بحوث في علم الأصول - ج11

- الشيخ حسن عبد الساتر المزيد...
473 /
405

الفعل، أو يدلّ على عدم استحبابه، لأنّ ذلك الخبر الصحيح يجعلنا عالمين تعبداً، إذاً، فيخرج المورد من تحت أخبار (من بلغه) بالحكومة، إذ إنّه أخذ في موضوعها عدم العلم بالكذب، و خروج الخبر الدال على الاستحباب عن تحت أخبار (من بلغه) عند ما يدلّ خبر صحيح في مورده على الحرمة، إنّما هو بسبب الانصراف، ببيان أنّه لما كان هذا الخبر الصحيح الدال على الحرمة، يدلّ بالملازمة على عدم الاستحباب و كذب الخبر الضعيف، بينما أخبار (من بلغه) أخذ في موضوعها احتمال صحّة البلوغ و مطابقته للواقع، إذاً، فقد صرنا عالمين تعبداً بكذبه، إذاً، فخرج هذا المورد عن تحت أخبار (من بلغه) بالحكومة ( (1)).

و هذا الكلام غير تام، و إنّما التحقيق هو أن يقال: إن أخبار (من بلغه) و إن كان يعقل ثبوتاً شمولها للخبر الضعيف المعلوم كذبه، بناء على أنّ المجعول فيها الاستحباب النفسي و ليس حجية الخبر، إلّا أنّ هذا الشمول للخبر المعلوم كذبه خلاف الظاهر إثباتاً، لأنّ الظاهر من أخبار (من بلغه) هو تفرع العمل على الثواب البالغ، و هذا لا يكون مع العلم بكذب هذا الخبر، بل هو أشبه بالسالبة بانتفاء موضوعها، و كذلك لا يكون مع ثبوت الحرمة، بل الكراهة أيضاً بدليل معتبر، و لو كان من قبيل: إطلاق آية أو رواية، إذ عندئذ يتنجز مفاد الخبر الصحيح الدال على الحرمة أو الكراهة، حيث يتنجز الترك على المكلف، إذاً، فكيف يعقل هنا تفريعه على الثواب؟

و أمّا مورد معارضة الخبر الضعيف لخبر صحيح دال على عدم الاستحباب، فلا وجه لدعوى خروج الخبر الضعيف عن إطلاق أخبار

____________

(1) دراسات في علم الأصول: الهاشمي الشاهرودي، ج 3، ص 310.

406

(من بلغه) لأنّ حجيّة الخبر الصحيح ليس معناها الجزم بعدم استحباب الخبر الضعيف كي لا يعقل الانبعاث في المرتبة السابقة، بل التفرع فيه معقول أيضاً ما دام احتمال الصدق موجوداً تكويناً، إذاً، معه يمكن للمكلف أن يأتي بمفاد الخبر الضعيف برجاء مطابقته للواقع رغم حجيّة الخبر الصحيح.

و أمّا دعوى أنّ الخبر الصحيح الدال على عدم الاستحباب يجعلنا عالمين تعبداً بالكذب، و عدم الاستحباب و عدم موافقة الخبر الضعيف للواقع، فهي دعوى غير تامة، حتّى بناء على مبنى جعل الطريقيّة و قيام الأمارات مقام القطع الموضوعي، لأنّه لم يؤخذ في موضوع أخبار (من بلغه) عدم العلم أو الشك و احتمال المطابقة، كما في خبر: (رفع ما لا يعلمون)، و خبر: (كل شي‏ء لك حلال حتّى تعلم أنّه حرام)، كي يلتزم بالحكومة، و إنّما المأخوذ في أخبار (من بلغه) إمكان تفرع العمل على الثواب البالغ، بينما خروج مورد العلم بالكذب، إنّما يكون لعدم إمكان التفرع فيه و الانبعاث، بينما في مورد المعارضة للخبر الصحيح الدال على عدم الاستحباب، يكون التفرع و من ثمّ الانبعاث ممكناً.

و إن شئت قلت: إنّ إمكان التفرع و الانبعاث لازم تكويني للشك التكويني، و العلم التعبدي لا يرفع اللوازم التكوينيّة للشك.

الجهة السادسة: هي أنّه هل يكفي البلوغ للفقيه كي يفتي للعامي باستحباب العمل الذي لم يصل إليه خبر استحبابه أو لا؟

و قد فرّع المحقق العراقي (قده) ( (1)) جواز إفتاء الفقيه- الذي بلغه‏

____________

(1) نهاية الأفكار، ج 3، ص 286.

407

الخبر للعامي- على المختار عنده، من أنّ مفاد أخبار (من بلغه) هو جعل الحجيّة للخبر الضعيف، و معه: فإنّ البلوغ و إن صار حجّة بحق المجتهد الذي بلغه الخبر الضعيف، و لكن مفاد هذا الخبر البالغ الذي صار حجّة هو استحباب العمل بمفاده لكلّ المكلفين، و حينئذٍ، يجوز للفقيه الذي بلغه أن يفتي به لمقلديه و لو لم يبلغهم.

ثمّ إنّ هناك وجوهاً عديدة لتخريج جواز إفتاء المجتهد بمفاد أخبار (من بلغه)، و بعضها تام حتّى بناء على استفادة الاستحباب النفسي من أخبار (من بلغه)، نذكرها تباعاً.

الوجه الأول: هو أنّه يمكن تخريج إفتاء المجتهد للمقلد، على أساس أنّ الفقيه بعد بلوغه الخبر الضعيف و جعل الحجيّة له في حقّه، حينئذ يصبح عالماً تعبداً باستحباب مفاده، و معه: فتترتب آثار العمل من الحجيّة و الإفتاء لمقلديه.

و لكن هذا غير تام، فإنّه على تقدير اختصاص الحجيّة بمن بلغه هذا الخبر يكون جواز الإفتاء بالاستحباب للجميع، مع عدم علمه وجداناً بالاستحباب للجميع، مبنياً على القول: بقيام الأمارة مقام القطع الموضوعي.

و هذا غير صحيح، فإنّنا و إن كنّا نقول مثل ذلك فيما يكون دليل حجيته ثابتاً (بالسيرة العقلائيّة)، أو بمثل قوله: (أ يونس بن عبد الرحمن ثقة آخذ عنه معالم ديني)؟ و غير ذلك من ملاكات الكاشفيّة العقلائية، حيث تكون الأمارة قائمة مقام القطع الموضوعي، لا سيّما في خصوص الإفتاء و الإسناد إلى الشارع.

لكن في مثل ما نحن فيه لا نقول بذلك، فإنّ مجرد دليل الحجيّة لا يدلّ على القيام مقام القطع الموضوعي، و إنما يستفاد قيامها كذلك‏

408

من شمول السيرة لذلك، أو دلالة (الأخذ) في قوله: (آخذ عنه معالم ديني)؟ و هذا منتف فيما نحن فيه.

الوجه الثاني: هو أنّه بعد تسليم مبنى قيام الأمارة مقام العلم الموضوعي، يصحّ حينئذ إفتاء المجتهد بالحكم الظاهري بالاستحباب الذي ثبت في حقه جزماً لمقلديه من العوام، لأنّ المرتكز و المتفاهم عرفاً و في نظر العقلاء في جعل الحجج هو فرض إلغاء الخصوصيات الفردية، و حينئذٍ تنصرف أدلّة جعل الحجج إلى ما يلائم هذه المرتكزات العقلائية، و حيث إن موضوع الحجية المستفاد من أخبار (من بلغه) هو واقع الخبر المبلغ للثواب، و ليس مجرد البلوغ، فإنّ البلوغ المأخوذ في أخبار (من بلغه)، إنّما هو في الحقيقة بلوغ للحجيّة، و ليس موضوعاً لها، و إنّما أخذ البلوغ طريقيّاً، إذ حجيّة الخبر البالغ يدلّ على حجيّة أصل هذه الأخبار للجميع، و معه نمنع اختصاص الحجيّة المجعولة في أخبار (من بلغه) بخصوص من بلغه هذا الخبر الضعيف، إذاً، فيصحّ الإفتاء بالاستحباب للجميع.

الوجه الثالث: لتخريج جواز إفتاء المجتهدين بالاستحباب للمقلدين، هو أنّ جواز الإفتاء- من قبل المجتهد للمقلدين بمفاد أخبار (من بلغه) بالاستحباب-، إن كان موضوعه الواقع، إذاً، فأخبار (من بلغه) تجعل هذا الخبر الضعيف كالخبر الصحيح، من حيث الحجيّة، إذاً، فهي تثبت الاستحباب الواقعي، و معه يصحّ أن يفتي به المجتهد للمقلدين.

و إن كان موضوع جواز الإفتاء هو الأعم من العلم بالواقع و قيام الحجّة الشرعيّة، إذاً، فيكون هذا الخبر الضعيف محققاً لذلك الأعم، بناء على أنّ المستفاد من أخبار (من بلغه) هو جعل الحجيّة له.

409

و لكن هذا غير تام، حيث يرد عليه أولًا: بأنّ هذا مبتن على أن يكون المستفاد من أخبار (من بلغه) ترتيب جميع آثار الحجيّة على الخبر الضعيف و ليس الأثر فقط بمقدار الاستحباب و الثواب على العمل به، كما هو المتبادر من لسان الترغيب في العمل بهذه الأخبار، و هو كما ترى، فإنّ الترغيب الموجود في هذه الأخبار لا يساعد على استفادة أكثر ممّا عرفت منها، فهو ظاهر في أنّه مختصّ بعمل من بلغه دون عمل الجميع.

و يرد عليه ثانياً: بأنّ جواز الإفتاء و الإسناد إلى الشارع موضوعه العلم لا الواقع، و حينئذٍ، يتحقق محذور الكذب بالنسبة لمن لم يصله.

و غاية ما يمكن أن يقال هنا: إنّ الإجماع قائم على قيام الحجج و الأمارات مقام العلم بالواقع.

فيقال حينئذ: إنّ القدر المتيقن من هذا الإجماع هو قيام الأمارات و الحجج المتعارفة، و ليس مثل هذه الحجية بناء على استفادتها من أخبار (من بلغه)، فإنّ المفروض عدم دلالة أخبار (من بلغه) على حجيّة ذلك الخبر الضعيف.

الوجه الرابع: في تخريج جواز إفتاء المجتهد بالاستحباب لمقلده هو، أنّ المجتهد إنّما يفتي بكبرى استحباب العمل الذي أبلغ عليه الثواب بشكل عام، و هو هنا إنّما يخبر بتحقق صغرى الخبر المبلغ للثواب في هذا المورد بالخصوص، و معه يتحقق صغرى البلوغ للمقلد أيضاً، و معه: يثبت الاستحباب في حقه، إذ لا يراد بالبلوغ إبلاغ الراوي مباشرة للمقلد بالخصوص.

و من هنا: فإنّه لا يشكل بما قد يقال: من استحالة تحقق البلوغ‏

410

بنفس إفتاء المجتهد بالاستحباب، فإنّ ثبوت الاستحباب، فإنّ ثبوت الاستحباب بنفس الإفتاء به هو من قبيل: ثبوت الحكم بالعلم بشخصه، و هو محال كما هو واضح.

و يجاب: بأنّ المجتهد هنا لا يفتي بالاستحباب الثابت بأخبار (من بلغه)، بل يفتي بموضوع هذا الاستحباب الذي هو الخبر المبلغ للاستحباب الواقعي، و هذا الوجه يتمّ على كلا القولين في أخبار من بلغه.

إلّا أنّه خلاف ما هو ظاهر عمل الأصحاب، حيث يفتون بالاستحباب بناء على قاعدة (التسامح في أدلة السنن) كحلم واقعي أولي، و ليس كحلم ثانوي متوقف على إبلاغ المجتهد لمقلديه بالثواب الواصل بالخبر الضعيف.

هذا هو تمام الكلام في بحث قاعدة (التسامح في أدلّة السنن) التي كان عمدتها أخبار: (من بلغه ثواب على عمل فعمله، كان له مثل ذلك الثواب و إن كان رسول الله (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) لم يقله).

