تحريرات في الأصول‏ - ج2

- السيد مصطفى الموسوي الخميني المزيد...
349 /
101

و الّذي هو الحجر الأساسي، عدم ورود النص في أن موضوع مسألتنا هذه، مخصوص بتلك الأوامر، أو أن الأوامر الصادرة في مقام الإفتاء تكون مولوية، لأن ميزان المولوية، ليس كون الآمر معاقبا على ترك المأمور به، كما في أوامر الأب و الزوج بالنسبة إلى الابن و الزوجة، و لا يكون ميزانها كون المأمور به فيه صلاح الأمر، و إلا يلزم عدم كون أوامر اللَّه تعالى مولوية.

اللهم إلا أن يقال: إن المناط صحة العقوبة عليه، و هذا لا يكون في أمر الفقيه و المفتي بالضرورة.

نعم، هو مصحح العقوبة، لأجل العلم بالإرادة اللزومية من قبل المولى الحقيقي، فهذه الأوامر كواشف عن الإرادات المستورة.

هذا، و في كون الأوامر الإلهية التشريعية مولوية اصطلاحية، إشكال قوي، نشير إليه في ذيل تقسيم الواجب إلى النفسيّ و الغيري‏ (1)، و على هذا يسقط الواجب الشرعي، فيكون جميع الواجبات الشرعية ألطافا في الواجبات العقلية.

فتحصل: أن بناء العقلاء على الامتثال في هذه الأوامر أيضا، و ما اشتهر: «من أن موضوع هذه المسألة هي الأوامر المولوية، أو قيل: «إن موضوع البحث هي الأوامر الصادرة عن العالي المستعلي» (2) غير وجيه.

نعم لا بناء من العقلاء على وجوب الامتثال، و لا تكون الصيغة كاشفة عندهم عن الإرادة الحتمية، إلا في بعض الصيغ، و مجرد كونه صيغة الأمر، لا يكفي لوجوب الامتثال.

و أما توهم الملازمة بين كونها أمرا، و بين كونها واجبة الامتثال و الانبعاث، أو

____________

(1)- يأتي في الجزء الثالث: 152- 159.

(2)- لاحظ هداية المسترشدين: 138- السطر 18- 20.

102

واجبة الإطاعة و التبعية، فهو ناشئ من اعتبار مفهوم العلو أو الاستعلاء في مفهوم الأمر، و قد مر فساده تفصيلا (1).

بحث و تفصيل: في الجمل الخبرية المستعملة في الإنشاء

قد تستعمل الجمل الخبرية في مقام الإنشاء، و هي تارة: تكون فعلية، كقوله مثلا: «يعيد» و «يتوضأ» و «يغتسل» و كقولهم: «بعت» و «اشتريت» و «قبلت».

و أخرى: تكون اسمية، كقوله: «أنت ضامن» أو «هو ضامن» أو «هي طالق» و «هذا مسجد».

فهل في هذه المواقف تكون الاستعمالات مجازية، أو تكون حقيقية؟

و على كل تقدير: يستفاد الوجوب من القسم الأول، و هي الجمل الفعلية الاستقبالية، أم لا؟

و على الأول: فما هو طريق فهمه و استفادته؟

فالكلام يتم في جهات نشير إليها إجمالا:

الجهة الأولى: في كيفية الاستعمال‏

ظاهر المشهور أنها مجاز، لظهور أن الهيئة موضوعة للإخبار، و استعمالها في غيره من المجاز في الكلمة (2).

و صرح بعض المتأخرين‏ (3) و تبعه جماعة (4): بأنها حقيقة، لعدم وضعها لذلك،

____________

(1)- تقدم في الصفحة 11- 16.

(2)- لاحظ هداية المسترشدين: 154.

(3)- كفاية الأصول: 92.

(4)- بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي) الآملي 1: 216.

103

بل الإخبارية و الإنشائية من الدواعي الخارجة عن الموضوع له، فتارة: تستعمل للإعلام و الإخبار، و أخرى: تستعمل للإنشاء و الإيجاد، و ليس في كلماتهم ما هو الموضوع له و الجامع الّذي لا بد منه، و إلا يلزم الاشتراك اللفظي الّذي يفر منه هؤلاء، كيف؟! و هم يفرون من تعدد المعنى الحقيقي و المجازي، فضلا عن تعدد الوضع و الموضوع له.

و اختار الوالد المحقق أمرا ثالثا: و هو المجازية (1)، بالمعنى الّذي اختاره في محله‏ (2)، فلا يكون الاستعمال إلا في الموضوع له، و لكن لنقل المخاطب إلى ما هو المقصود، فيكون من باب الادعاء، فالجمل الإخبارية مستعملة فيما هو الموضوع له، و هو الإخبار عما يأتي، بدعوى تحققه من المخاطب، و أنه يقوم به من غير احتياج إلى الأمر، بل سلامة فطرته كافية في بعثه إليه، كما في أمر الوالد ولده بهذه الطريقة المشتملة على التلطيف و الاستئناس.

و لا يخفى: أن ما هو المبحث عنه في كلماتهم هنا هو الجمل الفعلية الاستقبالية، و من الممكن دعواهم التفصيل بين هذه الجمل المشار إليها.

و لكن الّذي يظهر لي: أن الالتزام بالمجاز غير صحيح، لظهور هذه الجملات في الإنشاء، مثل ظهورها في الإخبار، و كما إن الثاني يحتاج إلى القرينة، كذلك الأول، فتكون القرينة معينة، لا صارفة. فبالوضع التخصصي بلغت هذه الهيئات- لكثرة الاستعمال- إلى الحقيقة الثانوية، بحيث لا يفهم من هذه الاستعمالات مجاز أصلا و إن قلنا بالمجاز المشهور.

و أما الالتزام بالجامع المعنوي بين الإخبار و الإنشاء، فهو غير ممكن، ضرورة

____________

(1)- مناهج الوصول 1: 257، تهذيب الأصول 1: 145- 146.

(2)- تهذيب الأصول 1: 44- 45.

104

أن قياس ما نحن فيه بصيغة الأمر مع الفارق، فإنه في صيغة الأمر كان الموضوع له معينا في كلماتهم، بأنه طلب إنشائي، أو بعث، أو تحريك اعتباري، أو إيقاع للنسبة، و هذا فيما نحن فيه غير معلوم، لأنه لا يعقل الجمع بين المعنى الإخباري و الإنشائيّ، فإن الإخبار هو الإعلام عن النسبة الواقعية غير المستندة في وجودها إلى الاستعمال، و الإنشاء هو المعنى الّذي يوجد بالاستعمال، فيكون الاستعمال هنا إيجاديا، و هناك إخطاريا.

نعم، بناء على القول برجوع الإنشاء إلى إبراز ما في الضمير، و الإخبار عن المعتبر النفسانيّ‏ (1)، فهو له وجه، و لكنه فاسد كما مر (2)، و لا أظن التزام القائلين: بأن الإنشاء هو الإبراز، أنه عين الإخبار، و لكن الأوعية مختلفة، فوعاء جملة «زيد قائم» هو الخارج صدقا و كذبا، و وعاء جملة «هذا مسجد» أو «أنت طالق» و «ضامن» الذهن، و قد تكون متحدة كما في القضايا المعقولة، فتدبر جيدا.

و أما الالتزام بالمجاز في الإرادة الجدية دون الاستعمالية، على التقريب الّذي عرفته من السيد الوالد- مد ظله- فهو و إن صح ثبوتا، و لكنه غير مرضي إثباتا، لأن كلمة «بعت» و أمثالها، و كلمات «يعيد» و «يتوضأ» و أمثالها، ربما تكون في الكثرة الاستعمالية إلى حد لا يجد العرف فيها المجازية، بل المتبادر منها هي المعاني الإنشائية، فتكون من الاشتراك اللفظي.

نعم، الهيئة موضوعة أولا للإخبار، ثم استعيرت للإنشاء و استعملت فيه، حتى عد من معانيها، و هذا مما لا ضير فيه.

نعم، الجمل الاسمية مختلفة، فما كانت من قبيل «هي طالق» فالاشتراك‏

____________

(1)- محاضرات في أصول الفقه 1: 88- 90.

(2)- تقدم في الجزء الأول: 127.

105

اللفظي قريب جدا، و ما كانت من قبيل «هذا مسجد» فربما يحتاج إلى القرينة الصارفة، لا المعينة، لأن المتبادر منها بلا قرينة هو المعنى الإخباري.

فالمدار في الفرق بين الاشتراك اللفظي و الحقيقة و المجاز، أنه إن كان اللفظ محتاجا في فهم المعنى منه إلى القرينة مطلقا، فهو يعد من المشترك اللفظي في معانيه، و إن كان محتاجا في فهم أحد المعاني إليها، فهو مجاز فيه، و حقيقة في غيره.

و توهم: أن الالتزام بالاشتراك اللفظي بعيد في نفسه، في غير محله، لأنه فيما إذا أردنا إثبات ذلك بالوضع التخصيصي، و أما إذا أردنا إثبات أحد المعنيين بالوضع التخصصي، فهو- مضافا إلى عدم بعده- قريب و واقع، و جميع الاشتراكات اللفظية من هذا القبيل، فلا تغفل.

الجهة الثانية: في دلالتها على الوجوب‏

لا شبهة عند العقل و العقلاء في لزوم الامتثال، و اكتشاف الإرادة اللزومية من الجمل المستعملة في مقام الإنشاء بداعي الإيجاب و الإلزام، من غير فرق بين الاسمية و الفعلية، فإذا ورد مثلا: «سألته عن صلاة الرّجل فقال: «يعيد صلاته» فإنه يستظهر منه لزومه.

و عدم ظهور بعض الجمل الاسمية في إفادة الإيجاب- ك «زيد قائم» في إفادة وجوب القيام- لا يستلزم منع سائر الجمل، لأنه تابع الاستعمال.

و يلزم الوضع الشخصي في خصوص هذه الجملة، كما التزمنا بذلك في خصوص «هي طالق» و أمثالها (1)، و قد مر أن هذا هو الأصل المسلم عند قاطبة

____________

(1)- تقدم في الجزء الأول: 128.

106

العقلاء، من غير فرق بين كونهم في مقام إنشاء إلزامي نفسي، أو إرشادي إفتائي، فإنه إذا سئل مثلا عن صلاة الزلزلة، فأجاب: «يصلي» أو أجاب «هو آت بها» فإنه يكون ظاهرا في وجوبها، و يستكشف منها القانون الوجوبيّ و الحكم الحتمي، من غير حاجة إلى القرينة الدالة على تعيين داعي الوجوب و اللزوم‏ (1).

الجهة الثالثة: في وجه الدلالة على الوجوب‏

بعد ما أحطت خبرا بما مر منا في صيغة الأمر (2)، تقدر على عرفان إمكان إفادة اللزوم بهذه الهيئات من غير لزوم إشكال، و تقدر على كيفية استفادة الوجوب، فإن طريقة العرف و بناء العقلاء على حملها على الوجوب، و استكشاف الإرادة الحتمية منها، إلا مع القرينة على خلافه، فالقرينة العدمية سبب لكشف المراد الجدي اللزومي.

و أيضا: تحيط خبرا بما في مقدمات الحكمة التي أفادها الخراسانيّ صاحب «الكفاية» (قدس سره)(3) من أن مقدمات الإطلاق تورث الأخذ بالمطلق، و تكون النتيجة هي الإرادة الندبية، لا بعنوانها كما لا يخفى، و ما تفيد الإرادة اللزومية هي الاتكاء على القرينة، و لكنها قرينة عدمية، لا وجودية، و الأمر- بعد وضوح أصل المسألة- سهل.

____________

(1)- تقدم في الصفحة 100.

(2)- تقدم في الصفحة 96- 97.

(3)- كفاية الأصول: 93.

107

الفصل الثالث فيما يتعلق بهيئة الأمر إطلاقا

108

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

109

تمهيد

و قبل الخوض في مباحثها، لا بد من الإشارة إلى أمرين:

الأول: في المراد من «الإطلاق» هنا

المراد من «الإطلاق» هنا ليس ما يراد منه في باب المطلق و المقيد، فإنه هو الإطلاق المورث للتوسعة، و المقصود هنا هو الإطلاق المورث للضيق، أي أن إلقاء الأمر و توجيهه إلى المخاطب و المكلفين، منصرف و ظاهر في أن ما هو متعلق الأمر، هو الواجب التعييني لا التخييري، و النفسيّ لا الغيري، و العيني لا الكفائي، و هكذا، كما يأتي في المباحث المتكفلة لها من ذي قبل‏ (1).

