذه المبادئ من حيث هي هي تنتج الخطابات الواقعية، لكن في طول وقوع التزاحم بينها في مقام الحفظ التشريعي، هذا التزاحم الناشئ من الاشتباه بين مواردها تنتج الخطابات الظاهرية لأجل الحفظ التشريعي.

و توضيح ذلك، هو انّ التزاحم على ثلاثة أقسام كما تقدّم في محله.

387

1- القسم الأول: هو التزاحم الملاكي، الّذي هو مصطلح صاحب الكفاية (قده)، و حاصله: هو أنّه يوجد هناك ملاكان، مصلحة و مفسدة في فعل واحد، فالمصلحة تقتضي إيجابه، و المفسدة تقتضي تحريمه، و هذا التزاحم إنّما يكون في موضوع واحد، و لا يعقل كونه في موضوعين، لأنّه لو كانت المصلحة في موضوع، و المفسدة في موضوع آخر، فإنّه حينئذ لا مانع من تأثير كل منهما أثره، و لا تزاحم ملاكي بينهما حينئذ، و إنّما يقع التزاحم الملاكي في تأثير كل من المقتضيين فيما لو فرض وحدة الموضوع، فباعتبار استحالة جعل حكمين على موضوع واحد، فحينئذ يتزاحم هذان المقتضيان في مقام التأثير.

كما انّه من خصائص هذا التزاحم، أنّه كما يكون بين حكمين إلزاميّين فقد يكون بين حكم إلزامي، و آخر ترخيصي، كما لو فرض وجود مفسدة في فعل و وجود مصلحة في آخر، في أن يكون الإنسان مطلق العنان بالنسبة لذلك الفعل و الّذي هو عبارة عن الحكم الترخيصي، فهنا يقع التزاحم بين الملاك المقتضي للحكم الإلزامي، و الملاك المقتضي للحكم الترخيصي.

و من شئون هذا التزاحم و خصائصه أيضا، هو أنّ علاجه بيد المولى، لأنّه تزاحم في مقام جعل الحكم، و المولى هو الّذي يجعل الحكم لأنّ جعل الحكم من شئونه.

2- القسم الثاني: من التزاحم، هو التزاحم الميرزائي‏ (1)، أو التزاحم بحسب عالم الامتثال، و هذا التزاحم، مثاله المعروف هو أن يدور أمر المكلّف بين الصّلاة، و إزالة النجاسة عن المسجد، حيث انّ كلا من هذين الأمرين واجب على المكلّف القادر، و بما أنّه لا يقدر

____________

(1) أجود التقريرات: ج 2، ص 44.

388

على الاثنين معا في آن واحد فيقع التزاحم بينهما امتثالا، لا ملاكا، لأنّ كلا منهما في موضوع غير الآخر.

و من شئون هذا التزاحم، أن يكون في موضوعين كما عرفت ذلك في المثال.

و من شئونه أيضا، أن لا يكون إلّا بين الأحكام الإلزامية، فإنّه لا يتصور وقوعه بين حكم إلزامي، و آخر ترخيصي، باعتبار أنّ الحكم الترخيصي لا يزاحم الحكم الإلزامي.

و علاج هذا التزاحم يكون بالرّجوع إلى مرجحات تقدم تفصيلها في محله، و المكلّف هو الّذي يشخص هذه المرجحات.

3- القسم الثالث: من التزاحم، هو التزاحم بين الأحكام الواقعية في مقام الحفظ التشريعي في طول الاشتباه، و عجز الخطابات الأولية عن تحقيق ذلك الحفظ التشريعي، فإنّ للمولى ملاكات تقتضي التحريم، كما انّ لديه ملاكات تقتضي الإباحة، و من هنا حكم بحرمة أشياء، و إباحة أشياء أخرى.

و هنا إذا فرض انّ هذه الأشياء و الأمور اشتبهت على المكلّف خارجا، فلم يميّز المباح منها عن الحرام، فهنا: تارة يفرض انّ المولى يتعلّق غرضه برفع شكّ المكلّف و بيان حال المشتبه، فيكون هذا بيانا للحكم الواقعي.

و أخرى: يفرض تعذّر هذا البيان، أو أنّه ليس له موجب، بحيث أنّه في مثله يستحكم الشكّ عند المكلّف، و حينئذ، سوف ينشأ تزاحم جديد بين ملاكات الحرمة الواقعية، و ملاكات الإباحة الواقعية.

و لا يدخل هذا التزاحم في باب التزاحم الملاكي المتقدّم ذكره، و ذلك لتعدّد الموضوع، و لا في باب التزاحم الامتثالي، إذ لا امتثال‏

389

للإباحة، و إنّما هو تزاحم في مقام حفظ تلك الملاكات تشريعا، بمعنى أنّ ملاكات الحرمة تقتضي من المولى، للتحفظ على نفسها أن يحكم بتحريم كل ما يحتمل حرمته، لكي يضمن اجتناب كل المحرّمات، و على العكس منها ملاكات الإباحة، فإنّها تقتضي تحفظا عليها، أن يحكم المولى بإباحة كل ما يحتمل إباحته لكي يضمن إطلاق العنان الّذي هو محط المصلحة في كل المباحات الواقعية، و حينئذ، يقع التزاحم في مقام الحفظ التشريعي، و في مثل ذلك يوازن المولى بين ملاكاته الترخيصيّة، و ملاكاته الإلزامية، فإن فرض أنّ الملاكات الترخيصيّة كانت أهم، فسوف يجعل حكما بالإباحة في موارد الشّبهات بلسان من ألسنة الحكم الظاهري، و إنّ فرض أنّ الملاكات الإلزامية كانت أهم، فسوف يجعل حكما بوجوب الاحتياط في موارد الشّبهات بلسان من ألسنة الحكم الظاهري.

