بحوث في علم الأصول - ج11

- الشيخ حسن عبد الساتر المزيد...
473 /
55

يكون غير مقدور، و على أيّ حال، فهذا طرز آخر من التفكير غير الطرز الذي تستبطنه قاعدة قبح العقاب بلا بيان، إذ لا يراد بها أنّ التكليف غير مقدور، بل يراد بها أنّ التكليف غير منجز، و لا يستحق العقاب على تركه و إن كان التكليف ثابتاً في الواقع.

و أمّا المحقق، فقد استدل على البراءة بتقريبين:

التقريب الأول: هو أنّه استدل بالاستصحاب، حيث قال: في موارد الشك، الأصل براءة الذمة من التكليف المشكوك.

و هذا التقريب قد أرجع فيه البراءة إلى الاستصحاب.

و من الواضح أنّ الاستصحاب مغاير لقاعدة قبح العقاب بلا بيان نكتة و بياناً.

التقريب الثاني: و يتألف من دعويين.

الدعوى الأولى: هي أنّ التكليف بشي‏ء مع عدم نصب دليل عليه قبيح.

الدعوى الثانية: هي أنّنا نستكشف من عدم وجدان الدليل عدم الدليل، فيتعيّن بعد الفحص أنّ هذا لم نجد عليه دليلًا، و حينئذٍ يكون التكليف به مع عدم نصب الدليل عليه قبيحاً.

إذاً، يفهم من كلامه أنّه لو نصب المولى دليلًا و إن لم يصل إلينا فلا قبح فيه.

و هذا غير ما يراه أصحاب القاعدة، فإنّهم يرون أنّ القبح على عدم البيان، سواء كان هناك بيان و لم يصل، أو لم يكن هناك بيان أصلًا.

56

ثمّ إنّه بعد كلمات المحقق، شاع في كلمات العلماء إدراج البراءة في الاستصحاب، و في الأدلة الظنية و لو من باب أنّ عدم الدليل دليل العدم، حتى إنّه في كلمات البهائي و صاحب المعالم (قده) ما يدلّ على هذا الطرز من التفكير، بل نقل الشيخ الأعظم (قده) في الرسائل بعض الكلمات عن المحقق القمي (قده) تشعر بذلك، و قد استغربه الشيخ.

إذاً، البراءة العقلية تتذبذب بين أن تكون استصحاباً، و هو دليل عقلي عندهم، و بين أن تكون أمارة ظنية و لو من باب أنّ عدم الدليل دليل العدم، و كل هذه لا يستشم منها قاعدة قبح العقاب بلا بيان.

و قد تبلورت قاعدة قبح العقاب بلا بيان في العصر الثالث من عصور علم الأصول على يد الوحيد البهبهاني و صاحب الحاشية على المعالم، شريف العلماء، و من بعده الشيخ الأنصاري (قده).

بل حتى بعد أن تحدّدت بهذه الصيغة وقع الاختلاف فيما بينهم في سعتها و ضيقها فتعاملوا معها كأنّها شبه دليل لفظي.

و مما يدل على عدم كون مضمون هذه القاعدة فطرياً و مترسخاً، هو أنّ جملة من هؤلاء شكّكوا في جريانها في الشبهات المفهومية، فمثلًا: لو شكّ في انطباق مفهوم الغناء على (حالة)، قالوا: لا تجري قاعدة قبح العقاب، إذ لعلّ البيان هنا تام بلحاظ كلمة (غناء).

و أجابوهم: أنّ المقصود من البيان ما يوضح المطلب عند المكلّف، لا البيان في نفسه.

و قد ذهب بعضهم إلى عدم جريانها في الشبهات الموضوعية،

57

لأنّ البيان تام في الشبهات الموضوعية، لأنّ المولى عليه بيان الكليات لا الجزئيات، و إنّما تحقيق الجزئيات على المكلف.

و أجيب: بأن المقصود من البيان ليس لفظه، بل المقصود منه العلم، و من الواضح أنّ العلم بالتكليف في الشبهة الموضوعية غير موجود، لأنّ العلم بالتكليف كما يتوقف على إحراز الكبرى، كذلك يتوقف على إحراز الصغرى، أي على إحراز الموضوع خارجاً.

و كل هذا كما ترى يوحي أنّ فكرة قاعدة قبح العقاب بلا بيان إنّما تبلورت من خلال البحث و الصناعة.

الجهة الثانية: فقد استدل فيها لقاعدة قبح العقاب بلا بيان بتقريبين أو أكثر.

التقريب الأول: و هو التقريب العرفي الساذج الموجود في الرسائل ( (1)).

و حاصله: هو أنّ الإحالة إلى وجدان السيرة العقلائية و العرف و العقلاء، و أنّه إذا وقعت المخاصمة بين العبد و المولى، بأن قال المولى للعبد: كلفتك بالشي‏ء الفلاني، فلما ذا لم تأتِ به، و قال العبد: لم أعلم، أو قال المولى: أوجبت عليك الاحتياط، و قال العبد: لم أعلم بإيجابك الاحتياط.

و هنا يقول شريف العلماء (قده): هنا ينقطع كلام المولى مع العبد، و لا يمكنه أن يسجل على العبد شيئاً.

و من الواضح أنّ شريف العلماء (قده) هنا قد استدل بهذا

____________

(1) الرسائل: الأنصاري، ج 1، ص 376.

58

الوجدان على أنّ العقل يدرك أنّ العقاب قبيح بلا بيان، و هذا لا إشكال فيه في كثير من الحالات.

إلّا أنّ هذا الاستدلال أساساً غير صحيح، لأنّه مبني على تلك الفكرة الخاطئة، و هي أنّ للمولوية معنى واحداً لا يزيد و لا ينقص، بحيث إذا عرفنا مقتضيات مولوية المولى العرفي، نقيس عليها مولوية المولى الحقيقي.

بل لا بدّ أن نفرق بين مولوية ثانية بلا جعل جاعل، من قبيل مولوية الله تعالى الثابتة بملاك الخالقية و المنعميّة، و بين مولويّة ثانية مجعولة بجعل جاعل، من قبيل المولويات التي تجعل عرفاً، فإنّ هذه إنّما تجعل في دائرة التكاليف المقطوعة فقط، و أمّا المولوية غير المجعولة فهي ثابتة بملاك النفس الأمري و لها مراتب تتفاوت بحسب درجة المنعمية، إذاً، فلا يمكن أن يستدل على ضيق مولوية لضيق مولوية أخرى، و قاعدة قبح العقاب بلا بيان مرجعها إلى ضيق دائرة المولوية، و هذه تضيق و تزيد بحسب ما لها من الملاكات.

و مولوية الله تعالى فيها نكتتان:

النكتة الأولى: هي أنّها مولوية قائمة على أساس منعمية لا حدّ لها، و حينئذٍ، المولوية التي تنشأ من هذه المنعمية غير المحدودة لا بدّ من أن تفرض أنّها مولوية لا حدّ لها أيضاً.

النكتة الثانية: هي أنّ هذه المولوية ناشئة من مالكية الله تعالى لنفس الإنسان و جسمه، و تصرف الإنسان في نفسه و جسمه تصرف في مال الغير، فلا بدّ من إحراز رضاه في حال الشك، و قطعاً هذا بقطع النظر عن الاستصحاب، لأنّنا نريد أن نحقق هذه المسألة بمقتضى حكم العقل، وعليه: فإذا كان هذا واضحاً في نفسه، فلا إشكال في‏

59

أنّ مولوية الله تعالى تختلف عن سائر المولويات، و لا يمكن أن يبرهن على ضيقها بضيق سائر المولويّات.

التقريب الثاني: هو ما تمّت صياغته في مدرسة المحقق النائيني (قده) و حاصله: أنّ قاعدة قبح العقاب بلا بيان، مرجعها ( (1)) إلى أنّه يقبح العقاب على ترك التحرك، حيث لا يكون هناك موجب للتحرك، و هذا من القضايا التي قياساتها معها.

و توضيحه: أمّا من حيث الكبرى؛ فمن الواضح أنّه حيث لا موجب للتحرك فإنّه لا معنى للعقاب على ترك التحرك، لأنّ المولى إذا أراد أن يؤاخذ عبده على ترك التحرك، حيث لا يكون هناك موجب و مقتض للتحرك يكون ذلك خارجاً عن الحدود العقلية المفروضة له، لأنّ العبد سوف يخصمه و يقول له: إنّما لم أتحرك لأنّه لا موجب للتحرك.

و أمّا من حيث التطبيق على مورد قاعدة قبح العقاب بلا بيان؛ فباعتبار أنّ الأشياء الواقعية لا مقتضي و لا موجب للتحرك بوجوده الواقعي النفسي، و إنّما يكون موجباً له بوجوده الواصل للمكلف، و مع عدم وصوله لا تحريك، إذاً، فلا عقاب.

و هذا البيان لا يرجع إلى محصل في مقام الاستدلال، و ذلك لأنّ المحرك على قسمين:

القسم الأول: هو أن يكون التحريك تحريكاً تكوينياً.

____________

(1) أجود التقريرات: الخوئي، ج 2، ص 186.

60

القسم الثاني: هو أن يكون التحريك تحريكاً تشريعياً، أو مولوياً، أو عقلياً.

أمّا الأول، فهو المحرك الذي ينشأ من وجود عرضي لشخص لأجل ملائمة المطلب مع مرتبة من مراتب وجوده مع قوّة من قواه.

فمثلًا: العطشان يحركه عطشه نحو الماء تكويناً، لأنّه يلائم مع مرتبة من مراتب وجوده و مشاعره.

و أمّا الثاني، فهو عبارة عن حكم العقل بلابديّة التحريك باعتبار مولوية المولى، سواء كان عند الإنسان غرض في ذلك بأن كان مؤمناً أو لم يكن له غرض بأن كان فاسقاً-.

و حينئذٍ بالنسبة إلى الأول، فمن الواضح أنّ المحرك التكويني لا يمكن أن يكون الشي‏ء بوجوده الخارجي النفس الأمري من دون وصول أصلًا، لأنّ الشي‏ء بوجوده النفس الأمري لا يكون دخيلًا في تكوين غرض نفسي للمكلف، لأنّ هذه عملية شعورية تحتاج إلى أنّ يكون هذا الشي‏ء الخارجي واصلًا إلى المكلّف بوجه من الوجوه، و ما لم يكن واصلًا لا يحرك، و معه لا يكن له غرض.

و الوصول له مراتب.

المرتبة الأول: اليقين.

المرتبة الثانية: الظن.

المرتبة الثالثة: الاحتمال والوهم.

و لا إشكال في أنّ المحركات التكوينية تختلف من هذه الناحية بحسب درجة أهميتها بحسب مقام التزاحم.

61

فمثلًا: البالغ من العطش إلى درجة كبرى، يكون احتمال وجود الماء في مكان محركاً له نحوه، و لا ينتظر وجود العلم له بذلك، بخلاف ما لو كان له رغبة في زيارة شخص مسافر أخبر بمجيئه، فإنّه لا يتحرك إلّا إذا قطع بمجيئه.

و أمّا القسم الثاني من التحريك، أي التحريك التشريعي، فهذا في الحقيقة مرجعه إلى حق الطاعة الذي تقدّم ذكره، لأنّه هو الذي يلزم الإنسان بقطع النظر عن هوى النفس.

و من الواضح أنّ حق الطاعة هو محل الكلام في المقام على ما ذكرناه سابقاً، من أنّ هذه المسألة ترجع في روحها إلى حق الطاعة، و هل إنّ حق الطاعة في خصوص التكاليف المعلومة، أو أنّه يشمل المشكوكة أيضاً؟ فإذا كان أعم فهذا معناه: أنّ المحرك المولوي يكون باحتمال التكاليف، وعليه: نقول للميرزا (قده): ما ذا تقصدون من أنّ هذا التحريك بلا موجب و معه فلا يكون مستحقاً للعقاب؟ هل تقصدون أنّ هذا التحريك بلا موجب تكويني؟ إن كان هذا ما تقصدون فهذا صحيح، لأنّ كل فاسق و فاجر لم يتحرك لعدم الموجب التكويني، إلّا أنّ هذا لا يعني معذوريته و عدم موجبيّته للعقاب.