و أما الشك في كونه واجبا مشروطا، فهو منفي بإطلاق الهيئة أو المادة، كسائر ما شك فيه من الشرائط و الأجزاء، و هكذا إذا شك في عباديته، و أنه مشروط بقصد القربة، بناء على إمكان التمسك به.

فعليه يتوجه إلى ما صنعه «الكفاية» من الإتيان بالبحث عن التعبدي و التوصلي هنا (2)، إشكال الخروج عن مباحث الصيغة، و لذلك عدل عنه صاحب‏

____________

(1)- يأتي في الجزء الثالث: 129 و ما بعدها، و في الجزء الرابع: 3 و ما بعدها.

(2)- كفاية الأصول: 94.

110

«الدرر» (رضوان اللَّه عليه) و أتى بمباحث التعبدي و التوصلي في تقاسيم الواجب‏ (1)، و الأمر سهل.

و إني و إن سلكت في «مختصرنا النافع في الأصول» الّذي ألفته في سنوات سابقة (2) مسلك شيخ مشايخنا في «الدرر» غافلا عما صنعه و بحثت عنها هناك، و لكن لا بأس بتبعية الأكثر، بإتيان تلك المسألة هنا، لأسهليته.

الثاني: في تشخيص محل النزاع‏

لا شبهة في جواز التمسك بالإطلاق بعد تمامية مقدمات الحكمة، لرفع ما شك في المأمور به من الأجزاء و الشرائط، و إنما البحث هنا في أن هذه المقدمات، قابلة للإتمام عند الشك في قيد القربة، و تقييد المأمور به بقصد الطاعة و الامتثال، أو بقصد الوجوب و اللزوم، أو بسائر القصود الاخر المسانخة مع هذه المقاصد، أم لا يمكن إتمامها؟

فالجهة المبحوث عنها هنا هذه.

و أما البحث حول أنحاء القربات، و أقسام الإطاعات، فهو أجنبي عن هذه المسألة، و لكن لا ضير فيه، لعدم خلوه من فائدة، فما ترى في كتاب سيدنا الأستاذ البروجردي من جعل أساس البحث حول تفسير الواجب التعبدي و التوصلي‏ (3)، غير مرضي.

و بعبارة أخرى: البحث هنا صغروي، و ممحض في إمكان تمامية المقدمات و عدمه.

____________

(1)- درر الفوائد، المحقق الحائري: 93.

(2)- المختصر النافع في علم الأصول، للمؤلف (قدس سره) (مفقود).

(3)- نهاية الأصول: 110- 111.

111

و الإشكال في أن قصد القربة لا يتوقف على تماميتها، لأنه أمر خارج عن الأمر، و لا يحتاج إليه في ذلك، لأن الحسن الذاتي الثابت بالعقل، كاف في التقرب به من اللَّه تعالى، خارج عما نحن بصدده، و ليس الأصحاب في موقف البحث عنه و عما به عبادية العبادة، فليتدبر.

فالجهة المبحوث عنها، هي أنه لو فرضنا أن قصد التقرب ليس إلا إتيان المأمور به امتثالا للأمر، و القربة لا تحصل إلا بالانبعاث عن الأمر، و بالتحرك نحو المأمور به بالتحريك الاعتباري الثابت من قبل المولى، فهل يمكن عند الشك في اعتبار القيد المزبور اللاحق بالطبيعة قهرا التمسك بالإطلاق؟

أو لا يمكن، للزوم المحاذير الراجعة إلى عدم تمامية المقدمات، ضرورة أن صحة التمسك بالإطلاق، موقوفة على إمكان التقييد، و إذا امتنع ذلك فيمتنع ذلك، فيتعين الاحتياط؟

فبالجملة: و إن أمكن دعوى سقوط البحث الطويل في المسألة، لأن منشأه توهم: أن معنى قصد القربة، هو الامتثال و إتيان المأمور به بداعي الأمر، و عند ذلك يطول البحث، و يصبح الكلام في واد آخر، و يلزم المحاذير التي توهمها المتأخرون‏ (1) بعد الشيخ الأعظم (قدس سره) تبعا له‏ (2)، غافلين عن أن الأمر ليس كذلك، و أن المبنى فاسد، ضرورة أن قصد القربة و العمل التعبدي، ليس إلا الإتيان به بداع إلهي، و بنحو مرتبط به تعالى، من غير اشتراط تعلق الأمر في عباديته.

فتعظيم المولى و مدحه و ثناؤه إذا كان بقصد التقرب إليه، من العبادات و إن لم يتعلق به أمر.

____________

(1)- كفاية الأصول: 95- 99، فوائد الأصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1:

149- 151.

(2)- مطارح الأنظار: 60- 61.

112

لكن لا بد من الأمر لكشف ما يليق بجنابه تعالى، و إذا تعلق الأمر، و أحرز لياقته بجنابه تعالى، يكفي في تحققه عبادة إتيانه بداعي التعظيم و نحوه. و لو كان العبودية متقومة بالأمر، و بالإتيان بداعي الأمر و الامتثال، لما كان وجه للنهي عن عبادة الأوثان و الأصنام.

فيعلم من ذلك: أنه أمر جبلي و ارتكازي، و كثير من مصاديقه العرفية و ما به يتحقق، معلومة عند العقلاء، كالسجود، و الركوع، و سائر ما ينتزع منه التعظيم و الخضوع. فما ترى في كتب الأصحاب لا يخلو من غرابة، و سيأتي الإيماء إليه‏ (1).

و لكن مع ذلك كله لا يسقط البحث الأصولي، لعدم تقومه بذلك، بل مناط المسألة محفوظ.

هذا مع أن كثيرا من الأعلام، لا يرتضون بالمقالة المذكورة، و يرون مناط العبودية الامتثال للأمر، و أنه بدونه لا يمكن اتصاف شي‏ء و عمل بالقربة (2)، فافهم و اغتنم.

فتحصل: أن هذه القيود كغيرها في إمكان تمامية مقدمات الحكمة بلحاظها، و صحة التمسك بها لرفعها إذا شك.

نعم، ربما يجري بعض الشبهات الآتية على نفي إمكان التمسك في مطلق هذه القيود (3)، و لكنه ليس مما يليق بالذكر، فانتظر.

____________

(1)- يأتي في الصفحة 116- 117.

(2)- لاحظ مطارح الأنظار: 60- السطر 9- 10، كفاية الأصول: 95 حاشية كفاية الأصول، المشكيني 1: 357، بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي) الآملي 1: 217- 218.

(3)- يأتي في الصفحة 146- 147.

113

المقام الأول: في التعبدي و التوصلي‏

إذا عرفت ما تلوناه عليك فاعلم: أن الكلام في المقام- و هو البحث الأول- يتم في مباحث ثلاثة:

الأول: في إمكان أخذ قصد الأمر و الامتثال في متعلق الأمر و عدمه.

الثاني: في كبرى المسألة، و أن هذا شرط أم لا.

الثالث: حول قضية الأصول العملية.

حول التقسيم إلى التعبدي و التوصلي و تعريفهما

و قبل الخوض فيها، لا بد من الإشارة إلى مقدمة: و هي أن المشهور إلى زماننا هذا تقسيم الواجب إلى التعبدي و التوصلي‏ (1)، و المعروف بين القدماء في تفسيرهما «أن التعبدي: ما لا يكون الغرض فيه معروفا و معلوما، و التوصلي: ما هو المعلوم فيه الغرض و المقصود من الأمر و البعث» (2) و قد بلغت تعريفاتهم حولهما إلى ستة أو أكثر (3).

و لا أظن جواز صرف الوقت فيما لا يغني، و لا يكون مفيدا في نفسه، و لا مرتبطا بالمسألة أي ارتباط كان.

و العجب من بعض فضلاء العصر، من تفسيره «تارة بأن التوصلي: هو الواجب الّذي يسقط بالإتيان به خارجا، سواء جاء به نفس المكلف، أو شخص آخر، و الّذي‏

____________

(1)- درر الفوائد، المحقق الحائري: 93، مناهج الوصول 1: 258، محاضرات في أصول الفقه 2: 139.

(2)- لاحظ مقالات الأصول 1: 229، منتهى الأصول 1: 126.

(3)- منتهى الأصول 1: 126- 128.

114

يقابله هو الواجب الّذي لا يسقط بفعل الغير»!! ثم فتح بحث الاستنابة و النيابة، و كيفية ذلك. و توهم هنا بحثا آخر في المقام، لا يليق بهم‏ (1).

و الأمر واضح جدا، ضرورة أن المقام و موقفنا، هو البحث عن الواجب التعبدي و التوصلي، لا التوصلي و ما يقابله بإلغاء التعبدي، فإذا لوحظت المقابلة بينهما، تنحصر الجهة المبحوث عنها، في أن الواجب التعبدي هو كذا، و التوصلي كذا، و إذا شك في مورد أنه تعبدي أو توصلي، فهل قضية القواعد هي الأول، أم الثاني؟ المسماة ب «أصالة التعبدية» أو «التوصلية» من غير النّظر إلى جهة المباشرة.

نعم، سيأتي منا تقسيم آخر أبدعناه في محله في الواجبات، و هو تقسيمها إلى الواجب العيني المباشري، و الواجب العيني الأعم منه و من التسبيب، كصلاة الولد عن والده، فإنه مع أنه عيني، ليس مباشريا، و لا تنافي بين العينية و السببية (2)، لأن مناط العينية أمر آخر غير ما توهمه القوم إلى زماننا هذا، فافهم و انتظر.

فبالجملة: لا ينبغي الخلط بين المباحث، فما ترى في كتب العلامة النائيني‏ (3) و بعض تلاميذه‏ (4)، من عقد بحث آخر هنا، ناشئ عن القصور.

و من الأعاجيب إطلاقه «التعبدية» على ما يقابل التوصلية بالتفسير الثاني، فيكون عنده رد السلام و التحية تعبديا!! و هل هذا إلا المجازفة في البحث، و التفريط في القول؟! هذا، و قد عدل المحقق الوالد- مد ظله- من التقسيم الثنائي إلى الثلاثي، بل‏

____________

(1)- محاضرات في أصول الفقه 2: 139- 140.

(2)- يأتي في الجزء الرابع: 52.

(3)- فوائد الأصول 1: 138.

(4)- لاحظ محاضرات في أصول الفقه 2: 141.

115

إلى الرباعي، بأن الواجب تارة: يكون نفس الطبيعة، من غير دخالة شي‏ء آخر فيه إلا نفسها، فيكون تحققه في الخارج سببا لسقوط الأمر، سواء كان مباشرة نفس المكلف، أو غيره.

و على تقدير كونه مقيدا بصدوره من نفس المكلف، فليس مقيدا بأمر وراء تحققه في الخارج، كستر العورة، و إنقاذ الغريق.

و أخرى: يكون بحيث لا يسقط أمره إلا بقصد عنوانه، لأنه من العناوين القصدية، من غير لزوم الإتيان به تقربا و للأمر، بل لا يضاده إتيانه رياء، و لا ينافيه، كرد السلام، و أداء الدين، و الكفارات بناء على عدم اعتبار قصد القربة فيها، فإنه بدون قصد العناوين المذكورة لا يسقط الأمر، لعدم اتصاف العمل الخارجي بتلك العناوين إلا بالقصد و النية.

و ثالثة: ما يحتاج في سقوط أمره إلى قصد العنوان و قصد القربة، كالعبادات، و هي على ضربين:

فإن منها: ما يرادفها كلمة (پرستش) في الفارسية، كالصلاة و الحج مثلا.

و منها: ما لا يعد عبادة، كالقربيات المالية من الأخماس و الزكوات‏ (1).

و أنت خبير: بأن هذا التقسيم صحيح في حد نفسه، و يساعده الذوق السليم، و الفهم المستقيم، و لكن أساس البحث حول تعريف التعبدي، فإنه إن عرف: بأنه الواجب الّذي لا يحصل الغرض منه إلا بإتيانه بداع إلهي، فلا يبقى إشكال فيما إذا شك في واجب أنه تعبدي أو توصلي- بعد تمامية المقدمات- في الحمل على التوصلية، فأصالة التوصلية هي المرجع قطعا.

