تحريرات في الأصول‏ - ج2

- السيد مصطفى الموسوي الخميني المزيد...
349 /
201

الجهة المقتضية- بالوضع و الطبع- للقطع و الوصل، كما في المثالين، ضرورة أن يوم الجمعة، و مجي‏ء زيد، و سنة الحج، و وقت الصلاة، يتكرر خارجا، و يسقط الحكم بمضي يوم الجمعة، و بانتفاء المجي‏ء قهرا، فإذا استجمع الشرائط ثانيا، فهل يجب ثانيا، أم لا؟

فبالجملة: بعد المراجعة إلى عنوان البحث، و أن في الشريعة كانت أحكام متكررة بتكرر الجهات المقتضية له، وقع النزاع في أن ذلك مستند إلى نفس القضية، أو القرائن الخارجية، فمن قال مثلا بالمرة، أو بعدم دلالتها عليها و على التكرار، استند إلى الأمور الخارجية (1)، و من قال بالتكرار استند إلى اقتضاء نفس القضية ذلك‏ (2).

و إن شئت قلت: يرتفع النزاع، و يجمع بين الأقوال، لأن القائل بعدم الدلالة- هيئة و مادة و جمعا، وضعا و إطلاقا- على المرة و التكرار، أراد ما لا يريده القائل بالدلالة على التكرار، لأنه يريد دلالة القضية المشتملة على الجهة المزبورة على التكرار، و هي و إن كانت ممنوعة حسب الصناعة العلمية، و لكنها قابلة للتصديق حسب الاستظهار العرفي، كما يأتي إن شاء اللَّه تعالى‏ (3).

فبالجملة تحصل: أن ما تخيله القوم من أن النزاع هنا، حول دلالة الهيئة، أو المادة، أو هما معا، على المرة و التكرار (4)، غير وجيه جدا، بل النزاع- بعد مراجعة ما ورد من الشريعة في قوانينها، من لزوم تكرار عدة من الواجبات حسب استجماع الشرائط مكررا، كالعبادات اليومية، و الصوم السنوي، و عدم وجوب تكرار بعضها،

____________

(1)- بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي) الآملي 1: 255، نهاية الدراية 1: 355.

(2)- لاحظ قوانين الأصول 1: 91- السطر 33.

(3)- يأتي في الصفحة 205- 206.

(4)- كفاية الأصول: 100، نهاية الأفكار 1: 210 و 212- 213.

202

كالحج و إن استجمع الشرائط في السنة الآتية بعد أداء الحج في الأولى- يكون في القانون المشتمل على ما يستلزم التكرار طبعا، و يتكرر استجماع الشرائط في الأزمنة المختلفة خارجا، كالأمثلة المزبورة.

و بناء على هذا، يكون المراد من «المرة و التكرار» هي الدفعة و الدفعات، دون الوجود و الوجودات، و لا الأعم، لأن البحث يرجع إلى أن تكرار الجهة المقتضية للتكرار في الحكم يستلزم التكرار فيه، أم لا؟

و أيضا: يكون المراد من «الدفعات» التكرار أبدا عند استجماع الشرائط ثانيا و ثالثا، لا التكرار إلى حد خاص مقابل المرة، و هذا أيضا من الشواهد على أن الجهة المبحوث عنها هنا، هي التي ذكرناها.

الأمر الثاني: في خلو الكلام عن الجهة المقتضية للتكرار

إذا كان الكلام خاليا من تلك الجهة، كما إذا ورد «أكرم زيدا» إن كان، و هذا في الشريعة قليل الوقوع، لأن الأحكام المتعارفة في الشريعة كلها بين مالها الأسباب المذكورة في نفس القانون، و بين كونها موقتات يتكرر أوقاتها في اليوم و الليلة، أو في الأسبوع، أو في الشهر، أو في السنة.

و هذا أيضا من الشواهد على أن النّظر الأصلي في بحث المرة و التكرار كان إلى الّذي ذكرناه، فاغتنم جدا.

و لو فرضنا وقوعه، كما في الأمر بالوفاء بالنذر المطلق، فهل يجب التكرار، أو يجب الاستدامة، أم يجوز الاقتصار على المرة؟ مثلا إذا نذر أن يصلي، فهل عليه إدامة الصلاة، أو تكرارها، أو يكفي صلاة واحدة؟

و هذا نزاع ساقط جدا، لعدم إمكان التزام أحد بتكرار الصلاة، لعدم الوجه له‏

203

عقلا و عرفا، و لا يتصور الإدامة، لأنها مشروعة على الوجه الّذي لا يمكن فرض إدامتها. بخلاف ما إذا نذر مثلا إكرام زيد، فإن مصداق الإكرام لا انتهاء له، و لم يعتبر فيه الحد في الشريعة، فإنه يمكن إدامته، و عند ذلك فيمكن توهم وجوب الإدامة، لعدم سقوط الأمر إلا إذا رفع اليد عن الإكرام عقلا، فإذا كان الأمر كذلك، فيمكن توهم وجوب الإدامة عرفا، لأن مقتضى الحدوث و البقاء واحد، كما لا يخفى.

و لكنه مع ذلك بحكم العقلاء، يجوز الاكتفاء بعد رفع اليد عنه، و لا يجب الاستمرار قطعا، لا لاقتضاء الهيئة أو المادة ذلك، بل لفهم العقلاء، بل و حكم العقل بالسقوط بعد صدق الطبيعة على المأتي به عرفا.

ثم إنه قد يتوهم دلالة الهيئة على المرة (1)، كما عرفت سابقا، و مضى فساده‏ (2). و توهم اقتضاء مقدمات الحكمة ذلك‏ (3)، مدفوع بما مر أيضا، لأن المرة من الخصوصيات الزائدة على أصل الطبيعة.

و دعوى: أن الإطلاق بالمعنى المذكور في البحث السابق‏ (4)، يقتضي ذلك، لاحتياج التكرار إلى القرينة الوجودية مسموعة، إلا أن ذلك مما لا حاجة إليه بعد اقتضاء الإطلاق الأحوالي أيضا ذلك، فتدبر.

ثم إن قضية الأصول العملية في هذه المسألة هي البراءة، لأن مرجع الشك- بعد فرض تحقق المصداق للمأمور به و الطبيعة بأول فرد، أو بقطع الإدامة- إلى أن الوجود الملحوظ هو الساري، و أن الواجب بنحو العموم الاستغراقي، أم لا، فلا

____________

(1)- تقدم في الصفحة 199- 200.

(2)- تقدم في الصفحة 155- 157.

(3)- نهاية الدراية 1: 355، بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي) الآملي 1: 255.

(4)- تقدم في الصفحة 110.

204

معنى لاستصحاب الوجوب المعلوم، لانتفائه بأول مصداق، و لا يحتمل بقاؤه الشخصي.

التحقيق في المقام‏

إذا عرفت هذين الأمرين، فالذي هو الحق في النزاع على الوجه الّذي حررناه: هو أن قضية الصناعة العلمية- بعد فرض كون الكلام مطلقا لا عاما- عدم وجوب التكرار عند استجماع الشرائط ثانيا.

مثلا: إذا وردت قضية «إن جاءك زيد فأكرمه» فأكرمه بعد مجيئه، ثم جاء ثانيا، فإن استفادة تكرار وجوب الإكرام يحتاج إلى دال، و هو مفقود. و مجرد استفادة علية المجي‏ء للوجوب، لا يكفي لكونه علة على نحو يقتضي التكرار، لأن احتمال كونه علة تامة بأول وجوده، غير قابل للدفع.

و توهم: أن هذا مندفع بإطلاق جملة الشرط، أو بإطلاق القيد الواقع في الكلام، كقوله: «أكرم زيدا يوم الجمعة» فاسد، ضرورة أن الإطلاق لا يقتضي إلا كون الموضوع للوجوب هو المجي‏ء، و أما التكرار عند التكرار فهو خارج عن عهدته.

هذا مع أن استفادة العلية من الجملة الشرطية خصوصا، و من القيد الواقع في المثال المزبور، محل إشكال، بل منع، كما تقرر في بحث المفهوم و المنطوق‏ (1).

و مما يشهد بل يدل على عدم دلالة الجملة المزبورة على التكرار عند التكرار: ما ورد في الحج- على ما ببالي- من السؤال عن تكرار الحج حسب كل عام، فقيل في جوابه: «أما تخاف لو قلت: نعم، لكان واجبا؟!» (2). فإن المستظهر منه‏

____________

(1)- يأتي في الجزء الخامس: 19 و ما بعدها.

(2)- عوالي اللئالي 2: 85- 231، مستدرك الوسائل 8: 14، كتاب الحج، أبواب وجوب الحج و شرائطه، الباب 3، الحديث 4.

205

و من بعض المآثير الاخر (1)، عدم دلالة الآية (2) على الأكثر من مرة واحدة.

و مثلها سائر الآيات، كقوله تعالى: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ‏ (3) و قوله: أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ‏ (4) و هكذا مما تتكرر شرائطه، و توجد و تنعدم، فإن لزوم التكرار لا يستفاد منها قطعا، بل الدليل عليه القرائن و الأدلة الخارجية.

نعم، ربما يختلف فهم العرف مع مقتضى الصناعة، و هو فيما إذا كان احتمال دخالة أول الوجود في ثبوت الحكم، بعيدا غايته، بل العرف يجد علية الشرط للجزاء، و معنى ذلك تكرار المعلول بتكرار علته، و لذلك اشتهر وجوب تكرار المسبب، إذا تخلل بين مصداقين من السبب في الكفارات و صلوات الآيات، و هكذا كما في الضمانات، فإن الضرورة قاضية بعدم جواز الاكتفاء بالمرة، بل الأمر في الضمان على عدم تداخل المسببات و إن لم يتخلل المسبب بين الأسباب، فلا ينبغي الخلط بين المواضيع، فافهم و كن على بصيرة.

إن قلت: قضية الإطلاق هو أن الحكم لازم ماهية الموضوع، و الجزاء لازم ماهية الشرط، فيتكرر بتكراره.

قلت: لا يعقل كون الماهية ملحوظة بما هي هي في البعث إليها، فلا بد من لحاظ أمر زائد عليها، و هو أمر صرف الوجود و ناقض العدم، أو الوجود السرياني إجمالا، أو الوجود السرياني إطلاقا و عموما، و كل واحد من هذه اللحاظات قيود

____________

(1)- وسائل الشيعة 11: 19 كتاب الحج، أبواب وجوبه و شرائطه، الباب 3، جامع أحاديث الشيعة 10: 221، كتاب الحج، الباب 2.

(2)- فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ وَ مَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً وَ لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَ مَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ‏. آل عمران (3): 97.

(3)- البقرة (2): 185.

(4)- الإسراء (17): 78.

206

زائدة على أصل الطبيعة، فإذن لا معنى لاقتضاء الإطلاق أحدها دون الآخر، فيرجع إلى الإهمال من هذه الجهة، و إن كان له الإطلاق من جهات اخر.

و دعوى: أنه يرجع إلى الإطلاق بالمعنى المصطلح في المعاني الحرفية، و قد مر تفصيله‏ (1)، فيكون عدم إتيان القرينة على صرف الوجود أو الوجود الساري الإجمالي، قرينة على اللحاظ الثالث، غير مسموعة، لعدم بناء من العقلاء على ذلك.

بل في مثل قوله: «إن جاءك زيد فأكرمه» بناؤهم على عدم إكرامه إذا تكرر منه المجي‏ء، فلا تخلط بين القرائن و الارتكازات الخاصة.

و لو كان لآية الحج إطلاق من هذه الجهة، يلزم التقييد المستهجن، و هو في حكم التخصيص المستهجن. و لو كان الاستهجان لأجل العموم، لكان يلزم عدم التخصيص المستهجن مطلقا عند من يرى الحاجة في العمومات إلى مقدمات الحكمة أيضا (2)، فليتدبر.

هذا، و لو سلمنا أن المتكلم لا يلاحظ إحدى الوجودات، بل العقل يحكم بذلك على المكلف، فيكون الحكم لازم الماهية في الاعتبار، فهو أيضا لا يقتضي التكرار، كما لا يخفى، فتأمل.

