بحوث في علم الأصول - ج11

- الشيخ حسن عبد الساتر المزيد...
473 /
155

يكون فعل المكلف كما هو الحال في وجوب غسل المس، فإنّ هذا الوجوب ترتب على مس الميت، و هو بالتالي فعل حاله حال سائر الأفعال، و لا يشمله حديث الرفع، و كذلك في الضمان، فيمن أتلف مال الغير فهو له ضامن، فإنّ المأخوذ في الموضوع هو الإتلاف، و هو فعل من أفعال المكلّف، إذاً، ما ذكره من أنّ نكتة جريان حديث الرفع هي أن يكون المأخوذ في موضوع الدليل الذي يكون حديث الرفع ناظراً إليه هو فعل المكلّف، فهذه النكتة غير صالحة لتفسير الموقف.

و الحاصل: هو أنّ خروج مثل حصول النجاسة بملاقاة النجس، و حصول الجنابة غير مشمولة لحديث الرفع، و إنّما هي كما أفاد بعضهم خارجة تخصصاً عن مفاد حديث الرفع، لأنّ الاضطرار في نظر العرف صفة للفعل المضطر إليه، فإن كان هناك حكم مترتب على نفس الفعل، كالكفارة المترتبة على الإفطار، ارتفع الحكم بالاضطرار و الإكراه، و أمّا إذا كان الحكم مترتباً على عنوان الملاقاة مثلًا كما في مثال ملاقاة النجس، أو أي عنوان آخر غير الفعل، فهو لا يرتفع بحديث الرفع، لأنّ ما يتصف بالاضطرار و هو الفعل ليس هو موضوعاً للحكم، و ما هو موضوع للحكم ليس متصفاً بالاضطرار إليه كما قيل.

و هذا الكلام لا بأس به بالنسبة إلى مثال الملاقاة، إلّا أنّه لا يأتي في مثل النسيان، فإذا كان مثل الاضطرار يتعلق بفعل المكلف، فإنّ النسيان يتعلق بالفعل و بغير الفعل، فلو فرض أنّه نسي الملاقاة للنجاسة، إذاً، فقد أصبح موضوع الحكم منسياً، و مع ذلك لا يحكم بعدم النجاسة، و لا يمكن أن يتمسك هنا بوحدة السياق، إذ قلنا فيما سبق: إنّ وحدة السياق لا ترتبط بباب التطبيق، و هذا بابه باب التطبيق، فالاضطرار لا ينطبق إلّا على الفعل، بينما النسيان ينطبق‏

156

على غيره، نظير أنّ (ما لا يعلمون) كان ينطبق على الحكم الذي هو فعل المولى، و غيره لم يكن كذلك.

و الذي ينبغي أن يقال في المقام هو: إنّ المعذريّة المجعولة في حديث الرفع لهذه العناوين الموجودة في الحديث، ليست عذرية تأسيسية، على خلاف المرتكزات العرفية، و إنّما هي عذرية عقلائية و عليها العمل عند العقلاء، فإنّهم يعتذرون فيما بينهم بأنّ هذا الفعل وقع خطأ أو عن نسيان و ما شابه ذلك.

و من الواضح: أنّ هذه العذرية إنّما هي فيما إذا دلّ دليل على أنّ للاختيار دخلًا في ترتب الحكم على هذا العنوان، حينئذٍ، هذه العناوين الثانوية تكون عذراً، باعتبار أنّها مزيلة للاختيار حقيقة تقريباً، أو مزيلة له تنزيلًا، فقد تكون هذه العناوين مضعّفة للاختيار كما في موارد الإكراه، و قد تكون مزيلة له عناية كما في موارد الخطأ و النسيان، إذ لو تحفّظ لما وقع في ذلك.

و الدليل قام على أنّ للاختيار دخلًا في ترتب الحكم في موردين:

المورد الأول: هو أن يكون هذا الفعل متعلقاً لحكم إلزامي، كما في (شرب النجس حرام) فمن الواضح أنّ الدليل يدلّ على أنّ للاختيار دخلًا في الحرمة، لأنّه من الواضح أنّ تكليف غير القادر مفروغ عن بطلانه عقلائياً، و بديهي البطلان عرفاً، وعليه: ففي مثل هذا المورد لو صدق أحد العناوين الثانوية يكون الحكم مرفوعاً بحديث الرفع، لأنّ الدليل استظهر منه دخل الاختيار، إذاً، فالمعذريّة المجعولة فيه إنّما هي عند ما يكون للاختيار دخل، لأنّ منزل على المعذرية المركوزة عرفاً.

157

المورد الثاني: هو ما إذا وقع الشي‏ء موضوعاً لحكم، و يفهم من الدليل بمناسبات الحكم و الموضوع أنّ هذا الحكم يرتب مجازاة و معاقبة بالنسبة إلى هذا الموضوع من قبيل: (من أفطر في شهر رمضان فعليه كفارة)، فهنا الإفطار وقع موضوعاً للحكم لا متعلقاً له، و هذا الحكم يفهم بمناسبات الحكم و الموضوع أنّه سنخ عقوبة و تأديب، و ليس من قبيل: (من كان له خمس من الإبل فعليه شاة)، إذ لا يفهم من هذا الدليل أنّه عقوبة و تأديب له على غناه، و إنّما هو بيان الحقوق الفقراء في مال الأغنياء.

وعليه: ففي كل مورد يفهم بمناسبات الحكم و الموضوع أنّ الحكم كان سنخ عقوبة للموضوع، حينئذٍ يكون للدليل ظهور في دخل الاختيار، إذ يقبح التعذير و العقاب على ما ليس بالاختيار، و معه: فلو اضطر في شهر رمضان مكرهاً للإفطار و نحوه، فلا يشمله دليل وجوب الكفارة.

و مثل ذلك أيضاً في العناوين التي يكون القصد و الاختيار دائماً مستبطناً فيها من قبيل المعاملات.

فمثلًا: من باع داره، حلّ للمشتري الدار، و حلّ للبائع الثمن، (فحلّ)، موضوع، و الحكم هو النقل و الانتقال، و من الواضح أنّ هذه الحليّة لكل من المتعاقدين ليس تأديباً و تعذيراً، و لكنّه من الواضح أنّ القصد و الاختيار مستبطن في مفهوم البيع، إذاً، فهنا أيضاً لا بأس بأن يشمله حديث الرفع فيما إذا وقع البيع عن إكراه أو نحوه من العناوين الثانوية.

وعليه: فهذه الأمثل و النقوض كلها تكون خارجة عن حديث الرفع، باعتبار هذه النكتة.

158

فمثلًا: في أخذ الملاقاة للنجس موضوعاً للنجاسة، أو في أخذ مسّ الميت موضوعاً لوجوب الغسل، أو أخذ البول موضوعاً لوجوب الوضوء، أو في أخذ مباشرة النساء موضوعاً لوجوب غسل الجنابة، فهذه الأمور كلّها لم يدل دليل أنّ للاختيار دخلًا فيها بوجه من الوجوه، فإنّ هذه الأمور موضوعات للأحكام الإلزامية، و ليست متعلقات لها، و أيضاً ليس هذه الأحكام من باب العقوبة على موضوعاتها، و أيضاً لم يكن القصد و الاختيار دخيلًا في مفاهيمها حتى يقال:

(إذا بلت عن قصد و اختيار فتوضأ).

و الحاصل: هو أنّ موضوعات الأحكام الإلزامية و إن ذهب بعضهم إلى خروجها تخصيصاً عن حديث الرفع ( (1))، و كان لكلام من قال بخروجها تخصصاً وجاهة ( (2))، لأنّ الاضطرار في نظر العرف صفة للفعل المضطر إليه، فإن كان هناك حكم مترتب على نفس الفعل، كما في الكفارة المترتبة على الإفطار، ارتفع بالاضطرار و الإكراه، و أمّا إذا كان الحكم مترتباً على عنوان الملاقاة، كما في النجاسة أو أي عنوان آخر غير الفعل، فهو لا يرتفع بحديث الرفع، لأنّ ما يتصف بالاضطرار و هو الفعل ليس موضوعاً للحكم، و ما هو موضوع للحكم ليس متصفاً بالاضطرار إليه.

و هذا الكلام كما قلنا و إن كان لا يخلو من وجاهة، إلّا أنّه لا يأتي في النسيان، فإنّ الاضطرار و إن كان يتعلق بالفعل المضطر إليه في نظر العرف، لكن النسيان قد يتعلق بالفعل و بغير الفعل، كما في من نسي ملاقاة ثوبه للنجاسة، ثم نسي هذه الملاقاة التي هي‏

____________

(1) فوائد الأصول: النائيني، ج 3، ص 131 130

(2) أجود التقريرات: الخوئي، ج 2، ص 176.

159

موضوع الحكم، إذاً فقد أصبح موضوع الحكم منسياً، و رغم نسيان هذه الملاقاة لا يحكم هنا بعدم النجاسة.

و لا يمكن هنا، التمسك بوحدة السياق، إذ قد عرفت أنّ وحدة السياق لا ترتبط بباب التطبيق، و المفروض أنّ هذا، بابه باب التطبيق، إذاً، فالاضطرار لا ينطبق إلّا على الفعل، بينما النسيان ينطبق على غيره أيضاً.

إذاً، رغم هذه الوجاهة فيما قيل: إلّا أنّ الصحيح، هو أنّ خروج مثل ذلك يكون خروجاً تخصصياً، و ذلك لأنّ مقتضى مناسبات الحكم و الموضوع و الارتكاز العرفي، هو أنّ الاضطرار و النسيان و نحوهما من العناوين إنّما تصلح لرفع الأثر الذي يترتب على ما يسند إلى الشخص، حيث إنّ هذا العناوين تجعل إسناد الشي‏ء إلى الشخص و انتسابه إليه ضعيفاً في نظر العرف، و من الواضح أنّ النجاسة لا تترتب على الملاقاة باعتبار الإسناد إلى الشخص، بل تترتب على ذات الملاقاة لا غير، و لو من دون توسط فعل الشخص، كما في وقوع الثوب على النجاسة بواسطة الهواء، و ما يكون من هذا القبيل لا يرفع بحديث الرفع، و لذلك نحكم هنا بنجاسة الثوب رغم هذا.

الجهة السابعة: في تطبيق حديث الرفع على أقسام الحكم، أعني: التكليفي الاستقلالي، و التكليفي الضمني، و على الحكم الوضعي، على ضوء النكات السابقة.

أمّا الأحكام التكليفية الاستقلالية، فإنّ هذا الحكم التكليفي المستقل، تارة يكون متعلقاً بنحو مطلق الوجود، و أخرى بنحو صرف الوجود، كما في قوله‏

: (أكرم كل فقير)،

و قوله:

(أكرم فقيراً).

ففي الحالة الأولى، إذا فرض أنّ هذا الشخص أكره على ترك‏

160

إكرام واحد من الفقراء، فلا إشكال في أنّه يشمله حديث الرفع، و ذلك لتمامية الشروط، و أمّا إذا فرض أنّه أكره على إكرامه، فحينئذٍ لا يشمله حديث الرفع، يعني: لا يكون مقتضياً لنفي هذا الفعل، لأنّ نفيه لا ينفع المكلّف بوجه من الوجوه، لأنّه أكرمه.

و أمّا في الحالة الثانية، فإن أكره على ترك صرف الوجود، فلا إشكال في أنّه يشمله حديث الرفع، و أمّا إذا أكره على ترك بعض الأفراد المطلوب إكرامها على نحو صرف الوجود، فلا يكون مشمولًا لحديث الرفع، و ذلك باعتبار أنّه إنّما يجري فيما إذا كان متعلق الإكراه موضوعاً لحكم، أو متعلقاً لحكم شرعي، ليكون قابلًا لرفع وجوده التشريعي بناء على ما ذكرناه سابقاً من أنّ مفاد الرفع هو رفع الوجود التشريعي، و من الواضح أنّ هذا الفقير بالذات لم يكن متعلقاً لحكم، و إنّما متعلق الحكم إنّما هو صرف الوجود، وعليه: فما هو متعلّق الحكم لم يطرأ عليه إكراه، و ما طرأ عليه الإكراه لم يكن متعلقاً للحكم.

