إعراب القرآن - ج3

- احمد بن محمد النحاس المزيد...
320 /
53

قال أبو إسحاق: أُفٍّ لَكُمْ (1) و أفّ و أفّ لكم. و ينوّن في اللغات الثلاث، و يقال: أفّه و من كسر لالتقاء الساكنين قال؛ الأصوات أكثرها مبنيّ على الكسر و الفتح؛ لأنه خفيف و الضمّ اتباع، و التنوين فرق بين المعرفة و النكرة.

وَ نَجَّيْنََاهُ وَ لُوطاً عطف على الهاء. إِلَى اَلْأَرْضِ اَلَّتِي بََارَكْنََا فِيهََا لأن الأرض مؤنّثة، فأما قول الشاعر: [المتقارب‏] 302-

فلا مزنة و دقت و دقها # و لا أرض أبقل إبقالها (2)

فرواه أبو حاتم‏

«و لا أرض أبقلت إبقالها»

. كره تذكير الأرض. قال أبو جعفر:

و ما في هذا ما ينكر لأنه تأنيث حقيقي. قال محمد بن يزيد: لو قلت: هدم دارك لجاز، و الكوفيون يقولون: يجوز التذكير لأنه لا علاقة فيه للتأنيث.

الأصل أقوام فألقيت حركة الواو على القاف فانقلبت الواو ألفا و حذفت لالتقاء الساكنين، فإن أفردت ألحقت الهاء و قبح حذفها لأنها عوض مما حذف.

وَ لُوطاً آتَيْنََاهُ حُكْماً وَ عِلْماً بمعنى: و اذكر لوطا، أو معنى و آتينا لوطا وَ نُوحاً .

وَ دََاوُدَ وَ سُلَيْمََانَ بمعنى و اذكروا. و لم ينصرف «داود» لأنه اسم عجميّ لا يحسن فيه الألف و اللام، و لم ينصرف «سليمان» لأن في آخره ألفا و نونا زائدتين.

فَفَهَّمْنََاهََا سُلَيْمََانَ قال أبو إسحاق: أي ففهّمنا القصّة. وَ سَخَّرْنََا مَعَ دََاوُدَ اَلْجِبََالَ يُسَبِّحْنَ وَ اَلطَّيْرَ معطوف على الجبال، و يجوز أن يكون بمعنى مع الطير، كما تقول:

____________

(1) انظر تيسير الداني 126.

(2) مرّ الشاهد رقم (152) .

54

التقى الماء و الخشبة. قال أبو إسحاق: و يجوز «الطير» بالرفع بمعنى يسبّحن هنّ و الطير. قال وَ كُنََّا فََاعِلِينَ أي نقدر على ما نريد، و قال غيره: المعنى و كنا فاعلين للأنبياء صلوات اللّه عليهم مثل هذه الآيات.

وَ لِسُلَيْمََانَ اَلرِّيحَ عََاصِفَةً معطوف أي و سخّرنا لسليمان الريح، و قرأ عبد الرحمن الأعرج و لسليمان الريح (1) بالرفع قطعه من الأول، و رفع بالابتداء، كما تقول:

أعطيت زيدا درهما و لعمر دينار.

مِنَ في موضع نصب إن نصبت الريح، و يجوز الرفع بالابتداء و إن رفعت الريح فمن في موضع رفع عطف عليها، و إن شئت بالابتداء أيضا. و يَغُوصُونَ على معنى «من» ، و لو كان في غير القرآن لجاز يغوص على اللفظ.

فَاسْتَجَبْنََا لَهُ وَ آتَيْنََاهُ أَهْلَهُ وَ مِثْلَهُمْ مَعَهُمْ لأهل التفسير في معناه قولان عن مجاهد و عكرمة بإسنادين صحيحين قالا: قيل لأيوب صلّى اللّه عليه و سلّم، قد آتيناك أهلك في الجنّة، فإن شئت تركناهم لك في الآخرة، و إن شئت آتيناك هم في الدنيا. قال مجاهد: فتركهم اللّه جلّ و عزّ له في الجنّة و أعطاه مثلهم في الدنيا، و قال عكرمة: فاختار أن يكونوا له في الجنّة و يؤتي مثلهم في الدنيا، و قال الضحاك: قال عبد اللّه بن مسعود: كان أهل أيوب عليه السلام قد ماتوا إلاّ امرأته فأحياهم اللّه جلّ و عزّ له و آتاه مثلهم معهم، و عن ابن عباس رحمة اللّه عليه قال: كان بنوه قد ماتوا، فأحيوا له و ولد لهم مثلهم معهم.

وَ إِسْمََاعِيلَ وَ إِدْرِيسَ وَ ذَا اَلْكِفْلِ بمعنى: و اذكر كذا.

قال أبو جعفر: قد ذكرنا عن سعيد بن جبير أنه قال: مغاضبا لربه جلّ و عزّ.

____________

(1) انظر البحر المحيط 6/308، و مختصر ابن خالويه 92.

55

و ربّما أنكر هذا من لا يعرف اللغة، و هذا قول صحيح و المعنى مغاضبا من أجل ربه، كما تقول: غضبت لك أي من أجلك. و المؤمن يغضب للّه جلّ و عزّ إذا عصي. و أكثر أهل اللغة يذهب إلى أن قول النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم لعائشة رضي اللّه عنها: «اشترطي لهم الولاء» من هذا. و قال الضحاك: إِذْ ذَهَبَ مُغََاضِباً أي لقومه فيكون معنى هذا أنه غاضبهم لعصيانهم. و قال الأخفش: إنّما غاضب بعض الملوك. و قرأ الحسن فظنّ أن لن يقدر عليه (1) و قرأ يعقوب القارئ فظنّ أن لن يقدر عليه (2) .

وَ زَكَرِيََّا بمعنى و اذكر.

و قد ذكرنا أنّ معنى وَ أَصْلَحْنََا لَهُ زَوْجَهُ أنها كانت سيئة الخلق، و قال سعيد بن جبير: إنها كانت لا تلد. قال أبو إسحاق: وَ يَدْعُونَنََا رَغَباً على أنه مصدر و رغبا بخلاف، و رغبا مثل بخلا.

وَ اَلَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهََا في موضع نصب بمعنى و اذكر وَ جَعَلْنََاهََا وَ اِبْنَهََا آيَةً لِلْعََالَمِينَ و لم يقل: آيتين. قال أبو إسحاق: لأن الآية فيهما واحدة لأنها ولدته من غير فحل. و على مذهب سيبويه أنّ التقدير: و جعلناها آية للعالمين، و جعلنا ابنها آية للعالمين ثم حذف، و على مذهب محمد بن يزيد أن المعنى و جعلناها آية للعالمين و ابنها مثل‏ وَ اَللََّهُ وَ رَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ [التوبة: 62]. و في قصة ذي النون حرف مشكل الإعراب على قراءة عاصم. و كذلك نجّي المؤمنين (3) بنون واحدة لأنها في المصحف كذا. و تكلم النحويون في هذا فقال بعضهم: هو لحن لأنه نصب اسم ما لم يسم فاعله. و كان أبو إسحاق يذهب إلى هذا القول. و ذهب الفراء (4) و أبو عبيد إلى أنّ المعنى: و كذلك نجّي النجاء المؤمنين. قال أبو إسحاق: هذا خطأ لا يجوز ضرب زيدا. المعنى الضرب زيدا؛ لأنه لا فائدة فيه إذ كان ضرب يدلّ على الضرب، و لأبي

____________

(1) انظر البحر المحيط 6/311.

(2) انظر البحر المحيط 6/311.

(3) انظر معاني الفراء 2/210، و كتاب السبعة لابن مجاهد.

(4) انظر معاني الفراء 2/210.

56

عبيد فيه قول آخر و هو أنه أدغم النون في الجيم. و هذا القول لا يجوز عند أحد من النحويين علمناه لبعد النون من الجيم، فلا تدغم فيها، و لا يجوز في‏ مَنْ جََاءَ بِالْحَسَنَةِ* [الأنعام: 160]مجّاء بالحسنة. قال أبو جعفر: و لم أسمع في هذا أحسن من شي‏ء سمعته من علي بن سليمان قال: الأصل ننجّي فحذف إحدى النونين لاجتماعهما، كما يحذف إحدى التاءين لاجتماعهما نحو قول اللّه جلّ و عزّ وَ لاََ تَفَرَّقُوا [الأنعام: 103]الأصل تتفرقوا. و الدليل على صحة ما قال أن عاصما يقرأ (نجّي) بإسكان الياء، و لو كان على ما تأوله من ذكرناه لكان مفتوحا.

إِنَّ هََذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وََاحِدَةً على الحال. قال أبو إسحاق: أي إنّ هذه أمتكم في حال اجتماعها فإذا تفرّقت لم تدخل في ذلك. قال: و يجوز إنّ هذه أمتكم أمة واحدة، تجعل أمتكم بدلا من هذه، و فيه معنى التوكيد. قال أبو جعفر: و قرأ ابن أبي إسحاق وَ إِنَّ هََذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وََاحِدَةً (1) «أمتكم» خبر إن «و أمة واحدة» خبر بعد خبر، و إن شئت على إضمار مبتدأ، و إن شئت على بدل النكرة من المعرفة.

قال الكسائي: و في حرف ابن مسعود فلا كفر لسعيه (2) و كفر و كفران و كفور بمعنى واحد.

