تحريرات في الأصول‏ - ج2

- السيد مصطفى الموسوي الخميني المزيد...
349 /
51

في قبول الإرادة الضرورية الأزلية الإلهية، و ذلك لأنه فيما كان الشرط المذكور موجودا، ليس بين الإرادة و حصول الحركة، أمر آخر متوسط يستند إليه الحركة استناد الفعل إلى الفاعل، بل الاستناد المزبور من قبيل استناد الفعل إلى القابل، فما هو المتصور و المصدق به هي الحركة، و ما هو مورد القدرة و الإرادة هي الحركة، و تلك القوة شرط تأثير الإرادة.

فكون الإرادة الجزء الأخير من العلة التامة أمر، و كونها مستتبعة للمراد مطلقا أمر آخر، و ما هو المصدق هو الأول، دون الثاني، و بذلك يجمع ما بين المشهورين عن الفريقين‏ وَ الصُّلْحُ خَيْرٌ (1).

و بعبارة أخرى: ما دام الإنسان لم يتحقق منه إرادة الفعل، يكون مختارا في الفعل و الترك، فبمجرد العلم و القدرة، لا يخرج الفعل عن الإمكان إلى الوجوب، و لا يكون الأمر خارجاً عن اختياره، و هكذا في إيجاد الإرادة، كما أُشير إليه، و يأتي في التنبيه الآتي، و لكنه بعد إيجادها لا يتمكن من التخلف عن المراد، و إن يمكن أن لا يتحقق المراد في المحيط الّذي أراد تحققه، لما عرفت من الشرط الآخر في تحقق الفعل.

فلا يمكن نفي كون الإرادة الجزء الأخير من العلة التامة، لأن العلية التامة التي يتقيدها النّفس و في تحت قدرتها، هي الإرادة و بعض مبادئها أحيانا، و ما هو شرط التحقق خارج عن القدرة و الاختيار.

كما لا يمكن دعوى: أن الفعل يتحقق بالإرادة، لإمكان التفكيك، فإنه عند العلم بالقدرة على تحريك حجر، تتمشى إرادة ذلك، و لا تتحقق الحركة، لثقله، فلا تخلط.

____________

(1)- النساء (4): 128.

52

ثم إن علية الإرادة و جزئيتها للعلة التامة، تابعة لكيفية تعلقها بالمراد، و هذا لا ينافي ما ذكرناه، و عليه بناء الواجب المعلق في الأصول. و به يندفع الإشكال المعروف في المعقول: «من أن إرادة الرب أزلية، فكيف يوجد المراد فيما لا يزال؟!» و التفصيل في محله‏ (1).

الخامس: حول إشكال اختيارية الإرادة و اضطراريتها

من المباحث المتعلقة بالإرادة: أنها هل هي اختيارية، أو اضطرارية، و أن النّفس توجدها على أن تكون فاعلها بالاختيار، أو هي توجدها على أن تكون علتها الطبيعية و الإلجائية؟

و على التقديرين يلزم إشكال، فإنها إن كانت اختيارية، فقد سبق أن قلنا: إن الأفعال الاختيارية مسبوقة بالإرادة، فلا بدّ من إرادة أخرى سابقة عليها، فيتسلسل.

و إن كانت توجد قهرا عليها، فتكون النّفس مضطرة إليها، فلا يكون الفعل الصادر و الحركة المستعقبة لها، من الفعل الاختياري، لما قد سبق: أنها الجزء الأخير من العلة التامة، أو قد سبق: أن ميزان اختيارية الفعل الصادر اختيارية الإرادة، ضرورة أنه بعد تحققها فلا اختيار له بعد ذلك.

و هذا لا ينافي الاختيار لما أن الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار، فلا يلزم من هنا إشكال على قاعدة «إن الشي‏ء ما لم يجب لم يوجد» كما لا يخفى عليك إن كنت من أهل الفن.

ثم إن القوم في تقرير هذه المسألة توهموا: أن الشبهة ينجر ذيلها إلى إرادة اللَّه تعالى، و أن الإشكال لا يمكن أن يحرر إلا بإرجاع الإرادة في السلسلة الطولية، إلى‏

____________

(1)- الحكمة المتعالية 6: 314 و 348 و 379، و 7: 282 و 332.

53

الإرادة الأزلية القديمة (1). مع أنك أحطت مما تلوناه عليك: بأن الإشكال يتم تقريرا من غير مساس الحاجة إلى إرجاعها إلى إرادته تعالى.

فتحصل: أن الإرادة لما كانت من الموجودات الواقعية، فتحتاج في تحققها إلى العلة و المبادئ، فإن كانت من قبيل حرارة النار، فتحصل و توجد من النّفس قهرا و طبعا، فالنفس فاعلها بالطبع، و إن كانت من قبيل سائر الأفعال الاختيارية، فتحتاج النّفس في إيجادها إلى المبادئ الوجودية، و منها الإرادة فيتسلسل، و الكل غير قابل للتصديق بالضرورة و الوجدان، لأن معنى التسلسل عدم تحقق الإرادة رأسا، و هو واضح المنع، و وجه الضرورة في الأول أوضح.

و هذه الشبهة هي العويصة المعروفة التي قد جعلت الأفهام حيارى، و الأفكار صرعى، فهرب كل منهم مهربا، و أتوا بأجوبة لا بأس بالإشارة إلى بعض منها، و من الذين تصدوا و حاولوا الجواب عنها، المعلم العليم الحكيم المعظم، و فخر علماء بني آدم، السيد الماجد المير، محمد الداماد (قدس سره) فقال:

«هذا الشك مما لم يبلغني عن أحد من السابقين و اللاحقين شي‏ء في دفاعه.

و الوجه في ذلك: أنه إذا انساقت العلل و الأسباب المترتبة المتأدية بالإنسان إلى أن يتصور فعلا، و يعتقد فيه خيرا ما، انبعث إليه تشوق إليه لا محالة، فإذا تأكد هيجان الشوق، و استتم نصاب إجماعه، تم قوام الإرادة المستوجبة لاهتزاز العضلات و الأعضاء الأدوية، فإن تلك الهيئة الإرادية حالة شوقية إجمالية للنفس، بحيث إذا قيست إلى الفعل نفسه، و كان هو الملتفت إليه بالذات، كانت هي شوقا إليه، و إرادة له.

و إذا قيست إلى إرادة الفعل، و كان الملتفت إليه هي نفسها، لا نفس الفعل، كانت‏

____________

(1)- كفاية الأصول: 88- 89، بحوث في الأصول، رسالة في الطلب و الإرادة: 49، محاضرات في أصول الفقه 2: 52- 53.

54

هي شوقا و إرادة بالنسبة إلى الإرادة، من غير شوق آخر و إرادة أخرى جديدة.

و كذلك الأمر في إرادة الإرادة، و إرادة إرادة الإرادة ... إلى سائر المراتب التي في استطاعة العقل أن يلتفت إليها بالذات، و يلاحظها على التفصيل. فكل من تلك الإرادات المفصلة تكون بالإرادة، و هي بأسرها مضمنة في تلك الحالة الشوقية الإرادية.

و الترتيب بينها بالتقدم و التأخر عند التفصيل، ليس يصادم اتحادها في تلك الحالة الإجمالية بهيئتها الوحدانية، فإن ذلك إنما يمتنع في الكمية الاتصالية و الهوية الامتدادية، لا غير» (1) انتهى ما هو المهم من كلامه، رفع في مقامه.

و يتوجه إليه أولا: أن الحالة الشوقية و الهيجان المتأكد، ممنوعة في كثير من الإرادات، كما مر (2)، فإن الإرادة تحصل في أفق النّفس لدرك العقل توقف الفرار من الموت على قطع الأعضاء، من غير وجود تلك الحالة حتى تكون هي صندوق الإرادة، كلما شاءت النّفس أخرجت منها إرادة.

فكأنه (قدس سره) قطع السلسلة، بأن الإرادة الاختيارية، ليست معلولة الإرادة المتقدمة عليها إلا بهذا المعنى، أي أن الشوق الّذي أورث الإرادة في الفرض الأول، هو السبب لتحقق إرادة الإرادة في الفرض الثاني، و هكذا.

و على هذا لا يتوجه إليه ما أورده عليه تلميذه الأكبر من الإشكالات الثلاثة.

و العجب أنه لم يصل إلى مغزى مرامه!! و قال: «هذه الإرادات الكثيرة قابلة لأن نأخذها، و نطلب أن علتها أية شي‏ء هي؟

فإن كانت إرادة أخرى، لزم كون شي‏ء واحد داخلا و خارجا بالنسبة إلى شي‏ء واحد بعينه، و هو مجموع الإرادات، و ذلك محال.

____________

(1)- القبسات: 473- 474، الحكمة المتعالية 6: 389.

(2)- تقدم في الصفحة 41.

55

و إن كان شيئا آخر، لزم الجبر في الإرادة، و هذا هو الحق» (1) انتهى.

و كأنه (قدس سره) أخذ هذا التقرير مما قيل في الاستدلال على بطلان التسلسل: «من إثبات الغني بالذات بين السلسلة الفقراء غير المتناهية» غفلة عن بطلان القياس، و أجنبية ما رامه السيد عما أفاده التلميذ كما عرفت، فلا تخلط.

و يتوجه إليه ثانيا: أن قطع السلسلة بذلك، لا يستلزم رفع الشبهة، لأنه إذا كانت الإرادة حاصلة قهرا و بالطبع، تكون النّفس فاعلة بالطبع بالنسبة إليها.

و إن كانت حاصلة بالاختيار، فلا بد من إرادة، و الشوق المزبور إما هو نفس الإرادة، فيلزم عدم اختيارية الفعل، لأنها غير اختيارية و ميل طبيعي، و إما هو سبب الإرادة، فيكون المعلول- و هي الإرادة- حاصلا في النّفس بلا اختيار، فيكون الفعل بلا اختيار، فما هو المهم في الشك و الشبهة المزبورة، مغفول عنه في كلامه.

و أما ما أورده عليه المحقق الفحل النحرير في الفن، الوالد المعظم الجليل- مد ظله العالي-: «من أن السلسلة في الأمور الاعتبارية تنقطع بانقطاع النّظر، كما في إمكان الممكنات، و وجوب الواجب، و ضرورة القضايا الضرورية، و إنما الإرادة من الحقائق المحتاجة إلى العلة، و هي إما إرادة أخرى، أو شي‏ء من خارج، فيتسلسل، أو يلزم الاضطرار و الجبر» (2) انتهى.

فهو غير وجيه، لأنه يقول: بأن إرادة الفعل معلولة الشوق، و إرادة إرادة الفعل معلولة الشوق المزبور، أو يقول: الشوق المزبور هي إرادة الفعل، و سبب إرادة الإرادة و هكذا، فلا يلزم كونها بلا علة، بل علتها الشوق. و إن كانت عبارته المحكية عنه، لا تخلو عن إيهام أن الأمر- بحسب الواقع- تابع الاعتبار، و لكن لا بد من تنزيه جنابه عما يستظهر من كلامه بدوا.

____________

(1)- الحكمة المتعالية 6: 390.

(2)- الطلب و الإرادة: 97.

56

فتحصل: أن ما أورده عليه العلمان- عفي عنهما- في غير محله، و كلام السيد قابل للتأويل بالوجه القريب، و لكنه مع ذلك غير صحيح، لما عرفت منا، فلاحظ و تدبر جيدا.

فتحصل: أن السيد (قدس سره) في مقام قطع التسلسل، بدعوى أن في النّفس خزانة الإرادة، لا بمعنى وجود الإرادات الطولية بالفعل، حتى يتوجه إليه إشكال تلميذه، بل بمعنى قوة خلافة للإرادة، أو هي نفس الإرادة إذا لوحظت بالنسبة إلى الفعل الخارجي، و تلك القوة- و هي الشوق الأكيد- كافية في حصول الإرادة إذا لوحظت الإرادة نفسها.