التنبيه الرابع: من تنبيهات البراءة: هو في جريان البراءة في الشبهات الموضوعية،

حتّى عند القائلين و المنكرين: لجريانها في الشبهات الحكميّة، و هذا ممّا لا إشكال فيه، و إنّما الكلام في مقامين:

المقام الأول: هو في أنّ الذي يجري في الشبهة الموضوعيّة، هل هو كلتا البراءتين الشرعيّة، و العقليّة،

اللتان تجريان في الشبهة الحكميّة، أو أنّ الذي يجري منها هو إحدى البراءتين؟

411

المقام الثاني: هو في بيان ضابط الشبهات الموضوعيّة التي تجري فيها البراءة، سواء كان الشك في التكليف أو المكلف به.

أمّا الكلام في المقام الأول: فلا إشكال في جريان البراءة الشرعيّة في الشبهات الموضوعيّة، ذلك لشمول بعض أدلّة البراءة الشرعيّة للشبهات الموضوعيّة، من قبيل: (حديث الرفع)، حيث عرفت سابقاً أنّ المأخوذ فيه سنخ جامع ينطبق على كل شي‏ء من الشبهات، حكميّة كانت أو موضوعيّة، من قبيل قوله تعالى: (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا ما آتاها)، و إن كان قد ادّعي اختصاص بعض أدلتها بالشبهة الحكميّة من قبيل قوله تعالى: (وَ ما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً)... كما ادّعي اختصاص بعضها الآخر بالشبهة الموضوعيّة من قبيل قوله (عليه السّلام): (كل شي‏ء فيه حلال و حرام، فهو لك حلال، حتّ تعرف الحرام بعينه).

و قد نوقش في الاستدلال بهذه الرواية على البراءة بدعوى أنّ مفاد هذه الرواية مختص بموارد العلم الإجمالي لورودها في مورده، بقرينة قوله (عليه السّلام): (فيه حلال و حرام)، و قوله (عليه السّلام): (حتّى تعرف الحرام بعينه)، فإنّها و إن كانت حينئذ تدلّ بالأولويّة على البراءة في مورد الشك البدوي و الشبهات البدوية، حيث لا نحتمل مدخلية لوجود العلم الإجمالي في تحقق البراءة، إذاً، فتدلّ الرواية بالأولويّة على البراءة في الشبهات البدويّة.

إلّا أنّه لأنّ المشهور يبنون على عدم جريان البراءة في موارد العلم الإجمالي و الشك في المكلف به، إذاً، فتسقط الدلالة المطابقيّة لهذه الرواية عن الحجيّة، و معه: تسقط دلالتها الالتزاميّة عن الحجيّة أيضاً تبعاً لسقوط مدلولها المطابقي، للتبعيّة بين الدلالتين.

412

و أمّا الكلام في اختصاص المدلول المطابقي لهذه الرواية بالشك في المكلف به، و أنّه مختص بموارد العلم الإجمالي أو لا؟ فإنّ الكلام عن هذا متروك إلى البحث الإثباتي عند ما نبحث عنه في العلم الإجمالي.

كما أنّ الكلام عن معقوليّة جريان البراءة الشرعيّة و عدمها في أطراف العلم الإجمالي، و إن كان قد تقدم شطر منه، لكن سوف نستكمله أيضاً في البحث الثبوتي عند ما نتكلم عن العلم الإجمالي و شروط تنجيزه.

و إنّما مقصودنا في المقام بيان أنّ هذا الشكل في غير محله- حتّى لو سلّمنا بكون هذه الرواية مختصّة بخصوص موارد العلم الإجمالي، و أنّه لا يعقل جريان البراءة في أطرافه- و ذلك لأنّه سوف تعرف أكثر أنّ تنجيز العلم الإجمالي مشروط بشروط، و منها: كون الشبهة محصورة.

و حينئذٍ نقول: لو سلّمنا اختصاص هذه الرواية بموارد العلم الإجمالي، لكن لا نسلّم اختصاصها بكون الشبهة محصورة، إذاً، فيسقط من مدلولها المطابقي صورة الشبهة المحصورة من أطراف العلم الإجمالي و تبقى الشبهة غير المحصورة من أطراف العلم الإجمالي و تبقى الشبهة غير المحصورة تحت الإطلاق و المدلول المطابقي لهذه الرواية، و بقاء هذا المقدار تحت الإطلاق و ثبوته يكفي في إثبات البراءة في الشبهات البدوية بالملازمة بين الدلالتين: المطابقيّة و الالتزاميّة.

و هناك من ادّعى احتمال الفرق بين أطراف الشبهة غير المحصورة باعتبار ضعف احتمال التكليف في كل طرف من أطرافها.

و أجيب أولًا: بأنّ إطلاق الرواية شامل لصورة ما إذا كان‏

413

احتمال التكليف في بعض أطراف الشبهة غير المحصورة معتداً به أو مظنوناً، و معه تثبت البراءة في الشبهات البدويّة بطريق أولى.

و أجيب ثانياً: بأنّه حتّى لو سلّمنا اختصاص هذه الرواية بموارد العلم الإجمالي في الشبهات، لكن لا نسلم اختصاصها بصورة كون الشبهة محصورة كيفما اتفق، و إنّما القرينة العقلية المخصصة، و إنّما تخصص فقط موارد الشبهة المحصورة بفرض كون العلم الإجمالي منجزاً، و أمّا فيما إذا لم يكن العلم الإجمالي منجزاً- حتّى لو كانت الشبهة غير محصورة- من قبيل: أن يكون أحد أطرافها خارجاً عن محل الابتلاء، أو كان يجري فيه أصل مؤمن، فحينئذ يبقى باقي أطرافها تحت إطلاق الرواية.

و أجيب ثالثاً: بأنّ هذه الدلالة الالتزاميّة هي ثابتة لأصل مدلول هذه الرواية، و أصل مدلولها هو ثبوت الترخيص في أطراف مدلولها إذا لم يعلم الحرام بعينه، لأنّ ظاهرها هو أنّ ملاك الترخيص إنّما هو أن لا يعرف الحرام بعينه، و ليس الاطمئنان فقط بعدمه في هذا الطرف بالخصوص، و من هنا يكون ظاهر الرواية هو الترخيص في جميع أطراف الشبهة غير المحصورة.

و أمّا البراءة العقليّة: فهي، و إن كنّا قد أنكرناها من الأساس، و قلنا: بمسلك حقّ الطاعة كبروياً، حيث لا تصل النوبة حينئذ إلى البحث عن جريانها في الشبهات الموضوعيّة، إلّا أنّ المشهور يذهب إلى القول بها كبروياً، بدعوى: بداهة حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان، بدعوى: عدم البيان في موردها.

لذلك اختلفت كلماتهم فيها في الشبهات الموضوعيّة، حيث ذهب بعضهم إلى عدم جريانها في الشبهات الموضوعيّة، لأنّ البيان‏

414

تام فيها من قبل المولى كبروياً، إذ ليس من شأنه إلّا بيان الكبرى، و إنّما الشك في صغرياتها، من قبيل: (أنّ (هذا خل، أو خمر)، و هذا ليس من شأن المولى، بيانه.

و لكن ذهب أكثر المشهور إلى جريانها في الشبهات الموضوعيّة، لعدم تماميّة البيان.

و أجاب القائلون بجريانها، على كلام القائلين بعدم جريانها بأحد بيانين:

البيان الأول: هو أنّ البيان معناه: (الإظهار)، إذاً، فبيان الشي‏ء هو إنّما يكون إظهار كبراه و صغراه، فإذا وصل الحكم بكبراه و صغراه تمّ البيان و إلّا فلا، و المفروض هنا أنّه في الشبهات الموضوعيّة و إن ظهرت الكبرى، لكن الصغرى فيها غير ظاهرة، إذن، فلم يتمّ البيان.

البيان الثاني: هو دعوى أنّ المراد بالبيان في قاعدة قبح العقاب بلا بيان) إنّما هو العلم و ليس المعنى اللغوي للفظ البيان، إذاً، فملاك القاعدة المذكورة ليس هو تقصير المولى بالبيان، كي يجاب: بأنّ المولى لم يقصر في بيانه في الشبهات الموضوعية بعد بيان الكبرى، و أنّه ليس من شأنه بيان الموضوعات، و إنّما ملاك قاعدة (قبح العقاب بلا بيان) إنّما هو عدم المقتضي للتحريك الذي هو العلم، و عدم العلم هذا ثابت في الشبهات الحكميّة و الموضوعيّة على حد سواء، و معه يقبح العقاب إذاً، لعدم المقتضي للتحريك.

و من الواضح: أنّ نفس هذا الاختلاف فيما بين القائلين بالبراءة العقليّة، بأنّه يقبح العقاب بلا بيان، و اختلافهم في جريان القاعدة في الشبهات الحكميّة، أو في الحكميّة و الموضوعيّة معاً، نفس هذا الاختلاف بينهم، يشهد على عدم بداهة هذه القاعدة، رغم‏

415

أنّ ملاك جريانها في الحكميّة و الموضوعيّة إنّما هو ملاك واحد، و رغم هذا، فلا القائلون باختصاصها بالحكميّة يعترفون بشمولها للموضوعيّة، و لا القائلون بالشمول يعترفون بملاك القول بالاختصاص رغم كون الملاك في القولين بالقاعدة واحد.

و قد يؤيد هذا الاختلاف عدم بداهة كلا الملاكين أيضاً، و معه لا يصحّ إرسال بداهة القاعدة إرسال المسلمات.

و كيفما كان، فإنّ البيان الأول من البيانين السابقين صار جوابه واضحاً، فإنّ قاعدة (قبح العقاب بلا بيان) هي قاعدة عقليّة، و ليست نصاً شرعياً أخذ في موضوعه عدم البيان، كي يوجب علينا البحث في تفسير كلمة البيان و عدمه لغة و عرفاً، و أنّها هل تشمل الشبهات الموضوعية أو لا تشملها؟ إذ لا أثر لفهم المعنى اللغوي في المقام، و إنّما ينبغي أن يكون الكلام فيها في حدود كونها حكماً عقلياً.

و أمّا البيان الثاني: الذي ذكر فيه ثبوت ملاك البراءة في كلتا الشبهتين، الحكميّة و الموضوعيّة، و كان هذا الملاك عبارة عن (عدم المقتضي للتحريك)، الذي هو بعبارة أخرى: (عدم العلم) الذي هو ثابت في كلتا الشبهتين، الحكميّة و الموضوعيّة.

أقول: إن كان المراد من عدم المقتضي هو دعوى قبح العقاب بلا مقتض مولوي للتنجيز و التحريك، إذاً، فقاعدة (قبح العقاب بلا بيان) ترجع إلى القاعدة (قبح العقاب بلا مقتض مولوي للتحريك و التنجيز).

و هذا ممّا نسلم به كبروياً و نعترف ببداهته، فإنّ المقتضي المولوي للتحريك هو عبارة عن تنجز التكليف بحكم العقل، إذاً، ففي النتيجة يكون مرجع هذه القاعدة (قبح العقاب بلا تنجز

416

للتكليف)، و هذا ممّا لا إشكال في بداهته مهما اختلفت ألسنته، سواء كان بلسان: (قبح العقاب بلا مقتض)، أو بلسان: (قبح العقاب بلا موجب)، أو بلسان: (قبح العقاب بلا تنجيز).

و إنّما الإشكال في صغرى قاعدة (قبح العقاب بلا مقتض للتحريك المولوي)، و هذه الصغرى هي حالة الشك في وجود و ثبوت هذا المقتضي و عدمه.

و من الواضح أن هذه الكبرى رغم بداهتها، لكنها لا تنقح تلك الصغرى في مورد الشك في التكليف، سواء في مورد الشبهة الحكميّة أو الموضوعيّة.

