بحوث في علم الأصول - ج11

- الشيخ حسن عبد الساتر المزيد...
473 /
255

الجواب الثاني عن الإشكال المشترك، و هو مبني على مسلكنا الذي شرحناه في بحث الجمع بين الأحكام الواقعية و الأحكام الظاهرية، حيث بيّنا هناك أنّنا نرى وجود تعارض ثبوتي بين حكمين ظاهريين في رتبة واحدة و إن لم يصلا، بينما المشهور لم يروا ذلك، لأنّنا نختلف مع المشهور في حقيقة الأحكام الظاهرية، فالمشهور كانوا يرون أنّ حكمين واقعيين مختلفين لا يمكن أن يقعا و إن لم يصلا، و أمّا حكمان ظاهريان فلا بأس بأن يختلفا ما داما لم يصلا.

و نحن هناك في محله المذكور قلنا: إنّه لا فرق بين الأحكام الظاهرية و الواقعية، وعليه: يكون الحكمان الظاهريان المختلفان متعارضين و إن لم يصلا، أو وصل أحدهما، فهنا في المقام عندنا حكمان: أحدهما البراءة، و الآخر، صدق العادل، و هما في مرتبة واحدة، يعني: لم يؤخذ في موضوع أحدهما الشك في الآخر، إذاً، فإجراء البراءة عن الواقع مع منجزية الواقع بأمارة خبر الثقة مثلًا في رتبة واحدة، و حينئذٍ حجية الأمارة واقعاً، و إن لم تصل مع ثبوت البراءة، و لو لم تصل عن ذلك الواقع لا يمكن اجتماعهما، وعليه: فمتى ما كان دليل الحجية منطبقاً على أحد طرفي العلم الإجمالي، سواء وصل أو لم يصل هذا الدليل، فإنّ البراءة لا تجري فيه، لأنّ هذه الخطابات ليست مجرد إنشاءات و اعتبارات خيالية، بل هي في مقام إبراز اهتمامات المولى بالأحكام الواقعية.

و من الواضح أنّ خطاب البراءة مع خطاب الأمارة بإثبات التكليف متعاكسان لا يمكن أن يجتمعا، و حينئذٍ لا تكون أصالة البراءة في الطرف الخالي من الأمارة معارضاً بأصالة البراءة الذي قامت عليه الأمارة، و حينئذٍ يتم المسلك الأول.

256

و خلاصة البحث: هو أنّ العلم الإجمالي المستدل به على وجوب الاحتياط ينحل انحلالًا حكمياً من باب أنّ الأصول تجري في غير الموارد التي ثبت التكليف فيها بالأمارات.

و الحاصل: هو أنّ هذا الجواب الثاني مبني على مسلكنا في الجمع بين الأحكام الظاهرية و الواقعية، حيث ذكرنا هناك، أنّ الأحكام الظاهرية في رتبة واحدة متنافية و متعارضة بوجوداتها الواقعية كالأحكام الواقعية و ليس بوصولها، و بناء عليه: فإنّه بوصول الأمارة الإلزامية يستكشف ثبوت الحكم الظاهري الإلزامي من أول الأمر، و معه: لا يجري الأصل المؤمن فيها من أول الأمر، إذاً، فلا يكون الأصل المؤمن في الطرف الآخر معارضاً مع أصل مؤمن في هذا الطرف في رتبته، أي الأصل المؤمن الجاري عن الواقع ابتداء، إذ يستكشف عدم ثبوته واقعاً.

نعم، هذا لا يتم بناء على مسلك العلية، لأنّه على كل حال لا منجزية للحكم الظاهري الأماري قبل وصوله، فالعلم الإجمالي حينئذٍ صالح لتنجيز كلا الطرفين.

المرحلة الثانية: أدلة وجوب الاحتياط شرعاً: و أمّا البحث عن المرحلة الثانية، و هو الاحتياط الشرعي، فقد استدل عليه بالكتاب و السنة.

257

الاستدلال بالكتاب على الاحتياط

و قد استدل بعدّة آيات منه على ذلك.

منها: قوله تعالى‏: (وَ أَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَ لا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَ أَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) ( (1)).

و فقرة الاستدلال من الآية قوله تعالى: (وَ لا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ).

و تقريب الاستدلال بها أنّها تنهى عن إلقاء الإنسان نفسه في التهلكة، أي عن تعريض الإنسان نفسه للتهلكة، و هذا التعريض ينطبق على اقتحام الشبهات البدوية، لأنّ هذا الاقتحام يجعله في معرض أن يصيب مخالفة الله تعالى، و يقع في محذور ترك ما أمر الله به، أو ارتكاب ما نهى الله تعالى عنه، و أيّ هلكة أشدّ من مخالفة الله تعالى، إذاً، فيشمله إطلاق قوله تعالى: (وَ لا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ).

و يرد على هذا الاستدلال بالآية أمران:

الأمر الأول: هو أنّ في قوله تعالى‏: (وَ لا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) ثلاثة احتمالات:

الاحتمال الأول: و هو الاحتمال الذي بني عليه الاستدلال و هو أن‏

____________

(1) سورة البقرة، الآية: 195.

258

يقال: إنّ هذا النهي‏ (وَ لا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ) خطاب مستقل، لا ربط له بما قبله، و لا ما بعده.

الاحتمال الثاني: هو أنّ هذا النهي في قوله تعالى:- (وَ لا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ) نهي شرطي بالنسبة إلى الأمر الذي قبله، و هو قوله تعالى: (وَ أَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ) ( (1))، فإنّ هذا الأمر توجه عليه نهي شرطي يحدد دائرته، من قبيل أن يقال: صلّ و لا تلبس ثوباً نجساً، فهذا النهي يحدد أنّ الأمر بالصلاة مشروط بأن لا يكون بالثوب النجس، و ليس هذا النهي نهياً مستقلًا.

و هذا المطلب عرفي، كما أنّ سياقه عرفي أيضاً، فيكون معنى الآية: هو أن لا يكون الإنفاق، بحيث يوجب هلاك الإنسان و توقفه عن مواصلة معيشته و حياته بالنحو المناسب، و أنّه لا بدّ أن يكون إنفاقاً وسطاً، و إلى هذا أشير في قوله تعالى: (وَ لا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً) ( (2))، و أيضاً ما أشير إليه في قوله تعالى: (وَ يَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ) ( (3))، أي ينفقون ما زاد على حاجتهم، باعتبار ظروف المجتمع يومئذ.

و بناء على هذا الاحتمال: تكون الآية الكريمة أجنبية عن باب الهلكة الذي يتبادر إلى الذهن، و إلى المعنى الذي ذكرنا، من أنّ المقصود من الإنفاق أن يكون بحد وسط، بحيث لا يجعل الإنسان بعوز و حاجة، و لعلّه يشير إلى هذا قوله تعالى‏: (وَ أَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) ( (4))، فإنّ الإحسان بالإنفاق يكون بالإعطاء بنحو متوسط.

____________

(1) سورة البقرة، الآية: 195

(2) سورة الإسراء، الآية: 29

(3) سورة البقرة، الآية: 219

(4) آخر نفس الآية.

259

الاحتمال الثالث: هو أن تكون هذه الفقرة (وَ لا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) تكراراً سلبياً للفقرة الأولى من قوله تعالى: (وَ أَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ) ( (1))، و هذا سياق عرفي رائج، و ذلك بأن يفرض أنّ المولى يأمر بفعل، و ينهى عمّا يكون مقابلًا لذلك الفعل، و من شئون تركه في مقام تأكيد الأمر على ذلك الفعل، فليس هنا شيئان، بل هنا شي‏ء واحد، يلبس تارة صيغة الإيجاب فيكون أمراً بالفعل، و أخرى يلبس صيغة السلب، فيكون نهياً عمّا يسبب ترك ذلك الفعل من العواقب، و خصوصاً إذا كان الثاني حاوياً على نكتة يراد إبرازها، كما في الآية الكريمة، لأنّه يريد أن يبيّن أن ترك الإنفاق يترتب عليه الهلكة، و هذا مضمون جملة من الروايات التي أكدت على أنّ ترك الإنفاق في سبيل الله يؤدّي إلى الهلاك، و لذا ورد: (حصنوا أموالكم بالزكاة).

و واضح أنّ هذا ناظر إلى هلاك المال، لا إلى هلاك الإنسان في الآخرة، و لكن الهلاك الطبيعي للمال لا المتجسد في نفس هذا الشخص، بل قد يكون بلحاظ هذا الشخص، و قد يكون بلحاظ عقبه و أولاده.

و مع وجود هذه الاحتمالات الثلاثة لا يمكن حينئذٍ الاستدلال بالآية الكريمة على المطلوب.

الأمر الثاني: مما يرد على الاستدلال بهذه الآية هو أن يقال: إنّه لو سلّمنا الاحتمال الأول و فرضنا أظهريته، إلّا أنّ النهي: (وَ لا تُلْقُوا) يستحيل أن يكون نهياً مولوياً منجزاً للتكليف، لأنّه يفرض في المرتبة السابقة عليه وجود الهلكة، فحينئذٍ إذا فرض في الشبهة البدوية أنّه كان هناك في المرتبة السابقة على هذا النهي وجود عقاب، أو احتمال عقاب أخروي، فهذا معناه: أنّ التكليف منجز في المرتبة السابقة عليه، فلا يكون نهياً

____________

(1) نفس الآية.

260

مولوياً، و إنّما هو نهي إرشادي و تحذير من دخول نار جهنم، و هذا ليس حكماً مولوياً وراء تلك الأحكام التي استحق بها دخول نار جهنم، و إن فرض في المرتبة السابقة على هذا الحكم أنّه لا احتمال لهذه الهلكة، باعتبار البراءة العقلية أو الشرعية المساوقة لها، فيستحيل أن يكون هذا النهي لإنشاء التكليف في العهدة، لأنّه أخذ في موضوعه الهلكة.

و الحاصل: هو أنّه أورد على الاستدلال بآية (وَ لا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) على وجوب الاحتياط بإيرادين.

الإيراد الأول: هو أنّ قوله تعالى فيه ثلاثة احتمالات:

أولها: ما بني الاستدلال عليه، و هو أن يكون هذا خطاباً مستقلًا لا ربط له بما قبله و لا بما بعده.

ثانيها: هو أن تكون فقرة الاستدلال نهياً شرطياً بالنسبة إلى الأمر بالإنفاق الذي ورد قبلها، فيكون تحديداً لمقدار الإنفاق، بمعنى: أنّه لا ينبغي أن يكون الإنفاق بدرجة توجب فقر الإنسان و حاجته للغير و التعرض للهلاك، فيكون من قبيل قوله تعالى:

(

وَ لا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً

)

و يشعر به قوله تعالى‏

: (

وَ يَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ

أي ما زاد عن الحاجة، و ورود مثل هذا النهي الإرشادي هو أمر طبيعي بعد أن بلغ الإيمان بالمسلمين درجة تصدّقوا فيها بكل ما يملكون، و لعلّ هذه الحالة اقتضت أن يعبّر الله تعالى في آخر الآية بقوله: (وَ أَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)، أي اعدلوا في إنفاقكم و توسطوا، و هذا احتمال قريب يساعد عليه الوجدان.

ثالثها: هو أن تكون فقرة الاستدلال تكراراً سلبياً للفقرة الأولى من الآية: (وَ أَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ)، و هذا سياق عرفي رائج، فالمولى يأمر بالإنفاق، و ينهى عمّا يكون مقابلًا لذلك الفعل و من شئون تركه،

261

حيث قد يقتضي التهلكة، و كل هذا في مقام التأكيد على طلب ذلك الفعل، فكأنّه شي‏ء واحد، يلبس تارة صيغة الإيجاب، فيكون أمراً بذلك الفعل، و يلبس أخرى صيغة السلب، فيكون نهياً عن المقابل، و هذا نظير قوله: (وَ كُلُوا وَ اشْرَبُوا وَ لا تُسْرِفُوا)، فيكون المقصود أنّ ترك الإنفاق في سبيل الله إلقاء للنفس في الهلكة، و هذا مضمون جملة من الروايات التي أكّدت أنّ ترك الإنفاق في سبيل الله يؤدّي إلى الهلاك، و لذا ورد: (حصنوا أموالكم بالزكاة)، و هذا واضح أنّه ناظر إلى هلاك المال لا المالك، و كون هذه الخطابات متوجهة إلى النوع و الطبيعي لا الأفراد، لا ينافي في أن لا يهلك هذا الفرد أو عقبه و أولاده.