و الّذي يتوجه إليه: أن بذلك ينقطع السلسلة، إلا أن تلك القوة أولا: ممنوعة.

و ثانيا: التسلسل الّذي يلزم لا يكون قابلا للدفع، لأن ما هو المقصود من «التسلسل» هو أن وصف الاختيار للفعل الاختياري، موقوف على كون إرادته موصوفة بالاختيار، و وصف هذه الإرادة موقوف على اتصاف إرادتها، فيتسلسل، لاحتياج المتأخر إلى المتقدم، فيلزم الخلف، لعدم إمكان اتصاف المتأخر إلا بعد انقطاع السلسلة، فإذا كان المتأخر موصوفا يعلم عدم التوقف، و هذا هو التناقض الّذي يلزم من صحة التسلسل، فافهم و اغتنم.

و من الذين تصدوا لدفع الشبهة صاحب «الحكمة المتعالية» فقال: «المختار ما يكون فعله بإرادته، لا ما يكون إرادته بإرادته، و إلا لزم أن لا يكون إرادته تعالى عين ذاته، و القادر ما يكون بحيث إن أراد الفعل صدر عنه الفعل، و إلا فلا، لا ما يكون إن أراد الإرادة للفعل فعل، و إلا لم يفعل» (1) انتهى.

و بعبارة أتى بها المحقق الوالد- مد ظله- في رسالته: «إن الإرادة من الصفات الحقيقية ذات الإضافة، وزانها و زان سائر الصفات الكذائية، فكما أن المعلوم ما

____________

(1)- الحكمة المتعالية 6: 388.

57

تعلق به العلم، لا ما تعلق بعلمه العلم، و المحبوب ما تعلق به الحب، لا ما تعلق بحبه الحب و هكذا، كذلك المراد ما تعلق به الإرادة، لا ما تعلق بإرادته الإرادة، و المختار من يكون فعله بإرادة و اختيار، لا إرادته و اختياره. و لو توقف الفعل الإرادي على كون الإرادة المتعلقة به متعلقا للإرادة، لزم أن لا يوجد فعل إرادي قط، حتى ما صدر عن الواجب.

إن قلت: هذا مجرد اصطلاح لا يدفع به الإشكال من عدم صحة العقوبة على الفعل الإلجائي الاضطراري، فإن مبدأ الفعل- و هو الإرادة- إذا لم يكن اختياريا، يكون الفعل اضطراريا، فلا يصح معه العقوبة.

قلت: ها هنا مقامان:

أحدهما: تشخيص الفعل الاختياري عن الاضطراري.

و ثانيهما: تشخيص مناط صحة العقوبة عند العقلاء.

أما المقام الأول: فلا إشكال في أن مناط الإرادية في جميع الأفعال الصادرة من الفاعل- واجبا كان، أو ممكنا- ما عرفت.

و أما المقام الثاني: فلا ريب في ترخيص جميع العقلاء من كافة الملل، العقوبة على العصيان، و يفرقون بين الحركة الارتعاشية، و الحركة الإرادية» (1) انتهى ملخص ما أفاده، و كان يعتمد عليه، و لم يوجه إليه إشكالا في رسالته المعمولة في الطلب و الإرادة.

أقول أولا: إن السيد الأستاذ تصدى للدفاع من ناحية لزوم التسلسل، و قد عرفت حاله، و هذا النحرير الأكبر و العالم الأعظم و المبتكر المفخم، حاول الدفاع من ناحية اختيارية الفعل و اضطراريته، مع أن من المشكل حل كيفية وجود الإرادة في النّفس، و أنها توجد بالاختيار و الإرادة، أم لا، من غير النّظر إلى مصححات العقوبة و المثوبة.

____________

(1)- الطلب و الإرادة: 105- 107.

58

و ثانيا: إذا كانت الإرادة غير اختيارية، و كانت هي السبب الوحيد للفعل، و كانت الجزء الأخير من العلة التامة بعد تمامية الشرائط- على الوجه الماضي تفصيله- فكيف يوصف الفعل بالاختيار؟! و ما نرى من اتصاف الفعل بالاختيار، فهو لأجل رجوع مبادئه إلى الاختيار، و لذلك سيقت قاعدة «الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار» و لا ريب أن العلم و التصديق و الميل، ليس اختياريا في كثير من الأفعال، و ما هو الوحيد و الدائم تحت اختيار سلطان النّفس- إن كانت الإرادة- فهي، و إلا فلا وجه لتوصيف الفعل بالاختيار.

و أما النقض بالواجب، فهو موكول إلى محله تفصيلا، و إجماله: أن إرادته الفعلية تحصل بالاختيار الذاتي و الإرادة الذاتيّة، كما يأتي منا بيانه، فلا يلزم من كون الفعل مختارا، عدم كون إرادته تحت الاختيار، إن ثبت الاختيار الذاتي.

ثم إن من أعمال القوة النفسانيّة، هي المسماة في عصرنا ب (الهيپنوتيزم) و هذا هو تأثير النّفس في النّفس الأخرى بإلقائها الإرادة عليها، و جعل مبادئ الفعل تحت سلطانها، قبال (منيتيزم) الّذي هو التصرف في القوة المنبثة في العضلة، و في أمر خارج عن سلطان النّفس الأخرى و الطرف، فهل يقبل العقل إجراء العقوبة على من صنع به ذلك، مع أنه فعله بالإرادة؟! و أما ما أتى به السيد الوالد- مد ظله- من البرهان، فهو يرجع إلى تحرير الشبهة، فإنه إذا كانت إرادة الفعل محتاجة إلى الإرادة يلزم التسلسل، و قضية بطلانه عدم تحقق الفعل الإرادي مطلقا، و ليس هذا أمرا آخر، و لا دليلا على حل الشبهة، كما لا يخفى.

و ثالثا: و إن شئت قلت و سادسا: تحسين العقوبة و تقبيحها- بحكم العقلاء- هما الحسن و القبح العرفيان، و الّذي هو مقصود العدلية و الإمامية، إثبات الحسن‏

59

و القبح العقليين، فإذا كان- بحسب درك العقل- حركة اليد المرتعشة كحركة يد غير المرتعش في عدم كونها بالاختيار، تكون الأولى ليست اختيارية، لأجل خروج تلك القوة عن سلطان النّفس، و الثانية لأجل خروج علتها عنه، فلا تخلط بين الحسنين و القبحين العقلائيين و العقليين، فافهم و اغتنم.

ثم إنه (قدس سره) أضاف في ذيل كلامه قوله: «على أن لأحد أن يقول: إن إرادة الإرادة- كالعلم بالعلم، و كوجود الوجود، و لزوم اللزوم- من الأمور الصحيحة الانتزاع، و يتضاعف فيه جواز الاعتبار لا إلى حد، لكن تنقطع السلسلة بانقطاع الاعتبار من الذهن الفارض، لعدم التوقف العلي هناك في الخارج» (1) انتهى.

و أنت بعد ما علمت مغزى كلام أستاذه المير الداماد (قدس سره) من أنه أيضا تصدى لذلك، و عرفت ما وقع هو فيه، فلا نعيد مواضع الشبهة هنا، لمرورك عليها آنفا.

فتحصل إلى هنا: أن المقصود الأقصى و المطلوب الأعلى، حل الشبهة من ناحية اختيارية الفعل و لا اختياريته، و لا أبالي من توصيف الفعل ب «الإرادي» فإنه يكفي فيه مجرد استباقه بالإرادة و إن كانت الإرادة بالاضطرار، و ما هو اللازم كون الفعل موصوفا بالاختيار عند العقل الدّقيق البرهاني، دون الأفهام السوقية الساذجة، و لا شبهة في أن وصف الاختيار للفعل متقوم باستباقه بالاختيار، و إذا كان المبادئ و الفعل خارجة عنه، فكيف هو يوصف به؟! فلا تخلط.

و ما ترى في حاشية العلامة الأصفهاني (رحمه اللَّه): من توهمه حل الشبهة بما أفاده صدر المتألهين في المسألة (2)، لا يخلو من تأسف.

و من الذين تصدوا لحلها، العلامة الهروي صاحب «الكفاية» (قدس سره) فقال- بعد خروجه عن فنه، و درج المسألة فيما ليس من أهله، و خلطه بين الأصول العقلية،

____________

(1)- الحكمة المتعالية 6: 388- 389.

(2)- نهاية الدراية 1: 288.

60

و عدم نيله القواعد الأولية، كما هو الظاهر الواضح على من له أدنى إلمام بها-: إنما يخرج بذلك عن الاختيار، لو لم يكن تعلق الإرادة بها مسبوقة بمقدماتها الاختيارية، و إلا فلا بد من صدورها بالاختيار» (1) انتهى مورد الحاجة منه.

و فيه:- مضافا إلى أن أصل الشبهة، هو أن الإرادة التي هي من الموجودات المحتاجة إلى المؤثر، كيف تحصل و توجد؟ فإن كان ذلك بإرادة أخرى يتسلسل، و إن كان بنفسها فيدور، و إن كانت النّفس فاعلها بالطبع، فهو مضافا إلى مخالفة الوجدان، لا يساعده البرهان الآتي- أن مبادئ الإرادة قد لا تكون اختيارية، و هو العلم، و الاقتدار على الفعل، و الميل و الاشتياق إليه.

مثلا: قد يتفق أن يحصل العلم بوجود الحرام في البيت، من اسماع الغير الاختياري، ثم تشتاق إليه النّفس قهرا و طبعا، و تكون لها القوة على الإتيان به بالفطرة، فإذا حصلت هذه المبادئ، فأين المبدأ الّذي هو الاختيار؟! و إن قلنا: بأن الإرادة اختيارية بالوجدان فهو صحيح، و لكن الإشكال المزبور في كيفية اختياريتها، مع احتياجها في ذلك إلى نفسها أو سنخها، و في الكل محذور، كما أشير إليه مرارا.

و أما ما يظهر من تلميذه المحشي: من إرجاع كلامه إلى الإرادة التشريعية، و أن متعلقها الفعل الاختياري للعبد، دون مطلق الفعل‏ (2)، فهو غير سديد، لأن الإشكال في كيفية إرادة اللَّه تعالى أمر، و في كيفية إرادة العبد لفعله المباشري أمر آخر، و البحث هنا في الثاني و إن ينجر ذيله إلى الأول.

و لكنك عرفت: أنه انجرار غير لازم‏ (3)، لأن الشبهة متوجهة إلى جميع‏

____________

(1)- كفاية الأصول: 89.

(2)- نهاية الدراية 1: 284.

(3)- تقدم في الصفحة 52- 53.

61

الطوائف من الملل حتى المنكرين للمبدإ الأعلى، خذلهم اللَّه تعالى، و تعالى عن ذلك علوا كبيرا.

ثم إنه يرد عليه: أن معنى اختيارية بعض مبادئها، أنه يحصل بالإرادة، فيأتي السؤال عن هذه الإرادة المتعلقة بذلك المبدأ الاختياري. و هذا ما أورده عليه الوالد المحقق- مد ظله و جزاه اللَّه خيرا- (1).

و منهم صاحب «الدرر» (قدس سره) فقال: «إن الإرادة قد تتحقق لمصلحة في نفسها، لأنا نرى بالوجدان إمكان أن يقصد الإنسان البقاء في مكان عشرة أيام، و يكون الأثر مترتبا على القصد، دون البقاء» (2) انتهى.

و فيه: نقض بأن تلك الإرادة إذا كانت من الحوادث، فتحتاج إلى إرادة أخرى، فيتسلسل.