نعم، يمكن تنقيح هذه الصغرى فيما إذا رجعنا إلى العقل العملي الذي هو الحاكم بأصل المولوية في تحديد دائرة مولوية المولى الحقيقي في موارد الشك بحكمه، لنرى بأنّ دائرة مولويته، هل تتسع لتشمل التكاليف المشكوكة و المحتملة أو لا؟ فإنّ مولوية مولانا سبحانه هي مولوية حقيقية ذاتية، يرجع في فهم سعتها و ضيقها إلى العقل العملي الذي هو الحاكم بأصلها، إذ ليست سعة دائرة مولوية مولانا سبحانه و ضيقها أمراً برهانياً، و إنّما هي أمر مدرك ببداهة العقل العملي كأصل مولويته سبحانه.

و على هذا الأساس، نرى أنّ العقل العملي يحكم بحق الطاعة لمولانا سبحانه بمجرد احتمال التكليف موافقة و مخالفة، فضلًا عن الشك فيه، لتمامية مقتضي التنجيز لأحكامه من دون فرق بين الشبهات الحكمية أو الموضوعية.

و على ضوء ما تقدّم، تعرف أنّ منشأ توهم قاعدة (قبح العقاب بلا بيان) بمضمونها المعمول به عند بعضهم، هو قياس مولوية مولانا

417

سبحانه على مولويات مجعولة في وجدان البشر، و على امتداد تاريخ البشرية، حيث لا بدّ من الرجوع إلى جاعليها لمعرفة سعتها و ضيقها، و هي مهما اختلفت أمزجة جاعليها تقف عند حدود التكاليف المعلومة فقط، و من هنا، فإنّه طالما مثّل القدماء بمخالفة العبد أو أمر سيّده المولوية المجعولة المعلومة دون المظنونة، أو المشكوكة أو المحتملة، حيث أجروا براءة ذمة العبد في موارد الشك فضلًا عن الاحتمال.

المقام الثاني: هو في بيان ضابط الشبهات الموضوعية التي تجري فيها البراءة

سواء كان الشك في التكليف، أو المكلّف به.

و قد ذكر المحقق النائيني (قده) ( (1))،- في رسالة كتبها في مسألة اللباس المشكوك بغير المأكول-: أنّ الضابط في جريان البراءة أو الاشتغال في الشبهات الموضوعية، هو أنّه إذا كان الشك فيما يستتبع التكليف كان ذلك مجرى للبراءة، لأنّ الشك في المستتبِع يوجب الشك في المستتبَع، و معه يتحقق الشك في أصل التكليف، و إن كان تمام ما يستتبع التكليف معلوماً، و إنّما كان الشك في أمر خارجي لا يستتبع التكليف، بل التكليف يستتبعه، فهو مجرى للاحتياط، إذ يكون الشك حينئذٍ في الامتثال.

و تفصيل هذا الضابط في مجال التطبيق هو أن يقال: إنّ التكليف له ثلاثة أطراف:

الطرف الأول: هو المتعلق،

كما في قوله: (لا تشرب الخمر)،

____________

(1) رسالة في اللباس المشكوك بغير المأكول: للمحقق النائيني (قده)، ضمن كتاب منية الطالب، ج 2، ص 289.

418

فإنّ (لا تشرب) هي متعلق التكليف، أي متعلق النهي عن الشرب، و كما في قوله تعالى: (أَقِيمُوا الصَّلاةَ*)، فإنّ إقامة الصلاة هي متعلق التكليف أيضاً، أي متعلق الأمر بإقامة الصلاة.

الطرف الثاني: هو الموضوع،

أي موضوع التكليف، و هو متعلق المتعلق، و هو ذلك الشي‏ء الخارجي الذي ربط به المتعلّق، من قبيل: الخمر في قوله: (لا تشرب الخمر)، و من قبيل القبلة في قوله: (صلّ إلى القبلة)

الطرف الثالث: هو القيود المأخوذة في نفس التكليف،

مثل الشرائط العامة، (كالبلوغ، و القدرة، و العقل)، و مثل الشرائط الخاصة، (كدخول الوقت، و كالاستطاعة بالنسبة للحج).

و على ضوء هذا التقسيم، فالشك: تارة، يقع في أصل التكليف، بقطع النظر عن أطرافه المتقدمة، فتكون الشبهة حينئذٍ حكمية، و هي ليست موضوع بحثنا.

و تارة أخرى، يفرض وقوع الشك في أحد الأطراف المذكورة، و حينئذٍ، يعقل فرض الشك فيها بنحو الشبهة الموضوعية، إذاً، في هذا الفرض يمكن التكلّم عن ضابط جريان البراءة و الاشتغال.

و لنبدأ بالطرف الثالث، لأنّ ما يقال فيه و في الطرف الثاني يساهم في فهم حقيقة ما قاله الميرزا (قده) فنقول: إنّه إذا كان الشك في الطرف الثالث، أي في تحقق شرائط التكليف العامة أو الخاصة، فحينئذٍ لا إشكال في جريان البراءة فيه، لأنّ الشك فيه يستتبع الشك في أصل التكليف، إذاً، فالشك فيه داخل في الضابط المذكور.

و أمّا إذا فرض كون الشك في الطرف الثاني، أي في موضوع‏

419

التكليف، فحينئذٍ، تارة، يفرض كون هذا الموضوع أمراً جزئياً مفروغاً عن وجوده خارجاً، كالقبلة في قوله: (صلّ إلى القبلة)، فهنا الشك ليس في الموضوع المستتبع للتكليف، لأنّه خلف كونه مفروغاً عن وجوده، و إنّما الشك في الامتثال و تحقيق الواجب.

و تارة أخرى، يفرض كون هذا الموضوع أمراً كلياً لم يفرغ عن وجوده كما كان في الجزئي.

فحينئذٍ، تارة يكون هذا الموضوع مأخوذاً بنحو صرف الوجود، من قبيل قوله: (توضأ بالماء).

و تارة أخرى يكون هذا الموضوع مأخوذاً بنحو مطلق الوجود كما في قوله: (أكرم العالم).

و حينئذٍ، فإن كان مأخوذاً بنحو صرف الوجود، فتارة يكون الشك في أصل وجود الموضوع خارجاً، و هو الماء في المثال، إذاً، يكون الشك في أصل وجود الموضوع المستتبع للتكليف، و حينئذٍ تجري البراءة.

و تارة أخرى يكون أصل وجود الماء معلوماً، و إنّما الشك في فرد آخر منه زائد على الفرد المعلوم، كما لو وجد فرد معلوم من الماء، و لكن شك في فرديّة مائع آخر بأنّه مائع أو لا؟ فعندئذ لا يكون الشك شكاً في التكليف، أي في الموضوع المستتبع للتكليف، لأنّ الموضوع هنا هو صرف الوجود، و هو معلوم متمثل في الفرد الأول منه، و هذا الفرد المعلوم لا يستوجب الفرد الثاني المشكوك في فرديته، إذ لا يجب الوضوء إلّا بماء واحد بنحو صرف الوجود، و إنّما الشك في الفرد الثاني، فيكون شكاً في سعة دائرة الامتثال، أي في‏

420

إمكان تطبيق الواجب على الفرد المشكوك، و حينئذٍ في مثله تجري أصالة الاشتغال دون البراءة، و لا أقل من وجوب الاحتياط.

و أمّا إذا كان الموضوع مأخوذاً بنحو مطلق الوجود، فحينئذٍ يكون الشك في كل فرد منه شكاً في أصل التكليف، لأنّه شك في موضوع مستتبع لتكليف زائد، ذلك لأنّ الحكم في المقام ينحل إلى عدّة قضايا شرطية، شرطها تحقق فرد منه يكون هو الموضوع، و جزاؤها فعلية الحكم على نهج القضية الحقيقية، لأنّه أصبح هناك أحكام عديدة بعد القضايا الشرطية، و كل واحد منها يصبح فعلياً إذا تحقق شرطها، أي وجود موضوعه، و يصبح منجزاً إذا حصل العلم بوجود موضوعه، فإن الشك هنا هو شك في عالمية كل فرد من أفراد العالم في قوله: (أكرم العالم) و هذا شك في تحقق تكليف مستقل يختص كل فرد من أفراده ما لم يتحقق شرط فعليّته، فإنّ فعليته تابعة لوجود موضوعه المشكوك فيه، إذاً، لا محالة من وقوع الشك في التكليف، و معه تجري البراءة.

و أمّا إذا فرض كون الشك في الطرف الأول، أي في المتعلق، فحينئذٍ، تارة يفرض أنّ لهذا المتعلّق متعلقاً، أي إنّه يفرض أنّ التكليف له موضوع، كما لو شك و هو في الموقف المتعارض جغرافياً في أنّ هذه البقعة، هل هي من عرفات، ليكون الوقوف فيها وقوفاً في عرفة أم لا؟

و تارة أخرى، يفرض أنّ هذا المتعلق ليس له متعلق، أي إنّه يفرض عدم الموضوع، و أنّ مصب الحكم إنّما هو ذات فعل الشخص من دون تعلّقه بشي‏ء، من قبيل حرمة الغناء، أو كما لو فرض وجوب ذات التكلم.

421

فإنّ كان المفروض هو الأول، أي إنّ المتعلق له متعلق، ففي هذه الحالة، إذا كانت الشبهة موضوعية، فلا بدّ من التفصيل بين الشبهة الوجوبية، كما في وجوب الوقوف في عرفة، و بين الشبهة التحريمية، كما في حرمة الإفاضة من عرفات قبل الوقت.

و حينئذٍ في هذه الحالة، إن كانت الشبهة وجوبية، فإنّه تجري أصالة الاشتغال، لأنّه يكون من باب الشك في سعة الامتثال و ليس فيما يستتبع التكليف، فإنّ التكليف بوجوب الوقوف في عرفات فعلي معلوم على أيّ حال.

و إن كانت الشبهة تحريمية، إذاً، فتجري البراءة، و ذلك لأنّ الشك هنا إنّما هو شك في انطباق عنوان الإفاضة من عرفات في هذا المورد يستتبع الشك في التكليف، لأنّ هذا الانطباق بنحو مفاد كان الناقصة هو من قيود التكليف بالحرمة و فعليته، ذلك أنّ المولى إنّما يحرم ما يصدق عليه كونه (إفاضة من عرفات)، أو أنّه (شرب خمر أو أنّه كذب)، إذاً، فصدق هذه الشرطية هو من قيود التكليف بالحرمة، و هذا بخلاف التكليف بالوجوب، و ذلك لأنّ مطابقة الفعل الخارجي مع العنوان الذي تعلّق به الأمر يكون في عهدة المكلّف، لأنّه داخل تحت الأمر و الطلب الوجوبي بحسب الفرض.

و أمّا إذا فرض كون الشك في المتعلق الذي ليس له متعلق و طرف، من قبيل حرمة الغناء، أو وجوب التكلّم من دون أن يتعلق بشي‏ء، و في هذا الفرض لا معنى للشك في المتعلق، لأنّ هذا المتعلق، إمّا أن يفرض كونه فعلًا اختيارياً مباشرياً للمكلّف، و إمّا أن يفرض كونه مسبباً توليدياً.

فإن كان الأول، أي فعلًا اختيارياً مباشرياً للمكلّف من قبيل‏

422

وجوب التكلم، إذاً، فلا معنى للشك فيه و لأنّ المكلّف لا يشك في كلامه و هو يصدر منه، أو يشك في كونه متكلماً أو غير متكلم و هو يتكلم، نعم، قد يشك في أنّه تكلّم بعد مرور زمان التكلم، و في هذه الحالة يكون شكه هذا مجرى لقاعدة الفراغ، و هذا خارج عن محل البحث.

و إن كان الثاني، أي كونه مسبباً توليدياً، كما لو شك في أنّه: هل يكفي رصاصة أو رصاصتان في تحقق قتل من وجب قتله شرعاً، فمثل هذا يكون الشك فيه شكاً في المحصل، و حينئذٍ يكون هذا من موارد الشك في الامتثال الذي هو مجرى الاشتغال دون البراءة، لأنّه شك في مورد لا يستتبع تكليفاً.

و بهذا الميزان و الضابط الذي ذكره الميرزا (قده) في جميع هذه الصور المتقدمة، يتضح أنّ الميزان و الضابط عنده، هو أنّه إذا كان الشك و الشبهة الموضوعية فيما يستتبع فعلية التكليف، قيداً كان أو موضوعاً، فهو مجرى للبراءة، دون ما إذا كان يستتبعه التكليف بعد الفراغ عن فعليته، أو كان شكاً في سعة دائرة الامتثال، فإنّه مجرى للاشتغال.

