تحريرات في الأصول‏ - ج2

- السيد مصطفى الموسوي الخميني المزيد...
349 /
301

و هي من جهة الصغرى محل الكلام، و ربما يمكن دعوى أن الاستصحاب منها، أو رأي الفقيه و المجتهد من هذا القبيل، لما تقرر في محله من سقوطه عن الحجية العقلائية، لاختلافهم في مسألة واحدة مرارا و كرارا، و لكن ربما اعتبر شرعا كالأمارات الاخر.

ثم إن بناء الأصحاب إلى زماننا هذا، على إخراج مثل القطع عن هذه المسألة (1)، حتى من القائل بالإجزاء في الأمارات. و لعل سر ذلك عندهم: أن حجيته ذاتية، لا تنالها يد الجعل و التشريع، فلا ربط لعالم الشرع بهذه الأمارة العقلية، و لا تصرف منه، و لا إمضاء من قبله، و لا تتميم لكشفه، و لا غير ذلك من العبارات المختلفة.

و الّذي هو الحق عندي: أن حجية القطع ليست ذاتية، بل هي- كغيرها- تحتاج إلى دليل الإمضاء، لأن الحجية ليست ذاتية، لا بالمعنى المصطلح عليه في باب الإيساغوجي و الكليات الخمسة، و لا في باب البرهان، بل الحجية من الاعتبارات العقلائية، فربما أمكن للشرع إسقاطه عنها، فلا يكون عذرا، و إذا توجه المكلف إلى ذلك، فلا يرد في واد يحصل له القطع، و لا يدخل في مقام يوجد له العلم، فيرتدع عن هذا، و لا يسلك سبيلا يؤدي إلى وقوعه في العلم.

نعم، بعد ما كان عالما لا يمكن ردعه، و تفصيل ذلك في محله‏ (2). و لعل هذا مما يستفاد من بعض عبارات الشيخ الأنصاري (قدس سره)(3)، كما صرح به الوالد- مد ظله- (4).

و لو سلمنا أن حجيته ذاتية، فهو داخل في محل البحث أيضا، و ذلك على بعض الوجوه الآتية في تقريب الإجزاء في الأمارات مثلا، لو قلنا: بأن وجه الإجزاء

____________

(1)- لاحظ منتهى الأصول 1: 253.

(2)- يأتي في الجزء السادس: 22- 39.

(3)- فرائد الأصول 1: 5- 6.

(4)- تهذيب الأصول 2: 8- 9.

302

فيها، أن الشرع بعد إمضاء الأمارة العقلائية المؤدية إلى خلاف الواقع، لا يكون باقيا على إرادته الأولية، بل لا بد من رفع اليد عند ذلك عنها، جمعا بين الحكمين.

فعليه يأتي هذا الوجه هنا، لأن هذا المشرع و المقنن، هو اللَّه تعالى الّذي خلق كل شي‏ء، و بيده كل شي‏ء، و من تلك الأشياء القطع المؤدي إلى خلاف شريعته و قانونه، فكيف يمكن ترشح الإرادة الجدية منه تعالى في مورد خطأ الطريق التكويني الّذي أمر خلقته بيده؟! فلا بد من رفع اليد عن الحكم التشريعي، فيحصل الإجزاء قهرا.

فبالجملة: جميع الأمارات داخلة في محط البحث و موضوع الكلام، فلا تخلط، و لا تغفل.

ثانيها: في قصر بحث الإجزاء على طريقية الأمارات‏

البحث هنا مقصور على مسلك الحق في باب حجية الطرق و الأمارات، من الطريقية، و لا ينبغي تشقيق الشقوق، و تكثير الكلام على السببية بأنحائها، بعد عدم رضا أحد من العقلاء بها، لا السببية التي أبدعها الأشاعرة من إنكار الأحكام الواقعية رأسا، و لا التي اخترعها المعتزلة، من قلب الواقع عما كان عليه عند تخلف مؤدى الأمارة عن الواقع.

و أما السببية بمعنى المصلحة السلوكية، فهي ليست من أنحاء السببية، لأن صاحبها يأبى عنها، و ربما يؤدي نظره إلى التفصيل بين الإعادة و القضاء هنا، فيكون رأيا ثالثا في مسألة الإجزاء، كما لا يخفى.

فبالجملة: الإجزاء على رأي العامة في الطرق ضروري، بل لا معنى لعدمه، و على رأي الإمامية محل البحث، سواء قلنا بالمصلحة السلوكية، أو لم نقل، لأن وفاء تلك المصلحة بذاك، غير ثابت ثبوتا، كما يأتي الإيماء إليه.

303

و سواء قلنا: بأن الطرق أعذار و منجزات، و لا شي‏ء وراء ذلك، و تكون حججا بين الموالي و العبيد، من غير ارتباط بعالم الواقع و نفس الأمر، كما هو الحق الظاهر عند كل عاقل و خبير (1)، أو قلنا: بأنها مجعولة بملاك غلبة الإصابة للواقع، فتكون حسب مؤدياتها أحكام مجعولة مماثلة للأحكام الواقعية، كما هو المنسوب في التعليقة إلى المشهور (2).

و على كل حال: نزاع الإجزاء منوط بالالتزام بالحكمين: الظاهري، و الواقعي، و أنه عند انكشاف الواقع، و لدى تخلف الظاهري عن الواقعي، هل يجوز ترتيب الآثار على المأتي به غير الواجد للشرط أو الجزء، أو الواجد للمانع، أم لا؟

و أما مع إنكار أحد الحكمين- الواقعي كان، أم الظاهري- فلا معنى له، لأنه على الأول يتعين الإجزاء، و على الثاني يتعين الاحتياط، فلا يجزي قهرا و قطعا.

ثم إن السببية في الطرق باطلة على إطلاقها، فتوهم الفرق بين الطرق القائمة على أصل الحكم، و بين القائمة على قيود الموضوع، كالشرط، و الجزء، و أنها في الأولى باطلة، دون الثانية (3)، في غير محله، ضرورة أن مجرد إمكان الالتزام بالسببية، لا يورث صحة ذلك، و إلا فهي ممكنة حتى بالنسبة إلى أصل الحكم و الموضوع، كما لا يخفى.

فما ترى في كلام العلامة الأراكي (قدس سره): من نفي الاستبعاد عنه‏ (4)، لا يخلو من غرابة، ضرورة أن دليل حجيتها في الكل واحد، و لا يستفاد من قوله: «لا عذر لأحد من موالينا في التشكيك فيما يرويه عنا ثقاتنا» (5) إلا المعذرية و المخبرية، حسب‏

____________

(1)- كفاية الأصول: 319.

(2)- نهاية الدراية 1: 400.

(3)- أجود التقريرات 1: 197، منتهى الأصول 1: 254.

(4)- نهاية الأفكار 1: 245- 246.

(5)- وسائل الشيعة 27: 149 كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 11، الحديث 40.

304

دلالة المطابقة في الأولى، و الالتزام في الثانية.

إن قلت: تدارك المصلحة الفائتة بالمصلحة السلوكية و الالتزامية، يورث الإجزاء، فهذا مثل السببية، فإن مضى الوقت فيتدارك جميع ما فات منه في الوقت، و لا يجب عليه القضاء عند انكشاف الخلاف بعد الوقت، و إن انكشف الخلاف في الوقت فعليه القضاء.

قلت: أولا: يمكن دعوى أن السلوك آنا ما يكفي، و يتدارك به جميع ما يمكن أن يفوت منه، فلا يجب الأداء و الإعادة، كالقضاء. و أما عند الشك، فهو تابع للبحث الآخر الآتي في محله.

و ثانيا: لا تلازم بين تدارك ما فات منه و بين الإجزاء، لأن شخص مصلحة الواقع باق على حاله، و يكون الأمر الواقعي تابع تلك المصلحة، و هذا كثير النظير في العرفيات، فلا تغفل.

فما أفاده بعض إشكالا على القول بالمصلحة السلوكية: من أنها تؤدي إلى الإجزاء، و التفصيل بين الإعادة و القضاء (1)، في غير محله. و لعل معنى: «أن للمصيب أجرين، و للمخطئ أجرا واحدا» (2) يرجع إلى ذلك.

نعم، ما أفاده العلامة النائيني (قدس سره) هنا بقوله: «و من المعلوم أن المصلحة السلوكية، لا تقتضي الإجزاء عند انكشاف الخلاف، فإن المصلحة السلوكية- على القول بها- إنما هي لتدارك فوت مصلحة الواقع، و هذا مع انكشاف الخلاف و إمكان تحصيل المصلحة الواقعية، لا يتحقق» (3) انتهى، يستلزم الإجزاء إذا مضى الوقت و لم ينكشف، لأنه بعد الوقت لا يمكن تحصيل المصلحة الواقعية، لارتباطية مصلحة

____________

(1)- محاضرات في أصول الفقه 2: 276.

(2)- سنن الترمذي 2: 393، كنز العمال 5: 630.

(3)- فوائد الأصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 247- 248.

305

الصلاة و الوقت حسب الفرض، فليتدبر.

ثم إنه قد يتراءى من كلام بعض الأفاضل و الأعلام: أن ما هو محل البحث و يمكن الالتزام بالإجزاء فيه، هو الطريق المستوفي لشرائط الحجية، دون موهوم الحجية.

مثلا: إذا قام طريق على شرطية السورة، ثم قام طريق أقوى منه على عدم شرطيتها، أو اقتضى العموم أو الإطلاق عدم شرطية المركب بشي‏ء، ثم تبين وجود مخصص يقتضي شرطيته، أو وجدت قرينة صارفة أو معينة على خلافهما، أو وجدت مزية للرواية المتروكة على الرواية المأخوذة، أو قرينة على أن ابن سنان في السند هو محمد، ثم تبين أنه عبد اللَّه و هكذا، فإنه في جميع هذه المواقف، لا يكون الإجزاء حتى على السببية، لأن من يقول بها يقول فيما هو مستوف لجهات الحجية، لا فيما هو موهوم الحجية، و ينكشف بعد ذلك أنه ما كان حجة واقعا (1)، انتهى.

و أنت خبير بما فيه من القصور و الفتور، ضرورة: أن في الشبهات الحكمية الكلية، يكون جميع الانكشافات من هذا القبيل، و لا معنى للحجية الواقعية إلا بمعنى أنه إذا أخل بوظيفته من الفحص، ثم تبين وجود الطريق، فإنه عند ذلك يكون الطريق الأول موهوم الحجة، و إلا فهو حجة و عذر. هذا أولا.

و ثانيا: ما هو ملاك الإجزاء عندنا، هو أنه مع ترخيص الشرع بالأخذ و التطرق، لا يمكن إلا إمضاء المأتي به، و هو الإجزاء، و هذا المناط يجري في مطلق الحجة، سواء كانت على الأحكام، أو الموضوعات.

نعم، ما أشير إليه خارج، لعدم كونه حجة إلا بعد إحراز الشرط، و هو الفحص الكافي عن مقدار الدليل، و معارضاته، و قيوده من القرائن و غيرها.

____________

(1)- كفاية الأصول: 112، منتهى الأصول 1: 254، محاضرات في أصول الفقه 2: 282.

306

ثالثها: في الفرق بين الإجزاء هنا و بين الإجزاء في مباحث الاجتهاد و التقليد

لا ينبغي الخلط بين بحث الإجزاء هنا، و بحث الإجزاء في الاجتهاد و التقليد، و لا ينبغي إدراج تلك المسألة و خصوصياتها في هذه المسألة، فإن الجهة المبحوث عنها هنا: هي أنه إذا تبين نقصان المأتي به عن المأمور به الواقعي، فهل يكفي الناقص عن الكامل، أم لا؟ و لا نظر إلى كيفية التبين، و أنه قطعي، أو ظني، أو غير ذلك، و الجهة المبحوث عنها في تلك المسألة: هي أنه إذا اختلفت آراء المجتهدين و تقليد المقلدين، فهل يكون الرّأي الأول حجة إلى زمان التبدل، أو لا، أو يفصل بين ما إذا كان الرّأي الأخير مستندا إلى القطع بالخلاف، و ما كان مستندا إلى الدليل الظني.

فما ترى من المخالطة (1) و إن لم يكن به بأس، و لكنه خروج عما عليه القوم في المباحث، و إلا يلزم تكرار المسألة في الأصول.

و إن شئت قلت: لا إهمال في كيفية التبين هنا، بل المراد هو ما إذا استند في العمل الأول إلى الطريق العقلي، أو العقلائي، أو الشرعي، ثم تبين له بطلان ذلك الطريق قطعا، لشواهد كثيرة قد خفيت عليه. و على كل حال ما يأتي في توجيه الإجزاء، لا تختلف فيه الصور المزبورة، كما ستعرف إن شاء اللَّه تعالى.

