تحريرات في الأصول‏ - ج2

- السيد مصطفى الموسوي الخميني المزيد...
349 /
151

و أما تضيق المرام و تحدد المطلوب و المقصود، فهو أجنبي عن التقييد و الإطلاق الراجعين إلى عالم الإثبات و الإظهار، فلا ينبغي الخلط بين مفاد القاعدة المعروفة «كلما امتنع التقييد امتنع الإطلاق» و بين قول الشيخ (رحمه اللَّه) مثلا، مما يرجع إلى أنه إذا امتنع التضيق في مقام الثبوت، يجب الإطلاق و بالعكس، بداهة أن كل إنسان- بحسب مرامه و مقصوده- إما ذو مرام مطلق فيمتنع تضيقه و بالعكس، للزوم الخلف.

رابعها: في تحقيق قاعدة استلزام امتناع التقييد للإطلاق‏

القاعدة المعروفة، إن أريد منها أن امتناع التقييد متصلا و منفصلا بالأمر الإرشادي، يستلزم امتناع الإطلاق، فهو في غاية المتانة.

و أما إذا أريد منها أن ما امتنع تقييده بدليل متصل أو منفصل- كالأمر الثاني المولوي- امتنع إطلاقه، فهو ممنوع، لما عرفت منا: من أن المراد من «الإطلاق» في باب المطلق و المقيد ليس ما اشتهر، و هو دلالة اللفظ بعد تمامية مقدمات الإطلاق على الإطلاق و السريان، بل هو من الدلالات العقلائية و العقلية، متخذة من الفعل الاختياري الصادر عن الفاعل المختار الملتفت العالم بالأطراف.

و إذا امتنع التقييد بالمتصل فله إفادة مرامه بدليل آخر إرشادا إليه.

و إذا سكت عن ذلك يعلم: أن ما هو تمام الموضوع لمرامه و مقصوده، هي نفس الطبيعة و الصلاة، و لا خصوصية مأخوذة فيها، و ليس هذا من الإطلاق المقامي، كما لا يخفى.

كما إن المراد من «الإطلاق» في القاعدة، ليس الإطلاق المقامي، و إلا فلا تصح القاعدة مطلقا.

152

فالذي تحصل: أن القاعدة غير قابلة للتصديق على ما يستظهر منها، و هو أن من شرائط انعقاد الإطلاق، إمكان التقييد بالمتصل، و أما على ما احتملناه في مفادها، فهي قاعدة صحيحة عرفية بلا شبهة و ريب.

ثم إنه ربما يمكن دعوى: أن المراد من هذه القاعدة «أن كلما امتنع التقييد امتنع الإطلاق» هو امتناع الإطلاق لأجل الجهة التي امتنع التقييد، لا لأجل الامتناع بالغير، لأن معنى الإطلاق هو التقييدات و لحاظ كافة القيود، و منها: قيد قصد الأمر و الامتثال، فامتناع الإطلاق أيضا بالذات. و لكنه خلاف ظاهرها كما هو الواضح.

مع أن الإطلاق ليس معناه جمع القيود، بل هو رفض القيود، و تقسيم الإطلاق إلى النظريّ و الطبيعي، غير تام، كما لا يخفى.

فتحصل إلى هنا: أن ما اشتهر من أصالة التعبدية عند الشك‏ (1)، غير قابل للتصديق، إما لعدم تمامية المقدمتين، أو لعدم تمامية المقدمة الثانية، فمقتضى إطلاق الأدلة الأولية عدم التعبدية.

بحث و تفصيل: حول الاستدلال بالكتاب و السنة على أصالة التعبدية

ربما يخطر بالبال دعوى أصالة التعبدية، للأدلة اللفظية، كالكتاب و السنة، و قد مر الإيماء إليه‏ (2)، و هو قوله تعالى: وَ ما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ‏ (3).

و الروايات المحكية عن «الكافي» و غيره: «إنما الأعمال بالنيات» (4)

____________

(1)- لاحظ أجود التقريرات 1: 112، مناهج الوصول 1: 275.

(2)- تقدم في الصفحة 117.

(3)- البينة (98): 5.

(4)- تهذيب الأحكام 4: 186- 519، وسائل الشيعة 1: 46 كتاب الطهارة، أبواب مقدمة العبادات، الباب 5، الحديث 10.

153

و «لا عمل إلا بالنية» (1) و «و لكل امرئ ما نوى» (2).

و غير ذلك مما يرشد إلى شرطية النية في جميع الأعمال، و أنه لا يكون العمل في الشرع عملا إلا لأجل الاقتران بالنية و القربة و الإخلاص، فكلمة «إنما» تفيد أن ما هو العمل هو العمل القربي فقط، فالشك المزبور يرتفع بهذه العمومات و الإطلاقات اللفظية.

و يتوجه إليه: أن المراجعة إلى صدر الآية في سورة البينة، يعطي أنها أجنبية عن المسألة، لأن المذكور في الصدر، هم الكفار، و المشركون، و أهل الكتاب، فالمراد من الأوامر فيها هي الأوامر المتوجهة إليهم.

اللهم إلا أن يقال: بأن الأوامر المتوجهة إليهم ليست كلها قربية، بل هم و المسلمون على شرع سواء. مع أن أهل الكتاب ما كانوا مشركين في العبادة، حتى يقال: بأن الآية سيقت لزجرهم عن الشرك العبادي.

نعم، يمكن دعوى: أن قوله تعالى: إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ‏ قرينة على أن المراد من الأوامر في المستثنى منه هي الأوامر الخاصة، أي في أمرهم بالعبادة، لا يكون النّظر إلا إلى العبادة، دون الأغراض الاخر. و يشهد لذلك قوله تعالى: مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ‏ (3).

فبالجملة: يجب عليهم توحيد العبادة و الإخلاص فيها، برفض الشهوات، و العلل الدنيوية، و الأغراض النفسانيّة. و لو كان المعنى أعم فيشكل الالتزام بالتخصيص، لأن التخصيصات الكثيرة مستهجنة و إن لم تكن آحاد المخصص كثيرة

____________

(1)- الكافي 8: 234- 312، وسائل الشيعة 1: 46- 48 كتاب الطهارة، أبواب مقدمة العبادات، الباب 5، الحديث 1 و 2 و 9.

(2)- تهذيب الأحكام 4: 186- 519، وسائل الشيعة 1: 46 كتاب الطهارة، أبواب مقدمة العبادات، الباب 5، الحديث 10.

(3)- البينة (98): 5.

154

جدا، و لا يمكن إرجاعها إلى عنوان واحد هو الخارج، كما لا يخفى.

هذا مع أنه لا يمكن التمسك بهذا العام المخصص لرفع الشك في التعبدية، لأنه من التمسك بالعامّ في الشبهة المصداقية.

ثم إن الظاهر من المآثير المذكورة: أن المراد من «النية» ليس القربة و العبودية، بل هي وجه العمل، و ما به تمتاز الأفعال المشتركة في الخارج بعضها عن بعض، كالعناوين الملحوظة تنويعا للطبيعة أو غير ذلك.

مثلا: لا يقع جواب السلام إلا بالنية، أي بقصد الرد و الجواب، و لا يكون هو السلام الابتدائي إلا بالنية، فالأفعال الخارجية المشتركة بين التعظيم و التحقير لا تكون تعظيما إلا بالقصد و لا توهينا إلا بالنية.

و ربما إليه يرجع قوله (عليه السلام)- على ما في بعض الأخبار-: «وضع إحدى اليدين على الأخرى عمل، و لا عمل في الصلاة» (1) فإنه يأتي بذلك بعنوان التشريع، و أنه من الصلاة، فإن العمل ليس عملا إلا بالنية، و لو نوى من ذلك الوضع أمرا آخر- و هو حك جسده، أو غير ذلك- فلا يكون مبطلا للصلاة، فافهم و اغتنم.

نعم، ظاهر قوله: «لكل امرئ ما نوى» أن المنوي أمر ذو ثواب، أو هو نفس الثواب، لقرينة «اللام» فيكون ناظرا إلى أن جلب الحسنات بالنية، و هذا لا يورث أن دفع المضرات و الشرور و العقاب بها أيضا، كما هو المعلوم.

ثم إنه يلزم لو كان يصح الاستناد إليها، عدم صحة الاستناد، لما مر من خروج جمع من الواجبات التوصلية عنه خروجا مستهجنا، لأن ادعاء أن العمل غير القربي ليس بعمل، يناقض ترتيب آثار العمل على عدة كثيرة من الأعمال التوصلية، كما لا يخفى.

هذا كله حول الوجوه اللفظية لإثبات أصالة التعبدية.

____________

(1)- وسائل الشيعة 7: 266، كتاب الصلاة، أبواب قواطع الصلاة، الباب 15، الحديث 4.

155

الوجوه العقلية على أصالة التعبدية

ثم إن هاهنا بعضا من الوجوه الاخر التي استند إليها لأصالة التعبدية، لا بأس بالإشارة إليها:

أولها: ما سلكه شيخ مشايخنا العلامة الحائري في أخريات عمره، و بنى عليه جمعا من المسائل العلمية (1)، كعدم التداخل في الأسباب، و كظهور الأمر في الفور، و دلالته على المرة، و هكذا اختار أصالة التعبدية بعد ذهابه إلى التوصلية في «درره» (2) و الدورة الأولى من بحثه.

و ملخص ما أفاده: أنه قاس العلل التشريعية بالعلل التكوينية، و أن الإرادة بالنسبة إلى المراد كالعلة التكوينية، و إن لم تكن عينها من جميع الجهات، فإذا كانت العلة التكوينية مستتبعة لمعلولها بلا تخلل و بلا تخلف، فتلك الإرادة الموجودة في المقنن مثل تلك العلل، فشأنية الإرادة التشريعية و التكوينية واحدة.

و كما إن علية الإرادة التكوينية، ليست مقيدة بأمر في ناحية المعلول، فلا يكون موجوديتها منوطة بتقيدها بالمعلول، للزوم الدور، و لا تكون- مع أنها ليست مقيدة- مطلقة، بحيث تؤثر في إحراق القطن كيف ما اتفق، فلا يكون المعلول قيدا، و لا العلة مطلقة، بل ما هو العلة هي الطبيعة المضيقة التي لا تنطبق إلا على المقيد، و هي المعبر عنها ب «الحصة التوأمة» في كلام شقيقه العلامة الأراكي في «مقالاته» (3).

فعلى هذا، لا بد من الالتزام بأن الأمر المتعلق بشي‏ء، و إن لم يكن الشي‏ء

____________

(1)- لاحظ مناهج الوصول 1: 275- 276.

(2)- درر الفوائد، المحقق الحائري: 100- 102.

(3)- مقالات الأصول 1: 245.

156

مقيدا بجهة من ناحية الأمر، و لا يكون الأمر مطلقا، و لكن لا يكون مجرد تحقق المأمور به، كافيا في سقوطه، بل ما هو مسقطه هي الطبيعة المضيقة التي وجدت بتحريك الآمر.

و هكذا يجب الالتزام بالفورية، و بدلالته على المرة، لعدم التفكيك بين العلة و معلولها، و لعدم اقتضاء العلة الواحدة إلا معلولا واحدا، انتهى.

فكأنه بمقياس العلل التكوينية و خواصها المختلفة و آثارها الشتى، استظهر المسائل المزبورة، فاستظهر التضيق- الّذي هو الحد المتوسط بين الإطلاق و التقييد- من التكوين، لأجل أنه لا مطلق، و لا مقيد، كما استظهر صاحب «المقالات» منه ذلك، و بنى شتات المسائل العلمية عليه، و حل به الغوامض العقلية من أول الأصول إلى آخره.

و من العجب، أنه لا يجري هذه المقالة في هذه المسألة قائلا: «بأن الحصة التوأمة، غير وافية بحل معضلة أخذ قصد الأمر في المتعلق»!! فراجع، و استظهر الفورية من جهة أخرى، و المرة من جهة ثالثة (1).