و من هنا يتبين، انّ الخطاب الظاهري- بناء على هذا- ليس له مبادئ وراء مبادئ الأحكام الواقعية، لأنّ جعلها إنّما كان للتحفظ على مبادئ الأحكام الواقعية كما عرفت، و من هنا لا يلزم من وجود الحكم الظاهري أن يكون ناسخا للحكم الواقعي، لأنّ تمام مبادئ تلك الأحكام على حالها لأنّها واحدة، كما أنّه لا يلزم التضاد بين الخطابات الظاهرية و الواقعية، لأنّ التضاد إن فرض، فإنّما يفرض في المبادئ و لا مبادئ للحكم الظاهري مقابل مبادئ الحكم الواقعي، بل المبادئ واحدة فيهما، كما أنّه لا يلزم من جعل الحكم الظاهري نقض الغرض، لأنّه بجعل الحكم الظاهري- كالإباحة مثلا- و إن كان يؤدّي في بعض الأحيان إلى نقض الغرض و الترخيص في ترك الواجب، كما لو كان ذلك الفعل واجبا في الواقع، إلّا أنّ مثل هذا النقض إذا كان من أجل الحفاظ على غرض أهم فلا يكون قبيحا حينئذ.

و في المقام، الأمر كذلك، لأنّ المولى لو أمكنه عدم نقض غرضه‏

390

أصلا لفعل، لكن حيث تزاحمت أغراضه في مقام الحفظ التشريعي في طول الاشتباه، و دار الأمر بين الحفظين التشريعيين، فحينئذ يقدّم الأهم في مقام التزاحم.

و من هنا نسمي الأحكام الظاهرية بأنّها أحكام طريقية لا أحكام حقيقيّة، لأنّها نشأت من مبادئ و ملاكات خاصة بالأحكام الواقعية غايته: أنّها جعلت بلحاظ وقوع التزاحم بين تلك المبادئ، لأجل التحفظ على الأهم فيها، و لم نسمها بالأحكام الحقيقيّة، لأنّ الأحكام الحقيقيّة إنّما تنشأ من مبادئ و ملاكات خاصة بها.

فبهذا الترتيب نتصور الأحكام الواقعية و هذا مجمل ما ذكرناه في مقام الجمع و رفع التضاد المتوهم بين الواقعية و الظاهرية، و حينئذ، لا بدّ من إعماله في المقام، و سوف نرى أنّه كما يوجب تعقل جعل الأحكام الظاهرية في موارد الشبهة البدوية، فإنّه كذلك أيضا يوجب تعقل جعلها في موارد العلم الإجمالي.

و الخلاصة هي، أنّه يمكن تصحيح الجمع بين الأحكام الواقعية و الظاهرية بحيث لا يلزم من ذلك محذور اجتماع الضدين، و لا محذور نقض الغرض، و ذلك، بإرجاع الأحكام الظاهرية إلى كونها خطابات صادرة من نفس مبادئ الأحكام الواقعية، لكن في طول وقوع التزاحم بالمعنى الثالث بين تلك المبادئ الواقعية، و هو التزاحم في مقام الحفظ التشريعي بعد الاشتباه.

و هذا الاشتباه الّذي يحقّق التزاحم بالمعنى الثالث، تارة يكون بأن يوجد مورد، و يتردّد أمره عند المكلّف بين أن يكون داخلا في مجموعة الأغراض الإلزامية، أو أن يكون داخلا في مجموعة الأغراض الترخيصيّة، فشرب «التتن» مثلا، لا يعلم أنّه داخل في مجموعة الأغراض الإلزامية، و انّ المولى له غرض إلزامي في عدم شربه، أو أنّه‏

391

داخل في مجموعة الأغراض الترخيصيّة، و انّ المولى له غرض في أن يكون المكلّف مطلق العنان من جهته، هذا هو معنى الشبهة البدوية، حينئذ يقع التزاحم في مقام الحفظ التشريعي.

و تارة أخرى، يكون هناك مورد داخل في الأغراض الإلزامية، و مورد آخر يعلم بدخوله في الأغراض الترخيصيّة، كالإناء النجس الداخل في الأغراض الإلزامية، و هناك إناء طاهر داخل في الأغراض الترخيصيّة، و اشتبه أحدهما بالآخر، فعلمنا إجمالا بنجاسة أحدهما، و طهارة الآخر، و هنا أيضا يوجد نفس التزاحم المذكور، فإنّ الغرض الإلزامي يستدعي في مقام حفظه توسعة دائرة الإلزام، و ذلك بجعل إلزام ظاهري بالاجتناب في تمام الطرفين، و كذلك الغرض الترخيصي- «و هو كون المكلّف مطلق العنان»- فإنّه يستدعي من أجل ضمان حصوله توسعة دائرة إطلاق العنان و الحفظ التشريعي لذلك، و ذلك بجعل الإباحة ظاهرا في كل الأطراف، فيقع حينئذ، التزاحم في مقام الحفظ التشريعي، مع أنّه لا تزاحم ملاكي في المقام، لأنّ موضوع هذه المبادئ غير تلك.