و مع وجود هذه الاحتمالات، لا يمكن الاستدلال بالآية على المطلوب.

الإيراد الثاني‏ على الاستدلال بالآية: هو أنّه سلّمنا استظهار الاحتمال الأول، فمثل هذا النهي يستحيل أن يكون نهياً مولوياً منجزاً للتكليف، لأنّه نهي عمّا فرض أنّه هلكة في المرتبة السابقة، فإن فرض أنّ التكليف كان منجزاً في المرتبة السابقة على هذا النهي، إذاً، ليس النهي إلّا إرشاداً و تحذيراً عن دخول نار الهلكة، و إن فرض أنّه لا احتمال للعقاب، لوجود مؤمّن مولوي من براءة شرعية و نحوها، إذاً، فلا موضوع للنهي عن الإلقاء في التهلكة، إذاً، فيستحيل استفادة التنجيز و العقاب و الهلكة من هذا النهي، لأنّه أخذ في موضوعه الهلكة.

و من جملة الآيات التي استدل بها على إيجاب الاحتياط، قوله تعالى‏: (وَ جاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ) ( (1)).

____________

(1) سورة الحج، الآية: 78.

262

و وجه الاستدلال بهذه الآية الكريمة: هو أنّها تحث على بذل المزيد من الجهد و العناء في مقام طاعة الله سبحانه، بحيث سمي بالجهاد، باعتبار أنّ المطلوب مزية عالية من بذل الجهد و العناء، و من الواضح أنّ الاحتياط في الشبهات الحكمية مقوم لهذا العنوان، لأنّه مع الاقتحام في الشبهات لا يصدق عنوان المجاهدة، إذاً، فبهذا يستدل على وجوب الاحتياط.

و الاستدلال بالآية لا يتم لبيانين:

البيان الأول: هو أنّ الجهاد الذي أمر به في الآية، فقد حذف متعلقه المباشر و أضيف إلى موضوعه بحرف (في)، فلا بدّ من تقديره، و في مقام تقديره توجد احتمالات ثلاثة:

الاحتمال الأول: و هو المناسب مع تقريب الاستدلال، و هو أنّ يكون المقصود هو المجاهدة في مقام الطاعة لله تعالى، أي بذل قصارى الجهد في مقام التحفظ على الامتثال، و حينئذٍ قد يقال: إنّ هذا لا يحصل بدون الاحتياط في الشبهات.

الاحتمال الثاني: المجاهدة بلحاظ نصرة الله تعالى.

الاحتمال الثالث: المجاهدة في معرفة الله تعالى و الوصول إليه.

و هذه الاحتمالات على فرض تساويها، لا معيّن حينئذٍ للأول منها في مقابل الأخيرين، هذا إذا لم نقل بوجود مقرب للاحتمال الثالث، باعتبار أنّ تقدير كون المتعلق هو المعرفة، أقرب ما يكون إلى الموضوع المذكور، لأنّ معرفة الشي‏ء عبارة أخرى عن الشي‏ء ببعض المعاني، بخلاف نصرة الشخص، فإنّه معنى آخر، و هذا قريب‏

263

من المعنى الذي قصد من كلمة الجهاد التي وقعت في آية أخرى، في قوله تعالى: (وَ الَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا) ( (1)).

ثمّ إنّه لو سلّم إرادة الاحتمال الأول، فمن الواضح أنّ هذه الطاعة التي أمر بها في هذه الآية ببذل الجهد، فيها أصناف متعددة تنطبق على الطاعة في الواجبات و المحرمات الأحكام الإلزامية التي تنجزت و وصلت إلى المكلّف لأنّها طاعة، و كذلك المستحبات و المكروهات، فالمجاهدة فيها أيضاً مجاهدة في سبيل الله تعالى، و كذلك الحال في الشبهات البدوية التي لم يتم لها تنجيز في المرتبة السابقة.

و من الواضح أنّ الأمر في الآية لم ينصب على الشبهات البدوية فقط حتى يتم الاستدلال بها على المطلوب حتى يحمل على الطريقية،- أي إنّه وجوب طريقي- في مقام تنجيز و إيجاب الاحتياط، بل الأمر ناظر إلى جميع هذه الموارد، هذا مضافاً إلى أنّ العرف يفهم من هذا الأمر مجرد الحث و التأكيد على التزام مقتضيات أحكام الله تعالى في كل مورد بحسب ما يقتضيه ذلك المورد، لا أنّ الأمر يكون أمراً وجوبياً طريقياً، لأنّه لا يناسب مع المستحبات و المكروهات، و أيضاً لا يناسب مع الأحكام الإلزامية التي تمّ لها تنجز في المرتبة السابقة، إذ بعد ذلك لا يعقل أن يجعل لها وجوب طريقي لكي ينجزها، و العرف لا يفهم من الأمر أكثر مما يفهمه من قوله تعالى: (أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ)* و حينئذٍ، لا يكون فيها دلالة على وجوب الاحتياط.

و الحاصل: هو أنّه استدل على إيجاب الاحتياط بقوله تعالى:

____________

(1) سورة العنكبوت، الآية: 69.

264

(وَ جاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ)، بدعوى أن المجاهدة تعني: المجاهدة في طاعة الله، لوضوح لزوم غاية الجهد الذي يشمل الاحتياط في الشبهات، إذ إنّ من لم يحتط في الشبهة لا يكون باذلًا للجهد في طاعة الله تعالى.

و أورد عليه أولًا: بأنّ الجهاد المأمور به في الآية قد حذف متعلقه المباشر، و من الواضح أنّه لا يمكن أن يكون مصب المجاهدة هو الله تعالى مباشرة، إذاً، فلا بدّ أن يكون شأناً من شئونه، إذاً، لا بدّ أن يكون المصب حيثية مقدّرة تكون هي متعلق المجاهدة.

و في مقام تحديد ذلك المصب، فإنّه كما يمكن أن يكون هو (طاعة الله تعالى)، يمكن أن يكون هو نصرة الله، و الدفاع عن دينه، و كذلك يحتمل أن يكون المصب هو معرفة الله.

و هذه الاحتمالات الثلاثة لا معيّن و لا مرجح لأحدها على الآخر، و إن ادّعي ظهورها في الاحتمال الثالث، لأنّها واردة في سياق الرد على العقائد الأخرى الباطلة، فتكون حينئذٍ من قبيل قوله تعالى: (وَ الَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا) ( (1))، بل لا يبعد أن يكون هذا المعنى هو الأقرب لظاهر الآية، لأنّ الجهاد، لأنّ الجهاد لمعرفة الله كأنّه جهاد في الله تعالى، لأنّ الاثنينية معدومة بين الشي‏ء و معرفته عادة، و لو فرض أن تنزلنا عن هذا الاحتمال، فلا يبعد أن يدّعى الاحتمال الثاني كونه أقرب من الأول، فإنّه أنسب مع التعبير بالجهاد.

و أورد عليه ثانياً: بأنّه لو سلّمنا بأنّ المجاهدة هنا هي بمعنى: المجاهدة في الطاعة، إذاً، ستكون هذه الآية كسائر الأوامر بطاعة

____________

(1) سورة العنكبوت، الآية: 169.

265

الله، و حينئذٍ تكون شاملة لموارد الطاعات المتنجزة بالعلم و نحوه، بل تكون شاملة حتّى للمستحبات و المكروهات، و حينئذٍ لا تكون مثل هذه الأوامر تأسيسية مولوية، بل تكون إرشادية، و معه: لا يمكن أن نثبت بها إيجاب الاحتياط المطلوب شرعاً.

و من جملة ما استدل به على إيجاب الاحتياط شرعاً قوله تعالى: (فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْ‏ءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَ الرَّسُولِ) ( (1)).

و تقريب الاستدلال بها أن يقال: إنّ الرد إلى الله و الرسول عبارة أخرى عن الإحجام و التوقف، و هذا مساوق لعدم الاقتحام في الشبهات، فيكون مساق الآية هو، مساق قولهم (عليهم السّلام): (قف عند الشبهات).

و الصحيح أنّ هذه الآية لا دلالة فيها على ذلك، بل هي غير مناسبة للمدعى لا موضوعاً و لا محمولًا.

أمّا موضوعاً: فلأنّ المأخوذ في موضوعها عنوان المنازعة لا عنوان الشك، و من الواضح أنّ ما يناسب موضوع الاحتياط إنّما هو عنوان الشك.

نعم، قد يقال: بأنّ المنازعة يمكن أن تكون في الشبهة الحكمية، مثل أن يدّعي فقيه حرمة العصير العنبي، و يدّعي آخر حليته، إلّا أنّ هذا بالنهاية منازعة و نزاع و ليس شكاً.

و أمّا محمولًا: فالأمر بالرد إلى الله و الرسول، لا يعني في الحقيقة: إلّا الرجوع إليهما في مقام فض النزاع، في مقابل أن يرجع‏

____________

(1) سورة النساء، الآية: 59.

266

إلى غيرهما، و هذا مطلب يتفق عليه جميع المسلمين، القائلين بوجوب الاحتياط، و المنكرين لذلك على حد سواء.

نعم، هذا يدل على أنّه لا يجوز الرجوع إلى البراءة قبل الفحص، فيما إذا حملنا النزاع على أمر يرجع إلى الشك، و هذا لا خلاف فيه فيما بينهم.

ثمّ لو سلّمنا بأنّ الرد إلى الله و إلى الرسول هو رد الشبهة، ليعرف حكم الشبهة بما هي شبهة، لا لزوالها كما قلنا، فحينئذٍ غاية ما يدلّ عليه هذا الكلام، أنّه لا يصح الرجوع إلى البراءة العقلية، و إنّما لا بدّ من الرجوع إلى الله و إلى الرسول ليعرف ما هو الموقف من الشبهة، إذ لعلّه يقول: بإجراء البراءة، أو بوجوب الاحتياط، أو يفصّل فيأمر بإجراء البراءة في الشبهات الموضوعية، أو يأمر بوجوب الاحتياط في الشبهات الحكمية، كما فصّل جماعة من العلماء، و مثل هذا لا ضير في الالتزام به، إذ ليس فيه إلّا أنّه لا يجوز لنا الرجوع في الشبهة إلى غير الله و الرسول، أمّا في الخطوات التي ستتخذ اتجاه هذه الشبهة من قبل الله و الرسول، فهذا مما لم تتعرض له الآية الكريمة.

و يحتمل حمل النزاع في الآية الكريمة على نوع مخصوص من النزاع، و هو النزاع بين الأمة و ولي الأمر، لأنّ هذه العبارة من الآية الكريمة جاءت عقيب قوله تعالى: أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْ‏ءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَ الرَّسُولِ‏)، فهذا يمكن أن يكون مجرد تفريع على الأمر بالطاعة بصيغة جديدة روحها نفس الروح، لأنّ الأمر بطاعة الله و الرسول ليس أمراً جديداً.

لكن يبقى هنا سؤال، و هو أنّه لما ذا لم يكن الرد إلى الله‏

267

و الرسول و أولي الأمر كما كان في صدر الآية الكريمة، فمقتضى التفريع أن يكون أولو الأمر من جملة من يرد إليهم؟

و نقول في تفسير نكتة عدم جعل أولي الأمر ممن يرد إليهم: أنّه يوجد افتراضان في تفسير هذه النكتة.

الافتراض الأول: هو أن يقال: إنّما خصّص الرد إلى الله و الرسول بلحاظ بيان الحكم التكليفي، يعني: أنّ النزاع كان نزاعاً في الشبهة الحكمية، و الحكم الكلي، و حينئذٍ يكون المرجع هو الله و الرسول، لا أولي الأمر، إذ هم ليسوا مرجعاً لبيان الأحكام الكلية، لأنّ بيان الأحكام بسبب التبليغ قد تكون على مستوى النبوة و الإمامة، و قد تكون على مستوى الإفتاء.

الافتراض الثاني: هو أن يقال: إنّه أريد بالنزاع، النزاع بين أولي الأمر و الأمة، حيث إنّ أولي الأمر داخلون في المخاطبين، لأنّه قد عبّر بقوله: (وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ‏)، إذاً، فهنا الرد بعد هذه المنازعة لا بدّ أن يكون إلى غير أولي الأمر، لأنّهم طرف في النزاع، و هنا: قطعاً لا بدّ أن يكون فرض النزاع بين الأمة و أولي الأمر في تحقيق ولي الأمر، و أنّه مستجمع لملاكاته و شرائطه أو لا؟، لأنّه بعد فرض تسليم أنّه ولي الأمر، لا بدّ من إطاعته بمقتضى صدر الآية الكريمة، حيث أمرت بإطاعة الله و الرسول و أولي الأمر، فحق الطاعة لأولي الأمر مفروغ عنه، و حينئذٍ، في تشخيص ولي الأمر لا بدّ فيه من الرجوع إلى الله و الرسول، و حينئذٍ تكون الآية أجنبية عن محل الكلام، و كأنّها من باب: (اعرف الحق تعرف أهله).