و هذا الكلام غير تام إجمالًا، من خلال ثلاثة تعليقات عليه:

التعليق الأول: هو أنّ ما ذكره (قده) في تطبيق هذا الضابط على متعلق الحكم، من أنّه لا يتصور الشك فيه إذا لم يكن له متعلق، لأنّ المكلّف لا يشك في فعله عند صدوره منه، فهذا التطبيق على هذا المورد غير تام، فإنّه من الممكن تعقل الشك من قبل هذا المكلف في فعله حين صدوره منه، من قبيل ما إذا كلّف برسم دائرتين متساويتين، أو كتابة جملتين متساويتين، فهنا يعقل أن يشك المكلّف‏

423

حين فعله في أنّ هاتين الدائرتين أو الجملتين متساويتان أو غير متساويتين، و معه: يحسن الكلام في أنّ مثل هذا المتعلّق الذي ليس له متعلّق، هل هو مجرى للبراءة أو الاشتغال مثلًا؟ و لعلّك قد عرفت من كلام الميرزا (قده) السابق تصوير الشك في المتعلق الذي ليس له متعلق، و أنّ البراءة تجري في مثله أو لا تجري.

التعليق الثاني: هو أنّ ما ذكره (قده) من كون البراءة مختصة بما إذا كان موضوع الحكم المشكوك خارجاً انحلالياً.

و هذا غير تام أيضاً، و ذلك لأنّه إذا كان التكليف واحداً، و له موضوع واحد هو المجموع بنحو الشمولية، كما إذا علم بوجوب إكرام كل العلماء بنحو المجموعية الشمولية، و لكن شك في أنّ زيداً هل هو عالم أم لا؟ فإنّه حينئذٍ تجري البراءة فيه، لأنّ الشك هنا إنّما هو شك في سعة دائرة التحريك المولوي الذي لا يستتبع الشك في تكليف استقلالي، و إنّما هو شك في تكليف ضمني، و على أيّ حال، فهذا من موارد دوران الأمر بين الأقل و الأكثر الارتباطيين بنحو الشبهة الموضوعية.

و الحاصل: هو أنّ الضابط في جريان البراءة و عدمه، إنّما هو في كون الحكم بنحو البدلية، أو الشمولية، من دون فرق بين كون الشك شكاً في المتعلّق، أو شكاً في الموضوع، أو شكاً في القيود، فإن كان الحكم بنحو الشمولية و حصل الشك كان المرجع هو البراءة، و إن كان بنحو البدلية و حصل الشك كان المرجع هو الاشتغال، و هذا بلا فرق بين باب الأوامر و باب النواهي، و بلا فرق بين كون ذلك الحكم الشمولي انحلالياً أو كونه حكماً واحداً، و ذلك لأنّ الحكم إذا كان بنحو البدلية فالشك ليس في سعة دائرة التحريك‏

424

المولوي و ضيقها حتى تجري البراءة، و إنما يكون المرجع هو الاشتغال، و أمّا إذا كان الحكم شمولياً و حصل الشك، فهو إنّما يحصل في سعة دائرة التحريك المولوي و ضيقها، و حينئذٍ تجري البراءة عن غير المقدار المتيقن، بل البراءة العقلية بناء على القول بها.

و هذا أيضاً بلا فرق بين كون الحكم انحلالياً أو غير انحلالي، إذ يكون الشك حينئذٍ في تكليف آخر غير التكليف المعلوم لديه، و هذا معناه: أنّه و إن لم يكن شكّه شكاً في التكليف، إلّا أنّه شكّ في سعة دائرة التحريك المولوي و ضيقها، فكأنّه هو بلقيسي، إذاً، فتجري البراءة عن غير الفرد المتيقن.

التعليق الثالث: هو أنّ ما ذكره (قده) من أنّ جريان البراءة في الشبهة الموضوعية مختص بما إذا كان الشك شكاً في قيود الحكم، أو شكاً في تحقق موضوع الحكم، الذي هو متعلّق المتعلّق المأخوذ قيداً في التكليف بحسب الحقيقة.

و هذا الكلام غير تام، لأنّه ليس من الضروري دائماً أن يكون متعلق المتعلّق قيداً في التكليف، سواء كان الشك في الشبهة الوجوبية أو التحريمية.

نعم، قد يفرض ذلك فيما إذا كان الشك في أمر غير اختياري، كما في أخذ القبلة قيداً في التكليف، و لكن إذا كان المأخوذ قيداً أمراً تحت اختيار المكلّف، فإنّه حينئذٍ لا ضرورة لأخذه قيداً في التكليف، و هو رغم أخذه قيداً فيه، فإنّه تجري فيه البراءة عند الشك فيه، و هذا من قبيل: ما إذا شك في خمرية شي‏ء رغم كونه عالماً بحرمة شرب الخمر، فإنّه هنا تجري البراءة عن خمرية المشكوك، سواء جعلت حرمة شرب الخمر على تقدير وجود الخمر خارجاً، فكانت الحرمة

425

غير فعلية قبل وجوده خارجاً، أو جعلت حرمة الخمر غير مقيدة بوجود الخمر بالفعل خارجاً، حيث تكون حرمته ثابتة قبل وجوده، من قبيل: أن يكون إيجاد الخمر و شربه محرّماً من أول الأمر قبل تحقق وجوده، و تكون ثمرة ذلك حينئذٍ هو الردع مولوياً عن إيجاد الخمر مطلقاً، سواء علم المكلّف بأنّه إذا أوجده قد يضطر إلى شربه، أو لم يعلم، فإنّه على أيّ حال، تجري البراءة عن الحرمة في المقام حتى لو كانت خمرية المائع المشكوك ثابتة من أول الأمر و قبل تحقق وجوده.

و الخلاصة: هي أنّه يتضح بما ذكرناه في التعليقين: الثاني و الثالث السابقين، أنّ الضابط الفني لجريان البراءة و عدمه في الشبهات الموضوعية، هو أحد أمرين: إمّا الشمولية، و إمّا البدلية.

نعم، ما ذكره الميرزا (قده) من أنّ الضابط هو كون الشك شكاً، فيما يستتبع التكليف و عدمه قد يصح ضابطاً لجريان البراءة في الشبهات الموضوعية إذا أرجعناه إلى مختارنا، و يكون ذلك بإدخال تعديلين عليه:

التعديل الأول: هو أن يكون المراد ممّا يستتبع التكليف هو ما يعم استتباعه لسعة دائرة التكليف، أي ما يستتبع محركية مولوية زائدة، سواء كانت بشكل تكليف استقلالي، أو ضمني، و ليس خصوص ما يستتبع التكليف المستقل، و بذلك يشمل موارد كون التكليف شمولياً غير انحلالي.

التعديل الثاني: هو أن يكون المراد مما يستتبع التكليف، هو انطباق العنوان على مائع ما أنّه خمر، فتكون فعلية الحكم مقيدة و مشروطة بكون المائع خمراً، سواء وجد الخمر خارجاً أو لا. و هكذا الحال في جميع موارد الشك في المتعلق، و كذلك الحال‏

426

بالنسبة للموضوع، و إن فرضت فعلية الحكم فيه قبل وجوده، فإنّه لو لا انطباق عنوان الخمر على ما سوف يصنعه لم يكن حراماً، كي ينزجر عن صنعه و إيجاده و خزنه.

و هكذا الحال في جميع موارد الشك في المتعلق، فمثلًا: (حرمة الكذب) مفادها حرمة كلام يكون كذباً بنحو مفاد كان الناقصة، إذاً، فالشك في كونه كذباً هو شك في قيد من قيود التكليف الفعلي، إذاً، فاتصاف المائع بكونه خمراً، أو الكلام بكونه كذباً شرط لفعلية تلك الحرمة، لأنّ النهي عن شرب الخمر أو الكذب مرجعه إلى قضية شرطية، مفادها أنّه كلّما كان مائع خمراً، فلا تشربه، أو كان كذباً، فلا تقله، إذاً، ففعلية حرمته مقيدة بكون المائع خمراً، أو الكلام كذباً، سواء وجد الخمر أو الكلام خارجاً أو لا، إذاً، فالشك في كونه خمراً، أو كونه كذباً، إنّما هو شك في قيد من قيود التكليف الفعلي، و حينئذٍ بهذا التعديل يتم الميزان الذي ذكره الميرزا (قده).

كما أنّه ظهر بذلك أنّ هذا لا يختص بباب النواهي و الشبهات التحريمية، بل هو يجري في الشبهات الوجوبية أيضاً، فيما إذا كان الشك في سعة الحكم من ناحية الشك في متعلقه بنحو الشبهة الموضوعية، و هذا خلاف ما ذكره الميرزا (قده) في كلامه السابق، و إنّما لا تجري البراءة في مثل كون الشك في أنّ هذا المكان هل هو من عرفات أم لا؟ لأنّ التكليف بوجوب الوقوف في عرفات ليس شمولياً، أي إنّ كون هذا المكان من عرفات لا يستتبع سعة في الحكم، إذ لا يجب الوقوف في كل بقعة من عرفات.

و الحاصل: هو أنّ الضابط لجريان البراءة في الشبهة الموضوعية، هو أن يكون الشك شكاً فيما يستتبع الحكم الفعلي الذي‏

427

هو أمر وهمي تصوري لا تصديقي، و لكن ما يستتبعه ليس خصوص ما أخذ قيداً أو شرطاً في لسان جعل التكليف، و لا ما جعل موضوعاً له، و إنّما ما يستتبعه هو، ما يتوقف عليه فعلية ذلك التكليف خارجاً.

نعم، اتصاف الفعل بكونه مصداقاً لمتعلق التكليف، إنّما هو قيد عقلي لفعلية التكليف و تحققه خارجاً، إذاً، فالميزان هو الشك في قيود الفعلية.

إذاً، كلّما كان التكليف شمولياً صح الضابط الذي ذكره الميرزا (قده)، فإنّ فعلية ذلك الحكم في مورده منوطة عقلًا بانطباق عنوان المتعلّق عليه، و لو كان بنحو القضية الشرطية، و إلّا لم يكن مشمولًا للحكم، و هذا بخلاف ضابط ما إذا كان الحكم بدلياً، إذاً، فالضابطان متلازمان.

ثمّ إنّ المحقق الأصفهاني (قده) بعد أن فهم من كلام المحقق النائيني (قده)، أنّه يشترط في جريان البراءة عند الشك في فرد من أفراد الموضوع، أن يكون الموضوع المشكوك مأخوذاً في الحكم، بنحو مطلق الوجود على نهج القضية الحقيقية.

حينئذٍ اعترض على الميرزا (قده) ( (1))، بأنّه لا موجب لاشتراط كون القضية حقيقية، بل إنّ البراءة تجري حتى لو كانت القضية خارجية، فلو قال: (أكرم كل من في العسكر)، على نهج القضية الخارجية، و لكن شك في وجود زيد، هل إنّه في العسكر أو لا؟ فحينئذٍ يكون هذا حكماً انحلالياً تجري فيه البراءة من الحكم بوجوب إكرام زيد.

____________

(1) نهاية الدراية: الأصفهاني، ج 2، ص 231.

428

و التحقيق: هو أنّه إن كان المقصود بكون القضية خارجية، أنّ عنوان (من في العسكر) مجرد عنوان مشير إلى واقع الأفراد الخارجية، و أنّ الواجب في الحقيقة، إنّما هو إكرام الأشخاص المعنيين حتّى لو لم يتواجدوا في العسكر، و لو أنّهم تواجدوا صدفة فيه، فالشك حينئذٍ في وجوب إكرام زيد و عدمه يكون شبهة حكمية، لا موضوعية، و معه: تكون خارجة عن محل البحث.