و فيه أيضا: أن تلك الإرادة لو كانت نفس المصلحة- في نفسها- كافية في تحققها، فينسد باب إثبات الصانع، للزوم جواز الترجح بلا علة و مرجح.

و الحل: أن الإرادة قد تتعلق بما فيه الصلاح و المطلوب النفسيّ، و قد تتعلق بما فيه الصلاح و المطلوبية الغيرية.

و على الثاني تارة: يكون الغيرية لأجل توقف الخير و الصلاح في الأمر الخارجي.

و أخرى: لأجل الخير و الصلاح في نفس الإرادة، لكونها موضوعا في الأدلة، كما فيما نحن فيه، فالإرادة لا بد و أن تتعلق بالراجح و هو البقاء، و رجحانه من قبل توقف موضوع الأدلة على الإرادة، و إذا كانت هي من الصفات ذات الإضافة، فيكون المضاف إليه دخيلا بالمعنى الحرفي، و خارجا بالمعنى الاسمي، فالتقيد داخل،

____________

(1)- الطلب و الإرادة: 100.

(2)- درر الفوائد، المحقق الحائري: 338.

62

و القيد خارج، فلا تغفل.

و ربما يقال- و القائل السيد الأستاذ البروجردي في مباحث التعبدي و التوصلي- دفعا للإشكال: «بأن إرادية كل شي‏ء بالإرادة، و إرادية الإرادة بنفسها، و هذا كما في الوجود و أمثاله» (1).

و أنت خبير بما فيه من الخلط بين الحيثية التعليلية و التقييدية، و ربما يرجع ذلك إلى ما ورد في الأخبار: من «أن اللَّه تبارك و تعالى خلق الأشياء بالمشية، و خلق المشية بنفسها» (2) و سيأتي تحقيقه عند ذكر الحق في المسألة (3).

و الّذي أفاده الوالد- مد ظله- بعد ما أفاض في تحقيق المسألة، و يأتي بيانه زائدا عليه: «هو أن النّفس في الأفعال الخارجية الصادرة منها، لما كان توجهها الاستقلالي إليها، و تكون المبادئ- من التصور إلى العزم و الإرادة- منظورا بها، أي بنحو التوسل إلى الغير، و بنعت الآلية، لم تكن متصورة، و لا مرادة، و لا مشتاقا إليها بالذات، بل المتصور و المراد و المشتاق إليه، هو الفعل الخارجي الّذي يتوسل بها إليه، فلا معنى لتعلق الإرادة بالإرادة و لو فرض إمكانه، لعدم كونها متصورة، و لا مشتاقا إليها، و لا معتقدا فيها النّفع» (4) انتهى.

و أنت ترى أنه حل عرفي، و خارج عن حيطة المسألة العقلية، و أن تمام الشبهة حول كيفية حدوث الإرادة حسب القواعد العقلية، و لا معنى لمثله فيما يكون سلطانه العقل، و سبيله البرهان و لا يقاس بالموضوعات الشرعية. هذا مع أن في بعض الأحيان، تكون هي منظورا فيها، كما في قصد الإقامة.

____________

(1)- نهاية الأصول: 122.

(2)- الكافي 1: 110، بحار الأنوار 57: 56.

(3)- يأتي في الصفحة 64- 65.

(4)- الطلب و الإرادة: 112.

63

و لقد حان وقت طلوع ما به تنحل المعضلة، و ترتفع الشبهة، و قد مر إجماله منا في السالف بإثبات الإرادة و الاختيار الذاتيين للنفس، و أن السلسلة قهرا تنقطع بذلك‏ (1).

و قبل الخوض في الجواب، نشير إلى إعضال آخر في المقام: و هو أن فعل اللَّه تعالى إما يكون بالإرادة، أو لا، لا سبيل إلى الثاني، فإن كان بالإرادة فهي إما عين ذاته، أو زائدة عليها لا سبيل إلى الثاني، للزوم الإمكان، و التركب من النقص و الكمال، و للتسلسل، ضرورة أن هذه الإرادة إما تحصل بلا إرادة، أو تحصل بنفسها، أو بإرادة أخرى زائدة، و الكل ممنوع، فيتعين كونها مستندة إلى إرادة ذاتية.

و توهم كفاية العلم الذاتي و القدرة الذاتيّة، لحصول تلك الصفة الزائدة على الذات، غير سديد كما عرفت‏ (2)، ضرورة أن المشية مأخوذة في القدرة، فكيف تكون القدرة ذاتية، و لا تكون المشية عين ذاته؟! هذا مع أن نسبة المعلوم و المقدور إلى العلم و القدرة بالإمكان، «و الشي‏ء ما لم يجب لم يوجد»، من غير فرق بين العلم الإمكاني و الوجوبيّ، و القدرة الإمكانية و الوجوبية، لعدم التخصيص في الأحكام العقلية.

هذا مع أن المقصود الأقصى إثبات الاختيار الذاتي، فهو تعالى ذو اختيار، و ليس صفة الاختيار له زائدة على ذاته بالضرورة، و إلا يلزم تحققها لذاته بلا اختيار، فما ترى في كتب المتكلمين و جماعة من الأصوليين: من نفي الإرادة الذاتيّة (3)، ظانين المصاعب الكثيرة في ذلك، كله ناشئ عن الجهالة، و عدم نيل‏

____________

(1)- تقدم في الصفحة 44.

(2)- تقدم في الصفحة 46.

(3)- شرح المقاصد 4: 128 و 133، شرح المواقف 8: 85- 86، محاضرات في أصول الفقه 2: 37- 38.

64

الحقائق من الطرق الصحيحة.

و هذا هو معنى الحديث الشهير: «إن الأشياء خلقت بالمشية، و المشية بنفسها» (1) فإن المشية الفعلية- و هي الوجود المنبسط مثلا- معلولة المشية الذاتيّة، و إلا فلا يعقل خلق الشي‏ء بنفسه الشخصية، كما لا يخفى.

إذا عرفت ذلك، فلا بد من أن تطلع على أن النّفس المتحدة، هي من دار القدرة و الملكوت، و من ذوات التجرد و الجبروت، تكون ظله تعالى في استجماعها جميع القوى- بنحو الكثرة- في الوحدة، على وجه لا يناقض بساطتها، و لا يضاد وحدتها.

و إن شئت قلت: أفعال النّفس تنقسم إلى الأفعال الجوارحية، و الجوانحية، فما كانت من أفعالها الجوارحية، تحتاج في وجودها إلى المبادئ المفصلة المزبورة، من التصور إلى العزم و الإرادة، و ما كانت من أفعالها الجوانحية، فلا معنى لاحتياجها في خلقها إلى المبادئ، كما هو الواضح بالوجدان.

فإذا لاحظت حال خلق النّفس للصور العلمية، و أنها تقدر على إيجادها لأجل وجود الملكة العلمية، أو لأجل كونها خلاقة لها، لارتفاع الحجب و الموانع عن تأثيرها فيها، و لا تكون في ذلك محتاجة إلى تصورها، بل هي توجد بنفس التصور، و كثيرا ما تقتدر على إيجاد الصور و المتخيلات بالاختيار، أي قد يحصل المعنى التصوري في النّفس بالأسباب و المعدات الخارجية، كالسماع و الإبصار، فعند ذلك لا تكون هي مختارة في حصولها.

و لكن فيما إذا كانت المبادئ لتحقيق المعنى التصوري، موجودة في خزانة النّفس من قبل، و تكون واجدة لمواد المرتسمات الذهنية، تكون بالاختيار و الخيار في ذلك أحيانا. و لكن لا اختيار لها على الإطلاق من جميع الجهات، كما لا خيار

____________

(1)- الكافي 1: 85- 4، التوحيد: 148.

65

للمبدإ الأعلى في علمه بذاته و علمه بغيره، لا لقصور في حقه تعالى، بل لعدم تعلق الاختيار في الواجبات و الضروريات.

إذا لاحظت ذلك، تقدر على أن تكون على بصيرة في الإرادة و القصد و العزم التي هي من الأفعال الجوانحية، فإنها خلاقة لها، و فعالة لها، من غير حاجة إلى الإرادة الفعلية و الاختيار الزائد على ذاتها، بل نفس ذاتها- بما لها من الكمالات الأولية، و بما أنها مستجمعة لجميع النعوت بنحو الجمع و الاندماج، مع نهاية الضعف و الفتور- مختارة في ذلك.

بل الاختيار من الأوصاف الذاتيّة غير المنقسمة إلى الاختيار الذاتي و الفعلي، بخلاف العلم و القدرة و الإرادة، و دليل ذلك عدم المحاكاة له في الأعيان، و لا الأذهان، مع وجوده فينا و في المبدأ الأعلى بالقطع و اليقين.

فعلى ما تقرر إلى هنا، تندفع الشبهة، و تنقطع السلسلة، و يثبت الاختيار.

و هذا الّذي ذكرناه مضافا إلى موافقته للبرهان، يشاهده الوجدان، فإن «من عرف نفسه فقد عرف ربه» (1) فإذا لاحظ كيفية تصدي النّفس لخلق هذه الأفعال، و أنها بالنسبة إليها فاعلة بالعناية، بل بالتجلي- بخلاف فاعليتها لأفعالها الجوارحية، فإنها بالقصد و الآلة- يتوجه إلى كيفية فاعليته تعالى، و إن كان هذا الأمر خارجا عما حاولته هذه السطور من التوضيح و التحرير.

إن قلت: هذا فيما إذا كانت الإرادة و الصور العلمية من الأفعال و مخلوقاتها، و أما إذا كانت من العوارض و حالاتها القائمة بها قياما حلوليا، فلا يتم ما أفيد و تقرر.

قلت: نعم، و لكن شهادة الوجدان و قضية البرهان- كما مر تفصيله- على أن الأمر ليس كما توهم، و لا سيما في الإرادة. مع أن مقتضى ما هو الأقرب، أنها بالنسبة

____________

(1)- غرر الحكم و درر الكلم: 7946.

66

إلى جميع المدركات الخيالية و الوهمية بالإيجاد و خلق المماثلات، على التفصيل المذكور في الكتب المفصلة (1)، و ما هو النافع لنا هنا كون الإرادة فعلها، و هو كذلك بالضرورة و الوجدان.

بل الحق بناء على كونها قائمة بالنفس قياما حلوليا أيضا، استنادها إليها، و تقومها بها، فتكون النّفس متصدية لوجودها، و لكن ذلك لا بإرادة أخرى زائدة على ذاتها، بل بإرادة عين ذاتها، و اختيار عين حقيقتها، فإنها مجمع الكمالات، قضاء لحق تجردها، و لحق التشكيك الخاصي الثابت بين أنحاء الوجودات، و لا سيما المجردات كما لا يخفى.

إن قلت: كيف يعقل الإرادة الذاتيّة مع كونها من الصفات ذات الإضافة، فيلزم كون جميع المرادات داخلة في الذات، و قديمة الوجود و قديما ذاتيا؟! قلت: هذا في المبدأ الأعلى مندفع: بأن المراد نفس ذاته، لأنه المحب و المحبوب، و الغاية في الخلق ذاته، بظهورها عليها، كما في الحديث الشريف‏ (2).

و نظيره فينا إذا تعلقت ببقاء الإنسان، فإن المراد نفس الذات، لا أمرا خارجا عنها حتى يلزم ما توهم. و ليس معنى تعلق الإرادة المتعلقة بالذات، كون الذات متصدية لإيجادها، بل ذلك تابع لكيفية تعلق الإرادة، كما مضى‏ (3). هذا في المبدأ الأعلى.

و أما فينا، فربما يشكل لأجل عدم تصدي النّفس للإرادة دائما، بل ربما تريد، و ربما لا تريد بالإرادة الفعلية، و تلك الإرادة معلولة الإرادة الذاتيّة، فيلزم الاضطرار الدائم للإرادة الذاتيّة.