ثم إنه لا ينبغي توهم: أن هذا المبحث هو البحث المحرر في المفاهيم، ضرورة أن ما هناك هو مسألة تداخل المسببات و الأسباب، و هو فيما لم يتخلل بين مصداقين من السبب امتثال.

و بعبارة أخرى: ما هناك حول أنه بعد مفروغية التكرار في ناحية المسبب، يصح الاكتفاء بالمرة، أو لا بد من الامتثالات، و هكذا في ناحية الأسباب، فهذا البحث أجنبي عن المباحث المحررة في المفهوم و المنطوق.

مع أن الجهة المبحوث عنها هنا، أعم من كون الجهة المقتضية للتكرار هي‏

____________

(1)- تقدم في الجزء الأول: 90- 93.

(2)- كفاية الأصول: 254- 255، أجود التقريرات 1: 440- 441، نهاية الأفكار 1: 509- 510.

207

الأسباب، أو سائر القيود التي تتكرر فتوجد و تنعدم، كما عرفت‏ (1).

و مما ذكرناه في الأمر الثاني، يعلم قضية الأصول العملية هنا، و هي البراءة فيما إذا كان الكلام قاصرا عن إفادة أحد الطرفين.

تنبيهان‏

التنبيه الأول: في إتيان الأفراد العرضية دفعة مع وحدة الأمر

إذا تعلق الأمر بالطبيعة القابلة للكثرة الطولية و العرضية، فجمع المكلف بين الأفراد العرضية، كما إذا قال: «أكرم العالم» و كان نفس إكرامه مسقطا لأمره، و ما كان يجب عليه إكرام كل عالم بوجه الانحلال المتصور في أمثال المقامات، فهل إكرام المجموع منهم دفعة واحدة، امتثال واحد؟

أو امتثالات كثيرة؟

أو هو تابع لقصد المكلف، فإن قصد الامتثال بالمجموع فهو امتثال واحد، و إن قصد الامتثال بكل واحد فهو امتثالات؟

أو لا امتثال رأسا؟

أما الاحتمال الأخير فهو في مفروض المسألة غير سديد. نعم إذا كان المستفاد من الدليل، وجوب إكرام فرد من العالم، كان للاحتمال الأخير وجه، بدعوى ظهوره في الفرد بشرط لا.

و أما دعوى: أن وجوب إكرام العالم، فيما إذا كان يسقط الأمر بأول المصداق، يرجع إلى اعتبار صرف الوجود و اعتبار ناقض العدم عرفا، و إن لم يمكن ذلك عقلا

____________

(1)- تقدم في الصفحة 199- 202.

208

في الطبائع، فإذا أقدم على إكرام مجموع العلماء، فوحدة الإكرام تقتضي وحدة الموضوع، و هو مجموع العلماء في لحاظ الجمع، و هو ليس بعالم، فلا يسقط الأمر، فهي غير مسموعة عرفا، لشهادة العقل بسقوط الأمر لإكرامه العالم قطعا.

و أما الاحتمال الأول، فهو مختار الوالد المحقق- مد ظله- معللا: «بأن كثرة الطبيعة و وحدتها بحسب الأفراد، لا تستلزم كثرة الأمر، و الامتثال الكثير تابع لكثرة الأمر، لتقومه به، دون الطبيعة، فالمجموع امتثال واحد، كما أن لهذا الأمر الساقط ثوابا واحدا، و في تركه عقابا واحدا» (1).

و أما الاحتمال الثاني، فهو مختار السيد الأستاذ البروجردي (قدس سره) حيث قال:

«بأن للطبيعة ليست وجودا واحدا، فيما إذا وجدت بالوجودات العرضية، فلا معنى لكونه امتثالا واحدا، نظير الواجب الكفائي، فإنه لو أتى به جماعة دفعة واحدة، فقد امتثلوا الأوامر المتعددة، لأن القول بأن لكثرة الطبيعة وجودا واحدا، في غاية الضعف» (2).

و أما الاحتمال الثالث، فهو منسوب في كلامه إلى العلامة الخراسانيّ (رحمه اللَّه)(3) و لعله كان في تقريراته، لأنه ليس في «كفايته» و لا يذكر تلميذه وجها له، بل استضعفه، و لعله استند في ذلك إلى أن بناء العرف على ذلك.

و سيظهر لك في التنبيه الثاني أن الامتثال من الأمور الاختيارية بحسب الارتكازات العقلائية، و أن الامتثال عقيب الامتثال جائز في الاعتبار، و أن التخيير بين الأقل و الأكثر ممكن، و هكذا مما يترتب على هذه المقالة (4)، فانتظر.

____________

(1)- مناهج الوصول 1: 290، تهذيب الأصول 1: 172.

(2)- نهاية الأصول: 124.

(3)- لاحظ نهاية الأصول: 124.

(4)- يأتي في الصفحة 211.

209

و الّذي هو التحقيق في المقام: أن الانحلال على قسمين:

أحدهما: ما يرجع إلى تعدد الأمر واقعا، و يكون لكل واحد من الأوامر امتثال، و عقاب، و ثواب، كما في مثل: «أكرم كل عالم».

و ثانيهما: ما يرجع إلى تعدد الأمر في ناحية الثواب، دون العقاب، فإن امتثل المجموع يتحقق الثوابان، و إن ترك لا يستحق إلا عقابا واحدا.

و هو فيما نحن فيه على عكس الواجب الكفائي، و ذلك لأن قوله: «أكرم العالم» لا بد له من مسقط، و لا يعقل كون أحد الإكرامات- معينا- مسقطا، و لا أحدها غير المعين، و لا المجموع، لأنه ليس وراء الآحاد خارجا.

فعليه يقال: لا منع من دعوى أن قضية قوله: «أكرم العالم» هو استحقاق المثوبات، لأن كل واحد من الإكرامات المتعلقة بالعالم، مورد طلبه بلا شبهة، لعدم ميز بينها، و يصح أن يحتج على المولى بأن كل واحد من هذه الإكرامات واجب، و موصوف بالوجوب، فإذا فرض جعل المثوبة على إكرام العالم، فيجب تكرارها، لتعدد الامتثال، فما أتى به القوم طرا، غير مقبول.

نعم، ما أفاده الأستاذ (رحمه اللَّه): من أنه الامتثالات في محله، و لكنه لم يبين وجهه، و لذلك يرد عليه ما أورده الوالد- مد ظله- عليه‏ (1).

ثم إنه غير خفي: أن مختار المحقق الخراسانيّ (قدس سره) لا يستلزم رفع الشبهة العقلية في المسألة، فإن البحث- على احتماله- يأتي فيما إذا قصد الامتثال بالكل، و أنه في هذا الفرض هل يتعدد الامتثال، أو لا يمكن؟ فلا تخلط.

فبالجملة: لا بد من الالتزام بأحد أمرين:

إما يكون المجموع امتثالا واحدا و هذا لا يمكن إلا بكون المجموع مورد

____________

(1)- مناهج الوصول 1: 290، تهذيب الأصول 1: 172.

210

الأمر و هو خلف.

و إما بكون الأمر ينحل- فيما إذا أتى بالأفراد العرضية- إلى الأوامر. و لكنها لا تستتبع العقابات، لعدم نشوئها عن الملاكات المختلفة و المتعددة.

فما ترى في كلام الوالد- مد ظله-: من دعوى الملازمة بين الأوامر المتعددة، و العقابات و الثوابات‏ (1)، فهي غير مسموعة، بل التعدد المستلزم لتعدد الملاك، يستلزم تعدد العقاب و الثواب.

و مما يدل على أن الأوامر المتعددة، لا تستلزم العقاب المتعدد إلا في الصورة السابقة: ما إذا أمر المولى بإكرام زيد، ثم غفل عن أمره و أمر ثانيا بذلك، فإن الأمر الثاني مع الغفلة عن الأمر الأول، لا يكون تأكيدا، بل هو يقع تأسيسا، لأنه يريد بالإرادة الجديدة وجوب إكرامه، فإذا امتثل الأمرين بإكرامه، لا يستحق إلا ثوابا واحدا، و لا يعاقب إلا مرة واحدة عند التخلف عنهما، فإذا أمكن الجمع بين الإكرامين، فقد امتثل الأمرين، و يستحق الثوابين و الجعلين، لأن كلامه يقتضي ذلك، و قضية الأدلة هو التعدد.

فلو كان لا يريد إلا ثوابا واحدا، يجب عليه جعل القانون على وجه لا يستحق المكلف- حسب المتفاهم العرفي- ثواب آخر زائدا عليه، فإتيانه الطبيعة متعلق الأمر يورث الاستحقاق الأكثر، و لا يستحق عند التخلف إلا العقاب الواحد.

إذا تبين ذلك تبين: أن في المسألة امتثالات كثيرة، و عقابا واحدا، ضرورة أن العقاب بحكم العقل و العقلاء، و هو في المثال المزبور واحد قطعا، لعدم جعل العقاب على ترك الامتثال فرضا، و أما تعدد الثواب فهو تابع لما يستظهر من إطلاق جعله، فلا تخلط.

____________

(1)- مناهج الوصول 1: 290، تهذيب الأصول 1: 172.

211

التنبيه الثاني: في الامتثال عقيب الامتثال‏

المشهور المعروف امتناع الامتثال عقيب الامتثال‏ (1)، و في «الكفاية» تفصيل‏ (2) لا ينبغي أن يصغى إليه.

وجه الامتناع واضح، ضرورة أن معنى أن الأمر متعلق بالطبيعة، مع كون الغرض وجودها الصرف، سقوط الغرض و الأمر بإتيانها، و معنى الامتثال الثاني كون الغرض وجودها الساري، و هو خلف و تناقض. أو معناه تعدد الأمر بلا ملاك. أو الامتثال بلا أمر، و هكذا مما لا يمكن الالتزام به.

و أما تخيل أن المولى إذا أمر بإتيان الماء للوضوء و الشرب، فأريق الماء بعد الامتثال، فإنه يجب عليه الامتثال ثانيا، لبقاء الغرض‏ (3)، فهو مخدوش من جهات عديدة، لا نحتاج إلى رفع نقابها.

و الّذي هو التحقيق: أن الامتثال متقوم بالأمر، و لا معنى لصدق الامتثال إذا كان غرض المولى معلوما، فإن وجوب القيام بالغرض المعلوم، لا يكون ملازما لصدق الطاعة و الإطاعة و الامتثال. هذا أولا.

و ثانيا: ليس هذا الأمر المتعلق بالطبيعة، ساقطا بالامتثال، فإنه لا معنى للسقوط إلا إذا رجع إلى قصور الأمر عن الباعثية لتمامية الغرض، و إلا فالأمر المتعلق بالطبيعة، باق في عالمه الإنشائيّ أبدا.

____________

(1)- منتهى الأصول 1: 242، مناهج الوصول 1: 304- 305، محاضرات في أصول الفقه 2: 225.

(2)- كفاية الأصول: 102- 103 و 107.

(3)- كفاية الأصول: 103.

212

و ثالثا: الأغراض الموجبة لصدور الأمر مختلفة:

فمنها: ما هي بسيطة غير ذات مراتب، كما إذا تعلق غرض المولى بقتل زيد و ضربه، فإنه عند تحقق القتل و الضرب لا غرض له باق، و إن كان يمكن تصويره ثبوتا، و لكنه غير باق حسب المتعارف.

و منها: ما هي ذات مراتب، كغرضه المتعلق بإكرام الفقير و المسكين، فإن الأمر الصادر منه و إن كان- بلحاظ بعض الجهات الاخر- غير منحل إلى الأوامر، لكونه متعلقا بنفس الطبيعة، كما هو مفروض البحث، و لكنه لا يسقط الغرض بمجرد إكرام الفقير، فإنه في نفسه طالب لإكرامه بوجه أحسن مثلا، فلا يسقط الغرض رأسا.

فإذا تبين لك هذه الأمور، يتضح لك: أن ما تعارف بين العقلاء من تبديل المصداق بالمصداق الأحسن بعد الامتثال، لما له من الوجه العقلي أيضا، ضرورة أنا إذا راجعنا وجداننا، نجد جواز تبديل الدرهم المغشوش بالدرهم الخالص، و أنه بذلك يكون أقرب إلى مولاه في القيام بوظيفته بالقطع و اليقين، و ليس ذلك إلا لأن الامتثال لا يستلزم سقوط الأمر، بل هو يستلزم سقوط الغرض الإلزاميّ، و لكن الأمر باق بحاله.