و الحاصل: هو أنّ الآية أجنبية عن وجوب الاحتياط، موضوعاً، و محمولًا.

268

أمّا موضوعاً: فلأنّ موضوعها هو المنازعة المساوقة للمخاصمة، لا الشك الذي هو موضوع وجوب الاحتياط، سواء أريد بها مطلق النزاع و المخاصمة، أو أريد بها مخاصمة في شئون خاصة، فعلى كلا التقديرين تكون الآية أجنبية موضوعاً عن موضوع إيجاب الاحتياط، بل الأجنبية أوضح فيها فيما لو كانت المنازعة و المخاصمة في الأمور الاجتماعية.

و يحتمل قوياً أن يكون المراد بالنزاع، و المخاصمة، النزاع في أمور عامة بين الأمة و ولي الأمر فيها، و مع هذا لم يؤخذ فيه الشك من قبل المتنازعين الذي هو موضوع وجوب الاحتياط، و مما يقوّي هذا الاحتمال، أنّ الآية وردت بعد قوله تعالى: (أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْ‏ءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَ الرَّسُولِ)، و هذا تأكيد للزوم الطاعة و تحكيم الله و رسوله في مثل هذه المنازعات.

و أمّا تخصيص الرد إلى الله و الرسول فقط بدون أولي الأمر، رغم كون ولايتهم مأموراً بها و بطاعتهم فيمكن أن يكون أحد افتراضين:

أولهما: افتراض أنّ المنظور إليه هو النزاع في الكبريات و الشبهات الحكمية، و حينئذٍ يكون المرجع في ذلك هو الله و الرسول فقط دون أولي الأمر بما هم أولو الأمر.

و ثانيهما: هو أن يكون المراد بالتنازع، التنازع بين الأمة و أولي الأمر من الأمة، إذ إنّ المذكور في المفرّع عليه: هو الأمر بطاعة أولي الأمر منكم، أي من الأمة، إذاً، فيكون المراد بذلك، التنازع الذي قد يقع في تشخيص الولاة و شروط اختيارهم كبروياً، أو صغروياً كما حدث و في مثل هذه الحال، يكون حل مثل هذا النزاع‏

269

منحصراً في مرجعية الله و الرسول، و حينئذٍ يكون أولي الأمر جزءاً من الأمة المتنازعة، و بهذا تكون الآية ناظرة إلى أنّ الولاية تحدد من قبل الله و الرسول، و ليس من قبل الناس أنفسهم، كما حدث أيضاً في تاريخ الأمة، و معنى هذا: أنّ الآية تكون متعرضة لمسألة هامة من أصول المذهب، و تكون بهذا أجنبية عن مسألة الاحتياط في الشبهات، سواء خصّصنا المنازعة في الموضوعات الخارجية، أو عمّمناها للمنازعة في الأمور التشريعية.

و أمّا محمولًا: فلأنّ الرد إلى الله و الرسول يعني: الأمر بتحكيم الله و الرسول في شئون الحياة دون الاحتكام إلى الناس- كما حدث في تاريخ الأمة كما يعني أيضاً: عدم جواز التصدّي من أحد في إدارة شئون الناس إلّا من قبل من يعيّنه الله أو الرسول، و هذا أمر مفروغ عنه و لا نزاع فيه بين المحدّثين و الأصوليين، و إنّما النزاع في أنّه بما ذا حكمت الشريعة في موارد الشبهات البدوية؟ هل حكمت بوجوب الاحتياط، أو بأصالة البراءة؟

ثمّ إنّه لو تنزّلنا عمّا ذكرنا، و فرضنا أنّ الآية الكريمة تناسب محل الكلام موضوعاً و محمولًا و في فرض الشك، و هي بصدد بيان الحكم الصادر من الله و الرسول.

لو فرضنا كل هذا، نقول: إنّ رد الشبهة إلى الله و الرسول، إن كان بلحاظ الحكم الواقعي المشتبه، فهذا معناه: وجوب رفع الشبهة بالرد إلى الله و الرسول، و هذا يعني: أنّ الحكم الصادر من الله و الرسول في الشبهة قبل الفحص هو وجوب الفحص و ليس البراءة، إذ إنّ الفحص في الشبهات الحكمية واجب بلا خلاف، و إنّما الكلام فيما لو فحصنا و لم نظفر بشي‏ء، فما هي الوظيفة حينئذٍ؟

270

و إن كان رد الشبهة إلى الله و الرسول بلحاظ الحكم الظاهري، أي حكم حالة الشك، فمعناه: أنّه يجب الرد و الرجوع إلى الله و الرسول في تعيين حكم الشبهة، و أنّه هل هو وجوب الاحتياط أو البراءة؟

و من الواضح أنّ حكم الشريعة في حالة الشك هذه هو وجوب الفحص، لا البراءة قبل الفحص، و كلا هذين المطلبين مسلّم عند الأصولي و الأخباري، غاية الأمر، أنّ الأصولي يدّعي أنّه فحص و انتهى إلى أنّ حكم الشبهة عند الله و الرسول هو البراءة، إذاً، فالآية على كل حال أجنبية عن محل الكلام.

و من الآيات التي استدل بها على وجوب الاحتياط، قوله تعالى‏: (اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ) ( (1))، بدعوى أنّ اتقاء الله حق تقاته،- أي غاية ما يتوقع من التقوى لا يتحقق خارجاً إلّا بترك الاقتحام في الشبهات البدوية، و إلّا فلا يكون اتقاء الله حق تقاته.

و هذا الاستدلال غير تام، لأنّ مادة الاتقاء تستبطن وجود حظر و عقاب، بحيث يحذر منه، و الحذر فرع أن يكون هناك نحو حظر و مسئولية في المرتبة السابقة، و إلّا فمجرد احتمال الوقوع في تكليف مشكوك،- مؤمّن عنه بقاعدة قبح العقاب بلا بيان، أو بدليل شرعي-، لا يكون الاقتحام فيه على خلاف الاتقاء، إذ لا ضرر و لا عقاب، إذاً، فلا بدّ من تطبيق الآية في مورد قد فرض تنجّزه في المرتبة السابقة، و هذا خارج عمّا نحن فيه.

و الخلاصة: هي أنّ التقوى لا تنطبق على الاستدلال إلّا بعد

____________

(1) سورة آل عمران، الآية: 102.

271

فرض حظر يتقى و يحذر منه في الرتبة السابقة، إذاً، فلا بدّ من افتراض تنجز التكليف و العقوبة في المرتبة السابقة على الأمر بالتقوى، و معه: يكون مثل هذا الأمر إرشادياً، و لا يمكن أن ينقح بنفسه موضوع التقوى.

و من جملة الآيات التي استدل بها على وجوب الاحتياط، قوله تعالى: (وَ لا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ) ( (1)).

و هذه الآية، لا يمكن الاستدلال لها، لأنّ كلًا من القائلين: بالبراءة و الاحتياط لو أرادوا أن يفتوا بالإباحة الواقعية، أو الحرمة الواقعية، لكان ذلك حراماً، و كل منهما لو أفتى بالإباحة الظاهرية، أو الوجوب الظاهري، فإن استند إلى دليل كان معذوراً، و إلّا فلا يكون معذوراً، و من الواضح أنّ كلًا من الفريقين قد استند في مدّعاه إلى دليل من الكتاب، أو السنة، أو العقل، فإن كان من الكتاب و السنة، إذاً، قد نسب إلى المولى قولًا يعلم به، و إن كان الدليل عقلياً، إذاً، لم ينسب إلى المولى شيئاً، و إنّما نسبه إلى العقل، و هو قاطع بأنّ العقل يدرك ذلك.

و الخلاصة: هي أنّ هذا من أضعف ما استدل به على وجوب الاحتياط، إذ لا شك عند الأخباري و الأصولي في حرمة إسناد الحكم الواقعي في موارد الشبهة، و إلّا فكما يحرم إسناد الإباحة كذلك يحرم إسناد الحرمة الواقعية، و أمّا لو أفتى بالإباحة الظاهرية فهو إفتاء بعلم يستند في الأصول إلى الأدلة الشرعية، ببناء الإفتاء بالبراءة على القول بها فهو إفتاء ليس مسنداً إلى الشارع، و إنّما هو مسند إلى‏

____________

(1) سورة الإسراء، الآية: 36.

272

العقل بالوظيفة الفعلية العملية عقلًا عند الشك، لأنّه قاطع بأنّ العقل يدرك ذلك.

هذا تمام الكلام فيما استدل به من الكتاب، و قد ظهر أنّه لا دلالة في الكتاب على وجوب الاحتياط.

273

الاستدلال بالسنة على الاحتياط

و قد استدل الأخباريون بالسنة على وجوب الاحتياط في الشبهات التحريمية، و ذلك من خلال عدة طوائف منها، و نحن و إن كنّا لم نجد في هذه الطوائف حديثاً تام السند يمكن أن يستفاد منه وجوب الاحتياط، إلّا أنّنا نفصّل الحديث عنها و نستعرضها من خلال تصنيفها إلى طوائف.

الطائفة الأولى: و غاية ما تدلّ عليه إنّما هو الترغيب في الاحتياط، من دون أن يستشم منها رائحة الإلزام به بوجه من الوجوه و هي عدّة روايات.

الرواية الأولى: و هي، ما أرسل عن الصادق (عليه السّلام) قال:

(من اتّقى الشبهات فقد استبرأ لدينه) (

(1)

). و هذه الرواية لا إشكال في أنّ لسانها لسان ترغيب، و أمّا أنّ الاستبراء للدين واجب أو مستحب؟ فالرواية لم تتكفل بيان ذلك، فإنّ مجرد معرفة أن اتقاء الشبهات استبراء للدين لا يثبت وجوب الاتقاء.

الرواية الثانية: ما في أمالي ابن الشيخ الطوسي بسند ينتهي إلى‏

____________

(1) جامع أحاديث الشيعة: البروجردي، ج 41، ص 331. و في الوسائل عن النبي، ج 18، باب 12، ص 127.

274

الإمام الرضا (عليه السّلام) قال: قال أمير المؤمنين (عليه السّلام) لكميل بن زياد في جملة من وصاياه له: يا كميل، أخوك دينك، فاحتط لدينك بما شئت ( (1)).

فهنا أمر الاحتياط، إلّا أنّه ليس له ظهور في الوجوب، و ذلك بقرينة تعليق مقدار الاحتياط على مشيئة المكلّف، و لا يعقل أن يكون الواجب موكولًا أمره إلى المكلّف، من حيث الزيادة و النقصان لو كان واجباً، إذ معنى الاحتياط لغة هو، أخذ الحيطة و الاهتمام و بذل العناية، إذاً، فكأنّه يريد أن يقول له‏

: (إنّ دينك جدير بك يستحق منك أن تهتم به)،

و على أيّ حال، لا أقل من إجماله، فلا يصلح للاستدلال.

الرواية الثالثة: هي ما روي عن أبي عبد الله (عليه السّلام) قال‏

: (أورع الناس من وقف عند الشبهة) (

(2)

). و هذا الحديث لا دليل فيه على الوجوب، بل غاية ما يريد قوله: هو أنّ الأورعية تحصل بالوقوف عند الشبهة، و من لم يقف عند الشبهة و لكن يقف عن الحرام يكون أقل أورعية، و أين هذا من المدّعى الذي هو وجوب الاحتياط.

و مثلها كثير من الروايات بنفس المضمون ليس فيها شي‏ء من الإلزام لو سلّم أنّها واردة في محل الكلام، مع أنّه غير مسلّم.

الطائفة الثانية: و هذه الطائفة يمكن أن يقال: بأنّها أجنبية عن محل الكلام، و إنّما هي واردة في مقام بيان وجوب تحكيم الأئمة (عليهم السّلام)

____________

(1) الوسائل، ج 18، ب 12، ح 41، ص 123

(2) الوسائل، ج 18، ب 12 من أبواب صفات القاضي، ص 118، ح 24، ص 121 و ح 33.

