بحوث في علم الأصول - ج11

- الشيخ حسن عبد الساتر المزيد...
473 /
305

المغرب، و لكن لأنّه ثبت في الفقه خلاف ذلك، فلا بدّ من ردّ الرواية، و معه لا تصلح الرواية دليلًا على وجوب الاحتياط.

الاحتمال الثاني: هو أن يفرض أنّ هذه الحمرة كانت حمرة مغربية، و لكن شك الراوي لم يكن بلحاظ أنّ القرص غاب أو لم يغب، و لكن يحتمل أن ذهاب الحمرة المغربية شرطٌ في الغروب، فهذا الاحتمال لا يرد عليه تلك المبعدات، و لكن حينئذٍ تكون الرواية معلومة البطلان، سواء كان حكم الإمام واقعياً أو ظاهرياً، لأنّ الحكم بأنّ الغروب يكون بعد ذهاب الحمرة المغربية، هو من أحكام الخطابية الذين لعنهم الإمام الصادق (عليه السّلام) و تبرأ منهم.

الاحتمال الثالث: هو أن نحول هذه الحمرة من جهة الغرب إلى جهة المشرق، و حينئذٍ تكون الشبهة حكمية لا موضوعية، يعني لا يدري بأنّه، هل إنّ الحمرة المشرقية ذهابها شرط في صحة صلاة المغرب، أو لا؟ فحينئذٍ أمره بالاحتياط في مقام الجواب.

و بناء على هذا الاحتمال: لا بدّ أن يحمل كلام الإمام (عليه السّلام) على غير محمل الجد، و ذلك لأنّ السائل سأل عن شبهة حكمية معينة، و لا معنى للإفتاء في مثلها بالاحتياط، لأنّ الذهاب إن كان شرطاً، فلا بدّ أن يقال له: لا بدّ لك من التأخّر، و إلّا، يقال له: يجوز التأخّر، و إنّما الفتوى بالاحتياط تكون وجيهة فيما إذا سئل عن طبيعي الشبهة لا عن شبهة معينة، و حينئذٍ، إمّا أن يحمل كلام الإمام (عليه السّلام) على أنّه تخفيف للفتوى في مقام التعبير بالإفتاء، باشتراط ذهاب الحمرة المشرقية لما كان على خلاف جمهور السنة، و لهذا أريد أن يقال لهذا الشخص:

(خذ الحائطة لدينك)،

يعني: على الأقل هناك نظريتان، و إمّا بأن تفسر الحائطة بمعنى: الاهتمام و العناية، لا بمعنى الشك.

306

و على أيّ حال، لا ربط لذلك بمحل الكلام، لأنّ جواب الإمام (عليه السّلام) فتوى بالحكم الواقعي لا الظاهري.

و الحاصل: هو أن يكون المراد بالحمرة، الحمرة المشرقية، و أنّ السائل كان يحتمل اشتراط ذهاب الحمرة في تحقيق المغرب.

و بناء على هذا الاحتمال؛ كالاحتمال الأول تكون الشبهة لدى السائل، شبهة حكمية، فكان على الإمام حينئذٍ أن يجيب على السؤال ببيان الحكم الواقعي، و هو كون ذهاب الحمرة المشرقية شرطاً في تحقق المغرب، أو أنّها ليست بشرط، لا بالأمر بالاحتياط، و حينئذٍ قد تحمل الرواية على التقية في خصوص هذه المسألة، حيث إنّها كانت على خلاف رأي جمهور السنة، و حينئذٍ يكون هذا البيان بهذا اللسان، من أجل التقية، كناية عن الفتوى باشتراط ذهاب الحمرة المشرقية في تحقق الغروب، لا وجوب الاحتياط في الشبهة واقعاً، و معه يسقط الاستدلال بالرواية على وجوب الاحتياط، لأنّ جواب الإمام (عليه السّلام) فتوى بالحكم الواقعي لا الظاهري.

الرواية الثانية من الطائفة الثالثة: هي صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج، قال: سألت الإمام أبا الحسن (عليه السّلام) عن شخصين محرمين أصابا صيداً، فهل كفارة الصيد عليهما بالاشتراك، أو أنّ كلًا منهما عليه كفارة مستقلة؟ فأجاب الإمام (عليه السّلام):

(على كل منهما كفارة مستقلة)،

قال السائل للإمام (عليه السّلام): إني سئلت عن هذا و لم أدرِ ما ذا أجيب، قال الإمام (عليه السّلام):

(إذا أصبتم بمثل هذا، فعليكم بالاحتياط حتّى تسألوا و تعلموا) (

(1)

).

____________

(1) وسائل الشيعة، ج 18، ب 12 من صفات القاضي، ص 112 111، و ج 9، ب 18 من كفارة الصيد، ص 210.

307

و من الواضح أنّ ظاهر قوله (عليه السّلام): (فعليكم بالاحتياط) الإلزام بالاحتياط، و عدم الترخيص بالإقدام حتى يسأل و يعلم.

و توضيح الحال في هذه الرواية، هو أنّ قوله:

(إذا أصبتم بمثل هذا فعليكم بالاحتياط)،

فيه احتمالان:

الاحتمال الأول: هو أن يكون المشار إليه بهذا المعنى بواقعه شبهة حكمية، من قبيل: ما لو اصطدت و أنت محرم، و قد اشتركت مع غيرك في هذا الصيد، و من ثمّ شككت في أنّه: هل يجب عليك كفارة مستقلة أو مشتركة مع غيرك؟ فيكون هذا إشارة إلى الواقعة الأولية.

الاحتمال الثاني: هو أن يكون المراد، الإشارة إلى الواقعة الثانوية، و هي واقعة أنه: سئل عن هذه المسألة فلم يعلم بما ذا يجيب، لأنّ السائل في سؤاله الثاني ذكر أنّه قد سئل عن هذه المسألة، فلم يدرِ بما ذا يجيب، يحتمل أن يكون إشارة إلى الواقعة الثانية.

و حينئذٍ: فإن كانت الرواية ناظرة إلى الاحتمال الثاني، تكون أجنبية عن الاستدلال بها على وجوب الاحتياط، لأنّ مرجعها حينئذٍ إلى أنّه: إذا ابتليت بسؤال و أنت لا تعرف جوابه، فيجب عليك التوقف حتى تسأل و تعلم، لأنّ القول: بغير علم حرام، و هذا واضح يسلم به القائلون بالبراءة كما يسلم به القائلون: بوجوب الاحتياط.

و إن كانت الرواية ناظرة إلى الاحتمال الأول، فحينئذٍ للاستدلال بالرواية مجال على وجوب الاحتياط، و لكن مع هذا، فإنّ الاستدلال بها على المطلوب غير معقول، و ذلك لأنّ ظاهر الرواية-: (فعليكم‏

308

بالاحتياط حتّى تسألوا) أنّها ناظرة إلى زمان ما قبل الفحص، لأنّه يفرض غاية لهذا الاحتياط

، (حتّى تسألوا و تعلموا).

و من الواضح أنّ كل من كان قادراً على السؤال و على التعلم بالسؤال لا يجوز له إجراء البراءة في الشبهة الحكمية، بل يجب عليه الاحتياط، و هذا ممّا يقول به القائلون: بالبراءة.

إذاً، فالرواية على كلا التقديرين لا دلالة فيها على وجوب الاحتياط، و إن كان الاحتمال الثاني لعلّه أقرب إلى سياقها من الاحتمال الأول.

و الخلاصة: هي أنّ تقريب الاستدلال بهذه الرواية مبني على أنّ قوله (عليه السّلام):

(إذا أصبتم بمثل هذا ... إلخ)،

راجع إلى مسألة الصيد و يكون المراد منه الإصابة بالشبهة الحكمية، لأنّ الشك في مسألة الصيد هذه كان في الحكم الدائر بين الأقل و الأكثر، و ليس لمسألة الصيد خصوصية عرفية ليقتصر عليها، بل التعبير بمثل قوله (عليه السّلام): (إذا أصبتم بمثل هذا) يلغي خصوصية صيد المحرم، ممّا يجعل الرواية عامة تشمل كل شبهة حكمية.

و لكن يرد عليه أولًا: أنّ قوّة احتمال رجوع الإشارة في قوله (عليه السّلام): (إذا أصبتم بمثل هذا)، إلى السؤال الأخير للسائل أي إنّه حين يصادف سؤالًا لا يعرف جوابه، فعليه بالاحتياط و عدم الجواب بغير علم حتّى يسأل و يتعلم فيجيب رجوع الإشارة هذه، يعطل الاستدلال بالرواية على المطلوب، و حينئذٍ تكون الرواية أجنبية عن محل الكلام، نعم، تكون هذه الرواية من أدلة الحث على السؤال، و تعلم الأحكام الشرعية من الأئمة (عليهم السّلام).

و يرد عليه ثانياً فيقال: إنّه لو فرض رجوع الإشارة في قول‏

309

الإمام (عليه السّلام) إلى أصل المسألة و الشبهة الحكمية، من حيث العمل، فغاية ما تدل عليه هذه الرواية هو وجوب الاحتياط قبل الفحص و الوصول إلى الحكم الشرعي، إذ إنّ الغاية في قوله:

(حتّى تسألوا و تعلموا)،

تدل على أخذ إمكان ذلك في مورد السؤال، و وجوب الاحتياط في مثله ممّا لا يختلف فيه القائلون: بالبراءة مع القائلين: بوجوب الاحتياط.

و بهذا يتضح عدم تمامية الروايات التي استدل بها على وجوب الاحتياط، و قد تبيّن أنّ تمام هذه الروايات ضعيفة السند، و لم يتم منها إلّا روايتان، و قد عرفت خروجهما عن محل الكلام، وعليه: يبقى دليل البراءة الذي تقدمت استفادته من الآيات الكريمة، و من الروايات التي أشرنا إليها سابقاً في استدراك الروايات المذكورة في كلماتهم.

و لكن نفترض من باب التنزل، أنّ أخبار الاحتياط تمّت دلالتها لكي نرى النسبة بينها و بين أدلة البراءة، و ما هو العلاج فيما لو فرض دلالة ما ذكرناه من أخبار الاحتياط؟ و هذا البحث يلحظ فيه جانب الفن، أي جانب تطبيق القواعد، و إلّا فواقع المطلب، أنّ هذه الروايات لم يتم شي‏ء منها.

و حينئذٍ: تارة نتكلّم عن النسب بين أخبار الاحتياط و البراءة، و أخرى بين أخبار الاحتياط و بين آيات البراءة، و ثالثة عن النسبة بين أخبار الاحتياط و بين استصحاب البراءة، إذاً، فهنا ثلاثة مقامات:

المقام الأول: في النسبة بين أخبار الاحتياط، و بين أخبار البراءة الشرعية.

و من الواضح، أنّه على مسلكنا لم يتم عندنا شي‏ء من أخبار

310

البراءة، فإنّ جل أخبارها بين ما هو ضعيف سنداً، من قبيل: (حديث الرفع)، و إن كان تاماً دلالة، و بين ما هو ضعيف دلالة من قبيل: جلّ الروايات الأخرى. نعم، حصلنا على روايتين قد ذكرناهما في استدراكنا على أخبار البراءة، و قد ذكرنا في محلّه أنّ دلالتهما تامة، و تدلان على البراءة على مستوى قبح العقاب بلا بيان، فإنّ دلالتهما مشروطة بعدم قيام دليل على وجوب الاحتياط، إذ لو قام دليل على وجوب الاحتياط يكون حاكماً على كلتا الروايتين.

لكن إذا بنينا على أنّ بعض روايات البراءة المتعارفة، على الأقل (حديث الرفع) المشهور العمل به، فإذا تمّ سنداً فسوف يكون مفاده نفي وجوب الاحتياط، و لا يكون محكوماً له، إذ يحصل التعارض بين أخبار الاحتياط و أخبار البراءة، و هنا ادّعي أنّ أخبار البراءة تقدّم على أخبار الاحتياط بالأخصية ( (1))، و قد بيّنت هذه الأخصية بثلاث نكات.

النكتة الأولى: هي أنّ دليل البراءة لا يشمل موارد العلم الإجمالي، بينما أخبار الاحتياط شاملة لذلك، كما أنّها تشمل الشبهات البدوية أيضاً.

النكتة الثانية: هي أنّ أخبار البراءة لا تشمل الشك قبل الفحص، بينما أخبار الاحتياط تشمله.

النكتة الثالثة: هي أنّ بعض أخبار البراءة واردة في الشبهة التحريمية بالخصوص، من قبيل:

(كل شي‏ء مطلق حتّى يرد فيه نهي)

، فإنّ هذا وارد في الشبهة التحريمية بالخصوص بقرينة: (حتّى يرد فيه‏

____________

(1) دراسات في علم الأصول: الشاهرودي الهاشمي، ج 3، ص 282 281 280.