هذا هو التقريب الّذي لا منع من الالتزام به في صلاة الجماعة.

و لكن بعد المراجعة لتلك الأدلة، يظهر وجه آخر منها ذكرناه في كتاب الصلاة (1): و هو أن الأمور الاعتبارية بيد من له الاعتبار، و بيد المقنن النافذ في كلمته، فإذا فوض الأمور إلى المكلفين، فيكون اعتبارهم نافذا، و الأمر في الامتثال عقيب الامتثال من هذا القبيل، فإنه إذا أتى بصلاة الظهر، فهو بالخيار بين الإعادة،

____________

(1)- لم نعثر عليه في مباحث الصلاة الموجودة لدينا.

213

و جعل ما أتى به تسبيحا، و بين اعتبار ما أتى به فريضة، فإن الأمر إذا كان كذلك فلا يحتاج في الامتثال الثاني إلى الانحلال المفروض عدمه، بل له إعادة الأمر الساقط، و إتيان الفرد الآخر، لأن الغرض غير ساقط، و إعادة الأمر اعتبار بيد المكلفين.

فتحصل: أن هنا طريقين لتصوير الامتثال عقيب الامتثال:

أحدهما: متفرع على أن الأمر الأول لا يسقط رأسا، بل الساقط غرض إلزامي.

ثانيهما: أن الأمر الأول يسقط، و لكن للعبد اعتبار عوده، للإتيان بالمصداق الأتم.

و لو أريد الامتثال عقيب الامتثال، مع وحدة الأمر شخصا، و انعدامه بالامتثال الأول، فهو مستحيل. و لكنه ليس مقصودهم، بل المتبادر من المنكرين، هو أن الأمر المتعلق بالطبيعة يسقط، و لا يعقل له الوجود ثانيا حتى يعتبر الامتثال مكررا، و أنت عرفت ما فيه‏ (1)، فلا تخلط.

فبالجملة: قد توهم الأصحاب- (رضوان اللَّه تعالى عليهم)- سقوط الأمر، و امتناع عوده، فحكموا بامتناع الامتثال عقيب الامتثال، لأن معنى الامتثال عدم الأمر، و معنى الامتثال عقيب الامتثال وجوده، و هو تناقض.

و أنت بعد ما أحطت خبرا بما أشرنا إليه، عرفت إمكانه، بل وقوعه في الشريعة، كما هو صريح الأخبار في المعادة (2)، و لذلك قوينا أن الصلاة المعادة تكون على صفة الوجوب، كما هو المفتي به في كلام بعض فقهاء العصر (3)، فراجع.

____________

(1)- تقدم في الصفحة 211- 212.

(2)- وسائل الشيعة 8: 401 كتاب الصلاة، أبواب صلاة الجماعة، الباب 54.

(3)- لاحظ ما علقه السيد الحكيم (رحمه اللَّه) على العروة الوثقى: 284، (دار الكتب الإسلامية 1397) و مستمسك العروة الوثقى 7: 376.

214

ثم إنه غير خفي: أن المقصود ليس إثبات إمكان الامتثال عقيب الامتثال في جميع الأوامر بل المقصود إثبات إمكانه في الجملة.

و إن شئت قلت: قضية الوجه الأول جواز الامتثال عقيب الامتثال، و مقتضى الثاني جواز تبديل الامتثال بالامتثال الآخر، فتدبر.

إن قلت: على الوجه الأول يلزم الانحلال، و هو خلف.

قلت: كلا، فإن الانحلال الخلف، هو انحلال التكليف الوجوبيّ إلى التكاليف الكثيرة، حسب الأفراد و المصاديق، و التكليف فيما نحن فيه لا ينحل.

نعم، لا يسقط باعثيته، لبقاء الغرض غير اللازم استيفاؤه. و لو استوفي فلا يبقى له الباعثية في مرحلة الامتثال الثالث مثلا، و هذا شاهد على عدم الانحلال.

ثم إن في المسألة (إن قلت فلتات) ترجع إلى مباحث الفقه، و تكون خارجة عن كبراها، و من شاء فليرجع إليها.

215

المقام الثاني في الفور و التراخي‏

اعلم: أنه لا يوجد أحد يقول بدلالة الهيئة، أو المادة، أو ما يقوم مقام الهيئة الأمرية- كهيئة المضارع مثلا- على التراخي، بل الأمر دائر بين دعوى الدلالة على الفور، و عدم الدلالة عليه، و تكون النتيجة التراخي، فما يظهر من العنوان في غير محله.

و لا يوجد أيضا أحد يدعي دلالة أحدهما أو المجموع منهما- بناء على احتمال دلالة ثالثة لهما بالوضع الآخر- على الفور و لو كانت القرينة على خلافه.

و لا أظن التزام أحد بوجوب الفور و المبادرة إلى الواجب فيما كان من الواجبات الموسعة، ضرورة أن مقدمات الإطلاق تنفي ذلك.

فالبحث و الكلام في المقام، حول الأوامر الصادرة عن الموالي الخالية عن الأغراض.

نعم، يمكن دعوى دلالة بعض الآيات الآتية على وجوب المبادرة حتى في الواجبات الموسعة، و لكنه بحث آخر خارج عن الجهة المبحوث عنها هنا، و سيأتي‏

216

الإيماء إليه إن شاء اللَّه تعالى‏ (1).

إذا عرفت ذلك، و أحطت خبرا بمورد النزاع، و محل التشاح، فاعلم: أن المشهور المعروف بين الأعلام و المحققين، عدم دلالة الهيئة و المادة على الفور (2)، كما عرفت في المرة و التكرار (3). و مجرد إمكان الاستعمال غير كاف، كما إن مجرد إمكان دعوى دلالة الهيئة فقط أو المادة فقط على الفور، غير كافية.

مع ان في إمكان دلالة المادة على الفورية إشكالا، بل منعا، فلو أمكن لأحد دعوى الوضع للفور، فهو في جانب الهيئة، فإنها كما تدل على الطلب، تكون ظاهرة- لأجل فهم العرف الكاشف عن الوضع- على لزوم المبادرة.

و يمكن دعوى دلالتها على استحباب المبادرة، و لزوم أصل الطبيعة.

و لكن الخبير الواقف على أطراف المسألة، و موارد الاستعمالات، يعلم بضعف هذه الدعاوي، و عدم إمكان الالتزام بها وضعا، للزوم المجاز في كثير من الاستعمالات، فالدلالة الوضعيّة منتفية جدا.

بقي الكلام فيما يمكن أن يكون وجها للفورية عقلا، أو نقلا، أو عرفا، و هي أمور:

أحدها: ما اختاره شيخ مشايخنا (رحمه اللَّه) في مجلس بحثه، قياسا بين العلل التكوينية و التشريعية، و أن هذه المقايسة تورث قوة ظهور الأمر في عليته لتحقق الطبيعة، فلمكان عدم الانفكاك بينهما يتعين الفورية (4). و احتمله العلامة الأراكي‏ (5).

____________

(1)- يأتي في الصفحة 220.

(2)- كفاية الأصول: 103، أجود التقريرات 1: 193، مقالات الأصول 1: 258، تهذيب الأصول 1: 173.

(3)- تقدم في الصفحة 199- 200.

(4)- انظر مناهج الوصول 1: 291، تهذيب الأصول 1: 173.

(5)- بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي) الآملي 1: 251.

217

و أنت قد أحطت خبرا بما في تقريبه، و لا زائد عليه.

ثانيها: المراجعة إلى الأوامر العرفية، و مراعاة الجهة المقتضية للأمر- من الاحتياج إلى المأمور به في الموارد الكثيرة- تعطي الظهور الثانوي العرفي في الفورية. و لو كان المولى في مقام البعث إلى الطبيعة فقط دون فوريتها، لما كان وجه معتد به في المبادرة إلى الأمر، فإن عند ذلك يعلم: أن الغرض فوري.

فزمان الأمر يورث ظهوره في الفورية، دون الهيئة و المادة، و لذلك إذا قال المولى لعبده: «أكرم زيدا، و اضرب عمرا» و ترك ذلك إلى زمان، معتذرا بعدم دال على الفورية، فله المؤاخذة، و هذا هو المتعارف فعلا بين الموالي و العبيد.

أقول: كنت في سالف الزمان نؤيد هذه المقالة، ظنا أن الأوامر المتعارفة بين العباد و الموالي، مبنية على الفور، كما هي مبنية على الوجوب. و لكن الّذي يظهر لي أن سر ذلك أمران:

أحدهما: تصدي المولى للأمر عند الحاجة إلى المأمور به.

ثانيهما: أن المولى العرفي يصاحب عبده، فلا وجه للمبادرة إلى الأمر.

و عند انتفاء ذلك فلا دليل على الفورية، و لذلك إذا كان يريد السفر فيصدر الأوامر، فإنها ليست على الفور، و الأمر في القوانين الكلية الإلهية مثله.

مع عدم احتياجه إلى المأمور به، فالمقايسة بين الأوامر العرفية و الأوامر الواقعة في الشريعة في غير محلها، كالقياس بين التكوين و التشريع، فما ترى من العلامة المحشي الإيرواني هنا (1) غير سديد، فلو ورد الأمر بالصلاة عند الكسوف و الخسوف و الزلزلة و هكذا، فلا ظهور له في الفورية العرفية.

ثالثها: أن إطلاق الأمر كما يقتضي الوجوب و النفسيّة، يقتضي الفورية، لتعارف ذكر التراخي بالقيود الوجودية، فإذا كان الكلام فاقدا لها فيستفاد منه‏

____________

(1)- نهاية النهاية 1: 116.

218

الفورية، للقرينة العدمية، و هي عدم ذكر القرينة على التراخي، كما سلف في أمثاله‏ (1).

و فيه: أنه يتم في الأوامر العرفية إمكانا، و لكنه غير تام في القوانين الكلية التي هي المقصود بالأصالة، فهذا المتعارف هناك ممنوع.

و لزوم عدم خروج القوانين الإسلامية عن المتعارف بين الموالي و العبيد في الطريقة، صحيح لو كان الأمر عرفا كذلك في القوانين العرفية، و لكنه غير ثابت جدا، فإذا ورد الأمر بالقضاء بعد مضي وقت الأداء، فلا شاهد على المضايقة، و هكذا ما ورد في الضمانات و الدّيات.

رابعها: إذا كان الوجوب مستفادا من الأمر، و كان الأمر حجة تامة من المولى، فأخر العبد، و لم يتمكن من الإتيان، فقد ترك المأمور به الفعلي بلا عذر.

و بعبارة أخرى: ترك الواجب الموسع في الوقت، لا يورث استحقاق العقوبة، بخلاف ترك الواجب في غير الوقت، فإنه ترك بلا حجة.

و فيه: إذا فرضنا قصور الدليل الاجتهادي عن إثبات الفورية، فلا معنى لصحة الاحتجاج على العبد، و يكون اعتذاره بعدم وجوب المبادرة، مقبولا و لو احتمل عدم تمكنه من إتيانه بعد مضي برهة من الزمان.

خامسها: لو أمكن الالتزام بجواز التراخي، للزم الالتزام بجواز التأخير على الإطلاق، لعدم إمكان التفكيك، فيلزم ترخيص ترك الواجبات غير الموقتة، معتذرا بأنها ما كانت مبنية على الفور، فلا بد من الالتزام بالفورية، فلو نذر أن يصلي ركعتين، فالأمر المتوجه إليه بالوفاء بالنذر يورث المبادرة، و إلا يلزم جواز تركه إلى أن يموت، فإذا سئل «لم تركت الوفاء بالنذر؟» فيجيب ب «أنه ما كان واجبا على الفور» و هكذا.

أقول: و أنت خبير بما تقرر في محله: من دلالة بعض الأخبار على عدم‏

____________

(1)- تقدم في الصفحة 202- 204.

219

جواز التراخي إلى حد التهاون بالتكليف‏ (1). هذا أولا.

و ثانيا: لا تلازم بين الفورية و عدم التراخي، لأن مرتكز العقلاء على جواز التأخير إلى حد، لا مطلقا كما لا يخفى.