و إن كان المقصود بأنّ عنوان (من في العسكر) كان موضوعاً للحكم، إلّا أنّ الحكم لا يشمل الأفراد المقدرة الوجود، و إنّما يشمل الأفراد الموجودة بالفعل فقط، لأنّ عنوان (من في العسكر) ليس هو تمام الموضوع، بل فعلية وجودهم خصوصية أخرى مكمّلة لموضوع الحكم الذي هو عنوان (من في العسكر)، و هذا يعني حينئذٍ: أنّ هذه الحيثية شرط في الحكم بوجوب الإكرام، و معه تكون القضية بقوّة القضية الشرطية و إن كانت صياغتها ظاهراً تشبه صياغة القضايا الحملية-، و هذه القضية الشرطية شرطها عنوان (من في العسكر) بالنسبة للأشخاص الموجودين فعلًا، و جزاؤها هو الحكم، و المفروض أنّ الشرط مفروض التحقق، و القضية الشرطية لا تخرج عن كونها شرطية بسبب تحقق شرطها خارجاً.

و مراد المحقق النائيني (قده) كما هو ظاهر كلامه المتقدم، هو أنّ العبرة في جريان البراءة هي بأن تكون القضية شرطية، و فعليتها تتبع فعلية شرطها على نهج القضايا الحقيقية، و ليس المراد من كلام الميرزا (قده) أنّ العبرة في جريان البراءة هي أن تكون القضية المجعولة حقيقية، و من الواضح الفرق بين المرادين، و إن كان الميرزا (قده) يرى أنّ الأحكام الشرعية خارجاً كلها من باب القضايا الحقيقية.

429

و الخلاصة: هي أنّ الضابط في جريان البراءة في الشبهات الموضوعية، هو أن يكون الحكم شمولياً أو بدلياً.

و بعد بيان الضابط في جريان البراءة في الشبهات الموضوعية، نأتي إلى تطبيقه على موارد الحكم الوجوبي، و الحكم التحريمي، ذلك أنّ كلًا من الفعل و الترك يقع متعلقاً لكل من الحكمين، و من هنا يقع الكلام في مقامين:

أ- المقام الأول: هو في فرض كون الفعل أو الطبيعة متعلقاً للحكم إيجاباً أو تحريماً،

و لأنّ الطبيعة يمكن لحاظها بأنحاء عديدة، إذاً، نذكر هذه الأنحاء تباعاً.

النحو الأول: هو أن تجعل ذات طبيعة الفعل متعلقاً للحكم بلا أي مئونة زائدة عليها،

و هي المعبّر عنها بالطبيعة الصرفة، أو صرف الوجود، و هنا ذكروا أنّ الأمر يقتضي الإتيان بفرد واحد و النهي يقتضي ترك جميع أفراد الطبيعة متعلّق النهي، ذلك لأنّ الطبيعة توجد بإيجاد فرد واحد منها، و لكن لا تنعدم إلّا بانعدام كل أفرادها، فلا يكفي ترك فرد واحد منها، بل يبقى النهي متعلقاً ببقية أفرادها، و هذا معناه: أنّ الحكم إذا كان إيجاباً فيكون بدلياً، و حينئذٍ لا تجري البراءة عند الشك في انطباقه خارجاً، بينما إذا كان الحكم نهياً، كان شمولياً، و حينئذٍ تجري البراءة عن الفرد المشكوك في انطباقه خارجاً.

و لعلّك تلتفت إلى ما ذكرناه في مباحث الألفاظ في باب الأمر و النهي، حيث ذكرنا هناك، أنّ هذه الشمولية في النهي لها معنيان وقع الخلط بينهما في كلماتهم، و ها نحن نشير إليهما باختصار:

المعنى الأول: هو أن شمولية النهي في عالم الجعل، يعني: انحلال النهي إلى نواه و أحكام بعدد أفراده،

حيث يكون لكل فرد منه‏

430

امتثال و عصيان مستقل، بخلاف الأمر، فإنّه لا يدلّ إلّا على وجوب واحد متعلق بصرف وجود الطبيعة، و يسقط بإتيان أول فرد من أفراد وجود الطبيعة الصرفة، و هذا الفرق بينهما إنّما هو في عالم الجعل.

المعنى الثاني للشمولية: هو شمولية النهي في عالم الامتثال،

بمعنى: أنّه لو فرض أن النهي يدلّ على حرمة واحدة للطبيعة الصرفة، حينئذ تسقط كالأمر بإتيانها، و حينئذٍ لا يحرم الفرد الثاني منها فيما لو عصى و ارتكب الفرد الأوّل منها، و لكن رغم ذلك، يكون الفرق بينهما في كيفية الامتثال، فإنّ الأمر هنا بدلي، فامتثاله يقتضي الإتيان بفرد واحد منه، بينما النهي هنا شمولي، فامتثاله يقتضي ترك تمام أفراده، و حينئذٍ تكون مقولة: (إنّ الطبيعة توجد بإيجاد فرد واحد منها، و لا تنعدم إلّا بانعدام تمام أفرادها)، تكون هذه المقولة، هي نكتة الفرق بين معنيي الشمول في النهي، بمعنى: أنّ نكتة الفرق الأول تكون إثباتيّة، لكون النهي غالباً ما ينشأ عن المفسدة، و معه تكون انحلاليّة تنسحب على تمام الأفراد العرضيّة و الطولية، و على أساسها نخرج عمّا هو مقتضى القاعدة في متعلقات الأحكام، حيث يكون المطلوب هو الطبيعة الصرفة، و يكون الحكم فيها بدلياً دائماً خلافاً للموضوعات.

بينما تكون نكتة الفرق الثاني بين الأمر و النهي ثبوتيّة ناشئة من كون الطبيعة توجد بإيجاد فرد واحد منها، بينما لا تنعدم عند طلب تركها إلّا بانعدام تمام أفرادها، و بهذا يكون مرتبطاً بالفرق الأول، كما تقدم شرح هاتين النكتتين في بحث المرّة و التكرار و النواهي من بحوث الألفاظ.

و من الواضح في المقام، أنّه سواء كان النهي شمولياً بالمعنى‏

431

الثاني، أو انحلالياً، و قد حصل الشك في فرد من أفراد النهي عنه، فإنّه تجري البراءة حينئذ، بلحاظ كل من معنيي الشموليّة، لأنّ الشك هنا في الشبهة التحريميّة يكون شكاً في سعة دائرة المحركيّة المولويّة، باعتبار شموليّة النهي في كلا المعنيين، و هذا هو سرّ الفرق بين الشبهتين: الوجوبيّة و التحريميّة.

بينما لو كان الشك في الشبهة الوجوبية شكاً في فرد من أفراد متعلق الأمر، فإنّه يكون مجرى للاشتغال، لأنّ الحكم بدلي و الشك في عالم الامتثال.

النحو الثاني من أنحاء تعلق الحكم بالطبيعة: هو أن يتعلق بها على نحو مطلق الوجود،

فيكون متعلق الحكم المجعول هو تمام الأفراد بنحو العموم الاستغراقي، كما هو مقتضى القاعدة في متعلق المتعلق، حيث يكون الإطلاق غير انحلالي، و في الموضوعات يكون انحلالياً، و معنى هذا: أنّه ينحل الحكم إيجاباً و تحريماً بعدد المصاديق في كل من الأمر و النهي، فتجري البراءة عن الفرد المشكوك في كل منهما.

النحو الثالث من أنحاء تعلق الحكم بالطبيعة: هو أن يتعلق الحكم بالوجود الأول من الطبيعة،

و حينئذٍ يكون الأمر و الوجوب بدلياً كالنحو الأول، و يكون النهي شمولياً بلحاظ تمام الأفراد العرضيّة من الوجود الأول للطبيعة، لأنّ ترك الوجود الأول من الطبيعة لا يتحقق إلّا بترك جميع أفرادها العرضية، و معه: تجري البراءة في الفرد الخارجي العرضي المشكوك في الشبهة التحريميّة، لأنّ الشك هنا في سعة دائرة اقتضاء التكليف المولوي و ضيقها، و هذا بخلاف الشبهة الوجوبية، فإنّ البراءة في جانب الأمر لا تجري، ذلك لأنّ التكليف بحدوده معلوم، بمعنى: أنّه لا شكّ في سعة دائرة التكليف و ضيقه، و إنّما يتمحض‏

432

الشك في الامتثال، و حينئذٍ نطبق على هذا ما قلناه سابقاً: في ضابط البراءة و الاشتغال في الشبهات الموضوعية، حيث قلنا هناك: إنّ الحكم إذا كان بدلياً جرت أصالة الاشتغال في الفرد المشكوك منه، و إذا كان الحكم شمولياً جرت أصالة البراءة في الفرد المشكوك منه.

النحو الرابع من أنحاء تعلق الحكم بالطبيعة: هو مجموع أفراد الطبيعة بنحو العموم المجموعي،

و حينئذٍ يكون هناك حكم واحد في جانبي الأمر و النهي، و معه: فلا ينحل الأمر و لا النهي إلى أحكام عديدة فلا كلا الجانبين. و معه: إذا شك في فرد منها فإنه تجري البراءة فيه في الشبهة الوجوبية، أي في جانب الأمر كما عرفت سابقاً، لأنّه من الشك بين الأقل و الأكثر الارتباطيين.

بينما في الشبهة التحريمية، يجوز ارتكاب الفرد الأخير من الطبيعة، لأنّ معنى النهي عنها، يعني: النهي عن مجموع أفرادها المقطوع و المشكوك، أي حرمة المجموع بما هو مجموع. فلو أنّه شك في مصداقية هذا الفرد الأخير لها، فيجوز له فعل ما عداه المتيقن مصداقيته للطبيعة، لأنّ المحرم إنّما هو إتيان مجموع الأفراد، و هذا من الشك بين الأقل و الأكثر الارتباطيين في المحرمات، إذ إنّ حرمة الأكثر متيقنة، و إنّما الشك في حرمة الأقل، فيكون ارتكاب العشرة هنا بحدّها حراماً، و داخل في عهدة المكلّف، و إنّما صار الشك في لزوم ترك التسعة فتجري البراءة فيها، و هذا بخلاف الأقل و الأكثر في الواجبات، حيث إنّ تعلّق التكليف بالأقل متيقن فيها، و إنّما الشك في الأكثر فتجري البراءة فيه، و سوف يأتي مزيد توضيح لذلك، إن شاء الله في بحث الأقل و الأكثر الارتباطيين.

النحو الخامس من أنحاء تعلق الحكم بالطبيعة: هو أن يكون متعلّق الحكم شيئاً آخر،

433

لكن يتحصل إمّا من مجموع أفراد الطبيعة بنحو مطلق الوجود، و إمّا من أحد أفرادها بنحو: صرف الوجود و في مثله حينئذٍ لا تجري البراءة في كلتا الشبهتين: الوجوبية و التحريمية، لأنّ الشك إنّما هو شك في المحص مع معلومية أصل التكليف، و لذلك يكون من الواضح صدق هذا الكلام في الشبهة الوجوبية.

و أمّا في الشبهة التحريمية عند الشك في المحصل، فإنّه لا تجري البراءة، بل لا بدّ من الاحتياط، و ذلك لأنّ الشك ليس في حرمة الموجود بهذا العمل كي تجري البراءة، و إنّما الشك هنا شك في وجود الحرام المعلوم بهذا العمل، و هذا عبارة أخرى عن عدم الامتثال القطعي للحرمة المعلومة، و معه: لا تجري البراءة، بل يكون مما استقل العقل بقبحه.

نعم، إذا فرض أنّ متعلق التكليف، أي الشي‏ء المتحصل، أمر اعتباري منطبق على نفس الأفراد فإنّه حينئذٍ يرجع إلى حكم تعلّق الحكم بتلك الأفراد، فتجري فيه البراءة فيما إذا لم يكن وجوباً متعلقاً بصرف الوجود كما عرفت ذلك في الأقسام السابقة، و إلّا فلا مجال للبراءة فيه، لأنّ الشك في المحصل مع معلومية أصل التكليف، فالمتعين هو الاشتغال، و لا أقل من وجوب الاحتياط.

التنبيه الخامس من تنبيهات البراءة: هو في جريان البراءة في المستحبات،

أي في التكاليف غير الإلزامية.