الأقوال في إجزاء الأمارات و بيان الحق‏

إذا عرفت تلك الجهات فاعلم: أن المنسوب إلى الشهرة القديمة و الحديثة (2)

____________

(1)- فوائد الأصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 258- 259، منتهى الأصول 1:

259- 261.

(2)- لاحظ نهاية الأصول: 141.

307

إلى عصر الشيخ الأعظم الأنصاري (قدس سره) هو الإجزاء في الأمارات، و ظاهر المدعي عدم الفرق بين أنحاء الأمارات، كما يظهر منه عدم الفرق بين الأمارات في الأحكام، و الموضوعات‏ (1).

هذا، و يظهر مما أسند إلى الشهيد، أن القول بالإجزاء من التصويب المجمع على بطلانه‏ (2).

و حيث إن المسألة هنا تدور مدار القاعدة العقلية، من غير النّظر إلى خصوصيات اخر من الأدلة اللفظية في بعض المركبات، أو الإجماع في بعض، فلا بد من النّظر إلى ما هو قضية الصناعة العلمية.

و المعروف بين أبناء الفضل و التحقيق في العصر عدم الإجزاء (3)، و قد خالفهم السيد الأستاذ البروجردي (قدس سره) و كان يصر على الإجزاء (4)، و كنا من أول الأمر نوافقه، و كان ذلك عندنا من الواضحات.

فنقول: إن هذه المسألة، من متفرعات مسألة كيفية الجمع بين الأحكام الظاهرية و الواقعية، فإن قلنا هناك: بانحفاظ الحكم الواقعي على ما هو عليه من الجد و الإلزام في جميع النواحي، فلا بد من القول بعدم الإجزاء، لأن الطرق ليست إلا معذرات و منجزات.

و إذا قلنا: بعدم انحفاظ الأحكام الواقعية في مرتبة الحكم الظاهري، و مع الترخيص و الإمضاء و الرضا بالطرق المؤدية إلى خلافها أحيانا، فلا بد من القول بالإجزاء، و ذلك لامتناع الجمع بينهما عقلا، فإنه لا يعقل ترشح الإرادة الجدية من‏

____________

(1)- مطارح الأنظار: 22- السطر 9.

(2)- حكاه في فرائد الأصول 1: 46، لاحظ تمهيد القواعد: 322- 323.

(3)- مطارح الأنظار: 23- السطر، كفاية الأصول: 111، فوائد الأصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 246- 255، نهاية الأفكار 1: 243، تهذيب الأصول 1: 190.

(4)- نهاية الأصول: 138- 139.

308

المولى الملتفت إلى جعل السورة مثلا جزء على جميع التقادير، مع عدم رفع اليد عن جزئيتها، سواء أدت الأمارة إليها، أو أدت إلى خلافها، و مع ذلك يترشح منه الإرادة و الرضا بجعل الطرق و الأمارات، بل يجب عليه حينئذ السكوت، و إحالة الأمر إلى العقل، و إعلام عدم الرضا بالطرق، أو جعل الاحتياط.

و ثمرة هذا القول هو الالتزام بأن الطرق و الأمارات منجزات عند الإصابة، و ليست معذرات، لعدم بقاء الإرادة على حالها، كما لا يخفى.

إذا أحطت خبرا بما تلوناه عليك، يظهر لك: أن دليل الإمضاء و إظهار الرضا، لا يفرق بين الأمارات التي لا يكشف خلافها، أو التي كشف خلافها، لوحدة الدليل و الإمضاء، فإذن لا يفهم العقلاء من تلك الأدلة، إلا أن الشرع الأقدس في مورد المخالفة، رفع اليد عن الواقع، و انصرف عن مطلوبه الأعلى، لمصالح عالية من حفظ النظام، و من تسهيل الأمر، و ترغيب الناس إلى أساس الديانة و الإسلام، و غير ذلك.

و بعبارة أخرى: الجمع بين الحكم الواقعي و الظاهري في مورد الأمارات، لا يمكن ثبوتا إلا بما أشير إليه، و هو مختار السيد، و الوالد المحقق- مد ظله- أيضا (1).

و توهم: أنه من التصويب المجمع على بطلانه، في غير محله. مع أن الإجماع على أمر غير معقول، لا يورث شيئا، و لذلك التزم صاحب «الكفاية» (قدس سره) بأن الحكم الواقعي إنشائي‏ (2)، و هذا يرجع إلى عدم إرادة جدية على الحكم الواقعي.

و أما الإجزاء فيمكن دعوى عدمه هنا، لأنه لا مانع من الالتزام برفع اليد عن الواقع، بالنسبة إلى ما لا ينكشف خلافه.

مثلا: إذا قام دليل على عدم وجوب السورة، أو عدم مفطرية الارتماس، أو عدم لزوم طهارة ماء الوضوء، أو على أن القبلة هكذا، أو غير ذلك من الأحكام‏

____________

(1)- نهاية الأصول: 134- 136، تهذيب الأصول 2: 66.

(2)- درر الفوائد، المحقق الخراسانيّ: 36- 37.

309

و الموضوعات الوضعيّة و التكليفية، و كان بحسب الواقع تجب السورة و هكذا في الصلاة و غيرها، فإن الترخيص في التطرق و العمل بالأمارات غير المنكشفة إلى آخر العمر، أو آخر الوقت المضروب للطبيعة، لا يعقل مع بقاء الجد و الإرادة الإلزامية على الشرطية، فقهرا بالنسبة إليها تضمحل الإرادة.

و لكن بالنسبة إلى الأمارة التي تنكشف في أثناء الوقت- بحسب الواقع و اللب- لا تضمحل الإرادة، بل الواقع محفوظ، فلا يكون حينئذ تصويب اصطلاحي إلا في صورة واحدة، فعليه تجب الإعادة، و يجب القضاء إذا تبين خارج الوقت، و قام دليل على تعدد المطلوب، لأنه بحسب التصور كان قد رفع اليد عن مصلحة الوقت، و لكنه لا يرفع اليد عن مصلحة الطبيعة.

فبالجملة: لا إلزام ثبوتا بالإجزاء، و لكنه يتم إثباتا بعد وحدة دليل إمضاء الأمارة، و بعد عدم تعرض الشرع للأمارات التي ينكشف خلافها، فإنه عند ذلك لا يفهم إلا رفع اليد بمجرد قيام الأمارة.

إن قلت: إذا كان الإجماع على بطلان التصويب، و كانت بعض الروايات المتعرضة لإمضاء الطرق و الأمارات، ناظرة إلى المعذرية و المنجزية، فالقدر المتيقن من لزوم رفع اليد هو المتعين، و هو ما إذا لم ينكشف خلافه، و أما لو كشف الخلاف حتى بعد الموت، فيترتب آثار الأحكام الواقعية، و يجب على الوصي العمل بوظائفه، و على الولد الأكبر قضاء ما فات منه، و هكذا.

قلت: أما الإجماع المزبور، فلا يفيد إلا بطلان التصويب قبال التخطئة، و هذا مما لا يقول به الإمامية، و الّذي نقول به هو صرف نظر الشرع عن الواقع فيما نحن فيه، لأمر أهم، و هذا مما لا دليل على بطلانه.

هذا مع أن حجية الإجماع المزبور ممنوعة، لما يظهر من الشيخ في «العدة»

310

أن المسألة عقلية، لا شرعية (1)، فراجع.

و أما توهم دلالة مثل قوله (عليه السلام): «لا عذر لأحد من موالينا في التشكيك فيما يرويه عنا ثقاتنا» (2) على المعذرية و المنجزية، و لا معنى للمعذرية إلا محفوظية الأحكام الواقعية في رتبة الظاهرية، و إلا فلا حكم حتى يسأل عنه، و يحتاج العبد إلى الاعتذار بتأدية الطرق خلاف الواقع، فهو غير سديد، ضرورة أنه دليل على منجزية الطرق، و أنه إذا قامت الطرق و خبر الثقة على حكم، فلا عذر لأحد في ترك العمل به، باحتمال عدم كونه موافقا للواقع، فإنه لا يكون عند الإصابة معذورا، و أما أن الطريق عذر عند المخالفة فلا يستكشف منه، إن لم نقل بدلالته على منجزيتها فقط، فما ترى في حاشية العلامة المحشي (قدس سره)(3) في غير محله.

فتحصل: أن قضية وحدة دليل الأمارات- بعد كونها مستلزمة لصرف النّظر، و رفع اليد عن الواقع في صورة عدم كشف الخلاف- هو الإجزاء عرفا حتى في صورة كشف الخلاف، فتكون الأمارات منجزات، لا معذرات.

و بعبارة أخرى: يمكن دعوى أن فهم العقلاء و العرف في الجمع بين الأحكام الواقعية و الظاهرية يختلف، فإن لاحظنا النسبة بين الواقعيات النفسيّة- كوجوب صلاة الجمعة، و وجوب الحج، و غير ذلك- و بين أدلة تنفيذ الطرق و الأمارات، تعين و أن يقال بانحفاظ الواقع مع إمكان الاستيفاء، فلو دل دليل على عدم وجوب شي‏ء نفسي، ثم قبل مضي وقته تبين وجوبه، فإنه لا معنى لرفع اليد عن الواقع.

و أما إذا لاحظنا النسبة بين الأحكام الغيرية، و تلك الأدلة، فحيث إن الأمر

____________

(1)- عدة الأصول: 83.

(2)- تقدم في الصفحة 303، الهامش 5.

(3)- نهاية الدراية 1: 400.

311

الداعي إلى الطبيعة، يدعو إليها في جميع الوقت، فلا يستفاد من الجمع بين هذه الأدلة إلا أنه إذا صادف دليل الأمارة الواقع فهو، و إلا فقد رفع المولى يده- لمصالح- عن واقعه و مطلوبه، و حينئذ يكون الناقص و المأتي به الفاقد للشرط و الجزء و الواجد للمانع، مسقطا لأمره المتعلق بالطبيعة.

إن قلت: لا دليل على حجية الأمارات و الطرق، إلا إمضاء الشرع و السكوت و عدم الردع، و عند ذلك يتعين الأخذ بإطلاق الأحكام الواقعية و انحفاظها حتى يخرج وقتها، و لا يتمكن العبد من امتثالها، و على هذا يلزم التفصيل بين الأمارات الإمضائية، و بين الأمارات التأسيسية، كالاستصحاب مثلا، و فتوى الفقيه، و غيرهما مما قام الدليل الشرعي على حجيته على نعت حجية الأمارات.

قلت أولا: قد تواترت النصوص على حجية خبر الثقات و العدول، و من شاء فليرجع إلى مقدمات كتاب «جامع الأحاديث» للأستاذ البروجردي (قدس سره)(1).

و ثانيا: العقلاء يستكشفون من السكوت رضا الشرع بالطرق، فلا بد و أن يتوجهوا إلى المناقضة بين الواقعيات، و هذا الرضا و الطيب، فينتقلوا منه إلى صورة التخلف عن الواقع، و منه إلى سكوت الشرع حذاء ذلك، فإنه يعلم من ذلك عدم الفرق بين الصورتين: صورة عدم انكشاف الخلاف، و صورة كشف الخلاف، فليتأمل جيدا.

و إن شئت قلت: إنا إذا راجعنا دليل الصلاة و وجوبها من أول الوقت إلى آخره، و دليل عدم وجوب السورة مثلا فيها، و دليل جواز العمل بخبر الثقة، لا نجد إلا أن الشرع أراد من إيجاب العمل بقوله، و ترخيص التبعية له، التسهيل على العباد، و لا يكون للتسهيل معنى محصل إلا جواز ترتيب آثار الواقع على الصلاة بدون السورة، و إلا يلزم وجوب الإعادة، و هو خلاف المنة المرعية في ذلك.

____________

(1)- جامع أحاديث الشيعة 1: 268- 308 أبواب المقدمات، باب حجية أخبار الثقات.

312

مثلا: إذا قام دليل على عدم وجوب السورة، و دليل على عدم وجوب جلسة الاستراحة، و دليل على عدم شرطية الإجهار في المغرب، و دليل على عدم مانعية شعر الميتة و هكذا، فقام و صلى صلاة كذائية، ثم بعد ساعة تبين وجوب السورة فأعاد، و بعد ساعة أخرى تبين وجوب جلسة الاستراحة و هكذا، فهل ترى من نفسك صحة نسبة هذا إلى الشرع المبعوث بالشريعة السهلة السمحة؟! و توهم عدم اتفاق ذلك، لا يستلزم صحة النسبة، لأن القانون لا بد و أن يكون بحيث لا يلزم منه أمثال هذه اللوازم.

و لو كانت تجب الإعادة في الوقت، و يجب القضاء خارج الوقت، و على الولد الأكبر بعد الموت، كان عليه أن يأمر بالاحتياط إلى أواخر الوقت، أو يقول بعدم جواز الاتكاء إلا على البينة، و غير ذلك، حتى يحافظ على حكمه الواقعي.