سادسها: الأغراض بحسب الثبوت مختلفة:

فمنها: ما يكون مبنيا على الفور بنحو وحدة المطلوب.

و منها: ما يكون على الفور بنحو تعدد المطلوب. و هذا على وجهين:

أحدهما: ما يكون على نعت الفور فالفور.

ثانيهما: ما يكون على نعت التراخي بعد الفور.

و منها: ما يكون بنحو التراخي العرفي. و ربما يمكن أن يكون الغرض بنحو التراخي العقلي، فلا يسقط بموته.

فإذا ورد الأمر الخالي عن القرائن ففيه الاحتمالات، و منها: أنه إذا تركه فقط عصى، و فوت على المولى مصلحته، و عند ذلك قد أخل بالواجب، فهل يجوز ترك المبادرة عقلا بعد تمامية الحجة على أصل الوجوب قطعا؟! كلا.

أقول: هذا من صغريات الأقل و الأكثر، فإن الإخلال بالأكثر ربما يؤدي إلى ترك المأمور به رأسا، و لكنه مع ذلك لا يقتضي وجوبه، فأصل وجوب الأقل معلوم، و الزائد منفي بالبراءات الثلاث: العقلية، و العرفية، و الشرعية.

نعم، بناء على الاحتمال المزبور، لا قطع ببقاء الأمر، و لكن قضية العقل هو الاشتغال.

اللهم إلا أن يقال: بأن المتعارف ذكر تعدد المطلوب أو الوحدة المتقيدة بالفورية مع القرينة، و عند الإطلاق يعلم: أن الواجب مبني على التوسعة، فيكون الأمر باقيا، فليتأمل.

____________

(1)- وسائل الشيعة 4: 23 كتاب الصلاة، أبواب أعداد الفرائض، الباب 6.

220

سابعها: قوله تعالى: فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ* (1) فإن الواجب من الخيرات، فلا بد من الاستباق إليه، و هو الفور.

و فيه احتمالات- حسب المادة و الهيئة- كثيرة. و الالتزام بوجوب الاستباق في الواجبات، و بالندب في المندوبات- كما في الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، فإن الآية الشريفة (2) تورث وجوب الأمر بالمعروف الواجب، و مندوبية الأمر بالمعروف المستحب- بمكان من الإمكان، على ما تقرر في الهيئات‏ (3)، فلا إجمال في الهيئة كما توهم‏ (4).

و حملها على الإرشاد (5)، كحمل الهيئة المورثة لوجوب الأمر بالمعروف على الإرشاد، فكما أن الثاني غير جائز، كذلك الأول. و مجرد موافقة العقل و الارتكاز، غير كاف للحمل المذكور. هذا كله بحسب الهيئة.

و أما بحسب المادة، فكما يحتمل إرادة الاستباق بين الأفراد في الواجب الكفائي الّذي يفوت محله بقيام أحد به، يحتمل إرادة الاستباق بحسب قطعات الزمان و أفراده، قبال التهاون، فيريد استعجال الناس في القيام بالخيرات.

و يحتمل المجموع، لأن المقصود هو السبق إلى الخيرات بجلب المنافع و الثمرات، فما يظهر من القوم‏ (6) و الوالد المحقق- مد ظله- (7) في غيره محله.

____________

(1)- البقرة (2): 148، المائدة (5): 48.

(2)- وَ لْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ‏. آل عمران (3): 104.

(3)- تقدم في الصفحة 81- 82 و 96- 99.

(4)- مناهج الوصول 1: 293.

(5)- نهاية الأفكار 1: 219.

(6)- محاضرات في أصول الفقه 2: 214- 215.

(7)- مناهج الوصول 1: 293.

221

و لو سلمنا أن مادة «الاستباق» ظاهرة في سبق بعضهم لبعض، كما في قوله تعالى:

وَ اسْتَبَقَا الْبابَ‏ (1) و لكن لا ريب في أن النّظر في الآية إلى الأمر بجلب الخيرات سريعا عاجلا، و الإقدام بالاستعجال إليها، بإلغاء خصوصية السبق.

و توهم التخصيص الكثير بالواجبات الموسعة الموقتة و المستحبات‏ (2)، غير سديد، لعدم ثبوت كثرتها إلى حد الاستهجان.

و لكن بعد اللتيا و التي، لا يمكن استفادة الوجوب منها، لإباء مادتها، و لتناسب الحكم و الموضوع مع الاستحباب، دون الإلزام و الوجوب المولوي، و اللَّه العالم.

ثامنها: قوله تعالى: وَ سارِعُوا إِلى‏ مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ‏ (3) فإن المغفرة أعم مما في التفاسير من الاختلاف الشديد، فإنها هي سبب الغفران، أي هي نفسها، فيلزم من الأمر بها الفحص عن أسبابها المؤدية إليها، و منها الواجبات و المندوبات، فيكون الفور في الأولى واجبا، و في الثانية مندوبا، حسب اقتضاء المتعلقات على ما عرفت في السابق‏ (4).

و دعوى: أن هيئة المفاعلة، ناظرة إلى تسارع بعضهم على بعض في الخيرات و المبرات و الواجبات و المندوبات الكفائية المشتركة بين الأفراد، كبناء المساجد، و الآبار، و القناطر و هكذا (5)، غير مسموعة، لكثرة استعمال هذه الهيئة في المعنى المجرد، حتى قيل: بأنها موضوعة لخلاف ما اشتهر فيها (6). و بإلغاء الخصوصية يمكن استفادة العمومية لو سلمنا الاختصاص، أو فرضنا الشك في الموضوع له، كما

____________

(1)- يوسف (12): 25.

(2)- كفاية الأصول: 103، نهاية الأفكار 1: 219.

(3)- آل عمران (3): 133.

(4)- تقدم في الصفحة 220.

(5)- مناهج الوصول 1: 293.

(6)- حاشية المكاسب، الأصفهاني 1: 2- السطر 7.

222

هو الأظهر، فليتدبر.

أقول: قضية المتبادر من المغفرة، سبق الذنب و العصيان عرفا، و حيث لا ذنب فلا فور في طلب المغفرة، فلا يثبت المطلوب، أي لا موضوع للمغفرة. مع أن الواجبات ليست أسباب المغفرة للذنوب إلا أحيانا، كما لا يخفى، فالآية أجنبية عن هذه المسألة.

نعم، يمكن توهم دلالة الآية الأولى على الفور، فإذا عصى فتدل الثانية على الفور فالفور، لتحقق موضوعها، فتأمل جيدا.

ذنابة: في منع دلالة الأمر على الفور فالفور

بناء على دلالة الأمر على الفور، ففي دلالته على الفور فالفور- ثبوتا و إثباتا- إشكال، بل منع. و يظهر النّظر بعد التدبر في أن الأغراض تختلف:

فمنها: ما هو المقيد، فيكون في الزمان الثاني مبغوضا مثلا.

و منها: ما يكون القيد فيه مطلوبا ثانيا في المرتبة الأولى، دون الثانية، فيكون الفورية مطلوبة في الزمان الأول، و أصل الطبيعة مطلوبة في الزمان الثاني، من غير تقييد بالفورية.

و منها: ما يكون القيد مطلوبا في جميع الأزمنة على صفة الوجوب.

و منها: ما يكون مطلوبا على صفة الندب.

فمن يرى دلالة الأمر على الفور (1)، لا يتمكن من إثبات الفور فالفور بمجرد إثبات تعدد المطلوب، كما أشير إليه، فما في «الكفاية» و غيرها من توهم: أن الفور فالفور متفرع على إثبات تعدد المطلوب‏ (2)، غير وجيه.

____________

(1)- تقدم في الصفحة 216، الهامش 2.

(2)- كفاية الأصول: 104، تهذيب الأصول 1: 176.

223

فلا بد من دعوى: أن الهيئة تدل وضعا أو إطلاقا أو غير ذلك، على تعدد المطلوب بسبيل الفور فالفور، و أنى له إثبات مثل ذلك؟! و يمكن دعوى عدم معقوليته، لأن تصدي الخطاب الواحد للأمرين المترتبين طولا المقيد ثانيهما بعصيان الأول، غير ممكن.

اللهم إلا أن يقال: باستعمال الهيئة في الأكثر من معنى واحد، فيكون في الآن الأول واجبا تنجيزيا، و بالنسبة إلى حال العصيان واجبا معلقا، لا مشروطا، أو يكون منجزا، و العصيان شرطا متأخرا.

و يمكن دعوى: أنه باستعمال الهيئة في المعنى الواحد، و باختلاف النسب و المتعلقات- كما عرفت فيما مضى‏ (1)- يثبت الوجوبان: المنجز، و المعلق، من غير لزوم اعتبار الجامع بين الوجوبين، حتى يقال بامتناعه في المعاني الحرفية.

تتمة: في أن العصيان بحسب الآنات أو الأزمنة

بناء على الفور فالفور، فهل العصيان بحسب الآنات، أو بحسب الأزمنة القابلة لوقوع الواجب فيها؟

مثلا: إذا كانت صلاة الزلزلة واجبة فورا ففورا، فهل مجرد التأخير محرم، فيكون في زمان قصير محرمات كثيرة أو لا بد من كون الزمان قابلا لوقوع الواجب فيه، فيلزم مثلا في نصف ساعة، ارتكاب المعصية خمس مرات أو يختلف باختلاف الأشخاص في صلواتهم.

و هذه المسألة مشكلة جدا، و ما وجدنا في كتبهم من تعرض لهذه الجهة، و تحتاج إلى مزيد تأمل خارج عن الكتاب.

____________

(1)- تقدم في الصفحة 220.

224

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

225

المقام الثالث حول متعلق الأوامر، و ما يتعلق به الأمر في مقام الإنشاء و الجعل‏

فاعلم: أنه قد يظهر من بعضهم أن المسألة لغوية، و أن البحث يكون حول مفاد الهيئة، و ما يقوم مقامها، كالإشارة، و الجمل الخبرية، و أنها هل هي موضوعة لطلب الوجود و الإيجاد، أو هي موضوعة للتحريك الاعتباري، و البعث إلى جانب المادة المتعلقة له؟ (1).

و أما احتمال كون المواد موضوعة للطبائع بما هي موجودة، أو لا موجودة، فهو باطل، و إلا يلزم المجاز في سلب الوجود عنها، و حمل العدم عليها، فهي- أي المواد- خالية بالقطع و اليقين من كونها موضوعة للطبيعة الموجودة، أو المعدومة، أو هما معا في اللحاظ.

فالصلاة و الصوم و الضرب، موضوعة لنفس الطبائع، من غير إشراب مفهوم‏

____________

(1)- الفصول الغروية: 107- السطر 37.

226

الوجود و العدم، كما يومئ إليه الإجماع المحكي‏ (1) عن السكاكي: من أن المصدر الخالي من اللام و التنوين، موضوع للطبيعة اللابشرط (2).

و ربما يظهر من بعضهم: أن البحث هنا حول أن المطلوب ما ذا في الأوامر، بل و في النواهي؟ و لا يكون البحث حول مسألة إنشائية لفظية، بل البحث حول الفحص عن المطلوب، و أنه هل هو إيجاد الطبيعة و وجودها، أو نفسها؟ (3) و عن ثالث احتمال الثلاثة، و أن البحث حول أن المتعلق أو المطلوب، هو الوجود المضاف إلى الطبيعة، أو فردها، أو نفسها؟ لما تقرر من الفرق بين وجود الطبيعة و فردها، فإن وجودها عار من جميع الخصوصيات المفردة، و فردها مشتمل على جميع الخصوصيات المفردة من المقولات التسع العرضية.

و ربما يقال: كما في كلام العلامة المحشي (رحمه اللَّه): «إن المسألة عقلية، و نشأت من أن الطبائع بنفسها في الخارج، أو بمصداقها و بفردها، أو هي ناشئة من بحث أصالة الوجود و الماهية جعلا، لا تحققا، فإن كانت الماهية متعلق الجعل، فهي مورد الأمر، و إن كان الوجود أصلا في الجعل، فهو متعلق الأمر» (4) و هكذا من الأقاويل المشروحة في المطولات‏ (5).