و ما هذا إلا للاستظهار، فلا يرد عليه بعض ما أورده عليه السيد الوالد- مد ظله- (2): من أن وزان العلل التكوينية يكون كذا و كذا، و أن المعاليل ربط محض بعللها، فإنه (رحمه اللَّه) ما كان في هذا الموقف، و ما كان أهلا لذلك الميدان، و لكنه لمكان التقريب إلى الأذهان، و أن العرف يساعد على ذلك لأجل ما يرون في التكوين، التجأ إلى هذا القياس، الّذي هو الممنوع في الشرع الأقدس إلا في هذه المحال، فليتدبر جيدا.

____________

(1)- بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي) الآملي 1: 228، مقالات الأصول 1:

245- 246.

(2)- مناهج الوصول 1: 276- 277، تهذيب الأصول 1: 161- 162.

157

أقول: يا ليته ما كان عادلا عن الفكرة الأولى، و ما خطر بباله هذه المقايسة الهلكاء، كي يقع فيما لا ينبغي، و لقد مر منا في الصحائف السابقة: أن مقايسة العلل الاعتبارية بالتكوينية، غير صحيحة، و تورث الزلل الكثير، و الخطأ غير اليسير.

فبالجملة: لو سلمنا تمامية جميع المقدمات، فإن ثبت إمكان أخذ قصد الأمر في المتعلق، فلا وجه للتضييق في خصوص هذا القيد، فلا بد- بناء على مرامه- من نفي الإطلاق بالنسبة إلى سائر القيود و الشرائط.

و إن ثبت امتناعه، فلا حاجة إلى تلك الإطالة المنعطفة عن جادة الاعتدال و الواقع، و لا تكون طريقة جديدة في تحرير الأصول في المسألة.

ثانيها: الأمر الصادر من الآمر لا يكون إلا لغرض، لاحتياجه إليه بالضرورة، و لا يكون الغرض إلا جعل الداعي، فيأمر بداعي تحريك الأمر، فلو كان المأمور منبعثا عن غير هذا الداعي، يلزم لغوية الداعي الموجود في نفس المولى، فلا يكون الفعل المحقق بغير داعي الأمر، مسقطا لأمره قهرا و طبعا (1).

أقول: هذه مصادرة، ضرورة أن الواجبات التعبدية تكون هكذا، و أما الواجبات التوصلية، فأوامرها ليست إلا لانتقال المكلفين إلى لزوم تحقق متعلقاتها سواء كان الداعي إلى إيجادها أمرها، أو أمرا آخر من الدواعي الاخر النفسانيّة.

هذا مع أن من الممكن دعوى: أن غاية الأمر إمكان جعل الداعي، لا الداعي الفعلي، فلا تخلط.

و بعبارة أخرى: الهيئات موضوعة للتحريك الاعتباري الإنشائيّ، سواء صارت محركة بالفعل و باعثة، أو لم تصر كذلك.

ثم إنه لو كان الأمر الصادر من الآمر مغيا بما قيل، للزم إنكار الواجبات‏

____________

(1)- لاحظ أجود التقريرات 1: 113، فوائد الأصول 1: 156.

158

التوصلية رأسا، و هو فاسد بالضرورة.

ثالثها: لا شبهة في وجوب إطاعة المولى عقلا و نقلا، بمعنى أن المستفاد من الكتاب العزيز، لزوم انتزاع عنوان «الإطاعة» من أعمال العباد، زائدا على حكم العقل بلزوم تبعية العبد للمولى، و مفهوم «الطاعة» لا يتحقق بمجرد التطابق القهري بين المأتي به و المأمور به، أي مجرد تحقق المأمور به غفلة عن الأمر، لا يكفي لانتزاع هذا المفهوم، بل اللازم في ذلك كون العبد، متحركا بالأمر في إمكان انتزاع مفهوم «الطاعة و الإطاعة».

فقوله تعالى: أَطِيعُوا اللَّهَ وَ رَسُولَهُ* (1) إما إرشاد إلى حكم العقل، فيعلم منه لزوم كون المأتي به منتزعا منه عنوان «الطاعة» و إما إرشادي إلى تقييد متعلق سائر الأوامر بكونه بحيث ينتزع منه هذا المفهوم، و هو المطلوب‏ (2).

أقول: ما يحكم به العقل هو لزوم القيام بالوظائف الثابتة بالأوامر، و لا يدعو الأمر إلا إلى متعلقه، و هي الصلاة، فلا سبيل للعقل إلى الحكم بكون المأمور به مقيدا بكذا، حتى ينتزع عنه عنوان «الطاعة» و هكذا في جانب النواهي، فإن الترك و الانتراك على حد سواء في إسقاط النهي من غير شرطية الانزجار بالنهي حتى يتضيق دائرة المنهي عنه.

و أما الآية الشريفة، فلا ينتقل منها العرف إلا إلى هذا، و أما استفادة تقييد متعلق الأمر و النهي بكونه قابلا للانتزاع المزبور، أو استفادة كون المأتي به في ظرف الامتثال، قابلا لانتزاع مفهوم «الإطاعة»- على اختلاف المسالك في امتناع و إمكان إحدى الطريقين دون الأخرى- فهو في غاية الإشكال، و نهاية الصعوبة، و إلا يلزم الابتلاء بكون جميع الأوامر و النواهي، متقيدة بحسب الجعل، أو متضيقة

____________

(1)- الأنفال (8): 20 و 46.

(2)- لاحظ إشارات الأصول: 113- السطر 1- 3.

159

بحسب الامتثال، بكون المأمور متحركا بتحريكها، و منزجرا بزجرها، و هذا غير قابل للتصديق.

و لو كان بعض الواجبات خارجا يسقط الاستدلال، لما يكون من التمسك بالعامّ في الشبهة المصداقية، بل يلزم التمسك بالإطلاق في الشبهة المصداقية لدليل المقيد، بناء على رجوع التقييدات الكثيرة إلى التقييد بالعنوان الواحد، كما مضى ذيل الوجه الأول‏ (1)، فتأمل.

و يمكن أن يقال: بأن غاية ما يستدل به هو إطلاق الآية- لحذف المتعلق- على المرام المزبور، و هو قابل للتقييد، و عندئذ لا يتم المقصود كما لا يخفى.

إيقاظ: في استدلال الشيخ الأعظم بقاعدة الإجزاء لأصالة التوصلية

المحكي عن الشيخ الأعظم (قدس سره) في تقريراته التي تنسب إليه- و هي لجدي العلامة النحرير الشيخ أبي القاسم الكلانتر (قدس سره)-: «أن قاعدة الإجزاء تقضي بأصالة التوصلية، و عدم اعتبار قصد الأمر، حيث إن الأمر لم يتعلق إلا بذات الأجزاء و الشرائط، من دون أن يكون له تعلق بقصد الامتثال، و لا غير ذلك من الدواعي، فعليه يسقط الأمر بمجرد التطابق قهرا و طبعا» (2) انتهى.

و في تقرير العلامة الكاظمي (رحمه اللَّه): «أن هذا الكلام بمكان من الغرابة، لوضوح أن قاعدة الإجزاء إنما تكون إذا أتي بجميع ما يعتبر في المأمور به، و هذا إنما يكون بعد تعيين المأمور به. و من مجرد الأمر بذات الأجزاء و الشرائط، لا يمكن تعيين المأمور به.

نعم، لو كان للأمر إطلاق أمكن تعيينه من نفس الإطلاق، و لكنه مفروض‏

____________

(1)- تقدم في الصفحة 154.

(2)- مطارح الأنظار: 60- السطر 17- 21 و 61- السطر 10- 11.

160

العدم» (1).

أقول: ما أورده عليه خال من التحصيل، ضرورة أن حدود المأمور به، تابعة لحدود ما تعلق به الإنشاء، فلا يعقل أوسعية المأمور به عما تعلق به الأمر، و لا أضيقيته بالضرورة.

و بعبارة أخرى: المأمور به لا يكون ذا مرتبتين: مرتبة الثبوت، و مرتبة الإثبات، بل المأمور به ذو مرتبة واحدة، و هي مرتبة الإثبات، لأن الأمر لا يكون إلا ذا مرتبة واحدة، و هي مرتبة الإثبات، فإذا تعلق الأمر إنشاء بالصلاة مثلا، فهي المأمور به، و لا يعقل كون المأمور به أمرا آخر، أو هي مع قيد آخر و إن امتنع أخذ القيد المزبور.

نعم، الغرض يكون أضيق، و المرام يكون أخص، و هو خارج عن محيط الأمر و المأمور به، فلا بد من القول بسقوط الأمر قهرا و تبعا، و ليس هذا إلا ما هو المطلوب من أصالة التوصلية.

و الّذي هو التحقيق: أنه مع احتمال عدم سقوط الأمر، لأجل عدم الإيفاء بالغرض الباعث إلى الأمر، و أن من الممكن تضييق المرام، و هو لا يحصل إلا بإتيان ما هو الوافي به، لا يمكن العلم بالسقوط إلا بالتمسك بأحد أمرين: إما الإطلاق، و هو مفروض العدم، أو البراءة، فلا يكون هذا من الدليل الاجتهادي على أصالة التوصلية الّذي هو محل النّظر للمستدل، و هو المقصود بالبحث هنا، فافهم و لا تخلط.

هذا، و استدل السيد الأستاذ الفشاركي على أصالة التوصلية: «بأن الهيئة عرفا تدل على أن متعلقها تمام المقصود، إذ لو لا ذلك لكان الأمر توطئة و تمهيدا لغرض آخر، و هو خلاف ظاهر الأمر» (2). انتهى.

____________

(1)- فوائد الأصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 158.

(2)- لاحظ درر الفوائد، المحقق الحائري: 102، نهاية الدراية 1: 341.

161

و إني بعد التدبر، ما فهمت مغزى كلامه، إذ الملازمة المزبورة ممنوعة.

المبحث الثالث في مقتضى الأصول العملية عند الشك في أخذ قصد القربة

و قبل الخوض فيه لا بد من الإشارة إلى مقدمة: و هي أن النوبة تصل إليه إذا امتنع أخذ القيد المشكوك في المتعلق، أو أمكن، و كان دليل المأمور به مهملا، و حيث لا امتناع و لا إهمال، فلا تصل النوبة إلى البحث عن مقتضاها.

بل لو سلمنا الامتناع و الإهمال، فلنا التمسك بالإطلاق المقامي بتقريب: أن الآمر إذا كان في مقام بيان تمام ماله دخل في حصول غرضه، و إن لم يكن له دخل في متعلق أمره، و مع ذلك سكت في ذلك المقام، و لم ينصب دلالة على دخل قصد الامتثال في حصوله، كان هذا قرينة على عدم دخله في غرضه، و إلا لكان سكوته نقضا له، و خلاف الحكمة.

فبالجملة: فرق بين الإطلاق الكلامي و المقامي، و الثاني لا يكون مشروطا باللفظ و بإمكان التقييد.

نعم، لا بد من إحراز أنه في مقام إفادة الأغراض، و عند ذلك و مع السكوت، يعلم عدم وجود الغرض له. و لقد مضى أن المراد من «الإطلاق» في القاعدة المعروفة «إذا امتنع التقييد امتنع الإطلاق» هو الإطلاق الكلامي، لا المقامي‏ (1).

أقول: ربما يشكل تمامية مقدمات الحكمة في المقام، و ذلك لأن من تلك المقدمات: «أنه لو لم يبين المولى ما هو الدخيل في مرامه و غرضه، لكان مخلا به،

____________

(1)- تقدم في الصفحة 151.

162

و هو خلاف كونه عالما حكيما» و معنى ذلك أنه لو لم يلزم الإخلال بالغرض، لما كان واجبا عليه الإشارة للقيد، فله الاتكال على حكم العقل، إذا كان يقول بالاشتغال في الشك في القيد.

و لكن ذلك فيما كان القيد مورد الالتفات العمومي، فلو كان من القيود المغفول عنها، فلا يمكن الاتكال عليه، لعدم انتقال عموم المكلفين إليه. فمجرد حكم العقل بالاشتغال غير كاف للاتكال.

و هكذا يكون ذلك فيما كان حكم العقل بالاشتغال، من الأحكام النظرية الأولية، بحيث لا يختلف فيه اثنان مثلا، و إلا فلا يجوز الاتكال على الاشتغال. فما تجد في كلام العلامة الأراكي (رحمه اللَّه): من كفاية حكم العقل بالاشتغال‏ (1)، غير سديد.

