بحوث في علم الأصول - ج11

- الشيخ حسن عبد الساتر المزيد...
473 /
355

و أمّا لو لم يكن عندنا عموم اجتهادي فحينئذٍ لا محالة نرجع إلى الأصول العملية، و إذا رجعنا إليها نقول: بأنّ التذكية، إمّا أن تكون نفس العملية، أو أمراً بسيطاً متحصلًا من العملية.

فإن كانت نفس العملية، فحينئذٍ لا يمكن إجراء استصحاب عدم التذكية، لأنّ الشك ليس في وجود الموضوع، بل في موضوعية الموجود، لأنّ الذبح وجد يقيناً، و الجلل وجد يقيناً، و إنّما الشك في أنّ هذا الذبح المقرون بالجلل هل إنّه تذكية أو ليس بتذكية لكي يستصحب عدم الموضوع و عدم التذكية؟ إذاً، لا يجري استصحاب عدم التذكية في هذه الحالة، بل نرجع حينئذٍ إلى أصالة الحل، لأنّ هذا الحيوان يشك في حليته و حرمته، فإن كان المولى قد أخذ عدم الجلل قيداً في التذكية فهذا حرام، و إن لم يكن قد أخذه قيداً فهذا حلال، و حيث لم يتعيّن أخذه أو عدم أخذه بدليل، إذاً، نشك في أنّه حلال أو حرام فتجري أصالة الحل في هذا الحيوان، هذا على تقدير أن تكون التذكية نفس العملية.

و أمّا لو كانت التذكية أمراً بسيطاً محصلًا من العملية، فحينئذٍ لا بأس بإجراء استصحاب عدم هذا الأمر البسيط، لأنّ الشك هنا في وجود الموضوع لا موضوعية الموجود، فهذا الأمر البسيط نشك في أنّه وجد خارجاً أو لا؟ فإن كان المولى قد أناط وجود هذا الأمر البسيط بوقوع الذبح مع عدم الجلل، إذاً، لم يقع هذا الأمر البسيط، لأنّ هذا الحيوان جلّال، و إن كان قد أناطه بوقوع الذبح و لو مع الجلل، إذاً، يكون هذا الأمر البسيط قد وقع، فإذا شك في وجود الأمر البسيط و عدم وجوده، فنستصحب وجوده، فيجري استصحاب عدم التذكية، و بذلك تثبت الحرمة، و لا مجال حينئذٍ لإجراء أصالة الحل.

356

و في مقابل النتيجة التي انتهينا إليها في كلا هذين التقديرين، يوجد شي‏ء، و هو أنّه بالإمكان إبراز صيغة استصحاب تعليقي بأن يقال: إنّ هذا الحيوان قبل أن يكون جلّالًا، لو ذبح لكان حلالا، هذه القضية الشرطية نشك في ارتفاعها بعد الجلل، فنستصحب بقاءها، و هذا هو معنى الاستصحاب التعليقي، فإذا بني عليه مطلقاً، أو في خصوص هذا المورد، فلا إشكال في أنّه يكون هو المرجع في الحالة الأولى التي كان يجري فيها أصالة الحل، و يكون موافقاً لأصالة الحل، و على مبناهم يكون حاكماً، إذاً، تكون نتيجته نتيجة أصالة الحل.

و أمّا على التقدير الثاني الذي كان يجري فيه استصحاب عدم التذكية، فمن المعلوم أنّ الاستصحاب التعليقي يتنافى معه، لأنّه يقتضي حليّته و نفي الحرمة. و حينئذٍ، إن بنينا على أنّ الاستصحاب التعليقي يكون حاكماً و مقدماً على التنجيزي، إذاً، هنا يقدم عليه كما بنى على ذلك صاحب الكفاية (قده) ( (1))، و إذا بنينا على المعارضة فيتساقطان و يرجع إلى أصالة الحل، و على كل حال، سوف لا تتغير النتيجة، إذاً، لا بدّ أن نحكم بالحلية.

و نحن لنا تفصيل في جريان الاستصحاب التعليقي لا يسعه المجال، و لكن خلاصته: هي أنّه يجب أن يكون استصحاب للحكم التعليقي، لأنّه يجري في الأحكام لا في الموضوعات، هذا أولًا.

و ثانياً: هو أنّه لا بدّ و أن تكون القضية قد جعلت بلغة القضية الشرطية في لسان الدليل، هذا حاصل الكلام في الشبهة الحكمية.

____________

(1) كفاية الأصول: الخراساني، ج 2، ص 193.

357

و خلاصة هذا النحو الذي هو الشك في الحلية من ناحية طرو ما يحتمل مانعيته عن التذكية كالجلل، ففي الشبهة الحكمية، كما إذا شك في مانعية الجلل عن التذكية، فإن فرضت التذكية عبارة عن نفس الأفعال و الشروط، فلا يجري استصحاب عدم التذكية هنا، و ذلك لعدم الشك في وجود الموضوع، بل في موضوعية الموجود، و معه تصل النوبة إلى أصالة الحل أو البراءة، بل يجري استصحاب الحلية التعليقي بناء على القول: به في أمثال المقام، لأنّ هذا الحيوان لو كان يذبح قبل الجلل كان حلال اللحم يقيناً فيستصحب، و إن فرضت التذكية عنواناً بسيطاً جرى استصحاب عدمها بنحو العدم الأزلي أو النعتي، حسب التفصيل المتقدم في النحو السابق، هذا كله إذا لم يكن هناك عام فوقاني يثبت التذكية بإطلاقه الأحوالي، و إلّا كان استصحاب العدم هو المرجع.

نعم، قد يتوهم هنا جريان استصحاب تعليقي فيقال: إنّ هذا الحيوان لو كان يذبح قبل الجلل كان مذكّى يقيناً، إذاً، فهو الآن كذلك.

إلّا أنّ هذا مبني على أن تكون التذكية حكماً شرعياً لا أمراً تكوينياً، و أن يقال: بجريان الاستصحاب التعليقي في أمثال المقام، و حكومته على الاستصحاب التنجيزي.

و أمّا في الشبهة الموضوعية، فيما إذا شك في أنّ هذا الحيوان هل صار جلّالًا أم لا؟ فهنا تارة، يفرض أنّ التذكية تكون أمراً مركباً، فحينئذٍ نستصحب عدم الجلل، لأنّ عدم الجلل أحد شئون هذه العملية، إذ إنّ عملية التذكية مركّبة من شيئين: أحدهما الذبح، و الآخر عدم الجلل، الذبح ثابت بالوجدان، و عدم الجلل ثابت‏

358

بالاستصحاب، فتثبت بذلك العملية التي هي موضوع الحلية بضم التعبد إلى الوجدان.

و أمّا إذا كانت التذكية أمراً مسبباً عن العملية و متحصلًا منها، فحينئذٍ تارة يكون هذا الأمر المسبب و المتحصل حكماً شرعياً، بأن نقول: التذكية حكم شرعي مترتب على العملية، من باب ترتب الحكم على موضوعه من قبيل: ترتب النقل و الانتقال على عقد البيع الذي هو حكم شرعي.

و تارة أخرى، يكون هذا المسبب أمراً تكوينياً واقعياً من قبيل: نفس الموت، و التذكية حصة خاصة من الموت كشف عنها الشارع، فإن فرض الأول و هو كون التذكية أمراً مسبباً و حكماً شرعياً، فالكلام هو الكلام الذي عرفت، لأنّ هذا الأمر المسبب هو حكم شرعي موضوعه مركّب من ذبح و عدم جلل، و الذبح ثابت بالوجدان، و عدم الجلل ثابت بالاستصحاب، فننقح بذلك موضوع هذا الحكم الشرعي التذكية-.

و أمّا إذا كانت التذكية أمراً مسبباً تكويناً، فحينئذٍ استصحاب عدم الجلل لا يجري، لأنّه لا يمكن أن نثبت به هذا الأمر التكويني إلّا بالملازمة العقلية، و بناء على الأصل المثبت، لأنّ التذكية حينئذٍ تكون لازماً تكوينياً للمستصحب لا حكماً شرعياً له، و الاستصحاب إنّما يعبّدنا بالآثار الشرعية المترتبة على المستصحب لا بالآثار التكوينية، فحينئذٍ استصحاب عدم الجلل لا يجري، فتنعكس النتيجة و يجري استصحاب عدم ذاك الأمر التكويني، لأنّنا صرنا نشك في أنّه وجد أم لا؟ فيجري استصحاب عدمه، و يكون الحكم التحريمي منجزاً باستصحاب عدم التذكية.

359

و خلاصة ما إذا كانت الشبهة موضوعية، كما لو شك في أنّ هذا الحيوان هل صار جلّالًا أم لا؟ فإن فرض أنّ التذكية عبارة عن نفس عملية الذبح مع أفعالها و شروطها جرى حينئذٍ استصحاب عدم الجلل، و إن فرض أنّ التذكية أمر بسيط مجعول شرعاً على تلك الأفعال مع عدم الجلل جرى استصحاب عدم الجلل، لإحرازها أيضاً، و إن فرض أنّها أمر بسيط تكويني مسبّب عن فعل الذبح جرى حينئذٍ استصحاب عدم التذكية، و لم يجرِ استصحاب عدم الجلل إلّا بالملازمة العقلية و الأصل المثبت، لأنّ التذكية حينئذٍ تكون لازماً تكوينياً للمستصحب لا حكماً شرعياً له، و الاستصحاب إنّما يعبدنا بالآثار الشرعية المترتبة على المستصحب، و لم يعبّدنا بالآثار التكوينية.

النحو الرابع: و هو الشك في تحقق جميع شروط عملية التذكية خارجاً، فإن كانت الشبهة حكمية، كما إذا شك في شرطية شي‏ء أو مانعيته عن التذكية، كما لو شك في اشتراط التسمية، أو في كون الذابح غير مسلم.

فإنّ الكلام فيه مثل الكلام في الشبهة الحكمية في النحو السابق، فإن فرض أنّ التذكية عبارة عن نفس أعمال الذبح، فحينئذٍ لا مجال لاستصحاب عدم التذكية، لأنّ الشك في موضوعية الموجود، فنرجع إلى أصالة الحل أو البراءة إن لم يوجد عموم فوقاني، و كذلك يجري استصحاب عدم الشرط أو الجزء المشكوك في تحققه.

و القول: بالاستصحاب التعليقي مجازفة، إلّا إذا طرأ ما يحتمل كونه مانعاً.

و إن فرض أن التذكية أمر بسيط، جرى استصحاب عدمها بنحو العدم النعتي أو الأزلي كما عرفت تفصيله سابقاً.

360

و أمّا إذا كانت الشبهة موضوعية، فكذلك يجري استصحاب عدم التذكية بنحو العدم النعتي أو الأزلي كما عرفت تفصيله، و منه يعلم أنّه إذا جرى استصحاب عدم التذكية فإنّه يترتب عليه حرمة الأكل و عدم صحة الصلاة في جلده و لا يترتب عليه نفي الطهارة كما هو مختارنا، فنقول: بحرمة أكله و طهارته.

و بهذا يتضح أنّ الحكم في الأنحاء الثلاثة مبني على البحثين الفقهيين المزبورين، و أنّ الصحيح في البحث الفقهي الثاني، هو أنّ التذكية أخذت في موضوع الحلية و صحة الصلاة بما هي مضافة إلى زاهق الروح لا إلى ذات الحيوان، كما هو ظاهر الآية الكريمة: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَ الدَّمُ وَ لَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَ ما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَ الْمُنْخَنِقَةُ وَ الْمَوْقُوذَةُ وَ الْمُتَرَدِّيَةُ وَ النَّطِيحَةُ وَ ما أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا ما ذَكَّيْتُمْ) ( (1))، فإنّ الآية قد ذكرت عدّة أقسام من الحيوان الميت كان هو المقسم، ثم استثنت المذكّى من الميت و زاهق الروح لا من ذات الحيوان، إذاً، فالمقسم في المستثنى و المستثنى منه، هو الحيوان زاهق الروح بقرينة ذكر أنواع منه، و كما هو ظاهر عرفاً في أخذ التذكية مضافة إلى زاهق الروح، و كل هذا يستفاد من أخبار الباب ( (2))، لا سيّما ما ورد في فريسة الكلب و الصقر و الفهد من أنّها حلال إذا أدركت حيّة كما هو مفصل في الفقه.

و أمّا البحث الفقهي الثاني: و هو أنّ التذكية هل هي أمر بسيط، أو أنّها عبارة عن نفس عملية الذبح بشروطها الشرعية؟ فقد ذهب المحقق النائيني (قده) ( (3)) إلى أنّها أمر مركب، و قد استدل لذلك بتفسير

____________

(1) سورة المائدة، الآية: 3

(2) الوسائل، ج 16، ص 273 272

(3) فوائد الأصول، ج 3، ص 383 382.