وَ حَرََامٌ عَلى‏ََ قَرْيَةٍ قراءة زيد بن ثابت و أهل المدينة، و عن علي و ابن مسعود و ابن عباس و حرم على قرية (3) ، و قد روي عن ابن عباس أنه قرأ و حرم على قرية (4) بفتح الحاء و الميم و كسر الراء، و روي عنه بضمّ الراء و فتح الحاء و الميم.

و الآية مشكلة، و قد ذكرنا فيها أقوالا: فمن أحسن ما قيل فيه و أجلّه ما رواه ابن عيينة و ابن عليّة و هشيم و ابن إدريس و محمد بن فضيل و سليمان بن حيّان و معلّى عن داود بن أبي هند عن عكرمة عن ابن عباس رحمه اللّه في قوله جلّ و عزّ وَ حَرََامٌ عَلى‏ََ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنََاهََا قال: وجب أَنَّهُمْ لاََ يَرْجِعُونَ قال: لا يتوبون. قال أبو جعفر: و اشتقاق هذا بيّن من اللغة. و شرحه أنّ معنى حرم الشي‏ء حظر و منع منه، كما أن معنى أحلّ

____________

(1) انظر البحر المحيط 6/313، و معاني الفراء 2/10، و مختصر ابن خالويه 93، و هي قراءة الحسن أيضا.

(2) انظر البحر المحيط 6/313.

(3) انظر المحتسب 2/65، و البحر المحيط 6/313.

(4) انظر المحتسب 2/65، و البحر المحيط 6/313.

57

أبيح و لم يمنع منه. فإذا كان حرام و حرم بمعنى واحد فمعناه أنه قد ضيّق الخروج منه و منع فقد دخل في باب المحظور بهذا، فأما قول أبي عبيد: إنّ «لا» زائدة فقد ردّه عليه جماعة؛ لأنها لا تزاد في مثل هذا الموضع، و لا فيما يقع فيه إشكال، و لو كانت زائدة لكان التأويل بعيدا أيضا، لأنه إن أراد و حرام على قرية أهلكناها أنهم يرجعون إلى الدنيا. فهذا ما لا فائدة فيه، و إن أراد التوبة فالتوبة لا تحرّم.

حَتََّى إِذََا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَ مَأْجُوجُ و قرأ عاصم و الأعرج يَأْجُوجُ وَ مَأْجُوجُ (1)

بالهمز. قال أبو إسحاق: هما مشتقّان من أجّة الحريق، و من ملح أجاج. و لا يصرف، تجعلهما اسما للقبيلتين على فاعول و مفعول، و من لم يهمز جعلهما أعجميين على قول أكثر النحويين. قال الأخفش: يأجوج: من يججت، و مأجوج:

من مججت. و روى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس وَ هُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ قال: من كل شرف يقبلون. و التقدير في العربية: حتّى إذا فتح سدّ يأجوج و مأجوج، مثل‏ وَ سْئَلِ اَلْقَرْيَةَ [يوسف: 82]. فأما جواب إذا ففيه ثلاثة أقوال: قال الكسائي و الفراء: حتّى إذا فتحت يأجوج و مأجوج اقترب الوعد الحقّ و الواو عندهما زائدة، و أنشد الفراء: [الطويل‏] 303-

فلمّا أجزنا ساحة الحيّ و انتحى # بنا بطن خبت ذي قفاف عقنقل‏ (2)

المعنى عنده انتحى. }و أجاز الكسائي أن يكون جواب إذا فَإِذََا هِيَ شََاخِصَةٌ أَبْصََارُ اَلَّذِينَ كَفَرُوا و القول الثالث أنّ المعنى قالوا يََا وَيْلَنََا ثم حذف قالوا. و هذا قول أبي إسحاق، و هو قول حسن. قال اللّه جلّ و عزّ: وَ اَلَّذِينَ اِتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيََاءَ مََا نَعْبُدُهُمْ إِلاََّ لِيُقَرِّبُونََا إِلَى اَللََّهِ [الزمر: 3]المعنى قالوا، و حذف القول كثير.

المعنى إنكم و الأوثان التي تعبدونها من دون اللّه. و لا يدخل في هذا عيسى صلّى اللّه عليه و سلّم، و لا عزير، و لا الملائكة؛ لأن «ما» لغير الآدميين. و المعنى: لأن أوثانهم تدخل معهم

____________

(1) انظر البحر المحيط 6/313، و كتاب السبعة لابن مجاهد 431.

(2) الشاهد لامرئ القيس في ديوانه 15، و أدب الكاتب 353، و الأزهية 234، و خزانة الأدب 11/43، و لسان العرب (جوز) ، و تاج العروس (عقل) ، و المنصف 3/41، و بلا نسبة في رصف المباني ص 425.

58

النار ليعذّبوهم بها إمّا بأن تحمى و تلصق بهم، و إمّا يبكّتوا بعبادتها، و «ما» في موضع نصب عطفا على اسم إن و الخبر حَصَبُ جَهَنَّمَ أي يرمى بالحصباء.

وَ كُلٌّ فِيهََا خََالِدُونَ ابتداء و خبر، و يجوز نصب خالدين في غير القرآن.

قيل: في الكلام حذف، و المعنى-و اللّه أعلم-و هم فيها لا يسمعون شيئا يسرّهم لأنهم صمّ.

إِنَّ اَلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا اَلْحُسْنى‏ََ قيل: يعني بها الجنة، و قيل: يعني بها الوعد.

أُولََئِكَ عَنْهََا مُبْعَدُونَ ابتداء و خبر في موضع خبر إن.

لاََ يَسْمَعُونَ حَسِيسَهََا قال أبو عثمان النهدي: على الصراط حيّات تلسع أهل النار فيقولون: حسّ حسّ.

لاََ يَحْزُنُهُمُ اَلْفَزَعُ اَلْأَكْبَرُ على لغة من قال: حزن يحزن، و هي أفصح اللغتين، و بها قرأ الكوفيون في جميع القرآن و قرأ ابن محيصن بلغة من قال: أحزن يحزن في جميع القرآن، و بها قرأ نافع إلاّ في هذا الحرف، و بها قرأ أبو جعفر في هذا الحرف خاصة، و قرأ كل ما في القرآن من نظائرها على لغة من قال حزن يحزن.

كَمََا بَدَأْنََا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ قال سفيان عن سلمة بن كهيل عن أبي الزعراء عن عبد اللّه بن مسعود قال: يرسل اللّه ماءا من تحت العرش كمنيّ الرجال فتنبت منه لحما منهم و جسمانهم كما تنبت الأرض بالثرى، و قرأ كَمََا بَدَأْنََا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ . قال أبو جعفر: في قوله جلّ و عزّ: وَعْداً عَلَيْنََا حذف و المعنى-و اللّه أعلم-علينا إنجازه و الوفاء به ثم أكّد ذلك بقوله جلّ و عزّ إِنََّا كُنََّا فََاعِلِينَ قال أبو إسحاق: معنى إِنََّا كُنََّا فََاعِلِينَ إنّا كنا قادرين على فعل ما نشاء.

59

وَ لَقَدْ كَتَبْنََا فِي اَلزَّبُورِ و الزبور و الكتاب واحد، فلذلك جاز أن يقال للتوراة و الإنجيل: زبور، من زبرت أي كتبت، و جمعه زبر، و من قال: زبور جعله جمع زبر أَنَّ اَلْأَرْضَ يَرِثُهََا عِبََادِيَ اَلصََّالِحُونَ أحسن ما قيل فيه أنه يراد بها أرض الجنة لأن الأرض التي في الدنيا قد ورثها الصالحون و غيرهم.

قال سفيان: بلغني أنهم أهل الصلوات الخمس.

قال سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: كان محمد عليه السلام رحمة لجميع الناس فمن آمن به و صدّق به سعد و من لم يؤمن به سلم مما لحق الأمم من الخسف و الغرق.

يجوز أن يكون «إنّما» بالكسر؛ لأن معنى يوحى إلىّ: يقال إليّ.

وَ إِنْ أَدْرِي بمعنى ما أدري، و أدري في موضع رفع لأنه فعل مستقبل لم يقع عليه ناصب و لا جازم، و حذفت الضمة من الياء لثقل الضمة فيها. أَ قَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مََا تُوعَدُونَ قيل: يعني القيامة.

وَ إِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ قيل: يعني و ما أدري لعلّ الإمهال فتنة لكم أي اختبار و تشديد في العبادة. وَ مَتََاعٌ إِلى‏ََ حِينٍ إلى انقضاء المدة.

قََالَ رَبِّ اُحْكُمْ بِالْحَقِّ (1) في موضع نصب؛ لأنه نداء مضاف، و من قرأ أحكم بالحقّ (2) فهو ابتداء و خبر، و عن أبي جعفر أنه قرأ ربّ احكم بالحقّ (3) و هذا عند النحويين لحن. لا يجوز عندهم: رجل أقبل، حتّى تقول: يا رجل، أو ما أشبهه:

وَ رَبُّنَا اَلرَّحْمََنُ اَلْمُسْتَعََانُ عَلى‏ََ مََا تَصِفُونَ أي على ما تصفونه من الكفر.

____________

(1) انظر كتاب السبعة لابن مجاهد 431، و البحر المحيط 6/319.

(2) انظر البحر المحيط 6/319، و مختصر ابن خالويه 93.

(3) انظر البحر المحيط 6/319، و مختصر ابن خالويه 93.