نعم، لو تخيّل أنّ حديث الرفع مفاده الوجه الثالث، أي الرفع التنزيلي للوجود الخارجي منزلة العدم، أي تنزيل المكره عليه منزلة نقيضه من دون فرق بين أن يكون تركاً أو فعلًا، حينئذٍ: قد يتخيّل أنّه بإكراهه على ترك إكرام زيد، أنّ الشارع نزّل هذا الترك منزلة الفعل، فكأنّه أكرم زيداً، و بهذا يكون قد حصل الامتثال، و لا حاجة بعد ذلك لإكرام فرد آخر.

و لكن من الواضح أنّ هذا التخيل لا مجال لتوهمه بناء على المختار الذي هو الوجه الثاني في تفسير الرفع كما عرفت.

161

و الحاصل: هو أنّك عرفت سابقاً أنّه إنّما يمكن التمسك بحديث الرفع فيما إذا توفرت أمور ثلاثة.

أوّلها: كون الشي‏ء معروضاً للحكم في عالم التشريع بأن يكون موضوعاً للحكم أو متعلقاً له.

ثانيها: كون الرفع يشكل توسعة على المكلّف من دون أن يستلزم تحميلًا على غيره.

ثالثها: كون الحكم مترتباً على الشي‏ء بما هو منتسب إلى المكلّف.

و حينئذٍ يقال: إنّه إذا فرض أنّ الحكم الاستقلالي كان على نحو مطلق الوجود، فلا إشكال حينئذٍ في شمول حديث الرفع له إذا انطبق أحد العناوين التسعة الواردة فيه على ترك فرد من الأفراد التي انحل إليها التكليف، هذا فيما إذا كان الإكراه أو الاضطرار إلى المخالفة، و أمّا إذا أكره على فعل التكليف المطلوب، كما لو أكره على إكرام عالم في مقام امتثال (أكرم العلماء)، فحينئذٍ لا يشمله حديث الرفع لنفي وجوب إكرامه حتى بناء على الوجه الثالث، و ذلك لعدم الامتنان في رفع وجوبه.

و أمّا إذا كان التكليف بنحو صرف الوجود، فإن أكره أو اضطر إلى ترك صرف الوجود الواجب، فلا إشكال في شمول حديث الرفع له.

و أمّا إذا أكره على ترك فرد من أفراد الطبيعة الواجب صرف وجودها، فلا يشمله حديث الرفع، لأنّ ما هو متعلق الحكم في عالم التشريع لا إكراه و لا اضطرار إلى تركه.

162

نعم، بناء على الوجه الثالث من تنزيل الترك أو الفعل الخارجي عند ما ينطبق عليه أحد عناوين حديث الرفع منزلة نقيضه، قد يتخيل بأنّ هذا تنزيل للترك منزلة الفعل، فيكون كأنّه تعبد بالفعل، و هو امتثال تعبدي فلا يجب على المكلّف الإتيان بصرف الوجود ضمن فرد آخر.

و لكن عرفت فيما تقدم بطلان هذا الوجه.

و أمّا الأحكام التكليفية الضمنية: فمثلًا: لو فرض أنّه اضطر إلى ترك جزء أو شرط، أو إيجاد مانع، فتارة يفرض أنّ هذه الحالة تتفق له بالنسبة إلى فرد من أفراد الصلاة الواجبة بنحو صرف الوجود، بحيث يتمكن من حفظ الأجزاء و الشرائط، و انعدام الموانع في فرد آخر.

و أخرى، أنّ هذه الحالة تتفق له بالنسبة إلى تمام الوقت.

فعلى الأولى: لا يجري حديث الرفع، لوضوح أنّ هذا الذي صار مصباً للعنوان المرفوع، ليس بنفسه موضوعاً للحكم، أو متعلقاً له، بل هو مصداق من مصاديق متعلق الحكم، فلا يكون له وجود تشريعي في عالم التشريع لكي يرفع بحديث الرفع، إذاً، فالخطاب الضمني باق على حاله، و ينبغي أن ينتظر المكلف الفرصة التي يتمكن فيها من الإتيان بالصلاة الاختيارية التامة.

و أمّا إذا كانت هذه الحالة مستوعبة لتمام الوقت، ففي مثل ذلك يكون متعلق التكليف الضمني و هو الجامع مصداقاً للعنوان، و صحيح بالمداقة أن ما هو مضطر إليه هو ترك الجزء، و ما هو متعلق الحكم فعل الجزء، فإنّ الوجوب عبارة عن طلب الفعل، و ليس تحريماً للترك، و لكنّه في نظر العرف، طلب الفعل تعبير آخر عن طلب‏

163

الترك، فكما يرى بأنّ فعل الواجب يكون مرفوعاً، يرى أنّ ترك الواجب يكون مرفوعاً، و ترك الواجب موضوع للحرمة بناء على ما قيل: من أنّ الأمر بالشي‏ء يقتضي النهي عن ضده العام، بحيث يصح إسناد الرفع إلى ترك الواجب، و بهذا اللحاظ لا إشكال في أنّ الوجوب الضمني يرتفع في هذه الحالة، و لكنّه هل يحكم بصحة الصلاة بحيث لا يجب قضاؤها أو لا؟ لأنّ صحة هذه الصلاة فرع تعلّق الأمر بالناقص، و حديث الرفع لا يتكفل إثبات الأمر بالباقي، بل حديث الرفع يرفع الوجوب الضمني برفع أصل الوجوب الاستقلالي، لأنّ الوجوب الضمني لا يرتفع مستقلًا، و إنّما يرتفع ضمنياً في ضمن رفع وجوب الكل.

و لا يمكن أن يقاس حديث الرفع على التخصيص الوارد على الجزئية أو الشرطية، فمثلًا قوله:

(المستعجل لا يجب عليه السورة)

، فإنّ هذا الدليل ناظر إلى دليل الجزئية، أي جزئية السورة، و مخصص له، و بعد تخصيصه يتمسك حينئذٍ بإطلاق قوله تعالى‏

: (

أَقِيمُوا الصَّلاةَ*

لإثبات تعلّق الأمر بالباقي، و لكن حديث الرفع ليس ناظراً إلى دليل الجزئية، و إنّما هو ناظر إلى الوجوب المتعلق بالشروط، و رفعه كما يناسب تعلّق الوجوب بالباقي يناسب سقوط الوجوب رأساً، إذاً، فلا معيّن للزوم الباقي.

نعم، هناك وجهان للوصول إلى هذه النتيجة، أي إيجاب الباقي.

الوجه الأول: مبني على ما أشرنا إليه في تفسير (الرفع) في الوجه الثالث، من تنزيل الأمر الخارجي الواقعي بالاضطرار منزلة نقيضه، إذ قد يقال: إنّ هذا الشخص ترك السورة اضطراراً، و هذا

164

الترك منزل منزلة نقيضه، فكأنّه أتى بالسورة، إذاً، لا نحتاج إلى الأمر بالناقص، لأنّه حينئذٍ تكون الصلاة تامة و يحصل بها الامتثال.

و قد أشرنا فيما سبق إلى أنّ هذا من الثمرات المترتبة على الوجه الثالث في قبال الوجه الثاني، إذ على الوجه الثاني لا يمكن تصحيح الصلاة، إذ غاية ما يستفاد من حديث الرفع، هو رفع وجوب الكل، أمّا أنّ الناقص تعلّق به أمر أو لا؟ فحديث الرفع ساكت عن ذلك.

إلّا أنّ هذا الوجه باطل لبطلان الوجه الثالث كما عرفت سابقاً.

الوجه الثاني: هو أن نثبت بحديث الرفع نتيجة صحة الصلاة، لا الصحة بعنوانها، لأنّنا نريد بصحة الصلاة إسقاط القضاء، و بهذا ننفي وجوب القضاء الذي هو نتيجة الصحة، و ذلك بأن يقال:

إنّ وجوب القضاء حكم شرعي على ترك الإتيان بالمأمور به في وقته، و هذا الترك وقع عن اضطرار، فيكون وجوده التشريعي كموضوع، مرفوعاً، فإذا رفعت موضوعيته لوجوب القضاء فمعناه: أنّ رفع وجوب القضاء باعتبار أنّ حكم على ترك الإتيان بالمأمور به في وقته، و هذا الترك باعتبار أنّه مضطر إليه يكون مرفوعاً في عالم التشريع، إذاً، فلا وجوب للقضاء.

و لنا تعليقان على هذا الوجه:

التعليق الأول: هو أن يقال: إنّ وجوب القضاء موضوعه مردّد بين ثلاثة احتمالات:

الاحتمال الأول: هو أن يكون موضوع وجوب القضاء، هو ترك الإتيان.

165

الاحتمال الثاني: هو أن يكون موضوع وجوب القضاء هو، عدم الإتيان بالمأمور به.

و الفرق بين هذين الاحتمالين هو، أنّ الترك لوحظ بما هو صفة للفاعل و أمر ناشئ من الفاعل، و أمّا عدم الإتيان لم يلحظ بما هو فعل للفاعل و لهذا، قد يكون عدم الإتيان لعدم وجود الشخص، بينما الترك لا يمكن أن يكون لعدم الشخص.

الاحتمال الثالث: هو أن يكون موضوع وجوب القضاء هو الفوت، و هو النتيجة الحاصلة من الترك، أو من عدم الإتيان.

فإن فرض أنّ موضوع وجوب القضاء هو الفوت، فحديث الرفع حينئذٍ لا يجري، و ذلك لأنّ الفوت ليس فعلًا من أفعال المكلّف، بل شأنه شأن (الملاقاة للنجس) كما تقدّم، و ظاهر الحديث أنّه ناظر إلى أفعال المكلّفين.

و أمّا إذا كان موضوع وجوب القضاء هو الترك، فحديث الرفع يجري، لأنّ الترك فعل من أفعال المكلّف.

و أمّا إذا كان موضوع وجوب القضاء هو عدم الإتيان ففيه وجهان:

الوجه الأول: هو أنّه يمكن أن يقال: إنّ حديث الرفع لا يجري، لأنّ عدم الإتيان ليس من أفعال المكلّفين، لأنّ عدم الفعل هو (لا فعل)، فلو استظهرنا من حديث الرفع الاختصاص بالأفعال، إذاً، لا ينطبق حديث الرفع على عدم الإتيان.

الوجه الثاني: هو أن نستظهر من الحديث، أنّ الأفعال و نقائضها تكون مورداً لانطباق حديث الرفع، إذاً، فهذا المقدار يفي بالمطلب.

166

التعليق الثاني: هو أنّنا نريد أن نبرهن على أنّ حديث الرفع لا يجري لنفي وجوب القضاء بأيّ نحو كان موضوعه من الأنحاء الثلاثة، و ذلك لما نبهنا إليه، من أنّ حديث الرفع إنّما يجري فيما إذا قام دليل على أنّ للاختيار دخلًا، أو يكون قد استبطن معناه الاختيار و القصد كما هو الحال في (البيع) كما تقدّم، أو يكون استفادة ذلك بمناسبات الحكم و الموضوع، من أنّ استتباع هذا الموضوع لهذا الحكم من باب العقوبة و المجازاة، فإذا دلّ الدليل على دخل الاختيار جرى حينئذٍ حديث الرفع.

و دليل وجوب القضاء لا ينطبق عليه واحدة من النكات الثلاثة التي تكون مسوّغة لجريان حديث الرفع، لأنّه لو كان موضوعه الترك، فإنّ هذا موضوع و ليس متعلقاً للحكم، و لو كان موضوعه الإتيان، فإنّه لا يستبطن عنوان الاختيار، لأنّه قد يكون عن سهو، و لو كان موضوعه (الفوت)، فإنّه لم يستظهر من دليل وجوب القضاء أنّه عقوبة و مجاز، بل إنّما هو لاستيفاء الملاك، فحينئذٍ لا يكون حديث الرفع شاملًا، و معه: لا يمكن رفع وجوب القضاء به، وعليه: فتصحيح الباقي بحديث الرفع غير ممكن، هذا كله على القاعدة، و أمّا أنّه في بعض الموارد قام الدليل على الخاص على تصحيحها فنلتزم به، فهذا أمر آخر.

