بحوث في علم الأصول - ج11

- الشيخ حسن عبد الساتر المزيد...
473 /
455

المبنى الثاني: هو أنّ العلم الإجمالي ينجز الواقع المعلوم بالإجمال، و معه: فهو يوجب الموافقة القطعية، و حينئذٍ، و على أساس هذا المبنى الثاني يمكن لأصحابه أن يدعوا: أنّه في فرض عدم وجود المزية تستحيل الموافقة القطعية، لأنّها ضرورية الثبوت، إلّا أنّه في فرض وجود المزية إذا استحالت الموافقة القطعية كما عرفت، لكن الموافقة الظنية غير مستحيلة، فإنّ المزية تكفي في تحصيل الموافقة و تنجيزها، فإنّ مزية الظن تكون واسطة في تنجيز العلم الإجمالي، لأنّها تكون الاحتمال الأقرب إلى الواقع، هذا فيما لو فرض وجود مزية في الاحتمال.

ب- الحالة الثانية: هي ما لو فرض وجود مزية في المحتمل،

فهنا أيضاً لا يؤثر العلم شيئاً على كلا المبنيين في العلم الإجمالي، إذ قد عرفت أنّه على المبنى الأول يقال بتنجيز العلم الإجمالي للجامع فقط.

و قد أجيب سابقاً: بأنّ العلم الإجمالي ليست بيانيته أكثر من مقدار الجامع، مضافاً إلى كون الجامع ضروري التحقق، إذاً، فلا يتنجز ثانية.

و كما عرفت أيضاً، أنّه على المبنى الثاني إذا أمكن أن نتنزل إلى الموافقة الظنية لعدم إمكان الموافقة القطعية عند ما كانت المزية زائدة في الاحتمال، فإنّه هنا عند ما تكون المزية في المحتمل لا يمكن قياسها بمزية الاحتمال، لأنّ نسبة العلم الإجمالي في أفق النفس على حد سواء بالنسبة لكلا المحتملين هنا، و قد عرفت استحالة الموافقة القطعية، و كذلك استحالة موافقة الجامع في الاحتمال، فكذلك هنا

456

أيضاً في المحتمل. إذاً، فلا يجب الإتيان بالطرف ذي المزية على كلا المبنيين في منجزية العلم الإجمالي، اللهم إلّا إذا فرض احتمال مرتبة أهم من التكليف في أحد الجانبين، فيكون هذا الأهم منهما داخلًا تحت التأمين، و إلّا فكما عرفت أن لا منجزية لهذا الاحتمال في المحتمل.

هذا، و من الواضح أنّه لا يقاس ما نحن فيه بموارد دوران الأمر بين التعيين و التخيير على القول: بأنّ الأصل هو التعيين، و كذلك لا يقاس ما نحن فيه بموارد ترجيح أحد المتزاحمين على الآخر باحتمال الأهمية، فإنّ كل هذا القياس إنّما هو قياس مع الفارق، لأنّه في مورد دوران الأمر بين التعيين و التخيير مع القول: بأصالة التعيين-، نعلم إجمالًا بأحد وجوبين: إمّا التعييني، و إمّا التخييري، و حينئذٍ بناء على القول: بالتعيين، يمكن الموافقة القطعية لهذا العلم الإجمالي، و ذلك بأن نأخذ بجانب التعيين و نأتي به وجوباً، و هذا بخلاف العلم الإجمالي فيما نحن فيه، حيث لا يمكن فيه الموافقة القطعية.

و أمّا فرق ما نحن فيه عن مورد ترجيح أحد المتزاحمين المحتمل الأهمية على الآخر، فهو أنّنا نتمسك بإطلاق دليل الأهم، أو محتمل الأهمية حتى لحال الاشتغال بالواجب غير الأهم، بخلاف وجوب المهم، لأنّ وجوبه مقيّد بعدم الاشتغال بالأهم أو محتمل الأهمية، و بهذا يتضح فرق هذين الموردين عن مورد دوران الأمر بين المحذورين، مع العلم بحكم واحد مردد بين وجوب الفعل و وجوب تركه، و هذا كله فيما إذا فرض عدم تكرر الواقعة مع فرض كون الطرفين توصليين.

المقام الثاني: هو فيما إذا فرض عدم تكرر الواقعة مع فرض كون أحد الطرفين تعبدياً،

457

كما في مثل صلاة المرأة المحتملة للحيض، إذا بنينا على الحرمة الذاتية للصلاة على الحائض، و هنا نفترض عدم وجود مزية احتمالية أو محتملية في أحد الطرفين، و في مثل هذا، حينئذٍ يؤثر العلم الإجمالي في اقتضاء حرمة المخالفة القطعية، لأنّها تصبح ممكنة، إذ يمكنها أن تصلّي لا بقصد القربة، و لكن تبقى الموافقة القطعية غير ممكنة، لأنّها غير مقدورة كما مر، إذاً، يبقى العلم الإجمالي منجزاً بمقدار المخالفة القطعية.