و الّذي لا يكاد ينقضي منه تعجبي، أن المادة عند المحققين، ليست موضوعة إلا لنفس الطبيعة، و الهيئة ليست إلا للبعث نحوها و التحريك إلى جانبها (6)، أو لإيقاع‏

____________

(1)- قوانين الأصول 1: 121- السطر 22، كفاية الأصول: 100.

(2)- مفتاح العلوم: 93.

(3)- قوانين الأصول 1: 121- السطر 19، كفاية الأصول: 171 نهاية النهاية 1: 196.

(4)- نهاية الدراية 2: 253- 256.

(5)- لاحظ فوائد الأصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 417، نهاية الأفكار 1:

380- 381.

(6)- تهذيب الأصول 1: 346.

227

النسبة (1)، أو للطلب الفارغ عن قيد الوجود و العدم‏ (2)، فإذا تعلقت الهيئة بالمادة، و لم يكن هناك وضع على حدة، فمن أين جاء مفهوم الوجود في الأوامر، و مفهوم العدم في النواهي؟! و أما إرجاع البحث من مقام الإنشاء و الاستعمال، إلى مقام الإرادة و الطلب النفسانيّ‏ (3)، فهو في غاية الفساد، لأن ما هو متعلق الأمر في مقام الإثبات، لا يمكن أن ينقلب إلى أمر آخر، فما هو المأمور به، ليس إلا الطبيعة بحسب مقام الإنشاء.

و لو اقتضى البرهان أن المقصود الأصلي أمر آخر غيرها، و يكون من لوازمها، فهو لا يستدعي تعلق الأمر به في مقام الجعل قطعا.

و بعبارة أخرى: الخلط بين متعلق الأوامر و النواهي، و بين ما هو المطلوب الذاتي و المقصود الأصلي، أحدث هذه الغائلة بين أربابها و أصحابها، و إلا فالأمر هو الهيئة، و متعلقها هي المادة، و لا شي‏ء وراء هذين الأمرين، فما وجه هذا التشاح، و النزاع الطويل ذيله، و العديم نفعه؟! و هكذا توهم: أن متعلق الأمر هو الفرد بمفهومه و عنوانه، لا بواقعيته و خارجيته، فإنه لا يكون متعلق الأمر، و لا ذاك أيضا، لأن الطبيعة لا تكون حاكية إلا عن معناها.

نعم، للآمر أن يبعث تارة: إلى وجود الطبيعة، فيقول: «أوجد الضرب» و أخرى: إلى فرده فيقول: «أوجد فردا من الضرب» بإلغاء خصوصية الوجود الملحوظ مع الهيئة، و ثالثة: إلى الطبيعة نفسها فقط.

____________

(1)- فوائد الأصول 1: 129.

(2)- كفاية الأصول: 90- 91.

(3)- أجود التقريرات 1: 211- 212، انظر بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي) الآملي 1: 405.

228

فتحصل: أن الجهة المبحوث عنها هنا، هي أن متعلق الأمر و النهي ما ذا؟ و هو تابع لما جعله المتكلم موردهما و مصبهما، و لا يعقل الانقلاب في مقام الإثبات، فلا وجه لهذا النزاع.

نعم، هنا نزاع آخر: و هو أن المطلوب الأصلي، و ما يتعلق به الشوق، هل هو ما تعلق به الأمر و النهي ظاهرا، أم هو أمر آخر من الوجود و الفرد؟ فافهم و اغتنم.

ثم إن توهم كون النزاع عقليا، في غاية السقوط، ضرورة أن المسائل العقلية المشار إليها، بعيدة عن أذهان المحققين، فضلا عن غيرهم.

نعم، فيما جعلناه مطرحا للبحث يمكن، دعوى: أن المطلوب هو الوجود ارتكازا، و هذا من الشواهد على أصالة الوجود، كما يأتي‏ (1).

و أما توهم: أن النزاع لغوي، فهو أفحش، ضرورة أن المتبادر من المادة ليس إلا نفس الطبيعة، و الهيئة ليست إلا لأحد الأمور المشار إليها، من البعث، و التحريك، و الطلب، و إيقاع النسبة، من غير إشراب الوجود فيها. و لذلك ترى أن المرتكز العقلائي في شرح قولنا: «اضرب زيدا» هو أطلب وجود الضرب، أو إيجاده، أو أبعث إلى الإيجاد و هكذا، فيكون الوجود داخلا في المتعلق، مع أن الضرورة قاضية بعدم اشتمال الطبيعة على الوجود، فهذا التفسير ناشئ من المطلوب النفسانيّ، دون الطلب الإنشائيّ، فلا تخلط.

إذا عرفت ذلك، و أحطت خبرا بضعف ما قيل أو يقال في المقام، و تخليط الأعلام بين مقام الثبوت و الإثبات، فلا بد من الإشارة إلى شبهة عقلية في المسألة على جميع التقادير، و لعلها أورثت ذهاب جمع غفير إلى صرف الظهور في مقام‏

____________

(1)- يأتي في الصفحة 230- 231.

229

الإثبات، و الالتزام بأن متعلق الأمر ليس ما هو المأخوذ فيه ظاهرا (1): و هو أن المحتملات و الأقوال في متعلق الأوامر و النواهي متعددة و مختلفة، و الكل لا يخلو عن شبهة. و الحق: كون المتعلق نفس الطبيعة، كما هو مختار الوالد المحقق- مد ظله- (2) و السيد الأستاذ البروجردي‏ (3)، و هو الظاهر من «الدرر» (4).

و الشبهة: هي أن الطبيعة من حيث هي، غير وافية بالغرض، و غير شاملة للمصلحة، فإن المصالح من آثار الوجود، فكيف يعقل كونها متعلق الأمر؟! فبحكم العقل متعلقه الإيجاد و الوجود، دون الطبيعة، و دون الفرد، لخروج الخصوصيات عن الأغراض.

و ربما يجاب أولا: بالنقض بأن الطبيعة بوجودها الخالي من خصوصيات مفردة في هذه النشأة، غير مشتملة على المصلحة، و لو أمكن فرض التخلية هنا، لأمكن هذا الفرض هناك أيضا.

و ثانيا: أنها و إن كانت من حيث هي ليست إلا هي، لا مطلوبة، و لا لا مطلوبة، و لكنها- بلحاظ خارج عن ذاتها- يتعلق بها الطلب، و لا يلزم تعلق الطلب بوجودها، فما ترى في كتب القوم غير خال من التحصيل.

بل الحق: أن متعلق الإرادة و العلم و الشوق و الميل النفسانيّ، ليس إلا تلك الماهية، لا الأمر الزائد عليها في اللحاظ الأول.

نعم، في اللحاظ الثاني توصف ب «أنها كذا و كذا» فلأجل كون هذه الأمور من الأوصاف ذات الإضافة، لا يلزم كون طرف الإضافة غير ذات الماهية، ففي الأمر

____________

(1)- نهاية الأفكار 1: 380- 381، منتهى الأصول 1: 268، محاضرات في أصول الفقه 4:

12- 13.

(2)- مناهج الوصول 2: 65، تهذيب الأصول 1: 343.

(3)- نهاية الأصول: 240- 241.

(4)- درر الفوائد، المحقق الحائري: 148- 151.

230

و النهي أيضا كذلك.

و لو قيل: إن الطبيعة المبعوث إليها، قابلة للوجود في الذهن و الخارج، فلو كان مراد المولى و مطلوبه، نفسها الأعم من الوجود في النشأتين، يلزم كفاية تصورها الذهني في سقوط الأمر.

و إن كان المراد وجودها الخارجي، فيختلف متعلق الأمر و المطلوب الحقيقي، فإن الأول هي الماهية، و الثاني وجودها الخارجي، و هو خلاف الظاهر من الدليل الناطق: بأن المطلوب ما تعلق به الأمر و البعث من حيث هو هو، فعليه لا بد من التصرف فيما تعلق به الأمر، و جعل المتعلق وجودها الخارجي بمفهومه الاسمي مثلا، كما يأتي‏ (1).

هذا مع أن الطبيعة من حيث هي و إن كانت قابلة لتعلق الطلب بها، فتصير مطلوبة بالأمر الزائد على ذاتها، و لكنها خالية من الصلاح و الفساد، فكيف يتعلق بها الأمر و النهي؟! فعليه يكون ما هو المتعلق في مرحلة الإنشاء و الإثبات، غير ما هو المطلوب و المقصود في مرحلة الثبوت و الإرادة.

أقول: قضية ما تحرر منا في تحرير محل النزاع، أن المراد من متعلق الأمر، ليس إلا ما تعلقت به الهيئة في مقام الإنشاء، لعدم إمكان تعلق الأمر بشي‏ء في مقام الثبوت، لأنه ليس من الأمور التي كانت له مرحلتان: مرحلة الثبوت، و الإثبات، بل هو منحصر بمرحلة واحدة، و هي الإثبات، فلا يعقل في مثل «صل» و «اضرب» إلا أن يتعلق الهيئة بالمفهوم الكلي، و الأمر الاعتباري و الطبيعي، و لو شاء الآمر أن يتعلق أمره بشي‏ء آخر غير ذلك، فعليه أن ينشئ بوجه آخر، كما مضى سبيله.

و لكن كون المطلوب الواقعي و المراد الحقيقي أمرا آخرا- و هو وجودها الخارجي بعنوانه- لا يستلزم الانقلاب في متعلق الأمر، لعدم فائدة في هذا

____________

(1)- يأتي في الصفحة 233- 235.

231

الانقلاب، و ذلك لأن مفهوم «إيجاد الطبيعة» كمفهوم «الطبيعة» في عدم اشتماله على المصلحة، و عدم كونه مطلوبا واقعا، فإن ما هو المطلوب هو وجودها الخارجي، الّذي لا يعقل تعلق الأمر به.

فتحصل إلى هنا: أن الشبهة منحصرة في أن الواجب بحسب اللب، هل هو الصلاة و الصوم، أم الواجب إيجاد الصلاة و الصوم، أم الواجب هي الصلاة بما هي مرآة للخارج، و حاكية عن الوجود في الأعيان، مع أن المفروض تعلق الهيئة بالطبيعة، المقتضي لكون الواجب نفسها، لا أمرا آخر وراءها، أم الواجب فرد الصلاة و الصوم؟! و ربما يوجد في كلام الوالد- مد ظله-: أن المتعلق هي الطبيعة، و لكن الطبيعة ليست طبيعة إلا إذا صارت خارجية (1).

و أنت خبير: بأن ما تعلق به الأمر ليس إلا عنوانا و مفهوما، كلما جعل و في أي صقع من الأصقاع تحقق، يكون هو ذاك العنوان بالضرورة. و قيسا الطبائع الأصلية بالعناوين الاعتبارية مع الفارق، فإن ما قرع سمعه المبارك تام- فرضا- في الماهيات الأصلية، فلا تخلط.

و ربما يوجد في كلام شيخه العلامة و هو أيضا: أن البعث إلى الطبيعة، يلازم عرفا انتقال العبد إلى إيجادها في الخارج، و إلى إتيانها في عمود الزمان‏ (2).

و هذا مخدوش بأن الأمر و إن كان كذلك، و لكن يلزم- بناء عليه- كون البعث إلى الطبيعة من الكنايات إلى ما هو الواجب و المأمور به، و هو الإيجاد، و هذا خلف، لأن المقصود إثبات أن الواجب حقيقة هي الطبيعة، لا الأمر الآخر الملازم معها من الوجود، أو سائر الخصوصيات المفردة.

____________

(1)- مناهج الوصول 2: 67- 69، تهذيب الأصول 1: 347- 348.

(2)- درر الفوائد، المحقق الحائري: 151.

232

فتحصل إلى هنا: أن ما أفاده القوم في تحرير محل النزاع‏ (1) ساقط، و سببه القصور عن نيل حقائق الأمور.

فالمحصول مما قدمنا مع الإطالة التي لا تخلو من الإملال: أن العاقل لا يمكن أن يتفوه بأن متعلق الأمر غير الطبيعة، مع أن المراد من الأمر ليس إلا الهيئة، و المقصود من المادة ليست إلا الطبيعة اللابشرط. فعليه كل من التزم بخلاف ذلك، فقد حداه إليه أمر من الأمور العقلية، و برهان من البراهين العقلائية:

فمن قال: بأن المتعلق هي الطبيعة بما هي مرآة، و حاكية عن الخارج، و متحدة معه، فقد رأى أن الطبيعة من حيث هي ليست إلا هي، لا مطلوبة، و لا لا مطلوبة (2).