275

و الرجوع إليهم، فهي تأمر بالتثبت و التريث و لزوم مراجعة الأئمة (عليهم السّلام) و عدم الاعتماد على البدائل التي كانت مطروحة آنذاك من الرجوع إلى الأقيسة و الاستحسانات و نحوها من أخبار الآحاد في مقابل أخبار الحجج (عليهم السّلام)، و هذا المضمون أجنبي عن محل النزاع، لأنّه متفق عليه بين الإخباريين و الأصوليين، إذ ليس الكلام في الرجوع إلى البراءة قبل مراجعة الأئمة (عليهم السّلام)، بل إنّما يكون ذلك بعد استفراغ الوسع و بذلك الجهد في مراجعة الأئمة (عليهم السّلام).

و من جملة الروايات التي تؤدّي هذا المضمون: خبر حمزة بن طيار ( (1))، فإنّه عرض على أبي عبد الله (عليه السّلام) بعض خطب أبيه، حتى إذا بلغ موضعاً منها قال له: (كيف و اسكت)، ثم قال أبو عبد الله (عليه السّلام):

(لا يسعكم فيما ينزل بكم مما لا تعلمون إلّا الكف عند و التثبت، و الرد إلى أئمة الهدى حتى يحملوكم فيه على القصد، و يجلوا عنكم فيه العمى، و يعرفوكم فيه الحق)،

قال الله تعالى: (فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ*).

الطائفة الثالثة: و هي ناظرة إلى حال وجود الإمام (عليه السّلام) و التمكّن من مراجعته، و من الواضح أنّه إذا ثبت بهذه الطائفة وجوب الاحتياط، فإنّه لا يمكن التعدي منه إلى مورد لا يمكن فيه مراجعة الإمام (عليه السّلام)، إذ من الواضح أنّ في صورة التمكن فيها من مراجعة الإمام (عليه السّلام) لا بدّ من الرجوع إليه، لأنّه بالرجوع هذا يتمكّن من التوصل إلى الحكم الواقعي، فلو فرض أنّه كان البراءة لما أضرنا ذلك، و مع عدم الرجوع، حينئذٍ لا تجري البراءة، لأنّ شرط جريانها هو اليأس من الظفر عند الفحص، فإثبات‏

____________

(1) الوسائل، ج 18، ب 12 من صفات القاضي، ص 112.

276

وجوب الاحتياط أمر مفروغ عنه في هذه الحالة، و لا يلزم منه إثبات وجوب الاحتياط على الإطلاق.

و من هذا القبيل: مقبولة عمر بن حنظلة، حيث فرض فيها تعارض الروايتين، ثم ذكر المرجحات، حتى إذا تساوى المتعارضان، قال (عليه السّلام): (أرجئه حتّى تلقى إمامك)، فإذا فرض أنّ الأمر بالإرجاء كان أمراً بالتوقف و الاحتياط حتّى يلقى إمامه، إذاً، فهذا الكلام مسوق لحالة يتمكّن فيها من لقاء الإمام (عليه السّلام)، و معه لا يكون الفاحص قد استفرغ وسعه، فلا بأس بالاحتياط في ذلك، و ليس موردنا من هذا القبيل،، و إنّما هو مورد التمكن من لقاء الإمام (عليه السّلام).

الطائفة الرابعة: و هذه الطائفة قد سيقت مساق وجوب الفحص و التعلم، من قبيل ما ورد:

(إنّ العبد يحضر يوم القيامة، فيقال له: لما ذا لم تعمل؟ فيقول: لم أكن أعلم، فيقال له، لما ذا لم تتعلم؟) (

(1)

). و هذا الوجوب أمر مفروغ عنه و مسلم فيه، و ليس كلامنا في ذلك، بل كلامنا فيما لو فحص و لم يجد دليلًا، فهل يجب عليه الاحتياط؟ فهذه الرواية ساكتة عن ذلك، إذاً، فهي غير مرتبطة بما نحن فيه.

الطائفة الخامسة: و هي مسوقة مساق تحريم القول بلا علم، من قبيل قوله تعالى‏

: (

وَ لا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ‏

و من جملة ما يدل على ذلك خبر زرارة عن أبي عبد الله (عليه السّلام) قال:

(لو أنّ العباد إذا جهلوا وقفوا و لم يجحدوا لم يكفروا) (

(2)

). فهذه الرواية ناظرة إلى مطلب، هو أنّه إذا جهل ينبغي أن يتوقف، لا أنّه ينكر و يجحد، لأنّ جحوده قول بلا علم.

____________

(1) جامع أحاديث الشيعة، ج 1، ب 1، من المقدمات، ح 94، 25، ط جديدة

(2) الوسائل، ج 18، ب 12، ح 11، ص 115.

277

و هذا اللسان ناظر إلى مرحلة القول و الإسناد، لا إلى مرحلة العمل و التصرف، و بهذا يكون أجنبياً عن محل الكلام.

الطائفة السادسة: و هي ما دلّ على حرمة الجري و الحركة بلا علم، من قبيل ما روي عنهم (عليهم السّلام): من أنّه‏

(من هجم على أمر بغير علم جدع أنف نفسه) (

(1)

). إلّا أنّ هذه الروايات في مقام بيان مطلب لا إشكال فيه و هو، أنّ أيّ تصرف عملي للإنسان العاقل ينبغي أن ينتهي إلى اليقين، و هذا أمر لا إشكال فيه، و الأصولي يدّعي أنّه حينما يجري البراءة، أنّه على يقين منها، لا أنّه هجم على أمر بغير علم، لأنّه قد قام لديه الدليل على جريان البراءة.

الطائفة السابعة: هي الروايات التي لم يؤخذ في موضوعها عنوان الشك و الاشتباه في التكليف، من قبيل لسان: (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك) ( (2))، فهي كما ترى قد أخذ في موضوعها عنوان الريب.

و من الواضح أنّ هذا العنوان كما يمكن أن يضاف إلى التكليف، فإنّه يمكن أن يضاف إلى الأشياء الخارجية.

و لعلّ الرواية في مقام بيان نصح إرشادي للعقلاء، و ليس فيها إشعار بأنّها ناظرة إلى التكليف، و حينئذٍ، أين هذا من وجوب الاحتياط المدّعى في المقام.

الطائفة الثامنة: و هي روايات دلّت على وجوب الاحتياط في‏

____________

(1) أصول الكافي، ج 1، ص 27، ح 29

(2) الوسائل، ج 18، ب 12، ح 38، ص 122، ح 55، ص 127.

278

موارد خاصة يقتصر فيه عليها، و لا يكون قاعدة عامة، و لا يكون احتياطاً بالمعنى المبحوث عنه، و من جملة هذه الروايات، ما ورد في كتاب الإمام علي (عليه السّلام) إلى و إليه على البصرة عثمان بن حنيف بعد أن بلغه أنّه استجاب لدعوة إلى وليمة مهمة، فبعث إليه كتاباً يزجره فيه عن ذلك، يقول له فيه: (أمّا بعد؛ يا ابن حنيف فقد بلغني أنّ رجلًا من فتية أهل البصرة دعاك إلى مأدبة، فأسرعت إليها تستطاب لك الألوان، و تنقل إليك الجفان، و ما ظننت أنّك تجيب إلى طعام قوم عائلهم مجفو، و غنيّهم مدعو، فانظر إلى ما تقضمه من هذا المقضم، فما اشتبه عليك علمه فالفظه، و ما أيقنت بطيب وجوهه فنل منه).

و هنا ليس المقصود من الاشتباه ما يكون شبهة في الحكم الشرعي الأولي، أي في كونه مغصوباً مثلًا أو غيره حتى يكون من الشبهات البدوية، و إنّما الاشتباه في نيّة المعطي و دوافعه، فإن اطمأننت إلى دوافعه و كانت دوافع خير و تتجاوب مع تعاليم الإسلام، فلا بأس بأن تستجيب و تأكل منه، و إلّا فلو شككت في دوافعه التي دعت إلى هذه المأدبة التي دعي إليها طبقة الأغنياء من دون الفقراء، فقطعاً هذه الدوافع لا تتجاوب مع روح الإسلام، فحينئذٍ لا تستجب لها و الفظه.

فهنا: التحريم واقعي أجنبي عن محل الكلام.

و قد يقال: بأنّ هذا التحريم يختص بخصوص من كان يمثل الإسلام فقط، مثل الولاة و الحكام الذين يتولون أمور المسلمين، فأيضاً هذا أجنبي عن المطلوب.

و يمكن أن يقال: بأنّ هذا التحريم صادر من الإمام (عليه السّلام) باعتباره ولي أمر المسلمين، فهو تحريم حاكمي لا تحريم شرعي واقعي، لأنّ‏

279

الإمام (عليه السّلام) له حق أن يحرم أو يوجب على المكلّف ما لم يوجبه الشارع، و يدخل هذا تحت قوله تعالى: (أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ)، فإنّ إطاعة أولي الأمر تكون في غير ما يكون واجباً و حراماً من قبل الشارع، و إلّا كانت طاعة لله و للرسول لا إلى أولي الأمر، بل طاعة ولي الأمر تكون بترك أو فعل ما اقتضت المصلحة العامة الإلزام من قبل ولي الأمر.

و على كل هذه الاحتمالات تكون هذه الطائفة أجنبية، و ليست من باب الاحتياط في الشبهات البدوية.

و من هذا القبيل أيضاً ممّا استدل به: ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السّلام) في كتابه ( (1)) إلى مالك الأشتر (رض) يقول فيه:

(ثمّ اختر للحكم بين الناس أفضل رعيتك في نفسك ممن لا تضيق به الأمور)

إلى أن قال:

(أوقفهم في الشبهات، و آخذهم بالحجج، و أقلّهم تبرما بمراجعة الخصم، و أصبرهم على تكشف الأمور، و أصرمهم عند اتضاح الحكم).

إلّا أنّ الاستدلال بذلك على وجوب الاحتياط غير تام.

أمّا أولًا: فلأنّ هذا الكلام الشريف منه (عليه السّلام) لا يدل بوجه من الوجوه على وجوب الوقوف عند الشبهة، و إنّما يدل على اشتراط ذلك في الحاكم، و كم فرق بين وجوب الشي‏ء في نفسه، و بين اشتراطه في الحاكم، باعتبار عمق مسئوليته، و لذلك قد تحفظ الإسلام من ناحيته تحفظاً شديداً و شرط وضعه بشروط عديدة من الناحية الأخلاقية و النفسية، فأمّا أنّ الإمام (عليه السّلام) اشترط ذلك، فبملاك كونه مبلغاً

____________

(1) الوسائل، ج 18، ب 12، من صفات القاضي، ح 18، ص 116.

280

لأحكام الله، فيكون حينئذٍ شرطاً عاماً، أو بملاك كونه ولي الأمر، فيكون شرطاً حسبياً.

و ثانياً: سوف يأتي أنّ الشبهة ليس معناها الاحتياط، بل بمعنى: عدم اتخاذ القرار في الشبهة ما لم يتضح الحال، و هذا مطلب يتخذه القائل: بالبراءة.

و ثالثاً: نقول: من قال: إنّه أريد بالشبهة هنا المعنى الأصولي يعني: الشك في التكليف بل لعلّه بمناسبات الحكم و الموضوع يكون المقصود منها الشبهة في حل النزاع، بقرينة قوله (عليه السّلام): (و آخذهم بالحجة).

و بهذا يتم الكلام في ثماني طوائف استدل بها على وجوب الاحتياط، و قد تبيّن أن لا شي‏ء منها يدل على ذلك.

و هناك ثلاث طوائف أخرى من الروايات، عزلناها عن الطوائف الثمانية المتقدمة، لأنّها أحسن حالًا في الدلالة على المطلوب.

الطائفة الأولى: هي ما كانت بلسان: (الوقوف عند الشبهة خير من الاقتحام في الهلكة، و تركك حديثاً لم تروه خير من روايتك حديثاً لم تحصه) ( (1)).

و قد وردت في جملة من الروايات ( (2))، و استدل بها علماؤنا على وجوب الاحتياط، بدعوى: أنّه يستفاد من هذا، أنّ الاقتحام في الشبهة البدوية يكون مساوقاً للهلكة، و هذا لا يكون إلّا مع فرض وجوب الاحتياط.

____________

(1) الكافي: الكليني، ج 1، ص 50، ح 9، المحاسن، ص 215، ح 102

(2) الوسائل، ج 18، ص 115، ح 13.

281

و لكن لا بدّ من التأمل في فقرات هذه الرواية، و لا نتلقاها على أساس ما عندنا من الاصطلاحات الأصولية، بل أن نرجع إلى المفاهيم العرفية و المداليل اللغوية.