و كون العلم الإجمالي يؤثر في اقتضاء المخالفة القطعية، لأنّها تصبح ممكنة، فهو لا يسقط عن المنجزية حتّى و إن كانت الموافقة القطعية مستحيلة، كما ذهب إلى ذلك المحقق الخراساني (قده) ( (1)).

و من هنا اعترض عليه المحقق العراقي (قده) ( (2))، حيث أفاد: بأنّ هذا لا يتناسب مع مبناه في مسألة الاضطرار في الشبهة المحصورة إلى أحد أطراف العلم الإجمالي، حيث بنى هناك على سقوط العلم الإجمالي عن التنجيز رأساً حتى للمخالفة القطعية، و ذلك لأنّ الترخيص التخييري يتنافى مع التكليف المعلوم بالإجمال، إذ إنّ الترخيص في المقام هو تخييري أيضاً، لأنّه بحسب الفرض لا يقدر على المخالفة القطعية، إذاً، فهو مضطر إلى أحد الطرفين لا بعينه و ما نحن فيه من هذا القبيل.

ثمّ يعقب العراقي (قده) قائلًا: إنّنا و إن كنّا نلتزم بما اختاره‏

____________

(1) كفاية الأصول: الخراساني، محشّى المشكيني، ج 2، ص 207

(2) مقالات الأصول: العراقي، ج 2، ص 84 83، المطبعة العلمية في النجف الأشرف 1358 ه-.

458

(قده) هنا من التنجيز، لكن لا يرد علينا هذا الإشكال، لأنّنا لا نقول: بسقوط العلم الإجمالي عن التنجيز بسبب الاضطرار إلى أحد طرفي العلم الإجمالي لا بعينه.

نعم، ما اختاره المحقق الخراساني ( (1)) في فرض المسألة سابقاً إنّما يتم على المبنى الآخر المختار من بقاء منجزية العلم الإجمالي بلحاظ المخالفة القطعية حتى مع الاضطرار إلى بعض أطرافه.

إنّ لنا في المقام تعليقين.

التعليق الأول: هو أنّه على فرض أن يكون ما نحن فيه من موارد الاضطرار إلى أحد الأطراف لا بعينه، فهل يتم كلام المحقق العراقي (قده) أو لا؟

التعليق الثاني: هو في تحقيق أصل دخول ما نحن فيه موارد الاضطرار إلى أحد الأطراف لا بعينه، و عدمه.

أمّا التعليق الأول: فإنّه بناء على دخول محل الكلام في موارد الاضطرار إلى أحد الأطراف لا بعينه، فإنّه حينئذٍ يرد على المحقق العراقي نفس ما أورده على الآخوند (قده) من عدم انسجام ما اختاره من التنجيز لمبانيه في العلم الإجمالي، لأنّ العراقي (قده) يرى عليّة العلم الإجمالي للموافقة القطعية، و إنّما يقول بحرمة المخالفة القطعية في موارد العلم الإجمالي مع الاضطرار إلى أحد الأطراف لا بعينه، من باب التوسط في التكليف و ليس من باب التوسط في التنجيز كما يذهب إليه المحقق النائيني (قده)، حيث إنّ التكليف الواقعي عند الميرزا (قده) ثابت على حاله، و إنّما طرأ النقص على جانب‏

____________

(1) مقالات الأصول: العراقي، ج 2، ص 84 83، نفس الطبعة.

459

التنجيز ( (1))، ذلك لأنّ العلم الإجمالي ليس علة تامة لوجوب الموافقة القطعية عنده، و لذلك فهو يقول: بالتوسط في التنجيز، بينما العراقي ( (2)) يقول: بالتوسط في التكليف، بمعنى أنّ التكليف الواقعي عنده الثابت في أحد الأطراف متقيّد بفرض مخالفة الطرف الآخر، و بعبارة أخرى: فإنّ التكليف يتبدل من التعينية إلى التخييرية.

و من هنا أشكل على المحقق العراقي بأنّ الترخيص التخييري كما يراه هو، ينافي بقاء التكليف الواقعي على حاله، لأنّ العلم الإجمالي عنده علة تامة لوجوب الموافقة القطعية، بينما التكليف الواقعي في أيّ فرد كان متقيّداً بفرض مخالفة الفرد الآخر، و هذا غير معقول فيما نحن فيه، لأنّه لا يعقل أن يكون وجوب الفعل بقصد القربة مشروطاً بمخالفة الفرد الآخر، أي الحرمة، لأنّها مساوقة مع الفعل، و قد عرفت سابقاً أنّه مع فرض الفعل في المرتبة السابقة لا يعقل محركية داعي القربة.

و حينئذٍ، ينبغي للمحقق العراقي أن يختار سقوط التكليف القربي المعلوم بالإجمال رأساً، لأنّ بقاء التكليف مطلقاً ينافي الترخيص التخييري، و بقاؤه مشروطاً غير معقول كما عرفت، إذاً، فيكون حال المكلّف مضطراً إلى أحد طرفي العلم الإجمالي المعين، موجباً لسقوط التكليف في الطرف الآخر، و معه تجري البراءة عنه لصيرورة حال المكلّف شاكاً في أصل التكليف.