فإذا كان القيد من القيود الملتفت إليها على نعت الاحتمال، و يخطر احتمال قيديته في ذهن الكافة، و كان حكم العقل البديهي هو الاشتغال، فلا يلزم ذكر القيد، لعدم الإخلال بالغرض عند ترك التقييد، و حيث إن الإطلاق المقامي كالإطلاق الكلامي في هذه الجهة، فلا يتم مقدمات الحكمة لهما معا.

و توهم: أن قيد الدعوة من القيود المغفول عنها، في غير محله، لاشتهار الواجبات التعبدية من أول طلوع الإسلام إلى زمان المتأخرين، و أن قصد القربة من الأمور الواضحة عند المسلمين، فلا يلزم الإخلال بالغرض، فتدبر جيدا.

قلت أولا: لو كان ما قيل تاما للزم سقوط الحاجة إلى الأصل العملي، لأن تمامية ذلك موقوفة على مفروغية حكم العقل بالاشتغال، فما هو الوجه لأساس الاحتياج إلى تحرير الأصل العملي، هو الوجه لسقوطه.

اللهم إلا أن يقال: بأن اللازم بعد ذلك هو المراجعة إلى مقتضى الاستصحاب في المسألة، فلا يسقط الاحتياج بنحو كلي، فليتدبر.

____________

(1)- بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي) الآملي 1: 237- 238.

163

و ثانيا: ليس حكم العقل بالاشتغال من الأحكام الضرورية، و قد اختلف المحققون في ذلك، فيتم الإطلاق في الكلام و المقام، فلا تصل النوبة إلى الأصول العملية، فما أفاده العلامة الأراكي (رحمه اللَّه) في المسألة (1)، غير سديد جدا.

ثم إنه (قدس سره) قال بالتفصيل بين الإطلاق اللفظي و المقامي، بما لا يرجع إلى محصل.

و إجماله: هو أن قيد الدعوة و إن كان من القيود غير المغفول عنها، و لكن حكم العقل بالاشتغال، لا يمنع من انعقاد الإطلاق الكلامي، و ذلك لأن ذلك يستلزم الدور، ضرورة أن الإطلاق إذا كان منوطا بالاشتغال، كيف يكون هو هادما له و منفيا إياه؟! فلا يكون الإطلاق الكلامي منوطا بالاشتغال، بل هو وارد عليه، و هو حكم تعليقي.

و السر في ذلك: أن المتكلم في الإطلاق الكلامي، ليس في مقام إفادة مرامه بكل ما أمكن و لو كان هو الاشتغال عند الشك، بل هو في مقام إفادة مرامه بالألفاظ الموضوعة، و إلا يلزم امتناع انعقاد الإطلاق مطلقا، فعليه ينعقد الإطلاق الكلامي، إذا كان يمكن بيان مرامه بالألفاظ، و لم يبين.

نعم، إذا صدر الدليل المقيد، فهو مقدم على الإطلاق لجهات محررة في محله، و هذا ليس في الإطلاق المقامي، فإنه ناظر إلى عدم الإخلال بغرضه و لو كان متكئا على قاعدة الاشتغال عند الشك، فعليه لا يمكن الإخلال بغرضه عند ترك بيانه‏ (2)، انتهى.

و أنت خبير بما فيه أولا: من لزوم الدور في الإطلاق المقامي، لأنه من الأمارات و الحجج الاجتهادية، فلا تغفل.

____________

(1)- بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي) الآملي 1: 237- 238.

(2)- بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي) الآملي 1: 239.

164

و ثانيا: حكم العقل بالاشتغال، مانع عن وجود الإطلاق و تحققه، فكيف يعقل ورود هذا الإطلاق عليه؟! فانتفاء الدور ليس بالالتزام بورود الإطلاق عليه، لأن حكم العقل بالاشتغال من علل وجوده.

فما هو حل المشكلة، هو أن الاشتغال إذا كان بحكم العقل الضروري، فلا يتحقق الإطلاق، و إذا كان بحكم العقل النظريّ فيرد عليه الإطلاق، لعدم تقومه به.

هذا مع أن حكم العقل الضروري بالاشتغال، ليس مضادا للإطلاق، بل للمتكلم الاتكال عليه، فلا مانع من التصريح بالإطلاق، فإذا صرح به فيرد على الاشتغال الثابت بحكم العقل، فاغتنم.

فتحصل: أن البحث عن مقتضى الأصول العملية غير لازم عندنا، لتمامية الإطلاقات اللفظية، بل و لا يبعد تمامية الإطلاق المقامي أيضا.

و لكن مع ذلك كله، لا بأس بصرف عنان البحث- بعد هذه المقدمة- في ذلك، فنقول: البحث هنا يقع في مقامات:

أحدها: في قضية الاستصحاب‏

و الظاهر أن مقتضى استصحاب العدم النعتيّ، عدم وجوب اعتبار القيد الزائد في المأمور به، و سقوطه بمجرد الإتيان بالأجزاء المعلومة، كما في جريان أصالة البراءة الشرعية، ضرورة أن الشك في سقوطه، ناشئ عن الشك في لحاظ القيد الزائد، أو ناشئ عن الشك في أن غرضه متعلق بالأكثر، أو الأقل، و على كل تقدير، نفس التعبد بعدم تعلق الغرض بالقيد الزائد، كاف للتعبد بسقوط الأمر بإتيان نفس الطبيعة.

و فيه: أن الأغراض ليست تدريجية الوجود، حتى يصح جريانه في الزائد، فلا حالة سابقة نعتية.

هذا مع أن إجراء هذا النحو من الاستصحاب بلحاظ علم الشرع المقدس،

165

غير تام، لإمكان الالتزام بالتدريجية في سائر الموالي، دونه تعالى و أصل العدم الأزلي غير جار أو غير مفيد كما هو المحرر. ثم أن استصحاب بقاء الغرض إلى الإتيان بجميع ما يحتمل دخله غير جار و غير مفيد و تفصيله في الأقل و الأكثر.

ثانيها: في قضية البراءة العقلية و العقلائية

فالذي استظهره الشيخ و تبعه «الكفاية» رحمهما اللَّه: (1) أن جريان البراءة هنا ممنوع و لو سلمنا جريانها في الأقل و الأكثر، و ذلك لأن في الأقل و الأكثر، كان يمكن دعوى: أن المأمور به بحدوده غير معلوم، فالشك هناك يرجع إلى الشك في الثبوت، و هذه الدعوى هنا غير مسموعة، ضرورة أن المأمور به بحدوده معلوم، و لا شك في متعلق الأمر، فكما لا معنى للتمسك بالإطلاق لرفع مثل هذا المشكوك، كذلك لا معنى للتمسك بالبراءة، لرجوع الشك إلى الشك في السقوط، فلا ينبغي الخلط بين الشك في كيفية الامتثال، و في كميته، فإن الثاني مرجع البراءة، دون الأول.

و أما إشكال المتأخرين: بأنه يتمكن من البيان المستقل بالجملة الخبرية أو الإنشائية الإرشادية إلى حدود الغرض، فإذا أخل بذلك فيمكن التمسك بالإطلاق المقامي، لا الكلامي، و بالبراءة العقلية، لأن مناطها قبح العقاب بلا بيان، بل امتناعه عليه تعالى، من غير فرق بين البيان المتصل، أو المنفصل‏ (2).

فهو قابل للدفع: بأن له الاتكال على حكم العقل بالاشتغال، فإنه إذا كان يرى أن الشك في الكيفية مجرى الاحتياط، فلا يلزم عليه البيان، كما لا يلزم عليه بيان العقاب على ترك الحكم الواقعي قبل الفحص، لأنه بحكم العقل، فلا حاجة إلى البيان في أمثال المقام.

____________

(1)- مطارح الأنظار: 61- السطر 18- 20، كفاية الأصول: 98.

(2)- محاضرات في أصول الفقه 2: 196- 198.

166

و أما ما أورد عليه الوالد المحقق- مد ظله- و العلامة المحشي، و صاحب «المقالات» (1): من أن الحجة ليست تامة على الأزيد من الغرض الوافي به المأمور به، فما هو مورد تمامية الحجة من الغرض، هو المقدار من الغرض الوافي به المأمور به في مرحلة الإثبات و الإنشاء. و لو كان هذا البيان تاما، لكان يلزم القول بالاشتغال في الأقل و الأكثر مطلقا، و هذا مما لا يقول به الشيخ (قدس سره).

فهو لا يخلو من إشكال، ضرورة أن الحجة اللفظية مثلا، قائمة على المأمور به في عالم الإنشاء و الإثبات، و لكنها تستلزم تمامية الحجة العقلية، لأن الأمر المتعلق بالصلاة مثلا، لا يدعو إلا إليها، و إذا كان المولى معذورا عقلا في إفادة مرامه بالوضع، يكون المأمور به ظاهرا نفس الطبيعة. و لكن سقوطها بمجرد التطابق ممنوع، و العقل من الحجج القائمة على لزوم الاحتياط عند الشك في الكيفية، فالحجة الوضعيّة غير ناهضة على الغرض الأخص، و لكن العقلية منها قائمة على الاحتياط جدا.

إن قلت: لا بأس باتكاله على قاعدة الاشتغال، إذا كان ذلك من الواضحات عند عامة المكلفين و أما في مثل المقام فلا يصح، لأنه مطرح الأنظار المختلفة و الآراء المتشتتة.

قلت: لا يشترط في عدم جريان البراءة العقلية كون الاشتغال من الواضحات عند العامة. نعم هذا شرط في عدم انعقاد الإطلاق.

و السر في ذلك: هو أن الإطلاق من الأدلة الاجتهادية النوعية، فيلاحظ فيه القيود على حسب اللحاظ الكلي، و لا معنى لاتكال المتكلم على قاعدة الاشتغال بعدم ذكر القيد المعتبر في المأمور به، للزوم الإخلال بغرضه قهرا عند

____________

(1)- مناهج الوصول 1: 278- 279، نهاية الدراية 1: 344، بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي) الآملي 1: 241- 243.

167

القائلين بالبراءة.

و أما في جريان البراءة العقلية، فلا يشترط كون المتكلم كسائر الناس في عدم الخروج عن المتعارفات في إفادة أغراضه، بل المدار هنا على حكم العقل و العقلاء، فلا منع من الالتزام بعدم لزوم إفادة القيد إذا كان يؤتى به إجمالا، لأن غرضه ربما يحصل بإتيان جمع، فليتدبر.

فبالجملة تحصل: أن جريان مقدمات لزوم الاحتياط في المسألة، مبني على القول بصحة اتكال المتكلم على حكم العقل بالاشتغال، حتى لا يكون من العقاب بلا بيان، و إذا يلزم توقف لزوم الاحتياط على لزوم الاحتياط، فهذا باطل بالضرورة.

و عند ذلك إن قلنا: بأن العقاب لا يمكن إلا مع الحجة الثابتة للمولى على العبد، فهي هنا ممنوعة.

و إن قلنا: بأن ترك التكليف المحتمل لا يجوز إلا مع القطع بالعذر، فلا بد من الاحتياط، لأن عدم إمكان الحكم بالاشتغال غير الحكم بالبراءة، كما لا يخفى، و في المقام ما هو الثابت هو الأول، دون الثاني.

هذا بناء على فرض إمكان البيان المستقل بالجمل الخبرية، أو الإنشائية الإرشادية.

و لو فرضنا امتناع وصوله بمثلها، فظاهر الكل هو الاشتغال، لما يظهر منهم في الجواب عن الإشكال على البراءة: بإمكان بيان المولى بالاستقلال.

و لكنه محل بحث أيضا، لأن مسألة قبح العقاب بلا بيان، ليست إلا درك العقل امتناع ذلك عند عدم وصول البيان بطريق عادي، فإذا لم يصل ذلك- سواء كان لأجل امتناع الإيصال، أو لأجل سائر المحاذير- فلا تتم حجة المولى على العبد، و هو وصول البيان، فلا يصح العقاب.

و أما اتكاله على حكمه بالاشتغال، فالبحث فيه ما مر آنفا، فلو تم ما أفيد: من‏

168

لزوم كون حكمه بالاشتغال من الأحكام الضرورية عند عامة الناس، فلا يتم قاعدة الاحتياط قطعا، فافهم و تدبر.