311

نهي)، مع أنّ قوله (عليه السّلام): (أخوك دينك فاحتط لدينك)، مطلق يشمل التحريمية و غيرها.

و النكات الثلاث كلّها قابلة للمناقشة:

أمّا النكتة الثالثة، فإنّه يرد عليها مضافاً إلى ما ذكرناه سابقاً، من أنّه لا دلالة فيها على البراءة، أنّه يوجد في أخبار الاحتياط ما يكون نصاً في الشبهة التحريمية، من قبيل:

(حلال بيّن، و حرام بيّن، و شبهات بين ذلك، فمن ترك الشبهات نجا من المحرمات)

، فهذه الرواية بقرينة التقابل بين الحلال البيّن و الحرام البيّن تكون نصاً في الشبهات التحريمية، سواء قيل: بأنّها خاصة بها أو شاملة لغيرها، و حينئذٍ تكون هذه الرواية مع رواية

: (كل شي‏ء مطلق حتّى يرد فيه نهي)

متساويتين، لأنّهما معاً صريحتان في الشبهة التحريمية.

أمّا النكتة الثانية: فإنّه يرد عليها، أنّ دليل البراءة لا يشمل موارد الشك قبل الفحص على المشهور مبنياً على وجود مخصص، و هو عدم جواز إجراء الأصول قبل الفحص، فإن فرض أنّ المخصص كان هو العلم الإجمالي، إذاً، رجعت النكتة الثانية إلى الأولى، و إن فرض أنّ المخصص كان أخبار وجوب التعلّم، فيكون حينئذٍ المخصص منفصلًا، و المخصص المنفصل لا يوجب انقلاب النسبة إلّا على مبنى انقلاب النسبة الذي لا نقول به، و ذلك لأنّ دليل البراءة في نفسه ليس مقيداً بالفحص، فإنّ قوله (عليه السّلام): (رفع ما لا يعلمون) مطلق، سواء كان قبل الفحص أو بعده، و دليل: (أخوك دينك فاحتط لدينك)، أيضاً مطلق، فهذا مطلقان متباينان، يعني: ليس أحدهما أخص من الآخر، ثمّ يأتي مخصص على دليل البراءة، فيخرج الشك قبل الفحص، و هذا مخصص منفصل، لأنّنا قد فرضناه أخبار وجوب التعلم، و هي منفصلة.

312

حينئذٍ إن بنينا على أنّ العامين المتباينين و المتساويين إذا ورد مخصص منفصل على أحدهما، و أخرج منه بعض الموارد، حينئذٍ تلحظ النسبة بين ذاك العام، و بين المتبقي من هذا العام المخصّص، الذي هو معنى انقلاب النسبة على ما يقول به الميرزا (قده)، فيقال حينئذٍ: إنّ دليل البراءة أصبح بعد التخصيص أخص مطلقاً.

و أمّا إذا قلنا: بمقالة صاحب الكفاية (قده)، من عدم قبول انقلاب النسبة فلا أخصية، بل يكونان متعارضين بنحو التباين و التساوي.

هذا كلّه مضافاً إلى أنّ المسألة لا تتم حتّى بناء على انقلاب النسبة، لأنّه كما يوجد مخصص منفصل يخرج من أخبار البراءة مورد الشك قبل الفحص، فإنّه يوجد مخصص منفصل يخرج من أخبار الاحتياط الشبهة الموضوعية، لأنّها بإجماع المسلمين لا يجب فيها الاحتياط من قبيل: (كل شي‏ء فيه حلال و حرام فهو لك حلال، حتى تعرف الحرام بعينه فتدعه)، فهذه الرواية مخصوصة بالشبهة الموضوعية.

إذاً، فالشبهة الموضوعية خارجة بالمخصص المنفصل من دليل الاحتياط، و لم تخرج من دليل البراءة.

و بناء عليه: فإن لاحظنا أخبار البراءة من أخبار الاحتياط قبل التخصيص، فهما متباينان، و كذلك فيما لو لاحظناهما بعد التخصيص، لأنّه قد ورد مخصص منفصل على كل من أخبار البراءة و أخبار الاحتياط.

و أمّا النكتة الأولى: فلا بدّ و أن نعرف أن خروج الشبهة

313

المحصورة المقرونة بالعلم الإجمالي عن دليل البراءة، هل هو بمخصص متصل أو منفصل؟

ذهب بعض علمائنا إلى القول: بأنّ العقل يحكم بعدم جريان الأصول في أطراف العلم الإجمالي، و هذا المخصص، هل هو متصل، بحيث يكون قرينة ارتكازية متصلة، أو عقل نظري منفصل؟ فإن كان منفصلًا لبياً، فيحتاج إلى إعمال نظر في مقام التوصل إليه، و بناء على هذا، فالكلام فيه هو نفس الكلام في الشك قبل الفحص، إذاً، فتمام ما ذكرناه في النكتة الثانية يجري هنا، و إن فرضنا أنّ المخصص كان متصلًا كما اخترناه، كان الارتكاز العقلائي هو القاضي بعدم جواز جريان الأصول في أطراف العلم الإجمالي، حينئذٍ، هذه الأخصية مشروعة، لأنّها ليست مبنية على انقلاب النسبة، بل المخصص المتصل يحدّد العام من أول الأمر، لكن مع هذا، فإنّه هذه الأخصية لا توجب الأخصية المطلقة، و إنّما توجب الأخصيّة من وجه بناء على ما أشرنا إليه، من أنّ دليل الاحتياط أخص أيضاً من وجه من دليل البراءة، كما أنّ دليل البراءة أخص من دليل الاحتياط من وجه، لأنّه لا يشمل الشبهات الموضوعية، إمّا بدعوى وجود مخصّص متصل، لأنّ إجماع المسلمين و ارتكازهم يشكل قرينة متصلة كاتصالية ذاك الارتكاز، فيوجب عدم جواز إجراء الأصول في أطراف العلم الإجمالي، أو نقول: بأنّه كلاهما مخصص بمنفصل، و نبني على انقلاب النسبة، و حينئذٍ تكون النسبة بينهما العموم من وجه، فعلى كل حال، لم ننته إلى نتيجة تعيّن الرجوع إلى أخبار البراءة بملاك الأخصية.

نعم، في روايات البراءة، رواية الحجب تامة الدلالة، و صحيحة

314

السند، و هي على مستوى أخبار الاحتياط، و ليست في طول وصول دليل الاحتياط، فحالها حال حديث الرفع، من حيث إنّها أخص من أخبار الاحتياط، فتقدم بتلك الأخصية، إلّا أنّنا ناقشنا تلك الأخصية فيما سبق.

و يمكننا أن نعكس المطلب، و نأتي ببيان يكون في صالح أخبار الاحتياط بحسب النتيجة، و ذلك بأن يقال: إنّ أخبار الاحتياط يمكن تصنيفها إلى طائفتين:

الطائفة الأولى: هي ما كان مفاده وجوب الاحتياط على وجه كلّي من قبيل: (أخوك دينك فاحتط لدينك).

الطائفة الثانية: هي ما دل على وجوب الاحتياط في شبهات معيّنة، من قبيل: الشبهات الحكمية التحريمية كما في أخبار التثليث، فإنّ موردها هو الشبهة الحكمية التحريمية.

و هذه الطائفة الثانية أخص من الأولى، و حينئذٍ، فإذا لاحظنا دليل البراءة، و نفترضه حديث الرفع مثلًا، فتارة نلتزم بأنّ حديث الرفع مخصص بمخصص متصل، بنحو: لا إطلاق فيه لموارد الشبهات المقرونة بالعلم الإجمالي مثلًا، أو لموارد الشك قبل الفحص مثلًا. إذاً، فتارة ندّعي أنّ إطلاق حديث الرفع في نفسه غير ثابت لقرائن لبيّة ارتكازية كالمتصلة، و أخرى: ندّعي أنّ حديث الرفع مطلق في نفسه، و لو لا المخصصات المنفصلة لتمسكنا به حتى في الشبهات المقرونة بالعلم الإجمالي، أو في موارد الشك قبل الفحص.

فإن بنينا على الأول، أي على أنّ حديث الرفع في نفسه مخصص ببعض الشبهات، إذاً، فيكون حديث الرفع نسبته إلى الطائفة الثانية من أخبار الاحتياط نسبة العموم من وجه، لأنّ حديث الرفع لا

315

يشمل موارد الشبهة المقرونة بالعلم الإجمالي، بينما أخبار التثليث تشمل الشبهة المقرونة بالعلم الإجمالي، و أخبار التثليث لا تشمل غير الشبهات الحكمية التحريمية، و حديث الرفع يشمل غير الشبهات الحكمية التحريمية. إذاً، فالنسبة بينهما عموم من وجه، و مقتضى الصناعة حينئذٍ أن يتعارضا و يتساقطا في مادة الاجتماع، و نرجع في مادة الاجتماع إلى العام الفوقاني، يعني: إلى الطائفة الأولى من أخبار الاحتياط، لأنّ حديث الرفع نسبته إلى الطائفة الأولى نسبة الأخص مطلقاً بناء على هذا التقدير، و نسبته إلى الثاني نسبة العام من وجه، فإذا تعارض بالعموم من وجه مع قبيله، رجعنا إلى العام الفوقاني المتمثل في الطائفة الأولى، و هذا ينتج وجوب الاحتياط في مادة الاجتماع، و هذا في صالح أخبار الاحتياط، هذا إذا بنينا على أنّ حديث الرفع، بحسب مدلوله، خاص لا يشمل الشبهات المقرونة بالعلم الإجمالي.

و أمّا إذا قلنا: بأنّه مطلق بحسب مدلوله يشمل كل الشبهات و إنّما نلتزم بالمخصصات له، و حينئذٍ يصير حديث الرفع في عرض و في مستوى الطائفة الأولى لأخبار الاحتياط، و طروّ المخصصات عليه لا يوجب تغيير النسبة، لأنّنا لا نقول: بانقلاب النسبة، لأنّ كلًا منها يشمل تمام الشبهات، و يكونان متعارضين بنحو التباين، إذاً، يتساقطان، و يرجع إلى الطائفة الثانية، و لا تكون ساقطة بالمعارضة، لأنّها أخص من حديث الرفع، و على هذا التقدير أيضاً صارت النتيجة مع صالح أخبار الاحتياط.

لكن على أيّ حال، هذا مجرد فرض، لأنّ الأصول الموضوعية لهذا الفرض لم تتم، هذا مضافاً إلى ما أشرنا إليه سابقاً من أنّ هذا

316

الأخص الذي هو وارد في الشبهات الحكمية التحريمية يوجد ما يساويه في دليل البراءة، من قبيل‏

: (كل شي‏ء مطلق حتى يرد فيه نهي)،

لو سلّمنا دلالته يكون مساوياً معه، فيسقط كل مساوٍ مع مساويه، و إنّما نتيجة هذا الكلام الذي ذكرناه، تظهر فيما إذا انحصر دليل البراءة من الأخبار بخصوص حديث الرفع، فإنّه حينئذٍ يكون بياناً متجهاً من الناحية الفنية.

تنبيه: لو فرض أنّه لم يتم عندنا مرجح، و تساقطت أخبار البراءة مع أخبار الاحتياط، و فرضنا التساقط، حينئذٍ، سوف يكون المرجع بالنسبة إلينا هو الروايات التي استدركناها، على القوّة التي استفدنا منها البراءة في طول عدم وصول الاحتياط، فتكون هي المرجع، لأنّها محكومة لأخبار الاحتياط، فإذا تعارض الحاكم مع معارضه، رجعنا إلى دليل المحكوم.

و حاصل هذه الجهة الأولى في النسبة بين أخبار الاحتياط و أخبار البراءة الشرعية: هي أنّ جملة من المحققين ذهبوا إلى إثبات أخصية أخبار البراءة الشرعية بالنسبة لأخبار الاحتياط، و قد بيّنت هذه الأخصية بثلاث نكات:

الأولى: هي أنّ أخبار البراءة لا تشمل موارد العلم الإجمالي بخلاف أخبار الاحتياط.

الثانية: هي أنّ أخبار البراءة لا تشمل الشبهات قبل الفحص، بخلاف أخبار الاحتياط.

الثالثة: هي أنّ أخبار الاحتياط واردة في مطلق الشبهات، بينما أخبار البراءة فيها ما ورد في خصوص الشبهة التحريمية، من قبيل:

(كل شي‏ء مطلق حتّى يرد فيه نهي).

317

و هذه النكات الثلاث كلها لا يمكن المساعدة عليها.