و بهذا، يتضح أنّ قول العراقي (قده): بالتوسط في التكليف دون‏

____________

(1) فوائد الأصول: الكاظمي، ج 4، ص 35 34

(2) فوائد الأصول: الكاظمي، ج 4، ص 35 34.

460

التنجيز، لا يتناسب مع قوله: بحرمة المخالفة القطعيّة في المقام، إذاً، فعاد الإشكال جذعاً عليه، إذ كما أورد على المحقق الخراساني (قده)، من أنّه كان عليه أن يقول: بسقوط التكليف في المقام، صار نفس الإشكال وارداً عليه، و معه يسلم من هذا الإشكال الميرزا (قده)، حيث إنّه يسلك مسلك التوسط في التنجيز.

نعم، يمكن للعراقي أن يسلم من هذا الإشكال فيما لو كان كلا الطرفين تعبدياً، لأنّه حينئذ يمكن أن تكون مخالفة الطرف الآخر من الإتيان بالطرف الأول، بل بصدور الترك غير القربي من المكلف، و معه: يمكن الأمر بالفعل حينئذ، أو بالعكس، فيمكن معه الأمر بالترك.

التعليق الثاني: هو أنّ الصحيح، أنّ محل الكلام من قبيل الاضطرار إلى أحد الفردين بعينه، معه يكون العلم الإجمالي فيه منجزاً، لأنّه في طول الاضطرار إلى مخالفة أحد الحكمين المحتملين لا بعينه، و عدم إمكان الموافقة القطعيّة، إذا، هنا يفقد المكلف القدرة على الإتيان بالعمل بقصد القربة، و معه: يكون مضطراً إلى ترك و مخالفة الوجوب بعينه، و ذلك لأنّ داعوية قصد القربة إلى الفعل تتوقف على أرجحيّة الفعل على الترك، إمّا رجحانه بلحاظ عالم حق المولوية، و إمّا رجحانه بلحاظ عالم أغراض المولى بالمقدار الواصل منها إلى المكلف، و من المعلوم انتفاء كلا المرجحين في محل الكلام، أمّا انتفاؤه بلحاظ أغراض المولى، فلأنّ كل واحد منهما يوصل إلى غرض المولى إيصالًا احتمالياً، و أمّا انتفاؤه بلحاظ حق المولويّة و الطاعة، فلأنّه حق لا يقتضي أكثر من عدم المخالفة القطعيّة، و نسبة ذلك إلى الفردين على حدّ سواء، و معه: نقطع بسقوط

461

الوجوب العبادي،- فيما لو قدر ثبوته في نفسه- و ذلك لعدم القدرة على امتثاله، و بذلك يصبح احتمال الحرمة مشكوكاً شكاً بدويّاً، و بذلك يكون منفياً بالبراءة لكونه شكاً في أصل التكليف، و هكذا الحال فيما لو كان كلاهما أمراً تعبدياً.

و بهذا، يتضح عدم سلامة المحقق النائيني (قده) من الإشكال المزبور، حتّى على مبناه من التوسط في التنجيز.

نعم، لو فرض كون الوجوب العبادي أقوى احتمالًا أو محتملًا، أمكن حينئذ الإتيان به بقصد القربة، لكن عرفت التساوي بينهما بحسب الفرض.

و هناك محاولة لإثبات منجزية العلم الإجمالي في محل الكلام بواحد من تقريبين، يرجعان بالدقة إلى روح واحدة.

التقريب الأول: هو أن يقال: إنّ الإتيان بالفعل بداع آخر غير إلهي، أي غير داعي القربة إلى الله تعالى، هو مقطوع الحرمة بالعلم التفصيلي، لأنّه إمّا لكونه محرماً بالحرمة النفسية، و معه: يكون الفعل حراماً بجميع حصصه التي منها الفعل بداع آخر إلهي، و إما لكونه حراماً بالحرمة الغيرية فيما إذا كان التكليف هو وجوب الفعل العبادي بقصد القربة، هذا بناء على أنّ الأمر بشي‏ء يقتضي النهي عن ضده الخاص، ذلك لأنّ الفعل بداع آخر غير قربي، هو ضد للفعل بداع قربي، غاية الأمر هي أنّ هذه الحرمة المعلومة بالعلم التفصيلي تكون محتملة السقوط بالعجز عن تحصيل ملاكها، لأنّه على فرض كونها حرمة غيريّة، يكون تحصيل ملاكها بإتيان الضد الواجب- الذي هو الفعل بقصد القربة- غير مقدور للمكلف، و معه: يدخل هذا تحت كبرى العلم بأصل التكليف، و يكون الشك فيه حينئذ شكاً في السقوط

462

من ناحية الشك في القدرة على امتثاله، و في مثله يقال: بالاحتياط بلزوم الاشتغال دون البراءة.