إيقاظ: في عدم اشتراط البراءة بإمكان إيصال البيان‏

المعروف بين الأصحاب رحمهم اللَّه: أن إمكان الإيصال ليس شرطا لجريان البراءة العقلية (1)، و قد خالفهم السيد الأستاذ محمد الداماد (رحمه اللَّه): بأن حكم العقلاء على خلاف ذلك، و أن المولى إذا كان في محذور عقلي كما نحن فيه، أو محذور عقلائي كما إذا كان في السجن، أو في التقية، و علمنا من حاله وجود أغراض له و تكاليف من قبله، فإن جريان البراءة ممنوع، لشرطية إمكان الإيصال، فعليه يشكل جريانها فيما نحن فيه، و في الأقل و الأكثر، إلا أن وجه المعذورية مختلف، كما هو الظاهر، و أشرنا إليه آنفا.

و أنت خبير: بأنه لو تم فهو فيما كان لا يمكن البيان بالمنفصل و المتصل الثابت من الإخبار، أو الإنشاء الإرشادي، و هو ممنوع كما عرفت‏ (2).

وهم و دفع‏

قال العلامة النائيني (رحمه اللَّه): «إن نسبة الأغراض و المقاصد إلى الماهيات المأمور بها، ليست كنسبة المسببات التوليدية إلى أسبابها، حتى يقال بالاشتغال، بل المقاصد و الأغراض معلولة الأمور المختلفة، و العناوين المأمور بها معدة بالنسبة إليها، فلا معنى لوجوب حفظ الغرض، و للزوم إتيان ما يشك في دخله في المقصود (3).

____________

(1)- لا ما يأتي في الجزء السابع: 130.

(2)- تقدم في الصفحة 145- 145.

(3)- أجود التقريرات 1: 120.

169

و أنت خبير: بأن مناط البراءة و الاشتغال ليس هذا، و لا ذاك، بل لو كان بين المأمور به و الغرض علية، و لكن تعلق الأمر لا بعنوان العلة، لا يجب الاحتياط، كما لو كان بينهما الإعداد و الاستعداد، و تعلق الأمر بالمستعد، و كان يمتنع علية البيان بالنسبة إلى المعد، لا يمكن الحكم بالبراءة، لاحتمال شرطية إمكان الإيصال في عدم استحقاق العقاب عند ترك الغرض القائم عليه البيان إجمالا، كما نحن فيه، فليتدبر جيدا.

شبهة و حل‏

قال العلامة الأصفهاني في هوامش حواشيه: إن قضية القواعد هي البراءة فيما نحن فيه و إن قلنا: بالاشتغال في الأقل و الأكثر، بعكس ما اشتهر، ضرورة أن حجة المولى في المقام، قاصرة عن تنفيذ الجزء المحتمل، و مجرد كونه دخيلا في الغرض غير كاف، بعد معلومية المأمور به بحده.

بخلاف باب الأقل و الأكثر، فإن متعلق الأمر الشخصي حيث هو مردد بين الأقل و الأكثر، و الغرض كذلك مردد بين ما يقوم بالأكثر، و ما يقوم بالأقل، فالأمر المعلوم حجة على الغرض المردد، فيجب تحصيله‏ (1)، انتهى محصله.

و أنت خبير بعد ما مر: بما في مقالته الأولى، و أما لزوم الاحتياط في الأقل و الأكثر، فهو بعد انحلال العلم الإجمالي بلا وجه إذا كان الغرض غير وارد في متعلق الأمر، فلا ينبغي الخلط بين كون الغرض علة واقعية، و بين كونه داخلا بعنوانه في متعلق الأمر، أو كان هو بنفسه مورد الأمر، فلا تخلط.

____________

(1)- لاحظ نهاية الدراية 1: 344- 345.

170

ذنابة: و فيها بيان آخر للاشتغال‏

اعلم: أن هاهنا بيانا ثالثا للاشتغال غير البيانين الأولين: و هو أن ديانة الإسلام على التسهيل، بحيث قدم ملاك التسهيل على سائر الملاكات في كثير من المقامات، فإذا كان يرى أن جماعة من المكلفين يقعون في صعوبة التكليف الموهوم و المحتمل، و لا تجري أصالة البراءة الشرعية، لما يشترط في جريانها ما هو المفقود في المقام، فعليه عند ذلك بيان عدم اعتبار قصد القربة و الامتثال في التكاليف الكذائية، حتى لا يلزم خلاف أساس الشريعة السهلة السمحة، و إذا أخل بذلك فيعلم: أن قصد الأمر دخيل، و من الممكن عند ذلك أنه بينه، و لكن لم يصل إلينا البيان، أو كان يرى مراعاة السهولة في الجملة، لما فيه أيضا من المصلحة.

فبالجملة: من عدم تعرضه لعدم شرطية ذلك في الأوامر يعلم شرطيته، و إلا كان قضية ما مر الإشارة في آية أو رواية إلى إطلاق المرام، فلمراعاة التسهيل أجمل في المقام، أو كان قيام جماعة بهذه الطريقة في أداء الوظائف الواجبة، كافيا فيما هو مرامه و مقصوده، فإجراء البراءة العقلية مشكل بعد ذلك جدا.

ثالثها: في مقتضى أصالة البراءة الشرعية

فإن النّظر البدوي فيها يؤدي إلى جواز التمسك بها، لأنه من الشك في جزء المأمور به و إن كان خارجا عن محط الأمر، لأن المراد من «جزء المأمور به» هو الجزء الّذي يجب إتيانه و لحاظه حين الامتثال، و إن كان لا يمكن تعلق الأمر به.

و لكن ذلك يشكل من جهات:

أولها: أن كل جزء ليس قابلا للرفع إلا إذا كان قابلا للوضع، و حيث هو ممتنع وضعه فرضا، فيمتنع رفعه شرعا.

171

و توهم التمسك بحديث الرفع لحال الجزء العقلي و الذهني الدخيل في الغرض، فاسد، لامتناع تعلق الوضع به تشريعا، و لا يكفي إمكان الوضع التكويني للرفع التشريعي‏ (1). و لو قيل بإمكانه بالدليل الآخر، فهو أيضا محل إشكال، كما مضى‏ (2).

و كفاية الإرشاد إلى أخصية المرام لجريان البراءة عن الجزء المشكوك فيه، محل منع، لأن إمكان الإرشاد إلى أخصية الغرض، لا يستلزم إمكان الوضع المعتبر في إمكان الرفع.

فما ترى في كتب المتأخرين: من التمسك بالبراءة الشرعية لإمكان الجعل بالدليل المنفصل‏ (3)، إن أريد منه جعله في متعلق الأمر الأول، فهو خلاف المفروض، من امتناعه بالجعل الأولي و الثانوي و لو كان بعنوان المتمم.

و إن أريد منه الإرشاد إلى أخصية المرام، فهو غير كاف لصحة الرفع بناء على ما اشتهر.

أقول: ما اشتهر من شرطية إمكان وضع ما يرفع في المأمور به‏ (4)، غير سديد، بل المناط هو إمكان الإرشاد إلى الدخالة في المأمور به، أو في كيفية الامتثال و سبب سقوط الأمر و إن كان خارجا عن حد المأمور به إنشاء و جعلا، فلا يشترط إمكان الوضع في متعلق الأمر، و لا إمكان الإرشاد إلى دخالته في المأمور به جزء أو شرطا، بل ذلك كاف.

و السر في ذلك: أن الرفع يستلزم توهم الضيق من غير كون مصب الضيق‏

____________

(1)- لاحظ فوائد الأصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 163- 164، بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي) الآملي 1: 245.

(2)- تقدم في الصفحة 135- 138.

(3)- أجود التقريرات 1: 117- 118، منتهى الأصول 1: 142- 147.

(4)- أجود التقريرات 1: 119، مناهج الوصول 1: 280، محاضرات في أصول الفقه 2: 194.

172

تحت الأمر، أو فوق الأمر.

و بعبارة أخرى: لا منع من إجراء حديث الرفع في الجزء التكويني، بلحاظ الأثر العملي، فإذا ارتفع ضيق المرام، فلا يبقى شك في سقوط الأمر بإتيان متعلقه، فليتدبر.

و لو سلمنا امتناع البيان المنفصل على الإطلاق، و إن كان لا يقول به أحد، فلنا دعوى: أن مفاد حديث الرفع هو الكناية عن عدم الوضع، فلا معنى لإمكان الوضع في صحة الرفع، و هذا عندي غير بعيد جدا.

و أما الإشكال: بأنه يستلزم اختصاص الأحكام بالعالمين، و هو خلاف الإجماع، فهو غير مندفع بالالتزام باشتراك العالم و الجاهل في الإنشاء فقط دون الجد، و إذا كانوا مشتركين معهم في الجد، فلا بد من حمل الحديث على رفع المؤاخذة، أو إجرائه في غير الشبهات الحكمية، و التفصيل في محله‏ (1).

ثانيها: إذا قلنا بالاشتغال العقلي يشكل التمسك بحديث الرفع، لعدم تمامية مقدمات الإطلاق. و فيه ما مضى تفصيله سابقا (2).

و نزيد عليه: أن فقد مقدمة الإطلاق يستلزم الإهمال على الإطلاق، و لا معنى لنفي الإطلاق الحيثي، و هذا واضح الفساد في حديث الرفع، و فيما مضى سابقا، لأن الإطلاق ليس إلا أن ما هو مصب الجعل و الحكم تمام الموضوع، و لا قيد له، و أما أنه تمام الموضوع من حيث دون حيث، فهو لا يتم إلا على القول: بأن الإطلاق هو جمع القيود، لا رفضها، فإنه عند ذلك يمكن جمع طائفة من القيود، دون الأخرى.

و توهم: أن هذا خلاف ما هو المتسالم عليه في الفقه من نفي الإطلاق من‏

____________

(1)- يأتي في الجزء السابع: 72- 76.

(2)- تقدم في الصفحة 163.

173

حيث، و إثباته من حيث، غير صحيح، لأن الحيثيات مختلفة، فإن إنكار الإطلاق من حيث الأجزاء فيما نحن فيه، و إثباته من حيث الشرائط ممكن، و هكذا إثباته من حيث الحكم التكليفي، و إنكاره من حيث الحكم الوضعي ممكن، و هكذا.

و أما إثباته من حيث الحكم الوضعي للصلاة، و إنكاره من حيث الحكم الوضعي في الصوم، فهو غير صحيح، و فيما نحن فيه يكون الأمر كذلك، لتمسكهم بإطلاقه في جميع الشرائط و الأجزاء إلا بعضا منها، فإنه لا معنى لكونه متحيثا بهذا النحو من البحث إلا على ما قيل في معنى الإطلاق و اشتهر: من أنه جمع القيود، لا رفضه‏ (1)، فافهم و اغتنم.

و على هذا، تقدر على رفع الشبهات الواضحة في كلمات العلامة الأراكي و بعض تلاميذه‏ (2).

ثالثها: بناء على امتناع أخذ القيد المشكوك في المتعلق، حتى يكون أمر الواجب بين الأقل و الأكثر الارتباطيين، يلزم مثبتية الأصل في المقام، لأن إثبات أن ما هو تحت الأمر الأول هو تمام المأمور به، ليس إلا بحكم العقل، بعد رفع القيد المشكوك القابل للوضع بالأمر الثاني مثلا.

و توهم: أن هذا الإشكال سار في مطلق الأقل و الأكثر، مندفع بخفاء الواسطة هناك، و عدمه هنا، كما التزم به صاحب «المقالات» و بنى اندفاع هذه الشبهة و ما قبلها على الإشكال في المعنى‏ (3)، و هذا منه في غاية الغرابة.

و ما أفاده الوالد المحقق دفعا لهذه الشبهة (4)، و لو كان في حد نفسه تاما، إلا

____________

(1)- فوائد الأصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 564، درر الفوائد: 236.

(2)- بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي) الآملي 1: 243.

(3)- بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي) الآملي 1: 244.

(4)- مناهج الوصول 1: 281.