و من اعتقد بأن المتعلق هو وجودها، و يكون البعث إلى إيجاد ذلك الوجود في الأعيان، و في صفحة التكوين، فقد رأى أن الطبيعة لا يتعلق بها الجعل، و هي من الأمور الانتزاعية المجعولة بالعرض‏ (3).

و من ظن أن المتعلق هو الفرد، فقد رأى أن ما هو ممكن التحقق في الخارج هي الأفراد، لا الطبائع بنفسها (4).

و من قال: بأن المتعلق هي الطبيعة بما هي هي‏ (5)، ابتلي بإشكال لم يدفع في كلماتهم: و هو أن تلك الطبيعة ليست ذات مصالح و مفاسد، مع أن قضية المذهب كون متعلق التكاليف الإلهية ذا مصالح و مفاسد.

____________

(1)- تقدم في الصفحة 225- 226.

(2)- بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي) الآملي 1: 404- 405.

(3)- نهاية الدراية 2: 256- 257.

(4)- مناهج الأحكام و الأصول: 66- السطر 8.

(5)- كفاية الأصول: 171، نهاية النهاية 1: 196.

233

فعلى ما تقرر إلى هنا، يتوجه إلى جميع المقالات إشكال لا بد من دفعه.

و أنت بعد ما عرفت منا، تقدر على دفع توهم كون المتعلق هو الفرد، ضرورة أن الطبيعة ليست حاكية عنه، و لا وجودها، بداهة أن الوجود لو كان داخلا في الطبيعة، يلزم كونها واجبة الوجود، فينحصر الأمر بالأمرين.

و لا سبيل إلى الالتزام بأن متعلق الأمر، الطبيعة بما هي مرآة للخارج، لعدم إمكان أخذها عنوانا مشيرا إلى أن الخارج متعلق، فقهرا تصير هي المتعلق بالذات.

و لو أريد من ذلك التعبير، إيقاع المخاطب إلى الإيجاد في الخارج، لأن المطلوب خارجية الطبيعة، فهو لا يتوقف على ذلك، بل لك الاتكال على فهم العقلاء من البعث إلى الطبيعة ذلك، و أن الآمر إذا كان يجد وصوله إلى مرامه بذلك النحو، فقهرا تصدر منه الإرادة إلى جعل الهيئة متعلقة بالطبيعة، فلا تخلط.

و الّذي هو الحق كما أشير إليه‏ (1): أن المتعلق هي الطبيعة، و أن الواجب هي الصلاة و الصوم. بل الّذي يتعلق به الإرادة التكوينية هي الماهيات:

أما الأخير: فذلك، لأن الإرادة لو تعلقت بأمر آخر غير الطبيعة، يلزم كون الأمر الآخر هو الوجود ليس إلا، فتكون الطبيعة ذات وجود، و هو خلف، لأنها ليست مع قطع النّظر عن الإرادة، إلا هي، لا موجودة، و لا لا موجودة. و هكذا يكون المطلوب و المعشوق و المتصور و المعلوم، نفس الطبيعة، لا الأمر الآخر القائم بها.

نعم، وجود الطبيعة هي الإرادة المتعلقة بها، و يكون ما هو المجعول بالذات هي الإرادة، و ما هو المجعول بالإرادة و بالعرض هي الطبيعة، فالإيجاد متعلق بالطبيعة، و يكون وجود الطبيعة مورد الجعل. هذا كله في الإرادة التكوينية، من غير فرق بين إرادة الرب و المربوب.

و أما الأول: و هي الهيئات، فإنها أيضا متعلقات بالماهيات الاعتبارية،

____________

(1)- تقدم في الصفحة 229.

234

كالصلاة و الصوم، أو الحقيقية، كالضرب و القتل.

و لكن ميزان الواجب النفسيّ و الغيري، ليس ما توهم: «من أن الواجب النفسيّ: هو الّذي فيه الملاك و المصلحة، و الغيري: ما لا يكون كذلك» (1) بل ميزان النفسيّ و الغيري أمر إثباتي، أي ما تعلق به الأمر، و يكون هو المأمور به- ظاهرا- لنفسه، لا لأمر آخر: هو الواجب النفسيّ و إن كان الغرض الأقصى أمرا آخر وراء ذلك، كما يأتي في محله تفصيله‏ (2).

فعليه لا يشترط كون متعلق الأمر و النهي ذا مصلحة شخصية، أو مفسدة، بل الأوامر و النواهي- حسب مذهب العدلية- لا بد و أن تكون ذات مصالح و مفاسد و إن لم يكن في شخص المتعلق مصلحة أو مفسدة، فإذا أمر المولى بالصلاة، و كان يرى أن المصالح المقصودة تحصل من وجودها، فلا يلزم كون الواجب و متعلق الأمر وجودها، بل انتهاء المتعلق إلى المصلحة المقصودة، كاف في نفسية المتعلق و وجوبه، و كونه متعلق الأمر واقعا.

فما قد يتوهم من الإشكال على تعلق الأمر بالطبيعة: من خلوها من المصلحة و المفسدة (3)، غير وارد. مع أن جماعة من العقلاء يزعمون أن المصالح للطبائع، و الوجود اعتباري، أو بالوجود تظهر آثار الماهيات، فلا تخلط. فتعلق الأمر بالطبيعة- حسب الظاهر- قطعي، و هو حسب الواقع و الجد أيضا كذلك.

و أما الإشكال: بأن الهيئة لا تكون باعثة إلا نحو ما تعلقت به، و هي الماهية ليست إلا، فهو- كما أشير إليه‏ (4)- قابل للدفع: بأن الآمر المتوجه إلى أن العقلاء لا يفهمون من ذلك إلا لزوم الإتيان بها خارجا، فلا منع من جعل الأمر متعلقا بها،

____________

(1)- كفاية الأصول: 136.

(2)- يأتي في الجزء الثالث: 129- 138.

(3)- لاحظ بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي) الآملي 1: 404، نهاية الأفكار 1: 380.

(4)- تقدم في الصفحة 229- 230.

235

كما أنه لو جعل متعلق الأمر وجود الطبيعة، يعلم أنه ينتقل منه العبيد إلى إيجادها، فالاتكال على القرائن القطعية، دأب قاطبة العقلاء في محاوراتهم.

نعم، لو جعل المتعلق نفس الطبيعة، فالقائل بأصالة الوجود و الماهية ينبعث نحوه، كما عرفت، و لو جعل المتعلق وجودها، فللقائل بأصالة الماهية الإباء عنه، لأن المتعلق غير قابل للتحقق في الخارج، فافهم و تدبر جيدا.

إن قلت: هذا يستلزم الاستعمال الكنائي أيضا، أي يكون الهيئة- بحسب الإرادة الاستعمالية- متعلقة بالمادة، و بحسب الإرادة الجدية متعلقة بالإيجاد، فيكون الواجب النفسيّ إيجاد الصلاة، لا الصلاة.

قلت: فرق بين الاستعمال الكنائي، و بين توقف الفرار من اللغوية في الاستعمال المطابقي، على انتقال المخاطب إلى الأمر الآخر الملازم له، أو إلى المطلوب ذاتا و واقعا، و الأمر فيما نحن فيه من القسم الثاني، فإن المجعول المطابقي و الواجب- حسب الإنشاء- هي الطبيعة. و كون المراد من ذلك لبا أمرا آخر، لا يستلزم الاستعمال الكنائي، كما لا يخفى.

مع أنك قد عرفت: أن جعل الماهية متعلق الأمر- بداعي حث المخاطب إلى إيقاعها في الخارج، أو إتيانها خارجا، أو غير ذلك من التعابير- هو الأوفق من جعل أحد المفاهيم المضافة إلى تلك الماهية مورد الأمر (1). مع أنه أسوأ حالا من الماهية، ضرورة أنها تأتي في الخارج، بخلاف مفهوم «الوجود» و أنها تكون ذات آثار تظهر بالوجود مثلا، بخلاف مفهوم «الإيجاد و الإيقاع» و غير ذلك من التعابير المختلفة.

فما ترى في كتب القوم‏ (2) غير صحيح، لا عقلا، و لا عرفا، لا واقعا و لبا، و لا

____________

(1)- تقدم في الصفحة 229- 231.

(2)- الفصول الغروية: 107- السطر 36- 38، كفاية الأصول: 171، نهاية النهاية 1: 196- 197، نهاية الأفكار 1: 380- 381.

236

ظاهرا و إنشاء.

فذلكة الكلام‏

أن متعلق الأمر، لا بد و أن يكون شيئا قابلا للتحقق في النشأتين: نشأة الذهن، و نشأة الخارج، لأن الأمر بداعي ذلك، و ما كان شأنه ذلك منحصر بالماهية، فإن الوجود الحقيقي نفس الخارجية، و لا يعقل ذهنيته، و إلا انقلب عما هو عليه، و مفهوم «الوجود و العدم» ذهنيان لا يعقل خارجيتهما، و لا شي‏ء وراء الماهية حتى يكون هو مركز الأمر، و مهبط الهيئة بالضرورة. و لما كان المولى واصلا إلى مرامه و مقصوده بجعل الماهية واجبة، فلا وجه لصرف ذلك إلى غيرها و إن كان ذلك الغير هو الغرض الأعلى، و هو ذو المصلحة، فليتدبر جيدا.

تذنيب‏

بناء على ما مر يكون التخيير عقليا، بل هو مقتضى جميع المسالك، لأن المقصود ليس إسراء الحكم إلى جميع الوجودات و الأفراد، و إلا يلزم الجمع بينها.

و يمكن تصوير التخيير الشرعي، بجعل الماهية عنوانا مشيرا إلى خصوصيات مختلفة في الأفراد، و هذا ضروري البطلان.

237

المقام الرابع في أمر الآمر مع علمه بانتفاء شرطه‏

المعروف بين أكثر المخالفين أو الأشاعرة فقط، جواز أمر الآمر مع العلم بانتفاء شرطه‏ (1). و المشهور بين المتأخرين عدم جوازه‏ (2).

و اختار السيد المحقق الوالد- مد ظله- جوازه في الخطابات الكلية القانونية في الجملة (3).

و قبل الإشارة إلى ما هو التحقيق في المسألة، لا بد من الإشارة إلى مقدمة نافعة: و هي أن القوم توهموا أن النزاع في مسألة علمية نافعة في الفقه، و تكون- كسائر المسائل الأصولية- قابلة للاستنباط بها في المسائل الفرعية. و خاضوا في المراد من عنوان البحث، و من القيود الواقعة في محط النزاع، على احتمالات ثلاثة

____________

(1)- شرح العضدي: 106- 107، معالم الدين: 85، قوانين الأصول 1: 126، الفصول الغروية: 109- السطر 16.

(2)- معالم الدين: 85، قوانين الأصول 1: 124- السطر 5، و 125- السطر الأخير، كفاية الأصول: 169، نهاية الأفكار 1: 378- 379.

(3)- مناهج الوصول 2: 61، تهذيب الأصول 1: 340- 341.

238

في كلمة «يجوز» و احتمالات أربعة في «الشرط» و احتمالين في «الانتفاء» فبضرب بعضها ببعض تحصل احتمالات أكثر من عشرين مثلا. و هكذا.

غافلين عن أن هذه المسألة، جواب عن الشبهة الواقع فيها الناس كلهم، و لا بد لكل أحد من دفعها و حلها، و تلك الشبهة: هي أن اللَّه تبارك و تعالى يكون عالما بالمكلفين و حالاتهم، و يكون هو الأمر و المقنن، و هو الناهي، فإذا كان الأمر كذلك، فهل يمكن ترشح الإرادة الجدية و الأمر الحقيقي من العالم بالوقائع، و هو عصيان العبيد و طغيانهم، فلا يأتمرون، و لا ينتهون، و عند ذلك كيف يعقل صدور الأمر و النهي منه جل و علا؟! من غير اختصاص بالأمر، بل النهي مثله في الجواز و عدمه.