كما انّه لا تزاحم امتثالي، لأنّه لا امتثال للإباحة في مقابل الحرمة، و إنّما التزاحم بينهما تزاحم في مقام الحفظ التشريعي، و توسعة دائرة الخطاب الظاهري على طبق كل منهما باعتبار الاشتباه، و حينئذ، هنا أيضا المولى سوف يوازن بينهما ليرى الأهم، و يجعل الحكم على طبقه، و أيّ المطلبين جعل حكما ظاهريا على طبقه لا يوجد تنافي بينه و بين الخطابات و الأحكام الواقعية، و ذلك بنفس تلك النكتة الّتي دفع بها التنافي بين الأحكام الواقعية و الظاهرية في مورد الشّبهات البدوية، فكما كنّا نقول: إنّ الحكم الظاهري ليس له مبادئ في مقابل مبادئ الحكم الواقعي، بل مبادئه نفس تلك المبادئ، كذلك نقول هنا، إذن فلا مانع‏

392

عقلي من جعل حكم ظاهري بالإباحة في هذا الطرف، و حكم ظاهري بالإباحة في الطرف الآخر و إن لزم من ذلك الترخيص في المخالفة القطعية، فإنّ هذين الترخيصين لا تضاد بينهما و بين التكليف الواقعي، لأنّ التضاد المترقب إنّما هو بلحاظ عالم المبادئ، و قد بيّنّا أنّه لا تضاد بلحاظ ذلك.

و بهذا البيان ينحل إشكال التضاد بين الخطابات الظاهرية، و بين التكاليف الواقعية بلحاظ عالم المبادئ.

و نفس الشي‏ء يقال فيما لو علمنا بنجاسة أحد الإناءين، و شكّكنا في طهارة الآخر، ثمّ اختلطا، فأيضا يقع التزاحم، غاية الأمر هنا، أنّه يكون اقتضاء ملاك الترخيص لجعل حكم ظاهري بالإباحة أضعف من الغرض السابق و إن كان ملاكها يقتضي في مقام حفظها جعل الترخيص في كلا الطرفين، فيقع التزاحم في المقام أيضا.

و بهذا يتضح أنّه لا منافاة بين الحكم الظاهري المجعول في موارد العلم الإجمالي، و بين الحكم الواقعي بلحاظ عالم المبادئ، باعتبار أنّه ليس للحكم الظاهري مبادئ غير مبادئ الحكم الواقعي ليلزم اجتماع الضدين.

بقي في المقام أن نلاحظ أنّه و إن كان لا يلزم التضاد بين الأحكام الظاهرية و الأحكام الواقعية بحسب عالم المبادئ، لكن قد يتوهم و يقال بوجود تضاد بينهما في عالم الامتثال، كما لو جعل المولى حكما ظاهريا بإباحة الأطراف ففي مثله يقع التضاد، لأنّ التكليف المعلوم بالإجمال يستدعي عقلا التحرك نحو امتثاله، و ذلك بالاجتناب، فيكون مضادا للحكم بالترخيص بارتكابهما معا.

و هذا التوهم غير تام، و ذلك لأنّ استدعاء كل تكليف للامتثال إنّما

393

هو بمقدار حكم العقل، و حينئذ لا بدّ و أن يرى أنّ العقل الحاكم بوجوب امتثال التكليف المعلوم بالإجمال، هل يحكم بوجوب امتثاله حكما مطلقا، أو حكما معلّقا على عدم ورود الترخيص الظاهري من قبل الشارع بالخلاف؟ فإن فرض الأول، فهذا معناه أنّ التكليف المعلوم بالإجمال سوف يضاد الأحكام الظاهرية الترخيصيّة في عالم الامتثال، لأنّ ذاك يستدعي التحريك، و هذا يستدعي الإرخاء و هما لا يجتمعان.

و أمّا إن فرض الثاني، فحينئذ لا تضاد بينهما في عالم الامتثال، لأنّ الترخيصات الظاهرية ترفع موضوع حكم العقل و في محل الكلام، المفروض أنّه ورد ترخيص من الشارع بإباحة الأطراف، و معه لا يبقى للتكليف المعلوم بالإجمال اقتضاء بالامتثال، حيث لم يبق موضوع لحكم العقل بوجوب الامتثال، و معه لا تضاد، إذن، فبحث التضاد بينهما في عالم الامتثال مربوط بمعرفة كون حكم العقل أنّه تعليقي أم لا، و سوف يأتي تحقيق هذا عند التعرّض لكلام المحقّق النائيني (قده)، حيث سنبين هناك أن حكم العقل تعليقي، فإذا ثبت أنّه تعليقي، إذن فلا تضاد بين الترخيصات الظاهرية و بين التكليف المعلوم بالإجمال لا بلحاظ عالم المبادئ، و لا بلحاظ عالم الامتثال، لما عرفته.