____________

(1)- الحكمة المتعالية 2: 264- 266.

(2)- لعله إشارة إلى حديث «كنت كنزا مخفيا فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق لكي أعرف»، بحار الأنوار 84: 344.

(3)- تقدم في الصفحة 43- 44.

67

و حله: أن المراد من «الإرادة الذاتيّة» هو تصدي الذات لخلق الإرادة الفعلية، من غير احتياجها إلى الإرادة الأخرى، و الذات تحتاج في التصدي إلى المبادئ، و إذا حصلت المبادئ و أدرك الصلاح، يختار الإرادة، من غير الحاجة إلى الإرادة الأخرى، و هذا لا يستلزم كون الفعل النفسانيّ- و هي الإرادة- اضطرارية، لاختيارية ذاتية سابقة عليها.

إن قلت: نسبة الإرادة الفعلية إلى الاختيار الذاتي بالإمكان، فلا بد من الإرادة، لخروجها من الإمكان إلى الوجوب.

قلت: لا يتقوم الخروج المذكور بثبوت الإرادة الذاتيّة في النّفس، بل النّفس تتصدى لذلك من غير احتياج إليها، كما هو المشاهد بالوجدان.

و إن شئت قلت: إدراك رجحان وجودها، كاف في صرف قدرتها إلى طرف، فتأمل جيدا.

إن قلت: لا معنى للإرادة الذاتيّة و الاختيار الذاتي في الممكنات، لأن المراد من «الذاتي» إما ذاتي باب الإيساغوجي، أو ذاتي باب البرهان:

أما الأول: فواضح المنع.

و أما الثاني: فهو خارج المحمول الّذي لا يتصور إلا في حقه تعالى، الّذي ذاته الوجود و العلم و القدرة و الإرادة، و أما في الممكنات فإن لها الماهيات، و الوجود و كماله خارج عنها، و محمول عليها بالضميمة، و إن كانت الحيثية التعليلية عين الحيثية التقييدية في المجردات الأمرية.

قلت: نعم، و لكن كمالات الوجود بما هو الوجود، كلها خارج المحمول، من غير فرق بين أنحاء الوجودات.

نعم، بالقياس إلى الحدود و الماهيات محمولات بالضميمة، فالإرادة ذاتية للنفس، أي أن وجود النّفس واجد لها بوجدانها أصل وجودها، لا أمر زائد عليها، كما في الصور الارتماسية و المعاني الوهمية، فإنها موجودة لها، زائدة على أصل‏

68

الوجود، ظاهرة عليها من بطونها بعد ارتفاع الحجب عنها، أو بعد اتصافها بالملكية الداخلة في أصل وجودها، خلاقة للصور المفصلة.

هذا مع أن المعروف بين أبناء الفضيلة، أن النّفس و ما فوقها إنيات صرفة لا ماهية لها (1)، من غير لزوم التنافي مع القاعدة المعروفة «كل ممكن زوج تركيبي من ماهية و وجود» و للمسألة شأن آخر، و معلم و متعلم أعلى، فلتطلب من محالها.

و بعبارة أخرى: جعل النّفس بالجعل البسيط، يكفي عن جعل الإرادة و الاختيار الذاتيين، بخلاف الإرادة و العلم الزائدين على أصل وجودها، فإنهما يحتاجان إلى جعل آخر، فهذا هو المراد من «الذاتي» في المسألة، فلا تخلط، و لا تغتر بما في ظواهر سمعتها.

و المناط في تشخيص العناوين الذاتيّة عن غيرها: هو أن كل حيثية كانت النّفس عالمة بها بعلم حضوري- بمعنى أن علمها بنفسها كاف عن العلم بها- فهي داخلة في وجود النّفس، و لا يعقل جعل بينها و بين النّفس، و لا شبهة- وجدانا- في أن الاختيار مما يدركه النّفس بإدراك ذاتها، لا بصورة زائدة على ذاتها.

إن قلت: الاختيار الذاتي و الإرادة الذاتيّة، يستلزم التفويض.

قلت: كلا، فإن التفويض يستلزم وجوب الوجود، و الاستقلال في الفعل يلازم الاستقلال في الذات، و هذا غير لازم من تلك المسألة، فتدبر.

السادس: حول تقسيم الإرادة إلى التكوينية و التشريعية

من تلك المباحث بحث تقسيمها إلى الإرادة التكوينية و التشريعية، و هذا التقسيم ليس بلحاظ ذاتها، لعدم اختلافها في القسمين بحسب الحقيقة، بل التقسيم بلحاظ أمر خارج عنها متعلق بها، و هو متعلقها، و سرايته إليها لأجل كونها من‏

____________

(1)- لاحظ الحكمة المتعالية 1: 43.

69

الصفات ذات الإضافة، فتلك الإرادة في التشريعية و التكوينية واحدة، و إنما اختلافها بحسب المراد.

ثم إن الّذي حداهم إلى هذا التقسيم، ما رأوا من القاعدة المعروفة المسبوقة «و هي أن الإرادة الجزء الأخير من العلة التامة» فبعد ما سمعوا ذلك، لاحظوا انتقاضها بالإرادة المتعلقة في الأوامر و النواهي بصدور الفعل من المكلف، مع عدم صدوره منه، فإنها تتخلف عن المراد، فبنوا على تخصيص القاعدة العقلية، أو تضييق مصبها، و بيان موقفها:

فقال «الكفاية» في موضع منها جوابا عن النقض المزبور: «بأن استحالة التخلف، إنما تكون في الإرادة التكوينية، و هي العلم بالنظام على النحو الكامل التام، دون الإرادة التشريعية، و هو العلم بالمصلحة في فعل المكلف، و ما لا محيص عنه في التكليف إنما هو هذه الإرادة التشريعية، لا التكوينية» (1) انتهى.

و قد صدقه جماعة من الأفاضل فيما أفاده، و منهم العلامة الأراكي صاحب «المقالات» فقال: «الإرادة التشريعية: هي التي تعلقت بصدور الفعل من غيره بالاختيار، و الإرادة التكوينية ليست كذلك، و الأولى تنفك عن المراد، دون الثانية» (2).

و قال المحشي العلامة (قدس سره): «إن الإرادة التشريعية ليست ما تتعلق بالتحريك و البعث، فإنهما من أفعاله، فلا مقابلة بين التشريعية و التكوينية، بل التشريعية هي الشوق المتعلق بفعل الغير اختيارا. و هذا الشوق يتصور فيما إذا كان لفعل الغير فائدة عائدة إلى المريد، و إلا فلا يعقل تحقق الشوق المزبور، و لذلك لا يعقل هذا

____________

(1)- كفاية الأصول: 88.

(2)- مقالات الأصول 1: 216.

70

النحو من الإرادة في النفوس النبوية و العلوية» (1) انتهى.

فتحصل إلى هنا: أن جماعة اختاروا التفكيك بين الإرادتين‏ (2).

و هذا المدقق النحرير و إن أشرف على التحقيق‏ (3)، و لكنه لم يأت بجميع ما هو الحق، فذهب إلى اتحاد الإرادة التكوينية و التشريعية في المبدأ الأعلى و المبادئ العالية، بإنكار المقابلة. و هذا معناه اختياره الإرادة التشريعية في مقابل التكوينية في العرف و العقلاء و النفوس الجزئية المستفيدة.

و الّذي هو الحق: أن الإرادة التشريعية كالتكوينية من حيث المبادئ و الأحكام، و إنما الاختلاف بينهما في المتعلق و بحسب المراد، ضرورة أن الإرادة من الأعيان الموجودة في أفق النّفس، فتحتاج إلى العلة بالضرورة من غير فرق بينهما.

نعم، إذا أراد الإنسان و الفاعل المباشر شرب الماء، يتحرك نحوه بحركة عضلات اليد و الرّجل مثلا، و حركة الفم و الازدراد، حتى يحصل الشرب.

و إذا رأى أن يتصدى خادمه لذلك، فلا يريد إلا ما هو في اختياره، أي لا يتمكن من إرادة شي‏ء خارج عن اختيار المريد و هو صدور الفعل من المأمور به، لأنه أمر خارج عن حيطة سلطانه، بل هو يريد تحريكه و بعثه نحو إتيان الماء، و هذا أمر مقدور له، فيبعثه نحوه باستعمال الهيئات الموضوعة لذلك، فيتوسل بها إلى ما هو غرضه و مقصوده اللبي.

و عند ذلك يعلم، عدم الفرق بين الإرادة المتعلقة بتحريك الغير، و بين الإرادة المتعلقة بحركة نفسه نحو إتيان الماء، في الحكم، فتكون هاتان الإرادتان غير

____________

(1)- نهاية الدراية 1: 281.

(2)- كفاية الأصول: 88، مقالات الأصول 1: 216.

(3)- نهاية الدراية 1: 281.

71

متخلفتين عن المراد.

فلا فرق بين كون الغرض الفائدة العائدة إليه، أو كون الغرض الفائدة العائدة إلى المأمور، فإن الإرادة التشريعية في جميع الأفراد- نبيا كان، أو وليا، أو عاديا- لا تختلف حسب المتعلق و المراد، و إنما الاختلاف في المقاصد و الأغراض الخارجة عن حيطة الإنشاء و إبراز المراد، كما هو الظاهر. و بعد هذا البيان القويم البنيان، ينقدح مواضع الخلط في الكلمات.

هذا مع أن الإرادة المتعلقة بفعل الغير اختيارا، تستلزم تحقق المراد بالإرادة و الاختيار، لأن ترجيح أحد الطرفين بإرادة غالبة على الإرادة المباشرية، لا ينافي صدور الفعل عن الإرادة و الاختيار، و لا يلزم الخلف المتوهم في كلمات صاحب «المقالات» (1).

ثم إن الظاهر من «الكفاية» تفسير الإرادة في التكوينية و التشريعية: بالعلم بالصلاح‏ (2)، و قد عرفت: أن الإرادة بمعنى واحد في الذاتيّة و الفعلية، و في المبدأ و غيره، و إنما الاختلاف في هذه الإرادات في الأمور الخارجة عنها اللاحقة بها، فتوصيفها ب «التشريعية» لأجل تعلقها بالتشريع و التقنين.

و أما كيفية الإرادة التشريعية في المبدأ الأعلى، فهي من المسائل الغامضة التي قلما يتفق لبشر أن يصل إلى مغزاها، و يكشف لديه مصيرها و موردها، فإن ذلك من شعب كيفية نزول الوحي و إيحاء الكتب إلى الأنبياء المرسلين، و هذا من أسرار الأسفار الأربعة، و من بطون المعارف الإلهية، و قد فصلناه في «القواعد الحكمية» (3)

____________

(1)- مقالات الأصول 1: 216، بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي) الآملي 1:

(2)- كفاية الأصول: 88.

(3)- القواعد الحكمية، للمؤلف (قدس سره)، (مفقودة).

72

فتكون خارجة عن هذه العلوم الاعتبارية.

و لقد أشير إلى بعض مراتبها و طائفة من رموزها في الكتاب الإلهي، و لعل منه قوله تعالى: نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلى‏ قَلْبِكَ‏ (1).

و قوله تعالى: إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ‏ (2).

و قوله تعالى: إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى‏ عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى‏ ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوى‏ وَ هُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى‏ ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى‏ فَأَوْحى‏ إِلى‏ عَبْدِهِ ما أَوْحى‏ ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى‏ أَ فَتُمارُونَهُ عَلى‏ ما يَرى‏ وَ لَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى‏ عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى‏ عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى‏ (3).

و ربما يشير إلى تلك البارقة الإلهية ما عن الصادق (عليه السلام): «و اللَّه، ما جاءت ولاية علي (عليه السلام) من الأرض، و لكن جاءت من السماء مشافهة» (4).