361

اللغويين للتذكية بالذبح، كما استدل على ذلك بأنّ التذكية منسوبة إلى الذابح في اللغة و كذلك في ألسنة الروايات ( (1)) حيث إنّها ظاهرة في أنّ التذكية فعل مباشري للمذكّي، و كذلك الحال في لسان القرآن الكريم في قوله تعالى: (إِلَّا ما ذَكَّيْتُمْ‏).

و ذهب آخرون في قبال النائيني و مدرسته، إلى أنّ التذكية أمر بسيط مسبب عن عملية الذبح، و قد أنكروا حجية كلام اللغوي أولًا، و أنكروا ثانياً، كون نسبة التذكية إلى الذابح أنّها هي المعنى المتعيّن للتذكية، لأنّ المسبّب التوليدي أيضاً ينسب عرفاً إلى فاعليه حقيقة و بدون عناية.

و التحقيق، هو أنّ عنوان التذكية كما يظهر من ألسنة الروايات، أنّها أمر بسيط مسبّب عن عملية الذبح، كذلك يظهر منها أنّها أمر مركّب لأنّها نسبت التذكية إلى الذابح ( (2))، إذاً، فهذا اللسان كما أنّه يناسب كون التذكية أمراً مركباً، فهو أيضاً يناسب كونها أمراً بسيطاً، حيث يظهر من هذه الألسنة أنّها عنوان بسيط يرادف مفهوم الطيب و ملاءمة الطبع و عدم التنفر، لأنّه أطلق فيها الذكاة على الطاهر بلسان: (كل يابس ذكي) ( (3))، و في بعضها الآخر على الجلد الذكي بلسان: (إنّ الجل الذكي يجوز الصلاة فيه) ( (4))، و هذا كما ترى يناسب كون التذكية أمراً بسيطاً لا مركباً، كما أنّه ورد أيضاً: (بأنّ كل ما لا تحل فيه الحياة من الميتة كالصوف و الظفر فهو ذكي)، (و أنّ الجنين ذكاته ذكاة

____________

(1) الوسائل، ج 16، ب 1، ص 253، ح 4

(2) الوسائل، ج 16، ب 1، ص 253، ح 4

(3) الوسائل، ج 1، ب 31، ص 248، ح 5، لسان العرب، ج 1، ص 1073

(4) الوسائل، ج 3، ب 2، ص 253 251، ح 8 2، ح 3، ص 252.

362

أمّه) ( (1)) و يتبيّن من جملة الأخبار أنّ الذكاة أطلقت، و لا يحتمل في موردها إرادة الذبح و لا هي مرادفة لمفهومه.

نعم، يمكن أن يكون هذا العنوان البسيط قد اعتبره الشارع مفهوماً منطبقاً على نفس عملية الذبح الشرعي، كانطباق مفهوم الوضوء على نفس أفعال الوضوء، و قد ورد في بعض الألسنة: (أنّ التسمية زكاة) ( (2))، و أنّ إخراج السمك من الماء حياً ذكاته) ( (3))، ممّا يشعر أنّه أطلق الذكاة على نفس عملية الذبح.

و من هنا يظهر أنّ هذا العنوان البسيط قد اعتبره الشارع عنواناً منطبقاً على نفس عملية الذبح الشرعي، و كذلك على الطيب و الطهارة، و إن كان عنوان الطيب و الطهارة في الحقيقة عنواناً اعتبارياً، يعرض على نفس الحيوان لا على الذبح و باقي شروط العملية، و إن كنّا نعرف من خلال إطلاق الذكاة في بعض هذه الأخبار على نفس عملية الذبح، أنّ الذبح جعل بالاعتبار فرداً للطهارة و الطيب، و لما لا تنفر منه النفس، و معه: يظهر أنّ الذكاة و التذكية عنوان اعتباري بسيط منتزع عن نفس العملية و منطبق عليها، و ليس هو نفس الأفعال مفهوماً، و لا هو أمر مسبب عنها كما هو المختار عندنا في الطهارات الثلاث.

ثمّ إنّه قد استدل على جريان استصحاب عدم التذكية لإثبات حرمة الأكل و الصلاة ببعض الروايات الموافقة مضموناً لاستصحاب عدم التذكية، من قبيل: ما ورد من النهي عن أكل صيد وجده الصائد

____________

(1) الوسائل، ج 16، ص 269

(2) الوسائل، ج 16، ب 1 من الصيد، ص 208، ح 4

(3) الوسائل، ج 16، ب 31 من الذبائح، ح 8 و ح 2، ص 302 297.

363

مفترساً، فشكّ في أنّه هل افترسه كلبه المعلم الذي أرسله، أو أنّه افترسه حيوان آخر؟ ( (1)).

و كذلك ورد النهي عن حلية أكل طائر رماه الصائد فقلته، ثمّ شك في أنّه قتل بهذه الرمية أو بشي‏ء آخر غيرها؟ ( (2)).

و كذلك الروايات الدالة على جواز الصلاة في وبر و شعر ما يؤكل لحمه إذا علمت أنّه ذكي، الدالة بمفهومها على عدم جواز الصلاة بها إذا لم تعلم تذكيته.

إلّا أنّ الصحيح أنّ هذه الأخبار و إن كانت موافقة مضموناً لاستصحاب عدم التذكية، لكنّها مع ذلك لا تصلح شاهداً للقول: باستصحاب عدم التذكية، لعدم وجود قرينة فيها تدل على أنّ حكم حرمة الأكل و الصلاة فيها، إنّما هو بملاك استصحاب عدم التذكية، بل لعلّ الحكم فيها بالحرمة، إنّما هو حكم احتياطي على مستوى الحكم بالحلية في أصالة الحل و البراءة و بقطع النظر عن الحالة السابقة.

و قد استدل بروايات أخرى على إبطال استصحاب عدم التذكية في خصوص الشبهات الموضوعية، من قبيل: ما ورد من السؤال: (عن أكل الطائر الذي رماه الصائد، ثمّ شكّ في أنّه هل سمّى حين رماه أم لا) ( (3))؟ فأجاب الإمام (عليه السّلام): بأنّه يأكله، و هو كما ترى فإنّ حكمه (عليه السّلام) بحلية أكله ينافي استصحاب عدم التذكية، و معه يمكن الاستيناس بذلك في إنكار استصحاب عدم التذكية.

____________

(1) الوسائل، ج 16، ب 5 من الصيد، ص 215

(2) الوسائل، ج 16، ب 18 و 19 من الصيد، ص 232 230

(3) الوسائل، ج 16، ب 25 من الصيد، ص 337.

364

إلّا أنّ التحقيق لا يساعد على ذلك، إذ من المحتمل أولًا: أن يكون بالحلية بملاك قاعدة الفراغ التي قد عرفت في محله تقدمها و حكمها على الاستصحاب.

و من المحتمل ثانياً: هو قوّة احتمال ظهور الرواية في أنّ التسمية شرط ذكري، إذ المنصرف من الرواية أنّها إنّما تركت نسياناً لا عملًا، كما هو مورد قاعدة الفراغ، حيث إنّ موردها ترك الفعل عن نسيان لا عن عمد.

هذا مضافاً إلى ورود روايات ( (1)) تدل على كون التسمية شرطاً ذكرياً تسقط بالنسيان، و معه تكون حليّة هذا الطائر حلية واقعية، لأنّه إن سمّى فقد حصلت التذكية، و إن نسي أن يسمّي فقد حصلت التذكية أيضاً، لأنّ التسمية ليست شرطاً في حال النسيان كما عرفت.

و الحاصل: هو أنّه لا يوجد في أخبار الباب ما يوافق و لو مضموناً استصحاب عدم التذكية، و معه يتضح عدم تمامية شي‏ء من أدلة الإخباري على وجوب الاحتياط في الشبهات البدوية.

نعم، يمكن أن نتكلّم عن حسن الاحتياط و استحبابه، في مقامين:

فتارة، نتكلّم عن حكم الاحتياط شرعاً في الشبهة البدوية بشكل عام.

و أخرى، نتكلّم عن حكمه في العبادات بشكل خاص.

المقام الأول: هو أنّ المشهور، حسن الاحتياط عقلًا،

____________

(1) الوسائل، ج 16، ب 15 من الذبح، ص 267 237. وب 12 من الصيد، ص 226 225.

365

و استحبابه شرعاً، تمسكاً بالأخبار ( (1)) التي استدل بها الإخباري على وجوبه، فإنّ تلك الأخبار لئن أنكرنا دلالتها على وجوب الاحتياط، لكن لا يمكن إنكار دلالتها على أصل رجحانه و استحبابه ابتداءً.

و ذهب المحقق النائيني (قده) إلى عدم إمكان كون استحباب الاحتياط مولوياً، فإنّ الأخبار الدالة على حسن الاحتياط و استحبابه كما في لسان: (أخوك دينك، فاحتط لدينك) ( (2)) فإنّ هذه الأخبار لا بدّ من حملها على الإرشاد إلى حكم العقل بحسن الاحتياط، حيث لا يعقل تأسيس استحباب مولوي زائد على الحسن الذي حكم به العقل، و قد بيّن ذلك ببيانين:

البيان الأول: هو أنّ جعل الاستحباب المولوي على الاحتياط لغو، لأنّ الغرض من الاستحباب المولوي، إمّا أن يكون إيجاد محرك يلزم بالاحتياط، و إمّا أن يكون الغرض إيجاد محرك غير ملزم بالاحتياط.

فإن كان المراد به الأول، فهو باطل جزماً، لأنّ لازم ذلك انقلاب الاحتياط من كونه مستحباً إلى صيرورته واجباً و هو خلف.

و إن كان المراد به الثاني، و هو إيجاد محرك غير إلزامي نحو الشبهة البدوية، فالتحرك نحوها حاصل بدون جعل الاستحباب، حتى لو فرض أنّ الشارع لم يجعل الاستحباب للاحتياط، لأنّه يكفي للتحرك نفس احتمال التكليف الواقعي المشكوك، هذا مضافاً إلى كون العقل محركاً للمكلّف نحو حسن الاحتياط و استحقاق الثواب، و معه:

____________

(1) الوسائل، ج 18، ب 12 صفات القاضي، ح 1، ص 41 123

(2) نفس المصدر.

366

فما دام احتمال ثبوت الحرمة في الشبهة البدوية كافياً لتحريك المكلّف نحو الاحتياط، فيصبح جعل الشارع الاستحباب للاحتياط بداعي التحريك نحو الاحتياط لغواً.

البيان الثاني: هو أنّ حسن الاحتياط كحسن الطاعة، و قبح المعصية، واقع في مرحلة متأخرة عن الحكم الشرعي، و قد بنى الميرزا (قده) هذا الوجه على قانون يميّز فيه بين الحسن الثابت في مرحلة متأخرة عن الحكم، و بين الحسن الثابت في مرحلة سابقة على الحكم، فإذا كان الحسن ثابتاً في مرحلة أسبق على الحكم استتبع حكم الشارع على طبقه، بخلاف ما لو كان الحسن متأخراً عن الحكم و في طوله، فإنّه لا يستتبع أن يكون الحكم الشرعي على طبقه، و حينئذٍ يقال: إنّه ما دام أنّ هذا الحسن العقلي للاحتياط متأخر عن الحكم الشرعي، إذاً، لا يمكن أن يكون مستلزماً للاستحباب المولوي للاحتياط، بل يتعيّن حمل الأمر بالاحتياط على الإرشاد إلى حسنه عقلًا ( (1)).

و كلا البيانين غير صحيح.

أمّا بطلان البيان الأول الذي هو عدم المعقولية و اللغوية، فيقال: إنّ الاستحباب المولوي للاحتياط فيه احتمالان:

الاحتمال الأول: هو أن يكون الاستحباب نفسياً لا طريقياً، بمعنى أنّ جعل الاستحباب للاحتياط ليس لأجل التحفظ على تجنب المحرمات الواقعية المحتملة، بل لأجل ملاك آخر كما لعلّه يستفاد ذلك من لسان: (من ترك الشبهات فهو لما استبان له أترك) حيث يدل‏

____________

(1) أجود التقريرات: الخوئي، ج 2، ص 204.

367

على أنّ رجحان الاحتياط و ترك الشبهات ليس منشؤه التحفظ على الواقع، بل لأنّ ترك الشبهات يخلق في النفس ملكة و مقاومة، و قادرة على ترك المحرمات المعلومة، إذ من تمرّس و اعتاد على ترك الشبهات هان عليه ترك المحرمات.

و بناء على هذا الاحتمال، لا يلزم محذور اللغوية حينئذٍ، لأنّ احتمال التكليف و إن كان يكفي في تحريك المكلّف نحو الاحتياط حتى لو لم يكن الاستحباب مجعولًا للاحتياط، إلّا أنّ هذه المحركية الناشئة من احتمال حرمة التكليف هي محركية مغايرة للمحركية الناشئة من جعل الاستحباب المولوي للاحتياط، إذ إنّ المحركية الأولى منشؤها التحفظ على الواقع المشكوك، بينما المحركية الثانية منشؤها خلق ملكة مقاومة للوقوع في الشبهات، غايته: أنّه يجتمع محركان، فإنّ الاستحباب النفسي للاحتياط يوجد تأكد المحركية نحوه، و ذلك لاجتماع ملاكين فيه للمحركية؛ هما: ملاك التحفظ على الواقع المشكوك، و ملاك نفس الاحتياط، كما هو الحال عند ما يجتمع ملاكان في شي‏ء واحد، فإنّه يتأكد بذلك الحكم، لتأكد الملاك، و من ثمّ يتأكد حكم العقل بالانبعاث.

