بحوث في علم الأصول - ج8

- الشيخ حسن عبد الساتر المزيد...
490 /
405

الوجوب صفة لا يعقل تعلّقها بواحد مردّد، لا يمنع من تعلّقه بها، إذ نرى أنّ الصفات الحقيقيّة كالعلم الإجمالي تتعلّق بالفرد المردّد، فإنّ العلم الإجمالي صفة حقيقيّة و مع ذلك فإنّ معروضه و متعلّقه الفرد المردّد، و معه: فإمكان تعلّق الصفات الاعتبارية به، كالوجوب أولى.

و يستفاد من ظاهر كلام صاحب الكفاية أنّه فرغ عن انّ العلم في موارد الإجمالي يتعلّق بالفرد المردّد لا بالجامع.

و قد أشكل على هذا المبنى، باعتبار استحالة ثبوت الفرد المردّد في أفق النّفس لكي يكون معروضا لصفة من الصفات، سواء كانت الوجوب أو العلم الإجمالي، أشكل عليه، بأنّ محل الكلام عمّا يكون متعلّقا بالذات لهذا العلم، و هو ما يسمّى بالمعلوم بالذات الّذي هو عبارة عن نفس الصورة الذهنية الواقعية المقومة للعلم في أفق النّفس، و هذه الصورة الذهنية الواقعية المقومة للعمل في أفق النّفس الّتي هي المعلوم بالذات، هي نحو من الوجود الذهني، و الوجود مطلقا مساوق للتعيين، لأنّ الإبهام في الوجود خلف كونه وجودا، فالتردّد في الوجود محال، إذن، فلا بدّ من أن يكون متعينا، و إذا كان الوجود متعينا في مرحلة الوجود، إذن فلا بدّ و أن يكون متعينا ماهية أيضا، لأنّ الماهية حدّ للوجود و التردّد في حدّ الوجود تردّد في الوجود نفسه، أي في المحدود، و ما دام أنّه لا بدّ من أن يكون متعينا وجودا، إذن لا بدّ و أن يكون متعينا ماهية، و عليه: فيستحيل أن تكون الصورة الذهنية المقومة للعلم في أفق نفس العالم، وجودا للماهية المردّدة، و من هنا أعرض المشهور عن هذا المبنى، أي عن كون العلم الإجمالي متعلّق بالفرد المردّد إلى المبنى الثاني.

2- المبنى الثاني: هو انّ العلم الإجمالي متعلّق بالجامع، فهو علم تفصيلي بالجامع، غاية الأمر أنّه مقترن بشكوك في الأفراد عند

406

تطبيقات هذا الجامع، فالعلم الإجمالي لا يختلف عن العلم التفصيلي من حيث المعلوم، أي انّ كلا منهما علم تفصيلي بالجامع، غاية الأمر، انّ متعلّق العلم التفصيلي هو الفرد، بينما متعلّق العلم الإجمالي هو الجامع، مع الشك في تطبيقات هذا الجامع بعدد ما يتصور له من أفراد بحسب الواقع.

و الحاصل أنّه لا فرق بين العلمين من حيث العلميّة، و إنّما الفرق بينهما من حيث المعلوميّة.

و هذا المبنى هو مختار المحقّق الميرزا (قده) (1)، و قد حاول المحقق الأصفهاني (قده) البرهنة على هذا المبنى حيث قال: إنّ العلم الإجمالي من حيث متعلّقه لا يخلو من أحد شقوق أربعة، فإمّا أن لا يكون له متعلّق أصلا، و إمّا أن يكون متعلّقه الفرد بعنوانه التفصيلي المعيّن، و إمّا أن يكون متعلّقه الفرد بعنوانه التفصيلي المردّد، و إمّا أن يكون متعلّقه الجامع ما بين الفردين.

و الثلاثة الأول كلّها محال.

أمّا الشق الأول: فلأنّ العلم من الصفات ذات الإضافة، فيستحيل أن يكون بلا متعلّق.

و أمّا الشق الثاني: فهو خلاف الوجدان و إلّا لا نقلب العلم الإجمالي إلى علم تفصيلي كما هو واضح.

و أمّا الشق الثالث: فيستحيل، لما بيّناه في الإشكال على صاحب الكفاية من استحالة الفرد المردّد، حينئذ، يتعيّن الشق الرابع، و هو كون العلم متعلّقا بالجامع، و حينئذ فمن علم إجمالا بوجوب الظهر، أو

____________

(1) نهاية الدراية: الأصفهاني، ج 3، ص 87- 90.

407

الجمعة، فقد علم بالجامع، أي جامع الوجوب فيكون عنده علمان، أحدهما العلم بجامع الوجوب، و الثاني العلم بأنّ هذا الوجوب لا يخرج عن أحد هذين الفردين الظهر و الجمعة و ليس شيئا ثالثا ورائهما.

و هذان العلمان و إن عبّر عنهما بصيغة علمين، إلّا أنّه تعبير فيه مسامحة، لأنّه يمكن إرجاعهما إلى علم واحد، فيقال: علم بالجامع المقيّد بحيث لا يكون قابلا للانطباق إلّا على أحد هذين الفردين.

و هذا البرهان، يمكن إقامة صورة برهان على إبطاله، فيقال: إنّ مقتضى هذا المبنى إنّ العلم الإجمالي يتعلّق بالجامع فقط و لا يسري إلى الأفراد، مع انّا نعلم بأزيد من الجامع.

و البرهان على ذلك هو، انّنا نعلم من المنطق و الفلسفة بأنّ الجامع لا يجود إلّا في ضمن خصوصية و حصّة خاصة من الحصص في الخارج، و علمنا بذلك يوجب انّنا حينما نعلم إجمالا بالجامع، أن نعلم زائدا عليه بأمر آخر لا محالة، لأنّنا نقطع بأنّه لا يوجد بلا خصوصية، و حينئذ، فهذا الأمر الزائد إن كان بنفسه أمرا جامعا، إذن، فيجري فيه نفس الكلام المتقدّم من أنّه يوجد ضمن خصوصية و حصة، و هكذا ننقل الكلام إليها حتّى ننتهي إلى أمر زائد ليس بجامع منعا للتسلسل، و هذا معنى قولنا انّ العلم الإجمالي بالجامع يشتمل على العلم بأمر آخر غير الجامع زائد على الجامع لا محالة.

و بهذا يبطل القول، يتعلّق العلم الإجمالي بخصوص الجامع و لا يتعدّاه.

و لعلّ تعبير المحقق الأصفهاني (قده) بعلمين حينما بيّن انّ العلم الإجمالي هو علم بالجامع، و علم بأنّه لا يخرج عن أحد هذين الفردين، حيث عبّر بصيغة علمين- فيه تسامح- لأنّهما يرجعان إلى علم واحد بالجامع المقيّد، فلعلّه عبّر بذلك لأجل إشباع حاجتنا إلى العلم بأمر

408

زائد، حيث أنّه التفت إلى انّنا بحاجة إلى فرض علم بأمر آخر زائد على الجامع، و لهذا عبّر بأنّنا نعلم بالجامع، و نعلم بأنّه لا يخرج عن أحد هذين الفردين.

و بتعبير آخر: لعلّ تعبير الأصفهاني (قده) بعلمين، أحدهما بالجامع، و الآخر بأنّه لا يخرج عن أحد هذين الفردين، إنّما هو باعتبار التفاته إلى أنّه لا بدّ من هذا الأمر الزائد، فعبّر بالأمر الثاني عنه.

لكن من الواضح انّ هذا لا يحلّ المشكلة، لأنّ هذا الأمر الزائد المعلوم بالعلم الثاني الّذي جاء في كلامه، إمّا أن يكون كليا جامعا، و إمّا جزئيا، فإن كان كليا، جاء نفس البرهان لإثبات أنّه نعلم بأمر زائد عليه كما تقدّم، و إن كان جزئيا، فهو مناف لمبناه، لأنّه يثبت انّ العلم لم يتعلّق بالجامع، بل تعلّق بالفرد، و هو خلف مبناه.

و قد يتوهم إمكان التخلص من هذه المشكلة، حيث يقال: إنّ هناك فرقا بين الجامع في صورة الأمر، و بين الجامع في صورة العلم الإجمالي، ففي موارد الأمر حينما يأمر المولى بجامع، إنّما يأمر بجامع غير مفروغ عن انطباقه، بينما في موارد العلم، فإنّ العالم حينما يعلم بجامع، إنّما يعلم بجامع مفروغ عن انطباقه‏ (1).

إلّا أنّ هذا الكلام لا يحلّ المشكلة أيضا، لأنّه لو سلّمنا بأنّ العالم يعلم بجامع مفروغ عن انطباقه، فحينئذ، ننقل الكلام إلى هذا الانطباق و نسأل: هل هو كلّي، أو جزئي؟، فإن كان الأول، إذن هو يعلم بأمر زائد عليه، فيجري فيه الكلام السابق، و إن كان الثاني، فمرجعه إلى العلم بالفرد لا الجامع، لأنّ معناه: انّه يعلم بفرد معيّن، و هو خلف هذا المبنى.

____________

(1) كفاية الأصول: ج 2، ص 39. نهاية الدراية: ج 3، ص 108.

409

و لعلّه لأجل هذا أو شي‏ء آخر عدل المحقق العراقي (قده) عن المبنى الثاني المشهور إلى المبنى الثالث في تصوير العلم الإجمالي، فذهب إلى انّ العلم الإجمالي ليس متعلقا بالفرد المردّد، و ليس متعلقا بالجامع، بل هو متعلق بالواقع و قد ذكر أنّه بلغه أنّ بعض أهل الفضل من المعاصرين يذهب إلى تعلقه بالجامع و أنّه لا تفاوت بينه و بين العلم التفصيلي في حيثيّة العلميّة، و إنّما الفرق بينهما في المعلوم، حيث أنّه في التفصيلي صورة الفرد، و في الإجمالي صورة الجامع مع الشك في الخصوصية الفردية.

ثمّ انّ المحقق عقّب على هذا الكلام، بأنّه غير تام: بل الصحيح هو انّ العلم الإجمالي و التفصيلي لا يختلفان من جانب المعلوم، بل يختلفان من جانب نفس العلم مع كون المعلوم فيهما معا هو الواقع، كالتفصيلي، أي بالفرد المعيّن، لكن فرق بين نفس العلمين، فالتفصيلي عبارة عن مرآة صافية لهذا الواقع لا غبار عليها، بينما العلم الإجمالي مرآة عليها غبار و إجمال يكتنف هذا الواقع، بما يوجب الشك في تطبيقه، و إلّا فكلاهما مرآة للواقع، و يقرب هذا بمثال عرفي، فالتفصيلي و الإجمالي يشبهان بالإحساس، فتارة نحسّ بزيد و هو أمامنا، و أخرى نحسّ به و هو بعيد عنّا و كأنّه شبح، فحينما نراه قريبا، نعلم بأنّه زيد بلا شك، و حينما نراه من بعيد كالشبح، فنحن أيضا نرى واقعا يحتمل أن يكون زيدا، و يحتمل أن يكون عمروا، لكن في كلتا الحالتين الإحساس متعلق بالواقع و هو ذلك الفرد المعيّن، و عليه: فلا فرق بين التفصيلي و الإجمالي من ناحية المعلوم، و إنّما الاختلاف من ناحية نفس العلم، بعكس ما جاء في المبنى الثاني.

و كأنّ المحقّق العراقي (قده) طرح هذا التصور لهذا المبنى بنحو الاستبداد من دون أن يتصدّى لإقامة برهان عليه.

410

إلّا أنّه يمكن أن نتصيّد من بعض فقرات كلامه نوعا من الاستدلال حيث يقول: إنّ العنوان القائم في أفق العلم، أي المعلوم بالذات، ينطبق على الواقع بتمامه، يعني أنّ المعلوم الإجمالي بالذات- الّذي هو الصورة الذهنية القائمة في أفق نفس العالم- ينطبق على الواقع بتمامه، لا على الواقع بحدّ منه و بمرتبة منه.

و هذا الكلام قد يجعل أساس برهان فيقال: إنّ العلم الإجمالي متعلّق بصورة شخصية لا كليّة جامعة، لأنّه لو كان متعلقا بعنوان كلّي لما انطبق على الواقع بحدّه و بتمامه، باعتبار أنّ الجامع إنّما ينطبق على الواقع بمرتبة منه لا بتمامه، إذ ذكر في المنطق، انّ الجامع ينتزع من الأفراد بعد إلغاء خصوصياتها و طرح حدودها، فعنوان الإنسان ينتزع من «زيد، و عمرو، و بكر» بعد إلغاء خصوصيات هذه الأفراد، و معه: فهذا الجامع المنتزع بعد طرح الخصوصيات لا ينطبق على المطروح، بل ينطبق على الباقي بعد الطرح من الأفراد، فالجامع إذن لا يعقل انطباقه على الأفراد مع خصوصياتها الّتي تطرح منها، و إنّما ينطبق على الأفراد بلحاظ الحيثيّة المشتركة بينها بعد الطرح، و حينئذ بحسب الخارج، نرى أنّ الصورة العلميّة الإجمالية تنطبق على الواقع بتمامه لا على الواقع بلحاظ منه.

و هذا يكشف، عن انّ الصورة العلمية الإجمالية ليست أمرا كليا و جامعا، و إلّا لاستحال انطباقها على الواقع بتمامه.

و بهذا يكون هذا الكلام، صورة برهان ينتزع من كلام العراقي (قده) لإثبات عدم تعلّق العلم الإجمالي بالجامع و إنّما هو متعلّق بالواقع، أي بصورة شخصية.

إلّا أنّ هذا البرهان، إنّما يتمّ لو سلّمنا الأصل الموضوعي المبني عليه- و هو استحالة انطباق العنوان الجامع على الفرد بتمامه و على الواقع بخصوصيته كما بيّناه.

411

و لكن قد ذكرنا في بحث الوضع عند التكلّم عن الوضع العام، و الموضوع له خاص، انّ هذا الأصل الموضوعي ليس صحيحا على إطلاقه، بل هناك بعض الجوامع يمكن انطباقها على الأفراد مع خصوصياتها و على الواقع بتمامه و حدّه، بل انّ العراقي (قده) نفسه ذكر في تلك المسألة، انّ بعض الجوامع تنطبق على الواقع بحدّه، و على الفرد بخصوصيته، و سمّاها بالجوامع المصطنعة للنفس، أي انّ النفس تصنعها، فكأنّه صوّر أنّ الجوامع على قسمين.