174

أن في المقام نكتة أخرى مخفية على القوم، و هي أن المأمور به ليس مورد الشك، و لا إبهام في حدوده حتى يحتاج إلى إثبات أن الباقي تمام المأمور به، كما في عبارة الفاضل المزبور، أو قلنا بعدم الاحتياج إلى إثباته، بل المدار على ما قام عليه الحجة، سواء كان عنوان «تمام المطلوب و المأمور به» أو لم يكن، كما في عبارة المحقق المذكور.

بل المفروض امتناع أخذه تحت الأمر، فكيف يمكن الشبهة في حد المأمور به، كما مضى في كلام الشيخ الأعظم (قدس سره)(1)؟

فإذا كان الأمر كما سمعت، فالشك يرجع إلى ما هو المورث لتضيق المرام المستلزم لعدم سقوط الأمر، و عند ذلك كيف يعقل إجراء الحديث؟! و إلا فإذا أجريناه فلا كلام في عدم مثبتيته.

نعم، بناء على امتناع أخذه في متعلق الأمر الأول، و إمكان جعله بالمتمم، فلا بد من التشبث بخفاء الواسطة، و هو عندنا غير سديد، لعدم الفرق بين الجلي و الخفي، كما حررناه و حققه الوالد في محله‏ (2)، و خفي عليه أمره هنا، و لم يشر إليه، و تشبث بما أشير إليه آنفا. فبالجملة: لا موقع لتوهم المثبتية رأسا.

و أما إجراء حديث الرفع، فإن قلنا: بأن الأمر الآخر متكفل للتكليف المستقل، ناظر إلى الأمر الأول، فالتكليف المستقل قابل للرفع بذاته.

و إن قلنا: بأنه إرشاد إلى تضييق المرام، فالضيق قابل للرفع بحسب الأثر العملي، و لا حاجة إلى إفادة كون ما تعلق به الأمر الأول، يسقط بإتيان نفس الطبيعة، بل هو بعد رفع الضيق قهري، لارتفاع الشك في السبب، فليتدبر جيدا.

____________

(1)- تقدم في الصفحة 165.

(2)- الاستصحاب، الإمام الخميني (قدس سره): 158.

175

و بالجملة: صاحب «الكفاية» و من تبعه توهموا أن مجرى البراءة هو الجزء القابل للجعل، و إذا ارتفعت قابليته فلا يمكن رفعه‏ (1)، و من أورد عليه الإشكال ظن أن إمكان الجعل بالدليل الثاني كاف في صحة الرفع‏ (2)، مع أن الأمر ليس كما تخيلوا، بل المرفوع هو عنوان «ضيق التكليف و ضيق المرام» بلحاظ أثره، و هو التوسعة في مقام الامتثال، و سقوط الأمر بإتيان الطبيعة، كما في رفع المكره و المضطر إليهما، فلا يكون الأصل ممنوع الجريان، و لا مثبتا أصلا.

و إن شئت قلت: ما هو المرفوع هنا أمر تكويني بلحاظ أثره، كما في الشبهات الموضوعية، و لا يشترط قابلية الأثر للوضع في متعلق الأمر الأول، بل يكفي إمكان إفادة أخصية الغرض بالإطلاق المقامي في رفع ما شك فيه بلحاظ التضييق الآتي من قبله في مقام الامتثال، فليتدبر جيدا.

رابعها: قد تقرر في محله: أن جريان البراءة في الأقل و الأكثر، مخصوص بما إذا لم يكن في المحصلات العقلية و العادية، فإن فيها لا بد من الاحتياط، و إذا شك فيما نحن فيه في سقوط الأمر لأجل دخالة القيد في الغرض، فهو يرجع إلى كون المأمور به من المحصلات العقلية و العادية، فلا بد من الاحتياط.

و بعبارة أخرى: إذا كان المأمور به معلوم الحد، و مع ذلك صح الشك في سقوط أمره، فلا يعقل ذلك إلا برجوع المأمور به في الظاهر إلى أن المأمور به أمر آخر محصل، و ما هو في الظاهر متعلق الأمر يحصله، فكيف يمكن التمسك بالبراءة النقليّة (3)؟!

____________

(1)- كفاية الأصول: 99، حاشية كفاية الأصول، القوچاني: 63، حقائق الأصول 1: 178.

(2)- حاشية كفاية الأصول، المشكيني 1: 378.

(3)- لاحظ أجود التقريرات 1: 118- 119، نهاية الدراية 1: 350، بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي) الآملي 1: 244- 245.

176

أقول أولا: هذا ليس من المحصلات العقلية أو العادية، بل هو يعد من المحصلات الشرعية، و المعروف فيها أيضا هو الاشتغال، و لكنه عندنا محل إشكال، و لقد تعرضنا في محله لجريان البراءة فيها (1).

و ثانيا: رجوعه إلى أن المأمور به أمر تحصيلي بالذي تعلق به الأمر، يتم لو كان الغرض معلوما، و فيما نحن فيه هو مشكوك، فلا يمكن القطع بالانقلاب، و مع الشك في أنه مطلوب بنفسه، أو مطلوب لأجل أمر آخر، لا يمكن الحكم بالاشتغال و إن لا يحكم بأنه- حسب الفهم العرفي- مطلوب بذاته، كما هو مختار السيد الفشاركي (قدس سره) في تقريب أصالة التوصلية، و لكنك عرفت ما مضى فيه‏ (2).

و إن شئت قلت: ليس الشك المذكور مستلزما للانقلاب، بل هو يستلزم كون الكيفية الخاصة في مقام الامتثال، معتبرة في سقوط الأمر، و هي لا تستلزم كون الغرض الأخص مورد الطلب، فتأمل جدا.

فتحصل: أن ما أفاده العلامة النائيني (رحمه اللَّه)(3) تقريرا لما في «الكفاية» (4) حول الاشتغال و إن كان بعيدا عن ظاهرها، و لكنه بعد انضمام البيان المزبور منا إليه صار وجها على حدة للاحتياط في المسألة، و اللَّه العالم بحقائق الأمور.

و أيضا تحصل: أن الشك في سقوط الأمر بعد معلومية حدود المأمور به، لا يستلزم الانقلاب إلا احتمالا، و هذا يصير من الشبهة في أن المسألة من صغريات الأقل و الأكثر، أو من صغريات المتحصل و المحصل، و لا يمكن عند ذلك إجراء

____________

(1)- يأتي في الجزء الثامن: 67- 68.

(2)- تقدم في الصفحة 160- 161.

(3)- أجود التقريرات 1: 118- 119.

(4)- كفاية الأصول: 98.

177

البراءة اللفظية.

اللهم إلا أن يقال: بأن المتفاهم العرفي هو كون متعلق الأمر هو المطلوب بذاته، فيتعين المأمور به، و لكن بعد امتناع الأخذ في المتعلق، لا يمكن إجراء البراءة الشرعية إلا بالوجه الّذي مضى منا سبيله. و التمسك باستصحاب عدم وجود الغرض الزائد على ما تعلق به الأمر، أو عدم وجود ما يورث انقلاب هذا الظاهر إلى كون الواجب هو الغرض، لا يخلو من إشكال، فتدبر جيدا.

و إن شئت قلت: الشك المزبور يرجع إلى الشك في أن غرض المولى هو ما يفي به المأمور به الظاهري، أي ما تعلق به الأمر و الجعل، أو يكون غرضه الأخص، فلا يفي به ما تعلق به الأمر في مرحلة الإنشاء و الجعل، فإذا لم يمكن إجراء البراءة في نفس المأمور به، أمكن إجراؤها في رفع الضيق في المرام، على التفصيل الماضي.

خامسها: إن المستفاد من الكتاب، هو أن العبادة مورد الأمر، و هي تحصل بما تعارف في الخارج، كالصلاة، و الصوم، فهي معنى حاصل منهما، و هي واجبة، و الأفعال الخارجية محققتها، فلا بد عند الشك من الاحتياط. و الأمر المتوجه إلى العبادة توصلي، و مرشد إلى لزومها عند المولى.

أقول: لو كان هذا حقا فيلزم الاحتياط في مطلق الأقل و الأكثر، و التفصيل في محله. مع أن مجرد كون الواجب من المحصلات الشرعية، لا يستلزم الاحتياط، كما فصلناه في مقامه‏ (1).

____________

(1)- يأتي في الجزء الثامن: 60 و 67- 68.

178

تنبيهات‏

التنبيه الأول: حول التمسك بمتمم الجعل و بمعنى العبادية لإثبات التقييد

استفادة التقيد به على طريقتنا، ممكنة بالأمر الأول، فيؤخذ عنوان «قصد الأمر» في المتعلق، و يصير هذا سببا لانتقال المكلفين إلى أخصية المرام و المقصد، من غير تعلق الأمر بهذا القيد، لأنه عنوان مشير إلى أمر آخر و ممكنة بالأمر الثاني الإرشادي إرشادا إلى ما سلف.

و أما الإرشاد إلى أنه جزء المأمور به و شرطه، حتى يكون في الانحلال مثلا ينحل إليه الأمر، فهو غير محتاج إليه، بل ربما لا يساعده بعض ما مر منا في الإشكال على الأمر الثاني‏ (1)، فتأمل جيدا.

و مما ذكرنا يظهر: أن التمسك بالمتمم للجعل، بتوهم أن الأمر الأول ممتنع أن يشمل هذا القيد، و لكن يتمم ذلك بالأمر الثاني، كما أفاده العلامة النائيني‏ (2)، في غاية السقوط، فإن الأمر الثاني لا يمكن أن يكون باعثا إلى باعثية الأمر الأول، كما مضى، و لا يمكن أن يرشد إلى قيد في المأمور به الأول، للزوم الامتناع و الخلف، كما هو الظاهر، فمن يقول بالامتناع، لا يمكن له أن يتوسل إلى استفادة العبادية من الألفاظ- و لو كانت إرشادية- إلا بالوجه الّذي أبدعناه في المسألة (3).

____________

(1)- تقدم في الصفحة 137- 140.

(2)- أجود التقريرات 1: 115- 116.

(3)- تقدم في الصفحة 139.

179

و أما ما أفاده السيد المجدد الشيرازي في المقام: «من أن العبادية إنما هي كيفية في المأمور به، و عنوان له، و يكون قصد الأمر أو الوجه أو غير ذلك، من المحققات لذلك العنوان، و محصلا له، من دون أن يكون متعلقا للأمر، و لا مأخوذا في المأمور به.

و بالجملة: العبادة هي عبارة عن الوظيفة التي شرعت لأجل أن يتعبد بها العبد، فالصلاة المأتي بها بعنوان التعبد و إظهارا للعبودية، هي المأمور بها، و الأمر بها على هذا الوجه بمكان من الإمكان» (1) انتهى.

ففيه أولا: أن هذا هو الوجه الّذي يستلزم سقوط بحث التعبدي و التوصلي، كما شرحناه سابقا (2)، و ذكرنا أن هذه المسألة مبنية على تقوم عبادية العبادة بقصد الأمر و الامتثال، و أن المشكلة التي حدت الأعلام إلى فتح هذا الباب، أن العبادية معناها الإتيان بداعي الأمر، فكيف يعقل أخذه في متعلق الأمر؟! و ثانيا: هذا يستلزم الاشتغال، لأن الواجب بناء عليه- كما مضى منا- يصير عنوان «العبادة» و عند ذلك إما يتعين الاحتياط مطلقا في الأقل و الأكثر إلا في التوصليات، أو يتعين الاشتغال في المحصلات الشرعية، و لا أظن التزامه بذلك.

و ثالثا: يلزم كون الأمر المتوجه إلى العبادات توصليا، و أن مناط العبادية كون الفعل صادرا عن داع إلهي، و هذا أيضا بعيد. مع أنه مناقض لما أفاده من كفاية الإتيان بالفعل بداعي الأمر في العبادية، فراجع و تدبر.

و أما استفادة العبادية من الإطلاق المقامي، فهو أيضا محل المناقشة، لأنه فيما إذا أمكن إفادتها بالألفاظ، و هي- على ما أشرنا إليه- على ما سلكه القوم ممتنعة.

____________

(1)- لاحظ فوائد الأصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 152- 153.

(2)- تقدم في الصفحة 211.