و لا يستلزم مثل هذه المحاذير هذا، و لا سيما فيما إذا تعين العمل بخبر الثقة، كما في ضيق الوقت، فإنه لو لم يرفع اليد عن السورة مثلا في ضيق الوقت، فلا يكون ترخيص العمل بخبر الثقة، إلا لحفظ مصلحة الوقت، و أنه لمكان احتمال الإصابة يجب عليه الطبيعة، لإمكان تدارك الوقت، مع أن الضرورة قاضية بأن ترخيص الشرع في العمل بالطرق و الأمارات، ليس إلا قبال إيجاب الاحتياط، المستلزم لوقوع الأمة الإسلامية في الصعوبة، أو كان يؤدي أحيانا إلى الانزجار عن أساس الديانة.

و من هنا يظهر وجه القول بالإجزاء بالنسبة إلى خارج الوقت، و عدم الإجزاء بالنسبة إلى الأداء و الإعادة (1).

تذنيب: حول إمكان حفظ الحكم الواقعي الفعلي‏

ربما يظهر لي بعد التدبر: أن من آثار القول بأن الخطابات الشرعية قانونية

____________

(1)- محاضرات في أصول الفقه 2: 272.

313

كلية، لا شخصية جزئية، أن الجمع بين الأحكام الظاهرية و الواقعية ممكن، مع الالتزام بفعلية تلك الأحكام، و بقاء إرادة المولى على حالها من الجد و الحتم، ضرورة أن الأحكام الواقعية متساوية النسبة إلى من قام عنده الطريق المصيب، و من قام عنده الطريق المخطئ، و على الثاني أيضا تتساوى بالنسبة إلى من انكشف تخلف طريقه لديه في الوقت، أو خارجه، أو بعد موته، و من لم ينكشف طريقه أبدا، أو إلى حال لا ثمرة لانكشاف خلافه.

و لا خصوصية ملحوظة حين جعل الأحكام الواقعية، بل الموضوع لها هو «المكلف» و «الإنسان» و «المؤمن» و أمثال هذه العناوين الكلية، فلا خطاب خاص لمن تخلف طريقه عن الواقع، و لا ينكشف أبدا، حتى يقال: بامتناع ترشح الإرادة الجدية و الحتمية مع ترشح الرضا و الطيب بجعل الطرق و الأمارات و العمل بها، فافهم و اغتنم.

نعم، هذا لا يتم فيما إذا كان التخلف بالنسبة إلى متعلق الأحكام، و متعلقات المتعلق، فإنه إذا قام دليل على عدم حرمة الخمر مثلا، فدليل التنفيذ لا يجامع كون الخمر محرمة واقعية، فما أفيد يختص بما إذا كان التخلف بالنسبة إلى قيود الموضوع، كما أشير إليه.

و لكنك عرفت: أن ذلك لا يستلزم خلاف ما أسمعناك إلى الآن، بداهة أن مقصودنا إثبات الإجزاء، بدعوى أن فهم العقلاء و العرف ينتهي- في الجمع بين إمضاء الطرق و الأمارات، و جعل القوانين و الواقعيات، بعد ملاحظة أن الإمضاء ليس إلا لتسهيل الأمر- إلى الإجزاء، و سقوط الشرطية و الجزئية و المانعية و هكذا.

و توهم: أن معذريتها للعقاب و العتاب، كافية لرعاية حق الناس و المكلفين في جانبها، فاسد جدا، لما مر من لزوم المشقات الكثيرة المنافية لملاك التسهيل.

إن قلت: في مثل الصلاة و الحج- باستثناء بعض أفعالهما- لا يجب الإعادة

314

عند ترك الأفعال و الأعمال.

قلت: نعم، و لكن هل ترى من نفسك، أنه إذا أخل المكلف الجاهل ببعض شرائط الوضوء و الغسل و التيمم، كما هو الكثير طول عمره، و هكذا في الصوم، و غير ذلك من المركبات، أنه يجب عليه قضاء ما فاته إلى آخر العمر؟! و إذا لاحظت شرائط الطهارات الثلاث بكثرتها تعلم: أن ذلك من المشقة التي لا تتحمل عادة، و إن كان يمكن قضاء ما فاته عقلا أو عادة في الزمان الطويل.

و هكذا في الصوم، فإنه لو قام عنده دليل على عدم مفطرية الارتماس، و كان قد ارتمس في جميع حياته مثلا، فإنه هل ترى من نفسك إلزامه بوجوب القضاء و هكذا في سائر المركبات؟! إن قلت: هذه التقاريب المختلفة تنتج الإجزاء، بالنسبة إلى الأحكام الغيرية المرتبطة بالأحكام النفسيّة، و أما بالنسبة إلى الأحكام الوضعيّة التي لا أمر للشارع فيها، بل تلك المركبات- كالعقود، و الإيقاعات، و مثلها التذكية مثلا- اعتبرت لترخيص الشرع في التصرف في الممنوعات و المحرمات، كالتصرف في مال الغير، و الاستمتاع بالأجنبية، و أكل اللحوم و هكذا، فإذن لا معنى للإجزاء هنا، بل قضية طريقية الأمارات بقاء الحكم الوضعي على حاله، من القيدية، و الجزئية، و عدم جواز ترتيب الآثار بعد انكشاف الخلاف، فلا يجوز بعد ذلك التصرف، و لا الاستمتاع، و لا الأكل.

قلت: قد عرفت منا: أن جهة النزاع أعم مما كان المركب مورد الأمر، كالعبادات، أو كان مورد الشي‏ء الآخر، بل المقصود في مسألة الإجزاء، هو أن قضية الأدلة هل هي كفاية المركب الفاقد عن الكامل في الآثار، أم لا (1)؟

فعليه نقول: إذا كان التصرف في مال الغير، و الاستمتاع بالأجنبية، و أكل‏

____________

(1)- تقدم في الصفحة 297- 298.

315

اللحوم قبل التذكية، مبغوضا و محرما شرعا، فإن كان الشرع يلاحظ مبغوضه الواقعي، فيلزم عند العقلاء جعل الاحتياط في الجملة، حتى لا يتخلفوا عن مرامه و مطلوبه و مبغوضه حتى الإمكان، إلا إذا كان يؤدي إلى خلاف التسهيل، أو المشقة غير المتحملة عادة.

و لكن بعد ما نجد التوسعة في الطرق و الأمارات، و أنه رخص في العمل بما يعمل به العرف و العقلاء، فلا بد أن يعلم منه عرفا و عقلا أنه لا شي‏ء مبغوض عنده عند التخلف عن الواقع، من غير النّظر إلى حال كشف الخلاف، فإذا عقد ثم تبين بطلانه، أو ذكى ثم تبين أن الآلة كانت من غير الحديد، و مع ذلك كانت الشريعة ترخص في التبعية لهذه الأمارات المتخلفة أحيانا أو كثيرا، فيعلم سقوط الشرطية و القيدية. بل مع ملاحظة حرمة التبذير و الإسراف في الأموال، يعلم رفع اليد عن شرطية الحديد في محللية التذكية فافهم و اغتنم.

لا يقال: قد اشتهر الإجماع في الأعصار المتأخرة على بطلان التصويب‏ (1)، و هذا من التصويب.

لأنا نقول: قد مضى شطر من البحث حول هذه الشبهة، و عرفت أن رفع اليد عن الإيجاب غير التصويب‏ (2)، فإن من يقول بالتصويب، يقول بعدم الإرادة الواقعية و الشوق للمولى بالنسبة إلى الأحكام الواقعية، بل الحكم الواقعي مؤدى الأمارات، و أما نحن فنقول: إن محبوب المولى هو الإتيان بالسورة، و هو مطلوبه، و لكن ليس كل مطلوب يجب مراعاته على العالم به، إلا بعد الإيجاب و الإنشاء و الإبراز، فإذا لاحظ المولى ملاكات اخر فيرفع اليد عن التحميل، و هذا هو معنى رفع اليد عن الواقع، و لا يلزم منه عدم بقاء حبه و شوقه إليه، فلاحظ نفسك في أمورك تعرف ربك‏

____________

(1)- فوائد الأصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 758، نهاية الأصول: 151.

(2)- تقدم في الصفحة 309- 310.

316

في قوانينه.

إن قيل: فلا داعي إلى إطلاق جعل المولى من الأول، بل المجعول مشروط، و هذا هو الدور المستحيل، و المعروف في اختصاص الحكم بالعالم‏ (1).

قلنا: نعم، و لا نبالي من الالتزام بالاختصاص في مقام الإيجاب من أول الأمر، لعدم إمكان سريان الجهل إلى الشرع الأقدس، و لكنه لا يلزم منه الدور، لما تقرر منا في محله: من إمكان توقف فعلية الحكم على العلم بالحكم الإنشائيّ، و لا عكس، فلا دور (2).

مثلا: الشرع يعتبر وجوب السورة في الصلاة، فمن قام عنده طريق عليه، و علم بهذا الحكم الإنشائيّ، يتعين عليه السورة، و من قام عنده طريق على عدم وجوبها، أو أصل على عدم وجوبها، فلا فعلية له، فلا شرطية، و حيث إنه قد أتى بما هو وظيفته حسب الخطاب المشتمل على أصل التكليف، فلا مورد لبقاء الشرطية، فلا تخلط، و اغتنم جيدا.

هذا كله ما عندنا من الإجزاء في الأمارات. و لا نسمي مثل هذا التقديم- أي تقديم أدلة الأمارات على الأدلة المتكفلة للأحكام الواقعية- «حكومة» اصطلاحية، بل ذلك فهم المرام من القرائن المختلفة، و كشف تضيق الواقع من الأمارات الخاصة، فتدبر.

إشارة لبعض الوجوه على إجزاء الأمارات و نقدها

و هنا وجوه أخرى ربما تؤدي إلى الإجزاء في الأمارات في الجملة، و لا بأس بالإشارة الإجمالية إليها.

____________

(1)- يأتي في الجزء السادس: 117.

(2)- نفس المصدر.

317

فمنها: ما أفاده السيد الأستاذ البروجردي (قدس سره) و آخر نظره مع ما أطاله: هو دعوى حكومة الأدلة الظاهرية على الأدلة الواقعية (1).

و تعرف تلك الحكومة بعد فهم الأحكام الظاهرية في الأمارات، و هو أن الأمارة بما أنها من الطرق التكوينية إلى الوقائع، لا تعد حكما ظاهريا، بل تعد حكما ظاهريا باعتبار دليل تنفيذها، و هو قوله مثلا: «صدق العادل» المنحل إلى قضايا عديدة، فإذا ورد في الشرع «أن الصلاة لا بد و أن تكون في الثوب الطاهر» و قام خبر الثقة على طهارة الثوب، فيرجع قوله: «صدق العادل» إلى تصديقه العملي، و هو ليس إلا البناء على طهارة الثوب، فكأنه قال: «ابن علي طهارة هذا الثوب» و إذا لاحظنا الدليلين يلزم التوسعة في الطهارة المعتبرة في الصلاة و هكذا، فيعلم من ذلك أن ما هو المعتبر أعم من الواقع و مما قام عليه الطرق.

و أما الإشكال على هذه الحكومة: بأنها حكومة ظاهرية لا واقعية، و الفرق بين الحكومتين: أن الحكومة الواقعية لا تخلف لها عن الواقع حتى يكشف، بخلاف الحكومة الظاهرية، فإنها قد تتخلف عن الواقع، و تجب الإعادة، و يترتب آثار الواقع بعد الانكشاف‏ (2).

فهو يندفع: بأن ذلك صحيح، فيما إذا بنينا على انحفاظ الأحكام الواقعية بعد قيام الأمارة، و أما إذا بنينا على أنها ليست محفوظة فلا، كما هو الظاهر.

و لكنك تعلم: أن ذلك لا يعد من الحكومة، بل هو أمر آخر ذكرناه و أوضحناه، و هو أن العقلاء بعد ملاحظة الأطراف، يفهمون أن الشرع الأقدس لا يلتزم بواقعه على جميع التقادير، و هذا يورث الإجزاء.

هذا مع أن في مثل قيام الأمارة على عدم جزئية السورة، ليس حكومة

____________

(1)- نهاية الأصول: 140- 141.

(2)- فوائد الأصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 250.

318

و توسعة، بل هو رفع اليد عن إطلاق دليل الشرط، فافهم و لا تخلط.

فما توهمه العلامة النائيني: من أن الحكومة ظاهرية، فلا إجزاء (1)، فهو ليس برهانا على المسألة، بل هو إعادة المدعى بصورة الاصطلاح، كما هو دأبه و عادته نوعا و غالبا.