فأولًا: نأخذ كلمة (الوقوف)، التي هي في مقابل (الاقتحام)، فهنا، المستدل يقول: بأنّ معناها: ترك العمل و الإحجام عنه.

و لكن هذا المطلب ليس واضحاً، لأنّ الوقوف الذي يقابل الاقتحام لا ينبغي حمله على هذا المعنى، لأنّ الاقتحام معناه: الإقدام بلا تروّ و تمهّل، و الوقوف المقابل له، بقرينة التقابل، يكون عبارة عن أن يقف وقوف التأمّل و التروّي و التريّث في مقابل أن يقتحم، لا أنّه يترك العمل نهائياً، فإنّ مثل هذا ليس وقوفاً، بل معناه: رجوعاً، و حينئذٍ يكون المعنى: إنّ التروي و التأمل و التريث عند الشبهة خير من الاقتحام بدونه، و هذا معنى متفق عليه عند جميع العلماء حتّى بما فيهم من يقول: بالبراءة، و حينئذٍ، فلا دلالة في الرواية على وجوب الاحتياط.

و ثانياً: نأتي إلى كلمة الشبهة في كتبنا الأصولية: حيث اعتدنا أن نعبّر و نسمّي الشك شبهة، فنقول: شبهة موضوعية، أو شبهة حكمية، أو شبهة وجوبية، أو شبهة تحريمية، و نقصد بذلك الشك، إلّا أنّ أصل الشبهة لغة هو المثل و النظير، و منه انتزع الشك، باعتبار أنّه يظهر طرفين على نحو متماثل و متساو، و لهذا عبّر عن الشك بالشبهة، و الروايات التي وردت فيها كلمة الشبهة يستنتج منها أنّ الشبهة كانت تستعمل في كلماتهم (عليهم السّلام) بالمعنى اللغوي، أي التشابه و التماثل في موارد بيان أنّ المورد شبيه الحق بحسب ظاهره، و لكن باطنه ضلالة و انحراف.

282

و قد ورد في وصية أمير المؤمنين لولده الإمام الحسن (عليه السّلام): و إنّما سميت الشبهة شبهة، لأنّها تشبه الحق، و أمّا أولياء الله فضياؤهم فيها اليقين، و دليلهم سمت الهدى، و أمّا أعداء الله فدعاؤهم فيها الضلال، و دليلهم العمى ( (1)).

و في بعض الروايات، ورد أنّ الشبهات من الشيطان، كما عن الإمام الباقر (عليه السّلام)، أنّه قال: قال جدي رسول الله (صلّى اللّه عليه و آله و سلم):

(أيّها الناس حلالي حلال إلى يوم القيامة، و حرامي حرام إلى يوم القيامة، ألا و قد بيّنهما الله تعالى في الكتاب، و بيّنتهما في سنّتي و في سيرتي، و بينهما شبهات من الشيطان و بدع بعدي، فمن تركها صلح له أمر دينه و صلحت له مروءته و عرضه) (

(2)

). و هذا يؤيّد استعمالهم (عليهم السّلام) الشبهة في أنّها الأطروحة التي باطنها الضلال، و ظاهرها الحق و المشروعية، لأنّ كون الشك من الشيطان لا معنى له عرفاً.

و في رواية أخرى عنه (عليه السّلام)، قال: قال جدي رسول الله (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) لأبي ذر (رض):

(يا أبا ذر، إنّ المتقين الذين يتقون الله من الشي‏ء الذي لا يتّقى منه خوفاً من الدخول في الشبهة) (

(3)

). و هنا تراه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) قد ساق الشبهات مساق البدع، و ذكر أنّها بعده، كما في رواية الإمام الباقر (عليه السّلام) عنه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) إذاً، فهذه الروايات و أمثالها ممّا يوجب الاطمئنان في أنّ الشبهة في كلمات الأئمة (عليهم السّلام) لم تكن‏

____________

(1) الوسائل، ج 18، ب 12، ص 117، ح 20 في آخره‏

(2) كنز الفوائد، ص 164، ح 6. الوسائل، ج 47، ص 124

(3) جامع أحاديث الشيعة، ج 1، ب 8، ص 333، ح 37، نقلًا عن الكافي و المحاسن.

283

تستعمل بالمعنى الأصولي، أي الشك، بل كانت تستعمل بمعنى رائج، و هو البدعة، أو الأطروحة التي باطنها باطل، و ظاهرها يشبه الحق.

و حينئذٍ، يكون معنى (الوقوف عند الشبهة خير من اقتحام الهلكة)-: أي الوقوف عند قضية يبدو على ظاهرها علامات الشريعة، و لكن يعرف بالقرائن أنّ باطنها باطل و ضلال، و حينئذٍ و في مثل هذه الحال، إذا اخترت الوقوف يكون أفضل من الاقتحام، إذ لو اقتحمت لعلّك تقع في الهلكة فتهلك، إذاً، فهذه نصيحة للمسلمين بأنّ كل أطروحة عليها ثوب ظاهري من الشريعة، و لكن توجد أمارات و دلائل على أنّها ضلال و باطل، فلا تسرعوا في الدخول فيها، بل لا بدّ لكم من التأمّل حتى يتضح الحق لكم، إذاً، فهذا اللسان أجنبي عن بحث وجوب الاحتياط عند الشك في التكليف.

284

اعتراض على الاستدلال بروايات الوقوف عند الشبهة

و قد اعترض المحققون الأصوليون من أصحابنا على الاستدلال بروايات (الوقوف عند الشبهة)، بعد أن حملوا الشبهة في هذه الطائفة على ما يناسب أنسهم الذهني بالمصطلحات الأصولية.

و حاصل ما أفادوه: هو أنّ هذه الطائفة و إن كانت تأمر بالوقوف عند الشبهة، كما في قوله: (قف عند الشبهة)، فإنّ قوله هذا لو بقي وحده من غير تعليل بقوله: (خير من الاقتحام في الهلكة) لأمكن أن يستفاد من ذلك وجوب الاحتياط في كل ما يصدق عليه أنّه شبهة، و يتمسك بإطلاقه للشبهة البدوية، إلّا أنّه قد علّل بما عرفت، و هذا التعليل يفترض أنّ نكتة الأمر بالوقوف هو تخليص الإنسان من الهلكة، و هذا يعني: أنّ ثبوت الهلكة في الشبهة أمر مفروغ عن وجوده في المرتبة السابقة على الأمر بالوقوف، و هو ملاك الحكم، فيكون معرضيّة الشبهة للهلكة أمراً ثابتاً في المرتبة السابقة على جعل الحكم، فيكون إيجاب الاحتياط و الأمر بالوقوف متفرعاً على هذه الهلكة، و بناء على ذلك: يستحيل الأمر بالوقوف مولوياً بداعي تنجيز الواقع و تحميله على عهدة المكلف، لأنّ الأمر المولوي الطريقي الذي يكون منجزاً للواقع، إنّما هو ذاك الأمر الذي تكون الهلكة من تبعاته و من آثاره المترتبة عليه، بينما الأمر في المقام على العكس من ذلك، إذ

285

فرض العقاب أمر مفروغ عنه قبل الأمر بالوقوف، إذاً، لا بدّ من سلخ الأمر بالوقوف عن المولوية، و حمله على الإرشاد إلى التحذير عن الهلكة المفروضة في المرتبة السابقة، فيختص بخصوص تلك الموارد التي وجد فيها الهلكة، فكأنّ الأمر بالوقوف في طول تصحيح الهلكة بدليل آخر، و لا يمكن أن يكون هو مصحح الهلكة، لأنّه أخذ في مرتبة علة الأمر بالوقوف، و من الواضح أنّ الهلكة في المرتبة السابقة على هذا يحتاج إثباتها في الشبهة البدوية إلى دليل، و نحن في مقام الفحص عن هذا الدليل.

و الحاصل: هو أنّ هذه الطائفة من الروايات افترضت ثبوت الهلكة في المرتبة السابقة على الأمر بالتوقف، فتكون إرشاداً إلى حكم العقل بلزوم تجنب الهلكة المحتملة، و لا يمكن أن يكون هذا الأمر مولوياً، لأنّ الأمر المولوي لا يعلل بالوقوع في الهلكة المحتملة و الثابتة في المرتبة السابقة على الأمر، و معه: فتختص هذه الطائفة بالموارد التي يكون الحكم منجزاً فيها، كما هو الحال في الشبهات المقرونة بالعلم الإجمالي أو قبل الفحص، و أمّا الشبهة البدوية بعد الفحص فلا احتمال للهلكة فيها، لقبح العقاب بلا بيان.

و أجيب عن اعتراض المحققين من علمائنا: بأنّ و إن كان لا يعقل أن يكون الأمر بالاحتياط أمراً مولوياً طريقياً، لأنّه علّل بالهلكة، و لكن الأمر أو الحكم الواقع على موضوع المعلّل بعلّة، ظاهر عرفاً في أنّ هذا الموضوع تتوفّر فيه العلّة، و يكون هذا الخطاب المتكفّل للحكم المعلّل الوارد على موضوع، دالًا على أنّ العلة موجودة في تمام أفراد ذلك الموضوع.

و توضيحه: هو أنّ المولى تارة يقول: (لا تأكل كل الرمان إذا

286

كان حامضاً)، فإنّه من الواضح أنّ هذا الخطاب لا يدلّ على أنّ كل رمان حامض، لأنّه صاغ العلّة بصياغة التعليق.

و أخرى يقول:

(لا تأكل الرمان لأنّه حامض)،

فهذا يدل بظاهره على فعلية الحكم المعلل بفعلية علّته، و هي الحموضة، لأنّه صاغها بصياغة التنجيز، إذاً، يدلّ على أنّ كل رمان هو حامض، و حينئذٍ يكون لهذا الخطاب مدلولان: أحدهما: مطابقي، و هو فعلية حرمة أكل كل رمان، و الآخر: التزامي، و هو فعلية مناط هذه الحرمة و هو الحموضة.

و محل الكلام من قبيل الثاني، حيث يقول:

(قف عند الشبهة، فإنّ الوقوف عند الشبهة خير من اقتحام الهلكة)،

فظاهر الخطاب فعلية الحكم المعلل، و يستلزم بالدلالة الالتزامية فعليّة العليّة و هي الهلكة، و حيث لا تكون الهلكة إلّا مع وجوب الاحتياط، إذاً، يستكشف من هذا الخطاب بالدلالة الالتزامية وجوب الاحتياط، فيثبت المطلوب.

و قد دفع ما أورد على اعتراض المحققين من علمائنا فقيل: إنّ وجوب الاحتياط بوجوده الواقعي ليس منشأً للهلكة، و ليس ملزوماً لها، و إنّما يكون كذلك بوجوده الواصل، و إلّا لو بقي واقعياً و لم يصل فليس حاله بأحسن من حال الأحكام الواقعية التي لم تصل، و يجري في حقّها قاعدة قبح العقاب بلا بيان، فهل تريدون أن تثبتوا من فعلية الخطاب و من دلالته الالتزامية، ذات وجوب الاحتياط، أو الوجود الواصل؟ فإن كان الأول، فهذا ليس منشأً للهلكة، لأنّ ذات وجوب الاحتياط لا يترتب عليه العقاب ما لم يصل، و إن كان الثاني و تقولون: بأنّ وجوب الاحتياط واصل في المرتبة السابقة على الخطاب، إذاً، هذا رجوع إلى دليل آخر.

287

و هذا غير صحيح، لأنّ المفروض أنّنا نريد أن نستدل على وجوب الاحتياط بهذا الدليل، لا بدليل آخر.

و الحاصل: هو أن كلًا من الجواب و أصل المناقشة غير صحيح.

أمّا الجواب فلأنّه يخرج القضية عن كونها قضية حقيقية إلى كونها قضية خارجية، أي كونها ناظرة إلى حكم شرعي خارجي، و هو إيجاب الاحتياط المجعول شرعاً في موارد الشبهة البدوية أو مطلقاً، و هذا خلاف الظاهر الأولي في الخطابات.

و أمّا أصل المناقشة، فهي غير تامة أيضاً لا مبنى و لا بناء.

أمّا مبنى، فلإنكار قاعدة قبح العقاب بلا بيان، بل العقل يحكم بالهلكة و استحقاق العقوبة في موارد اقتحام الشبهة البدوية من دون مؤمن شرعي كما عرفت سابقاً.

