بحوث في علم الأصول - ج11

- الشيخ حسن عبد الساتر المزيد...
473 /
105

بها يوصف بهذا الوصف، أو بذاك الوصف، و حينئذٍ، فهذا الإسناد الواحد، باعتبار كونه إسناداً إلى الشي‏ء القابل للانطباق على الحكم يكون إسناداً إلى ما هو له، و باعتبار كونه إسناداً إلى الشي‏ء المقابل للانطباق على الموضوع، فهو إسناد إلى غير ما هو له.

و هذا الوجه من جواب الأصفهاني غير تام: و ذلك فيما إذا بيّنّا مرام صاحب الكفاية (قده) بالنحو الذي هو مقصود له، أو كان ينبغي أن يكون مقصوداً له، لأنّ إشكال صاحب الكفاية (قده) ليس بلحاظ لزوم اجتماع هذين الوصفين الاعتباريين، بل في مرتبة أسبق من هذه المرتبة، و هي مرتبة استعمال هيئة الإسناد في المعنى النسبي القائمة بين المسند و المسند إليه، فإنّ النسبة بين الرفع و بين ما هو له مباينة مع النسبة إلى غير ما هو له، فهنا نحوان من النسبة: نسبة حقيقية، و نسبة عنائية، فهما نسبتان متباينتان، كما أنّ نسبة الظرف إلى المظروف مباينة مع نسبة المجاور إلى المجاوَر، و لهذا كان مجازاً، لأنّ هيئة الإسناد لها معنيان: أحدهما: موضوعة له، و الآخر غير موضوعة له.

و حينئذٍ يقال: إنّ الهيئة النسبية إذا كانت حقيقية يستحيل أن يكون لطرفها أي (لاسم الموصول) إطلاق للموضوع، لأنّه لا يصلح لأن يكون طرفاً للنسبة الحقيقية و إن كانت مستعملة في النسبة المجازية، إذاً، يستحيل أن يكون لاسم الموصول (ما) إطلاق للتكليف، و حينئذٍ لا يبقى إلّا أن يقال: إنّ هيئة الإسناد مستعملة في كلتا النسبتين أو في الجامع، و كلاهما غير صحيح.

أمّا الأول: فلأنّه استعمال للفظ في أكثر من معنى و هو غير معقول، أو غير عقلائي.

106

و أمّا الثاني: فهو غير معقول أيضاً، فإنّ توسيع الدائرة بتحصيل الجامع أمر غير معقول، لأنّ التباين بين النسبتين ليس بلحاظ الأطراف، بل هو بلحاظ ذات النسبة، لأنّ النسبة هنا عنائية و هناك حقيقية، و النسبة المتغايرة ذاتاً لا يعقل تحصيل جامع فيما بينهما كما برهنّا عليه في بحث المعاني الحرفية.

فمثلًا: لو قال:

(ضرب الرجل حرام، و ضرب المرأة حرام)،

فهاتان نسبتان يمكن تحويلهما إلى نسبة ثالثة فيقال: ضرب الإنسان حرام، و هذا أمر ممكن و إن كانت النسبة الثالثة مباينة مع كلتا النسبتين السابقتين و لكنّها أوسع فتشمل كلا الطرفين: (الرجل و المرأة).

إلّا أنّ هذا لا يمكن إسراؤه إلى محل الكلام، لأنّ التباين في محل الكلام بين رفع التكليف و رفع الموضوع ليس باعتبار الطرف، بل باعتبار أنّ النسبتين ذاتاً متباينتان، إحداهما حقيقية، و الأخرى عنائية، و هذا هو جوهر الإشكال، و حينئذٍ لا ينحل بمثل بيان المحقق الأصفهاني (قده).

الوجه الثاني: من الجواب على إشكال صاحب الكفاية (قده) هو أن يقال:

إنّ الشي‏ء هنا إذا افترضناه يشمل الموضوع و التكليف، إذاً، فقد أسندنا الرفع إلى المجموع المركب ممّا هو له، و مما هو ليس له، و كلّما كان كذلك يكون إسناداً إلى مما هو ليس له، من قبيل ما يقال: إنّ النتيجة تتبع أخس المقدمتين ( (1))، و مثلوا له بالمركب الذاتي‏

____________

(1) دراسات في علم الأصول: الهاشمي الشاهرودي، ج 3، ص 235.

107

و العرضي فقالوا: إنّه ليس ذاتياً، و هنا لم يجتمع وصفان متقابلان ليلزم المحذور.

و جوابه: هو أنّه قد ظهر وجه الخلل من مناقشة الأصفهاني (قده)، لأنّ المشكلة ليست في كيفية الجمع بين هذين الوصفين، و إنّما المشكلة في مرحلة تشخيص المعنى المستعمل فيه، فعندنا نسبتان متباينتان، أيّهما اخترتها يجب أن يتضيق بحسبها، و إن استعملت فيهما معاً، كان من استعمال اللفظ في أكثر من معنى، و الجامع غير ممكن، مضافاً إلى إشكال في صياغته و أنّ النتيجة تتبع أخس المقدمتين على ما قيل: و ذلك فإنّ المركّب إذا أخذناه بما هو مركّب بنحو العام المجموعي، فمن الواضح أن المركب ممّا يقبل الرفع و مما لا يقبل الرفع، يقبل الرفع، فإنّ المركب يرتفع بارتفاع أحد أجزائه.

و هذا بخلاف الجامع بنحو صرف الوجود، فإنّ الجامع فيه بين ما يقبل الرفع و بين ما لا يقبل الرفع، لأنّ انتفاء الجامع بانتفاء جميع أفراده، و بما أنّ بعض أفراده لا يعقل رفعه، فهو إذاً لا يقبل الرفع.

الوجه الثالث: هو ما أشار إليه صاحب الكفاية (قده) ( (1))، و ذكره المحقق العراقي (قده) ( (2)).

و حاصله: تطوير الجامع، و ذلك بأن يقال: إنّنا لا نلتزم بأنّ الجامع عبارة عن الشي‏ء المنطبق على التكليف و الموضوع، بل الجامع هو التكليف، إذاً، فالرفع بالنسبة إليه يكون حقيقياً دائماً، و حينئذٍ نعممه للشبهة الحكمية و الموضوعية بدعوى: أنّ المقصود في‏

____________

(1) المصدر السابق‏

(2) نهاية الأفكار: المحقق العراقي، ج 1، ص 217 216.

108

المقام هو الأعم من الكلّي المشكوك في الشبهة الحكمية المسمّى بالجعل بحسب الاصطلاح، أو التكليف الجزئي في الشبهة الموضوعية، و هو المسمّى بالمجعول بحسب الاصطلاح، و حينئذٍ لا يتزاحم الرفع فيه بين الحقيقة و المجاز، بل يكون الرفع فيه رفعاً حقيقياً في كلتا الشبهتين، لأنّ التكليف من شأنه أن يرفع، و معه يكون الإسناد إسناداً إلى ما هو له.

و جوابه: هو أنّ هذا الوجه قد يحل المشكلة بلحاظ فقرة (ما لا يعلمون)، لكن هنا يوجد مصب آخر للمشكلة، و ذلك في بداية الحديث: (رفع عن أمّتي تسعة)؛ حيث إنّ الإشكال يأتي في كلمة (تسعة)، لأنّ واحداً من هذه التسعة هو (التكليف) و ثمانية منها أشياء خارجية، فالإسناد بالنسبة إلى الثمانية، إن قلنا: بأنّه إسناد عنائي، فحينئذٍ تقع مشكلة، بدعوى أنّ الرفع يسند إلى التكليف إسناداً حقيقياً، بينما صار يسند إلى الثمانية إسناداً عنائياً، و بما أنّ قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): (ما لا يعلمون) في سياق باقي الفقرات، إذاً فلا بدّ أن يكون الإسناد فيها كالإسناد في الفقرات الباقية، أي إسناداً إلى غير ما هو له عنائياً، فيكون الرفع رفعاً للموضوع، و هي شامل للتكليف.

الوجه الرابع: هو جوابنا على استشكال صاحب الكفاية (قده) و هو، أنّنا نقول: إن استشكاله لا موقع له.

و الصحيح في مقام الجواب هو أن يقال: إنّ الرفع هنا رفع عنائي مطلقا، سواء أسند إلى الموضوع أو أسند إلى التكليف، بناء على ما هو الصحيح، من أنّ المقصود من الرفع بالنسبة إلى التكليف هو الرفع الظاهري بمعنى: رفعه ظاهراً في مقابل إيجاب الاحتياط بالنسبة إليه.

109

و من المعلوم أنّ الرفع ليس رفعاً حقيقياً للتكليف الواقعي المشكوك، و حينئذٍ، إذا جمعنا في اسم الموصول الذي هو (ما)، في قوله:

(رفع ما لا تعلمون)،

بين التكليف و الموضوع، فإنّه لا يلزم من ذلك الجمع في إسناد واحد بين الرفع الحقيقي، و المجازي العنائي، ليؤدّي ذلك إلى الإشكال الذي ذكره صاحب الكفاية في حاشيته على الرسائل ( (1))، بل النسبة توحّدت بينهما بجعلها عنائية.

و بهذا يتضح أنّه بحسب مقام الثبوت يعقل بافتراض شمول فقرة (ما لا يعلمون) للشبهة الحكمية و الموضوعية معاً.

و الحاصل: هو أنّ الرفع في الحديث عنائي على كل حال، إذ ليس المقصود منه الرفع الحقيقي الواقعي، و إنّما المقصود منه هو الظاهري، و هو رفع بالعناية و المجاز على كل حال، سواء أسند إلى التكليف أو إلى الموضوع الخارجي، فإنّ الهيئة مستعملة في إسناد مجازي، و معنى هذا: هو أنّ الكلفة و التبعة المترتبة على‏

(ما لا يعلمونه أو لا يطيقونه)

مرفوع، سواء كان حكماً أو فعلًا و موضوعاً خارجياً.

الجهة الثانية: في عموم مفاد الحديث إثباتاً، حيث يقال: إنّه بعد فرض تصور جامع يشمل الموضوع و التكليف، فمقتضى الأصل هو الإطلاق و الشمول لكليهما، الشبهة الحكمية و الموضوعية، بحيث لو ادّعي التخصيص ببعض الشبهات فلا بدّ حينئذٍ من إبراز قرينة على التقييد.

و هنا في المقام توجد دعويان متعاكستان:

____________

(1) حاشية الخراساني على الرسائل، ص 114، نشر مكتبة بصيرتي.

110

الدعوى الأولى: و هي دعوى اختصاص مفاد فقرة (ما لا يعلمون) بالشبهة الموضوعية، و ذلك من أجل وحدة السياق ما بين فقرة (ما لا يعلمون) و باقي فقرات الحديث، بعد أن كان من الواضح أنّ المرفوع في باقي فقرات الحديث هو الموضوعات و الأفعال الخارجية، لأنّ‏

(ما لا يطاق و ما استكرهوا)

إنّما هو الفعل.

و جوابنا على هذه الدعوى: هو أنّ هذا الكلام غير صحيح، و ذلك لأنّ الاختلاف بين مفادات الجمل المتعاقبة المتعاطفة الواقعة في سياق واحد يتصور على ثلاثة أنحاء.

النحو الأول: هو أن يكون الاختلاف بين مفاداتها في مرحلة المدلول الاستعمالي، من قبيل أن يقال: مثلًا

: (صلّ خلف الإمام وزر الإمام)

، فكلمة الإمام في الجملة الأولى تستعمل في إمام الجماعة، بينما كلمة الإمام الثانية تستعمل في الإمام المعصوم (عليه السّلام)، و لا شك في أنّ هذا الاختلاف على خلاف ظاهر السياق و وحدته، إذاً، فلا بدّ من حمل كلمة الإمام الثانية على إمام الجماعة لوحدة السياق.

النحو الثاني: هو أن يكون الاختلاف في مرحلة المدلول الجدي، فمثلًا: لو قال: أكرم العلماء، و قلّد العلماء)، و كان يراد من كلمة العلماء الأولى، على إطلاقها، بينما يراد من الثانية خصوص العدول، فهنا ليس الاختلاف في مرحلة المدلول الاستعمالي بناء على ما يذكر في بحث العام و الخاص، من أنّ التخصيص لا يرتبط بمرتبة المدلول الاستعمالي، بل يرتبط بمرحلة المدلول الجدي، و لهذا قالوا: لا يلزم منه التجوّز بسبب التخصيص، غاية الأمر أنّ الاختلاف يكون في مرحلة المدلول الجدي، و في هذا النحو، الأقرب‏

111

عدم جريان وحدة السياق، فلا يلزم إسراء التخصيص من الثاني إلى الأول، لأنّ وحدة السياق إنّما هي بلحاظ المدلول الاستعمالي للكلام لا بلحاظ المدلول الجدي.