الاحتمال الثاني: هو أن يكون الاستحباب المولوي للاحتياط استحباباً طريقياً، بحيث إنّ منشأه يكون من أجل التحفظ على عدم الوقوع في المحرمات المحتملة، و معه: لا يلزم محذور اللغوية، لأنّ احتمال التكليف واقعاً و إن كان يكفي في تحريك المكلّف نحو الاحتياط، إلّا أنّ هذه المحركية تقوى و تتأكد بجعل استحباب للاحتياط، لأنّه بهذا تتأكد شدة اهتمام المولى بإحراز الواقع المشكوك، كما أنّه بهذا تقوى المحركية.

368

و أمّا بطلان البيان الثاني، الذي كان مفاده، أنّ حسن الاحتياط عقلًا لا يمكن أن يكون مستلزماً للاستحباب المولوي، حذراً من التسلسل.

فجوابه أولًا: هو أنّه لا نسلّم بمحذور التسلسل، لأنّ التسلسل المستحيل إنّما هو التسلسل في الأمور التكوينية، بينما لا يكون مستحيلًا في الأمور الاعتبارية، و من الواضح أنّ التسلسل اللازم في المقام إنّما هو تسلسل في الأمور الاعتبارية، فإنّ الأحكام التي يلزم تسلسلها إنّما هي أمور اعتبارية، و التسلسل فيها ليس مستحيلًا، أو غير لازم، لأنّه يمكن وقف هذا التسلسل في المقام عند ما يرفع المعتبر اعتباره، فإنّه حينئذٍ ينقطع التسلسل و يخرج عن كونه تسلسلًا.

و جوابه ثانياً: هو أنّه لو سلّم باستحالة التسلسل حتى في الأمور الاعتبارية، فيمكن مع هذا أن يقال: إنّنا لا نريد أن نثبت الاستحباب الشرعي هنا بواسطة الملازمة بين حسن الاحتياط العقلي و استحبابه الشرعي، كي يلزم محذور التسلسل، و إنّما استحباب الاحتياط نثبته بأدلة الاحتياط الخاصة من قبيل: (أخوك دينك، فاحتط لدينك)، و إنّما الكلام عن المحذور المانع عن ثبوت الاستحباب، و ليس الكلام في إثبات الاستحباب بقاعدة الملازمة، بل الكلام في نفي المانع، إذ لو كان المقصود التمسك بقاعدة الملازمة، فمن اللازم إذاً، أن يكون الاستحباب الشرعي للاحتياط على منوال الحسن العقلي للاحتياط، لفرض استكشاف هذا من ذاك، بينما من الواضح أنّ الاستحباب الشرعي للاحتياط ليس على منوال الحسن العقلي، إذ إنّ العقل لا يحكم بأنّ كل احتياط حسن، و إنّما يحكم بحسن الاحتياط فيما إذا أتى به بداع قربي خاصة، أو بداعي الانقياد، فترك مخالفة الواقع المشكوك يكون حسناً عقلًا، فيما إذا ترك مخالفته بداعي التقرب من‏

369

الله سبحانه، بخلاف ما إذا تركه لغير هذا الداعي، فإنّه لا يكون حسناً حينئذٍ.

و هذا بخلافه في الاستحباب الشرعي للاحتياط، فإنّه غير ثابت لخصوص الاحتياط المأتي به بداعٍ قربي، حيث إنّ المستفاد من لسان: (أخوك دينك، فاحتط لدينك)، أنّ الواقع المشكوك ما دام محتمل الحرمة، فتركه مطلوب حتى لو صدر لا بداعٍ قربي، كما لو صدر تركه بداعي التجنب عن ضرره.

إذاً، فهذا الترك مطلوب، و هو مشمول لدليل: (أخوك دينك، فاحتط لدينك).

و الحاصل: هو أنّه لا محذور في جعل الاستحباب للاحتياط.

المقام الثاني: هو أنّه هل يمكن تحقق الاستحباب المولوي للاحتياط في جميع موارد العبادات، أو أنّ هناك بعض الموارد عدا التوصلي منها لا يمكن تحققه فيها؟

و توضيحه: هو أنّه إذا احتمل كون فعل (ما) واجباً عبادياً، بمعنى: أنّه مطلوب بنحو العبادية، لكن نشك في أنّه مستحب أو لا؟

فهنا يوجد حالتان:

الحالة الأولى: هي أن نجزم بأنّه مطلوب، و إن كنّا نشك بجهة هذه المطلوبية في أنّها مطلوبية على نحو الاستحباب كما في: (الدعاء عند رؤية الهلال)، حيث نجزم بأصل مطلوبيته، و لكن نشك في أنّ هذه المطلوبية، هل هي على نحو الوجوب أو الاستحباب؟ و حينئذٍ في مثل هذه الحالة يمكن الاحتياط، و ذلك بأن يأتي بالفعل بقصد الأمر المعلوم تعلّقه بأصل مطلوبيته، و إن كنّا نشك في أنّ مطلوبيته، هل هي‏

370

على نحو الوجوب أو الاستحباب؟ فإنّ الإتيان به بقصد الأمر المعلوم تعلّقه بأصل مطلوبيته يكفي في وقوع هذا الفعل عبادياً و قربياً، و بذلك يتحقق الاحتياط في مثل هذه الشريحة العبادية.

الحالة الثانية: هي أنّا نشك في أصل مطلوبية الاستحباب و عدمها للشك في مبادئ ثبوته، و حينئذٍ يمكن أن يستشكل و يقال: بعدم إمكان الاحتياط، و ذلك لأنّه إن أتى بهذا الفعل الذي نشك في أصل مطلوبيته بلا قصد قربي، إذاً، فلا يصدق عليه حينئذٍ عنوان العبادة و لا عنوان الاحتياط، فإنّ الصلاة مثلًا، بلا قصد التقرب بها إلى المولى أشبه بالعمل اللغوي منها بالعبادة.

و إن أتى به بقصد القربة أو بقصد امتثال الأمر، فهذا غير ممكن أيضاً، لا قصد القربة و لا قصد امتثال الأمر، لأنّ قصد القربة أو امتثال الأمر يتوقف على وجود أمر جزمي بالعمل كي يقصد المكلّف امتثاله و التقرب به، و الحال أنّه لا يوجد أمر جزمي بالعمل، فإنّ المكلّف شاك أصلًا في بوجود هذا الأمر، فلو أتى بالفعل و الحالة هذه سواء بقصد القربة أو بقصد امتثال الأمر، فلا يقع هذا الفعل عبادة أولًا، لتحصل به موافقة التكليف الواقعي المشكوك، كما أنّه ارتكب المحرم، حيث نسب هذا الفعل إلى المولى، إذ إنّ نسبة أمر و إسناد ما لا يعلم أنّه من المولى إلى المولى تشريع محرم، حيث لا يفرق في حرمة التشريع بين التشريع القولي و التشريع الفعلي، بأن يسند قولًا إلى المولى، أو يسند فعلًا إليه كما لو عمل عملًا بقصد أنّه مأمور به من قبل المولى، رغم أنّه يشك في أصل مطلوبيته من قبل المولى.

و بهذا يتضح أنّه لا يمكن تحقق الاحتياط في بعض الموارد، كما هو الحال فيما إذا لم تكن أصل مطلوبية العمل معلومة.

371

و قد يجاب على هذا الإشكال: بأنّه يمكن تحقق قصد القربة عند الإتيان بالفعل في المقام، و ذلك لأنّ قصد القربة يتوقف على وجود أمر جزمي بالفعل، و هذا الأمر الجزمي موجود، و هو نفس الأمر الشرعي الاستحبابي بالاحتياط، كما في لسان: (أخوك دينك فاحتط لدينك)، فيقصد المكلّف امتثال هذا الأمر الجزمي الذي استدل به الإخباري على وجوب الاحتياط، و يدلّ عند الأصوليين على استحباب الاحتياط.

و لكن قد يشكل و يقال: بأنّ هذا الأمر الاستحبابي المتعلق بالاحتياط إنّما هو أمر توصلي، بمعنى: أنّ الأمر باستحباب الاحتياط يسقط بمجرد إتيان الفعل المحتاط به، و لو لم يكن هذا الإتيان بقصد امتثال الأمر بالاستحباب، إذاً، ما دام هذا الأمر بالاستحباب توصلياً، فكيف يجب قصد امتثاله؟

و أجيب عنه: بأنّ لزوم قصد امتثال الأمر بالاحتياط لم ينشأ من كونه أمراً عبادياً ليشكل و يقال: بأنّه توصلي و ليس بعبادي، و إنّما نشأ لزوم قصد امتثال الأمر بالاحتياط من جهة احتمال كون هذا الفعل أمراً عبادياً و مطلوباً واقعاً، لأجل ذلك كان لا بدّ من قصد الأمر الاستحبابي بالاحتياط، كي تتحقق العبادة التي نحتمل أنّها مطلوبة واقعاً، إذاً، فضرورة قصد امتثاله في باب العبادات لم تنشأ من ناحية عبادية نفس الأمر بالاحتياط، و إنّما نشأت من ناحية احتمال عبادية ما يحتاط فيه، و نحتمل كونه عبادة و مطلوباً واقعاً.

و لكن التحقيق، هو أنّ التحرك عن الأمر المحتمل يحقق التقرب كما يحققه الأمر الجزمي المعلوم، إذاً، فلا يتوقف وقوع الفعل عبادة على افتراض أمر معلوم، بل يكفي قصد امتثال الأمر المحتمل، فيؤتى بالفعل حينئذٍ بنيّة رجاء المطلوبية.

372

و بهذا ننهي الكلام حول تحديد الوظيفة العملية في حالات الشك البدوي في أصل ثبوت التكليف، أي غير المقرون بالعلم الإجمالي.

التنبيه الثاني: قاعدة التسامح في أدلة السنن:

و هي مما يناسب أن يعقب بها على ما تقدّم، حيث عرفت ممّا ذكرنا سابقاً أنّ خبر غير الثقة إذا لم تكن هناك أمارات على صدقه، فهو ليس بحجة، و لكن قد يستثنى من ذلك الأخبار الدالة على المستحبات أو على مطلق الأوامر و النواهي غير الإلزامية، حيث قيل: بأنّها حجة في إثبات الاستحباب أو الكراهة ما لم يعلم ببطلان مفادها، و يستند في ذلك إلى روايات كثيرة تحث على العمل بمجرد بلوغ الثواب عليه، حتّى إنّه عقد لها في أوّل الوسائل باباً ( (1))، و ذكر فيه روايات عديدة بمضمون: (أنّ من بلغه عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) شي‏ء من الثواب، ففعل ذلك طلباً و انقياداً لقول النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) كان له ذاك الثواب و إن كان النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) لم يقله)، أو بلسان، (أنّ من بلغه شي‏ء من الخير فعمل به كان له ذلك، و إن لم يكن الأمر كما بلغه)، أو بلسان: (أنّ من سمع شيئاً من الثواب على شي‏ء فصنعه كان له، و إن لم يكن على ما بلغه) ( (2)).

و مجمل هذه الروايات و إن كان في بعض أسانيدها وهن، إلّا أنّ بعضها صحيح السند.

و حيث إنّ هذه الأخبار تنظر إلى العمل برجاء موافقة الواقع في فرض الشك في الحكم، أو لا أقل من دعوى أنّها تجعل الحجية

____________

(1) الوسائل، ج 1، ب 18 من أبواب مقدمة العبادات، ص 61 60 59

(2) أصول الكافي، ج 2، ص 87، باب من بلغه ثواب من الله على عمل.

373

لمطلق البلوغ في موارد المستحبات و من أجل ذلك، ناسب أن يعبّر عن ذلك بالتسامح في أدلة السنن.

و البحث في هذه الأخبار يقع في عدة جهات.

الجهة الأولى: في مفاد هذه الأخبار و فقهها،

و محتملات مضمونها بدواً احتمالات أربعة:

الاحتمال الأول: هو أن يكون المقصود مجرد وعد من الشارع لمصلحة في الوعد نفسه، و لو كانت هذه المصلحة هي الترغيب في الاحتياط، باعتبار حسنه عقلًا، فيعطى هذا الثواب لمن عمل، و بذلك تكون قضيته خبرية صرفة و لو بملاك تعظيم النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، فإنّنا بعد حصول هذا الوعد نقطع بالوفاء من دون أن يكون هناك أمر و مطلوبية.

