تحريرات في الأصول‏ - ج2

- السيد مصطفى الموسوي الخميني المزيد...
349 /
251

الاستصحاب هنا، كما لا يجري في مطلق الأحكام الكلية حتى الأحكام العدمية، أي لا يجري حتى استصحاب عدم الوجوب و الحرمة الأزليين، و التفصيل و التحقيق حوله يطلب من مظانه‏ (1).

و ربما يشكل جريان الاستصحاب الشخصي على النحو الأخير، كما توهمه العلامة المحشي (رحمه اللَّه)(2) و ذلك لأن المستصحب لا يكون البعث بداعي الانبعاث، لأنه من الموضوعات، و لا أثر شرعي له، فلا بد أن يكون حكما، و حيث لا تعين له من الوجوب و الندب، فيكون المستصحب أصل الحكم الجامع، فيرجع إلى استصحاب الشخصي على الوجه الأول المقرر، فتدبر.

و المراد من «الجامع» ليس الجامع العنواني حتى يكون كليا، بل هو كجامعية زيد لحالي العلم و الجهل، فلا تغفل.

____________

(1)- يأتي في الجزء الثامن: 533- 535.

(2)- نهاية الدراية 2: 262- 263.

252

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

253

المقام السادس هل الأمر بالأمر بشي‏ء أمر بذلك الشي‏ء، أم لا؟

و كأن المسألة بحسب مقام الثبوت مفروغ عنها، و اختلاف الأعلام فيها حول مقام الإثبات.

و أنت خبير: بأن الأمر ليس إلا معنى إيجاديا، و بعثا إنشائيا قائما بالباعث و المحرك قياما صدوريا، و لا يكون له مرحلتان: مرحلة الثبوت، و الإثبات، بل الأمر تمام هويته في مرحلة الإثبات، فعليه لا معنى لكون الأمر بالأمر بشي‏ء أمرا بذلك الشي‏ء بالضرورة.

و أما نقل أمر الغير بألفاظ الحكاية، فهو ليس من الاستعمال الإيجادي أو الإنشاء الاعتباري، بل هو حكاية لما أوجده الباعث، فإذا قال الرسول: «قال اللَّه تعالى: افعل كذا» فإنه و إن كان بحسب التكوين كلمة «افعل» صادرة من الرسول، و لكن هي حكاية الأمر المسموع، و هو خارج عن هذه المسألة.

بل الكلام في المقام حول ما إذا أنشأ المأمور الأول الأمر الثاني، و تصدى هو للبعث و التحريك بنفسه، و هذا واضح المنع جدا، فما ترى في «الكفاية» من صحته‏

254

ثبوتا (1)، و في غيرها من صحته إثباتا (2)، من الغفلة قطعا.

فتحصل: أن الأمر الأول هيئته و مادته غير الأمر الثاني، فكيف يستند الأمر الثاني إلى الأمر الأول؟! هذا.

و توهم: أن صحة عبادات الصبي، متقومة بكون الأمر بالأمر بشي‏ء، أمرا بذلك الشي‏ء (3)، فاسد، لأن في صحتها يكفي العلم بالغرض و الطلب، فإذا ورد مثلا مخاطبا إلى الأولياء: «مروا صبيانكم بالصلاة إذا كانوا بني سبع سنين» (4) فلا يكون هذا أمرا بالصلاة من جنابه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) قطعا، و لكنه يستفاد منه عرفا أنه ذو غرض في ذلك، و طالب له، و إذا كان كذلك فيكون عباداته صحيحة، فلا ينبغي الخلط بين عنوان المسألة، و بين ما هو المستفاد من الدليل عرفا.

و أما احتمال كون المصلحة في أمر الأولياء فقط، أو في أمرهم و الصلاة معا، فهو و إن كان ممكنا عقلا، إلا أنه بعيد عرفا.

و هذا نظير ما يستفاد من قوله تعالى: فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ* (5) فإنه لا يكون أمرا بالاتباع و ترتيب الآثار بعد السؤال، و لكنه معلوم منه لزوم ترتيب الأثر، و أنه لا بد من صحة ما يترتب عليه من الآثار، فإذا سأل أهل الذّكر عن شي‏ء فقال: «افعل كذا» يجب تبعية أمره، لما فيه- حسب الآية- من المصلحة، و يكون صحيحا شرعا، من غير كونه أمرا من اللَّه تعالى، أو الرسول الأعظم (صلى اللّه عليه و آله و سلم) بذلك الشي‏ء.

____________

(1)- كفاية الأصول: 178- 179.

(2)- محاضرات في أصول الفقه 4: 76.

(3)- نفس المصدر.

(4)- وسائل الشيعة 4: 19 كتاب الصلاة، أبواب أعداد الفرائض، الباب 3، الحديث 5.

(5)- النحل (16): 43، الأنبياء (22): 7.

255

و من ذلك يعلم مواقف الخلط و الاشتباه الواقع في كلمات الاعلام (قدس سرهم).

و ربما يخطر بالبال دعوى: أن مجرد كون العبادة مأمورا بها، غير كاف لصحتها، لأن الأمر المصحح لها هو الأمر الصادر بداعي الانبعاث، و أما الأمر الصادر بداعي الامتحان، فهو و إن كان عندنا أمرا، و لكنه لا يستلزم صحتها، و لا قرينة على تعيين الأول، بل القرينة- بمناسبة المقام- تساعد على الثاني، فليتدبر.

ثم إن من الممكن توهم توقف صحة العبادة على انبعاثهم عن بعث المولى، لا بعث آبائهم، و عليه لا بد من كون الأمر الثاني إما أمر الآمر الأول، أو يكون أمرا إرشاديا، كأوامر الأنبياء و الرسل.

و فيه: أنه في باب الأمر بالمعروف يكون الأمر للآمر، و يكون الانبعاث عن الأمر الصادر من الآمر، و مع ذلك تكون العبادة صحيحة، و إلا يلزم كون الأمر بالمعروف أمرا بالمنكر، و هو خلف قطعا، فيعلم من ذلك ما تقرر منا في محله: من أن هذا النحو من الانبعاث لا يضر بصحة العبادة، و التفصيل في مقام آخر (1).

____________

(1)- تحريرات في الفقه، الواجبات في الصلاة، المقام العاشر من المطلب الأول.

256

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

257

المقام السابع في الأمر بعد الأمر و قبل الامتثال‏

الأمر الواقع عقيب الأمر الآخر مع وحدة المادة و المتعلق، لا يكون إلا مثل الأمر الأول استعمالا و علة و غاية.

نعم، يعتبر بعد تحقق الاستعمال أن يكون الثاني تأكيدا للأول، و ليس هذا إلا من قبيل التأكيد في الجمل التامة الخبرية أو الناقصة، بتكرار الموضوع في «ضرب زيد زيد» و منشأ اعتبار التأكيد وحدة الإرادة الأصلية، و وحدة الغاية.

و دعوى: أن التأسيس أولى من التأكيد، فلا بد من حمل إطلاق المادة على التقييد، بحيث يلزم منه تعدد المتعلق، فيقتضي تعدد الامتثال، ليست من الأصول العقلائية.

و غير خفي: أن التأسيس بدون التقييد غير ممكن، لأن الإرادة و الحب و التصور و التصديق بالفائدة- بحسب السنخ هنا- واحدة، فلو كان يمكن تعلق الإرادتين التأسيسيتين بشي‏ء واحد، لأمكن تعلق الحبين و الشوقين به، مع أنه واضح المنع، فما هو من الإرادة سبب لوجوب الامتثال مثلا، هي الإرادة الأصلية الموجبة

258

لإرادة إصدار اللفظ و الهيئة، و لإرادة أخرى متعلقة بإصدار اللفظ الآخر شخصا، و لكنه عين الأول سنخا، و هذا الاختلاف الشخصي، لا يستلزم تعدد الإرادة الأصلية بالضرورة، فعليه يعلم أن التقييد بلا دليل.

و ما في «الكفاية»: «من أن إطلاق الهيئة يقتضي التأسيس» (1) غير واضح، بل الهيئة لا تورث إلا البعث و التحريك اعتبارا، من غير كونها موضوعة لأمر آخر.

و لو أريد من «الإطلاق» ما مضى سابقا- من أنه عند الإطلاق يحمل على النفسيّ العيني التعييني‏ (2)- فهو يتم عند عدم القرينة على الخلاف، و هي المسبوقية بالأمر الأول، فتأمل جيدا.

ثم إن في المسألة شقوقا اخر لا يهمنا التعرض لها، و إن يظهر من «الفصول» التردد بين التأسيس و التأكيد في بعضها (3)، و الأمر بعد ذلك كله سهل، و اللَّه من وراء القصد.

فتحصل: أن المسألة بحسب مقام الثبوت واضحة.

و توهم: أن تعدد البعث كاشف عن تعدد الإرادة- كما أشير إليه- في غير محله، لأن منكشفة ليس إرادة أصلية، بل هي إرادات اخر، كما في باب المقدمة.

و بحسب مقام الإثبات، لا يمكن الالتزام بالتأكيد إلا في مواضع خاصة، و إلا فيحمل على التقييد، و أن المراد و المأمور به في كل غير الآخر. و لا يشترط كون القيد الوارد على الطبيعة، عنوانا في المأمور به، بل القيد الّذي يدرك لزومه- فرارا من الإشكال العقلي- هو القيد المورث لكثرة المتعلق و تعدده.

____________

(1)- كفاية الأصول: 179.

(2)- تقدم في الصفحة 188.

(3)- الفصول الغروية: 119- السطر 29- 34.

259

نعم، ربما يستظهر أحيانا في بعض المواقف ذلك، كما إذا قال: «إن أجنبت اغتسل» ثم ورد في دليل آخر في الأعصار المتأخرة «إن أدركت يوم الجمعة اغتسل» فإنه لا يمكن الالتزام بالتأكيد، فلا بد من التقييد، و يكون القيد عنوانا عرفا، فيشترط قصده حين الامتثال، ففيما إذا كان الأمر مثله، يكون المأمور به مقيدا و منوعا، فلا تغفل.

ثم إن من الواضح امتناع الإرادتين التأسيسيتين بشي‏ء واحد، من شخص واحد، مع التوجه و الالتفات، و أما من الآمرين فيمكن ذلك، و يأتي حينئذ البحث عن التداخل و عدمه، و التداخل واضح جدا، كما أشير إليه سابقا في بعض المباحث الماضية (1). كما أنه ممكن مع الغفلة.

و لكنه لا يستلزم الامتثال المتعدد، لأن مدار تعدد الامتثال على تعدد الجهة المقتضية لذلك الأمر، و كون تلك الجهة و الغرض قريبة، دون الجهة البعيدة، فلا تخلط.

فما يظهر من «الكفاية»: من أن مجرد التعدد التأسيسي، كاف لتعدد الامتثال‏ (2)، في غير محله بالضرورة.

____________

(1)- تقدم في الصفحة 137- 139.