180

نعم، هي ممكنة لو كانت هي الإرشاد إلى أخصية المرام و ضيق الطلب، دون أن تكون إرشادا إلى قيد في المتعلق، لأنه يستلزم الامتناع المزبور.

التنبيه الثاني: حول اقتضاء الأمر لاختيارية الفعل‏

قد سلك جمع من الأصحاب هنا: حول أن الواجبات التعبدية أعم من القربيات، و مما يعتبر فيه قيد المباشرة و الاختيار، و كون الفرد المحرم مسقطا له‏ (1)، و الأمر في الاصطلاح سهل.

و قد أشرنا سابقا (2) إلى أن مسألة المباشرة و التسبيب، تأتي في أقسام الواجب‏ (3)، و قد ذكرنا هناك: أن الواجب العيني ينقسم- بوجه- إلى العيني المباشري، و العيني التسبيبي، و نذكر هناك قضية القاعدة العملية عند الشك، و الإحالة هنا أولى من الإطالة.

و أما مسألة الاختيار و الاضطرار، و أن الأوامر المتعلقة بالعباد تقتضي اختيارية الفعل، أم لا فيكفي إذا صدر الفعل لا عن اختيار، فهي محل الخلاف، و قد يتصدى لها هذا التنبيه.

فنقول: قد ذهب العلامة النائيني (قدس سره) إلى أصالة التعبدية في هذه المسألة (4)، كما في أصل المسألة، و في المسألة المشار إليها، و خالفه بعض تلاميذه‏ (5) تبعا للأستاذ العلامة الشيخ الأراكي (قدس سره) و قال بالتوصلية في هذه المسألة (6)، و الكلام يقع‏

____________

(1)- لاحظ محاضرات في أصول الفقه 2: 139- 141.

(2)- تقدم في الصفحة 114.

(3)- يأتي في الجزء الرابع: 52- 53.

(4)- فوائد الأصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 143- 144.

(5)- محاضرات في أصول الفقه 2: 146- 147.

(6)- بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي) الآملي 1: 249- 250.

181

في مقامين:

المقام الأول: حول مقتضى الدليل الاجتهادي‏

و هو عندي التوصلية، و ذلك لأن القدرة و الاختيار ليست من قيود التكليف، بل هي من الموجبات لتنجيز الخطاب، و تعذير العبد في صورة الخلاف، فإذا توجه إلى العباد «اغسلوا أيديكم من أبوال ما لا يؤكل لحمه» و نظائره مما لا يحتاج في تحققه في الخارج- قضاء لحق المادة- إلى أمر زائد عن أصل صدور الفعل، فلا يجب إلا الغسل، سواء صدر عن الاختيار، أو عن اللااختيار.

و إن شئت قلت: العناوين المأخوذة في متعلق الأوامر، مختلفة بعد عدم كونها قربية، فإن منها: ما يحتاج إلى قصد العنوان، كرد السلام، و التعظيم، و أداء الدين، و الوفاء بالنذر، و أداء الكفارات، فإنه لا بد من الاختيار فيها، لاقتضاء المادة ذلك.

و منها: ما لا يكون محتاجا إلى أمر مربوط بالنية و القصد، كالغسل، و إحراق الكتب الضالة، و قلع مادة الفساد، و كسر آلات القمار، و أمثالها مما لا يحتاج إلى أمر ذهني، فإن المادة ساكتة، و لا اقتضاء من قبل الهيئة أصلا، لأنها ليست إلا لتحريك المطلعين إلى العمل و الفعل في الخارج.

و توهم: أن الأمر ليس معناه إلا توجيه إرادته نحو المطلوب، و إيجاد الداعي فيه إلى المقصود، و هذا يؤدي إلى شرطية الاختيار في السقوط، كما وقع في كلمات الميرزا النائيني (رحمه اللَّه)(1) فاسد جدا، لما مضى من أن الأمر ليس إلا لإمكان الداعوية، أو ليس إلا لتوجيه المكلفين إلى لزوم تحقق المأمور به خارجا، و أما سائر الجهات فهي خارجة (2) و لو كان حقيقة الأمر و هويته ذلك لما أمكن إفادة الإطلاق في‏

____________

(1)- فوائد الأصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 143، أجود التقريرات 1: 102.

(2)- تقدم في الصفحة 81- 84.

182

متعلقه. و في كلماته مواضع كثيرة من الخلط، لا نقصد رفع الإبهام عنها، و لعله يطلع عليها الخبير البصير.

و مما ذكرنا يظهر الخدشة في كلام العلامة الأراكي (قدس سره) أيضا، لأنه توهم: أن الهيئة و إن كانت مقيدة بالقدرة، و لكن كاشفيتها عن مصلحة المادة على الإطلاق باقية، فإذا كان الأمر كذلك فلا وجه لأصالة التعبدية (1).

و أنت خبير: بأن الهيئة إذا كانت مقيدة، فهي غير قابلة للكشف، لأن مطلوبية المتعلق سعة و ضيقا تابعة لدائرة الهيئة إطلاقا و تقييدا، و لا يعقل إطلاق المادة بعد تضييق الهيئة و إن كان الضيق من قبل حكم العقل، لأن من المحتمل اتكال المولى على حكمه في عدم الإتيان بالكاشف عن قصور المصلحة، فتدبر.

فالوجوه التي استند إليها أو أشير إليها، كلها مزيفة على ما سلكناه في محله‏ (2).

و لو فرضنا تقييد الهيئة بالقدرة، فهي و إن كانت بحسب الثبوت ذات احتمالين: احتمال كون المتعلق مضيقا في المطلوبية و المصلحة، و احتمال كون القدرة معتبرة لصحة الخطاب، دون مصلحة المتعلق، و لكن ذلك بحسب الثبوت لا يورث رفع الإبهام إثباتا، فلا بد في مرحلة الإثبات من دليل على أعمية المصلحة بعد تصور كاشفها احتمالا فتصير الأدلة الاجتهادية عند ذلك قاصرة عن إثبات أحد الأصلين: أصالة التعبدية، و التوصلية.

المقام الثاني: قضية الأصل العملي‏

و هو البراءة، لرجوع الشبهة إلى الشبهة في أن الزائد على لزوم تحقق المأمور به في الخارج معتبر، و هو قيد صدوره عن القدرة و الاختيار و الإرادة، أم لا،

____________

(1)- بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي) الآملي 1: 249- 250.

(2)- يأتي في الجزء الثالث: 97- 99.

183

فإذا كان نائما تحت السماء، فأمطرت السماء، فغسلت يداه، فإن الأمر بالغسل ساقط، لأنه قد تحقق، و ما زاد عليه مشكوك منفي بالبراءة العقلية و العقلائية و الشرعية.

و غير خفي: أن البراءة هنا مقدمة على الاستصحاب المتوهم، لانتفاء الشك بجريانها قبل حدوثه تعبدا.

شبهة: قد يشكل تصوير الشك، في أن الواجب هل هو المعنى الاختياري، أو الأعم منه و من غير الاختياري؟ إلا برجوعه إلى أن مفاد الهيئة، ليس إلا أن المادة واجبة التحقق، و هذا مع كون الأمر مستلزما للخطاب مشكل، لأن الخطاب يستلزم المباشرة، و الفعل الصادر لا عن اختيار لا يعد من فعل الإنسان مباشرة، حتى يكون كافيا إذا صدر لا عن اختيار.

مثلا: إذا ورد «اغسل ثوبك» و اتفق نزول المطر عليه، فإنه و إن غسل ثوبه، و لكنه لا يعد هذا فعله المباشري. فإذا كان ظاهر الخطاب مباشرة الفعل، فلا بد من الالتزام بأصالة التعبدية في ناحية الاختيار أيضا.

ثم إن من المحتمل دعوى اختلاف فهم العرف بين ما إذا ورد إفادة المطلوب بالمضارع المجهول، فيقال مثلا: «يغسل ثوبه» و بين ما إذا قال: «ليغسل ثوبه» بالأمر، و فيما إذا قال: «يغسل ثوبه» بالمعلوم أيضا مثل الأمر، ففي الأولى لا يستفاد المباشرة، و لا الاختيارية، بخلاف الصورتين الأخيرتين.

و أما إذا قامت القرينة على أحد الأطراف فهو المتبع، فإن فهم العرف ربما يكون في بعض الأحيان، قرينة على أن قيد المباشرة و الاختيار لا خصوصية له أصلا، كما في الأمر بالغسل، و إحراق الكتاب، و كسر الأصنام، و ربما يجد ذلك قيدا كما في القربيات، و ربما لا يجد أمرا، و يتردد، كما في بعض الأمثلة النادرة، كجواب السلام و التحية مثلا.

184

التنبيه الثالث: في أن إطلاق الخطاب هل يقتضي الإتيان بالفرد المباح؟

هل الخطاب بإطلاقه، يقتضي الإتيان في مقام الامتثال بالمصداق المباح، فلا يسقط الأمر بالمصداق المحرم، أم قضية الإطلاق هو التوسعة، كما في جميع المواقف.

و قبل الإشارة إلى مقتضى الدليل الاجتهادي، لا بد من تحرير محل النزاع، و لقد خفي على الباحثين كلهم، لوقوعهم في بحث جواز اجتماع الأمر و النهي، و في مسألة النهي عن العبادات، و هو بعيد عن ساحتهم مع توغلهم في الأصول، و ذلك لأن الجهة المبحوث عنها هنا: هي أنه بعد مفروغية إمكان الامتثال بالفرد المحرم عقلا، فهل هو كاف عرفا و عند العقلاء، أم لا بد من الامتثال بالفرد المباح؟

فكون الواجب تعبديا ينافي الحرمة، أو كون النسبة عموما مطلقا، تناقض إطلاق الملاك في المطلق، و كون التركيب اتحاديا يضاد حفظ الخطاب و التكليف، كلها أجنبية عما نحن فيه.

فهذه المسألة كسابقاتها، مسألة عقلائية استظهارية من إرسال الخطاب مع إمكان الامتثال حسب درك العقل بدوا. و لذلك تكون الجهة المبحوث عنها، أعم من كون المأمور به مصداق المحرم بعنوان آخر منطبق عليه- كالغسل، و التصرف في ماء الغير، و كالصلاة في الدار المغصوبة- و من كونه مستلزما للمحرم، أو متوقفا عليه.

فعليه نقول: إن المراد من «الإطلاق» هنا، ليس الإطلاق المصطلح عليه في‏

185

باب المطلق و المقيد، كما عرفت منا تفصيله‏ (1)، بل المراد من «الإطلاق» هو الإرسال مع الاتكاء على القرينة العدمية، و هي عدم ذكر القيد على الخصوصية، فإنه عند عدم ذكرها يكشف- لأجل تلك القرينة العدمية، و هي عدم ذكر القيد- أن الواجب نفسي، عيني، تعيني، مباشري، و هكذا.

مقتضى الدليل الاجتهادي‏

فإذا عرفت ذلك، فهل الإطلاق يقتضي كون الفرد مباحا، لأن بناء العرف على الاتكال على الإطلاق عند ما يريد كون المأتي به محللا و مباحا، و غير مستلزم للمحرم، و إذا كان المراد أعم كان بناؤهم على ذكر الأعمية، بإفادة إطلاق المطلوب و المرام باللفظ، أم الإطلاق في هذه المسألة من هذه الجهة قاصر؟ وجهان.

لا يبعد الأول، لعدم إمكان التزام العقلاء بأن الشرع في الواجب، يلتزم بأنه واجب و لو كان مستلزما للمحرم، أو متحدا معه مصداقا لا عنوانا، فإنه غير معقول، فعليه لا يبعد دعوى فهم العقلاء من الأوامر و الواجبات، أن المادة ليست مطلوبة على الإطلاق، خصوصا مع الاختيار و المندوحة، كما هو مفروض البحث في المسألة. فجميع ما قيل في المقام أجنبي عن أساس البحث، فاغتنم، و كن على بصيرة من أمرك.

و أما التمسك بالإطلاق المصطلح عليه في محله، فهو هنا و إن كان ممكنا، و لكنه يورث التوسعة، و هي خلاف فهم العرف، كما في إثبات العينية و النفسيّة و التعينية، فإن قضية الإطلاق المصطلح عدم هذه الأمور، قضاء لحق الإرسال. مع أن مقتضى الإطلاق هنا هو التضييق، و هو لا يمكن إلا بالوجه المشار إليه، فلا ينبغي الخلط.