و إن كان مقصودكم من عدم الموجب للتحريك هو عدم الموجب العقلي، فهذا أول الكلام، لأنّ هذا الكلام مرجعه إلى دعوى أنّ حق الطاعة غير ثابت في موارد احتمال التكليف، فإذا ادّعي هذا، يكون هذا نفس المدّعى، و هو مصادرة على المطلوب.

التقريب الثالث: هو ما ذكره المحقق الأصفهاني (قده) في مقام تقريب قاعدة قبح العقاب بلا بيان، حيث ذكر أنّ هذه القاعدة فرد من‏

62

أفراد الحكم العقلي في باب الحسن و القبح العقليين اللذين مرجعهما إلى قضيتين أساسيتين:

القضية الأولى: هي قبح الظلم.

القضية الثانية: هي حسن العدل.

و كل قبيح يرجع بالآخرة إلى قبح الظلم، لأنّه قبيح بالذات، و حينئذٍ، ففي المقام حينما يلاحظ مخالفة المكلف لمولاه بعد افتراض المولوية، نرى أنّ هذه مخالفة تكليف تمّت عليه الحجة، فهذا ظلم للمولى، لأنّه خروج عن مقام العبودية، فيحكم بقبحه و يستحق العقاب عليه.

و هذا الكلام من الواضح أنّه مصادرة على المطلوب، و ذلك لأنّ قوله (قده): (بأنّ مخالفة التكليف بلا حجّة ليس ظلماً)، إن أراد بعدم قيام الحجة، يعني: أنّ ما يصحح العقاب يصير ضرورية بشرط المحمول، إذاً، فيصير معنى الكلام: أنّ العقاب على مخالفة تكليف لا يصح العقاب على مخالفته ليس ظلماً و لا يصح العقاب عليه، فكأنّنا أخذنا المحمول في الموضوع.

و إن أراد أنّه لم يعلم به و إن كان مشكوكاً أو مظنوناً، فهذا أوّل الكلام و أوّل البحث، مضافاً إلى أنّ منهجية هذا التقريب غير صحيحة، لأنّه في هذا البيان التزم بأنّ القاعدة الأولى في باب القبح العقلي هي قبح الظلم، و كل حكم آخر هو متفرع عنه، فالخيانة قبيحة لأنّها ظلم و هكذا أشباهها، بينما هذا غير صحيح كما أوضحناه في بعض مباحث الدليل العقلي، لأنّ قضية قبح الظلم لا يعقل أن تكون قضية أولية في أفق العقل العملي، لأنّ الظلم معناه: التجاوز و سلب الشخص حقه، فنحن عند ما نقول: (الظلم قبيح) لا بدّ من افتراض‏

63

حق في مرتبة الموضوع، لأنّ الظلم معناه: سلب الشخص حقه، و هذا الحق بنفسه من مدركات العقل العملي، إذاً، هذا الحق في الحقيقة أسبق رتبة من هذا الحكم، و ليس هذا الحكم إلّا تعبيراً انتزاعياً عن ذلك الحق، لأنّ المنعم له حق الشكر، و إلّا لو لا ذلك لم يكن ترك الشكر تجاوزاً و ظلماً.

إذاً، فمرجع البحث إلى أنّ حق المولى على العبد ما هو؟ و الذي يحدد في طوله الظلم، إذاً، فالبحث يجب أن ينتقل إلى مقدار الحق، و من هنا نعود إلى حيث بدأنا، إلى أنّ حق الطاعة ما هي حدوده؟

التقريب الرابع: هو ما ذكره الأصفهاني (قده) ( (1)) أيضاً مبنياً على مطلب له في باب الأحكام، فإنّه (قده) يقسم الحكم إلى حكم إنشائي، و آخر حقيقي و يقول: بأنّ الإنشائي هو الحكم الذي يحصل بالجعل و الإنشاء من دون أن يفرض كونه بداعي البعث و التحريك، بل كان بداعي الامتحان و الاختبار، بل حتى بداعي الاستهزاء، ثمّ إذا افترضنا أنّ هذا الإنشاء كان صادراً بداعي البعث و التحريك الحقيقي، يكون وجوباً حقيقياً لا إنشائياً.

و من الواضح أنّ كل خطاب و إنشاء لا يعقل أن يكون باعثاً و محركاً ما لم يصل، إذاً، لا يعقل أن يكون بداعي البعث و التحريك إلّا في حالة الوصول، و هذا معناه: أنّه في حالة عدم الوصول، أنّه لا وجوب حقيقي، لأنّ الوجوب الحقيقي عبارة عن الإيجاب و الإنشاء بداعي الباعثية و المحركية، إذاً، فيقبح العقاب، لا لأنّه يوجد وجوب‏

____________

(1) الأصول على النهج الحديث: الأصفهاني، ص 25 24.

64

حقيقي و لم يصل، بل لأنّه لا وجوب حقيقي أصلًا، بل لا يوجد سوى اللفظ.

و إن شئت قلت: إنّ هذا المحقق مبنياً على مصطلحه في باب الأحكام، قسم الحكم إلى إنشائي و حقيقي، و الأول عنده، هو ما يحصل بالجعل و الإنشاء فقط من دون أن يفرض فيه داعي البعث و التحريك، بل كان بداعي الامتحان و الاستهزاء.

و القسم الثاني عنده هو: ما يحصل بالجعل بداعي البعث و التحريك الحقيقي، و هذا عنده هو الذي يكون حكماً حقيقياً.

ثمّ إنّه يقول مبنياً على هذا: إنّ كل خطاب لا يعقل أن يكون باعثاً إلّا إذا وصل إلى المكلّف، لأنّه لا باعثية في غير صورة الوصول، فإذا وصل كان الحكم حكماً حقيقياً، و من دون ذلك فلا وجود حقيقي للحكم، و معه يقبح العقاب على تركه، لأنّه لا يوجد سوى اللفظ.

و هذا الكلام لا يرجع إلى محصل.

أمّا أوّلًا: فنقول: من قال: إنّ الإنشاء لا يعقل أن يكون باعثاً و محركاً إلّا في حالة الوصول القطعي، بل كما يمكن أن يكون محركاً في حالة الوصول القطعي، فإنّه يمكن أن يكون محركاً في حالة الوصول الاحتمالي أيضاً بناء على ما ندعيه من سعة دائرة حق الطاعة للمولى، و حينئذٍ فيعقل إنشاء الوجوب بداعي أن يكون محركاً و لو في حالة الشك.

إذاً هذا البيان أيضاً موقوف على دعوى ضيق دائرة حق الطاعة و عدم سعتها.

65

و أمّا ثانياً: فإنّ غاية ما يقتضيه هذا البيان هو أنّ داعي الباعثية و المحركية غير موجود في حق الجاهل، حيث لا ينتج حكماً بالمعنى المذكور.

و لكن ملاكات الحكم و مباديه من المصلحة و المفسدة و الإرادة و الحب أو الكراهة، هي أمور تكوينية محفوظة و موجودة في حالات العلم و الجهل معاً، و هذه المبادئ هي روح الحكم و حقيقته، و هي تكفي للحكم بالمنجزية و حق الطاعة للمولى في موارد احتمالها، سواء سمّي ذلك حكماً اصطلاحاً أم لا فإنّ ذلك بحث لفظي في التسمية.

إذاً، فالملاك ليس منوطاً بالعلم و الوصول ما دام أنّ الإرادة و الكراهة بمعنى المحبوبية المتعلقة بالفعل أو المبغوضية المتعلقة به أيضاً موجودة.

و نحن يكفينا هذا المقدار و نقول حينئذٍ: هل هذا المقدار يكون منجزاً بالاحتمال أو لا؟

و كونكم لا تسمونه حكماً، و تصطلحون على تسمية الحكم الحقيقي بأنّه الإنشاء الصادر بداعي الحركية، فنحن ليس كلامنا في الاصطلاح و التسمية، و إنّما كلامنا في واقع الحال، إذ ما دمتم تعترفون بوجود شي‏ء مشكوك، و لا أقل بوجود ملاك مشكوك من مصلحة ملزمة أو مفسدة ملزمة على اختلاف الحال في الشبهات الوجوبية أو التحريمية، إذاً، فهذا الذي نشك فيه، أيّ شي‏ء سمّيتموه، فإنّه يحكم العقل بتنجّزه، باعتبار سعة دائرة حق الطاعة للمولى.

و الخلاصة: هي أنّه تبيّن من كل ما ذكرناه، أنّه لا أساس لقاعدة قبح العقاب بلا بيان، و معه لا موجب للذهاب إلى البراءة العقلية في‏

66

موارد الشبهات الحكمية، تحريمية كانت أو وجوبية، أو في موارد الشبهات الموضوعية أيضاً، بل العقل يحكم بحسن الاحتياط، باعتبار سعة دائرة المولوية.

و معنى أصالة الاحتياط: هو أنّ العقل يدرك أنّ من حق المولى على المكلّف أن لا يصدر منه ما يحتمل كونه مخالفاً له إلّا إذا أحرز ترخيصه في ذلك، فحينئذٍ يخرج بالترخيص عن كونه مخالفاً لحق المولى، إذاً، فحكم العقل عبارة عن حكم تعليقي، و هو أنّه لا يجوز للعبد أن يقدم على ما يحتمل كونه مخالفاً لحق المولى ما لم يحرز إذنه و ترخيصه.

و من هنا كنّا نقول: إنّ الأصل الأوّلي هو الاحتياط.

نعم، لو ثبت بدليل شرعي إذن الشارع في الإقدام في الشبهات الحكمية أو الموضوعية، كان ذلك رافعاً لموضوع هذا الأصل و وارداً عليه، لأنّ العقل إنّما يحكم بقبح الإقدام على ما لا يؤمن مخالفته ما لم يحرز إذن المولى في الإقدام عليه، فإذا ثبت إذنه، ارتفع القبح، و يندفع بذلك الاحتياط العقلي، و هذا معناه: أصالة البراءة الشرعية.

67

البراءة الشرعية

و أمّا البراءة الشرعية، فقد استدلّ عليها بالكتاب و السنة.

[استدلال بالكتاب على البراءة الشرعية]

أمّا الكتاب فبآيات:

منها قوله تعالى: (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا ما آتاها) ( (1)).

و قد استدل بهذه الآية الكريمة على عدم وجوب الاحتياط في موارد عدم وصول التكليف.

و تقريب الاستدلال بها: هو أنّ اسم الموصول (ما) في قوله تعالى: (ما آتاها)، و إن كان في بادئ الأمر قابلًا للانطباق على عدّة أمور:

منها: المال، فيكون مرجع الآية الكريمة إلى أنّ الله تعالى لا يكلّف نفساً بمقدار من المال إلّا بعد فرض أن يكون قد آتاها هذا المال و مكّنها منه.

و منها: الفعل، فيكون مرجعها حينئذٍ إلى: أنّ الله تعالى لا يكلّف نفساً بفعل إلّا أن يكون قد آتاها ذلك الفعل، و هو الإقدار عليه.

____________

(1) سورة الطلاق، آية: 7.

68

و منها: التكليف، و يكون مرجعها حينئذٍ إلى: أنّ الله تعالى لا يكلّف نفساً بتكليف إلّا أن يكون قد آتاها هذا التكليف، و هو إيصاله، و هذا التعبير بإيتاء التكليف تعبير عرفي عن الإيصال إليه.

و الإيتاء مفهوم عرفي واحد، إلّا أنّ إيتاء كل شي‏ء بحسبه، فمثلًا: إيتاء المال، بمعنى: إعطائه، و إيتاء الفعل، بمعنى الإقدار عليه، و إيتاء التكليف، بمعنى: إيصاله.

و الاستدلال بالآية الكريمة يتوقف على أن يكون المراد من اسم الموصول، إمّا خصوص التكليف، أو على الأقل الجامع ما بين هذه الأمور، و أمّا لو كان المراد خصوص المال، أو خصوص الفعل، فلا يمكن الاستدلال بها.