و الحاصل: هو أنّه في التكليف الضمني، لو اضطر إلى تركه، أو أكره عليه في جزء من الوقت، فلا إشكال في عدم انطباق الحديث عليه، لأنّ ما صار مصباً للعنوان ليس بنفسه متعلقاً للحكم، بل مصداق له، و أمّا إذا كان مستوعباً في تمام الوقت فيشمله الحديث.

و دعوى أنّ الواجب هو الفعل، و الاضطرار وقع على الترك و هو

167

لم يكن متعلقاً للحكم لكي يكون له وجود تشريعي فيرفع حينئذٍ، فقد أجبنا فيما سبق و قلنا: إنّه بحسب نظر العرف له وجود تشريعي، لأنّ طلب الفعل نهي عن الترك و لو عرفاً، مضافاً إلى ما قيل في الضد العام.

ثمّ إنّه هل يحكم بصحة العمل، بحيث لا يجب عليه القضاء بمقتضى حديث الرفع؟

الصحيح: أنّه لا يمكن استفادة الصحة في المقام، لأنّ مفاد حديث الرفع هو نفي الوجوب النفسي بنفي الوجوب الاستقلالي عن المركب، فهو لا يثبت الأمر بالباقي لتثبت صحته، و بهذا يختلف حديث الرفع عن الأدلة المخصصة للجزئية أو الشرطية، فإنّها ناظرة إلى الجزئية و الشرطية، فتقيدها و بذلك يرجع إلى عموم الأمر بأصل المركب.

قد يقال هنا: بإمكان تطبيق الحديث على الجزئية أو الشرطية، لأنّها شرعية أيضاً، لأنّها بالتبع قد أوجدها الشرع و لو بإيجاد منشأ انتزاعها، و حينئذٍ تكون قابلة للرفع.

و يجاب عنه: بأنّ الثقل ليس في وضع الجزئية أو الشرطية، بل في وضع التكليف بالجزء أو الشرط، بل ثبوت الجزئية المستلزم لسقوط الأمر هو الموافق مع المنّة على العبد لا العكس.

نعم، هناك وجهان يمكن على أساسها تخريج الصحة:

الوجه الأول: هو أن نجري وفق الوجه الثالث المتقدم في تفسير الرفع، من أنّه رفع للوجود الخارجي تنزيلًا، و تنزيله منزلة نقيضه،

168

فيكون تعبداً بإتيان الجزء و المركب كاملًا، و لكن عرفت سابقاً بطلان هذا الوجه.

الوجه الثاني: هو أنّ وجوب القضاء حكم تحميلي مترتب على ترك الواجب في الوقت، و قد وقع هذا الترك عن اضطرار أو إكراه، إذاً، فيرتفع أثره التحميلي لا محالة حتى بناء على الوجه الثاني أو الأول.

و نجيب عنه أولًا: بأنّه إنّما يتم هذا، لو كان الموضوع لوجوب القضاء هو الترك لا الفوت الذي هو مسبب عن الترك، و نتيجته: بناء على استظهار اختصاص الحديث بما يكون فعلًا مباشراً للتكليف، لا مترتباً عليه.

و كذلك لو كان موضوع وجوب القضاء، هو عدم الإتيان المحمولي، لو قيل: باختصاص الحديث بما يكون موضوعاً للحكم بما هو مستند إلى المكلّف لا الأعم منه، و من العدم المحمولي الصادق مع السالبة بانتفاء الموضوع الذي هو المكلّف، كما في عدم الإتيان.

و ثانياً: هو أنّ ترتب وجوب القضاء لا نكتة في دليله يقتضي الدلالة على أنّ الاختيار دخيل فيه، إذ ليس هو عقوبة و مجازاة، بل استيفاء لما بقي من الملاك، كما أنّه ليس متعلقاً للتكليف، بل موضوعاً، و ليس مستبطناً بذاته للقصد و الاختيار (كالبيع).

و أمّا الأحكام الوضعية، كما في الإكراه على البيع، أو الاضطرار إليه، فإنّ الإكراه و الاضطرار، تارة يقع على طرف الفعل، و أخرى يقع على طرف الترك.

169

فإن فرض الأول، أي وقوع الإكراه و الاضطرار في طرف الفعل، فقد تمّ منّا الكلام في ذلك و قلنا: إنّه في صورة الإكراه، يجري حديث الرفع، لأنّه يكون فيه امتنان على المكره الذي هو فعل من أفعال المكلّف، فيقيد بالقصد و الاختيار، و أمّا في صورة الاضطرار فلا يجري، لأنّه لا يكون فيه امتنان على المضطر، كما مرّ توضيحه سابقاً.

و إن فرض الثاني، أي وقوع الإكراه و الاضطرار على طرف الترك كما لو أكره على ترك طلاق زوجته، فلا إشكال في أنّه لا يجري حديث الرفع، لكن قد يتخيّل إجراؤه بأحد تقريبين.

التقريب الأول: و هو مبني على الوجه الثالث، بأن يقال: إنّ هذا ينزل الترك منزلة الفعل بالنسبة إليه، فكأنّه طلّق زوجته.

و جوابه: أنّك قد عرفت سابقاً ضعف هذا المبنى.

التقريب الثاني: هو أن يقال: إنّ زوجيّة هذه المرأة مترتبة شرعاً على عدم الطلاق و هذا العدم وقع إكراهاً، لأنّه أكره على عدم الطلاق، إذاً، فيشمله حديث الرفع، بمعنى: رفع موضوعية عدم الطلاق لبقاء الزوجية، و بهذا تنفى الزوجية.

و قد يتخلص عنه بأحد بيانين:

البيان الأول: هو أنّه قد ذكرنا سابقاً، أنّ موضوع بقاء الزوجية ليس هو ترك الطلاق، بل هو عدم الطلاق، يعني العدم المحمولي و ما هو فعل المكلّف، فما هو فعل المكلّف إنّما هو الترك لا العدم، و ما هو موضوعه، إنّما هو العدم لا الترك.

البيان الثاني: هو أن يقال: إنّ حديث الرفع إنّما يرفع موضوعية

170

الموضوع للحكم فيما إذا استظهر من الدليل أنّ ترتب الحكم عليه كان باعتبار دخل الاختيار، و إلّا فلا يشمله قوله:

(من لم يطلق زوجته فزوجية زوجته له باقية)،

فلا يوجد هناك نكتة تقتضي دخل الاختيار، لأنّه ليس هناك حكم تكليفي، و لا تستبطن القصد و الاختيار، لأنّه (ترك و لا أنّه قضية مجازاة و عقوبة)، إذاً، فلا يشمله حديث الرفع.

و الإنصاف أنّ كثيراً من التشويشات التي تحصل في تطبيق حديث الرفع، إنّما تحصل باعتبار الغفلة عن نكتة أنّ حديث الرفع موقوف تطبيقه على أن يكون هناك دخل للاختيار مع ترتب الحكم على موضوعه.

و المستخلص: هو أنّه يشترط في تطبيق حديث الرفع شرائط أربعة.

الشرط الأول: هو أن يكون هذا الشي‏ء المعنون بأحد العناوين المرفوعة، أن يكون موضوعاً، أو متعلقاً للحكم، ليكون له وجود تشريعي في عالم التشريع قابل للرفع.

الشرط الثاني: هو أن يكون في رفعه امتنان على المكلّف.

الشرط الثالث: هو أن يكون فعلًا من أفعال المكلّف.

الشرط الرابع: هو أن يكون في دليله ما يقتضي دخل الاختيار في ترتب الحكم على موضوعه، فمتى اجتمعت هذه الشرائط جميعاً انطبق حديث الرفع، و إلّا لو أخلّ واحد منها لم ينطبق حديث الرفع.

و الحاصل: هو أنّه في الأحكام الوضعية، كما في الإكراه على البيع، أو الاضطرار إليه، لا يوجد كلام زائد على ما ذكرناه سابقاً.

إلّا أنّه إذا كان الإكراه على ترك فعل كان يقصد فعله، كما لو

171

أكره على ترك طلاق زوجته، فقد يتخيّل إجراء حديث الرفع لإثبات وقوع النتيجة المطلوبة و ذلك بأحد تقريبين:

الأول: هو، في البناء على الوجه الثالث الذي كانت ينتج التعبد بوقوع الفعل و ترتب أثره، كما عرفت سابقاً، و قد عرفت بطلانه.

الثاني: هو أن يقال: إنّ بقاء الزوجية أثر شرعي مترتب على ترك الطلاق بقاء، و قد أكره على ذلك، فيرتفع وجوده التشريعي برفع حكمه الذي هو الزوجية.

و جوابه: هو أنّك عرفت مما تقدم، عدم شمول حديث الرفع لما إذا كان الأثر مترتباً على العدم المحمولي، إذ إنّ عدم الطلاق بهذا النحو موضوع لبقاء الزوجية، و قد عرفت أيضاً عدم شمول الحديث لما إذا لم يكن للاختيار و القصد دخل في ترتبه.

و قد قلنا: إنّ جملة التشويشات في تطبيق الحديث فقهياً ترتفع بالالتفات إلى تطبيق شرائط أربعة.

أولها: هو أن يكون في رفعه امتنان على الأمة، و ثانيها: هو أن يكون موضوعاً أو متعلقاً لحكم شرعي، كي يكون له وجود تشريعي، ثالثها: هو أن يكون فعلًا من أفعال المكلّف أو تروكه، لا مجرد وجود شي‏ء أو عدمه المحمولي، رابعها: هو أن يكون الاختيار و القصد دخيلًا في ترتبه.

المقام الرابع: هو في صحة سند حديث الرفع.

و لا إشكال في الجملة في صحته، لكن الإشكال في صحة حديث الرفع المتضمن لفقرة الاستدلال به (ما لا يعلمون)، لأنّ الرفع إذا كان مختصاً بغير هذه الفقرة، فلا أثر له في مقام الاستدلال على البراءة.

172

و من هنا ينشأ الإشكال في صحة فقرة الاستدلال، من حيث السند، باعتبار أنّ حديث الرفع المجرد عن هذه الفقرة و إن كان له بعض الأسانيد الصحيحة، إلّا أنّ السند المشتمل على فقرة (ما لا يعلمون) ليس بصحيح سنداً على الرغم من أنّه عبّر عنه بأنّه صحيح السند.

و قد أورد صاحب الوسائل (قده) في كتاب الجهاد عن الصدوق في الخصال، و عنه في التوحيد، عن أحمد بن محمد بن يحيى، عن سعد بن عبد الله، عن يعقوب بن زيد، عن حمّاد بن عيسى، عن حريز بن عبد الله، عن أبي عبد الله (عليه السّلام)، أنّه قال: قال رسول الله (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)

): (رفع عن أمّتي تسعة أشياء: الخطأ، و النسيان، و ما أكرهوا عليه، و ما لا يعلمون، و ما لا يطيقون، و ما اضطروا إليه، و الحسد، و الطيرة، و التفكر في الوسوسة في الخلق ما لم ينطقوا بشفة) (

(1)

). و الظاهر أنّ هذه الرواية بهذا السند هي منشأ الصيغة المتداولة على الألسن، أي صيغة: (رفع عن أمّتي تسعة أشياء).

إلّا أنّ هذه الرواية غير تامة سنداً، لأنّ أحمد بن محمد بن يحيى العطار الذي ينقل عنه الصدوق (قده) هذه الرواية لم تثبت وثاقته و إن كان من مشايخ الصدوق الذين يروي عنهم.

نعم، لو قيل: بأنّ مجرد هذه المشيخة تكفي في إثبات وثاقته، لكان أحمد بن محمد بن يحيى العطار حينئذٍ ثقة، لأنّه من مشايخ الصدوق الذي روى عنه هذا الحديث.

إلّا أنّ الأمر ليس كذلك، لأنّ قاعدة كفاية كونه شيخاً للصدوق أو للمحمدين الثلاثة، في الوثاقة لم تثبت، و معه تكون هذه الرواية

____________

(1) وسائل الشيعة: الحر العاملي، ج 11، من جهاد النفس، ح 1، ص 295.

173

ضعيفة سنداً، إذاً، فلا بدّ من التفتيش عن طريق آخر لإثبات الحديث المتضمن لفقرة (ما لا يعلمون).