60

22 شرح إعراب سورة الحجّ‏

بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ

يََا أَيُّهَا اَلنََّاسُ اَلنََّاسُ مرفوعون على النعت لأي، و أجاز المازني النصب على الموضع كما تقول: يا زيد الكريم أقبل. قال أبو إسحاق: هذا غلط من المازني، لأن زيدا يجوز الوقف و الاقتصار عليه، و لا يجوز يا أيّها و النّاس هم المقصودون.

و المعنى: يا ناس اتّقوا ربّكم. إِنَّ زَلْزَلَةَ اَلسََّاعَةِ و هي شدائدها، و رجفة الأرض، و الآيات الباهرة.

يَوْمَ تَرَوْنَهََا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ قال أبو إسحاق: تذهل تحيّر و تترك. مرضعة جارية على الفعل؛ لأن بعدها أَرْضَعَتْ و الكوفيون يقولون‏ (1) : ما كان مخصوصا به المؤنث لم تدخل الهاء فيه نحو حائض و طالق و ما أشبههما. قال علي بن سليمان:

الدليل على أنّ هذا القول غلط إثبات الهاء في موضعه. وَ تَرَى اَلنََّاسَ سُكََارى‏ََ وَ مََا هُمْ بِسُكََارى‏ََ أي هي لشدّة الهول و خفقان القلب. و قرأ أبو هريرة وَ تَرَى اَلنََّاسَ سُكََارى‏ََ (2) يكونان مفعولين. قال سيبويه‏ (3) يقال: سكارى و سكارى قال: و قوم يقولون: سكرى شبّهوه بمرضى؛ لأنه آفة تدخل على العقل كالمرض. قال أبو جعفر:

قول سيبويه: و قوم يقولون: سكرى يدلّ على أنّ غير هذه اللغة أشهر منها.

____________

(1) انظر معاني الفراء 2/214.

(2) انظر البحر المحيط 6/325، و مختصر ابن خالويه 94، و معاني الفراء 2/215.

(3) انظر الكتاب 4/118.

61

مِنَ في موضع رفع بالابتداء، و يجادل على اللفظ، و يجوز في غير القرآن يجادلون على المعنى. وَ يَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطََانٍ مَرِيدٍ يقال: مريد و مارد للمتجاوز في الشرّ القويّ فيه، و صخرة مرداء أي ملساء، و منه قيل: أمرد.

كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلاََّهُ (أن) في موضع رفع فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ عطف عليه و مذهب سيبويه أنّ «أنّ» الثانية مكررة للتوكيد، و أن المعنى: كتب عليه أنه من تولاّه يضلّه. قال أبو جعفر: و سمعت علي بن سليمان يقول: التقدير: كتب عليه أنه من تولاّه فالواجب أن يضلّه بفتح الهمز، و من زعم أنّ «أنّ» في موضع رفع بالابتداء فقد أخطأ، لأنّ سيبويه منع أن يبتدأ بأنّ المفتوحة، و أجاز سيبويه كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلاََّهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ بكسر الهمزة لأن الفاء جواب للشرط فسبيل ما بعدها أن يكون مبتدأ، و الابتداء بأن يكون مكسورا. وَ يَهْدِيهِ إِلى‏ََ عَذََابِ اَلسَّعِيرِ مجاز لمّا كان يأمره بما يؤديه إلى النار قام ذلك مقام الهداية إليها.

يََا أَيُّهَا اَلنََّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ اَلْبَعْثِ و حكى النحويون: من البعث، و أجاز الكوفيون في كلّ ما كان ثانية حرفا من حروف الحلق أن تسكّن و تفتح نحو نعل، و نعل و بخل و بخل. قال أبو إسحاق: هذا خطأ و إنما يرجع في هذا إلى اللغة فيقال: لفلان عليّ وعد و لا يقال: وعد، و لا فرق بين حروف الحلق و غيرها في هذا، و إنما هذا مثل قدر و قدر. قال أبو عبيد: العلقة الدمّ إذا اشتدّت حمرته. قال الكسائي: و يجوز مُخَلَّقَةٍ (1) بالنصب وَ غَيْرِ مُخَلَّقَةٍ على الفعل و القطع. لِنُبَيِّنَ لَكُمْ أي لنبيّن لكم قدرتنا على تصويرنا ما نشاء. و روى أبو حاتم عن أبي زيد عن المفضل عن عاصم لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَ نُقِرُّ (2) فِي اَلْأَرْحََامِ مََا نَشََاءُ بالنصب. إِلى‏ََ أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً .

قال أبو حاتم: النصب على العطف. قال أبو إسحاق: وَ نُقِرُّ (3) بالرفع لا غير؛ لأنه

____________

(1) انظر معاني الفراء 2/215، نصب على الحال.

(2) انظر البحر المحيط 6/327.

(3) انظر البحر المحيط 6/327.

62

ليس المعنى فعلنا ذلك لنقرّ في الأرحام ما نشاء لأن اللّه جل و عز لم يخلق الأنام ليقرّ في الأرحام ما نشاء، و إنّما خلقهم ليدلّهم على الرشد و الصلاح. قال: و طفل بمعنى أطفال قال: و دلّ على ذلك لفظ الجميع قال: و فيه معنى و يخرج كلّ واحد منكم طفلا.

و من قرأ وَ مِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفََّى (1) فمعناه عنده يستوفي أجله. وَ مِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى‏ََ أَرْذَلِ اَلْعُمُرِ أي إلى الكبر؛ لأنه لا يرجو قوّة و لا طول عمر فهو في أرذل العمر لِكَيْلاََ يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً مذهب الفراء (2) لكي لا يعقل من بعد عقله الأوّل شيئا. مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ قال الكسائي: يقال: بهج بهجة و بهاجة.

موضع «ذلك» رفع بمعنى الأمر ذلك. قال أبو إسحاق: يجوز أن يكون في موضع نصب على معنى فعل اللّه ذلك لأنه الحق.

وَ مِنَ اَلنََّاسِ مَنْ يُجََادِلُ فِي اَللََّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ في موضع رفع بالابتداء.

ثََانِيَ عِطْفِهِ نصب على الحال. و يتأوّل على معنيين: أحدهما أنه روي عن ابن عباس أنه قال: هو النّضر بن الحارث لوى عنقه مرحا و تعظّما، و المعنى الآخر، و هو قول الفراء (3) : إن التقدير: و من الناس من يجادل في اللّه بغير علم ثاني عطفه أي معرضا عن الذكر.

ذََلِكَ بِمََا قَدَّمَتْ يَدََاكَ قال أبو إسحاق: «ذلك» في موضع رفع بالابتداء و خبره بِمََا قَدَّمَتْ يَدََاكَ . وَ أَنَّ اَللََّهَ في موضع خفض عطفا على الأول، و يجوز أن يكون في موضع رفع على معنى «و الأمر أنّ اللّه ليس بظلام للعبيد» . قال: و يجوز الكسر «و إنّ اللّه» .

وَ مِنَ اَلنََّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اَللََّهَ عَلى‏ََ حَرْفٍ في موضع رفع بالابتداء، و التمام اِنْقَلَبَ عَلى‏ََ وَجْهِهِ

____________

(1) انظر البحر المحيط 6/328، و مختصر ابن خالويه 94.

(2) انظر معاني الفراء 2/216.

(3) انظر معاني الفراء 2/216.

63

على قراءة من قرأ خَسِرَ (1) و قرأ مجاهد و حميد خاسر الدنيا و الآخرة (2)

نصبا على الحال خسر الدنيا بذمّ اللّه جل و عز إياه و أمره بلعنه و أن لا حظّ له في غنيمة و لا ثناء و خسر الآخرة بأن لا ثواب له فيها.

ذََلِكَ هُوَ اَلضَّلاََلُ اَلْبَعِيدُ قال الفراء: أي الطويل.

يَدْعُوا لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ قد ذكرنا فيه أقوالا: منها قول الكسائي إن اللام في غير موضعها، و إن التقدير يدعو من لضرّه أقرب من نفعه. قال أبو جعفر: و ليس للام من التصرف ما يوجب أن يجوز فيها تقديم و تأخير. و حكى لنا علي بن سليمان عن محمد بن يزيد قال: في الكلام حذف، و المعنى: يدعو لمن ضرّه أقرب من نفعه إلها. قال: و أحسب هذا القول غلط على محمد بن يزيد؛ لأنه لا معنى له لأنّ ما بعد اللام مبتدأ فلا يجوز نصب إله، و ما أحسب مذهب محمد بن يزيد إلاّ قول الأخفش سعيد، و هو أحسن ما قيل في الآية عندي، و اللّه أعلم. قال: «يدعو» بمعنى يقول و «من» مبتدأ و خبره محذوف، و المعنى: يقول لمن ضرّه أقرب من نفعه إلهه، و لو كانت اللام مكسورة لكان المعنى يدعو إلى من ضرّه أقرب من نفعه. و قال اللّه جلّ و عزّ: بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى‏ََ لَهََا [الزلزلة: 5]أي إليها. لَبِئْسَ اَلْمَوْلى‏ََ في موضع رفع ببئس. و قد شرحنا مثل هذا (3) .