إلّا أنّه لا موجب لافتراض إرادته خصوص المال، أو الفعل، و إن كان المال لعلّه هو مورد الآية الكريمة، باعتبار أنّها وردت في سياق أحكام النفقة، لكن مجرّد هذا لا يوجب تعيين هذا المورد بالخصوص بعد فرض كلية الكبرى في نفسها، و مجيئها بمثابة التعليل و إعطاء القانون الكلي، فهذا يناسب بقاءها على إطلاقها، و يكون المال أحد مصاديقها، كما أنّ التكليف أحد مصاديقها، فبمقتضى الإطلاق يتمسك بهذه الآية الكريمة لإثبات المطلوب.

و قد أشكل على الاستدلال بهذه الآية، بأنّ هذا الإطلاق في المقام غير معقول ( (1))، لأنّه لا يعقل الجمع في طرف اسم الموصول بنحو الإطلاق ما بين الفعل و المال و التكليف، و ذلك لأنّ اسم الموصول وقع هنا مفعولًا.

____________

(1) الرسائل: الأنصاري، تحقيق النوراني، ج 1، ص 316.

69

و من الواضح أنّ هذا المفعول إذ طبّق على المال أو على الفعل فهو مفعول به، لأنّه حينئذٍ يكون مغايراً مع مبدأ الفعل و مصدره لا يكلّ الله نفساً إلّا المال أو الفعل-.

و أمّا إذا طبّق على التكليف فهو نفس مصدر الفعل، فيكون مفعولًا مطلقاً، أي لا يكلّف الله نفساً إلّا تكليفاً-، و من الواضح أنّ النسبة المدلول عليها بنحو المعنى الحرفي بالهيئة بين الفعل و المفعول به، غير النسبة بين الفعل و المفعول المطلق، فإنّ المفعول المطلق ينظر نظراً نسبياً بما هو طور و شأن و تكرار، بينما المفعول به ينظر به بما هو أمر مغاير و منحاز، فلو أريد الجمع بين المعاني الثلاثة لأدّى ذلك إلى الجمع ما بين هاتين النسبتين، بحيث تكون الهيئة مستعملة في كل من النسبتين في المقام، و هذا من استعمال اللفظ في أكثر من معنى، فإمّا أنّه غير معقول، و على فرض معقوليته فلا يمكن إثباته بالإطلاق في اسم الموصول، بل يحتاج إلى قرينة خاصة، إذاً، فلا يمكن التحفظ على الإطلاق، بل لا بدّ من حمل اسم الموصول، إمّا على التكليف، لكي يتمحض في المفعول المطلق، أو على المال أو الفعل ليتمحض في المفعول به، و حينئذٍ تكون الآية مجملة، و يكفي ذلك في إسقاطها عن الاستدلال، مع أنّ المال لعلّه هو المتيقن، باعتبار أنّه موردها، و قد أجيب عنه بجوابين:

الجواب الأول: هو ما ذكره المحقق العراقي (قده) ( (1)) من دعوى افتراض نسبة جامعة بين النسبتين المفعول به، و المفعول المطلق و تكون الهيئة مستعملة في هذا المعنى الجامع، لا في النسبتين بخصوصيتهما حتّى يرد ما ذكر في الإشكال المزبور.

____________

(1) مقالات الأصول: العراقي، ج 2، ص 153 152.

70

و جوابه: هو أنّه إن أريد من النسبة الجامعة نسبة أو جامعاً حقيقياً، بحيث تكون نسبتها إلى كل من النسبتين على حد سواء كنسبة الكلي إلى أفراده، فهذا خلاف ما برهن في مبحث المعاني الحرفية من امتناع انتزاع الجامع الحقيقي بين النسب.

و إن أريد افتراض نسبة ثالثة مباينة لكل من هاتين النسبتين إلّا أنّها تلائم مع المفعول المطلق و المفعول به معاً، فهذا و إن كان أمراً معقولًا، إلّا أنّ حمل الهيئة على ذلك يحتاج إلى قرينة، فإنّ مثل هذا المعنى لا يمكن إثباته بمجرد إجراء الإطلاق في اسم الموصول، لأنّ الهيئة في المقام يكون أمرها مردداً بين ثلاث نسب متباينة، إمّا بنسبة مختصة بالمفعول المطلق، و إمّا بالمفعول به، و إمّا بنسبة ثالثة مباينة لهما، إلّا أنّها تلائم مع المفعولين.

و الهيئة على التقدير الأول أو الثاني صالحة للتقييد، إذاً، فلا يمكن التمسك بإطلاق اسم الموصول، لأنّ المقام يدخل في المبهم المقترن بما يكون صالحاً لتقييده، إذاً يكون مجملًا و لا يمكن التمسك بإطلاقه.

الجواب الثاني: و حاصله ( (1)): أنّ التكليف ينظر على نحوين؛ فتارة ينظر بالمعنى المصدر، و أخرى ينظر بنحو مدلول اسم المصدر كما هو الحال في سائر المواد.

فالتكليف إن نظر إليه نظرة مصدرية، يكون مفعولًا مطلقاً، و إن نظر إليه نظرة اسم المصدر، لا يكون مفعولًا مطلقاً، لأنّه بهذا اللحاظ يغاير المصدر و يكون شيئاً آخر وراء المصدر، و حينئذٍ يكون بقوّة

____________

(1) فوائد الأصول: الكاظمي، ج 3، ص 121.

71

المفعول به، لأنّ النسبة تكون نسبة الفعل إلى ما يغاير مبدأه، و حينئذٍ بحملنا للتكليف على هذه النظرة الثانية، يكون تطبيق اسم الموصول (ما) على (الفعل و المال و التكليف) على حدّ سواء، لأنّ كلًا منها يكون مفعولًا به.

و جوابه: هو أنّ ما أفيد لا يمكن أن يكون جواباً في المقام، و ذلك لأنّه و إن كان صحيحاً يمكن أن يؤخذ التكليف بنحو اسم المصدر، إلّا أنّ ذلك لا يكون إلّا بنحو العناية و الاعتبار، و ذلك لأنّ هذه النسبة تستدعي أن يكون طرفها المفعول به مغايراً مع مبدأ الاشتقاق في اسم الموصول (ما آتاها).

و المغاير تارة يكون حقيقياً (كالمال و الفعل)، فإنّ كلًا منهما مغاير حقيقة للتكليف في قوله تعالى‏: (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا ما آتاها)، و لذلك فإن تطبيق اسم الموصول على كل منهما (الفعل و المال) لا يحتاج إلى أكثر من التمسك بإطلاق اسم الموصول، لأنّ مصداقية هذا الفرد (المال أو الفعل) ثابتة وجداناً، و كونه مغايراً أيضاً ثابت وجداناً.

و تارة أخرى تكون المغايرة عنائية، لا حقيقية، كالمغايرة بين المصدر و اسم المصدر، فإنّهما في الحقيقة شي‏ء واحد، و الفرق بينهما عنائي و لحاظي، و لذلك فلا يمكن أن يتمسك بإطلاق اسم الموصول في المقام لإثبات هذا الفرد العنائي، بل لا بدّ من قرينة تدلّ عليه، و لذلك كان هذا الجواب غير صحيح.

و الجواب الصحيح هو أن يقال: إنّ هذه المشكلة يعني: عدم معقولية تطبيق اسم الموصول على (المال و الفعل و التكليف) إنّما نشأت من لغة علم الأصول و لم تنشأ من اللغة الأولية للمحاورة، لأنّنا

72

اعتدنا في الأصول أن نعبّر عن الحكم بالتكليف، و من هنا قيل: بأنّه إذا كان اسم الموصول (ما) يشمل التكليف المشكوك، يعني: يشمل الحكم المشكوك، فإذا حملنا التكليف على الحكم فلا يلزم اتحاد المفعول مع مبدأ الاشتقاق، لأنّ التكليف مغاير مفهوماً للحكم و إن كان التكليف من العناوين الثانوية المنطبقة على الحكم، لأنّ الحكم هو الجعل و الإنشاء، و هذا ينطبق عليه عنوان الكلفة، و تعبيرنا بأحدهما عن الآخر لا يغيّر حقيقتهما أنّهما متغايران مفهوماً، و حينئذٍ يكون معنى الآية الكريمة: (لا أكلفك إلّا بالحكم الذي أوصله إليك)، و المفعول هنا الذي هو الحكم مغاير مع مبدأ اشتقاق المفعول به في الآية، و بذلك ترتفع الشبهة، و يتم الاستدلال بالآية الكريمة على المطلوب.

غاية الأمر، يكون الاستدلال بها بالإطلاق، لأنّ الآية لم ترد في خصوص التكليف، بل قال تعالى: (ما آتاها)، سواء كان مالًا أو فعلًا أو تكليفاً.

و إن شئت قلت: إنّ هذه المشكلة نشأت من لغة علم الأصول، حيث اعتاد الأصوليون أن يعبّروا عن الحكم بالتكليف، و حيث ورد في الآية قوله تعالى: (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ*)، فتوهم أنّه لا يمكن أن يشمله إلّا إذا كان مفعولًا مطلقاً، و حينئذٍ تتغاير مادة الكلفة في الآية مع الحكم و الجعل مفهوماً، فيصح وقوعه مفعولًا به لفعل (لا يكلّف) على حد وقوع (المال و الفعل).

ثمّ إنّه قد وقع الكلام في مفاد هذه الآية، في هل أنّه سنخ مفاد ينفي وجوب الاحتياط، أو أنّه سنخ مفاد لو تم وجوب الاحتياط، لكان حاكماً عليه و رافعاً لموضوعه؟

73

و معرفة سنخية هذا المفاد تتوقف على فذلكة، و هي أن نعرف أنّ المتيقن من قوله تعالى: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ*، هل الكلفة في مورد الشي‏ء، أو أنّ الكلفة بسبب هذا الشي‏ء؟

و بعبارة أخرى: هل يقول: إنّ الشي‏ء الذي لم أبيّنه لا أكلّف بسببه، يعني: لا أنشأ كلفة منه؟ فإذا كان هذا معنى البراءة المستفاد من الآية، فحينئذٍ لا يكون هذا المفاد حاكماً على أدلة وجوب الاحتياط و لا معارضاً لها، بل هي تكون حاكمة عليه، لأنّها تثبت كلفة، لا سبب التكليف الواقعي المشكوك، بل بسبب وجوب الاحتياط فلا يعارض ذلك مع الآية الكريمة.

إذاً، فهل يقول: إنّ هذا هو معنى البراءة، أو أنّه يقول: إنّه لا كلفة في مورد التكليف غير الواصل، سواء كان بسببه أ، بسبب آخر، فإن كان هذا هو مفاد الآية، حينئذٍ، هذا المفاد ينفي وجوب الاحتياط لا محالة، لأنّ وجوب الاحتياط لو تمّ لاستوجب كلفة في مورد التكليف غير الواصل، و حينئذٍ يكون مثل هذا لو تمّ طرفاً للمعارضة مع قاعدة البراءة المستفاد بهذا المفاد الثاني.

و لا يبعد أن يكون المنفي في قوله تعالى: (لا يكلّف)، هو الكلفة في مورد هذا الشي‏ء غير المأتي، سواء كان ناشئاً منه أو من غيره، فإنّه كما يناسب المال و الفعل، حيث إنّ الكلفة لم تنشأ من نفس المال أو من نفس الفعل، فكذلك يناسب التكليف، بحيث يقول: (الحكم الذي لم يصلك لم أجعل عليك كلفة بالنسبة إليه)، كما يقول: (المال الذي لم أقدرك عليه لم أجعل كلفته عليك)، وعليه: تكون هذه الآية مثبتة لقاعدة البراءة النافية لوجوب الاحتياط.

ثمّ إنّ هذا اللسان المستفاد من الآية الكريمة، هل يشمل‏

74

الشبهات الحكمية و الموضوعية، أو أنّه يختص بالحكمية؟ يعني: ما المقصود من الإيتاء، هل هو ما يكون مختصاً بالشبهات الحكمية، لأنّ إيتاء الكبرى هي من وظيفة المولى، أو أنّ المقصود من الإيتاء هو الإيتاء بما هو مكون الكون و خالق العباد؟ فحينئذٍ كما يكون بيان الكبرى بيد المولى، أيضاً يكون بيان الموضوع بيده، فإنّ أي علم يقع على المكلّف إنّما هو من فيوضات المولى، و المناسب مع مفاد الآية هو الإيتاء بالمعنى الثاني، أي الإيتاء التكويني، ليشمل الشبهات الموضوعية، و ذلك لأنّ الإيتاء ينسب إلى المولى، و هو من الأمور التكوينية و كذلك الفعل.