كما أن ما تخيله الأستاذ البروجردي من الحكومة، غير كاف لتمام المقصود، بل لا يتم حتى في مورد، كما لا يخفى.

و منها: إذا كان المركب مشروطا شرعا بالطهارة، فإنه عند ذلك يجب- بمقتضى العلم بالشرطية- الفحص عن الماء الطاهر و الثوب الطاهر، و تنجزهما حسب العلم على المكلف، و ليس الطريق القائم منجزا للحكم، بل هو ليس إلا توسعة في الواقع، و قناعة عن الواقع بالظاهر.

و سره: أن جعل الحكم الظاهري هنا، ليس لغرض المنجزية و المعذرية، لأن الحكم منجز بالعلم السابق، فإذن لا بد من كونه بلحاظ الأمر الآخر، و هو ليس إلا التسهيل المؤدي إلى التوسعة.

أقول: هذا ما استخرجته من مطاوي كلمات السيد الأستاذ (قدس سره)(2) و جعلناه وجها على حدة. و لكنه- مضافا إلى عدم وفائه بتمام المقصود، لجريان البراءة في بعض الشبهات الموضوعية، و جميع الشبهات الحكمية، فلا تنجز للمشكوك قبل قيام الأمارة- أن مع الالتزام بانحفاظ الحكم الواقعي لا مانع من الالتزام بالمعذرية هنا، لأنه مع التخلف عن الشرط بلا عذر يكون معاقبا، بخلاف ما إذا أتى بالصلاة بدون الطهارة اللباسية، مع قيام الطريق على الطهارة توهما و تخيلا، فإنه لا يستحق العقوبة.

____________

(1)- نفس المصدر.

(2)- نهاية الأصول: 144- 147.

319

فما ترى في كلامه من دعوى انحصار وجه المنجزية بالتوسعة (1)، في غير محله. نعم هو المستفاد العقلائي، على الوجه الّذي عرفت منا تفصيله‏ (2).

و منها: أنه لا بد من تدارك المصلحة عند فوت المصلحة الواقعية، فإذا تدارك ذلك يلزم الإجزاء.

و فيه: أن الشرع المقدس، لا بد و أن تكون قوانينه النفسيّة و الطريقية، على نهج عقلائي، و ملاكات واقعية حقيقية، أو اعتبارية، و أما وجوب تدارك ما فات لأجل لحاظ المصالح العالية النوعية، فهو ممنوع.

مثلا: إن الشارع يلاحظ سهولة الأمر و رغبة الناس إلى الديانة في قوانينه، فإذن يجد لزوم ترخيص المكلفين في العمل بالطرق و الأمارات، لئلا يقعوا في الإشكالات و الانحراف عن الديانة المقدسة، و هو يرى أن كثيرا من الطرق يخطئ، و لا ينكشف خلافه، فيبادر إلى ذلك، لما فيه المصلحة العالية الاجتماعية، فلا دليل على الإلزام المزبور. هذا أولا.

و ثانيا: ربما لا يمكن التدارك.

و ثالثا: لو أمكن ذلك، فلا بأس بالالتزام بالوجوب التخييري بين المصلحة السلوكية، و الإتيان بالمشكوك فيه بنحو الواجب التخييري.

و على كل حال: قصد المصلحة السلوكية من الأساطير الأولية، و قد مضى شطر منه.

و منها: أن دليل الأمارة لو سلمنا عدم إفادته الإجزاء، و لكن موردها دائما من موارد حديث الرفع‏ (3)، حيث إن الواقع الّذي أخطأته الأمارة مجهول، فيأتي‏

____________

(1)- نهاية الأصول: 416- 417.

(2)- تقدم في الصفحة 309- 313.

(3)- التوحيد: 353، الخصال: 417، وسائل الشيعة 15: 369 كتاب الجهاد، أبواب جهاد النّفس، الباب 56، الحديث 1، جامع أحاديث الشيعة 1: 389، أبواب المقدمات، الحديث 629.

320

الإجزاء من حيث انطباق مورد حديث الرفع- الحاكم على الأدلة الواقعية- على موارد الأمارات. هذا ما يوجد في خلال كلمات المحشي المدقق (قدس سره)(1).

و فيه أولا: أن العمومية ممنوعة، لما مضى من أن في الموارد التي كان الحكم منجزا بالعلم- كما إذا اشترط المركب بشي‏ء معلوم، كالطهارة مثلا- فإنه لا بد من إحرازها مع قطع النّظر عن قيام الطريق على تعيين الصغرى، فعلى التخلف لا يجري حديث الرفع.

نعم، إذا انضم هذا الوجه إلى الوجه الثاني، يتم وجه كامل، و لكنه غير وجيه، لما عرفت و تعرف.

و ثانيا: أن الظاهر من حديث الرفع، أن ما كان غير ناهضة عليه حجة شرعية مرفوع، و أن المراد «مما لا يعلم» ما لا حجة عليه، فلا يشمل موارد الأمارات.

اللهم إلا أن يقال: بأن هذا هو قضية حكومة الأمارة على الأصل، و لكن لازم كون المورد تكوينا، مورد انطباق الأصل هو الإجزاء، لأن مع مجهولية الواقع، و جريان حديث الرفع ذاتا، يستكشف عدم فعلية المجهول في الفرض، و تحت هذا مطلوبنا، و هو الإجزاء، فليتأمل جيدا.

و أما توهم جريانه الترتبي و التقديري‏ (2)، فهو غير كاف، لأنه يرجع إلى عدم جريانه الفعلي، كما لا يخفى.

و منها: قضية الإطلاق المقامي هو الإجزاء. و تقريبه: أن أدلة تنفيذ الأمارات ساكتة عن حال الطرق بعد انكشاف الخلاف، مع أنه من المسائل المبتلى بها، و كان كثير الدور في العصور الأولى.

____________

(1)- نهاية الدراية 1: 401.

(2)- نهاية الأفكار 1: 249.

321

و بعبارة أخرى: سكوت الشرع قبال العمل بالطرق و الأمارات، و عدم تعرضه لحال انكشاف الخلاف، شاهد على اشتراك المركبات الشرعية و العرفية في الحكم، و هو الإجزاء، فإذا لاحظ العقلاء أن في مثل الصلاة اجتزأ بالناقص، و هكذا في الطواف، بناء على عموم التنزيل، و هو أهم المركبات الإسلامية، فيعرفون من ذلك أن الأمر كذلك في الكل، لا قياسا، بل سكوته بضميمة ذلك يورث ما أشرنا إليه.

فما قيل كما في كلمات العلامة الأراكي (قدس سره): من أن إطلاق الأحكام الواقعية كاف، لكونها بيانا لحكم العمل على طبق الواقع بعد انكشاف الخلاف‏ (1)، غير سديد، لأن العقلاء و الناظرين إلى أطراف المسألة، يجمعون بين تلك الأحكام، و هذه التنفيذات للطرق و الأمارات، من دون ملاحظة كشف الخلاف، و أن الشرع المقدس لا بد و أن رفض الواقع في مواقف التخلف.

مع أن ملاحظة الصلاة و هذا السكوت الممتد، أقوى دلالة على المطلوب من الإطلاق و العموم الموقوفين على عدم قيام هذه الأمور على خلافهما في حجيتهما و كاشفيتهما عن الإرادة الجدية، فلاحظ، و لا تكن من الغافلين.

و منها: أن عدم الإجزاء يستلزم العسر و الحرج المنفيين في الشريعة.

و فيه ما لا يخفى صغرى و كبرى.

و منها: الإجماع المدعى في كلمات جمع‏ (2)، و قضية الجمع بينه و بين الإجماع القائم على بطلان التصويب‏ (3)، حمل الثاني على التصويب في أصل الحكم، دون الأحكام الغيرية، من الشرطية، و الجزئية، و المانعية.

____________

(1)- بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي) الآملي 1: 293- 294.

(2)- عدة الأصول: 83- السطر 15، مناهج الأحكام و الأصول: 6- السطر 26، نهاية الأصول: 141.

(3)- فوائد الأصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 758، نهاية الأصول: 151.

322

هذا مع أن كل واحد من الإجماعين غير حجتين، لاستناد المجمعين في الأول إلى الأمور الاخر احتمالا. و قد عرفت أن قضية تاريخ مسألة التخطئة و التصويب، يؤدي إلى أن المسألة عقلية، و أن الإجماع المزبور من المتكلمين الإماميين، قبال الأشاعرة و المعتزلة (1).

و الّذي أفاده السيد الأستاذ (قدس سره): «هو أن منشأ النزاع في هذه المسألة هو النزاع في أحوال صحابة النبي (صلى اللّه عليه و آله و سلم) و أنهم هل من العدول و الثقات، أم لا؟

فذهب جمع من المتكلمين من أهل السنة إلى أن كل صحابي لا يخطئ، فضلا عن صدور الفسق عنه‏ (2)، فوصلت النوبة إلى حل إشكال خلاف معاوية عليه الهاوية، مع أمير المؤمنين (صلوات اللّه تعالى عليه): بأن هذا نشأ من اختلاف اجتهادهما.

و عن جماعة منهم و هم المعتزلة: التفصيل بين صورة الإصابة و الخطأ (3).

و عن بعض منهم: أن الصحابي يكون فاسقا، فضلا عن صدور الخطأ منه.

و هذا هو الرّأي الشاذ، و يعبر عنه في عرفهم: بأنه رأي أصحاب البدع‏ (4)» (5) فافهم و تدبر جيدا.

فما ترى في كلام العلامة النائيني (قدس سره) من تقسيم المسألة إلى أقسام ثلاثة، زاعما وجود الإجماع في العبادات‏ (6)، فهو خال من التحصيل.

و منها: بعض الوجوه الاخر المخصوصة بباب الاجتهاد و التقليد (7). و حيث‏

____________

(1)- لاحظ نهج الحق و كشف الصدق: 406، معالم الدين: 236- السطر 8، نهاية الأصول: 152.

(2)- شرح المقاصد 5: 309، و لاحظ أسد الغابة 1: 110، الإصابة 1: 162.

(3)- المستصفى 2: 361.

(4)- شرح المواقف 8: 374.

(5)- نهاية الأصول: 151- 152.

(6)- أجود التقريرات 1: 206.

(7)- فوائد الأصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 256- 258.

323

قد عرفت منا اختصاص البحث هنا، بما إذا انكشف الخلاف على الوجه الواضح المعلوم‏ (1)، و أن مسألة تبدل الآراء و التقليد موكولة إلى مباحث الاجتهاد، فتلك الوجوه موكولة إلى هناك، لئلا يلزم التكرار، و الحمد لله على كل حال.

ثم إن هنا شبهات مشتركة بين القول بالإجزاء في الأمارات و الأصول، و لتلك الجهة نذكرها بعد الفراغ عن البحث الآتي إن شاء اللَّه تعالى‏ (2).

تذنيب: في صور الشك في إجزاء الأمارات و أحكامها

إذا شك في الإجزاء، فهل قضية الأصول العملية أيضا ذلك، أم لا، أو يفصل في المسألة؟ وجوه.

و الّذي يستدعيه التحقيق في المقام: أن صور الشك كثيرة، لأنه تارة: يشك في أن حجية الأمارة، هل تكون على السببية و الموضوعية، أم الطريقية و الكاشفية؟

و أخرى: يشك في أن قاعدة التجاوز و الاستصحاب مثلا، أمارة، أو أصل، بعد الفراغ عن عدم الإجزاء في الأمارات، دون الأصول.

و ثالثة: يشك في أن القرائن التي أقمناها على استكشاف رفع اليد عن الواقع، تامة، أم لا؟

الصورة الأولى: ظاهر «الكفاية» هو الاشتغال، توهما أن هذا هو قضية استصحاب عدم الإتيان بما يسقط معه الواجب الواقعي‏ (3).

و مراده من هذا الأصل، هو الاشتغال العقلي بعد العلم بأصل التكليف الإلزاميّ في الوقت- و هو الصلاة مع السورة- عند قيام الأمارة الثانية على وجوبها.

____________

(1)- تقدم في الصفحة 306.

(2)- يأتي في الصفحة 338.

(3)- كفاية الأصول: 111.

324

نعم، إذا انكشف الخلاف خارج الوقت، فلا يجب القضاء، لأن موضوعه «الفوت» و هو مشكوك.

و أنت خبير بما فيه نقضا من جريان هذا الأصل في الأقل و الأكثر أيضا و حلا من أن مع احتمال السببية، لا يقين بالتكليف الإلزاميّ إلا بمقدار أتى به، و بعد انكشاف الخلاف لا برهان على بقاء الحكم الإلزاميّ، لاحتمال السببية، و هو مساوق لعدم انكشاف الخلاف، كما لا يخفى.