____________

(1)- تقدم في الصفحة 151.

186

و بعبارة أخرى: انقسام الواجب إلى النفسيّ و الغيري، و إلى العيني و الكفائي و هكذا، يقتضي كون المراد عند الإطلاق هو الجامع بينهما، لا أحد القسيمين، و إذا كان المراد من التمسك بالإطلاق إثبات أحدهما، فلا بد من كونه غير الإطلاق المحرر في باب المطلق و المقيد، كما لا يخفى. هذا كله قضية الأدلة الاجتهادية.

مقتضى الأصل العملي‏

و إذا شك في ذلك فالمرجع هي البراءة، لعدم الكاشف عن ضيق المرام. بل مع اقتضاء الإطلاق المصطلح التوسعة، لا تصل النوبة إلى البراءة، و هذا أمر عجيب، لأن مقتضى الإطلاق الأول هو التضييق، و إذا سقط هذا فقضية الإطلاق الثاني هو التوسعة، و إذا سقطا فالمرجع هي البراءة، و لا معنى للاشتغال، لأن الشك في ثبوت التكليف الزائد.

و ربما يخطر بالبال دعوى: أن التفصيل الّذي ذكرناه في كيفية إفادة المطلوب في التنبيه السابق يأتي هنا أيضا، و نتيجة ذلك: أنه فيما إذا ورد الدليل بصورة الأمر، أو بصورة الفعل المضارع المعلوم، فهو ظاهر في المباشرة، بخلاف ما إذا كان بصورة الفعل المضارع المجهول، فإنه ظاهر في أن المطلوب نفس المادة كيف ما اتفقت، إلا مع القرينة، كمناسبات الحكم و الموضوع.

و عند ذلك، إذا كان الدليل قاصرا عن إثبات لزوم كون المأتي به، غير محرم مصداقا، أو غير مستلزم للمحرم، أو غير متوقف عليه، فلأجل ظهوره في الصورتين الأولتين في المباشرة، يتعين الاشتغال، لأن الشك يرجع إلى مقام السقوط بالمصداق المحرم.

و لكنك خبير بفساده، لأنه مسبب عن الشك في تقيد المأمور به، و إلا ففي جميع موارد الأقل و الأكثر يلزم الاحتياط، فجريان البراءة إذا كان الدليل قاصرا، مما

187

لا شبهة فيه، و لا تصل النوبة إلى الاستصحاب، لحكومة البراءة عليه.

و هذا ليس لأجل حكومة الأصل غير المحرز على المحرز، بل هو لأجل دفع الشك الاستصحابي بها، لا رفعه، و بينهما فرق واضح، كما لا يخفى. فما ترى في كلمات العلامة الأراكي (رحمه اللَّه): من حكومة البراءة على الاستصحاب‏ (1)، خلاف الاصطلاح، و الأمر سهل.

و توهم: أن الإتيان بصيغة المجهول، لا يستلزم قصور الدليل في إفادة كون الواجب غير مستلزم للحرام، و غير منطبق عليه عنوان المحرم، و غير متوقف عليه، لاشتراك فهم العرف في مطلق الأساليب، غير بعيد جدا.

ثم إن ثمرة هذا الأصل كثيرة، لأن جمعا من الفقهاء بنوا على الإشكال في شرطية إباحة مكان الوضوء و الغسل، أو إباحة الماء، أو إباحة مكان المصلي، و هكذا من أول الفقه إلى آخره، معللين: بعدم الدليل على التقييد، و لا يقتضي القواعد العقلية ذلك، و نحن بنينا على التقيد لهذا الوجه الوجيه جدا. هذا كله فيما كان المكلف في التوسعة.

و أما إذا كان منحصرا بالمحرم، فيدور الأمر بين الملاكين، و لا بد حينئذ من المراجعة إلى الأهم، و مع التساوي يكون هو بالخيار، و هذا خارج عما هو المقصود بالبحث هنا، فلا تخلط.

إيقاظ: في شمول بحث التوصلي و التعبدي للنواهي‏

لا يختص الشبهات المزبورة في صدر المسألة بالواجبات التعبدية، بل هي جلها- لو لا كلها- تأتي في المحرمات القربية، كتروك الإحرام، فأخذ قصد الامتثال و الطاعة في متعلق النهي، أيضا محل البحث، فما يظهر من القوم من اختصاص‏

____________

(1)- بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي) الآملي 1: 250.

188

النزاع في مسألة أصالة التعبدية بالأوامر، في غير محله.

و الإشكال الصغروي هنا: بأن تروك الإحرام ليست من المحرمات القربية في غير محله قطعا، بل ترك القواطع في الصلاة أيضا يعد منها.

نعم، على القول بعدم حرمتها الذاتيّة، و أنها من المبطلات فقط، لا يتم المقصود. و لكنه في الصلاة و قواطعها يمكن الالتزام به.

و أما في الحج فالتحقيق: أن الحج لا يبطل بترك تروكه- إلا نادرا منها- و لو كان من أول الأمر قاصدا لإتيانها، لما تقرر: من أن إحرام الحج كإحرام الصلاة، و تكون التروك من أحكام المحرم، فتكون من المحرمات القربية الذاتيّة، فيأتي فيها النزاع المعروف أيضا، فافهم و تدبر جيدا.

المقام الثاني في أن مقتضى إطلاق الأمر النفسيّة و العينية و التعيينية

قد عرفت: أن قضية إطلاق الصيغة كون البعث وجوبيا (1)، فهل قضيته كونه نفسيا تعينيا عينيا أيضا؟

نعم، و ذلك لارتكاز العقلاء قطعا، و عليه بناؤهم يقينا، و الّذي هو الظاهر منهم أيضا، أن من الإطلاق المزبور يستكشف الحكم الجدي، و يحتج بعضهم على بعض:

بأن مرام المولى كذا، و إرادته كذا، و أنه يريد كذا، فيعلم من طريقتهم هذه الأمر النفسانيّ أيضا.

فما ترى في «الدرر» و تبعه الوالد- مد ظله- (2): من أن الأمر سبب تمامية

____________

(1)- تقدم في الصفحة 90- 94.

(2)- درر الفوائد، المحقق الحائري: 75- 76، مناهج الوصول 1: 282.

189

الحجة من قبل المولى على العبد، فلا يصغى إلى الأعذار و الاحتمالات النافية للنفسية و العينية و التعيينية، غير وجيه جدا، بل هي تورث تمامية الحجة، و يكشف بها المراد الجدي للمولى، و إلا فلا يصح الإفتاء على طبق هذه الإطلاقات: بأن الأمر الكذائي واجب نفسي عيني تعييني.

ثم إن كلمات القوم في توجيه طريقة العقلاء مضطربة (1)، و الّذي هو التحقيق:

أن الواجب في الشريعة على أنواع: نفسي، و غيري، و تعييني، و تخييري، و عيني، و كفائي، و لا شبهة في أن التقسيم يحتاج إلى الجامع الاسمي، و إلى خصوصيات ترد على المقسم، حتى يمتاز الأقسام بعضها عن بعض، و الكلي عن المقسم. و أما كيفية تصوير الجامع الاسمي من المعاني الحرفية- كمفهوم «الربط» و «النسبة»- فقد مضى في محله‏ (2).

فعليه لا معنى للتمسك بالإطلاق المصطلح في باب المطلق و المقيد لإثبات أحد القسيمين، لأن أثر ذاك الإطلاق كون المجعول هو المعنى الكلي الجامع، و حيث هو- فرضا- ممتنع يلزم الإجمال في الدليل، لعدم وجود القرينة على أحد القسيمين. فما ترى في كتب القوم: من التمسك بالإطلاق المصطلح في ذلك الباب‏ (3) ساقط.

و ما أفاده الوالد المحقق- مد ظله-: «من أن الجامع غير معقول في المعاني الحرفية، فلا بد من القول بتمامية حجة المولى على العبد» (4) غير سديد، لأن قضية امتناع جعل الجامع بين الوجوبين- النفسيّ و الغيري- إجمال الدليل المتكفل‏

____________

(1)- فوائد الأصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 136، مناهج الوصول 1:

255- 256.

(2)- تقدم في الصفحة 102- 103.

(3)- كفاية الأصول: 99، نهاية الأفكار 1: 209، منتهى الأصول 1: 197.

(4)- مناهج الوصول 1: 282- 283.

190

للجعل، فلا بد من استكشاف وجه ارتكاز العقلاء الناهض على فهم مراد المولى من الإطلاق في المقام، و هذا غير ممكن إلا بالوجه السديد الّذي أشرنا إليه سابقا (1).

و هو أن القرائن على قسمين: وجودية جزئية، و عدمية كلية، فربما يتكئ المتكلم على القرينة الوجودية، و أخرى على العدمية النوعية، و من الثاني سكوته بعد الأمر، فإنه شاهد على أنه بعث وجوبي، و شاهد على أنه نفسي، و عيني، و تعييني، فإن بناءهم على إفادة الندب و الغيرية و أمثالها بالقرينة الوجودية الجزئية، و على إفادة الوجوب و النفسيّة مثلا بالقرينة العدمية النوعية.

و هذه أيضا قرينة، فلا معنى لحمل «الإطلاق» في هذه المباحث على الإطلاق المصطلح، بل المراد منه هنا هو الإلقاء بلا قرينة وجودية تشهد على أن المراد قسم خاص من القسيمين، فيرفع الإجمال و الإبهام لأجل هذه القرينة العدمية، و لا يحتاج حينئذ إلى مقدمات الإطلاق و إحرازها، بل مجرد الأمر كاشف عن حدود الإرادة و تعينها، من غير توقف على إحراز كونه في مقام البيان و سائر المقدمات، بلا شبهة و إشكال.

و أما ما في «الكفاية»: من اقتضاء الحكمة ذلك‏ (2)، فهو ممنوع، لأنه كثيرا ما يقع الإجمال في الأدلة، فلا برهان على لزوم كون الكلام خارجا عن اللغوية.

مع أنه لا يكون لغوا إذا أتى بغيره، لأنه من آثاره، فلو قال: «صل» و احتمل كفاية الصدقة عنه فتصدق، فإنه لا يلزم اللغوية، لأنه تصدق لأجل قوله: «صل» فلا بد من تحرير المسألة على وجه مفيد في جميع المقامات و الفروض. هذا بناء على حمل كلامه على أن المراد من «الحكمة» هو صون كلام الحكيم من اللغوية.

و أما بناء على ما هو الأظهر، من إرادته مقدمات الحكمة، فالاستدلال ينتج‏

____________

(1)- تقدم في الصفحة 96.

(2)- كفاية الأصول: 99.

191

العكس قطعا، كما عرفت بما لا مزيد عليه.

فتحصل إلى هنا: أن الهيئة الموضوعة للتحريك الاعتباري الأعم من النفسيّ و الغيري، لا ينصرف إلى أحدهما المعين إلا بالدليل و القرينة، سواء أمكن جعل الجامع بها، أم لم يمكن جعله بها.

و إن شئت قلت: التحريك الاعتباري بالحمل الشائع و إن لا يكون جامعا ذاتيا بين النفسيّ و الغيري، و لكن النفسيّة و الغيرية- كسائر الدواعي- تستفاد من القرائن، كما مر في استعمال الهيئة في المعاني المختلفة من غير لزوم المجازية و الاشتراك‏ (1)، فلا يفي مقدمات الإطلاق بكون الوجوب و التحريك، متعلقا بالمطلوب النفسيّ العيني التعييني.

إن قلت: يمكن التمسك بإطلاق دليل ما ثبت نفسيته عند الشك في النفسيّة و الغيرية، فإن معنى احتمال الوجوب الغيري في مثل غسل الجمعة مثلا في قوله:

«اغتسل للجمعة و الجنابة» تضيق وجوب الصلاة به، و إذا كان لدليلها إطلاق فيرفع الضيق، و لازمه العقلائي أن غسل الجمعة واجب نفسي‏ (2).

قلت: هذا غير واف بتمام المطلوب، لعدم ثبوت الإطلاق في جميع موارد الشك. مع أن بناء العقلاء على حملها على النفسيّة مطلقا، من غير النّظر إلى حال دليل ما يحتمل غيريته بالنسبة إليه بالضرورة.