قد تكلّم النحويون في معنى هذه الآية و في بيان ما أشكل منها. فمن أحسن ما قيل فيها أنّ المعنى: من كان يظنّ أن لن ينصر اللّه جلّ و عزّ محمدا صلّى اللّه عليه و سلّم، و أنه يتهيّأ له أن يقطع النصر الذي أوتيه، فليمدد بسب إلى السماء أي فليطلب حيلة يصل بها إلى السماء ثُمَّ لْيَقْطَعْ أي ثم ليقطع النصر إن تهيّأ له فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ و حيلته ما يغيظه من نصر النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم و الفائدة في الكلام أنه إذا لم يتهيّأ له الكيد و الحيلة بأن يفعل

____________

(1) هذه قراءة الجمهور، انظر البحر المحيط 6/330.

(2) و هذه قراءة الأعرج و ابن محيصن و قعنب و الجحدري و ابن مقسم أيضا، انظر البحر المحيط 6/330، و المحتسب 2/75.

(3) مرّ في إعراب الآية 151، آل عمران.

64

مثل هذا لم يصل إلى قطع النصر. و قرأ أهل الكوفة بإسكان اللام. و هذا بعيد في العربية؛ لأن ثمّ ليست مثل الواو و الفاء لأنها يوقف عليها و تنفرد.

إِنَّ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ اَلَّذِينَ هََادُوا خبر «إن» . إِنَّ اَللََّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ قال الفراء (1) و لا يجوز في الكلام: إنّ زيدا إنّ أخاه منطلق، فزعم أنه إنما جاز في الآية لأن في الكلام معنى المجازاة أي من آمن، و من تهوّد، أو تنصّر، أو صبأ، ففصل ما بينهم و حسابهم على اللّه عزّ و جلّ، و ردّ أبو إسحاق على الفراء هذا و استقبح قوله: إنّ زيدا إنّ أخاه منطلق. قال: لأنه لا فرق بين زيد و بين الذي، «و إنّ» تدخل على كل مبتدأ فتقول: إنّ زيدا هو منطلق، ثم تأتي بإنّ فتقول: إنّ زيدا إنّه منطلق.

معطوفة على «من» و كذا وَ اَلْقَمَرُ وَ اَلنُّجُومُ وَ اَلْجِبََالُ وَ اَلشَّجَرُ وَ اَلدَّوَابُّ وَ كَثِيرٌ مِنَ اَلنََّاسِ ثم قال جلّ و عزّ: وَ كَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ اَلْعَذََابُ و هذا مشكل من الإعراب. فيقال: كيف لم ينصب ليعطف ما عمل فيه الفعل على ما عمل فيه الفعل مثل‏ وَ اَلظََّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذََاباً أَلِيماً [الإنسان: 31]فزعم الكسائي و الفراء (2) أنه لو نصب لكان حسنا. و لكن اختير الرفع لأنّ المعنى: و كثير أبى السجود، و في رفعه قول آخر، يكون معطوفا على الأول داخلا في السجود؛ لأن السجود هاهنا إنّما هو الانقياد لتدبير اللّه جل و عز من ضعف و قوّة و صحّة و سقم و حسن و قبح، و هذا يدخل فيه كل شي‏ء. و حكى الكسائي و الأخفش و الفراء وَ مَنْ يُهِنِ اَللََّهُ فَمََا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ (3) أي من إكرام.

قرأ ابن كثير و شبل هََذََانِ خَصْمََانِ بتشديد النون، و في ذلك قولان: أحدهما أن تشديدها عوض مما حذف من هذين، و الآخر على أنها غير ساقطة في الإضافة. و تأوّل

____________

(1) انظر معاني الفراء 2/218.

(2) انظر معاني الفراء 2/219.

(3) انظر البحر المحيط 6/334.

65

الفراء (1) (2) الخصمين على أنهما فريقان أهل دينين، و زعم أنّ الخصم الواحد المسلمون، و الآخر اليهود و النصارى، اختصموا في دين ربهم. قال: فقال: اختصموا لأنهم جميع.

قال: و لو قال اختصما لجاز. قال أبو جعفر: و هذا تأويل من لا دربة له بالحديث، و لا بكتب أهل التفسير، لأن الحديث في هذه الآية مشهور رواه سفيان الثوري و غيره عن أبي هاشم عن أبي مجلز عن قيس بن عباد قال: سمعت أبا ذر يقسم قسما إنّ هذه الآية نزلت في حمزة و عليّ و عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب و عتبة و شيبة ابني ربيعة و الوليد بن عتبة، و هكذا روى أبو عمرو بن العلاء عن مجاهد عن ابن عباس‏ (3) .

يُصْهَرُ بِهِ مََا فِي بُطُونِهِمْ رفع بفعل ما لم يسمّ فاعله. وَ اَلْجُلُودُ عطف على «ما» . قال الكسائي. يقال: صهرته أنضجته. و الكوفيون يقولون: معنى و الجلود:

و جلودهم.

قال أبو إسحاق و يقرأ و يحلون‏ (4) فيها من أساور من ذهب على قولك: حلي يحلى إذا صار ذا حلي، قال: وَ لُؤْلُؤاً بمعنى و يحلّون لؤلؤا، قال: و «لؤلؤ» بمعنى:

و من لؤلؤ. قال: و يجوز أن يكون ذلك خلطا منهما.

وَ هُدُوا إِلَى اَلطَّيِّبِ مِنَ اَلْقَوْلِ فيه ثلاثة أوجه: يكون في اللغة على العموم، و قيل: الطيب من القول البشارات الحسنة، و قيل: هو قولهم: اَلْحَمْدُ لِلََّهِ اَلَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا اَلْحَزَنَ [فاطر: 34].

إِنَّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا اسم «إنّ» و كَفَرُوا صلته وَ يَصُدُّونَ عطف على الذين كفروا. فإن قيل: كيف يعطف مستقبل على ماض؟ففيه ثلاثة أوجه: منها أن يكون عطف جملة على جملة، و منها أن يكون في موضع الحال، كما تقول: كلّمت زيدا

____________

(1) انظر تيسير الداني 127.

(2) انظر معاني الفراء 2/219.

(3) انظر البحر المحيط 6/334.

(4) انظر البحر المحيط 6/335، و مختصر ابن خالويه 94، و المحتسب 2/77.

66

و هو جالس، و قال أبو إسحاق: هو معطوف على المعنى لأن المعنى إنّ الكافرين و الصادين عن المسجد الحرام. و في خبر «إنّ» ثلاثة أوجه: أصحّها أن يكون محذوفا، و يكون المعنى: إنّ الذين كفروا و يصدّون عن سبيل اللّه هلكوا، و قيل: المعنى: إنّ الذين كفروا يصدّون عن سبيل اللّه و الواو مقحمة. قال أبو جعفر: في كتابي عن أبي إسحاق قال: و جائز أن يكون، و هو وجه الخبر نُذِقْهُ مِنْ عَذََابٍ أَلِيمٍ . قال أبو جعفر: هذا غلط، و لست أعرف ما الوجه فيه؛ لأنه جاء بخبر إنّ جزما، و أيضا فإنه جواب الشرط، و لو كان خبرا لبقي الشرط بلا جواب و لا سيما و الفعل الذي للشرط مستقبل فلا بد له من جواب.

اَلَّذِي جَعَلْنََاهُ لِلنََّاسِ سَوََاءً اَلْعََاكِفُ فِيهِ وَ اَلْبََادِ (1) . فيه ثلاثة أوجه من القراءات: قراءة العامة برفع سواء و العاكف و البادي، و عن أبي الأسود الدؤلي أنه قرأ سواء العاكف فيه و البادي بنصب سواء و رفع العاكف و البادي، و تروى هذه القراءة عن الأعمش باختلاف عنه، و الوجه الثالث اَلَّذِي جَعَلْنََاهُ لِلنََّاسِ سَوََاءً (2) منصوبة منونة.

اَلْعََاكِفُ فيه بالخفض. فالقراءة الأولى فيها ثلاثة أوجه: يكون الذي جعلناه للناس من تمام الكلام ثم تقول سواء فترفعه بالابتداء، و خبره العاكف فيه و البادي، و الوجه الثاني أن ترفع سواء على خبر العاكف، و تنوي به التأخير أي العاكف فيه و البادي سواء، و الوجه الثالث أن تكون الهاء التي في جعلناه مفعولا أول، و سواء العاكف فيه و البادي في موضع المفعول الثاني، كما تقول: ظننت زيدا أبوه خارج، و من هذا الوجه تخرج قراءة من قرأ بالنصب «سواء» يجعله مفعولا ثانيا، و يكون العاكف فيه رفعا إلاّ أن الاختيار في مثل هذا عند سيبويه الرفع؛ لأنه ليس جاريا على الفعل، و القراءة الثالثة على أن ينصب «سواء» لأنه مفعول ثان و يخفض «العاكف» لأنه نعت للناس، و التقدير:

الذي جعلناه للناس العاكف فيه و البادي سواء وَ مَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحََادٍ بِظُلْمٍ شرط؛ و جوابه نُذِقْهُ مِنْ عَذََابٍ أَلِيمٍ . و روى عليّ بن أبي طلحة عن ابن عباس وَ مَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحََادٍ بِظُلْمٍ قال: الشرك. و قال عطاء: الشرك و القتل. و قد ذكرنا هذه الآية.

وَ إِذْ بَوَّأْنََا لِإِبْرََاهِيمَ مَكََانَ اَلْبَيْتِ في دخول اللام ثلاثة أوجه: لأنه يقال: بوّأت زيدا منزلا، فأخذ الثلاثة الأوجه أن تحمله على معنى جعلنا لإبراهيم مكان البيت

____________

(1) انظر البحر المحيط 6/336، و كتاب السبعة لابن مجاهد 435.