قسم: النفس تنتزعها من الخارج، و هذا يستحيل انطباقه على الفرد بتمامه.

و قسم: الذهن البشري ينشئها، من قبيل عنوان: الجزئي، و الفرد، و الخصوصية، و نحو ذلك، فمثل هذه العناوين اختار هناك أنّ النفس تنشئها و تخترعها بحيث يمكن تطبيقها على الفرد بتمامه دون الجوامع الّتي تنتزعها النفس من الخارج، حيث لا يمكن انطباقها كذلك.

و الحاصل هو، أنّ الجامع الإنشائي للنفس يعقل انطباقه على الفرد بتمامه، و قد مضى تفصيل ذلك في محله.

و على ضوء هذا يبطل برهان العراقي (قده) إذ لا يعقل أن يستدل بكلامه على تعلّق العلم الإجمالي بالواقع، و بأنّه ينطبق على الواقع بتمامه، لأنّه لعلّ المعلوم بالإجمال يكون من سنخ الجوامع الإنشائية المصطنعة للنفس و الّتي اعترف هو نفسه بأنّها تنطبق على الواقع بتمامه، نعم يحتمل أن يكون مقصوده من تعلّق العلم بالواقع دون الجامع هو، إنكار أن يكون المعلوم الإجمالي متعلقا بالجامع بالمعنى الّذي يستحيل انطباقه على الواقع بتمامه، بل مقصوده من تعلّق العلم الإجمالي هو تعلّقه بجامع إنشائي يكون ما بإزائه الواقع بتمامه، و حينئذ يتطابق كلامه هنا مع كلامه هناك، و تكون صورة برهانه مقبولة على مبناه.

412

و قد اعترض الميرزا (قده) (1) على هذا المبنى الأخير فقال: إنّ العلم الإجمالي إذا كان متعلقا بالواقع لا بالجامع، لزم محذور، و هو أنّه لو علم إجمالا بنجاسة أحد إناءين، و فرض أنّهما كانا في الواقع نجسين معا، ففي مثله يسأل: أنّه ما هو الواقع المعلوم بالإجمال؟ فإن قيل انّه إحدى النجاستين دون الأخرى، فهو ترجيح بلا مرجح، و حينئذ إمّا أن يلتزم بالترجيح بلا مرجح و هو محال، و إمّا أن يلتزم بأنّ العلم ليس له معلوم، فهو غير متعلّق بهذا و لا بذاك، و هذا محال أيضا، لأنّ العلم لا يكون بلا معلوم، و إمّا أن يلتزم بأنّ متعلقه ليس هو الواقع، بل متعلقه الجامع، و هو محفوظ، لأنّ الجامع بين النجاستين معلوم.

و بهذا يثبت انّ العلم الإجمالي ليس متعلقا بالواقع، بل هو متعلق بالجامع.

و هذا الكلام لا ربط له بمحل الكلام، فلا ينبغي أن يجعل برهانا على إبطال المبنى الثالث، و تعيين الثاني، لأنّ من يقول انّ العلم الإجمالي يتعلق بالواقع لا بالجامع ليس مقصوده من ذلك، انّ العلم الإجمالي يتعلق بالواقع الخارجي مباشرة، و إلّا لما أخطأ العلم أصلا، و كان معناه: انّ العلم الإجمالي لا بدّ و أن يكون مطابقا للواقع، لأنّ كل علم لا بدّ له من معلوم، مع أنّه لا يخطر على بال أحد، ان يدّعي مثل هذه الدعوى، بل المقصود انّ العلم الإجمالي كالتفصيلي، يتعلّق بالصورة الذهنيّة القائمة في أفق نفس العالم لا بالواقع الخارجي، و يعبّر عن تلك الصورة بالمعلوم بالذات، و هناك معلوم بالعرض، و هو الواقع الخارجي بحيث إذا كان له واقع خارجي مطابق له كان القطع، و قد لا يكون، و نفس هذا يقال في العلم الإجمالي، فإنّه لا يتعلّق بالواقع‏

____________

(1) أجود التقريرات: الخوئي، ج 2، ص 343- 344.

413

الخارجي مباشرة، بل المقصود من كونه متعلّقا بالواقع هو، انّ معلومه بالذات، و هو تلك الصورة الذهنية، إنّما هي صورة للفرد لا صورة للجامع، غايته، انّ معلومه بالعرض، و هو الصورة المطابقة لما في نفس العالم، هي خارجيّة، و هذه هي صورة الفرد لا الجامع، و من هنا قد يخطئ العلم الإجمالي، لأنّه لا واقع له، و لكن ليس معناه أنّه ليس له معلوم، بل هذه الصورة هي معلومه، و هذا معنى كون العلم الإجمالي يتعلّق بالواقع، بمعنى انّ هذه الصورة يكون مدلولها و محكيّها الفرد.

و إن شئت قلت: إنّ المقصود من كون العلم الإجمالي متعلّقا بالواقع هو أنّ معلومه بالذات، و هو تلك الصورة الذهنية، إنّما هي صورة للفرد، لا صورة للجامع.

إذا عرفت ذلك، حينئذ، لا يرد الإشكال المذكور، لأنّه فيما إذا علم إجمالا بنجاسة أحد الإناءين، و كانا في الواقع في علم اللّه سبحانه كلاهما نجسين، فهنا، الصورة الذهنيّة المقومة للعلم الإجمالي في أفق النفس، هي صورة بإزاء الفرد لا للجامع، لكن هذه الصورة حيث أنّها صورة إجمالية لا تفصيلية، لا يمكن أن يجعل مطابقها الخارجي أحد الفردين بخصوصه، بل لا بدّ و أن يكون أحدهما على سبيل البدل دون تعيين، كما انّ القائل بتعلّق العلم الإجمالي بالجامع لا فرق عنده بين أن يتعين تطبيق ذلك الجامع على فرد معيّن أو لا يتعين، و ذلك لاستواء نسبة ذلك الجامع إلى أفراده، بل عدم تطبيقه و تعينه في الخارج لا يؤدّي إلى عدم وجود معلوم خارجي، و معه لا يكون هذا نقضا على المبنى الثالث، و إنّما يرد هذا النقض لو كان المقصود هو، انّ العلم يتعلّق بالواقع الخارجي مباشرة، لكن قد عرفت أنّه ليس هذا مقصود المبنى الثالث.

و الحاصل هو، أنّه كما انّ عدم تطبيق الجامع على فرد معيّن لا

414

يؤدّي إلى محذور، فكذلك عدم تطبيق الصورة الذهنية للفرد- كما في المبنى الثالث- على أحد الفردين بعينه لا يلزم منه محذور.

ثمّ انّ المحقّق الأصفهاني (قده) (1) قد اعترض على المبنى الثالث- كما يفهم من مجموع كلماته- بما حاصله: أنّه إذا كان مقصودكم من تعلّق العلم الإجمالي بالواقع يعني تعلّقه بصورة حاكية عنه، فإنّه حينئذ نسأل: هل انّ الحدّ الشخصي الّذي به يكون الفرد فردا، هل هذا الحدّ داخل في تلك الصورة الحاكية عن هذا الواقع، أم أنّه غير داخل؟

فإن قلتم بأنّه داخل، فهذا معناه العلم بالحد الشخصي، مع أنّ الوجدان قاض بأنّه لا علم بالحد الشخصي.

و إن قلتم بأنّه غير داخل، فهذا معناه أنّ الصورة عارية عن الحدود الشخصية، و لا نقصد بالجامع أكثر من ذلك.

و بهذا يثبت، انّ العلم الإجمالي يتعلّق بالجامع‏ (2). و لكن لو فرض أنّ المحقق العراقي (قده) يقول بتعلّق العلم الإجمالي بالفرد لا بالجامع الإنشائي، و قد أورد عليه هذا الإشكال، فإنّه يمكن للعراقي (قده) دفعه، و ذلك لأنّ المحقق العراقي (قده) يفرّق بين العلم الإجمالي، و العلم التفصيلي من ناحية نفس العلم، حيث أنّه يرى انّ الصورة العلمية التفصيلية صورة غير مشوبة بالإجمال، بخلاف الصورة العلمية الإجمالية، فإنّها صورة مشوبة بالإجمال، و هذا معناه: انّ الصورة العلمية الإجمالية مزدوجة، مخلوط فيها حيثيّة الوضوح مع حيثيّة الغموض الّذي منشؤه الإجمال بخلاف التفصيلية، فإنّها كلها وضوح، و هذا معنى ما يقوله العراقي (قده) من أنّ الفرق بين العلمين إنّما هو بلحاظ نفس العلمين.

____________

(1) نهاية الدراية: الأصفهاني، ج 3، ص 90.

(2) نهاية الدراية: الأصفهاني، ج 3، ص 89- 90. طبعة حديثة.

415

فإذا تعقلنا هذا، حينئذ نقول في مقام جواب الأصفهاني (قده): إنّ الحدّ الشخصي محكي بهذه الصورة العلمية الإجمالية، فهي كما انّها تحكي عن الجامع، هي أيضا حاكية عن الحدّ الشخصي، إلّا أنّ الحدّ الشخصي محكي عنه بالجانب الإجمالي في الصورة- أي بالجانب الّذي فيه حيثيّة غموض- لا بالجانب الواضح منها، حيث أنّ فيها صورتين كما عرفت، لكن لا خارجا، بل وفقا لطرز تفكير المحقق العراقي (قده)، و هذا لا يعني أنّه أصبح معلوما على حدّ معلوميته في العلم التفصيلي.

و بهذا يتضح انّ هذه الإشكالات على المبنى الثالث لا ترجع إلى محصل.

إلّا أنّ الظاهر في المقام- باعتبار أنّهم يتكلّمون عن أمر وجداني، و هو العلم الإجمالي- الظاهر أنّهم قصدوا معنى واحدا، و لكن لم يتوفقوا صناعيا للتعبير عن هذا المعنى، حيث أنّ كل واحد منهم أخذ زاوية و تكلّم عنها و كان محقّا فيما تكلّم من زاويته، إلّا أنّ تلك الزوايا لم تجتمع لكي تتجسد روح المسألة.

إذن فالمباني الثلاثة في تفسير العلم الإجمالي ترمي إلى مطلب واحد و حقيقة واحدة، لكن هذه الحقيقة لها ثلاث زوايا، و كل مبنى من هذه المباني لاحظ الحقيقة في إحدى هذه الزوايا، و هو في حدود ملاحظته محق.

و بما انّ الحقيقة لا تتكامل إلّا عند ما تبرز بكامل أبعادها و جهاتها.

فلا بدّ من تحقيق الحال في المقام، و هو يتوقف على بيان نكتة حاصلها: انّ المفاهيم الّتي توجد في الذهن- و إن قرأنا في المنطق- انّها تنقسم إلى مفهوم كلي و آخر جزئي، و انّ الكلي ما لا يمتنع صدقه على كثيرين، و انّ الجزئي هو ما يمتنع صدقه على كثيرين.

416

و لكن هذا الكلام ليس صحيحا، لأنّه لا ينطبق على المفاهيم الموجودة في الذهن، بل المفاهيم الّتي توجد في الذهن كلها كلية في نفسها و ليس فيها مفهوم جزئي على الإطلاق، و ضمّ أيّ قيد مفهومي إليها لا يخرجها عن كونها كلية إلى الجزئية، لأنّ هذا القيد هو بنفسه مفهوم كلي أيضا، فضمّ كلي إلى كلي لا يصيّره جزئيا حقيقيا، و إن صيّره جزئيا إضافيا، و من الواضح انّ الجزئي الإضافي إذا لم يكن حقيقيا، فهو كلي، إذن، كل مفهوم لا يمكن أن يخرج بالتقييدات المفهومية عن الكلية إلى الجزئية، لأنّ الكلام في القيد هو الكلام في المقيّد، و عليه:

فهذه المفاهيم الّتي هي كلية بحسب ذاتها، فإنّ للذهن في كيفية استعمالها طرزان.

1- الطرز الأول: هو أن يستخدم الذهن المفهوم بنحو الإشارية إلى الخارج كما في قولنا: «هذا الإنسان مريض»، غاية الأمر انّ هذه الإشارة معنوية، بخلاف إشارة الإصبع، فإنّها خارجية حسيّة، فهنا مفهوم الإنسان استخدم بنحو الإشارية، و قرينة هذا الاستخدام اسم الإشارة.

2- الطرز الثاني: هو أن يستخدمه بما هو فان في معنونه كما في قولنا: «الإنسان ضاحك»، و المفهوم في كلتا القضيتين كلي، غايته أنّه في مقام التطبيق على الخارج يرى المفهوم في النحو الأول ضيقا و غير قابل للانطباق على كثيرين، و يرى في الثاني واسعا و قابلا للانطباق على كثيرين، و الوجه في ذلك هو، انّ الإشارة تجعل المفهوم موضوعا لقضية خارجية فيكون جزئيا، لا بمعنى أنّ المفهوم يتحول إلى مفهوم جزئي حقيقة، بل بمعنى انّ هذا المفهوم بالإشارة يكون ضيقا في نظر الذهن و في مقام تطبيقه على الخارج، بينما المفهوم بالطرز الثاني و الّذي لا يكون مستخدما بنحو الإشارية يقع موضوعا للقضية الكلية، و قد تكون هذه القضية الكلية ملحوظة على نهج القضية الحقيقيّة، بمعنى أنّ‏

417

الموضوع الكلي يؤخذ بما هو فان في معنونه، لكن لا يخرج عن كونه كليا، إذن فكون المفهوم يلحظ بنحو الإشارية شي‏ء، و كونه يلحظ بما هو فان في معنونه شي‏ء آخر.

و تمام ما نريد توضيحه في المقام، هو أنّ المفهوم مع أنّه دائما كلي و لا يخرج في الواقع عن الكلية إلى الجزئية، إلّا أنّ هناك طريقتين في استخدامه، الأولى هي، الإشارية، و الثانية هي، اللّاإشارية.

و هاتان الطريقتان، ليس مرجعهما إلى إضافة مفهوم إلى آخر، لأنّ المفهوم المضاف أيضا نقول إنّ للذهن طريقتين في استعماله و ليس الفارق بين الطريقتين بأنّه تارة نضيف المفهوم الفلاني إلى آخر و أخرى إلى غيره، إذ ليس الفرق بلحاظ ما يضاف إذ أيّ مفهوم يضاف فهو بدوره تارة يستخدم بنحو الإشارية، و أخرى بنحو اللّاإشارية.