إذاً، هذه الآية الكريمة تدل على نفي وجوب الاحتياط، و إجراء البراءة في الشبهات الحكمية و الموضوعية، و سواء كانت الشبهة وجوبية أو تحريمية.

نعم، لا يبعد عدم وجود إطلاق فيها لما قبل الفحص، و خصوصاً في الشبهات الحكمية، و ذلك لأنّ التكليف إذا فرضنا أنّ مداركه كانت موجودة في القرآن الكريم و في السنّة الشريفة، فلا يبعد أن يقال: إنّ الإيتاء موجود، لأنّ إيتاء كل شي‏ء بحسبه، فإجراء البراءة يكون بعد الفحص.

و من الآيات التي استدل بها على البراءة الشرعية قوله تعالى‏: (وَ ما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا).

و تقريب الاستدلال بها، أنّ المولى سبحانه نفى التعذيب و العقاب إلّا في حالة إرسال الرسل، و هذا و إن كان معناه اللفظي يختص ببعثة الرسول، و لكن بعد حمل إرسال الرسل على المثالية بمناسبات الحكم و الموضوع المركوزة في الذهن العرفي، يكون‏

75

المعنى حينئذٍ، حتى يتم البيان و نقيم الحجة، فيستنتج من ذلك أنّ العقاب منوط بالبيان، بحيث إنّه لا عقاب بدون بيان.

و الخلاصة: هي أنّ الله سبحانه ينفي التعذيب إلّا في حالة إرسال الرسول، و هو و إن كان بمعنى بعثة النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) إلّا أنّه بعد حمله على المثالية، يكون المعنى حينئذٍ: حتّى نقيم الحجة و يتمّ البيان و معه يستنتج أنّ العقاب منوط بالبيان، إذاً فلا عقاب بدون بيان.

و قد يستشكل على هذا الاستدلال، بأنّ الآية غاية ما تدل عليه: هو نفي فعليّة العقاب، و هذا أعم من المقصود، لأنّ عدم وقوع العقاب قد يكون لعفو رباني، مع أنّ المقصود هو أن يكون نفي العقاب على القاعدة، بمعنى: أن لا يكون معرضاً للعقاب، و هذه الآية لا تنفي المعرضية، و إنّما تنفي الفعلية.

و يمكن أن يجاب عن هذا الاستشكال: بأنّ هذا السياق من تركيب الجملة يستعمل عرفاً في مقام بيان أنّ هذا المنفي ليس من شأن المتكلم، فإنّ الآية الكريمة لم تقل: أنا لم أعذب، و إنّما قالت: (وَ ما كُنَّا مُعَذِّبِينَ‏)، و من استقراء النظائر عرفاً يستنتج أن المنفي ليس من شأن المتكلّم، من قبيل أن يقول المتكلم: (أي سؤال أو أي حاجة فلا ألبّيها)، إذاً، فبضم هذا الظهور السياقي يثبت المطلوب.

و بحسب الحقيقة، إنّ هذا اللسان أي لسان الآية الكريمة هو أحد ألسنة الترخيص في الشبهات البدوية في حالة عدم وصول البيان.

و إن شئت قلت: إنّه أحد ألسنة الترخيص و الإباحة و رفع المسئولية عرفاً.

و قد استشكل على الاستدلال بالآية أيضاً: بأنّ الآية الكريمة

76

ناظرة إلى العقاب الدنيوي و إلى سيرة الله سبحانه في الأمم الخالية، و أنّه تعالى لم يكن ينزل عقابه على أمّة من الأمم إلا بعد أن يرسل إليهم رسولًا، و يقيم عليهم الحجة، بينما نحن كلامنا في العقاب الأخروي، و حينئذٍ يكون مفاد الآية أجنبياً عن المطلوب.

و أجيب عن هذا الاستشكال: بأنّه في غير محله، لأنّه مضافاً إلى أنّه لا يوجد في الآية الكريمة ما يوجب كون النظر فيها إلى خصوص العقاب الدنيوي إلّا مجي‏ء العبارة بصيغة الفعل الماضي، إلّا أنّ مجيئها كذلك كان لأجل حفظ ذلك المدلول السياقي، فلا قرينة فيها لاختصاص العذاب بالدنيوي، بل إنّ سياقها ينسجم مع العقاب الأخروي، حيث وردت في سياق قوله تعالى‏: (وَ لا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى‏) ( (1)*)، مع أنّه في الحياة الدنيا قد يؤدّي وزر شخص إلى وزر شخص آخر كما في أكل ما اليتيم، فإنّه يؤثر على ذريّة الآكل.

نقول: إنّ النكتة واحدة في أنّه تعالى لا يعاقب العقاب الدنيوي أو العقاب الأخروي من دون بيان، لأنّ العرف لا يفرق بين العقابين من هذه الناحية.

ثمّ إنّه لو تمّ الاستدلال بهذه الآية، فمن الواضح أنّها إنّما تدل على أنّ العقاب منوط بتتميم البيان من قبل الشارع، لأنّ الرسول هنا بعد إلغاء الخصوصية كأنّه صار تعبيراً عن إقامة المولى للحجية من قبله، سواء كان برسول أو بإمام أو براوٍ من الرواة مثلًا.

و أمّا الوصول إلى المكلّف فإنّ لا يمكن أن يستفاد و يستنتج من هذه العبارة، بل غاية ما يستنتج منها، أنّ المولى لا يعذّب إلّا إذا

____________

(1) سورة الأنعام، الآية: 164.

77

أقام من قبله الحجة، فإذا أقامها، و لعارض خارجي لم تصل إلى المكلف، لا يمكن التعدّي من الآية إلى هذا المورد الخاص، فلا يستفاد من الآية إناطة العقاب بالوصول الخارجي، بل يستنتج منها إناطة العقاب بإقامة البيان بالنحو المناسب من المولى، و هذا لا يفيدنا في محل الكلام.

نعم، هذا يفيد فيم لو أحرزنا بأنّ المولى لم ينصب بياناً، و أمّا لو احتملنا أنّه نصب بياناً، فمثل هذا لا يكون مشمولًا لهذه الآية.

و من جملة الآيات التي استدل بها على البراءة الشرعية قوله تعالى: (قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى‏ طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَ لا عادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) ( (1)).

إنّ الله تعالى علّم نبيّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) بهذه الآية طريقة المحاجة مع أهل الكتاب الذين كانوا يحرمون أشياء كثيرة من دون أن ينزل هدى و سلطان بذلك، فهذه الآية تقول: حاججهم بهذا اللسان، و هو أنّ عدم الوجدان يدلّ على عدم الوجود، و أنّ عدم الوجدان يكفي في التخلّص مما تدّعون من المحرمات في المقام، فكلّ ما لم يوجد دليل على تحريمه لا يحكم عليه بالحرمة.

و هذا الاستدلال غير تام، و ذلك؛ أمّا أولًا: فلأنّ عدم الوجدان من قبل النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) يكون دليلًا قطعياً على عدم الوجود، و بالتالي على عدم التحريم واقعاً، لا أنّه أصل عملي، فكيف يمكن أن يقاس على ذلك عدم الوجدان في حق فقيه، إذ الآية ليست في مقام جعل حكم‏

____________

(1) سورة الأنعام، آية: 145.

78

ظاهري، مضافاً إلى عدم كونها مناسبة لمقام التخاصم مع أهل الكتاب فيما يدّعون؟

و ثانياً: إنّ عدم الوجدان عند النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) لو سلّم أنّه لم يكن دليلًا قطعياً على عدم التحريم، فهو دليل قطعي على الأقل على عدم البيان، فكيف يقاس محل الكلام به و نحن نحتمل وجود البيان؟

و ثالثاً: إنّ عدم الوجدان قد يكون نكتته هي الرجوع إلى عمومات الحل، من قبيل قوله تعالى: (خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً) ( (1))، و الدليل الذي قام على تحريم بعض الأشياء يكون تخصيصاً لتلك العمومات التي دلّت على الحل.

فحينئذٍ نقول: عدم الوجدان الذي جعل نكتة العنان، هل هو بلحاظ الرجوع إلى عمومات الحل، أو بلحاظ جريان البراءة؟ و كونه بلحاظ جريان البراءة هو أول الكلام، لأنّ مورد الآية الطعام: (عَلى‏ طاعِمٍ يَطْعَمُهُ)، و هذا مشمول لقوله تعالى‏: (خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً)، إذاً، فالاستدلال بهذه الآية على المطلوب غير تام.

و من جملة الآيات التي استدل بها على البراءة الشرعية:

قوله تعالى‏: (وَ ما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عَلِيمٌ).

و تقريب الاستدلال بهذه الآية هو أن يقال: إنّ الإضلال في الآية احتمل فيه احتمالان:

____________

(1) سورة البقرة، الآية: 29.

79

الاحتمال الأول: هو أن يكون الإضلال بمعنى: أنّه سيجعلهم ضالين.

الاحتمال الثاني: هو إيجاد للضلال، و لكن لا بمعنى: إيجاد الضلال حقيقة، بل بمعنى: إيجاد نوع من العقاب، كالخذلان و الترك، و لهذا سمّي السبب باسم مسببه، فإنّ الله قد يعاقب بالخذلان و الإعراض الذي يؤدّي إلى الضلال، و لا يكون ذلك قبيحاً منه، لأنّه عقاب على معصية سابقة، و على كل، فقد أنيط هذا في أن يبين لهم، و ظاهر ذلك أن يصل إليهم، لأنّ مجرد إصدار البيان لا يكون بياناً لهم، بقرينة قوله تعالى: (لهم) في قوله تعالى: (حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ‏) و هذا هو معنى البراءة.

و الظاهر أنّ الاستدلال بهذه الآية تام، لأنّ الله لا يعاقب و ليس من شأنه أن يعاقب، فإنّ سياق هذه الآية مثل سياق قوله تعالى: (وَ ما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا).

ثمّ إنّه لو تمّت دلالة الآية على المطلوب، فهل تكون دلالتها هذه حاكمة على دليل وجوب الاحتياط لو قام دليل على وجوب الاحتياط؟ أو أنّها تدل على مجرد البراءة و أنّه لا بيان، بحيث لو تم دليل على وجوب الاحتياط حينئذٍ لكان حاكماً عليها و رافعاً لموضوعها؟

و بيان ذلك موقوف على ما يستفاد من قوله تعالى‏: (حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ)، فهل يراد ما يتقون بالعنوان الأولي، أو بالعنوان الثانوي؟

فإن كان الأول، فمن الواضح أنّ ما يتقى أولًا و بالذات إنّما هو التكليف الواقعي، و إن كان الثاني، كان أعم من الواقعي و الظاهري،

80

فيشمل الحكم الظاهري بوجوب الاحتياط، إذاً، فعلى الأول يكون معنى الآية: (حتّى يتبيّن لهم حال الحكم الواقعي)، و هذا ينفي بنفسه وجوب الاحتياط، لأنّ وجوب الاحتياط لا يكون مبيناً للحكم الواقعي، بل يكون منجزاً للحكم المشكوك على مشكوكيّته.

و أمّا بناء على المعنى الثاني. فقد يدّعى أن دليل وجوب الاحتياط يكون رافعاً لموضوع البراءة، لأنّ الاحتياط يكون بياناً ظاهرياً، و يبيّن أنّ المخالفة الاحتمالية ممّا يتقى منها و لو اتقاء استطراقياً.

و لا ينبغي الاستشكال، في أنّ أظهر هذين الأمرين هو: الحمل على الاتقاء النفسي، لأنّ ظهور الآية الكريمة في الإضلال بلحاظ (ما يتقون)، و ما يكون منشأ للعقاب، إنّما هو بلحاظ مخالفة الواقع لا الظاهر، (فما يتقون) أخذ بما هو منشأ للعقاب، و المؤاخذة أنيطت بأن (يبيّن) و هذا لا يكون إلّا بلحاظ الواقع، و حينئذٍ تكون دلالة هذه الآية على نفي وجوب الاحتياط تامة.