النحو الثالث: هو أن يكون الاختلاف من حيث مصاديق المفاهيم، من قبيل أن يقال:

(يجوز أن تغصب ما تأكله، و لا أن تغصب ما تلبسه، و لا أن تغصب ما تقرأ فيه)،

فإنّ هذا الكلام من حيث المدلول الاستعمالي و الجدي واحد في هذه الجمل، و لكن من الواضح أنّ مصداق ما يؤكل غير مصداق ما يلبس، و غير مصداق ما يقرأ فيه، و هذا الاختلاف ممّا لا إشكال في أنّه لا يمكن نفيه بوحدة السياق، لأنّ السياق شأن الكلام، و تطبيق المفاهيم على مصاديقه أجنبي عن الكلام و لا ربط له بوجه من الوجوه.

و هذا الميزان، إذا طبقناه في محل الكلام، نرى أنّه من قبيل النحو الثالث، لأنّ كل (ما اضطروا إليه) فهو مرفوع، و أيضاً مفهوم (ما لا يعلمون)، فهو مرفوع، إلّا أنّ تطبيق (ما اضطروا إليه) لا ينطبق على التكليف، بينما مفهوم (ما لا يعلمون) ينطبق على كل من الموضوع و التكليف، فهنا وحدة السياق لا تضر، بنحو لا تجعل دلالة فقرة (ما لا يعلمون) غير شاملة للشبهات الحكمية.

و حاصل الدعوى الأولى: هو دعوى الاختصاص بالشبهة الموضوعية و ذل بقرينة السياق في الفقرات الأخرى في الرواية، حيث إنّها جميعاً يراد بالموصول و غيره فيها الموضوع الخارجي، و بظهور السياق في وحدة المراد، تحمل الموصول في فقرة (ما لا يعلمون) على الفعل.

و جوابنا: هو أنّ الاختلاف بين مفادات الجمل الواقعة في سياق واحد له حالات.

112

فتارة: يكون بلحاظ مدلولاتها الاستعمالية كما لو قال‏

: (زر الإمام و صلّ خلف الإمام)،

فهنا يراد بالأول المعصوم، و بالثاني إمام الجماعة.

و أخرى: يكون الاختلاف في مداليلها الجدية، كما إذا قال:

(أكرم العلماء و قلّد العلماء)،

و كان يراد الإطلاق في كلمة العلماء الأولى دون الثانية، فالإطلاق هنا مدلول جدي بناء على كون التخصيص لا يرتبط بمرتبة المدلول الاستعمالي، بل هو مرتبط بمرتبة المدلول الجدي، كما بحث في العام و الخاص، فلا تجري هن وحدة السياق، لأنّ وحدة السياق إنّما هي بلحاظ المدلول الاستعمالي للكلام و ليس المدلول الجدي، غايته أنّه في مرحلة المدلول الجدي يكون الاختلاف.

و ثالثة: يكون الاختلاف في مصاديق مفاهيم الجمل المتعاقبة في السياق الواحد، كما في قوله:

(لا تغصب ما تأكله، و لا تغصب ما تلبسه، و لا تغصب ما تقرأ فيه)،

فإنّ مصداق ما يؤكل غير مصداق ما يلبس و غير مصداق من يقرأ فيه، و ما هو خلاف الظاهر إنّما هو الحالة الأولى من حالات اختلاف مفادات الجمل المتعاقبة في سياق واحد، دون الحالتين الأخيرتين و خصوصاً الحالة الثالثة.

و ما نحن فيه من قبيل الحالة الثالثة من حالات الاختلاف، لأنّ المراد بالموصول فيها استعمالًا: هو مفهوم واحد، و هو الشي‏ء الشامل للموضوع و التكليف، و هو المراد جداً، و إن كان الاختلاف في مصداقه، لكنّه لا يضر بشمول فقرة (ما لا يعلمون) للشبهات الحكمية.

الدعوى الثانية: و هي دعوى معاكسة للدعوى الأولى، أبرزها

113

المحقق العراقي (قده) ( (1))، حيث ادّعى وجود قرينة على اختصاص فقرة (ما لا يعلمون) بالشبهات الحكمية، بدعوى: أنّ عنوان (ما لا يعلمون) ينطبق حقيقة على التكليف، إذ إن التكليف هو الذي (لا يعلم)، و لكنّه لا ينطبق حقيقة على الموضوع، فإذا كان يوجد عندنا مائع مردد بين أن يكون (خلًا أو خمراً)، فهنا تطبيق عنوان (ما لا يعلم) عليه، يكون بالعناية، لأنّ ذات المائع معلوم، و لكن وصفه غير معلوم أنّه خل أو خمر.

و جوابنا على هذه الدعوى: هو أنّه لا يمكن المساعدة على ما ذكر، لأنّ عنوان (ما لا يعلم) تطبيقه في الشبهات الموضوعية لا يكون على ذات مبهمة حتى يقال: بأنّ الذات المبهمة معلومة، بل يطبق على العنوان الذي أخذ موضوعاً للتحريم، و هو عنوان الخمر، و من الواضح، أنّ الخمر مما لا يعلم، هذا مضافاً إلى أنّه في جملة من الشبهات الموضوعية تكون الذات المبهمة غير معلومة، فلو قال:

(إذا نزل المطر وجب التصدق‏

)، و شكّ في أنّه، هل نزل مطر أو لا؟ فالمطر هنا ممّا لا يعلم، فهو ذات مبهمة مرددة العنوان غير معلومة، بل قد يكون الشك شكاً في ذات الشي‏ء.

إذاً، فالصحيح هو أنّ الاستدلال بفقرة (ما لا يعلمون) مطلق شامل للشبهات الموضوعية و الحكمية. إذاً، فيكفي الجهل بالعنوان لصحة تطبيق الموصول على العنوان الخارجي، كما في المائع المردد بين كونه خمراً أو خلًا، فيطبق عليه أنّه (ممّا لا يعلمونه)، كما بحث في محله في بحث التجري سابقاً.

____________

(1) نهاية الأفكار: العراقي، ج 2، ص 216.

114

هذا ناهيك عمّا في جملة من الموارد، تكون الذات الخارجية مشكوكة، كما إذا شك في ذات نزول المطر عند ما كان موضوعاً لحكم شرعي، كما في التصدق عند نزوله كما عرفت، إذاً فالصحيح هو عموم الرواية للشبهتين الحكمية و الموضوعية.

المقام الثالث: هو في فقه الحديث، و ما يلقيه على ضوء الاستدلال، و الكلام فيه يقع ضمن عدّة جهات.

الجهة الأولى: هي أنّ الرفع من حيث هو رفع، ورد على أشياء كثيرة لا تقبل الرفع من قبل المولى بما هو مولى، و من هنا كان الأمر بحاجة إلى عناية تحدد فقه الحديث و تخريجه، و قد ذكر لمثل هذا التصرف ثلاثة أوجه.

الوجه الأول: هو أن يتصرف في إسناد الرفع إلى المرفوع بأن نقول: نلتزم بالتقدير فنقول: الرفع أسند إلى أمر مقدر محذوف في الكلام.

و قد وقع الخلاف في هذا المقدار، هل هو المؤاخذة، أو مطلق الآثار الشرعية، أو جملة من الآثار، و ما هو ضابط هذه الجملة من الآثار.

الوجه الثاني: هو أن يتصرف في المرفوع و يقال: بأنّ الرفع حقيقي، و أيضاً الإسناد حقيقي، و لكن المرفوع ليس هو الوجود الخارجي لما يضطر إليه، لأنّ الوجود الخارجي لا يرتفع، فمثلًا: حينما يقع الإنسان في اضطراره لشرب النجس، فسوف يشربه، فالوجود الخارجي للنجس لم يرتفع، و لكن المرتفع هو الوجود التشريعي للشراب النجس، فهنا نتصرف في المرفوع، بمعنى: أنّ كل موضوع للحكم الشرعي له وجود في عالم التشريع بوجود حكمه لا

115

محالة، لأنّ كل حكم يستقر على موضوعه، إذاً، له وجود في عالم التشريع، فحينئذٍ، المرفوع إنّما هو الوجود التشريعي لشرب النجس، يعني: لم يعد موضوعاً لحكم، و يصير مساقه مساق: (لا رهبانية في الإسلام)، فهذا ليس رفعاً للوجود الخارجي للرهبانية، إذ قد يقع في نظر شخص انحرافاً و شذوذاً و لا يمنعه هذا الكلام أن يترهب، و لكنّه ينفي وجوده التشريعي، يعني: في أفق ليس الرهبانية موضوعاً لحكم.

الوجه الثالث: هو أن نتصرف في الرفع بأن نقول: ليس الرفع رفعاً حقيقياً، بل هو رفع تنزيلي، يعني: أنّه منزّل منزلة المرفوع و كأنّه لا وجود له، فيصير مساقه مساق:

(لا ربا بين الوالد و ولده)،

أو قوله:

(لا شك لكثير الشك)،

فإنّ الربا بين الوالد و ولده، و الشك بالنسبة لكثير الشك موجود، و لكن الشارع يقول: الربا و الشك منزل منزلة العدم، فهذا رفع تنزيلي للوجود الخارجي، و ظني الشخصي، أنّ الميرزا (قده) ( (1)) يقصد الوجه الثاني من هذه الوجوه الثلاثة، و إن كانت كلماته لا تخلو من تشويش.

و الخلاصة: هي أنّه ورد في الحديث فقرات عديدة لا تقبل الرفع من الشارع بما هو شارع، إذاً، فنحتاج إلى إعمال عناية و تصرّف في الرفع أو المرفوع، و تلك الفقرات هي جميع فقرات الحديث باستثناء فقرة (ما لا يعلمون)، و من هنا يتصور وجوه ثلاثة.

الأول: هو أن يلتزم بالتقدير فيقال: بأنّ المرفوع هو الآثار المترتبة على الموضوعات الخارجية.

____________

(1) فوائد الأصول: النائيني، ج 3، ص 127.

116

الثاني: هو أن يكون الرفع مسنداً حقيقة إلى الفعل بلا حاجة إلى تقدير محذوف، و لكنّه بما هو موجود في عالم التشريع موضوع للأحكام الشرعية، فيكون من قبيل: (لا رهبانية في الإسلام)، فإنّه نفي لوجودها تشريعاً.

الثالث: هو أن يكون الرفع مسنداً إلى الفعل حقيقة إلّا أنّ هناك عناية في نفس الرفع، فحينئذٍ يراد به الرفع التنزيلي، نظير

: (لا ربا بين الوالد و ولده)،

و يبدو من عبائر الميرزا (قده) أنّه يقصد الوجه الثاني رغم كون كلماته مشوشة.

و لكن على كل هذه التقادير يكون حديث الرفع حاكماً على أدلة الأحكام الواقعية بملاك النظر، لأنّ حيثية النظر التي هي جوهر حاكمية دليل على دليل محفوظة على جميع تقادير الاحتمالات و الوجوه الثلاثة.

إلّا أنّ هذه الحاكمية تكون بلحاظ عقد الحمل بناء على الوجه الأول و الثاني، و تكون بلحاظ عقد الوضع بناء على الوجه الثالث.

و الميرزا (قده) قد بيّن في الحكومة أنّ الحاكم، تارة: يكون متعرضاً إلى عقد الحمل، بمعنى: أنّ نظره إلى محمول القضية التشريعية الذي هو الحكم، و مثّل له بقاعدة: (لا ضرر و لا ضرار)، بناء على تفسير القاعدة بأنّه نفي للحكم الضرري، و مثّل له بقاعدة: (نفي الحرج)،

(

ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ‏

).

و تارة أخرى: يكون متعرضاً إلى عقد الوضع، بمعنى: أنّه ناظر و متصرف في موضوع القضية لا في محمولها، و مثّل له بقوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلم):

(لا ربا بين الوالد و ولده)،

فإنّ هذه القضية حاكمة على قضية (الربا

117

حرام) بلحاظ تصرفها في موضوعها بسلب عنوان الربا، و نفي الربوية عن المعاملة القائمة بين الوالد و ولده.

و في المقام، حاكمية حديث الرفع بلحاظ عقد الحمل بالنسبة إلى الوجه الأول واضحة، لأنّه حينئذٍ يلتزم بالتقدير، و أنّ المرفوع هو الآثار التي هي عبارة عن الأحكام، فالتصرف منصب على المحمول.

و كذلك الحال بالنسبة إلى الوجه الثاني، إذا قلنا: إنّ المرفوع هو الوجود التشريعي، لأنّ معناه: وقوعه موضوعاً لحكم، فإنّ وقوعه كذلك يشكل نحو وجود للحكم في عالم التشريع، إذاً، فالرفع متوجه إلى حيثية وجوده التشريعي، و هذا عبارة أخرى عن النظر إلى الحكم، إذاً، فهو عين الحكم و لكن بنحو من العناية.

و أمّا بالنسبة إلى الوجه الثالث الذي يكون في التصرف في الرفع، فحكمه بلحاظ عقد الوضع، لأنّه يقول: (شرب النجس حرام)، و هو لم يقع بحسب الخارج، لأنّ وجوده كالعدم، فيصير هذا من قبيل:

(لا ربا بين الوالد و ولده)،

إذاً، بناء على الوجه الثالث تكون الحكومة بلحاظ عقد الوضع.