إذن، فالإشارية و اللّاإشارية طرزان من النظر إلى المفهوم، و ليسا مفهومين إضافيّين يضافان إلى المفهوم، غايته أنّه بأحد هذين النظرين يبدو المفهوم ضيقا بلحاظ التطبيق على الخارج، و بالنظر الآخر يبدو المفهوم وسيعا، و إن كان لا يختلف في كليته في كلا النظرين، و بهذا يتضح أنّ الجزئية في المفهوم من تبعات النظر الإشاري في استخدام المفهوم، لا أنّ المفهوم في نفسه ينقسم إلى كلي و جزئي كما قرأنا في المنطق.

و إذا اتضحت هذه النكتة، حينئذ نقول: إنّ العلم الإجمالي متعلّق بجامع و مفهوم كلّي، غايته، انّ هذا المفهوم الكلي ملحوظ بنحو الإشارية، و بهذا يختلف عن الجامع الّذي يتعلّق به الوجوب في سائر الموارد، فإذا وجب الجامع بين خصال الكفارة الثلاث، يكون متعلق الوجوب هنا جامع و مفهوم كلي، لكن هذا المفهوم الكلي ليس ملحوظا بنحو الإشارية، و إن كان ملحوظا بما هو فان في معنونه كما هو شأن‏

418

القضايا الحقيقيّة، لكن الإشارية أمر آخر غير مجرد ملاحظة الموضوع فانيا و حاك عن معنونه، و فرق بين الأمرين كما هو واضح، و أمّا الجامع الّذي يتعلق به العلم، فهو نفس ذلك الجامع من حيث ذاته و حدود مفهومه، لكن مع اختلاف في كيفية استخدامه، فإنّه منظور إليه بما هو مشار به، و من هنا صحّ مبنى الميرزا (قده) القائل بتعلق العلم الإجمالي بالجامع، لأنّ مصبّ العلم بحسب الحقيقة هو مفهوم كلي في نفسه و جامع، لما عرفته من أنّ المفهوم دائما كلي، و لا يخرج عن الكلية إلى الجزئية أصلا.

و إن شئت قلت: انّه بناء على ما تقدّم يصحّ مبنى الميرزا القائل بأنّ العلم الإجمالي يتعلّق بالجامع، لأنّ مصبّ العلم بحسب الحقيقة هو مفهوم كلي في نفسه كما عرفت.

و كذلك يصحّ المبنى الثالث القائل بأنّ العلم الإجمالي متعلّق بالواقع و الجزئي لا بالجامع، باعتبار انّ المفهوم الكلي استخدم بنحو الإشارية في الخارج، و بهذا النحو من الاستخدام الإشاري يصبح بهذا النظر جزئيا و إن كان بنفسه كليا إذ نظر الّذي يستخدم إشاريته لا يراه وسيعا في شخص هذا النظر، بل يراه ضيقا، لأنّه في شخص هذا النظر هو معنى حرفي لأنّ ما يرى هو الخارج، و ليس في الخارج إلّا الجزئيات و بهذا يمكن القول بأنّ العلم الإجمالي تعلّق بالواقع.

و إن شئت قلت: و كذلك يصحّ المبنى الثالث القائل بأنّ العلم الإجمالي يتعلّق بالواقع و الجزئي، لأنّ المفهوم الكلي قد استخدم بنحو الإشارية، فيرى جزئيا.

كما أنّه بما عرفت يصحّ المبنى الأول، القائل بأنّ العلم الإجمالي يتعلّق بالفرد المردّد، باعتبار أنّ المفهوم أخذ على نحو الإشارية، و هذه الإشارية من ناحيتها لا تعين نوع المشار إليه بها، كما لو مدّ شخص‏

419

أعمى إصبعه و قال: «هذا» فإن كان الواقف أمامه «زيد» فسوف يكون هو المشار إليه، و إن كان «عمرو» فكذلك، فهنا لا يقال: إنّ المشار إليه هو الجامع لأنّه لا يشير لذلك، بل المشار إليه واحد، غايته انّ هويته مردّدة و غير متعيّنة، فهذا كأنّه تردّد في الإشارة ذاتها و انّها على وجه الترديد، و لأجل هذا ادّعى صاحب الكفاية (قده) (1) تعلّق العلم الإجمالي بالفرد المردّد.

و بهذا البيان تندفع كل الإشكالات الّتي أوردت على المباني الثلاثة.

أمّا ما أورد على الأول، من انّ الفرد المردّد يستحيل أن يكون له وجود في الذهن أو في الخارج.

فجوابه: أنّه ليس المدّعى انّ لهذا الفرد وجودا ليرد هذا الإشكال.

بل نقول: إنّ هذا الوجود الذهني المستخدم بنحو الإشارية قابل للانطباق على هذا الفرد بالخصوص و على ذاك الفرد، و هذا ليس معناه التردّد، لا في عالم الذهن و لا في عالم الخارج.

و أمّا ما أورد على المبنى الثاني للميرزا (قده). من أنّه كيف يقال:

بأنّ العلم الإجمالي يتعلّق بالجامع و لا يتعدّاه، مع انّا لنا علما وجدانيا بما هو أزيد من الجامع، لأنّنا نعلم بالبرهان أنّ الجامع لا يوجد إلّا في ضمن حصة ما- أي مع الخصوصيّة- و هذا معناه إنّا نعلم بتلك الحصة أيضا.

فجوابه: يتضح بما تقدّم لأنّنا نقول: إنّ العلم الإجمالي علم بالجامع الكلي، إلّا أنّ هذا الجامع الكلي استخدم بنحو الإشارية، كما

____________

(1) كفاية الأصول: الخراساني، ج 2، ص 141.

420

عرفت، و بهذا الإشاري لا نرى سعة في مقام التطبيق، و بهذا اللحاظ نرى المفهوم جزئيا بالمعنى المتقدّم، و معه فنحن لا نعلم بأزيد ممّا نرى ليرد الإشكال، إذ إنّنا نرى شيئا ليس له سعة في مقام التطبيق، و عليه:

فلا يقال إنّنا نحتاج إلى ضمّ خصوصية في مقام التطبيق.

و أمّا ما أورد على المبنى الثالث، من انّ العلم الإجمالي إذا كان متعلّقا بالواقع، فحينئذ نسأل: انّ حدّ الواقع الّذي به صار الواقع جزئيا هل هو داخل في تلك الصورة العلمية أو لا؟ فإن كان داخلا، إذن لا يبقى فرق بين التفصيلي و الإجمالي، و إن كان خارجا، إذن تكون الصورة كليّة لا جزئية.

فجوابه: إنّا نختار، انّ الحدّ غير داخل في الصورة، فتكون الصورة كلية، إلّا أنّ الجزئية جاءت من ناحية كيفية استخدام هذا المفهوم الكلي، حيث استخدم بنحو الإشارية، و هو بهذا الاستخدام يرى ضيّقا و جزئيا كما عرفت.

و بما ذكرنا نكون قد توصلنا إلى نظرية واضحة عن العلم الإجمالي، و هذه النظرية تجمع بين المباني الثلاثة المذكورة من حيث أنظارها، كما تندفع بها كل الإشكالات الّتي أوردت عليها.

و حاصل هذا المدّعى، هو أنّنا نقول: بأنّ العلم الإجمالي يتعلّق بمفهوم كلي جامع، إلّا أنّ هذا المفهوم يستخدم بنحو الإشارية، و هذا الاستخدام ليس معناه انّنا نضيف مفهوما إلى مفهوم، بل هو طرز من النظر لهذا المفهوم، و نفس ما ذكرنا ينطبق على العلم التفصيلي، فأيضا هو متعلّق بجامع كلي بحسب الحقيقة، و لا يخرج عن الكلية إلى الجزئية بنفسه، لما بيّناه من أنّ المفهوم لا يصبح جزئيا في عالم الذهن و إنّما يكون مستخدما بنحو الإشارية للخارج، لكن الإشارية تارة تكون من ناحية إشاريتها معيّنة لمطابقها في الخارج، و أخرى لا تكون كذلك، فإن‏

421

عينت مطابقها في الخارج بحيث لو رفعنا هذا، و وضعنا ذاك مكانه لما حصل التطابق من هذه الناحية، فهذا العلم التفصيلي، و إلّا فهو العلم الإجمالي.

و الخلاصة: هي انّ نفس ما ذكرناه هنا في المقدّمة يجري في العلم التفصيلي، فإنّه هو أيضا متعلّق بجامع كلي مستخدم بنحو الإشارية غاية الأمر هو انّ مطابقه في الخارج متعيّن، بخلاف العلم الإجمالي، فإنّ مطابقه غير متعين لأنّ الإشارية به على نحو الترديد.

هذا هو حاصل المقدّمة و النكتة في تحقيق حقيقة العلم الإجمالي باعتبار متعلقه.

إذا عرفت ذلك نرجع إلى أصل البحث، و هو منجزية العلم الإجمالي لوجوب الموافقة القطعية.

فنقول: إنّه بناء على مبنانا في إنكار قاعدة «قبح العقاب بلا بيان»، فإنّه يكفي الاحتمال، و حينئذ، لا إشكال في منجزيته و لا موضوع لهذا الكلام أصلا، و إنّما تتفرع هذه المباني الثلاثة المتقدّمة على القول بقاعدة قبح العقاب بلا بيان، إذ حينئذ يقال: إنّه ما الّذي أخرجه العلم الإجمالي من اللّابيان إلى البيان، و هل يستدعي وجوب الموافقة القطعية أو لا يستدعي؟.

و قد أشرنا إلى المسالك الثلاثة، حيث كان الأول منها يقول: بأنّ العلم الإجمالي يؤثر في وجوب الموافقة القطعية تأثيرا مباشرا.

و كان المسلك الثاني منها يقول: بأنّه يؤثر فيها، لكن لا مباشرة، بل بالواسطة.

و كان المسلك الثالث منها- و هو المختار- يقول: بالتفصيل بين الموارد، بناء على القاعدة المذكورة، فهو في بعض الموارد لا ينجز

422

وجوب الموافقة القطعية لا بصورة مباشرة و لا بصورة غير مباشرة، و في بعضها يؤثر فيكون منجزا بشكل مباشر.

و الآن نبدأ بتحقيق المسلك الثالث- المختار- و بعد تحقيقه نأتي إلى معالجة الأول، و الثاني، و المسلك الثالث هذا ينقسم إلى دعويين.

1- الدعوى الأولى: هي انّ العلم الإجمالي لا يؤثر في وجوب الموافقة القطعية في الشّبهات الحكمية عند ما يكون مقرونا بها، كما إذا علم إجمالا بوجوب الظهر أو الجمعة، فهنا لا يقتضي و لا يؤثر في وجوب الموافقة القطعية لا بصورة مباشرة، و لا غير مباشرة.

2- الدعوى الثانية: هي انّ العلم الإجمالي يؤثر في تنجيز الموافقة القطعية في الشّبهات الموضوعية فيما إذا كانت مقرونة بالعلم الإجمالي، كما إذا علم أساسا بوجوب إكرام كل عالم، و علم إجمالا بأنّ أحد الفردين عالم، «إمّا زيد، و إمّا عمرو»، ففي مثله، العلم الإجمالي يستدعي وجوب الموافقة القطعية.

و قبل تعميق هاتين الدعويين، نتناول دعوى مشتركة بينهما، و هي عبارة عن مقدّمة مفروغ عنها كأصل موضوعي.

و حاصلها: هو أنّه لا خلاف في أنّ أي مقدار ينجز من التكليف و يدخل في العهدة بحكم العقل، و يخرج عن موضوع قاعدة قبح العقاب بلا بيان، مثل هذا المقدار لا بدّ من موافقته القطعية، كما يقال: «بأنّ الشغل اليقيني يستدعي الفراغ اليقيني»، بمعنى أنّه بعد فرض دخول شي‏ء في العهدة، و تنجز التكليف، فإنّ العقل لا يكتفي من العبد باحتمال الامتثال، بل لا بدّ من الجزم بالامتثال، و هذا واضح كبرويا، و من أجله لم يستشكل أحد في موارد العلم التفصيلي فيما لو علم تفصيلا بوجوب صلاة العصر و شك في الإتيان بها و عدمه و هو في داخل الوقت، لم‏

423

يستشكل أحد في أنّه لا يكفي مجرد احتمال الامتثال للتأمين، بل لا بدّ من تحصيل الجزم بالإتيان بها، لأنّ الوجوب خرج عن اللّابيان إلى البيان و دخل في العهدة، و هذا مفروغ عنه فإنّهم قالوا بأنّ الشك في أصل التكليف مؤمّن بقاعدة قبح العقاب بلا بيان، و أمّا إذا تنجز التكليف و شك بامتثاله فلا بدّ من الجزم بامتثاله لخروجه من اللّابيان إلى البيان، و معه لا بدّ من تفريغ الذمّة و هو لا يتمّ إلّا بالعلم بالموافقة القطعية، إذن فالبحث في العلم الإجمالي بحسب الحقيقة بحث في أنّ المقدار الّذي تنجز من التكليف و خرج عن اللّابيان إلى البيان بالعلم، فهذا المقدار بما ذا تحصل موافقته القطعية، فهل تحصل بالإتيان بكلا الطرفين، أو بأحدهما فقط؟ و إن كان من الواضح أنّ الموافقة القطعية للتكليف الواقعي لا تحصل إلّا بالإتيان بالطرفين بهما معا، إذن فالبحث صغروي بلحاظ المقدار المنجز من التكليف، فلو ثبت أنّ المقدار المنجز لا تحصل موافقته القطعية إلّا بالإتيان بكلا الطرفين فلا إشكال، حينئذ في وجوب الإتيان بهما عقلا، لأنّه من باب الشك في الامتثال، و حينئذ، فالشغل اليقيني يستدعي الفراغ اليقيني.

و بعد هذه المقدّمة الّتي تشكّل أصلا موضوعيا للبحث، نأتي إلى أصل المطلب فنقول:

إنّ الدعوى الأول تتضمن انّ الشّبهات الحكمية المقرونة بالعلم الإجمالي، هذا العلم لا ينجز وجوب الموافقة القطعية، أي أنّه لا يلزم عقلا الإتيان بالطرفين.