و إن عرف: بأنه عبارة عما يعتبر فيه إتيانه بقصد إطاعة الأمر المتوجه إليه،

____________

(1)- مناهج الوصول 1: 258.

116

تأتي الإشكالات و المحاذير الآتية (1).

فبالجملة: لا غبار في تعريفهما، و لا خفاء في مفهومهما، حتى يحتاج إلى التحديد، بل الخفاء في أمر آخر يؤخذ في حده.

و على كل تقدير: إذا قلنا: بأنه هو الواجب الّذي لا بد من قصد أمره في سقوطه و امتثاله، فهل قضية القواعد هي أصالة التعبدية، أم التوصلية عند الشك؟

و لعمري، إن المراجعة إلى كلمات القوم في المقام، تورث عدم وصولهم نوعا إلى مغزى المرام و المقصود في الكلام.

و مما يشهد على ذلك، و يعرب عنه، و يكون دليلا على ما ادعيناه: غورهم في تعريف الواجب التوصلي، و تحديده بما لا يكون التعبدي مقابله، حتى صار التقسيم المزبور متبدلا إلى تقسيمه إلى التوصلي و غير التوصلي، مع أن أساس البحث هنا حول الواجب التعبدي، و بيان حقيقته، و حقيقة ما به عبودية العبادة الواجبة أو المستحبة، من غير النّظر إلى فهم مفهوم «التوصلي» و ماهيته.

و لذلك ذكرنا في الدورة السابقة عند تحرير مباحث هذه المسألة: أن المقصود ليس إثبات أصالة التوصلية بعنوانها، بل المطلوب نفي أصالة التعبدية، سواء ثبت الواجب التوصلي بعنوانه، أم لم يثبت، ضرورة أن مع عدم جريان مقدمات الإطلاق، و جريان أصالة البراءة فرضا، لا يثبت التوصلية، لأن الأصل بالنسبة إليها يصير مثبتا.

و توهم: أن التوصلية ليست إلا عدم التعبدية بالسلب المحصل، غير سديد، لأن تقسيم الشي‏ء إلى قسمين، لا يمكن إلا بلحوق القيد على الطبيعة في الطرفين و لو كان القيد عدميا، فافهم و اغتنم، و لكن على بصيرة من أمرك.

____________

(1)- يأتي في الصفحة 118- 133.

117

ثم إنه سيأتي منا في تنبيهات المسألة، قضية إطلاق الأمر فيما إذا شك في أن الأمر، يسقط بإتيان المأمور به غفلة، و لا عن اختيار، و يأتي أيضا هناك مقتضاه عند الشك في أن الإتيان بالمصداق المحرم، كاف في سقوطه، أم لا بد من الإتيان بمصداق مباح‏ (1).

و أما قضية الشك في كفاية تصدي الغير عن المكلف به و عدمه، فيأتي تفصيله في أقسام الواجب، حسبما يؤدي إليه النّظر الدّقيق في وجه تقسيم الواجب العيني إلى قسمين‏ (2)، كما أشير إليه، فليتدبر.

إن قلت: كما يسقط بحث التعبدي و التوصلي، بناء على كون ملاك التعبدية هي الإتيان بداع إلهي مضى تفصيله‏ (3)، كذلك يسقط بناء على ما يستظهر (4) من قوله تعالى: وَ ما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ‏ (5) النافي للواجب التوصلي، و المثبت لأن جميع الواجبات تعبدية، فلا تصل النوبة إلى الشك.

قلت: الالتزام بذلك مما لا يكاد يتوهم، و تفصيله و بيان المراد من الآية الكريمة الشريفة، موكول إلى محله، و سيأتي الإيماء إليه إن شاء اللَّه تعالى‏ (6).

____________

(1)- يأتي في الصفحة 181- 188.

(2)- يأتي في الجزء الرابع: 52.

(3)- تقدم في الصفحة 111.

(4)- نهاية النهاية 1: 103.

(5)- البينة (98): 5.

(6)- يأتي في الصفحة 152- 154.

118

المبحث الأول حول إمكان أخذ قصد الأمر

و الإتيان بالمأمور بداعي أمره، و امتثالا و تحركا بتحريك اعتباري، و انبعاثا بالبعث في متعلق الأمر و عدمه.

فالمعروف المفروغ عنه إلى زمان الشيخ الأعظم (قدس سره): أنه كسائر الشروط في الإمكان.

و قد منع ذلك، و أرسله أصحابه و تلامذته إرسال المسلمات، و ادعي امتناعه الذاتي، أو الغيري، و أقاموا على ذلك حججا و براهين، بعضها يؤدي إلى امتناعه في مرحلة الجعل، و بعضها يؤدي إلى الامتناع في مرحلة الامتثال، المؤدي قهرا إلى الامتناع الغيري في مرحلة الجعل.

و لا بد من الإشارة إلى تلك الوجوه في مرحلتين:

المرحلة الأولى: فيما أقيم على الامتناع الذاتي، و ممنوعيته في مرحلة الجعل و التشريع‏

و هو أمور:

أحدها: لزوم الدور في مرحلة التصور (1)، و هذا أمر قبل المرحلتين كما لا يخفى، و هو أن تصور الأمر موقوف على تصور متعلقه، فلو كان قصد الأمر من أجزائه و قيوده و شرائطه- بناء على رجوعها إلى تقيد الطبيعة بها- لتوقف تصور

____________

(1)- لاحظ حاشية كفاية الأصول، المشكيني 1: 357.

119

المتعلق على تصور الأمر أيضا، لأن تصور المركب متوقف على تصور أجزائه و قيوده برمتها.

ثانيها: لا شبهة في تقدم الموضوع على حكمه- بملاك تقدم المعروض على عرضه- تقدما بالرتبة، و إذا كان الموضوع متوقفا على الأمر، لأخذ قصد الأمر و داعيه فيه، فهو موقوف على نفسه، ففي مرحلة الجعل يلزم تقدم الشي‏ء- و هو الأمر- على نفسه برتبتين: رتبة لتقدم جزء الموضوع على الكل، و رتبة لتقدم الموضوع على الحكم.

أو يقال: رتبة لتقدم الموضوع على الحكم، و رتبة لتقدم الحكم و الأمر على قصد الأمر، فما هو المتأخر عن الأمر المتأخر عن الموضوع، مأخوذ في الموضوع، و هذا أفحش من الدور فسادا (1).

ثالثها: الأمر موقوف على الموضوع، و الموضوع متوقف على الأمر، فيلزم الدور، فكيف يعقل جعل الحكم على الموضوع بنفس الأمر المتعلق به؟! (2) و في كونه برهانا آخر إشكال، بل منع.

رابعها: أخذ قصد الأمر، موجب لتقدم الشي‏ء على نفسه في مرحلة الإنشاء، و ذلك لأن المأخوذ في متعلق التكاليف في القضايا الحقيقية، لا بد و أن يكون مفروض الوجود، سواء كان من قبيل الوقت الخارج عن القدرة، أو من قبيل الطهور الداخل تحت القدرة، فلو أخذ قصد الامتثال قيدا للمأمور به، فلا محالة يكون الأمر مفروض الوجود، و هذا هو تقدم الشي‏ء على نفسه‏ (3). و في كونه برهانا آخر نظر، بل منع.

____________

(1)- لاحظ منتهى الأصول 1: 129- 132.

(2)- درر الفوائد، المحقق الحائري: 94.

(3)- أجود التقريرات 1: 106- 108.

120

و أما توهم: أن هذا الوجه يرجع إلى مستحيل آخر، و هو اتحاد الموضوع و الحكم‏ (1)، فهو فاسد، و لا أرى له وجها، لأن الموضوع المأخوذ مفروض الوجود، ليس هو الأمر حتى يكون الحكم نفس ذلك الأمر فيتحدان، بل الموضوع المأخوذ مفروض الوجود مشتمل على أجزاء، و منها: قصد الأمر، فيلزم تقدم الشي‏ء على نفسه، فلا تخلط.

أقول: ظاهر هذه التقارير في إحداث الإشكال في المسألة، واضح المنع، ضرورة انتقاضه أولا: بأن جميع الفواعل الاختيارية، تحتاج في فاعليتها إلى تقدير العلل الغائية، و لو كانت العلل الغائية مترتبة على الأفعال الاختيارية للزم الدور.

و ثانيا: حله أن ما هو المتقدم ليس عين ما هو المتأخر، فإن ما هو المتقدم هو المعنى التصوري الموجود في الذهن، و ما هو المتأخر هو المعنى الخارجي، فهما شخصان من الوجود.

و فيما نحن فيه أيضا ما هو المتقدم هو المعنى التصوري من الأمر، و ما هو المتأخر هو المعنى الواقعي و التصديقي، أي كما يلاحظ الحاكم سائر القيود، و يتعلق حكمه و أمره بها، كذلك يتصور قصد الأمر، و هو ليس إلا مفهوما كسائر القيود المأخوذة، و يتعلق به بعين تعلقه بالكل، و بنفس المقيد و القيد، من غير فرق بينهما.

هذا، و في دفع الإشكال الأول المربوط بأصل التصور نقول: إنه لا يتوقف تصور مفهوم «الأمر» بالحمل الأولي على الموضوع، لعدم التضايف بينهما، و أما في مرحلة الجعل و الإنشاء، فلا دور و إن كان توقف في البين، كما عرفت.

خامسها: لزوم تقدم المتأخر بالطبع، و ذلك لأن الحكم ليس من العوارض الخارجية، كعوارض الوجود، و لا من العوارض الذهنية، كعوارض الماهية بما هي‏

____________

(1)- محاضرات في أصول الفقه 2: 155- 157.

121

ذهنية، بل هو من قبيل عوارض الماهية اعتبارا و وهما (1)، لأن المقصود منه ليس نفس الإرادة، حتى تكون تكوينية، و خارجة عن الإنشاء و الجعل، و عن قابليتها للإنشاء، و تكون خارجة عن المقولات، حسبما عرفت منا سابقا (2).

فعلى هذا، لا تقدم للموضوع على الحكم، بل هما معا، و لا علية بينهما، بل هما معلولا علة ثالثة. إلا أن الموضوع- بما هو موضوع- متقدم بالطبع على الحكم، و لو أخذ الحكم فيه يلزم تقدمه عليه، مع تأخره عنه.

و لعل غرض المستشكلين كان يرجع إلى ذلك، لأن علية الموضوع للحكم، واضحة المنع و بالعكس، و معلولية كل واحد منهما للحاكم المتصور، واضحة جدا.

أقول: ماله المعية مع الموضوع، غير ما هو المتقدم عليه، فإن ما هو المتقدم عليه، هو المعنى التصوري العلمي الّذي ليس إلا كسائر الشرائط و القيود، و ما هو مع الموضوع هو الحكم بالحمل الشائع، و هو شخص الأمر المتعلق بالصلاة.

فبالجملة: للحاكم تصوير الصلاة التي أولها التكبير، و آخرها التسليم، و تصوير الشرائط و القيود، و منها: تصوير مفهوم «قصد الأمر» ثم بعد ذلك يقوم و يقول مثلا: «صل مع الطهور، و قصد الأمر، و الستر، و القبلة».

نعم، لو أريد من «قصد الأمر» المأخوذ، هو المعنى المتأخر عن شخص الأمر المتعلق بالكل، بأن يريد أخذ قصد الأمر الشخصي، لا الطبيعي و النوعيّ و المفهومي، فهو ممتنع بالضرورة، و سيأتي إمكانه بالدليل المنفصل إن شاء اللَّه تعالى‏ (3).

هذا مع أن إمكان قصد الأمر العنواني بالحمل الأولي في المتعلق، كاف لصحة

____________

(1)- نهاية الدراية 1: 323- 324.

(2)- تقدم في الصفحة 40- 42.

(3)- يأتي في الصفحة 123- 125.

122

التمسك بالإطلاق، فالامتناع المذكور لا يضر بالمقصود، فلا تغفل.