(2) انظر البحر المحيط 6/336، و هي قراءة الأعمش و حفص.

67

مبوّءا، و الوجه الثاني أن تكون اللام متعلقة بالمصدر مثل «و من يرد فيه بإلحاد» ، و الوجه الثالث أن تكون اللام زائدة، و هذا قول الفراء (1) . قال: مثل‏ رَدِفَ لَكُمْ [النمل: 72] أَنْ لاََ تُشْرِكْ بِي شَيْئاً في «أن» ثلاثة أوجه: قال الكسائي: في المعنى «بأنّ لا» ، و الوجه الثاني أن تكون «أن» بمعنى أي مثل‏ وَ اِنْطَلَقَ اَلْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ اِمْشُوا [ص: 6]، و الوجه الثالث تكون «أن» زائدة لتوكيد مثل‏ فَلَمََّا أَنْ جََاءَ اَلْبَشِيرُ [يوسف: 69]و في قوله: لاََ تُشْرِكْ بِي شَيْئاً }و في وَ أَذِّنْ فِي اَلنََّاسِ بِالْحَجِّ و ما بينهما من المخاطبة ثلاثة أوجه كلّها عن العلماء: فأما قول المتقدّمين فإنّ هذا كلّه مخاطبة لإبراهيم عليه السلام. كما روى حماد بن سلمة عن عطاء بن السائب عن سعيد ابن جبير عن ابن عباس قال لإبراهيم عليه السلام: أَذِّنْ فِي اَلنََّاسِ بِالْحَجِّ فجعل لا يمرّ بقوم إلاّ قال: إنه قد بني لكم بيت فحجوه فأجابه كل شي‏ء من صخرة و شجرة و غيرها بلبّيك اللّهمّ لبّيك. و روى حماد بن سلمة عن أبي عاصم الغنويّ عن أبي الطفيل قال:

قال ابن عباس: أ تدري ما كان أصل التلبية؟قلت: لا، قال: لمّا أمر إبراهيم عليه السلام أن يؤذّن في الناس بالحجّ خفضت الجبال رؤوسها له، و رفعت له القرى، فنادى في الناس بالحجّ فأجابه كلّ شي‏ء بلبيّك اللّهمّ لبّيك، فهذا وجه. و قيل: أَنْ لاََ تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَ طَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطََّائِفِينَ لإبراهيم عليه السلام. و تمّ الكلام. ثم خاطب اللّه جلّ و عزّ محمدا عليه السلام فقال: وَ أَذِّنْ فِي اَلنََّاسِ بِالْحَجِّ أي أعلمهم أن عليهم الحجّ، و الوجه الثالث أنّ هذا كله مخاطبة للنبي صلّى اللّه عليه و سلّم و هذا قول أهل النظر؛ لأن القرآن أنزل على النبيّ عليه السلام فكلّ ما فيه من المخاطبة فهي له إلاّ أن يدلّ دليل قاطع على غير ذلك، و هاهنا دليل آخر يدلّ على أنّ المخاطبة للنبيّ عليه السلام و هو «أنّ لا تشرك» بالتاء، و هذا مخاطبة لمشاهد، و إبراهيم عليه السلام غائب. فالمعنى على هذا و إذ بوّأنا لإبراهيم مكان البيت فجعلنا لك الدلائل على توحيد اللّه جلّ و عزّ، و على أن إبراهيم كان يعبد اللّه وحده فلا تشرك بي شيئا، و طهّر بيتي للطائفين و القائمين و الركع السجود، و أذن في الناس بالحجّ. قيل: المعنى أعلمهم أنك تحجّ حجّة الوداع ليحجّوا يَأْتُوكَ رِجََالاً نصب على الحال. وَ عَلى‏ََ كُلِّ ضََامِرٍ يَأْتِينَ فيه ثلاثة أوجه: «يأتين» لأن معنى ضامر معنى ضوامر، فنعته بيأتين، و في بعض القراءات يأتون (2) يكون للناس.

قال الفراء: و يجوز يأتي على اللفظ.

ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ و قرأ أهل الكوفة بإسكان باللام‏ (3) ، و هو وجه بعيد في

____________

(1) انظر معاني الفراء 2/223.

(2) انظر مختصر ابن خالويه 95، و هي قراءة ابن مسعود.

(3) انظر معاني الفراء 2/224.

68

العربية لأن ثمّ يوقف عليها، و لا يجوز أن يبتدأ بساكن و جوازه على بعد «ثمّ» عاطفة كالواو و الفاء و فتحت الميم من ثمّ لالتقاء الساكنين، و لا يجوز ضمّها و لا كسرها؛ لأنها لا تنصرف. و التقدير في العربية: ثم ليقضوا أجل تفثهم، مثل‏ وَ سْئَلِ اَلْقَرْيَةَ [يوسف: 82] وَ لْيُوفُوا نُذُورَهُمْ فيه ثلاثة أوجه: كسر اللام على الأصل، و إسكانها لثقل الكسرة، و الوجه الثالث أن عاصما قرأ وَ لْيُوفُوا نُذُورَهُمْ (1) .

ذََلِكَ وَ مَنْ يُعَظِّمْ حُرُمََاتِ اَللََّهِ أي الأمر ذلك من الفروض و المعنى و من يعظم عنده فعل الحرام تعظيما للّه جلّ و عزّ و خوفا منه. فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ ابتداء و خبر. إِلاََّ مََا يُتْلى‏ََ عَلَيْكُمْ في موضع نصب على الاستثناء. فَاجْتَنِبُوا اَلرِّجْسَ مِنَ اَلْأَوْثََانِ (من) عند النحويين لبيان الجنس إلاّ أنّ الأخفش زعم أنها للتبعيض أي: فاجتنبوا الرجس الذي هو من الأوثان أي عبادتها. و هو قول غريب حسن.

حُنَفََاءَ نصب على الحال و كذا غَيْرَ مُشْرِكِينَ . وَ مَنْ يُشْرِكْ بِاللََّهِ فَكَأَنَّمََا خَرَّ مِنَ اَلسَّمََاءِ أي هو يوم القيامة لا يملك لنفسه نفعا، و لا يدفع عن نفسه عذابا بمنزلة من خرّ من السماء فهو لا يقدر أن يدفع عن نفسه ما هو فيه فَتَخْطَفُهُ اَلطَّيْرُ أي تقطّعه بمخالبها، و لا يمكن دفعها عن نفسه. و في «تخطفه» ثلاثة أوجه سوى هذا. قرأ الأعرج فَتَخْطَفُهُ (2) بفتح التاء و الخاء و تشديد الطاء، و قرأ أبو رجاء فَتَخْطَفُهُ (3) بفتح التاء و كسر الخاء و تشديد الطاء، و تروى هذه القراءة عن الحسن، و الوجه الثالث يروى عن الحسن فَتَخْطَفُهُ بكسر التاء و الخاء و تشديد الطاء. فقراءة الأعرج الأصل فيها فتختطفه ثم أدغم التاء في الطاء و ألقى حركة التاء على الخاء. و قراءة أبي رجاء على أنه كسر الخاء لالتقاء الساكنين، و القراءة الآخرة على هذا إلاّ أنه كسر التاء على لغة من قال: أنت تضرب. و السحيق: البعيد.

____________

(1) انظر البحر المحيط 6/339، و هي قراءة شعبة أيضا، و الجمهور مخفّفا.

(2) انظر البحر المحيط 6/340، و هي قراءة نافع أيضا.

(3) انظر البحر المحيط 6/340، و هي قراءة الحسن و الأعمش أيضا.

69

ذََلِكَ فيه ثلاثة أوجه: يكون في موضع رفع بالابتداء أي ذلك أمر اللّه جل و عزّ، و يجوز أن يكون في موضع رفع على خبر مبتدأ محذوف، و يجوز أن يكون في موضع نصب أي اتّبعوا ذلك من أمر اللّه جلّ و عزّ في الحجّ. وَ مَنْ يُعَظِّمْ شَعََائِرَ اَللََّهِ أحسن ما قيل فيه أن المعنى و من يعظّم ما أمر به في الحجّ. سمّي شعائر؛ لأن اللّه جلّ و عزّ أشعر به أي أعلم به و تعظيمه إيّاه أن لا يعصي اللّه جلّ و عزّ فيه فَإِنَّهََا مِنْ تَقْوَى اَلْقُلُوبِ أي من تقوى الإنسان ربّه بقلبه، و هو مجاز.

وَ لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنََا مَنْسَكاً قراءة أهل المدينة و أبي عمرو و عاصم و قرأ الكوفيون إلاّ عاصما مَنْسَكاً (1) بكسر السين. قال: و في كتابي عن أبي إسحاق منسك بفتح السين مصدر بمعنى النّسك و النّسوك، و منسك أي مكان نسك مثل مجلس. قال أبو جعفر: و هذا غلط قبيح إنما يكون هذا في فعل يفعل نحو جلس يجلس و المصدر مجلس و الموضع مجلس فأما فعل يفعل فلا يكون منه مفعل اسما للمكان، و لا مصدرا إلاّ أن يسمع شي‏ء فيؤدّى على ما سمع، على أن الكثير من كلام العرب منسك، و هو القياس، و الباب، و منسك يقع في كلام العرب على ثلاثة أوجه: يكون مصدرا، و لظرف الزمان، و لظرف المكان. قال الفراء (2) المنسك في كلام العرب الموضع المعتاد في خير أو شرّ. و قيل: مناسك الحج لترداد الناس إليها. فَإِلََهُكُمْ إِلََهٌ وََاحِدٌ أي لا تذكروا على ذبائحكم اسم غيره وَ بَشِّرِ اَلْمُخْبِتِينَ عن أهل التفسير فيه ثلاثة أقوال:

قال عمرو بن أوس: المخبت الذي لا يظلم و إذا أظلم لم ينتصر. و قال الوليد بن عبد اللّه: المخبتون: المخلصون للّه جلّ و عزّ. و قال مجاهد: هم المطمئنّون بأمر اللّه جلّ و عزّ. قال أبو جعفر: الخبت من الأرض: المكان المطمئنّ المنخفض، فاشتقاقه من هذا.