و ممّا ذكرناه، يظهر الفرق بين موارد العلم الإجمالي حيث يمكن جعل حكم ترخيصي على الخلاف في مقام حفظ أحد الغرضين الإلزامي أو الترخيصي، كما يعقل جعل الحكم الطريقي في مورد العلم الإجمالي دون مورد العلم التفصيلي.

و هذا بخلاف موارد العلم التفصيلي، فإنّه لا يمكن فيها ذلك، لأنّ مثل هذا الحكم الترخيصي، إن كان حقيقيّا، بمعنى أنّ له مبادئ مستقلة في نفسه، فحينئذ يلزم التضاد بين مبادئه و مبادئ الحكم الواقعي، و إن كان طريقيا، بمعنى أنّ مبادئه هي نفس مبادئ الحكم الواقعي، فهذا غير

394

معقول إلّا في موارد التزاحم الناشئ من موارد الاشتباه بين الأغراض كما عرفت، و هو غير ممكن في موارد العلم التفصيلي، لأنّه لا اشتباه بنظر العالم في موارد العلم التفصيلي.

ثمّ انّه حتّى يتمّ الكلام لا بدّ من التعرّض لمدرسة الميرزا (قده)، و مدرسة الآخوند (قده) (1)، حيث ذكرت المدرسة الأولى في مقام الاستدلال على عدم إمكان جريان الأصول في تمام أطراف المعلوم بالإجمال، بأنّ جريانها في تمام الأطراف يلزم منه الترخيص في المخالفة القطعية، و هي معصية بحكم العقل، و هي ممتنعة لقبحها.

و هذا الكلام من الميرزا (قده) يستبطن دعوى، و هي انّ حكم العقل بحرمة المخالفة القطعية حكم تنجيزي مطلق و غير معلّق على عدم ورود ترخيص بالمخالفة من قبل الشارع، و إلّا فلو كان معلّقا- بحيث يرتفع موضوعه بمجي‏ء الترخيص الشرعي- لما حكم العقل بالحرمة مع ورود الترخيص، لارتفاع موضوع حكمه حينئذ، بمعنى أنّه لا يكون الترخيص حينئذ ترخيصا في القبيح، بل يكون رفعا لموضوع القبيح، و عليه: فدعواه المذكورة تستبطن دعوى كون حكم العقل بالحرمة في المقام مطلقا و غير معلّق، إذن فالميرزا (قده) يحكم بحرمة المخالفة القطعية و قبحها حق لو أذن المولى بذلك، بمعنى أنّه لا يمكن للمولى ذلك فكأنّه حق على المولى، لا له، من قبيل عدم إمكان حكمه و تكليفه بغير المقدور.

و من هنا كانت روح كلام الميرزا (قده) دعوى انّ حكم العقل بحرمة المخالفة القطعية دعوى مطلقة، و غير معلّقة على عدم ورود الترخيص الشرعي على الخلاف.

إذن فدعوى الميرزا (قده) هي انّ العقل بحكم بالمنجزية حكما

____________

(1) أجود التقريرات: الخوئي، ج 2، ص 44.

395

مطلقا لا يقبل الرفع حتّى من المولى نفسه، بمعنى انّ هذا حق على المولى، و من هنا كان لا بدّ من معرفة تلك الخصوصية الّتي يحكم بها العقل حكما بتّيا حتّى على المولى، و هذه الخصوصية يتراوح أمرها بين ثلاثة احتمالات، نقبل اثنين منها، و لا نقبل الثالث، لكن ما نقبله لا يفيد الميرزا (قده)، و ما يفيده و هو الثالث لا نقبله.

1- الاحتمال الأول: هو أن تكون هذه الخصوصية الّتي يحكم بها العقل حكما حتميا، هي خصوصية مولوية المولى، لأنّه من الواضح كما تقدّم، انّ مولوية المولى الحقيقي ليست مجعولة من قبل جاعل، بل هي ذاتية يدركها العقل، و روح هذه المولوية على ما عرفت، هي كونه سيّدا، و له حق الطاعة على العبد، إذن، فمولوية اللّه تعالى، أمر ذاتي واقعي يدركه العقل، و ليست من المجعولات من قبل جاعل أو مجتمع، و هذه المولوية لا يمكن انفكاكها عنه، شأنها شأن سائر صفاته تعالى من الكمال و الجلال، بل حتّى هو تعالى لا يمكنه تجريد نفسه عن هذه الصفة، كما لا يمكنه تجريد نفسه عن صفة الكمال و الجلال و العلم و نحوه، باعتبار وجوبها الذاتي، فمولوية المولى خصوصية ذاتية لا يمكن انفكاكها عنه لا بالجعل التكويني، و لا التشريعي، و هذا ممّا لا إشكال فيه.

إلّا أنّ هذا الكلام رغم صحته فهو خارج عن محل الكلام، لأنّنا لا نتكلّم عن إمكان ان يرخّص المولى في أطراف العلم الإجمالي بعنوان «أنّه ليس مولى»، و إنّما الكلام في أنّه يرخّص ترخيصا ناشئا من إعمال مولويته في علاج التزاحم بين أغراضه المولوية، و تقديم الأهم منها على المهم، و هذا علاج للتزاحم بالمعنى الثالث، و ليس سلبا للمولوية.