و بهذا يتضح: أنّ كون ميزان الحاكمية بلحاظ عقد الحمل، أو بلحاظ عقد الوضع هو، نكتة الاختلاف في الوجوه الثلاثة.

و بهذا يظهر الاختلاف بين هذا الميزان، و بين ما ذكره بعضهم، حيث ذكروا أنّ ميزان كون الدليل حاكماً بلحاظ عقد الحمل، أو بلحاظ عقد الوضع ميزاناً آخر حاصله: أنّ العنوان الذي تعلّق به النفي، تارة يكون عنواناً أولياً، و أخرى عنواناً ثانوياً، فإن فرض أنّه كان عنواناً أولياً من قبيل عنوان الربا في قوله: لا ربا بين الوالد و ولده، فالحاكمية تكون بلحاظ عقد الوضع، و إن فرض أنّه كان‏

118

عنواناً ثانوياً من قبيل عنوان (ما اضطروا إليه)، فالحاكمية تكون بلحاظ عقد الحمل.

و ما يمكن أن يقال في توضيح ما ذكروه و توضيحه: هو أنّ مرادهم من العنوان الأولي هو نفس العنوان الذي كان موضوعاً للتكليف، فعنوان الربا: (لا ربا بين الوالد و ولده)، النفي فيه تعلق بنفس العنوان الذي تعلّق به التكليف، فالنفي يكون رافعاً لموضوع التكليف، و هذا هو معنى كونه حاكماً على عقد الوضع.

و أمّا إذا كان النفي متعلقاً بعنوان ثانوي، فمثلًا: في دليل (حرمة شرب النجس) لم يؤخذ عنوان (الاضطرار)، و إنّما قيل: (يحرم شرب النجس)، و لكن هذا الدليل ليس في عنوان ثانوي، و هو عنوان ما اضطروا إليه، و لذلك نفي فصار: (لا تشرب النجس المضطر إليه)، إذاً، فمصب النفي هو العنوان الثانوي، و هذا يغاير مصب التكليف، إذاً، فلا يكون الحاكم حاكماً بلحاظ عقد الوضع، و ذلك لأنّه إذا قلنا: بأنّه ناظر إلى رفع الموضوع، فهل يرفع العنوان الأولي فقط؟ إذا كان كذلك، فهذا خلاف ظاهر الدليل، لأنّ ظاهر الدليل أنّ حيثية الاضطرار مأخوذة تقييدياً في دليل النفي و الرفع، أو أنّ الرفع و النفي منصب على الخصوصية. الاضطرار فهذا خلف المقصود، لأنّ هذا معناه: أنّه رفع للاضطرار، بمعنى: أنّه لا يعتبر مضطراً، إذاً، فلا بدّ أن يكون الرفع ناظراً إلى الحكم لا إلى الموضوع، و لذلك قالوا: إنّ حديث الرفع حاكم بلحاظ عقد الحمل، لأنّه أخذت فيه خصوصية ثانوية.

إلّا أنّ الذي قيل و أفيد غير صحيح، بل الصحيح أنّ النفي قد يتعلق بالعنوان، و مع هذا يكون حاكماً بلحاظ عقد الحمل، كما لو

119

كان المقصود نفي الوجود التشريعي للعنوان الأولي، لا الوجود الخارجي، فهذا بحسب الحقيقة يكون ثابتاً بلحاظ عقد الحمل، كما في قوله:

(لا رهبانية في الإسلام)،

فالنفي تعلّق بالعنوان الأولي الرهبانية التي يتعقل أن تكون موضوعاً للحكم، و لكن (لا ربا بين الوالد و ولده) حاكم بلحاظ عقد الوضع، لأنّه ناظر إليه بحسب وجوده الخارجي بخلاف الأول، (لا رهبانية في الإسلام)، فإنّ المنفي فيه هو الوجود التشريعي للرهبانية، و لهذا أضافه إلى الإسلام، و هذا عبارة أخرى عن الحكم، إلّا أنّه تعبير عنائي عن الحكم.

و الذي يعيّن ذلك هو، ما ذكرناه من النكتة، في أنّ الرفع هل هو للوجود الخارجي، أو التشريعي؟ فإن كان بلحاظ الوجود الخارجي، فالحاكمية بلحاظ عقد الوضع، و إن كان بلحاظ الوجود التشريعي فالحاكمية بلحاظ عقد الحمل.

و أمّا إذا تعلّق النفي بالعناوين الثانوية كما في (ما اضطروا إليه)، فهل صحيح أنّ الحاكم يكون بلحاظ عقد الحمل لا عقد الوضع؟

نقول: غير صحيح أن يكون متعيناً في ذلك، إذ قد يكون حاكماً بلحاظ عقد الوضع.

و ما قيل في الإشكال على ذلك، نقول في جوابه: إنّه عندنا جزءان في الموضوع، أحدهما: العنوان الأولي، و الآخر: العنوان الثانوي، و لا شك في أنّ كل واحد منهما لا بدّ أن يفرض حيثية تقيدية، و لا معنى لإلغاء أحد هذين الجزءين رأساً، بل يكون ذلك خلاف ظاهر الدليل، و لكن سنخ هذا الرفع يختلف تبعاً لمناسبات الحكم و الموضوع، فإنّ العرف في مثل ذلك يفهم أنّ الجزء الأول مصبّه الرفع، و الجزء الثاني مصبه قيد الرفع، و هو الاضطرار، فيصير

120

بالفهم العرفي، أنّ (ما اضطروا إليه)، و هو شرب النجس مثلًا، وجوده كالعدم، إذاً، فحقيقة العنوان الأولي مقومة للرفع في باب تقويم المرفوع للرفع، و حيثية العنوان الثانوي مقومة للرفع في باب تقويم القيد لمقيده، و هذه المناسبات لا بدّ من إعمالها حتى لو فرضنا أنّنا أردنا أن نصرف الدليل إلى الحاكمية بلحاظ عقد الحمل أيضاً، و إلّا أعدنا نفس الإشكال و قلنا: إذا كان رفع (ما اضطروا إليه) ناظراً إلى نفي الحكم، فهل المقصود منه نفي حكم العنوان الأولي، أو الثانوي؟ فإن كان الأولي فهذا معناه: أنّكم عطلتم العنوان الثانوي، و إن كان الثانوي، إذاً، صار هذا المضطر أسوأ حالًا من غيره.

و ليس لهذا الإشكال حل إلّا ما ذكرناه، من أنّه ناظر إلى العنوان الأولي ببركة طرو العنوان الثانوي، و حينئذٍ يرتفع المحذور، و لا يوجد أي محذور في أن يفرض أن (ما اضطروا إليه) مع أنّه متعلّق بعنوان ثانوي حاكم بلحاظ عقد الوضع كما يكون حاكماً بلحاظ عقد الحمل، و الذي يعيّن المطلب هو ما ذكرناه من نكتة الاختلاف في الرفع بحسب الوجوه الثلاثة.

وعليه: فحديث الرفع حاكم على كل حال، إن بلحاظ عقد الحمل، أو بلحاظ عقد الوضع.

و الحاصل: هو أنّه على جميع هذه الوجوه يكون الحديث حاكماً على أدلة الأحكام المترتبة على الأفعال المضطر إليها، أو أفعال الخطأ و النسيان و أمثالها، لأنّ الحديث ناظر إليها، و هذا هو ملاك الحكومة و جوهرها.

إلّا أنّه بناء على الوجه الأول و الثاني، تكون حكومة الحديث‏

121

بلحاظ النظر إلى عقد الحمل من أدلة تلك الأحكام، و بناء على الوجه الأخير تكون الحكومة بلحاظ عقد الوضع فيها.

و بهذا يظهر، أنّ الميزان في تشخيص كون الحكومة بلحاظ عقد الوضع أو الحمل هو، أنّه إن أبقي المرفوع على حقيقته و كان التصرف في الرفع، و أنّه تنزيلي، فالحكومة تكون بلحاظ عقد الوضع، و إن كان المرفوع هو الأثر، أو موضوعية المرفوع له الذي يعني ترتب الأثر عليه، فالحكومة تكون بلحاظ عقد الحمل.

كما ظهر بذلك ضعف ما أفاده بعضهم في المقام من أنّ العنوان الذي تعلّق به الرفع، أي المرفوع، إن كان عنواناً أولياً و هو نفس عناوين الأفعال المضطر إليها أو أفعال النسيان أو الخطأ، فالحكومة تكون بلحاظ عقد الوضع من قبيل: (لا ربا بين الوالد و ولده)، و إن كان المرفوع عنواناً ثانوياً، كعنوان الاضطرار و النسيان و الخطأ، فالحكومة تكون بلحاظ عقد الحمل، بدعوى كون المرفوع على الأول لا محالة يكون الموضوع و الفعل الخارجي الذي يكون موضوعاً للحكم، و أمّا بناء على الثاني فحيث إنّ العنوان الثانوي المذكور ليس هو موضوع الحكم، إذاً، فلا يكون النفي و الرفع بلحاظه، فإنّه غير معقول، لأنّه خلف المقصود، لأنّ معناه: رفع أثر الاضطرار أو الإكراه. إذاً، فيتعيّن أن تكون الحكومة بلحاظ الحكم و عقد الحمل، و حديث الرفع من قبيل الثاني، لأنّ الرفع قد تعلّق فيه بالعنوان الثانوي كعنوان‏

(ما اضطروا إليه و ما استكرهوا عليه و الخطأ و النسيان)،

فحينئذٍ: إن كان يراد رفع العنوان الأولي، و هو ذات الفعل الذي وقع الاضطرار إليه، فهو خلاف ظاهر تقيدية كل عنوان يؤخذ في موضوع حكم، و إن كان يراد رفعه بعنوانه الثانوي فهو خلف المقصود، لأنّ‏

122

المراد رفع حكم الفعل في نفسه لا حكم الاضطرار الذي هو الرفع و العذر.

و جوابه: هو أنّه ليس له حل إلّا ما ذكرنا من أنّه قد يتعلّق الرفع بالعنوان الأولي، و تكون الحكومة رغم ذلك بلحاظ عقد الحمل، و ذلك فيما لو أريد نفي الوجود التشريعي للموضوع لا الوجود الخارجي، كما أنّه إذا تعلق النفي بالعنوان الثانوي فإنّه لا يتعيّن أن تكون الحكومة بلحاظ عقد الحمل.

و جواب ما ذكر في الإشكال: هو أنّ حيثية العنوان الثانوي حيثية تقييدية للرفع نفسه لا للمرفوع، فالمرفوع هو الفعل الذي اضطر إليه، و الاضطرار موضوع للرفع الذي هو الحكم في الجملة، فليس إرادة رفع الفعل بالعنوان الأولي مخالفاً لظهور كل عنوان أخذ في موضوع الدليل في التقيدية، و هذا هو المفهوم من مثل فقرات الحديث و لو على أساس مناسبات الحكم و الموضوع العرفية.

و تتمة لما سبق نقول: إنّه لا مانع من أن يكون الرفع المتعلّق بالعنوان حاكماً على عقد الوضع، و تحليل ذلك بأن يكون العنوان الأولي هو مصب الرفع، و يكون العنوان الثانوي قيداً للرفع، لكن مع هذا ناسب عرفاً أن يدخل قيد الرفع في مصب الرفع بلحاظ نكتة أنّ الرفع للعنوان الأولي هو رفع للعنوان الثانوي، باعتبار أنّ الثانوي من شئون شرب النجس الذي انطبق عليه الاضطرار، فإذا رفع العنوان الأولي فكأنّه بالتبع رفع العنوان الثانوي فيكون مرفوعاً لكن لا بأن يكون مرفوعاً على نحو السالبة بانتفاء المحمول، أي بالتفكيك بينه و بين العنوان الأولي ليؤدّي إلى خلاف المقصود، و شرب النجس‏

123

المضطر إليه غير مضطر إليه، بل بنحو السالبة بانتفاء الموضوع، أي رفعه برفع أصل شرب النجس.

و الخلاصة: هي أنّ رفع العنوان هو رفع للعنوان الثانوي أيضاً، و لكنّه على نحو السالبة بانتفاء الموضوع لا المحمول، و لو لا ذلك لم يكن مجرد جعل النفي نفياً للحكم لا للموضوع دافعاً للإشكال المذكور، إذ يقال: بأنّ النفي هل هو حكم العنوان الأولي، أو الثانوي؟ فإن كان الأول فهو خلاف الظهور المذكور، و إن كان الثاني فهو خلف المقصود.

إذاً، فالصحيح في ميزان كون الحكومة أنّها بلحاظ عقد الوضع أو الحمل هو ما ذكرناه آنفاً.

و قد بقي في المقام نقطتان:

النقطة الأولى: هي في ترجيح هذه الوجوه الثلاثة على بعضها.

النقطة الثانية: هي في الثمرات المترتبة عليها.