و أمّا بناء، فلأنّا حتّى لو سلّمنا بالقاعدة، فلا ينبغي الإشكال بأنّ من ألسنة بيان الحكم المولوي الإلزامي هو ذكر العقاب و الهلكة المترتبة على الاقتحام في الشبهة، و مثل هذا كثير في أدلّة الأحكام الواقعية، فضلًا عن الظاهرية و التي يكون الحكم الواقعي محفوظاً في موردها كما تقدّم في محله.

ثمّ دفع ما أورد على اعتراض علمائنا فقيل: بأنّ ترتب الهلكة و العقاب فرع وصول التكليف و إيجاب الاحتياط، فلا يكفي ثبوته واقعاً، فإن فرض إرادة إيصاله بنفس هذا البيان، لزم الدور، و إن فرض وصوله في المرتبة السابقة و كون هذا البيان إرشاداً إلى ذلك،

288

إذاً، كفى هذا الخطاب الواصل في إثبات الاحتياط من دون حاجة إلى مثل هذه الروايات.

ثمّ إنّه أجيب على ذلك من قبل الموردين على المحققين على هذا الدفع: بأنّا نستكشف من هذه الروايات بالمطابقة ثبوت الهلكة بالفعل في اقتحام الشبه لمن كان يخاطبه الإمام (عليه السّلام) بالالتزام وصول وجوب الاحتياط إليهم و تنجّزه في حقهم، إذ من دونه لا يعقل الهلكة بالنسبة إليهم، ثمّ نثبت ذلك في حقنا من باب عدم احتمال الفرق، و اشتراك جميع المكلّفين بالأحكام.

و إن شئت قلت: إنّ قوله (عليه السّلام): (قف عند الشبهة)، يدل بالالتزام على وجوب احتياط واصل، و نستكشف ذلك من المخاطبين بهذا الخطاب.

و توضيحه: هو أنّ الإمام (عليه السّلام) حينما وجه خطابه: (قف عند الشبهة) إلى أفراد معيّنين من أصحابه، نستكشف من فعلية الأمر بالوقوف بالنسبة إلى المخاطبين، و أيضاً نستكشف أنّ الهلكة أيضاً فعلية، فيستكشف من ذلك وصول الاحتياط بالنسبة إليهم، و لا يقطع بعدم وصوله، إذ لو لم يكن واصلًا فهو في معرض الوصول، لأنّهم لو فحصوا عنه لوصلوا إليه باعتبار وجود الإمام (عليه السّلام)، و كلّما كان كذلك فهو بحكم الواصل، إذاً، بالدلالة الالتزامية لهذا الخطاب نستكشف أنّ وجوب الاحتياط كان واصلًا أو بحكم الواصل إليهم، فإذا ثبت ذلك بالنسبة إليهم، نثبته إلى غيرهم، أي غير المخاطبين من جهة عدم احتمال وجود فرق بين المخاطبين به و بين غيرهم.

تعليقنا على الاستشكال على الدفع: هو أنّ هذا الاستشكال إنّما يتم فيما لو كانت القضية الصادرة من الإمام (عليه السّلام) بالنسبة إلى أصحابه‏

289

المخاطبين قضية خارجية، و أمّا لو كانت قضية حقيقية فلا يتم، و ذلك لأنّها لو كانت القضية حقيقية، فكأنّه قال: (كل مكلّف لا بدّ أن يقف عند الشبهة)، و بما أنّ طبيعي المكلّف قابل لأن ينقسم إلى من وصل إليه وجوب الاحتياط، و من لم يصل إليه ذلك، فحينئذٍ لا بدّ من أخذ هذا القيد أي قيد الوصول- بحكم العقل، لاستحالة الهلكة بالنسبة إلى من لم يصل إليه وجوب الاحتياط، فهذا مخصص عقلي من جملة المصاديق المتيقنة أي متيقنة وصول وجوب الاحتياط في موارد الشك قبل الفحص، و أيضاً موارد العلم الإجمالي، و أمّا بالنسبة إلى الشبهات البدوية التي هي محل الكلام، فهي مشكوكة، إذاً، فلا يمكن التمسك بالعام لنثبت وجوب الاحتياط، لأنّنا قد ذكرنا في بحث العام و الخاص، أنّه في موارد جعل القضايا الحقيقية يتعذّر التمسّك بالعام في مورد عدم إحراز وجود القيد، لأنّ الشبهة مصداقية، بخلافه فيما لو كانت القضايا على نحو القضية الخارجية و احتملنا أنّ القيد موجود في تمام الأفراد، فإنّه لا بأس بالتمسك بالعام و إن كانت الشبهة مصداقية، إذا كان القيد و الخصوصية من شأن المولى أن يلتفت إليه في تمام الأفراد، و لكن بما أنّ الظاهر من الخطابات الصادرة من الأئمة (عليهم السّلام) أنّها على نهج القضايا الحقيقية، فحينئذٍ لا يمكن التمسك بالعام، إذاً، فلا يتم ما ذكر من الاستشكال على دفع المحققين من علمائنا على ما أورد عليهم.

و أمّا تعليقنا على استشكال المحققين من علمائنا، فهو أن يقال: إنّ هذا الاستشكال خلاف الوجدان العرفي، حيث إنّ الوجدان العرفي يقضي بأنّ مثل هذا اللسان مستعمل كثيراً في مقام تنجيز الحكم الشرعي و إلقائه في عهدة المكلّف، و هذا اللسان ليس مستعملًا فقط في مقام جعل الحكم الظاهري، بل هو مستعمل أيضاً في مقام جعل الحكم الواقعي.

290

فمثلًا لو ألقي النظر على كتاب ثواب الأعمال و عقاب الأعمال، لملاحظة الروايات التي بيّن فيها التحريم بلسان العقاب، فهذا لسان من ألسنة بيان الحكم الشرعي واقعياً أو ظاهرياً، و كم من تحريم واقعي بيّن بلسان أنّه: (من فعل كذا كان عليه كذا من العقاب)، فهل حينئذٍ يستشكل و يقال: إنّ مثل هذا البيان لا يعقل أن يكون موصلًا إلى الحكم الواقعي لأنّه قد فرض فيه العقاب، و لا يعقل إلّا بإيصال الحكم الواقعي بنفس بيان العقاب؟

إذاً، فهذه الشبهة و إن كان لها صورة من الناحية الفنية، إلّا أنّه لا بدّ من حلّها، لأنّ عرفيّة هذا البيان لا شك فيها في مقام تداول أساليب العرف و المحاورة.

و بعد الفراغ عن عرفية هذا البيان يكون حلّها بأحد وجهين: فإن كانت القضية خارجية، كان حلّها بما تقدّم، و أمّا لو فرض أنّ القضية حقيقية، فلا يكون وجوب الاحتياط كافياً لإيجاد الهلكة و تصحيحها على ما عرفت، فالبيان الذي أجريناه في القضية الخارجية لا يأتي في القضية الحقيقية.

و لكن هنا نقول: بأنّه يوجد قيد مستتر، فهذا الخطاب و إن كان ظاهراً في الفعلية، و لكن يوجد قيد مستتر في المقام، و هذا القيد المستتر ليس هو ما يريد إبرازه صاحب الاستشكال، و هو أنّه إذا وصل خطاب: (قف عند الشبهة)، إذاً، يكون قد وصل وجوب الاحتياط، إذ إنّ هذا من توضيح الواضحات، لأنّه لا إشكال في أنّ كل من يصل إليه وجوب الاحتياط يقف عند الشبهة، فلو كان القيد المستتر عبارة عن وصول وجوب الاحتياط، للزم إخراج هذا البيان عن كونه بياناً لوجوب الاحتياط، مع أنّنا بيّنا أنّ هذا الأسلوب بيان عرفي لوجوب‏

291

الاحتياط بنفسه، و كذلك الأمر في روايات عقاب الأعمال، فحينما يقال مثلًا:

(من استغاب مؤمناً كان عليه كذا من الأوزار يوم القيامة)،

فهذا بنفسه بيان عرفي للتحريم، لا أنّه يراد أن يقال: إذا وصل حرمة الغيبة بدليل فحينئذٍ إذا استغبت بعد الوصول كان عليك كذا من الأوزار، فليس الأمر كذلك، بل هذا بيان بنفسه، و هو أسلوب عرفي لإيصال الحرمة، فلا بدّ إذاً، من تصوير هذا القيد المستتر بنحو بحيث يحافظ على كون هذا البيان بياناً للحرمة و إيصالًا للحرمة، و ذلك بأن يقال: إنّ مرجع هذا البيان لباً إلى قضية شرطية حاصلها: أنّه إذا وصلك حكم الشبهة، أي إذا وصلك حكمها الظاهري فلا بدّ من الوقوف، و إلّا هلكت، و إذا وصلك الحكم الواقعي للغيبة، فلا بدّ لك من الاجتناب، و إلّا كان عليك كذا من الأوزار، فهنا الشرط هو (إذا وصلك حكم الغيبة أو الشبهة)، أمّا حكم الشبهة و الغيبة، فإنّه يعرف من الجزاء، أنّ هذا الذي سوف يصل هو منجز، و هو تكليف إلزامي، إذاً، من الواضح أنّ الشبهة لو كان حكمها الترخيص و الإباحة، إذاً، لمّا ترتب على ذلك الهلكة، فهل تصدق هذه القضية الشرطية؟ فهنا على قول القائلين: بالبراءة يصدق أن يقال: (لو وصلك حكم الشبهة لكان في اقتحامك هلاك)، و هذه القضية كاذبة على القول: بالبراءة، إذ على القول بالبراءة، حكم الشبهة هو الحلية، (كل شي‏ء لك حلال حتى تعرف الحرام منه بعينه)، فلو وصله حكم الشبهة لما ترتبت عليه الهلكة.

لكن هذه القضية الشرطية صادقة على تقدير القول: بوجوب الاحتياط، لو وصله حكم الشبهة لكان منجزاً و مستتبعاً للهلكة بالاقتحام.

إذاً، فمن ناحية تحليلية، روح هذا البيان يرجع إلى قضية شرطية

292

حاصلها: أنّه (لو وصلك حكم الشبهة لكان كذا يترتب عليه من العقاب)، و الغرض من هذه القضية الشرطية إيصال حكم الشبهة.

إذاً، فهذا التخريج ينقح أنّ مثل هذا البيان قابل لأن يصل به وجوب الاحتياط، كما يصل الحكم الواقعي بحرمة الغيبة، بالروايات الدالة على عقاب الأعمال.

إذاً، هذا الإشكال لا يمكن التعويل عليه، و إنّما التعويل على ما ذكرناه في مقام الاستشكال في دلالة الرواية و أمثالها، مضافاً إلى ضعف السند في كثير من الروايات.

هذا كله مضافاً إلى أنّ هذا الاعتراض الذي وجهه المشهور في المقام، مبني على قاعدة قبح العقاب بلا بيان، حيث بيّن أنّ الهلكة لا تتم إلّا بعد وصول وجوب الاحتياط، و حينئذٍ، بناء على هذا تتجه صورة هذا الكلام بأن يقال: بأنّ الأمر بالوقوف عند الشبهة هنا، هو في طول الهلكة، فلا يعقل أن يكون هو منشأ الهلكة.

و لكن بناء على ما اخترناه من إنكار البراءة العقلية قاعدة قبح العقاب بلا بيان-، إذاً، الشبهة في نفسها لو خليت و طبعها، فهي مورد للهلكة، لأنّ العقل يحكم بسعة دائرة حق الطاعة و المولوية حتى في موارد المحتملات، و إنّما ترتفع الهلكة بجعل الشارع للبراءة، فإذا صدر من الشارع بيان يؤكد فعلية الهلكة، فهذا يدل على أنّ الشارع لم يجعل البراءة، و هذا اللسان كافٍ في نفي البراءة، بناء على ما هو المختار، من أنّ القاعدة العقلية تقضي بوجوب الاحتياط.

الطائفة الثانية: أخبار التثليث، و ما عثرنا عليه منها ثلاث روايات كلها ضعيفة السند رغم ما قيل من استفاضتها.

293

الرواية الأولى: هي رواية الفقيه بسنده عن جميل بن صالح (غير الموثق) ( (1))، عن أبي عبد الله (عليه السّلام)، عن آبائه (عليهم السّلام)، عن رسول الله (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، أنه قال: الأمور ثلاثة: أمر بيّن لك رشده فاتبعه، و أمر بيّن لك غيّه فاجتنبه، و أمر اختلف فيه فردّه إلى الله سبحانه و تعالى.

و قد استدل بهذه الرواية على المقصود، أي على وجوب الاحتياط بدعوى: أنّ هذا التثليث يقضي تصنيف الأشياء إلى ثلاثة أقسام:

القسم الأول: هو أمر بيّن رشده، يعني: يقطع بعدم حرمته.