أمّا الأخيرة منها، فقد عرفت سابقاً عدم تمامية رواية:-

(كل شي‏ء مطلق حتى يرد فيه نهي)

على البراءة الشرعية، و لو فرض تماميتها، فإنّ في أخبار الاحتياط ما هو وارد في الشبهة التحريمية أيضاً كالنبوي المشهور:

(حلال بيّن و حرام بيّن و شبهات بين ذلك)

، فإنّ هذا لا يمكن تخصيصه بالشبهة الوجوبية.

و أمّا النكتتان الأخريان، فكأنّهما مبتنيتان على دعوى: عدم شمول أخبار البراءة لموارد العلم الإجمالي، و الشبهات قبل الفحص، إمّا للانصراف، أو للقرينة اللبية العقلية أو العقلائية، و هي كالمتصلة، فتكون في نفسها أخص من أخبار الاحتياط، و إمّا للقول: بكبرى انقلاب النسبة، كما يرى الميرزا (قده)، فبعد تخصيص أخبار البراءة بالشبهات البدوية تصبح أخص من أخبار الاحتياط، فتخصص بها.

إلّا أنّ هذا الكلام فيهما غير تام، حتى لو قلنا: بكبرى انقلاب النسبة التي لا نقول: بها، أو قلنا: بأنّ المخصص اللبي كالمتصل، و ذلك لأنّ أخبار الاحتياط أيضاً هي أخص من أخبار البراءة من ناحية عدم شمولها للشبهة الموضوعية الخارجة عنها، إمّا تخصيصاً أو تخصصاً، كما في مثل مقبولة عمرو بن حنظلة الواردة في مورد تعارض الخبرين، و هو مخصوص بالشبهة الحكمية، بل يمكن تقريب الجمع بين أخبار البراءة و الاحتياط بنحو يكون لصالح القول: بالاحتياط.

و حاصله: هو أنّ أخبار الاحتياط على نحوين: نحو عام يدلّ على الاحتياط في مطلق الشبهة، من قبيل:

(أخوك دينك فاحتط

318

لدينك)،

و نحو آخر يختص بخصوص الشبهة الحكمية، من قبيل: (مقبولة ابن حنظلة).

و أمّا أخبار البراءة، فأوجهها في مقام الاستدلال عليها، حديث الرفع، و رغم هذا، تكون أخبار الاحتياط أخص من وجه منه، لأنّه إمّا أن نفرض اختصاص حديث الرفع بالشبهة البدوية، بعد الفحص بمخصص متصل أو كالمتصل، و إمّا أن يفترض عمومه لجل الشبهات، غاية الأمر أنّه خرج مورد العلم الإجمالي، و الشبهة قبل الفحص بمخصص منفصل، و حينئذٍ، فعلى الأول، يكون حديث الرفع معارضاً مع القسم الثاني من أخبار الاحتياط بالعموم من وجه، و بعد التساقط يرجع في الشبهة الحكمية بعد الفحص إلى العموم الفوقاني، و هو القسم الأول من أخبار الاحتياط، و على الثاني، يكون حديث الرفع معارضاً مع القسم الأول من أخبار الاحتياط، و بعد التساقط يرجع إلى القسم الثاني لكونه أخص منه، و معه، يكون بمثابة المرجع بعد تساقط المتعارضين.

هذا بناء على القول: بإنكار كبرى انقلاب النسبة، و أمّا بناء على القول: بها، فالمسألة تكون أوضح، إذ يكون القسم الثاني من أخبار الاحتياط أخص مطلقاً من حديث الرفع حينئذٍ، فيخصصه بالشبهة الموضوعية، و حينئذٍ يكون كسائر أدلة عدم وجوب الاحتياط في الشبهة الموضوعية، فتخصص القسم الأول من أخبار الاحتياط بعد انقلاب النسبة.

و كذلك أخبار الاحتياط، فإنّها بعد تخصيصها بإخراج الشبهة الموضوعية منها، تكون أخص من وجه من حديث الرفع الذي خرج‏

319

منه الشبهة قبل الفحص، أو المقرونة بالعلم الإجمالي، فيتعارضان بعد الانقلاب أيضاً.

و مما ينبغي أن يعرف، أنّه لا يصح ملاحظة حديث الرفع أولًا مع المخصص المنفصل الذي يخرج عنه موارد العلم الإجمالي و الشبهة قبل الفحص، ثم ملاحظته مع القسم الثاني من أخبار الاحتياط، لتكون النسبة العموم من وجه، فإنّ كلًا من ذلك المخصص و أخبار الاحتياط من القسم الثاني في عرض واحد يخصصان حديث الرفع، إن كان أحدهما أخص من الآخر كما عرفت في محله.

و نفس النكتة ثابتة أيضاً بناء على الأول، أي القول: باختصاص حديث الرفع في نفسه بالشبهة البدوية بعد الفحص، فإنّه بناء على انقلاب النسبة، لا يمكن أن يتوهم وقوع التعارض بين حديث الرفع و القسم الأول من أخبار الاحتياط بالعموم من وجه، بعد تخصيصه بغير الشبهة الموضوعية، فيصير حاله حال القسم الثاني منها، لأنّ كلًا من أدلة تخصيص الشبهة الموضوعية، و حديث الرفع مخصص في عرض واحد للقسم الأول من أخبار الاحتياط، و إن كان أحدهما أخص من الآخر، إذاً، فلا يصح إعمال أحدهما قبل الآخر في مقام ملاحظة النسبة، كما هو واضح.

هذا كله مع قطع النظر عن تطبيق قواعد الترجيح عند التعارض، و إلّا فمعها لا بدّ من ترجيح روايات البراءة، و ذلك لكونها موافقة مع الكتاب الكريم المقدم على الترجيح بمخالفة العامة، كما عرفت في محله.

نعم، إنّما يجدي هذا بناء على القول: باختصاص أخبار البراءة بالشبهة البدوية بعد الفحص بمخصص كالمتصل، و إلّا فحتّى على‏

320

تقدير ترجيحها على القسم الأول من أخبار الاحتياط، فإنّها تخصص بالقسم الثاني منها، و معه تختص بالشبهة الموضوعية.

المقام الثاني: هو في علاج نسبة التعارض بين أخبار الاحتياط، و بين آيات البراءة التي من جملتها، قوله تعالى: (لا يكلّف الله نفساً إلّا ما آتاها)، فإنّ النسبة بينها و بين أخبار الاحتياط العموم من وجه، و ذلك أمّا أعمية أخبار الاحتياط، فلأنّها تشمل موارد الشك قبل الفحص، بينما براءة هذه الآية لا تشمل موارد الشك قبل الفحص، لما ذكرنا عند الحديث عنها، لأنّ قوله تعالى: (إِلَّا ما آتاها)، يصدق بجعل الإتيان بياناً في معرض الوصول، فإنّ إتيان كل شي‏ء بحسب ما يناسبه، و الإتيان به من الشارع للمكلّف بحسب ما يناسبه يكون بجعل الإتيان بياناً في معرض الوصول، و أعمّيّة الآية هنا واضحة، باعتبار أنّها غير واردة في خصوص باب الأحكام، فهي قاعدة قرآنية كليّة تنطبق على التكليف تارة، و على المال أخرى، و على العمل ثالثة، و كلّما تعارض خبر الواحد بنحو العموم من وجه مع إطلاق القرآن الكريم، يسقط خبر الواحد عن الحجية، و أخذ بإطلاق القرآن الكريم، لكونه دليلًا قطعياً، و الدليل الظني يسقط عن الحجية عند المعارضة بمقدارها مع الدليل القطعي السند.

و من جملة آيات التعارض مع أخبار الاحتياط، قوله تعالى: (وَ ما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ).

و هذه الآية الكريمة مخصوصة بالشبهة الحكمية بعد الفحص، أمّا كونها مخصوصة بالشبهة الحكمية فبقرينة قوله تعالى: (حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ‏) بعد الفحص، لأنّنا قلنا: إنّ البيان لهم لا يحتاج أن نوصله إلى جميعهم، و إنّما يكفي جعله في معرض الوصول إليهم،

321

إذاً، فهذه الآية الكريمة مخصوصة بالشبهة الحكمية بعد الفحص، و لسانها يأبى عن التخصيص بشبهة دون شبهة، لأنّ لسانها يعني: أنّ هذا على خلاف سجية الله تعالى، و لا يتناسب مع شأنه، و معه: فلا معنى لأن يقال: يتناسب أحياناً، و لا يتناسب أحياناً، لأنّ هذا اللسان يأبى عن التخصيص، إذاً، تكون الآية بحكم الأخص مطلقاً من أخبار الاحتياط، فتقدم بالتخصيص، و يبقى تحت أخبار الاحتياط موارد الشك قبل الفحص، و موارد الشبهة المقرونة بالعلم الإجمالي، إذاً، تقدّم الآية على أخبار الاحتياط.

و الحاصل: هو أنّ النسبة بين أخبار الاحتياط و الآيات التي استدل بها على البراءة، العموم من وجه، حيث استدل بقوله تعالى‏: (وَ ما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ) ( (1)).

و قد عرفت أنّ نسبتها مع أخبار الاحتياط العموم من وجه، لعدم شمولها الشبهة قبل الفحص، و لعلّك سوف تعرف في بحوث التعارض أنّ خبر الواحد إذا تعارض مع القرآن الكريم بنحو العموم من وجه، يسقط الخبر عن الحجية في مور التعارض في نفسه، و معه يتضح أنّ أخبار الاحتياط لو تمّ شي‏ء منها، فإمّا أن يخصص بالقرآن، أو يسقط عن الحجية.

____________

(1) سورة التوبة، الآية: 115.

322

المقام الثالث: في النسبة بين أخبار الاحتياط و بين ما استدل به من استصحاب البراءة.

و الصحيح في المقام، هو أنّ أخبار الاحتياط أخص من استصحاب البراءة أو بحكم الأخص، بناء على أنّ عدم شمول دليل الاستصحاب البراءة أو بحكم الأخص، بناء على أنّ عدم شمول دليل الاستصحاب لموارد الشك قبل الفحص، و لموارد الشبهة بالعلم الإجمالي لمخصص منفصل لا متصل.

إذا بنينا على ذلك، إذاً، دليل الاستصحاب ورد عليه عدة مخصصات؛ منها: مخصص أخرج موارد الشك قبل الفحص، و منها: مخصص أخرج مورد الشك المقرون بالعلم الإجمالي، و منها: مخصص أوسع منهما أخرج مطلق الشبهة الحكمية.

و هذه المخصصات و إن كان بعضها أوسع من بعض، لكن لا بدّ من إعمال جميعها، لأنّ كل واحد من هذه المخصصات هو أخص مطلقاً من دليل الاستصحاب، إذاً، فهو لا محالة يتقدم بالأخصية على دليل الاستصحاب، إذاً، لو بقينا مع أخبار الاستصحاب و أخبار الاحتياط، لقلنا: بتقديم الاحتياط.

نعم، لو فرضنا أن دليل الاستصحاب في نفسه ابتلي بمخصص متصل، لم يكن شاملًا لموارد الشبهات المقرونة بالعلم الإجمالي، أو لموارد الشك قبل الفحص، حينئذٍ تكون النسبة بينهما العموم من وجه، لأنّ دليل الاستصحاب يفترق عن أخبار الاحتياط، بالاستصحاب في غير موارد الشبهات الحكمية، و أخبار الاحتياط تفترق في موارد الشك المقرون بالعلم الإجمالي، و موارد الشك قبل الفحص، و يجتمعان في مادة واحدة و هي الشبهات البدوية بعد الفحص و غير المقرونة بالعلم الإجمالي، و حينئذٍ مقتضى الاستصحاب‏

323

نفي التكليف، و مقتضى أخبار الاحتياط التنجيز، إذاً، فيتعارضان بنحو العموم من وجه، و حين لا يوجد مرجع لأحدهما على الآخر يلتزم بالتعارض و التساقط.

و قد يقال: بحكومة دليل الاستصحاب على دليل أخبار الاحتياط ( (1))، و ذلك بدعوى: أنّ أخبار الاحتياط أخذ في موضوعها الشك، كما في قوله (عليه السّلام): (أخوك دينك فاحتط لدينك)، و قوله (عليه السّلام): (و شبهات بين ذلك). في موضوع التكليف، و دليل الاستصحاب جعل الطريقة و جعل المكلّف عالماً ببقاء الحالة السابقة، إذاً، فيكون دليل الاستصحاب رافعاً لموضوع دليل أخبار الاحتياط، إذ لا يبقى شك بعد جريان الاستصحاب و لو تعبداً، لكي ننتهي إلى أخبار الاحتياط.