نعم، إن قلنا: بأن الحكم الواقعي و لو على السببية باق، و يكون هو الحكم الواقعي الأولي، و هو فعلي، و مؤدى الأمارات من قبيل الحكم الثانوي، كما في باب الاضطرار، فإن انكشف الخلاف يتنجز الحكم الواقعي الأولي، و هو يقتضي الإعادة في الوقت، و مع الشك في الطريقية و السببية لا بد من الإعادة، فلا تخلط.

و توهم: أن إمكان الاستيفاء مشكوك بعد الإتيان بالمصداق الناقص، في محله، و لكنه لا بد من الاحتياط لأنه من الشك في القدرة بعد العلم بالمصلحة العالية الإلزامية، فتأمل جيدا.

الصورة الثانية: إذا شك في أمارية شي‏ء و أصليته، فإن قلنا: بأن وجه الإجزاء في الأصول هي الحكومة (1)، فلا بد من الاحتياط، لأنه بعد كشف الخلاف يشك في كفاية ما أتى به عما ثبت عليه.

مثلا: إذا صلى باللباس النجس بحسب الأصل، ثم تبين الخلاف، و قلنا: بأن الأصل يورث التوسعة فيما هو الشرط، و هي الطهارة، فالطهارة واجبة و معلومة، و لكنه بعد انكشاف الخلاف، يشك في سقوط ما وجب عليه.

و إن قلنا: بأن وجه الإجزاء هو الانصراف عن الواقع، و عن شرطية الطهارة عند الشك- كما هو كذلك في الشبهات الحكمية، فإنه لا يتصور هناك حكومة- فإنه‏

____________

(1)- تهذيب الأصول 1: 191- 192.

325

تجري البراءة، لأن معنى رفع اليد عن الواقع، ليس أن المولى أراد بعد دخول الوقت إرادة إلزامية، ثم بعد ما يرى قيام الأمارة على الخلاف يرفع يده عن الواقع، فإنه في حقه تعالى ممتنع، بل هذا يرجع إلى عدم تحقق الإرادة في الأزل، بالنسبة إلى صورة التخلف، و إذا شك في الأمارية و الأصلية، يرجع الشك إلى أنه أراد شرطية السورة، أم لا، أو شرطية الطهارة، أم لا، فيكون المرجع هو الشك في الثبوت، فتجري البراءة.

الصورة الثالثة: لو تردد الأمر بين تقدم إطلاق دليل الواقع، و أدلة تنفيذ الأمارات، لأجل عدم حصول القطع بالمسألة بعد المراجعة إلى القرائن التي ذكرناها و شرحناها، فمع فرض ثبوت الإطلاق و العموم في أدلة الأحكام الواقعية، يكون هو المرجع.

اللهم إلا أن يقال: بأن مع قيام ما يصلح للقرينية، يشكل انعقاد الإطلاق، فيكون المرجع هي البراءة، لرجوع الشك إلى الشرطية في ذلك الحال.

و توهم التفصيل بين العمومات و الإطلاقات، لعدم الحاجة في الأولى إلى مقدمات الإطلاق، في غير محله. مع أن الفرق غير ثابت. و مع الشك أيضا لا يمكن الاتكال على تلك الأدلة.

نعم، في إضرار ما يصلح للقرينية بالإطلاق، إشكال مضى منا، فليتدبر جيدا.

هذا تمام البحث فيما يتعلق بالإجزاء في الأمارات من المقام الأول.

المقام الثاني: فيما يتعلق بالإجزاء في الأصول‏

فالمعروف بين المتأخرين إنكاره‏ (1)، و اختار «الكفاية» ذلك في مثل أصالتي‏

____________

(1)- فوائد الأصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 248- 254، نهاية الأفكار 1: 246.

326

الحل و الطهارة، و استقوى ذلك في الاستصحاب‏ (1)، و تبعه الوالد المحقق- مد ظله- و قال به في جميع الأصول الشرعية حتى قاعدتي التجاوز و الفراغ، و حتى في الأصول العدمية (2).

و الّذي هو الحق: أن الإجزاء في الأمارات إن تم، فهو في الأصول تام، و إلا فيشكل، و لذلك لم يسند التفصيل إلى الأصحاب (قدس سرهم) بل المنسوب إليهم هو الإجزاء على الإطلاق‏ (3).

التحقيق في إجزاء أصالتي الطهارة و الحل‏

إذا علمت ذلك، فلنذكر أولا ما هو قضية التحقيق، ثم نردفه بما أتى به القوم في المسألة على سبيل الإجمال.

فنقول: قضية الأدلة الأولية المتكفلة للأحكام الواقعية، اشتراك الكل في الحكم، و انحفاظ رتبة الأحكام الواقعية في جميع المراحل، و بالنسبة إلى جميع المكلفين.

و إذا لاحظناها مع الأدلة المتكفلة لتأسيس الأصول الشرعية، المنتهية أحيانا إلى خلاف تلك الأدلة، نجد أن الشرع في مقام التسهيل على المكلفين، فكما عرفت التقريب في الأمارات على الإجزاء، كذلك الأمر هنا. و هاهنا أولى، لأن تأسيسها بيد الشرع، فإنه كان يمكن أن يقتنع بالأمارات، و لكنه رفقا بالأمة الإسلامية، و شفقة عليهم، ابتدع المبدعات الجديدة التي لا سبيل لعقول الناس إليها، و هي تؤدي إلى خلاف مرامه و مقصده كثيرا، و مع ذلك ارتضى بذلك، حذرا من إيقاع‏

____________

(1)- كفاية الأصول: 110.

(2)- تهذيب الأصول 1: 191- 197.

(3)- تهذيب الأصول 1: 195.

327

الأمة في الكلفة و المشقة.

فهل ترضى نفسك بإيجاب الإعادة و القضاء، و عدم ترتيب الآثار على ما وقع ناقصا، بتوهم أن الواقع محفوظ؟

فبالجملة: إذا صلى بالطاهر الظاهري، أو توضأ بالماء الطاهر الظاهري و هكذا، ثم تبين الخلاف، يعلم عدم شرطية الطهارة حال الشك و الشبهة، لا أن شرط الماء المتوضأ به، يكون أعم من الطهارة الواقعية و الظاهرية.

إن قلت: إن الظاهر من حديثي أصالة الحل و الطهارة (1)، جعل الطهارة و الحلية على موضوع خاص، و هو الشك في الموضوع، لا الحكم، فإذا قيس لسانهما إلى دليل شرطية الثوب الطاهر في الصلاة و الطواف مثلا، يقدم عليه حكومة، لما يلزم منه التوسعة في المحمول، فيستفاد من المجموع أن الشرط هي الطهارة الأعم من الواقعية و الظاهرية.

قلت: هذا أحد الاحتمالات في أدلة الأصول، أو هذين الأصلين، و منها: أن جعل الطهارة في حال الشك لحال الشك، لا جعلها في حال الشك للأعم منه و من حال العلم بالخلاف، فيكون- بناء عليه- هذا الأصل عذرا للمتخلف عن الواقع، لا توسعة في دليل الواقع.

مع أن المتعارف في التوسعة، كون دليل الحاكم متكفلا للأمر الواقعي، لا لصورة الشك، و إن كان ذلك ممكنا عقلا، فلا تغفل.

فبالجملة: ما سلكه السيد الوالد المحقق- مد ظله- (2) يستلزم صحة الوضوء

____________

(1)- الكافي 5: 313- 39، وسائل الشيعة 17: 88 كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 4، الحديث 1، تهذيب الأحكام 1: 284- 119، وسائل الشيعة 3: 467 كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 37، الحديث 4.

(2)- تهذيب الأصول 1: 192- 193.

328

بالماء الطاهر الظاهري، و صحة البيع إذا كان المبيع من الأعيان النجسة. و لا يتوهم: إن ذلك نتيجة حكومة أدلة الأصول على أدلة النجاسات، كما في كلامه- مد ظله- فإنه أيضا من حكومة تلك الأدلة على أدلة اشتراط الطهارة في المعقود عليه‏ (1)، و هكذا.

فعلى ما تقرر، لا يمكن فهم الإجزاء من لسان الأدلة في الأصول، بل الإجزاء ينحصر بوجه واحد، و هو ما سلكناه من دعوى إسقاط شرطية الطهارة مثلا عما يشترط بالطهور، و هذا من غير فرق بين الأمثلة.

و ما ترى في كلماتهم: «من عدم إمكان التزام فقيه بذلك» (2) غير سديد. مع أن بعد وجود الاتفاق في مورد على شرطية الطهارة، يعلم أن دليل الواقع في خصوصه باق على حاله.

و بعبارة أخرى: على هذا المسلك يمكن التفكيك بحسب الموارد المختلفة، لما أن في بعض منها يعرف انحفاظ حكم الواقع، و في بعض منها يعرف سقوط الحكم، و رفع اليد عنه لأقوائية ملاك التسهيل، كما لا يخفى على المتأمل المتدبر.

وجه بديع للإجزاء في الأصول‏

ثم إن هنا وجها آخر للإجزاء، سلكناه في مباحث الجمع بين الأحكام الظاهرية و الواقعية، و هو أن مؤدى الأصول ليس حكما ظاهريا، بل كلها أحكام واقعية، و ذلك لأن النسبة بين موضوعي الحكمين، عموم من وجه.

مثلا: موضوع الحرمة في أدلة تحريم الخمر هي الخمر، و موضوع الحلية في أدلة تحليل المشكوك هو مشكوك الخمر بما هو مشكوك، و هما يتصادقان في‏

____________

(1)- تهذيب الأصول 1: 192- 193 و 195.

(2)- أجود التقريرات 1: 200، الهامش 1.

329

الخمر الواقعية المشكوكة، و يختلفان في الخمر المعلومة، و في المشكوك الّذي ليس خمرا بحسب الواقع.

فتصير النتيجة: أن هذه المسألة كمسائل المتزاحمين في الأدلة الواقعية، فكما أن هناك يجمع بينهما إذا أمكن، و يطرح أحدهما إذا تعين، و يكون المكلف بالتخيير إذا تساويا ملاكا، كذلك الأمر هنا. إلا أن الأمر بحسب مقام الإثبات، متعين في تقديم أدلة الشكوك على أدلة الواقع، إلا في مثل الشبهات المهتم بها، فإن هناك يقدم حفظ الواقع، و لا بد من الاحتياط.

و لأجل ذلك قررنا تجويز ارتكاب جميع الأطراف في الشبهات المقرونة بالعلم، إلا في مواضع خاصة دل الدليل هناك على وجوب التحفظ على الواقع مطلقا، أو في الجملة (1).

فعلى هذا، إذا شك في حلية شي‏ء أو نجاسة شي‏ء، فهما بما هما مشكوكان طاهران واقعا، و بما هما خمر مثلا، محرم، و نجس واقعا. و لا منع من ذلك بعد اختلاف العناوين في مرحلة الجعل و التشريع، كما تقرر في اجتماع الأمر و النهي‏ (2)، فكما يجوز إبقاء حرمة الغصب و وجوب الصلاة على حالهما مع وحدة المصداق، لاختلاف العناوين و مراكز الأحكام، كذلك فيما نحن، فإذا دل الدليل على أن الصلاة مشروطة بالثوب الطاهر، و قام الأصل على أن الثوب المشكوك طاهر، فلا حكومة في البين، بل هو من باب تعيين الموضوع و المصداق، كما إذا قامت البينة على الطهارة الواقعية للثوب.

فبالجملة: مشكوك النجاسة طاهر، و الدم نجس، و إذا كان شي‏ء واحد دما، و مشكوك الدمية إثباتا، فهو نجس و طاهر، باختلاف العنوانين: الذاتي، و العرضي،

____________

(1)- يأتي في الجزء السابع: 342.

(2)- يأتي في الجزء الرابع: 146.

330

و حيث يتعين تقدم أدلة المشكوك على أدلة نجاسة الدم في مورد الاختلاف- للزوم لغوية العكس- يلزم الإجزاء، و في المسألة (إن قلت فلتات) تعرضنا لها في تلك المسألة، فراجع.

نعم، هنا شبهة استظهارية لا بأس بالإشارة إليها: و هي أن الظاهر من أدلة قاعدتي الحل و الطهارة، أن موضوع الطهارة الظاهرية هو «الشي‏ء» لا المشكوك، و هذا حيث لا يكون ممكنا، فلا بد من حمل جعل الطهارة على ترتيب آثارها عند الشك، فيكون الطهارة الظاهرية معناها العذر عند المخالفة، و ترخيص الإتيان بالعمل المشروط بالطهارة (1).

و يندفع: بأن الأمر و إن كان في بادي النّظر كما توهم، إلا أن بلحاظ الغاية، و بلحاظ ظهور الجملة في جعل الطهارة، و بلحاظ أن الطهارة المجعولة الظاهرية، لا يعقل كون موضوعها العنوان الذاتي، يعلم أن الموضوع هو «الشي‏ء المشكوك بما هو مشكوك» لا الشي‏ء بعنوانه الذاتي إذا كان مشكوكا بنحو القيدية، أو بنحو العلية الخارجة عن الموضوع، كما لا يخفى.