2- الاحتمال الثاني: هو أن تكون عبارة «عن مولوية المولى»، لكن بتقريب آخر، و هو أن يقال: بأنّ المولى بعد ان كان محتفظا

396

بمولويته لو فرض أنّه أعمل مولويته فاتخذ قرارا، و جعل حكما، فإنّه لا يجوز عصيان ذلك الحكم، و لا يمكن للمولى نفسه أن يحلّل تلك المعصية لأنّها ظلم، و هو قبيح ممتنع بالنسبة إليه تعالى.

و هذا الكلام هو أيضا صحيح، لكنّه خارج عن محل الكلام، لأنّ محله هو في أنّ العبد حينما يرتكب كلا الطرفين في موارد العلم الإجمالي- أي أنّه يخالف قطعا كلا طرفي العلم الإجمالي- يكون قد استند إلى قرار المولى نفسه الناشئ عن إعمال المولوية في مقام علاج التزاحم بالمعنى الثالث، و حينئذ لا يكون ذلك ردّا لقرار المولى، بل هو إنفاذ لقراره و حكمه لا معصية له، إذن فهذه الخصوصية غير مربوطة بمحل الكلام.

3- الاحتمال الثالث: هو أن تكون هذه الخصوصية البتّيّة الّتي يمنع عنها العقل بتّا، هي عبارة عن أنّ العقل يمنع المولى نفسه عن إعمال مولويته في مقام التزاحم بين أغراضه الواقعية و تقديم الأهم منها على المهم.

و لو تمّ هذا الاحتمال، لصحّ كلام الميرزا (قده)، بامتناع صدور الترخيص من المولى في المخالفة القطعية.

إلّا أنّ هذا الاحتمال غير تام، بل هذا التقييد ممّا لا يدركه العقل، لأنّه تقييد لمولوية المولى بلا وجه، إذ لم نعرف الوجه في تقييد العقل لمولوية المولى في إعمال أحد ملاكاته.

و بهذا تبين انّ كلام الميرزا (قده) غير تام، كما تبين انّ الترخيص بالمخالفة القطعية، لا ينافي حكم العقل بحرمتها، بل هو رافع لموضوع حكم العقل كما عرفت.

و بهذا التحليل، يتبين أنّه لا محصل لهذا الكلام القائل: بأنّ‏

397

الترخيص بحرمة المخالفة القطعية ينافي حكم العقل بحرمة المخالفة القطعية، لأنّ حكم العقل بهذا يكون مشروطا بأن لا يعمل المولى مولويته، و قد عرفت بطلان ذلك.

كما انّه يظهر من مجموع كلماتنا، الفرق بين العلم الإجمالي، و العلم التفصيلي، إذ لو رخّص في التفصيلي لكان أمرا غير معقول، لأنّه لا خلط و لا اشتباه في العلم التفصيلي، بخلاف العلم الإجمالي.

و أمّا مدرسة صاحب الكفاية (قده) (1) فقد ذكرت: انّ التكليف الواقعي سواء كان مشكوكا، أو معلوما بالإجمال، بل حتّى لو كان معلوما بالتفصيل و إن لم يصرّح هو بذلك، فهذا التكليف إذا كان فعليا من سائر الجهات، فيستحيل جعل حكم ترخيصي على خلافه حتّى في الشبهة البدوية، فضلا عن العلم الإجمالي، لأنّ الحكمين الفعليّين متضادان باعتبار تضاد الأحكام الفعلية، فجعل حكم على خلافه يلزم منه في الشّبهات البدوية احتمال اجتماع الضدين، و يلزم منه في موارد العلم الإجمالي القطع باجتماع الضدين و كلاهما مستحيل، و أمّا إذا لم يكن التكليف الواقعي فعليا من سائر الجهات، فحينئذ، لا مانع من جعل حكم ترخيصي على خلافه حتّى في موارد العلم الإجمالي فضلا عن مورد الشبهة البدوية، لأنّ التكليف الواقعي يكون إنشائيا، و لا مانع من اجتماعه مع حكم فعلي آخر على خلافه، حيث أنّه لا تضاد بين الأحكام الفعلية و الأحكام الإنشائية، و سوف نتعرّض في بحث الجمع بين الأحكام الواقعية و الظاهرية لمبنى صاحب الكفاية (قده) في مراتب الحكم الأربعة، كما سنتعرّض لكل تصوراته مفصلا.

و لكن نقول هنا على نحو الإجمال: إنّ كلام صاحب الكفاية غير

____________

(1) كفاية الأصول: الخراساني، ج 2، ص 274.

398

تام: لأنّه إذا كان المقصود «بالفعلية» في قوله «إذا كان التكليف الواقعي فعليا، فلا يقبل الترخيص على خلافه لاستلزامه اجتماع الضدين يقينا أو احتمالا»، إذا كان مقصوده بالفعلية، الفعلية الناتجة من التزاحم بالمعنى الثالث، أي أنّ هناك مصلحة فعلية على طبق الحكم الواقعي، فهذا معقول، إلّا أنّه لا يمنع عن جعل حكم ترخيصي على خلافه، و إن كان المقصود بالتكليف الواقعي الفعلي، انّه فعلي في نفسه، فهذا غير صحيح.