أمّا النقطة الأولى: فينبغي فيها إسقاط الوجه الثالث الذي كان التصرف فيه في الرفع تنزيلياً للوجود الخارجي أي شرب النجس المضطر إليه منزلة العدم.

و ذلك لأنّ بعض عناوين فقرات الحديث التي رفعت بحديث الرفع ليس لها وجود في الخارج أصلًا، من قبيل: (ما لا يطيقون).

فلا يقال: إنّ النفي فيها نفي تنزيلي للواقع الخارجي، و بما أنّ الرفع في جميع فقرات الحديث يجب أن يكون على نحو واحد، إذاً ينبغي أن يكون هذا الوجه ساقطاً.

124

و حينئذٍ يدور الأمر بين الوجه الأول و الثاني، و قد يحصل التعارض ما بين هذين الوجهين، لأنّ كلًا منهما فيه عناية، فيدور الأمر بين عنايتين، أو بين ظهورين، أي بين أصالة عدم عناية التقدير التي تنفي الوجه الأول، و تعيّن الوجه الثاني، و بين أصالة الظهور في العناوين التسعة التي تقتضي أن تكون هذه العناوين فانية في وجوداتها الخارجية لا التشريعية، إذاً، لا بدّ من رفع اليد عن أحد الأصلين لا محالة، و لا مرجح لأحدهما على الآخر.

و لا ينبغي الاستشكال في أنّ الوجه الثاني هو المتعين عرفاً، لأنّ أصالة عدم التقدير في المقام تكون جارية و لا يقوى على معارضتها أصالة الظهور في العناوين التسعة باعتبار أقوائيتها، و ذلك لأنّ أصالة الظهور التي يراد بها إثبات أنّ المقصود من العناوين التسعة هو الوجودات الخارجية لا التشريعية، فإنّ هذا الأصل يعلم بعدم مطابقته للمراد الجدي على كل حال، يعني: يعلم بعدم كونه موضوعاً جدياً للحكم الذي هو الرفع فيها، لأنّه إن كان المراد من التسعة وجوداتها التشريعية، فواضح أنّ هذا غير مقصود، و إن كان المراد من التسعة وجوداتها الخارجية، إذاً، فهذا مقصود استعمالي فقط، و ليس هذا موضوعاً للرفع، إذ يستحيل أن يتعلق الرفع بالوجودات الخارجية، إذاً، لا بدّ من تقدير وسيط يكون الرفع منسوباً إليه، لأنّه يعلم تفصيلًا أنّ ظهور العناوين التسعة في الوجود الخارجي لها، غير مراد جداً، و إنّما يحتمل كونه مراداً استعمالًا، و حينئذٍ يدخل تحت كبرى أنّ أصالة التخصيص لا تجري إذا علم بعدم المراد الجدي و شك في أن يكون المراد هو الاستعمالي، و إنّما تجري أصالة التخصيص إذا كانت واقعة في طريق تشخيص المراد الجدي.

و قد فرّعوا على هذه الكبرى، ما إذا دار الأمر بين التخصيص و التخصص، فقالوا: لا تجري أصالة العموم لإثبات التخصيص، لأنّ‏

125

أصالة العموم في موارد دوران الأمر بين التخصيص و التخصص، لأنّها لم تقع في طريق المراد الجدي، لأنّه معلوم على كل حال بأنّ زيداً في قولنا: أكرم العلماء و قولنا: لا تكرم زيداً، لا يجب إكرامه سواء كان عالماً أو لم يكن، و هذا هو معنى أنّ إجراء الأصول اللفظية في مرحلة المدلول الاستعمالي يكون صحيحاً فيما إذا احتمل مطابقته للمراد الجدي، و أمّا إذا علم أنّ المراد الجدي على نحو آخر فلا تجري.

وعليه: ففي المقام، أصالة الظهور تكون ساقطة، و يتعين بذلك ثبوت أصالة عدم التقدير، و معه يتعيّن الوجه الثاني.

و الحاصل: هو أنّه لا إشكال في ترجيح الوجه الثاني، و سقوط الثالث، لأنّ رفع الوجود الخارجي تنزيلًا، إن صحّ في بعض فقرات الرواية، فإنّه لا يصح في فقرة (ما لا يطيقون)، لأنّه ليس لها وجود خارجي لكي يعقل رفعه تنزيلًا، بينما الرفع في الجميع واحد، فيدور الأمر بين الوجه الأول و الثاني، و يحصل التعارض حينئذٍ بين ظهورين في الرواية، كل منهما يعيّن أحد الوجهين، و هما ظهور الكلام في عدم التقدير الذي ينفي الوجه الأول و يثبت الوجه الثاني، و ظهور أخذ العناوين المذكورة في أنّها ملحوظة بما هي فانية في وجوداتها الخارجية لا التشريعية الذي ينفي الوجه الثاني و يعيّن الوجه الأول.

إلّا أنّ الصحيح هو تعيّن الوجه الثاني عرفاً لجريان أصالة عدم التقدير، إذ لا ينبغي الاستشكال في أنّ العرف يرى في التقدير عناية زائدة بخلاف الوجه الثاني، و ذلك لأنّ أصالة الظهور في عناوين فقرات الحديث التي يراد بها إثبات أنّ المقصود منها هو وجوداتها الخارجية، يعلم بعدم مطابقتها للمراد الجدي، فإنّا نعلم بأنّ المراد

126

الجدي هو نفي الحكم عن هذه العناوين، لا نفيها نفسها، و إنّما الشك في المراد الاستعمالي لألفاظها، و قد عرفت في محله أنّ أصالة الظهور إنّما تجري لتشخيص المراد، و أمّا إذا كان المراد معلوماً و كان الشك في المراد الاستعمالي فلا تجري أصالة الظهور، و لهذا لا تجري أصالة العموم لإثبات التخصص.

و قد يقال: بأنّه كما لا تجري أصالة الظهور الآنف، كذلك لا تجري أصالة عدم التقدير، لأنّ المراد معلوم، و إنّما الشك في كيفية الاستعمال.

و جوابه: هو أنّه حيث إنّ أصالة عدم التقدير يثبت بحسب النتيجة أنّ المنفي هو تمام الآثار، بينما بناء على التقدير لا يمكن إثبات ذلك كما سوف يأتي، لذلك أمكن إجراء الأصل المذكور لوقوعه في طريق إثبات إطلاق المراد الجدي، أضف إلى هذا، أنّ عناية الوجه الثاني يقتضيها نفس ظهور حال المولى في أنّ الرفع في الحديث صادر منه إنشاءً بما هو مولى و ليس إخباراً، بخلاف عناية التقدير، إذ إنّها خلاف الأصل حتى في كلام المولى بما هو مستعمل.

النقطة الثانية: و نبحث فيها في مقامين:

المقام الأول: نبحث فيه في ثمرة الوجه الأول في مقابل الوجهين الأخيرين.

المقام الثاني: نبحث فيه في ثمرة الوجه الثاني في مقابل ثمرة الوجه الثالث.

أمّا المقام الأول: فهو أنّه بناء على الوجه الأول و الالتزام بالتقدير، يكون حديث الرفع مجملًا، لأنّ المقدر مردد بين أن يكون‏

127

خصوص المؤاخذة، أو كل الآثار، أو جملة منها، و لا يوجد مناسبة عرفية تعين المقدّر.

و لا يتوهم أنّه يتمسك هنا بالإطلاق و مقدمات الحكمة، لأنّ التمسك بها إنّما يصح فيما إذا جاءت كلمة محددة معينة من قبل المولى، و شككنا في أنّ مراد المولى من هذه الكلمة هل هو المطلق أو المقيّد؟ حينئذٍ نثبت أن مراده هو المطلق، فمثلًا: قوله تعالى‏

: (

وَ أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ‏

إذا شككنا بأنّ مراده خصوص عقد البيع، أو الأعم منه و من بيع المعاطاة؟ فإنّه حينئذٍ نثبت أنّ المراد هو المطلق، لا فيما إذا تردد أمر الكلمة الصادرة من المولى بين شيئين كما لو قال:

(

أَحَلَّ اللَّهُ‏

و لم نسمع ما قال بعد ذلك، هل قال‏

: (البيع، أو عقد البيع)؟

فهنا لا معنى لإجراء الإطلاق و مقدمات الحكمة، لأنّه يوجد كلمة لا نعلمها.

و محل الكلام من هذا القبيل، لأنّ التقدير بحكم التنجيز يكون الكلمة موجودة، و لكن بوجود تقديري غير مسموع، و هذه الكلمة لا ندري ما هي، هل هي عبارة عن الأخص، أو الأعم؟ حينئذٍ لا تجري مقدمات الحكمة، و من هنا بيّنا أنّ حذف المتعلق لا يدلّ على الإطلاق، فإن كان هناك مناسبات حكم و موضوع تعيّن بالمطلق أو بالمقيد أخذنا بها، و إذا كانت اتجاه المحذوف لا بشرط لا تأبى عن هذا و عن ذاك، حينئذٍ في مثل ذلك لا نقول بالإطلاق، لأنّ الإطلاق يكون بعد تحديد الكلمة، لا في موارد التردد في نفس الكلمة الصادرة، إذاً، حديث الرفع يكون مجملًا، و ينبغي أن يقتصر فيه على القدر المتيقن، و هو المؤاخذة فإنّها هي التي ترتفع دون بقية الآثار.

و أمّا بناء على الوجهين الأخيرين، فالإطلاق موجود في حديث‏

128

الرفع بناء على الوجه الثاني برفع الوجود التشريعي للمضطر إليه، و من الواضح أنّه إذا كان له أحكام متعددة، إذاً، فله وجودات تشريعية متعددة بعدد تلك الأحكام، فمقتضى رفع وجوده التشريعي يكون بانتفاء تمام وجوداته، لأنّ انتفاء الشي‏ء بانتفاء موضوعاته و حصصه.

و كذلك الأمر بناء على الوجه الثالث الذي معناه: تنزيل الموجود منزلة المعدوم، و على كل حال، مقتضى إطلاق التنزيل: هو أنّ الوجود منزّل منزلة العدم بلحاظ تمام الآثار لا بلحاظ بعض الآثار دون بعض.

و أمّا المقام الثاني: فقد تظهر الثمرة في موردين:

المورد الأول: في بحث أن حديث الرفع هل يجري فيما إذا اضطر إلى الترك، كما يجري فيما إذا اضطر إلى الفعل فيما لو فرض أنّ الترك كان موضوعاً لحكم، مثل أن يقال: (من ترك صلاة العشاء وجب عليه أن يصوم في اليوم الثاني)، و فرض أنّه تركها اضطراراً أو إكراهاً، فحينئذٍ هل يشمله حديث الرفع أو لا؟

و هذا هو محل كلام الميرزا (قده) ( (1))، حيث قال: بأنّه لا يشمله، و بيّن في وجه ذلك ما لعلّه يرجع إلى محصله إلى أنّ حديث الرفع لو شمل هذا الترك لكان معنى ذلك نفي الترك، و هو عبارة عن تقرير الفعل، و من الواضح أنّ هذا يكون وضعاً لا رفعاً، بينما التقابل الارتكازي في ذهن العرف إنّما هو بين الرفع و الوضع، و معنى ذلك: بأنّ حديث الرفع ينبغي إجراؤه في مورد ينتج الرفع، لا في مورد

____________

(1) المصدر السابق.

129

يكون مستبطناً الوضع، و ما نحن فيه ليس من الرفع في شي‏ء، و إنّما هو وضع.

نقول: إنّ ما ذكره الميرزا (قده) من البيان يكون له صورة وجه بناء على الوجه الثالث، و كون الرفع رفعاً تنزيلياً، لأنّه يكون ناظراً إلى الوجود الخارجي في مورد الاضطرار إلى ترك صلاة العشاء، فهنا العالم الخارجي إنّما هو الترك، فإذا أردنا أن نتصرف به، يكون تصرفنا وضعاً لا رفعاً، و هذا خلف لسان الحديث.

و أمّا بناء على الوجه الثاني، فليس لهذا الكلام صورة، إذ بناء عليه: فإنّ حديث الرفع ليس ناظراً إلى العالم الخارجي، بل متصرفاً في عالم التشريع، بدعوى: أنّ كل موضوع لحكم هو موجود بوجود ذلك الحكم في عالم التشريع لا محالة، لأنّ كل حكم في عالم التشريع لا يبقى بلا موضوع، إذاً، له نحو ثبوت ببركة ثبوت حكمه، و هذا لا يفرّق فيه بين أن يكون الموضوع أمراً وجودياً، أو أمراً عدمياً، فإنّ الموضوعات حتى لو كانت أموراً معدومة، فإنّ لها موضوعات في عالم التشريع و إن كانت معدومات في عالم الخارج، إذ يستحيل أن يكون حكم موجوداً في لوح و لا يكون موضوعه موجوداً في ذلك اللوح، إذاً، فلا يفرق بين أن يكون الموضوع (شرب الخمر)، أو (ترك صلاة العشاء)، فالأول موضوع لوجوب الحد، و الثاني موضوع لوجوب الصوم، لأنّ كلًا منهما موضوع لحكم، و هذا الوجود التشريعي ينفى بحديث الرفع، و هذا ليس وضعاً، إذ لا نريد بنفيه أن تجعل صلاة العشاء موضوعاً لحكم، بل نريد أن نسلخ صلاة العشاء عن الموضوعية، فكم فرق بين ما نريده، و بين الوضع.