و مما لا إشكال فيه هو عدم جريان البراءة العقلية حتى على القول: بصحتها في نفسها، لأنّها إنّما تنفي العقاب في مورد ثبوت‏

434

العقاب في الشبهات، و المفروض أنّه لا عقاب في ترك المستحب، إذاً، فهي أشبه بالسالبة بانتفاء الموضوع.

و أمّا البراءة الشرعية، فقد ذكر السيد الخوئي ( (1)) مستنداً إلى حديث الرفع، أنّ البراءة بناء عليه لا تجري عند الشك في أصل الاستحباب الاستقلالي، لأنّ معنى جريان البراءة فيه: هو نفي الاستحباب ظاهراً، و هو ملازم لنفي استحباب الاحتياط ظاهراً كذلك، كما أنّ معنى جريان البراءة في الواجبات: هو نفي وجوب الاحتياط بالنسبة للواجبات، و من المعلوم أنّه لا يمكن نفي استحباب الاحتياط بالبراءة، إذ إنّ جعل استحباب الاحتياط ثابت و مسلّم به عند الفريقين بلا إشكال، نعم، تجري البراءة عند الشك في الاستحباب الضمني، أي عند الشك في شرطية أو جزئية شي‏ء للمستحب المركب، و حينئذٍ، يكون جريان البراءة عنه استطراقاً إلى جواز الإتيان بالباقي، بقصد الأمر بالعمل المطلق، و لا يلزم التشريع من ذلك حينئذٍ.

أو قل: تجري البراءة عن هذا الجزء لأنّ وجوبه شرطي، كما تجري البراءة عن الشرط نفسه لكونه وجوبه كذلك، فإنّ هذا المقدار من الوجوب يصح رفعه، دون أن تجري بالنسبة للوجوب التكليفي، و كلام السيد الخوئي (قده) في كلا شقيه غير تام.

أمّا الشق الأول من كلامه (قده)، و الذي مفاده:

منع جريان البراءة عن الاستحباب الاستقلالي لكون استحباب الاحتياط فيه أمراً جزمياً لا ينفى بالبراءة دون الضمني كالجزئية و الشرطية.

____________

(1) دراسات في علم الأصول: الهاشمي الشاهرودي، ج 3، ص 246 245. مصباح الأصول، ج 2، ص 271 270.

435

فإنّه يرد عليه أولًا: أنّه لا مانع يمنع من جريان البراءة عنه، و بذلك ينفى عنه استحباب الاحتياط.

و يرد عليه ثانياً: أنّنا لا نسلم كون استحباب الاحتياط أمراً جزمياً لا يمكن نفيه بالبراءة، و ذلك لأنّ الوجه في جزمية استحبابه هو أحد أمرين:

الأمر الأول: هو أن تكون جزمية استحبابه مستندة إلى أخبار الاحتياط و أخبار (من بلغه)، المفيدة لاستحبابه الشرعي الواقعي بناء على استفادته منها، كما في أخبار التثليث، من قبيل: (حلال بيّن و حرام بيّن، و شبهات بين ذلك، فمن ترك الشبهات نجا من المحرمات، و من ارتكب الشبهات وقع في المحرمات)، و من الواضح عدم شمولها للمستحبات إلّا أن يستفاد شمولها مما نقله الشيخ الأنصاري (قده) من أخبار مرسلة من قبيل: (ليس بناكب عن الصراط من سلك طريق الاحتياط)، أو: (أخوك دينك، فاحتط لدينك)، فإنّها ساقطة سنداً، و كذلك أخبار (من بلغه)، فإنّ مفادها احتمالًا عندنا، و جزماً عند السيد الخوئي (قده)، هو الاستحباب النفسي للعنوان الثانوي الذي هو البلوغ، بينما عندنا تفيد الاستحباب الطريقي، من قبيل: استحباب الاحتياط، و من الواضح أنّه لا منافاة بين الاستحباب النفسي لعنوان البلوغ، و بين عدم استحباب الاحتياط.

الأمر الثاني: هو أن تكون جزمية استحبابه مستندة إلى أخبار (من بلغه) في حسن الاحتياط عقلًا، أو استحبابه الواقعي شرعاً، و معه تكون كلتا هاتين الدلالتين أجنبية عن مدلول البراءة الشرعية، و حديث الرفع أيضاً كما عرفت سابقاً، و ذلك لأنّ البراءة الشرعية تعني نفي الاستحباب الشرعي الظاهري الطريقي، بملاك ترجيح غرض‏

436

الإباحة الواقعية على الاستحباب، أو الإلزام الواقعيين في مقام الحفظ، و لذا قلنا: إنّه لا ربط لذلك بالحسن العقلي أو الاستحباب النفسي كما تقدم ذلك في أخبار من بلغه، وعليه يتضح أنّه لا مانع من نفي الاستحباب الواقعي المشكوك ظاهراً كحكم طريقي، و إن كان لا يمكن استفادة ذلك من أدلّة البراءة الشرعية، لأنّها ناظرة إلى نفي الكلفة و الإلزام، و لأنّها بسياق الامتنان، فتكون خاصة بالتكاليف الإلزاميّة المشتبهة.

و أمّا الشق الثاني من كلام السيد الخوئي (قده)

فيرد عليه: أنّه بعد تسليم عدم جريان البراءة عند الشك في الاستحباب الاستقلالي، حينئذ، لا بدّ من القول: بعدم جريانها أيضاً عند الشك في الاستحباب الضمني.

و كلام السيد الخوئي (قده) في هذا الشق، هو أحد أمرين أيضاً:

الأمر الأول: هو أنّ المراد من إجراء البراءة، إنّما هو للاستطراق إلى إثبات جواز الإتيان بالباقي بقصد الأمر،

و ذلك بواسطة إثبات الإطلاق بالبراءة عن القيد.

و جوابه: هو أنّه إن كان هذا هو المراد، فستعرف في بحث الأقل و الأكثر إن شاء الله، أنّ البراءة عن القيد لا تثبت الإطلاق في الباقي، إلّا إذا قلنا: بالأصل المثبت الذي لم يختلف أحد في عدم حجيته.

و إن كان المراد في هذا الشق، هو إثبات جواز الإتيان بالباقي، بواسطة إجراء البراءة ابتداء عن نفس احتمال حرمة الإتيان الناشئ من احتمال عدم الأمر و حينئذٍ لا يلزم حرمة التشريع من الإتيان بالباقي.

437

فجوابه: أنّ الشك في الأمر يكفي في الجزم بالحرمة، و لا تنفع البراءة في نفيها، وعليه: يكون إسناد الشي‏ء إلى المولى مع الشك فيه فرداً من التشريع المحرّم.

الأمر الثاني: هو أنّ المراد من إجراء البراءة إنّما هو إجراؤها عن الوجوب الشرطي.

و جوابه: هو أنّه إن كان المقصود بذلك نفي الوجوب، بدعوى إثبات الإطلاق فقد تقدم، أنّ إثبات الإطلاق بواسطة البراءة عن القيد، إنّما هو من الأصل المثبت، لأنّ البراءة عن القيد لا تثبت الإطلاق إلّا بالأصل المثبت و هو ليس ذا حجيّة.

و إن كان المقصود بذلك إجراء البراءة ابتداءً عن الوجوب الشرطي بنفسه.

فجوابه: إنّ الوجوب الوضعي الشرطي ليس تكليفاً ناشئاً عن بعث أو زجر، حتّى تجري البراءة عنه عند الشك فيه، و إنّما هو انتزاع عقلي تتوقف صحّة العمل الاستحبابي على الإتيان بجزئه أو شرط المشكوك، لأنّه ليس تكليفاً إلزامياً، و لا مستتبعاً لتكليف إلزامي منشؤه البعث أو الزجر، كي تجري البراءة عنه بحسب فرض المطلب.

438

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

439

أصالة التخيير دوران الأمر بين المحذورين‏

مورد أصالة التخيير

التخيير في الواقعة غير المتكررة

1- في التوصليات‏

2- في التعبديات‏

التخيير في الواقعة المتكررة

440

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

441

أصالة التخيير

و بحثنا هنا في حكم موارد دوران الحكم بين محذوري الوجوب و الحرمة، بعد أن علمنا إجمالًا بوجوب أحدهما أو حرمته، و حينئذٍ: فإمّا أن يكونا توصليين معاً، أو أنّ أحدهما تعبدي، و على أيّ حال، فالواقعة المشتبهة، إمّا أن تكون واقعة شخصيّة غير متكررة، و إمّا أن تكون واقعة متكررة، إذاً، فالكلام يقع في مقامات.

المقام الأول: هو فيما إذا كانت الواقعة المشتبهة غير متكررة، مع فرض كون الطرفين توصليين،

من قبيل: ما لو علم بأنّه نذر نذراً لكن اشتبه عليه الحال، فهو مشتبه بين كون النذر على فعل الشي‏ء أو تركه.

و هنا: اختلفت كلمات الأصحاب بين قائل بجريان البراءة العقليّة، أو الشرعيّة، و بين قائل بالتفصيل بين هذه الاختيارات على مسالك و أقوال مختلفة فيما بينهم.

و التحقيق هو أن يقال: إنّنا نعلم في المقام علماً إجمالياً بتكليف إلزامي، و لكن ندور بين احتمالي الوجوب، أو الحرمة.

و من الواضح أنّ العلم الإجمالي بالتكليف الإلزامي و إن كانت بيانيته على ثبوت أصل التكليف تامة، لأنّ بيانية العلم و كاشفيته ذاتيّة، إلّا أنّه قام البرهان على استحالة تأثير هذا العلم في تنجيز الفعل أو الترك، و إدخال‏

442

أحدهما في دائرة حقّ الطاعة و المولويّة، لأنّه هنا: كما أنّه قاصر عن اقتضاء وجوب الموافقة القطعيّة، فهو قاصر أيضاً عن اقتضاء حرمة المخالفة القطعيّة، و هو كذلك قاصر عن اقتضاء وجوب الموافقة الاحتماليّة بتنجيز أحد الطرفين المعيّن، إذ كل من وجوب الموافقة القطعيّة، و حرمة المخالفة معاً مستحيل، إذ يستحيل أن يتنجز على المكلف فعل الشي‏ء و تركه معاً.

و أمّا قصوره عن اقتضاء وجوب الموافقة الاحتماليّة، فلأنّه ترجيح بلا مرجح، إذ نسبة العلم إلى كل من الطرفين على حدّ سواء، إذاً فتأثيره في تنجيز أحدهما المعيّن دون الآخر ترجيح بلا مرجح، و بهذا، يتضح أنّ هذا البرهان على الاستحالة مركب من حكمين عقليين:

الحكم العقلي الأول: هو استحالة تنجيز شي‏ء، و ثبوت حقّ الطاعة فيه للمولى إذا كان خارجاً عن قدرة المكلف، و هذا يبطل وجوب الموافقة القطعيّة، و حرمة المخالفة القطعيّة أيضاً.

الحكم العقلي الثاني: هو استحالة الترجيح بلا مرجح، و هذا يبطل تنجيز أحدهما دون الآخر.

و الحاصل: هو أنّ البرهان قائم على عدم اقتضاء العلم الإجمالي، في موارد الدوران بين محذورين، لتنجيز أحد أطرافه دون الآخر.

و لكن عند ما كان لا بدّ من تحديد جنس الإلزام أو عدمه، إذ يستحيل خلو الواقعة من حكم، و حيث إنّ العلم الإجمالي بيان تام على ثبوت التكليف، و حيث إنّه تعلق بهذه الوقائع مجتمعة، و حيث إنّه قام البرهان على تأثير هذا العلم في تنجيز الفعل أو الترك بحسب الفرض كما عرفت، إذاً، كان لا بدّ من لحاظ كل واحد من الاحتمالين.

443

و حينئذٍ: فتارة يلحظ اقتضاء كل منهما للمنجزية بما هو طرف من العلم الإجمالي، و يستمد منجزيته من تنجيز هذا العلم، و أخرى يلحظ اقتضاؤه للمنجزية في نفسه و بما هو هو.