و هذا الكلام غير تام: و ذلك لأنّنا إذا بنينا على أنّ المجعول في دليل الاستصحاب و في موارد الحجج و الأمارات هو الطريقة العلمية، إذاً، نفس دليل وجوب الاحتياط يكون مفاده نفي الطريقة و نفي العلمية، لأنّ دليل وجوب الاحتياط لا يريد أن ينفي البراءة فقط، بل يريد أن ينفي كل حجة مؤمنة، سواء كان بلسان البراءة أو جعل الإنسان عالماً، بل مقتضاه وجوب الاحتياط في مقابل كل ما يقتضي نفي الاحتياط، إذاً، لو كان مفاد أخبار الاحتياط نفي خصوص البراءة، إذاً، لما وقع تعارض في أخبار الاحتياط و دليل الاستصحاب، لأنّ الاستصحاب لا يسمّونه براءة.

و لكن من الواضح أنّ أخبار الاحتياط ليست نازلة على اصطلاحات علماء الأصول، بل تريد أن تقول: إنّ التكاليف الواقعية

____________

(1) دراسات في علم الأصول: تقرير الأبحاث: السيد الخوئي، ج 3، ص 175.

324

مهمة جداً عند المولى، و هو لا يرضى بتفويتها بوجه من الوجوه، و الخطاب الترخيصي، سواء كان بلسان: (لا تنقض اليقين بالشك)، أو بلسان: (كل شي‏ء مطلق)، فكل ذلك روحه يقتضي أنّ المولى يرضى بالتفويت، فحينئذ (يرضى و لا يرضى) متعارضان، و لا يمكن الجمع بينهما، إذاً، لا حكومة لدليل الاستصحاب.

و الصحيح أن يقال: إنّ أخبار الاحتياط أخص مطلقاً، و معارضة بنحو العموم من وجه بنحو آخر.

و قد بيّنا أنّ أخبار الاحتياط ساقطة سنداً باستثناء روايتين، و لو سلّم تماميتها فهي معارضة بما يتحتم تقديمه عليه، إمّا بملاك الأخصية كما في آية: (وَ ما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَ‏)، أو بنحو العموم من وجه، و الرجوع إلى الدليل العقلي، أو التعارض و التساقط و الرجوع إلى البراءة الطولية.

و الصحيح، هو جريان البراءة الشرعية في جميع الشبهات.

325

تنبيهات البراءة

التنبيه الأول: [تنقيح جريان استصحاب عدم التذكية]

هذا التنبيه كأنّه معقود بحسب الروح، لبيان مطلب لا ربط له بالبراءة، و هو تنقيح جريان استصحاب عدم التذكية، و لكن الشيخ الأنصاري (قده) فتّش عن مدخل لهذا بالنحو المناسب، فوجد أن يجعل مدخلًا لذلك تنبيهاً من تنبيهات البراءة.

و هذا المدخل الذي وضعه لهذا التنبيه، نبّه فيه إلى أنّ أصالة البراءة، إنّما تجري فيما إذا لم يكن هناك أصل موضوعي حاكم عليها، و أمّا مع وجوده فلا تجري.

ثمّ إنّه (قده) صار في مقام بيان مثال لذلك، فمثّل له بأصالة البراءة عن حرمة أكل الحيوان ( (1))، أي أصالة الحل، مع استصحاب عدم التذكية، فهنا استصحاب عدم التذكية أصل موضوعي، و يكون حاكماً على أصالة البراءة أو أصالة الحل، لأنّ الشك في حليّة الحيوان و حرمته مسبّب شرعاً عن الشك في تذكيته و عدم تذكيته، إذاً، فاستصحاب عدم التذكية يعتبر أصلًا موضوعياً، و لهذا يكون حاكماً على البراءة، و بهذه المناسبة دخلوا في بحث و هو، استصحاب عدم‏

____________

(1) فرائد الأصول: الأنصاري، ج 1، ص 410 409، ط جامعة المدرسين.

326

التذكية، و أنّه هل يجري أو لا؟ و ما هي القواعد البديلة عنه في حالة عدم جريانه؟

و هنا بالنسبة إلى المدخل، العبارة صحيحة، و القضية المدّعاة صحيحة، فأصالة البراءة لا تجري مع وجود أصل موضوعي لأنّه يكون حاكماً عليها.

إلّا أنّ مدرسة الميرزا (قده) لم ترتض هذه الصيغة، و قالت: بأنّه لا ينبغي أن نطرح هذه القضية بهذه الصيغة، بل ينبغي أن يقال: يشترط عدم الأصل الحاكم، فإنّ حاكمية الأصل الموضوعي ليس باعتباره موضوعياً، بل باعتباره ملغياً للشك الذي أخذ في موضوع أصالة البراءة، و هذا كما قد يكون في الأصل الموضوعي، قد يكون في الأصل المحمولي المسببي الذي يكون في مرتبة البراءة، إذاً، فميزان الحاكمية ليس كون الأصل موضوعياً، بل كونه مجعولًا فيه الطريقية، بحيث يلغى الشك الذي أخذ في موضوع البراءة، فمثلًا: لو جرى في مورد استصحاب الحرمة استصحاب ليس موضوعياً بالنسبة إلى البراءة، لأنّ الحلية و الحرمة ليس أحدهما موضوعاً للآخر، فمع هذا، فإنّ استصحاب الحرمة يكون حاكماً على أصالة البراءة عن الحرمة بنفس نكتة حاكمية استصحاب عدم التذكية في مثال الشيخ (قده) على أصالة الحل، و هي أنّ المجعول في الاستصحاب إلغاء الشك، و حيث إنّ أصالة البراءة و الحل موضوعها الشك، فإذا جرى الاستصحاب، سواء كان حكمياً كاستصحاب الحرمة، أو موضوعياً كاستصحاب عدم التذكية، فعلى كل حال، يلغى الشك في الحرمة، و إذا ألغي الشك في الحرمة ارتفع موضوع (ما لا يعلمون) و (كل شي‏ء حلال حتى تعلم أنّه حرام)، و الآن قد علمت بأنّه حرام بحكم الاستصحاب.

327

و تفصيل الكلام في هذا البحث موكول إلى محله في باب تعارض الأصول.

لكن لا بأس أن نشير هنا إلى الموقف إجمالًا، فنقول: إنّ الصيغة التي طرحها الشيخ الأعظم (قده) هي الأصح، و أنّ الأصل الموضوعي يكون حاكماً باعتبار التفسير الميرزائي بجعل الطريقية، حتى يقال: لا فرق بين الاستصحاب الموضوعي و الحكمي بعد أن كان المجعول هو الطريقية فيهما معاً، بل نفس الموضوعية هي نكتة الحاكمية، و كون أحد الأصلين ينقح موضوع الآخر، في نظر العرف يكون صالحاً للقرينية على تقييد دليل أصل الآخر على ما يأتي بيانه في محلّه.

لكن هنا، نرد أن نقدم دليلًا خارجياً على هذا المدّعى، فإن شئت قلت: برهاناً نقضياً على هذا المدّعى، حيث تلتزم مدرسة الميرزا (قده) حينئذٍ بأن تقدم الأصل الموضوعي على الأصل السببي الحكمي له، بنكتة قائمة بنفس موضوعية ذلك الأصل، و لا يكون مفاده جعل الطريقية.

و البرهان على ذلك هو أنّ الأصل الموضوعي قد يكون من الأصول التنزيلية التي يكون فيها شبهة جعل الطريقية، و مع هذا يكون حاكماً على الأصل الحكمي، مع أنّ الأصل الحكمي قد يكون أصلًا تنزيلياً و فيه شبهة جعل الطريقية، و مثال ذلك: هو أنّه لو فرض أنّه كان يوجد ماء مشكوك الطهارة و النجاسة، و ليس له حالة سابقة، فحكم عليه بالطهارة بمقتضى قاعدة الطهارة، ثمّ جئنا بثوب متيقن النجاسة فغسلناه بهذا الماء، فإنّه حينئذٍ لا إشكال فقهياً أنّه يحكم بطهارته، لأنّه غسل بماء طاهر في ظاهر الشرع.

328

و هذا المطلب معناه: أنّ استصحاب نجاسة الثوب يكون محكوماً لقاعدة الطهارة الجارية في الماء، إذاً، فهنا عندنا أصلان: أحدهما، استصحاب النجاسة في الثوب، و الثاني، هو كون الماء محكوماً بالطهارة بمقتضى قاعدة الطهارة، إذاً، فهنا جعلنا الأصل الموضوعي قاعدة الطهارة حاكماً على استصحاب النجاسة بالثوب، و هذه الحاكمية التي يسلم بها الميرزا (قده) في الفقه لا يمكن أن تفسر على أساس التفسيرات الميرزائية، و هو جعل الطريقية بأن يقال: إنّ الأصل حاكم، لأنّ المجعول فيه هو الطريقية، و لا هو يدّعي أنّ المجعول في (كل شي‏ء لك طاهر حتى تعلم أنّه قذر)، يعني: أنّك عالم بالطهارة، بينما بالعكس في استصحاب النجاسة، فإنّ المجعول فيه هو الطريقية، و مع هذا فإنّ الأصل غير الطريقي لم يكن حاكماً، لمجرد أنّ ذاك موضوعي و هذا غير موضوعي.

و هذا البرهان الإلزامي يبرهن على النكتة العرفية، و هي كون الأصل موضوعياً هو بنفسه نكتة تقديم الأصل الموضوعي على الأصل الحكمي.

و أمّا إذا زالت هذه النكتة، و جاء الاستصحاب، و وقع في درجة البراءة، و لم يكن موضوعياً بالنسبة إلى البراءة، فلا نسلّم بحاكميته عليها.

نعم، نقول: إنّ دليل الاستصحاب مقدم على أصالة البراءة، و لكن لا باعتبار الحاكمية، و لكن باعتبار قرائن أخرى يأتي الكلام عنها في محله، هذا هو الكلام بالقدر المناسب للمدخل.

و الحاصل: هو أنّ الأصل المسببي و الموضوعي يتقدّم على‏

329

الأصل المسببي بالحكومة، لا بنكتة جعل الطريقية كما سيأتي بيانها، و لهذا تثبت الحكومة و التقدم حتى إذا كان الأصل المسببي من الأصول غير المحرزة كأصالة الطهارة في الماء المشكوك المطهر للثوب النجس لو غسل به، فإنّها تتقدم على استصحاب نجاسة الثوب بعد الغسل، رغم أنّه بحسب تصورات مدرسة الميرزا (قده) لم تجعل لها الطريقية و العلمية، و إنّما جعل ذلك للاستصحاب، و لأجل هذا لا تستطيع مدرسة الميرزا تفسير هذا التقدم بالطريقية، إذ إنّها لو فعلت ذلك لاقتضى العكس.

و أمّا إذا زالت نكتة تقديم الأصل الموضوعي على الأصل الحكمي، و جاء الاستصحاب و وقع في درجة البراءة، و لم يكن موضوعياً بالنسبة إلى البراءة، فإنّ دليل الاستصحاب هنا يقدم على أصالة البراءة، و لكن لا باعتبار الحاكمية، بل باعتبار قرائن و نكات أخرى في دليل الاستصحاب تقتضي تقدمه على دليل البراءة.

و إن شئت قلت: كما أنّ الأصل الموضوعي الإلزامي يتقدم على البراءة بالحكومة، كذلك يتقدم الاستصحاب الإلزامي على البراءة، و لكن ليس بالحاكمية، و إنّما لقرائن و نكات أخرى في دليل الاستصحاب تقتضي تقدمه على دليل البراءة، و هذا يعني: أنّ جريان البراءة متوقف على عدم جريان أصل موضوعي محرز للتكليف، و لا أصل حكمي كذلك في مورده كالاستصحاب الحكمي.

و أمّا البحث عن لب المسألة، و هي استصحاب عدم التذكية التي لا دخل للبراءة فيه، و ما أكثر هذه الأبحاث في علم الأصول، إذ يوجد استطرادات كثيرة بحسب الحقيقة لا دخل لها في النظرية، بل لأدنى مناسبة تدخل فيها، و هذا شي‏ء و إن كان بنفسه مفيداً، إلّا أنّ‏

330

ذكره في الكتب الدراسية غير مناسب، باعتبار أنّ هذه الخصوصيات حيث إنّها لا دخل لها في تكريس و تركيز أصل النظرية، و إنّما هو مجرد تطبيق، فحق المطلب أن يؤخذ من الفقه، و ليس له دخل في المران على تطبيقات البراءة، و إنّما له مران على ما سوف يأتي في فهم ألسنة الأدلة و خصوصياتها.