و الحاصل: هو، أنّ الإضلال، سواء أخذ بمعنى تسجيلهم في الضالين، أو بمعنى خذلانهم و الإعراض عنهم المؤدّي إلى إضلالهم، فقد أنيط هذا بالبيان لهم، و ظاهره إناطة العقوبة بالبيان لهم، و هو معنى البراءة، و هذه الآية تكون من ألسنتها، بل بناء على المعنى الأول: تكون مادة الإضلال قرينة على ذلك، كما أنّ البيان لهم ظاهر في الوصول و العلم و ليس مجرد الصدور، فالاستدلال بالآية على المطلوب تام.

نعم، يبقى الكلام في أنّ مفاد هذه البراءة، هل هو منافٍ لدليل الاحتياط و حاكم عليه، أو أنّ محكوم له؟

81

و الظاهر أنّه لو أريد بقوله تعالى: (يتقون) ما يتقونه بالعنوان الأولي، فهو مختص ببيان الحكم الواقعي، و إن أريد به ما يتقونه بالعنوان الثانوي، فيشمل حينئذٍ الحكم الظاهري بإيجاب الاحتياط، فتكون البراءة المستفادة من الآية مرتفعة بدليل الاحتياط.

و لكن لا ينبغي الاستشكال في أنّ أظهر هذين الأمرين من (ما يتقون) هو الأول دون الثاني، بقرينة أنّ الإضلال و العقاب إنّما يكون بلحاظ مخالفة الواقع لا الظاهر، و بهذا تكون دلال الآية على نفي وجوب الاحتياط تامة.

82

الاستدلال على البراءة بالسنة

و قد استدل من السنة بعدّة روايات:

منها: قوله (عليه السّلام):

(كل شي‏ء مطلق حتى يرد فيه نهي) (

(1)

). و التقريب الساذج لهذه الرواية، أنّ مفادها التوسعة و إطلاق العنان ما لم يرد فيه نهي، و مع عدم وصول النهي لا يتحقق الورود، و هذا معناه البراءة الشرعية.

و تحقيق الكلام في الاستدلال بهذه الرواية يستدعي الكلام في مرحلتين:

المرحلة الأولى: في أنّ الورود الذي جعل غاية في المقام (حتى يرد فيه نهي)، هل هو بمعنى الوصول، أو بمعنى الصدور؟

فإن كان بمعنى: الوصول، دلّت الرواية حينئذٍ على ثبوت الإطلاق و التوسعة عند عدم الوصول، و هذا هو المطلوب في البراءة.

و إن كان الورود بمعنى: الصدور، فحينئذٍ، هذه الرواية لا تفيد في صورة الشك في الصدور، لأنّه لا يمكن التمسك بمفاد الرواية،

____________

(1) الوسائل: الحر العاملي، ج 18، ب 12 من صفات القاضي، ص 128 127. من لا يحضره الفقيه: الصدوق، ج 1، ص 208، ح 22.

83

لأنّه يكون حينئذٍ من باب التمسك في الشبهة المصداقية، لأنّه لم يحرز أنّه لم يرد فيه نهي.

وعليه: إذا لم يشخص الورود بأيّ المعنيين، حينئذٍ تكون الكلمة مجملة، و يكفي هذا لإسقاط الاستدلال بها.

و قد ذكر في المقام وجهان لاستظهار أنّ (الورود) بمعنى: الوصول.

الوجه الأول: هو أنّ الورود سنخ معنى يستبطن دائماً موروداً عليه، و ليس معنى قائماً بنفسه بالفاعل دون مفعول و مورود، و من الواضح أنّ الصدور سنخ معنى يتقوم بالفاعل من دون حاجة إلى افتراض مفعول، بخلاف الوصول، فإنّه سنخ معنى يتقوم بالفاعل و هو الواصل و الموصول إليه، إذاً، مفهوم الورود يتطابق مع الوصول لا مع الصدور، لأنّه سنخ مفهوم لا يكتفي بالفاعل، فيتعيّن حمل الورود في المقام على الوصول.

و هذا الكلام في غير محله، لأنّ كون الورود يستبطن وروداً عليه، لا يعني أن يكون بمعنى: الوصول إلى المكلّف، بل يحتمل أن يكون المورود عليه هنا نفس متعلق النهي (حتّى يرد فيه نهي)، فالنهي وارد على المادة، أي على متعلق المورود عليه كما يناسب مع قوله: (يرد فيه).

و يحتمل أن يكون الورود بمعنى الورود على المكلّف، و لكن لا بنحو الانحلال، بحيث كل مكلّف تعلّق له ورود خاص به، بل ورود على جنس المكلفين، أي على الأمة، على نحو الإجمال، فإذا فرض أنّه صدر من رسول الله (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) خطاب و أوضحه للصحابة، فيقال: إنّ هذا الخطاب ورد للأمة بالنظر المجموعي و إن كان بلحاظ كل فرد فرد

84

لا يكون وروداً عليه، إذاً، فيكون بمعنى الصدور، و معه لا يكون مساوقاً مع البراءة، و معه لا يكون هذا الوجه تاماً.

الوجه الثاني: هو أن يقال: إنّ الإطلاق في قوله (عليه السّلام): (كل شي‏ء مطلق)، فيه ثلاث احتمالات.

الاحتمال الأول: هو أن يكون الإطلاق هنا، بمعنى: حكم العقل بقاعدة قبح العقاب بلا بيان، إذاً، فالإطلاق عقلي، و يكون البيان الشرعي إرشاداً إليه.

و هذا الاحتمال خلاف الظاهر في خطاب الشارع، لأنّ حمل الكلام على الإرشادية و سنخه عن المولوية بلا موجب، لأنّ الأصل في ظاهر الخطاب الصادر من الشارع هو المولوية.

الاحتمال الثاني: هو أن يكون المراد من الإطلاق، الترخيص المولوي، و لكن بحيث يكون مفاده حكماً واقعياً بالإباحة و الترخيص.

و هذا الاحتمال غير معقول، أو غير عقلائي، و ذلك لأنّ الورود الذي جعل غاية للإباحة، إمّا أن يراد به الوصول، أو يراد به الصدور، و على كلا الوجهين لا يعقل هذا الاحتمال، لأنّه إن كان الورود بمعنى: الوصول و العلم، فإنّه لا يعقل جعل حكم واقعي بالإباحة مشروطاً بعدم العلم بالحرمة، لأنّ هذا معناه: أنّه يترقب ثبوت الحرمة في الواقع، و فرض واقعية الإباحة لا يناسب مع فرض كون غاية هذه الإباحة عدم العلم بالحرمة الواقعية، و إن كان الورود بمعنى: الصدور، فتكون العبارة حينئذٍ:

(كل شي‏ء مباح واقعاً ما لم يصدر عنه منع واقعاً)،

فإنّ هذا لا معنى له، لأنّه إن أريد بذلك تقييد الإباحة الواقعية بعدم المنع الواقعي، فهذا معناه: أخذ عدم أخذ الضدين شرطاً في الضد الآخر، لأنّ الإباحة الواقعية مع المنع‏

85

الواقعي ضدان، و أخذ عدم أحد الضدين مقدمة للضد الآخر أو قيداً في موضوع الضد الآخر غير معقول كما عرفت في محله.

و إن أريد من هذه العبارة مجرد بيان مطلب واقعي، و هو أنّه متى لم يكن هذا الضد موجوداً، و هو الحرمة و النهي، فالضد الآخر، و هو الإباحة يكون ثابتاً، من باب أنّ عدم أحد الضدين يكون ملازماً مع وجود الضد الآخر.

إن أريد هذا، فهو لغو من الكلام، فإذا لم يكن هناك منع فالإباحة تكون ثابتة لا محالة، و بهذا يسقط هذا الاحتمال.

الاحتمال الثالث: هو أن يكون الإطلاق حكماً مولوياً بالترخيص الظاهري الذي هو مقصودنا في المقام، و هذا ما نسمّيه بالبراءة الشرعية، و حينئذٍ لا معنى لأن نجعل أصالة البراءة مقيّدة بعدم جعل التحريم، و إنّما يتعين بعدم وصول التحريم، لأنّ الحكم الظاهري يكون مقيداً بعدم الوصول لا بعدم الحكم الواقعي، لأنّ الذي يناسب البراءة الظاهرية هو الشك لا العلم، و بذلك يتم الاستدلال بهذه الرواية.

نقول: إنّ هذا الوجه الثاني غير تام، و ذلك لأنّنا نختار الاحتمال الثاني، و نقول بتماميته، و حينئذٍ تكون كلمة (الورود) مرددة بين الصدور، و الوصول، لا أنّها متحققة في الوصول كما هو ظاهر الاحتمال الثالث، و مع التردد تكون مجملة، و حينئذٍ يبطل الاستدلال بها، و لا موجب لإبطال الاحتمال الثاني، لأنّه يناسب مع جعل الورود في المقام غاية بعد الالتفات إلى نكتة، و هي أنّ الغاية هي ورود النهي الذي هو عبارة عن الخطاب الكاشف عن الحرمة الشرعية، يعني: أنّ عالم النهي عالم الإبراز و الكشف.

86

و بعبارة أخرى: إنّ إرادة الترخيص الواقعي لا محذور فيها، لأنّ المراد بالنهي الخطاب المبرز لا الحرمة المبرزة، لأنّه اسم له، و لهذا لو جعل الحرمة في نفسها و لم يبرزها لا يقال لذلك: نهي، وعليه يكون معنى الرواية:

(كل شي‏ء مطلق حتى يرد الخطاب المبرز للتحريم)،

و حينئذٍ فأيّ محذور في أن يفرض في المقام أنّ الإباحة الواقعية مقيّدة لا بعدم التحريم الواقعي، بل بعدم صدور أو بعدم وصول الخطاب التحريمي، و هذا يلازم أن يكون نفس التحريم الواقعي مقيداً بعدم وصول نفسه؟

و قد بيّنا في بحث أخذ العلم بالحكم في موضوع نفسه، أنّه معقول أخذ العلم بالكاشف في موضوع المنكشف، و ذلك بأن يقيّد الحكم بوصول الخطاب و بإبرازه من طريق مخصوص، و ليس في ذلك دور و لا خلف، و إنّما المستحيل هو أن يؤخذ العلم بالحكم في موضوع نفس الحكم، و حينئذٍ لا مانع من افتراض أنّ الإباحة تكون إباحة واقعية و مقيّدة بعدم ورود الخطاب الكاشف عن التحريم، سواء أردت بالورود (الصدور أو الوصول).

و قد تصوّر الشيخ الأنصاري (قده) ( (1)) في مقام تصحيح مقالة المحدثين من علمائنا: أنّ الأحكام الشرعية مقيد بوصول خطاباتها عن طريق الأئمة (عليهم السّلام) لكي لا يكون الأخذ بها من غير هذا الطريق حجة، و هذا معقول ثبوتاً و إن لم يدل عليه دليل إثباتاً.

و من المحتمل أن يكون مفاد الرواية: هو أنّ الأصل في الأشياء ما لم يحكم الشارع هو، الإباحة لا الحظر، و تكون حينئذٍ أجنبية عن محل الكلام.

____________

(1) الرسائل: الأنصاري، ج 1، ص 406 371 370 ط جامعة المدرسين.

87

و الحاصل: هو أنّه قد استدل على البراءة الشرعية من السنة بحديث:

(كل شي‏ء مطلق حتى يرد فيه نهي) (

(1)

) بتقريب: أنّ مفاد هذه الرواية الإطلاق و التوسعة ما لم يرد نهي.

و التحقيق هو أنّ الاستدلال بهذا الحديث و بهذه السذاجة غير تام ما لم يتمم بمرحلتين.

المرحلة الأولى: هي أن يكون المراد من الورود في الرواية: الوصول لا الصدور، و إلّا فلو بقي المراد من الورود مردداً بين الوصول و الصدور لبقيت الرواية مجملة، و مع الإجمال لا يتم الاستدلال بها.

و قد ذُكر وجهان لاستظهار أنّ المراد من الورود هو الوصول.