اَلَّذِينَ إِذََا ذُكِرَ اَللََّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ أن يعصوه فيعاقبوا. وَ اَلصََّابِرِينَ عَلى‏ََ مََا أَصََابَهُمْ أي يصبرون على الشدائد في الطاعة و النهي عن المنكر وَ اَلْمُقِيمِي اَلصَّلاََةِ فيه ثلاثة أوجه:

وَ اَلْمُقِيمِي اَلصَّلاََةِ بالخفض على الإضافة و تحذف النون منها، و يجوز النصب مع

____________

(1) انظر البحر المحيط 6/341، و كتاب السبعة لابن مجاهد 436.

(2) انظر معاني الفراء 2/230.

70

حذف النون لأن الألف و اللام بمعنى الذي، هذا قول سيبويه‏ (1) . و قال أحمد بن يحيى: جاز النصب مع حذف النون يجريه مجرى الواحد؛ لأنك في الواحد تنصبه فتقول: هو الآخذ درهما، و الوجه الثالث في الكلام و المقيمين الصّلاة على الأصل.

وَ اَلْبُدْنَ جَعَلْنََاهََا لَكُمْ منصوبة بإضمار فعل مثل الثاني، و قرأ ابن أبي إسحاق و البدن (2) بضم الباء و الدال، و كذا روي عن عيسى و الحسن و أبي جعفر. و حكى الفراء أنه يقال للواحدة بدنة و بدن. قال أبو جعفر: فبدن و بدن مثل وثن و وثن، و بدن يقال: إنه جمع الجمع أي بدنة و بدان و بدن. فإن قال قائل: فلم صار بدنة و بدن أفصح، و خشبة و خشب أفصح، و الوزن واحد؟فالجواب أنّ بدنة في الأصل نعت من البدانة، و هي السمن، و خشية ليست بنعت و النعت أولى بالتسكين، و ما ليس بنعت أولى بالحركة. ألا ترى إلى قولهم: خذلة و خذلات، و حلوة و حلوات، و جفنة و جفنات، و ظلمة و ظلمات. فَاذْكُرُوا اِسْمَ اَللََّهِ عَلَيْهََا صَوََافَّ فيه ثلاثة أوجه قد قرئ بها:

قراءة العامة صَوََافَّ ، و عن الحسن و الأعرج صوافي فإذا (3) جمع صافية، الخالصة. و عن عبد اللّه بن مسعود صوافن (4) جمع صافنة. قال الفراء (5) : الصافنة القائمة، و حكى غيره أنها القائمة على ثلاث، و حكى أبو عبيدة أن الصافنة التي قد جمعت رجليها و رفعت سنبكها، و قال أبو عمر الجرمي: الصافن عرق في مقدّم الرجل فإذا ضرب على الفرس رفع رجليه فَإِذََا وَجَبَتْ جُنُوبُهََا قال مقسم عن ابن عباس قال:

فإذا وقعت على جنوبها.

لَنْ يَنََالَ اَللََّهَ لُحُومُهََا على تذكير الجمع، و يقال على تأنيث الجماعة وَ لََكِنْ يَنََالُهُ اَلتَّقْوى‏ََ لأن التّقوى و التّقى واحد، و يناله على لفظ التقوى. وَ بَشِّرِ اَلْمُحْسِنِينَ أي الذين أحسنوا في أداء ما عليهم.

____________

(1) انظر الكتاب 1/243.

(2) انظر مختصر ابن خالويه 95، و البحر المحيط 6/342.

(3) انظر البحر المحيط 6/342، و معاني الفرّاء 2/226. و مختصر ابن خالويه 95.

(4) انظر معاني الفراء 2/226.

(5) انظر معاني الفراء 2/226.

71

أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقََاتَلُونَ فيه ثلاثة أوجه من القراءات: هذه التي ذكرناها قراءة أهل المدينة، و قرأ أبو عمرو و عاصم أُذِنَ (1) كما قرأ أهل المدينة و قرأ يقاتلون بكسر التاء، و قرأ الكوفيون إلاّ عاصما أذن (2) بفتح الهمزة و الذين يقاتلون بكسر التاء و المعاني في هذا متقاربة لأنهم قد قاتلوا و قوتلوا إلاّ أن قراءة أهل المدينة في هذا أصحّ معنى، و أبين من وجهين: أحدهما أنه قد صحّ عن ابن عباس أنها أول آية نزلت في القتال. قال أبو جعفر: كما حدّثنا أبو الحسن محمد بن محمد قال: حدّثنا محمد بن حمّاد الطهرانيّ قال: أخبرنا عبد الرزاق عن الثوري عن الأعمش عن مسلم عن سعيد عن ابن عباس أنه يقرأها أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقََاتَلُونَ و قال: هي أول آية أنزلت في القتال.

قال الطهراني: لا أدري كيف القراءة فإذا كانت أول آية أنزلت في القتال فهم لم يقاتلوا بعد. فيبعد أن يكون أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقََاتَلُونَ و كان يقاتلون بيّنا، و الجهة الأخرى أن بعده «بأنّهم ظلموا» ، و بعده اَلَّذِينَ أُخْرِجُوا فوجب أيضا أن يكون «يقاتلون» بأنهم ظلموا و لأنهم ظلموا واحد، كما تقول: جزيته ببغيه و لبغيه. قال أبو إسحاق: و لا يجوز: و أنّ اللّه على نصرهم لقدير. بفتح الهمزة لأن إنّ إذا كانت معها اللام لم يجز فتحها.

اَلَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيََارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ في موضع خفض بدلا من الذين. إِلاََّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اَللََّهُ في موضع نصب على مذهب سيبويه استثناء ليس من الأول، و قال الفراء (3) : يجوز أن تكون «أن» في موضع خفض يقدّرها مردودة على الباء، و هو قول أبي إسحاق، و المعنى عنده: الذين أخرجوا من ديارهم بغير حقّ إلاّ بأن يقولوا: ربّنا اللّه أي أخرجوا بتوحيدهم. أخرجهم أهل الأوثان. وَ لَوْ لاََ دَفْعُ اَللََّهِ اَلنََّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ روي عن أبي الدّرداء أنه قال: لو لا أنّ اللّه جلّ و عزّ يدفع بمن في المساجد عمن ليس في المساجد، و بمن يغزو عمن لا يغزو لأراهم العذاب، و روى ابن أبي نجيح عن مجاهد: لو لا أن اللّه جلّ و عزّ يدفع بأخذ الحقوق بالشهادات لَهُدِّمَتْ صَوََامِعُ وَ بِيَعٌ وَ صَلَوََاتٌ وَ مَسََاجِدُ و لم ينصرف، صوامع و مساجد، لأنهما جمعان، و هما نهاية الجموع فثقلا فمنعا الصّرف. و كذلك كل جمع ثالث حروفه ألف و بعد الألف حرفان أو ثلاثة. و قوله جلّ و عزّ يُذْكَرُ فِيهَا اِسْمُ اَللََّهِ كَثِيراً الذي يجب في كلام العرب على حقيقة النظر

____________

(1) انظر البحر المحيط 6/346.

(2) انظر البحر المحيط 6/346، و كتاب السبعة لابن مجاهد 437.

(3) انظر معاني الفراء 2/227.

72

أن يكون يذكر فيها اسم اللّه عائدا على المساجد لا على غيرها لأن الضمير يليها، و يجوز أن يكون يعود على صوامع و ما بعدها. و يكون المعنى: في وقت شرائعهم و إقامتهم الحدود و الحقّ.

اَلَّذِينَ إِنْ مَكَّنََّاهُمْ فِي اَلْأَرْضِ قال أبو إسحاق: اَلَّذِينَ في موضع نصب ردا على «من» يعني في «و لينصرنّ اللّه من ينصره» ، و قال غيره: «الذين» في موضع خفض ردّا على قوله‏ أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقََاتَلُونَ ، و يكون اَلَّذِينَ إِنْ مَكَّنََّاهُمْ فِي اَلْأَرْضِ لأربعة من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم، و لم يمكّن في الأرض غيرهم من الذين قيل فيهم: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقََاتَلُونَ و هم أبو بكر و عمر و عثمان و علي رضي اللّه عنهم. و بهذه الآية يحتجّ في إمامة أبي بكر و عمر و غيرها من الآي. }قال أبو جعفر: و قد ذكرنا (1) ما في وَ ثَمُودُ من الصّرف و تركه.