(2)- كفاية الأصول: 179.

260

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

261

الفصل الخامس في الإجزاء

و الكلام فيما يتعلق به يتم في ضمن مقدمة و مواقف:

262

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

263

المقدمة فيما يتعلق بما جعله القوم عنوانا

و حيث ظنوا أنه العنوان الجامع لمباحث الإجزاء، ذكر «الفصول»: «أن الأمر بشي‏ء إذا أتي به على وجهه، هل يقتضي الإجزاء، أم لا (1)؟

و حيث قيل عليه: «إن الأمر لا يكون موضوعا لأكثر من البعث إلى الطبيعة، و المادة لأكثر من الطبيعة اللابشرط» (2) عدل عنه الآخرون، و قالوا: «إن المسألة عقلية، لا لفظية» فعنونوا «أن إتيان المأمور به على وجهه، هل يقتضي الإجزاء، أم لا (3)؟

و حيث إن الاقتضاء ليس من لوازم الإتيان، لا بنحو العلية، و لا بنحو الإعداد، و تكون النسبة مجازية، بل هو دليل تمامية أمد الإرادة، و سقوط الغرض، عدل عنه‏

____________

(1)- الفصول الغروية: 116- السطر 9.

(2)- فوائد الأصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 241.

(3)- كفاية الأصول: 104، نهاية الأفكار 1: 222.

264

المحقق الوالد- مد ظله- بإسقاط كلمة «الاقتضاء» (1).

و حيث إن كلمة «على وجهه» من القيود المأخوذة في كلمات القدماء (2)، و ليس ما توهمه «الكفاية» في محله: «من أنها تشير إلى القيود المعتبرة في المأمور به عقلا، كقصد القربة فإنه- على ما مر- يمتنع أخذه فيه» (3)، ضرورة أن هذه الشبهة من زمن الشيخ الأعظم الأنصاري (قدس سره)(4)، فتكون أجنبية عن هذا البحث بالمرة، فلا بد من حملها إما على التوضيح، كما عليه الأكثر (5).

أو حملها على ما أفاده السيد الأستاذ البروجردي (قدس سره): «من أنها ربما كانت زائدة في العنوان، لأجل شبهة أوقعها القاضي عبد الجبار في الري من قبل الديالمة:

و هي أن من صلى مع الطهارة المستصحبة، ثم انكشف خلافه، يعيد و لا يجزي مع امتثاله الأمر الاستصحابي» (6).

و وجه رده بتلك الزيادة كما أفاده: «هو أن المأمور به في هذا المثال، لم يؤت به على وجهه، من جهة أن الطهارة الحدثية بوجودها الواقعي شرط».

و أنت خبير: بأن الحمل الأول خلاف القاعدة، و الثاني أوضح فسادا، لأنه يلزم منه خروج مباحث الإجزاء التي هي الأهم، و تكون المسألة منحصرة بالبحث عن إجزاء المأمور به عن أمره المتعلق به، الّذي لا بحث فيه عند القوم، و عد من‏

____________

(1)- مناهج الوصول 1: 299- 300، تهذيب الأصول 1: 178- 179.

(2)- عدة الأصول: 83- 15، شرح العضدي: 204- السطر 11، و لاحظ مفاتيح الأصول:

125- السطر الأخير و 126- السطر 1، مناهج الأحكام و الأصول: 66- السطر 22.

(3)- كفاية الأصول: 105.

(4)- تقدم في الصفحة 118.

(5)- نهاية النهاية 1: 118، تهذيب الأصول 1: 179.

(6)- نهاية الأصول: 125.

265

الضروريات الأولية.

و الّذي هو الأقرب على تقدير صحة العنوان المزبور: أن قيد «على وجهه» إشارة إلى إتيان المأمور به على الشرائط المعتبرة فيه حسب الأدلة حين الإتيان، و لا نظر في بحث الإجزاء إلى تلك المسألة الواضحة عندهم، بل نظرهم في هذه المسألة إلى إجزاء الأمر الاضطراري و الظاهري عن الواقعي، فقيد «على وجهه» يفيد إخراج ما لا بحث فيه، و يورث تركيز البحث فيما هو المهم في مباحث المسألة، فلا تخلط.

أقول: لا شبهة في لزوم كون العنوان الموضوع للبحث هنا، شاملا للمباحث المختلفة التي تذكر تحته، و جامعا لشتاتها، و هو هنا مشكل، بل ممنوع، و ذلك لأن مباحث هذه المسألة- على المعروف- ثلاثة، و على ما هو الحق أربعة:

أحدها: البحث عن إجزاء الإتيان بالمأمور به عن أمره، واقعيا كان أو اضطراريا، أو ظاهريا.

ثانيها: إجزاء الإتيان بالمأمور به الاضطراري عن الأمر الواقعي، على ما هو المعروف في تعابير القوم‏ (1)، أو عن المأمور به الواقعي، على ما في بعض التعابير الاخر (2).

ثالثها: إجزاء الإتيان بالمأمور به الظاهري عن الأمر الواقعي، أو عن المأمور به الواقعي، على ما عرفت من الاختلاف في التعبيرين.

رابعها: أن ترك المأمور به حسب الدليل الظاهري، هل يورث الإجزاء، أي سقوط القضاء خارج الوقت، أم لا؟

مثلا: لو أدى نظر المجتهد إلى جواز ترك صلاة الكسوف، و استند إليه المقلد

____________

(1)- فرائد الأصول 1: 242، نهاية الأصول: 132، محاضرات في أصول الفقه 2: 224.

(2)- نهاية الأفكار 1: 224.

266

فتركها، ثم قلد الآخر، و قال بوجوب القضاء، فهل عليه ذلك، أم هو مثل ترك جزء المأمور به مستندا إلى فتواه في عدم لزوم الإعادة؟ و هكذا إذا ترك إعطاء الخمس و الزكاة في ظرفه، لأجل الدليل، ثم بعد مضي سنوات تبدل رأي المقلد مثلا.

فبالجملة: الدليل المقتضي لعدم وجوب الإعادة و القضاء عند التخلف بالنسبة إلى الأجزاء و الشرائط، هو بعينه يقتضي ذلك عند التخلف عن الكل، كما يأتي من غير فرق. و لعل الأصحاب يقولون بالإجزاء في مسألة تبدل رأي المجتهد، حتى فيما إذا ترك المأمور به مستندا إلى فتوى مجتهده، و سيأتي تحقيقه، فعلى هذا لا يعقل الجامع بين هذه المسائل بالضرورة.

و أما بناء على كون مباحثه ثلاثة، فأيضا يشكل تصويره، ضرورة أن مجرد الإجمال في العنوان- كما أفاده الوالد المحقق- مد ظله- غير كاف، فإن قوله: «إتيان المأمور به على وجهه هل يجزي، أم لا؟» (1) يشمل إتيان الصلاة و الإجزاء عن الصوم، و إتيان المأمور به الواقعي و الإجزاء عن الاضطراري، مع أنه غير مقصود بالبحث، فلا بد من التقييد حتى يشمل المباحث الثلاثة، و عند ذلك يخرج البحث الأول.

و لو كان الإجمال كافيا، فالأولى جعل عنوان البحث كلمة «الإجزاء» من غير إضافة شي‏ء آخر إليها، لعدم الحاجة عندهم إليه، لكونه ضروريا، فينحصر التقييد بالمبحث الثاني و الثالث، و هذا معنى عدم الجامع، فلا تغفل.

إيقاظ: في الفارق بين مسألة الإجزاء و غيرها

بناء على ما سلكناه في بحث المرة و التكرار في تحرير محل البحث، من أن الكلام هناك حول أن الجهة المقتضية للتكرار طبعا، هل تورث لزوم التكرار

____________

(1)- تهذيب الأصول 1: 178.

267

بتكرارها؟ (1) لا وجه لتوهم اتحاد البحثين، أو إغناء ذاك عن هذا.

و أما على ما سلكه القوم هناك، من أن القائل بالتكرار يقول: إن الهيئة قاضية بذلك، من غير فرق بين كون المأتي به الأول طبيعة اضطرارية، أو ظاهرية، أو واقعية أولية، فإنه إذا أتى بكل واحد منها، فلا بد له من التكرار إذا ارتفع موضوع الحكم الظاهري، أو الواقعي الثانوي، فعليه لا يبقى وجه لهذا النزاع.

و من العجب توهم القوم جريان النزاع بالنسبة إلى إجزاء المأمور به عن أمر نفسه‏ (2)، فإنه لو سلمنا ذلك، لكنه ليس من النزاع الأساسي في هذه المسألة، فإن المبحوث عنه هنا هو البحثان الآخران: و هما إجزاء المأمور به الاضطراري و الظاهري عن المأمور به الواقعي.

فبالجملة: يلزم سقوطه على القول بالتكرار هناك، إما رأسا، أو نتيجة.

نعم، على القول بعدم دلالته على المرة، و لا التكرار، أو دلالته على المرة، فلا بد من هذا البحث، كما لا يخفى.

ثم إنه لا ربط بين هذه المسألة، و مسألة تبعية القضاء للأداء، فإن البحث هناك- على المشهور- حول أن القضاء بأمر جديد، أو الأمر الأول يكفي، فإن قلنا: بأنه يكفي فلا كفاية عن هذه المسألة، لما يمكن الالتزام بعدم وجوبه، لكفاية المأتي به في الوقت عما هو خارج الوقت، فلا مساس بين المسألتين حتى المسألة الرابعة التي أحدثناها، ضرورة أنه و إن ترك المأمور به في الوقت، و لكنه مستند إلى الدليل، و ما هو موضوع تلك المسألة، هو ترك المأمور به في الوقت، فإذا قلنا بالإجزاء فلا معنى للقضاء، فتلك المسألة في حكم الكبرى لهذه المسألة.

____________

(1)- تقدم في الصفحة 200- 201.

(2)- كفاية الأصول: 107، فوائد الأصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 242- 243، نهاية الأفكار 1: 224.

268

إذا عرفت ذلك، فالبحث في مسائل الإجزاء يتم في مواقف:

الموقف الأول في أن الإجزاء عند الامتثال ليس قهريا

المعروف و المشهور بين أبناء التحقيق: أن إتيان المأمور به على قيوده و شرائطه، علة تامة لسقوط الأمر و حصول الغرض‏ (1)، فلا معنى للبحث عن الإجزاء بالنسبة إلى الأمر المتعلق بذلك المأمور به، واقعيا كان، أو اضطراريا، أو ظاهريا.

و بعبارة أخرى: الأمر الداعي إلى الصلاة المائية، بعد الإتيان بها يسقط قطعا، و هكذا ما هو الداعي إلى الترابية، أو الطهارة الاستصحابية الظاهرية، فإنه بمجرد الإتيان بكل واحد منها، لا يبقى له أثر، و لا معنى للتعبد به ثانيا و ثالثا، من غير الحاجة إلى البرهان، فكما أن الامتثال عقيب الامتثال ممتنع، كذلك تبديل الامتثال بالامتثال الآخر ممتنع، و الامتثال عقيب العصيان- مع فرض وحدة الأمر و الطلب- ممتنع، و بالعكس.