القسم الثاني: هو أمر بيّن غيّه، أي أنّه يقطع بحرمته.

القسم الثالث: هو أمر بين هذا و ذاك، مشتبه.

حينئذٍ، في هذا القسم الأول نراه قد أمره بالإقدام، و في القسم الثاني نراه قد أمره بالاجتناب، و في القسم الثالث نراه قد أمره بالرد إلى الله تعالى، و هذا الرد مساوق للتوقف الذي يستبطن الاحتياط.

إلّا أنّ هذا الاستدلال محل للإشكال من وجوه:

الوجه الأول: هو أنّ الرواية لم تعبّر

(أمر بيّن حليّته، أو أمر بيّن حرمته)،

فلو كان التعبير بمثل هذا، لكان من المحتمل قوياً أن يراد بالغي و الرشد العقلي لا بمعنى الحرمة الشرعية، و على هذا الاحتمال تكون الرواية في مقام إمضاء المستقلات العقلية، و الأمر بالرجوع في غير المستقلات العقلية إلى الشرعية، و عدم التعويل فيها على الحدس و الاستحسان و الظنون، فالأمر البيّن رشده، يعني: أنّ العقل يحكم بحسنه، و الأمر البيّن غيّه، يعني: أنّ العقل يحكم بقبحه، و أمر اختلف‏

____________

(1) الوسائل، ج 18، ب 12 من صفات القاضي، ح 23، ص 118.

294

فيه، يعني: أنّه ليس للعقل الفطري السليم حكم قاطع في المقام، و إنّما المسألة مسألة ظنون و حدوس و آراء شخصية: فلا بدّ من ردّه إلى الله تعالى.

إذاً، فهذا الاحتمال إن لم يكن هو الأقرب في كلمتي (الرشد و الغي)، فلا أقل من أنّه يكون موجباً لإجمال الرواية، و حينئذٍ تكون أجنبية عن محل الكلام.

و إن شئت قلت: إنّ الوارد في الرواية، عنوان (بيّن الرشد و بيّن الغي)، و هذا العنوان إنّما يناسب المستقلات العقلية و مدركات العقل العملي، أي ما يكون رشداً و حسناً في قبال ما يكون ظلماً و ضلالة، و معنى هذا: أنّها تكون دالة على أنّ ما لا يدل العقل العملي حسنه بشكل بيّن، لا يجوز أن نحكّم فيه أذواقنا و ظنوننا، و إنّما يجب أن نردّ حكمه إلى الله و رسوله، و معه تكون الرواية من أدلة النهي عن إعمال الرأي في الدين، و لا أقل من احتمال ذلك، ممّا يوجب إجمال الرواية، فتكون أجنبية عن محل الكلام.

الوجه الثاني: هو أنّه لو سلّمنا بأنّ المراد من الرشد و الغي المعنى الشرعي، فحينئذٍ نقول: بأنّه هنا جعل تقابلًا بين الأمر البيّن الرشد و البيّن الغي، و بين الأمر المختلف فيه، بينما لا تقابل بالذات بين الوضوح و الجلاء الذي هو معنى: (بيّن الرشد و بيّن الغي)، و بين الاختلاف، إذ قد يكون الشي‏ء مختلفاً فيه مع أنّه قد يكون بيّناً رشده أو غيّه عند أحد المتخاصمين، إذاً، لا بدّ من إعمال عناية، إمّا بأن يحمل الاختلاف على كونه طريقاً و سبباً إلى غموض المطلب، حيث إنّ الاختلاف يكون سبباً للغموض و التشكيك، فبدلًا من أن يذكر الشك بنفسه يذكر بملاكه أو بالعكس، فنقول مثلًا: بيّن الرشد يحمل على أنّ المقصود منه، يعني: مجمع على رشده و مجمع على غيّه،

295

و إنّما بيّن بلسان: (بيّن)، باعتبار أنّ الإجماع يساوق البيان، و لا مرجح لإعمال العناية بالترتيب الأول على الثاني، و لو أعملناها على الترتيب الثاني، لكان معناها: (أمر مجمع على حليّته و رشده فاتبعه، و أمر مجمع على حرمته فاجتنبه، و أمر اختلف فيه المسلمون فرده إلى الله تعالى)، و حينئذٍ يكون مفادها مسوقاً لجعل الحجية للإجماع، و تكون الرواية أجنبية عن محل الكلام.

و بتعبير آخر: احتمال أن يكون المراد من (بيّن الرشد، و بيّن الغي)، هو المجمع على صحّته و المجمع على بطلانه أو حرمته، و ذلك بقرينة جعل القسم الثالث أنّه ما اختلف فيه لا ما شك فيه، فإنّ المختلف فيه قد يكون بيّن الرشد أو الغي لدى الإنسان.

و الحاصل: هو أنّه كما يمكن حمل المختلف فيه على المشكوك، كذلك يمكن جعله قرينة على إرادة البيّن إثباتاً، أي المجمع عليه من الفريقين، إذاً، فيكون النظر في إلى لزوم الأخذ بما هو مجمع عليه و ترك المختلف فيه، و هذا إن لم يكن هو الظاهر، فلا أقل من احتماله، و معه تكون الرواية أجنبية عن محل الكلام.

الوجه الثالث: هو أنّه لو فرضنا أنّ الاختلاف بمعنى: الشك، فحينئذٍ نقول: بأنّ هذا اللسان تحكم عليه أدلة البراءة بأيّ لسان كانت، و ذلك باعتبار أنّه لم يقل: (بيّن حرمته و بيّن حليّته)، و إنّما قال: (بيّن رشده، و بيّن غيّه)، و من الواضح حينئذٍ حتى بعد حمل الرشد على المعنى الشرعي و كذلك الغي يكون الإقدام على ارتكاب الشبهة استناداً إلى البراءة المجعولة من قبل الشارع إقداماً على أمر بيّن رشده، و ليس إقداماً على الشبهات، لأنّه قد أخذ بالرخصة الصادرة من قبل المولى تعالى، و الرشد عبارة عن العمل الواقع بالنحو

296

المناسب، و من الواضح أنّه كما أنّ ارتكاب المباح الواقعي بيّن رشده كذلك ارتكاب المباح الظاهري الذي رخّص به الشارع أيضاً بيّن رشده، و هذا سلوك رشيد، فلا يبقى تحت العنوان الثالث إلّا الشبهات التي لم يقم دليل شرعي فيها، من قبيل الشبهات المقرونة بالعلم الإجمالي، أو في أصول الدين التي يجب فيها الفحص على كل حال، أو في الشبهات قبل الفحص، و أمّا الشبهات البدوية التكليفية بعد الفحص، فإنّها تخرج عن العنوان الثالث، و تدخل تحت العنوان الأول ببركة دليل البراءة

و الحاصل: هو أنّه لو افترضنا إرادة المشكوك من المختلف فيه، فإنّه مع ذلك نقول: بأنّ الشك لا بدّ و أن يضاف إلى ما أضيف إليه التبيّن، و هو (الغي و الرشد)، و حينئذٍ يكون المعنى: إنّ ما يشك في أنّه رشد أو غيّ، لا بدّ و أن يجتنب، لا ما يشك في حرمته و حليّته.

و من الواضح أنّ أدلة البراءة، حتى العقلية، لو تمّت كبراها سوف تكون واردة على هذا العنوان، إذ تجعل ارتكاب الشبهة بيّن الرشد، و إن بقي الحكم الواقعي مشكوكاً، فمثل هذا اللسان لا يمكن أن نثبت به إيجاب الاحتياط شرعاً عند الأصولي، و إن كان الاحتياط هذا ثابتاً في مورد مدّعي الاحتياط.

الرواية الثانية: من طائفة التثليث: هي ما رواه النعمان بن بشير، و هو من الصحابة الذين انحرفوا عن الحق، ثمّ صار موالياً لبني أمية.

و هذه الرواية أساساً مأخوذة من كتب العامة، و قد وجدت في كتبنا بإحدى صيغتين:

الصيغة الأولى: قال: سمعت رسول الله (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) يقول:

(حلال بيّن، و حرام بيّن، و بينهما شبهات لا يعلمها كثير من الناس، فمن‏

297

اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه و عرضه، و من وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي حول الحمى يوشك أن يقع فيه، ألّا و إنّ لكلّ ملك حمى، و حمى الله محارمه) (

(1)

). الصيغة الثانية: ذكرت بلسان:

(إنّ لكل ملك حمى، و حمى الله حلاله و حرامه، و المشتبهات بين ذلك، كما لو أنّ راعياً يرعى حول الحمى لم تثبت غنمه أن تقع في الحمى، فدعوا الشبهات) (

(2)

). و قد روى البخاري هذه الرواية بلسانين:

اللسان الأول: (الحلال بيّن، و الحرام بيّن، و بينهما شبهات لا يعلمها كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه و عرضه، و من وقع في الشبهات كان كراعٍ يرعى حول الحمى يوشك أن يواقعه، ألا و إنّ لكل ملك حمى، ألا و إنّ حمى الله محارمه) ( (3)).

اللسان الثاني: الحلال بيّن، و الحرام بيّن، و بينهما أمور مشتبهة، فمن ترك ما شبّه عليه، (أو ما أشبه عليه)، من الإثم كان لم استبين أترك، و من اجترأ على ما يشك فيه من الإثم، أوشك أن يقع فيما استبان، و المعاصي حمى الله، و من يرتع حول الحمى يوشك أن يواقعه) ( (4)).

و قد رويت في مسند أحمد ( (5)) بصيغة التنكير: (حلال بيّن، و حرام‏

____________

(1) مستدرك الوسائل، ج 3، ب 12 من أبواب صفات القاضي، ص 190، عن مرسلة غوالي اللآلي عن النعمان بن بشير

(2) الوسائل، ج 18، ب 12 من أبواب صفات القاضي، ص 122، ح 40

(3) إرشاد الساري في شرح صحيح البخاري، كتاب الإيمان، ب الحلال بيّن و الحرام بيّن، ص 142

(4) إرشاد الساري، كتاب البيوع، ص 6، المطبعة الأميرية 1304 ه-

(5) مسند أحمد بن حنبل، ج 4، ص 275، طبعة المكتب الإسلامي المصورة.

298

بيّن، و شبهات بين ذلك، من ترك الشبهات فهو للحرام أترك، و محارم الله حمى، فمن وقع حول الحمى كان قيمنا أن يرتع فيه). و مثله لسان غوالي اللآلي.

و هذه الرواية بناء على ما جاءت في مسند أحمد أو في غوالي اللآلي من كون الحلال منكراً و الحرام أيضاً، يمكن للقائلين: بوجوب الاحتياط الأخذ بها.

و أمّا بناء على كونها معرفة كما في البخاري، فلا يمكنهم الاستدلال بها، لأنّه حينئذٍ يكون ظاهر الحلال و الحرام الاستيعاب لكل أفراد الحلال و الحرام، لأن المفرد المعرّف بالألف و اللام يفيد الاستغراق، و هذا يكون معناه حينئذٍ: أنّ الحلال في الشريعة لا غبار عليه و كذلك الحرام، و هذا ليس أمراً مستغرباً على فرض صحة الرواية، و الشبهات حينئذٍ لا ينبغي أن تحمل على مشكوك الحلية و الحرمة، إذ لو حملت على ذلك لكان خلف الاستغراق في قول: (الحلال بيّن)، فيكون هذا قرينة على أنّ المقصود بالشبهة ليس معناها الأصولي، بمعنى: أي إنّ ما يشبه الحرام قد يراد به المكروهات، فيكون، من حيث الروح بمثابة الحرام، و لكنّه ليس بحرام، و هذه الشبهات الواقعة حول الحمى قريبة من الحرام، و بناء على هذا، تكون الرواية أجنبية عن محل الكلام.

و أيضاً لو أخذنا بالصيغة التي وردت منكرة، فإنّه لا يمكن الاستدلال بها في المقام، لأنّ المستدل على وجوب الاحتياط يريد أن يقول: إنّ هناك حلالًا و حراماً، و هناك شي‏ء يشك في كونه حلالًا أو حراماً، إذاً، فهو يفترض أنّ الشبهة داخلة في الحمى، بينما

299

الحديث لا يستفاد منه ذلك، و إنّما يستفاد منه أنّ الشبهة غير داخلة في الحمى بقرينة قوله: (إنّه إذا حام حول الحمى أوشك أن يقع فيه)، و إلّا لو كانت الشبهة هي الحمى لما صحّ هذا القول.