و بهذا، يتضح الفرق بين هذا المورد، و بقيّة موارد الاضطرار إلى أحد فردي العلم الإجمالي بعينه، إذ في سائر الموارد ليس هناك حكم واحد نقطع به لو لا العجز، و نحتمل سقوطه بالعجز، بل كان أحد الفردين يقطع بعدم التكليف به للقطع بالعجز عنه كما عرفت، و الفرد الآخر يشك في أصل التكليف به، و إن كنّا نقطع بعدم العجز عنه، بينما هنا في محل الكلام يوجد شي‏ء واحد هو، الفعل بداع آخر غير قربي نقطع بحرمته لو لا العجز، و نحتمل سقوط حرمته بالعجز.

و جوابه:- هو أنّه مضافاً إلى فساد مبنى اقتضاء الأمر بشي‏ء للنهي عن ضده- هو أنّ الحرمة الغيريّة لا تدخل في العهدة، و إنّما الذي يدخل في العهدة هو الغرض النفسي، إذ هذا الغرض هو المطلوب مولوياً، و هذا الغرض مردد بين غرضين: كلاهما محتمل، إلّا أنّ أحد هذين الغرضين مقطوع السقوط للعجز عنه، و الآخر يشك في أصل ثبوته كما عرفت.

التقريب الثاني: هو أن يقال: إنّ تحريك الداعي غير القربي للفعل نقطع بكونه مبعداً للمكلف عن غرض المولى، لأنّ غرض المولى لا يخلو من أحد غرضين: إمّا الترك، و إمّا الفعل القربي، فإن كان غرض المولى في الترك، فمن الواضح حينئذ أنّ تحريك هذا الداعي إلى الفعل يبعد عن غرضه، و إن كان غرض المولى هو الفعل بداع قربي الذي هو ضد الفعل بداع آخر، فأيضاً تحريك هذا الداعي حينئذ، يبعّد عن غرض المولى، فإنّ تحريك الداعي نحو شي‏ء، كما يقرب المكلف من الشي‏ء، فهو أيضاً يبعده عن ضد ذلك الشي‏ء، حتّى‏

463

لو قيل: بالملازمة بين فعل أحد الضدين لترك الآخر، إذاً، و الحال هذه، لا بدّ من استقلال العقل بقبح هذا التحريك.

و جوابه: أنّ العقل لا يستقل إلّا بقبح مخالفة المطلوب النفسي للمولى الواصل إلى المكلف، و هنا في محل الكلام يوجد غرضان نفسيان محتملان للمولى، يدور أمره بينهما، أحدهما نقطع بسقوطه عن المكلف للعجز عنه، و الآخر، و إن لم نقطع بالعجز عنه، إلّا أنّه إذا نظرنا إليه وحده يكون حينئذ مشكوكاً بالشك البدوي، و حينئذٍ يجري التأمين بلحاظه.

و بهذا، يتضح أنّ إشكال البراءة في مورد دوران الأمر بين المحذورين عند ما يكون أحدهما تعبدياً، هو إشكال لا يمكن حلّه، لأنّه إن قيل: بأنّ الاضطرار في المقام يكون إلى أحد الفردين لا على نحو التعيين و معه يكون العلم الإجمالي منجزاً، فقد تقدم، أنّ البرهان العقلي على خلاف ذلك، و إن قلنا: بعدم التنجيز رأساً و جواز المخالفة القطعيّة، كان ذلك مستبعداً أصولياً رغم عدم الحجيّة لهذا الاستبعاد.

و لكن رغم أنّ هذا الإشكال لا يمكن التخلص منه أصولياً، إلّا أنّه يمكن التخلص منه فقهياً، و ذلك بدعوى التوسعة في دائرة القربة المعتبرة في العبادات في محل الكلام، حيث إنّه فقهياً لا إشكال في عدم اعتبار كون داعي القربة هو المحرك الفعلي للمكلف نحو العبادة، و إنّما تكفي صلاحيته الفعليّة للمحركية، فإنّه في المقام يوجد داعيان: أحدهما، احتمال الوجوب الداعي إلى الفعل، و الآخر، احتمال الحرمة الداعي إلى الترك، بحيث كان كل منهما في نفسه علّة تامّة لتحريك المكلف نحو الفعل، غايته أنّه ابتلي بالمزاحمة من الداعي‏

464

الآخر، و حينئذٍ، ينبغي للمكلف تحصيل داع نفساني لترجيح الفعل على الترك هنا، و هذا المقدار يكفي في قصد القربة المعتبرة في العبادات، و ذلك لأنّ أصل الداعي القربي حاصل، غاية الأمر أنّه تزاحم بداع قربي مثله، و مثل هذه المزاحمة و إن أنقصت من داعويته، لكنها لا تضر بالقربيّة، لأنّ ناقصيّة هذا الداعي القربي، إنّما نشأت من المزاحمة مع داع آخر دنيوي يحرك نحو ضده و فرض ترجيح فعله بداع آخر دنيوي، إذاً، فمثل هذه المزاحمة لا تضر بعباديّة العمل، لأنّ دليل اشتراط الداعي القربي في العمل العبادي ليس دليلًا لفظياً، و إنّما هو من قبيل الإجماع و نحوه، و هو لا يدلّ على اشتراط أكثر من ذلك المقدار من الداعويّة، إذاً، فيقع الفعل حينئذ عباديّاً، وعليه: فيؤثر العلم الإجمالي أثره بمقدار حرمة المخالفة القطعيّة، إذاً، فكل من الفعل و الترك، إذا صدر من المكلف بداعي ترك المخالفة القطعية، كان كافياً في القربيّة، و به يتحقق غرض الشارع من الفعل أو الترك، و لو كان هذا الداعي إليهما ناقص الداعوية فإنّه يكفي لذلك، لما عرفت سابقاً.