و بيان هذه الدعوى يكون بتوضيح نكتتين.

1- النكتة الأولى: هي انّ العلم الإجمالي ينجز المقدار الّذي تعلّق العلم، لأنّ هذا هو الّذي يخرجه عن اللّابيان إلى البيان- هذا بناء على افتراض تمامية قاعدة قبح العقاب بلا بيان- إذ المقدار الّذي‏

424

يخرجه العلم الإجمالي، هو الّذي يجعله معلوما، و أمّا غيره فيبقى تحت قاعدة «قبح العقاب بلا بيان» إذن، فمقتضى القسمة، انّ أيّ مقدار أصبح معلوما يخرج عن قاعدة القبح و يكون منجزا، و انّ أيّ مقدار لم يصبح معلوما يبقى تحت قاعدة القبح.

و من الواضح، انّ العلم الإجمالي لا يجعلنا عالمين بأزيد من الجامع، إذ أنّ المعلوم بالعلم الإجمالي هو الجامع فقط، على جميع المباني المتقدّمة في تفسير العلم الإجمالي.

أمّا بناء على مبنى الميرزا (قده) من تعلقه بالجامع فالأمر واضح، و كذلك بناء على مبناه بعد تنقيح كلامه (قده) كما تقدّم، من انّ العلم الإجمالي يتعلّق بالجامع على نحو الإشارية إلى الواقع لأنّ الإشارية غير المعلومية حيث انّ نسبة الإشارية إلى كل من الفردين على حدّ واحد، إذن، فهي إشارة مردّدة، إذن فهي لا تعيّن أحد الفردين و معه فالإشارة لا توصل إلينا أكثر من الجامع، إذن فحالها كحاله.

بل الأمر كذلك على مبنى المحقّق العراقي (قده) لو جمدنا على حرفيّة كلماته، حيث يقول: إنّ العلم الإجمالي يتعلّق بالواقع، لكن بالبيان الّذي نقلناه عنه، و هو، «انّ الصورة العلمية يختلط فيها جانب الوضوح مع جانب الخفاء»،- و هو بهذا يفرّق بين صورتي العلم الإجمالي، و التفصيلي- و لكن حينئذ، الأمر أيضا كذلك، لأنّ الحد الشخصي للواقع و إن كان داخلا في الصورة العلمية، لكنّه داخل في الجانب المجمل من الصورة، لا في الجانب المبيّن، و حينئذ لا يكون البيان تاما على هذا الحد، لأنّ تماميته مبنية على الصورة الواضحة، و من الواضح، انّ الوضوح إنّما يكون تاما على الجامع.

إذن فعلى جميع هذه المباني، العلم الإجمالي لا يؤدّي إلى تمامية البيان إلّا على الجامع، إذن فلا ينجز إلّا الجامع.

425

2- النكتة الثانية: هي انّ هذا الجامع الّذي اشتغلت به الذمّة عقلا و تنجز، إنّما تحصل موافقته القطعية بالإتيان به، و الإتيان بالجامع يكون بالإتيان بأحد أطرافه، لأنّ وجوده إنّما هو بأطرافه، فوجودها، أو وجود فرد منها وجود للجامع لا محالة، و حينئذ، يكون الإتيان بطرف من أطرافه موافقة قطعية للمقدار المنجز، و إن لم يكن موافقة قطعية للتكليف الواقعي، و حينئذ، إذا ضممنا هذه النكتة إلى النكتة الأولى، يثبت انّ العلم الإجمالي لا يستدعي الإتيان بكلا الطرفين المعلومين بالإجمال معا، لأنّه لا ينجز إلّا بقدر المعلوم، و المعلوم ليس إلّا الجامع كما في الأولى، و الإتيان بأحد طرفي الجامع هو امتثال له كما بيّناه، و الحاصل هو، انّ العلم الإجمالي لا يستدعي إلّا إتيان أحد الطرفين المعلومين بالإجمال لأنّه لا ينجز إلّا الجامع، و ما زاد عن الجامع يبقى تحت قاعدة قبح العقاب بلا بيان.

و أمّا الدعوى الثانية: فهي انّ العلم الإجمالي في موارد الشّبهات الموضوعية المقرونة به يكون مؤثرا في وجوب الموافقة القطعية بنفسه و مباشرة، و كنّا قد قلنا إنّ الأصل الموضوعي هو أنّ التكليف بمقدار ما يتنجز يدخل تحت البيان، و معه تجب موافقته القطعية لأنّ دخوله تحت البيان انشغال للذمّة يقينا، و هو يستدعي الفراغ اليقيني و لا يكفي احتمال الموافقة و الفراغ، كما أنّ برهان الدعوى الأولى كان يقول: إنّ المقدار المنجز بالعلم الإجمالي إنّما هو الجامع لا الواقع، و موافقة الجامع تحصل بالإتيان بأحد مصداقيه.

و على ضوء هذا ندخل في الدعوى الثانية الّتي مفادها، انّ العلم الإجمالي المقرونة به الشّبهات الموضوعية يكون مؤثرا في وجوب الموافقة القطعية بنفسه و مباشرة، كما لو علم بوجوب إكرام كل عالم، و علم إجمالا بأنّ أحد الفردين، إمّا زيد، و إمّا عمرو هو عالم، و حينئذ،

426

فهذه شبهة موضوعية تشكل منها علم إجمالي بوجوب أحد الفردين، و هذا العلم الإجمالي نشأ من تردّد القيد بين الفردين، و حينئذ يقال: بأنّ العلم الإجمالي لا يكتفي في مقام امتثاله بإكرام زيد وحده، أو عمرو وحده، بل لا بدّ من إكرام كلا الفردين و هذا معنى انّ العلم الإجمالي يؤثر بنفسه في وجوب الموافقة القطعية.

و برهان ذلك هو، انّ العلم هنا، تعلّق بوجوب إكرام العالم، و وجوب إكرامه ينحل إلى العلم بوجوبين ضمنيين، أحدهما: وجوب ذات الإكرام، و الآخر: وجوب إكرام متقيد بكونه عالما، و لهذا لو أكرم غير العالم، لم يكن ممتثلا، إذن، فالتقيد مأخوذ تحت الأمر، أي أنّه داخل في العهدة، إذن، كلا هذين الوجوبين داخل في عهدة المكلّف للعلم بهما و خارج عن اللّابيان إلى البيان، و حينئذ، لا يمكن الخروج عن عهدتهما إلّا بإكرام كلا الفردين حيث أنّه بإكرامهما تتحقّق الموافقة القطعية بناء على الأصل الموضوعي كما تقدّم، و من الواضح انّ هذا المكلّف لو أكرم زيدا فقط، فهنا تحقّق الإكرام لكن لم يحرز تقييد الإكرام بالعالم و إن كان زيد أحد طرفي العلم الإجمالي لأنّه لم يحرز انطباق التقييد المعلوم وجوبه على ما وقع خارجا، و المفروض هو أن مقتضى قاعدة انّ الشغل اليقيني يستدعي الفراغ اليقيني، هو لزوم الإتيان بإكرام كلا الفردين لكي يحصل جزم بأن تقيد الإكرام بالعالم قد تحقّق خارجا.

إذن ففرق بين موارد الشّبهات الموضوعية و موارد الشّبهات الحكمية، ففي الحكمية لم يعلم بعروض الوجوب إلّا على الجامع بين الفعلين، و هذا الجامع بما هو جامع معلوم الانطباق على الفرد المأتي به خارجا، إذن فالموافقة القطعية على ما علم بوجوبه حاصلة، و هذا بخلافه في الشّبهات الموضوعية، حيث أنّه لم يعلم بوجوب إكرام‏

427

الجامع بين الفردين فقط، بل علم بوجوب إكرام العالم فيهما، و حيث أنّه لم يعلم أيّهما العالم، إذن فقد دخل في العهدة وجوب إكرام العالم، و معنى وجوب إكرامه يعني: وجوب إكرام مقيد بأن يكون عارضا على العالم، إذن، فتقييد الإكرام بالعلم أيضا وجوبه دخل تحت العهدة و صار يحتاج إلى الفراغ اليقيني، و لا يحصل الفراغ اليقيني إلّا بإيجاد كلا الإكرامين، إكرام زيد و إكرام عمرو.

و بالتدقيق يظهر أنّ فذلكة هذه النكتة ليست قائمة في الشبهة الموضوعية على الإطلاق، بل قائمة بأن يكون العلم الإجمالي ناشئا من التردّد في قيد مأخوذ في الأمر قد تقيّد الواجب به، ففي مثله تأتي هذه النكتة، حيث يعلم أنّ هنا تقييدا «ما» تحت الأمر، و لا يعلم بانطباقه على الخارج إلّا بإتيان كلا الفردين.

و أمّا إذا فرض أنّ الشبهة موضوعية و لكن بلحاظ قيد الوجوب محضا من دون أن يكون هناك تقييد مأخوذ تحت الأمر، فحينئذ لا تأتي هذه النكتة، و مثاله: أن نفرض أنّ المولى يقول: إذا جاء الحجاج من الحج فتصدّق بدرهم، و إذا جاء الزوّار من الزيارة فصلّ ركعتين، و علمنا إجمالا بأنّه تحقّق أحد الأمرين، فهنا علم إجمالي بوجوب أحد الأمرين، و هذا العلم الإجمالي نشأ من شبهة موضوعية، لأنّه ناشئ من الشكّ في تحقّق الموضوع خارجا، أي في تحقّق شرط الوجوب خارجا، لكن مع هذا، فهذه الشبهة الموضوعية تشبه الشبهة الحكمية، لأنّه ليس هناك شي‏ء تحت العهدة سوى ذات الفعل، إمّا ذات التصدّق بدرهم، أو ذات الصّلاة، فهنا تقيّد الفعل بوصف مخصوص قائم بفعل خارجي لم يؤخذ تحت الأمر، إذن فنحن نعلم بوجوب الجامع، و هذا يتحقّق بالإتيان بأحد الفردين، و بهذا تتحقّق الموافقة للمقدار المعلوم بالتكليف، و هو الجامع.

428

و أين هذا من إكرام العالم، إذن فالميزان في وجوب الموافقة القطعية ليس هو مطلق كون الشبهة موضوعية، بل كون الشبهة موضوعية بلحاظ تقييدها بقيد داخل تحت الأمر، فإذا كانت كذلك، حينئذ لا بدّ من الجزم، و لا جزم إلّا بالجمع بين الطرفين، و بهذا يتمّ برهان الدعوى الثانية، و به يتمّ تنقيح مسلكنا.

و الخلاصة هي: إنّ الميزان في وجوب الموافقة القطعية ليس هو كون الشبهة موضوعية، بل هو كون العلم الإجمالي ناشئا من التردّد في قيد مأخوذ تحت الأمر و داخل في العهدة كما عرفت في المثال، و إلّا فقد تكون الشبهة موضوعية و مع ذلك لا تجب الموافقة القطعية كما لو قيل: «إذا جاء زيد فأكرمه»، و قيل: «إذا جاء عمرو فأكرمه»، و علمنا بمجي‏ء أحدهما إجمالا، فيتحقّق عندنا علم إجمالي بوجوب إكرام أحدهما، و هذا العلم الإجمالي نشأ من شبهة موضوعية، لأنّه ناشئ من الشك في تحقق شرط الوجوب خارجا، و مع ذلك لا تجب الموافقة القطعية، بل يكتفي بإكرام أحدهما، لأنّ الداخل في عهدة المكلّف هو ذات الإكرام، من دون تقييد بأيّ وصف مخصوص، و عليه فنحن نعلم بوجوب الجامع و هذا يتحقّق بإكرام أحد الفردين.

2- المسلك الثاني: و هو للميرزا (قده) كما في أجود التقريرات‏ (1) حيث ذهب إلى أنّ العلم الإجمالي لا يقتضى بنفسه وجوب الموافقة القطعية و لا يؤثر بذلك أصلا بصورة مباشرة، و لكن يؤثر بصورة غير مباشرة، و هذا المسلك ينحل إلى دعويين.

1- الدعوى الأولى: هي أنّ العلم الإجمالي لا يؤثر تأثيرا مباشرا في وجوب الموافقة القطعية، و قد استدلّ على هذه الدعوى، بأنّ العلم‏

____________

(1) أجود التقريرات: الخوئي، ج 2، ص 230- 231.

429

الإجمالي يتعلّق بالجامع، إذن فهو لا ينجز سوى الجامع، و الجامع يتحقّق بأحد الفردين، و أحدهما قد تحقّق خارجا.

2- الدعوى الثانية: هي أنّ العلم الإجمالي يستدعي وجوب الموافقة القطعية بالواسطة، و استدلّ على هذه الدعوى، بأنّ العلم الإجمالي علّة لحرمة المخالفة القطعية، و هذه الحرمة علّة لتعارض الأصول، و التعارض يوجب تساقطها، و هذا يعني أنّ كل شبهة في كل طرف تبقى شبهة بلا أصل مؤمّن، و هذا وحده يكفي في التنجيز، و هذا التنجيز و إن كان تنجيزا بالاحتمال لا بالعلم، لكن هذا التنجيز الاحتمالي من بركات العلم، لأنّ هذا التنجيز إنّما حدث بسبب تساقط الأصول في الأطراف، إذ لو لا ذلك لما كان الاحتمال منجزا، و تساقط الأصول نشأ من التعارض، و التعارض معلول لحرمة المخالفة القطعية، و حرمة المخالفة القطعية هذه، معلولة للعلم الإجمالي، و بذلك يكون هذا التنجيز من تبعات العلم الإجمالي، لكن بالواسطة كما عرفت، و من هنا صحّ القول: بأنّ العلم الإجمالي يقتضي وجوب الموافقة القطعية بالواسطة لا مباشرة.

و لنا تعليق على كل من هاتين الدعويّين.

أمّا ما جاء في دعواه الأولى، و إن كنّا نوافق عليه بالجملة، حيث كنّا نقول: إنّ العلم الإجمالي لا يقتضي أصلا وجوب الموافقة القطعية، بل نرى ذلك على جميع المباني في العلم الإجمالي، لا على خصوص مبنى الميرزا (قده)، لكن لا على الإطلاق بل على التفصيل الّذي ذكرناه، حيث أنّنا بيّنا أنّه في الشّبهات الموضوعية عند ما يكون التردّد فيها في التقيّد المردّد دخوله تحت الأمر المعلوم، حينئذ يكون العلم الإجمالي منجزا لوجوب الموافقة القطعية، و كلام الميرزا (قده) و إن كان صحيحا في أصل الدعوى، لكن ينبغي أن يفصل و يخصصها بموارد الشبهة الحكمية، و عليه: فإطلاق الدعوى الأولى غير تام.