و كل ذلك لملاك واحد، و هو أن مفهوم «الامتثال» و «العصيان» متقومان بالأمر، و حيث لا أمر لسقوطه، لا يمكن أن يتحقق أحد هذين المفهومين ثانيا.

و أما سقوط الأمر بعد الامتثال فهو واضح، فإنه كسقوط الإرادة في الأفعال المباشرية، فكما لا يعقل بقاء الإرادة مع تحقق المراد، لا يعقل بقاء الأمر مع تحقق المأمور به على الوجه المعتبر، و مع جامعيته لما اعتبر فيه، و قد مر شطر من الكلام‏

____________

(1)- كفاية الأصول: 107، نهاية الدراية 1: 373، نهاية الأفكار 1: 224، تهذيب الأصول 1:

181- 182.

269

حول المقام في مباحث المرة و التكرار (1)، و لا نعيده. هذا ما عندهم.

و أما ما خطر ببال «الكفاية» (2) فهو خروج عن البحث، كما فصلناه في السابق‏ (3)، فلا نطيله.

و أما ما عندنا، فهو أن الامتثال ليس من الأمور القهرية، بل هو من الأمور الاختيارية، كسائر الاختياريات، و قد شرحنا ذلك في تلك المسألة مستوفى.

و إجمال ما أقوله هنا: هو أن الأمر الصادر في القوانين الكلية، لا يسقط بامتثال المأمور، ضرورة أن ذلك بعث- بنحو- إلى كلي، و لا يعقل سقوطه، بمعنى انخلاع المادة عن الهيئة، و فناء الهيئة، فلا بد أن يراد من «السقوط» سقوطه عن الباعثية ثانيا بعد الإتيان بالمأمور به.

فإن كان الموجود في الأدلة نفس الدليل الأول، فلا دليل على بقاء الباعثية بنحو الباعثية الإلزامية، و لا الباعثية الاستحبابية و الندبية، أي التي رخص ترك متعلقه في النص مثلا.

و أما إذا قام دليل على بقاء الباعثية الأولى- أي الإلزامية- فيعلم منه تعدد الأمر، و يكون خارجا عن مفروض البحث، و هو وحدة الأمر.

و إن قام الدليل على بقاء الأمر، مع ترخيص الترك، فلا يكون الأمر الثاني غير الأمر الأول، ضرورة أن وجه البقاء، عدم كون المأتي به مستوفيا لتمام المصلحة، و حيث إن المصلحة الندبية باقية، فيبقى الأمر الشخصي الأول، و يدعو إلى متعلقه مع الترخيص إلى تركه، كما ترى في أخبار الصلاة المعادة، فالامتثال الثاني و إن كان يحتاج إلى الأمر قطعا، إلا أن الامتثال الأول لا يورث سقوط الأمر، بمعنى إعدامه،

____________

(1)- تقدم في الصفحة 203- 205.

(2)- لاحظ نهاية الأصول: 124.

(3)- تقدم في الصفحة 208- 211.

270

بل يورث سقوطه، بمعنى قصور باعثيته الإلزامية، فلا تخلط، و اغتنم جدا.

فبالجملة: إن أريد من «الإجزاء» هنا، أن المأتي به الواجد للشرائط، سبب لسقوط الأمر عن الباعثية الإلزامية، فهو مسلم و لا ريب فيه، للزوم الخلف و المناقضة، و غير ذلك من التوالي الفاسدة.

و إن أريد منه سقوط الأمر بالمرة، و عدم بقاء داعويته إلى الطبيعة ثانيا و ثالثا بنحو الندب، فهو ممنوع، و لا نريد من «الامتثال عقيب الامتثال» إلا ذلك.

و هذا غير تعدد الأمر و انحلاله، ضرورة أن الأوامر الانحلالية تابعة للأغراض المختلفة في الوجود، و فيما نحن فيه لا يكون كذلك. و أيضا فإن الانحلال فيها من أول الأمر، فلا ينبغي الخلط جدا.

و ما قيل أو يمكن أن يقال في بحث الصلاة المعادة من الاحتمالات و الوجوه، كلها بعيدة عن الصواب، و تفصيله في محاله.

ثم إن الأولى و الأحسن في هذه المسألة وجه آخر أبدعناه، و ذكرناه سابقا (1).

و إجماله: أن السقوط كما عرفت، بمعنى عدم بقاء الأمر على صفة الباعثية، و هذه الصفة كما تزول بإيجاد المأمور به خارجا، تعود بإعدام ذلك الفرد واقعا، أو في الاعتبار.

مثلا: إذا قال المولى: «تصدق بدرهم» فإعطاء الدرهم يورث سقوط باعثية الأمر، و لكنه إذا تمكن من إعدام ذلك الإعطاء واقعا، بتعقبه بالمن و الأذى، أو اعتبارا، تعود تلك الصفة، لأن معنى الإعدام عدم تحقق الامتثال.

فإذا ورد في الشريعة: «يجعلها الفريضة» (2) و ورود «و إن شئت فصل معهم‏

____________

(1)- تقدم في الصفحة 211 و 213.

(2)- وسائل الشيعة 8: 401، كتاب الصلاة، أبواب صلاة الجماعة، الباب 54، الحديث 1.

271

و اجعلها تسبيحا» (1) فيعلم أن ذلك في اختيار العبد، فإذا جعل ما أتى به أولا تسبيحا فكأنه ما صلى بعد، فعليه إعادته وجوبا.

فبالجملة: الإجزاء- بمعنى عدم وجوب الإعادة و القضاء، و بمعنى عدم التعبد ثانيا، مع قطع النّظر عن الدليل الآخر- قطعي، و بمعنى امتناع بقاء الأمر الواحد الشخصي، أو بمعنى امتناع إعدام الامتثال الأول حتى يوجد محل للامتثال الثاني ممنوع، بل هو واقع.

فما اشتهر: «من أن الامتثال و الإجزاء أمر قهري غير اختياري» (2) صحيح، بمعنى أن ذلك يؤدي إلى سقوط الباعثية الإلزامية مثلا في التكاليف الإلزامية، أو سقوط الباعثية بالنسبة إلى المصلحة الملزمة، أو المصلحة الأهم. و هذا لا يستلزم سقوط أصل باعثيته إذا قامت القرينة عليه، ضرورة أن أوصاف الباعثية- من الإلزام و الندب- مستفادة من القرائن الخارجية، و لا تستعمل الهيئة إلا فيما هو موضوعها، و هو التحريك الاعتباري.

و غير صحيح، بمعنى إمكان الامتثال عقيب الامتثال، و إمكان تبديله بالآخر و هكذا، مع اعتبار الوحدة في الأمر فيما إذا أتى به، ثم أعدم و أفنى في الاعتبار ما أتى به، و هذا هو المقصود في الباب.

و أما لو أريد من تصوير الامتثال عقيب الامتثال و غير ذلك، تصويره بدون الأمر، فهو غير ممكن، و غير مقصود، كما ذكرنا تفصيله في مباحث المرة و التكرار (3).

____________

(1)- وسائل الشيعة 8: 403، كتاب الصلاة، أبواب صلاة الجماعة، الباب 54، الحديث 8.

(2)- فوائد الأصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 242، منتهى الأصول 1: 242.

(3)- تقدم في الصفحة 211.

272

ثم إن المراجعة إلى أخبار الجماعة، و الصلاة المعادة (1)، و إلى ما ورد في صلاة الآيات‏ (2)، يورث الاطمئنان بأن كل واحدة من الطريقتين اللتين أشرنا إليهما، قابلة لحمل المآثير عليها. و لكن قضية ما ورد في المعادة أن الثانية هي المرادة، و قضية ما ورد في الكسوف أن الأولى مرادة، و اللَّه العالم، فلاحظ و تدبر جيدا.

و ربما يخطر بالبال دعوى: أن الإعادة لا يناسب إلا مع اعتبار إعدام المأتي به في الرتبة السابقة كما لا يخفى.

ثم إن مقتضى الطريقة الأولى أن المعادة مستحبة، و الأمر الأولي و الإنشاء الابتدائي باق على نعت الندبية، لقيام القرينة، و قضية الطريقة الثانية أن المعادة تنوي وجوبا، و عليه فتوى بعض المعاصرين‏ (3).

إن قلت: بناء على الأخيرة- و هي الأوفق بالأدلة- يلزم وجوب المعادة إذا اعتبر عدم الامتثال الأول، بجعله تسبيحا و غير صلاة، و الالتزام بذلك مشكل جدا.

قلت: لا دليل على نفوذ إعدامه و تبديل الصلاة تسبيحا إلا إذا تعقبه- بحسب الواقع- الصلاة المعادة، فإن اعتبره تسبيحا، ثم ترك المعادة، يعلم أنه ليس تنقلب صلاته بذلك لا صلاة، حتى يجب عليه الإعادة.

إن قلت: اعتبار الانقلاب يستلزم انعدام الأمر، لأن ما هو المنقلب هي الصلاة بقصد الوجوب و المأمور بها، فإذا انقلبت انعدم الأمر، للتضايف و الملازمة.

قلت: قد مضى أن الامتثال لا يورث سقوط الأمر، و لا يوصف المأتي به‏

____________

(1)- وسائل الشيعة 8: 401- 403 كتاب الصلاة، أبواب صلاة الجماعة، الباب 54.

(2)- وسائل الشيعة 7: 498 كتاب الصلاة، أبواب صلاة الكسوف و الآيات، الباب 8.

(3)- لاحظ ما علقه السيد الحكيم (رحمه اللَّه) على العروة الوثقى: 284 كتاب الصلاة، (دار الكتب الإسلامية 1397)، مستمسك العروة الوثقى 7: 376.

273

بالمأمور به بالوصف الخارجي، بل معنى السقوط هو سقوط الباعثية، و هو يجامع بقاء الأمر الإنشائيّ الّذي لا روح له، لسقوط الغرض المستلزم لسقوط الإرادة، و لكنه إذا اعتبر تبديل الامتثال و جعله تسبيحا، فلا بد أن يعود الغرض، و تعود الإرادة، و يكون الإنشاء باعثه.

هذا مع أن في سقوط الغرض بنحو كلي لا الإرادة، إشكالا أشير إليه في الطريقة الأولى.

و لعمري، إن من تدبر فيما أسمعناكم، لا يحصل له إلا الاطمئنان بأن ظاهر أخبار المسألة ذلك. و في المسألة (إن قلت فلتات) ترجع إلى جهات فقهية خارجة عن هذه المسألة، و من شاء فليرجع هناك.

و الّذي هو المقصود بالبحث: أن ما اشتهر في هذه المسألة، و كان مفروغا عنه عند الكل، مخدوش جدا.