الوجه الأول: هو ما قيل من أنّ الورود سنخ معنى يستبطن الوفود على الشي‏ء، إذاً، فهو معنى نسبي لا بدّ له من طرف يضاف إليه، إذاً، فلا يطلق على مجرد الصدور.

و أجيب عنه: بأنّه ليس هناك شي‏ء يعيّن أن يكون الملحوظ بالورود هو وفود النهي على المكلّف، بل لعلّ الملحوظ هو وفوده على الشي‏ء نفسه كما يناسبه قوله: (يرد فيه)، إذاً، فالنهي وارد على المادة، و المادة هي المورود عليه.

و لو سلّم كون الملحوظ بالورود هو المكلّف، فإنّه من المحتمل قوياً أن يكون الملحوظ هو إرادة الوفود على جنس المكلّف، أي‏

____________

(1) من لا يحضره الفقيه: الصدوق، ج 1، ص 317، ح 937.

88

الوفود على الأمة و ليس على كل مكلّف مكلّف، و حينئذٍ يكون الوفود بمعنى: الصدور، و معه لا يكون مساوقاً مع البراءة الشرعية.

الوجه الثاني: لاستظهار إرادة الوصول من الورود هو أن يقال:

إنّ الإطلاق في قوله:

(كل شي‏ء مطلق)،

إمّا أن يراد به الإرشاد إلى حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان، و إمّا أن يراد به الترخيص المولوي الواقعي، و إمّا أن يراد به الترخيص الظاهري.

و الاحتمال الأول، خلاف ظاهر مولوية الخطاب الصادر من الشارع.

و الاحتمال الثاني: لا يناسب مع كون الغاية ورود النهي، سواء أريد بالورود الصدور أو الوصول، لأنّ الأول إن أريد به تقييد الإباحة الواقعية بعدم النهي الواقعي فهو محال، لأنّه يكون من باب أخذ عدم الضد قيداً في موضوع الضد الآخر، و إن أريد به مجرد بيان مطلب واقعي، بمعنى أنّه متى لم يكن هذا الضد موجوداً و هو الحرمة و النهي، فالضد الآخر و هو الإباحة ثابت، و هذا لغو من الكلام.

و إن أريد الثاني و هو الوصول، فهذا يستلزم تقييد الحكم الواقعي بالإباحة، بعدم العلم بالحرمة، و هذا معناه تقييد الحرمة الواقعية بالعلم بها، و هو من باب أخذ العلم بالحكم في موضوعه نفسه.

و بهذا يتعيّن أن يراد من الإطلاق في قوله (عليه السّلام): (كل شي‏ء مطلق) الترخيص الظاهري، و هو لا يناسب أن تكون الغاية فيه عدم صدور النهي، بل يناسب أن تكون الغاية فيه هي عدم وصوله و العلم به، لأنّ الأحكام الظاهرية مغيّاة بالعلم لا بالواقع.

و أجيب عنه أولًا: بأنّ إرادة الترخيص الواقعي لا محذور فيه،

89

لأنّ المراد بالنهي، الخطاب المبرز لا الحرمة المبرزة، لأنّه اسم لها، إذاً، فغاية ما يلزم هو، تقييد الحرمة الواقعية بالعلم بخطابها، و قد عرفت في محله إمكان ذلك.

و أجيب عنه ثانياً: بأنّه لو فرض استحالة التقييد بذلك، أيضاً نقول: إنّه مجرد بيان لثبوت الحلية الواقعية كلّما لم يصدر التحريم، و لا يلزم من ذلك اللغوية، بل يفيد الكشف عن ثبوت الحلية الواقعية شرعاً عندئذٍ كلّما لم يصدر خطاب شرعي بالتحريم، نعم، إنّ هذا قد يكون منافياً مع ظهور الغاية في المولوية، حتى يرد فيه نهي، فإنّ فيه نحو إرشاد إلى ما هو ثابت واقعاً، فيكون خلاف الظاهر.

و أجيب عنه ثالثاً: بأنّه يمكن الترخيص الظاهري، و مع ذلك فإنّه لا معيّن لأن يكون الورود بمعنى الوصول، بل الصدور، و يكون مفاد الرواية حينئذٍ، جعل الترخيص الظاهري و الإباحة في الأشياء قبل زمن تشريع الحرام.

إذاً: فكما أنّ الاحتمال الثالث يناسب الوصول فإنّه يناسب الصدور أيضاً، و لا يلزم تقييد الترخيص الظاهري و الإباحة في الأشياء قبل زمن تشريع الحرام.

إذاً: فكما أنّ الاحتمال الثالث يناسب الوصول فإنّه يناسب الصدور أيضاً، و لا يلزم تقييد الترخيص الظاهري بعدم الحرمة الواقعية، بل بعدم صدور ما يدلّ على الحرمة و تشريعها، إذاً: فيكون مفاد الرواية هو مفاد القاعدة المشهورة: من أنّ الأصل في الأشياء الإباحة قبل صدور النهي.

المرحلة الثانية: هي في أنّ هذه الرواية المغيّاة بوصول النهي بناء على تمامية أحد الوجهين في إثبات البراءة الشرعية هل يراد بالنهي فيها خصوص النهي الواقعي، فيكون المعنى: حتى يصل النهي الواقعي، أو أنّه يراد به الأعم منه و من النهي الظاهري و لو كان بعنوان الاحتياط؟

90

فعلى الأول: يكون مفاد هذه الرواية نفي الاحتياط، و أنّه لو تم دليل على الاحتياط يكون حينئذٍ معارضاً مع مفاد هذه الرواية، و يكون حاكماً عليه، لأنّ الاحتياط لا يجعل النهي الواقعي واصلًا.

و على الثاني: يكون الاحتياط لو تمّ دليله، حاكماً عليها، لأنّه أخذ في موضوع هذه البراءة عدم وصول النهي، و لو بسبب الاحتياط، و هنا قد وصل بسبب الاحتياط.

نقول: إنّه لو تمّت المرحلة الأولى، فلا ينبغي الاستشكال في أنّ الصحيح هو إرادة خصوص النهي الواقعي، و ذلك لأنّ النهي في الرواية أضيف إلى موضوع القضية و هو (الشي‏ء) في نفسه،

(كل شي‏ء مطلق حتى يرد فيه نهي)،

و هذا الشي‏ء لم يتقيّد بالمشكوكية إلّا في طول التحديد الناشئ من الغاية، لأنّ قوله (عليه السّلام):

(كل شي‏ء مطلق‏

) ليس فيه عنوان الشك، و إنّما جاء عنوان الشك في التحديد الذي جاء من قوله (عليه السّلام):

(حتّى يرد فيه نهي)

، و معه فلا يعقل أخذ هذا الشك في موضوع الغاية، إذ النهي هنا لا يحدّ إلّا الشي‏ء في نفسه، و الحال أنّنا نتكلم عن موضوع الغاية بأنّه هل هو النهي المتعلّق بذات الشي‏ء، أو بالشي‏ء المشكوك؟ و بسبب هذه النكتة ينبغي أن يكون النهي متعلقاً بالشي‏ء نفسه.

و حينئذٍ، فلو كانت المرحلة الأولى تامة لكانت المرحلة الثانية تامة أيضاً، إلّا أنّ الاستدلال بهذه الرواية غير تام، لعدم تمامية المرحلة الأولى، مضافاً إلى سقوط الرواية سنداً.

و قد تعرّض صاحب الكفاية (قده) ( (1)) لرواية:

(كل شي‏ء مطلق‏

____________

(1) الكفاية: الخراساني، ج 2، ص 179 177.

91

حتى يرد فيه نهي)،

فأفاد ما حاصله: أنّ الورود في الرواية بمعنى: الصدور، وعليه: لا يكون الحديث كافياً لإجراء البراءة فيما لو شك في صدور نهي، و لذلك اقترح لتتميم الاستدلال بالرواية ضم استصحاب موضوعي ينقح موضوع الإباحة و الإطلاق، فإنّه في الرواية، جعل الإطلاق: (كل شي‏ء مطلق) مقيداً بصدور

النهي (حتى يرد فيه نهي)،

و هذا معناه: أنّه مقيد بعدم وقوع الغاية، أي إطلاق مشروط بعدم صدور النهي، فإذا شك الفقيه في صدور النهي، يجري في حقه استصحاب عدم صدور النهي، و بذلك يتنقح موضوع الإباحة و الإطلاق.

إلّا أنّه قد يقال: إنّ التمسك بالاستصحاب يكون هو المؤمّن برأسه عن صدور النهي، سواء كان هناك رواية

(كل شي‏ء مطلق حتى يرد فيه نهي)

أو لم يكن، وعليه: فالتمسك بالاستصحاب لا يكون تتميماً للاستدلال بالرواية. و لكن نقول: إنّ يتم ما قيل: فيما لو كنّا نريد أن نجري الاستصحاب بلحاظ نفس الحكم الواقعي أي عدم الحرمة واقعاً لنثبت بذلك الإباحة الواقعية، لأنّه يكون نفس هذا الاستصحاب مؤمّناً إذا تمّت أركانه، و لسنا بحاجة إلى ضم حديث‏

(كل شي‏ء مطلق حتّى يرد فيه نهي)،

إلّا أنّ المقترح هنا، ليس هو استصحاب عدم الحرمة، بل هو إجراء استصحاب عدم صدور النهي.

و قد أشرنا فيما سبق إلى أنّ النهي غير الحرمة، لأنّ النهي هو الخطاب الكاشف عن الحرمة الشرعية، وعليه: فلو أجرينا استصحاب عدم الخطاب، حينئذٍ لا يكون ذلك مؤمّنا وحده، ذلك لبقاء احتمال الحرمة موجوداً، بل تكون وظيفة هذا الاستصحاب تنقيح موضوع‏

92

الإطلاق المجعول في حديث: (كل شي‏ء مطلق)، و من هنا، جعل هذا الاستصحاب متمماً للاستدلال.

ثمّ إنّ صاحب الكفاية (قده) ( (1)) علّق على هذا الاستصحاب: بأنّه و إن كان لا بأس بجريانه في كثير من الموارد، و لكن أحياناً لا يمكن جريانه، و ذلك في مثل موارد توارد حالتين على الفعل كما لو ورد عليه النهي تارة، و الإباحة تارة أخرى، و حينئذٍ يتعذّر تحصيل ثمرة البراءة، لأنّ الحديث حسب الفرض لا يستفاد منه البراءة، و الاستصحاب أيضاً لا يجري، لتوارد الحالتين.

و يمكن أن نفسر كلام صاحب الكفاية (قده) الذي علّق به بتفسيرين:

التفسير الأول: هو أنّه في موارد توارد حالتين، لا يمكن الرجوع إلى الاستصحاب، و ذلك للعلم بأنّ هذا الحديث لا يشمل المورد، و ذلك لأنّ الحديث جعل الإطلاق مغيّا إلى أن يصدر نهي، و من الواضح أنّه في مورد توارد الحالتين يعلم بصدور نهي، و لكن يشك بورود إباحة بعد النهي، و لا يمكن إثباتها بالحديث، و لا بالاستصحاب، بينما كنّا نريد من إجراء الاستصحاب جعل الحديث شاملًا لهذه الحالة،- أي بصدور إباحة بينما نعلم بأنّ الحديث لا يشمل هذه الحالة، لأنّ المغيّا تحققت غايته، و هي صدور النهي، وعليه: فلا يمكن تتميم الاستدلال بالرواية و لو بإجراء الاستصحاب.

التفسير الثاني: و هو ما يظهر من المحقق الأصفهاني (قده) ( (2)) في‏

____________

(1) المصدر السابق‏

(2) نهاية الدراية: الأصفهاني، ج 2، ص 190.