و أمّا البحث عن أصالة عدم التذكية عند الشك فيها، فإنّ الشك في حليّة لحم الحيوان يكون على أربعة أنحاء:

النحو الأول: هو أن يكون الشك في حليّة أكل ذلك في نفسه بعد الفراغ عن القطع بكونه مذكّى، و ذلك لأنّ التذكية في الشريعة الإسلامية لها أثران: الأول: هو الحلية، و الثاني: هو الطهارة. ففي بعض الموارد يحكم على الحيوان أنّه مذكّى و يترتب عليه كلا الأثرين، كما في البقر، و في بعض الموارد يحكم عليه أنّه مذكى، و لكن يترتب عليه الطهارة دون الحليّة كما في السباع، حيث قيل بالنسبة إليها: إنّها إذا رميت و سمّي عليها، فلا بأس بجلودها من ناحية اللباس و الاستعمال، و لكن تطرحها حين الصلاة، باعتبار نكتة أخرى و هي، نكتة أنّه مما لا يؤكل لحمه، و حينئذٍ، فإنّنا نقطع بتذكية السباع، إلّا أنّنا نشك في حليّتها و حرمتها.

و هذا الشك تارة: يكون بنحو الشبهة الحكمية، و ذلك كما لو قطعنا بأنّ الأرنب قابل للتذكية، بحيث إنّه لو ذكّي لكان طاهراً، و لكن نشك و الحالة هذه بنحو الشبهة الحكمية في أنّه حلال أو ليس بحلال، و أخرى: نشك بنحو الشبهة الموضوعية، حيث نشك في أنّ هذا الحيوان، هل هو غزال، فيقبل التذكية و يكون حلالًا و طاهراً، أو أنّه ذئب فيقبل التذكية و يكون طاهراً و لكنّه ليس بحلال؟

331

و في هذا النحو، إن كانت الشبهة حكمية أو موضوعية، فلا معنى للرجوع إلى استصحاب عدم التذكية كما هو واضح، لأنّنا قد فرضنا القطع بالتذكية، و هنا الشك في الحلية لم يكن ناشئاً من التذكية و عدمها، بل إن كانت الشبهة حكمية، فحينئذٍ: إن كانت هناك عمومات تقتضي الحلية في نفسها في مطلق الحيوان، أو في مطلق الأشياء من قبيل: (خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً)، فهذا دليل اجتهادي قرآني يدل على الحلية الواقعية لكل ما في الأرض إلّا ما خرج بدليل، فنرجع حينئذٍ إلى تلك العمومات لإثبات حلية هذا الحيوان بعد فرض عدم وجود النص الخاص.

و إن انعكس الأمر انعكس المطلب، و ذلك كما لو فرض أنّه يوجد عموم يدلّ على أنّ كل حيوان حرام إلّا ما خرج بالدليل، كما يتراءى من كلمات الفقهاء، فحينئذٍ، نرجع إليه و نحكم بحرمته.

و على كل حال، ففي كلتا الصورتين يكون المرجع هو العموم الاجتهادي في الشبهة الحكمية.

و لكن إن لم يكن هناك عموم اجتهادي، تعيّن الرجوع إلى الأصول العملية، و هنا لا بأس بإجراء أصالة الحل من دون أن يكون استصحاب عدم التذكية حاكماً عليها كما هو واضح.

و أمّا إذا كانت الشبهة موضوعية، فهنا يتعذّر الرجوع إلى العمومات، لأنّ التمسك بالعمومات في الشبهة الموضوعية يكون تمسكاً بالعام في الشبهة المصداقية، فيتعذّر الرجوع إلى العمومات مباشرة، و لكن يمكن الرجوع إليها بتوسط استصحاب موضوعي، بنحو العدم الأزلي لو كان عندنا عموم على حلية كل حيوان إلّا ما خرج من السباع، فإذا شككنا في سبعية هذا الحيوان، نستصحب حينئذٍ عدم‏

332

سبعيته بنحو العدم الأزلي، بناء على جريان استصحاب العدم الأزلي في أمثال المقام، و بذلك ننقح موضوع الحلية.

و لكن إذا انعكس العام انعكست النتيجة، فإذا كان عندنا عام يدلّ على حرمة كل حيوان إلّا الشاة، فحينئذٍ إذا شككنا في أنّ هذا الحيوان (شاة أو ذئب)، فنستصحب عدم كونه شاة، بنحو استصحاب العدم الأزلي، فندخله تحت العام، و إن لم نقبل استصحاب العدم الأزلي مطلقاً أو في خصوص أمثال المقام، فحينئذٍ لا بدّ من الرجوع إلى الأصول الحكمية، و هنا تجري أصالة الحل، و لا معيّن للرجوع إلى استصحاب عدم التذكية، لأنّنا قاطعون بالتذكية.

و الحاصل: هو أنّه إذا انتهت النوبة إلى الأصول الحكمية، فإنّنا نجري أصالة الحل، و لا يكون استصحاب عدم التذكية حاكماً عليها، لأنّ التذكية ليست مشكوكة.

و لكن قد يتوهم إجراء أصل حاكم على أصالة الحل و إن لم يكن أصلًا موضوعياً، كاستصحاب الحرمة، بدعوى: أنّ هذا الحيوان قبل أن يذبح لم يكن حلالًا، بل كان حراماً، و بعد ذبحه نشك في أنّ هذا الذبح هل جعله حلالًا، و أنّ هذه التذكية تستتبع الحكم بالحلية مع الطهارة، أو لا تستتبع ذلك؟ و حينئذٍ، قد يتمسك باستصحاب الحرمة المدّعى ثبوتها في حال حياة الحيوان، و لو تمّت أركان هذا الاستصحاب، فإنّه يكون حينئذٍ مقدماً، إمّا لكونه حاكماً على مذاقهم، أو لوجه آخر.

لكن الصحيح أنّ استصحاب الحرمة غير جار، لأنّ الحرمة المدّعى استصحابها و ثبوتها في حال حياة الحيوان، هذه الحرمة فيها احتمالان:

333

الاحتمال الأول: هو أن يدّعى أنّ أكل الحيوان الحي بما هو حي يكون حراماً و لو باعتباره تعذيباً، و لا يبعد أن يستفاد من الأدلة حرمة كل تعذيب للحيوان باستثناء التعذيب الذي رخص به و هو، الواقع طريق الذبح، لاستعماله في أغراض عقلائية.

و بناء على هذا الاحتمال، فمن الواضح أنّ الموضوع قد تغيّر، لأنّ هذه الحرمة متقومة بالحي بما هو حي، فلا معنى لاستصحابها بعد ذبحه، فلو كان هناك حرمة لكانت حرمة جديدة غيرها، و الحرمة المدّعى ثبوتها في حال حياة الحيوان يتعذّر استصحابها لتغيّر الموضوع.

الاحتمال الثاني: هو أن يدّعى أنّ هذه الحرمة ليست بملاك كون الحيوان حياً، بل بملاك كونه غير مذكّى، لأنّ الحيوان ليس مذبوحاً، فيكون ميتاً غير مذكّى، فيتمسّك حينئذٍ بإطلاق قوله تعالى: (إِلَّا ما ذَكَّيْتُمْ‏)، لإثبات أن كل ما لا يكون مذكّى فهو حرام، و الحي ليس بمذكّى فيكون حراماً، و معه: فلا يرد الإشكال الذي أوردناه على الاحتمال السابق، لأنّ هذه الحرمة لم تثبت بعنوان تعذيب الحيوان الحي حتى لا يبقى لها موضوع بعد قتل هذا الحيوان، بل هذه الحرمة كانت بعنوان أنّه غير مذكى، و حينئذٍ يحتمل في المقام بقاء هذه الحرمة، إذ من الواضح أنّ المقصود من التذكية التي أخذ عدمها موضوعاً للحرمة إنّما هو التذكية المخصوصة التي تستتبع الحلية، لا التذكية التي لا تستتبع الحلية، و إلّا فإن تذكية السباع لا تستتبع الحلية.

لكن هذه الحرمة غير ثابتة من أول الأمر، بل و لا دليل على ثبوت حرمة بعنوان غير المذكّى حتى يجري استصحاب هذه الحرمة،

334

لأنّ قوله: (إِلَّا ما ذَكَّيْتُمْ‏) في القرآن و ما هو مسوق مساقه في الروايات، كله استثناء من الميت المنخنقة و المتردية، و ما أكل السبع-، و نحو ذلك من العناوين، إذاً، فقوله: (إِلَّا ما ذَكَّيْتُمْ‏)، يكون استثناء مما زهقت روحه، و ليس في المستثنى منه إطلاق يشمل الحي، إذاً، الحرمة بهذا العرض العريض لا يمكن استفادتها من الأدلة لكي يتمسك بالاستصحاب في المقام، إذاً، فأصالة الحل هي التي ينتهى إليها في موارد الشبهة الموضوعية على الأقل، حيث إنّه في الشبهات الحكمية يوجد عمومات اجتهادية لا يوجد حاكم عليها.

و الخلاصة: هي أنّ أصالة عدم التذكية عند الشك فيها كما لو شك في حلية لحم حيوان، فإنّ هذا الشك يتصور على أربعة أنحاء:

الأول: هو أن يكون الشك في حلية أكل ذلك الحيوان في نفسه و بقطع النظر عن التذكية، حيث إنّ ليس كل ما يقبل التذكية من الحيوان يحل أكل لحمه، و حينئذٍ فقد نشك في حيوان كذلك بنحو الشبهة الحكمية أو الموضوعية.

و هذا النحو، إن كانت الشبهة فيه حكمية، فالمرجع فيه عمومات الحلية، من قبيل قوله تعالى‏: (قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى‏ طاعِمٍ يَطْعَمُهُ) ( (1)). إن تمّت، و إلّا فأصالة الحل، أو استصحابه الثابت قبل التشريع، و لا مجال حينئذٍ لاستصحاب عدم التذكية، و ذلك لعدم الشك فيه حينئذٍ.

و إن كانت الشبهة موضوعية، فلا يمكن التمسك بالعمومات إلّا إذا أمكن إحراز موضوعها بالاستصحاب و لو بنحو العدم الأزلي، و إلّا

____________

(1) سورة الأنعام، الآية: 145.

335

فيرجع إلى أصالة الحل، أو استصحاب عدم الحرمة بنحو العدم الأزلي، و هنا لا مجال لاستصحاب عدم التذكية حينئذٍ.

و قد يتصور إمكان الرجوع في الشبهتين إلى استصحاب حرمة أكل الحيوان الثابتة حال حياته، بناء على حرمة أكل الحيوان حياً، إذ هو مقدم على أصالة الحل.

و لكن يقال حينئذٍ: إنّ حرمة أكل الحيوان الحي، إن كان بملاك حرمة أكله في حياته، فمثل هذه الحرمة يقطع بزوالها كما تقدم، و لا شك في بقائها.

و إن كانت حرمة أكل لحمه من جهة دعوى كونه غير مذكّى في حال حياته، و لو للتمسك بإطلاق و شمول المستثنى منه في آية: (إِلَّا ما ذَكَّيْتُمْ‏) للحيوان الحي أيضاً.

فيجاب أولًا: بأن التذكية شرط للحلية بالنسبة للحيوان الميت لا مطلق الحيوان، كما هو المستفاد من الروايات، و هو المستثنى منه في الآية.

و يجاب ثانياً: بأنّ هذه الحرمة يقطع بارتفاعها لما عرفت، و إنّما يشك في حرمة أخرى ثابتة في الحيوان بعنوانه.

اللهم إلّا أن يدّعى بأنّ الثابت في حال الحياة إنّما هو حرمة واحدة لا حرمتان، لعدم احتمال ذلك فقهياً، فأمّا الحرمة بملاك عدم التذكية، أو الحرمة النفسية، فهي من استصحاب الكلي من القسم الثاني، و لكنّه لا موجب له كما عرفت.

النحو الثاني: هو ما إذا كان الشك في الحلية و الحرمة ناشئاً من قابلية هذا الحيوان للتذكية و عدم قابليته، كما في الحشرات و الأنعام،

336

فإنّ الأولى غير قابلة للتذكية، بينما الثانية قابلة لها، و حينئذٍ، فإذا وجد حيوان من هذا القبيل، قابل و غير قابل للتذكية، ثمّ شككنا في حليته و حرمته، فهنا الشبهة أيضاً، تارة تكون حكمية، و أخرى موضوعية، إذ قد يشك تارة في أنّ الغزال أو الظبي، هل يقبل التذكية أو لا؟ و قد يشك تارة أخرى على نحو الشبهة الموضوعية، حيث يشك في أنّ هذا الحيوان، هل هو غنم، أو هو من المسوخات التي لا تقبل التذكية؟

أمّا إذا كانت الشبهة حكمية، فإن كان عندنا عموم يقتضي قابلية كل حيوان للتذكية، أو يقتضي قابلية دائرة معينة من الحيوانات للتذكية، و كان هذا الحيوان الذي نشك في حليته و حرمته مندرجاً تحت هذا العموم أو هذه الدائرة المعينة، من قبيل عنوان (السباع) الذي ورد في الروايات، فحينئذٍ لا تصل النوبة إلى الأصول العملية و إنّما يتمسك بالعمومات الاجتهادية، و هذا بحث موكول إلى بحث الصيد و الذباحة في الفقه.