و قد نقل الصدوق قده نفس الحديث في كتابه (من لا يحضره الفقيه) ( (1))، في باب الوضوء قال: قال أبو عبد الله (عليه السّلام): قال رسول الله (صلّى اللّه عليه و آله و سلم):

(رفع عن أمتي ... إلخ)،

و ذكر نفس الصيغة الواردة في (التوحيد و الخصال) لكن مع حذف السند.

و لعلّ مراده نفس السند الذي صرّح به في الخصال و التوحيد.

و على أيّ حال، فمثل هذا السند المرسل لا يمكن الاعتماد عليه، و لا يكفي في صحته و حجيته مجرّد قوله: قال الصادق (عليه السّلام)، لأنّه لا فرق في عدم حجية المرسل بين إرساله بعنوان (روي)، و إرساله بعنوان (قال الإمام) (عليه السّلام)، لأنّ الواسطة المحذوفة لا يعرف حالها.

و روى في الوسائل في أبواب الأيمان ( (2))، و أنّ اليمين لا تنعقد في غصب و لا جبر و لا إكراه، رواية تنتهي إلى أحمد بن محمد بن عيسى في نوادره عن اسماعيل الجعفي عن أبي عبد الله (عليه السّلام) قال: سمعته يقول:

(وضع عن هذه الأمة ست خصال: الخطأ، و النسيان، و ما استكرهوا عليه، و ما لا يعلمون، و ما لا يطيقون، و ما اضطروا إليه).

و روى أيضاً في الوسائل ( (3)) من نفس الباب، رواية تنتهي إلى‏

____________

(1) من لا يحضره الفقيه: ج 1، ص 36، ح 32

(2) الوسائل، ج 16، ب 16 من أبواب الأيمان، ص 144، ح 3

(3) الوسائل، ج 16، ب 16 من أبواب الأيمان، ص 144، ح 4.

174

أحمد بن محمد بن عيسى عن ربعي، عن أبي عبد الله (عليه السّلام) أنّه قال: قال رسول الله (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): عفي عن أمّتي ثلاث، الخطأ، و النسيان، و الاستكراه، قال أبو عبد الله (عليه السّلام): و هنا رابعة، و هي: (ما لا يطيقون).

و هذه الرواية لا تنفعنا حتى لو صحّ سندها، لأنّها أجنبية عن المقام، حيث لم يذكر فيها فقرة الاستدلال على البراءة، و هي فقرة (ما لا يعلمون).

و روى في الوسائل أيضاً ( (1)) من نفس الباب بسنده عن كتاب أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحلبي، عن أبي عبد الله (عليه السّلام)، أنّه قال: قال رسول الله (صلّى اللّه عليه و آله و سلم):

(وضع عن أمّتي، الخطأ، و النسيان، و ما استكرهوا عليه).

و هذه الرواية و إن كان سندها الظاهري صحيحاً،- إذا أغمضنا النظر عمّا يرد عليها من الإشكال، في عدم إمكان نقل أحمد بن محمد بن عيسى عن الحلبي مباشرة إلّا أنّها أجنبية عن محل الكلام، لأنّه لم يذكر فيها فقرة الاستدلال على البراءة، و هي فقرة (ما لا يعلمون).

و تبقى رواية صاحب الوسائل عن اسماعيل الجعفي التي ذكرت فيها فقرة الاستدلال ما لا يعلمون فيمكن أن يقال: بأنّ هذه الرواية صحيحة السند، لأنّ طريق صاحب الوسائل إلى كتاب النوادر هو طريقه إلى الشيخ (قده)، و هو طريق صحيح، كما أنّ طريق الشيخ إلى كتاب النوادر هو أيضاً صحيح.

____________

(1) الوسائل، ج 16، ب 16 من أبواب الأيمان، ص 144، ح 5.

175

و من المعلوم أن أحمد بن محمد بن عيسى ثقة، و الجعفي هو أيضاً ثقة، و حينئذٍ، تكون هذه الرواية نافعة لإثبات المطلوب.

إلّا أن الكلام يقع في نقطتين:

النقطة الأولى: هي أنّه قد يتوهم التمسك بنظرية التعويض في المقام، لأجل تصحيح الرواية، و ذلك لأنّ أحمد بن محمد بن عيسى نقل هذه الرواية عن سعد بن عبد الله.

و الضعف الواقع في سند هذه الرواية، إنّما هو واقع من قبل أحمد بن محمد بن عيسى نقل هذه الرواية عن سعد بن عبد الله.

و الضعف الواقع في سند هذه الرواية، إنّما هو واقع من قبل أحمد بن محمد بن عيسى، و أمّا سعد بن عبد الله و ما بعده إلى الإمام (عليه السّلام) فكلهم ثقات، فحينئذٍ نعوض عمّا قبل سعد بن عبد الله بسند آخر يكون معتبراً في المقام، بحيث تصح الرواية، و يكون ذلك بضم أمرين، أحدهما إلى الآخر.

الأمر الأول: هو أنّ الشيخ الطوسي (قده) له طريق إلى جميع كتب سعد بن عبد الله صحيح و خال من أحمد بن محمد بن يحيى العطار، إذاً، فكل رواية وصلت إلى الشيخ (قده) من روايات سعد فهو يرويها بهذا الطريق.

الأمر الثاني: هو أنّ رواية الخصال التي نقلها الصدوق (قده) عن أحمد بن يحيى عن أحمد بن محمد بن عيس، عن سعد بن عبد الله، هي قطعاً وصلت إلى الشيخ (قده)، لأنّ للشيخ طريقاً صحيحاً إلى هذه الكتب، و إذا كانت قد وصلت إليه فيشملها حينئذٍ عموم قول الشيخ: (أخبر بكتبه)، و قد ذكر في فهرسته أنّه قد أخبر بروايات سعد بطريق صحيح، إذاً، هناك طريق صحيح في المقام أي في الفهرست قد أوصل الرواية إلى الشيخ.

176

و هذا الكلام غير صحيح، و ذلك لأنّه مبني على أن يكون معنى قول الشيخ (قده): (أخبرنا بكل كتبه و رواياته) أي كل ما وصل إلي من الروايات المنسوبة إليه، و حينئذٍ يقال إذاً قد وصل إلى الشيخ (قده) رواية الخصال المنسوبة إلى سعد بن عبد الله، إذاً، فيشملها العموم.

إلّا أنّ هذا ليس هو معنى العبارة، لأنّ قوله‏

: (أخبرني بكتبه و رواياته)،

فإنّه يضيف الرواية إليه، و لا يقول:

(أخبرنا بالروايات المنسوبة إليه)،

بل معناه: الرواية الصادرة عنه، و طبعاً ليس المقصود بالصادرة عنه واقعاً، بحيث يتعهد الشيخ بصدورها، إذ كيف يتعهد الشيخ بذلك؟ فإنّ مثل هذا لا يحتمل في شأن الشيخ (قده)، بل الظاهر من قوله:

(أخبرنا بكل كتبه و رواياته)،

يعني: ما هو نسبه إليه في تأليفاته و إفاداته، إذ من الواضح أنّ الشيخ في التهذيب و الاستبصار كثيراً ما ينسب الرواية إلى صاحب الكتاب كما في قوله: (يقول صفوان)، و هكذا، و بهذه المناسبة صحّ أن يقول: (رواياته)، يعني: الروايات التي نسبتها إليه، فبهذه الروايات أراد أن يبين مدرك هذه النسبة.

و بناء على هذا المعنى الذي لا أقل من أنّه القدر المتيقن من العبارة، لا يمكن تطبيق نظرية التعويض في المقام، لأنّ مجرد أنّ الصدوق (قده) نقل الرواية إلى سعد بن عبد الله، و وصول كتاب الصدوق إلى الشيخ لا يكفي لكي تكون هذه الرواية مشمولة لعموم قوله: أخبرنا بكل كتبه و رواياته.

و نظرية التعويض إنّما تفيد في مورد، و هو فيما افترض أنّ الشيخ (قده) مثلًا: في كتابه التهذيب يبدأ بسعد بن عبد الله، ثمّ في مشيخته‏

177

يذكر طريقاً إلى سعد ليس بصحيح، و لكن في الفهرست يذكر طريقاً صحيحاً إلى كل كتب سعد بن عبد الله، حينئذٍ نصحح السند ببعض الطرق المذكورة في الفهرست، باعتبار أنّ الشيخ أضافها إلى سعد، فتكون مشمولة للعموم المتقدم، وعليه: فرواية الخصال لا يمكن تصحيحها من حيث السند.

أمّا النقطة الثانية: ففيها إشكال من ناحية تشخيص الجعفي، فإنّ أمره مردد بين عدّة أشخاص، فالنجاشي (قده) ذكر في فهرسته عنوان اسماعيل بن جابر الجعفي، و لم يذكر اسماعيل الجعفي (و لم يشهد بوثاقته)، و ذكر أنّه روى عن أبي جعفر و عن أبي عبد الله (عليه السّلام)، و له كتاب، و ذكر سنده إلى هذا الكتاب.

و الشيخ في فهرسته، ذكر عنوان اسماعيل بن جابر من دون ذكر لقب الجعفي و قال: له كتاب أخبرنا به ابن أبي جيد عن ابن الوليد إلخ، و لم يشهد بتوثيقه.

و ذكر الشيخ في رجاله عنوان اسماعيل بن جابر الخثعمي الكوفي، و شهد بوثاقته. و يحتمل أن يكون الخثعمي هو اسماعيل بن جابر الذي ذكره الشيخ في فهرسته.

كما أنّه يحتمل أن يكون الخثعمي هو الجعفي، لأنّ خثعم حيّ من أحياء اليمن، و الجعفي اسم قبيلة.

إلّا أنّ هذا مجرد احتمال لا يكفي في المقام، مع احتمال التعدد.

إلّا أنّ هناك طريقين يمكن ذكرهما للتخلص من إشكال التعدد.

178

الطريق الأول: هو أن يقال: نصحح و نوثق كلًا من إسماعيل الجعفي، و اسماعيل بن جابر، و حينئذٍ لا يضر التعدد مع فرض أنّ الجميع ثقات، و توثيقهما يتم بناء على ما هو المختار عندنا من أنّ صفوان، و ابن أبي عمير، و ابن أبي نصر، لا يروون إلّا عن ثقة، و قد روى صفوان عن كل من إسماعيل الجعفي، و عن اسماعيل بن جابر.

فالنجاشي (قده) عند ما عنون اسماعيل الجعفي، ذكر طريقه إليه عن محمد بن أحمد بن عيسى عن صفوان عن اسماعيل الجعفي، و السند صحيح.

و الشيخ في فهرسته عند ما عنون اسماعيل بن جابر قال: له كتاب أخبرنا ابن أبي جيد عن ابن الوليد عن الصفار عن محمد بن أحمد بن عيسى بن عبيد عن صفوان عن اسماعيل بن جابر.

الطريق الثاني: هو أنّ هناك مؤيدات و مقربات لكون اسماعيل الوارد بالعناوين الثلاثة، أنّه عبارة عن شخص واحد.

من جملتها: هي أنّه لو فرض التعدد لزم محاذير بعيدة في المقام، لأنّ الشيخ الطوسي (قده) ما ذكره في رجاله إنّما هو اسماعيل بن جابر الخثعمي، و شهد بوثاقته و قال: بأنّ له أصولًا، و ذكر طريقاً إليه، و مع هذا لم يذكره بهذا العنوان في فهرسته، مع أنّ الفهرست معدّ للمؤلفين خاصة، و رجاله أعم من المؤلفين و غيرهم.

كما أنّ سكوت الشيخ (قده) عن ذكر اسماعيل الجعفي الذي ذكر النجاشي و قال: له أصول و كتب و له طريق إليه، بعيد جداً، مع كون اسماعيل الجعفي هو راوي رواية الأذان المعمول بها فقهياً.

و أيضاً: بعيد جداً أن لا يذكر النجاشي اسماعيل بن جابر

179

الخثعمي مع أنّ له كتباً، و وثقه الشيخ (قده) مع إحاطة النجاشي (قده).

هذا مضافاً إلى أنّ الملحوظ، أنّ طريق الشيخ إلى اسماعيل بن جابر و طريق النجاشي إلى اسماعيل الجعفي واحد.