274

الموقف الثاني في إجزاء الاضطراري عن الواقعي‏

هل امتثال الأمر الاضطراري بإتيان متعلقه، يورث الإجزاء و الاكتفاء به عن المأمور به الواقعي، أم لا؟

مثلا: إذا أتى بالترابية أو أتى بالصلاة قاعدا أو مضطجعا، أو مع الموانع الشرعية و هكذا، ثم زال الاضطرار، و تبدلت حالته، فهل يجب عليه الإعادة في الوقت، و القضاء خارجه، أم لا؟

و تمام البحث هنا يستدعي ذكر أمور:

أحدها: في أن المسألة عقلية أو لفظية

لا شبهة في عقلية المسألة السابقة، و إنما الشبهة في أن هذه المسألة عقلية، أو لفظية.

قيل: «هي عقلية، لأن دليل المسألة لا يستلزم لفظية المسألة» (1).

و قيل: «هي لفظية، لأن البحث حول نسبة الأدلة، و حول ما يستفاد من الأدلة في الأحكام الواقعية الثانوية» (2).

و الّذي هو الحق: أن من يقول بتعدد المأمور به و الأمر (3)، فلا بد و أن يقول بأن‏

____________

(1)- منتهى الأصول 1: 238- 239، محاضرات في أصول الفقه 2: 220.

(2)- بدائع الأفكار، المحقق الرشتي: 261.

(3)- كفاية الأصول: 108، نهاية الأفكار 1: 226.

275

المسألة لفظية، لأن إجزاء الطبيعة الفاقدة عن الواجدة- حسب حكم العقل- ممتنع، بعد ثبوت كونهما مأمورا بهما، فلا بد من التصرف بحسب الأدلة الشرعية في واحد من المأمور بهما، حتى يمكن الإجزاء.

و الّذي يقول بوحدة الأمر و المأمور به، و أن التعبير ب «الأمر الاضطراري و الواقعي» أو «المأمور به الاضطراري و الواقعي» (1) غلط، يقول بأن المسألة عقلية، لأنها تصير كالمسألة الأولى المذكورة في الموقف الأول، و الأمر- بعد ذلك كله- سهل.

ثانيها: في عدم الحاجة إلى ذكر البحث في مقامين‏

قد ذكر جمع و فيهم العلامة النائيني (رحمه اللَّه) و الوالد المحقق- مد ظله- البحث في هذا الموقف في مقامين: في الإعادة، و القضاء (2).

و أنت خبير: بأنه إن قلنا بالإجزاء في العذر غير المستوعب، ففي المستوعب بطريق أولى.

و إن قلنا بعدم الإجزاء في غير المستوعب، فهو لأجل عدم تحقق موضوع المسألة، و هو الاضطرار في جميع الوقت، فلا حاجة إلى ذكر البحث في مقامين، بل البحث حول أمر واحد، و هو أن الاضطرار المسوغ إن كان صرف وجوده، فلا إعادة و لا قضاء، إلا على وجه يأتي.

و إن كان وجوده المستوعب، فلا بحث عن القضاء، و تجب الإعادة، لعدم تحقق موضوع هذه المسألة، و هو الإتيان بالمأمور به الاضطراري، و لذلك لا تجد

____________

(1)- نهاية الأصول: 128، تهذيب الأصول 1: 181.

(2)- فوائد الأصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 243، منتهى الأصول 1: 245، تهذيب الأصول 1: 185.

276

من يقول بالتفصيل بين الإجزاء بالنسبة إلى القضاء، و عدمه بالنسبة إلى الإعادة، أو عكسه، فتأمل، و الأمر سهل جدا.

ثالثها: في انحصار البحث بمقام الإثبات‏

قد تعرض «الكفاية» (1) و جمع من المحشين- و منهم العلامة المحشي (قدس سره)(2)- و العلامة صاحب «المقالات» (3) حول المقامين: مقام الثبوت، و مقام الإثبات، فجعلوا محور الكلام في مقام الثبوت حول التصورات الممكنة حسب المصالح و المفاسد، و أن المأمور به الاضطراري تارة: يكون وافيا بتمام الاختياري، و أخرى: لا، و على الأول كذا، و على الثاني كذا، حتى بلغت إلى ثمانية- بل تسعة- بحسب المصالح المتصورة في المأمور به، أو المصالح في نفس الأمر.

و منها: أن مصلحة الاضطراري يمكن أن تكون في عرض الواقعي، كمصلحة القصر و الإتمام، حتى يصح التبديل اختيارا، كما أفتى به المحقق في «المعتبر» (4) و صدقه الأستاذ السيد البروجردي هنا (5)، و هو من عجائب ما صدر منهما (قدس سرهما).

و أنت خبير: بأن هذا بحث لا يرجع إلى محصل، ضرورة أن الأصولي و الفقيه خادم الأدلة و الإطلاق و العموم، و لا يلاحظ ما هو الخارج عن أفق عقله و حد فكره، فضلا عن حدود علمه و فنه، فاللازم عليه التفتيش عن حال الأدلة بمقدار يسعه المقام، ثم إيكال الأمر إلى محله، حسب اختلاف صور الاضطرار، مع إمكان‏

____________

(1)- كفاية الأصول: 108- 109.

(2)- نهاية الدراية 1: 382، حقائق الأصول 1: 197- 202.

(3)- نهاية الأفكار 1: 227- 228.

(4)- المعتبر 1: 366.

(5)- نهاية الأصول: 131.

277

اختلاف الأدلة حسب تلك الصور بلا شبهة و إشكال.

رابعها: في أن البحث إثباتي تصوري‏

النزاع في بحث الإجزاء في المواقف الثلاثة الأخيرة، ليس حول مفاد الأدلة تصديقا، بل الجهة المبحوث عنها هنا هو البحث الإثباتي التصوري، بمعنى أنه إن كان مفاد الأدلة في أبواب الاضطرار كذا، فلا بد من القول بالإجزاء، و إن كان مفادها كذا، فلا بد من القول بعدمه، و إن كان كذا فيفصل بين الأداء و القضاء و هكذا، فما ترى من البحث حول الأدلة إثباتا، في غير محله، لأن تصديق أحد الاحتمالات يحتاج إلى مئونة زائدة على المسألة الأصولية.

ثم إن البحث أيضا، ليس إلا بعد الفراغ عن كون المأمور به الاضطراري، مورد الأمر الاضطراري واقعا، لا تخيلا و توهما، فإنه إذا كان القول بعدم الإجزاء لعدم تحقق الأمر الاضطراري بموضوعه، فهو خارج عن محل الكلام.

فما هو مورد البحث و النزاع: هو أن الإتيان بفرد الطبيعة الناقص، مع كونه متعلق الأمر واقعا و حقيقة، و يكون واقعيا ثانويا، يكفي عن الواقعي الأولي، أم لا، فما يظهر من بعض من الإشكال بعدم الإجزاء، لأجل أن الاضطرار المسوغ هو الاضطرار المستوعب، فهو في غير محله، كما أفاده المحقق الوالد- مد ظله و أدام اللَّه وجوده- (1)، فالبحث هنا بعد فرض كون الموضوع محققا، أو بعد تصديقه فقها.

و مما يشهد على ما عرفت: أن البحث في هذا الموقف بعد الفراغ عن الموقف الأول، و كان المفروض هناك سقوط الأمر الاضطراري بمصداقه و متعلقه، فلا ينبغي الخلط بين الجهات كما خلطوا.

____________

(1)- مناهج الوصول 1: 312، تهذيب الأصول 1: 187.

278

خامسها: في وحدة الأمر و تعدده في المقام‏

ظاهر جماعة أن هنا أمرين و مأمورين بهما:

أحدهما: الأمر الاضطراري المتعلق بالطبيعة الناقصة.

ثانيهما: الأمر الاختياري المتعلق بالمأمور به الواقعي الأولي، و هو الاختياري‏ (1).

و صريح بعض منهم و فيهم الأستاذان: البروجردي (رحمه اللَّه) و السيد الوالد- مد ظله- (2) و لعله يستظهر من «الدرر» (3): أن هنا ليس إلا أمرا واحدا، و خطابا فاردا، و إنما الاختلاف في حالات المكلفين، المستلزم لاختلاف المأمور به بحسب الأجزاء و الشرائط، فيكون الواجب على الواجد، الصلاة المائية، و على الفاقد، الترابية.

و عليه بنوا مرامهم في هذا الموقف من الإجزاء، و ادعوا وضوح هذه المسألة بعد ذلك، و قالوا: «لو كان هنا أمران و مأموران بهما، للزم امتناع الإجزاء، كيف؟! و لا يعقل الإجزاء بين الصوم و الصلاة، و كذلك الأمر هنا، بخلاف ما إذا كان هنا أمر واحد، فإنه ممتثل قهرا، لتحقق موضوعه، و هو الاضطرار آنا ما، كما قد عرفت ذلك‏ (4)، فإنه لا يعقل إنكار الإجزاء، لرجوعه إلى الخلف، كما لا يخفى.

أقول: إن قلنا بأن الأمر واحد، و أن الباعث نحو المأمور به الاضطراري، هو الباعث نحو الاختياري، و أنهما بحسب اختلاف الحالات يختلفان نقيصة و كمالا،

____________

(1)- كفاية الأصول: 108، نهاية الأفكار 1: 226.

(2)- نهاية الأصول: 128، تهذيب الأصول 1: 181.

(3)- درر الفوائد، المحقق الحائري: 80.

(4)- تقدم في الصفحة 269- 270.

279

فيلزم بناء عليه جواز تبديل الحال، و هذا ضروري الفساد:

أما بيان الاستلزام، فلأن معنى ذلك هو وحدة الطلب و المطلوب، و إنما اختلاف المطلوب كما و كيفا ليس إلا من جهة تبادل الأحوال المعتبرة في الأدلة، كالسفر و الحضر، و لذلك ترى أن من يقول بذلك، و التفت إلى هذه الملازمة، التزم بهذا التالي‏ (1).

فبالجملة: قالوا: إن الداعي إلى الركعتين في السفر، كما يكون قوله تعالى:

أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى‏ غَسَقِ اللَّيْلِ‏ (2) و هو الداعي إلى أربع ركعات في الحضر، و الاختلاف يعلم من الدليل المنفصل، كذلك هو الداعي إلى الترابية و المائية، و اختلاف حدود المأمور به يعلم من الدليل الآخر، كتابا كان، أو سنة، و قد تقرر في محله إمكان جعل الجزئية و الشرطية و رفعهما مستقلا (3)، من غير الحاجة إلى رفع الأمر عن الطبيعة، و إنشائه ثانيا على الطبيعة الناقصة، حتى يحتاج إلى الأمرين.

و في كلام الوالد المحقق- مد ظله- (4) الإشارة إلى أن وجه اختيار تعدد الأمر، ربما كان عندهم امتناع جعل الجزئية و الشرطية و رفعهما بدون رفع الأمر عن الطبيعة كلها، و هو باطل.