الاحتمال الثاني: هو أن يكون مفادها إرشاداً إلى حكم العقل بحسن الاحتياط و الانقياد للطلب الاحتمالي، و استحقاق المحتاط للثواب على الإتيان بالعمل، و لو لم يكن الأمر كما بلغ، فيكون مفادها الترغيب بحسن الانقياد لما يحتمل مطلوبيته من المولى، لكن بما هو عاقل لا بما هو مولى.

الاحتمال الثالث: هو أن يكون مفادها ثبوت الثواب على عمل استحبابي، و لو بالعنوان الثانوي الطارئ، من قبيل عنوان: (بلوغ الثواب على العمل)، نظير عنوان أمر الوالد، و قضاء حوائج الإخوان، و نحو ذلك من الأعمال.

أو قل: إنّها في مقام إنشاء استحباب واقعي نفسي على طبق البلوغ، فيكون بلوغ استحباب الفعل عنواناً ثانوياً له، يستدعي ثبوت استحباب واقعي من أجل هذا العنوان.

374

الاحتمال الرابع: هو أن تكون في مقام جعل الحجية لمطلق البلوغ، فيكون حكماً مولوياً طريقياً ظاهرياً، من أجل التحفظ على الملاكات الواقعية الرجحة المتزاحمة بالتزاحم الحفظي، كما عرفت سابقاً في بحث اجتماع الأحكام الواقعية و الظاهرية.

و الاستدلال بالروايات على ما ذكر في مورد المستحبات من كونها حجة في إثبات الاستحباب أو الكراهة ما لم يعلم ببطلان مفادها مبني على الاحتمال الرابع هو غير صحيح.

فإنّ ظاهر لسان هذه الروايات ينفيه، لأنّها تجعل للعامل الثواب و لو مع مخالفة الخبر للواقع، إذ لو كان وضع نفس الثواب تعبيراً عن التعبد بثبوت و حجية البلوغ لما كان هناك معنى للتصريح بأنّ نفس الثواب محفوظ حتى مع مخالفة خبر الواقع.

و كذلك الاحتمال الثاني، فإنّه لا موجب لاستفادته من هذه الروايات إلّا دعوى أنّ الثواب على عمل فرع كونه مطلوباً، و لو بعنوان ثانوي، كما يستشهد له بما ورد في لسان بعض الروايات: (من بلغه ثواب على شي‏ء من الخير)، الظاهر في المفروغية عن خيرية و رجحان العمل الذي بلغ عليه الثواب في مرتبة سابقة.

إلّا أنّ حمل هذه الأخبار على ذلك مدفوع، بأنّه يكفي حسن الاحتياط عقلًا ملاكاً للثواب، و حينئذٍ، يتعيّن الاحتمال الثالث، و لكن مع تطعيمه بالاحتمال الرابع، لأنّ الاحتمال الثالث لا يكفي بمفرده لتفسير إعطاء العامل نفس الثواب الذي بلغه، لأنّ العقل إنّما يحكم باستحقاق العامل للثواب، لا لشخص ذلك الثواب، إذاً، فلا بدّ من الالتزام بأنّ هذه الخصوصية مرجعها إلى وعد مولوي.

و الحاصل: هو أنّ الاحتمالين الأولين لا يمكن المساعدة

375

عليهما، فإنّ الاحتمال الأول خلاف ظهور هذه الأخبار في أنّها بصدد الحث و الترغيب و الطلب، و ليست مجرد إخبار أو وعد صرف.

و أمّا الاحتمال الثاني، فهو خلاف ظاهر الخطاب الصادر من المولى، إذ الأصل فيه أنّه عند ما يصدر الخطاب منه، أن يصدر عنه بما هو مولى لا بما هو عاقل، إذ لا يفرق الحال في خطابه بين كونه بلسان الأمر و الطلب، أو بلسان الوعد الصرف على الثواب.

إذاً، فينحصر الأمر بين الاحتمال الثالث و الرابع، و لكن مع تطعيم الثالث بالرابع، لأنّ الاحتمال الثالث بمفرده لا يكفي لتفسير إعطاء العامل نفس الثواب الذي بلغه، كما لا يناسب ظهور هذه الأخبار في الترغيب المولوي، لأنّ العقل إنّما يحكم باستحقاق العام للثواب، لا لشخص ذلك الثواب.

إذاً، فلا بدّ من الالتزام بأن مرجع هذه الخصوصية إلى وعد مولوي، أي أن يكون أمراً استحبابياً نفسياً بعنوان ثانوي، و هو بلوغ الثواب، فيكون حكماً ظاهرياً طريقياً.

و قد استدل للاحتمال الثالث بوجوه:

الوجه الأول: هو ما ذكره السيد الخوئي (قده) ( (1))، حيث ذكر أنّ احتمال الحكم الظاهري و جعل الحجية بعيد جداً، لأنّ لسان الحجية معناه: إلغاء احتمال الخلاف و الشك، و البناء على أنّ مؤدّى الطريق هو الواقع، كما هو الحال في سائر الطرق و الأمارات، و ليس لسان الحجية فرض عدم ثبوت المؤدّى في الواقع، كما يشير إليه قوله (عليه السّلام)،

____________

(1) دراسات في علم الأصول: الهاشمي الشاهرودي، ج 3، ص 302.

376

و إن كان رسول الله (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) لم يقله، فإنّ هذا منافٍ لجعل الحجية و الطريقية.

و فيه: أنّه قد تقدّم شرح هذا الاحتمال و قلنا هناك: إنّ الأمر الطريقي الظاهري غير منحصر في كونه بمعنى: جعل الحجية للخبر الضعيف، بل يمكن ذلك في موارد الحكم بالاحتياط، و حينئذٍ لا يكون هذا منافياً مع هذا التعبير، مع العلم أنّ هذا التعبير إنّما هو جري على مصطلحات الميرزا (قده) من كون ألسنة الجعل في الأحكام الظاهرية هي الطريقية، و أنّها في الأمارات بلسان جعل الطريقية، و إن كنت قد عرفت كما مرّ سابقاً أنّ حقيقة الحكم الظاهري واحدة في روحه، و إن اختلف لسانه.

الوجه الثاني: و يتشكل من مقدمتين:

المقدمة الأولى: هي أنّه إذا رتّب ثواب على فعل شي‏ء (ما)، كما لو قال المولى: (من قضى حاجة لمؤمن قضى الله حاجته)، أو قال: (له كذا من الثواب)، فإنّ ذلك اللسان يكون دليلًا على مطلوبية ذلك العمل و استحبابه، للملازمة بين مطلوبيته و الثواب عليه، و إلّا كان طلبه له لغواً و جزافاً، لأنّ سبب هذا الثواب و منشأه هو الإتيان بهذا المطلوب المولوي، حيث يستكشف الملزوم بذكر اللازم.

المقدمة الثانية: هي أنّه هنا، و إن رتب الثواب على من بلغه هذا الثواب، (على عمل فعمله)، فإنّه يمكن أن يكون هذا الثواب من جهة الانقياد و الإتيان بالعمل برجاء مصادفة المأمور به الواقعي، و هذا مما لا ريب في حسنه عقلًا، إذاً، فيستحق فاعله الثواب، إذاً، فوجه ترتب الثواب غير منحصر بوجود أمر نفسي، بل إنّ إطلاق أخبار: (من بلغه) تشمل ما لو جاء بالعمل لا برجاء الانقياد و لا لمصادفة

377

المأمورية الواقعي، إذاً، إطلاق هذه الأخبار يقتضي الإتيان بالعمل بعد الأمر به، و ليس موجب الثواب على الإتيان به إلّا كونه عملًا مستحباً.

و بتمامية هاتين المقدمتين يثبت الاحتمال الثالث في قبال الاحتمال الرابع.

و قد اتفقت كلمات أكثر المحققين على أنّه: يثبت الاستحباب النفسي فيما لو تمّ الإطلاق في أخبار من بلغ لصورة ما، لو أتى بالعمل لا بداعي الانقياد، و إن كانوا قد اختلفوا في أصل هذا الإطلاق كما سوف تعرف.

و فيه أولًا: أنّه بالتدقيق لا يستفاد ذلك من أدلة الثواب بنكتة الملازمة العقلية بين الأمر و الثواب، و ذلك لوضوح عدم الملازمة بين ثبوت الأمر واقعاً و بين الثواب، و إنّما يستفاد الأمر على أساس إحدى نكتتين:

أ- النكتة الأولى: هي الكناية، و ذلك بأن يكون ذكر الثواب كناية عن الأمر من جهة كونه معلوله عادة، و عرفاً كما في قوله: (زيد كثير الرماد).

ب- النكتة الثانية: هي أن يكون هناك تقدير ارتكازي، و هو أنّه لو علم بحكمه المكلّف و أحرزه فعمله، كان له ذلك الثواب، فتكون الملازمة عقلية بين ترتب الثواب على العمل لم يعلم بحكمه، و بين أن يكون حكمه الاستحباب، و نكتة هذا التقدير واضحة عرفاً و ارتكازاً، حيث إنّ هذه خصوصية يتكفل الخطاب نفسه إيجادها و حفظها، حيث تكون كأنّها أمر مفروغ عنه.

378

و كلتا النكتتين إنّما تجريان في مورد لا يوجد فيه نكتة أخرى غيرهما، تكون صالحة لأن تكون هي منشأ ترتب الثواب و موجبه كما في المقام، إذ إنّه مع ثبوت بلوغ الثواب و لو بخبر ضعيف، و إتيان المكلّف بما بلغه التماساً لذلك الثواب، فإنّه حينئذٍ لا موجب لاستكشاف أمر نفسي، لأنّ هذه النكتة الأخرى هنا يمكن أن تكون هي المعنية و الملحوظة في ترتيب الثواب، و هنا لا يضر كون الخطاب مقيداً بفرض الانقياد، ذلك لأنّ مناسبة هذه النكتة الأخرى ليست بأشدّ أو أخفى من تلكما النكتتين الأخريين.

و الحاصل: هو أنّ نكتة استفادة الأمر المذكورة من أدلة الثواب إنّما تتم فيما لم يكن في مورد الخطاب نكتة أخرى للثواب كما هو الحال في المقام.

و قد يشكل فيقال: إنّ إطلاق الخطاب لغير صورة الانقياد يعيّن إحدى النكتتين المفيدتين لاستفادة الأمر من أدلة الثواب.

و يجاب عنه فيقال: أمّا النكتة الأولى، فهي فرع أن يكون أصل المدلول ملازماً عرفاً مع الأمر، كي يكون كناية عنه، و هو ليس كذلك كما هو واضح.

و أمّا النكتة الثانية، فإنّ المفروض أنّ قيد الانقياد و قصد الامتثال لا بدّ من أخذه مقدّراً على كل حال، كي يترتب الثواب مضافاً إلى قيد وصول الأمر و إحرازه.

و حينئذٍ يقال: بأنّه كما يمكن أخذ الإطاعة و الانقياد لهذا الخطاب قيداً يستكشف منه ثبوت الاستحباب النفسي، فإنّه كذلك يمكن أخذ الإطاعة و الانقياد قيداً للأمر البالغ، و ليس أخذ أحد القيدين بأولى من الآخر، و لو فرض أنّ أحدهما أكثر تقييداً من‏

379

الآخر، لأنّ كل من ينقاد لأمر محتمل هو ينقاد لأمر جزمي بطريق أولى دون العكس، لأنّ التمسك بالإطلاق فرع تحديد ما هو المقدّر في المرتبة السابقة بحسب المناسبات العرفية، و من الواضح أنّه لا يمكن تحديده به.

و فيه ثانياً: إنّ ترتب الثواب إمّا أن يكون من باب التفضل من المولى سبحانه، لأنّه جواد كريم، و إمّا أن يكون ثواباً مستحقاً بملاك الإطاعة.

فإن كان الأول، فلا موجب لاستكشاف الأمر بالملازمة كما هو واضح.

و إن كان الثاني، فهذا الثواب ترتبه متوقف عقلًا على أن يكون الإتيان بالفعل بداع قربي إطاعة للمولى، و حينئذٍ يقال: لو رتّب الثواب على فعل كما لو قال: (من قضى حاجة أخيه المؤمن قضى الله حاجته)، و حينئذٍ يثبت الأمر بالملازمة حتى مع وجود القيد العقلي المذكور آنفاً، إذ إنّ ترتب الثواب على قضاء حاجة المؤمن حتى لو كان بقصد قربي، لا وجه له إلّا مع تقدير فرض الأمر به، و مثل هذا الأمر يستكشف بالملازمة، و أمّا في المقام، فحيث إنّ الموضوع الذي ترتب عليه الثواب هو الإتيان بعمل قد بلغ عليه الثواب بقصد قربي إطاعة لله سبحانه، فإنّ صدق هذه القضية لا يتوقف على فرض ثبوت أمر استحبابي لعنوان البلوغ، كما أنّه هنا لا يمكن التمسك بإطلاقه لفرض حالة الإتيان به، لا بداعي الانقياد و لا لاحتمال الأمر البالغ، لأنّ إطلاق الحكم فرع إطلاق الموضوع، و من الواضح أنّه لا يمكن إثبات الموضوع بالحكم.