مع أن من الممكن احتمال غيريته بالنسبة إلى ما هو المقطوع عدم وجوبه في زمان الغيبة مثلا، كصلاة الجمعة. و في كون بناء العقلاء على كشف حال هذا المشكوك بأصالة الإطلاق في الدليل الآخر كلام، و يمكن الالتزام بأنه أصل عقلائي‏

____________

(1)- تقدم في الصفحة 85.

(2)- فوائد الأصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 220- 222، أجود التقريرات 1:

169.

192

حيثي كأصالة الصحة، فلا تخلط.

إن قلت: يمكن التمسك بالإطلاق الأحوالي- المصطلح عليه في باب المطلق و المقيد- هنا، لأن معنى الواجب التخييري و الكفائي: هو الواجب المشروط على ما تقرر في محله، فكما يتمسك بإطلاق الهيئة لرفع القيد المحتمل، كذلك الأمر هنا (1).

قلت: نعم، و لكنه مبنى فاسد، و أساس باطل ذكرناه في محله‏ (2).

هذا مع أن الضرورة قاضية، بأن بناء العقلاء على حمل الأمر على النفسيّ العيني ... إلى آخره، من غير انتظار إحراز مقدمات الحكمة، و لو كان وجه الحمل إطلاق الكلام، يلزم عدم ذهابهم إلى حمله على النفسيّ ... إلى آخره، في بعض الموارد، مع أنه لا يوجد في الفقه مورد إلا و يحمل الأمر فيه على النفسيّ العيني التعييني بلا توقف على أمر آخر.

و لو كان مراد القوم من «الإطلاق» هنا، هو الإطلاق الأحوالي المتصور للمادة و الهيئة، لكان ينبغي أن يقال: إطلاق الأمر يقتضي النفسيّ العيني التعييني المطلق المنجز و هكذا، مقابل المقابلات، و منها: احتمال المشروطية و التعليق.

و ربما يمكن دعوى: أن التعليق أيضا من الاحتمالات التي ترتفع بالإطلاق المصطلح في المقام، لعدم تضيق في الإرادة، بخلاف المشروط، فإنه هو المضيق، فلا تغفل.

فبالجملة: الأولى أن يقال: إن إلقاء الآمر متوجها إلى المخاطب، يقتضي كون المادة واجبة نفسية عينية مباشرية، مقابل العيني غير المباشري، على ما تصورناه، و الأمر بعد ذلك كله سهل جدا.

____________

(1)- حاشية كفاية الأصول، المشكيني 1: 381.

(2)- يأتي في الجزء الخامس: 456- 458.

193

المقام الثالث في الأمر الواقع عقيب الحظر

اعلم: أن هذه المسألة في الحقيقة تذييل للمباحث السابقة، و ذلك لأن البحث هنا حول أن الأمر إذا كان محفوفا بما يصلح للقرينية، هل يستفاد منه أيضا الوجوب و النفسيّة و العينية و التعيينية و غيرها، أم لا؟

و بعبارة أخرى: ليس الجهة المبحوث عنها هنا أمرا جزئيا، و بحثا خاصا بالأمر الواقع عقيب الحظر، بل الجهة المقصودة معنى أعم من ذلك، و من الهيئة المقارنة لما يصلح للقرينية على خلاف ما يستفاد منها إطلاقا، ضرورة أنه مع وجود القرينة على الندب و الغيرية و غيرها، يحمل عليها، و مع عدم القرينة يحمل على الوجوب و النفسيّة ... إلى آخره.

و إذا كان في الكلام ما يصلح للقرينية على الندب و الغيرية، كقوله: «اغتسل للجمعة و الجنابة» فإن الجنابة قرينة على أن الهيئة في الجمعة غيرية، بناء على مفروغية استفادة الغيرية منه، و أن غسل الجنابة ليس مطلوبا نفسيا.

و من هذا القبيل الأمر الواقع عقيب المنع التحريمي، أو التنزيهي، أو الواقع عقيب توهم المنع، كقوله تعالى: وَ إِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا (1).

فبالجملة: المقصود بالبحث كلي لا يختص بالوجوب، بل يشمل النفسيّة و أخواتها، و لا يختص بكون الأمر عقيب الحظر، بل يشمل كل ما كان في كلام صالحا للقرينية على مقابلاتها.

____________

(1)- المائدة (5): 2.

194

إذا عرفت ذلك فاعلم: أن استفادة الوجوب و النفسيّة، إن كانت لأجل عدم القرينة الّذي هو القرينة عليها، فإذا كان الكلام محفوفا بالصالح لها، يلزم الشك المستند و المستقر العقلائي في تمامية الحجة، و استكشاف اللزوم و النفسيّة.

نعم، لو قلنا: بأن الهيئة موضوعة للوجوب، و مجاز في الندب، أو قلنا: بأنها موضوعة لإفادة المطلوب النفسيّ، و مجاز فيما كان مستعملا في الغيري، فلا يبعد تعين الأخذ بالمدلول المطابقي.

اللهم إلا أن يقال: إن المجاز المشهور يمنع عن الحمل على الحقيقة، لعدم التعبد في إجراء أصالة الحقيقة من ناحية الشرع، فإذا كانت هي ساقطة لكثرة الاستعمال المجازي، فلا يمكن استفادة الوجوب على جميع المباني، أي سواء قلنا بمقالة السيد (1)، أو قلنا بمقالة الوالد (2)- عفي عنهما- أو قلنا: بأنها كاشفة عقلائية، لأجل القرينة العدمية عن الإرادة اللزومية و المطلوب النفسيّ‏ (3)، فإنه على جميع التقادير لا يمكن ذلك، كما لا يخفى.

ثم إن الأنظار كثيرا ما تختلف بالنسبة إلى صغرى الصالح للقرينية، و المناط هو الصالح النوعيّ، لا الشخصي، فاحتمال الحظر الشخصي غير كاف، إلا في الخطابات الجزئية الشخصية، و الوهم و التوهم غير العقلائي لا يكفي، فلا تغفل.

و مما ذكرناه يظهر قصور كتب القوم عن إفادة ما هو الشأن في البحث. هذا كله في كبرى المسألة.

و أما في صغراها التي تعرض لها الأصحاب- (رضوان اللَّه تعالى عليهم)- و هو

____________

(1)- الذريعة إلى أصول الشريعة 1: 53.

(2)- مناهج الوصول 1: 256.

(3)- نهاية الدراية 1: 308.

195

الأمر عقيب الحظر (1)، فالاحتمالات ربما تكون أربعة: من الوجوب، و الندب، و الإباحة، و الكراهة، لأن من الممكن كون الأمر لرفع اشتداد المبغوضية. بل و هي خمسة، بناء على كون الإذن المطلق غير الإباحة الخاصة.

و ربما يختلف باب التعبديات عن غيرها، فيكون القدر المتيقن في الباب الأول هو الاستحباب، و في الباب الثاني هي الإباحة، فلا يتم ما اشتهر: من عدم دلالة الأمر على أحد المحتملات‏ (2).

نعم، لا يمكن تعيين إحدى الاحتمالات بنحو كلي، لاختلاف مواقف الاستعمالات حسب القرائن الكلية و الجزئية، فلا تخلط، و كن على بصيرة من أمرك.

إيقاظ: و فيه وجه لتعين النفسيّ العيني التعييني‏

ربما يخطر بالبال دعوى: أن بناء العقلاء كما يكون على عدم الاعتناء باحتمال وجود القرينة غير الواصلة إلينا، كذلك يكون على عدم الاعتناء باحتمال قرينية الموجود، و باحتمال صالحيته للقرينية، لأن معنى الصالح للقرينية ليس إلا احتمال اتكاء المتكلم على ما يصلح لها، و هذا أمر غير جائز عند العقلاء في حق المقننين، فإن القانون و المقنن المتكفل له، لا بد من كونه بريئا مما يوجب الإخلال بالغرض، و إذا كان الكلام فاقدا للقرينة الواضحة يعلم: أن مرام المولى هو الوجوب النفسيّ العيني التعييني.

فبالجملة: الاحتمال المزبور في حقه ممنوع، فتصير النتيجة عكس ما اشتهر و ذكر، فليتدبر جيدا.

____________

(1)- هداية المسترشدين: 154، بدائع الأفكار، المحقق الرشتي: 294، كفاية الأصول: 99- 100.

(2)- كفاية الأصول: 100، محاضرات في أصول الفقه 2: 205- 206.

196

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

197

الفصل الرابع فيما يمكن تعلقه بهيئة الأمر أو بمادة صيغ الأوامر

و هو بحث المرة و التكرار، و الفور و التراخي، و أمثالهما مما يأتي، فالكلام يقع في مقامات:

198

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

199

المقام الأول في المرة و التكرار

و قبل الخوض فيما هو الحق في المقام، لا بد من تقديم أمرين:

الأمر الأول: في المراد من «المرة و التكرار»

و قد يقال: هو الوجود و الوجودات و إن كانت دفعة واحدة (1).

و قد يقال: بأنه الدفعة و الدفعات و إن كانتا وجودين‏ (2).

و الثالث: أنه الأعم‏ (3) ... و غير ذلك مما في المطولات‏ (4).

و الّذي هو مورد النّظر، هو أنه هل يمكن أن يلتزم أحد من العقلاء فيما إذا ورد «أكرم زيدا» بتكرار الإكرام، و وجوب ذلك في دفعات، أو وجوب إدامة الإكرام و الضيافة؟! و هل يصح إسناد هذا الأمر الفاحش فساده عند الصغير و الكبير، إلى‏

____________

(1)- مناهج الوصول 1: 287، تهذيب الأصول 1: 170.

(2)- الفصول الغروية: 71- السطر 25.

(3)- كفاية الأصول: 101.

(4)- هداية المسترشدين: 173- 174.

200

جماعة من الأفاضل و الأعلام، كما يتراءى من كلمات المتأخرين؟! (1) و لذلك لم يذهب أحد منهم إلى التكرار، بل هم بين قائل بعدم الدلالة على شي‏ء منهما، كما هو الأكثر (2)، و بين قائل بالمرة، كما نسب إلى العلامة الحائري في درسه‏ (3)، و قد عرفت منا سابقا وجهه نقلا عنه‏ (4).

و هل يصح طرح البحث على الوجه الّذي لا يذهب الكل فيه إلا إلى جانب واحد، كالبحث عن أن الأمر هل يدل على الإيجاد ليلا، أو نهارا، أو هما معا، أو لا يدل على شي‏ء منها؟! إذا تأملت في ذلك فاعلم: أن الّذي يظهر لي أن البحث، ما كان في الهيئة و المادة وضعا و إطلاقا، بل البحث يكون فيما إذا كان الكلام، مشتملا على جهة أخرى غير أصل الطبيعة و الموضوع، كما إذا ورد «أكرم زيدا يوم الجمعة» أو قال:

«إن جاءك زيد أكرمه» و نحوهما من الأسباب الممكنة لاقتضاء الكثرة، بأن يتوهم وجوب تكرار الإكرام بتكرار يوم الجمعة، أو لزوم تكراره بتكرار مجي‏ء زيد.

فلو كان البحث حول الهيئة، ففي مثل «أكرم زيدا» لا معنى للقول بالتكرار و الدفعات، بل لا يتصور فيه الوجودات دفعة و عرضا، فالنزاع فيه يرجع إلى لزوم إدامة الإكرام، و جواز قطعه، لأنه لا يلتزم أحد بأن الهيئة أو المادة أو المجموع منهما، تدل على القطع و الوصل، قضاء لحق مفهوم التكرار في مثل «أكرم زيدا».

فيعلم من عنوان البحث: أن الجهة المبحوث عنها، هي الكلام المشتمل على‏

____________

(1)- قوانين الأصول 1: 90- السطر 22، الفصول الغروية: 71- السطر 18، فوائد الأصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 241.

(2)- كفاية الأصول: 100، فوائد الأصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 241، مناهج الوصول 1: 284، محاضرات في أصول الفقه 2: 207.

(3)- لاحظ تهذيب الأصول 1: 169.

(4)- تقدم في الصفحة 155.