فإن لوحظ اقتضاؤه بما هو طرف للعلم الإجمالي، فقد عرفت سابقاً أنّ العلم الإجمالي هنا يستحيل اقتضاؤه للتنجيز، إذاً، فلا يمكنه أن يزود هذا الاحتمال بالتنجيز في المقام، فإنّ فاقد الشي‏ء لا يعطيه.

و إن لوحظ اقتضاء هذا الاحتمال بما هو مستقل و في نفسه، حينئذ، إن نحن أنكرنا البراءة العقليّة، و قلنا بمنجزية الاحتمال كما هو المختار، إذاً، فكل واحد من الاحتمالين لو خلي و نفسه يكون مقتضياً لتنجيز متعلقه من الفعل و الترك، دون أن يلزم الترجيح، لأنّ كل احتمال ينجز متعلقه، و هذا معقول في المقام بالنسبة إلى كل من احتمال الوجوب، و احتمال الحرمة في نفسيهما.

و لكن هنا حينئذ، يقع التزاحم بين المقتضيين للتنجيز في مقام التأثير و الاقتضاء، لأنّ تأثيرهما و تنجيزهما معاً مستحيل كما عرفت، و تنجيز أحدهما دون الآخر ترجيح بلا مرجح، إذاً، فلا يتنجز شي‏ء منهما و هذا هو معنى التخيير عقلًا.

هذا كلّه فيما لو قلنا: بمسلك حقّ الطاعة، و أنكرنا مبدأ البراءة العقليّة.

و أمّا بناء على القول: بالبراءة العقليّة، فحينئذ لا إشكال في جريانها و الترخيص بملاك التخيير، لا بملاك عدم الإتيان كما أفاد بعضهم.

و قد أفاد المحقق العراقي (قده) عدم جريانها في المقام- لا بملاك عدم البيان، و إنّما بملاك آخر-، و ذلك بتوضيح: أنّ العلم الإجمالي و إن لم يكن منجزاً للفعل أو الترك كما تقدم، حيث يعني‏

444

حينئذ ترخيص العقل في إقدام المكلف على أيّهما شاء، إلّا أنّ هذا الترخيص ليس بملاك عدم البيان الذي هو البراءة العقليّة، و إنّما هو ترخيص بملاك (الاضطرار) و عدم إمكان إدانة العاجز عقلًا عن تحصيل الموافقة القطعيّة، لأنّه إن أريد إبطال منجزية العلم الإجمالي بنفس البراءة العقليّة، فهو مستحيل، لأنّ البراءة العقليّة فرع عدم البيان، إذاً، فهي لا تحكم بأن هذا البيان في الرتبة السابقة على البراءة العقليّة، ممّا يعني تجريدها من المنجزية و الحجيّة، و هذا غير ممكن، لمكان العلم الإجمالي في المقام لو لا قيام البرهان على الاستحالة العقلية.

إذاً، لا يمكن إثبات عدم البيان، و إبطال منجزيّة العلم الإجمالي بنفس البراءة العقليّة كما عرفت، بل لا بدّ من قاعدة أخرى لإبطال منجزيّة العلم الإجمالي، و هذه القاعدة، هي (عدم إمكان إدانة العاجز) المعبّر عنها (بالتخيير العقلي)، و عندئذ لو أريد إجراء البراءة العقليّة، بعد إبطال منجزيّة العلم الإجمالي و بيانيته بقاعدة (عدم إمكان إدانة العاجز)-، لكان لغواً و دون معنى، لأنّ هذه القاعدة بنفسها تتكفل الترخيص العقلي، فلو أريد بعدئذ إجراء البراءة العقليّة للترخيص في طول ذاك الترخيص، للزم تحصيل الحاصل، و لكان لغواً في الكلام.

و لنا حول هذا الكلام ملاحظة و اختيار.

أمّا الملاحظة، فهي أنّ المدعى هو إجراء البراءة عن احتمال الوجوب أو الحرمة، بعد الفراغ عن منجزية العلم الإجمالي في نفسه، كما لو لم يكن هناك علم إجمالي بالإلزام بأصل التكليف من الأساس، فعندئذ نجري البراءة العقليّة للتأمين و إسقاط العهدة، لكن هذا إنّما

445

يكون تام الملاك في نفسه بناء على مسلك المشهور في فهم قاعدة (قبح العقاب بلا بيان)، و منجزية العلم الإجمالي، و كذلك ملاك الاضطرار الذي يسقط العلم الإجمالي عن البيانيّة فهو تام أيضاً، فلأنّ ما ينفى بالبراءة العقليّة هو غير ما ينفى بملاك قاعدة الاضطرار، و عدم إمكان إدانة العاجز عن الوظيفة العمليّة.

أمّا الاختيار المختار، فهو مبني على مسلك حقّ الطاعة، حيث يقال: بأنّه ينبغي أن يكون مرجع كل ما قيل و يقال إلى تحديد حقّ الطاعة و دائرة المولوية، سواء في حالة العلم بالتكليف أو احتماله أو الشك فيه، حيث تكون هذه الحالات كلها موضوعاً لحقّ الطاعة. و حينئذٍ يقال: بأنّه لا موضوع لحق الطاعة و المولوية في موارد دوران الأمر بين المحذورين، سواء علم بأصل التكليف، كما في محل الكلام أو لا، و ذلك لأنّ حقّ الطاعة هنا كسائر مدركات العقل العملي موضوعه (الاختيار و عدم الاضطرار)، إذاً، فمع الاضطرار إلى المخالفة الاحتماليّة- كما في محل الكلام- لا موضع للإدانة و حق الطاعة، و إنّما هو من باب السالبة بانتفاء موضوعها، و معه: فلا مقتضي للتنجيز، و ليس كما قيل على مسلك المشهور، إنّ هنا مقتضيين متزاحمين، إذاً، فلا موضوع للبراءة العقليّة أيضاً في المقام.

و أمّا البراءة الشرعيّة، فقد اختلفت كلماتهم في جريانها و عدمه، و قد ذكر لمنع جريانها وجوه:

الوجه الأول: هو ما ذكره المحقق العراقي (قده) ( (1))

من أنّه لا يمكن جريان البراءة الشرعية إلّا في المرتبة المتأخرة عن سقوط العلم‏

____________

(1) مقالات الأصول: العراقي، ج 2، ص 83.

446

الإجمالي عن التنجيز، لأنّ تنجيز العلم الإجمالي يمنع عن جريانها، و قد تقدم و عرفت أنّ سقوط العلم الإجمالي عن التنجيز في المقام، إنّما يكون بملاك استحالة وجوب غير المقدور و ترخيص العاجز، و عدم إمكان إدانته، و معه: فلا معنى للبراءة في طول الترخيص و العذر، إذ هو من قبيل السالبة بانتفاء الموضوع.

و هذا الوجه غير تام، فإنّه مضافاً إلى ما تقدم- من أنّ البراءة الشرعية أو العقلية، إنّما تجري عن احتمال التكليف في كل من الطرفين في نفسه بعد الفراغ عن سقوط منجزية العلم الإجمالي بالبرهان العقلي المتقدم، من استحالة تنجيز غير المقدور، و الترجيح بلا مرجح، مضافاً إلى هذا-، فإنّ معنى جريان البراءة الشرعية: هو نفي إيجاب الاحتياط شرعاً بلحاظ الوجوب أو الحرمة، لأنّ التزاحم في مقام الدوران بينهما، إنّما هو تزاحم بين مصلحتين إلزاميتين متساويتين، و ليس التزاحم بينهما تزاحماً بين مصلحة الإلزام، و مصلحة الترخيص عند رجحان جانب أحدهما ليكون الحكم الظاهري على طبقه، كما تقدم عند الكلام على الجمع بين الأحكام الظاهرية و الواقعيّة، بل التزاحم في المقام، إنّما هو بين مصلحتين إلزاميتين متساويتين، لا رجحان لإحداهما على الأخرى، و حينئذٍ لا يلزم المولى ظاهراً عبده بواحدة منهما، و إنّما يرخصه و يطلق عنانه. إذاً، فالبراءة الشرعيّة في المقام تنفي إيجاب الاحتياط و هو غير ما نفيناه بالبراءة العقليّة سابقاً.

الوجه الثاني في منع جريان البراءة: هو ما ذكره المحقق النائيني (قده) ( (1))، من أنّ أدلّة البراءة الشرعيّة لا تجري فيما نحن‏

فيه عند دوران الأمر بين محذوري الوجوب و الحرمة، لأنّه إن كان مدرك‏

____________

(1) فوائد الأصول، ج 3، ص 163 162. أجود التقريرات، ج 2، ص 232.

447

شمولها لما نحن فيه هو أصالة الحل، أي (كل شي‏ء حلال حتّى تعرف أنّه حرام)، فقد عرفت سابقاً أنّ مرتبة الحكم الظاهري لا تنحفظ في المقام، لأنّها غير محتملة، بل نحن نقطع بالإلزام، فإنّ الأمر دائر بين إلزامين، إمّا الوجوب، و إمّا الحرمة، و إن كان مدرك شمولها لمثل ما نحن فيه حديث الرفع، (رفع ما لا يعلمون)، فإنّه أيضاً غير شامل للمقام، لأنّ الرفع هنا ظاهري يقابل الوضع الظاهري تقابل العدم و الملكة، فيكون الرفع رفعاً لشي‏ء يقبل الوضع، و من الواضح أنّ الوضع في محل الكلام غير معقول، لأنّه إن كان وضعاً للفعل و الترك معاً فهو غير ممكن، لكونه جمعاً بين النقيضين، الوجوب و الحرمة، و إن كان وضعاً للجامع بينهما بنحو التخيير بينهما فهو غير صحيح، لكون الجامع بينهما ضرورياً، إذاً، فلا يبقى إلّا إيجاب الاحتياط تجاه (الوجوب و الحرمة) المشكوكين، و قد عرفت بأنّه غير معقول، إذاً، فلا معنى للرفع و البراءة الشرعية أيضاً.

و يرد على هذا الكلام أمران:

الأمر الأول: هو أنّ إمكان جعل حكم ظاهري بالحلية لا يتوقف على أن تكون الحلية الواقعية محتملة، لأنّ حقيقة الحكم الظاهري كما عرفت في بحث الجمع بين الأحكام الظاهرية و الواقعية هي ترجيح أحد نوعي الأغراض الواقعية المتزاحمة، إذاً، فيمكن وضع حكم ظاهري، كالاحتياط و البراءة، لأرجحية الغرض الواقعي المزاحم بغرض الإلزام.

و قد يدّعى: أنّ الحكم الظاهري متقوم بالشك و معه: فلا يبقى إلّا إيجاب الاحتياط، و هو غير معقول تجاه الحرمة و الوجوب المشكوكين لما عرفت، و معه: فلا معنى للرفع و البراءة.

448

و جوابه: هو أنّه و إن كان صحيحاً تقوّم الحكم الظاهر بالشك، و لكن لا يراد بتقومه هذا أنّه متقوم باحتمال أن يكون هناك حكم واقعي مماثل له، و إنّما الصحيح من تقومه بالشك، هو عدم العلم بالحكم الواقعي، و معه لا بدّ من التأمين على الحكم الواقعي بحكم ظاهري، لأنّه مع العلم به لا معنى لجعل شي‏ء مؤمّناً عنه أو منجزاً له، إذاً، فلا مانع من جريان البراءة.

الأمر الثاني: هو أنّ الرفع الظاهري في كل من الوجوب و الحرمة يقابله الوضع في مورده و هو ممكن، فيكون الرفع ممكناً، فإنّه و إن لم يمكن وضع أحدهما تخييراً، أي وضع الجامع بينهما، و لا وضعهما معاً لما تقدّم، و لكن يمكن وضع كل واحد منهما على التعيين بدون الآخر على نحو البدلي، إذاً، فكما أنّ للمولى وضع كل واحد منهما، فله رفعهما، فإنّ مجموع الوضعين و إن كان مستحيلًا، و لكن كلًا من الرفعين لا يقابل إلّا وضعاً واحداً و هو أمر ممكن.