و فيه ثالثاً: أنّ ترتب الثواب في فرض عدم الإتيان انقياداً أو

380

تحرك المكلّف من احتمال الأمر البالغ، بل و تحركه من نفس هذا الخطاب، غاية ما يقتضيه هذا، هو ثبوت الأمر المولوي في هذا الفرض أيضاً، و هو الجامع بين الاحتمال الثالث و الرابع، لأنّ هذا الأمر يمكن أن يكون طريقياً، و أن يكون ترتب الثواب عليه بداعي تحريك المكلّفين و حثّهم و ترغيبهم بالاحتياط و التحفظ على اهتمامات المولى، و استحقاق الثواب عليه لمن يأتي به بداعي امتثاله، فإنّ هذا ثابت أيضاً، إذاً، فهذا الإطلاق لا ينفي الأمر الطريقي المولوي على مستوى الأمر بالاحتياط، و إنّما ينفي احتمال الإرشاد إلى حكم العقل بحسن الانقياد.

الوجه الثالث: هو ما ذكره بعض المحققين ( (1)) من أنّ ظاهر قوله (عليه السّلام): (فعمله) أنّه جملة خبرية استعملت في مقام الإنشاء، و الجملة الخبرية في كلام الشارع ظاهرة في كونها بداعي الأمر، كقوله (عليه السّلام): (يسجد سجدتي السهو)، فقوله (عليه السّلام) في هذه الأخبار: (فعمله)، و إن كان جملة خبرية، لكنّه يحمل على إرادة الأمر، و الأمر في لسان الشارع ظاهر في المولوية، إذ حمله على الإرشاد خلاف الظاهر ما لم تقم قرينة عليه، و الأمر المولوي بالعمل بالخبر البالغ هو أعم من كونه نفسياً أو طريقياً، و بهذا يثبت الجامع بين الحجية و الاستحباب النفسي.

و فيه أولًا: إنّ جملة (فعمله) في أخبار (من بلغه) وقعت شرطاً، فإنّه قيل فيها: (من بلغه شي‏ء من الثواب فعمله كان له ذلك الثواب) و بهذا تسقط الجملة عن إفادة الأمر الذي يصح السكوت عليه، و إنّما

____________

(1) فوائد الأصول: الكاظمي، ج 3، ص 150.

381

يصح استفادة الأمر من الجملة الخبرية فيما إذا كانت هذه الجملة في موقع الجزاء للشرط، أو جملة حملية، كما لو قال: (من بلغه ثواب عمل به)، فإنّه قد يستفاد منه الأمر، بمعنى: أنّ (من بلغه ثواب فليعمل به)، و هذا خلاف ما إذا كانت الجملة شرطاً و في موقع الفرض و التقدير، كما لو قال‏

: (من أجنب فليغتسل)،

فإنّه لا يفهم من ذلك الأمر بالإجناب، بل لا يتوهم أحد أنّ هذا إخبار بالإجناب، فيحمل على داعي الإنشاء.

و فيه ثانياً: أنّ هذه القرينة الصارف إلى كون الجملة الخبرية في كلام الشارع إلى كونها بداعي الأمر، على تقدير تماميتها، فهي تنفي احتمال الإرشاد إلى حكم العقل بحسن الاحتياط في هذه الأخبار، كما ذكره المحقق الميرزا (قده)، و لكن لا تنفي احتمال الأمر الطريقي الظاهري.

الوجه الرابع: هو أنّه لا إشكال في تقييد مفاد أخبار (من بلغ) إمّا لفظاً أو عقلًا، بما إذا جاء المكلّف بالعمل البالغ عليه الثواب بداع قربي، لأنّه من دون هذا الداعي لا يستحق المكلّف هذا الثواب بوجه من الوجوه، و معه: فإنّ هذا القيد لا يناسب مع كون الأمر طريقياً و من أجل الاحتياط و التحفظ على الملاكات الواقعية الراجحة، فإنّ ثبوت الثواب على العمل مطلقاً أدعى لتحرك المكلّف و لو لم يوجد في نفسه داع قربي، كما في المستحبات التوصلية، فإنّ هذا أكثر حفظاً للملاكات الراجحة.

و جوابه: هو أنّ الأمر الطريقي بالاحتياط المجعول ليس بأكثر من الأمر الاستحبابي الواقعي المشكوك، إذ إنّه كما أنّ الأمر الواقعي لا يمكن أن يترتب عليه ثواب إلّا إذا أتى به بداع قربي، فكذلك‏

382

الأمر الطريقي، فإن شأنه التحفظ على الأوامر الواقعية المشكوكة، و ذلك بجعلها كالأوامر المعلومة، من حيث التحريك المولوي، إذاً، فهذا القيد مناسب مع كلا الاحتمالين دون مرجح لأحدهما.

و بهذا يتضح أنّه لا معيّن للاحتمال الثالث، الذي هو الاستحباب النفسي في قابل الاحتمال الرابع، الذي هو الأمر الظاهر في مقام الأمر بالاحتياط.

الجهة الثانية من البحث في قاعدة (التسامح في أدلة السنن):

هي في الثمرة الفقهية بين القول: بالاستحباب النفسي لعنوان ما بلغ عليه الثواب، و القول: بجعل الحجية للخبر الضعيف.

فقد ذهب السيد الخوئي (قده) في الدراسات ( (1)) إلى أنّه لا ثمرة فقهية بين القولين، فإنّ النتيجة من الناحية الفقهية هي ثبوت استحباب ذلك العمل، سواء بعنوانه الثانوي أو الأولي، ثم أردف قائلًا: بأنّ ما قيل: من أنّه على التقدير الثاني لو أنّ خبراً صحيحاً دل على حرمة عمل قد بلغ عليه الثواب بخبر ضعيف، فإنّهما حينئذٍ يتعارض الخبران و يتساقطان، و معه لا تثبت الحرمة، بخلافه على التقدير الأول، حيث إنّه فيه، يدخل في باب تزاحم الملاكين، ملاك الاستحباب، و ملاك الحرمة، و حينئذٍ قد تثبت الحرمة بمقتضى إطلاق دليله.

و هذا القول غير تام، لأنّ هذه الأخبار لا إطلاق لها لفرض بلوغ الثواب على مورد بلغ العقاب عليه و تنجزت حرمته.

و لكن الصحيح هو أنّ هناك ثمرات عديدة تترتب على القولين نذكر جملة منها:

____________

(1) دراسات في علم الأصول: الهاشمي الشاهرودي، ج 3، ص 302.

383

الثمرة الأولى: هي تحقق التعارض فيما إذا دل خبر ضعيف على استحباب فعل أو وجوبه، و ترتب الثواب عليه، ثمّ دلّ خبر آخر صحيح على عدم رجحانه، فحينئذٍ بناء على الاحتمال الثاني، لا يثبت رجحان العمل، بينما يثبت الاستحباب بالعنوان الثانوي، بناء على الاحتمال الأول.

الثمرة الثانية: هي ما لو فرض ورود خبرين ضعيفين على استحباب عملين، و قد علم بكذب أحدهما إجمالًا، أي بعدم استحبابهما معاً، حينئذٍ، بناء على القول الثاني، يقع التعارض بينهما بناء على مبنى الميرزا (قده)، حيث يبني على عدم إمكان جعل العلمية و الطريقية لمجموع شيئين علم بكذب أحدهما، و أنّه غير مطابق للواقع.

و أمّا بناء على ما هو المختار، من أنّ التعارض في موارد العلم الإجمالي بالكذب ينشأ من جهة المدلول الالتزامي لكل من الدليلين، و نفيه للمدلول المطابقي للآخر، إذاً، فالتعارض في المقام مبني على أنّه كما يستفاد من أخبار: (من بلغه) حجية الخبر الضعيف في إثبات الاستحباب، و إثبات كل مداليله كذلك يستفاد منها إثبات المداليل الالتزامية النافية لاستحباب مدلول لسان آخر.

الثمرة الثالثة: هي فيما لو ورد دليل على عدم استحباب عمل يضر بالنفس و لو بالعنوان الثانوي، ثمّ ورد خبر ضعيف على استحباب العمل نفسه، كما ورد في ثواب اللطم في عزاء الحسين (عليه السّلام)، مع فرض كونه مضراً بالنفس و لو قليلًا، فإنّه حينئذٍ، بناء على جعل الحجية للخبر الضعيف، يكون هذا الخبر مخصصاً للدليل الأول الذي دلّ على عدم استحباب العمل المضر بالنفس، و حينئذٍ لا معارضة بينه‏

384

و بين أخبار (من بلغه)، لأنّها و إن كانت تثبت الحجية للخبر الضعيف و لكنّها لا تنفي مدلول ذلك الدليل الأول، و بناء على الاستحباب، يقع التعارض بين أخبار (من بلغه) و الدليل الأول بنحو العموم من وجه، فيتساقطان و لا يثبت الاستحباب.

الثمرة الرابعة: هي فيما لو دلّ خبر ضعيف على وجوب عمل و ترتب الثواب عليه، فإنّه حينئذٍ بناء على الاستحباب. يثبت استحباب العمل و رجحانه بالعنوان الثانوي، و أمّا بناء على أنّ أخبار من بلغه تجعل الحجية حتى للخبر الضعيف الدال على الوجوب، فإنّه يثبت الوجوب حينئذٍ، و إلّا فلا يمكن إثبات أصل الرجحان أيضاً، بناء على أنّ الدلالة على أصل الرجحان هي دلالة تحليلية، بينما حجية الدليل في إثبات مثل هذا المدلول فرع حجيته في إثبات مدلوله المطابقي.

الثمرة الخامسة: هي ما لو دليل على استحباب عمل مطلقاً، و دلّ خبر ضعيف على استحباب ذلك العمل أيضاً لكن مشروطاً بقيد، حينئذٍ، بناء على جعل الحجية يثبت مستحب واحد للمقيّد فيما إذا استفيد من أخبار (من بلغه) حجية الخبر الضعيف بجميع خصوصياته و آثاره.

و أمّا بناء على الاستحباب النفسي لعنوان البلوغ، فإنّه يثبت استحبابان ظاهريان بالعنوان الثانوي: استحباب للمطلق، و استحباب للمقيّد رغم العلم الإجمالي بكذب أحدهما.

الثمرة السادسة: هي ما لو دلّ خبر ضعيف على استحباب عمل (ما) في وقت معيّن، كما لو كان قبل الظهر مثلًا، و بعد مضي هذا الوقت، كما لو كان بعد الظهر مثلًا، شكّ في بقاء استحباب هذا العمل بعد مضي الوقت الأول، فهنا، بناء على جعل الحجية يمكن‏

385

إثبات ذلك الاستحباب بالاستصحاب إلى وقت الشك بناء على الاستصحاب في المستحبات.

و هذا بخلاف ما لو قلنا: بالاستحباب النفسي لعنوان البلوغ، لأنّ البالغ إنّما هو الثواب على العمل في الوقت الأول، و لكن هذا الثواب منتف قطعاً في الوقت الثاني حتماً، إذاً، فلا مجال لاستصحابه.

الثمرة السابعة: و هي ما سوف يأتي الكلام عليه في تنبيهات أخبار (من بلغه)، من أنّه: بناء على جعل الحجية يفتي الفقيه بالاستحباب حتّى لمقلّديه، و إن لم يتحقق البلوغ عندهم، بينما بناء على الاستحباب النفسي للعمل البالغ عليه الثواب لا بدّ من تحقق البلوغ للمقلّدين أيضاً، كي يتحقق هذا الاستحباب بالنسبة لهم.

و هذا الفرق بخلاف الفروق السابقة، حيث إنّه ثابت بين القول: بالاستحباب، و القول: بالأمر الطريقي في الاحتياط في موارد بلوغ الثواب أيضاً، و هذا بخلاف الفروق التي تقدمت.

الجهة الثالثة: في بحث و تحقيق ما اختلف فيه علماء الأصول‏

من شمول أخبار (من بلغه) تشمل بذاتها لغير فرض الإتيان بالعمل انقياداً، و بداعي بلوغ الثواب.

أو قل: هي إنّ أخبار (من بلغه) تشمل بذاتها لغير فرض الانقياد أو لا تشمل؟

و قد ادّعي في المقام وجود قرينة في أخبار (من بلغه) على الاختصاص و التقييد بفرض الإتيان بالعمل انقياداً، و هذه القرينة يمكن أن تكون أحد أمرين:

386

أ- الأمر الأول: فاء التفريع في قوله (عليه السّلام): من بلغه ثواب على عمل (فعمله)، حيث استفيد منها دلالة ذلك اللسان على كون العمل متفرعاً على البلوغ.