130

و هذا أحد مصاديق ما ذكرناه سابقاً، من أنّ كلمات الميرزا (قده) مشوشة متذبذبة بين الوجه الثاني و الوجه الثالث، و حينما يشرح كلماته، فإنّ ما يظهر منه يناسب مع الوجه الثاني، بينما يفرّع على ذلك ما يناسب مع الوجه الثالث، هذا مضافاً إلى أنّ هذا الكلام مجرد صورة، و لا نقبله حتى بناء على الوجه الثالث، لأنّ الرفع هنا انصب على عنوان ثبوتي و هو عنوان: (ما اضطروا إليه) و إن كان مصداقه أمراً عدمياً، و يكفي للرفع كونه منصباً و لو عنواناً على أمر ثبوتي، و هو عنوان (ما اضطروا إليه)، سواء كان فعلًا أو تركاً، نعم، لو كان ابتداءً انصب على واقع ما اضطروا إليه كما لو قال: (رفعت الترك)، لكان هذا تعبيراً غير عرفي.

هذا هو حاصل الكلام في المورد الأول الذي قد يترقب فيه ظهور الثمرة بين الوجه الثاني و الثالث.

المورد الثاني: هو أنّه لا إشكال في أنّ الأحكام التحميلية المترتبة على وقوع الفعل ترتفع بحديث الرفع فيما إذا اضطر إلى الفعل، كما لو شرب المسكر لدفع الهلكة عن نفسه، فإنّه ترتفع الحرمة، و يرتفع الحد، و لكن لو كان هناك آثار توسعية مترتبة على ترك شرب المسكر، من قبيل جواز الائتمام بتارك شرب المسكر، فهل يلتزم بثبوت تلك الآثار و يجوز الائتمام؟

و الحاصل: هو أنّ الثمرة بناء على الوجه الأول يكون الحديث مجملًا، بلحاظ أنّ المنفي هل هو تمام الآثار، أو خصوص المؤاخذة؟ و لا يمكن رفع هذا الإجمال، لا على أساس قرينية مناسبة عرفية كما في بعض المقدرات، من قبيل قوله: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ، أو حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ‏)، لأنّ كلا التقديرين يكون مناسباً، و لا

131

على أساس حذف المتعلق و استفادة الإطلاق منه، لما عرفت مراراً من أنّ موضوع الإطلاق إنّما يتم، حيث يكون هناك مفهوم معيّن يشك في المراد منه، لا فيما إذا شك في المفهوم المقدر و أنّه الأعم أو الأخص، فإنّ مقدمات الحكمة لا تعيّن المفهوم، و إنّما تثبت المراد منه و أنّه الأعم أو الأخص.

وعليه: فلا بدّ من الاقتصار على القدر المتيقن الذي هو رفع المؤاخذة.

بينما بناء على الوجهين الأخيرين، يكون مقتضى إطلاق رفع الوجود التحميلي، أو الخارجي لتلك الموضوعات هو، نفي تمام التحميلات التشريعية، أو رفع الوجود الخارجي بلحاظ تمام تلك الآثار.

و أمّا الثمرة بين الوجهين الأخيرين فقد تظهر في موردين:

المورد الأول: هو في شمول حديث الرفع لما إذا اضطر إلى ترك الفعل، كما لو اضطر إلى ترك واجب من أجل نفي أثر تحميلي مترتب على الترك كوجوب صوم اليوم الثاني لمن ترك صلاة العشاء و عدمه.

و قد منع الميرزا (قده) شموله لذلك بدعوى: أنّ الحديث بلسان المنفي و الترك، و نفي الترك عبارة عن الوضع عرفاً لا الرفع، إذاً، فالتقابل الارتكازي عرفاً بين الوضع و الرفع يمنع من شمول الحديث للاضطرار إلى الترك من أجل نفي آثاره التحميلية.

و هذا البيان للميرزا (قده) لو تمّ، فسوف يبرز فرقاً و ثمرة بين الوجهين الأخيرين، لأنّ هذا البيان إنّما يتم بناء على الوجه الثالث، حيث يكون النظر فيه إلى العالم الخارجي، لا الوجه الثاني الذي‏

132

يكون النظر فيه إلى عالم التشريع، لأنّ التقابل بين الرفع و الوضع إنّما يكون لو كان النظر إلى الخارج، لأنّه لا واسطة بين الوجود خارجاً و عدمه كذلك، و أمّا بلحاظ عالم التشريع فرفع موضوعية الترك لا يعني وضع موضوعية الفعل، لأنّ الوجود التشريعي أمر ثبوتي، و معنى ذلك: وقوعه موضوعاً للحكم و التشريع، و تطبيق الحديث على الترك في هذا العالم لا يعني إلّا نفي وقوعه موضوعاً له، و هو غير وقوع الفعل موضوعاً، و هذا هو أحد الموارد التي ذكرنا سابقاً بأنّ كلام الميرزا (قده) فيها مشوش متذبذب بين الوجهين، الثاني و الثالث، أضف إلى ذلك عدم تمامية بيانه المتقدم، حتى بناء على الوجه الثالث، لأنّه يكفي في إشباع التقابل الارتكازي المذكور بين الوضع و الرفع، أنّ الرفع منصب و لو عنواناً على أمر ثبوتي، و هو عنوان (ما اضطروا إليه)، سواء كان فعلًا أو تركاً.

المورد الثاني: هو أنّه لا إشكال في أنّ الأحكام التحميلية المترتبة على وقوع الفعل ترتفع بحديث الرفع فيما إذا اضطر إلى الفعل، كما لو شرب المسكر لدفع الهلكة عن نفسه، فإنّه ترتفع الحرمة، و يرتفع الحد، و لكن لو كان هناك آثار توسعية مترتبة على ترك المسكر، من قبيل جواز الائتمام بتارك المسكر، فهل يلتزم بثبوت تلك الآثار و يجوز الائتمام بشارب المسكر اضطراراً، بدعوى أنّ فعله كلا فعل أو لا؟

و من هذا البيان يتضح أنّ مصب هذه الثمرة هو غير مصب تلك الثمرة السابقة، لأنّ مصب السابقة في أنّ الترك المضطر إليه هل يكون مرفوعاً بحديث الرفع، يعني: هل ترتفع الآثار التحميلية المترتبة على الترك أو لا؟

ثمّ إنّه لو قلنا في الثمرة السابقة، إنّ حديث الرفع كما يشمل‏

133

موارد الاضطرار إلى الفعل، فإنّه أيضاً يشمل موارد الاضطرار إلى الترك، إذاً، فسوف يكون لهذه الثمرة موردان بحسب الحقيقة.

المورد الأول: هو في أنّ الآثار التوسعية المترتبة على ترك شرب المسكر تثبت بالنسبة إلى من شرب المسكر اضطراراً أو لا؟

المورد الثاني: هو أن يفرض أنّه يضطر إلى ترك شي‏ء، كما لو اضطر إلى ترك الصلاة، فحينئذٍ يقال: بأنّ الأحكام التحميلية المترتبة على الترك ترتفع بناء على أنّ حديث الرفع كما يطبق على الفعل الاضطراري فهو أيضاً يطبّق على الترك الاضطراري كما ذكرناه في الثمرة الأولى، لكن هل تترتب الآثار التوسعية للفعل، بحيث يكون كأنّه قد صلّى أو لا؟

و هذا مطلب مهم، لأنّه إذا افترضنا أنّ هذا الإنسان الذي اضطر إلى ترك الصلاة، فإن اقتصرنا في مقام تطبيق حديث الرفع على نفي حيثية التحميل المترتبة على الترك، حينئذٍ نقول: إنّ هذا الترك كان محرماً و معاقباً عليه، و لكن هنا و سبب الاضطرار لم يعد محرماً و لا معاقباً عليه، و لكن لا نثبت أنّه قد (صلّى)، بحيث يترتب عليه حكم من قد (صلّى)، من حيث عدم وجوب القضاء، و أمّا لو قلنا: بأنّه يترتب عليه أحكام من قد صلّى، فيحكم عليه حينئذٍ بعد وجوب القضاء.

فالعنوان الكلي لهذه الثمرة: هو أنّه متى ما تعلّق الاضطرار بالفعل أو بالترك فلا إشكال في أنّ الأحكام التحميلية المترتبة على ذاك الفعل الذي وقع بسبب الاضطرار ترتفع، و لكن هل إنّ الأحكام التوسعية المترتبة على نقيض ما وقع، هل تترتب أو لا؟

هذا نحو من الصياغة للثمرة بعبارة جامعة بين الموردين.

134

و بناء على هذا يقال: تظهر الثمرة بين الوجه الثاني و الثالث، و ذلك لأنّه إذا بنينا على الوجه الثالث، من أنّ الرفع تنزيلي بحيث ينزل الموجود منزلة المعدوم، أو ينزل المعدوم منزلة الموجود فيما إذا كان الاضطرار إلى الترك، أو إلى الفعل، و حينئذٍ تترتب أحكام المنزل عليه بتمامها، التحميلية منها و التوسعية.

و أمّا إذا بنينا على الوجه الثاني الذي هو المختار، فليس الأمر كذلك، لأنّ غاية ما يقتضيه الوجه الثاني: هو أنّ هذا الذي وقع بسبب الاضطرار، سواء كان فعلًا أو تركاً انسلخ عن الموضوعية لأحكامه، لأنّه رفع للوجود التشريعي، لا إعطاؤه الموضوعية لأحكام نقيضه، فحينئذٍ، في الأمثلة المذكورة، لا يجوز الائتمام بشارب الخمر اضطراراً، لأنّ موضوع جواز الائتمام هو ترك شرب الخمر، و هذا الموضوع لم يتحقق، و كما أنّه يجب عليه قضاء الصلاة.

و الخلاصة: هي أنّه بناء على الوجه الثالث، و هو أن يكون الرفع منصباً على الوجود الخارجي تعبداً و تنزيلًا، فكما يرتفع الأثر التحميلي المترتب على الفعل المضطر إليه لارتفاع موضوعه تنزيلًا، كذلك تترتب الآثار غير التحميلية المترتبة على ارتفاع المضطر إليه، لأنّ التعبد برفع أحد النقيضين تعبد بالنقيض الآخر لا محالة، للتقابل بينهما.

بينما على الوجه الثاني لا تترتب تلك الآثار غير التحميلية، لما عرفت من عدم التقابل بين رفع الموجود التشريعي لموضوع، و وضع موضوعية نقيضه للتشريع.

ثمّ إنّه لو قلنا في المورد الأول: بأنّ الحديث لا يشمل الاضطرار إلى الترك، فسوف تختص الثمرة في هذا المورد بما إذا

135

اضطر إلى الفعل، لترتيب آثار الترك غير التحميلية، و إن قلنا بشموله لذلك أيضاً، عمّت الثمرة لما إذا اضطر إلى الترك أيضاً في ترتيب آثار الفعل غير التحميلية.

الجهة الثانية: هي في بيان أنّه هل يمكن أن نستفيد من حديث الرفع، أنّ المقتضي و ملاك الأحكام المرفوعة موجود، إلّا أنّه بحيث لم يصل إلى المرحلة الفعلية الكاملة بحيث يجعل التكليف على طبقه، أو أنّ حديث الرفع لا يفيد شيئاً من هذه الناحية؟

و ثمرة هذا هي، فيما إذا افترضنا أنّه بحديث الرفع رفع ما اضطروا إليه نفينا وجوب القيام في الصلاة، لأنّه مضطر إلى تركه، فحينئذٍ لو فرض أنّ هذا الإنسان (صلّى) من قيام متحملًا الصعوبة و المشقة التي تحقق عنوان الاضطرار، فحينئذٍ، إذا كنا نستفيد من حديث الرفع أنّ الملاك موجود، غايته أنّ المولى لم يجعل حكماً على طبقه رعاية لشئون العباد، إذاً، تكون صلاته صحيحة.

و أمّا إذا لم نستطع أن نستفيد من حديث الرفع وجود الملاك، فحينئذٍ لا يمكن أن نحكم بصحة هذه الصلاة، لأنّ صحتها فرع وجود أمر أو ملاك، و المفروض أنّ الأمر قد سقط بسبب الاضطرار، لأنّه، (رفع ما اضطروا إليه)، و أمّا الملاك فلا دليل عليه، لأنّ الدليل إن كان هو حديث الرفع، فقد فرضنا عدم دلالته على وجود الملاك، و إن كان الأمر، فقد سقط بسقوط المدلول المطابقي للأمر بسبب الاضطرار.