93

حاشيته على الكفاية، من أنّه في موارد توارد الحالتين لا يتم الاستصحاب المقترح، و ذلك لأجل ما قرّر في مكانه، إمّا لأجل التعارض و التساقط، و إمّا لأجل انفصال زمان الشك عن زمان اليقين، بحيث يكون مقامنا من صغريات تلك الكبرى، و حينئذٍ، أشكل على صاحب الكفاية و قال:

بأن توارد الحالتين بهذا المعنى أمر غير معقول في المقام بعد افتراض أنّ الحديث مفاده جعل إباحة على الأشياء كلها حدوثاً، و استمرار هذه الإباحة إلى أن يصدر نهي، و لا يعقل افتراض العلم بالنهي و الإباحة و تردد أمر هذه الإباحة بين أن تكون قبل النهي أو بعده، و ذلك لأنّ هذه الإباحة إذا افترضنا أنّنا نعلم بطرو حالتين متضادتين النهي و الإباحة وراء الإباحة المجعولة في حديث (كل شي‏ء مطلق)، فيجب أن تكون تلك الإباحة الطارئة بعد النهي، إذ لو كانت قبله للزم اجتماع إباحتين، لأنّ الأولى مجعولة قبل النهي بقوله: (كل شي‏ء مطلق)، فلو كانت الثانية الطارئة أيضاً قبل النهي لاجتمعت إباحتان، و هذا غير معقول.

إذاً، فلا بدّ من فرض أنّ الإباحة الطارئة تكون بعد النهي، و بذلك ينحل الإشكال، و لا يبقى تردد في أنّ الإباحة هل هي قبل النهي أو بعده؟ لأنّه بذلك يتعيّن كونها بعده.

و إشكال الأصفهاني (قده) على كلام صاحب الكفاية (قده) غير تام و في غير محله، و ذلك لأنّه:

أولًا: إنّه لا يلزم في فرض توارد الحالتين أن نفرض العلم بطرو إباحة أخرى يعلم بمغايرتها للإباحة الأولى حتى يقال: يجب أن تكون بعد النهي، بل يمكن أن نفرض توارد الحالتين من دون ترتب ذلك،

94

و ذلك بأن يكون لدينا علم بأنّ هذه المادة ورد عليها النهي في زمان و هي متصفة بالإباحة، و أيضاً نعلم بورود إباحة و لكن لا نعلم بأنّ هذه الإباحة التي نعلم بورودها، هل هي نفس تلك الإباحة، أو غيرها، فمثلًا: نعلم بصدور نهي عن (فعل) في السنة السابعة للهجرة، و نعلم أنّه كان مباحاً في أيام غزوة خيبر، و لكن لا نعلم هل إنّ غزوة خيبر كانت قبل السنة السابعة، فتكون الإباحة المعلومة قبل النهي؟، أو أنّ غزوة خيبر كانت بعد السنة السابعة للهجرة، فتكون هذه الإباحة ناسخة للنهي؟، إذاً، هنا يكون الأمر من باب توارد الحالتين، و يكون استصحاب عدم النهي معارضاً باستصحاب بقاء النهي، إذاً، تصوير حالة توارد الحالتين لا يتوقف على أن نجزم بأنّ إحدى الإباحتين مغايرة للأخرى، بل يكفي العلم بها في زمان، مع التردد في أنّها نفس الإباحة الأولى أو الثانية أو غيرها؟

و أمّا ثانياً: فلو فرضنا أنّنا نعلم أنّ الإباحة الثانية غير الإباحة الأولى، و مع هذا نحتمل وجودها معها، و هنا لا محذور في اجتماعهما، لأنّ الإباحة الأولى إباحة واقعية ناشئة من الملاكات الواقعية، بينما الإباحة الثانية إباحة شبه ظاهرية، أو قل: نصف ظاهرية، مجعولة بحديث: (كل شي‏ء مطلق)، فهي إباحة في مقام تحديد موقف المكلّف خارجاً، حيث لا يوجد خطاب من الشارع و خصوصاً بعد ما عرفت، أنّه لا محذور في اجتماع الإباحة الظاهرية مع الحرمة الواقعية، فهنا أيضاً لا محذور في اجتماع الإباحة الظاهرية مع الإباحة الواقعية.

ثمّ إنّ هنا كلاماً ثالثاً لصاحب الكفاية (قده) ( (1))، بعد أن اقترح تتميم‏

____________

(1) الكفاية: الخراساني، ج 2، ص 179 177.

95

الاستدلال بالاستصحاب و استشكل فيه بأنّه لا يتم في موارد توارد الحالتين.

قال قده: بأنّه قد يقال: بأنّه من باب عدم القول بالفصل، نتعدّى من موارد الشك الساذج في الصدور، إلى موارد الشك في الصدور المقرون بتوارد الحالتين، حيث لم يوجد من يفرّق بينهما من الفقهاء في جريان البراءة. ثمّ إنّه (قده) استشكل في ذلك، بأنّ هذا التعدي في المقام غير ممكن، باعتبار أنّ المدرك هنا هو الاستصحاب.

و هذا الكلام منه له تفسيران:

التفسير الأول: و هو ما نفهمه من العبارة، من أنّ البراءة في موارد الشك في الصدور ثبتت ببركة استصحاب عدم الصدور، و من الواضح أنّ هذا يكون مفاد أصل، لأنّ الاستصحاب أصل عملي، و الإجماع على عدم الفصل القائم بين جريان البراءة في موارد الشك الساذج في الصدور، و بين موارد الشك في الصدور المقرون بتوارد الحالتين لا يمكن الأخذ به لأنّ الدال على البراءة في الشك الساذج إنّما هو أصل عملي، و هو لا يثبت لوازمه، إذاً، فلا يمكن التعدي منه إلى الشك في موارد توارد الحالتين.

و هذا هو الفرق ما بين محل الكلام، و ما بين مورد آخر جعله الأصفهاني (قده) نقضاً على صاحب الكفاية (قده)، من قبيل أنّه يستدل بقوله (عليه السّلام):

(كل شي‏ء حلال حتى تعرف الحرام بعينه) (

(1)

)، على جريان البراءة في الشبهة التحريمية، و لأجل عدم القول بالفصل بين‏

____________

(1) وسائل الشيعة: الحر العاملي، ج 12، باب 4 من أبواب ما يكتسب به، ح 1.

96

جريان البراءة في الشبهة التحريمية، و جريانها في الشبهة الوجوبية نتعدى إلى الشبهة الوجوبية.

نقول: إنّ هذا التعدي صحيح، لأنّ التعدي في الشبهة التحريمية مدلول دليل اجتهادي، و هو رواية عبد الله بن سنان ( (1))، لا مدلول أصل عملي، و الإجماع قائم على عدم الفصل ما بين الشبهتين، فإذا دل دليل اجتهادي على البراءة أو الإباحة التي هي قسم من أصالة البراءة، و هي البراءة في الشبهات التحريمية في أحدهما بالمطابقة، فإنّه يدلّ على ملازمه بالدلالة الالتزامية على البراءة فيه بلا إشكال، و أين هذا من محل الكلام؟ لأنّ البراءة هنا لم تثبت إلّا ببركة الأصل العملي الذي هو الاستصحاب، و هو لا يمكن إثبات لوازمه به.

التفسير الثاني: هو ما ذكره الأصفهاني (قده) ( (2))، و حاصله: أنّ الإجماع قائم على أنّه إذا جرت البراءة في هذا المورد، جرت في ذلك المورد أيضاً، و هنا لم تجرِ البراءة في هذا المورد، و إنّما جرى الاستصحاب.

و كأنّه ناظر في كلامه (قده) هذا إلى حمل الورود في قوله (عليه السّلام): (كل شي‏ء مطلق حتى يرد فيه نهي)، حمله على الصدور، و الاستصحاب عبّدنا بالإباحة الواقعية، فالبراءة كأصل عملي لم تجرِ لا حقيقة و لا تعبداً، إذاً، فلا موضوع للإجماع على عدم الفصل، لأنّ الإجماع على عدم الفصل إنّما يكون بين براءة و براءة.

نعم، لو فرض أنّ الإجماع قائم على عدم الفصل بين مطلق‏

____________

(1) الكافي: الكليني، ج 6، كتاب الأطعمة، باب الجبن، ح 1

(2) نهاية الدراية: الأصفهاني، ج 2، ص 190.

97

التأمين تمّ ذلك، لأنّه قد يحصل التأمين، و حينئذٍ يمكن أن يقال بالتعدي من دون أن يلزم إشكال حتى للذي ذكرناه، لأنّ التعدي مفاد دليل الاستصحاب، و هو دليل اجتهادي ثبت بصحيحة زرارة لا تنقض اليقين بالشك ( (1)).

هذا كله في دلالة الرواية، فهي ضعيفة دلالة، مضافاً إلى ضعف سندها بالإرسال، حيث أرسلها الصدوق (قده) بلسان: قال الصادق (عليه السّلام)، و هذا لسان لا حجية فيه بناء على ما هو المختار من عدم حجية المرسل حتى لو كان بمثل هذا اللسان، إذ لا فرق في الإرسال و عدم الحجية بين أن يقول: قال الصادق (عليه السّلام) أو يقول: روي عن الصادق (عليه السّلام)، فكلا اللسانين إرسال.

و من جملة ما استدل به على البراءة الشرعية حديث الرفع الذي رواه الصدوق (قده) في الخصال ( (2)) عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و هذا نصّه:

رفع عن أمّتي تسعة: الخطأ، و النسيان، و ما أكرهوا عليه، و ما لا يعلمون، و ما لا يطيقون، و ما اضطروا إليه، و الحسد، و الطيرة، و التفكّر في الوسوسة في الخلق ما لم ينطق بشفة.

و الكلام في الحديث يقع في أربعة مقامات.

المقام الأول: في تحقيق حال فقرة الاستدلال و هي: (رفع ما لا يعلمون)، من حيث دلالتها على جريان البراءة.

المقام الثاني: في شمول هذه الفقرة بعد فرض دلالتها على البراءة، للشبهات الحكمية و الموضوعية معاً و عدمه.

____________

(1) وسائل الشيعة: الحر العاملي، ج 1، باب من أبواب نواقض الوضوء، ح 1

(2) الخصال: الصدوق، ج 2، باب التسعة، ح 2، ط جامعة المدرسين.

98

المقام الثالث: في فقه الحديث و ما يلقيه على ضوء الاستدلال.

المقام الرابع: في سند الحديث.

أمّا الكلام في المقام الأول فنقول: إنّ الاستدلال بهذه الفقرة (رفع ما لا يعلمون)، يكون باستظهار أنّ الرفع في المقام رفع ظاهري، و المقصود منه لباً و واقعاً هو رفع وجوب الاحتياط، فإنّ الرفع يقابل الوضع، فالرفع الواقعي يقابل الوضع الواقعي، و الرفع الظاهري يقابل الوضع الظاهري، و الوضع الظاهري عبارة عن تسجيل التكليف و تنجيزه بإيجاب الاحتياط، فهذا مرتبة من الوضع الواقعي في طول التكليف الواقعي.

و قد يستشكل و يقال: إنّ الرفع هنا كما يمكن أن يكون رفعاً ظاهرياً، كذلك يمكن أن يكون رفعاً واقعياً، بل قد يقال: إنّ حمل الرفع على الظاهري في المقام خلاف الظاهر، بل لا بدّ بمقتضى ظهور الحديث من حمله على الواقعي.

و بيان هذا الاستشكال ينحل إلى دعويين:

الدعوى الأولى: هي أنّ الرفع في المقام يجب حمله على أنّه رفع واقعي بدعوى: أنّ حمله على الظاهري فيه عناية و مئونة بحسب مقام الإثبات، و الأصل عدمها، و ذلك لأنّ الرفع الظاهري ليس رفعاً لما لا يعلم حقيقة، الذي هو التكليف الواقعي، بل هو رفع لوجوب الاحتياط من ناحيته، بينما ظاهر الحديث، أنّ الرفع متعلق بنفس (ما لا يعلم)، و الذي هو مشكوك التكليف الواقعي، فإسناد الرفع إلى (ما لا يعلم) يكون مجازاً بناء على حمله على أنّه رفع ظاهري.

و إذا أريد التخلص من هذا الإسناد المجازي باقتراح: أنّ‏

99

الظاهرية تطعم في نفس مادة الرفع فيقال: بأنّ الرفع مسند إلى نفس (ما لا يعلمون) إسناداً حقيقياً، لكن الرفع ليس حقيقياً، بل هو رفع عنائي، رفع بلحاظ بعض شئونه، و رفع شبيه الرفع هو رفع مجازي مسامحي، لكن هذا لا يخلصنا من الإشكال، إذاً لا بدّ من إحدى عنايتين.