430

و أمّا ما جاء في الدعوى الثانية: و هو أنّ العلم الإجمالي يستدعي حرمة المخالفة القطعية، و حرمة المخالفة القطعية تستدعي تعارض الأصول، و تعارضها يستدعي التساقط، فيكون العلم الإجمالي منجزا.

فهنا نسأل: أنّه ما هو المقصود بالأصول المتعارضة، و من ثمّ المتساقطة؟

فهل المقصود بها كلتا البراءتين، الشرعية و العقلية، أو خصوص الشرعية؟.

فإن أريد مطلق البراءة، حيث يقال: بأنّه كما يتمّ في الشرعية، يتمّ في العقلية، لأنّه كما يقال في البراءة الشرعية أنّ جريانها في هذا دون ذاك ترجيح بلا مرجح، و كذلك في ذاك، و جريانها فيهما معا غير معقول لاستلزام المخالفة القطعية، كذلك يقال في البراءة العقلية حيث يقال:

إنّنا نتعامل مع قاعدة قبح العقاب بلا بيان كذلك.

و لكن هذا غير معقول، لأنّ البراءة العقلية حكم عقلي، و لا تعارض في أحكام العقل بحسب مقام الإثبات، و إنّما يجب أن ينظر إلى ملاكها بحسب مقام الثبوت، و حينئذ يقال: بأنّ البراءة العقلية ملاكها تام في كلا الطرفين إذا لوحظت الخصوصية، بمعنى أنّ كلا الطرفين مجرى للبراءة العقلية بخصوصه، لأنّه لم يتمّ عليه البيان، و لا يلزم الترخيص في المخالفة القطعية، فإنّ وجوب الظهر بما هو وجوب الظهر، هو مجرى للبراءة، و كذلك الجمعة، لأنّ التأمين بلحاظ الخصوصية لا يلزم منه التأمين بلحاظ الجامع الموجود في ضمن الخصوصية.

و هذا التحليل لا نجريه في أدلة الأصول الشرعية، لأنّه غير عرفي، لأنّ أدلة الأصول الشرعية خطابات عرفية، و هذا التحليل ليس عرفيا، بأن يقال: بأنّنا نؤمّن عن الخصوصية مع تنجيز الجامع الموجود في‏

431

ضمن الخصوصية، فمثل هذا غير عرفي، لكن عند الكلام عن البراءة العقلية لا نتعامل مع دليل لفظي ليجري فيه ذلك، بل يكون التعامل مع قانون عقلي، فلا بدّ من تطبيقه بالدقة، و مقتضى ذلك القول بأنّ اللّابيان يؤمن بمقداره، و البيان ينجز بمقداره، و محطّ البيان غير محطّ اللّابيان، إذ محطّ البيان هو الجامع إذن فينجز الوجوب بما هو مضاف للجامع، و يؤمن عنه بما هو مضاف للفرد و لا تنافي.

إذن، إذا كان المقصود بتعارض الأصول، تعارض كل البراءات حتّى العقلية، فهذا غير صحيح، لأنّ البراءتين العقليتين لا تعارض بينهما.

و إن كان المقصود بتعارض الأصول البراءة الشرعية فقط، فلا بأس بذلك، لأنّه يبقى عندنا مؤمن، و هو البراءة العقلية بناء على قاعدة قبح العقاب بلا بيان، إذن فمسلك الميرزا (قده) غير تام مبنى.

و إن شئت قلت: انّه إذا كان المقصود من الأصول الّتي تعارضت و تساقطت، هي خصوص البراءات الشرعية، فهذا صحيح، و لكن تبقى البراءة العقلية، و تكون مؤمّنة، و معه لا يتمّ ما ذكره من التنجيز بالواسطة.

و إن كان المقصود من الأصول ما يشمل البراءات العقلية أيضا، فهذا غير ممكن، لأنّ البراءة العقلية حكم عقلي، و لا تعارض بين أحكام العقل بحسب مقام الإثبات، و حينئذ، فلا بدّ من النظر إلى ملاكها بحسب مقام الثبوت، و حينئذ يقال: بأنّ ملاكها، و هو قبح العقاب بلا بيان، تام في كل من الطرفين، لأنّ كلا منهما بخصوصه لا بيان عليه، و هذا لا يلزمه الترخيص في المخالفة القطعية، لأنّ الجامع بين الفردين قد تمّ عليه البيان، فيكون منجزا بمقداره، و يجب إيجاده و لو بأحد فرديه، و يكون مؤمّنا عنه بما هو مضاف لهذا الفرد و لا تنافي.

432

و الحاصل: هو أنّه لمّا كانت البراءة العقلية حكما عقليا، فلا بدّ من الدقة في مقام تطبيقها، و الدقة تقتضي ما ذكرناه من تنجيز الجامع، لتمامية البيان عليه، و عدم تنجيز كل فرد بخصوصه، لعدم تمامية البيان عليه.

و هذا الكلام لا يجري في البراءة الشرعية، لأنّ أدلة الأصول الشرعية خطابات عرفية و معه لا بدّ من تحليلها تحليلا عرفيا لا عقليا.

و بهذا ثبت أنّ إثبات منجزية العلم الإجمالي لوجوب الموافقة القطعية بالواسطة بالنحو الّذي ذكره الميرزا غير تام على مبنى الميرزا (قده)، حيث أنّه يعترف بالبراءة العقلية، لأنّ هذه البراءة تكون مؤمنة عن كل طرف بخصوصه، و إن لم تؤمّن عن الجامع، إلّا أنّ إيجاد الجامع يتحقّق بأحد الفردين كما عرفت.

أمّا المسلك الأول، الّذي هو مسلك المشهور، كما أنّه مسلك الميرزا (قده) (1) في تقرير فوائد الأصول‏ (2) و الّذي حاصله: إنّ العلم الإجمالي يؤثر بنفسه في وجوب الموافقة القطعية، و لعلّ أشدّ النّاس تعصبا لهذا المسلك هو المحقّق العراقي (قده) (3) حيث ذكر انّ تأثيره في ذلك إنّما هو على نحو العليّة، و لأنّ كلامنا في أصل التأثير، فلا يتحصل من فوائد الأصول معنى فنيا لتقريب هذا المدّعى، نعم يمكن أن نستنتج من كلمات العراقي (قده)- على ما في بعضها من التشويش- بيانين في مقام الاستدلال على هذا المسلك.

1- البيان الأول: و هو مركّب من ثلاث نقاط.

____________

(1) مصباح الأصول: محمد سرور، ج 2، ص 351.

(2) فوائد الأصول: الكاظمي، ج 4، ص 9.

(3) مقالات الأصول: العراقي، ج 2، ص 11- 12.

433

أ- النقطة الأولى: هي انّ هناك فرقا بين العلم و التنجز، حيث أنّ العلم صفة للصورة الذهنية القائمة في أفق النّفس.

و أمّا التنجز فهو صفة للحكم الشرعي الواقعي القائم في لوح التشريع.

إذن فلا يمكن أن يقاس التنجز بالعلم و أنّه مثله بأن يقال: انّ التنجيز كالعلم، فكما انّ العلم يقف على الجامع و لا يسري منه إلى أفراده فكذلك التنجز لا يسري من الجامع إلى الخارج، و قد عرفت أنّه يوجد فرق بين العلم و التنجز، إذ ما هو معروض التنجز مختلف سنخا عمّا هو معروض العلم، لوضوح انّ العلم لا يتعلّق بالخارج ابتداء، و إلّا لما أمكن فيه وقوع الخطأ أصلا في تحقّق معلومه و متعلقه، بينما العلوم الخاطئة كثيرة، و إنّما متعلّق العلم هو الصور الذهنية الحاكية عمّا في الخارج.

ب- النقطة الثانية: هي أنّه بعد أن عرفنا انّ التنجز صفة للواقع الخارجي للحكم، فمن الواضح أنّ الواقع الخارجي للحكم إنّما يتصف بالتنجز إذا كان واصلا و مبينا، لأنّه مع عدم وصوله و بيانه تجري فيه قاعدة قبح العقاب بلا بيان، لكن لا نريد بالعلم هنا، العلم المتعلق بنفس الواقع الخارجي، لأنّ هذا غير معقول كما عرفت في النقطة الأولى، لأنّ العلم التفصيلي فضلا عن العلم الإجمالي لا يتعلّق بالواقع الخارجي، إذ لو شرطنا أن يتعلّق به العلم مباشرة لانسدّ باب التنجز.

و عليه: فالعلم المنجز إنّما هو العلم بالصورة الواقعية، باعتبار أنّ العلم يعرض على الصور الذهنية المطابقة للواقع الخارجي الحاكية عنه، فمعنى أنّ الواقع الخارجي للحكم الشرعي يتنجز بالعلم، يعني يتنجز إذا علم بصورة ذهنية له حاكية عن ذلك الواقع الخارجي و مطابقة له، يكون حينئذ منجزا.

434

و الحاصل هو، انّ الواقع الخارجي للحكم إنّما يتصف بالتنجز إذا كان معلوما، و إلّا، فتجري فيه قاعدة قبح العقاب بلا بيان، و يقصد بالعلم المنجز، العلم بالصورة الذهنية المطابقة للواقع الخارجي و الحاكية عنه كما عرفت في النقطة الأولى، من أنّ العلم صفة لتلك الصورة و يتعلّق بها لا بالواقع الخارجي، و إلّا لما أخطأ العلم أصلا، و هو خلاف الوجدان.

و عليه: فمعنى تنجز الواقع الخارجي بالعلم، يعني إذا علم بصورة ذهنية حاكية له حاكية عنه و مطابقة له، يكون حينئذ منجزا.

ج- النقطة الثالثة: هي انّ هذا الواقع الخارجي، هناك صورتان ذهنيتان قابلتان للحكاية عنه.

إحداهما: صورة ذات حدّ تفصيلي، و هي المسمّاة بالصورة التفصيلية، و هي الّتي يعرض عليها العلم التفصيلي.

و الثانية: هي صورة ذات حدّ إجمالي، و هي المسمّاة بالصورة الإجمالية، و هي الّتي يعرض عليها العلم الإجمالي.

و كل من هاتين الصورتين تكون بإزاء الواقع بشخصه، غايته، أنّ إحداهما مفصّلة، و الأخرى مجملة، كما عرفت في مبنى العراقي (قده).

نعم الواقع الخارجي ليس له حدّ تفصيلي و آخر إجمالي، لأنّ الإجمال و التفصيل من شئون الحكائية، و هذه تكون للصورة، لا لذي الصورة الّذي هو الواقع الخارجي.

فالواقع الخارجي دائما له حد شخصي واقعي محفوظ، به يكون الواقع شخصا من الأشخاص، حيث لا يقال عنه تفصيلي أو إجمالي، لكن هذا الواقع بهذا الحدّ الشخصي هناك صورتان ذهنيتان قابلتان للحكاية عنه، إحداهما: صورة مفصلة، و أخرى إجمالية.

435

و الخلاصة: هي انّ هذا الواقع الخارجي له صورتان ذهنيتان قابلتان للحكاية عنه و المطابقة له، إحداهما تفصيلية، و أخرى إجمالية كما عرفت في مبنى العراقي (قده).

إذا اتضحت هذه النقاط الثلاث، حينئذ نستخرج النتيجة، حيث ذكرنا في النقطة الأولى، إنّ التنجيز ليس من شئون الوجود الذهني و الصورة الذهنية كما هو الحال في العلم، إذن، فلا معنى لما يقال، من أنّه إذا لم يكن العلم ساريا من الصورة الإجمالية إلى الواقع الخارجي، إذن التنجز أيضا لا يسري من الصورة الإجمالية إلى الواقع الخارجي، فهذا الكلام لا معنى له، لأنّ التنجز ابتداء، مصبّه الواقع الخارجي، و ليس مقصودنا من تنجز الواقع الخارجي عند العلم به، انّ العلم ينصبّ ابتداء على الواقع الخارجي، إذ عرفت استحالة هذا في النقطة الثانية، بل مقصودنا من العلم بالواقع الخارجي، هو أن يعلم بصورة ذهنية مطابقة معه و حاكية عنه، و قد عرفت في النقطة الثالثة أنّ هناك صورتان مطابقتان حاكيتان عن هذا الواقع الخارجي، إحداهما، إجمالية، و الأخرى تفصيلية، و حينئذ يقال: كما يتنجز هذا الواقع بتعلّق العلم بصورة تفصيلية له، كذلك يتنجز بتعلّق العلم بصورة إجمالية له.

و الحاصل هو: أنّه إذا تعلّق العلم الإجمالي بصورة ذهنية لذلك الواقع الخارجي يكون حينئذ منجزا بمقتضى ما جاء في هذه النقاط كما هو واضح.

هذا حاصل ما يستفاد من كلام العراقي (قده) كتقريب أول للبرهنة على مؤثريّة العلم الإجمالي في وجوب الموافقة القطعية.

و لنا حول هذا الكلام ملاحظتان.

1- الملاحظة الأولى: و هي ترتبط بالنقطة الأولى، حيث قال‏

436

فيها: «إنّ التنجز يختلف عن العلم، و انّ التنجز من شئون الواقع الخارجي».

و هذا الكلام غير تام، بل التنجز من شئون الوجود العلمي للحكم، لا من شئون الوجود الخارجي، و ذلك لأنّ التنجز عبارة عن حكم العقل باستحقاق العقاب على المخالفة، و تمام موضوع حكم العقل للاستحقاق هو هذا الوجود العلمي للحكم، سواء أ كان مصادفا أو لا، بينما الحكم على وجوده الواقعي ليس موضوعا للتنجز و لا جزء الموضوع لذلك و على هذا ترتب استحقاق عقاب المتجري، و حينئذ، إذا لم يسر الوجود العلمي من الجامع إلى الفرد يصحّ أن نقول: انّ التنجز لا يسري من الجامع إلى الفرد، لأنّ المتنجز يضع قدمه في المكان الّذي يضع العلم قدمه فيه، و حيث أنّ العلم وضع قدمه على الحكم فكذلك التنجز.