هذا كلّه فيما إذا فرض تساوي طرفي العلم الإجمالي و عدم المزية في أحد المحذورين.

و أمّا إذا فرض وجود مزية احتمالًا، أو محتملًا في أحد الفردين لا بعينه، أو فرضت المزية في الفرد الوجوبي، أو فرض إمكان الحل الفقهي كما عرفته، فإنّه حينئذ يمكن إيقاع الفعل على وجه عبادي قطعاً و حينئذٍ يكون الاضطرار إلى أحد الفردين لا بعينه، و حينئذٍ، إذا اخترنا التوسط في التنجيز في مورد الاضطرار إلى أحد الفردين لا

465

بعينه، تأتّى فيما نحن فيه القول: بتأثير العلم الإجمالي بمقدار حرمة المخالفة القطعيّة، و في هذا السياق يسأل حينئذ، أنّه في ضوء هذا، هل يكون الترخيص في محل كلامنا تخييرياً، أو أنّه يتعيّن الترخيص باقتحام الفرد الآخر الفاقد للمزية، و يبقى الفرد الآخر الواجد للمزية تحت منجزية العلم الإجمالي، أو منجزية الاحتمال، بحيث لا تجوز مخالفته حتّى عند موافقة الفرد الآخر؟ و هذا بحث و إن كنّا قد أشبعنا الكلام فيه في بحث دليل الانسداد.

لكن خلاصته: هي أنّ الترخيص في غير الواجد للمزية- على تقدير موافقة الواجد- أمر متيقن، و أمّا الترخيص فيما يزيد على هذا فهو أمر غير معلوم، فيرجع فيه إلى منجزية العلم الإجمالي، أو منجزيّة الاحتمال.

و هذا خلاف ما تقدم معنا في المقام السابق عند ما كان الأمر يدور بين المحذورين التوصليين، حيث قلنا هناك: إنّ كون أحد الفردين واجداً للمزية من حيث المحتمل، لا يوجب تعيّنه و لا يجب الاحتياط فيه بناء على قاعدة قبح العقاب بلا بيان، بينما هنا في فرض كون أحد المحذورين عبادياً، قلنا: بتعيّن الواجد للمزية منهما، إذ الفرق بين المقامين، هو أنّ العلم الإجمالي هناك لم يكن منجزاً و لو بمقدار المخالفة القطعيّة لما عرفت من استحالة المخالفة القطعيّة، بينما هنا في المقام، المفروض منجزيّة العلم الإجمالي بمقدار المخالفة القطعيّة، و معه تتساقط الأصول المرخصة في أطراف العلم الإجمالي غايته، أنّه يثبت الترخيص بمقدار الاضطرار، و معه يصير احتمال انطباق المعلوم بالإجمال على أيّ طرف من الطرفين منجزاً لذلك الطرف، و لا يمكن رفع اليد عنه إلّا بمقدار الاضطرار الذي قدره المتيقن، هو الترخيص في الطرف الفاقد للمزية، هذا كلّه فيما إذا كان أحد طرفي العلم الإجمالي توصلياً، و بهذا يتّضح أنّه إذا كان‏

466

كلا الطرفين عبادياً، و حينئذٍ لا يتسجل الإشكال الأول على المحقق العراقي (قده)، إذ قد عرفت سابقاً أنّه يعقل إيجاب الفعل بقصد القربة على فرض عدم صدور الترك القربي من المكلف و هكذا العكس، بينما يبقى الإشكال الثاني مسجلًا على العراقي في كلا الجانبين، حيث يصبح المكلف فيهما مضطراً إلى مخالفة كلا الطرفين عند عدم وجود مزية لأحدهما، و أمّا لو كان أحدهما ذا مزية فيتعيّن على المكلف فعله، و معه يصبح مضطراً إلى مخالفة فاقد المزية، و كذلك يرتفع الإشكال في المقام أيضاً بما تقدّم من الحل في الفقه.

المقام الثالث: و هو فيما إذا كانت الواقعة متكررة،

كما لو علم إجمالًا بوجوب فعل (ما) أو حرمته في يوم الخميس و الجمعة معاً، فهنا يقال: إنّ العلم الإجمالي هنا،- الدائر بين المحذورين في اليوم الأول، و كذلك العلم الإجمالي الدائر بينهما في اليوم الثاني- و إن كان يستحيل مخالفته القطعيّة و كذلك لا يمكن موافقته القطعيّة و لا يقبل التنجيز، و حاله حال ما لو لم تتكرر الواقعة.