سادسها: لزوم الجمع بين اللحاظين: الآلي، و الاستقلالي، ضرورة أن الأمر آلة البعث، و مغفول عنه قهرا، و قصد الأمر قيد و ملحوظ استقلالا، لاحتياجه- في سراية الأمر إليه- إلى اللحاظ الاستقلالي، فلا يكون مغفولا، و الشي‏ء الواحد كيف يكون مغفولا، و غير مغفول؟! (1) و أما اختلاف الزمانين، فهو و إن كان يثمر لحل الإعضال، إلا أنه لا حاجة إليه هنا، و ذلك لأن ما هو الملحوظ استقلالا، هو مفهوم «قصد الأمر» و ما هو المغفول عنه هو الأمر بالحمل الشائع الحاصل من استعمال هيئة الأمر و صيغته، فلا يكون الشي‏ء الواحد مفعولا و غير مغفول، فافهم، و لا تكن من الخالطين.

سابعها: لزوم الخلف، و ذلك لأن الأمر المتعلق بالصلاة المتقيدة بقصد الأمر، يكون متعلقه مقيدا، مع أن المفروض لزوم الإتيان بالصلاة بداعي أمرها، فتكون هي واجبة و مأمورا بها.

و بعبارة أخرى: ما هو الواجب و المأمور به هي الصلاة، و لو كانت المقيدة بالأمر واجبة، لزم كونها واجبة بالعرض و المجاز، أو بالأمر الضمني و الغيري، بناء على تصويرهما، و هذا خلف و مخالف للوجدان.

أقول: يرد عليه نقض بسائر الأجزاء التحليلية، و هي الشرائط و القيود المأخوذة في متعلق الأمر.

و حله: أن ما هو المأمور به هي الصلاة بقصد الأمر، فإذا اشتغل بها قاصدا الأمر فهو قد أتى بالمأمور به، و إلا فلا يسقط الأمر.

و دعوى: أن الواجب هي الصلاة بدون قيد قصد الأمر، خلف دون العكس.

____________

(1)- نهاية الأصول: 112.

123

و إن شئت قلت: الواجب هي الصلاة المقيدة، و لكنه إذا تحرك بالأمر نحوها، غافلا عن قصد الأمر، فقد امتثل الأمر و سقط.

هذا مع أن انحلال الأمر إلى الأجزاء التحليلية، حتى تصير الطبيعة واجبة بالأمر الضمني‏ (1)، محل إشكال، فلا تغفل.

و للعلامة صاحب «المقالات» كلام يمشي معه في كثير من المباحث الأصولية و الفقهية، فتوهم هنا أيضا: أن ما هو المأمور به هي الحصة غير المتقيدة، و مع ذلك ليست مطلقة، فما هو الواجب هي الصلاة، مع أنها لا تسقط بإتيانها على الإطلاق‏ (2).

و أنت خبير بفساده، كما مر مرارا توضيحه‏ (3)، و لا نطيل بتكراره تفصيلا.

ثامنها: لزوم الجمع بين المتقابلين و المتنافيين، و ذلك أنه لا ريب في أن موضوع الحكم، متقدم في اللحاظ على حكمه، و هو متأخر عنه، كما أنه لا ريب في أن قصد الامتثال و نحوه، يكون مترتبا في وجوده و تحققه على وجود الأمر، الّذي هو متأخر في اللحاظ عن الأمر أيضا، فيكون متأخرا برتبتين عن موضوع الأمر، فإذا أخذ جزء من موضوع الأمر، أو قيدا فيه، لزم أن يكون الشي‏ء الواحد- في اللحاظ الواحد- متقدما في اللحاظ، و متأخرا فيه، و هذا مستحيل‏ (4).

أقول: هذا ما أفاده صاحب «المقالات» و اتكأ عليه في المقام، و أنت خبير بأنه إن أريد الأمر الشخصي الّذي لم يصدر بعد، فجميع المحذورات متوجهة، و تكون المسألة واضحة المنع، من غير حاجة إلى التأمل و البرهان.

____________

(1)- محاضرات في أصول الفقه 2: 167.

(2)- بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي) الآملي 1: 228.

(3)- تقدم في الجزء الأول: 215- 216.

(4)- بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي) الآملي 1: 229- 231.

124

و إن أريد منه ما أريد من سائر القيود، كالستر و الاستقبال و الطهور، مما ليس موجودا حال الأمر، و تعلق الأمر بإيجاد الطبيعة المتقيدة بها، مع عدم كونها خارجة عن الاختيار، و مع عدم لزوم كون المكلف حال الأمر واجدا لهذه الشرائط و القيود- و إن كان من الشرائط ما هو خارج عن الاختيار، كالوقت مثلا- فهذا أيضا ممكن لحاظه، من غير لزوم إشكال و امتناع في مرحلة الجعل و الإنشاء.

و أما لزوم الإشكال في مرحلة الامتثال، فهو أمر آخر سيأتي تفصيله‏ (1).

و لعمري، إن المسألة لمكان عدم اتضاح المراد منها، وقعت مصب النفي و الإثبات، و إلا إذا كان المقصود معلوما فطرفاها من البديهيات. و مما يؤسف له أن مثل هذا الخلط في محل التشاح و النزاع، كثير الدور في المسائل العلمية، فلا تغفل.

تاسعها: لو أمكن أخذ قصد الأمر و الامتثال في متعلق الحكم، لأمكن أخذ العلم بالحكم في متعلقه، و حيث يكون الثاني مستحيلا، فكذلك الأول، و ذلك لأن وجه الامتناع لزوم الدور، و سر لزوم الدور: أنه من الانقسامات اللاحقة بالحكم، في مقابل سائر القيود التي هي من الانقسامات السابقة على الحكم، ككون الصلاة في مكان كذا، و زمان كذا، و في وضع كذا، و هكذا، و قصد الأمر من تلك الانقسامات بالضرورة، فهو أيضا يمتنع‏ (2).

و فيه:- مضافا إلى أن ذلك ليس وجها على حدة، بل تقريب لتثبيت الدور- أن العلم و قصد الأمر من تلك الانقسامات، إذا كان المراد ما هو العلم بالحمل الشائع و ما هو قصد الأمر بعد تحققه و جعله و وجوده، و من الانقسامات السابقة على الحكم، إن كان المراد منها عنوانهما و مفهومهما بالحمل الأولي، و عند ذلك لا يلزم إشكال.

نعم، لا معنى لأخذ عنوان «العلم بالحكم» في الموضوع، لأن المراد هو

____________

(1)- يأتي في الصفحة 126- 133.

(2)- لاحظ فوائد الأصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 149.

125

مصداقه، بخلاف قصد الأمر، فإن المراد هو أخذ عنوانه، حتى يكون الأمر باعثا إليه إذا تحقق، فلا معنى للمقايسة بين العلم و قصد الأمر في المقام، فلا تخلط.

و ربما يخطر بالبال أن يقال: بأن أخذ قصد الأمر الشخصي، غير ممكن، لأن الأمر- بوجوده الشخصي- متأخر عن تصور الموضوع، مع أنه لا بد من تصوير الموضوع حتى يمكن ترشح الإرادة، و يمكن الأمر به و البعث إليه.

و لكنه إذا كان ذات الصلاة مثلا متصورة، و كانت هي ذات مصلحة باعثة إلى الأمر بها، فإذا تصدى الآمر للأمر بها، و خاطب المكلفين بقوله: «صلوا» فبدا له في أن يزيد فيها قيدا آخر، لأن المصلحة تكون قائمة بالمقيدة، فزاد في كلامه و قال:

«صلوا مع قصد هذا الأمر المتعلق بها» فإنه عند ذلك يدعو إلى المقيد، و قد أخذ القصد في متعلق الأمر الشخصي، و لكنه تصوير ممتنع في حق الشارع المقدس جل و علا، و ممكن في حقنا.

عاشرها: لازم التقييد بداعي الأمر، هو لزوم عدمه من وجوده، و ذلك لأن أخذ الإتيان بداعي الأمر في متعلق الأمر، يقتضي اختصاص ما عداه بالأمر، و قد تبين في محله: أن الأمر لا يدعو إلا إلى متعلقه، و هذا مساوق لعدم أخذه فيه، إذ لا معنى لأخذه فيه إلا تعلق الأمر بالمجموع من الصلاة، و الإتيان بداعي الأمر، فيلزم من أخذه فيه عدم أخذه فيه، و ما يلزم من وجوده عدمه محال‏ (1).

أقول: هذا ما سطره العلامة المحشي (رحمه اللَّه) و فيه ما لا يخفى، فإن قيد الإتيان بقصد الأمر، من القيود الراجعة إلى المادة بحسب الثبوت، فلا معنى لتعلق الهيئة في مقام الاستعمال و الإنشاء، بغير ما تصوره المقنن، و لا وجه لدعوة الأمر إلى غير ما يتعلق به، و هو المقيد، فالاقتضاء المزبور في كلامه ممنوع.

و هذا أيضا ليس من الوجوه المستقلة في المسألة، كما هو الظاهر.

____________

(1)- نهاية الدراية 1: 327.

126

المرحلة الثانية: حول الوجوه الناهضة على امتناعه بالغير و استحالته في مقام الامتثال و الإطاعة

و هي كثيرة:

الوجه الأول: ما أفاده «الكفاية» فقال ما مجمله: أن القدرة على الامتثال، مسلوبة إذا كان قصد الامتثال مأخوذا في المتعلق، و ذلك لأن المأمور به بداعي الأمر، ليس الطبيعة المطلقة، كالمأمور به مع الستر و الطهور، بل هي الحصة المقيدة، فالصلاة ليست مأمورا بها وحدها، بل الصلاة جزء المأمور به، لأن ما هو المأمور به مركب بالفرض، فكيف يعقل إتيانها بقصد الامتثال؟! لأن معنى إتيانها بداعي أمرها، أنها واجبة، و أنها مأمور بها (1)، انتهى.

و بعبارة أخرى، و هي مقصوده الأعلى: إن العبد لا بد له من تصور الداعي في إتيانه بالواجب، فلو كان الداعي داخلا في المأمور به، يحتاج إلى تصور الداعي الآخر، و هكذا فيتسلسل. و إن شئت جعلته وجها آخر في بيان الاستحالة فتدبر.

ثم إن ظاهر ما يستظهر من التقرير الأول امتناعه الذاتي في مرحلة الجعل أيضا، و الأمر سهل.

الوجه الثاني: ما أفاده المحشي المزبور (قدس سره)(2) كما هو في «الدرر» (3) و هو أن أخذ قصد الأمر في المتعلق، يستلزم داعوية الشي‏ء إلى داعوية نفسه، و هذه هي علية الشي‏ء لنفسه، ضرورة أن الأمر هو تحريك المكلف نحو ما تعلق به، فلو كان‏

____________

(1)- كفاية الأصول: 95.

(2)- نهاية الدراية: 325.

(3)- درر الفوائد، المحقق الحائري: 95.

127

متعلقه هي الصلاة بداعي الأمر، فقد دعا إلى إتيانها، و إلى داعوية الأمر، و هذا يرجع إلى علية الشي‏ء لعلية نفسه، و هذا مستحيل، لأن العلية وصف لذات العلة، من دون التقييد بأمر في ناحية المعلول حتى يلزم الدور، أو التسلسل، كما لا يخفى.

الوجه الثالث: الأمر الّذي لا بد من إتيان المأمور به بداعيه، هو الأمر النفسيّ، لأنه أمر يمكن أن يكون مقربا، و لأنه أمر شرعي مولوي تأسيسي. و الأمر المأخوذ في المتعلق هو الأمر النفسيّ الاختراعي، الّذي ليس مما يتقرب به بنفسه، فإن قام لأجل الأمر الضمني، فلا يسقط الأمر النفسيّ، و إن قام لأجل الأمر النفسيّ، فلا يأتي بجميع أجزاء المأمور به، كما لا يخفى.

الوجه الرابع: العبد إما يتحرك بالأمر المتوجه إليه بقوله: «اغتسل» أو لا يتحرك، فإن تحرك به فقد أتى بما هو الواجب اللبي- و هو المأمور به- بقصد الأمر و بتحريكه.

و إن لم يتحرك به، فلا حاجة إلى أخذه فيه، لأنه به لا يزداد في باعثيته، فأخذ قصد الأمر في المتعلق، لغو غير محتاج إليه.

أقول: الجواب عن هذه التقارير المختلفة الراجعة إلى أمر واحد في الواقع:

هو أن المقصود الأصلي في مرحلة الثبوت، هو تحقق المأمور به على وجه التعبد، و الإتيان به مع كون الداعي هو الأمر المتعلق به، قبال الإتيان بذات الفعل مع الغفلة عن أمر المولى.