فبالجملة تحصل: أن لازم ذلك ذاك من غير شبهة، كما ذكره الفقيه البروجردي (قدس سره)(5).

و أما بيان فساده، فهو موكول إلى محله، و لا أظن التزام أحد به و إن ظهر

____________

(1)- نهاية الأصول: 131.

(2)- الإسراء (17): 78.

(3)- يأتي في الجزء الثامن: 431.

(4)- تهذيب الأصول 1: 180.

(5)- نهاية الأصول: 131.

280

منه (قدس سره) و لكنه خطأ قطعا، كما يظهر من حواشيه على «العروة» (1) و مجرد ذهاب «المعتبر» إليه‏ (2) لا يورث خللا في ظهور فساد مختاره، و به يشهد الكتاب‏ (3) و السنة (4)، أ فترضى أن تقول بوجوب الفحص عن الماء مدة مديدة، ثم بعد العثور عليه يهريقه و يتيمم، فهل هذا إلا الجزاف المنسوب إلى الشريعة المطهرة؟! فإذن لا بد من الالتزام بالمطلوب الأعلى و الأدنى، و المطلوب الأولي و الثانوي، و لا يعقل تعدد المطلوب مع وحدة الأمر و الطلب بالضرورة.

و بعبارة أخرى: لا بد من الالتزام بأن هناك طبيعة كاملة، و طبيعة ناقصة، و أنه لا يرضى بالناقصة عن الكاملة إلا في مواقف خاصة مثلا، و إنما البحث في تشخيصها.

و بالجملة: هنا أمران: فإن قلنا بأنهما فعليان، و أحدهما: متعلق بالاضطراري، و ثانيهما: بالواقعي، و كلا يدعو إلى متعلقه، فهو أيضا باطل سواء قلنا بأنهما تعيينيان، أو تخييريان، فإنه على الأول يلزم الجمع، و هو واضح المنع، و على الثاني يلزم- مضافا إلى جواز تبديل الحال الواضح فساده و لزومه- أنه لا يكون من الإجزاء، ضرورة أن أحد فردي الواجب التخييري، لا يكون مجزيا عن الآخر، فإن الإجزاء هو اعتبار بين الأمرين الطوليين، لا العرضيين، فما ترى من التعبير ب «الإجزاء» على التخيير فهو في غير محله.

و أما توهم: أن التخيير ممتنع، لأنه من التخيير بين الأقل و الأكثر، فهو فاسد، لاختلاف زمان الواجبين، فكما يمكن التخيير بين الأقل و الأكثر إذا كان مكانهما مختلفا، فيكون مخيرا بين ركعتين هنا، و أربع ركعات على رأس ثمانية فراسخ، بناء

____________

(1)- العروة الوثقى: 145، في مسوغات التيمم، المسألة 13، (الطبعة الحجرية في سنة 1373 ه. ق) ..

(2)- المعتبر 1: 366.

(3)- المائدة (5): 6.

(4)- لاحظ وسائل الشيعة 3: 341 كتاب الطهارة، أبواب التيمم، الباب 1، الحديث 1، و الباب 3، الحديث 2.

281

على كونهما واجبا مخيرا، و لا مشاحة في المثال، كذلك يمكن التخيير بينهما فيما اختلف زمانهما، فيكون مخيرا بين إعطاء درهم الآن، و ثلاثة دراهم في الليل، فإنه تخيير جائز، بل واقع.

فلا بأس بكونه مخيرا بين الناقصة و الكاملة، بأن يأتي بالأولى أول الوقت، و بالثانية آخره، فما ترى في كلام بعض الأعلام: من أن التخيير بين الأقل و الأكثر غير جائز (1)، فهو محل منع صغرى، بل و كبرى، كما يأتي في محله إن شاء اللَّه تعالى‏ (2)، فانتظر.

و إن قلنا: بأن أحدهما فعلي، و الآخر شأني، فلا بد من كون الفعلي هو الأمر الاضطراري، و الإنشائيّ هو الأمر الاختياري، ضرورة أنه في عكسه يلزم الخلف، لما مضى من أن المفروض تحقق موضوع الأمر الاضطراري، و لا يعقل مع ذلك الفرض شأنية الأمر و إنشائيته.

فيتعين على هذا كون الأمر الاضطراري فعليا، بمعنى أن المولى ذو مطلوب أعلى، و هي الصلاة المائية في الوقت، مع أغراض اخر في نفسها و جعلها، ثم بعد ذلك إذا كان يرى اختلاف الناس، و اختلاف قدرتهم و تمكنهم في الوقت من أوله إلى آخره، و لا يمكن حفظ جميع المطلوب مع هذا الاختلاف الشديد الواضح، يتنزل عن مطلوبه الأعلى، لحفظ المصالح الاخر السياسية و غير السياسية.

و من السياسية تسهيل الأمر على المكلفين، لئلا يرتدعوا عن الشريعة المطهرة، و لا يقع في أنفسهم أنها صعب يشكل المشي معها، و لا تناسب إلا أهل العطلة و جماعة خاصة كما لا يخفى، فيوسع عليهم الأمر، مع شدة طلبه للصلاة

____________

(1)- قوانين الأصول: 117، فوائد الأصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 235، تهذيب الأصول 1: 363- 364.

(2)- يأتي في الجزء الرابع: 16- 18.

282

الجامعة للشرائط، طلبا نفسانيا غير مظهر بإيجاب مستتبع للعقاب. و هذا مما يمكن جدا، كما نرى من حالنا بالمقايسة إلى مطلوباتنا من عبيدنا، فلا تذهل.

فإذا وسع عليهم الأمر بترخيص الإتيان بالناقصة، مع عدم بنائه على الإيجاب ثانيا عند تبدل الحال و رفع الاضطرار، فلا بد و أن يرفع اليد عن الكاملة بقبول الناقصة و ليس هذا إلا الإجزاء و هو الاكتفاء بالناقصة عن الكاملة التي كانت مطلوبه الأعلى، فافهم و اغتنم.

فتحصل: أن ما هو بحسب الجعل الأولي مورد الطلب، هي الكاملة، فلا يمكن تفويت المصلحة، لاستلزامه المنقصة، و لكنه إذا ارتكب ذلك فيجزي بحسب الحكم الوضعي، لتحقق موضوعه حسب الأدلة المتعرضة للحكم الواقعي الثانوي و المطلوب الأدنى.

إن قلت: لا منع من الالتزام بتحقق موضوع الأمر الاضطراري، و لكنه إذا تبدل الحال يجب عليه التدارك، بالتكرار، و عدم وجوب التكرار في الصلاة، فهو للنص و الإجماع، فلا منع من الالتزام به في غيرها.

قلت: لا يعقل الترخيص إلا بعد رفع اليد عن الواقع الأولي، لأنه إذا كان طلبه الجدي باقيا بالنسبة إلى الكاملة، فلا يدعو إلا إليها، فلا يرخص في أول الوقت في إتيان ما لا يطلبه.

نعم، يمكن دعوى إيجاب الاضطراري و الواقعي الأولي، لأن الاضطراري مشتمل مثلا على مصلحة أول الوقت، و الاختياري مشتمل على مصلحة المائية، فإذا أتى بهما أدرك المصلحتين. و لكنه مجرد احتمال، لأن من المحتمل ارتباطية المصلحتين، كما هو الأوفق بالأدلة.

فبالجملة: هذا خروج عن بحث الإجزاء، لأن مفروض الكلام حول أن الواجب ليس متعددا، و لو أمكن ذلك فهو- بحسب الفرض- من الأقل و الأكثر

283

الارتباطيين، بمعنى عدم إمكان استيفاء تمام المصلحة إلا بمصداق واحد، لا بمصداقين كما لا يخفى، و لا ينبغي الخلط جدا كما خلطوا.

فما قد يقال: من أن الإجزاء لو تم فهو في مثل الصلاة، للإجماع على مقدار الواجب منها (1)، فهو في غير محله.

و مقتضى ما ذكرناه أنه إذا كان في أول الوقت مختارا، فتخلف عصيانا أو نسيانا، و كان آخر الوقت مضطرا، فإنه لا يسقط عنه الأمر، بل الواجب عليه عند ذلك هي الناقصة، فترخيص المولى أول الوقت، لا يمكن إلا على الوجه الّذي أشير إليه المورث للإجزاء. و تعيين المائية أول الوقت مع العلم بحصول الاضطرار آخره، لا يورث سقوط الأمر بعد تفويت مصلحة المائية، كما لا يخفى.

و بعبارة أخرى: هذه المسألة شبيهة بمسألة الترتب، فكما أن هناك ليس إلا أمرين، أحدهما: فعلي، و الآخر: شأني، كذلك الأمر هنا.

و لكنه في تلك المسألة، يكون الأهم و المهم متباينين في الماهية و الوجود، بخلافه هنا، ضرورة أن اختلاف الناقصة و الكاملة، ربما تكون في الكيف، و أخرى يكون في الكم، كما هو الظاهر.

و أيضا: في تلك المسألة يكون المهم و الأهم بحسب الأمر طوليين، و بحسب الزمان عرضيين، و هنا يكون الاختياري و الاضطراري بحسب الزمان أيضا طوليين، و لذلك ربما يكون المهم من أول الأمر فعليا هنا، بخلافه هناك، فإن الأهم فعلي في جميع فروض البحث، و إلا فليس من الترتب المصطلح.

و كما أن امتثال المهم، لا يعقل إلا بعد إعراض المولى عن الأهم، أو سقوطه بالعصيان، كذلك الأمر هنا، فإن امتثال الاضطراري لا يعقل إلا بعد تحقق موضوعه، و رفع اليد عن الأهم، و هي المائية، و إن كان ذلك ليس لأجل العصيان إلا فيما كان‏

____________

(1)- أجود التقريرات 1: 206.

284

في أول الوقت مختارا، و عصى بتفويت المائية، فليتدبر جيدا.

إيقاظ: فيه برهان على تعدد الأمر

و لا يخفى عليك: أن الالتزام بالعصيان في تفويت المائية، لا يمكن إلا برجوعه إلى عصيان الأمر النفسيّ، و لا يكون الأمر المتوجه إلى الطهارة نفسيا بالضرورة، فيكون الأمر بالطبيعة ساقطا، ثم بعد عصيانه يوجد الأمر الآخر متوجها إليها مع الترابية، فقوله تعالى: فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً* (1) إشارة إلى أنه صل مع المائية، و إن لم يوجد الماء، أو وجد و أريق، فصل مع الترابية فهناك أمران:

أحدهما: متوجه إلى المطلوب الأعلى.

و ثانيهما: إلى الأدنى بعد الاضطرار إليه، و عدم التمكن من الإتيان بالأول فافهم و تأمل.

ثم إن الإشكال المتوجه إلى الترتب‏ (2)، لا يتوجه إلى هذه المسألة، لاختلاف وقتهما، فإن وقت المهم و الأهم هناك واحد، بخلاف وقت الاضطراري و الاختياري.