و الحاصل: هو أنّ الرواية، من حيث السند عامية، و إن كان قد نقلها في غوالي اللآلي من أصحابنا، لكنّه نقلها مرسلة عن رسول الله (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، و في كتب العامة نقلها البخاري بصيغتين؛ فهو تارة ينقلها بصيغة: (الحلال بيّن و الحرام بيّن، و بينهما أمور مشتبهة، فمن ترك ما اشتبه عليه من الإثم لما استبان أترك، و من اجترأ على ما يشك فيه من الإثم أوشك أن يواقع ما استبان، و المعاصي حمى الله، و من يرتع حول الحمى يوشك أن يواقعه).

و هو تارة أخرى ينقلها بصيغة: (الحلال بيّن، و الحرام بيّن، و بينهما شبهات لا يعلمها كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه و عرضه، و من وقع في الشبهات كان كراعٍ يرعى حول الحمى يوشك أن يواقعه).

و قد ورد كل من الحلال و الحرام في كلتا الروايتين معرفاً (بالألف و اللام) المفيد للاستغراق، بينما نقلها أحمد في مسنده، فجاء فيها الحلال و الحرام منكّراً، حيث ورد فيها: (حلال بيّن، و حرام بيّن، و شبهات بين ذلك)، و بها استدل من يقول: بوجوب الاحتياط من علمائنا، فإنّها أنسب بالاستدلال من صيغتي البخاري، لإمكان دعوى أنّه إذا كان الحلال بيّناً و الحرام بيّناً، إذاً، فلا بدّ و أن يراد بالشبهة المعنى المتقدم من الطائفة الأولى، أي الالتباس بين الحق و الباطل، أي موارد الضلالة و لبس الباطل ثوب الحق.

300

و الحاصل: هو أنّ الاستدلال بهذه الرواية غير تام، لا سنداً و لا دلالة.

أمّا سنداً، فلما ألمحنا إليه و عرفته من فساده.

و أمّا دلالة: فلأنّها لا تدلّ على ما يريده القائل: بوجوب الاحتياط في موارد الاشتباه و الشك، لأنّ مشكوك الحرمة عنده أيضاً يصبح حراماً، فالشبهات بما هي شبهات تكون داخلة في حمى الله، غايته أنّ اقتحام الشبهة حرام بالحرمة الظاهرية.

و قد عرفت سابقاً أنّ إيجاب الاحتياط روحه، كما عرفت إبراز اهتمام المولى بالحرمات الواقعية في فرض الشك، و لكن ليس بملاك نفسي ليلزم توسعة دائرة الحمى للمشتبهات، بل تبقى دائرة الحمى للمحرمات البيّنة، و حينئذٍ يكون هذا التحذير من ألسنة إبراز اهتمام المولى بملاكاته الواقعية و إيجاب حفظها.

و مع هذا فليس هذا هو الوجه في الكلام، بل الوجه في عدم توافق لسان هذه الرواية و تقسيماتها مع مدّعى من يقول بوجوب الاحتياط هو، أنّ من يقول بوجوب الاحتياط يفترض أنّ حمى الله هو المحرمات الواقعية، و أنّ المشتبهات هي حول الحمى، فهي حريم الحمى، إذاً، فمن يرتكب هذه المشتبهات يوشك أن يقع في الحرام الواقعي، و هذا هو معنى وجوب الاحتياط في مورد احتمال الحرمة الواقعية، بينما الرواية المزبورة تدلّ على أنّ الحمى هي المحرمات البيّنة، و المعاصي و المشتبهات إنّما هي حول الحمى، فإذا ارتكبها المكلّف يوشك أن يقع في الحمى، أي المعاصي و المحرمات البيّنة، أو فيما استبان منها بحسب تعبير نقل البخاري، و هذا مطلب صحيح، لأنّ ارتكاب الشبهات إذا كان يؤدّي إلى اقتحام المعاصي و جرأة

301

المكلّف على اقتحامها، فإنّ ذلك يوجب بحكم العقل اجتنابها هذا بوجوب الاجتناب سواء استظهرنا وجوب ذلك من الرواية أو لا.

الرواية الثالثة: من روايات التثليث هي، ما ورد في مقبولة عمر بن حنظلة التي فرض فيها وجود روايتين متعارضتين، فشرع الإمام (عليه السّلام) في بيان المرجحات التي انتهت النوبة فيها إلى الترجيح بالشهرة حيث أمر بالأخذ بالرواية المشهورة بتعليل أنّ المجمع عليه لا ريب فيه، و طرح الشاذ، و بعدها قال: إنّما الأمور ثلاثة، أمر بيّن رشده فمتبع، (أو فيتبع)، و أمر بيّن غيّه فيجتنب، و أمر مشكل يرد حكمه إلى الله تعالى، ثم استشهد بالحديث النبوي فقال: قال رسول الله (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)

) (حلال بيّن، و حرام بيّن، و شبهات بين ذلك، فمن ترك الشبهات نجا من المحرمات، و من أخذ بالشبهات ارتكب المحرمات و هلك من حيث لا يعلم).

فالرواية بدأت بتقديم المشهور على غير المشهور، و علّل الإمام ذلك، بأنّ المجمع عليه لا ريب فيه.

و قد ذكرنا في بحث تعارض الأدلة، أنّ الخبر الآخر الشاذ لا يدخل بمجرد كون المجمع عليه لا ريب فيه فيما يكون مقطوع البطلان، بل يدخل فيما فيه الريب، إذ لعلّ الخلل فيها من غير جهة السند، بل لأجل دلالتها، و يدلنا على ذلك، أنّها لو كانت ممّا يقطع ببطلانه لما كان هناك حاجة للاستشهاد بحديث النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، إذ لا يحتمل عاقل جواز العمل به بعد القطع ببطلانه، فالاستشهاد بقول النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) قرينة على ما ذكرنا، و على أنّ الرواية الثانية فيها شبهة، و التثليث أريد به تطبيق هذا القانون على محل الكلام، بأن يقال: إنّ المجمع عليه داخل في البيّن الرشد، و الشاذ داخل في الشبهات،

302

فالاستدلال بالمقبولة موقوف على أن يحمل التثليث على التصور الذي يقول به القائلون: بوجوب الاحتياط، أي إنّ الشبهة معناها: الشك، أي ما يشك في حليّته و حرمته، و هذا قد أمر برده إلى الله تعالى، و هذا معناه: التوقف و الاجتناب.

إلّا أنّ هذا المدّعى لإنكار انطباقه على ظهور الرواية له مجال واسع، و ذلك لأنّ ظاهر الرواية بعد أن طرحت العناوين الثلاثة،- (بيّن رشده، و بيّن غيّه، و شبهات بين ذلك)، و أنّ لكل عنوان حكمه يكون بينها تقابل، و حينئذٍ لا يمكن أن يفسر العنوان الثالث بمعنى يرجع إلى الثاني، لأنّ هذا خلف التقابل.

و أيضاً، فإنّ الظاهر من رواية التثليث أنّها بلحاظ الأدلة و المستندات و الدلالات، يعني: الأمر التي يريد أن يستند إليها الإنسان في مقام إثبات الحكم الشرعي، و ذلك لأنّ مورد الكلام هو الخبران المتعارضان، و أحدهما مشهور، و الآخذ شاذ، و لا بدّ أن يفرض انطباق العناوين على ما هو مصب الحديث، و ما هو مصبه في المقبولة إنّما هو الخبران، و لسان الحكم أيضاً يناسب ذلك، فاتباع الأمر (البيّن رشده) هو شأن الدليل لا شأن الانحلال، و لا معنى لأن نفسر الشبهة بالشك، و أن يكون المقصود منها الأخذ، إذ لا معنى لأن يقال: أخذ بالشك، بل و لا أحد يأخذ بذلك، بل يقال: استند إلى الشك، و بناء على هذا، يكون تثليث العناوين واضحاً، و حينئذٍ تكون الرواية أجنبية عن محل الكلام.

و الحاصل: هو أنّه لا ينبغي الشك في أنّ التثليث المذكور أولًا في كلام الإمام لا يمكن الاستدلال به على وجوب الاحتياط في الشبهة البدوية، لأنّ هذا التثليث وارد في الخبرين اللذين أحدهما

303

مجمع عليه، من حيث الرواية دون الآخر، فيكون الآخر هو الشاذ النادر، و يكون المراد من الرد إلى الله حينئذٍ عدم الاعتماد عليه، من حيث الدلالة و المستند في مقام أخذ الحكم الشرعي، و هذا أمر صحيح عند كل الفرقاء، و مما يشهد على هذا المعنى في التثليث الأول في المقبولة هو التعبير بالاتباع، فإنّه يناسب باب الروايات و الدلالات، و لا يناسب إضافته إلى الحرمة و الحلية كحكمين، بل لا معنى لإسناده إلى المشكل، لأنّ الوارد فيها، (و أمر مشكل يرد حكمه إلى الله)، إذ لو كان المقصود به الاحتياط لدخل ذلك فيما يجتنب، و لم يكن الرد قسماً ثالثاً، إذاً، لا بدّ أن يراد بالرد عدم الحجية، بينما الذيل الذي استشهد به الإمام (عليه السّلام)، و الظاهر أنّه بلحاظ الأمر المشكل، و تطبيق ترك الشبهات في كلام النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) عليه، فإنّه أيضاً لا يدلّ على مدّعى من يقول:: بوجوب الاحتياط، لأنّ المراد من ترك الشبهات في كلامه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) هو عدم الاعتماد عليها لا الاجتناب عنها، لكي يكون مناسباً مع الحكم المعلّل في كلام الإمام (عليه السّلام)، و هو ردّ المشكل إلى الله تعالى، و يؤيّد ذلك تعبيره بالأخذ بالشبهة الذي يناسب باب الاعتماد و الاستناد لا مجرد العمل.

و قد تقدّم منّا في رد الاستدلال بالطائفة الأولى، أنّ الشبهة يراد بها ما يلتبس فيه الحق مع الباطل، و هذا يناسب مع مثل الحديث و المستند الذي يعتمد عليه صاحب البدع في مقام التضليل، و ليس النظر إلى مسألة الشك في الحكم الشرعي.

الطائفة الثالثة: هي الطائفة الآمرة بالاحتياط في موارد و مواقع معينة، نذكر منها روايتين:

الرواية الأولى: هي ما رواه عبد الله بن وضاح، قال كتبت إلى‏

304

العبد الصالح (عليه السّلام): يتوارى عنّا القرص، و تستتر عنّا الشمس، و يرتفع فوق الجبل حمرة، و يؤذن عندنا المؤذنون أ فأصلّي حينئذٍ و أفطر إن كنت صائماً، أو أنتظر حتى تذهب الحمرة التي فوق الجبل؟ فكتب (عليه السّلام):

(أرى لك أن تنتظر حتى تذهب الحمرة، و تأخذ بالحائط لدينك) (

(1)

). نقول: إنّ فقه هذه الرواية لا يخلو من غموض، من حيث غموض الشبهة، و لذا يحتمل بدوياً ثلاثة احتمالات:

الاحتمال الأول: هو أن تكون هذه الشبهة عبارة عن الشك في سقوط قرص الشمس و عدمه، و ذلك باعتبار أنّه يحتمل أنّه كان يوجد في جهة مغرب الشمس جبل، و هذا الاحتمال ينطبق على كلام الراوي في جلّ كلماته، كما في قوله، (يتوارى القرص)، (و تستتر الشمس)، لكن هناك بعض المبعدات، كما في قوله:

(يزيد الليل ارتفاعاً)،

أو

(ترتفع الحمرة إلى فوق الجبل)،

فإنّ هذا عادة لا يساوق مع الشك في سقوط القرص.

و على كل حال، إذا كان مقصود السائل ذلك، فإنّه حينئذٍ يرجع إلى الشك في أنّ الشمس غربي أو لا؟ و مثل هذا الشك منجز، يجب فيه الاحتياط، لأنّ الشغل اليقيني يستدعي الفراغ اليقيني.

هذا مضافاً إلى استصحاب عدم دخول الغروب، و هذا لا ربط له بوجوب الاحتياط في الشبهات البدوية.

و الحاصل: هو أنّه يراد في هذا الاحتمال اشتراط ذهاب الحمرة المغربية، و معه تكون الرواية من جملة أدلة اشتراط ذهابها في صلاة

____________

(1) الوسائل: ج 3، ب 16 من المواقيت، ص 129، ح 14، ج 18، ب 12، ص 122.