فإذا رأى المولى أن هذا الأمر يمكن أن يتوسل إليه، إذا جعل عنوان «قصد الأمر» في متعلقه، فلا بد أن يأمر بالصلاة مع قصد الأمر، و ذلك لأن المكلف الملتفت إلى الأمر و أطرافه، و قيود المأمور به، ينتقل من هذا التقييد إلى أن نفس الصلاة، ليست كافية في سقوط الأمر، بل لا بد من امتثال الأمر و الانبعاث به، لأنه يجد العقوبة في مخالفة الأمر، فيتحرك قهرا نحو المأمور به.

128

و بعبارة أخرى: التحرك نحو المأمور به، لا يكون لأجل الأمر فقط، بل التحرك ناشئ من اللواحق و الجهات الاخر، من العقاب، و الثواب، أو الأمور العالية الموجودة في نفوس المقربين.

و لكنه إذا كان متوجها إلى أن العقاب في ترك المأمور به، و يرى أن المأمور به الصلاة، مع كون الانبعاث نحوها عن الأمر، فلا بد أن يتوجه إليها بذلك الأمر، فيحصل المأمور به، و يسقط الأمر، فإن ما هو المأخوذ في متعلق الأمر بالحمل الشائع، هو مفهوم «قصد الأمر» و إذا كان هو في الخارج آتيا بالصلاة بداعي الأمر، فقد امتثل.

و لكنه إذا أتى بها غفلة عن الأمر، ثم توجه إلى الأمر، فيجد لزوم إعادتها، فلا يكون لغوا، و لا يكون التحرك بالأمر النفسيّ، فإن ما هو القيد هو مفهوم «الأمر» الّذي لا باعثية له أصلا، بل الباعثية من صفات الأمر بالحمل الشائع، فهو إذا امتثل بالأمر بالحمل الشائع، فقد امتثل الأمر المأخوذ في المتعلق، لأنه مصداقه، و هو القيد المأخوذ لا بشخصه، بل بالعنوان المتوسل إلى الشخص بعد الأخذ في المتعلق.

و بعبارة أخرى: ليس قصد الأمر داخلا في المأمور به، دخول سائر الأجزاء و الشرائط، بل هو عنوان مشير إلى تضيق المرام، و أخصية المطلوب، فلو كان ينحل الأمر إلى الأوامر الضمنية، حسب الأجزاء الذهنية، و التحليلية، فلا ينحل إلى هذا الأمر المأخوذ في المتعلق، فإن مجرد أخذه في المتعلق غير كاف، بل المناط كونه من الأمور الدخيلة بعنوانها الذاتي في المأمور به، و أما إذا كان مثل قصد الأمر الّذي لا يرى دخالته في المأمور به لسقوط الأمر و لو كان جاهلا به- إذا كان انبعاثه نحو المأمور به بالأمر- فلا ينحل إليه، و لا يتوجه إليه الأمر الضمني أو الغيري، و سيوافيك بحث ينفعك، فانتظر.

و من ذلك البيان الوافي و التقرير الكافي، يتمكن الخبير البصير من الاطلاع‏

129

على مواضع الخلط في كلمات القوم و الأعلام- (رضوان اللَّه تعالى عليهم)-.

فتحصل: أنه قادر على الامتثال، و عرفت أنه لا يلزم التسلسل، لانقطاع السلسلة بالانبعاث عن الأمر بالحمل الشائع، من غير لزوم العلم بالأمر بالحمل الأولي، فضلا عما إذا كان عالما به، كما لا يخفى.

و أحطت خبرا بعدم لزوم كون الشي‏ء داعيا إلى داعوية نفسه، لأنه إذا كان داعيا إلى الطبيعة المتقيدة، فليس القيد له الداعوية و المحركية رأسا، حتى يلزم ذلك، لأن ما هو المحرك، هو البعث الخارجي الّذي توجه إلى الصلاة، و إذا امتثل العبد و أتى بالصلاة منبعثا عن الأمر، و متحركا بتحريكه، فقد أتى بجميع المأمور به و قيده و شرطه بدون إشكال، من غير فرق بين كون أخذ الأمر بعنوان «القيدية و الشرطية» أو بنحو آخر، كما أفاده العلامة المحشي (رحمه اللَّه)(1).

مع أن النحو الآخر غير ممكن، لما عرفت سابقا: من أن التقييد بدون طريان القيد على الطبيعة، غير ممكن.

فتوهم تعلق الأمر بذات المقيد، أي بهذا الصنف من الصلاة، و ذات هذه الحصة من حصص الطبيعي، فلا يلزم محذور، في غاية الوهن، لرجوعه إما إلى فرض كون القربة حاصلة بغير قصد الأمر، فهو خلف كما عرفت، أو إلى كونها مضيقة من غير اللحاظ، و هو ممتنع.

إن قلت: إنا إذا راجعنا وجداننا، فلا نجد أن أخذ قصد الأمر في المتعلق، يوجب تحريك العبد إلى الصلاة، بل العبد- بما عنده من المبادئ الخاصة، و العلوم المخصوصة بالآثار و التبعات- قد يتحرك بالأمر، فيحصل غرض المولى، و إذا كان لا يتحرك بالأمر، فلا يحركه أخذ قصد الأمر، فلا وجه لتقييد الأمر به إذا كان الغرض مقيدا.

____________

(1)- نهاية الدراية 1: 327.

130

قلت: قد اشتهر بين العقلاء و العباد، التصدي للمأمور به لأجل الأمر، و يقولون: «إن المولى و السيد أمرنا بكذا، فامتثالا لأمره نأتي به» فهل هذا إلا التحرك بالأمر؟! فإذا أخذ قصد الأمر في المتعلق، فإن كانوا متحركين نحوه للأمر بالحمل الشائع، فقد وقع جميع المأمور به و إن كانوا غافلين عن القيد المزبور، و لا يجب العلم بأجزاء المأمور به و شرائطه بالضرورة، ضرورة كفاية كونه ساترا حين الصلاة و إن كان معتقدا بعدم وجوبه.

و إن كان تحرك نحوه، و أتى به غفلة عن الأمر، ثم توجه إلى أنه أمره بالإتيان بداعي الأمر، فيعيد صلاته قهرا، لأنه لوجود المبادئ فيه يتحرك بذلك القيد إلى الإعادة، و يعلم أن ما أتى به غير واقع على ما هو المطلوب الأعلى و الأقصى.

فتحصل من ذلك التفصيل الطويل الذيل: أن قصد الأمر المذكور في ذيل الأمر، عنوان مشير إلى الأمر الشخصي المتوجه إلى المكلف، و ينتقل إلى أن المأمور به، لا يكون بحيث كيف ما تحقق يكون مسقطا للأمر، من غير كونه واجبا ضمنيا أصلا. و سيأتي زيادة توضيح إن شاء اللَّه تعالى.

و لا معنى لإمكان أخذه في متعلق الأوامر إلا ذلك، لأنه به يتوسل إلى تضيق مرامه، و إذا أخل به يثبت الإطلاق بعد تمامية سائر مقدماته.

الوجه الخامس: لا شبهة في شرطية القدرة على المكلف به قبل التكليف، حتى يتمكن المكلف و الآمر من الأمر و التكليف، و هذا فيما نحن فيه غير حاصل، لأنه يصير قادرا بالأمر (1).

و فيه: عدم قيام النص عقلا و لا شرعا، على الكلية المزبورة، بل المناط إمكان توسل الآمر إلى المأمور به و لو كان بالأمر، فتدبر.

____________

(1)- نهاية الدراية 1: 328.

131

الوجه السادس: ما أفاده العلامة النائيني (رحمه اللَّه) و إجماله ببيان منا: أن مثل قصد الأمر مثل استقبال القبلة، فكما لا معنى لأخذ الاستقبال إلا بعد موجودية القبلة و الكعبة، كذلك لا معنى لأخذ قصد الأمر إلا بعد وجود الأمر، فيلزم تقدم الشي‏ء على نفسه‏ (1).

و هذا الوجه من الوجوه الناهضة على الامتناع الذاتي، و الامتناع في مرحلة الجعل، و قد عرفت ما فيه بما لا مزيد عليه‏ (2).

و إن شئت قلت: إن فعلية الموضوع متوقفة على تحقق متعلقات المتعلق، و من تلك المتعلقات هو الأمر، ففعلية الموضوع متوقفة على فعلية الأمر و الحكم، فما لم يكن أمر فعلي لا يمكن قصده، فإذا كانت فعلية الحكم ممتنعة، يصير إنشاء التكليف ممتنعا بالغير. و لكنه غير خفي عدم رجوعه إلى الامتناع في مرحلة الامتثال.

اللهم إلا أن يقال: بأن الامتناع الغيري كما ينشأ من الامتناع في مرحلة الفعلية، ينشأ من الامتناع في مرحلة الامتثال، فيلزم حينئذ فرق بين الامتناع الغيري المذكور في كلام الوالد المحقق- مد ظله- (3) و الامتناع في مرحلة الامتثال المزبور في كلام الأستاذ البروجردي (رحمه اللَّه)(4).

و الّذي يسهل الخطب: أنه وجه واضح المنع، و يلزم حينئذ إشكال على تقسيم السيد الأستاذ:

فأولا: إن الامتناع في مرحلة الفعلية، غير راجع إلى مرحلة الجعل و الامتثال، بخلاف التقسيم الّذي أفاده الوالد المحقق- مد ظله- فإنه يستوعب جميع‏

____________

(1)- فوائد الأصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 149.

(2)- تقدم في الصفحة 118- 125.

(3)- مناهج الوصول 1: 260.

(4)- نهاية الأصول: 112.

132

الشبهات كما لا يخفى، و ذلك لأن الأمر المتعلق بالطبيعة، إذا كان القيد المأخوذ فيه غير راجع إلى الموضوع و المكلف، لا بد من إيجاده، لإطلاق الهيئة، فإذا قال: «طف بالبيت» لا بد من إيجاد البيت، و الطواف حوله، إلا مع قيام القرينة، و إذا قال:

«استقبل القبلة» فهكذا.

و الميزان الكلي: أن القيود ربما تكون راجعة إلى عناوين الموضوعات عرفا، كما إذا قال: «حج إذا استطعت» فإنه يرجع إلى أن المستطيع يجب عليه الحج. و في رجوعه إشكال، تفصيله في مقام آخر.

و ربما تكون من قيود الطبيعة، أو قيود قيود الطبيعة، فإنه يجب- حفظا لإطلاق الهيئة- إيجادها، كما يجب إيجاد الطبيعة، فلا ينبغي الخلط بين المأخوذات في المتعلقات، كما لا يخفى.

و أيضا غير خفي: أن ما اشتهر: «من أن الأمر لا يدعو إلا إلى متعلقه» (1) ليس معناه أنه لا يدعو إلى متعلقات المتعلق، بل المراد أنه لا يدعو إلى ما هو الأجنبي عن المأمور به، فلا تخلط.

و ثانيا: استقبال القبلة كالطهور الوضوئي، فلو كان الأمر المتعلق بالصلاة مستقبل القبلة، غير باعث إلى إيجاد القبلة، لما كان وجه لباعثيته إلى إيجاد الوضوء، لأن ما هو الشرط و الجزء التحليلي هو الطهور، أو الكون على الطهارة كونا رابطا، و أما ما هو طرف هذه الإضافة و سبب تحققها- و هي الصلاة و الوضوء- فهو خارج، كخروج القبلة و الكعبة عن المأمور به، فإن القيود خارجة، و التقيدات داخلة، حسبما تقرر في محله‏ (2).

____________

(1)- كفاية الأصول: 95، بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي) الآملي 1: 225، مناهج الوصول 1: 266.

(2)- شرح المنظومة، قسم الحكمة: 27.

133

و ثالثا: ما مر منا جوابا عن الشبهات: و هو أن قصد الأمر ليس مأخوذا في المتعلق، كأخذ سائر الأجزاء و الشرائط، حتى يكون محتاجا إلى الداعي، كما في غيره، بل قصد الأمر أخذ مشيرا إلى أن المرام ضيق، و أن المأمور به ليس يسقط أمره بمجرد تحققه في الخارج، كما في التوصلي مثلا.