ب- الأمر الثاني: هو ما صرّح به في أخبار (من بلغه) من أنّه (أو يأتي بالعمل التماساً لذلك الثواب)، (أو لقول النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)) و معه: فيحمل غيره عليه من باب حمل المطلق على المقيّد.

و قد نوقش الأمر الأول بعدّة مناقشات:

المناقشة الأولى: هي ما ذكره المحقق الخراساني (قده) ( (1))، من أنّ البلوغ في أخبار (من بلغه) قد أخذ بنحو الحيثية التعليلية للعمل، لا بنحو الحيثية التقييدية، كي يوجب وجهاً و عنواناً للعمل.

و هذا الكلام غير تام، لأنّه إن أراد به دعوى أنّ قيد البلوغ قد أخذ بنحو التعليل لا بنحو التقييد، و حينئذٍ يبقى العمل على إطلاقه، و لا يختص حينئذٍ بالحصة الانقيادية المتفرعة على البلوغ.

فيرد عليه: أنّ مجرد أخذ البلوغ في موضوع العمل أو في جانبه، يجعله و لو استظهاراً غير مطلق، بل متفرعاً عليه و مقيّداً به، و بذلك تضيق دائرته، سواء فرض قيد البلوغ حيثية تعليلية أو تقييدية، و بهذا يكون إطلاقه خلف فرض التفرع على البلوغ.

و إن أراد بكلامه أنّه، و إن صار العمل مقيّداً بفرض التفرع على البلوغ و الحصة الانقيادية، إلّا أنّ الثواب قد جعل على نفس هذا العمل المتفرع على البلوغ المنقاد به نحو العمل، و بهذا يكون البلوغ‏

____________

(1) كفاية الأصول: الخراساني، ج 2، ص 197.

387

و الانقياد حيثية تعليلية، و لم يجعل الثواب على العمل المعنون بعنوان الانقياد، كي يكون هذا العنوان قيداً للمطلق، و يثبت بذلك أنّ أخبار (من بلغه) ليست إرشاداً إلى حكم العقل بحسن الانقياد، و ذلك لأنّ ثواب الانقياد حقيقة يكون مترتباً على عنوان الانقياد، و ليس على خصوص ذات الحصة الانقيادية من العمل بما هو هو.

و جوابه: بأنّه بناء على الاستحباب، و كون العمل بأخبار (من بلغه) من باب الطاعة، حيث إنّ الثواب فيها غير مترتب على ذات العمل، بل على الإطاعة و الانقياد و من هنا كان لا بدّ في ترتب الثواب من أخذ قصد القربة قيداً فيه، و إنّما العمل مورد لترتب الثواب عند تحقق قصد الطاعة أو الانقياد.

و على أيّ حال، لا يعقل ترتب الثواب على ذات العمل بما هو، سواء كان ذلك من باب الانقياد أو الطاعة.

و بهذا، يتضح أنّ ما ذكره الخراساني (قده) لا يكون قرينة على عدم الإرشاد إلى حسن الانقياد، بل قد عرفت، أنّه ليس المقصود في أخبار (من بلغه) فرض كون العمل موضوعاً للثواب، و إنّما أخذ العمل فيها على نحو الموردية للثواب، و معه لا ينافيه كون الثواب مترتباً على عنوان الطاعة أو الانقياد.

المناقشة الثانية: هي ما ذكره المحقق الأصفهاني (قده) ( (1))، في كلامين له:

الكلام الأول: هو أنّ أخبار (من بلغه) ليست ناظرة إلى حصة الانقياد، إذاً، فلا تكون إرشاداً إلى حكم العقل، و ليست في مقام‏

____________

(1) نهاية الدراية، الأصفهاني، ج 2، ص 221.

388

بيان ثواب الانقياد، إذاً، فالخبر الضعيف الدال على ترتب الثواب على عمل، ليس مفاده ترتب الثواب على العمل بداعي الانقياد، و إنّما مفاده عبارة عن الثواب على نفس العمل، حيث فرّع العمل على داعوية الثواب، لأنّ أخبار (من بلغه) تصرّح بأنّ (من بلغه شي‏ء من الثواب فعمله)، و حيث إنّ ترتب الثواب لا يكون إلّا مع قصد القربة. إذاً، فلا بدّ من قصده إمّا بنحو الانقياد، أو بقصد الأمر الجزمي المتعلق بالعمل البالغ عليه الثواب.

و قد أورد على هذا الكلام: بأنّه إن كان المقصود أنّ التفريع المذكور هو تفريع للعمل على داعوية الثواب البالغ، إذاً، يكون معنى هذا: أنّ المستحب إنّما هو الإتيان بالعمل انقياداً بداعي ذلك الثواب الواقعي البالغ، لأنّ المراد بذلك الثواب كما هو الحال في الاستحباب البالغ إنّما هو الحكم الواقعي المشكوك، و هذا لا ينافي فرض كون الثواب على عنوان الانقياد لا على ذات العمل.

و لكن الصحيح في دفع هذا الكلام: هو أن يقال: إنّ تفريع العمل على البلوغ لا يوجب أن يكون مختصاً بالحصة الانقيادية، و ذلك لأنّ تفريع العمل في أخبار (من بلغه)، على بلوغ الثواب، كما يمكن أن يكون تفريعاً على داعيه كما في قولك:

(وجب عليّ الصلاة فصليت)،

حيث إنّ الوجوب هنا هو الداعي إلى الفعل، فكذلك يمكن أن يكون تفريعاً على موضوع داعيه كما في قولك:

(دخل وقت الفريضة فصليت)

حيث إنّ الداعي إلى الفعل هنا هو الأمر به و وجوبه، و يكون الوقت موضوعاً لذلك الأمر و الوجوب، و هكذا فيما نحن فيه، حيث إنّ تفريع العمل على بلوغ الثواب، كما يكون تارة تفريعاً للعمل على داعيه بأن يكون نفس البلوغ داعياً إلى العمل، و هذا

389

هو الحصة الانقيادية، فقد يكون تفريع العمل تارة أخرى تفريعاً على موضوع داعيه، بأن يكون الداعي إليه هو الاستحباب الذي يكون موضوعه البلوغ، فيكون تفريعاً للعمل على موضوع داعيه، و ليس تفريعاً منحصراً على داعي الانقياد، أو رجاء بلوغ الحكم الواقعي، كي يكون مختصاً به.

المناقشة الثالثة: و هي تتمثل في الكلام الثاني للمحقق الأصفهاني (قده) ( (1))، حيث حاول أن يثبت الإطلاق بتقريب آخر، حيث قال: إنّ ظاهر أخبار (من بلغه) هو ترتيب نفس الثواب الذي أبلغه الخبر الضعيف، و هو ثواب على العمل، و ليس هو العمل المأتي به مقيّداً بداعي الانقياد و رجاء الواقع، و معه يثبت استحباب العمل مطلقاً، و ليس استحباب خصوص الحصة الانقيادية منه.

و أشكل عليه بأنّه: إن أريد بالثواب الثابت بأخبار (من بلغه) أنّه ثابت على نفس الموضوع الواقعي، فهذا مقطوع البطلان، إذ لا إشكال في أنّ الثواب أو الاستحباب الثابت بروايات (من بلغه) قد أخذ في موضوعه عنوان البلوغ قيداً، إمّا بنحو الحيثية التعليلية، أو التقييدية.

و إن أريد أنّ هذه الأخبار تثبت نفس المقدار من الثواب الموعود كما و كيفاً في مورد البلوغ، فهذا صحيح، و لكنّه لا ينافي أن يكون الثواب الموعود على عنوان الانقياد و داعويته لا على ذات العمل.

و قد يفهم من كلام المحقق الأصفهاني (قده)، أنّ مقصوده من كلاميه لم يكن التمسك بإطلاق أخبار (من بلغه) لإثبات الاستحباب‏

____________

(1) نهاية الدراية، الأصفهاني، ج 2، ص 221.

390

النفسي، و إنّما مقصوده هدم قرينية (فاء التفريع) على الاختصاص بفرض الانقياد للواقع المحتمل، كي يتسنّى له بعد ذلك الاستحباب النفسي ببيانه السابق.

المناقشة الرابعة: للأمر الأول الذي ادّعي فيه وجود قرينة على التقييد بفرض الانقياد هي، ما ذهب إليه بعضهم، من أنّ العمل في أخبار (من بلغه) لم يفرّع على كون الأمر المحتمل داعياً كي يختص بالحصة الانقيادية، بل العمل في هذه الأخبار فرّع على داعوية الثواب، حيث قيل فيها: (من بلغه ثواب فعمله)، فيكون الثواب المحتمل كافياً لأن يكون داعياً إلى العمل، و لمّا كنّا نعلم أنّ هذا الثواب يترتب على العمل القربي، حينئذٍ يدعونا هذا الثواب للإتيان بالعمل قريباً، و معه لا تكون قربيته مختصة بكونه بداعي احتمال الأمر، بل تكون شاملة لفرض كونه بداعي الأمر الجزمي أيضاً.

و جوابه أولًا: هو أنّ هذا المطلب يرجع في روحه إلى أنّ الثواب في أخبار (من بلغه) مترتبة على العمل القربي، و أحد فردي العمل القربي قطعي، و هو العمل بداعي احتمال الأمر، بينما الفرد الآخر الذي هو العمل بداعي الأمر الجزمي هو غير قطعي، و إثباته بإطلاق هذه الأخبار له غير ممكن، لأنّ ثبوت إطلاقها له فرع ثبوت هذا الفرد.

و قد يجاب ثانياً فيقال: إنّ هذا الثواب على المستحب النفسي بعنوان البلوغ هو ثواب آخر غير ثواب الواقع، فلو فرض كون العمل بداعي هذا الاستحباب و ليس بداعي الواقع المحتمل، لكان هذا خلف داعوية الثواب البالغ.

و لكن يمكن أن يرد على الجواب الثاني ما أوردناه سابقاً: من‏

391

أنّ المقصود بعينية الثواب ليست العينية من كل الجهات، بل هي العينية في كمية الثواب و كيفيته، إذاً، فكون الثواب معلولًا للأمر الأول، أو احتماله تارة، و معلولًا للأمر الثاني تارة أخرى، لا يضر بالعينية المقصودة هنا.

نعم، قد يقال: ما يمكن أن يكون هو المقصود في المقام، من أنّ (الفاء) في أخبار (من بلغه) قد فرّع العمل على بلوغ الثواب، بينما يوجد في المقام بلوغان؛ أحدهما: البلوغ الثابت بالخبر الضعيف، و الآخر: هو البلوغ الثابت بنفس أخبار من بلغه، و هنا قد يدّعى أنّ (الفاء) قد فرّع العمل على البلوغ الأول دون البلوغ الثاني، فتكون محركية البلوغ الأول مختصة بالحصة الانقيادية، و أمّا القول: بأنّ البلوغ الأول قد يكون موضوعاً للمحرك، و ليس هو محركاً مباشراً، هو رجوع إلى النكتة التي اعتمدها المحقق الأصفهاني (قده) كما عرفت.

و قد يقال: بأنّه لو تمّت هذه المناقشة الرابعة للقرينة الأولى لأفسدتها أيضاً.

و أمّا مناقشة الأمر الثاني: الذي يحكي عن القرينة الثانية للاختصاص و ذلك بحمل المطلق من الأخبار على المقيّد منها بالإتيان بالعمل التماساً للثواب فتحقيق الحال فيها يستدعي بيان الملاكات التي ينبغي أن تتوفر في المقام، لحمل المطلق على المقيد.

الملاك الأول: هو العلم و لو صدفة من الخارج بوحدة الحكم المقصود بيانه، تارة بلسان المطلق، و أخرى بلسان المقيّد، فحينئذٍ يقع التعارض بين هذين اللسانين، و معه يحمل المطلق على المقيّد بحسب قوانين التعارض.

392

الملاك الثاني: هو أن يكون للسان المقيّد مفهوم ينفي به منطوق الإطلاق، كما لو كان المقيد جملة شرطية، فلو قال: (أكرم العلماء)، ثمّ قال في جملة شرطية أخرى:

(أكرم العالم إن كان عادلًا)،

فهنا يحمل المطلق على المقيد، لأنّ مفهوم المقيّد يلغي وجوب إكرام كل عالم و يخص الإكرام بالعلماء العدول منهم.

الملاك الثالث: هو دعوى المشهور باستحالة اجتماع حكمين متماثلين؛ أحدهما على المطلق، و الآخر على المقيّد على خلاف في سعة دائرة هذا الملاك بينهم، في أنّه هل يختص بالواجبات، أو أنّه يعم المستحبات؟- و ذلك، مثل استحالة اجتماع الحكمين المتماثلين على موضوع واحد، كما ذهب إلى ذلك المحقق النائيني (قده) ( (1))، و المحقق الأصفهاني (قده) ( (2)) و غيرهما، لكن على خلاف بينهم في طريقة إثبات هذه الاستحالة، و إن كان الصحيح عندنا بطلان هذه الاستحالة كما نذكر ذلك في محله إن شاء الله تعالى.