و الحاصل: هو أنّه هل يمكن استفادة بقاء المقتضي و الملاك لهذه الأحكام المرفوعة في فقرات حديث الرفع أو لا؟

و الثمرة: هي أنّه لو أوقع المكلّف ما يطيقه، أو المضطر إلى‏

136

تركه، هل يكون صحيحاً، لكفاية بقاء الملاك أو المقتضي في الصحة؟ بينما لو لم يمكن استفادة بقاء الملاك من حديث الرفع، إذاً، فلا يمكن أن نحكم بصحة ما أوقعه المكلّف ممّا رفع حكمه بحديث الرفع.

و هنا يمكن تقريب استفادة وجود ملاك من حديث الرفع بأحد تقريبين:

التقريب الأول: هو أن يقال: إنّ حديث الرفع مسوق مساق الامتنان على الأمة، و من الواضح أنّ الامتنان لا يكون إلّا في صورة فرض وجود الملاك، و المولى يرفع يده عنه، و أمّا في صورة عدم وجود الملاك، لا يكون رفع يده عن التكليف تفضلًا و امتناناً منه على الأمة، لأنّه لا مقتضي للتكليف حينئذٍ.

و هذا الكلام غير تام، لأنّه إنّما يصح هذا في الموالي العرفية الذي يكلفون عبيدهم مأموريهم بمصالحهم الشخصية، و لا يصح في الموالي الذي يكون نظرهم إلى مصالح نفس العبيد و المأمورين كما هو الحال بالنسبة إلى الحق تعالى، فإنّه في مثله لا يصح ما ذكر، لأنّه إمّا أن يكون ذلك الشي‏ء الذي رفع يده عنه متعلقاً لغرضه تعالى، و هذا معناه: حاجته تعالى إليه، تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً، و إمّا أن يكون به مصلحة للمكلّف، و حينئذٍ أيّ منّة في رفع اليد عن تلك المصلحة، إذ هذا خلاف الامتنان.

و حيثية الامتنان إنّما هي أنّ النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) يريد أن يوضح للناس، أنّ هذه الشريعة كاملة وافية بتمام شئون الإنسان، و تلحظ جميع اعتباراته الأولية و الثانوية، و لا تتعدّى حدود الفطرة السليمة في مقام تربية الإنسان، إذاً، فالامتنان بكمال الشريعة التي تنظر بعينين، تنظر

137

بإحداهما إلى تربية الإنسان، و تنظر بالعين الأخرى إلى ضعفه و إلى أنّه إنسان محدود الطاقات، إذاً، فهذا التقريب الأول لاستفادة الملاك من حديث الرفع غير تام.

و الحاصل: هو أنّ هذا الكلام إن تمّ في حق الموالي العرفية، فإنّه لا يتم في حق المولى الحقيقي سبحانه الذي تكون أحكامه دائماً لمصالح راجعة إلى العباد أنفسهم، و في مثله لا معنى لافتراض أنّ رفع الحكم مع وجود ملاكه و مصلحته امتنان عليهم، لأنّ الظاهر أنّ حيثية الامتنان الملحوظة في الحديث إنّما هي باعتبار ما يكشف عنه الحديث من أنّ الشريعة كاملة وافية بجميع شئون الإنسان و تلحظ جميع حالات القوة و الضعف و الشدة و الرخاء فيه، و هي تنظر إلى حاجاته التسهيلية كما تنظر إلى حاجاته الإلزامية، و مثل هذا المعنى لا يتوقف على افتراض وجود المقتضي للأحكام الإلزامية في موارد رفعها.

التقريب الثاني: هو أن يقال: إنّ كلمة الرفع لا تستعمل عادة إلّا في النفي بعد الوجود، فلا بدّ إذاً من افتراض أنّ هذا المنفي كان له نحو وجود ثمّ رفع، و هذا الموجود مردّد بين أمور:

الأمر الأول: هو أنّ الله تعالى قد كان يكلف الإنسان في أوّل الإسلام بما لا يطيق، ثمّ بعد ذلك رفع اليد عن تكاليفه هذه بنحو النسخ.

الأمر الثاني: هو أنّه تعالى كان يكلف الأمم السابقة بما لا تطيق، ثمّ رفع اليد عن ذلك، فإذا افترضنا استبعاد كلا هذين الاحتمالين، يتعين في مقام تصحيح كلمة الرفع في المقام أن يقال: إنّ هذا الوجود الملحوظ للحكم سنخ وجود شأني، لهذا استعمل‏

138

كلمة الرفع، فكأنّه وجد اقتضاء و ملاكاً و رفع فعليته، هذا بناء على الوجه الثاني المختار من الوجوه الثلاثة المتقدمة.

و هذا التقريب غير تام أيضاً، و أمّا بناء على الوجه الثالث، فالمئونة موجودة بلا حاجة إلى تقدير وجود اقتضائي، لأنّ المضطر إليه موجود في الخارج، لأنّه لا يكون الرفع إلّا بعد الوجود، لأنّه رفع تنزيلي للموجود منزلة المعدوم كما عرفت.

إذاً، فإذا التزمنا بالوجه الثالث، فلا نحتاج في تصحيح عناية الرفع إلى افتراض الوجود الاقتضائي للحكم، لأنّه حينئذٍ يكون موجوداً في الخارج.

و أمّا بناء على الوجه الثاني، فحينئذٍ لا بدّ لتصحيح هذا الرفع بعد فرض استبعاد الاحتمالين المذكورين من افتراض وجود تشريعي اقتضائي.

و الحاصل: هو أنّ هذا التقريب غير تام، أمّا بناء على الوجه الثالث فواضح، لأنّ مناسبة الرفع فيه إنّما يكون باعتبار وجود المرفوع خارجاً، لأنّ الرفع فيه تنزيلي، و أمّا بناء على الاحتمالين الأولين، فلعدم انحصار مناسبة الرفع بما ذكر، بل يمكن أن يكون باعتبار ثبوت تلك الأحكام في موارد عناوين الفقرات التسعة في أوّل الشريعة، أو في الشرائع السابقة، كما يمكن أن تكون مناسبة الرفع إثباتاً لا ثبوتاً، بمعنى: أنّ الأحكام المرفوعة كانت ثابتة بإطلاق أدلتها لو لا الرفع.

الجهة الثالثة: في تصنيف الآثار التي يترقب رفعها و وضعها إلى ثلاثة أقسام.

القسم الأول: هو آثار يترقب ثبوتها على العنوان الأولي بحسب‏

139

لسان دليله من دون أن يكون قيد الاضطرار، أو بقية العناوين مأخوذة في موضوعه لا وجوداً و لا عدماً، من قبيل الحرمة المتعلقة بشرب المسكر، فالحرمة كانت منصبة على شرب المسكر من دون أن يقيّد بالاضطرار لا عدماً و لا وجوداً.

القسم الثاني: هو الآثار المترتبة في لسان دليلها على العنوان الأولي المقيد بعدم طرو العناوين الثانوية من الاضطرار و نحوه، من قبيل وجوب الكفارة، فإنّه أخذ في دليل وجوبها التعمد في من أفطر في شهر رمضان متعمداً، فعليه الكفارة.

القسم الثالث: هو الآثار المترتبة في لسان دليلها على العنوان الأولي المقيّد و المعنون بأحد العناوين التسعة المأخوذة في حديث الرفع، من قبيل وجوب سجدتي السهو لكل زيادة و نقيصة سهوية، فالوجوب كان منصباً على العنوان الأولي بما هو متعنون بأحد هذه العناوين التسعة، و هو السهو.

نقول: إنّ القسم الأول هو القدر المتيقن من الآثار المرفوعة بحديث الرفع.

و أمّا القسم الثاني فلا معنى لحاكمية حديث الرفع فيه على الأدلة الأولية، لأنّه مقيّد بحسب لسان دليله الأولي بعدم النسيان، إذاً فلا إشكال في خروجه تخصصاً عن حديث الرفع، لأنّه بطرو أحد العناوين التسعة يرتفع موضوع هذا القسم من الآثار.

و أمّا القسم الثالث من الآثار: فهل يشمله حديث الرفع أو لا؟ و ما هو الأثر العملي في البحث عن شموله و عدمه بعد أن كان من الواضح أنّه إذا دل دليل على هذا الوجوب، و هو سجدتا السهو مثلًا: فإنّه لا بدّ من العمل به، سواء كان حديث الرفع جارياً في نفسه لنفي‏

140

وجوب السجدتين أو لا، لأنّه إن كان لا يجري، فمن الواضح أنّه لا بدّ من العمل بالدليل الدال على وجوبهما، و إن كان يجري، إذاً، فهو ينفي وجوب السجدتين بإطلاقه، و الدليل الذي يدل على وجوب السجدتين يكون أخص من حديث الرفع فيخصصه، فحينئذٍ، لا يكون الأثر عملياً، لأنّنا نلتزم بالدليل الدال على وجوبهما، و أمّا إذا لم يقم دليل على وجوب السجدتين و شككنا في وجوبهما، فحينئذٍ: إن قلنا بجريان حديث الرفع تمسكنا به لنفي وجوبهما بلا حاجة إلى الرجوع إلى الأصول العملية، و أمّا إذا لم نجرِ حديث الرفع فلا بدّ من الرجوع إلى الأصول العملية.

و هنا سؤال لا بدّ من علاجه و هو: أنّه هل يمكن الاعتماد على حديث الرفع لنفي وجوب سجدتي السهو أو لا؟

المعروف بين المحققين أن حديث الرفع لا يجري في المقام، و علّلوا ذلك، بأنّ حديث الرفع لو جرى للزم كون مقتضي الشي‏ء رافعاً له و مانعاً عنه.

فمثلًا: النسيان في المقام، هو المقتضي لثبوت هذا الحكم الذي هو وجوب السجدتين، و النسيان هو المانع عن ثبوت هذا الحكم بمقتضى حديث الرفع، و مثل هذا مستحيل.

و يمكن أن يعترض على هذا البيان بأن يقال: إنّما يتم ما ذكر لو كان الدليل ثابتاً، و أمّا في صورة ما لو شككنا في وجوب سجدتي السهو، فرفعنا هذا الوجوب المشكوك بحديث الرفع، فإنّه حينئذٍ لا يلزم ما قيل، إذ لعلّ هذا العنوان لا يقتضي ثبوته.

إلّا أنّ ما ذكره المحققون في المقام لا بدّ من تتميمه، و ذلك بأن يقال: إنّنا نثبت كون النسيان مقتضياً و كونه رافعاً بنفس حديث الرفع.

141

أمّا كونه مقتضياً، فللجهة التي تقدمت، و هي أنّ الرفع يقتضي أن يكون للمرفوع وجود اقتضائي و ثبوت شأني، إذ لو لا ذلك لا يصح أن يستعمل فيه كلمة الرفع، فحينما يقول الشارع: (رفعت وجوب السجدتين عن الناسي)، يدل هذا على أنّ هناك شأنية و مقتضياً لوضع الحكم عن الناسي، و لهذا عبّر عنه بالرفع.

و أمّا كونه مانعاً، فلأنّ ظاهر حديث الرفع هو رفع العناوين المذكورة في فقرات الحديث التي من جملتها النسيان، إذاً، فقد اتحد مقتضي الوضع مع مقتضي الرفع، و هذا محال.

و مثل هذا لا يجري في القسم الأول، لأنّ المقتضي فيه للوضع إنّما هو العنوان الأولي، بينما المقتضي للرفع إنّما هو أحد العناوين التسعة المأخوذة في حديث الرفع.

و هذا الكلام غير تام، لأنّه إنّما يصح فيما لو فرض أنّه أريد ادّعاء، أنّ هذا العنوان بذاته مقتضٍ للوضع، و بذاته مقتضٍ للرفع، أي إنّه بذاته يشكل المصلحة، و بذاته يشكل المفسدة، حينئذٍ يكون هذا غير معقول، لأنّ الشي‏ء الواحد بذاته لا يكون مقتضياً لما يرفع، و رافعاً لما يقتضي ثبوته.

إلّا أنّ الالتزام بذلك بلا موجب، لأنّ كون شي‏ء فيه ملاك الحكم ليس معناه: أنّه بذاته ملاك الحكم، بل يمكن أن نفترض أنّ هذا العنوان ينشأ منه خصوصيتان: إحداهما فيها مصلحة، و الأخرى فيها مفسدة، فبلحاظ الأولى يكون مقتضياً للوضع، و بلحاظ الثانية يكون مقتضياً للرفع، إذاً، الرفع و الوضع يكونان منسوبين إلى شي‏ء واحد بلحاظ نشوء خصوصيتين منه.

و هذا أمر معقول، من قبيل قول النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): (لو لا أن أشق على‏

142

أمّتي لأمرتهم بالسواك) ( (1))، فمقتضى ظاهر هذا الحديث، أنّ هناك مقتضياً للأمر بالسواك، و لكن حيث إنّه كان موجباً للمشقة كان ذلك مانعاً عن الأمر به، فالسواك يولّد خصوصيتين: إحداهما النظافة، و هي المقتضية للأمر به، و الأخرى المشقة، و هي المانعة عن الأمر به.