و لقد علمت: أن وجدان كل ذي وجدان، حاكم بأن المكلف العالم بالأمر، و الجاهل بخصوصية مأخوذة في المتعلق، و هي قصد الأمر، إذا تحرك بالأمر و أتى بالمأمور به فقد سقط أمره، و ليس ذلك إلا لأن ما هو الغرض و المقصود حاصل بذلك قطعا.

و أما إذا أخل المولى بأخذه فيه، و أتى المكلف الجاهل بالأمر بالمأمور به، حسب الدواعي النفسانيّة، فإنه يسقط أمره.

و لكنه إذا توجه إلى أنه أخذ في المتعلق فيه قصد الأمر، فيتوجه إلى تضيق المرام فينبعث، لما فيه من المبادئ إلى المكلف به، و يعيد صلاته و غسله و هكذا، فلا بد من أخذ هذا العنوان المشير فيه، من غير انحلال الأمر إليه، على تقدير انحلاله إلى سائر الأجزاء و الشرائط.

تذييل: فيه توضيح لكيفية التمسك بالإطلاق لنفي قصد الأمر

قضية ما سلف منا أن قصد الأمر المأخوذ في المتعلق، ليس مورد النّظر بعنوانه الاسمي، بل المناط أخذ ما هو المشير إلى تضيق المرام و المقصود، و لذلك يمكن أخذ العناوين الاخر، مثل عنوان «تحركه بتحريك الآمر» أو «انبعاثه بالبعث المتعلق بالطبيعة» فما توهمه القائلون بالامتناع- كالأكثر- ساقط جدا.

كما إن ما أفاده المنكر له غير سالم، لأن أخذ قصد الأمر و التحرك بالتحريك بالعنوان الذاتي- كسائر الأجزاء- يستلزم الإشكال الفقهي عليهم، لأنه لا بد من‏

134

إتيان المأمور به بجميع أجزائه مع العلم بها، مع أن الأمر الواحد باعث إلى الكل من غير لزوم الأوامر المتعددة، ضرورة أن الأوامر المتعددة ليست تعبدية، بل هي ترشحية ضمنية، و اختراعية عقلية خارجة عن محيط القانون و العرف.

فما أفاده بعض الأفاضل: من الالتزام بكون الواجب مركبا من الأمر النفسيّ و الضمني، و من الأمر التعبدي و التوصلي‏ (1)، في غاية الوهن.

و أعجب من ذلك توهم: أن ما هو الداعي إلى الامتثال هو الأمر الضمني‏ (2)!! فإنه لو كان الأمر كما توهم، للزم عدم سقوط الأمر النفسيّ، و عدم ترتب الثواب و العقاب على فعله و تركه.

فما هو الواجب بالأمر النفسيّ هو الطبيعة، و لا قيد هناك، و لكنه لقوله: «صل مع قصد الأمر» يتوجه الإنسان إلى أن في مقام الخارج و نفس الأمر، لا بد و أن يكون التحرك بداعي الأمر و إن كان غافلا أو جاهلا به.

و ما أفاده الوالد المحقق- مد ظله-: «من أن الأمر ليس محركا، و أنه موضوع الطاعة» (3) في غير محله، لأن الطاعة لا تحصل إلا بكون الانبعاث عن البعث.

نعم، ليس الأمر علة تامة للتحريك، كما لا شبهة في أن مراد القوم من «محركية الأمر» ليس ذلك، لشرائط كثيرة في تحريكه.

نعم، هذه الشرائط كلها دخيلة في قابلية القابل، و انبعاث التحرك، و عند وجود تلك الشرائط يقال: «الأمر محرك» فلا تخلط.

كما إن ما أفاده هنا: «من أن الأمر المتعلق بالمركب، واحد متعلق بعنوان واحد بسيط، ذي أجزاء بوجوده الخارجي» في غاية المتانة، و لكنه يلزم منه لزوم‏

____________

(1)- لاحظ محاضرات في أصول الفقه 2: 167.

(2)- نفس المصدر.

(3)- مناهج الوصول 1: 267.

135

العلم بالأجزاء في العبادات القربية و بالشرائط فقها.

اللهم إلا أن يقال كما مر في ضمن كلامنا: إن المسألة حسب الفقه غير واضحة، و لا دليل على عدم سقوط أمر الصلاة إذا أتى بها متحركا بتحريكه، جاهلا بشرائطها، كالستر و نحوه، مع كونه واجدا له.

و لكنك عرفت: أن هذا الجزء ليس كسائر الأجزاء، و له خصوصية مختصة به، على الوجه الّذي عرفت منا، فلا تبتني المسألة على الالتزام بوحدانية المتعلق في الأصول، و على عدم اعتبار العلم بالأجزاء و القربة في جميع الأجزاء في الفقه، فافهم و اغتنم.

فإذا فرغنا من هذه الشبهات برمتها، و الإعضالات بجملتها، تبين لك إمكان التمسك بالإطلاق عند الشك في التعبدية و التوصلية، و علمت أن إمكان التمسك به، لا يتوقف على إثبات إمكان أخذه في المتعلق بكونه من أجزاء المأمور به شرطا أو شطرا، مع أنه كان بمكان من الإمكان.

إن قلت: لو أمكن تعلق الوجوب بالمركب من الصلاة و قصد الأمر، و بالتحرك بتحريكه، للزم تعلقه بأمر غير اختياري، فإن الفعل و إن كان بالاختيار و بالإرادة، إلا أن إرادته حيث لا تكون بإرادة أخرى- و إلا لتسلسلت- ليست باختيارية، كما لا يخفى‏ (1).

قلت: هذا ما في «الكفاية» و لقد علمت منا في تنبيهات مباحث الطلب و الإرادة (2)، اختيارية الإرادة من غير استباقها بإرادة زائدة على الذات المجردة المستجمعة لجميع القوى على نعت الضعف و الفتور، لما ثبت التشكيك بين أنحاء المجردات بوجه صحيح. هذا أولا.

____________

(1)- كفاية الأصول: 95- 96.

(2)- تقدم في الصفحة 65.

136

و ثانيا: قد أحطت خبرا بما لا تجده في غير كتابنا: بأن قصد الأمر، ليس بعنوانه مورد النّظر و البحث، بل المقصود هو التحرك بتحريك الأمر، و هذا أمر اختياري إذا كان في العبد مبادئ تلك الحركة، كما أشير إليه، فتأمل.

و ثالثا: و هو الأساس ما علمت منا: من أن قصد الأمر ليس مورد الوجوب، لا الوجوب الاستقلالي، و لا الضمني، و لا الغيري، فلا يكون الواجب مركبا من الجزء الاختياري، و غير الاختياري، حتى يكون المركب منها غير اختياري، فلا يصح تعلق الأمر به رأسا.

و بعبارة أخرى: متعلق الأمر في العبادات و في زمرة من المعاملات- بالمعنى الأعم- هو الفعل المقيد بصدوره عن الإرادة، و لكنه ليس من القيود التي لا تحصل في صورة الجهل بها، فمنه يعلم: أن هذا القيد جي‏ء به لإفادة انتقال المخاطب إلى أخصية الغرض، و تضيق المرام، و يكون من العناوين الإشارية إلى أمر آخر، و هذا المقدار من إمكان الأخذ، كاف في صحة التمسك بالإطلاق.

تذنيبان‏

التذنيب الأول: حول أخذ قصد الأمر بأمر ثان‏

لو سلمنا امتناع توصل المولى إلى أخذ قصد الأمر في متعلق التكليف، فهل يتمكن من ذلك بالأمر الثاني، بأن يدعو الأمر الأول إلى الطبيعة، و الأمر الثاني إلى قصد الأمر، أم لا؟ فيه قولان:

اختار «الكفاية» الثاني معللا: بأن الأمر الأول إما يسقط بمجرد الإتيان بالطبيعة، فلا يبقى مجال لامتثال الأمر الثاني، لارتفاع موضوعه، و انتفاء محله و مورده، لأن متعلق الثاني هي الطبيعة مع قصد الأمر. و إن كان لا يسقط بمجرد

137

الإتيان بها، فلا يكون له وجه إلا عدم تحقق الغرض الباعث إلى الأمر، فإن الضرورة قاضية بأن الإتيان بمتعلق الأمر، يستلزم سقوطه، فإذا كان لا يسقط فليس إلا لبقاء الغرض، فلا بد من الإتيان بقصد الأمر بحكم العقل، و لو كان يشك في ذلك فبحكمه أيضا يجب، فلا تصل النوبة إلى الأمر الثاني، و تلزم اللغوية (1).

أقول: مرادهم من «الأمر الثاني» هو الأمر التأسيسي النفسيّ، و عليه لا يعقل تعلق الأمر الثاني بالطبيعة المقيدة، لما تقرر منا في محله من امتناع ذلك‏ (2)، و أن البعث التأسيسي إلى شي‏ء واحد، لا يمكن إلا مرة واحدة، و ما يتعلق به ثانيا يكون تأكيدا، و إذا كان مشتملا على القيد يكون إرشادا إلى تقييد المتعلق في الأمر الأول، فتصوير الأمر الثاني ممنوع و ممتنع، فلا يعقل ما فرضه الأصحاب رحمهم اللَّه معقولا (3).

هذا، و لو سلمنا إمكان الأمر الثاني التأسيسي المتعلق بالقيد، فلا وجه لما أفيد في المقام، لأن الالتزام بالشق الثاني ممكن، ضرورة أن المكلف الملتفت إلى العقاب على ترك الأمر الثاني، لا يبادر إلى امتثاله، حتى يبقى موضوع للأمر الأول، كمن نذر أن يصلي صلاته جماعة أول الظهر، فإنه إذا بادر إلى امتثال الأمر المتعلق بصلاة الظهر أول الوقت، فهو و إن امتثل أمره، و يسقط أمر الفريضة، و لكنه عصى وجوب الوفاء بالنذر، و لا يتمكن من تداركه، لانتفاء موضوعه، و إذا كان يرى ذلك فلا يبادر إليه إلا بالجماعة أول الوقت، فلا يكون الأمر الثاني لغوا.

و ربما يقال: بإمكان الالتزام بالشق الأول في كلامه، لإمكان الالتزام بلزوم‏

____________

(1)- كفاية الأصول: 96- 97.

(2)- يأتي في الصفحة 257- 259.

(3)- أجود التقريرات 1: 116، بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي) الآملي 1: 231- 232، منتهى الأصول 1: 139.

138

الإعادة بعد كون المصلحة الموجودة في متعلق الأمر الثاني ملزمة.

و بعبارة أخرى: الامتثال عقيب الامتثال مما يمكن فرضه، فيما كان القيد الموجب لحدوث الأمر الثاني، ذا مصلحة إلزامية، فإذا بادر المكلف إلى امتثال الأمر الأول فهو يسقط، و لكنه يجب عليه الإعادة، لإدراك المصلحة الملزمة المتصورة في الأمر الثاني، و هي لا تتدارك إلا بإتيان الطبيعة بداعي الأمر الأول‏ (1)، انتهى.

و فيه ما لا يخفى، ضرورة أن الأمر الأول إما يسقط، أو لا، فإن سقط فلا إعادة، فإن المأمور به بالأمر الثاني، غير المأمور به بالأمر الأول، و إن لم يسقط فلا يكون الشق الأول مورد الالتزام.

و بعبارة أخرى: المصلحة الثانية إن كانت استقلالية، فلا يتصور الإعادة، و إن كانت غير استقلالية، فلا يتصور سقوط الأمر الأول، فافهم و تدبر.

فتحصل: أنه لا لغوية في الأمر الثاني. مع أن قضية ما يأتي هو البراءة عند الشك في التعبدية و التوصلية (2).

ثم إنه ربما يستظهر امتناع الأمر الثاني و لو كان إرشاديا، و ذلك للغويته بعد حكم العقل بالاشتغال، فما في «الكفاية» من البرهان الضعيف، يقتضي امتناع الأمر الثاني الإرشادي أيضا، كما لا يخفى، فتأمل.

إن قلت: كيف يعقل ترشح الإرادة الجدية للأمر الأول، مع أن متعلقها الطبيعة المطلقة التي لا مصلحة فيها، فإذا كان الأمر الأول قاصرا عن الباعثية، فكيف يمكن أن يصير باعثا بالأمر الثاني المتعلق بالطبيعة المقيدة، فيكون ما هو تمام الباعث هو الثاني؟! فلا معنى للأمر الأول.