الوجه الثالث: هو منع شمول أدلة البراءة لمحل الكلام‏

بنكتة إثباتية، فإنّ الظاهر من أدلتها، خصوصاً دليل أصالة الحل (كل شي‏ء حلال حتّى تعرف أنّه حرام) أنّها علاج مولوي يعالج حالات التزاحم بين الأغراض الإلزامية و الأغراض الترخيصية في مقام الحفظ، و ذلك بتقديم الغرض الترخيصي على الإلزامي، و ليس علاج التزاحم بين غرضين إلزاميين، كما هو الحال في محل الكلام.

و قد يقال في المقام: إنّه إذا كان المولى لا يتحفظ على الوجوب لمجرد مزاحمته بالإباحة و الترخيص، و بجعل البراءة عنه، إذاً، فبالأولوية أن لا يتحفظ على الوجوب عند مزاحمته بالحرمة، و نفس هذا الكلام يقال فيما لو كانت الحرمة مزاحمة بالإباحة

449

و الترخيص، و هذا معناه: أنّ أدلة البراءة بالفحوى، إذاً، فالأولوية تدلّ على البراءة في محل الكلام.

و جوابه: هو أنّه على ضوء ما أوضحناه من حقيقة الحكم الظاهري عند ما تكلمنا عن الجمع بين الأحكام الظاهرية و الواقعية، ينبغي أن تدرك أنّ معنى جعل البراءة في المقام، هو ترجيح مصلحة الترخيص الواقعي على مصلحتي الوجوب و الحرمة في مقام الحفظ، و هذا يعني أهمية المصلحة الترخيصية على المصلحة الإلزامية الوجوبية و التحريمية، و هذا لا يستلزم اتحاد المصلحتين الإلزاميتين في مقام الحفظ، بل قد يرجح المولى مصلحة الوجوب، أو مصلحة الحرمة في مقام الحفظ.

الوجه الرابع من وجوه عدم جريان البراءة: هو عدم شمول أدلة البراءة لمحل الكلام‏

بنكتة إثباتية.

و هذا الوجه نضيف فيه شيئاً، هو عبارة عن تصحيح لكلام الميرزا (قده) في الوجه الثاني.

فنقول: إنّه إذا كان مدرك جريان البراءة في محل الكلام أصالة الحل من قبيل حديث: (كل شي‏ء حلال حتى تعرف أنّه حرام)، فهو غير جار في المقام و ذلك للقطع بعد الحلية.

و إن كان مدرك جريان البراءة الشرعية حديث الرفع: (رفع ما لا يعلمون)، فإنّ حديث الرفع له تفسيران:

التفسير الأول: هو أن يكون المراد برفع غير المعلوم، الرفع لعنوان كل تكليف مشكوك، سواء فرض وجوده في الواقع أو لا، و هذا يكون في قبال وضع إيجاب الاحتياط، وعليه: يكون في المقام‏

450

رفعان، رفع للوجوب، و رفع للحرمة، و يكون المراد من الاسم الموصول في (رفع ما لا يعلمون) كلا عنواني الوجوب و الحرمة، لأنّ كلًا منهما مما لا يعلم، و معه: فيشملهما حديث الرفع، و يكونان مرفوعين ظاهراً.

و هذا التفسير غير تام، حيث ذكرنا سابقاً أنّ الوضع ممكن، إذاً، فيصح الرفع أيضاً، فإنّه من الممكن للمولى أن يضع أحد التكليفين معيّناً على المكلف، إذاً، يمكن له أن يرفعهما، هذا مضافاً إلى أنّ هذا المراد الأول في نفسه خلاف الظاهر، فإنّ الظاهر من العلم في قوله: (رفع ما لا يعلمون)، ليس هو مطلق القطع بما فيه الجهل المركب، و إنّما الظاهر منه أنّه لوحظت فيه جهة الانكشاف الصحيح المطابق للواقع، وعليه: فيتعيّن أن يكون المراد من الموصول شيئاً آخر.

التفسير الثاني: هو أن يكون المراد من الموصول واقع الحكم المشكوك الثابت في الواقع، كي تصح نسبة العلم إليه و نفيه عنه و ليس وجوده العنواني، وعليه: فلا يوجد في المقام إلّا رفع واحد، لأنّه لا يوجد في لوح التشريع و الواقع إلّا حكم واحد، و مردد بين محذورين و حينئذٍ يقال: إنّ هذا الحكم الواحد الموضوع يتراوح تصور وضعه بين ثلاثة احتمالات:

الاحتمال الأول: هو أن يكون هذا الوضع للواقع المجمل بحسب ما هو عليه في الواقع.

و هذا الاحتمال لا يمكن المساعدة عليه، لأنّ وضع ذات الواقع المردد بين محذورين بحسب ما هو عليه غير مفيد و إذ لا يزيد شيئاً على نفس ذلك التكليف الموجود في الواقع، فضلًا عن كون موافقته‏

451

القطعية مستحيلة لما عرفت سابقاً، و لا موافقته الاحتمالية، لأنّها ضرورية كأصل ذلك التكليف.

الاحتمال الثاني: هو أن يكون هذا قد وضع للموافقة القطعية تجاه ذلك الواقع.

و هذا الاحتمال لا يمكن المساعدة عليه أيضاً، و ذلك لاستحالة الجمع بين محذوري الوجوب و الحرمة، أو الفعل و الترك، إذاً، فتستحيل الموافقة القطعية.

الاحتمال الثالث: هو أن يكون هذا الوضع للموافقة الاحتمالية تجاه ذلك الواقع المردد بين المحذورين.

و هذا الاحتمال أيضاً لا يمكن المساعدة عليه، لأنّ الموافقة أو المخالفة الاحتماليتين ضرورية، و وضع الضروري مستحيل أيضاً.

و على ضوء ما تقدّم، و حيث إنّ الرفع الظاهري في قبال الوضع الظاهري، إذاً، فلا يدلّ عليه حديث الرفع إلّا في مورد يعقل فيه الوضع الظاهري، لأنّه في موارد الدوران بين المحذورين، إذ لم يعقل الوضع كما عرفت، فلا يعقل الرفع، إذ المفهوم منه هو، رفع ما يمكن وضعه.

إذاً، فبدعوى أنّ الظاهر المراد من (اسم الموصول): هو التفسير الثاني و ليس الأول، يتبرهن أنّ حديث الرفع غير شامل لموارد الدوران بين المحذورين، إذ قد عرفت فيما تقدّم أن ليس المقصود من العلم في حديث الرفع، مطلق العلم بما فيه الجهل المركب، بل الظاهر منه لحاظ جهة الانكشاف الصحيح المطابق للواقع، بل قد

452

يستظهر منه وجود حكم ثابت في الواقع لا يعلمه المكلّف، و بهذه النكتة يتم كلام الميرزا (قده) الذي أبداه في الوجه الثاني.

و قد يقال: إنّه بناء على هذا لا يمكن التمسك بحديث الرفع في موارد الشك في التكليف، إلّا إذا أحرز التكليف الثابت في الواقع، و من الواضح أنّه مع إحرازه يرتفع الشك، إذاً، فأيّ فائدة في جعل هذا الرفع في حديث: (رفع ما لا يعلمون)؟

و جوابه: هو أنّه إنّما يتمسّك بحديث الرفع لإثبات الرفع الظاهري في موارد الشك، فيما لو قدّر أنّ هناك تكليفاً ثابتاً واقعاً، و لكنّه مشكوك، إذ معه يعلم بجامع الرفع الواقعي فيما إذا لم يكن هناك تكليف واقعاً، كما أنّه يعلم بجامع الرفع الظاهري إذا كان هناك تكليف واقعاً، و من الواضح أنّ هذا كاف للتأمين.

و من الواضح أنّ كون الرفع ظاهرياً لا واقعياً، إنّما يتناسب مع التفسير الأول للموصول.

و لكن بناء على التفسير الثاني للموصول يكون الواقع مردداً بين واقعين، و إن كان يعلم بتحقق أحدهما، إذاً، فيكون هناك رفعان و ليس رفعاً واحداً.

و قد صار من الواضح أيضاً، أنّ الوجه الأول و الثالث من الوجوه الأربعة يختصان بموارد الدوران بين المحذورين، مع كون المكلّف عالماً بأصل الإلزام، فضلًا عن كونهما لا يمنعان من جريان البراءة فيما لو كان أصل الإلزام مشكوكاً أيضاً، بينما الوجه الثاني و الرابع يمنعان عن جريان البراءة حتى في ذلك.

453

و بما تقدّم، يثبت عدم جريان البراءة في موارد الدوران بين المحذورين بملاك إثباتي كما عرفت عند استعراض الوجه الرابع.

و قد بقي أنّ نبحث في، أنّه هل يمكن فيما نحن فيه، جريان استصحاب عدم التكليف المنتج نتيجة البراءة في الطرفين أو لا؟

و الصحيح أنّه يجري، لأنّ المحذور الإثباتي المتقدم غير جار هنا، إذ لا ظهور لدليل الاستصحاب في أنّه بملاك التسهيل.

و لكن رغم هذا فقد ذهب المحقق النائيني (قده) ( (1)) إلى عدم جريان الاستصحاب في المقام، لكون الاستصحاب أصلًا تنزيلياً مطعّماً بشي‏ء من الأمارية، و هذا مما يوجب التعارض بين الأصلين و تساقطهما عند العلم الإجمالي بالخلاف.

و هذا خلاف مبنائي، فمن يرى هذا المبنى في مورد الأصول التنزيلية، يختار التعارض و من ثم التساقط في محل الكلام، و من يرفض هذا المبنى، يصح عنده جريان الاستصحاب في محل الكلام و ينتج نتيجة البراءة في مورد دوران الأمر بين المحذورين.

هذا تمام ما يقال في المقام، بقطع النظر عن فرض مزية في أحد الجانبين، من أقوائية أحد المحذورين احتمالًا أو محتملًا.

و أمّا إذا نظرنا إلى فرض مزية أحد المحذورين، الوجوب أو الحرمة احتمالًا أو محتملًا، فإنّه حينئذٍ لا إشكال في المقام من ناحية الأصل الشرعي من براءة أو استصحاب أو غيره، لأنّ مجرد فرض المزية لا يمنع من جريانه.

____________

(1) فوائد الأصول: الكاظمي، ج 2، ص 164.

454

و لكن يختلف الحال على بعض المباني من ناحية الأصل العقلي و الوظيفة العملية، حيث نواجه مبنيين في المقام.

المبنى الأول: هو منجزية الاحتمال‏

كما هو المختار و إنكار البراءة العقلية، فإن نحن بنينا منجزية الاحتمال، حينئذٍ لا محالة يتقدم ذو المزية، و هذا يوجب الإتيان به لأنّه أهم الطرفين احتمالًا أو محتملًا، لأنّه إذا كان العقل يحكم بتنجز أصل الاحتمال، فهو بطريق أولى يحكم بمنجزيّته إذا كان ذا درجة زائدة، و هكذا يحكم بتنجز احتمال الملاك الزائد في أحد المحذورين.

و الحاصل: هو أنّه بناء على منجزية الاحتمال، يتنجز ذو المزية بنفس ذلك الاحتمال، بدون حاجة في منجزيته إلى العلم الإجمالي.

المبنى الثاني: هو مبنى البراءة العقلية، و هنا نواجه حالتين:

أ- الحالة الأولى: هي أن نبني على البراءة العقلية، مع وجود مزية لأحد الطرفين دون الآخر.

و حينئذٍ، فإن نحن بنينا على البراءة العقلية مع وجود مزية في الاحتمال، فلا يكون منجزاً حينئذٍ إلّا العلم الإجمالي دون الاحتمال، و لكن هنا نواجه أيضاً مبنيين لا بدّ من التفصيل بينهما.

المبنى الأول: هو أنّ العلم الإجمالي لا ينجز إلّا الجامع ابتداء و حرمة المخالفة القطعية دون أن ينجز المزية المحتملة.

و يجاب: بأنّه لا أثر و لا فائدة من تنجيز العلم الإجمالي في المقام، إذ الجامع ضروري التحقق، و بيانيته ليست أقل من بيانية العلم الإجمالي، إذاً، فلا يتنجز ثانية، بل هو أشبه بتحصيل الحاصل، و هو لغو.