نعم، يبقى هناك شي‏ء واحد، و هو أنّ اسماعيل بن جابر بهذا العنوان، روى عنه أشخاص متفاوتون من حيث الطبقة، حيث روى عنه أشخاص من أصحاب الإمام الصادق (عليه السّلام)، و آخرون من أصحاب الإمام الكاظم (عليه السّلام)، و جماعة من أصحاب الإمام الرضا (عليه السّلام)، و أيضاً جماعة من أصحاب الإمام الجواد (عليه السّلام).

نقول: إنّ كلا الطريقين لا يدفعان الإشكال، و ذلك لأمرين:

الأمر الأول: هو أنّ هذين الطريقين إنّما ينفعان لو فرض أنّ الجعفي كان يراد منه اسماعيل بن جابر الجعفي حتى يقال: يراد به الخثعمي لتثبت وثاقته، أو تثبت وثاقته برواية صفوان عنه كما قلنا.

إلّا أنّ هناك اسماعيل بن عبد الرحمن الجعفي، و هذا لم يوثق، و هو من طبقة اسماعيل بن جابر الجعفي، و قد يحذف اسم الأب من السند، و حينئذٍ لا معيّن لكونه ابن جابر.

و أمّا كون الجعفي في رواية الأذان قد حذف اسم أبيه جابر، فهذا لا يكون دليلًا على أنّه في كل مورد حذف أب اسماعيل يكون المحذوف هو جابر، و اسماعيل بن عبد الرحمن الجعفي، و إن كان قد روى عنه صفوان، إلّا أنّ الطريق إلى صفوان وقع فيه محمد بن سنان و لم يوثق.

180

إذاً يبقى اسماعيل الجعفي مردداً بين الثقة و غير الثقة، و لا معيّن لأحدهما.

الأمر الثاني: هو أنّه لو سلّمنا أنّ هذا اسماعيل بن جابر الجعفي المنسوب في كلماتهم إلى أصحاب الإمام الباقر (عليه السّلام)، فلا بدّ من أن نلتزم بوجود سقط في السند، لأنّ محمد بن أحمد بن عيسى لم ينقل عمّن نقل عن الإمام الباقر (عليه السّلام) أو الإمام الصادق (عليه السّلام) مباشرة، إلّا بواسطة أو بواسطتين، و هنا الواسطة غير معلومة.

هذا تمام الكلام في سند حديث الرفع، و به يتبيّن أنّه لم يثبت سنده.

حديث السعة:

و من الروايات التي استدل بها على البراءة الشرعية، حديث:

(الناس في سعة ما لا يعلمون) (

(1)

). و لا شك في أنّ هذه العبارة إذا كانت مدلول حديث، فهي تدلّ على البراءة.

إلّا أنّ الكلام حينئذٍ يقع في أنّه هل تدل على براءة تنفي وجوب الاحتياط، بحيث لو دلّ دليل على وجوب الاحتياط لكان معارضاً بها و حاكمة عليه، أو أنّها تدل على براءة يكون دليل وجوب الاحتياط حاكماً عليها؟

قيل: إنّ المسألة يتضح الأمر فيها إذا عرفنا أنّ (ما) الواردة في العبارة، هل المراد منها: (الموصولية)، أو (المصدرية المطعمة بالزمنية)؟.

____________

(1) الوسائل، ج 17، ب 23 من اللقطة، ص 372.

181

فإن أريد منها الموصولية، بحيث كان معناها: (إن الناس في سعة الشي‏ء الذي لا يعلمونه)، أي إنّهم من ناحية أنّهم لا يعلمون، فهم في سعة، فحينئذٍ لا تنفي وجوب الاحتياط، لأنّ هذا معلوم لديهم حتى لو كان فيه ضيق عليهم، لأنّ عدم الضيق و السعة إنّما هي في صورة (ما لا يعلمون).

و أمّا لو أريد منها المصدرية، بحيث يكون مفادها حينئذٍ: (إنّ الناس في سعة ما داموا لا يعلمون)، فحينئذٍ تنفي وجوب الاحتياط، لأنّه من الواضح أنّ وجوب الاحتياط لا يجعلهم يعلمون بالواقع.

ثمّ إنّهم قد استظهروا من (ما الموصولية)، باعتبار أنّ هذا هو الأغلب في ما، فإنّ المصدرية الزمنية تدخل على الفعل الماضي، و لا تدخل على الفعل المضارع إلّا نادراً.

و لنا تعليقان على ما ذكروه:

التعليق الأول: هو أنّه ينبغي أن يقال: إنّ (ما) مجملة في المقام إذا صحّ ورود (ما) المصدرية على الفعل المضارع، و لم يكن ورودها عليه خطأ.

و لا يكفي حينئذٍ الغلبة و الاستظهار، و ذلك لأنّ المورد من موارد احتمال قرينية المتصل الموجب للإجمال، لأنّ كلمة (سعة) يختلف النطق بها عربياً باختلاف ما يراد من (ما)، لأنّه إن كان يراد منها الموصولية، فكلمة (سعة) سوف تكون مضافة، و تنطق بلهجة المضاف، و يكون اسم الموصول (ما) مضافاً إليه، و ينطق بكلمة (سعة) من دون تنوين لأجل الإضافة.

182

و أمّا إذا كان يراد من كلمة (ما) أنّها مصدرية زمانية، حينئذٍ سوف تنطق كلمة (سعة) منونة، لأنّها تكون معتمدة على نفسها.

إذاً، فكلمة (سعة) هي التي تحدد ماهية (ما)

و بما أنّ كلا الأمرين محتمل، و لا معيّن عندنا لإحدى الكيفيتين، إذاً، تكون من الكلام الذي احتفّ بقرينة متصلة مجملة فيكون مجملًا لا محالة.

و النتيجة حينئذٍ عدم ثبوت براءة صالحة للمعارضة مع دليل الاحتياط فيما إذا وجد.

و الحاصل: هو أنّ دخول (ما) المصدرية على المضارع إذا لم يكن غلطاً، إذاً، ينبغي أن يكون الكلام مجملًا، و لا مجال للاستظهار، لأنّ تحديد ماهية أنّ (ما) موصولة أو مصدرية إنّما يحددها، كيفية النطق بكلمة (سعة)، فإن نطقت مضافة بلا تنوين، فيتعيّن حينئذٍ أن تكون (ما) موصولة، و إن نطقت منونة، تعين أن تكون ما مصدرية.

إذاً، فكيفية قراءة كلمة سعة تكون قرينة معينة لأحد الاحتمالين، و حيث لا طريق لإثبات إحدى الكيفيتين، إذاً، يصبح الحديث مجملًا من هذه الناحية.

التعليق الثاني: هو أن نقول: إنّ كونها موصولية لا يساوق عدم تمامية الاستدلال في المقام، بل هناك نكتة أخرى لا بدّ من إدخالها في الحساب، و هي أنّ كلمة (سعة) إذا أضيفت إلى حرف (ما)، فهذه الإضافة يحتمل فيها احتمالان:

183

الاحتمال الأول: هو المنشئية، يعني: أنّ (ما لا يعلمون) لا يكون منشأً للضيق، بل يكون منشأ للسعة.

الاحتمال الثاني: هو الموردية: يعني: أنّ (ما لا يعلمون) مورد للسعة.

فإن كانت الإضافة بالمعنى الأول، إذاً، ما قيل صحيح، و لا يتم الاستدلال، إذ غاية ما يستفاد هو، أنّ (ما لا يعلمون) بطبعه منشأ للسعة، و ما لا يعلم إنّما هو التكليف الواقعي، و هذا لا يتعارض مع وجوب الاحتياط المعلوم الذي ينشأ منه الضيق.

و أمّا لو كانت بالمعنى الثاني، فمقتضى إطلاق الموردية، أنّه مورد للسعة، سواء دلّ دليل على وجوب الاحتياط أو لم يدل.

إلّا أنّ الرواية مجملة، من حيث معرفة المراد بحرف (ما)، إذاً، فلا يمكن التعويل عليها في إثبات براءة تنفي وجوب الاحتياط.

هذا، مضافاً إلى أنّها ساقطة سنداً، و لم نعثر في متون الأخبار على هذا المضمون.

و الحاصل: هو أنّ افتراض كون (ما) موصولة، لا يعني أن تكون البراءة المستفادة من الحديث محكومة لدليل الاحتياط، و إنّما يلزم هذا فيما لو فرض أنّ إضافة كلمة (السعة) إلى الموصول كانت منشئية، بمعنى: أنّ الناس في سعة من ناحية الضيق الذي ينشأ مما لا يعلمون فيما لو علموا به.

و أمّا إذا كانت الإضافة موردية، أي إنّ الناس في سعة في المورد الذي لا يعلمون فيه بالواقع، حينئذٍ، لا بأس بالتمسك بإطلاق السعة من جميع الجهات.

184

إلّا أنّ الرواية لم يعثر عليها في متون الأخبار، نعم، من المحتمل أن تكون مأخوذة في ذيل حديث مروي في الوسائل في كتاب اللقطة ( (1))، سمي بحديث السفرة، حيث إنّ أمير المؤمنين (عليه السّلام) و معه جماعة مرّوا بسفرة فيها لحكم و بيض و شكر، فرخص في أكلها مع الضمان، و قد جاء في آخر كلامه:

(هم في سعة حتّى يعلموا)

، و لكن نقله العلماء حتى صار بصيغة (الناس في سعة ما لا يعلمون)، على طريقة النقل بالمعنى، من دون مراجعة المصدر.

و لكن حتّى مع روايتها ذيلًا في الوسائل، فهي ضعيفة سنداً بالنوفلي، و ضعيفة دلالة أيضاً لعدم وضوح دلالتها على البراءة خصوصاً، و لو لا أمارية يد المسلمين و نحوها لجرى في المقام استصحاب عدم التذكية، لأنّه متقدم على البراءة كما عرفت في محله، و على أيّ حال، فمورد الرواية هو الشبهة الموضوعية، بينما المبحوث عنه في المقام هو الشبهات الحكمية.

حديث الحجب:

و من الروايات التي استدل بها على البراءة، حديث الحجي.

فقد رواها ثقة الإسلام، محمد بن يعقوب الكليني (قده) في الكافي ( (2))، بسند صحيح بهذا المضمون عن الإمام الصادق (عليه السّلام) أنّه قال: ما حجب الله علمه عن العباد، فهو موضوع عنهم).

و تقريب الاستدلال بهذه الرواية واضح، لأنّه يقال: إنّ كل تكليف لم يصل إلى المكلّف فهو محجوب عنه، و إذا كان محجوباً

____________

(1) الوسائل، الحر العاملي، ج 17، ب 23 من اللقطة، ص 372

(2) الكافي، الكليني، ج 1، كتاب التوحيد، ص 164، ح 3.

185

عنه، فهو موضوع عنه، و وضع التكليف مساوق لعدم إيجاب الاحتياط، إذاً، هذا المضمون بنفسه يتكفل بنفي وجوب الاحتياط، و يكون هو الدليل على البراءة الشرعية بالنحو الذي ينفي وجوب الاحتياط.

و توجد هنا شبهة، و حاصلها: هو أنّ صيغة الرواية:

(ما حجب الله علمه عن العباد)،

فالحجب نسب إلى الله تعالى، و لم يقل: ما احتجب عن العباد من التكاليف، إذ لو كان هذا لأمكن أن نتمسك بإطلاقه، لإثبات أنّ أيّ حجب للتكليف يكون سبباً للبراءة، و لكن الحجب هنا أضيف إلى الله تعالى، و هذا يعني: أنّ تلك التكاليف التي قرّر الله تعالى إخفاءها في مكنون علمه و سترها عن العباد إلى أن تأتي ظروف مناسبة لتبليغها، إذاً، تلك التكاليف موضوعة عن العباد، و لا يؤاخذون بسببها.

و أي هذا من محل الكلام الذي يحتمل أنّ الشارع قد بيّن، و لكن لم يصلنا البيان، إمّا لفقد النص، أو لإجماله، أو لتعارض النصين، إذاً، فلا يمكن التمسك بالرواية لإثبات البراءة المقصودة في محل الكلام.

و قد تعالج الرواية لجعلها صاحبة للاستدلال بها على المطلوب بأنحاء.