أمّا إذا لم يكن عندنا عموم من هذا القبيل، و انتهت النوبة إلى الأصول العملية، فحينئذٍ هنا، أصالة الحل التي تمسكنا بها في النحو الأول، تواجه إشكالًا حاصله: أنّه يقال: إنّه حينئذٍ يوجد أصل موضوعي حاكم عليها، و هو استصحاب عدم التذكية، باعتبار أنّ الشك في حلية هذا الحيوان مسبب عن الشك في تذكيته و عدمها، فيجري استصحاب عدم التذكية، و بذل ننقح الموضوع.

إلّا أنّ الكلام في أنّ هذا الاستصحاب هل يجري أم لا؟

و تحقيق الحل في ذلك مربوط بمجموع بحثين:

البحث الأول: هو في تحقيق حال حقيقة التذكية، و هل إنّها

337

عبارة عن نفس هذه الأفعال؟ أي إنّها أمر مركّب من هذه الخصوصيات و الأفعال التي بها يكون الحيوان مذكّى، و ذلك بأن يذبح بالحديد، و يستقبل به القبلة، و يسمّى عليه .. إلخ مثلًا، غاية الأمر هي، أنّ بعض هذه الخصوصيات مدلولة للفظ لغة، و بعضها مدلول شرعاً، فمثلًا: العرف يرى أنّ كل ما يذبح يكون مذكّى في مقابل الميتة، بينما الشارع يرى أنّ المذكّى هو ما ذبح بشرائط مخصوصة.

البحث الثاني: هو في أنّ التذكية عنوان بسيط منتزع بوجه من الوجوه عن العملية المعروفة، حيث يكون معنى التذكية: الطهارة و السلامة و النظافة، و نحو ذلك.

و هذا الخلاف في حال التذكية كالخلاف في مفهوم الطهارات، و أنّه هل هو مفهوم مركّب، بحيث يكون عبارة عن الغسلات و المسحات، أو أنّه مفهوم بسيط، أي عنوان منتزع عن هذه العملية؟

فعلى تقدير أن يقال: إنّ التذكية عنوان بسيط، فأيضاً تجري أسئلة:

منها: أنّ هذا العنوان البسيط، هل إنّ نسبته إلى العملية هي نسبة العنوان إلى المعنون، بحيث ينطبق عليه؟ أو نسبة المسبب إلى سببه؟

فالأول من قبيل: عنوان التعظيم الذي ينطبق على القيام انطباق العنوان على معنونه.

و الثاني من قبيل: احتراق الورقة المسبب عن إلقائها في النار، و قد جرى مثل هذا في الطهارات الثلاث.

و منها: أنّه على فرض أن تكون التذكية عنواناً بسيطاً مسبباً، هل‏

338

هو أمر واقعي أو أنّه أمر جعلي شرعي من قبيل الملكية؟ فالعقد مثلًا: هو سبب الملكية، و يترتب على هذا العقد تملك البائع للثمن، و تملك المشتري للمثمن.

و منها: أنّه لو فرضنا أنّ التذكية كانت أمراً مركباً من خصوصيات متعددة، إذاً، فلا يجري في المقام استصحاب عدم التذكية في الشبهات الحكمية، و ذلك لأنّ التذكية عبارة عن هذه الأمور الخارجية التي هي عبارة عن ذبح الحيوان بالشرائط المخصوصة، بينما نحن في الشبهة الحكمية ليس عندنا أيّ شك في شي‏ء خارجي، لأنّ الذبح قد وقع، كما أنّه لا شك عندنا في تحقق خصوصياته، كما أنّه ليس عندنا شك في أنّ هذا الحيوان من الأنعام، لأنّه ليس من الأنعام يقيناً، و أيضاً ليس عندنا شك في أنّه من الحشرات، لأنّه ليس من الحشرات يقيناً، و إنّما الشك في موضوع الحكم الشرعي حكم كل مذكّى حلال، و كل غير مذكّى حرام)-.

و منها: أنه هل أخذ قيد كون الحيوان أهلياً في موضوع التذكية؟ إذاً، هذا الغزال الوحشي ليس بأهلي، و إذا لم يكن قد أخذ هذا القيد، فيكون الغزال هذا داخلًا في الموضوع.

إذاً، فالشك في سعة دائرة الحكم و ضيقه، و من الواضح حينئذٍ أنّه لا معنى لإجراء استصحاب عدم التذكية، إذ لا شك عندنا في أمر خارجي، لأنّ كل أمر خارجي إمّا موجود خارجاً، أو غير موجود.

و أمّا إذا كانت التذكية مفهوماً بسيطاً، و بأيّ نحو كانت نسبة هذا العنوان إلى العملية، سواء كانت على نحو نسبة المسبب إلى سببه، أو كانت على نحو نسبة العنوان إلى معنونه، و سواء كان أمراً شرعياً أو أمراً واقعياً، إذاً، على أيّ حال، فهنا عندنا شي‏ء نشك في وجوده،

339

لأنّ هذا العنوان نشك في وجوده، و إن كانت مفردات الأعمال و الصفات معلومة، إمّا وجوداً و إمّا عدماً، ككون الحيوان ذبح، أو كونه ليس بحيوان أهلي و نحو ذلك، لكن هذا العنوان البسيط المنتزع أو المسبب مشكوك فيه، إذاً، فعندنا هنا شي‏ء يكون محطاً للشك، بحيث يمكن دعوى إجراء استصحاب عدم وجود هذا العنوان البسيط المسبب، لأنّ العملية المذكورة الواقعة فعلًا، إن كانت كافية، إذاً، قد وجد العنوان المسببي، و إن لم تكن كافية، إذاً، لم يوجد هذا العنوان المسببي، فحينئذٍ نستصحب عدم وجوده، و هنا ننتقل إلى البحث الثاني.

البحث الثاني: هو أن يقال: إنّ عدم التذكية الذي أخذ في موضوع الحرمة: (إِلَّا ما ذَكَّيْتُمْ‏)، إلى أيّ شي‏ء أضيف؟ و هنا يوجد احتمالان ثبوتاً:

الاحتمال الأول: هو أن يكون عدم التذكية مضافاً إلى ذات الحيوان.

الاحتمال الثاني: هو أن يكون عدم التذكية مضافاً إلى ما زهقت روحه.

فإن فرض الأول و فرض إزهاق الروح جزءاً ثانياً في موضوع الحرمة لكي لا يشمل الحيوان الحي، إذاً، فيكون موضوع الحرمة مركباً من وصفين كل منهما جزء مستقل، و كلاهما أضيف إلى ذات الحيوان، فالحيوان إذا زهقت روحه، و لم يكن مذكّى أضيف بعرض واحد إلى ذات الحيوان، و معه يكون حراماً بناء على هذا الاحتمال، حينئذٍ، استصحاب عدم التذكية يجري حتى عند من لا يقول: بعدم استصحاب العدم الأزلي، لأنّ هذا عدم نعتي لا عدم أزلي، لأنّ عدم‏

340

التذكية أضيف إلى ذات الحيوان، و من الواضح أنّ ذات الحيوان لم يكن مذكّى قبل أن يذبح بلا إشكال، إذاً، فعدم التذكية ليس سالبة بانتفاء الموضوع، بل سالبة بانتفاء المحمول، و كل سالبة بانتفاء المحمول فهو استصحاب العدم النعتي، و كل سالبة بانتفاء الموضوع فهو استصحاب العدم الأزلي.

و أمّا إذا فرض الثاني، بأن أخذ وصفاً للمذكّى لا لذات الحيوان، فالموضوع يكون (ما زهقت روحه)، فكأنّه قال: (ما زهقت روحه إذا لم يكن مذكّى فهو حرام) و بناء على هذا، ليس عندنا عدم نعتي، لأنّ هذا الحيوان مذ زهقت روحه لا نعلم بأنّه حلال أو حرام، و إنّما نعلم بأنّه لم يكن مذكّى قبل أن تزهق روحه، أي يتحول إلى سالبة بانتفاء الموضوع، فيكون إجراء الاستصحاب فيه مبنياً على إجراء الاستصحاب في الأعدام الأزلية، و على ضوء هذا يجب التفصيل.

أمّا إذا كانت على نحو الشبهة الموضوعية، فإن كانت عنواناً بسيطاً و أمراً مسبباً مثلًا، فلا إشكال في أنّه يمكن إجراء استصحاب عدم التذكية، و يكون حاكماً على أصالة الحل، و هذا الاستصحاب يجري بإحدى صيغتيه السابقتين، فإن كان عدم التذكية مضافاً إلى ذات الحيوان فاستصحاب عدم التذكية يكون جارياً بلا حاجة إلى العدم الأزلي، و إن كان مضافاً إلى ما زهقت روحه، فالمستصحب يكون سالبة بانتفاء الموضوع، إذاً، فلا محالة يكون جريان الاستصحاب مبنياً على إجرائه في الأعدام الأزلية.

و أمّا إذا كانت التذكية نفس العملية و قد فرضنا دخالة القابلية فيها، و إلّا لو كانت التذكية نفس العملية بلا دخل خصوصية، إذاً،

341

لكان كل حيوان يقبل التذكية، لأنّ عملية الذبح يمكن أن تقع على كل حيوان يقبل الذبح، ففرض أنّ هناك حيوانات لا تقبل التذكية، بحيث تقع شبهة موضوعية بحسب الخارج، فرض ذلك هو فرض أنّ عملية التذكية هذه قد أدخل فيها عنصر و خصوصية في الحيوان لا بدّ و أن تنضم إلى الذبح، و استقبال القبلة مثلًا خصوصية، و كذلك الأنعامية أو كون الحيوان أهلياً، فحينئذٍ، إذا شككنا على نحو الشبهة الموضوعية في قابلية هذا الحيوان للتذكية، فمرجع ذلك إلى الشك في تلك الخصوصية خصوصية الأهلية مثلًا، فحينئذٍ، إن كانت هذه الخصوصية معتبرة بنفسها على نحو الجزئية، بحيث يكون الحكم الشرعي مركباً من ذبح و استقبال القبلة و التسمية و كون الحيوان أهلياً، فهذه كلها أجزاء في عرض واحد، فيجري في المقام استصحاب عدم ذاك الجزء الذي نشك في وجود كونه أهلياً، إلّا أنّه يتوقف على استصحاب العدم الأزلي، لأنّ هذه الخصوصية، كقرشية المرأة ليس لها عدم نعتي.

و أمّا إذا كانت تلك الخصوصية غير مأخوذة جزءاً، بل مأخوذة قيداً على نحو يكون التقيّد دخيلًا لا القيد، يعني: أنّ عملية التذكية هي الذبح المقيّد بتلك الخصوصية، فحينئذٍ يكفينا أن نجري استصحاب عدم التقيد، و لا نحتاج إلى إجراء استصحاب عدم تلك الخصوصية، إذ على هذا التقدير يكون موضوع الحكم الشرعي هو المقيّد بما هو مقيّد لا القيد، بل القيد خارج، و لا يتوقف حينئذٍ على مسألة إجراء الاستصحاب في الأعدام الأزلية.

و حاصل هذا النحو: هو أنّ جريان أصالة عدم التذكية متوقف على تنقيح بحثين فقهيين:

342

البحث الأول: هو، في معنى التذكية، و هو إنّها عبارة عن عنوان بسيط، أو أنّها عبارة عن عنوان مركّب و هو، نفس عملية الذبح مع الشروط المقررة شرعاً لذبح الحيوان، و هذا يشبه البحث في الطهارة من الحدث مثلًا، و إنّها عبارة عن أمر بسيط أو مركّب، و هو الغسلات و المسحات؟

كما أنّه بناء على كون معناها أمراً بسيطاً، قد يفترض أنّه عنوان بسيط ينطبق على نفس الأفعال الخارجية، أي إنّ نسبته إليها نسبة العنوان إلى معنونه، كالتعظيم النسبة إلى القيام، و قد يفرض تارة أخرى أنّ نسبته إليها نسبة المسبب إلى السبب، و على كلا التقديرين قد يكون هذا العنوان البسيط أمراً تكوينياً، و قد يكون اعتباراً شرعياً.

كما أنّه لو فرض أنّ التذكية عبارة عن نفس الأفعال و الشروط المقررة شرعاً، فتارة يعتبر ذلك تذكية بلا أخذ قابلية و خصوصية في الحيوان المذبوح، فتكون التذكية حاصلة بإجراء العملية على أيّ حيوان.

و أخرى، تؤخذ خصوصية الحيوان فيها أيضاً، أي الأعمال المضافة إلى ذبح حيوان معيّن.