____________

(1)- نهاية الدراية 1: 332- 333.

(2)- يأتي في الصفحة 167.

139

قلت: هذه شبهة ترد على جميع الأوامر الإنشائية التي تعلقت بالأمور العامة الكلية، ثم بعد مضي مدة يجي‏ء وقت التقييد و التخصيص، أو بعد مضي مدة يجي‏ء وقت العمل بها، فكما إنها ليست باعثة حين وجودها، و تصير بعد التحاق قيودها باعثة، كذلك الأمر هنا، فإن الأمر الأول المتعلق بالطبيعة إما لا يكون إلا إنشائيا، فبلحوق الأمر الثاني يكشف الجد على طبقه، فيصير باعثا.

أو يكون فعليا، و لكن بعد مضي مدة يصير المصلحة في الطبيعة المقيدة، فيصدر الأمر الثاني، فلا يلزم عدم باعثية الأمر الأول.

و حيث يكون الفرض الأول خارجا عن مفروض المسألة، و هو كون الأمرين فعليين مستقلين، و لكل واحد منهما موافقة و مخالفة، يتعين الفرض الثاني، و هو كون المصلحة بدوا في الطبيعة المطلقة، ثم صارت في المقيدة، فأمر بها، فإنه حينئذ لا يلزم عدم باعثية كلا الأمرين، و لا لغويتهما.

نعم، بناء على ما ذكرناه وجها للامتناع، و أن الأمر الثاني لا يكون نفسيا تأسيسيا، فلا يختص بالموافقة و المخالفة، و لا يكون ذا عتاب و عقاب، و ذا امتثال و ثواب، يتوجه أيضا: أن الأمر التأسيسي النفسيّ- بحسب الواقع و نفس الأمر- أحد أمرين:

إما يكون الأول، فيكون الثاني إرشادا إلى القيدية.

أو يكون الثاني، فيكون الأول لغوا، أو منسوخا.

و حيث لا سبيل إلى الثاني ثبوتا، و لو أمكن لا وجه له إثباتا، يتعين فيما إذا ورد الأمران، حمل الأول على التأسيس، و الثاني على الإرشاد إلى تقيد متعلق الأمر الأول، كقوله: «صل» و قوله ثانيا: «صل فيما يؤكل لحمه» فافهم و اغتنم.

نعم، في المثال المزبور هو إرشاد إلى قيد في المأمور به، و فيما نحن فيه هو إرشاد إلى تضيق المرام، و أخصية الغرض.

140

و هم: حول حقيقة الأجزاء و الشرائط و دفعه‏

قال العلامة المحشي (رحمه اللَّه) في المقام: إن المساعد مع الاعتبار، بل الزائد عليه على ما يظهر منه إجمالا، أن المركبات المشتملة على الأجزاء و الشرائط، تحتاج إلى أمرين:

الأول: ما يتعلق بالأجزاء الذهنية التي تكون دخيلة في اقتضاء المركب.

و الثاني: ما يتعلق بالأجزاء التحليلية التي هي الدخيلة في تأثير المركب.

و لا يكون هذه الأجزاء التي يعبر عنها ب «الشرائط» في عرض تلك الأجزاء، و لا يعقل حينئذ- بحسب اللب- تعلق الإرادة بذات السبب و شرائطه في عرض واحد، فله الأمر حينئذ بذات السبب، و الأمر بكل واحد من الشرائط مستقلا. و عدم سقوط الأمر الأول مع عدم الإتيان بالأمر الثاني، من لوازم الاشتراط، من دون فرق بين القربة و غيرها (1)، انتهى ببيان منا.

و أنت خبير: بأن هذا الّذي أفاده، كأنه مأخوذ من المركبات الخارجية التكوينية و شرائطها، التي ترجع إلى مقام تأثيرها، مثلا النار من المركبات فرضا، و الأجزاء التي تحصلها هي المادة و الصورة، و لكن شرائط تأثيرها خارجة عنها في مرحلة الماهية، و لاحقة بها في مقام العلية و التأثير، ففيما نحن فيه و المركبات الاعتبارية أيضا، يكون الأمر مثلها.

و هذا هو الّذي احتملناه في رسالة حررنا فيها مسائل «قاعدة لا تعاد» (2)، و ذكرنا هناك: أن لازم هذا التحرير و التقرير، عدم وجوب الإعادة على ما أخل بالشرائط، لأنها شرط كون الصلاة ناهية عن الفحشاء، كما صرح به العلامة المزبور.

____________

(1)- نهاية الدراية 1: 334.

(2)- رسالة في قاعدة لا تعاد للمؤلف (قدس سره) (مفقودة).

141

و يبعد التزامه بذلك جدا، كما يستبعد التزامه بأن اللازم، كونها ناهية عن الفحشاء بنحو العام الاستغراقي، و لا شبهة في أن كثيرا من صلواتنا، لا تكون من الناهية عن الفحشاء جدا، و نعوذ باللّه تعالى.

فعليه يسقط الوهم المزبور، و يكون جميع الأجزاء داخلة في الماهية من غير فرق بينها. و مجرد كون بعض منها من الأجزاء الأولية، و بعضها من الثانوية في الاعتبار، لا يستلزم ترتبها في مقام الجعل و التشريع، فلا تخلط.

شبهة تعين إفادة قصد القربة بدليل منفصل و حلها

قضية ما سلف في الصحيح و الأعم، أن الشرائط الآتية من قبل الأمر، خارجة عن محل النزاع، و ليست دخيلة في المسمى عند الكل، بل قيل: بامتناع كونها داخلة، فعليه يتعين إفادة هذا القيد بالدليل المنفصل‏ (1).

و أنت خبير بما فيه مبنى، لما تقرر منا في محله فراجع، و بناء، لما أن ذلك لا يؤدي إلى تعين الأمر الثاني و البيان المنفصل، بل يكفي البيان المتصل.

و لو قيل: لا أثر منه في الأخبار، و الإجماع كاشف عن الدليل المنفصل‏ (2).

قلنا: نعم، و لكن الدليل المتصل ربما كان من اللبيات، فإنه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) أمر بالصلاة مثلا، و كانت هذه الصورة التي يعبد بها الرب الجليل، مفروغا عنها عند أهل المسجد، في كونها ممحضة للعبادة التي لا تحصل إلا بالقربة، فلا تخلط.

كلام المحقق العراقي في المقام و جوابه‏

ذهب صاحب «المقالات» العلامة الأراكي (رحمه اللَّه) في بدو الأمر إلى الامتناع في‏

____________

(1)- تقدم في الجزء الأول: 202- 205.

(2)- مناهج الوصول 1: 270.

142

المسألة، ثم قال: «و يمكن أن ننفرد عنهم بتحرير، يفيد إمكان أخذ قصد الامتثال أو دعوة الأمر في متعلق شخصه شرطا، أو شطرا، و ذلك يتوقف على تمهيد مقدمة.

و إجمالها: أن الطلبات العرضية، كما يمكن إيجادها بإنشاء واحد، كما في قوله: «أكرم العلماء» كذلك يمكن إيجاد الطلبات الطولية بإنشاء واحد، كما في قوله:

«صدق العادل» فإنه بإنشاء واحد يوجد الوجوبات المتعددة، بحيث يكون أحد الأفراد، محققا لموضوع الفرد الآخر، فموضوعه «خبر العادل» المحقق وجدانا، أو تعبدا. و بذلك البيان تنحل الشبهة المعروفة في الإخبار مع الواسطة، حيث إن في تطبيق الكبرى الشرعية، لا بد من أمرين:

أحدهما: تشخيص صغراها.

ثانيهما: كونه ذا أثر شرعي.

و في مثل خبر الشيخ، عن الصفار، عن زرارة، عنه (عليه السلام) لا يمكن تطبيقها، لا في مبدأ السلسلة، و لا في وسطها، و لا في آخرها:

أما في المبدأ، فلعدم الأثر الشرعي.

و أما في المختم، فلعدم الموضوع الوجداني.

و أما في المتوسط، فلعدمهما. و تكفل دليل «صدق العادل» لإثبات موضوع نفسه، غير ممكن إلا بطريق أشير إليه.

إذا عرفت ذلك فاعلم: أنه يمكن أن ينشئ المولى وجوبين طوليين، أحدهما يحقق موضوع الآخر بإنشاء واحد، كما لو قال: «صل مع قصد الأمر» أو «مع قصد امتثال وجوب الصلاة» فتكون هذه العبارة و نحوها إنشاء واحدا لوجوبين:

أحدهما: متعلق بالحصة المقارنة لدعوة الأمر.

و ثانيهما: وجوب إتيان تلك الحصة بدعوة أمرها. و بذلك ترتفع المحاذير

143

المزبورة طرا» (1) انتهى.

أقول: مما اشتبه عليه أنه ظن أن البيان المزبور، يؤدي إلى إمكان أخذه في متعلق الأمر الشخصي، و قد عرفت: أن ذلك من الممتنع على الشارع المقدس، و إن كان لنا تصويره فينا (2).

و قد خلط (رحمه اللَّه) بين الأمر الشخصي، و وحدة الأمر و تعدده، فإنه في المثال الّذي أفاده، لا يكون المأخوذ في المتعلق إلا عنوانا و مفهوما من الأمر تصورا، و هذا ليس الأمر الشخصي بالضرورة.

ثم بعد مفروغية تمامية المقدمة، لا يتم المقصود بالأصالة، و ذلك لأن معنى الطلبات الطولية، كون أحد الطلبين تاما، كما في الطلبات العرضية، و إذا كان أحد الطلبات الطولية تاما، فلا بد من سقوط الوجوب، و معنى الطولية أن بسقوط الوجوب المتقدم رتبة، لا يبقى محل و موضوع للوجوب الآخر، و هذا فيما نحن فيه باطل بالضرورة، لأن إتيان الطبيعة الخالية عن القيد، لا يكون مطلوبا رأسا، فلا طلب إلا واحد متعلق بالمقيد، فلا تعدد في الطلب حتى يكون طوليا، أو عرضيا، فلا يستنتج من تلك المقدمة ما قصده و أراده، فتدبر.

إيقاظ

كما يمكن أن يتوصل المولى بالأمر الواحد إلى مرامه و مقصوده، و بالأمرين إذا كان ثانيهما إرشاديا، كذلك يمكن إفادة مرامه من غير التوصل إلى الأمر، فبقوله:

«عليك صلاة الليل بقصد الامتثال» أو «يأتي بها بقصد الأمر و بداعيه» ينتقل المكلف إلى إرادة المولى، و إلى تضيق مرامه، و لا شبهة في أن هذا المقدار كاف في‏

____________

(1)- بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي) الآملي 1: 232- 234.

(2)- تقدم في الصفحة 125.

144

صدق الامتثال المتوقف على الأمر، لأن الأمر بعنوانه غير لازم، بل المناط هي الإرادة المظهرة بأي مظهر كان، و لا أظن أن يتوهم الامتناع في هذه التراكيب، فليتأمل.

إشكال آخر على الأمرين‏

قد مضى إشكال لا يمكن الذب عنه‏ (1)، و قد تعرضنا لتفصيله في مباحث اجتماع الأمر و النهي‏ (2)، و مباحث الترتب‏ (3).

و هنا إشكال آخر يشكل الذب عنه: و هو أن الأمر الأول توصلي لا محالة، لأنه متعلق بنفس طبيعة الصلاة مثلا، و الأمر الثاني أيضا توصلي، و لكنه لا يمكن امتثاله إلا بوجه يستلزم تعبدية الأمر الأول، فإن التحرك بتحريك الأمر الأول متعلق الأمر الثاني، فهذا لا يسقط إلا إذا تحرك العبد بالأمر الأول، فإن كان غافلا عن الأمر الثاني، فيمكن امتثال الأمرين، فإنه بتحركه عن الأمر الأول، يسقط الأمرين قهرا.

و إن كان ملتفتا إلى الأمر الثاني، فلا يعقل تحركه بالأمر الأول، بل يتحرك إذا كانت فيه المبادئ الدخيلة في التحرك بالأمر الثاني، و لا معنى لتحركه بالأمر الثاني إلى التحرك بالأمر الأول، لعدم إمكان التحركين في شي‏ء واحد، أو لعدم إمكان التحريكين الطوليين، بل التحرك يستند إلى الجامع، أو إلى الأمر الثاني فقط، فلا يسقط الأمران قهرا، لأن سقوط الأمرين متوقف على تحركه بالأمر الأول، كما لا يخفى.