و توضيحه: هو انّ الفعلية، إن كانت بمعنى أنّ الحكم الواقعي يوجد على طبقه مصلحة واقعية فعلية و ليس مجرد إنشاء و كلام، فإن أراد هذا، حينئذ، نسلّم به، لكن مع هذا يعقل جعل ترخيص على خلافه، لأنّ الحكم الواقعي موجود، و الحب على طبقه موجود، لكن وقع التزاحم بين هذه المبادئ، و مبادئ الحكم الترخيصي، حسب القسم الثالث من التزاحم، و هنا، المولى، مع أنّه يجب هذا واقعا فعلا، فمع هذا، حيث أنّه ابتلى بمزاحم مع غرض ترخيصي آخر أهم، فلهذا رخّص بالمهم من أجل الأهم، و لا منافاة بين ذلك، و بين فعلية مبادئ الواقع، لأنّ هذه الفعلية إنّما تحفظ نفسها إذا لم تبتل بفعلية أخرى أقوى منها.

و إن أراد بالفعلية، الفعلية حتّى بلحاظ المزاحمة، بمعنى أنّ الحكم الواقعي فعلي، و مبادئه فعلية، و غير مزاحمة بمثلها، أي ليس لها مزاحم، فهذا صحيح، و لكن حينئذ، لا يعقل جعل أصالة الإباحة حتّى في مورد الشبهة البدوية، لأنّ الحكم الواقعي الإلزامي إذا كانت مبادئه فعلية و لا مزاحم لها في مقام الحفظ التشريعي، فلا محالة يستدعي حفظها، و ذلك بإيجاب الاحتياط، إذن، فلا يمكن الترخيص حينئذ، إلّا أنّ فعلية الواقع بهذا المعنى لا دليل عليها، بل جلّ ما يلتزم به هو فعليتها، لا فعليتها بمعنى عدم المزاحم لها في مقام الحفظ التشريعي.

و بهذا يتضح: انّ الترخيص في المخالفة القطعية أمر معقول ثبوتا،

399

و انّ العلم الإجمالي مقتض لحرمة المخالفة القطعية. لا انّه علّة تامة لها.

و الخلاصة: هي انّ كلام صاحب الكفاية (قده) غير تام، لأنّه إذا كان المقصود بالفعلية في قوله: «إذا كان التكليف الواقعي فعليا»، إنّ هناك مصلحة فعلية على طبق الحكم الواقعي، فهذا معقول، إلّا أنّه لا يمنع عن جعل حكم ترخيصي على خلافه، لأنّ الحكم الواقعي و إن كان موجودا، إلّا أنّه قد وقع التزاحم بين مبادئه، و مبادئ الحكم الترخيصي الّذي هو الأهم بحسب الغرض، و لهذا جعل ذلك الحكم الترخيصي على خلاف ذلك الحكم الواقعي، فإنّ فعلية الحكم الواقعي إنّما تحفظه إذا لم تزاحم بما هو أهم منها.

و إذا كان المقصود بالفعلية الفعلية حتّى بلحاظ المزاحمة، بمعنى أنّه لا مزاحم لها أبدا، فحينئذ يتمّ كلامه (قده) حتّى في الشبهة البدوية كما ذكر هو (قده)، لأنّ مثل هذه الفعلية تستدعي في مقام حفظها، جعل حكم بوجوب الاحتياط، و معه لا يمكن الترخيص، إلّا أنّ فعلية التكليف الواقعي بهذا المعنى لا دليل عليها، و عليه: فما ذكره (قده) غير تام.

و بذلك يظهر انّ الترخيص في المخالفة القطعية أمر معقول ثبوتا، و انّ العلم الإجمالي مقتض لحرمة المخالفة القطعية لا أنّه علّة تامة لها.

و هناك كلام في المقام ذكره المحقّق العراقي (قده) (1) حاصله: انّه لا نعقل الفرق بين العلم التفصيلي، و العلم الإجمالي من حيث حكم العقل بالمنجزية، و ذلك، لأنّ العلم التفصيلي و إن اختلف عن العلم‏

____________

(1) مقالات الأصول: العراقي، ج 2، ص 18- 19.

400

الإجمالي من حيث أنّه مشوب بالإجمال و الشك، إلّا أنّ هذا الإجمال و الشك إنّما هو في خصوصيات لا دخل لها في موضوع حكم العقل بوجوب الامتثال، إذ أنّ موضوع حكم العقل بوجوب الامتثال إنّما هو ذات الأمر الصادر من المولى، و أمّا خصوصية كون هذا الأمر متعلّق بصلاة الجمعة، أو بصلاة الظهر، فهذه خصوصية ليست دخيلة في موضوع حكم العقل، إذ من الواضح أنّ وجوب صلاة الجمعة لا يحكم العقل بوجوب امتثاله بما هو وجوب الجمعة، و إنّما يحكم بوجوب امتثاله بما هو أمر من المولى، سواء كان متعلّقا بالجمعة أو بالظهر أو بغيرهما من الواجبات، إذن فتمام النظر في حكم العقل بوجوب الامتثال إنّما هو إلى صرف الأمر الصادر من المولى بقطع النظر عن خصوصيات متعلّقة و انّه تعلّق بهذا الفعل أو بذاك حيث أنّها خصوصيات لا دخل لها في ملاك حكم العقل بوجوب الامتثال و لا في موضوعه.