البحث الثاني: هو أنّ موضوع الحرمة، تارة، يفترض الحيوان غير المذكى،- أي عدم التذكية المضاف إلى الحيوان و أخرى، يفرض عدم التذكية المضاف إلى الحيوان زاهق الروح بما هو زاهق الروح.

فعلى الأول، يكون موضوع الحرمة مركباً من جزءين عرضيين هما: زهاق روح الحيوان، و كونه غير مذكّى بنحو العدم النعتي أو المحمولي.

343

و على الثاني، يكون موضوع الحرمة مركباً من جزءين طوليين، أي الحيوان الزاهق روحه بغير تذكية.

فإن اختير في البحث الأول أنّ التذكية عنوان بسيط، إذاً، فهو مسبوق بالعدم، و حينئذٍ لو فرض أخذه بما هو مضاف إلى ذات الحيوان في موضوع الحرمة، إذاً، يجري فيه استصحاب عدم التذكية، سواء كان مأخوذاً بنحو العدم النعتي أو المحمولي، و سواء كانت الشبهة حكمية أو موضوعية، لأنّ هذا العنوان البسيط مسبوق على كلّ حال بالعدم في حال حياة الحيوان، فيستصحب.

و أمّا لو فرض أخذه بما هو مضاف إلى زاهق الروح في موضوع الحرمة، حينئذٍ، فإن أضيف عدم التذكية إلى زاهق الروح بنحو التوصيف و النعتية، لم يجر حينئذٍ استصحاب عدم التذكية، إذ لا حالة سابقة لعدم تذكية زاهق الروح بنحو العدم النعتي، إذ إنّ هذا الحيوان، من حين إزهاق روحه، لا نعلم أنّه هل اتصف بعدم التذكية أم لا؟ فيجري حينئذٍ استصحاب عدم اتصاف هذا الحيوان الزاهق روحه بعدم التذكية، إذاً، فينفى موضوع الحرمة إذا كان على هذا النحو.

و أمّا إذا أضيف عدم التذكية إلى زاهق الروح بنحو العدم المحمولي، أي أن لا يكون الحيوان الزاهق روحه مذكّى، فهذا يمكن إثباته باستصحاب عدم التذكية، بناء على ما هو الصحيح من جريان الاستصحاب في الأعدام الأزلية، لأنّ هذا الحيوان قبل زهاق روحه لم يكن مذكّى من باب السالبة بانتفاء الموضوع، إذاً، فتستصحب القضية السالبة العدم المحمولي من دون فرق في كل ذلك بين الشبهة الحكمية أو الموضوعية.

و إن اختير في البحث الفقهي الأول أنّ التذكية مركّب من نفس‏

344

الأفعال الخارجية، فإن فرض عدم أخذ خصوصية و قابلية معينة للحيوان المذبوح في التذكية، فهذا معناه إحراز التذكية فيه، و إنّما الشك في حليّته من ناحية أخرى، إذاً، فيدخل في النحو السابق، و إن فرض أخذ خصوصية مع تلك الأفعال في التذكية بنحو الجزئية أو القيدية، فحينئذٍ إن كانت الشبهة حكمية، فلا يجري استصحاب عدم التذكية، كما لو شك في أنّ المأخوذ هل هو خصوصية الغنمية، أو الأهلية المنطبقة على الأنعام؟ و حينئذٍ نشك في تذكية الأنعام المذبوحة من هذه الناحية، لأنّ واقع تلك الخصوصية المشكوكة بين ما يقطع بعدمه، و ما يقطع بوجوده، و معه: لا معنى لاستصحاب عدمها، فإنّ عنوان الخصوصية المنتزع من حكم الشارع ليس هو الجزء أو القيد في الحكم لكي نجري استصحاب عدمه، و لهذا قلنا: بعدم جريان الاستصحاب الموضوعي في الشبهات الحكمية، حتى لو كانت الشبهة مفهومية، كما لو شك في مفهوم الأهلية كما تقدّم في المثال.

و أمّا إذا كانت الشبهة على نحو الشبهة الموضوعية، فإن كانت التذكية عنواناً بسيطاً و أمراً مسبباً مثلًا، فلا إشكال في أنّه يمكن إجراء استصحاب عدم التذكية، و يكون حاكماً على أصالة الحل.

و هذا الاستصحاب يجري بإحدى صيغتيه السابقتين، فإن كان عدم التذكية مضافاً إلى ذات الحيوان، فاستصحاب عدم التذكية يكون جارياً بلا حاجة إلى العدم الأزلي، و إن كان مضافاً إلى ما زهقت روحه، فالمستصحب يكون سالبة بانتفاء الموضوع، و معه: لا محالة يكون جريان الاستصحاب مبنياً على إجرائه في الأعدام الأزلية.

و أمّا إذا كانت الشبهة موضوعية، كما إذا تردد الحيوان المذبوح‏

345

خارجاً بين كونه غنماً أو سبعاً بسبب الظلمة و غيرها من موجبات الشبهة الموضوعية، فإن أخذت تلك الخصوصية المشكوكة، كالأهلية مثلًا في التذكية، جرى استصحاب عدمها الأزلي إذا لم تكن من الحيثيات الذاتية للحيوان، و حينئذٍ تثبت الحرمة أيضاً، و إن أخذت قيداً في التذكية فيجري حينئذٍ استصحاب عدم المقيّد، فإنّ ذات المقيّد و إن كان محرزاً، و لكن تقيّده بتلك الخصوصية غير محرز، إذاً، فيجري استصحاب عدم التذكية بمعنى: عدم المقيّد بما هو مقيّد، و هذا الاستصحاب لا يبتني على القول بالاستصحاب في الأعدام الأزلية إلّا إذا أخذت التذكية التي هي ذلك الأمر المقيّد بما هو مضاف إلى زاهق الروح و صفة له، لا بما هو مضاف إلى الحيوان في موضوع الحلية.

هذا، مع قطع النظر عمّا ذهب إليه بعض الفقهاء من دعوى: أنّه يوجد عموم فوقاني يدل على قبول كل حيوان للتذكية إلّا ما أخرجه الدليل، و إلّا كان المرجع في الشبهة الحكمية ذلك العام، و في الشبهة الموضوعية استصحاب عدم العنوان الخارج بنحو العدم الأزلي، إذا لم يكن من الذاتيات، أو قلنا: بجريان الأصل فيها أيضاً، و بذلك يتنقح موضوع العام و يظهر وجه النظر فيما أفاده الأعلام في المقام.

و قد ذكر المحقق العراقي (قده) في المقام ما ملخصه ( (1)): أنّه إذا شك في حلية لحم الحيوان و حرمته من ناحية الشك في قابليته للتذكية، سواء أ كانت الشبهة حكمية أو موضوعية.

و على كل تقدير، فإن كانت التذكية أمراً مسبباً، أي توليدياً

____________

(1) نهاية الأفكار، القسم الثاني من الجزء الثالث، ص 256.

346

فيجري استصحاب عدمه، و إذا كانت التذكية نفس العملية، فحينئذٍ، لا بدّ و أن نفرض كون قابلية الحيوان أحد أركان هذه العملية، إذاً، فمرجع الشك في التذكية إلى الشك في تلك القابلية، و لا يمكن إجراء استصحاب عدم تلك القابلية إلّا بنحو العدم الأزلي، و نحن و إن كنّا نقول: بجريان الاستصحاب في الأعدام الأزلية، و لكن في غير ما يكون من الذاتيات، فمثلًا: قلنا: إنّه في القرشية يجري الاستصحاب، لأنّها ليست من ذاتيات المرأة، و لكن غنميّة الغنم هي من ذاتيات الحيوان، فلا يجري فيها استصحاب العدم الأزلي في الصفة المشكوكة إذا كان يحتمل كونها من ذاتياته.

و يتضح وجه الفرق بين ما ذكره (قده) و ما ذكرناه، من خلال تعليقات ثلاثة لنا:

التعليق الأول: هو أنّ ما ذكره من أنّ التذكية إذا كانت أمراً مسبباً، فيجري استصحاب عدم التذكية على كل حال، سواء كانت الشبهة حكمية أو موضوعية.

و هذا كلام صحيح، و لكن ينبغي تدقيقه على ضوء ما ذكرناه، فإنّ استصحاب عدم التذكية على أحد المبنيين يبنى على جريان الاستصحاب في الأعدام الأزلية، و على المبنى الآخر لا يبنى على ذلك على ما شرحناه، فإنّ عدم التذكية إذا كان في لسان الدليل مضافاً إلى ذات الحيوان فاستصحاب عدمه لا يبنى على مسألة الأعدام الأزلية، و إذا كان مضافاً إلى الحيوان الزاهق الروح، فاستصحاب عدمه يبنى على مسألة جريان الاستصحاب في الأعدام الأزلية.

التعليق الثاني: هو أنّ ما ذكره من أنّ التذكية إذا كانت عبارة

347

عن نفس العملية أمراً مركباً، فحينئذٍ، لا بدّ و أن يفرض دخل القابلية، و هي أمر ذاتي في المقام، فلا يجري استصحاب عدمه.

و هذا الكلام أيضاً يحتاج إلى تدقيق، و ذلك لأنّه في الشبهة الحكمية ليست المسألة مبنية على أنّه: هل يجري استصحاب العدم الأزلي أو لا يجري؟ فلو فرض أنّه يجري حتى في الأمور الذاتية، فمع هذا لا يمكن إجراء الاستصحاب في الشبهة الحكمية، فإنّ عدم جريانه فيه ليس مبنياً على إنكار الاستصحاب في الأعدام الأزلية مطلقاً، أو في خصوص الأوصاف الذاتية كما ذهب إليه (قده)، بل لأنّه لا يوجد شك في شي‏ء في الخارج أصلًا، لأنّ الخصوصية التي يحتمل دخلها في التذكية، إمّا موجودة يقيناً، أو معدومة يقيناً، فإن كانت خصوصية الأنعامية فهي غير موجودة في الغزال يقيناً، و إن كانت خصوصية الأهلية فهي موجودة في بعض أقسام الغزال يقيناً، إذاً، ليس هناك شك في شي‏ء في الخارج حتى تنتهي النوبة إلى البحث في أنّه: هل يجري استصحاب عدمه الأزلي إذا شك فيه أو لا يجري؟

و كأنّ الذي أوهم هذا، هو أنّه أخذ في المطلب عنوان القابلية، بينما عنوان القابلية ليس إلّا مشيراً إلى واقع الخصوصية، لا أنّ نفس عنوان قابليته للتذكية يؤخذ موضوعاً للحكم الشرعي في المقام، إذ لا معنى لأن يؤخذ عنوان ما يقبل الحكم موضوعاً للحكم، و إنّما واقع ما به القابلية يكون موضوعاً للحكم، و هذا العنوان مشير إلى واقع ما به القابلية، و هو لا شك فيه، لأنّه إمّا موجود يقيناً أو معدوم يقيناً.

التعليق الثالث: على كلام المحقق العراقي (قده)، حيث يقول:

348

إنّ الاستصحاب لا يجري في الشبهة الموضوعية، لأنّ الخصوصية ذاتية.

و هذا الكلام لم يتضح لنا فيه أنّه: لما ذا عيّن كون الخصوصية ذاتية، إذ لعلّ الخصوصية عرضية مشتركة بين الحيوانات، فمثلًا: إذا كانت الخصوصية هي كون الحيوان أهلياً، فهذه الخصوصية مثل خصوصية القرشية للمرأة لا الإنسانية للإنسان.

و الخلاصة: هي أنّ المحقق العراقي (قده) ذكر كلاماً ذا شقين بالنسبة لاستصحاب التذكية و عدمها: فذكر في الشق الأول، أنّ التذكية إذا كانت أمراً بسيطاً جرى استصحاب عدمها، و إن كانت أمراً مركّباً من فري الأوداج مع القابلية للتذكية، لم يجرِ الاستصحاب، سواء كانت القابلية جزءاً أو قيداً، إذ ليس لها حالة سابقة و هوانه لتستصحب، سواء كانت الشبهة حكمية أو موضوعية.

و ذكر في الشق الثاني من كلامه: بأنّ دعوى جريان الاستصحاب في الأعدام الأزلية لا يجري، لأنّ هذه القابلية ذاتية للحيوان، و الاستصحاب لا يجري في الذاتيات.

و تعليقنا على الشق الأول من كلامه (قده)، هو أنّ جريان الاستصحاب إذا كانت التذكية أمراً بسيطاً، مبني على القول باستصحاب العدم الأزلي فيما إذا كان مضافاً إلى الحيوان زاهق الروح بما هو زاهق الروح.