و بعبارة أخرى: الحيثيات التعليلية ترجع إلى الحيثيات التقييدية، فيكون موضوع الطهارة المجعولة «الشي‏ء المشكوك» و حيث إن «الشي‏ء» فيه الإيهام و الكناية، فلا ينتقل منه العرف إلا إلى أن ما هو تمام الموضوع هو المشكوكية، لا الأمر الآخر، فتدبر. هذا كله حول الأصلين: الحلية، و الطهارة.

بيان حال إجزاء الاستصحاب‏

و أما الاستصحاب، فلا يبعد كونه بحسب دليله أمارة شرعية بالسببية، أو بلحاظ الكشف الناقص، و لكنه محكوم بأحكام الأمارات، لأن اعتباره بقاء اليقين،

____________

(1)- تهذيب الأصول 1: 192.

331

و هو أس الأمارات .. (1). و لذلك يكون مثبتاتها حجة، و إذا قلنا بعدم الإجزاء في الأمارات، فهو كذلك هنا، و لكنك عرفت التحقيق هناك أيضا (2).

و أما قاعدتا التجاوز و الفراغ، ففي كونهما أمارة شرعية (3)، أو أصلا شرعيا حيثيا (4) خلاف، لاختلاف لسان أخبارها، و حيث إن التحقيق عندنا هو الإجزاء على كل تقدير، تصير النتيجة أيضا ذلك.

نعم، بناء على كونهما أمارة، فوجه الإجزاء ما سلكناه في الأمارات. و بناء على كونهما أصلين، فوجه الإجزاء أيضا هو الوجه الأول، لإباء أدلتهما من جعل أمر وراء ما هو المجعول أولا.

نعم، قضية الجمع بين الأدلة، هو رفع اليد عن الجزئية بعد الدخول في الغير.

بيان حال إجزاء البراءة الشرعية

و أما أصالة البراءة الشرعية، فالاحتمالات فيها كثيرة، فإن قلنا: بأن مفادها رفع المجهول ادعاء، بلحاظ رفع جميع الآثار، و منها: الشرطية و الجزئية و المانعية (5)، فتصير النتيجة الإجزاء، لأن ما أتى به تمام ما هو المأمور به في ظرف الإتيان، فيسقط الأمر قهرا، فلا تصل النوبة إلى عود الأمر بالطبيعة، حتى يكون الأمر بالسورة باعثا نحوها.

و إن قلنا: بأن مفادها جعل المجهول و المشكوك جزئيته و شرطيته مرفوعا،

____________

(1)- سقط من النسخة المخطوطة نحو سطرين.

(2)- تقدم في الصفحة 307- 312.

(3)- مصباح الأصول 3: 262- 264.

(4)- تهذيب الأصول 1: 197.

(5)- تهذيب الأصول 1: 195.

332

كما في أصالتي الحل و الطهارة (1)، فأيضا يتعين الإجزاء.

و أما سائر الاحتمالات‏ (2)، فهي لا ترجع إلى محصل، و في بعضها احتمال ينتهي إلى الإجزاء أيضا، فتدبر.

إشكال و دفع‏

لو سلمنا أن مفاد أصالتي الحل و الطهارة، جعل الطهارة و الحل للمشكوك، و سلمنا تقدم دليل الشك على دليل الواقع، و لكنه يتم ما دام الشك، فإذا زال الشك يتبين أنه صلى في النجس الواقعي الذاتي، و مقتضى ذلك هو الإعادة، لما دل من الدليل على أن النجاسة مانعة من صحة الصلاة، و هو أعم مما إذا لم يصل، أو كان صلى، ثم تبين له ذلك، فقضية إطلاق دليل مانعية النجاسة و شرطية الطهارة، الإعادة و القضاء (3).

و يندفع ذلك: بأنه إذا كان حين الشك، واجدا لما هو الشرط واقعا، و كان بين الدليلين عموم من وجه، و قلنا بتقديم أدلة الشك، فلازمه صحة الصلاة، و سقوط الأمر واقعا، و هذا لا ينافي مانعية النجاسة الواقعية الذاتيّة، لأن ملاكه قصور الملاك الثاني، و إلا فحكمه الفعلي أيضا هي المانعية، كما قررنا في محله‏ (4).

فبالجملة: كما أن الصلاة مستحبة، و الغصب حرام، و لكن الشرع لا يتصرف في أحد القانونين، و يقول العقل بترك الصلاة، لأقوائية ملاك الحرمة، و لكنه مع ذلك لو صلى سقط أمر الصلاة، كذلك الأمر فيما نحن فيه.

____________

(1)- يأتي في الجزء السابع: 71- 74.

(2)- يأتي في الجزء السابع: 58 و ما بعدها.

(3)- بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي) الآملي 1: 229- 230.

(4)- يأتي في الجزء السادس: 187- 188.

333

فذلك البحث: في طرق إثبات الإجزاء

إن الإجزاء يتصور من طريقين:

أحدهما: إثبات عدم شرطية ما تركه حين الشك. و الشبهة على خلاف إطلاق دليل الشرط، أو الجزء، أو المانع.

ثانيهما: إثبات واجدية المأتي به لما هو الشرط حسب الدليل الأولي الاجتهادي مثلا، و لو كان قضية الدليل هي الشرطية أو الجزئية أو المانعية على كل تقدير، و لم يكن المأتي به واجدا له، فيلزم بقاء الأمر و عدم الإجزاء.

و هذا الوجهان و الطريقان، قد اتخذناهما في الأمارات و الأصول على سبيل منع الخلو، فذكرنا في مورد الأمارات، رفع اليد عن الشرطية و الجزئية و المانعية، و ذكرنا في مورد الأصول، إمكان جريانهما.

و ربما يكون الوجه الثاني في مجرى قاعدتي الحل و الطهارة، أقوى و أقرب إلى لسان أدلتهما من الأول، و الوجه الأول أقرب إلى سائر الأصول، كما لا يخفى.

و على هذا، يلزم سقوط ما اشتهر من الحكم الظاهري في مؤدى الأصول الشرعية (1)، بل الأصول الشرعية بين ما يكون كالأمارات في النتيجة، و بين ما يكون موضوعه أعم من موضوع دليل الواقع أعم من وجه.

إن قلت: يلزم في ظرف الشك، كون الصلاة في الطاهر الواقعي و النجس الواقعي معا، لأن الثوب المشكوك إذا كان بحسب الواقع دما، يكون نجسا، و بما أنه مشكوك يكون طاهرا واقعا، و هذا أمر غير معقول.

قلت: لا منع من ذلك بعد كونهما اعتباريين، و حيث إن الصلاة تكون واجدة للطهارة، تكون صحيحة، و حيث يستكشف بعد ذلك وجود النجاسة في الثوب،

____________

(1)- فوائد الأصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 248، درر الفوائد، المحقق الحائري: 81، نهاية الأفكار 1: 243 و 246.

334

و لا تكون هي تقاوم الطهارة الموجودة، لا تورث الإعادة و القضاء. و سيأتي زيادة توضيح حول مفاد الأصلين، و يظهر ما هو الأقوى في مفادهما المنتهي إلى القول بالإجزاء.

إيقاظ: حول إجزاء أصالة الصحة

قد اشتهر بين أبناء العلم أن يقال: «بأن أصالة الصحة من الأصول العقلائية» (1) فهل يأتي الأجزاء إذا كانت أصلا ممضاة شرعا، أم لا؟

و الّذي هو التحقيق: أن المراد من «الأصل العقلائي» ليس أن العقلاء بناؤهم على ترتيب آثار الواقع على الشك، كما في الأصول الشرعية التأسيسية، بل المقصود أن هذا الأصل ليس مثل الأمارات في حجية مثبتاتها، بل هو أمارة حيثية، بمعنى أن الكاشفية فيها ليست تامة عندهم، و إن كانت بلحاظ الغلبة، و بلحاظ أن النسيان و السهو في التخلف عن إتيان القيود المعتبرة في المركب، خلاف الأصل.

فعلى هذا، هي أيضا أمارة على وجدان المركب المشكوك لما يعتبر فيه، و يترتب عليه آثار ذلك المركب، لا الآثار الاخر، فتندرج في زمرة الأمارات، و تكون في النتيجة مثلها، فلا تغفل عنها.

بحث و تحصيل: فيما تخيله الأعلام و رده‏

قد عرفت: أن الأشهر بين أبناء العصر عدم الإجزاء (2)، و غاية ما يتخيلوه‏

____________

(1)- درر الفوائد، المحقق الحائري: 609، نهاية الأفكار 4: 78، الاستصحاب، الإمام الخميني (رحمه اللَّه): 385.

(2)- فوائد الأصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 248- 252، بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي) الآملي 1: 229، نهاية الأفكار 1: 249- 250، محاضرات في أصول الفقه 2: 258.

335

لذلك: أن هذا هو مقتضى كون مؤدى الأصول أحكاما ظاهرية، فإن معنى الحكم الظاهري، ليس إلا ترتيب آثار الواقع ما دام الشك، و إذا زال الشك، و انكشف الإخلال بالواقع، فلا بد من حفظ الواقع، لإطلاق دليله، فعليه الإعادة و القضاء، و لا يجوز ترتيب الآثار على المركب الناقص، عقودا كانت، أو إيقاعات، بناء على إمكان إجراء بعض الأصول فيها في الشبهة الحكمية.

و أما ما يقوله صاحب «الكفاية» و الوالد المحقق- مد ظله و عفي عنهما-: من حديث الحكومة و التوسعة (1)، فهو يرجع إلى إنكار كون الأصلين في المفاد حكما ظاهريا، كما عرفت منا، و تصير النتيجة على رأيهم: أن ما هو الموضوع للطهارة الظاهرية هو «المشكوك» و هكذا للحلية الظاهرية. و هذا ليس من الحكومة، لاختلاف الموضوعين، و عند ذلك لا معنى للحكومة رأسا، بل هو مصداق الطهارة الواقعية.

و هذا في حد ذاته صحيح، إلا أنه خلاف بنائهم في الأصول: من أن مؤداها الأحكام الظاهرية، فإن معنى ذلك أن ما هو موضوع النجاسة و الحرمة، هو موضوع الحلية و الطهارة حال الشك، و لذلك يلزم التضاد و اجتماع المثلين.

و يرتفع ذلك التعاند: بأن الثاني ادعائي بلحاظ الأثر، لا واقعي، و عند ذلك لا يعقل تعرضهما لحال ارتفاع الموضوع، و هو الشك، فإذا زال الشك يعلم بقاء الأمر بالطبيعة، فلا معنى لدعوى: أنه قد أتى بالوظيفة، و قد سقط الأمر، و لا يكون أمر آخر متعلقا بها، كما ترى في كلماته- مد ظله- (2) فلاحظ و تدبر جيدا.

____________

(1)- كفاية الأصول: 110، تهذيب الأصول 1: 192- 195.

(2)- تهذيب الأصول 1: 193.

336

فذلكة الكلام في المقام حول الاحتمالات في اجزاء قاعدتي الحل و الطهارة

و هي ثلاثة:

أحدها: ما اختاره جمع من المنكرين للإجزاء: و هو أن مفادهما الحلية و الطهارة العذرية حال الشك، و لا يجوز ترتيب آثار الواقع بعد زوال الشك. و هذا هو المراد من «الطهارة و الحلية الظاهريتين» (1).

ثانيها: ما سلكناه في هذا المضمار: من أن مفادهما جعل الحلية و الطهارة على عنوان مستقل‏ (2)، فتكونان واقعيتين، و ليس تقدمهما على أدلة الشرائط بالحكومة، لأن معنى «الحكومة» هو التوسعة في الحكم مع انتفاء الموضوع تكوينا، كما إذا ورد: «لا سهو لمن أقر على نفسه بالسهو» (3) فإنه يورث زوال حكم السهو عن كثير السهو، بالتضييق في دائرة دليل المحكوم تعبدا، أو إذا ورد: «أن الظن شك» فإنه يلتحق به أحكام الشك، بالتوسعة في دائرته. و أما جعل الطهارة على موضوع آخر مباين لموضوع دليل المحكوم بالعموم من وجه، فهو لا يورث الحكومة في هذه المسألة، كما هو الظاهر جدا.

و هذا هو الظاهر من «الكفاية» و «تهذيب الأصول» (4) و إن كانا غافلين عن لازم مرامهما، من إنكار كونهما من الأصول المنتهية إلى الأحكام الظاهرية.