فالمراد انتفاء شرط الأمر، و هو احتمال الانبعاث، أو القطع به، أو انتفاء ما يؤدي إلى انتفاء هذا الشرط، و هو العجز عن المأمور به.

و أما توهم: أن انتفاء الشرط بعد الإقرار بالشرطية، يستلزم انتفاء الأمر، كما في «الفصول» و «الكفاية» (1) ففي غير محله، ضرورة أن من الممكن الالتزام بأن الأوامر الامتحانية و الإعذارية، أمر يورث استحقاق العقوبة، كما مر منا تصديقه‏ (2)، فلا تخلط.

و أما جعل هذه المسألة من متفرعات بحث الطلب و الإرادة (3)، فهو في غير محله، و لقد علمت منا الأدلة الناهضة على تعدد الطلب و الإرادة، و ما كان فيها هذه المسألة، فإنها لا تنتهي إلى الالتزام بالتعدد (4)، ضرورة أن تلك المسألة حول وحدة

____________

(1)- الفصول الغروية: 109- السطر 17، كفاية الأصول: 170.

(2)- تقدم في الصفحة 27- 31.

(3)- نهاية الأفكار 1: 379، مناهج الوصول 2: 59- 60.

(4)- تقدم في الصفحة 27 و ما بعدها.

239

الطلب و الإرادة، و هذه المسألة راجعة إلى الأمر، و هو مقام الإنشاء و الجعل، و لو كانت من متفرعات تلك المسألة، كان على الأشاعرة إنكار إمكان الأمر مع العلم بانتفاء شرطه، دون الطلب، حتى يثبت بذلك تعدد الأمر، و هو الإرادة المظهرة مع الطلب، فما ترى في كتب أصحابنا الأصوليين‏ (1)، أيضا لا يخلو من تأسف.

فبالجملة: البحث في المقام، يكون حول تصوير إصدار الأمر و النهي من العالم بانتفاء شرط تنفيذهما، و شرط نافعيتهما، و عدم كونهما لغوا، و هذا مشكل و إعضال لا بد من حله، فإرجاع البحث إلى أن الأمر مع العلم بانتفاء شرط وجوده، كما في «الفصول» و «الكفاية» (2) بعد الاعتراف بالشرطية، أو إرجاع البحث إلى فقد شرط المأمور به و المكلف به، كما في كلام جمع آخرين‏ (3)، غير سديد، بل البحث يرجع إلى أن فقد شرط الأمر مع العلم بفقدانه، هل يستلزم امتناع صدور الإرادة و الجد من المولى العالم الحكيم، أم لا؟

فهذه المسألة سيقت لرفع شبهة عقلية، و راجعة إلى مقام الإثبات، و هو فرض علم الآمر بعدم تأثير الأمر و لغويته، فكيف يمكن عقاب عصاة الناس، مع عدم إمكان توجيه الخطاب الجدي إليهم؟! من غير فرق بين الكفار و من بحكمهم، و من غير فرق بين كون الحكم الصادر من العالم بانتفاء الشرط أصلا تكليفيا، أو وضعيا، فإن جعل الأحكام الوضعيّة، بلحاظ الثمرات المترتبة عليها، فإذا كان عالما بانتفاء الثمرة- و هي التكاليف المستتبعة لها- لا يعقل صدور الجد منه إلى جعلها،

____________

(1)- قوانين الأصول 1: 124- 126، الفصول الغروية: 109، كفاية الأصول: 169- 170، بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي) الآملي 1: 411- 412.

(2)- الفصول الغروية 1: 109- السطر 17، كفاية الأصول: 170.

(3)- نهاية الأفكار 1: 378، منتهى الأصول 1: 267.

240

فليتدبر جيدا.

ثم إن انتفاء الشرط تارة: يكون لأجل عصيان المأمور، و خبث سريرته، و أنه يعاند الآمر و يستهزئ به.

و أخرى: يكون لأجل عجزه و جهله. و الكل شريك في امتناع توجيه الخطاب الجدي إليهم المستتبع للعقاب.

فتحصل: أن المراد ليس انتفاء شرط الأمر مع الإقرار بشرطيته، فإنه يناقض نفس العنوان، بل المراد أن ما توهمه المشهور من الشرطية لصدور الأمر- و هو احتمال الانبعاث، أو القطع بالانبعاث- شرط عام، أو يمكن تحقق الأمر بدونه، و اختار الثاني جماعة (1) و أي دليل أدل على الشي‏ء من وقوعه؟! فإن عصاة الناس يعاقبون على الفروع و التكاليف، و هي لا تصير تكليفا إلا بالأمر الجدي لا الامتحاني، و لا الإعذاري.

و بعد ما عرفت ذلك يعلم: أن مجرد اشتراك لفظة «الأمر» أورث اختيار هذا البحث في الأوامر، و إلا فهو أجنبي عن المسألة الأصولية.

نعم، ما هو البحث المنتج: هو أن احتمال الانبعاث أو القطع به، من شرائط تحقق الأمر، أم لا، و إذا كان هو من الشرائط، فلا يمكن وجوده بدونه، و إذا لم يكن من الشرائط فيمكن، و حيث إن التحقيق- على ما مر- أن الأوامر الامتحانية و الإعذارية تكون أمرا واقعا و حقيقة، و أن الميزان المصحح للعقوبة ليس كون الأمر بداعي الانبعاث، بل ما هو المصحح أعم من ذلك، فلا منع من تحققه بدون الشرط المزبور.

هذا كله تمام الكلام في إمكان تصوير الأمر مع فقد الشرط المراد في العنوان.

____________

(1)- لاحظ مناهج الوصول 2: 60- 61، تهذيب الأصول 1: 340.

241

و أما حل الشبهة المشار إليها، فهو من طريقين:

الطريق الأول: ما مر منا في مباحث الطلب و الإرادة: من أن استحقاق العقوبة، لا يتوقف على الأمر بداعي الانبعاث، و لا على غيره من الأوامر الامتحانية أو الإعذارية (1)، فإن عدم ترشح الإرادة الجدية من قبل المولى تارة: يكون لأجل عدم المقتضي في المتعلق، أو لوجود المانع.

و أخرى: يكون لأجل علمه بعدم قيام المكلف بالوظيفة، فإنه عند ذلك يستحق العقوبة عند العقلاء بالضرورة، لأن المكلف عارف بغرض المولى قهرا، فلا بد من القيام على طبقه، فلا يلزم من امتناع أمر الآمر عند فقد شرطه، عدم استحقاقه العقوبة.

الطريق الثاني: ما سلكه الوالد المحقق- مد ظله-: من أن الخطابات القانونية لا تنحل إلى خطابات عديدة، حتى يلزم مراعاة شرط الخطاب الشخصي في تلك الخطابات طرا، و ذلك الشرط هو احتمال الانبعاث، و المكلف العاصي و العاجز و الجاهل، غير مخاطبين بالخطاب الجدي قطعا، بل الخطابات القانونية لا تنحل إلى الكثير، فيكون الخطاب واحدا، و المخاطب كثيرا.

فإن كان جميع المخاطبين فاقدين لقابلية التأثير، فهو خطاب لغو، غير ممكن ترشح الجد على طبقه.

و إن كانوا مختلفين كما هو المتعارف، فإرادة الجد مترشحة على العنوان الكلي المنطبق، و لا يكون لأحد عذر عند العلم و القدرة، فيكون الحكم بالنسبة إلى العصاة جديا مع فقد شرطه، فترتفع الشبهة، و تصير النتيجة إمكان أمر الآمر مع العلم‏

____________

(1)- تقدم في الصفحة 31.

242

بانتفاء شرطه في بعض المواقف، فليتدبر (1).

فذلكة البحث‏

أن الكلام هنا في مرحلتين:

أولاهما: في أن احتمال الانبعاث أو القطع به، هل هو من شرائط الأمر، أم لا؟

و الجواب ما قد أشير إليه و مر في محله: من أن حقيقة الأمر، قابلة للتحقق في الأوامر الامتحانية و الإعذارية، و تكفي تلك الأوامر لصحة العقوبة، خصوصا بالنسبة إلى المولى الحقيقي و عبيده، لأن ميزان العقاب أمر آخر غير ما اشتهر.

ثانيتهما: بناء على الشرطية، و أن ميزان صحة العقاب صدور الأمر متوجها إلى العبد بداعي الانبعاث، كيف يمكن تصحيح عقاب الكفار و العصاة، بل و العاجزين؟

و الجواب ما عرفت، فافهم و اغتنم.

____________

(1)- مناهج الوصول 2: 60- 61، تهذيب الأصول 1: 340- 342.

243

المقام الخامس إذا نسخ الوجوب فهل يبقى الجواز، أو الاستحباب، أم لا؟

اعلم: أن الجهة المبحوث عنها، أعم مما إذا كان الحكم السابق وجوبا، أو تحريما، أو استحبابا، أو كراهة، فإنه يأتي النزاع في بقاء أمر، إلا أنه على بعض التقادير يحتمل بقاء الأمرين مثلا، و على بعض التقادير يحتمل بقاء أصل الإباحة، بناء على كونها من الأحكام الشرعية المجعولة، كما هو المشهور.

و هكذا هي أعم مما كان الدليل الثاني، ناسخا لمفاد الدليل الأول نسخا ممكنا شرعا، أو كان من قبيل الحكومة و التخصيص، ضرورة أن قضية الحكومة و التخصيص، هو انكشاف قصور الإرادة من الأول، و لكن لهذا البحث مجال في أن مقتضاهما قصورها بالمرة، أو عدم وصول الإرادة- بالنسبة إلى مورد التخصيص و الحكومة- إلى نصاب الحتم و ميقات البت.

و مما يؤيد ذلك، وقوع الأعلام في هذا البحث عند تعرض الأصحاب لدليل‏

244

رفع القلم عن الصبي، و عند البحث عن صحة عباداته، فإنه لو كان دليل الرفع رافعا لأصل الإلزام، فالإطلاقات الأولية و العمومات الكلية، باقية في بعث الصبي إلى العبادة، اللازم منه صحتها قهرا (1).

فبالجملة: هل قضية الجمع بين الأدلة القابلة للجمع بالتخصيص و الحكومة و التقييد، ارتفاع الحكم في مواردها طرا، أم لا؟ بل يمكن استفادة الندب و الكراهة من العام المخصص مثلا؟

فلا تخلط، و لا تغفل.

إذا علمت ذلك كله، فالبحث حول المسألة يقع في جهات:

الجهة الأولى: في حقيقة الحكم‏

وجوبيا كان، أو تحريميا، ندبيا كان، أو تنزيهيا.

اعلم: أن الحكم من الأمور الاعتبارية الإيقاعية، و له الوجود الاعتباري الباقي ببقاء علل اعتباره، و لكل واحد من الأمور الاعتبارية علل واقعية تكوينية، و تلك العلل تنتهي إلى الإرادة المتعلقة من رب الاعتبار بذلك الأمر الاعتباري، سواء كان متقوما بإرادة واحد نافذ في الأمة، أو كان متقوما بإرادة المجتمع البشري، كالأمور الاعتبارية الموجودة تبعا، أو بنحو آخر قررناه في مواضع مختلفة (2)، كالملكية، و الزوجية، و الطلاق، و الحرية، و هكذا من العناوين الكلية في المعاملات، بل و العبادات و المخترعات الإسلامية، و غير الإسلامية. و ما هو محط النسخ و يقال:

هو المنسوخ، هو هذا الأمر الاعتباري.

فإذا عرفت ذلك، فهل سبيل إلى إعدام هذا الأمر الاعتباري مع بقاء الأمر

____________

(1)- مستمسك العروة الوثقى 7: 101- 102.

(2)- تقدم في الجزء الأول: 275- 279 و 124- 126.

245

الآخر عقلا و ثبوتا، أم لا؟

لا شبهة عندنا في تعين الامتناع، من غير فرق بين كون الإرادة ذات مراتب، أو كون الوجوب ذا مراتب، بناء على تصوير الاشتداد و الضعف في الأمور الاعتبارية، كما هو الحق، و ذلك لأن معنى التشكيك، ليس بقاء الإرادة الضعيفة عند انتفاء الإرادة القوية و الشديدة، لأن الإرادة القوية و الضعيفة إرادتان، كوجود زيد، و وجود النبي (صلى اللّه عليه و آله و سلم) بخلاف مراتب السواد و البياض، فإن الاشتداد و الضعف في مراتب الأعراض الحالة موجود.