هذا مع أن فقدان الماء في أول الوقت، يستلزم- حسب الأدلة- تعين الأمر و فعليته، فلا يكون شرطه عصيان الأهم، بخلاف باب الترتب، فلا تخلط.

فالمحصول مما قدمناه: أن الإجزاء لا يكون إلا برفع اليد عما هو المطلوب الأعلى حفاظا على مصالح اخر.

و أما دعوى: أنه يمكن بالحكومة، بأن يكون دليل الواقعي الثانوي، متكفلا

____________

(1)- النساء (4)، المائدة (5): 6.

(2)- كفاية الأصول: 166.

285

لتنزيله منزلة الواقعي الأولي‏ (1)، فهي غير مسموعة، لأن تلك الدعوى لا تكون إلا بعد سقوط الطلب الجدي الأولي ثبوتا، و هي كاشفة عنه إثباتا.

و أما توهم الإجزاء، لأجل استيفاء المصلحة الأعلى بالاضطرارية (2)، فهو باطل، للزوم جواز تبديل الحال اختيارا. مع أن مفهوم الإجزاء شاهد على فرض أن المأتي به أقل ملاكا من المطلوب الأولي.

تنبيه: على عدم الفرق في الإجزاء بين إطلاق الدليل و إهماله‏

بناء على ما سلكناه في وجه الإجزاء، فلا فرق بين كون دليل الاضطرار له الإطلاق، أو الإهمال، لأن الإهمال المورث للشك في تحقق موضوع الاضطرار، يستلزم الخروج عن الجهة المبحوث عنها.

و إذا كان موضوعه متحققا، فلا حاجة إلى الإطلاق من جهات اخر، أي لا حاجة إلى إثبات بدليته على الإطلاق، فإن أصل البدلية آنا ما، يستلزم الإجزاء و الاكتفاء به عما هو المطلوب الأعلى قهرا، كما عرفت.

و هكذا الكلام في إطلاق المبدل منه و إهماله، فإنه على تقدير إهماله يرجع إلى الشك في رفع اليد عن المطلوب الأولي، فلا يتحقق موضوع البحث، و على تقدير تحقق موضوعه فلا حاجة إليه من جهة أخرى.

إن قلت: الملازمة- كما أشير إليه- ممنوعة، ضرورة أن من الممكن جواز البدار، و الترخيص في الإتيان بالبدل الاضطراري، و يكون النتيجة التخيير بين المصداقين: الاضطراري، و الاختياري.

____________

(1)- لاحظ نهاية الأفكار 1: 234.

(2)- فوائد الأصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 244- 245.

286

و لكنه إذا تبدل الحال آخر الوقت، يتعين عليه الاختياري، لعدم وفاء الاضطراري بتمام المطلوب. و مجرد الاحتمال كاف لعدم إمكان الحكم بالإجزاء.

و تصير النتيجة على هذا: لزوم الجمع بين الأداء و القضاء، لأنه بذلك لا يفوت شي‏ء من المصلحة اللازم دركها.

قلت: من توهم ذلك- كما هو عن جماعة من الأفاضل‏ (1)- فهو لعدم الوقوف على مغزى المرام في المقام، و هو أن الجهة المبحوث عنها في مسألة الإجزاء: هي أن الإتيان بالطبيعة الناقصة، يجزي عن الطبيعة الكاملة، أم لا، كالإتيان بمصاديق الصلاة الاضطرارية عن الواقعية، و الصوم الاضطراري عن الواقعي و هكذا.

أو الإتيان بما يعد صلاة مجازا- كصلاة الغرقى عن الصلاة الجامعة لجميع الأجزاء و الشرائط- مجز، أم لا، مما يرجع إلى الأقل و الأكثر واقعا، أو اعتبارا الراجع إلى الأقل و الأكثر في الملاك أيضا، أي كما لا معنى لأن يصلي حال الاختيار صلاة مع النجس، و صلاة مع الطاهر، بتوهم أن الصلاة الأولى واجدة لمصلحة أول الوقت، و الصلاة الثانية واجدة لمصلحة الطهارة، كذلك الأمر حال الاضطرار.

و سر ذلك: هو أن الملاك أيضا من قبيل الأقل و الأكثر الارتباطيين القائم بمصداق واحد، لا بالمصاديق الكثيرة المختلفة، حتى أنه إذا صرح دليل بوجوب الاختيارية آخر الوقت مع الإتيان بالاضطرارية، فهو لا يكشف عن عدم الإجزاء، بل هو كاشف عن أجنبية المصداق الاضطراري عن الاختياري، و يكون الباعث إلى الترخيص جهة أخرى، كما لا يخفى.

إن قلت: إنا نرى بالوجدان إمكان كون المطلوب الأعلى، مباينا في الطبيعة مع المطلوب الأدنى، كما إذا أمر المولى باشتراء البطيخ، ثم أفاد: «أنه إذا لم يوجد البطيخ فليشتر الرقي» فإن الثاني مجز عن الأول، لكونه مصداقا اضطراريا للمطلوب‏

____________

(1)- العروة الوثقى 1: 500، المسألة 3.

287

الجامع، مع كونه مباينا معه في الطبيعة.

قلت: هذا غير صحيح، لأن الغرض الأقصى ليس مورد الأمر، و لا الغرض الجامع بين الأعلى و الأدنى، بل الّذي هو مورد الأمر هو الطبيعة، فإن كان بين الاضطراري و الاختياري، جامعا بحسب الطبيعة، فيصح أن يقال: هل الإتيان بمصداق الاضطراري كاف عن الاختياري، أم لا؟ و إلا فلا يصح، ضرورة أن الرقي ليس مصداقا اضطراريا للبطيخ بالضرورة، بخلاف الترابية بالنسبة إلى المائية.

ففي الجهة المبحوث عنها في بحث الإجزاء، لا بد من التوجه و الالتفات إلى هذه النكتة، و كان ينبغي أن نذكر هذه الجهة من الأمور مستقلة.

إن قيل: بناء عليه لا بد من الالتزام بوحدة الأمر، حتى يكون المأمور به الواحد ذا مصداقين: اضطراري، و واقعي.

قلنا: كلا، بل لا بد من كون الطبيعة محفوظة بين المصداقين، و إن كان الأمر المتوجه إلى الاضطراري، غير الأمر المتوجه إلى الاختياري.

فإذا أحطت خبرا بما أسمعناك، تقدر على استخراج الإجزاء بحكم العقل الضروري، فإن ترخيص البدار لا يعقل إلا بعد رفع اليد عن المطلوب الأعلى، فما هو المأمور به فعلا قد أتي به، و ما هو المطلوب الأعلى و الواقعي الأولي- حسب الجعل و التشريع- قد رفع اليد عنه، و انصرف عن خصوصيته قهرا و طبعا.

سادسها: في صور الشك في الإجزاء و حكمها

إذا شك في الإجزاء، فالصور لاختلاف مناشئ الشك كثيرة، نذكر مهماتها:

الصورة الأولى: إذا فرضنا تحقق موضوع البدل الاضطراري، و لكن شك في أن البدل المزبور، يكفي عن المصلحة ثبوتا، أم لا بد من التكرار حتى يدرك ما فات منها، فالظاهر جريان البراءة بعد مفروضية الإهمال، لأن ذلك يرجع إلى الشك في‏

288

حدوث التكليف آخر الوقت.

و هذا من غير فرق بين كون الأمر بالبدل غير الأمر بالمبدل منه، أو بكونهما واحدا، أو الاختلاف في الأمر الغيري، و هو الأمر بالمائية و الترابية لاختلاف حالات المكلفين، فإنه بعد الإتيان بالبدل الاضطراري، يشك في حدوث الأمر الغيري للمائية، و سيأتي زيادة توضيح من ذي قبل إن شاء اللَّه تعالى.

الصورة الثانية: في الفرض السابق، إذا كان في أول الوقت مختارا فترك، ثم بعد ذلك تبدلت حالته، فلا شبهة في لزوم الإتيان بالاضطراري، بناء على المشهور في العبادات و أمثالها.

و إنما البحث في القضاء، فإن قلنا: إنه بالأمر الجديد، فتجري البراءة.

و إن قلنا: هو بالأمر الأول فلا بد من القضاء، لأنه بعد العلم بالمأمور به المأتي لا بد من الفراغ عنه، و هو لا يحصل احتمالا بالفرد الاضطراري في الوقت.

و ربما يختلف الحكم على القول بوحدة الأمر و تعدده، فإنه على الأول يمكن الالتزام في القضاء بأنه بالأمر الأول.

و أما على الثاني: فالأمر بالاختياري يسقط، لسقوط موضوعه، و هو واجد الماء، و الأمر بالاضطراري يحدث، فلا يبقى أمر يمكن استصحابه بعد الوقت، لأن الأمر الحادث في أول الوقت قد زال قطعا، لتبدل الموضوع، و الأمر الثاني الحادث آخر الوقت قد امتثل و سقط، لأن موضوعه- و هو العذر المستوعب- قد تحقق.

نعم، إذا شك في أن موضوع الاضطراري آخر الوقت، هل هو الاضطرار من الأثناء إلى آخر الوقت، أم هو الاضطرار في مجموع الوقت؟ فإنه عند ذلك- لو لا الأدلة الثانوية- تجري البراءة عن التكليف، لأنه حال الاختيار قد عصى أو نسي، و حال الاضطرار يشك في حدوث التكليف.

نعم، يمكن الالتزام بأن الأمر الأول، لا يسقط بسقوط المطلوب الأعلى، و هو

289

المائية، كما هو مبنى أن القضاء بالأمر الأول، فعند ذلك يجري الاستصحاب الحكمي، فليتدبر جيدا.

و أما التمسك بالاستصحاب الموضوعي، و هو عدم الإتيان بالمأمور به و فريضته لإثبات القضاء، فهو محل إشكال من جهتين:

تارة: من جهة أن الموضوع هو الفوت، لا عدم الإتيان.

و أخرى: من جهة أنه أصل مثبت.

و المسألة- على ما ببالي- محل البحث، ليس لما اشتهر: «من أن موضوع القضاء هو الفوت» (1) و لكن البحث في أنه فوت الفريضة، أو فوت المصلحة، في محله، و مورد التصديق، و التفصيل يطلب من الفقه.

و ربما يمكن دعوى عدم ترتب ثمرة على الاستصحاب، لأن مع فرض تحقق موضوع البدل الاضطراري- و هو الاضطرار من الأثناء إلى آخر الوقت- لا يمكن إجراء استصحاب عدم الإتيان بالفريضة.

نعم، يمكن إجراء عدم إدراكه تمام المصلحة بالفرد الاضطراري، على نحو العدم الأزلي، و لكن لا يكون في حد نفسه واضح الجريان، و لا يكون موضوع القضاء قطعا.