إلّا أنّه يوجد في المقام علمان إجماليان آخران يمكن مخالفتهما القطعيّة: أحدهما، العلم الإجمالي بوجوب هذا الفعل في يوم الخميس أو حرمته في يوم الجمعة، و هذا العلم الإجمالي يمكن مخالفته القطعيّة حينئذ، و كذلك يمكن موافقته القطعيّة، و ذلك بأن يعكس ما عمل أو لا، فيأتي بالفعل يوم الخميس مثلًا، و بالترك يوم الجمعة، و الثاني من هذين العلمين الإجماليين، هو العلم إجمالًا بحرمة الفعل يوم الخميس، أو وجوبه يوم الجمعة، فهو بعكس العلم الأول، و كذلك مخالفته أو موافقته القطعيّة هي بعكس الأول أيضاً،

467

إذن، فالمكلف يعلم إجمالًا بأنّه لو فعل في أحد اليومين، و ترك في اليوم الآخر فقد خالف مخالفة قطعيّة، و لكن الموافقة القطعيّة فهي و إن لم تكن ممكنة، لأنّ موافقة كل من العلمين تزاحم و تعاكس موافقة الآخر، إلّا أنّ موافقتهما الاحتماليّة ممكنة، و ذلك بأن يفعل في كلا اليومين أو يترك في كليهما، لكن هل تجب الموافقة بعد الفراغ عن منجزية العلم الإجمالي في التدريجيات أم لا؟

فهنا في المقام كأنّه يفرض أن تنجيز العلم الإجمالي في التدريجيات أصلًا موضوعياً مفروغاً عنه، و حينئذٍ يسأل، في أنّ هذا العلم في المقام، هل يكون حاله كحال سائر العلوم المتعارفة، فيكون حينئذ قابلًا للتنجيز أم لا؟

ذهب المحقق الأصفهاني (قده) ( (1)) إلى عدم وجوب الموافقة، لأنّ هذا العلم الإجمالي هنا ليس قابلًا للتنجيز، و ذلك لأنّ المعلوم بالإجمال في المقام تكليفان فقط، و هما: تكليف في يوم الخميس، و تكليف في يوم الجمعة.

أمّا العلم الإجمالي بالتكليف في اليوم الأول، فينبغي أن يفرغ عن عدم منجزيته، لاستحالة مخالفته القطعيّة، و كذلك موافقته القطعيّة.

و أمّا العلم الإجمالي بالتكليف في اليوم الثاني فهو أيضاً كذلك، فينبغي أن يفرغ عن عدم منجزيته، و ذلك لعدم إمكان موافقته القطعيّة، و لا مخالفته القطعيّة أيضاً، و أمّا العلمان الإجماليان التدريجيان، (العلم الإجمالي بوجوب الفعل في اليوم الأول، أو حرمته في اليوم الثاني)، فهما ليسا إلّا علماً واحداً منتزعاً من العلمين الإجماليين الدائرين بين‏

____________

(1) نهاية الدراية: الأصفهاني، ج 4، ص 220 219 218.

468

المحذورين، و ليسا علماً آخر بتكليف جديد وراء التكليفين السابقين، كي يتنجز و تحرم مخالفته القطعيّة.

و قد عرفت أنّ المخالفة القطعيّة المتصورة في ذينك التكليفين، إنّما هي حصيلة مخالفة احتماليّة للتكليف الأول و قد فرغنا عن جوازها، كما عرفت أنّها حصيلة مخالفة احتماليّة للتكليف الثاني، و قد فرغنا عن جوازها أيضاً.

و قد أوردنا عليه أولًا: بأنّه يمكن افتراض هذا العلم الإجمالي- الذي يقول به الأصفهاني- في عرض ذينك العلمين الإجماليين المتقدمين، كما لو علمنا ابتداء بأنّه إمّا تعلق النذر بالفعل في كل من اليومين، أو بالترك في كل منهما، و حينئذٍ يقع الترك في كل واحد من اليومين مرافقاً مع الفعل في اليوم الآخر طرفين للعلم الإجمالي في عرض وقوع الترك و الفعل في أيّ واحد من اليومين مرافقاً للفعل في نفس اليوم، طرفاً للعلم الإجمالي، و معنى هذا: أنّ التكليف قد تعلق به في عرض واحد علمان إجماليان: أحدهما، لا يمكن أن ينجز، و الآخر، يكون منجزاً لحرمة مخالفته القطعيّة.

و أورد عليه ثانياً: بأنّه لا جدوى لكلام المحقق الأصفهاني (قده) حتّى لو فرض كون العلم الإجمالي الثالث في طول العلمين الإجماليين الأولين، لأنّه إذا كان التكليف بذينك العلمين الإجماليين الأولين غير منجز، فليس معنى هذا أنّه يمنع علماً إجمالياً آخر من تنجيز التكليف، بل قد يحصل علم إجمالي آخر في طول ذينك العلمين السابقين، فيتنجز التكليف به.