و الحاصل هو انّ ما ذكر في النقطة الأولى، من أنّ التنجز من شئون الواقع الخارجي للحكم، غير صحيح، بل هو من شئون الوجود العلمي له، لأنّ التنجز عبارة عن حكم العقل باستحقاق العقاب، و موضوع حكم العقل بذلك هو الوجود العلمي للحكم، سواء أ كان مطابقا للواقع أو مخالفا له، و من هنا قلنا باستحقاق المتجري للعقاب، و حينئذ، فإذا لم يسر الوجود العلمي من الجامع إلى الفرد، فكذلك التنجز لا يسري، لأنّه منصبّ عليه و من شئونه كما عرفت.

2- الملاحظة الثانية: هي أنّه لو تنزّلنا و فرضنا انّ التنجز يعرض على الواقع الخارجي للحكم، لكن لا مطلقا، بل يشرط العلم به، بناء على مسلك قاعدة قبح العقاب بلا بيان، حينئذ لا بدّ من تعدّي التنجز بمقدار العلم، و قد بيّنا أنّ العلم حتّى لو فرض تعلّقه بصورة إجمالية، فإنّ هذه الصورة و إن كانت مطابقة مع الواقع، بمعنى كونها مشيرة إليه، لكن ليست مطابقة معه، بمعنى كونها كاشفة عن حدّه الشخصي، فإن‏

437

أردتم من كون مطابقة الصورة الإجمالية للواقع، إنّها مشيرة إليه، فهذا صحيح، لكن المشير كما تكون للمعلوم، تكون أيضا للمجهول، لأنّ المشيرية ليست علما، و إن أردتم بالتطابق للواقع، كون الحدّ الشخصي منكشفا بهذه الصورة، فهذا خلاف الوجدان و البرهان، لأنّه ليس بمنكشف فيها، إذن لا يمكن سراية التنجز إلى الحدّ الشخصي.

و إن شئت قلت: انّه لو تنزلنا و فرضنا أنّ التنجز من شئون الواقع الخارجي و يعرض عليه بشرط العلم به، حينئذ لا بدّ من تقرير التنجز بمقدار العلم، و لمّا كانت الصورة الإجمالية مطابقة للواقع بمعنى كونها مشيرة له، لا بمعنى كونها كاشفة عن حدّه الشخصي، فحينئذ لا يمكن سريان التنجز إلى الحدّ الشخصي، لعدم كشف الصورة الإجمالية عنه، فلا يكون متعلّقا للعلم الإجمالي ليتنجز به.

2- البيان الثاني: المستفاد من كلمات العراقي (قده) (1)، هو أنّ العلم الإجمالي و إن تعلّق بالجامع، إلّا أنّه تعلّق فرغ عن انطباقه و تخصّصه، لا بجامع لم ينطبق و لم يتخصّص كما في موارد الوجوب التخيري حينما يتعلّق الوجوب بالجامع، فالوجوب تعلّق بجامع لم يفرغ عن تخصيصه، و من هنا لا يتنجز سوى الجامع و لا تتنجز الخصوصية، بينما هنا، العلم تعلّق بجامع فرغ عن تخصيصه في المرتبة السابقة فيكون منجزا للخصوصية.

و إن شئت قلت: انّ العلم الإجمالي و إن تعلّق بالجامع، إلّا أنّه تعلّق بجامع فرغ تخصّصه، و حينئذ يكون العلم الإجمالي منجزا للخصوصية أيضا، و هذا بخلاف الجامع في مورد تعلّق الوجوب التخيري به حيث لم يفرغ عن تخصّصه، و من هنا لا يتنجز غير الجامع.

____________

(1) المصدر السابق.

438

و هذا البيان غير تام لأنّه إن أراد بالجامع في مرحلة تعلّق العلم به و أنّه مفروغ عن تخصيصه، إن أراد واقع الخصوصية، و ما هو بالحمل الشائع خصوصية، فهذا غير موجود في مرحلة تعلّق العلم به، لأنّ الخصوصية بالحمل الشائع غير معلومة، و إن أراد بها مفهوم الخصوصية أي الخصوصية بالحمل الأولي، و العلم بجامع الخصوصية، فهو بنفسه جامع، و العلم به لا يوجب أكثر من تنجز هذا الحدّ الجامعي دون أن يسري التنجز منه إلى ما لا بيان له.

و الحاصل انّ هذا خلط بين الخصوصية بالحمل الأولي الذاتي، و بينها بالحمل الشائع، فإنّ المفروغ عنه و هو الخصوصية بالحمل الأولي هو الجامع حقيقة، و ما يراد تنجيزه هو الخصوصية بالحمل الشائع.

و الحقيقة هي انّ ما ذهب إليه هؤلاء الأعلام في بياناتهم كلها نشأت من ضيق الخناق، لأنّ هؤلاء الأصحاب ألزموا أنفسهم بما لا ملزم به، و هو الجمود على قاعدة «قبح العقاب بلا بيان» و حينئذ وقع التزاحم بين الإشكالات الواردة على تقريباتهم و بين هذه القاعدة و كأنّها برهان عقلي، فوقعوا في حيرة بين هذه القاعدة و بين وجدانهم، حيث أنّ الوجدان العرفي لا يحتمل أنّ العبد إذا علم إجمالا انّ المولى أوجب إمّا الظهر، و إمّا الجمعة، أن يقول: انّ هذا العلم لا يقتضي منّي أكثر من الإتيان بكلا الفردين، فهذا غير محتمل، بل الوجدان العرفي قاض بأنّ وجوب الموافقة القطعية من الواضحات، و من أنّه مؤمّن عقلائيا إذا اقتصر على أحد الفردين، و يقطع النظر عن باقي المؤمّنات، و لو أنّهم رفعوا أيديهم ابتداء عن قاعدة قبح العقاب بلا بيان، أو في الجملة لما وقعوا في ذلك، فيقال بقبح العقاب بلا بيان في بعض الموارد، و ذلك كما لو كان الوجوب الواقعي مصداقا لجامع تمّ البيان على جامعيته، إذ حينئذ يرتفع الإشكال عنهم برفع اليد عن هذه القاعدة إمّا كلية كما

439

اخترناه و هو الصحيح، أو في الجملة و يقال حينئذ أنّه لا يحكم العقل بقبح العقاب إذا كان الوجوب الواقعي مصداقا لجامع تمّ بيانه حيث أنّ العلم الإجمالي يقتضي التنجز سواء قبلت قاعدة قبح العقاب أو لم تقبل.

و الخلاصة هي انّ ما ذهب إليه هؤلاء الأعلام من كون العلم الإجمالي مؤثرا في وجوب الموافقة القطعية، أمر وجداني لا إشكال فيه، لكن الإشكالات الواردة على تقريباتهم لهذا المطلب، نشأت من التزاحم بقاعدة قبح العقاب بلا بيان، و حينئذ، فلا يرتفع الإشكال عنهم إلّا برفع اليد عن هذه القاعدة رأسا، كما اخترناه، أو في الجملة، فيقال: انّه لا يحكم العقل بقبح العقاب إذا كان الوجوب الواقعي مصداقا لجامع تمّ البيان عليه.

و إلى هنا تمّ الكلام في الجهة الأولى من المرحلة الثانية، حيث قلنا إنّ الكلام في تنجيز العلم الإجمالي يقع في مرحلتين.

الأولى في مرحلة تأثيره في حرمة المخالفة القطعية.

و المرحلة الثانية في تأثيره في وجوب الموافقة القطعية.

و في كل من المرحلتين إذا فرض الفراغ عن التأثير، يقع الكلام في انّ هذا التأثير، هل هو بنحو العليّة، أو الاقتضاء؟

و قد مضى الكلام عن الجهة الأولى من المرحلة الثانية و صرنا إلى الكلام عن الجهة الثانية من المرحلة الثانية.

2- الجهة الثانية: من المرحلة الثانية: و هي أنّ العلم الإجمالي بعد الفراغ عن تأثيره و تنجيزه لوجوب الموافقة القطعية، يقع الكلام في انّ هذا التأثير هل هو بنحو العليّة، أو الاقتضاء؟

بحيث أنّه إذا كان بنحو العليّة، يمتنع ورود الترخيص الشرعي‏

440

الظاهري في بعض الأطراف، و أمّا إذا كان بنحو الاقتضاء، المعلّق على عدم ورود الترخيص الشرعي الظاهري في بعض الأطراف، بحيث لا يمتنع و لا يأبى العقل عن ورود مثل هذا الترخيص؟

و هذا البحث لا موضوع له و لا معنى إذا بني على أنّ تأثير العلم الإجمالي في حرمة المخالفة القطعية ليس على نحو العليّة كما عرفت في المرحلة الأولى من أنّ تأثيره بحرمة المخالفة القطعية هو اقتضائي معلّق على عدم ورود الترخيص في خلافه، فإذا كان هذا هو شأن تنجيز العلم الإجمالي في المرحلة الأولى، فما ظنّك بتأثيره في المرحلة الثانية، بل لا معنى للبحث عن العليّة في المرحلة الثانية بعد إنكارها في المرحلة الأولى، لأنّه إذا لم يكن مؤثرا في حرمتها على نحو العليّة، فعدم تأثيره كذلك في وجوبها بطريق أولى، إذن فالانتهاء إلى هذا البحث يجب أن يكون بغمض العين عن إنكار العليّة في المرحلة الأولى.

كما أنّه لا معنى للنزاع و هذا البحث بناء على المسلك الثاني القائل بالتأثير بالواسطة، حيث أنّه ينكر أصل تأثير العلم الإجمالي المباشر في وجوب الموافقة القطعية، إذن فلا مجال للنزاع في أنّ تأثيره هل هو بنحو العليّة أو الاقتضاء، و أمّا كون تأثيره بالواسطة، فهو و إن اعترف به، إلّا أنّ هذا لا يمنع من جريان الأصول في بعض الأطراف لما عرفت من أنّ سبب هذا التأثير إنّما نشأ من تعارض الأصول، فلو لم يكن هناك تعارض بينها كما لو لم يكن أحدها جاريا، إذن لا مانع من جريان الآخر في بعضها بلا معارض، و معه لا يعقل أن يكون هذا التنجيز مانعا من جريان الأصل، إذن، فبناء على المسلك الثاني أيضا لا محصل للبحث في أنّ تنجيز العلم الإجمالي هل هو بنحو العليّة أو الاقتضاء و إنّما كان البحث في المقام الثاني مبنيا على الإغماض عمّا ذكرناه من عدم كون العلم مؤثرا بنحو علي في حرمة المخالفة القطعية.

441

نعم هناك مجال لهذا البحث بناء على المسلك الأولى القائل بالتأثير، و بناء على المسلك الثالث القائل بالتأثير بالجملة و في بعض الموارد، إذ في هذين المسلكين يمكن أن يبحث في أنّ تأثير العلم الإجمالي، هل هو بنحو العليّة، أو الاقتضاء.

و قد اختار المحقّق العراقي «قد» (1) انّ تأثير العلم الإجمالي في وجوب الموافقة القطعية هو بنحو العليّة، و اختار الميرزا (قده) (2) على ما في فوائد الأصول أنّه على نحو الاقتضاء، و إن كان لا موضوع للبحث عده في الاقتضاء أو العليّة كما في أجود التقريرات‏ (3)، و عباراتهم في المقام لا تخلو من تشويش، و لعلّه لعدم اتضاح العليّة و الاقتضاء بنحو حدّي، و من هنا نرى بعض عبارات الفوائد تميل إلى الاقتضاء، و بعضها يميل إلى العليّة، و لذا ترى كلا من العراقي و الميرزا «قدهما» نسب مختاره إلى الشّيخ الأعظم (قده)، بينما عبائر الشيخ الأعظم في الرّسائل مشوشة إذ بعضها يميل إلى هذا، و بعضها الآخر يميل إلى ذاك، و على أيّ حال، فالمسألة، على الإجمال فيها اتجاهان، الأول، يقول بعليّة العلم الإجمالي، و الثاني، يقول باقتضائه، و قد حاول كل من الاتجاهين أن يثبت مدّعاه حلا تارة، و نقضا أخرى.

أمّا الموقف الحلّي للميرزا (قده) (4) الممثل لموقف الاقتضاء، فقد ذكر في فوائد الأصول: انّ العلم الإجمالي ليس علّة لوجوب الموافقة القطعية، و إن كان علّة لحرمة المخالفة القطعية، و ذلك لأنّ الترخيص في المخالفة القطعية لم يكن معقولا لأنّه ترخيص في المعصية و هو قبيح،

____________

(1) المصدر السابق.

(2) المصدر السابق.

(3) المصدر السابق.

(4) فوائد الأصول: الكاظمي، ج 3، ص 77- 79. و ج 4، ص 25- 36.

442

و أمّا الترخيص في المخالفة الاحتمالية فهو ليس ترخيصا في المعصية، فيعقل ورود الترخيص على أحد الطرفين، و هذا معناه انّ تأثير العلم الإجمالي في وجوب الموافقة القطعية هو على نحو الاقتضاء و ليس على نحو العليّة.

و هذا الكلام من الميرزا (قده)، انّ حملناه على محمل الجد و الاستدلال فلا محصل له، لأنّه لا معنى لتعليل كون العلم الإجمالي هناك علّة لحرمة المخالفة القطعية بأنّ الترخيص فيها يكون ترخيصا في المعصية، و عدم كونه علّة لوجوب الموافقة القطعية، لأنّ الترخيص بأحد الأطراف هنا لا يكون ترخيصا في المعصية.

و ذلك لأنّ المقصود من المعصية هو ما حكم العقل بكونه منافيا لحقّ المولى، إذ حكم العقل بالمنافاة لحقّ المولى و عدمها هو فرع إثبات العليّة أو الاقتضاء في المقام الّذي هو محل النزاع، لأنّه هو الّذي ينقح لنا حكم العقل و حدود حكمه من ناحية الإطلاق و التعليق.

و لأجل هذا ينبغي أن يحمل هذا الكلام من الميرزا (قده) على أنّه مجرد منبّه وجداني، لأنّه لا يعقل تعليل عدم العليّة بما يتوقف على عدم العليّة، و لهذا لا يكون هذا الكلام صياغة لبرهان، و إنّما يرجع هذا البيان الحلّي إلى دعوى وجدانية، على كون العلم الإجمالي ليس علّة تامة لوجوب الموافقة القطعية.