و قال في «الصافي»: «و في التعبير عن هذا المعنى بهذه العبارة، إشارة لطيفة إلى أن السائر بهذا السير منه سبحانه نزل، و إليه صعد، و أن الحركة الصعودية كانت انعطافية، و أنها لم تقع على نفس المسافة النزولية» (5) انتهى.

و الحمد لله أولا و آخرا، و ظاهرا و باطنا.

____________

(1)- الشعراء (26): 193.

(2)- الواقعة (56): 77- 78.

(3)- النجم (53): 4- 15.

(4)- الكافي 1: 443- 13.

(5)- تفسير الصافي 5: 88.

73

الفصل الثاني فيما يتعلق بهيئة الأمر و صيغتها وضعا

و هو يتم في مقامين:

74

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

75

تمهيد

و قبل الخوض في ذلك، لا بد من الإشارة إلى الخلط الواقع في كلمات الأعلام رحمهم اللَّه و هو أن عنوان المسألة، أجنبي عن البحث عن الجمل الخبرية المستعملة في مقام الإنشاء، فعلا كان، أو تركا. هذا أولا.

و ثانيا: لا معنى لعقد البحث حول دلالة الصيغة على الوجوب مستقلا، لأن القول الأعرف أنها تدل على الطلب الوجوبيّ، فالبحث عن الوجوب و الندب، ليس خارجا عن البحث عن حدود الموضوع له.

نعم، بناء على بعض الأقوال: و هو أن الموضوع له في الصيغة هو الطلب المطلق‏ (1)، أو البعث المطلق‏ (2)، و بناء على بعض الأقوال الاخر (3)، يأتي النزاع الآخر: و هو أنه هل يمكن استفادة الوجوب و الحصة الخاصة من الطلب مثلا، أم لا؟

و ثالثا: ليس بحث التعبدي و التوصلي، من المباحث الراجعة إلى هيئة الأوامر، لأنه من تقسيمات الواجب، و لو كان مجرد المساس إلى الهيئة كافيا، لكان‏

____________

(1)- الفصول الغروية: 64- السطر 38.

(2)- لاحظ نهاية الدراية 1: 307.

(3)- لاحظ مفاتيح الأصول: 110- 111.

76

ينبغي ذكر جميع المباحث هنا، فافهم و لا تخلط.

و رابعا: كثير من المباحث الآتية- كمبحث المرة و التكرار، و الفور و التراخي، و النفسيّة و الغيرية- خارجة عنها وضعا، و مربوطة بها إطلاقا، كما لا يخفى.

77

المقام الأول في أنها هل لها معنى واحد، أو معان متعددة؟

و على الأول: هل معناها الواحد هو الطلب، أو البعث البسيط، من غير تلونه بلون خاص، أو هو الطلب الوجوبيّ، أو البعث الوجوبيّ، أو الندبي، فيصير المحتملات ستة.

و على الثاني: فهل هي حقيقة في التعدد بالوضع التعييني، أو بالوضع التعيني، لكثرة الاستعمال مجازا؟

و تلك المعاني المتعددة كثيرة، منها: الطلب بقسميه، و الإغراء، و التحذير، و الاستهزاء، و التعجيز، و الإرشاد، و غير ذلك من المذكورات في الكتب المفصلة (1).

كما أن الأقوال في المسألة مختلفة:

أما وحدة المعنى، و تعدد المستعمل فيه مجازا، فهو ساقط، كما مر في‏

____________

(1)- مفاتيح الأصول: 110- السطر 18، هداية المسترشدين: 137- السطر 17، بدائع الأفكار، المحقق الرشتي: 214- 215.

78

المجازات‏ (1).

و أما توهم تعدد المعنى‏ (2) فهو في غاية الوهن، لما فيه- مضافا إلى البعد- من عدم شهادة شي‏ء عليه، و تخيل أن كثرة الاستعمالات في المختلفات من المواقف، دليل تعدد الوضع، في غير محله، لأن الخلط بين الدواعي استلزم ذلك، كما أفاده الأصحاب رحمهم اللَّه‏ (3).

فالهيئة في قوله تعالى: فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَ ادْعُوا شُهَداءَكُمْ‏ (4) مثلها في قوله تعالى: أَقِيمُوا الصَّلاةَ* (5) إلا أن الداعي في الأولى إفادة العجز بلازم الاستعمال، و في الثانية إفادة الاستهزاء به، و في الثالثة كذلك، أي إفادة نفس البعث إلى المتعلق مثلا، و هكذا في التمني و الترجي.

بل الأمر كذلك في سائر الهيئات المستعملة في المختلفات، كالاستفهام، فإن أداته ليست موضوعة للمتعدد، حتى يصير له معنى استفهاميا حقيقيا، و معنى إنكاريا و هكذا، بل الخصوصيات مستفادة من اللواحق الخارجة عن حدود الموضوع له.

و قد يشكل: بأنه لا بد من الالتزام بالتعدد، لأن كل استعمال لا يخلو من داع، فهو أمر لاحق بالهيئة، و غير داخل في الموضوع له، ففيما يستعمل في العجز و الاستهزاء و التهديد و الإنذار، يكون المستعمل فيه واحدا، و الدواعي مختلفة، و يريد المستعمل إبراز داعيه بذلك، و إظهار مقصوده بمثله، من غير الاستعمال المجازي، أو

____________

(1)- تقدم في الجزء الأول: 142- 144.

(2)- محاضرات في أصول الفقه 2: 122- 123.

(3)- بدائع الأفكار، المحقق الرشتي: 215- السطر 25، كفاية الأصول: 91، بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي) الآملي 1: 210.

(4)- البقرة (2): 23.

(5)- البقرة (2): 43 و 83 و 110.

79

لزوم تعدد الموضوع له، فلا بد من كونه كذلك أيضا، في الهيئات المستعملة في الكتاب تكليفا للعباد، فيكون الداعي في الأمر بالصلاة و الصوم، إبراز شي‏ء زائد على أصل البعث و الطلب، و هو اللزوم و الثبوت و الوجوب و التحتم، مع أنه غير قابل للتصديق، و ليس أمرا وراء ذلك يمكن أن يعد داعيا في هذه الاستعمالات، فيتعين تعدد الموضوع له.

و بعبارة أخرى: ما أفاده «الكفاية» بقوله: «إن الصيغة لم تستعمل في واحد منها إلا في إنشاء الطلب، و لكن الداعي إلى ذلك كما يكون تارة: هو البعث و التحريك نحو المطلوب الواقعي، يكون أخرى: أحد هذه الأمور، كما لا يخفى» (1) انتهى، في غاية الإشكال، لأن البعث و التحريك هو تمام مفاد الهيئة، و ليس داعيا زائدا على أصل الموضوع له. مع أنك عرفت لزوم أمر آخر وراء الموضوع له و المستعمل فيه، يعد هو الداعي، كما في سائر الاستعمالات.

و ما أفاده بقوله: «قصارى ...»- (2) و هو كون الموضوع له هو إنشاء الطلب المقيد بداعي البعث و التحريك، فيكون مجازا في سائر الاستعمالات- غير سديد عندنا، من إنكار الاستعمالات المجازية، بمعنى الاستعمال في غير الموضوع له.

اللهم إلا أن يقال: بأن الهيئة للبعث و التحريك الاعتباري إلى المادة، و إذا لم يكن قرينة على إحدى الدواعي، فهي تفيد مطلوبية المادة حقيقة.

إن قلت: ما هو الداعي هو جعل المادة و المتعلق على ذمة المكلفين، و تكون متكفلة لإفادة الجهة الوضعيّة في هذا البعث و التحريك الإنشائيّ، في خصوص التكاليف الإلهية، فالداعي في «صل» و أمثاله، جعل الصلاة في الذّمّة و دينا.

قلت: هذا غير معقول للزوم التسلسل، ضرورة أن مجرد اشتغال الذّمّة، غير

____________

(1)- كفاية الأصول: 91.

(2)- نفس المصدر.

80

كاف لانبعاث المكلف و القيام نحوه، فلا بد من إيجاب إفراغ الذّمّة و الأمر به، و إذا كان مفاد الأمر الثاني أيضا جعل شي‏ء في الذّمّة يتسلسل، فلا تغفل.

فتحصل: أن القول بوحدة الموضوع له، ليس واضحا سبيله، سواء كان المستعمل فيه أيضا واحدا، فلا يكون مجازا أصلا، أو كان متعددا و مجازا.

إن قلت: لا بد من الالتزام بتعدد المستعمل فيه، فيكشف منه تعدد الموضوع له، لأن الأصل كون الاستعمال على نعت الحقيقة، و ذلك لأن الإنشاء هو إبراز المعتبر النفسانيّ و الوجود الذهني، بحيث يكون ما به الإنشاء بعد الإنشاء، مصداقا لذلك المعتبر حقيقة.

مثلا: استعمال الهيئة في الاستهزاء و التعجيز و نحوهما، ليس إلا إبراز ما في القلب و النّفس من السخرية و الاستهزاء و ما شاكلهما، فالصيغة في كل مورد منهما، تبرز معنى يختلف عن الثاني و يغايره، فيكون المعنى المستعمل فيه متعددا.

قلت: هذا من الآراء الفاسدة التي أشرنا في الصحيح و الأعم و في غير موضع إلى مفاسده‏ (1)، ضرورة أن الأمور النفسانيّة- بقيد النفسانيّة- غير قابلة للإبراز و الإظهار، و ما هو القابل هو المعاني الاعتبارية مع قطع النّظر عن التقيد المزبور، فيكون الإنشاء هو الإيجاد الاعتباري المستلزم للوجود الاعتباري في محيط الاعتبار.

فالمستعمل فيه أمر، و ما هو السبب لبروز الدواعي أمر آخر، فإن المستعمل فيه هو المعنى الإيجادي، بعثا كان، أو طلبا، أو غيرهما، و هو الموضوع له، و هذا الاستعمال بعد تحققه، كاشف و مبرز لما هو الداعي إليه، و المقصود الأصلي منه، و المراد الجدي، فلا تخلط.

و أما توهم: أن قضية هذا التقرير تعدد المستعمل فيه، دون الموضوع له، لأن الاستعمال أعم من الحقيقة، فهو أفسد، لما أشير إليه من أن جميع الاستعمالات‏

____________

(1)- تقدم في الجزء الأول: 233- 234.

81

المجازية، حقائق لغوية، و مجازات عقلية (1). هذا كله بناء على التعدد.

و أما بناء على الوحدة، فاحتمال كون الموضوع له الطلب الندبي أو البعث الندبي، في غاية الوهن، لعدم الشاهد عليه، و الاستعمال الكثير في الندب، لا يقتضي كونه هو الموضوع له، و غيره مجازا، كما هو الظاهر.

و كذا احتمال كونه الطلب الوجوبيّ، أو البعث الوجوبيّ، بمعنى أن الموضوع له مركب و مقيد، كما عرفت من «الكفاية» احتماله، بل تقويته‏ (2).

و لكن المستفاد منه هو القضية الحينية، و هي غير معقولة في المقام، لرجوعها إلى القضية المشروطة. اللهم إلا أن ترجع إلى تعهد الواضع ممنوعية الاستعمال إلا في مقام الداعي إلى البعث و التحريك، و هذا أيضا غير صحيح جدا.

و أما كون القيد هو الوجوب، فهو و إن ساعده أحيانا بعض الانصرافات، و لكن المتبادر و المنصرف إليه في مجموع الهيئات، عدم كون الوجوب بمفهومه الاسمي داخلا، و لا سيما على القول: بأن مفادها معان حرفية، و استفادة الوجوب عند البعث و التحريك و الطلب و الاستعمال بأمر آخر، كما لا يخفى.