ثم إنه ربما يظهر من بعض الأعلام، لزوم الاحتياط في نظير المقام‏ (2)، لأن احتمال بقاء المصلحة الملزمة، يستلزم الاحتياط، للشك في القدرة بعد العلم بتمام المصلحة، فلا يلزم في الاحتياط الشك في القدرة مع العلم بالتكليف الفعلي، بل لو كان مطلوب أعلى، و شك في سقوطه بالأدنى، و احتمل بقاء المطلوب الأولي و احتمل إمكان استيفاؤه بالإعادة، فلا بد من الاحتياط و إن لم يكن علم فعلي بالتكليف.

____________

(1)- نهاية التقرير 2: 204 و 210، مستند العروة الوثقى، كتاب الصلاة 1- 5: 77.

(2)- نهاية الأفكار 1: 230.

290

و نظيره أطراف العلم الإجمالي بعد خروج بعض الأطراف عن دائرة العلم المستلزم لانتفائه، فإنه لا يكون علم فعلا بالتكليف، و لكنه يجب الاحتياط مع الشك في القدرة، كما لا يخفى. و أنت خبير بما فيه و بما في المقايسة.

الصورة الثالثة: لو كان في أول الوقت مضطرا، و شك في أن موضوع البدل هو العذر المستوعب، أو مطلق العذر، فأتى بالبدل، بناء على جوازه و عدم حرمته تشريعا، فهل يجب الإعادة في الوقت، و القضاء خارجه، عند تبدل حاله في الوقت، أم لا؟

صريح «الكفاية» هو الثاني، تمسكا بالبراءة عن التكليف المشكوك حدوثه، و قال: «إنه في القضاء بطريق أولى» (1).

و قال السيد الأستاذ البروجردي (رحمه اللَّه): «هذا فاسد جدا، لأن المكلف قد علم باشتغال ذمته بالأمر الواقعي، فيكون مرجع شكه إلى السقوط بالفرد الاضطراري» (2).

و أفاد المحقق الوالد- مد ظله-: «أن من يقول بالأمرين فالبراءة محكمة، و من يقول بالأمر الواحد فالاشتغال محكم» (3).

و أضاف العلامة الأراكي (قدس سره): «بأن المسألة من صغريات دوران الأمر بين التعيين و التخيير، لأنه إذا ترك الاضطراري يتعين عليه الاختياري، و لا يجب عليه البدار إلى الاضطراري، فيكون هو مخيرا بين الفرد الاختياري و الاضطراري، أو يكون الاختياري متعينا عليه، فلا بد من الاحتياط، سواء كان هناك أمران، أو أمر

____________

(1)- كفاية الأصول: 110.

(2)- نهاية الأصول 1: 131- 132.

(3)- تهذيب الأصول 1: 187.

291

واحد، لتنجيز العلم الإجمالي الأمور المتدرجة، كغيرها» (1).

و قيل: «بأنه و إن كان منها، إلا أن محكمية الاشتغال في جميع فروض دوران الأمر بين التعيين و التخيير ممنوعة، بل هو في بعض الموارد، كما يظهر تفصيله في محله» (2) و هذا ليس إشكالا في المسألة، كما لا يخفى.

أقول: الاشتغال من طريقين:

الأول: هو أن المأمور به بحدوده و قيوده- و منها الطهارة المائية مثلا في أول الوقت- معلوم و لو كان المكلف فاقد الماء، فإذا علم باشتغال ذمته به، فيرجع الشك إلى سقوطه به، فيجب الاحتياط بالتكرار، و لا يجب القضاء، لعدم علمه بموضوعه بناء على كون الموضوع عنوان «الفوت».

و أما إذا قلنا: بأن موضوعه أعم منه و من عدم الإتيان بالفريضة، فيجري الاستصحاب الموضوعي، كما لا يخفى.

و يتوجه إليه: أنه كيف يعقل تنجز المأمور به بتمام قيوده و حدوده مع عجزه عن القيد؟! فإنه كما لا يعقل ذلك في أصل الخطاب، لا يعقل ذلك في قيد المكلف به.

و دعوى: أن ما هو المعلوم هو الجامع بين المقيد و المطلق، أو المقيد بالقيد الكذائي و الكذائي‏ (3)، مسموعة، إلا أنه يرجع إلى الأقل و الأكثر، فيكون الجامع واجبا معلوما، و القيود مشكوكة تجري فيها البراءة.

إن قيل: هو قادر بلحاظ جميع الوقت، فيكون بلحاظ جميع الوقت، فيكون بلحاظ حاله الفعلي مشكوك القدرة.

____________

(1)- نهاية الأفكار 1: 230.

(2)- محاضرات في أصول الفقه 2: 246- 247.

(3)- محاضرات في أصول الفقه 2: 248.

292

قلنا: نعم، إلا أنه لا يعقل توجيه الخطاب الفعلي المنجز إليه.

و غاية ما يمكن أن يقال في تقريب الاشتغال هنا: هو أن القدرة و العجز خارجان عن المأمور به، و لا يكون الخطاب- حسب ما تحرر في محله- منحلا إلى الخطابات حسب حالات الأفراد (1)، فإذن يجوز كون الواجب على كافة المكلفين، هو الصلاة المائية، و حيث يكون فيهم من هو القادر عليها، فيكفي صدور الخطاب الجدي بالنسبة إلى الكل، فعليه لا بد من الاحتياط، لرجوع الشك إلى كفاية الفرد الاضطراري عنه.

و كان على الوالد المحقق- مد ظله- التوسل بهذا التقريب في إفادة الاشتغال، كما لا يخفى.

و فيه: أن ذلك أصل لا غبار فيه، و يستثمر منه الآثار العديدة، و تنحل به المعضلات الكثيرة، و لكنه هنا غير نافع، لأن مقتضى ما تحرر في محله: أن التمكن من المائية و عدم التمكن منها، مأخوذ في الدليل، و عند ذلك لا يمكن جعل الخطاب الأعم بالنسبة إلى العاجز.

فإذا قيل: وَ إِنْ كُنْتُمْ مَرْضى‏ أَوْ عَلى‏ سَفَرٍ* ... فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً* (2) فيعلم خروجه عن الخطاب الأولي، و اختصاصه بواجد الماء، فلا يعقل تصوير كون الواجب على الفاقد هي المائية، حتى يمكن تثبيت الاشتغال، فلا تغفل، و لا تخلط.

و توهم إمكانه بنحو الواجب المعلق، بأن يقال: بأن الواجب حين الفقدان، فعلي بلحاظ حال الوجدان، و هو آخر الوقت، غير نافع، لأنه مع فرض الشك في‏

____________

(1)- يأتي في الجزء الثالث: 347- 348.

(2)- النساء (4): 43، المائدة (5): 6.

293

أن موضوع الاضطرار هو مطلق العذر، أم هو العذر المستوعب، يشك في وجوبه التعليقي، و لا يمكن العلم به، لأن مع احتمال رفع اليد عن المطلوب الأعلى، لا يمكن العلم بالطلب المعلق الفعلي. نعم يعلم بالمعلق المشروط بعدم الإتيان بالبدل.

فبالجملة: لا بد من كون متعلق التكليف في لزوم الخروج عن عهدته عند الشك، معلوما من جميع الحدود و القيود، و إذا دخل الوقت، إما يكون الواجب هي الطبيعة الجامعة بين الأفراد، من غير معلومية الخصوصيات، كالترابية، و المائية، فمقتضى البراءة في الأقل و الأكثر عدم وجوب الأكثر، و إن كانت الطبيعة واحدة، و الأمر واحدا.

و إن كان ما هو المعلوم هي الطبيعة المائية، فيدعو الأمر إليها، فلا بد من الاحتياط. إلا أنه غير صحيح، لأنه مع احتمال كونه موضوع الترابية لا يعلم الخصوصية.

و إن قلنا: بأن ما هو المعلوم من الأول هي الترابية، فلا وجه للاشتغال. و معنى أن ما هو الواجب هي الترابية: هو أن الصلاة واجبة، و تقع بصفة الوجوب، و لكنها من جهة خصوصية المصداق- و هي الترابية- مورد الرخصة، و أنه يجوز له التأخير إلى آخر الوقت، كما هو شأن جميع الواجبات الموسعة، فإنها تقع بصفة الوجوب إذا تحققت في أول الوقت، و لكنه يجوز تأخيرها، و الإتيان بمصاديق اخر مع الخصوصيات الأخرى، كما لا يخفى.

الثاني: أن هذه المسألة من صغريات مسألة دوران الأمر بين التعيين و التخيير، فلا بد من القول بالاحتياط، و قد عرفت في طي البحث وجهه، فلا نعيده.

أقول أولا: إن مقتضى ما تحرر منا في محله: أن المسألة من صغريات دوران الأمر بين كونه من الواجب التعييني الذاتي، أو الواجب العيني العرضي، على ما

294

اصطلحنا عليه في أقسام الواجب‏ (1).

مثلا: في مسألة صلاة الجمعة و الظهر، ليس الوجوب تخييريا، بل الواجب بالذات هو الظهر، و الجمعة تكون مجزية عنه، و هذا ليس من الواجب التخييري اصطلاحا، الّذي يكون التخيير فيه مجعولا من أول الأمر.

و تظهر الثمرة في صورة الشك، فإنه على ما ذكرناه يتعين الاشتغال إذا لم يكن الدليل ناهضا على الإجزاء، بخلاف الأمر على ما أفاده القوم، فإنه يمكن اختيار البراءة، بناء على جريانها في دوران الأمر بين التعيين و التخيير.

و على هذا تعرف: أن مسألتنا هذه لو كانت من صغريات مسألة، فهي من صغريات هذه المسألة، لا تلك، فلا تغفل.

و ثانيا: ليست هذه المسألة من صغريات المسألتين السابقتين، ضرورة أن الواجب معلوم في أصله، و الأمر النفسيّ العيني واضح من أول الوقت، و إنما الشبهة في خصوصياته، فإن كان المكلف موضوع البدل، فيجوز له البدار إلى الترابية، فيكون ما هو المدعو إليه هي الصلاة الترابية، من غير كونها واجبة عليه بالتعيين، و إن لم يكن موضوعها، فلا بد من الصبر و الانتظار حتى يأتي بالمائية.

فما هو الواجب عليه موسعا هي الصلاة، و لا شبهة في ذلك، و لا ترديد فيه أصلا، و حيث لا دليل على حدود المكلف به من أول الوقت، لا سبيل إلى إيجاب التأخير، و لو أتى به أول الوقت يشك في ثبوت الأمر بالخصوصية بعد ما صار واجدا للماء، و الشك في سقوط التكليف ينشأ من الشك في حدوده، و حيث لا دليل عليه فالمرجع هي البراءة- كما أفاده «الكفاية» (2)- بلا شبهة و إشكال.

____________

(1)- يأتي في الجزء الرابع: 73.

(2)- كفاية الأصول: 110.