و الصحيح هو أن يقال في المقام: إنّ حديث الرفع لا يشمل القسم الثالث، لأنّ عنوان (ما اضطروا إليه) و غيره من العناوين المذكورة في فقرات الحديث، تارة تؤخذ بنحو المعرفية و المشيرية إلى ذات ما هو المرفوع، و أخرى تؤخذ بنحو الموضوعية.

فإذا فرض أنّها أخذت بنحو المعرفية، فالمرفوع حينئذٍ إنّما هو العنوان الأولي المشار إليه، و لا يشمل القسم الثالث.

و إن فرض أنّها أخذت بنحو الموضوعية، إذاً، سوف يختص حديث الرفع بالقسم الثالث، و لم يجرِ في القسم الأول، لأنّه إنّما يرفع العناوين الثانوية لا الأولية.

و هذا باطل يقيناً و عرفاً.

أمّا يقيناً: فلأنّ الصحابة فهموا من حديث الرفع أنّ حرمة شرب المسكر يرتفع به مثلًا، و هذا معناه: المعرفيّة و المشيريّة.

و أمّا عرفاً: فلأنّ مناسبات الحكم و الموضوع تقتضي أن يكون مصب الرفع هو العنوان الأولي، و العنوان الثانوي أخذ قيداً في الرفع، أي معرفاً إلى المرفوع.

____________

(1) من لا يحضره الفقيه: الصدوق، ج 1، ح 16.

143

إذاً فحاصل ما ينبغي أن يقال: إنّه لا يعقل الجمع في حديث الرفع بين القسم الأول و الثالث، لأنّ الجمع معناه: جمع بين المعرفية و الموضوعية، وعليه: يستحيل إطلاق شمول حديث الرفع للقسم الثالث بعد الفراغ عن شموله للقسم الأول.

و خلاصة هذه الجهة الثالثة: هي أنّ الآثار المترتبة على الشي‏ء يمكن تصنيفها إلى ثلاثة أقسام:

الأوّل: ما هو ثابت أو يترقب ثبوته على العنوان الأولي للفعل بحسب لسان دليله، من دون أن تكون العناوين التسعة في الحديث وجوداً أو عدماً دخيلة في ترتبها، (كحرمة شرب المسكر).

الثاني: الآثار المترتبة على الشي‏ء مقيداً بعدم طرو أحد تلك العناوين الموجودة في الحديث، من قبيل ترتب الكفارة، فإنّ موضوعها مقيّد بالإفطار العمدي.

الثالث: الآثار المترتبة على الشي‏ء مقيّداً بأحد تلك العناوين، كوجوب (سجدتي) لم سها في صلاته.

و الأول: هو القدر المتيقن من الآثار المرفوعة بحديث الرفع.

كما أنّ القسم الثاني لا إشكال في خروجه عن الحديث تخصصاً، لأنّه بطرو أحد العناوين التسعة يرتفع موضوع هذا القسم من الآثار.

و أمّا القسم الثالث: فمن الواضح أنّه إذا دلّ دليل على ثبوته فسوف يكون مقدماً على الحديث، سواء قيل بشموله لنفي هذا القسم أم لا، لأنّه شمول إطلاقي، فيخصص بذلك الدليل، و لو احتمل ثبوته‏

144

بلا دليل عليه، فبناء على شمول الحديث لنفيه يتمسك به فينفى بالدليل، و إلّا فينفى بالأصل النافي إن تمّ موضوعه.

و أمّا شمول الحديث لمثل ذلك و عدمه، فقد ذهب المحققون إلى عدم شموله لذلك، و استدلوا عليه بأنّه لو جرى الحديث لنفي هذا القسم من الآثار للزم منه كون العناوين التسعة مقتضية لحكم و مانعة عنه في آن واحد، و هو محال.

و لكن يجاب عن هذا البيان: بأنّه على تقدير شمول الحديث لهذا القسم لا يبقى دليل على وجود مقتضٍ لثبوته لكي يقال: بأنّ هذه العناوين مقتضية للحكم و مانعة عنه في آن واحد كما عرفت.

و من هنا احتاج كلام المحققين إلى تتميم بأن يقال: بأنّا نثبت الاقتضاء بالبيان المتقدم في الجهة السابقة، إلّا أنّه مع ذلك لا يتم، لأنّه إنّما يصح فيما لو فرض أنّ العناوين المذكورة بذاتها تقتضي وضع ذلك الأثر و رفعه، لا ما إذا كان فيها خصوصيتان و حيثيتان تكون بإحداهما مقتضية للوضع، و بالأخرى مقتضية للرفع كما يستفاد من قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلم):

(لو لا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك) (

(1)

). و الصحيح هو أن يقال في توجيه عدم شمول الحديث لهذا الصنف من الآثار: إنّ هذه العناوين تارة تؤخذ كمعرّف للعنوان الأولي، فيكون المرفوع هو العنوان الأولي، و الحيثيات التسعة الثانوية، حيثيات في الرفع، و أخرى تؤخذ موضوعاً و قيداً في‏

____________

(1) من لا يحضره الفقيه: الصدوق، ج 1، ص 43، ح 16.

الكافي: الكليني، ج 2، ص 218.

الوسائل: الحر العاملي، ج 1، ص 345، ح 4.

145

المرفوع، فعلى الأول لا معنى لأن يطبق الحديث على القسم الثالث، إذ ليس الحكم فيه مترتباً على العنوان الأولي، و على الثاني يختص الحديث بالقسم الثالث و لا يشمل الأول، فالجمع بين الأمرين غير تام، و بما أنّ الثاني غير محتمل و لا مناسب عرفاً مع الظاهر من الحديث، إذاً، فيتعيّن الأول.

الجهة الرابعة: هي أنّ حديث الرفع حديث امتناني، و هناك قرينتان تدلان على ذلك: قرينة لفظية، و أخرى سياقية.

أمّا القرينة اللفظية: فهي كلمة (عن) في قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلم):

(رفع عن أمّتي)،

فإنّ (عن) إنّما يصح استعمالها في مقام نفي الأمر الثقيل في مقابل الوضع الذي يكون بكلمة (على) حيث نقول: (رفع عنه)، في مقابل، (وضع عليه).

و أمّا القرينة السياقية: فباعتبار إضافة الرفع إلى الأمة، و هذا لسان تحبّبي سياقه سياق بيان المحبة و اللطف و الامتنان.

و هاتان القرينتان و إن كانتا معاً مفيدتين في إثبات أنّ مفاد الحديث ينبغي أن يكون دائماً توأماً مع الامتنان، لكن إنّما يكون كذلك كلّما كان تطبيق الحديث في مورد مناسب مع الامتنان، فإنّه يطبق كذلك، و لكن كلّما كان تطبيق الحديث على الامتنان في مورد على خلاف الامتنان، فإنّه حينئذٍ لا يطبق حتى لو كان فيه إطلاق لفظي، لأنّها ترفع اليد عنه بلحاظ هاتين القرينتين.

لكن لعلّه يوجد فرق بين هاتين القرينتين من ناحية، و هي أنّ القرينة اللفظية بما أنّ الرفع انحلالي في هذا الفرد و في ذاك و هكذا، فالحديث لا يدل على تضمّن المرفوع للثقل على الفرد، و لا يتنافى أن يكون في رفعه ثقل على فرد آخر، لأنّ قضاء حق كلمة (عن) يكفي‏

146

في أن يعطي لكلمة (عن) حقها بالنسبة إلى من رُفع عنه أمر ثقيل، سواء كان بالنسبة إلى الآخرين ثقيلًا أو لا.

و لكن حينما نأتي إلى القرينة السياقية التي تنظر إلى الأمة بنظرة مجموعية في مقام إظهار التحبب، فمن الواضح أنّه بشرط أن لا يكون في رفع الحكم عن هذا الفرد، فيه تثقيل على الآخر، إذ لا يكون ذلك امتناناً على مجموع الأمة، و حينئذٍ لا يكون مشمولًا لحديث الرفع، فالقرينة السياقية أقوى و أشد تقييداً من القرينة اللفظية، و يترتب على هذه النتيجة أمران ذكرا في كلمات الفقهاء.

الأمر الأول: هو أنّهم فرّقوا بين معاملة المضطر، و معاملة المكره، و قالوا ببطلان البيع في صورة الإكراه، لأنّ رفع ما استكرهوا عليه يرفع الوجود التشريعي لهذا البيع، أي صحته، و هذا امتنان محض بالنسبة إلى المكره، لأنّه بإبطال المعاملة يحفظ ماله قانونياً على الأقل.

و قالوا بصحة البيع في صورة الاضطرار إذ لو حكم ببطلان البيع لما أقدم على الشراء، و وقع المضطر في محذوره الذي أراد البيع لأجل التخلص منه، و هذا على خلاف الامتنان.

الأمر الثاني: هو ما لو أكره على ضرب شخص بأن قال له المكره:

(إذا لم تضرب زيداً أضربك)،

فهنا لا يجري حديث الرفع لرفع حرمة ضرب زيد، بسبب أنّه مكره على ذلك، لأنّ جريان حديث الرفع حينئذٍ يكون على خلاف الامتنان بالنظر إلى مجموع الأمة، و ليس حال هذا، حال رفع حرمة شرب المسكر إذا اضطر أو أكره عليه، لأنّ الامتنان في رفع الحرمة لا يكون منافياً بالنظر إلى مجموع الأمة، بل هنا يقال: إن كان الضرب المهدد به لا يبلغ درجة يجب‏

147

معها أن يقي نفسه منه، فحينئذٍ لا إشكال في عدم جواز ضرب زيد، و إلّا فلو كان بدرجة يجب أن يقي نفسه منه، فحينئذٍ يقع التزاحم بين حرمة ضرب زيد و بين وجوب وقاء نفسه، فتعمل قواعد باب التزاحم، هل كلّه باستثناء صورة ما لو بلغ الإكراه إلى حد الدم، بأن قال له:

(إن لم تقتل زيداً أقتلك)،

فإنّه حينئذٍ لا يجوز له قتل زيد للنص الخاص، و لا تقية في الدماء، و كلا هذين الأمرين صحيح.

و قد ذكر العراقي (قده) أمراً ثالثاً: هو ( (1))، أنّه لو لا كون الحديث مسوقاً مساق الامتنان، لكان شاملًا بإطلاقه لموارد الاضطرار الناشئ حتّى و لو بسوء الاختيار، لأنّه بالأخرى هو اضطرار، و لكن باعتبار مزية الامتنان لا يبقى للحديث إطلاق لهذه الصورة و لأنّ هذا الإنسان المضطر بسوء اختياره ليس على خلاف الامتنان تسجيل الحكم عليه، لأنّه كان بإمكانه أن لا يوقع نفسه في ورطة الاضطرار، بخلاف ذاك المضطر لا بسوء الاختيار، فإنّه من كمال التلطف به و الامتنان عليه رفع الاضطرار عنه، إذ لا مناص لديه.

نقول: إنّ هذا الكلام لا يخلو من غموض، و ذلك لأنّه ما المراد من أنّ مزية الامتنان توجب عدم الشمول لموارد الاضطرار بسوء الاختيار، و هل المراد من ذلك أنّ رفع المئونة و الحمل عنه ليس فيه امتنان عليه؟

إن كان هذا هو المراد، فهذا خلاف الواقع، إذ لا إشكال في أنّ رفع المئونة و الحمل عنه فيه امتنان، حتى إنّ العاصي، هناك امتنان عليه في العفو و المغفرة، فكما أنّ الشارع يمنّ على العاصي بالعفو

____________

(1) نهاية الأفكار: العراقي، ج 3، ص 212.

148

عنه، كذلك يمنّ على المضطر بسوء اختياره فإنّه لعلّه أقل من العاصي سوءاً.

و إن أريد بهذا الكلام، أنّ مثل الإنسان لا يستحق الامتنان، فهذا الكلام لا يخلو من وجاهة، بدعوى ضم المرتكزات العرفية التي تقتضي أنّ هذا الإنسان ليس جديراً بالامتنان على شرط أن يكون هذا الارتكاز بدرجة، بحيث يكون مقيداً لإطلاق هذا الدليل، و إلّا فإنّ رحمة الله وسعت كل شي‏ء.

و يمكن أن يقال بقطع النظر عن ذلك: إنّ حديث الرفع لا يمكن إجراؤه في موارد الاضطرار بسوء الاختيار، و ذلك.

أولًا: لعدم صدق الاضطرار، فإنّ الاضطرار المأخوذ موضوعاً للرفع في الحديث، يلحظ بأحد لحاظين:

اللحاظ الأول: هو أن يلحظ الاضطرار بلحاظ آن وقوع الفعل، و من الواضح أنّ هذا الفعل في آن وقوعه ليس تحت الاختيار، بل هو مضطر إليه، فإذا أضيف بهذا اللحاظ، كان الاضطرار صادقاً لا محالة.

اللحاظ الثاني: هو أن يضاف الاضطرار إلى عامود الزمان، فحينئذٍ لا يكون صادقاً فيما لو ألقى بنفسه من شاهق في مورد هذا الاضطرار، بسبب اختياره إلى وقوع هذه الضرورة.