إمّا عناية في الإسناد، بحيث يكون مجازاً مع إبقاء كون الرفع رفعاً حقيقياً.

و إمّا عناية في نفس الرفع، بأن نطلق الرفع على ما يشبه الرفع، مع أنّ الأصل عدم العناية، و حينئذٍ يتعيّن الحمل على الرفع الواقعي.

الدعوى الثانية: هي أنّه إذا حمل الرفع على أنّه رفع واقعي، فحينئذٍ لا يثبت تمام المطلوب.

و قد يتخيل أنّه لما ذا لا يثبت تمام المطلوب مع أنّه ليس المطلوب اسم البراءة، بل هو إطلاق العنان من ناحية التكليف الواقعي المشكوك؟ و هذا كما يحصل بإجراء أصالة البراءة، كذلك يحصل بما هو أحسن من إجرائها، و هو تفضل (المولى) برفع التكاليف الواقعية في موارد الشك، فمثلًا: صاحب الحدائق (قده) قد فهم من قولهم (عليه السّلام):

(كل شي‏ء طاهر حتى تعلم أنّه نجس)،

فهم أنّه رفع للنجاسة الواقعية، و لذا فقد استراح كما استراح القائلون بأصالة الطهارة.

و لكن الإشكال يريد أن يقول: إنّ النتيجة في الجملة و إن كانت تحصل، و لكن لا يحصل في المقام تمام المطلوب، و ذلك لأنّه في كثير من الأحيان قد يتفق قيام دليل قطعي، كإجماع و نحوه، على أنّ التكليف الواقعي مشترك ما بين العالم و الجاهل، و أنّه غير مخصوص‏

100

بالعالم، و حينئذٍ لو بني على أنّ حديث الرفع مفاده الرفع الواقعي، فإنّه يلزم هنا الالتزام بالتخصيص في موارد قيام الدليل القطعي، على أنّ هذا التكليف، لو كان ثابتاً لكان ثابتاً في حق العالم و الجاهل، لأنّنا بإجراء الرفع الواقعي في هذا المورد نعلم بمخالفته للواقع، للدليل القطعي، بخلاف ما لو كان الرفع رفعاً ظاهرياً، فلا يكون الدليل القطعي الدال على أنّ هذا الحكم مشترك بين العالم و الجاهل مخصصاً لحديث الرفع، لأنّه لا معارضة بينهما، لأنّ حديث الرفع حسب الفرض مصبّه الحكم الظاهري، و الدليل القطعي مصبّه الحكم الواقعي، و التعارض إنّما يكون مع اتحاد المصب.

إذاً، إثبات الرفع الظاهري هو الذي يفيد في إثبات تمام المطلوب.

و لنا كلامان حول الدعوى الأولى.

الكلام الأول: هو أنّه كما أن حمل الرفع على الظاهري يحتاج إلى عناية، كذلك الحمل على الرفع الواقعي يحتاج إلى نفس العناية، و ذلك لأنّنا لو حملنا الرفع في الحديث على الواقعي، يكون معناه: أنّ التكاليف غير ثابتة لغير العالم، بل أخذ العلم قيداً في موضوعها، و من الواضح أنّ أخذ العلم بالشي‏ء في موضوع نفس ذلك الشي‏ء غير معقول كما ذكرنا في محله. و إنّما يعقل أن يؤخذ العلم بالجعل في موضوع المجعول، إذاً، بناء على هذا، لا بدّ و أن نقول: إنّ الرفع هنا رفع (لما لا يعلم) و هو الجعل، لأنّه هو المشكوك، لأنّ المجعول مقطوع العدم، فالشك في الجعل يرفع المجعول، يعني: أنّ (ما لا يعلم) شي‏ء، و المرفوع شي‏ء آخر، لأنّ ما لا يعلم هو الجعل، و ما هو مرفوع ليس هو الجعل، لأنّ رفع الجعل نسخ، و حديث الرفع لم يكن‏

101

في مقام النسخ، بل هو في مقام تضييق المجعول، إذاً، فمصبّ حديث الرفع هو المجعول، و معنى (لا يعلمون): الجعل، و هذا معناه: تعدد المصب، إذاً، نفس العناية التي كانت تلزم في حمل الرفع على الظاهري، تلزم في حمله على الواقعي، و لا إشكال أنّ مناسبات الحكم و الموضوع تعيّن الرفع الظاهري مثلًا: كمناسبة عدم أخذ العلم في موضوع الحكم.

و قد استشهد المحقق العراقي (قده) للرفع الظاهري بالسياق الامتناني لحديث الرفع، و لا بأس بأن يجعل ذلك مؤيداً لا دليلًا، فقد قال (قده) ( (1)): بأنّ سياق حديث الرفع سياق امتناني، و من الواضح أنّ الامتنان إنّما يحصل برفع رتبة الاحتياط من الواقع لا رفع تمام مراتب الواقع، فضمّ رفع المراتب الأخرى إليها ليس دخيلًا في الامتنان، مع أنّ ظاهر الحديث أنّه في مقام إعطاء مدلول امتناني، و ما هو كذلك، هو رفع رتبة الاحتياط من الواقع.

و إنّما لا يصح أن يكون دليلًا، لأنّه من الواضح أنّ ظهور الحديث في الامتنان ليس إلّا بنحو أنّ هذا الرفع يقع في طريق الامتنان، و من الواضح أنّه سواء كان رفعاً واقعياً أو ظاهرياً، يكون واقعاً في طريق الامتنان، غاية الأمر أنّ أحدهما فيه مزيد رفع عن الآخر.

الكلام الثاني: هو أنّه لو بقي الحديث مجملًا، بحيث لم نستظهر منه لا الرفع الظاهري، و لا الرفع الواقعي، فمع ذلك يترتب تمام المطلوب.

____________

(1) نهاية الأفكار: العراقي، ج 3، ص 212.

102

لأنّ المطلوب‏ أولًا: هو التأمين و راحة الفكر في الجملة، و هذا حاصل، سواء كان الرفع ظاهرياً، أو واقعياً.

و ثانياً: معارضة أدلة وجوب الاحتياط لو تمّت، و هذا أيضاً حاصل، لأنّه من الواضح أنّ حديث الرفع حتى لو كان مفاده الرفع الواقعي، يكون معارضاً لأدلة وجوب الاحتياط و حاكماً عليها، لأنّه لو كانت الأحكام مرفوعة واقعاً فلما ذا يوجب الاحتياط؟

و ثالثاً: إنّه في ما لو شككنا مثلًا: في وجوب صلاة الجمعة، و لكن قام دليل قطعي على أنّه لو كان الوجوب موجوداً لكان عاماً و مطلقاً حتّى لغير العالم، فنتمسك بحديث الرفع بعد فرض إجمال الرفع أنّه ظاهري أو واقعي، لأنّه مع فرض الإجمال لا علم بالمخصص و لا وجه للتخصيص في المقام، لأنّ التخصيص فرع المعارضة، و لا معارضة مع عدم إحراز المعارض.

و أمّا الكلام في المقام الثاني: فالكلام فيه يكون بعد فرض تمامية الاستدلال بالحديث على البراءة، حتى يقال: هل تختص بالشبهات الموضوعية، أو تشمل الحكمية؟، و الكلام هنا يقع في جهتين:

الجهة الأولى: في مقام الثبوت، بتصوير جامع معقول ثبوتاً، خالٍ من المحذور إثباتاً، يكون شاملًا لكل من الشبهة الموضوعية و الحكمية.

الجهة الثانية: البحث إثباتاً، و أنّه هل يؤخذ بإطلاق الكلام لإثبات البراءة لتمام الجامع، أو يختص بقسم خاص من الشبهات لقرينة من القرائن؟

103

أمّا الجهة الأولى: فنقول: إنّ الذي دفع إلى هذا الكلام، هو معلومية أن المشكوك في الشبهات الحكمية هو غير المشكوك في الشبهات الموضوعية، لأنّ المشكوك في الشبهات الحكمية إنّما هو الحكم الشرعي، و المشكوك في الشبهات الموضوعية إنّما هو الشي‏ء الخارجي، فكون مصب الشك مختلفاً و متبايناً هو الذي دفع إلى الحديث في أنّه، هل يوجد جامع بين هذين المتباينين، بحيث يشمله كلام واحد، و فقرة واحدة هي، (رفع ما لا يعلمون)، أو لا؟

و من الواضح، أنّ أوّل ما يتبادر إلى الذهن في تصوير الجامع هو ما ذكره صاحب الكفاية (قده) ( (1))، من أنّ اسم (ما) في قوله: (رفع ما لا يعلمون) مدلوله يساوق مفهوم الشي‏ء، و هذا مفهوم عام جامع بين التكليف و الموضوع الخارجي، ففي الشبهة الحكمية يشك في وجوب الدعاء عند رؤية الهلال، و وجوب الدعاء شي‏ء، و في الشبهة الموضوعية يشك في أنّ هذا المائع خمر أو ليس بخمر، و خمرية هذا المائع شي‏ء من الأشياء، فقول (عليه السّلام): (رفع ما لا يعلمون) مفاده:

(رفع كل شي‏ء لا يعلم)،

سواء كان تكليفاً، أو موضوعاً خارجياً.

ثمّ إنّ صاحب الكفاية (قده) ( (2)) اعترض على هذا البيان من تصوير الجامع، بدعوى: أنّه غير معقول، و ذلك لأنّ الشي‏ء المستفاد من الموصول (ما) إذا أخذ بمعنى جامع بين التكليف و الموضوع، و أسند الرفع إليه بلحاظ هذا المعنى الجامع، يلزم الجمع في إسناد الرفع إلى الشي‏ء بين الإسناد الحقيقي، و الإسناد المجازي، و ذلك لأنّ الرفع إسناده إلى الشي‏ء الذي هو التكليف يكون إسناداً حقيقياً، لأنّه إسناد

____________

(1) كفاية الأصول: الخراساني، ج 2، ص 175 174

(2) تعليقة الخراساني على الرسائل، ص 114 ط مكتبة بصيرتي.

104

إلى ما هو له، لأنّ الرفع من قبل المولى من شأنه أن يتوجه إلى التكليف، لأنّه بيده وضعاً و رفعاً، و أمّا إسناده إلى الشي‏ء الذي هو الموضوع الخارجي فمجاز، لأنّه إسناد إلى غير ما هو له، لأنّ الموضوع الخارجي لا يرتفع حقيقة من قبل المولى بما هو مولى، و إنّما هو رفع بالعناية، و مثل هذا الإسناد لكلا الأمرين غير معقول، أو غير عقلائي.

و أجيب عن اعتراض صاحب الكفاية (قده) بوجوه:

الوجه الأول: هو ما ذكره المحقق الأصفهاني (قده) ( (1))، و حاصله: هو أنّه لا بأس بأن يكون هذا الإسناد إسناداً حقيقياً و مجازياً في وقت واحد، و ذلك لأنّ الحقيقة و المجازية ليستا من الأوصاف الحقيقية المتقابلة من قبيل السواد و البياض، لكي لا يمكن تصادقهما بوجه من الوجوه، بل هما من الأوصاف المتقابلة بالاعتبار، و لهذا يكتفى في تصادقهما على شي‏ء واحد هو: اختلاف الحيثية الاعتبارية الملحوظة في انتزاع هذا الوصف، و انتزاع ذلك الوصف، فالحيثية المنتزعة من إسناد الرفع إلى التكليف هي كونه حقيقياً، و الحيثية المنتزعة من إسناد الرفع إلى الشي‏ء هي كونه مجازياً.

و الحاصل: هو أنّه لا مانع من اجتماع هذين الوصفين أي كون الإسناد إسناداً إلى ما هو له، و كونه إسناداً إلى غير ما هو له فإنّ هذين الوصفين ليسا من الأوصاف الحقيقية المتقابلة كالسواد و البياض، كي يستحيل ثبوتهما لموجود واحد، و إنّما هما من الأوصاف الاعتبارية المتقابلة، و معه يكفي في مقام اجتماعهما تعدد الحيثية الاعتبارية التي‏

____________

(1) نهاية الدراية: الأصفهاني، ج 2، ص 181.