و الحاصل: هو أن كون التكليف لم يتنجز بعلم إجمالي، لا يمنع من تنجيزه بعلم إجمالي آخر، لأنّ منجزيّة العلم الإجمالي الطولي الآخر لا

469

تتوقف على أن يكون هذا العلم الإجمالي الطولي قد تعلق بتكليف جديد، فإنّ عدم قدرة العلم الإجمالي الأول على تنجيز التكليف لا تمنع علماً إجمالياً آخر في طوله على تنجيز نفس التكليف، فإنّه يكفي تنجيز العلم الإجمالي للتكليف- كما في المخالفة الاحتمالية- إمكان المخالفة القطعية بلحاظ معلوميتها بالعلم الإجمالي الثالث، أو علم إجمالي آخر و إن كانت ممتنعة بلحاظ علوم إجمالية أخرى، لأنّ المنجزيّة من آثار و مقتضيات العلم، و بناء على هذا، يسأل: هل يحكم بحرمة المخالفة القطعيّة في كل من العلمين الإجماليين الأوليين، بحيث إنّه لا يسوغ له إلّا تركهما، أو فعلهما معاً في اليومين الأولين أو أنّه يقال: بإمكان المخالفة لأحدهما لأنّ في مخالفته موافقة قطعيّة للآخر، سيّما إذا كان أحدهما أهم؟

و إن شئت قلت: هل تقدم الموافقة القطعيّة للتكليف الأهم المعلوم بالعلم الإجمالي، على المخالفة القطعيّة للمهم المعلوم بالإجمال أم لا؟، حتّى و لو كانت الموافقة القطعية لأحد العلمين الإجماليين التدريجيين تساوق المخالفة القطعيّة للعلم الإجمالي التدريجي الآخر.

و الخلاصة: هي أنّ الموافقة القطعيّة لكل من العلمين تنافي ترك المخالفة القطعيّة للعلم الآخر، و معه: هل يؤخذ بالموافقة الاحتماليّة لكل من العلمين من دون ملاحظة الأهم و المهم، أو انّه يؤخذ بالأهم أو محتمل الأهميّة من ذينك المعلومين الإجماليين؟

قد يقال: بالأول، و ذلك بأحد تقريبين:

التقريب الأول: مبني على القول: بأنّ العلم الإجمالي علّة تامّة لحرمة المخالفة القطعيّة، و حينئذٍ يكون منجزاً لها، بينما يكون مقتضياً

470

لوجوب الموافقة القطعيّة، فيكون تأثيره في وجوبها تعليقياً، إذًا، فهو ليس علّة تامّة لوجوب الموافقة القطعيّة، و حينئذٍ يقال: إنّ كلًا من العلمين و إن كان يتقدّم في تأثيره في حرمة المخالفة القطعيّة على تأثير الآخر في وجوب الموافقة القطعيّة، لكن لأنّ تأثير الأول كان تنجيزيّاً، بينما تأثير الثاني كان معلقاً على عدم المانع، إذاً، فتكون حرمة المخالفة القطعيّة للعلم الإجمالي بالمهم مانعة عن تنجيز العلم الإجمالي بالأهم الذي هو وجوب الموافقة القطعيّة، شأن كل مقتضيين متزاحمين؛ أحدهما تنجيزي، و الآخر معلق تنجيزه على عدم تأثير الآخر، إذ معه يتقدّم المنجز على المعلق.

و قد أجيب عن هذا التقريب بجوابين:

الجواب الأول‏ هو أن يقال: إنّه لو فرض تسليم هذا المبنى في تعليق تأثير العلم الإجمالي في الموافقة القطعية، فليس معناه: أنّه معلّق على عدم تأثير المقتضي العقلي الآخر كي يكون المقتضي الآخر مانعاً عنه، و إنّما معناه: أنّه معلّق على عدم وصول ترخيص من الشارع في ترك الموافقة القطعيّة، و ليس الترخيص العقلي، و المفروض أنّ عدم وصول الترخيص الشرعي حاصل في كل واحد من الطرفين، و معه يكون اقتضاء العلم الإجمالي لوجوب الموافقة منجزاً كما اقتضى الآخر تنجيز حرمة المخالفة القطعيّة، و معه يقع التزاحم بين المقتضيين، و يكون شأنهما شأن كل تزاحم بين مقتضيين تنجيزيين.

الجواب الثاني‏: هو أنّه ليس معنى تنجيزيّة العلم الإجمالي لحرمة المخالفة القطعيّة أنّ هذه المنجزيّة حتميّة التأثير في ذلك، حتّى لو فرض أنّ التكليف مع وصوله لا يدخل تحت دائرة حقّ الطاعة و المولوية، في قبال الأهم المعلوم إجمالًا، فضلًا عن كونه معلوماً تفصيلًا، و معه فلا

471

يتمّ هذا التقريب في دفع دعوى تقديم الأهم على المهم، بل قد يدعى في المقام: أنّه عند مزاحمة الأهم للمهم لا يدخل المهم أصلًا تحت دائرة حق المولويّة و الطاعة، و لعل نظير هذا ما يحصل للمكلف من قطع تفصيلي بتعلق غرض المولى بشي‏ء، فإنّه رغم هذا القطع يتركه لكونه مزاحماً بغرض أهم ممّا قطع به أو محتمل الأهميّة، فإذا كان هذا مقبولًا في مورد القطع، فليكن مقبولًا في مورد العلم الإجمالي.