وَ بِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ قال الضحاك: أي متروكة، و قرأ الجحدري وَ بِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ (2)

و إن المعنى واحد، و في هذا أعظم الموعظة. وعظهم اللّه جلّ و عزّ بقوم قد أهلكوا و بقيت آثارهم يعرفونها. قال الأصمعي: سألت نافع بن أبي نعيم أ تهمز البئر و الذئب فقال: إذا كانت العرب تهمزها فأهمزها، و أكثر الروايات عن نافع بهمزهما إلاّ ورشا فإنّ روايته عنه بغير همز فيهما، و الأصل الهمز. قال أحمد بن يحيى: الذئب مشتقّ من تذاءبت الريح، إذا جاءت من وجوه كثيرة، و كذلك الذئب. قال أبو جعفر: فإذا حذفت الهمزة، و هي ساكنة لم يكن بعد السكون إلاّ قلبها إلى ما أشبه ما قبلها. و الفراء يذهب إلى أن «و بئر» معطوفة على عروضها، و أبو إسحاق يذهب إلى أنها معطوفة من «قرية» أي و من بئر، ثم قال: «أخذتها و إلى المصير» . قال أبو إسحاق: أي بالعذاب، ثم حذف؛ لأن قبله ما يدلّ عليه وَ يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذََابِ .

هذه آية مشكلة من جهتين: إحداهما أن قوما يرون أن الأنبياء فيهم مرسلون و غير

____________

(1) مرّ في إعراب الآية 73 من سورة الأعراف.

(2) و هذه قراءة الحسن و جماعة أيضا، مخفّفة، انظر البحر المحيط 6/348، و مختصر ابن خالويه 96.

73

مرسلين، صلوات اللّه عليهم أجمعين. و غيرهم يذهب إلى أنه لا يجوز أن يقال: نبيّ حتى يكون مرسلا. و الدليل على صحة هذا قوله جلّ و عزّ: وَ مََا أَرْسَلْنََا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَ لاََ نَبِيٍّ فأوجب للنبيّ الرسالة. و إنّ معنى نبيّ أنبأ عن اللّه جلّ و عزّ، و معنى أنبأ عن اللّه جلّ و عزّ هو الإرسال بعينه. و الجهة الأخرى التي فيها الإشكال الحديث المروي. قال أبو جعفر: و قد ذكرناه بإسناده و هو أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم قرأ: «أ فرأيتم اللات و العزّى فإنّ شفاعتهم ترتجى» (1) و سها كذا في رواية الزّهري، و في رواية غيره «فإنهن الغرانيق العلى» . قال أبو جعفر: و هذا يجب أن يوقف على معناه من جهة الدين لطعن من طعن فيه من الملحدين. فأول ذلك أنّ الحديث ليس بمتصل الإسناد، و لو اتّصل إسناده و صحّ لكان المعنى فيه صحيحا. فأما معنى «و سها» فإنّ معناه و أسقط. و يكون تقديره‏ أَ فَرَأَيْتُمُ اَللاََّتَ وَ اَلْعُزََّى و تمّ الكلام، ثمّ أسقط و الغرانيق العلى، يعني الملائكة فإن شفاعتهم، يعود الضمير على الملائكة. فأمّا من روى «فإنّهنّ الغرانيق العلى» ففي روايته أجوبة عنها أن يكون القول محذوفا كما تستعمل العرب في أشياء كثيرة، و يجوز أن يكون بغير حذف، و يكون توبيخا؛ لأن قبله أ فرأيتم فيكون هذا احتجاجا عليهم. فإن كان في الصلاة فقد كان الكلام مباحا في الصلاة، و يجوز أن يكون الضمير للملائكة كما يضمر ما يعرف معناه فينسخ اللّه جلّ و عزّ ذلك لما فيه من الصلاح. و الذي فيه من الصلاح إزالة التمويه أن يموّه على قوم فيقال لهم: هذا الضمير للاّت و العزّى، فأنزل اللّه جلّ و عزّ وَ مََا أَرْسَلْنََا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَ لاََ نَبِيٍّ إِلاََّ إِذََا تَمَنََّى أَلْقَى اَلشَّيْطََانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اَللََّهُ مََا يُلْقِي اَلشَّيْطََانُ و في الآية قولان آخران: أحدهما أن يكون المعنى لمّا تلا أَ فَرَأَيْتُمُ اَللاََّتَ وَ اَلْعُزََّى قال رجل ألقى الشيطان على لسانه: فإنهنّ الغرانيق العلى، و القول الآخر أنّ علي بن أبي طلحة روى عن ابن عباس في قوله اللّه جلّ و عزّ:

إِلاََّ إِذََا تَمَنََّى قال: إذا تحدّث ألقى الرداءة الشيطان في أمنيته، قال: في حديثه فَيَنْسَخُ اَللََّهُ مََا يُلْقِي اَلشَّيْطََانُ قال: فيبطل اللّه ما يلقي الشيطان. و هذا من أحسن ما قيل في الآية و أعلاه و أجلّه. و قد قال أحمد بن محمد بن حنبل: بمصر صحيفة في التّفسير رواها عليّ بن أبي طلحة لو رحل فيها رجل إلى مصر قاصدا ما كان كثيرا.

و المعنى عليه أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم إذا حدّث نفسه ألقى الشيطان في حديثه على جهة الحيلة، فيقول له: لو سألت اللّه جلّ و عزّ أن يغنّمك كذا ليتّسع المسلمون، و يعلم اللّه جلّ و عزّ الصّلاح في غير ذلك فيبطل ما يلقي الشيطان، كما قال ابن عباس و حكى الكسائي و الفراء (2) جميعا تمنّى إذا حدّث نفسه. و هذا هو المعروف في اللغة. و قد حكيا أيضا تمنّى إذا تلا، و روي ذلك عن الضحاك.

____________

(1) انظر تفسير القرطبي 12/80.

(2) انظر معاني الفراء 2/229.

74

و حكى أبو عبد الرحمن السلمي فِي مِرْيَةٍ بضم الميم و الكسر أعرف حَتََّى تَأْتِيَهُمُ اَلسََّاعَةُ بَغْتَةً قال محمد بن يزيد: هو مصدر في موضع الحال أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذََابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ سمّي يوم القيامة عقيما لأنّه ليس يعقب بعده يوما مثله.

فتصبح ليس بجواب و إنما هو خبر عند الخليل رحمه اللّه. قال الخليل: المعنى انتبه أنزل من السماء ماءا فكان كذا و كذا كما قال: [الطويل‏] 304-

ألم تسأل الرّبع القوّاء فينطق # و هل تخيرنك اليوم بيداء سملق‏ (1)

و قال الفراء (2) : «ألم تر» خبر، كما تقول في الكلام: اعلم أنّ اللّه تبارك و تعالى ينزل من السماء ماءا فتصبح الأرض مخضرة.

وَ اَلْفُلْكَ تَجْرِي فِي اَلْبَحْرِ بِأَمْرِهِ و سخر الفلك، و يجوز أن يكون المعنى و أنّ الفلك، و يجوز الرفع على الابتداء وَ يُمْسِكُ اَلسَّمََاءَ أَنْ تَقَعَ في موضع نصب أي و يمسك السماء كراهة أن تقع على الأرض.

قُلْ أَ فَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذََلِكُمُ اَلنََّارُ فيها ثلاثة أوجه: الرفع بمعنى هو النار أو هي

____________

(1) الشاهد لجميل بثينة في ديوانه 137، و الأغاني 8/146، و خزانة الأدب 8/524، و الدرر 4/81، و شرح أبيات سيبويه 2/201، و شرح التصريح 2/240، و شرح شواهد المغني 1/474، و شرح المفصّل 7/36، و لسان العرب (سملق) ، و المقاصد النحوية 4/403، و بلا نسبة في أوضح المسالك 4/185، و الجنى الداني ص 76، و الدرر 6/86، و الردّ على النحاة ص 127، و الكتاب 3/37، و رصف المباني ص 378، و لسان العرب (حدب) و مغني اللبيب 1/168، و همع الهوامع 2/11.

(2) انظر معاني الفراء 2/229.

75

النار، و الخفض على البدل، و النصب فيه ثلاثة أوجه: يكون بمعنى أعني، و على إضمار فعل مثل الثاني، و يكون محمولا على المعنى أي أعرّفكم بشرّ من ذلكم النار.

يََا أَيُّهَا اَلنََّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ أحسن ما قيل فيه أنّ المعنى ضرب للّه جلّ و عزّ مما يعبد من دونه مثل.

وَ جََاهِدُوا فِي اَللََّهِ حَقَّ جِهََادِهِ قال أبو إسحاق: قيل: إن هذا منسوخ. قال: و كذا اِتَّقُوا اَللََّهَ حَقَّ تُقََاتِهِ [آل عمران: 102]قال أبو جعفر: و هذا مما لا يجوز أن يقع فيه نسخ، لأنه واجب على الإنسان، كما روى حيوة بن شريح عن أبي هاني الخولاني عن عمرو بن مالك عن فضالة بن عبيد عن النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم قال: «المجاهد من جاهد نفسه للّه جلّ و عزّ» (1) ، و كما روى أبو طالب عن أبي أسامة أنّ رجلا سأل النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم أي الجهاد أفضل عند الجمرة الأولى؟فلم يجبه ثم سأله عند الجمرة الثانية فلم يجبه، ثم سأله عند جمرة العقبة فقال عليه السلام: أين السائل؟فقال: أنا ذا فقال صلّى اللّه عليه و سلّم: «كلمة عدل عند سلطان جائر» (2) . هُوَ اِجْتَبََاكُمْ فدلّ بهذا على فضل أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم، و على الردّ على من يتنقّصهم؛ لأنه جلّ و عز اختارهم لنصرة نبيّه عليه السلام. وَ مََا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي اَلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ في موضع نصب و (من) زائدة للتوكيد. مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرََاهِيمَ قال الفراء (3) : أي كملّة أبيكم، فإذا ألقيت الكاف نصبت أي وسّع عليكم كملّة أبيكم. قال:

و إن شئت نصبت على الأمر. قال أبو إسحاق: المعنى اتّبعوا ملّة أبيكم. قال: هُوَ سَمََّاكُمُ اَلْمُسْلِمِينَ يجوز أن يكون لإبراهيم عليه السلام أي سماكم المسلمين فيما تقدّم

____________

(1) أخرجه ابن ماجة في سننه الحديث (4011) ، و أبو داود في سننه الحديث (4344) ، و الترمذي في سننه 9/19.