و تعليقنا على الشق الثاني من كلامه (قده)،- بعد إرجاعه إلى المعنى الصحيح، و هو أخذ خصوصية الحيوان في موضوع الحكم الشرعي بالطهارة أو الحل، لا أخذ قابلية التذكية في التذكية بأنّ هذا الكلام غير تام فيما إذا كانت الشبهة حكمية حتى إذا قلنا:

349

بالاستصحاب في الأعدام الأزلية و لم تكن الخصوصية ذاتية، لدوران الأمر بين ما هو موجود يقيناً و ما هو معدوم يقيناً كما عرفت، و فيما إذا كانت الشبهة موضوعية، إنّما يتوقف على جريان الاستصحاب في الأعدام الأزلية إذا كان الموضوع مركباً كما هو المستظهر إثباتاً من الأدلة، و أمّا إذا كان مقيداً و مضافاً إلى ذات الحيوان، كان عدم المقيّد ثابتاً في الحيوان حال حياته، فيكون استصحاب عدمه له حالة سابقة.

و تعليقنا الثالث، هو أنّه لا موجب لافتراض أنّ الخصوصية القابلة للتذكية ذاتية في الحيوان، إذ قد تكون هذه الخصوصية مثل خصوصية القرشية للمرأة، لا خصوصية الإنسانية للإنسان.

و قد أفاد المحقق الأصفهاني (قده) في المقام ما حاصله ( (1)): أنّ جريان استصحاب عدم التذكية مبني على أن نعرف أنّ التقابل بين موضوع الحلية و موضوع الحرمة، هل هو تقابل السلب و الإيجاب، أو تقابل التضاد، أو تقابل الملكة و عدمها؟

فإن فرض أنّ التقابل بينهما ان تقابل السلب و الإيجاب، يعني: موضوع الحلية هو (المذكّى)، و موضوع الحرمة هو (عدم التذكية)، إذاً، يجري استصحاب عدم التذكية.

و أمّا إذا كان موضوع الحلية هو (المذكّى)، و موضوع الحرمة أمر مضاد له، أمر وجودي، و هو عبارة عمّا (مات حتف أنفه)، إذاً، فهنا استصحاب عدم التذكية يعارض باستصحاب عدم الموت حتف أنفه، لأنّك باستصحاب عدم التذكية تنفي موضوع الحلية، و هذا يتعارض مع‏

____________

(1) نهاية الدراية: الأصفهاني، ج 2، ص 206، الطبعة القديمة.

350

استصحاب عدم الموت حتف أنفه لينفى بذلك موضوع الحرمة، إذاً، فيتعارض الاستصحابان و يتساقطان.

و يقال نفس الشي‏ء إذا كان التقابل بينهما تقابل العدم و الملكة، فإنّ هذا العدم سنخ عدم أخذ في موضع القابل، فعدم التذكية ليس على الإطلاق موضوع الحرمة، و من الواضح أنّ عدم التذكية في الموضع القابل ليس له حالة سابقة لكي نستصحبها، لأنّ ما له حالة هو حرمة الحيوان حال حياته.

و الحاصل: هو أنّ التقابل بين موضوع الحرمة، و موضوع الحلية، إن كان تقابل التضاد، بأن كان موضوع الحرمة هو الموت حتف أنفه، و موضوع الحلية هو التذكية، إذاً، فيتعارض استصحاب عدم التذكية مع استصحاب عدم الموت حتف الأنف.

و إن كان التقابل بينهما تقابل السلب و الإيجاب، جرى استصحاب عدم التذكية بلا إشكال.

و إن كان التقابل بينهما تقابل العدم و الملكة، أي عدم التذكية في المحل القابل للتذكية، فلا يجري استصحاب عدم التذكية، لعدم الحالة السابقة، لأنّه في حال الحياة لا تكون القابلية للتذكية ثابتة، و بعد إزهاق الروح يشك في حصول التذكية من أول الأمر.

و لنا تعليقات ثلاثة على كلامه (قده):

التعليق الأول: هو أنّ هذا الكلام غير مفهوم لنا، و ذلك لأنّنا لا نتعقل أن يكون موضوع الحرمة إلّا نقيض الحلية، و كذا العكس، لأنّ الحلية لا تحتاج ملاكاً إلّا إلى عدم ملاك الحرمة، فأيّ شي‏ء فرضته موضوعاً للحرمة فنقيضه يكون موضوعاً للحلية، و كذا العكس.

351

و بناء على هذه البديهة من أنّ الحلية لا تحتاج ملاكاً إلى أكثر من خلو الواقعة من المفسدة الملزمة فلو فرضنا أنّ ملاك الحرمة قائم بعنوان وجودي كالموت حتف الأنف، فلا يعقل حينئذٍ أن يكون موضوع الحلية عنواناً وجودياً مضاداً له، أي للمذكّى، بل يجب أن يكون عدم ذاك العنوان هو أن (لا يموت حتف الأنف)، لأنّه يكفي في ثبوت ملاك الحلية عدم ثبوت ملاك الحرمة، إذاً، ففرضية التعارض إنّما تعقل بين موضوع الحرمة و موضوع الوجوب، فمثلًا: يمكن أن يقال: استقبال القبلة واجب، و يقال: بأنّ ضده حرام، و أمّا الحلية و الحرمة فليس الأمر كذلك، فلا بدّ أن يكون التقابل بينهما تقابل السلب و الإيجاب.

و الخلاصة: هي أنّ فرض التقابل بين موضوع الحرمة و الحلية بنحو التضاد أو العدم و الملكة في نفسه غير معقول، لأنّه يكفي في الحلية عدم تحقق ملاكات الحرمة و انتفاء موضوعها، فإذا كان موضوع الحرمة أو الحلية أمراً وجودياً كالموت حتف الأنف، فلا محالة يكون موضوع الآخر نقيضه، و معه لا يجري استصحاب عدم الموت حتف الأنف، أو استصحاب عدم التذكية.

التعليق الثاني: هو أنّه لو سلّمنا أنّ التقابل بينهما كما قال (قده): تقابل التضاد، إلّا أنّنا لا نسلّم أن الاستصحابين يتعارضان كما ادّعى، بل نقول: إنّه في مثل هذه الحالة لو أمكن استصحاب عدم التذكية فإنّه لا يجري في نفسه أولًا، و استصحاب عدم الموت حتف أنفه يكون وحده جارياً، و ذلك لأنّ استصحاب عدم الموت حتف أنفه نريد به التأمين، يعني: أن ننفي موضوع الحرمة، و هذا يحصل باستصحاب عدم موضوع الحرمة.

352

و أمّا استصحاب عدم التذكية، فإنّنا نريد به التنجيز لا محالة، و هذا لا يحصل، لأنّ مجرد نفي موضوع الحلية لا يكفي لإثبات الحرمة، بعد ما فرضنا أنّ موضوع الحرمة ضد موضوع الحلية لا نقيضها، و من الواضح، أن نفي أحد الضدين بالاستصحاب لا يثبت الضد الآخر إلّا بالملازمة العقلية، فمثلًا: إذا كنت تريد باستصحاب عدم التذكية أن تنفي الحلية، فهذا لا أثر له، إذ لم تثبت الحرمة و لم تتنجز علينا، لأنّ التنجز فرع ثبوت الحرمة، فلو فرضنا أنّ المولى في واقعة لم يحكم لا بحلية و لا بحرمة، فهل كان ينجز علينا واحداً منهما؟ إذاً، إن كان باستصحاب عدم التذكية يريد أن ينفي الحلية فقط، فهذا لا أثر عملي له، و إن كان يريد إثبات الحرمة حتى تتنجز، فهذا غير معقول، لأنّ نفي أحد الضدين بالاستصحاب لا يكفي لإثبات الضد الآخر إلّا بالملازمة العقلية.

و الحاصل: هو أنّه لو سلّمنا أن ذلك معقول ثبوتاً، بأن كانت الحلية مجعولة على المذكّى، و الحرمة مجعولة على الموت حتف الأنف، لكن مع هذا، فاستصحاب عدم التذكية لا يجري ليعارض استصحاب عدم الموت حتف الأنف، لأنّه لا يثبت الموت حتف الأنف إلّا بناء على الأصل المثبت، و حينئذٍ، فمع عدم إثباته لموضوع الحرمة لا يبقى له أثر، إذ التنجيز مترتب على إحراز الحرمة، لا رفع موضوع الحلية، و لذا، لو فرضنا أنّ الشارع لم يحكم لا بحلية و لا بحرمة، فحينئذٍ لا يتنجز على المكلّف واحد منهما.

التعليق الثالث: هو أن ما يقوله (قده): من أنّه على تقدير كون التقابل بينهما هو تقابل العدم و الملكة، فعدم التذكية هنا في الحالة السابقة لم يكن عدماً في الموضوع القابل، فليس للعدم مع الملكة حالة سابقة حتّى تستصحب.

353

و جوابه: هو أنّه ما ذا يقصد (قده) بالملكة و القابلية؟

فإن كان يقصد القابلية الاحتمالية،- بمعنى: شأنية المحل لوقوع هذا العارض، و هذا هو المعنى الذي يقصدونه من العدم و الملكة إن كان يقصد هذا، فهذا المعنى كان موجوداً في حال حياة هذا الحيوان، لأنّه كان من شأنه أن يرد عليه هذا الذبح بهذا الترتيب، و لا يحتمل أن يكون المأخوذ في عدم التذكية شيئاً أكثر من هذا المقدار.

إلّا أنّ ذلك لا يكفي لإثبات الحرمة، إذاً، فلا بدّ و أن يقال: إنّ موضوع الحرمة ليس مطلق عدم التذكية و لو في البطيخ و لكن إذا أخذنا شأنية كونه حيواناً يقبل أن يذبح، فهذه الشأنية في المقام محفوظة من أول الأمر، و لا يحتمل عرفاً أن يأخذ أكثر من هذا المقدار في مقام إشباع حاجة التقابل بين العدم و الملكة.

و الحاصل: هو أنّ القابلية التي افترض عدمها في حال الحياة هي غير قابلية الحيوان للتذكية، بناء على أنّ التذكية بنحو الملكة، إذ المراد منها لا بدّ و أن يكون القابلية الإمكانية للتذكية، و هي خصوصية ثابتة في الحيوان المذكّى حتى في حال حياته، سواء فرضت التذكية أمراً شرعياً اعتبارياً أو تكوينياً.

النحو الثالث: هو ما إذا شك في حلية لحم الحيوان و حرمته باعتبار الشك في تذكيته كما في الثاني، لكن الشك في التذكية هنا لم ينشأ من ناحية الشك في أصل قابلية الحيوان للتذكية، كما هو الحال في القسم الثاني، و إنّما نشأ من طرو حالة، أو احتمال طرو حالة، بحيث تكون مانعة عن تقبل الحيوان للتذكية بالعرض و إن كان بالذات لا يكون آبياً عنها، من قبيل طرو الجلل.

354

و الشك بهذا النحو تارة: يكون شبهة حكمية، و أخرى: يكون شبهة موضوعية.

فالحكمية هي من قبيل: أن يصبح هذا الحيوان جلّالًا يقيناً، و لكن نشك في مانعية الجلال عن التذكية.

و أخرى نعلم بمانعية الجلل عن التذكية، و لكن نشك في أنّ هذا الحيوان صار جلّالًا أو لا؟

أمّا في الشبهة الحكمية، فنقول: إن وجد إطلاق في أدلة التذكية، بحيث يقتضي نفي اعتبار ما يشك في اعتباره، عدا ما نصّ عليه في تلك الأدلة، فحينئذٍ بناء عليه، فإنّ مقتضى التمسك بإطلاق أدلة التذكية هو عدم اعتبار عدم الجلل، لأنّ المفروض أنّه لم ينص عليه في أدلة التذكية، و إلّا لثبتت المانعية و لما انتهينا إلى الشبهة الحكمية، و معه لا تصل النوبة إلى الأصول العملية.

و أمّا إذا فرض أنّ دليل التذكية لم يكن فيه إطلاق، بل كان مجملًا، بحيث لا يمكن أن ننفي اعتبار ما نشك في اعتباره، حينئذٍ نرجع إلى العام الذي خصّصه دليل التذكية، فإنّ دليل التذكية تخصيص في الحقيقة لما دلّ على حلية لحم الشاة: (أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ‏)، إذ مقتضى إطلاقه في المقام، أنّ بهيمة الأنعام، بأيّ وجه كانت، فهي حلال، و لكن دليل التذكية قال: إنّ هذا الدليل كان مجملًا في نفسه، و كان على نحو لا يقتضي اعتبار عدم الجلل، و لا عدم اعتباره، إذاً، يكون حينئذٍ مخصصاً مجملًا، نرجع حينئذٍ معه إلى العام الاجتهادي و نثبت به الحلية، إذاً، فهذان طريقان لإثبات الحلية بالعمومات الاجتهادية.