النحو الأول: هو أن نستصحب عدم البيان من الشارع، و استصحاب عدم البيان من الشارع يحقق موضوع الحجب.

إلّا أنّ هذا أمر غير تام، لأنّه مثبت، لأنّ المأخوذ في الرواية هو، عنوان الحجب، و هو عنوان ثبوتي لازم لعدم البيان و منتزع عنه.

186

النحو الثاني: هو أن نستصحب الحجب بعنوانه، إذ إنّ كل تكليف يمر عليه برهة من الزمن لم يبيّن، إذاً فهو في هذه الفترة يكون محجوباً، فيستصحب بقاء الحجب.

و هذا غير تام أيضاً، لأنّ الحجب مساوق لتعمد الإخفاء، و من الواضح أنّ البرهة القصيرة التي تمر على التكليف و هو في طريقه إلى أن يصل لا يقال: بأنّه محجوب فيه.

و ما ينبغي أن يقال في دفع الشبهة هو أن يقال: إن الحجب هنا له حيثيتان:

الحيثية الأولى: هي أن يكون الحجب مضافاً إلى الله تعالى بما هو سيّد الكون و خالق السماوات و الأرضين.

الحيثية الثانية: هي أن يكون الحجب مضافاً إلى الله تعالى بما هو مولى و شارع.

فهاتان حيثيتان، و كلتاهما موجودتان فيه تعالى.

فإن كانت الإضافة إلى الله تعالى بما هو شارع، فمن الواضح أنّ حجب المولى بما هو مولى و شارع، إنّما هو بمعنى إخفاء الحكم و عدم إصداره ببيان يكشف عنه، و حينئذٍ يكون الإشكال وارداً.

و إن كانت الإضافة إلى الله تعالى بلحاظ أنّه سيّد الكون، و كل ما يجري في الكون فهو منه و إليه تعالى، فحينئذٍ، كل حجب يقع في العالم مهما كانت أسبابه فهو ينتهي بالتالي إليه تعالى، لأنّه سبب الأسباب، و معه: يكون معنى حجب الله تعالى، معنى عاماً يشمل موارد فقد النص، و إجماله، و تعارض النصين، و حينئذٍ يشمله إطلاق العبارة.

187

بل حينئذٍ لا يبعد أن يشمل الشبهات الموضوعية أيضاً، لأنّ الحجب في الشبهة الموضوعية يستند إلى الله تعالى، لاستناد كل الحوادث إليه.

إذاً، فلا بدّ من استظهار هذه الحيثية، و أنّ الإضافة لله تعالى كانت باعتباره سيّد الكائنات.

و يمكن استظهار هذه الحيثية بأحد بيانين:

البيان الأول: هو أن يقال: إنّ مدلول لفظة (الله) هو، الألوهية و الخالقية و مدبّر الكون، و أمّا الحيثية التشريعية، فهي من شئون الله تعالى، و ليست داخلة في مدلول اللفظة و الكلمة.

البيان الثاني: هو أن يقال: إنّ حمل الحجب من الله تعالى على أنّه حجب منه بما هو شارع، بعيد جداً، لأنّ هذا معناه: أنّ الرواية في مقام بيان، أنّ التكليف الذي يتعمد الله تعالى إخفاءه عن العباد، هو تكليف لا يسأل عنه العباد، و هذا مطلب لم يكن في معرض المسئولية عنه بحسب المرتكز العرفي، ليكون في مقام التصدي للجواب عنه، إذ هناك تناقض عرفي بين أن يعتمد المولى إخفاء مطلب، و بين أن يسألهم عنه و يدينهم عليه، بخلاف ما لو كان الحجب تكوينياً، فإنّه لا يتنافى ذلك مع الإدانة.

إذاً، فالظاهر العرفي للرواية هو: أنّ ما لم يعلمه العباد لأيّ سبب من الأسباب التي تنتهي بالتالي إلى الله تعالى فهو محجوب و موضوع عنهم، فيكون مفاد الحديث حينئذٍ البراءة.

و من جملة الآثار و الفوارق بين فرض إضافة الحجب إلى الله تعالى باعتباره مولى، و إضافته إليه باعتباره سيّد الكائنات هو، أنّه إذا

188

حملنا ذلك على المولوية، فمن الواضح أنّ هذا الحجب يكون واحداً عن مجموع خلقه، و ليس انحلالياً، لأنّه إن بيّنه و لو مرّة واحدة لا يصدق عليه الحجب و تعمد الإخفاء.

و من هنا يكون مفاد الحديث مخصوصاً بفرض استتار التكليف عن مجموع العباد.

و هذا بخلاف ما إذا حملنا الحجب على الحجب التكويني، إذ من الواضح أنّه حينئذٍ يكون انحلاليا و نسبياً، إذ قد يحجب عن هذا، و لا يحجب عن ذاك، لأنّه تابع لأسباب الوصول وجوداً و عدماً، فقد تتم لواحد دون واحد، و بمقتضى مقابلة الحجب عن العباد بالوضع عن العباد، و بما أن الوضع انحلالي، فأيضاً ما يقابله يكون انحلالياً.

إذاً: هذه الرواية تكون خير دليل على البراءة الشرعية في الشبهات الحكمية، لتماميتها سنداً و دلالة.

و الحاصل: هو أنّه قد استدل على البراءة الشرعية في الشبهات الحكمية بحديث الحجب: (ما حجب الله علمه عن العباد فهو موضوع عنهم).

بدعوى: أنّها تدلّ على وضع التكليف بما حجب الله علمه عن العباد، ما لم يصلهم علم عنه، و إلّا فهو محجوب عنهم.

و لكن هنا شبهة و هي، أنّ إسناد الحجب إلى الله يوجب اختصاص مفاد الحديث بما إذا كان خفاء التكليف بتعيين منه تعالى، فيكون معناه: إنّ ما لم يبيّنه الله و أخفاه عن عباده، فهو محجوب عنهم و ليسوا بمسئولين عنه، و معه يكون مفاد هذا الحديث أجنبياً عن محل الكلام.

189

و ربّما يحاول دفع الشبهة بالاستصحاب الموضوعي، بأن يستصحب تارة عدم البيان، و جوابه: أنّه حينئذٍ لا يثبت عنوان الحجب الوجودي.

و تارة أخرى يستصحب الحجي الثابت في أول أزمنة تشريع التكليف قبل بيانه للمكلفين، و جوابه: أنّ الحجب لا يصدق إلّا مع تعمد الإخفاء و عدم البيان، و هذا لا يصدق على البرهة الزمنية القصيرة أثناء كون التكليف في طريق الإيصال إلى العباد.

و الصحيح في دفع الشبهة هو أن يقال: إنّ الحجب إذا أضيف إلى الله بما هو خالق لا بما هو مولى و مشرّع، فيكون صادقاً حتى على عدم الوصول إلى المكلّف، لأنّ الاحتجاب عنه أيضاً مضاف إليه تعالى بما هو خالق كل شي‏ء، بل حينئذٍ يشمل حتى الشبهات الموضوعية، لأنّ حجب الموضوعات هو أيضاً مضاف إليه تعالى بما هو خالق كل شي‏ء.

و يمكن تعيين كون المضاف إليه هو ذلك، تارة بدعوى: ظهور لفظة الجلالة فيه، و أخرى باعتبار أنّ إرادة حجب الشارع بما هو شارع بعيد جداً، و غير مناسب مع سياق الحديث، إذ إنّ ما يمكن المولى بنفسه في مقام إخفائه من التكاليف ليس في معرض توهم مسئولية العباد عنه، مضافاً إلى كونه عرفاً مناقضاً مع فرض مسئولية العباد و إدانتهم، وعليه: فيكون مفاد الحديث كأنّه إخبار عن ثبوت أحد الضدين بانتفاء الآخر، و هو المستهجن عرفاً، و معه: يتعيّن أن تكون الإضافة إليه تعالى بما هو خالق الأكوان، و معه: لا يكون هناك حجب واحد عن مجموع العباد كما هو على الاحتمال الآخر، بل ينحل بعدد العباد بمقتضى التقابل بين الحجب عن العباد و الوضع عنهم.

190

و هذا خير دليل على البراءة الشرعية في الشبهات الحكمية.

حديث الحلية:

و من الروايات التي استدل بها على البراءة الشرعية، حديث الحلية: (كل شي‏ء لك حلال حتى تعرف الحرام بعينه).

و قد وردت هذه الرواية بصيغ متعددة، لا بدّ من محاسبة كل صيغة منها.

الصيغة الأولى: هي ما رواه عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (عليه السّلام)، أنّه قال:

(كل شي‏ء فيه حلال و حرام فهو لك حلال أبداً حتى تعرف الحرام منه بعينه فتدعه) (

(1)

). و هذه الصيغة لا إشكال في دلالتها على أصالة الحل و البراءة، إلّا أنّ الكلام في أنّه هل هي مخصوصة بالشبهة الموضوعية، فلا تكون نافعة لمحل بحثنا و محل الخلاف الذي هو الشبهة الحكمية، أو أنّ إطلاقها يشمل الشبهة الحكمية أيضاً؟

نقول: إنّه لا يبعد القول بأنّها تشمل الحكمية، و ذلك لقرينتين.

القرينة الأولى: هي أنّ قوله:

(كل شي‏ء ... إلخ)

ظاهر في أنّ مورد هذه الحلية، هو الشي‏ء الذي ينقسم إلى صنفين، يكون صنف منه حلالًا، و صنف آخر منه حراماً، و يكون منشأ الشك هو التصنيف.

و من الواضح أنّ هذه الخصوصية لا تنطبق إلّا في الشبهة

____________

(1) الوسائل، الحر العاملي، ج 12، ب 4 مما يكتسب به، ص 59، ح 1.

191

الموضوعية، لأنّه إذا شككنا في الشبهة الحكمية في أنّ العصير العنبي بعد غليانه بالنار، هل هو حلال أو حرام؟ فلا معنى لأن يقال هنا: إنّه فيه حلال و حرام، إلّا أن يحمل ذلك على الترديد لا التطبيق، و هذا خلاف الظاهر، لأنّ ظاهره التصنيف كما عرفت.

نعم، قد يؤخذ الجنس مثلًا، فيقال: جنس المائع فيه حلال و هو، الماء مثلًا، و فيه حرام و هو الخمر، و يشك في العصير العنبي المغلي في أنّه حرام، أو حلال، إلّا أنّ هذا الذي نشك فيه لم ينشأ من ذلك التصنيف المذكور، إذ سواء كان في الجنس حلال و حرام أو لم يكن، فإنّ الشك المذكور كان حاصلًا.

و قد يقال: إنّ هذه الخصوصية أي أن يكون هناك تصنيف، و يكون هناك شك ناشئ من التصنيف)-، موجودة في الشبهة المفهومية التي هي قسم من أقسام الشبهة الحكمية، و ذلك بأن يقال: إذا كان اللفظ مجملًا كلفظ الماء مثلًا، الذي ينقسم إلى مطلق يحل الوضوء به، و مضاف لا يحل الوضوء به، فلو شك هنا بسبب إجمال مفهوم الماء و صار لا يدري أنّ هذا الماء هل هو ممّا يحل الوضوء به، أو هو ممّا لا يحل الوضوء به، فحينئذٍ، هذه شبهة حكمية قد وقع فيها التصنيف، أي تصنيف الماء إلى مطلق و مضاف، و كان التصنيف سبباً في شكنا في الحلية و الحرمة، إلّا أنّه مع ذلك، فإنّ الأمر ليس كذلك، لأنّ قوله‏

: (حتى تعرف الحرام منه بعينه)،

فكلمة (بعينه) ظاهرة في أنّ ارتفاع الشبهة يكون بتمييز الخارج، بينما في الشبهة المفهومية يكون ارتفاع الشبهة فيها بتحقيق مدلول اللفظ.

و الخلاصة: هي أنّ صدر الحديث ظاهر في أنّ مورد الحلية هو الشي‏ء الذي ينقسم إلى صنفين: حلال و حرام، و منشأ الاشتباه هو هذا

192

التصنيف، و هذا لا يصدق إلّا في الشبهات الموضوعية، لأنّ الشبهة الحكمية فيها ترديد لا تصنيف.