و إذا تبين انّ هذا هو موضوع حكم العقل بوجوب الامتثال، حينئذ، يصبح من الواضح انّ هذا المتعلّق يكون معلوما تفصيلا لا إجمالا، لأنّ العالم بالعلم الإجمالي يعلم تفصيلا بصدور الأمر، و إنّما يكون علمه إجماليا بلحاظ إضافته إلى خصوصيات أخرى ليست دخيلة في موضوع حكم العقل بوجوب الامتثال.

و بهذا يثبت انّ العقل يحكم بالمنجزية في موارد العلم الإجمالي كما يحكم بها في موارد العلم التفصيلي.

و ما ذكره العراقي (قده) متين، حيث أنّا لا نتعقل فرقا في المنجزية بين العلم الإجمالي بمقدار أصل الالتزام بوجوب امتثال الأمر الصادر من المولى، و بين العلم التفصيلي، فإنّ العقل في كل من العلمين يحكم بحرمة المخالفة القطعية، إلّا أنّ حكمه بالمنجزية تلك، معلّق لبّا على عدم ورود ترخيص من الشارع على خلافه، سواء في موارد العلم‏

401

التفصيلي، أو الإجمالي، غايته أنّه و إن كنّا ندّعي عدم الفرق بين العلمين من حيث حرمة المخالفة القطعية و أنّ حكمه بذلك معلّق على عدم ورود ترخيص من الشارع من غير فرق بين العلمين لما عرفت، لكن الفرق بينهما أنّ الترخيص هذا يستحيل وجوده في موارد العلم التفصيلي، لأنّ ذلك الترخيص على خلاف التفصيلي إن كان حقيقيّا لزم منه اجتماع الضدين، و إن كان طريقيا ناشئا من التزاحم بالمعنى الثالث فهو لا يعقل في موارد العلم التفصيلي كما عرفت تفصيله، و عليه: فالمعلّق، و هو حكم العقل بالمنجزية في موارد التفصيلي مضمون التحقّق.

و أمّا في موارد العلم الإجمالي، فإنّ الترخيص الطريقي معقول، لأنّ ضمّ الإجمالي إلى العلم يوجب الاشتباه و الخلط الّذي يحقّق التزاحم بالمعنى الثالث المتقدّم، و هو ملاك الترخيص الطريقي، و من هنا قد يكون حكم العقل بالمنجزية فعليا، و قد لا يكون كذلك فيما إذا ورد الترخيص، فالفرق هو في جوهر المدّعى.

فالصحيح انّ ورود الترخيص و جريان الأصول في تمام أطراف العلم الإجمالي ممكن، هذا حاصل الكلام في عالم الثبوت و الإمكان.

و أمّا بحسب عالم الإثبات و الخارج، فهل يمكن التمسك بأدلة الأصول لإثبات جريانها في تمام الأطراف، أو أنّه لا يمكن ذلك؟ فهذا البحث سيأتي تفصيله في الأصول العملية عند البحث في الشك.

و لكن نشير في المقام إجمالا إلى نكتة عدم إمكان ذلك بما حاصله: من أنّه ظهر بما تقدّم انّ الترخيص في المخالفة القطعية إنّما يعقل إذا كانت الأغراض الترخيصيّة أهم بنظر المولى من أغراضه الإلزامية، و هذا في الشّبهات البدوية معقول و عقلائي، و أمّا في موارد العلم الإجمالي، فإنّه و إن كان معقولا كما عرفت، إلّا أنّه غير عقلائي، لأنّ الأغراض الّتي يدركها العقلاء و يتعاملون على أساسها لا

402

يوجد عادة فيما بينها غرض ترخيصي يبلغ من الأهمية إلى درجة بحيث يوجب رفع يدهم عن غرض إلزامي مضمون الوصول، إذ مثل هذا لا مصداق له في حياة العقلاء، و لأجله ينعقد ارتكاز عقلائي على عدم بلوغ الأغراض الترخيصيّة هذه المرتبة، و هذا الارتكاز يكون كالقرينة اللّبية المتصلة المانعة عن انعقاد إطلاق في أدلة الأصول و هذه هي النكتة الّتي على أساسها لا تجري الأصول في أطراف العلم الإجمالي. و من هنا لم يحكم أحد بجواز المخالفة القطعية، غاية الأمر، علّلوا ذلك بعدم معقوليته، و نحن أثبتنا معقوليته، إلّا أنّه غير عقلائي كما عرفت، و لهذا كانت هذه النكتة كالقرينة اللّبية المتصلة المانعة عن انعقاد إطلاق في أدلة الأصول يشمل موارد العلم الإجمالي.

و يترتب على تخريجنا هذا و على تخريج المشهور لعدم جريان الأصول، فوارق عملية عديدة يأتي تفصيلها في محله.

هذا حاصل الكلام في المرحلة الأولى، أي في تنجيز العلم الإجمالي لحرمة المخالفة القطعية، و قد تبيّن من خلالها، انّ العلم الإجمالي مقتض لتنجيز حرمة المخالفة القطعية، و ليس علّة لها.