التقريب الثاني: هو أن يقال إنّما نرجح بالأهمية عند ما يكون التزاحم بين متعلقي التكليف الشرعي في مقام الجعل من جهة عدم قدرة المكلف على الامتثال، فيصحّ حينئذ أن يرفع المولى يده عن إطلاق الحكم بالمهم، لأنّه يقيّد التكليف حينئذ بعدم الاشتغال بالأهم دون المهم.

و أمّا في محل الكلام فلا تزاحم بين متعلقي التكليفيين واقعاً، لأنّ المكلف قادر على امتثال كلا التكليفين، إذ إنّ الحكمين باقيان على إطلاقهما، و إنّما التزاحم في حكم العقل بلزوم إطاعة التكليف المعلوم بالإجمال هنا و هناك، و ليس من ملاكات حكم العقل بلزوم الإطاعة الترجيح بالأهميّة في المصالح و المفاسد، و إنّما ملاكه حقّ الطاعة للمولى في كلّ ما يكلّف به بدون تفاوت بين تكاليفه من الشدّة و الضعف و الأهم و المهم، إذاً، ففيما نحن فيه يحكم العقل بتقديم حرمة المخالفة القطعيّة لكون اقتضاء العلم الإجمالي تنجيزياً بخلاف وجوب الموافقة القطعيّة، لكون اقتضاء العلم الإجمالي لها تعليقاً، فيقدم التنجيزي على التعليقي حينئذ ( (1)).

____________

(1) دراسات في علم الأصول: الهاشمي الشاهرودي، ج 3، ص 217 213.

472

و قد أجيب عن هذا التقريب، بأننا نمنع عدم تأثير أهميّة التكليف المعلوم بالإجمال في حكم العقل بالطاعة، لأنّه و إن كانت المزاحمة بين حكمين عقليين و ليس بين حكمين في عالم القدرة، و لكن قد عرفت أنّ حكم العقل بالطاعة إنّما يكون بملاك تحقيق ما يهم المولى من أغراضه، و روح هذا، أنّ العقل يحكم على المكلف أن يكون بمنزلة الآلة تكويناً بيد المولى يحركها حيث يريد، و معه فلا محالة أنّه يحركها حيث يريد. و معه فلا محالة انّه يحركها نحو الأهم من أغراضه، و معه لا يكون المهم داخلًا تحت دائرة حقّ المولويّة في فرض موافقة الأهم، حتّى لو أدّى ذلك إلى المخالفة القطعيّة للمهم من أغراض المولى.

و أمّا في مورد عدم كون الأهمية بدرجة كبيرة، فإنّ العقل لا يرى تقديم الموافقة القطعيّة للمهم- المساوقة للمخالفة القطعية للأهم- على الموافقة الاحتمالية لهما، أو العكس، أو أنّه يحكم بالتخيير بينهما. كما ستعرف هذه الخيارات مفصلة في بحوث العلم الإجمالي في مورد اشتباه الواجب بالحرام، هذا كله في مورد فرض كون الحكمين توصليين.

و أمّا في مورد كون أحدهما أو كليهما تعبدياً، فحاله يظهر من مطاوي ما تقدم ممّا ذكرنا في المقام الثاني مع اختلاف في بعض الموارد، سنذكرها إن شاء الله تعالى في مباحث العلم الإجمالي في بحث اشتباه الواجب بالحرام، أو في بحث الأقل و الأكثر الارتباطيين عند دوران الأمر بين الجزئيّة و المانعيّة.

و إلى هنا ننهي البحث في أصالة البراءة بشقيها، و في التخيير.

و الحمد لله كما هو أهله، و صلّى الله على أشرف الخلق و سيّد المرسلين محمد و آله الطيبين الطاهرين المعصومين.

473

و قد تبين لي- بعد اشتداد الفتنة و فجور الطغيان و طول الحصار على الحوزة بشكل عام، و على أستاذنا المعظم و تلامذته بشكل خاص- أنّ هذه السطور هي السطور الأخيرة التي قدّر لي أن أتلقاها و أكتبها تقريراً لأبحاث أستاذنا المعظم شهيد الإسلام السعيد آية الله العظمى حقاً المحقق المجدد السيد محمد باقر الصدر- طاب ثراه- حيث اختطفه عصابات طاغية العراق إلى بغداد، و من ثمّ نفّذت فيه جريمتها التي فاقت جرائم الحجاج الثقفي، بعد نصيحة للطاغية تلقاها من صهاينة الإدارة البريطانية و الأمريكية، فإنّا لله و إنّا إليه راجعون، و سيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون، تغمّد الله سبحانه أستاذنا الشهيد برحمته، و أسكنه مع آبائه الطاهرين و الشهداء و الصديقين، و حسن أولئك رفيقاً، و الحمد لله رب العالمين.

بيروت/ 28 شعبان/ 1424 ه-

14/ 3/ 2003 م‏