و بعد بيان هذه الملاكات لحمل المطلق المقيد، نأتي إلى محل الكلام، لنتحرّى الموجود منها فيه و عدمه.

أمّا الملاك الأول: فقد ذهب المحقق الأصفهاني (قده) ( (3)) إلى أنّ المقصود من تمام أخبار الباب، هو بيان حكم واحد.

و قد تعرض سيّدنا الشهيد (قده) لمقصود المحقق الأصفهاني حيث أفاد، بأن المقصود من كونها في مقام بيان حكم واحد، إنّما

____________

(1) أجود التقريرات: الخوئي، ج 2، ص 210

(2) نهاية الدراية: الأصفهاني، ج 4، ص 178

(3) نهاية الدراية: الأصفهاني، ج 4، ص 184.

393

ذلك في قبال كون المطلقات منها في مقام بيان الحكم الشرعي، و المقيدات منها في مقام الإرشاد، و أمّا لو كان المقصود من كلامه (قده) أنّها جميعها في مقام بيان الحكم الشرعي فإنّما ذلك، لأجل كونهم قد أخذوا وحدة الحكم أمراً مفروغاً عنه، و حينئذٍ يكون حالها حال جميع المطلقات و المقيّدات الموجودة في الشريعة التي تحمل على بيان حكم واحد في موردها، فيقيّد مطلقها بمقيّدها، من قبيل: (اعتق رقبة)، (و اعتق رقبة مؤمنة).

و لكن مع ذلك، فإنّ من حصل له القطع بوحدة الحكم في المقام، و لو بقرينة اشتراك أخبار الباب و تقاربها في التعبير، فإنّه حينئذٍ يتم عنده وحدة الحكم، و معه: يتم هذا الملاك، و لكن من لم يحصل له القطع بوحدة الحكم في المقام، فإنّ هذا الملاك لا يستفيد به، إذاً، ليس هذا أمراً فنياً، و إنّما هو أمر يرتبط بذوق الفقيه و سليقته حال الاستنباط، فمن حصل له من الفقهاء القطع بوحدة الحكم، فله أن يحمل المطلق على المقيّد، دون من لم يحصل له القطع بذلك، فإنّه لا يمكنه حمل المطلق على المقيّد بذلك.

و تقريب ذلك كما أفاد سيّدنا الشهيد (قده)، هو أنّه بعد فرض كون المطلقات في مقام بيان الحكم الشرعي، فلو فرض أنّ المقيدات هي أيضاً في مقام بيان ذلك الحكم، فحينئذٍ اشتراكهما في ذكر كلمة (البلوغ)، و تحديد مقدار الثواب بالمقدار البالغ لا يحتاج إلى مئونة زائدة، و نكتة أخرى غير التي من أجلها ذكر ذلك في المطلقات، و هذا بخلاف ما لو فرض أنّ المقيّدات كانت للإرشاد، فإنّه حينئذٍ، على هذا التقدير، يكون من المحتمل أن لا يذكر فرض البلوغ، و إنّما يذكر مطلق فرض الاحتمال، سواء كان منشأه البلوغ، أو غيره، و كان من‏

394

المحتمل أن لا يحدّد الثواب بهذا النحو، و معه و بقانون الاحتمال، يستبعد تعدد الحكم، إذ قد يحصل لأحد القطع أو الاطمئنان بأنّهما في مقام بيان حكم واحد، إمّا مولوي، أو إرشادي، فيقيّد حينئذٍ المطلق بالمقيّد.

و أمّا الملاك الثاني: و هو أن يكون للمقيّد مفهوم ينفي به الإطلاق، كما لو كان بنحو القضية الشرطية، كما في قوله: (أكرم العالم إن كان عادلًا)، إذاً، ففي المقام تتوقف تمامية هذا الملاك على فرض أن تكون كلمة (من) في أخبار (من بلغه) شرطية و يدلّ مثلها على المفهوم لا موصولة، و حينئذٍ يدلّ قوله:

(من بلغه ثواب فعمله رجاء ذلك الثواب كان له ذلك)،

يدلّ على انتفاء ذلك الثواب بانتفاء الشرط مطلقاً، سواء انتفى أصل البلوغ، أو العمل، أو انتفى كون العمل برجاء الثواب أو مصادفة الواقع.

أمّا و قد عرفت فيما مرّ من بحث مفهوم الشرط، أنّ المفهوم إنّما ينحصر في أداة الشرط المتمحضة في معنى حرف الشرط، أي في ربط هيئة الجزاء بهيئة الشرط، كما في حرف (إنّ) فهذا غير ثابت لما كان دالًا على حصة معينة من الشي‏ء، فيجعلها موضوعاً للحكم كما في كلمة (من) في المقام.

و بهذا يتبيّن أنّ الملاك الثاني غير تام في المقام.

و أمّا الملاك الثالث: فهو غير تام في المقام، لأنّ الأخبار التي ادّعي أنّها مقيّدة كما في الأخبار المختصة بفرض داعي الرجاء و المثبتة للاستحباب غير مشتركة بوحدة الحكم المقصود بيانه بلسانها أو بلسان المطلق، لأنّها لا تكون دالة على الاستحباب، بل و لا على الإرشاد إلى حكم العقل كما هو مذهب المشهور، و معه: لا تكون‏

395

بصدد بيان الحكم الذي بيّنه لسان الأخبار المطلقة، و معه: لا وجه إذاً، لتقييد المطلق بها.

و قد يقال أيضاً: إنّه يحتمل أن تكون أخبار (من بلغه) بصدد بيان الحكم الطريقي، من قبيل إيجاب الاحتياط، كما عرفت سابقاً دون أن يكون هذا الحكم بمعنى الحجية، و هذا لا ينفي ما ذكرناه سابقاً من فرض استبعاد كون الثواب جزافاً في المقام، و كون الثواب الاستحقاقي يكشف عن الأمر، لأنّنا نمنع أن يكون الثواب منحصراً في الثواب الجزافي، و الثواب الاستحقاقي، بل قد يكون هناك ثواب ثالث، هو الثواب الترغيبي كي يرغب المكلّف في العمل بكل خير يدلّ على استحباب عمل، إذ بهذا يتحفظ ضمناً على الأغراض الواقعية المفادة بتلك الأخبار.

و هذا المنهج في أبحاثهم يكاد يكون تبعيداً للمسافة، إذ إثبات الأمر المولوي هنا بغنى عن هذا اللف و الدوران.

إذاً، على أساس ما تقدم، فالصحيح في المقام أن يقال: إنّ الاحتمال الأول من الاحتمالات المتقدمة في صدر هذا البحث، منفي بظهور أخبار (من بلغه) في الترغيب، و الحث على العمل المفاد بها مطلقاً، و ليست مجرد إخبار أو وعد صرف.

و الاحتمال الثاني من هذه الاحتمالات، و هو الإرشاد، فهو خلاف ظاهر الخطاب الصادر من المولى، إذ الأصل فيه أنّه عند ما يصدر الخطاب من المولى أن يصدر عنه بما هو مولى لا بما هو عاقل، إذ لا يفرق الحال في خطابه بين كونه بلسان الأمر و الطلب، أو بلسان الوعد الصرف على الثواب، إذ نكتة الأصل فيه نسبتها إلى كلا اللسانين على حد سواء، إذاً، فأمر هذه الاحتمالات في معنى:

396

أخبار (من بلغه) تنحصر بين الاحتمال الثالث و الرابع كما تقدّم، و لكن مع تطعيم الاحتمال الثالث بالاحتمال الرابع، لأنّ الاحتمال الثالث، كما عرفت، لا يكفي بمفرده لتفسير إعطاء العامل نفس الثواب الذي بلغه، كما أنّه لا يناسب ظهور هذه الأخبار في الترغيب المولوي، فإنّ العقل إنّما يحكم باستحقاق العامل للثواب، لا لشخص ذلك الثواب، و معه لا بدّ من الالتزام بأنّ مرجع هذه الخصوصية إلى وعد مولوي، أي أن يكون أمراً استحبابياً نفسياً بعنوان ثانوي هو (بلوغ الثواب)، فيكون حكماً ظاهرياً طريقياً، و معنى هذا: إنّ أخبار (من بلغه) لم تخرج في احتمالاتها عن كونها مجملة بين الاستحباب النفسي، و الحكم الطريقي.

نعم، يبقى أنّ الثابت لنا إجمالًا هو، أنّ الشارع قد حثّنا على العمل بكل ما وصلنا استحبابه، و أنّه إذا أتينا بهذا العمل بداعي القربة إليه تعالى، يثبت لنا نفس الثواب الذي وعدنا به بذلك الخبر و لو فرض كونه غير مطابق للواقع.

الجهة الرابعة: هي في شمول أخبار (من بلغه) للخبر الدال على كراهة فعل و رجحان تركه،

و البحث عن ذلك يقع في مقامات.

المقام الأول: البحث في أصل اختصاص أخبار (من بلغه) بما يدل على الاستحباب فقط أو شمولها لموارد الكراهة و رواياتها.

المقام الثاني: البحث في أنّ الثابت بأخبار (من بلغه) على فرض شمولها لأخبار الكراهة هل هو مجرد رجحان الترك، أو أنّه يثبت بها كراهة الفعل أيضاً؟

المقام الثالث: البحث فيما إذا دلّ أحد أخبار (من بلغه) على‏

397

استحباب فعل، و الآخر على كراهته، فهل يقع تعارض أو تزاحم بينهما أو لا؟

أمّا المقام الأول: هو أنّه قد استشكل في شمول أخبار (من بلغه) لروايات الكراهة و مواردها، و حيث لم يكن منشأ الإشكال، أنّ النظر في أخبار (من بلغه) إلى الطلب و البعث، و ليس إلى الزجر و المنع، إذاً، فلا يقال: بأنّ هذا الإشكال لا يتأتى هنا، حيث إنّ لسان أخبار (من بلغه) لسان حيث و ترغيب و بعث نحو الفعل، فلا يشمل موارد و روايات الكراهة البالغة، و كذلك أيضاً لا يقال: بأنّ هذا الإشكال متفرع على مسألة أنّ الأمر بشي‏ء يقتضي النهي عن ضده، حيث إنّ الأمر هنا بعث نحو الفعل، و النهي زجر عنه و ليس طلب تركه.

و إنّما لا يقال ذلك، لأنّ منشأ الإشكال إنّما هو من جهة انصراف ألسنة أخبار (من بلغه) إلى الفعل و نحوه، بقرينة قوله (عليه السّلام): (فعمله) لا إلى محض الترك فضلًا عن الأمر العدمي.

و هذا الاستشكال لو تمّ لاقتضى عدم شمول أخبار (من بلغه) لما إذا ثبت استحباب ترك فعل بخبر ضعيف أيضاً، إذاً، فلا يختص الإشكال المزبور بالمكروهات البالغة.

و في مقام التحقيق قد يقال: إنّه قد يتأتى هذا الإشكال لو وقفنا عند المدلول المطابقي للفظ.

لكن الصحيح أن العرف بحسب المناسبات المركوزة في ذهنه، و مناسبات الحكم و الموضوع يلغي خصوصية الفعل و الترك أيضاً، و يفهم من هذه الأخبار، أنّ تمام النكتة و الموضوع لهذا الحكم هو بلوغ الخير و الثواب على شي‏ء، فيعمل الإنسان بما بلغه من‏

398

الثواب و الخير على عمل، سواء كان هذا العمل فعلًا أو تركاً، و معه: يكون الصحيح، هو شمول أخبار (من بلغه) للأخبار الواردة في باب الكراهة خلافاً للسيد الخوئي (قده) ( (1)).

و أمّا المقام الثاني: فهو في أنّ ما يثبت بهذه الأخبار في موارد الكراهة هل هو مجرد رجحان الترك، دون أن يثبت بالخبر الضعيف منها كراهة الفعل، كما هو الظاهر منها، أو أنّه يثبت بها كراهة الفعل أيضاً؟.

و التحقيق، هو أنّه بناء على استفادة الاستحباب النفسي من هذه الأخبار لعنوان البلوغ، فالظاهر أنّه لا يثبت بها إلّا مجرد رجحان الترك في مورد المكروهات، دون أن يثبت بالخبر الضعيف منها الكراهة، ذلك أن استفادة الاستحباب في مورد أخبار الاستحباب، و الكراهة في مورد أخبار الكراهة، هو خلاف ظهورها في جعل سنخ واحد من الحكم.

و أمّا بناء على استفادة جعل الحجية منها فهي أيضاً كذلك، لأنّها تنظر إلى جعل الحجية بمقدار بلوغ الثواب و ثبوت الخير دون أن تثبت كراهة الفعل.

نعم، هي تثبت رجحان الترك، لأنّها الجامع بين استحباب الترك ذاتاً أو تبعاً، و الرجحان العرضي، باعتبار كونه نقيضاً للمكروه دون أن يثبت بها كراهة الفعل بعنوانه و خصوصياته.