فبقي احتمالان آخران:

أحدهما: ما هو المشهور، من أنها موضوعة لإنشاء الطلب‏ (3).

و ثانيهما: أنها موضوعة للبعث نحو المادة و المتعلق، من غير كون مفهوم الطلب الاسمي واردا في الموضوع له، أو البعث الاسمي، لأنها تفيد المعنى الجزئي.

و تفسير مفاد الصيغة: بالطلب و البعث و الإغراء، غير مستلزم لكونها داخلة في‏

____________

(1)- تقدم في الجزء الأول: 142- 144.

(2)- كفاية الأصول: 91.

(3)- كفاية الأصول: 91، نهاية الأفكار 1: 177، الحاشية على كفاية الأصول، البروجردي 1: 172.

82

الموضوع له بالمفاهيم الاستقلالية (1).

و الّذي هو الأقرب فعلا إلى النّفس- بعد المراجعة إلى الموارد المختلفة من استعمالات الصيغ، خصوصا فيما تستعمل بالنسبة إلى الحيوانات، و لا سيما عند مراجعة الأبكمين في إفادة المقاصد، و خصوصا إذا راجعنا حالات البشر قبل التاريخ، و أن الألفاظ قامت مقام الحركات الصادرة من الأعضاء و اليد في الإفادة و الاستفادة- أن الهيئات قائمة مقام الإشارات من الآخرين، و إذا كان رب الكلب يأمر المتعلم نحو الصيد باليد و الهيئات الاستعمالية، فلا يتبادر منه إلا أنها موضوعة للتحريك الاعتباري و البعث و الإغراء نحو المادة في عالم الوضع و اللغات. و سائر المفاهيم- من الطلب و غيره- مستفادة من ذلك، للملازمة العقلائية بين هذه الحركات و الصيغ، و تلك المعاني، فافهم.

إن قلت: كيف يمكن ترشح الإرادة إلى البعث جدا في سائر الاستعمالات، كالتعجيز، و الاستهزاء؟! و الاستعمال الأعم خارج عن الموضوع له بالضرورة، و إلا يلزم كون البعث المتوجه إلى الجدار و الدار، من البعث حقيقة، فاحتمال كون المخاطب ينبعث من هذا التحريك الاعتباري و البعث بالصيغة، شرط في صدق الموضوع له و تحققه.

فما في «الكفاية» (2) و غيره‏ (3): من أنه في جميع هذه الاستعمالات إنشاء الطلب، غير قابل للتصديق، و هكذا ما أفاده الوالد المحقق- مد ظله- (4).

____________

(1)- مناهج الوصول 1: 243.

(2)- كفاية الأصول: 91.

(3)- نهاية الأفكار 1: 177.

(4)- مناهج الوصول 1: 245.

83

قلت: لا منع من الالتزام بأنه لإنشاء الطلب الأعم من الجد و الهزل، و للبعث و الإغراء الأعم من الواقعي و الصوري.

اللهم إلا أن يقال: كيف يمكن الالتزام بأنه صوري و هزل، مع أن الاستعمال متقوم بالجد، أو أن الاستهزاء متقوم به أيضا؟! و الّذي هو التحقيق في المقام: ما ذكرناه في الأوامر الامتحانية و الأعذارية، من أن ترشح الإرادة الجدية، ليس منوطا بكون المصلحة في المأمور به، بل ربما يتفق الصلاح في الجعل، و يؤدي إلى ترشح الإرادة الجدية، كما مر تفصيله في الطلب و الإرادة (1)، فعليه يترشح الإرادة الجدية إلى البعث و الزجر، لما فيه المقصود و المطلب: و هو السخرية و التعجيز.

فتحصل إلى هنا: أن ما هو المتفاهم من الهيئة- بعد المراجعة إلى قيامها مقام الإشارات- هو التحريك و البعث و الإغراء، لا بمفهومها الإنشائيّ، بل بمصداقها الشائع الصناعي.

إن قلت: بناء عليه يلزم كون الموضوع له خاصا، مع أن مقتضى ما تحرر عموم الموضوع له في الهيئات‏ (2).

قلت: نعم، و لكنه فيما لم يكن دليل يقتضيه.

إن قلت: قضية بعض الشبهات السابقة في الوضع، امتناع عموم الوضع، و خصوص الموضوع له‏ (3).

قلت: نعم، و لكنه قد مضى إمكان ذلك بالاستعمال، و إلغاء الاختصاص بدال‏

____________

(1)- تقدم في الصفحة 28.

(2)- تقدم في الجزء الأول: 118- 121.

(3)- تقدم في الجزء الأول: 77- 80.

84

آخر، و أن الواضع كما يمكن له وضع الخاصّ، و الموضوع له العام بالاستعمال، و إلغاء الخصوصية، يمكن له العكس، بإلغاء الاختصاص‏ (1)، ففي مقام وضع أسماء الإشارة مثلا، يتوصل بالاستعمال الخارجي إلى الموضوع له، و بإفادة عدم اختصاص هذه اللفظة بهذه الشخصية و الهوية، يتوصل إلى تجويز استعمالها في سائر المسانخات مع المستعمل فيه و المشابهات معه، فافهم و اغتنم.

ثم إنك قد عرفت فيما مضى: أن الوضع في جميع الهيئات نوعي‏ (2)، و هكذا في المواد، لما عرفت: من أن المناط في الوضع الشخصي، كون الهيئة و المادة معا موضوعة بوضع واحد، كما في الجوامد (3).

و أيضا قد مضى: أنه وضع فعلي، لا تهيئي، لأن معنى الوضع التهيئي، عدم دلالة الموضوع على شي‏ء إلا مع الانضمام، و المادة و الهيئة الموضوعتان و إن دلتا على معنى مخصوص، و لكن المادة بلا هيئة معلومة أو موضوعة، تدل على المعنى التصوري، و لا دال معها على خصوصيتها، و هكذا في جانب الهيئة، فلا تخلط.

تذنيب: في محذور إيجادية استعمال الصيغة في معناها و جوابه‏

قضية ما مر منا: أن صيغة الأمر ليست إلا قائمة مقام التحريك باليد في عالم الاعتبار و المواضعة (4)، و عند ذلك قد يشكل استعمال ذلك، للزوم كونه استعمالا إيجاديا، و الاستعمال الإيجادي مستحيل، لتقوم الاستعمال بتقدم المعنى المستعمل‏

____________

(1)- تقدم في الجزء الأول: 75.

(2)- تقدم في الجزء الأول: 110- 111.

(3)- تقدم في الجزء الأول: 358- 359.

(4)- تقدم في الصفحة 82.

85

فيه عليه و لو بالرتبة، أو و لو كانا معا في الزمان، بل في الرتبة، ضرورة أن الاستعمال في سائر الألفاظ، ليس سبب تحقق المعنى، بل المعنى يتحقق بعلة أخرى متقدمة على الاستعمال، أو مقارنة معه، و أما إذا كان نفس الاستعمال علة وجود المعنى، فهو متقدم عليه بالرتبة، فكيف يصح الاستعمال، و يترشح الإرادة إلى ذلك؟! و إليه يشير العلامة المعظم في «الدرر» فأنكر الاستعمال الإيجادي‏ (1).

و يمكن حله: بأن المعاني التي تستعمل فيها الألفاظ، تتصور قبل الاستعمال، و باستعمالها فيها يعتبر وجود تلك المعاني خارجا، فافهم و اغتنم.

إيقاظ و إرشاد: في كيفية استعمال الباري للصيغ الإنشائية

قضية ما مر في صيغة الأمر (2): أن سائر الصيغ الإنشائية- كألفاظ التمني، و الترجي، و الاستفهام، و التشبيه- ليست مستعملات في المعاني المختلفة مجازا، أو اشتراكا لفظيا، حتى في المبدأ الأعلى تعالى و تقدس، و الّذي هو الموضوع له و المستعمل فيه، هي المعاني الوحدانية، و سائر الاستعمالات ترجع إليها، و تختلف بالدواعي و الأغراض.

و ما هو المعنى الوحدانيّ، هو المعنى الاعتباري الكلي المتخذ من الأمور الواقعية القلبية و الوجدانية، من غير كونها داخلة في الموضوع له، فإذا قيل: لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْراً (3) أو قيل: لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى‏ (4) فليس معناهما

____________

(1)- درر الفوائد، المحقق الحائري: 41.

(2)- تقدم في الصفحة 78.

(3)- الطلاق (65): 1.

(4)- طه (20): 44.

86

إلا رجاء التحقق، من غير دخول سائر اللوازم في الموضوع له، و منها الجهل و العجز مثلا، بل لا بد هنا من منشأ، و هو أعم من العلاقة الإمكانية الملازمة للجهل و العجز، أو المحبة الوجوبية المقارنة مع العلم و القدرة.

و بعبارة أخرى: جميع الترجيات و التمنيات في الكتاب و السنة حقيقية، لأن ميزان الحقيقي و الإنشائيّ: هو أنه إن كان في المتكلم محبة و علاقة بالنسبة إلى تحقق المرجو و المتمنى، فهو حقيقي، و إلا فهو إنشائي و صوري.

و هذا يتصور في حقه تعالى، لأنه مع علمه و قدرته يحب هداية فرعون، و لكن للزوم المفاسد في النظام الأتم مثلا، لا يمكن تعلق المشية به، و لذلك ورد:

فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ‏ (1) و عدم القابلية و عدم إمكان الجمع بين لوازم الخلق، لا يورث قصورا في الخالق، فعند ذلك يصح أن يقال: لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى‏ (2) من غير كونه صوريا، فما ترى في الكتب من التخيلات، و حملها على المجازات‏ (3) كما أشير إليه، غير مرضي، لعدم الاحتياج إليه بعد وضوح حملها على الحقيقة، و بعد إمكان تعلق الرجاء و التمني للمستحيلات، فافهم و اغتنم.

و في الاستفهام ليس إلا طلب الفهم القائم مقام حركة اليد في الطلب، و لكنه كما يحصل بحركة اليد طلب الفهم الواقعي و الحقيقي، كذلك بها يحصل معنى الاستفهام الإنكاري، فما ترى في كتاب ابن هشام من جعل معنى همزة الاستفهام قريبا من السطر الواحد (4)، لا يخلو من تأسف.

____________

(1)- الأنعام (6): 149.

(2)- طه (20): 44.

(3)- كفاية الأصول: 91- 92، تنقيح الأصول (تقريرات الإمام الخميني (رحمه اللَّه)) الاشتهاردي 1: 241.

(4)- مغني اللبيب: 4- 17.

87

هذا، و ربما يحسن الكلام بتغافل العالم و القادر عن لوازم الاستعمال، فيكون من الاستعمال الحقيقي أيضا، و لكنه ادعاء، و هذا لا يستلزم المجازية في الكلمة، و إن كان من المجاز العقلي الّذي ذكرناه في محله، و هو اختلاف المراد الاستعمالي مع المقصود الجدي‏ (1)، فما في «الكفاية» من تقسيم هذه المعاني إلى الحقيقي و الإنشائيّ‏ (2)، لا يخلو من غرابة، فإن ما هو الحقيقي ليس من الموضوع له رأسا، فلا تخلط.

____________

(1)- تقدم في الجزء الأول: 142- 144.

(2)- كفاية الأصول: 91.

88

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

89

المقام الثاني في دلالة الصيغة على الوجوب ثبوتا و إثباتا

بعد ما عرفت وحدة المعنى، و أنه هو التحريك الاعتباري بالحمل الشائع، من غير أخذ القيد الآخر فيه من الوجوب أو الندب، فلا بد من الالتزام بأحد أمرين: إما عدم لزوم الامتثال عقيبه إلا مع القرينة، أو إثبات أن عدم القرينة على سائر المعاني، قرينة الوجوب و التحتم، من غير لزوم كون الاستعمال مجازيا. لا سبيل إلى الالتزام بالأول، فيتعين الثاني.