2- المرحلة الثانية: في تنجيز العلم الإجمالي لوجوب الموافقة القطعية:

و الكلام فيها يقع في جهتين.

1- الجهة الأولى: في أصل تنجيز العلم الإجمالي لوجوب الموافقة القطعية:

بعد الفراغ عن تنجيزه لحرمة المخالفة القطعية، و في المقام يوجد ثلاثة مسالك.

1- المسلك الأول: هو أنّ العلم الإجمالي منجز لوجوب الموافقة القطعية مباشرة و بلا واسطة، و هذا هو ظاهر كلام‏

403

الميرزا (قده) (1) في تقرير بحثه في فوائد الأصول‏ (2)، كما انّ هذا هو محصل كلام الشّيخ الأنصاري (قده) في الرّسائل‏ (3).

2- المسلك الثاني: هو انّ العلم الإجمالي بنفسه و بصورة مباشرة لا ينجز وجوب الموافقة القطعية و إنّما ينجز وجوبها بواسطة، باعتبار كون العلم الإجمالي يوجب تعارض الأصول و تساقطها، و هذا التعارض و التساقط يؤثر في وجوب الموافقة القطعية، فيكون العلم الإجمالي مؤثرا بالواسطة في وجوب الموافقة القطعية بنكتة تساقط الأصول دون أن يكون علّة أو مقتض لوجوب الموافقة القطعية، و هذا ظاهر كلمات الميرزا (قده) في تقرير بحثه في أجود التقريرات‏ (4).

3- المسلك الثالث: و هو مسلكنا المختار، و حاصله: أنّه بناء على ما هو الصحيح من إنكار قاعدة «قبح العقاب بلا بيان» حيث يصبح الاحتمال منجزا في كل طرف فضلا عن العلم الإجمالي، و معه فلا إشكال في وجوب الموافقة القطعية.

لكن لو قطعنا النظر عن هذا المبنى و جرينا على مبناهم من الاعتراف بقاعدة «قبح العقاب بلا بيان» فحينئذ لا يكون العلم الإجمالي منجزا لوجوب الموافقة القطعية لا بصورة مباشرة و لا غير مباشرة، غايته أنّه يكون منجزا في بعض الموارد دون بعض كما سيأتي تفصيله، و هذا اللازم من عدم تنجيزه في بعض الموارد يكون من المنبهات الوجدانية على عدم صحة قاعدة قبح العقاب بلا بيان.

____________

(1) فوائد الأصول: الكاظمي، ج 4، ص 9.

(2) إنّما خصّ قول الميرزا بوجوب الموافقة القطعية بسبب تنجيز العلم الإجمالي بتقرير الكاظمي احترازا عمّا ذكره الخوئي (قده) في أجود التقريرات من عدم اقتضاء العلم الإجمالي لوجوب الموافقة القطعية في: ج 2، ص 245.

(3) فرائد الأصول: ج 1، ص 29. تحقيق النوراني.

(4) أجود التقريرات: الخوئي، ج 2، ص 245.

404

إذن فالعلم الإجمالي عند ما نختار أنّه منجز بصورة مباشرة فهو يتّحد مع المسلك الأول.

و حيث أنّه وقع في بعض كلمات الباحثين بناء هذه المسألة على ما هو المدّعى و المتصور في حقيقة العلم الإجمالي، حيث ادّعي أنّه إن بنينا على انّ العلم الإجمالي علم بالجامع، فحينئذ، لا يكون مؤثرا في وجوب الموافقة القطعية، و إنّ بنينا على أنّه علم متعلّق بالواقع و ليس بمجرد الجامع، فيكون مؤثرا بوجوب الموافقة القطعية.

و حيث أنّ المسألة بنيت في كلماتهم على تحقيق حقيقة هذا العلم الإجمالي، و أنّه هل هو متعلّق بالجامع، أو بالواقع؟ و فرّع عليه ما هو المختار من هذه المسالك.

و من أجل ذلك، سوف نقدّم مقدّمة في تحقيق حقيقة العلم الإجمالي، و في كيفية تعلّقه بمعلومه قبل الشروع في تحقيق المسالك الثلاثة، ثمّ بعد هذا نشرّع في تحقيق المسالك الثلاثة لنرى أنّ المبنى الأصولي هل يختلف باختلاف تلك الأقوال، أو أنّ النتيجة الأصولية على نحو واحد مهما كانت الأقوال في حقيقة العلم الإجمالي؟.

و حاصل هذه المقدّمة هو، انّ التصورات في حقيقة العلم الإجمالي ترجع إلى ثلاثة مباني.

1- المبنى الأول: هو المستفاد من ظاهر كلمات صاحب الكفاية (قده) (1) في بحث الواجب التخييري حيث ذكر في تصوير الواجب التخييري‏ (2)، انّ الوجوب فيه يتعلّق بالفرد المردّد، بين العتق، و الإطعام، و الصّيام، و هذا علم إجمالي قد تعلّق بالفرد المردّد، و كون‏

____________

(1) كفاية الأصول: الخراساني، ج 2، ص 39.

(2) كفاية الأصول: الخراساني، ج 1، ص 225- 226.