نعم، قد يؤخذ (الجنس) فيقال:

(جنس المائع فيه حلال، و فيه حرام‏

) و يشك في العصير المغلي أنّه حرام أو حلال، لكن الشك هنا لم ينشأ من التصنيف المذكور، إذ سواء كان في الجنس حلال و حرام أو لم يكن، فإنّ الشك المذكور حاصل.

و قد يقال: بوجود خصوصية التصنيف و الشك في الشبهة المفهومية، فإنّ المفهوم المجمل قد يتردد بين كون هذا الماء مطلقاً كي يحل الوضوء به، و بين كونه مضافاً فلا يحل الوضوء به، فهنا و إن كان التصنيف سبباً للشك في الحرمة، إلّا أنّه مع ذلك لا يشمله الحديث، و ذلك لظهور كلمة (بعينه) في أنّ ارتفاع الشبهة يكون بتمييز الخارج، بخلاف الشبهة المفهومية، فإنّ ارتفاع الشبهة فيها يكون بتحقيق مدلول اللفظ.

القرينة الثانية: هي كلمة بعينه، بتقريب أنّ كلمة (بعينه) ( (1)) ليست لإخراج حالة الشك، لأنّ الشك في المقام قد فرض، و إنّما هو لأجل إخراج العلم الإجمالي، لأجل التأكيد على أنّ أصالة الحل لا ترتفع بالعلم الإجمالي، و إنّما يحتاج رفعها إلى العم بالحرام بعينه.

و هذا المطلب يناسب مع الشبهة الموضوعية، و لكن مع الالتزام بالتقييد، و ذلك بأن يقال: لا عبرة بالعلم الإجمالي، و لكن لا على الإطلاق، و لكن فيما إذا كانت الشبهة غير محصورة، و حينئذٍ يكون‏

____________

(1) فوائد الأصول: الكاظمي، ج 3، ص 132.

193

هذا تقييداً مقبولًا، لأنّ غير المحصورة كثيرة الوقوع في موارد الشبهات الموضوعية.

و أمّا إذا أردنا حمل كلمة (بعينه) على الشبهة الحكمية، بمعنى: أنّ العلم الإجمالي لا يكفي لرفع أصالة الحل، و أنّها تجري حتى مع العلم الإجمالي في الشبهة الحكمية، إذا أردنا هذا فهذا مطلب لا يمكن الأخذ به، و لا يمكن إصلاحه بالتقييد بالعلم الإجمالي بغير المحصورة، لندرتها في موارد الشبهات الحكمية.

نقول: إنّ هذه القرينة إنّما تتجه لو كان الأمر دائراً بين حدين متقابلين، بين أن نحمل الحديث محضاً على الموضوعية، و بين أن نحمله على الحكمية محضاً، فحينئذٍ يقال: إذا حملت على الحكمية يكون حملها على خصوص غير المحصورة حملًا على النادر، إذاً، لا بدّ إمّا من رفع اليد عن قاعدة منجزية العلم الإجمالي، أو حمل كلمة (بعينه) على أنّها مجرد تكرار، و كلاهما باطل.

إلّا أنّ المدّعى ليس كذلك، بل يدّعى الإطلاق في الحديث، و حينئذٍ فلتكن كلمة (بعينه) ظاهرة في أنّ العلم الإجمالي ليس منجزاً، و لا يرفع أصالة الحل، و لكن نلتزم بأنّ هذا المطلب في الشبهة غير المحصورة، و هي في نفسها كثيرة و إن كانت في الشبهات الحكمية قليلة، و هذا يكفي لصحة الالتزام بالتقييد، إذاً، فالمدّعى في المقام أنّ الحديث ناظر إلى طبيعي الشبهة، و يقول: إنّ أصالة الحل تجري في طبيعي الشبهة حتى مع العلم الإجمالي، و غاية ما يلزم من ذلك، تقييده بغير المحصورة.

إلّا أنّ هذه القرينة غير تامة، و يكفينا الاعتماد على القرينة الأولى، و على هذا الأساس، فالحديث لا يمكن أن نستفيد منه جريان‏

194

البراءة في الشبهات الحكمية، و إن كان صالحاً لإثبات البراءة في الشبهات الموضوعية.

و الحاصل: هو أنّ مقتضى كون كلمة (بعينه) بمعنى التأسيس، هو أن يكون للاحتراز و ليس تأكيداً لمعرفة الحرام، و هذا لا يكون إلّا في الشبهة الموضوعية، باعتبار أنّه قد يكون الحرام فيها معلوماً، و لكن لا بعينه كما هو الحال في موارد العلم الإجمالي في الشبهة غير المحصورة بعد تخصيص المحصورة، لعدم إمكان جريان البراءة فيها كما عرفت سابقاً، و معه: فيكون قيد (بعينه) لإدراج موارد الشبهة غير المحصورة في البراءة، و هذا كثير في الشبهة الموضوعية، بخلاف الشبهة الحكمية، فإن فرض العلم الإجمالي غير المحصور فيها نادر.

و هذه القرينة غير تامة، لوضوح أنّ المطلوب ليس هو التخصيص بالشبهة الحكمية، و إنّما تعميم الحديث لها، و هو لا يتنافى مع عدم غلبة الشبهة غير المحصورة فيها، إذ يكفي أن يكون غير نادر بلحاظ جامع الشبهة.

الصيغة الثانية للرواية هي: ما ورد عن مسعدة بن صدقة، بلسان‏

: (كل شي‏ء هو لك حلال حتّى تعلم أنّه حرام بعينه فتدعه، و ذلك مثل الثوب يكون عليك و لعلّه سرقة، و مثل العبد يكون تحتك و لعلّه حر قد باع نفسه، أو قهر فبيع، أو امرأة تحتك و هي أختك أو رضيعتك، و الأشياء كلها على هذا حتى يستبين لك غير هذا، أو تقوم به بيّنة) (

(1)

). و قبل البحث في أنّ مفاد هذا الحديث، هل يشمل الشبهات‏

____________

(1) الوسائل، الحر العاملي، ج 12، ب 4 مما يتكسب به، ص 60، ح 4.

195

الحكمية أو لا؟ لا بدّ من التعرض إلى فقهه، باعتبار غموض محتواه، حيث إنّه بانحلاله ينحل و يتبيّن حال الحديث.

و حاصل الكلام في الحديث: أنّه استشكل في فهم مضمونه، حيث إنّ ظاهر صدره، أنّه في مقام تقرير أصالة البراءة بلسان، (كل شي‏ء هو لك حلال).

ثمّ إنّه حينما نأتي إلى التطبيقات و الأمثلة في المقام، نرى أنّ الحديث يذكر أمثلة أجنبية عن باب أصالة الحل، فمثلًا: قوله:

(الثوب عليك و لعلّه سرقة)،

فهذا لا تجري فيه أصالة الحل للتأمين من ناحية الشك في الثوب، و إنّما الذي يجري في المقام هو قاعدة أخرى، و هي قاعدة اليد،- و ذلك فيما لو انتقل إليك الثوب بالشراء لإثبات مالكيّة البائع له، و أيضاً: تجري أصالة الصحة في المعاملة، لإثبات صحة النقل و الانتقال، و لو لا قاعدة اليد، و أصالة الصحة لما أمكن إثبات حلية الثوب.

و نفس الكلام يجري في قوله‏

: (و مثل العبد يكون تحتك)،

و أمّا قوله:

(أو امرأة تحتك و هي أختك أو رضيعتك)،

فإنّه لا معنى لإجراء أصالة الحل لجواز نكحها، و إنّما الذي يجري هو الاستصحاب الموضوعي، أي استصحاب عدم كونها رضيعة بنحو العدم النعتي، أو بنحو العدم الأزلي، كاستصحاب عدم كونها أختاً له، فبهذا الاستصحاب يثبت صحة عقد النكاح، إذ لو لا الاستصحاب فإنّه لا يشك في عدم ترتب الأثر على العقد، و لا معنى لأصالة البراءة لتصحيح العقد و لا لجواز المقاربة.

و على ضوء هذا، كيف يمكن أن يجمع بين صدر هذا الحديث و بين ذيله؟

196

و قد حاول بعضهم التقليل من هذه المشكلة فقال: إنّ هذه القضايا ذكرت من باب التمثيل لا من باب التطبيق، بمعنى أنّه يريد أن يقول: إنّ أصالة الحل ليست بدعاً في التأمين، بل هناك قواعد موسعة و مؤنة، فحال أصالة الحل حال تلك القواعد.

إلّا أنّ هذا الكلام غير تام، إذ لا يمكن حمل الحديث عليه، لأنّه لو كان المقصود به التمثيل لا التطبيق لكان يناسب التمثيل بقاعدة اليد، أو بأصالة الصحة، أو بالاستصحاب لا بالمورد، بالثوب و العبد، فإن ذكر المورد في المقام يناسب أن يكون ذلك من باب بيان الصغرى للكبرى، لأنّ التمثيل بالمورد واضح في إرادة التطبيق.

و ذهب بعضهم الآخر كالعراقي (قده) إلى دعوى أنّ هذا الحديث في مقام إبراز حلية جامعة بين حليات متعددة مجعولة بقواعد متعددة ( (1))، فإنّ الإمام (عليه السّلام)- بناء على صحة الحديث-، جمعها في مقام الإبراز بصيغة مجعولة، بأصالة البراءة، و قاعدة اليد، و أصالة الصحة، و الاستصحاب.

و ذكر المحقق العراقي (قده)، أنّه يلزم من ذلك تحويل الجملة من كونها إنشائية إلى كونها خبرية، لأنّ كل واحد من هذه الحليّات له جعله الخاص به، و موضوعه الخاص، غايته: أنّ هذا جمع في مقام التعبير بعبارة واحدة.

و نقول فيه مضافاً إلى ما ذكر من كونه خلاف الظاهر-: إنّ الحديث ظاهر في أنّه في مقام إعطاء قاعدة كلية للتطبيق، بحيث إنّ المكلّف يأخذ القاعدة و يستفيد منها في مقام التطبيق، و ليس في مقام‏

____________

(1) مقالات الأصول: العراقي، ج 2، ص 61، المطبعة العلمية، النجف الأشرف.

197

بيان حصيلة قواعد متعددة على موضوعاتها الخاصة التي لكل واحد منها حدود و قيود جمعت بعبارة واحدة.

و الذي ينبغي أن يقال في فقه هذا الحديث: أنّه ناظر إلى مرحلة البقاء، لا إلى مرحلة الحدوث، أي إنّه يريد أن يقول:

(إنّ كل شي‏ء ثبتت حليّته بقاعدة من القواعد، بالبراءة، أو بقاعدة اليد، أو بأصالة الصحة، أو بالاستصحاب، هذا الشي‏ء يبقى حلالًا إلى أن يستبين لك، أو تقوم البينة

)، و هذا الكلام إنّما يقال في مقام دفع احتمال رفع اليد عن قاعدة من هذه القواعد عند قيام ظن غير معتبر، أو وسوسة و نحو ذلك.

و هذه نكتة عامة مشتركة بين جميع القواعد الشرعية المذكورة في المقام، و حينئذٍ يكون الحديث أجنبياً عن محل الكلام، إذ الحديث بناء على هذا، ليس ناظراً إلى جعل حليّة حدوثاً بالبراءة، كما أنّه لا يوجد في الأمثلة المذكورة في فقرات الرواية ما يكون مورداً للبراءة.

و الحاصل: هو أنّه حيث استشكل في فهم مضمون الرواية، كان لا بدّ من التعرض إلى فقهها، لأنّ ظاهر صدرها هو تقرير أصالة البراءة و الحل، و في الأمثلة المذكورة فيها ذكرت تطبيقات هي أجنبية عن البراءة و عن أصالة الحل، حيث لم يذكر فيها شي‏ء يكون مستند الحلية فيه قاعدة أصالة الحل، كما في الثوب المشكوك أنّه سرقة، أو العبد المشكوك في كونه حراً، أو الزوجة المشكوك في كونها أختاً، كل هذه الأمثلة لا تجري البراءة في واحدة منها، و إنّما تجري فيها قواعد أخرى للتأمين، حيث لولاها لكان مقتضى الأصل فيها الحرمة.

و قد حاول بعضهم دفع الشبهة بدعوى: أنّ الأمثلة المذكورة في الرواية إنّما ذكرت من باب التمثيل لا التطبيق.