و الاضطرار الذي وقع موضوعاً للرفع إنّما هو بلحاظ عامود الزمان، و ذلك لأنّ معذرية الاضطرار ليست تعبدية، بل هي معذرية عرفية عقلائية مركوزة في أذهان العقلاء، و حديث الرفع حينما يمضي هذه المعذرية إنّما يكون ذلك بلحاظ هذه الارتكازات العرفية، و هذه‏

149

لا تكون إلّا فيما إذا أضيف الاضطرار إلى عامود الزمان، فحينئذٍ تكون هذه المناسبات العرفية قرينة على ذلك، و حينئذٍ لا يكون شاملًا للمضطر بسوء اختياره.

و ثانياً: إنّ حديث الرفع لو أريد به رفع المؤاخذة و التبعية عن المضطر، فهذا الرفع لا يكون إلّا بعد وقوع الاضطرار لا محالة، لأنّه لا بدّ من فعلية العنوان حتّى يأتي المحمول الحكم-، لأنّ الرفع منصب على عنوان (ما اضطروا إليه)، فلا بدّ أن يصبح فعلياً حتى يترتب عليه الرفع و التأمين.

و الاضطرار الذي نشأ باختيار المكلّف هو مورد المؤاخذة، لأنّه سوف يحاسب على المقدمة التي أوقعته في الاضطرار، لأنّه بها كان مصداقاً للتمرد على مولاه، و حديث الرفع إنّما يجري في مورد يترقب أن تكون المؤاخذة فيه على الفعل المضطر إليه، و هذا إنّما هو في موارد الاضطرار، لأنّ الاضطرار نشأ من الله سبحانه، بخلاف ما لو كان الاضطرار بسوء الاختيار، فلو كان عقاب لكان متوجهاً على الاضطرار، لأنّه يكفي العقاب على مجرد إيقاع نفسه في الاضطرار.

الجهة الخامسة: هي أنّ الميرزا (قده) ( (1)) ذكر أنّه قد أخذ في حديث الرفع عنوان الخطأ و النسيان، و هذا شاذ عن العناوين الأخرى، حيث ورد فيها: (ما اضطروا إليه)، فإنّ العناوين الأخرى‏

____________

(1) فوائد الأصول: النائيني، ج 3، ص 127.

أجود التقريرات: الخوئي، ج 2، ص 170.

150

أخذت على نحو المعقولية، بينما هذان العنوانان أخذا من نفس المصدر و مبدأ الاشتقاق، إلّا أنّه لا بدّ من حملهما على المفعولية، فيكون المقصود من النسيان (المنسي)، بدليل أنّه لو كان الرفع رفعاً للنسيان نفسه، لكان معنى هذا أنّه سوف يصبح حال المكلّف الناسي أسوأ من غيره، و ذلك فيما إذا رفع النسيان مع بقاء الفعل، لأنّه سوف يكون الفعل غير المنسي عمدياً يترتب عليه العقاب أيضاً، لأنّ أصل الفعل لم يقع التصرف فيه شرعاً، و إنّما وقع التصرف في النسيان.

و من الواضح أنّه ليس مقصود الشارع من حديث الرفع هذا النحو.

و كأن هذا الكلام يناسب مع بعض تصورات الوجه الثالث، يعني: إذا قلنا بأنّ مفاد حديث الرفع هو الرفع التنزيلي للوجود الخارجي، لأنّه حينئذٍ قد يحتمل أن هذا معناه: رفع صفة النسيان عن الوجود الخارجي، يعني: تنزيله منزلة العدم.

إلّا أنّ هذا يشكل زيادة في الكلفة لا محالة.

و لكن بناء على الوجه الثاني، فإنّه لا مجال لتوهم ذلك، إذ بناء عليه، يكون المرفوع هو التشريع للنسيان، يعني: أنّ النسيان لا يترتب عليه أحكام تحميلية، لا أنّه تفكيك بين الفعل الخارجي و صفة النسيان حتى يكون الناسي أسوأ حالًا من العامد. و لكن مع هذا لا ينبغي الاستشكال في أنّ ما ذكره الميرزا (قده) هو الصحيح، لأنّ الظاهر عرفاً من النسيان في المقام، هو (المنسي)، و ذلك لأمرين.

الأمر الأول: هو وحدة السياق، فإنّنا ذكرنا فيما سبق أنّ المستظهر من عنوان (ما اضطروا إليه)، هو أخذه بنحو المعرفية إلى ذات الفعل، و حينئذٍ لو كان المقصود من النسيان و من الخطأ نفس‏

151

عنوانهما، أي رفع النسيان بما هو نسيان، لكان معناه: أنّه أخذ على نحو الموضوعية لا المعرفية.

إلّا أنّ السياق يوجب ألفة الذهن العرفي بأنّ هذه العناوين الثانوية لوحظت كلها بنحو واحد، أي بنحو المعرفية.

إذاً: المعرف هو العناوين الأولية، فالنسيان يؤخذ بما هو مرآة لذات المنسي.

و لا ينقض على ذلك، (بالحسد و الطيرة و الوسوسة في الخلق)، و إن كانت مأخوذة على نحو الموضوعية، لأنّها ليس عناوين ثانوية، بل هي عناوين أولية في نفسها، إذاً، فالسياق بالنسبة إليها مختلف.

و بتعبير آخر: هو أنّه بناء على الرفع الحقيقي للوجود التشريعي، يكون معنى رفع الخطأ و النسيان: رفعهما عن لوح التشريع بلحاظ ما يفترض لهما من أحكام ثقيلة على المكلّف كوجوب سجدتي السهو، و هذا موافق للامتنان.

و لكن رغم هذا، نقول: إنّ المرفوع هو المخطيّ و المنسي لا نفس الخطأ و النسيان، و ذلك لأمرين:

الأول: هو وحدة السياق، حيث عرفت فيما تقدم، أنّ العنوان الثانوي في مثل (ما اضطروا إليه) إنّما أخذ بنحو المعرفية المشيرية إلى ما طرأ عليه الاضطرار، و بما أنّ الخطأ و النسيان يصلحان لفرضهما عنواناً مشيراً و معرفاً (للمخطئ و المنسي) باعتبار أنّهما شأن من شئونهما، إذاً، فمقتضى وحدة السياق كونهما ملحوظين بنحو المشيرية و المعرفية، إذاً، فهما كعنوان الاضطرار و نحوه أخذا جهة تعليلية.

152

و لا ينقض على ذلك‏

(بالحسد و الطيرة و الوسوسة في الخلق‏

) حيث إنّ المرفوع نفس هذه الأمور و لم تؤخذ معرفاً و مشيراً، بل أخذت على نحو الموضوعية.

لأنّه يقال: إنّ هذه الأمور ليست عناوين ثانوية

(كالاضطرار و الإكراه و الخطأ و النسيان)،

مما لا بدّ من فرض عنوان أولي سابق عليها، بل هي عناوين أولية في نفسها. إذاً، فالسياق بالنسبة إليها مختلف، لأنّ وحدة السياق المقتضية لمشيرية العنوان الثانوي إلى الذات الثابتة في الرتبة السابقة تختص بغيرها و تؤثر فيما عداها.

الأمر الثاني: و هو مبني على أنّ (الرفع) في حديث الرفع، نكتته، أنّ استعمال كلمة (الرفع) تحتاج إلى نحو ثبوت لكي يرفع، و هذا النحو هو ثبوت الأحكام في أدلتها الأولية، فمثلًا: دليل حرمة شرب المسكر، فإنّه مورد (للاضطرار)، و يكون شاملًا لذلك بإطلاقه، إذاً، فبدليل الرفع نرفع حصة الاضطرار، و حينئذٍ نقيّد الدليل به و بما أنّه لم يثبت في الشريعة دليل يثبت الحكم على الناسي ليكون دليل الرفع ناظراً إليه، فيستكشف من ذلك، أنّ دليل الرفع لم يكن ناظراً إلى النسيان، و إنّما هو ناظر إلى المنسي الذي يمكن أن يكون ثابتاً بالدليل. و قد حاولنا سابقاً استكشاف المقتضي الثبوتي لكلمة الرفع باعتبار أنّ الرفع يحتاج إلى نحو ثبوت للمرفوع، و لذلك قلنا: بأنّ له نحو اقتضاء و شأنية.

إلّا أنّنا هنا نقول: إنّ الأدلة و الخطابات الشرعية كافية للوضع، بحيث يكون حديث الرفع ناظراً إليها و رافعاً لها في موارد انطباق العناوين الثانوية عليها، و حينئذٍ لا نحتاج إلى أن نفرض أنّ هناك ملاكات بحسب الواقع.

153

و الحق أنّ المستظهر عرفاً جزماً هو أنّ الخطأ و النسيان و ما استكرهوا عليه على وتيرة واحدة.

نعم، كون مقتضى وحدة السياق و إن كان حمل الخطأ و النسيان على المعرفية، كما هو الحال بالنسبة إلى سائر العناوين الأخرى في فقرات الحديث، لكن هذا لا يعني أنّه يراد من النسيان، المنسي، أي اسم المفعول على وزان اسم المفعول فيما اضطروا إليه و نحوه، بل لعل تغيّر صيغة اللفظ مع حفظ وحدة السياق تقتضي أن يكون المراد في المقام من النسيان، أثره و هو الفعل الصادر عن نسيان لا متعلق النسيان و ما يكون نسياناً، و كم فرق بين الأمرين، فمثلًا: لو فرض أنّ إنساناً باع ثم نسي البيع فأكله، فهنا المنسي هو البيع، و الفعل الصادر عن نسيان البيع إنّما هو الأكل، فلو قلنا: إنّ المرفوع بحديث الرفع هو المنسي، إذاً، لكان ينبغي أن يرتفع البيع، و معنى رفعه: هو رفع آثاره و ما يترتب عليه من نقل و انتقال، و من الواضح أنّ نسيان البيع ليس من أسباب بطلانه، و ليس هناك مناسبة عرفية لجعل النسيان حيثية لإبطال البيع. و هذا بخلاف ما لو قلنا: إنّ المرفوع هو الفعل الصادر عن نسيان أي أكل الخبز الذي هو مال الغير فالمرفوع هو الحرمة المترتبة على أكل مال الغير، و هذا أمر مناسب عرفاً، إذاً، يكفي لانعقاد ظهور لهذا الكلام عرفاً مع ضم المرتكزات العرفية من أنّ الرفع توجه إلى ما يصدر عن النسيان لا إلى المنسي.

الجهة السادسة: هي أنّ هناك موارد لا إشكال في عدم شمول حديث الرفع لها، و لها أمثلة كثيرة في الفقه.

من جملتها: نجاسة الشي‏ء بملاقاته للنجس.

و لا إشكال هنا في ثبوت النجاسة، سواء كانت الملاقاة

154

اختيارية، أو اضطرارية، و لا يمكن أن يتمسك هنا بحديث الرفع لإثبات أنّ هذه الملاقاة ليست موضوعاً للحكم بالنجاسة فيما لو كانت بسبب أحد العناوين الثانوية.

و من جملتها: الجنابة التي هو موضوع للحكم بالغسل، سواء وقعت اختياراً، أو بسبب مصداق من العناوين الثانوية، فهذه الموارد و أشباهها خارجة عن حديث الرفع تخصصاً ( (1)).

و قد حاول بعضهم بيان ذلك، فصب كلامه على مثال الملاقاة.

و حاصل ما ذكره: هو أنّ حديث الرفع ناظر إلى أفعل المكلفين، و هو يرفع آثار هذه الأفعال إذا كانت واقعة مصداقاً لأحد العناوين الثانوية المأخوذة في حديث الرفع، إذاً، فلا بدّ لتطبيق حديث الرفع في مورد من أن يكون فعل المكلّف موضوعاً للحكم و التكليف الذي يراد رفعه. ففي كل مورد كان التكليف مترتباً على فعل المكلّف بما هو فعل المكلف، إذاً، يرفع هذا التكليف إذا طرأ عليه أحد العناوين الثانوية، و أمّا إذا كان التكليف مترتباً على غير الفعل كالموت الذي أخذ موضوعاً لوجوب غسل الميت، فهو و إن كان قد يحصل في بعض الأحيان بفعل الشخص، إلّا أنّه لم يؤخذ في موضوع الغسل الإماتة أو القتل، فمثل هذا لا يكون مشمولًا لحديث الرفع. و كذلك الحال بالنسبة إلى سراية النجاسة، إذ لا ينحصر ذلك بفعل المكلّف، بل قد تحصل السراية بسبب وقوع النجس على جسم آخر بواسطة الهواء و غيره.

و هذا الكلام لا بأس به بالنسبة إلى خصوص مثال الملاقاة، و لكنّه لا يدفع أمثلة النقض العديدة، إذ ليست كلها على هذا المنوال، إذ قد

____________

(1) أجود التقريرات: الخوئي، ج 2، ص 176.