ثالثها: و هو الأقرب إلى لسان الأدلة: أن مفادهما تقييد أدلة حرمة المحرمات، و نجاسة القذارات الشرعية، فكما أن نتيجة ملاحظة دليل حرمة الميتة

____________

(1)- بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي) الآملي 1: 303- 304، منتهى الأصول 1: 256، محاضرات في أصول الفقه 2: 256- 257.

(2)- تقدم في الصفحة 328- 330.

(3)- وسائل الشيعة 8: 329 كتاب الصلاة، أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الباب 16، الحديث 8.

(4)- كفاية الأصول: 110، تهذيب الأصول 1: 192- 193.

337

و لحم الخنزير، و دليل قاعدة الحل، هو أن الميتة و لحم الخنزير حلالان حال الشبهة و الشك، و يكون الحاصل تقييد الأدلة الأولية بها- و هذا من غير فرق بين الشبهات الموضوعية التي يمكن التقييد فيها، و الشبهات الحكمية التي يأتي فيها الدور المندفع بما تقرر في محله‏ (1)- كذلك الأمر عند ملاحظة دليل النجاسات و دليل قاعدة الطهارة، فيلزم بناء عليه طهارة الدم عند الشك و الشبهة، و يكون هذا مقدما على دليل الواقع بالضرورة، و يصير النتيجة الإجزاء، لأن المأتي به- بناء عليه- واجد للشرط.

و هذا تقريب جديد للإجزاء غير التقريبين السابقين، و يمكن إجزاؤه في استصحاب الطهارة و الحلية أيضا، إلا أن قضية ما عرفت منا: أنه من الأمارات الإبداعية الشرعية.

و لعمري، إن هذا التقريب أقرب إلى أفق التحقيق من الأولين، إلا أنه يختص بمثل هذين الأصلين.

و ما ترى من الالتزام بالحكم الظاهري و العذر الشرعي‏ (2)، غير موافق للإنصاف، ضرورة أن من يأكل لحم الخنزير و هو لا يعلم، لا يكون مرتكب الحرام، و معذورا، بل هو مرتكب الحلال واقعا و حقيقة، فهكذا في جانب النجاسات.

هذا مع أنه لا بد لهم من الالتزام بالإجزاء أيضا، ضرورة أن دعوى الطهارة و الحلية، تحتاج إلى المصحح العقلائي، و الأثر الواضح المصحح لذلك هو سقوط الإعادة و القضاء، و أما مجرد الرخصة التكليفية بصورة العبادة في مقابل توهم التشريع المحرم مثلا، فهو لا يكفي مع هذا الادعاء إنصافا و جدا، فكما أن رفع المجهول في حديث الرفع يحتاج إلى المصحح، و تصير النتيجة اختصاص روح‏

____________

(1)- يأتي في الجزء السادس: 117- 118.

(2)- أجود التقريرات 1: 199، بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي) الآملي 1: 303- 304.

338

الحكم بالعالم، كذلك الأمر هنا.

فلا ينبغي الخلط بين ما إذا ورد: «من شك في طهارة شي‏ء و نجاسته، تجوز له الصلاة فيه جوازا تكليفيا» و بين قوله: «كل شي‏ء طاهر ...» (1) في ادعاء الطهارة، و الحمل و الهوهوية لا يصح إلا مع رعاية أظهر الآثار، و إطلاقه يورث جواز ترتيب مطلق الآثار.

فتحصل: أنه على جميع الاحتمالات، يشكل الفرار من الإجزاء، و إنما الاختلاف في طريق استفادته.

ثم إن من الاحتمالات و هو رابعها: جعل الطهارة للدم النجس لو كان المشكوك دما، لا للدم، فإنه يلزم التهافت بين الحكم الواقعي و الظاهري، و يحتاج إلى الدفع، بخلاف ما إذا كان موضوع الطهارة «الدم النجس» فإنه لا منع من كون أحد المتقابلين موضوع المتقابل الآخر، كما يكون السطح عارض الجسم التعليمي، و الخطّ عارض السطح، و عند ذلك أيضا يلزم صحة الإجزاء، لأن هذه الطهارة واقعية، لا ظاهرية، فإذا ثبت في الفقه أن ما هو الشرط طهارة الثوب، فهي حاصلة.

و إذا قلنا: بأن هذا شرط، و النجاسة مانعة، يشكل، و حله بما عرفت.

شبهات على إجزاء الأمارات و الأصول و جوابها

و هاهنا شبهات على القول بالإجزاء، لا بد من دفعها، و تتوجه إلى الأمارات و الأصول:

منها: لو كان مفاد الأمارات عند الشك في طهارة شي‏ء و نجاسته، هو الكاشفية التكوينية بحسب طبعها، و لكن هذا المقدار غير كاف لجواز ترتيب الآثار

____________

(1)- المقنع: 15، مستدرك الوسائل 2: 583.

339

على الكشف، بل لا بد من لحوق إمضاء الشرع لها، و هو يرجع إلى الترخيص في البناء العملي على طبقها.

فإذا ورد: «صدق العادل» فمعناه أنه ابن علي طهارة الثوب و الماء المشكوكين، و هكذا، فبناء على هذا، يلزم طهارة ملاقيه، فيصير الثوب طاهرا، و ما لاقاه ليس بنجس، لعدم ملاقاته إلا للطاهر. و لأن من شرائط مطهرية الماء كونه طاهرا، فإذا ورد من الشرع لزوم البناء العملي على طبقها، فلا بد من الأخذ بآثارها، و منها ذلك، و هذا في الأصول بطريق أولى‏ (1).

و توهم عدم توجه هذه الشبهة إلى من يقول بالطهارة الظاهرية العذرية عند الشك، غير صحيح، لأن قضية ادعاء الطهارة هو ترتيب آثارها إجمالا، و مقتضى إطلاق الادعاء ترتيب جميع الآثار، و من الآثار البارزة في الماء طهارة ملاقيه، و عدم نجاسة ما لاقاه تعبدا أو ادعاء و لو انكشف الخلاف.

و توهم: أن طهارة الملاقي ليست من آثار الملاقاة شرعا، في غير محله، لأن المقصود هو عدم لزوم ترتيب آثار النجاسة على الملاقي بعد الملاقاة، و هذا غير ممكن بعد تعبد الشرع بطهارة الملاقى بالفتح.

منها: بناء على هذا، يلزم الإجزاء في الوضوء و الغسل و التيمم، و كل شي‏ء اشترط بالطهارة في تأثيره، أو موضوعيته للأثر، مثل طهارة الأرض لمطهريته، و التراب لمطهريته في الولوغ، و هكذا كطهارة المعقود عليه. و يلزم عدم لزوم الإعادة بالنسبة إلى ذات الطهارات الثلاث، لأنها وقعت من أول الأمر صحيحة، و لا يلتزم بهذه التوالي أحد من الفقهاء (2).

منها: يلزم بناء على الإجزاء، صحة العقد و الإيقاع واقعا و لو كان على‏

____________

(1)- فوائد الأصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 251.

(2)- أجود التقريرات 1: 200، الهامش 1.

340

المحرمات الرضاعية و النسبية، مثلا لو عقد على من شك في حصول رضاعه، ثم تبين الخلاف، أنه يصح العقد، و يترتب عليه آثاره.

و هكذا لو استصحب مالكية زيد لفلان، ثم باعه، ثم تبين الخلاف، صح البيع، و يجوز له ترتيب آثار ملك زيد حتى بعد الانكشاف، و هكذا من الأشباه و النّظائر (1).

منها: بناء على أن النجاسة مانعة عن صحة البيع في الأعيان النجسة، و يلتحق بها المتنجسات غير القابلة للتطهير، فلو شك، و أجرينا البراءة الشرعية عن المانعية، بناء على عدم كونها مثبتة هنا، كما في المركبات العبادية، فيصح البيع، و يترتب عليه الآثار إلى الأبد، و يصير المشتري مالكا للمثمن، و هكذا.

منها: لو صح الإجزاء يلزم جواز أكل الذبيحة إذا اتكل على أصل من الأصول في صحة الذبح ظاهرا، ثم تبين الخلاف، مثلا لو شك في إسلام الذابح و استصحب، أو في حديدية القاطع فاستصحب، أو في بقاء القابلية فاستصحب، ثم تبين خلاف الكل، فإنه يترتب آثار الحلية حتى بعد التبين.

و من هنا يظهر الشبهات الاخر الكثيرة في أدوار الفقه على هذا المعنى الحديث.

و منها: إنكار الضمان إذا أتلف مال الغير، بتوهم أنه ماله استصحابا، فتأمل.

و منها: الإجزاء في مستثنى قاعدة «لا تعاد ...» فلو صلى باستصحاب الطهور، أو باستصحاب بقاء الوقت، ثم تبين الخلاف، فلا يعيد، مع أن ضرورة الفقه على خلافه.

و منها: غير ذلك.

أقول: قد يشكل تارة: بأن الأصول الجارية في كثير من الأمثلة المزبورة مثبتة.

____________

(1)- نفس المصدر.

341

و فيه: أن ذلك ممنوع إلا فيما شذ. مع أن الاستصحاب عندنا حجة في مثبتاته. و الإشكالات مشتركة الورود بين الأمارات و الأصول، فلا بد من حل هذه المعضلات.

و أخرى: بأن قضية ما سلف من اشتهار القول بالإجزاء حتى في الأمارات، هو الالتزام بهذه الأمور.

و فيه: أن القدر المتيقن منها في الصلاة، و لا دليل على ذهاب الإمامية إلى الإجزاء في مطلق المركبات، و لعل استنادهم فيها إلى قاعدة «لا تعاد ...» القواعد العامة، فليتأمل جيدا.

و الّذي هو الحق: أن وجه الإجزاء في الأمارات كان أمرا وحيدا، و هو الاستظهار من أدلة تنفيذها بأن الشرع المقدس، لا يكون ملتزما بواقعياته على كل تقدير، و قد فرغنا من سد ثغوره، فأذن إن أمكن في كل مورد الالتزام بالإجزاء فهو، و إلا فيعلم من الخارج أن الواقع محفوظ على جميع التقادير.

و بعبارة أخرى: الواقعيات مختلفة المراتب: فطائفة منها محفوظة على جميع التقادير، بحيث لا يجوز الشرع العمل على طبق الأمارات و الأصول، بل يوجب الاحتياط و التورع.

و بعض منها يرخص في العمل على طبق الأمارات، دون الأصول.

و بعض منها يرخص على الإطلاق، و لكنه بعد انكشاف الخلاف يعلم أنه لا يتجاوز عن واقعه.

و بعض منها يكون مورد التجاوز، و لا يوجب الإعادة و القضاء، كما في مثل الصلاة مثلا بالنسبة إلى كثير من أجزائها و شروطها، و هكذا.

فعلى هذا، إن لم يقم دليل من الإجماع و العقل أو النقل على محفوظية تلك الواقعيات، فقضية القاعدة الأولية هو الإجزاء، فالتفكيك- بناء على هذا- بين‏

342

الأحكام المهتم بها، و بين غيرها، ممكن جدا.

و من تلك الأمارات هو الاستصحاب على رأينا، فإذا رأينا أن مفاد النصوص الخاصة، هي الإعادة بعد التوجه إلى فقد الصلاة للطهور و الوقت، فيعلم من ذلك: أن الشرع ملتزم بذلك، و لا يكون رافع اليد عنه، فاغتنم. فكثير من الإشكالات المزبورة، كان منشؤها التمسك بالاستصحاب، و يكون طريق الحل و الدفع منحصرا بذلك.

و أما مجرد استيحاش الفقهاء في العصر عن الالتزام بأمر، فهو غير كاف للكشف عن الأهمية عند الشرع، و لذلك يمكن الالتزام بحلية الذبيحة بعد انكشاف الخلاف في الموارد التي أشرنا إليها، هذا في الأمارات.

و أما الأصول، فقد عرفت منا وجوها للإجزاء، و كان أول هذه الوجوه الوجه الّذي اخترناه للإجزاء في الأمارات، فعلى هذا في مورد الأصول أيضا يمكن التفكيك كما لا يخفى.

و على هذا، لا يتوجه الشبهة الأولى إلينا، لأن رفع اليد عن الواقعيات الأولية في موارد الأمارات و الأصول، لا يورث الحكم بطهارة ملاقي النجس، أو الحكم بعدم نجاسته، لأجنبية ذلك عما هو المقصود.

نعم، يلزم رفع اليد عن شرطية طهارة الماء في الوضوء و غيره، و عن شرطية طهارة الثوب في الصلاة، لا عن شرطية طهارة الماء في رفع النجاسة عن الثوب الملاقي إياه.