198

إلّا أنّ هذا الكلام خلاف الظاهر، فإنّ المناسب مع التمثيل هو ذكر القاعدة المماثلة للقاعدة المذكورة أولًا، لا ذكر تطبيقات قاعدة أخرى لم تذكر كبراها في الرواية.

و المحقق العراقي (قده) هو أيضاً عالج الإشكال بدعوى: أنّ الرواية تبرز حلية جامعة بين حليات متعددة ترجع إلى قواعد مختلفة، و إن جمعت في عبارة واحدة، و حينئذٍ تكون عبارة الحديث إخبارية تخبر عن جعول عديدة، و ليست إنشائية.

و هذا الكلام غير تام، لأنّه خلاف ظهور متن الرواية في الإنشاء أولًا، و خلاف قوة ظهورها أنّها في مقام إعطاء قاعدة كلية ثانياً، بنكتة واحدة تطبق على جميع الموارد المختلفة المذكورة في فقرات الرواية، كي يستفاد من تطبيقها على كل حكم استفيد من قاعدة مما ذكر في متن الرواية، و إلغاء كل غفلة أو وسوسة في مقابل ذلك، و هذا لا يتناسب مع كون الرواية إخبارية تجمع قواعد متعددة لا يمكن للمكلّف الرجوع إليها في مقام التطبيق.

و الذي ينبغي أن يقال هو: إنّ الرواية ناظرة إلى مرحلة البقاء لا الحدوث، بمعنى: أنّ كل ما يأخذه المكلّف و يكون مستنداً إلى قاعدة شرعية، يبقى حلالًا دون وسوسة فيه و في مناشئه حتى يستبين خلافه، أو تقوم عليه بيّنة، و على ضوء هذا، تكون الرواية حينئذٍ أجنبية عن بحث البراءة.

و بهذا يتضح أنّه، حتى بناء على توجيه العراقي للرواية، لا يستفاد منها جعل البراءة، لأنّها ليست في مقام جعل البراءة، مضافاً إلى عدم كون الأمثلة فيها مورداً لها.

الصيغة الثالثة: و هي ما وجد في كتب الأصوليين بلسان:

(كل‏

199

شي‏ء لك حلال حتى تعرف منه الحرام‏

)، و رغم أنّ هذه الصيغة خالية عن المشكلات التي واجهناها في الصيغة الأولى و الثانية، فإنّها لا وجود لها في كتب الحديث، و إنّما هي تلخيص مستعمل لكلتا الصيغتين السابقتين، و معه: لا يمكن الاستدلال بها لجريان البراءة في الشبهات الحكمية.

و بهذا، تم الكلام في الروايات التي يمكن أن يستدل بها على البراءة الشرعية، و أيضاً في الآيات التي استدل بها عليها، و قد تبيّن ممّا ذكرنا، أنّه يتم الاستدلال بشي‏ء على البراءة، إلّا آيتان و رواية واحدة: هي رواية الحجب.

200

الاستدلال على البراءة بالاستصحاب‏

و الاستدلال بالاستصحاب على البراءة الشرعية، له ثلاث صيغ:

الصيغة الأولى: هي أن يستصحب عدم التكليف الثابت قبل البلوغ، بأن يلحظ عالم المجعول، فإنّه قبل البلوغ يعلم بعدم وجوب الجمعة عليه، فبعد البلوغ، إذا شك في وجوبها، يستصحب ذلك العدم.

الصيغة الثانية: هي أن يستصحب العدم الثابت في أوّل الشريعة، بأن يلحظ عالم الجعل، لأنّ الجعل ليس قديماً، و إنّما حدث في فترة بعد بعثة النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم). و بما أنّ الأحكام كانت تدريجية، فنأخذ نقطة زمنية أولية لم يكن هذا الجعل، فنستصحبه، أي نستصحب عدم الجعل.

الصيغة الثالثة: هي أن يلحظ زمان ما قبل تحقق موضوع التكليف المشكوك إذا كان له موضوع و قيود، كما لو شككنا مثلًا: في أنّ حجة الإسلام هي تجب بالبذل من دون استطاعة؟ فحينئذٍ لا نحتاج إلى أن نرجع إلى حالة الصغر، بل نقول: قبل أن يبذل الباذل، لم يكن الحج واجباً، لعدم الاستطاعة، و بعد البذل نشك في وجوبه، فنستصحب عدم الوجوب الذي كان ثابتاً قبل البذل، و هذا العدم هو

201

عدم المجعول، و لكنّه ثابت في حالة الكبر لا في حالة الصغر كما في الصيغة الأولى.

و قد أوردت اعتراضات على الاستدلال بالاستصحاب لإثبات البراءة الشرعية، منها: ما هو مشترك بلحاظ الصيغ الثلاث، و منها: ما هو خاص ببعضها.

أمّا الصيغة الأولى، فقد يعترض عليها بعدة اعتراضات.

الاعتراض الأول: هو أن يقال: إنّ الاستصحاب لا بدّ و أن يجري في حكم مجعول، أو في موضوع ذي حكم مجعول، و ما هو المجعول إنّما هو نفس الحكم لا عدم الحكم، إذاً، فإجراء الاستصحاب في طرف التكليف صحيح، لأنّه مجعول، و أمّا إجراؤه في طرف عدم التكليف فهو غير صحيح، لأنّ العدم ليس مجعولًا.

و قد نسب صاحب الكفاية (قده) ( (1)) هذا الاعتراض إلى الشيخ الأنصاري (قده) ( (2)).

إلّا أنّ السيد الخوئي (قده) في الدراسات ( (3)) استقرب هذه النسبة، لأنّ الشيخ الأعظم (قده) يقول: بجريان الاستصحاب في العدم الأزلي فضلًا عن العدم المتعارض كما هو في محل الكلام.

و لكن مع ذلك نقول: إنّ هذا الاستغراب لا وجه له، لأنّ الشيخ (قده) بناء على صحّة النسبة يقبل جريان الاستصحاب في الحكم المجعول، أو في موضوع له حكم مجعول، و من الواضح أنّ العدم‏

____________

(1) كفاية الأصول: الخراساني، ج 2، ص 331

(2) فرائد الأصول: الأنصاري، ج 1، ص 337، تحقيق عبد الله نوراني‏

(3) دراسات في علم الأصول: الهاشمي الشاهرودي، ج 3، ص 264.

202

قد يتفق أن يكون له حكم مجعول، حتى العدم الأزلي، فقد يكون موضوعاً لحكم مجعول كما في عدم القرشية، فإذا كان العدم الأزلي لمخالفة الشرط للكتاب و السنة موضوعاً لوجوب النفوذ، فحينئذٍ لا بأس بما صنعه الشيخ من إجراء استصحاب العدم الأزلي لمخالفة الشرط للكتاب و السنة فيما إذا شك في أنّه مخالف أو لا، إذ معه لا استشكال في إجراء الاستصحاب، لأنّه موضوع لأثر شرعي، و هو نفوذ العقد، بخلاف إجراء الاستصحاب في عدم التكليف، لأنّ هذا لا ينتهي إلى إثبات أمر مجعول، إذ ليس العدم مجعولًا، و ليس موضوعاً لحكم مجعول.

إذاً، فنكتة الإشكال ليست سنخ نكتة تسد باب الاستصحاب في الأعدام، أو في الأعدام الأزلية فضلًا عن غيرها، بل النكتة ما عرفت من أنّه يشترط في جريان الاستصحاب أن يكون حكماً مجعولًا، أو موضوعاً لحكم مجعول، و إلّا ففي جريانه إشكال.

و الخلاصة: هي أنّ المحقق الخراساني (قده) نقل هذا الاعتراض الأول عن الشيخ الأنصاري، حيث نسب إليه بأنّه يمنع جريان الاستصحاب في عدم الحكم، لأنّه ليس بمجعول، و لا هو موضوع لمجعول.

و قد استغرب السيد الخوئي (قده) هذه النسبة للشيخ الأعظم من صاحب الكفاية (قده)، بدعوى أنّ الشيخ الأعظم قائل: بجريان الاستصحاب حتى في الأعدام الأزلية فضلًا عن المقام.

إلّا أنّ هذا الاستغراب لا وجه له، إذ العدم الأزلي ليس مختصاً بالحكم، بل يمكن أن يتصور في موضوع الحكم الشرعي أيضاً، كما في استصحاب عدم القرشية، إذاً، فالقول بجريان الاستصحاب في‏

203

الأعدام الأزلية لا يعني بحال، الالتزام بجريان الاستصحاب في عدم الجعل، لأنّ نكتة الإشكال ليست سنخ نكتة تسد باب الاستصحاب في الأعدام الأزلية، بل النكتة ما عرفت.

و أيّا ما كان فقد يجاب على إشكال الشيخ (قده): بأنّ ميزان جريان الاستصحاب، هو أن يكون مورد الاستصحاب تحت قدرة المولى، و من الواضح أنّ ما وضعه تحت القدرة، يكون رفعه تحت القدرة أيضاً، إذ القدرة على الفعل مساوقة للقدرة على الترك لا محالة، إذاً، عدم الحكم يكون تحت القدرة كالحكم المجعول تحت قدرة المولى المقدورية نفس الحكم، و لا موجب لاشتراط أكثر من ذلك.

أمّا تعليقنا على ما ذكر من الاعتراض، و ما أجيب عليه فهو أن نقول:

إنّ الصحيح هو أنّه لا موجب لهذا الشرط، لا بصيغته الأولى، و لا بصيغته الثانية، فإنّ الاستصحاب قد يجري في الموضوعات مع أنّ الموضوع ليست تحت القدرة المولوية ثبوتاً، لا وضعاً و لا رفعاً، مع أنّ الموضوع مجرى للاستصحاب في الاستصحابات الموضوعية، و إنّما الميزان في جريان الاستصحاب، هو أن يكون مورداً لاستصحاب قابلًا للتصرف المولوي الظاهري، و معنى ذلك: التأمين و التنجيز، فيكون التعبد به منجزاً أو معذراً، و لا دخل لجريان الاستصحاب في كون المورد ثبوتاً أمراً مجعولًا أو مقدوراً، بل تمام الملاك في تعقل جريان الاستصحاب، هو أن يكون قابلًا للتعبد الظاهري و التصرف الظاهري لا الواقعي الذي معناه: التأمين من ناحيته أو التنجيز من ناحيته.

204

فمثلًا: استصحاب حياة شخص لا يترتب أيّ منجزيّة أو معذرية على تقدير بقائه أو عدم بقائه، فمثل هذا الاستصحاب لا يجري، لا لأنّ حياته غير قابلة للتصرف الواقعي، أو ليست أمراً مجعولًا، أو ليست تحت قدرة المولى، بل لأنّها غير قابلة للتصرف الظاهري بالتنجيز و التعذير.

و هذا بخلاف حياة المقلّد مثلًا، فإنّه يترتب على استصحاب بقائها تنجيز و تعذير، فيجري استصحابها.

و من الواضح أنّ التصرف بمعنى التنجيز و التعذير كما يكون في استصحاب التكليف، يكون في استصحاب عدم التكليف، فإنّ استصحاب التكليف يكون منجزاً لمورده، و استصحاب عدم التكليف يكون مؤمناً في مورده، و هذا هو معنى (القابلة للتصرف).

و الحاصل: هو أنّه لا موجب لهذا الشرط، لا بصيغته الأولى و لا الثانية، إذ إنّ الاستصحاب قد يجري فيما ليس تحت قدرة المولى كما في الموضوعات الخارجية، و إنّما الميزان هو أن يكون مورد الاستصحاب قابلًا للتصرف المولوي الظاهري، بأن يكون مؤمّناً و منجزاً من ناحيته، أي يكون التعبّد به منجزاً أو معذراً، و هذا كما يجري في المجعول الشرعي أو موضوعه، فإنّه كذلك يجري في التعبد بعدمهما.

الاعتراض الثاني: هو ما ذكره الميرزا (قده) ( (1)) و حاصله: هو أنّ الآثار المطلوبة و المرغوبة في إجراء الأصل على ثلاثة أقسام:

____________

(1) أجود التقريرات: الخوئي، ج 2، ص 191 190.