و أمّا الموقف الحلّي للمحقّق العراقي (قده) (1) القائل بالعليّة، فإنّه قال في مقام البرهنة، بأنّنا لا نحتاج إلى مزيد برهان إضافة إلى ما تقدّم على إثبات العليّة، لأنّنا جميعا متفقون على أنّ العلم الإجمالي ينجز شيئا «ما» على نحو العليّة، لكنّنا مختلفون في أنّ ما ينجزه ما هو؟ فهل‏

____________

(1) مقالات الأصول: العراقي، ج 2، ص 12.

443

هو الجامع، أو الواقع؟ فإذا ثبت، كما عرفت، انّ العلم الإجمالي ينجز الواقع، إذن، فالعليّة تترتب قهرا حينئذ، و لذا لم يتوهم أحد ممّن قال بتنجز الجامع أنّه على نحو الاقتضاء، و إنّما انصبّ الخلاف على شخص المنجز، و أنّه ما هو، الواقع، أو الجامع؟

و قد برهنا بما لا مزيد عليه بأنّ المنجز هو الواقع، و معه يكون منجزا بنحو العليّة.

و هذا الكلام من العراقي (قده) لا محصّل له أيضا إذا حملناه على محمل الجد و الاستدلال، و ذلك لأنّا لا نسلّم كون التنجيز عليّا أمر مفروغ عنه حتّى على تقدير كون المنجز هو الواقع، لأنّه حتّى على فرض كون المنجز هو الواقع، فهو لا يعني عدم تنجز الجامع أيضا، إذ أنّ الجامع محفوظ في ضمن الواقع، و معه، يكون هناك تنجيز للجامع و تنجيز للخصوصية و الواقع، و تنجيز الجامع عليّ، و تنجيز الخصوصية محل خلاف، في أنّه علي أو لا.

و كأنّ المحقّق العراقي (قده) فرغ عن انّ المنجز بالعلم الإجمالي هو شي‏ء واحد، و هو إمّا الجامع فقط، و إمّا الواقع فقط، و بنى استدلاله على ذلك بعد الفراغ عن أنّ التنجيز علي، و حينئذ ألزم القائلين بذلك، و قال إذا كان الأمر كذلك، فنحن قد أثبتنا أنّ المنجز هو الواقع، إذن لا بدّ من الاعتراف بالعليّة و إلّا لزم إمكان الترخيص بكلا الطرفين، لأنّ العلم الإجمالي إذا لم يكن له إلّا تنجيز واحد للواقع، فهو إمّا معلّق أو لا، و الثاني هو المقصود، و معنى هذا أنّ الأول يرتفع بالترخيص، إذن لو رخّص في كلا الطرفين لكان معقولا، لأنّه تنجيز معلّق، بينما القول بتنجيز الواقع لا يعني عدم تنجيز الجامع في ضمنه.

و نحن نلتزم بتنجيزين، للجامع، و للخصوصية، و كون تنجيز الجامع على نحو العليّة لا يستدعي أن يكون تنجيز الخصوصية على نحو العليّة

444

بل قد يقال بأنّ المنجزية بلحاظ الخصوصية الواقعية اقتضائي اللّهمّ إلّا أن يرجع ما ذكره إلى دعوى أنّ الوجدان قاض بأنّ العلم الإجمالي منجز للواقع بنحو العليّة.

و الحاصل هو إنّا لا نسلّم كون التنجيز عليّا حتّى على تقدير كون المنجز هو الواقع، و الوجه في ذلك أنّه إذا كان الواقع هو المنجز، فهذا معناه تنجيز الجامع أيضا، لأنّ الجامع محفوظ في ضمن الواقع، فيثبت حينئذ تنجيز للجامع و تنجيز للخصوصية و الواقع، و تنجيز الجامع علي، إلّا أنّ تنجيز الخصوصية محل الكلام، فالمحقّق العراقي (قده) فرض أنّ المنجز بالعلم الإجمالي هو إمّا الواقع فقط، و إمّا الجامع فقط، و بنى استدلاله على ذلك بعد الفراغ عن أنّ التنجيز علي، مع أنّ الأمر ليس كذلك لما عرفت من أنّه إذا كان المنجز هو الواقع فيتنجز الجامع في ضمنه و لا يتمّ كلامه حينئذ لما ذكرناه إلّا أن يحمل كلامه على دعوى وجدانية فلا يرد عليه ذلك.

و قد نقض كل من هذين العلمين على الآخر بنقض لا يلتزم به.

أمّا الموقف النقضي للميرزا (قده) فحاصله: هو أنّه هل صار العلم الإجمالي أشدّ من العلم التفصيلي، إذ قد يكتفى أحيانا في العلم التفصيلي بالموافقة الاحتمالية كما هو الحال عند ما نجري قاعدة الفراغ و التجاوز في الصّلاة إذا شكّ في صحة العمل مع توطين النّفس على المخالفة الاحتمالية حيث يكتفى بما أتى به مع احتمال بطلانه واقعا، و هذا معناه الاكتفاء بالموافقة الاحتمالية في موارد العلم الإجمالي بطريق أولى، و هذا معناه أنّه لا يؤثر في وجوب الموافقة القطعية بنحو علي، و إلّا لنقضنا بموارد العلم التفصيلي كما عرفت.

أمّا نقض العراقي (قده) حيث لم يرتض نقض الميرزا (قده)، فإنّه يقول: بأنّ بعض أعلام العصر نقض بمثل هذا النقض، فخلط بين‏

445

الأصول الجارية في مرحلة ثبوت التكليف، «كالبراءة» و الّتي هي محل الكلام، و بين الأصول الجارية في مرحلة امتثال التكليف، كقاعدة الفراغ و التجاوز و نحوهما.

و أضاف (قده) بأنّنا نقول: إنّ العلم التفصيلي علّة تامة لوجوب الموافقة القطعية كما هو الحال في العلم الإجمالي، و قاعدة الفراغ و التجاوز غير مانعة من هذه العليّة لأنّ قاعدة الفراغ و التجاوز تعبّدنا بالموافقة القطعية إذ مقصودنا بالموافقة هو الأعمّ من الموافقة الوجدانية، و التعبّديّة إذ في موارد قاعدة الفراغ أيضا هناك موافقة قطعية، إذن فالتعبّديّة هنا محفوظة، غايته أنّها تعبّديّة ثبتت بواسطة قاعدة الفراغ، و قاعدة الفراغ و التجاوز لا تنافي العلّية المذكورة، و أين هذا من محل الكلام، فإنّه في مورد العلم الإجمالي إذا جاءت قاعدة أو دليل و تعبّدنا بأنّ المعلوم بالإجمال إنّما هو في هذا الطرف دون ذاك، فإنّا نلتزم بذلك لأنّ معنى ذلك أنّ امتثال هذا الطرف هو تعبّد بالعلم الإجمالي و امتثال له، و يكون حينئذ موافقة تعبّديّة و هذا لا ينافي العليّة، إلّا أنّ كلامنا في أنّه هل يجري أصل ترخيصي ينفي بها التكليف رأسا كإجراء أصالة البراءة في أحد الطرفين بحيث ينفي بها التكليف رأسا، و ليس محل كلامنا فيما ذكره، لأنّ إجراء هذا الأصل يتنافى مع الموافقة القطعية إذ بإجرائه لا تتحقّق لا الموافقة الوجدانية و لا التعبّديّة، إذن فالقول بعليّة العلم الإجمالي لوجوب الموافقة القطعية إنّما ينافي الأصول التكليفيّة لا الأصول الامتثاليّة.

و قد أشرنا سابقا، إلى أنّ كلمات فوائد الأصول في المقام مضطربة، و أنّ بعضها يناسب ما ورد في أجود التقريرات، من أنّ تأثير العلم الإجمالي في وجوب الموافقة القطعية فرع تعارض الأصول، و قد عرفت أنّه حينئذ لا معنى لبحثنا بناء على هذا المسلك، و هناك بعض‏

446

الكلمات في فوائد الأصول يناسب القول بالعليّة حيث يذكر بأنّ العلم الإجمالي علّة تامة لوجوب الموافقة القطعية لكن الأعمّ من الموافقة التعبّديّة و الوجدانيّة، و هنا كأنّه يفترض وجود من يقول بالتأثير العلّي في خصوص الموافقة الوجدانيّة و كأنّه يفترض أنّ خصمه يدّعي أكثر من ذلك، و من هنا نقض بموارد قاعدة الفراغ و التجاوز و نحوهما.

و حينئذ، بناء على ما ذكره يرد نقضه.

إلّا أنّه لا نعرف خصما يدّعي أكثر من ذلك بل العراقي (قده) و غيره من القائلين بالعليّة يذهبون إلى أنّ العلم الإجمالي علّة تامة لوجوب الموافقة القطعية الأعمّ من الوجدانيّة و التعبّديّة.

كما أنّ هناك بعض الكلمات في فوائد الأصول للميرزا (قده) تناسب القول بالاقتضاء حيث يذكر أنّ العلم الإجمالي يقتضي وجوب الموافقة القطعية، لكن لو جرى الأصل في بعض الأطراف بلا معارض لكان ذلك مانعا عن تأثير ذلك المقتضي، و هذا الكلام منه يناسب المسلك الأول.

ثمّ انّه في مقام استخلاص النتيجة و التفريع يوجد اضطراب في كلامه في الفوائد أيضا، فهو تارة يقول كما ذكرنا آنفا من أنّه لو جرى الأصل في بعض الأطراف بلا معارض لأخذنا به، لأنّ العلم الإجمالي لا يمنع من ذلك، لأنّ تأثيره في وجوب الموافقة اقتضائي و ليس عليّا.

و هذا التفريع يتناسب مع مبناه القائل بالاقتضاء، لكن في بعض الكلمات يقول: إنّه إذا جرى الأصل في بعض الأطراف نستكشف جعل البدل في الطرف الآخر، بمعنى أنّ امتثال الطرف الآخر يكون موافقة قطعية تعبّديّة.

و هذا التفريع يتناسب مع القول بالعليّة، لأنّ معنى ذلك، انّ جريان‏

447

الأصل في بعض الأطراف لا يمكن إلّا إذا أحرزت الموافقة القطعية للتكليف المعلوم بالإجمال و لو تعبّدا، و ذلك يجعل البدل كما عرفت، بينما القول بالاقتضاء لا يستدعي إحراز ذلك فيما إذا جرى الأصل في بعض الأطراف.

و الحقّ في المقام هو، أنّه إذا أخذنا بالإطار الفكري لكل من العراقي و الميرزا «قدهما»، و عشنا نفس تصوراتهما، يكون الحقّ مع العراقي (قده) ضمن ذاك الإطار حيث أنّ العراقي أعطى تصورا واضحا و محدّدا للقول بالعليّة، و القول بالاقتضاء حيث ذكر أنّ القول بالعليّة عبارة عن أنّ العلم الإجمالي يأبى عن إمكان الترخيص و لو في بعض أطراف العلم الإجمالي، و ذكر أنّ القول بالاقتضاء معناه، أنّ العلم الإجمالي يؤثر في وجوب الموافقة القطعية، لكن معلّقا على عدم جريان الأصل في بعض الأطراف.

و أمّا بالنسبة إلى ما نقض به الميرزا (قده) على العراقي (قده) في مبنى العليّة، فقد دفعه العراقي آنفا بأنّه فرّق بين الأصول الجارية في مقام نفي التكليف، و الأصول الجارية في مقام التعبّد في إحراز الامتثال، فالعلم الإجمالي و التفصيلي إنّما يكونان علّة تامة لوجوب الموافقة الأعمّ من الوجدانيّة و التعبّديّة، و حينئذ، بقاعدة الفراغ نثبت الموافقة التعبّديّة، و هذا لا ينافي القول بالعليّة، و هذا بخلاف لسان أصالة البراءة في أحد طرفي العلم الإجمالي، فإنّه ينافي مع العليّة.

كما انّ ما ذكره الميرزا (قده) بعد أن لبس ثوب العليّة و ادّعى أنّه ثوب الاقتضاء، حيث قال: انّ جريان الأصل في أحد طرفي العلم الإجمالي، إنّما نقبله باعتباره محرزا لجعل البدل في الطرف الآخر.

فقد أشكل عليه العراقي (قده)، بأنّ جعل البدل- أي تبديل الطرف الآخر ببدله التكليف المعلوم بالإجمال- إن كان مدلولا التزاميا

448

لنفس أصالة البراءة، فهو غير صحيح، لأنّ الأصول لوازمها لا تثبت بها، إذن فلوازم الأصول ليست بحجّة، و إن كان مدلولا التزاميا لدليل أصالة البراءة باعتبار أنّ دليل أصالة البراءة اجتهادي، ففيه: إنّ ذلك الدليل يدلّ بالمطابقة على أصالة البراءة، في هذا الطرف، و يدلّ بالالتزام على جعل البدل في الطرف الآخر لأنّنا نعلم في الخارج باستحالة جعل البراءة في أحد الطرفين من دون جعل البدل في الطرف الآخر.

فإن أراد هذا، فجوابه: انّ دليل الأصل لا يدلّ على ذلك بالالتزام و ذلك لأنّ الترخيص في بعض الأطراف لا يكفي فيه واقع جعل البدل في الطرف الآخر في مقام تحصيل الموافقة القطعية. بل لا بدّ من وصول جعل البدل و العلم به ليكون امتثاله موافقة قطعية تعبّديّة، إذن فأصالة البراءة هنا تتوقف على العلم بجعل البدل في الطرف الآخر، لا على واقع جعل البدل، فإن دلّ دليل الأصل على شي‏ء بالالتزام، فإنّما يدلّ على علمنا بجعل البدل، و من الواضح انّ دليل الأصل لا يدلّ بالالتزام على العلم بجعل البدل في الطرف الآخر لأنّنا لا نعلم بجعل البدل فيه.

و بعبارة أخرى: انّ دليل الأصل يدلّ بالالتزام على شرط معقولية الأصل، و شرط ذلك ليس هو واقع جعل البدل، بل هو العلم به، فما يدّعى أنّه مدلول التزامي لدليل الأصل- و هو جعل البدل- فهو ليس مدلولا التزاميا له، لأنّ جريان الأصل ليس منوطا به، بل هو منوط بوصوله و العلم به، و ما هو شرط في تصحيح جريان الأصل نعلم بعدمه وجدانا إذ أنّه لا علم لنا بجعل البدل من غير ناحية دليل الأصل.