و أما الدليل على الدعوى الأولى: فهو أن بناء العرف و العقلاء عليه قطعا.

و كثرة الاستعمالات الاخر مع القرائن، لا تورث قصورا في بنائهم، كما هو المشاهد.

و دعوى: أن بناءهم على الأخذ بالأمر لوجود قرينة عليه، حالية كانت، أو مقالية (1)، غير بعيدة، و لكن المراجعة إلى عادتهم تعطي أنهم يؤاخذون عليه، و يحتج بعضهم على بعض، من غير توقف على القرينة، و من غير انتظارها، فأصل هذا

____________

(1)- بدائع الأفكار، المحقق الرشتي: 273- السطر 10- 12.

90

و لزوم التبعية، مما لا شك فيه إنصافا.

و توهم: أن ما هو موضوع البحث ليس مطلق الصيغة، بل الصيغة الصادرة عن الاستعلاء و العلو جمعا، أو على سبيل منع الخلو، و في ذلك كفاية للقرينية، من غير حاجة إلى إثبات الدعوى الثانية (1)، فاسد، ضرورة أن التحقيق في تلك المسألة، عدم اعتبارهما في مفهوم الأمر رأسا. مع أن المعروف بينهم كفاية العلو.

هذا مع أن الأوامر الندبية، صادرة عن المبادئ العالية، فلا يكفي ذلك للقرينية.

إذا عرفت ذلك فاعلم: أن البحث حول الدعوى الثانية يقع في جهتين:

الجهة الأولى: في إمكان التوسل إلى إفادة الإرادة الحتمية اللزومية، و إلى إفادة الوجوب و اللزوم، بالهيئة الموضوعة للمعنى الآخر.

الجهة الثانية: في كيفية استفادة الوجوب منها، فإن مجرد الإمكان غير كاف عن المرحلة الثانية و مقام الاستظهار و الإثبات.

الجهة الأولى: البحث الثبوتي‏

قد يشكل ذلك عقلا، لأن الألفاظ الموضوعة للمعاني، لا تدل إلا على الموضوعة له، و مع فرض كون الاستعمال حقيقيا، و مع فرض عدم قيام القرينة، كيف يعقل توسل المولى إلى إفادة الإرادة الوجوبية، و التكليف اللزومي، و الغرض الحتمي؟! نعم، يمكن استظهار العادة الخاصة منه بعد مضي مدة، أو إعلام رسمي بأن يكون بناؤه على الإتيان بالقرينة الوجودية في سائر الموارد، و على عدم الإتيان بالقرينة إذا كانت إرادته حتمية، و قصده لزوميا.

____________

(1)- هداية المسترشدين: 136- السطر 19.

91

و لكنه في المقام غير صحيح، لأن الإعلام الرسمي غير موجود، و بناء العقلاء و العرف على حمل الأوامر الأولية- الموجودة في الكتاب و السنة- على الوجوب من أول الأمر، فلا بد من استناد الوجوب إلى الوضع، و هذا أيضا خلاف المفروض.

و يمكن أن يقال في دفع الإشكال المذكور: بأن بناء العقلاء في محاوراتهم من قبل الإسلام على ذلك، و لا طريقة حديثة له في هذا الباب، فكما أنهم يحتجون بذلك في محاوراتهم، فكذلك الأمر في التكاليف الإلهية، فالمتكلم المريد إفادة الإرادة اللزومية، يتمكن عند ذلك من ترك القرينة على سائر الدواعي، التي يمكن أن تكون مقصودة في الاستعمال.

أو إذا كان يجد أن عقل العقلاء يحكم بلزوم التبعية للأمر الصادر عند احتمال كون الإرادة حتمية لزومية، فإنه عندئذ يتمكن من التوسل إلى مرامه و مقصوده.

أو غير ذلك من الطرق التي استدل بها في مرحلة الإثبات: من دعوى الانصراف، أو الكاشفية العقلائية، أو أمثالها.

ثم إن قضية ما مر- من جعل اللزوم و الوجوب من الدواعي في الاستعمال- (1) هو إمكان ذلك أيضا، و لكنه يحتاج إلى نصب القرينة على ذلك، كما لا يخفى.

فعليه إذا أمكن ذلك في الجملة، فلا مانع من الالتزام بعدم الدلالة الوضعيّة للصيغة على الوجوب و اللزوم، من غير لزوم إشكال ثبوتي.

و إن شئت قلت: تقرر الإشكال من وجهين تارة: بلحاظ إمكانه الثبوتي.

و يندفع: بأنه لا مانع من إرادة تحميل الوجوب من التحريك الاعتباري بالصيغة، كسائر الدواعي.

و أخرى: بلحاظ حال الإثبات، و أنه كيف تتمشى الإرادة من المتكلم المريد

____________

(1)- تقدم في الصفحة 79.

92

وجوب شي‏ء و لزومه، مع عدم استعماله ما يدل عليه بالدلالة الوضعيّة، و لا ما يكون قرينة على مراده و داعيه؟! و يندفع ذلك: بأنه بعد ما يجد أن بناءهم على الامتثال، و عدم الاعتذار ببعض الأعذار، يتمشى منه القصد و الإرادة. و اختلافهم في وجه ذلك، لا يورث خللا في إرادته.

فما أفاده جمع: «من أن قضية التبادر هو الوجوب» (1) لا يرجع إلى محصل، للزوم المجازية في غيره، مع شهادة الوجدان على خلافه، و لا يثبت بعد ذلك استناد التبادر إلى حاق اللفظ، كما هو الظاهر.

الجهة الثانية: البحث الإثباتي‏

في كيفية استفادة الوجوب- بعد ثبوت إفادتها الوجوب، و بعد ما ظهر إمكانه عقلا- طرق عديدة مفصلة في الكتب المطولة، و نحن نشير إلى عمدها إجمالا:

الطريقة الأولى: دعوى الانصراف، معللا بغلبة الاستعمال‏ (2). و أنت خبير بما فيه من منع الصغرى و الكبرى.

الطريقة الثانية: أن الصيغة و إن لم تدل بالوضع على أكثر من التحريك الاعتباري، و لكنها كاشفة عن الإرادة الحتمية كشفا عقلائيا (3).

و فيه ما لا يخفى، لأن الكشف العقلائي منوط بكثرة الاستعمال البالغة إلى حد الاتفاق في الإرادة اللزومية مع القرينة، حتى يعد من الوضع التخصصي، و إلا فلا

____________

(1)- مفاتيح الأصول: 111- السطر 11، مناهج الأحكام و الأصول: 38- السطر 10، هداية المسترشدين: 140- السطر 11، بدائع الأفكار، المحقق الرشتي: 269- السطر 21.

(2)- هداية المسترشدين: 139- السطر 39، نهاية الدراية 1: 308.

(3)- تهذيب الأصول 1: 139- 140.

93

وجه للكاشفية الظنية، فضلا عن العقلائية.

الطريقة الثالثة: أن عدم القرينة قرينة الوجوب و اللزوم‏ (1).

و لعمري، إنه أقرب الوجوه، فإن العرف و العقلاء بناؤهم على نسبة الوجوب و اللزوم إلى المولى، بعد ما رأوا منه الأمر و البعث و التحريك، فيعلم من النسبة المزبورة: أن الصيغة تلازم الوجوب و التحتم عند قيام القرينة العدمية.

و إن شئت قلت: الوجوب و الندب من العناوين المتقابلة، و منشأ تقابلهما إما ذاتهما، لما بينهما من الاختلاف الذاتي في عالم العنوانية، أو اختلاف مناشئهما، و هي الإرادة الموجودة في نفس الموالي. و اختلاف الإرادات ليس كاختلاف الماهيات العالية الجنسية أو النوعية، بل الإرادة في الندب و الوجوب من نوع واحد، و اختلافهما بالمنضمات الفردية.

و ما قرع سمعك: من التشكيك الخاصي، فهو ليس في الفردين من النور و الوجود العرضيين، بل هو في النور الواحد الّذي له مراتب، و ما فيه التشكيك هو الواحد الشخصي بحسب مراتبه من العلية و المعلولية، و أما بين الأفراد العرضية التي ليست بينها العلية و المعلولية، فلا تشكيك خاصي، فلا معنى لتصوير التشكيك بين الفردين من الخطّ الطويل و القصير، فإنهما متباينان كزيد و عمرو.

نعم، النور الضعيف الموجود بعين وجود القوي، ممتاز عنه بنفس النورانية، لا بالنور الآخر. نعم هذا التشكيك هو التشكيك العامي.

فبالجملة: لا يعقل كون الوجوب ناشئا من الإرادة غير المحدودة، و الندب من الإرادة المحدودة و إن كانتا مشككتين، فإنه أجنبي عما نحن بصدد إثباته، فإذا كان كل واحد منهما غير الآخر في الوجود و العلل و مبادئها، فلا معنى لاحتياج أحدهما

____________

(1)- لاحظ نهاية الأصول: 103.

94

إلى القرينة، دون الآخر.

نعم، يمكن كون قرينة أحدهما عدم القرينة، فعند ذلك يتم المقصود، و يستفاد الوجوب عند التحريك و البعث، فلا تغفل.

الطريقة الرابعة: «أن بناء العقلاء على تمامية الحجة من المولى بالأمر، و لا يصغى إلى الأعذار الراجعة إلى المحتملات، و الاستعمالات الكثيرة للصيغة، فكأنهم يرون أن تمام الموضوع لوجوب الطاعة، هو البعث و الإغراء، سواء كان صادرا بالصيغة، أو بالإشارة و نحوها، من غير التوجه إلى المسائل العلمية، و التشكيك الخاصي بين أنحاء الإرادات، و أن الظاهر من طريقتهم أن بعث المولى لا بد و أن لا يكون بلا جواب، و أنه لا بد من الانبعاث نحوه، إلا إذا دل الدليل على الترخيص» (1).

أقول: هذا ما أفاده السيد المحقق الوالد- مد ظله- و استظهر أن ذلك هو مرام شيخه العلامة أعلى اللَّه مقامه.

و أنت بعد المراجعة إلى «الدرر» (2) تحيط خبرا بأن الأمر ليس كما قيل، و أن ما أفاده غير مقبول، ضرورة أن العقلاء ينسبون الإرادة الحتمية و الوجوب و اللزوم إلى المولى، و الفقهاء و أرباب النّظر بناؤهم على الإفتاء بالوجوب في هذه المواقف، و لو كان الأمر كما ذكر لما كان لذلك وجه.

الطريقة الخامسة: «أن قضية مقدمات الحكمة هو الوجوب و اللزوم، و ذلك لأن الوجوب و اللزوم من العناوين الاعتبارية التي لا تحتاج في مقام الإفادة و الاستفادة إلى القيد الزائد، بخلاف الاستحباب و الندب.

____________

(1)- مناهج الوصول 1: 255- 256.

(2)- درر الفوائد، المحقق الحائري: 74- 75.

95

و إن شئت قلت: الإرادة التي توجد في النّفس لإفادة الوجوب، لا حد لها، بخلاف الإرادة التي توجد فيها لإفادة الندب.

و بعبارة ثالثة: إن كل طالب إنما يأمر لأجل التوسل إلى إيجاد المأمور به، فلا بد و أن لا يكون طلبه قاصرا عن ذلك، و إلا فعليه البيان، و الطلب الإلزاميّ غير قاصر عنه، دون الاستحبابي، فلا بد أن يحمل عليه الطلب» (1) انتهى.