و لو قلنا: بأنه يلزم عليه رفع اليد عن شرطية الصلاة بالطهور، لا عن شرطية الوضوء بالماء الطاهر، كان أولى، لأنه بناء عليه يلزم عليه الوضوء للصلاة الآتية، و تجب عليه إعادة الصلاة و قضاؤها، لأنها تكون صلاة بلا طهور، و قضية المستثنى في قاعدة «لا تعاد ...» و بعض النصوص الاخر (1)، أهمية هذا الشرط، فيعلم من هنا

____________

(1)- وسائل الشيعة 1: 370، كتاب الطهارة، أبواب الوضوء، الباب 3.

343

عدم رفع اليد عن واقعه، و هو اشتراط الصلاة بالوضوء.

و مما يؤيد ذلك: أن ما هو المطلوب النفسيّ، هو المقياس في المقام، لا المطلوبات الغيرية، كالطهارات الثلاث.

فعلى ما تقرر هنا، ارتفعت الشبهة الثانية أيضا، لأن التوسع في الواقعيات و الانصراف عنها بمقدار الضرورة، و اللازم بحكم العقل، فلا معنى للحكم بطهارة باطن القدم أو الولوغ، بل غاية ما يغمض الشرع عنه نظره هي القيود المعتبرة في الواجبات النفسيّة.

فهذه الطريقة قابلة للدفع بها عن الشبهات كلها، مثلا في مثل العقود و الإيقاعات، لا معنى لتصحيح الشرع إياها، حتى يترتب عليها آثار الصحة من الأول إلى حين الكشف، أو إلى الأبد، بل الشرع يرفع اليد عن المحرم و المبغوض الّذي له في البين، و هو النّظر إلى الأجنبية، و الدخول عليها، و التصرف في مال الغير بغير الإذن، لأن ما لا يجامع الترخيص في العمل بالأمارات و الأصول ذلك، لا ذاك، فلو تبين الخلاف، و علم فقد العقد أو الإيقاع للجزء أو الشرط، فلا بد من إعادته.

و في مثل رفع مانعية النجاسة عن صحة العقد قرضا، يرفع اليد عن حرمة أكل الثمن، فلا معنى للبناء على الصحة.

و في مثل الذبح بغير الشرائط الأولية، يرفع اليد عن حرمة أكل الذبيحة الفاسدة، لا نجاستها، و هكذا.

فبناء عليه تبين إلى هنا: أن القول بالإجزاء في الأمارات و الأصول، لا يستلزم هذه الشبهات رأسا، لما أن الوجه في ذلك، غير الوجوه التي توهمها الأصحاب (قدس سرهم).

و أما بناء على بعض الوجوه في الإجزاء في الأصول، فالشبهة تختص بطائفة

344

القائلين بالإجزاء. و لكن قد عرفت: أن الإجزاء هو مقتضى جميع التقارير في مفاد قاعدة الحل و الطهارة، فلا بد من دفعها، و يدور الأمر بين أحد أمرين:

إما إنكار إطلاق القاعدتين، بل و حديث الرفع، بدعوى: أن مطلق الآثار، ليس مرفوعا، و لا مترتبا على الحلال و الطاهر الظاهريين، و اختيار الإجزاء على الوجه الّذي فصلناه.

و إما الالتزام بهذه التوالي، بدعوى عدم الدليل على بطلانها، و اللَّه العالم.

و على كل تقدير لا سبيل للفرار عن الإجزاء في الجملة. و فيما يلزم منه الفقه الجديد لا يلتزم به، للنص الخاصّ مثلا، فلا تخلط.

فتحصل إلى هنا: أن الإجزاء لا يكون إلا من وجهين:

أحدهما: إسقاط شرطية ما هو الشرط حال الجهل، و عدم الاطلاع على الواقع.

ثانيهما: إثبات واجدية المأتي به للشرط، لأنه أعم من الشرط الواقعي الأولي.

فإن التزمنا بالأول، لا يلزم شبهة إلا بعض ما دفعناها في تقرير أصل المسألة.

و إن التزمنا بالثاني، يلزم الشبهات العديدة التي لا يمكن الفرار عنها إلا بالالتزام بها.

و غير خفي: أنه بناء على ما سلكناه من الإجزاء، لا بد من القول به في جميع خصوصيات المأمور به في جميع أبواب الفقه، كالحج، و الصوم، و الخمس، و الزكاة مثلا، فإذا امتثل حسب الأدلة، فأدى وظيفته في الوقت المضروب له، ثم تبين نقصان ما أتى به، فهو يجزي عن الواقع و الكامل. نعم فيما لا وقت له شرعا، بحث يأتي إن شاء اللَّه تعالى‏ (1).

____________

(1)- يأتي في الصفحة 347- 348.

345

تذنيب: في مقتضى الأصول عند الشك في الإجزاء

قد عرفت قضية الأصول العملية عند الشك في الإجزاء في مباحث الأمارات. و من هنا يظهر النّظر في مقتضاها هنا، فلو شك في الإجزاء، فإن كان منشأ الشك الشك في أصلية شي‏ء و أماريته، فقد مضى البحث عنه.

و إن كان منشأ الشك الشبهة في أن أدلة الأصول، تنهض قرينة على رفع اليد عن الواقع في مورد التخلف، و يكون مفادها جعل الأحكام الظاهرية قبال الأحكام الواقعية، أم لا، بل هي ناظرة إلى جعل الأحكام الواقعية على عنوان «الشك» أو تخصيص أدلة الواقع بما وراء الشك و الشبهة، فهل مقتضى الأصول العملية يكون الاشتغال و الاحتياط، أو البراءة؟ وجهان مضى سبيلهما سابقا.

و تحقيقه: أن المفروض في المسألة هو البناء على إطلاق أدلة الواقع، و أن ما هو الشرط مثلا شرط على أي تقدير، فإذا شك في مفاد أدلة الأصول فلا بد من الاحتياط، لأن الشك في الواقع و شرطية ما شك فيه، يرتفع بإطلاق دليل الواقع.

اللهم إلا أن يقال: بالإجزاء على جميع الاحتمالات في مفاد أدلة الأصول، كما عرفت منا (1)، فعند ذلك يتعين الإجزاء.

نعم، لو فرضنا عدم القول بالإجزاء على بعض التقاريب في أدلة الأصول، فالمرجع إطلاق دليل الشرط، فيلزم الإعادة و القضاء.

____________

(1)- تقدم في الصفحة 336- 337.

346

الموقف الرابع حول الإجزاء عند ترك المأمور به حسب الدليل الظاهري‏

لو اتكل على أمارة أو أصل في ترك الطبيعة الموقتة، ثم تبين بعد مضي الوقت وجوبها فيه، فهل يجب القضاء بعد ثبوت الدليل عليه، أم لا، لأن الترك المستند إليه، كاشف عن رفع اليد عنها عند التخلف؟

مثلا: إذا قلنا حسب الدليل الاجتهادي أو البراءة الشرعية: بعدم وجوب صلاة الكسوف، ثم تبين بعد ذلك وجوبها في الوقت، و القضاء خارج الوقت، و كان لدليل القضاء إطلاق، و لكنه ليس نصا في ذلك، فهل يجب القضاء، أم لا؟ وجهان.

و يوجه الثاني: بأن الترك المستند إلى الدليل، مع ملاحظة إمضاء الشرع الطرق، و تأسيس أصالة البراءة الظاهرة في رفع اليد و رفع ما لا يعلم ادعاء، بحسب جميع آثاره، شواهد على عدم وجوب تلك الصلاة على هذا المكلف. نعم لو تركها عمدا في وقتها فعليه القضاء.

و بالجملة: قضية ما سلف منا هو الإجزاء أيضا، و هذا هو الإجزاء بالمعنى الأعم، أي يسقط التكليف الأولي. و بعبارة أخرى يكشف عدم ثبوته بالنسبة إليه.

و لعمري، إن من يلتزم بالإجزاء في المسألة الثالثة، لا بد و أن يلتزم به هنا، لاتحاد الملاك و المناط. و هكذا إذا استند إلى الاستصحاب في بقاء شعبان، ثم تبين أنه من رمضان، أو استند إليه في بقاء الوقت، فترك الصلاة بظن سعة الوقت، ثم تبين خروجه، و هكذا.

نعم، فيما إذا علمنا من الخارج أهمية الواجب، و أن الشرع لا ينصرف‏

347

و لا يتجاوز عنه، فعليه التدارك خارج الوقت، كما عرفت تفصيله‏ (1).

ثم إن مقتضى الأصول العملية عند الشك هي البراءة، لأن القضاء بالأمر الجديد، و موضوعها «الفوت» و هو غير محرز، ضرورة أن الفوت فرع وجود التكليف، و مع التجاوز عن التكليف لا فوت.

اللهم إلا أن يقال: قضية إطلاق دليل الواقع، بطلان ما أتى به، فعليه القضاء.

إن قلت: التجاوز عن التكليف لأجل المزاحمة مع مصلحة التسهيل، لا يورث قصورا في مصلحة الواجب، فلو تخلف و تركه يصح إيجاب القضاء عليه، لصدق «الفوت».

قلت: هذا بحسب التصور و الثبوت، و من المحتمل دخالة عدم المزاحمة مع مصلحة التسهيل في مطلوبية العبادة مثلا، فلا يمكن كشف مطلوبية المادة بعد سقوط الهيئة لأجل المزاحمة.

فتحصل: أن الإجزاء في الواجبات الموقتة- بمعنى عدم وجوبها عند الاستناد في تركها إلى سبب شرعي- متعين.

و يمكن دعوى عدم سقوط الهيئة، إلا أن الشرع يرفع اليد عن إيجاب القضاء على مثله بمقتضى تسبيبه إلى الترك، فيكون في فسحة من التكليف، منة عليه، فاغتنم و تدبر.

ذنابة: حول الإجزاء في الواجبات غير الموقتة

الواجبات غير الموقتة شرعا، سواء كانت واجبة على سبيل الفور فالفور، كصلاة الزلزلة، أو كانت واجبة على الإطلاق، كالكفارات مثلا، إن أتى بها ناقصة

____________

(1)- تقدم في الصفحة 340- 342.

348

لأجل الاستناد إلى أمارة أو أصل، فالأصل يقتضي الإجزاء فيها، على ما تقرر، فلو أدى في الزكاة من الغلات حنطة نازلة، ثم تبين وجوب أداء الحنطة الغالية، أو من كل حنطة تعلقت بها الزكاة، فإنه يجزيه ما أداه، و هكذا في سائر ما يتعلق بها الزكاة.

و أما إذا تركها مستندا إلى دليل شرعي، فأخر صلاة الزلزلة مستندا إلى عدم الدليل على وجوبها، أو ترك أداء الخمس مستندا إليه، ثم تبين وجوبه، أو ترك كفارة الدخول حال الحيض مثلا، ثم تبين وجوبها، فهل عليه الأداء، أم لا؟ وجهان.

و لكن الأظهر ثبوته، لأن الترخيص في التمسك بالطرق و الأصول، لا يزاحم مرامه و مقصوده حسب الفهم البدوي. و هذا نظير التمسك بالدليل في ترك الطبيعة في بعض الوقت، ثم في الوقت تبين وجوبها.

و بعبارة أخرى: قضية حديث الرفع في سائر الموارد، هو الرفع بجميع آثاره من القضاء و الأداء ادعاء، و فيما نحن فيه يكون رفعا للتكليف بآثاره، و ليس من آثاره الإعادة و القضاء، و لا يكون الحكم موضوعا واقعا، حتى يشك في حدوثه بعد العلم، فيكون الحكم ثابتا بعد رفع الجهالة، فافهم و اغتنم، و لا تكن من الجاهلين.

بل لك دعوى عدم جريان حديث الرفع في الواجب الموسع المشكوك وجوبه قبل أن يضيق وقته بأن يكون في تأخيره التهاون، فإنه لا منة في رفعه، كما لا يخفى.

و بعبارة أخرى: بعد إطلاق الواجب بحسب الأزمنة، فلا وجه لرفع اليد عنه في مورد التخلف، لعدم حصول التزاحم المزبور في المضيقات و الموقتات، فإذا تبين وجوب صلاة الزلزلة و وجوب الخمس و هكذا، فعليه الأداء.

و توهم: أن قضية ذلك إنكار الإجزاء في الموقتات الموسعة إذا تبين وجوبها في الوقت، في محله، إلا أن أهم الواجبات الموسعة هي الصلوات، و قضية

349

ما تقرر في محله استحباب الإتيان بها فورا ففورا، و هذا يرجع إلى ملاحظة الملاكات، و نتيجة ما ذكرناه تقديم ملاك التسهيل في الترخيص بالعمل بالطرق و الأمارات و الأصول.

هذا آخر ما أردناه في هذه المسألة، و قد خرجنا عن اقتضاء الكتاب، إلا أن ذلك كان مقتضى الباب، لابتلاء الأصحاب بها في كثير من الأبواب، فليعذرني إخواني في الخروج عنه، و اللَّه ولي التوفيق، و إليه حسن مآب.