295

فتحصل، أنه مع الإتيان بالبدل الاحتمالي، لا يبقى موقف للعلم بالتكليف مع الخصوصية.

نعم، لو قلنا بعدم جواز البدار عند الشبهة، و قلنا ببطلان الترابية، فلا بد من الصبر و الانتظار. و هذا كأنه خروج عن موضوع البحث، و لا يضر بالجهة المبحوث عنها هنا، كما لا يخفى.

و إن شئت قلت: لا يمكن أن يقال بالتخيير بين الترابية و المائية، لأن الترابية في طول المائية، و حيث لا يكون في أول الوقت يجب عليه المائية، لفقدانه، فيكون من المحتمل رفع اليد عنها بالإتيان بالترابية، فالتكليف بالمائية- أي بالخصوصية- لا يتنجز بعد ذلك، لأن ترك البدل من شروطه.

و مما ذكرنا يظهر عدم حصول الفرق بين وحدة الأمر و تعدده. كما أنه إذا جرت البراءة بالنسبة إلى الإعادة، فبالنسبة إلى القضاء بطريق أولى، و ذلك لأن تقريب الاشتغال- بإدراج المسألة في صغريات دوران الأمر بين التعيين و التخيير- لا يمكن بالنسبة إلى القضاء، و هكذا التقريب الأول.

الصورة الرابعة: ثم إنه يظهر من حكم ما سبق، حكم هذه الصورة: و هي ما إذا كان مختارا في أول الوقت، و صار مضطرا، و شك في أنه موضوع الاضطرار، فأتى بالبدل الاحتمالي، ثم في الوقت وجد الماء، أو خارجه، فالظاهر تعين المائية، للعلم بها، و الشك في الخروج عن عهدتها. و إذا ترك البدل يتعين القضاء.

و أما لو أتى به، ففي وجوب القضاء بحث مضى، و القاعدة هي البراءة، على تأمل تفصيله في مباحث القضاء في الفقه.

و أما وجوب الإتيان بالبدل الاحتمالي، فهو محل إشكال، إلا في موارد

296

الإجماع على أن «الصلاة لا تترك بحال» (1) و موارد العلم الإجمالي بوجوب الأداء عليه في الوقت، أو القضاء خارجه، فإنه يجب الاحتياط بالجمع.

نعم، ربما يشكل تنجيز هذا العلم، لأن موضوع القضاء هو «الفوت» و هذا يورث قصور العلم بالتكليف الفعلي على أي تقدير، كما هو الظاهر.

اللهم إلا أن يقال: بأن موضوعه أعم منه و من عدم الإتيان بالفريضة، و عند ذلك يحرز بالاستصحاب.

و الّذي هو أساس البراءة: هو أن الترخيص إلى البدل، لا يمكن إلا برفع اليد عن المطلوب الأعلى، كما مر، و مع احتمال الترخيص، لا يمكن العلم بالطلب الأعلى، و مع عدم العلم به لا سبيل إلى الاشتغال.

____________

(1)- وسائل الشيعة 12: 346، كتاب الحج، أبواب الإحرام، الباب 19، الحديث 1، مع تفاوت يسير.

297

الموقف الثالث في إجزاء المأمور به الظاهري عن الواقعي‏

بمعنى أنه لو أتى بالناقصة حسب ما يؤدي إليه أصل من الأصول، أو أمارة من الأمارات، ثم تبين النقصان، فهل تجب الإعادة و القضاء، أم لا؟

و بعبارة أخرى: يجوز ترتيب الأثر الثابت حسب الأدلة الأولية للمركب الكامل، على المركب الناقص، فيكتفي بالصلاة بلا سورة، أو مع النجس، و لا يعيد، و لا يقضيها، و بالصوم مع الإتيان ببعض المفطرات، أو مع الإفطار في الوقت حسب الاستصحاب، أو الدليل، و لا يقضيه، و بالحج مع تبين أنه لم يكن مستطيعا حسب الواقع، و لكن حسب استصحاب بقاء أمواله، أو قيام الأمارة، كان يجب عليه الحج، و هكذا في جميع المركبات التي أتى المكلف بالناقص منها حسب الوظيفة الظاهرية.

و أما مع ترك الكل، فهو موكول إلى البحث الرابع الّذي أشرنا إليه، و أدرجناه في مباحث الإجزاء (1)، خلافا للأعلام‏ (2).

و من صغريات هذه المسألة الطهارات الثلاث، حسبما يظهر من ظواهر الكلمات، فلو توضأ أو اغتسل أو تيمم- حسب قاعدة الطهارة أو استصحابها- بالماء المشكوكة طهارته، أو التراب المشكوكة طهارته، ثم تبين نجاستهما، فهل‏

____________

(1)- يأتي في الصفحة 346.

(2)- لاحظ تهذيب الأصول 1: 190.

298

يعيد، أم لا؟ و هكذا لو عفر إناء الولوغ بالتراب المشكوك حاله، ثم تبين نجاسته.

فلا فرق بين المركبات المطلوبة بنفسها، و المركبات المجعولة للغير، مع أنها مطلوبة نفسيا ندبا، في دخول الكل في محط البحث. و مثلها المركبات الاخر المعتبرة في المعاملات، كالعقود، و الإيقاعات.

فلو تمسك بأصالة البراءة الشرعية لرفع اعتبار قيد شرعا فيها، بناء على جريانه في مثله، ثم تبين خلافه، أو قام الدليل على أن زيدا يعرف العقد العربي، ثم تبين أنه عقد فارسيا، و كان لا يعرف ذلك، أو قلنا بجواز الاتكاء على استصحاب علمه بالعربية، فأوكل الأمر إليه، فتبين الخلاف، فهل يجزي هذا الناقص عن الكامل، و يجوز ترتيب آثاره عليه، أم لا؟

فلا فرق بين الأصول و الأمارات الجارية في الشبهات الموضوعية، أو الحكمية- كما صرح به بعضهم‏ (1)- في دخول الكل في محط البحث.

إن قلت: بناء على هذا يجري النزاع حتى في مثل التذكية، و في مثل التصرف في مال الغير بدون الإذن الواقعي، إذا كان الإذن محرزا بالاستصحاب، مع أن مفهوم «الإجزاء» و «أن المأمور به الظاهري عن الواقعي يجزي، أم لا» يأبى عن ذلك، لعدم تعلق الأمر بذلك.

قلت: ليس عنوان «الإجزاء» في الدليل، و ليس الباحث عن هذه المسألة من يتبع قوله، فعليه لا بد من ملاحظة ملاك البحث و المقصود الأصلي فيه، و هو أعم من ذلك، ضرورة أن المقصود هو أن الإتيان بطبيعة ناقصة، يكفي عن الكاملة في ترتب الآثار الشرعية عليها المخصوصة بالكاملة حسب الغرض الأولي، أم لا يكفي.

فلا يختص البحث بالعبادات، و لا بالمركبات الخاصة، بل البحث جار حتى‏

____________

(1)- لاحظ محاضرات في أصول الفقه 2: 360.

299

في مثل المركب من الجزءين إذا أتى بأحدهما، و أحرز الآخر بالأصل، كما في تصرفه في مال الغير، فإنه إذا أحرز شرط جواز التصرف بالاستصحاب، ثم تبين خلافه، يأتي البحث في أنه ضامن أم لا، و هكذا في أن صلاته في ثوبه صحيحة، أم لا. فعلى ما تقرر لا يشترط كون الناقص مأمورا به، بل المناط أعم.

ثم إنه ربما يخطر بالبال الفرق بين المركبات التي لها المسببات الباقية اعتبارا، و بين ما ليست كذلك، فإن مثل الصلاة و الصوم و الحج و هكذا، لا يعتبر لها البقاء، و مثل الطهارات و العقود و الإيقاعات و الحلية في التذكية و أمثال ذلك، يعتبر بها البقاء:

فما كان من قبيل الأول يأتي فيه النزاع.

و ما كان من قبيل الثاني، فبالنسبة إلى الآثار السابقة، يأتي أيضا فيه البحث.

مثلا: إذا توضأ بالماء النجس الواقعي و الطاهر الظاهري، تصح صلاته، و لكنه بعد ما تبين فلا نزاع في لزوم التوضي للصلوات الآتية.

و هكذا إذا صام شهر رمضان، ثم تبين أنه جنب، فإنه يأتي البحث في صحة صوم شهر رمضان، و لا يأتي في لزوم تحصيل الطهارة للآتية.

و أما بالنسبة إلى الآثار الآتية، فلا يأتي النزاع، كما أشير إليه، و عرفت المقصود.

و أنت خبير: بأن العقود و الإيقاعات، يأتي النزاع فيها بالنسبة إلى الآثار الآتية، و لعل المشهور هو الإجزاء فيها، فلا يجب إعادة العقد بالعربي، لترتيب الآثار بعد ذلك.

نعم، ربما يخطر دعوى الفرق بين ما كان من الشروط شرطا حدوثا فقط، كالعربية، و الماضوية، و كالحديد في تحقق التذكية، و القابلية و هكذا، و بين ما كان منها شرطا حدوثا و بقاء، كطيب المالك لجواز التصرف، فإنه لا معنى لترخيص‏

300

التصرف بعد تبين عدم الطيب، بخلاف إمكان الترخيص بالنسبة إلى الصلوات الآتية، بدعوى أن طهارة الماء المحرزة بالأصل أو الأمارة، كافية في إزالة الحدث و الخبث، فلا يكون بعد ذلك جنابة، حتى يحتاج إلى الإزالة بالنسبة إلى الأعمال الآتية المشروطة بالطهارة، فافهم و اغتنم.

فتحصل إلى هنا: أوسعية بحث الإجزاء في المقام مما يظهر من بعض كلماتهم‏ (1)، و لا وجه للاقتصار على ما ينطبق عليه عنوان المسألة، من كون الطبيعة الناقصة مأمورا بها، بل لو كان من الأمور الرخصية، و من الشرائط لأمور اخر- كالتذكية بالنسبة إلى جواز الأكل- فهو أيضا داخل في ملاك البحث، و إلا يلزم خروج مباحث العقود و الإيقاعات عنها، لعدم تعلق الأمر بها، لا ندبا، و لا وجوبا، إلا في بعض المواقف، على تأمل فيه، فلا تغفل.

إذا عرفت ذلك فاعلم: أن تمام الكلام في مقامين:

المقام الأول: في الأمارات‏

و قبل الخوض في أصل المقصود، لا بد من تقديم أمور:

أحدها: في المراد من الأمارات‏

المراد من «الأمارات» أعم من الأمارات العقلائية الممضاة الجارية في الأحكام و الموضوعات، كخبر الثقة، و البينة، و قاعدة اليد و غيرها، و من الأمارات التأسيسية الشرعية التي يستظهر من أدلتها أن الشرع المقدس مثلا، اعتبرها كالأمارة، حتى تكون مثبتاتها حجة.

____________

(1)- كفاية الأصول: 110، فوائد الأصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 246.