نعم، ربّما يقال: بأنّنا لو حملنا هذه الأخبار في المقام على كونها بياناً للحكم الطريقي الظاهري، فحينئذٍ قد يدّعى أنّ ظاهرها

____________

(1) دراسات في علم الأصول: السيد الهاشمي الشاهرودي، ج 3، ص 308.

399

يكون بحسب المرتكزات العرفية للتحفظ على الأحكام الواقعية من الاستحباب تارة، و الكراهة تارة أخرى، بل يكون ظهورها في إثبات نفس الثواب المبلغ حتّى بالخبر الضعيف من حيث نوع الحكم، مقتضياً لثبوت نفس النوع من الثواب المبلغ حتى بالخبر الضعيف، من حيث سببه و ملزومه من الاستحباب تارة، و الكراهة تارة أخرى، و من الواضح أنّه حينئذٍ يكون الحكم الطريقي الظاهري المفاد بهذه الأخبار واحد سنخاً في تمام الموارد، و ليس من قبيل الحكم النفسي المفيد لتعدد السنخية، كي يستبعد هذا الظهور بحسب الموارد، بل حتى بناء على القول بالحكم النفسي، ربّما يقال: بأن ظهور تعدد النسخ فيه أقوى من الظهور في وحدة سنخ الحكم المجعول، لكن مع هذا، فإنّ هذا الاستظهار لا يزيد عن إثباتها للجامع بين الاستحباب و نقيضه من الكراهة، دون أن يثبت كراهة الفعل نفسه و بعنوانه.

و أمّا المقام الثالث: و هو فيما إذا دلّ خبر في مورد على استحباب شي‏ء، و دلّ خبر آخر على كراهته، فما هو مفاد أخبار (من بلغه) بالنسبة لهذا المورد؟

و هنا ذكر السيد الخوئي (قده) ( (1))، أنّه بناء على القول: باختصاص أخبار (من بلغه) بالمستحبات و عدم شمولها للمكروهات، يكون الثابت في المقام محبوبية العمل بعنوان البلوغ، و ليس في المقام معارض أو مزاحم لها، لأنّ المفروض أنّ أخبار (من بلغه) لا تشمل تلك الرواية الضعيفة الدالة على الكراهة.

و أمّا إذا قيل بشمول أخبار من بلغه للمكروهات و عدم‏

____________

(1) دراسات في علم الأصول: الهاشمي الشاهرودي، ج 3، ص 310.

400

اختصاصها بالمستحبات و طلب الفعل، فإنّه حينئذ قد يقال: بأنّه لا مانع من شمولها لكلتا الروايتين، و معه يثبت استحباب كل من الفعل و الترك، غاية الأمر أنّه يقع التزاحم بينهما، كما هو ظاهر مذهب الشهيدين (قده)، و لا بأس في ذلك في المستحبات، فإنّه كثيراً ما يكون في كل من الفعل و الترك مصلحة و رجحان، من قبيل: (صوم يوم عاشوراء)، فإنّ فعله و تركه كلاهما مستحب.

و لكن الصحيح عند السيد الخوئي (قده) ( (1))، هو التفصيل بين الموارد، فإنّ الفعل و الترك البالغ عليهما الثواب، تارة يكون أحدهما أو كلاهما عبادياً، و تارة أخرى، يكون كل من الفعل و الترك غير عبادي.

ففي الحالة الأولى، لا مانع من جعل الاستحباب لهما في مقام الثبوت و لا تعارض بينهما، لأنّ الفعل القربي مع الترك ضدان لهما ثالث، غاية الأمر أنّ المكلف لا يقدر على امتثالهما، فهما من قبيل المستحبين المتزاحمين، فيمكن للمكلف تركهما معاً و اختيار الثالث، كما لو أتى بالفعل بدون قصد القربة.

و أمّا في الحالة الثانية، و هي فيما إذا كان كل من الفعل و الترك غير عبادي، فلا يعقل الحكم باستحباب كل منهما في مقام الثبوت، و ذلك لاستحالة طلب المتناقضين و محبوبيّة كل منهما بالفعل، و معه يستحيل اتصافهما بالاستحباب، وعليه: فلا محالة من وقوع التعارض بين الدليلين، و لا يكون شي‏ء منهما مشمولًا لأدلة التسامح لعدم الترجيح.

____________

(1) نفس المصدر، ص 311 310.

401

و لنا على هذا الكلام تعليقات:

التعليقة الأولى: هي منع شمول أخبار (من بلغه) للرواية الضعيفة الدالة على الاستحباب المعارض بالرواية الدالة على الكراهة، حتّى بناء على اختصاصها بالمستحبات، فإنّ تلك الأخبار ليست شاملة لمثل هذه الرواية المعارضة بسبب التعارض، كي يجاب بأنّه على أساس هذا المبنى لا يوجد تعارض في المقام، و إنّما لا تكون أخبار (من بلغه) شاملة، لعدم المقتضي للشمول في نفسه، و ذلك لأنّ المفروض في موضوع أخبار (من بلغه) كون العمل متفرعاً على داعي الثواب الموعود في تلك الرواية بقرينة (فاء) التفريع، إذاً، فتختص أخبار (من بلغه) ببلوغ الاستحباب فقط دون الكراهة، لأنّه بحسب الفهم العرفي، يفرض معقولية تفرع العمل على داعي الثواب في الرتبة السابقة على هذه الأخبار، لأنّ الثواب إنّما يترتب على العمل القربي، إذاً، فلا بدّ من فرض إمكان التقرب بالعمل في المرتبة السابقة عليها، و حيث إنّ نسبة الفعل و الترك إلى المولى على حدّ سواء، لأنّ الخبر ورد على كل من استحباب الفعل و الترك، و صدق كل منهما محتمل، و معه: فلا معنى للتقرب إليه بالفعل إلّا في فرض كون أحدهما أقوى احتمالًا أو محتملًا، و إلّا فبحسب طبع القضيّة في المقام لا يعقل التقرب، و معه لا يكون التفرع على داعي الثواب معقولًا، فيخرج ذلك عن موضوع هذه الأخبار.

التعليقة الثانية: هي أنّه حتّى لو سلّمنا شمول أخبار (من بلغه) لخبر الكراهة، و قطعنا النظر عن التعارض، فما ذكره من التفصيل بين ما إذا كان المستحب و المكروه توصليين، أو كان أحدهما تعبدياً،

402

إنّما يجب أن يكون مركز هذا التفصيل هو الاستحباب المستفاد من أخبار (من بلغه)، و ليس الاستحباب المستفاد من الخبرين الضعيفين، ذلك لأنّ المفروض المختار له (قده) ( (1)) هو أنّ أخبار (من بلغه) لا تجعل الحجيّة للخبر الضعيف كي يثبت الاستحباب لتلك الرواية الضعيفة، و إنّما جعلت استحباباً نفسيّاً على عنوان البلوغ، عند ذلك ينظر في أنّ هذا الاستحباب المستفاد من أخبار (من بلغه)، هل هو تعبدي كي لا يحصل التعارض أو التزاحم لعدم وجود الضد الثالث حينئذ؟ و حيث إنّ المستفاد من أخبار (من بلغه) التعبديّة لأنّه أخذ في موضوعها التفرع على داعي الثواب، و هو لا يكون إلّا في فرض القربة، لا أقل من أنّه لا إطلاق لها كي يمكن نفي تعبدية هذا الاستحباب، إذاً، لا بدّ للسيد الخوئي (قده) من القول: بالتزاحم في جميع الموارد، لوجود الضد الثالث، لا بالتزاحم في بعض الموارد و التعارض في بعضهما الآخر، و حينئذٍ، يثبت التزاحم بين استحباب الفعل و استحباب الترك في جميع الموارد دون التعارض.

التعليقة الثالثة: هي أنّ التفصيل الذي ذكره السيد الخوئي (قده) من وقوع التزاحم بين الاستحبابين فيما إذا كان أحدهما تعبديا و الآخر توصلياً، هذا التفصيل غير تام، سواء قلنا: بجريان التزاحم في المستحبات، أو لم نقل: بذلك، لا أنّه يتحقق مستحبان متزاحمان من قبيل: مزاحمة زيارة الإمامين (عليهم السّلام) لزيارة الإمام الآخر، رغم استحباب كل من الزيارتين.

____________

(1) دراسات في علم الأصول: الهاشمي الشاهرودي، ج 3، ص 189.

403

أمّا كونه غير تام حتى لو قلنا بالتزاحم، فلأن فرض جريان التزاحم بينهما يعني: أنّنا نلتزم بالترتب بين المستحبين، و هذا يعني: أنّ كلّا منهما مشروط استحبابه بعدم امتثال الآخر، من قبيل: تزاحم زيارة أحد الإمامين مع زيارة الإمام الآخر، و هذا إنّما يعقل في سائر الموارد التي تكون من قبيل زيارة الإمامين، حينئذ يعقل استحباب زيارة كل من الإمامين في فرض عدم زيارة الآخر، لأنّ فرض عدم الترك القربي ليس مساوقاً لفرض الفعل، و هذا في المقام غير معقول، إذ لا يعقل كون الترك مستحباً، و الفعل مستحباً قربيّاً بنحو الترتب، لأنّ فرض ترك كل منهما مساوق مع تحقق الآخر تحققاً ضرورياً، لاستحالة ارتفاع النقيضين، و حينئذٍ تستحيل محركية الأمر و داعويته، لأنّه في هذا التقدير يكون الفعل ضروري الوجود، و مع كونه ضروري الوجود في المرتبة السابقة على الأمر، يستحيل أن يؤتى به على وجه قربي، و إنّما يؤتى به بملاك هذه الضرورة.

و أمّا كونه غير تام حتّى لو لم نقل بجريان التزاحم، فلأنّ الإطلاق في باب المستحبات المتزاحمة غير معقول، و لا فرق بين كونها توصليّة أو تعبدية أو كان أحدهما توصلياً و الآخر تعبدياً، بل لا بدّ من الترتب بينهما، لأنّ إطلاق الأمر في أحدهما لفرض الاشتغال بضده، هو مساوق لتحريك المكلف و صرفه عن ذاك الضد إلى الضد الأول المأمور به، لكن مع فرض أنّ كلًّا من الضدين مأمور به، و هما على حد سواء عند المولى في محبوبيتهما، إذاً، صرف المكلف عن أحدهما دون الآخر يكون بلا مرجح أو موجب، لأنّ أحدهما لا يقل عن الآخر محبوبية، و معه لا يعقل تصور انقداح إرادة إطلاقيّة في نفس المولى لأحدهما، لأنّه و إن كان أخذ قصد القربة قيداً لأحدهما أو كليهما يوجب إمكان مخالفتهما بالإتيان و الاشتغال بضد ثالث لهما، إلّا أنّ‏

404

الداعي القربي إنّما يحرك نحو ذات الفعل أو الترك، و ليس نحو الداعويّة و المحركية، إذ المفروض في المقام أنّ نسبة المولى إلى الخصوصيّة كل منهما على حدّ سواء، و تحريكه نحو الجامع بينهما كما لو كان لهما ثالث، هو أيضاً غير معقول في المقام، لأنّ تعين الجامع بينهما ضروري، و هذا بخلاف سائر المستحبات أو الواجبات المتزاحمة.

و إن فرض في المقام كون الجامع هو المستحب، فهذا أيضاً غير معقول، لأنّ مقتضى أخبار (من بلغه) ليس هو استحباب الجامع، بل استحباب كل منهما بالخصوص، لأنّ استحباب الجامع في نفسه غير معقول، و لو فرض كون أحدهما قربياً أو كلاهما، لأنّه كما عرفت، أنّ داعي القربة لا يمكنه التحريك نحو الجامع، و ذلك لكون تحقق الجامع بين الفعل و الترك تحققاً ضرورياً، كما أنّ داعي القربة لا يمكنه التحريك نحو الفرد بخصوصيته الفرديّة أيضاً، لكون الخصوصيّة الفرديّة خارجة عن تحت الأمر بحسب الفرض في المقام.

التعليقة الرابعة: هي أنّه لو قطعنا النظر عن كلّ ما مضى، و بنينا على ثبوت الاستحباب للفعل، ثمّ ثبوت الكراهة له بأخبار (من بلغه)، و ليس على استحباب الترك لأنّ أخبار من بلغه بشمولها لروايات الكراهة تثبت الكراهة لا مجرد رجحان الترك، حينئذٍ أيضاً لا يتم كلام السيد الخوئي (قده) بل يكون المقام من موارد التعارض لا التزاحم، و ذلك لوحدة مركز الحب و الكراهة، دون أن تتأثر أو تنثلم وحدة هذا المركز بقيد قصد القربة في المقام.

الجهة الخامسة: هي أنّ مشهور المحققين ذهب إلى عدم شمول أخبار (من بلغه) للخبر الضعيف الدال على الاستحباب المعلوم الكذب‏

وجداناً أو تعبداً، كما لو قام خبر صحيح يدلّ على حرمة ذلك‏