و مما يدل على ذلك: وجدانك انتفاء الإرادة عند انتفاء المصلحة الملزمة، و حدوث الإرادة الأخرى، لا انتفاء شدة الإرادة، و بقاء الإرادة الضعيفة، كما توهمه الأصحاب هنا طرا، إلا من هو نحرير هذا الفن، و هو الوالد المحقق- مد ظله- (1).

و مما يدل عليه مضافا إليه: أن الإرادة معلولة النّفس، و تتشخص بالمراد، و كيف يعقل انتفاء المراد و بقاء الإرادة؟! فلا يقاس العرض القائم بالمحل- كالسواد، و البياض- بالمعاليل الصادرة عن النّفس، كالعلم، و الإرادة.

ثم إن اعتبار الاشتداد و الضعف في الاعتباريات، لا يستلزم التشكيك في الوجوب الّذي هو أمر بسيط. و تعريفه بالعناوين المختلفة المتكثرة- كتعريف البسائط- لا يستلزم تركبه الواقعي، و تشكيكه الخاصي في كل مرتبة، فإنه يستلزم انتفاء ذات المشكك أصلا كما هو المحرر في محله و مقامه، فافهم و اغتنم.

فما ترى في كتب جمع: «من أن القول بإمكان بقاء الجواز و عدمه، و الاستحباب و عدمه، تابع للقول بالتشكيك في مفهوم الوجوب و الاعتباريات» (2) في غير محله، لأن الالتزام بالتشكيك- لا في الإرادة، و لا في الوجوب- لا ينتج ذلك.

____________

(1)- مناهج الوصول 2: 79- 80، تهذيب الأصول 1: 357.

(2)- لاحظ بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي) الآملي 1: 413، منتهى الأصول 1: 264.

246

نعم، لو أمكن الالتزام بالتشكيك في الوجوب المجعول الواحد بالوحدة الشخصية العددية، لكان الالتزام ببقاء المجعول في الاعتبار ممكنا. و لكنه بمعزل عن التحقيق، و لا يقول به إلا من هو أجنبي عن المباحث العقلية. هذا كله حسب الصناعة العقلية.

و لكنك أحطت خبرا فيما مضى، بأن الاعتباريات لا يأتيها الامتناع و الا امتناع إلا من قبل أمر واحد، و هو اللغوية، و اللالغوية، فإن محيط العقلاء محيط خارج عن مسألة الدور، و التسلسل، و التشكيك، و غير ذلك من العناوين المخصوصة بالعلوم العقلية، و لا يكون في وعاء الاعتبار شي‏ء ممتنعا، إلا إذا كان اعتباره لغوا و بلا أثر. و لذلك قلنا بإمكان اعتبار المناقضة و المضادة، إذا كان فيه الأثر المقصود للعقلاء، كما يتصور المناقضة و المضادة في الحكم عليه بالامتناع.

فبالجملة: فيما نحن فيه لا معنى لامتناع نسخ الحكم، بعد ما نجد توصيفه ب «الإلزام و عدمه» فإن هذا التوصيف دليل التجزئة.

و توهم: أن وصف «الإلزام» من قبيل الأوصاف المنوعة، فلا يعقل نسخ الوصف، و بقاء الجنس أو الأمر الآخر المباين معه، في غير محله، لأنه من الخلط بين العقليات و الاعتباريات، ضرورة أن بناء العقلاء على نفي الإلزام في عالم التشريع بالصراحة، فيقال في مقام الإنشاء بعد الإيجاب: «نسخت لزوم الحكم المزبور» فإنه ينتقل العرف منه إلى بقاء أصل الحكم، و هو مساوق للندب و إن لم يكن عينه بحده.

و لعله إلى ذلك يرجع قول من يريد إبقاء الندب أو الجواز، بإثبات التركيب و التشكيك في الوجوب، و إن كان لا يحتاج إلى إعمال قاعدة التشكيك، حتى يتوجه إليه: أن المسألة ليست من صغرياتها.

247

فتحصل: أن المدار على الأثر، فإذا كان في التجزئة أثر مقصود، فهو ممكن بلا شبهة و إشكال، فلو اقتضى ظاهر الدليل تلك التجزئة، فلا بأس بالمصير إليه.

الجهة الثانية: في تصوير بقاء الحكم بعد النسخ‏

ظاهر القوم و صريح الوالد- مد ظله-: أن الالتزام بالامتناع في الجهة الأولى، يورث سقوط إمكان الالتزام ببقاء الجواز أو الندب من طريق آخر (1).

و الّذي هو الحق: أن التفكيك ممكن، بأن نلتزم بامتناع نسخ الحكم، و بقاء الجواز، و مع ذلك نقول: بأن قضية الجمع بين الأدلة هو بقاء الجواز، لا الجواز الجنسي الّذي لا يبقى مع ذهاب الإلزام الفصلي، بل الجواز الآخر.

و ذلك لأن دليل المنسوخ- مع قطع النّظر عن القرينة القائمة على ترخيص الترك- كاشف عن الإرادة الإلزامية، حسبما تقرر منا في محله‏ (2)، و مع قيام القرينة على جواز الترك، لا ينقلب الدليل الأول عن مفاده، لأنه كان يستكشف منه الإرادة الالتزامية لأجل عدم القرينة، فإذا ثبتت القرينة في العصر المتأخر على رخصة الترك، يؤخذ بالدليلين، و تصير النتيجة هو الاستحباب، أو الكراهة، و تكون النتيجة في الجمع بين العمومات و حديث رفع القلم عن الصبي، صحة عبادة الصبي، لاستحبابها.

فبالجملة: ما نحن فيه من قبيل القرينة المنفصلة القائمة على إرادة الندب- في جملة «اغتسل للجمعة و الجنابة»- من الجمعة، فإن ذلك كما لا يضر ثبوتا بإرادة الإلزام في الآخر، كذلك فيما نحن فيه، لما تقرر: أن الهيئة ليست موضوعة

____________

(1)- مناهج الوصول 2: 81، تهذيب الأصول 1: 358.

(2)- تقدم في الصفحة 89 و ما بعدها.

248

في الأوامر إلا للتحريك الاعتباري الفارغ عن سائر القيود (1)، فلا مانع من الالتزام ثبوتا بأن دليل المنسوخ، باق على دلالته الوضعيّة- و هي التحريك الاعتباري- إلى ما بعد زمان صدور دليل الناسخ، و هكذا العمومات و المطلقات هذا كله حسب التصور الثبوتي.

و أما بحسب التصديق، فربما يشكل الجمع بين الدليلين، بحمل دليل الناسخ على كونه قرينة على الترخيص في الترك، بل ربما هو ناظر إلى رفع الحكم المجعول.

نعم، إذا كان التناسب بين الحكم و الموضوع، مقتضيا لذلك حتى في مثل دليل الناسخ الحاكم، أو المخصص بلسان الحكومة، فلا نمنع من الالتزام به، و هذا مما لا يمكن أن لا يصار إليه في الجمع بين الأدلة الأولية و حديث رفع القلم، فإنه- قضاء لحق مناسبة الحكم و الموضوع- ناظر إلى رفع القلم الإلزاميّ، لا مطلق القلم، فإنه لا منة فيه، بل المنة في خلافه، كما لا يخفى.

و مما ذكرناه يظهر مواضع النّظر في كلمات القوم‏ (2)، و مواقف الخلط حتى في كلام المحقق الوالد- مد ظله- (3).

و إن شئت قلت: لو كان الحكم الإلزاميّ مستفادا من الدلالة الوضعيّة، فلا يمكن المصير إلى إبقاء الجواز إلا على القول بإمكان تجزئة الحكم حسبما تحرر.

و إذا كان مستفادا من الإطلاق، فلا منع من الالتزام المذكور، سواء قلنا

____________

(1)- تقدم في الصفحة 79- 80 و 89.

(2)- بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي) الآملي 1: 413- 414، منتهى الأصول 1: 263- 265، محاضرات في أصول الفقه 4: 22- 25.

(3)- مناهج الوصول 2: 81- 83، تهذيب الأصول 1: 358- 359.

249

بإمكان تجزئة الحكم، أو امتناعه. فما ترى في كتب القوم: من الحكم بالإمكان مطلقا أو بالامتناع مطلقا، في غير محله، فليتدبر جيدا.

الجهة الثالثة: في مقتضى الاستصحاب‏

و هو مختلف فيه، فمن قائل: بأنه لا يفيد هنا شيئا، حتى على القول بجريان الاستصحاب في القسم الثالث من الكلي، لأن الحكم المنسوخ معدوم قطعا، و ما هو محتمل البقاء ليس من الحكم المجعول الشرعي، بل هو العنوان الجامع الانتزاعي، و هذا هو رأي الوالد المحقق- مد ظله- (1).

و من قائل بجريانه، بناء على كون الندب و الاستحباب من مراتب الوجوب، و الكراهة من مراتب الحرمة، و الإباحة و الجواز من مراتب الحكم، فإن وحدة القضيتين- المتيقنة، و المشكوكة- محفوظة بذهاب مرتبة، و بقاء مرتبة، فيستصحب بقاء أصل الحكم، كما يستصحب بقاء البياض، و هذا هو استصحاب الشخصي، لا الكلي‏ (2).

و لكنه غير صحيح، لما عرفت منا: من أن الاستحباب و الندب بعنوانه وحده، غير مجامع للوجوب، و ما هو المجامع له- و هو أصل الحكم- و إن كان قابلا للبقاء حسبما تحرر، و لكنه في مرتبة تعلق اليقين لا تكثر في الحكم‏ (3).

اللهم إلا أن يقال: إذا أمكن التجزئة في الحكم اعتبارا لما فيه الأثر المقصود، فلا بد من تكثر اليقين، و هو حاصل، و يكفي ذلك و لو كان في مرتبة الشك- أي عند الشك في بقاء أصل الحكم- يتذكر ثبوت اليقين بأصل الحكم في الزمان السابق،

____________

(1)- مناهج الوصول 2: 83، تهذيب الأصول 1: 360.

(2)- لاحظ حقائق الأصول 1: 331.

(3)- تقدم في الصفحة 245- 246.

250

فافهم و تدبر جيدا.

فتحصل: أن استصحاب الشخصي جار، بناء على ما تقرر من تجزئة الحكم في الاعتبار، لما فيه من الآثار (1).

و من قائل بجريان استصحاب الكلي من القسم الثالث، كما في «الكفاية» بناء على جريانه‏ (2).

و فيه ما مر في كلام الوالد المحقق- مد ظله-: من أنه على تقدير جريانه فيه لا يجري هنا، لأن الباقي في ظرف الشك أمر انتزاعي، لا حكم شرعي، و لا موضوع ذو حكم شرعي.

اللهم إلا أن يقال: بأن المستصحب قد يكون أمرا ثالثا، و هو عدم الوجوب و الحرمة، فإنهما لا يكونان كذلك، فلا بد من الأثر، و هنا هو حاصل، فليتدبر.

و هنا كلام آخر أشرنا إليه في المرحلة السابقة: و هو إمكان استصحاب الحكم الشخصي من طريق آخر، و هو أن الوجوب المنسوخ لا يستفاد من دليل المنسوخ وضعا، بل الوجوب مستفاد من عدم قيام القرينة على الندب، فإذا قامت القرينة، و شك في بقاء الحكم و البعث الثابت بدليل المنسوخ، يصح الاستصحاب، و يكون المستصحب الحكم المستفاد من الهيئة، فتأمل.

هذا كله بناء على جريان الاستصحاب في الأحكام التي يشك في نسخها.

و أما بناء على ما تقرر منا: من عدم جريانه لأجل بعض شبهات يتعلق بها (3)- لا الشبهة المعروفة عن النراقي من المعارضة (4)، فإنها واهية- فلا يجري‏

____________

(1)- تقدم في الصفحة 245- 247.

(2)- كفاية الأصول: 173.

(3)- يأتي في الجزء الثامن: 537- 538.

(4)- مناهج الأحكام و الأصول: 238- السطر 2، عوائد الأيام: 213.