إن قلت: هذا الإشكال بعينه جار في أصل المسألة، و هو أخذ قصد الأمر

____________

(1)- تقدم في الصفحة 136- 137.

(2)- يأتي في الجزء الرابع: 144- 146.

(3)- يأتي في الجزء الثالث: 502- 503 و 508- 510.

145

و التحرك به في متعلق الأمر الأول نفسه.

قلت: كلا، ضرورة أن هذا لا يورث إلا انتقال المكلف إلى تضيق المرام، و لا يكون أمر باعث إلى باعثية الأمر الأول، لا استقلالا، و لا تبعا و ضمنا، فاللامعقولية المزبورة مستندة إلى تعدد الأمر و لو كان الثاني ضمنيا، فتدبر.

فالمحصول مما قدمناه، امتناع وصول المولى إلى غرضه بالأمرين المولويين.

نعم، يمكن وصوله إلى مرامه بالأمر الثاني الإرشادي، المتكفل لبيان الشرطية و الجزئية على نحو سائر الأجزاء و الشرائط.

نعم، فرق بين المقام و سائر الأجزاء و الشرائط، فإن الأمر الثاني هنا إرشاد إلى أخصية المرام، و هناك إرشاد إلى شرطية المأمور به، بحيث يتعلق به الأمر.

إن قلت: بناء على امتناع أخذ قصد الأمر و ما يماثله في متعلق الأمر، و إمكان التوصل إلى بيان حدود المأمور به، فهل يمكن التمسك بالإطلاقات في الأدلة الأولية، أم هذا غير صحيح، لعدم إمكان التقييد، فيكون هذا من التمسك بالإطلاق المقامي، دون الإطلاق اللفظي، على ما هو المصطلح عليه عند الأصحاب (قدس سرهم)؟

قلت: إن قلنا: بأن الإطلاق صفة اللفظ، و أن مقدمات الإطلاق تنوب مناب ألفاظ العموم، و أنه هو جمع القيود، فلا يتم التمسك بناء على ما اشتهر: «من أن من شرائط تمامية المقدمات، إمكان التقييد» (1) كما هو المفروض، و سيأتي تفصيله في البحث الآتي إن شاء اللَّه تعالى‏ (2).

و إن قلنا: بأن الإطلاق من الدلالات العقلية، و أن ذلك مأخوذ من الفعل الاختياري الصادر من المقنن و المولى العالم المختار، و أنه لمكان أخذه طبيعة

____________

(1)- كفاية الأصول 1: 372، فوائد الأصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 155.

(2)- يأتي في الصفحة 148- 152.

146

موضوعا لحكم و عدم إتيان شي‏ء آخر قيدا لها مع علمه بالواقعة، و اختياره في ذلك، فالتمسك بالإطلاق ممكن، من غير فرق بين هذا الشرط الممتنع أخذه في متعلق الأمر، و غيره مما يمكن فيه ذلك، لأن امتناعه في متعلقه، لا يمنع من تمكنه من الإرشاد إلى القيد بالدليل المنفصل، فإذا لم يتذكر ذلك في محله يعلم: أن ما هو تمام مرامه و مقصده، نفس الطبيعة من غير دخالة القيود الاخر، فافهم و تدبر.

التذنيب الثاني: حول أخذ سائر الدواعي القربية في متعلق الأمر

في إمكان أخذ سائر الدواعي القربية في متعلق الأمر و عدمه قولان:

فصاحب «الكفاية» اختار الأول‏ (1)، و العلامة النائيني ذهب إلى الثاني، مدعيا جريان المحاذير السابقة في المراحل الثلاثة: مرحلة الإنشاء، و الفعلية، و الامتثال هنا (2).

و أنت بعد ما أحطت خبرا بفساد ما أفاده هناك‏ (3)، فلا تحتاج إلى التكرار الممل، و الإطناب المبطل، و لا أدري إن من يقول بالامتناع مطلقا، كيف يصنع مع قوله تعالى: وَ أَتِمُّوا الْحَجَّ وَ الْعُمْرَةَ لِلَّهِ‏ (4)؟! و بناء على ما سلف منا، لا تكون هذه الدواعي داخلة في متعلق الأمر، حتى تكون واجبات ضمنية، بل هي أيضا- مثل قصد الأمر و الامتثال- عناوين مشيرة إلى أخصية المرام و المقصد، على الوجه الماضي تفصيله‏ (5).

____________

(1)- كفاية الأصول: 97.

(2)- فوائد الأصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 151.

(3)- تقدم في الصفحة 124.

(4)- البقرة (2): 196.

(5)- تقدم في الصفحة 128.

147

و أما ما في «الكفاية»: «من أن هذه الدواعي غير معتبرة قطعا، لكفاية الاقتصار على قصد الامتثال الّذي عرفت عدم إمكان أخذه فيه» (1) انتهى، فهو لا يرجع إلى محصل، لأن من الممكن جهل العبد بالأمر، و إذا أتى بالصلاة لا بإحدى الدواعي الاخر القربية كقصد المحبوبية له تعالى، أو قصد مصلحة منتهية إليه تعالى، أو سائر المقاصد العالية التي لا تنالها أيدينا، و لا بداعي الأمر، فإنه عند ذلك تصح صلاته، و لا تجب عليه الإعادة، لإطلاق الأمر.

فبالجملة: امتناع أخذ أحد الأطراف الكافية في عبادية العبادة، لا يورث قصورا في التمسك بالإطلاق، بعد كون غيره من سائر الدواعي ممكن الأخذ.

بل هذا أمر سار في جميع الشرائط، فإنه لا يتمكن العبد من جميع أفراد الشرط قطعا، و لكن تمكنه من بعض مصاديقه كاف في إمكان الإطلاق في حقه، فلا تخلط.

فبالجملة: لا محصل لما أفاده، لأن المقصود في المقام إثبات إمكان تمامية مقدمات الإطلاق، و إذا أمكن ذلك فقضية القاعدة هي أصالة التوصلية، و لا يلزم إتيان الفعل بإحدى الدواعي القريبة، فقوله بكفاية قصد الامتثال، أجنبي عما هو المقصود بالأصالة.

و لو كان مقصوده أن التقييد بهذه الدواعي، يستلزم عدم إجزاء قصد الأمر و الامتثال، فهو مندفع بحكم العقل بحصول القربة أولا بذلك، و بالإجماع ثانيا، فلا بد من أخذ هذه الدواعي على سبيل منع الخلو، حتى يعلم: أنه من الواجب التعبدي و التوسعة الثابتة من ناحية غيرها، لا يضر بلزوم أخذ إحداها، و إذا طرح التقييد يعلم:

أن تمام مطلوبه و مرامه نفس الطبيعة بأي نحو اتفقت.

____________

(1)- كفاية الأصول: 97.

148

المبحث الثاني هل يستلزم امتناع التقييد امتناع الإطلاق؟

لو سلمنا امتناع التقييد، و امتناع أخذ قصد الأمر في المتعلق، فالمعروف المشهور بين الأعلام امتناع الإطلاق إثباتا أيضا (1).

و أما في مرحلة الثبوت، فالامتناع الأول يورث وجوب الإطلاق، كما عن الشيخ الأعظم، فإنه قال: «إذا امتنع التقييد يجب الإطلاق، لامتناع الفرض الثالث، و هو الإهمال في مرحلة الثبوت» (2).

و الّذي يظهر من الفضلاء، ابتناء هذه القاعدة الكلية على فهم تقابل الإطلاق و التقييد، و أن التقابل بينهما لما كان تقابل العدم و الملكة، فالامتناع في المقدم استلزم الامتناع في التالي.

و اختلفت كلماتهم في تقابلهما، فمن قائل: بأنه من تقابل التضاد، و كان هذا رأي المشهور إلى زمان سلطان المحققين‏ (3).

و من قائل: إنه تقابل العدم و الملكة (4)، و هو رأي المشهور من بعده‏ (5).

و قيل بالأول في مرحلة الثبوت، و بالثاني في مرحلة الإثبات‏ (6).

____________

(1)- فوائد الأصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 155، محاضرات في أصول الفقه 2: 173.

(2)- لاحظ أجود التقريرات 1: 112.

(3)- لاحظ فوائد الأصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 565، أجود التقريرات 1: 520.

(4)- فوائد الأصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 155، منتهى الأصول 1: 468.

(5)- أجود التقريرات 1: 520.

(6)- محاضرات في أصول الفقه 2: 173.

149

و ربما يظهر من العلامة المحشي (قدس سره) أن تقابلهما تارة: يكون من قبيل العدم و الملكة، كما فيما كان ممكنا، و أخرى: من قبيل السلب و الإيجاب، كما فيما كان ضروريا (1) انتهى ما أفاده في الهوامش.

أقول: هذا ما عندهم، و الّذي عندنا و يصير خلاصة البحث في المقام أمور:

أحدها: في المراد من الإطلاق و التقييد

أن الإطلاق و التقييد لا معنى لهما في مرحلة الثبوت، لأن في مرحلة الأغراض و المقاصد، إذا كان الغرض و مرام المولى نفس الطبيعة، فلا يعقل التقييد.

و إذا كان الغرض حصة منها، و تلك الطبيعة مع خصوصية، فلا يعقل الإطلاق.

فإذا امتنع كل طرف يجب الطرف الآخر، و التعبير عن هذا ب «التقييد» غير صحيح، بل هو تضيق المرام و تحدد المطلوب، فإذا قيل: «امتناع التقييد يستلزم امتناع الإطلاق» فهو كلام ناظر إلى مرحلة التقييد بالنسبة إلى الإطلاق المتوهم من الكلام في الابتداء.

مثلا: إذا قال المولى: «أكرم العالم» فكأنه أطلق، ثم إذا قال بعد قوله «العالم»:

«العادل» فهو من التقييد، أي إن الإطلاق و التقييد هنا، من الإطلاق و التقييد التوهميين، كالتعارض الوهمي بين العام و الخاصّ، و الإطلاق و التقييد بعد انعقاد الظهور في المطلق مثلا.

فما أفاده الشيخ و تبعه بعض آخر في المقام، أجنبي عن هذه القاعدة المربوطة بمقام الإثبات و الجعل و الكشف.

____________

(1)- نهاية الدراية 1: 339.

150

ثانيها: حول النسبة بين الإطلاق و التقييد

بناء على صحة قولهم: «امتناع التقييد يستلزم امتناع الإطلاق» فلا فرق بين كون تقابلها التضاد، أو الإيجاب و السلب، أو العدم و الملكة، لأن سند هذه القاعدة، بناء العرف و العقلاء في احتجاجاتهم، و لا سبيل لهذه المصطلحات الصادرة عن غير أهلها في الفنون الاعتبارية و العلوم غير الحقيقية في هذا المقام و الميدان، فإن استكشاف مراد المولى و المقنن سعة و ضيقا، تابع لمقدار دلالة ألفاظه، و سائر القرائن الحالية و المقالية.

فإذا قال: «أكرم العالم» يمكن كشف أن إكرام العالم تمام مرامه و مقصده، بشرط عدم كونه في محذور عقلي عن إفادة القيد، أو محذور عقلائي معلوم عندهم، سواء كان تقابل الإطلاق و التقييد من التضاد، أو غيره، ضرورة أنه بعد ما كان تحقق أحد الضدين- و هو الإطلاق- منوطا بإمكان تحقق الضد الآخر- و هو التقييد- فلا بد في الحكم بتحققه من إحراز إمكانه إثباتا.

ثالثها: في الفرق بين الإطلاق و التقييد الثبوتيين و الإثباتيين‏

الإطلاق و التقييد هما من أفعال الإنسان و المقنن، فإنه إذا أرسل كلامه بعدم ذكر قيد معه، يقال: «إنه أطلق» و كان كلامه مطلقا بلحاظ فعله، و التقييد أيضا من الأفعال القائمة بالإنسان قياما صدوريا. و لا يكون الإطلاق من المعاني الداخلة في إحدى المقولات، لعدم شأنية الوجود له حتى يعد منها، كما لا يخفى، و تفصيله في المطلق و المقيد (1).

____________

(1)- يأتي في الجزء الخامس: 393- 396.