أقول: هذا هو الوجه الّذي اعتمد عليه صاحب «المقالات» و لعمري، إنه أسخف الوجوه، و كأنه نسب إليه ما لا يرضى به، لأنه كيف يمكن أن يكون نقاط الضعف فيه، مخفية على مثله (قدس سره)؟! فبالجملة: كل مفهوم إذا كان مقابل مفهوم آخر، إما يكون تقابلهما بتمام ذاتهما البسيطة، أو المركبة، أو ببعض الذات:

فإذا كان ببعض الذات، فلا بد من الاشتراك في البعض الآخر.

و إن كان الوجوب و الندب من قبيل الأول، أو من قبيل الثاني، فلا يمكن كفاية الصيغة المطلقة لاستفادة أحدهما المعين بالضرورة، لاحتياج كل إلى القيد و القرينة.

و إن كان ما به الاختلاف عين ما به الامتياز، و تكون النسبة بينهما نسبة الأقل و الأكثر، فهو لا يتصور في العناوين مطلقا، و الوجوب و الندب منها بالضرورة.

و لو سلمنا أن المقصود إثبات الأمر الآخر، و هو الوجوب، و عدم الوجوب، أي يكون النّظر إلى حقيقة خارجية تكون هي منشأ انتزاعهما، و ليس الوجوب من الأمور الاعتبارية، بل هو من الانتزاعيات، فإنه عند ذلك يأتي ما مر منا (2): من أن التشكيك الخاصي بين الإرادات، لا يستلزم كون الإرادة في أول وجودها، منشأ لانتزاع مفهوم الوجوب، بل الأمر بالعكس، لأن الوجوب ينتزع من المرتبة الشديدة،

____________

(1)- بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي) الآملي 1: 213- 214.

(2)- تقدم في الصفحة 93- 94.

96

و لا دليل على وجود هذه المرتبة، بل القدر المتيقن هو أصل الإرادة الّذي هو منشأ انتزاع مفهوم اللاوجوب.

فتحصل: أن التمسك بمقدمات الحكمة، موقوفة صحته على إثبات أن الإطلاق يقتضي الوجوب، و هو ممنوع، لما مر من اختلاف العناوين بحسب المفهوم، و اختلاف الإرادات بحسب الوجود، و اختلافها في الشدة و الضعف، تابع لاختلاف المصالح و المفاسد المدركة في المرادات و المتعلقات، و ليس ذات الإرادة- بما هي إرادة- ذات تشكيك، بل التشكيك فيها بتبع التشكيك في الجهات الاخر.

و لو كانت ذواتها مشككة بالتشكيك الخاصي- كما لا يبعد ذلك في بادي النّظر- و لكنه أجنبي عن المرام و المقصود في المقام.

فينحصر الاستفادة بالطريقة الرابعة: و هي أن طريقة العقلاء على استكشاف الإرادة الجديدة الحتمية من القرينة العدمية، و هي عدم ذكر القرينة الوجودية على سائر الدواعي في الاستعمال.

فتحصل: أن الشبهة كانت موقوفة على مقدمات:

أحدها: كون الصيغة موضوعة للتحريك الاعتباري، أو البعث و الإغراء، أو إنشاء الطلب، أو إيقاع النسبة.

ثانيها: عدم اتكاء المتكلم على القرينة.

ثالثها: استفادة العرف و العقلاء الوجوب منها.

فإنه عند تمامية هذه المقدمات يلزم التناقض، فإنه كيف يعقل الجمع بينها، مع كون المفروض هذه الأمور الثلاثة؟! و كان الجواب: إنكار المقدمة الثانية، بإثبات اتكاء المتكلم على القرينة، و لكنها عدمية، و هذه القرينة و العادة العرفية، نشأت من أوائل الأمر قبل ظهور الإسلام، بل و سائر الأديان، فلاحظ و تدبر جيدا.

97

و لعمري، إن المسألة واضحة، و ما كانت تحتاج إلى هذه الإطالة، و لا سيما بعد كونها علمية لا عملية، إلا في بعض الموارد الآتية.

و من العجيب إطالة الأعلام هنا حول بعض ما لا ربط له بالمقام، من ذكر الأقوال، و الاحتمالات في تعريف الوجوب و الندب، و مع ذلك لم يأت بما هو الحق!! فإن شئت فراجع «نهاية الأصول» للسيد الأستاذ البروجردي (رحمه اللَّه)(1) حتى تقف على ما أشير إليه.

ثم إن هاهنا طرقا اخر، كدعوى حكم العقل بلزوم الإطاعة (2)، أو دعوى: أن العقل يحكم بلزوم الامتثال‏ (3)، و أمثال ذلك مما غير خفي وجه ضعفها في حد ذاتها.

مع أن مقتضى هذه الطرق، عدم جواز إفتاء الفقيه بالوجوب الشرعي، في المواقف التي وردت الأوامر في الكتاب أو السنة، مع أن الضرورة عند كل ذي وجدان قاضية، بأن العقلاء ينتقلون من الصيغ و الإشارة و الكتابة، إلى المقاصد و الأغراض الحتمية، و الإرادات اللزومية، حاكين ذلك بالألفاظ و المفاهيم الاسمية، ناسبين كل ذلك إلى المولى، بلا شائبة شبهة، و خطور إشكال.

تذنيب: في بيان ثمرة النزاع‏

تظهر ثمرة النزاع فيما إذا ورد الأمر في جملة واحدة، كقوله: «اغتسل للجمعة و الجنابة» بل و فيما إذا ورد الأمران في الجملتين المتعقبتين، كقوله تعالى: أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ‏ (4) فمن قال: بأن الموضوع له هو

____________

(1)- نهاية الأصول: 99- 104.

(2)- فوائد الأصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 136.

(3)- محاضرات في أصول الفقه 2: 132.

(4)- النساء (4): 59.

98

الوجوب‏ (1)- كما أيده «الكفاية» (2)- فيلزم الإشكال العقلي في الأولى، لعدم إمكان الجمع العقلائي بين استعمالها في المجاز و الحقيقة، فلا بد من دعوى سقوط هذه الجملة عن إثبات الوجوب بها، بعد قيام الدليل المنفصل على عدم وجوب غسل الجمعة.

و يلزم الأخذ بالجملة الثانية، و حملها على الوجوب، لأن القرينة العقلية على عدم الوجوب الشرعي في الأمر الأول، لا تورث قصورا في دلالة الصيغة على الوجوب بالوضع قطعا.

و من قال: بأن الموضوع له أمر وحداني بسيط- على اختلاف التعابير التي أشير إليها (3)- فله إيجاب غسل الجنابة معللا: بأن القرينة قائمة على أن الداعي في غسل الجمعة، هو جعل الاستحباب و الندب، دون غسل الجنابة، و القرينة العدمية قائمة على أن الداعي في الآخر هو جعل الوجوب على الوجه الّذي مضى.

نعم، ربما يمكن دعوى: أن للمتكلم الاتكاء على القرينة في غسل الجمعة، لأن التفكيك خلاف المتفاهم العرفي، فما يصح للقرينية موجود في الكلام.

و من هنا يعلم وجه النّظر في المثال الثاني، و أنه على مسلكنا ربما يشكل استفادة الوجوب، لصحة اتكاء المتكلم على القرينة الموجودة، فتأمل.

و لذلك قيل‏ (4) و قلنا في محله‏ (5): إن قوله تعالى: وَ لا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَ الْعُدْوانِ‏ (6) قاصر عن إثبات التحريم، لقوله تعالى: وَ تَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ

____________

(1)- معالم الدين: 39، قوانين الأصول 1: 83.

(2)- كفاية الأصول: 92.

(3)- تقدم في الصفحة 81.

(4)- حاشية المحقق الإيرواني على المكاسب 1: 15- 31.

(5)- لعله في المكاسب المحرمة من «تحريرات في الفقه» للمؤلف (قدس سره) و هي مفقودة.

(6)- المائدة (5): 2.

99

وَ التَّقْوى‏ فافهم و اغتنم.

و يمكن دعوى: أن الوجوب لو كان يستفاد من مقدمات الحكمة فلا يثبت هنا، لأن ما يصلح للقرينية يورث الشك في تمامية المقدمات، و إذا كان يستفاد من القرينة العدمية، فيقع المعارضة بين قرينة الوجوب- و هو عدم القرينة- و ما هو القرينة على الندب الصالح للقرينية، فإنه عند ذلك ربما يتعين الأول.

اللهم إلا أن يقال: إذا كان ذلك صالحا للقرينية، فلا يعارض ذلك عدم القرينة على الوجوب، لأنه مع كونه صالحا، يصير قهرا سببا لعدم انعقاد الظهور الوجوبيّ، فتأمل.

إيقاظ: في الاستدلال بالكتاب على الوجوب‏

ربما يمكن الاستدلال على أن الأمر واجب الامتثال، بقوله تعالى: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ‏ (1) و قوله تعالى: ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ‏ (2) و المراد من الأمر هو الهيئة و الصيغة المستعملة في الكتاب، على الوجه الّذي مضى تفصيله‏ (3).

فهاتان الآيتان تدلان على أن نفس الأمر بالصيغة- كما في قصة إبليس:

وَ إِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ* (4)- يقتضي الامتثال و لزوم التبعية، و لكنهما لا تدلان على أن ذلك لأجل الدلالة الوضعيّة، بل ربما كان لأجل ما أشرنا إليه، فلا تغفل.

____________

(1)- النور (24): 63.

(2)- الأعراف (7): 12.

(3)- تقدم في الصفحة 17- 18.

(4)- البقرة (2): 34.

100

فائدة: حول أن موضوع المسألة هو الأوامر المولوية

قد أشير إلى أمر إجمالا: و هو أن موضوع هذه المسألة، هو أن صيغة الأمر هل تدل على الوجوب، أم لا بل هو مطلق الصيغة و لو كانت إرشادية، أو موضوعها الأوامر المولوية؟ لا سبيل إلى الأول، فيأتي إشكال: و هو أن الأوامر الصادرة عن الفقيه في مقام الإفتاء، بل و الصادرة عن النبي و الأئمة (صلوات اللَّه عليهم) في مقام الإفتاء، ليست مولوية، بل هي مرشدة إلى حكم اللَّه تعالى و قانونه، فلا وجه لاستفادة الوجوب منها، تمسكا ببناء العقلاء و العرف، و استدلالا بطريقة الموالي و العبيد، فما كان في الكتاب مثلا فهو يعد من الأوامر المولوية، و هكذا ما كان نظيرها، و ما ورد في المآثير من الأوامر و نحوها فلا شهادة عند العقلاء بعد كونها مرشدة، فهي تابعة للمرشد إليه، من كونه وجوبا أو ندبا، و استفادة ذلك- أي أن المرشد إليه واجب أو ندب- لا يمكن إلا بالقرينة الخاصة.

و العجب من أستاذنا البروجردي‏ (1) (رحمه اللَّه) حيث توجه إلى هذه النكتة، و لكنه- مضافا إلى قصور في تقريبه إشكالا- غير واصل إلى أصل الشبهة، و هو عدم لزوم الامتثال فيما إذا ورد الأمر في الأخبار و الروايات بشي‏ء، في العبادات كان، أو غيرها، مع أن الضرورة قاضية بخلاف ذلك، و أن العقلاء مع كون موضوع المسألة هي الأوامر المولوية، يتحركون بتلك التحريكات، من الفقهاء كانت، أو من الأئمة (عليهم السلام)، و يكشف بها القانون الإلزاميّ، إلا إذا قامت القرينة على الخلاف.

فإذا سئل مثلا عن صلاة الكسوف، فقال: «صل» أو عن زكاة الأبدان، فقال:

«زك» و هكذا، بناؤهم على لزوم القيام و الانبعاث و استكشاف القانون و الحكم الإلزاميّ بلا شبهة و ريب.

____________

(1)- نهاية الأصول: 103- 104.