و هذا إشكال صحيح للعراقي على الميرزا «قدهما» ضمن الإطار الفكري لهما، و لكن نحن عند ما نخرج عن ذلك الإطار الفكري لهذين العلمين «قدهما»، و ندخل إلى لب المباني الّتي توضحت فيما بيّناه‏

449

سابقا، نرى أنّ الحقّ في المقام مع الميرزا (قده) في نقضه، و ذلك لأنّنا أوضحنا سابقا أنّ كل القواعد الظاهرية مهما اختلفت ألسنتها فهي ترجع في الحقيقة إلى إيقاع التزاحم في مقام الحفظ التشريعي بين الأغراض الترخيصيّة و الأغراض اللزومية ثمّ تقديم الترخيصيّة على اللزومية، فإنّ المولى كما يجعل «البراءة» حينما تتزاحم أغراضه الإلزامية مع أغراضه الترخيصيّة في مقام الحفظ- أي في مقام التزاحم بين الحرمة الواقعية، و الإباحة الواقعية- تقديما لجانب الإباحة الواقعية على الحرمة الواقعية، كذلك الحال في قاعدة الفراغ و التجاوز عند الشكّ في صحة الصّلاة حيث يقع التزاحم بين حفظ غرضه اللزومي الصّلاتي الموجب لإعادة الصّلاة بين حفظ غرضه الترخيصي الموجب لعدم إعادة الصّلاة لاحتمال كون صلاته صحيحة، فيقدّم هنا غرضه الترخيصي بجعل قاعدة الفراغ.

و التعبير عن هذا التقديم يختلف، فهو تارة يقول: أرخّصك بترك الاحتياط»، و أخرى بلسان، «رفع ما لا يعلمون»، و هو لسان البراءة، و ثالثة يكون بلسان التعبّد بالامتثال كأن يقول: «بلى قد ركعت»، أو «أفترضك راكعا»، إذا كان الشكّ في الصحة من جهة الشكّ في الرّكوع، و هذا هو لسان قاعدة الفراغ، و كل هذه الألسنة تفننات إنشائية اعتبارية لروح واحدة و بأيّها كان التقديم نأخذ به لأنّ جميع هذه الألسنة ترجع إلى معنى واحد كما عرفت أنّه عبارة عن كون الغرض الترخيصي للمولى هنا أهم من الغرض الإلزامي و كذلك الحال بالنسبة لقاعدة الفراغ و التجاوز.

و حينئذ، فلو فرضنا انّا سلّمنا أنّه في موارد العلم التفصيلي يكون الغرض الترخيصي أهم من الغرض اللزومي في مقام الحفظ عند تزاحمهما، بحيث يستدعي من المولى إنشاء حكم ظاهري يفوت به الغرض اللزومي احتمالا، و يحفظ به الترخيصي احتمالا أيضا، فإذا كان‏

450

هذا معقولا، فحينئذ، أي فرق بين أن يكون التقديم بلسان، «رفع ما لا يعلمون»، «و لا يجب الاحتياط»، كما هو لسان البراءة، و بين أنّ بلسان «بلى قد ركعت» كما هو لسان قاعدة الفراغ، فإنّ أحكام العقل في الموافقة القطعية و المخالفة القطعية مرجعها إلى تشخيص حقّ المولى في الطاعة، و إنّما يكون هذا بعد معرفة أغراض المولى و انّه ما ذا يعمل في مقام التزاحم بين أغراضه، فإذا قدّم الغرض الترخيصي احتمالا، على الغرض اللزومي احتمالا، فلا تجب الموافقة القطعية، سواء أ كان التقديم بأيّ لسان، و من أجل هذا فنحن نجري الأصل لو جاءت قاعدة الفراغ بلسان لا يجب الاحتياط، فكذلك ينبغي أن نقبل بلسان بلى قد ركعت، لعدم الاختلاف بينهما عقلائيا، و بهذا يثبت انّ جواب العراقي (قده) عن نقض الميرزا (قده) بالتفريق بين أصالة البراءة، و قاعدة الفراغ غير صحيح، كما يثبت بحسب لب المطلب، إنّ نقض الميرزا (قده) يكون واردا على العراقي (قده) أي على القول بالعليّة، و أنّه إذا اكتفى بالموافقة الاحتمالية في موارد العلم التفصيلي، ففي موارد العلم الإجمالي يكون الاكتفاء بها بطريق أولى.

ثمّ انّ المحقّق العراقي (قده) نقض على الميرزا (قده) لقوله بالاقتضاء بنقضين، أحدهما ذكره في مقالاته‏ (1)، و الآخر في تقريرات بحثه.

أمّا النقض الأول: فحاصله على نحو الإجمال هو أنّ الميرزا (قده) القائل باقتضاء العلم الإجمالي لوجوب الموافقة القطعية، يدّعي فقدان المانع عن هذا الاقتضاء، و ذلك لأنّ المانع- على تقديره- هو جريان الأصول الّتي لا تؤدّي إلى الترخيص في المخالفة القطعية،

____________

(1) مقالات الأصول: العراقي، ج 2، ص 32.

451

و حينئذ يترتب على ذلك، أنّه دائما تجوز المخالفة الاحتمالية في جميع موارد العلم الإجمالي لأنّ هذا الاقتضاء دائما مقرون بالمانع، و هو الترخيص الشرعي في المخالفة الاحتمالية، و هذا الترخيص عبارة عن الأصول المجعولة في دليل أصالة البراءة و نحوها، فإنّ أصالة البراءة و أمثالها من الأصول المرخّصة و المؤمّنة و هي ممّا يدّعي الميرزا (قده) عدم جريانها لا في بعض الأطراف و لا في جميعها، أمّا إنّها لا تجري في بعضها، فلأنّه ترجيح بلا مرجح إن أريد بالبعض البعض المعين، و إن أريد من البعض البعض غير المعين فهو لا وجود له في الخارج، و أمّا إنّها لا تجري في كل الأطراف، فلأنّ الجريان فيها كلها يؤدّي إلى المخالفة القطعية، و من هنا يبني الميرزا (قده) على تعارض الأصول و تساقطها في أطراف العلم الإجمالي، و بهذا يتحقّق عنده المقتضي، و عدم المانع لوجوب الموافقة القطعية، أمّا المقتضي فهو العلم الإجمالي، و أمّا عدم المانع فهو عدم جريان الأصول في بعض الأطراف دون البعض المعين و لا البعض المردّد و معناه تساقط الأصول، إذن فالمانع مفقود فتجب الموافقة القطعية.

و من هنا نقض العراقي (قده) على القول بالاقتضاء، بأنّ لازمه جواز المخالفة الاحتمالية دائما، لأنّ مقتضى وجوب الموافقة القطعية مقترن بالمانع عن تأثيره دائما لأنّ أصالة البراءة تجري في بعض الأطراف.

و توضيح ذلك هو أنّ دليل أصالة البراءة يقتضي في نفسه عموما إفراديا، و إطلاقا أحواليا، و الأوّل يقتضي دخول كل طرف من أطراف العلم الإجمالي تحت دليل البراءة و هو رفع ما لا يعلمون، لأنّ كل طرف يصدّق عليه أنّه ممّا لا يعلم، و الثّاني و هو الإطلاق الأحوالي، فهو يقتضي إباحة كل طرف مطلقا، سواء ارتكب الطرف الآخر أم لم يرتكب، إذن،

452

فهناك عموم إفرادي لكل من الطرفين، و هناك إطلاق أحوالي في كل من الطرفين كما لو علم بحرمة أحد المائعين، و حينئذ، من المعلوم أنّه إذا تحفظنا على العموم الأفرادي و الإطلاق الأحوالي معا في دليل الأصل، للزم الترخيص في المخالفة القطعية، لأنّ مقتضى العموم الأفرادي الترخيص بكل منهما، و مقتضى الإطلاق الأحوالي جواز ارتكاب كل طرف حتّى لو ارتكب الطرف الآخر، و هذا معناه الترخيص في المخالفة القطعية، و هذا محال، و لأجل التخلص من هذا المحذور، إذن، لا بدّ من رفع اليد بقدر يرتفع به هذا المحذور، و من الواضح أنّه يكفي في رفعه أن نرفع اليد عن الإطلاق الأحوالي مع التحفظ على العموم الأفرادي و ذلك بأن نلتزم بإباحة كل الأطراف، و هذا معنى التحفظ على العموم الأفرادي، لكن نقول: بأنّ إباحة كل منهما مشروطة بترك الآخر لا مطلقة من جهة فعل الآخر، و هذا معناه: رفع اليد عن الإطلاق الأحوالي، فينتج حينئذ الالتزام بإباحتين في كلا الطرفين، و هو التخيير في جريان الأصول، و أنّ كل طرف مباح بشرط ترك الآخر، و من الواضح انّ مثل هذين الترخيصين المشروطين لا ينتجان الترخيص في الجميع الّذي هو معنى المخالفة القطعية، لأنّه لو ارتكب أحدهما لا يكون الآخر مباحا، إلّا أنّه ينتج الترخيص في المخالفة الاحتمالية دائما حيث أنّه يجوز إجراء الأصل في كل طرف بشرط عدم إجرائه في الآخر، إذن لا محذور في هذين الترخيصين على مبنى الاقتضاء و إنّما يتعيّن الالتزام بإجراء الأصل مشروطا في كلا الطرفين لأنّ العموم الأفرادي و الإطلاق الأحوالي كل منهما حجّة و لا يجوز رفع اليد عن الحجّة إلّا بمقدار الضرورة، فيرفع اليد عن الإطلاق الأحوالي.

و بهذا يثبت أنّه على القول بالاقتضاء، دائما يكون دليل الأصل مستلزما المخالفة الاحتمالية، و معه يكون المقتضي مقترنا بالمانع عن التأثير في وجوب الموافقة القطعية دائما.

453

و هذا النقض لا يرد على القول بالعليّة، إذ بناء عليها يستحيل الترخيص الظاهري في المخالفة الاحتمالية، بل حتّى لو ساعد إطلاق دليل على ذلك، وجب رفع اليد عن هذا الإطلاق.

و كأنّ هذا النقض شاع عن المحقّق العراقي (قده) و استحكم، حتّى أنّ المحقّق الكاظمي مقرر بحث الميرزا (قده) في فوائده هوّن من شأن هذا النقض- معتذرا بأنّ هذا النقض إنّما توسع و استحكم، لأنّ شبهة التخيير في جريان الأصول أصبحت مركوزة في أذهان المحصلين، و أنّه بعد هذا البيان لم يبق من هذه الشبهة أثر و لا عين.

و الإنصاف إنّ ما ذكره الميرزا (قده) لا يدفع هذه الشبهة و هذا النقص، لأنّها شبهة قوية و مستعصية خصوصا على القول بالاقتضاء، فإنّ تخريج عدم جريان الأصول بنحو التخيير- بناء على الإطار الفكري لعلماء الأصول- في غاية الإشكال، و ما ذكره الكاظمي (قده) في فوائده لا يرجع إلى محصّل معقول بحيث يكون جوابا على هذه الشبهة.

و لكن سوف نتعرّض لبحثها في موردها في الأصول العملية، لأنّ بحثها مرجعه إلى موارد جريان الأصول، بينما الكلام هنا هو في مقدار ما يرجع لتنجيز العلم، و أمّا جريان الأصول فعلا فهو بحث إثباتي موكول إلى الأصول العملية، و هناك سنذكر هذه الشبهة، و نوضح عدم ورودها على القول بالاقتضاء، كما سنوضح هناك، انّ التخيير بالمعنى الّذي أفاده المحقّق العراقي (قده) هو على خلاف صناعة الأدلة.

2- النقض الثاني: للعراقي (قده) (1) هو، أنّه إذا كان العلم الإجمالي مقتضيا لوجوب الموافقة القطعية، لا علّة تامة له، إذن فالعلم التفصيلي أيضا كذلك إذ لا فرق بينهما من هذه الناحية، و لازم ذلك أنّ‏

____________

(1) منهاج الأصول: الكرباسي، ج 3، ص 87- 88.

454

العلم التفصيلي لا يمنع عن جريان البراءة المرخّصة في المخالفة الاحتمالية، مع أنّه لا يلتزم أحد بإجراء البراءة في موارد العلم التفصيلي فيما إذا كانت المخالفة الاحتمالية واردة، و ذلك كما لو فرض أنّه وجبت عليه صلاة الظهر، و علم المكلّف بذلك الوجوب تفصيلا، ثمّ شكّ في امتثاله و أنّه أتى بها أم لا، ففي مثله، يرجع الشكّ إلى الشكّ في بقاء الوجوب و سقوطه، و حينئذ، بناء على القول بالاقتضاء لا مانع من جريان البراءة عن الوجوب، مع أنّه لا يلزم منه مخالفة قطعية للعلم التفصيلي، و إنّما يلزم منه المخالفة الاحتمالية لاحتمال أن يكون قد أتى و امتثل هذا الوجوب، مع أنّه لا إشكال عندهم في انّ المقام من موارد أصالة الاشتغال، باعتبار أنّ الشغل اليقيني يستدعي الفراغ اليقيني، مع أنّه لو بنيّ على عدم عليّة العلم التفصيلي لوجوب الموافقة القطعية و جواز الترخيص في المخالفة الاحتمالية لتعين إجراء البراءة، و تكون حينئذ حاكمة على أصالة الاشتغال.

و قد يقال في الجواب عن هذا النقض، انّ عدم جريان البراءة في المقام ليس باعتبار انّ المقام ليس من مواردها، بل باعتبار انّها محكومة لاستصحاب حكمي، و هو استصحاب بقاء الوجوب السابق، فإنّ هذا المكلّف بعد أن يشكّ في الامتثال، يشكّ في بقاء الوجوب السابق، و حينئذ، يستصحبه، أو أنّها محكومة لاستصحاب موضوعي، و هو استصحاب عدم الامتثال، فإن عدم الامتثال هنا استصحاب موضوعي، إذن فالبراءة هنا لا تجري باعتبار الأصل الحاكم.

و هذا البيان لا يكفي لدفع هذا النقض و ذلك لوضوح أنّه لا يوجد أحد يلتزم بأنّ البراءة تجري لو لا الاستصحاب، فإنّ غاية ما يفيده هذا البيان أنّ البراءة لا تجري لوجود أصل حاكم عليها، مع أنّه من المسلّم به انّ هذا المورد في نفسه ليس مورد للبراءة، بل هو مورد لأصالة