(2) أخرجه الترمذي في سننه 9/19، و ابن ماجة في سننه حديث (4011) .

(3) انظر معاني الفراء 2/231.

76

وَ فِي هََذََا أي و في حكمه أنّ من اتّبع محمدا صلّى اللّه عليه و سلّم موحد فقد سمّاكم المسلمين. قال أبو جعفر: هذا القول مخالف لقول العلماء الأئمة. و روى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس هو سمّاكم المسلمين، قال: اللّه جلّ و عزّ، و كذا روى ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس. و روى ابن نجيح عن مجاهد في قوله جلّ و عزّ: هُوَ سَمََّاكُمُ اَلْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ قال: سمّاكم المسلمين من قبل الكتب و الذكر، و في هذا القرآن. لِيَكُونَ اَلرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ أي بتبليغه إياكم.

و بإجابتكم إياه وَ تَكُونُوا شُهَدََاءَ عَلَى اَلنََّاسِ بتبليغكم إياهم و بما ترون منهم وَ اِعْتَصِمُوا بِاللََّهِ قيل: أي امتنعوا بما أعطاكم من القوة و انبساط اليد من المعاصي.

هُوَ مَوْلاََكُمْ أي وليّ نعمكم، و وليّ ما تحتاجون إليه في حياتكم. و لهذا كره أن يقال للإنسان: يا مولاي من هذه الجهة، و يقول: هذا عبدي، أو أمتي. قال النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم:

و لكن ليقل فتاي أو فتاتي. فَنِعْمَ اَلْمَوْلى‏ََ أي فنعم الوليّ لكم لأنه يريد بكم الخير وَ نِعْمَ اَلنَّصِيرُ لمن أطاعه.

77

23 شرح إعراب سورة المؤمنين‏

بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ

و من قرأ (قد أفلح) ألقى حركة الهمزة على الدال و حذف الهمزة لأن الدال كانت ساكنة، و إذا خفّفت الهمزة قربت من الساكنين، فحذفت الهمزة لهذا ثم ألقيت حركتها على الدال.

اَلَّذِينَ في موضع رفعت نعت للمؤمنين هُمْ فِي صَلاََتِهِمْ خََاشِعُونَ مبتدأ و خبره داخلون في الصلة، و كذلك ما بعده.

قال الضحاك: اللّغو الشرك. قال أبو جعفر: اللّغو في اللغة ما يجب أن يلغى أي يطرح. و من أحسن ما قيل فيه قول الحسن: إنها المعاصي كلّها. فهذا قول جامع يدخل فيه قول من قال: هو الشرك. و قول من قال: هو الغناء. كما روى مالك بن أنس عن محمد بن المنذر أنّ اللّه جلّ و عزّ يقول يوم القيامة: أين الذين كانوا ينزّهون أنفسهم و أسماعهم عن اللهو و مزامير الشياطين، أدخلوهم في رياض المسك ثم يقول للملائكة: أسمعوهم حمدي و ثنائي، و أخبرهم أن لاََ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لاََ هُمْ يَحْزَنُونَ* .

فمدح اللّه جلّ و عزّ و من أخرج من ماله الزكاة و إن لم يخرج منه غيرها. فكأن الذين يكنزون الذهب و الفضة هم الذين لا يخرجون الزكاة.

78

قال الفراء (1) : أي إلاّ من أزواجهم اللاتي أحلّ اللّه جلّ و عزّ لهم الأربع لا تجاوز. أَوْ مََا مَلَكَتْ أَيْمََانُهُمْ في موضع خفض معطوفة على أزواجهم و «ما» مصدر.

و قد أخبر جلّ و عزّ أنه لا يحبّ المعتدين، و إذا لم يحبّهم أبغضهم و عاداهم لا واسطة في ذلك.

و قرأ المكّيّون (لأمانتهم) (2) على واحدة. قال أبو جعفر: أمانة مصدر يؤدي عن الواحد و الجمع، فإذا أردت اختلاف الأنواع جاز الجمع و التوحيد إلاّ أن الجمع هاهنا حسن؛ لأن اللّه جل و عز قد ائتمن العباد على أشياء كثيرة منها الوضوء و غسل الجنابة و الصلاة و الصيام و غيرهن. فأما احتجاج أبي عبيد في اختياره لأماناتهم بقوله: إِنَّ اَللََّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا اَلْأَمََانََاتِ إِلى‏ََ أَهْلِهََا [النساء: 58]فمردود لا يشبهه هذا؛ لأن الأمانات هاهنا هو الشي‏ء بعينه بمنزلة الودائع، و ليس مثل ذلك. ألا ترى أن بعده وَ عَهْدِهِمْ و لم يقل و عهودهم فالجمع و التوحيد جائزان.

أُولََئِكَ مبتدأ «هم» مبتدأ ثان، و إن شئت كانت فاصلة. اَلْوََارِثُونَ على أن قوله «هم» فاصلة خبر «أولئك» ، و على القول الآخر خبر المبتدأ الثاني و الجملة خبر «أولئك» و روى الزّهري عن عروة عن عبد الرحمن بن عبد القاري عن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه عن النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم قال: «لقد أنزل علي عشر آيات من أقامهنّ دخل الجنّة ثم قرأ قَدْ أَفْلَحَ اَلْمُؤْمِنُونَ (3) إلى عشر آيات. قال أبو جعفر: معنى «من أقامهنّ» من قام عليهنّ و لم يخالف ما فيهنّ، و أدّاه، كما تقول: فلان يقوم بعمله، ثم نزل بعد هذه الآيات فرض الصوم و الحجّ فدخل معهن.

و الذين قرءوا «لأماناتهم» قرءوا فَخَلَقْنَا اَلْمُضْغَةَ عِظََاماً فَكَسَوْنَا اَلْعِظََامَ لَحْماً إلاّ عاصما فإنه قرأ فخلقنا المضغة عظما (4) فكسونا العظام لحما ، و كذا قرأ الأعرج و قتادة و عبد اللّه بن عامر. و القراءة الأولى حسنة بيّنة لأن المضغة تفترق فتكون عظاما

____________

(1) انظر معاني الفراء 2/231.

(2) انظر كتاب السبعة لابن مجاهد 444، و البحر المحيط 6/367.

(3) أخرجه الترمذي في سننه-التفسير 12/35.

(4) انظر كتاب السبعة لابن مجاهد 444.

79

فالجمع في هذا أبين و التوحيد جائز يكون يؤدي عن الجمع، و قال أبو إسحاق في العلة في جوازه لأنه قد علم أن الإنسان ذو عظام، و اختار أبو عبيد الجمع و احتجّ بقول اللّه جلّ و عزّ: وَ اُنْظُرْ إِلَى اَلْعِظََامِ كَيْفَ نُنْشِزُهََا [البقرة: 259]أي لأنهم قد أجمعوا على هذا. و هذا التشبيه غلط لأن المضغة لمّا كانت تفترق عظاما كان كلّ جزء منها عظما فكل واحد منها يؤدي عن صاحبه فليس كذا «و انظر إلى العظام» لأن هذا إشارة إلى جمع، فإن ذكرت واحدا كانت الإشارة إلى واحد. ثُمَّ أَنْشَأْنََاهُ خَلْقاً آخَرَ مجاز، و خَلْقاً مصدر لأنّ معنى أنشأناه خلقناه، واحد الطرائق طريقة.

وَ شَجَرَةً معطوف على جَنََّاتٍ [آية: 19]، و أجاز الفراء الرفع‏ (1) لأنه لم يظهر الفعل بمعنى «و ثمّ شجرة» تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنََاءَ بفتح السين قراءة الكوفيين على وزن فعلاء. و فعلاء في الكلام كثير يمتنع من الصرف في المعرفة و النكرة؛ لأن في آخرها ألف التأنيث و ألف التأنيث ملازمة لما هي فيه، و ليس في الكلام فعلاء و لكن من قرأ (سيناء) (2) بكسر السين جعله فعلالا، و منعه من الصرف على أنه للبقعة و قال الأخفش: هو اسم عجمي. و قد ذكرنا (3) تنبت و تنبت.

مصدر، و منزلا بفتح الميم بمعنى اجعل لي منزلا. قال أبو إسحاق: و من قرأ مُنْزَلاً (4) بفتح الميم و الزاي جعله مصدرا من نزل نزولا منزلا.

و زعم الفراء (5) أن معنى وَ يَشْرَبُ مِمََّا تَشْرَبُونَ على حذف «منه» أي و يشرب مما تشربون منه. و ذا لا يجوز عند البصريين فلا يحتاج إلى حذف البتّة لأن «ما» إذا كانت مصدرا لم تحتج إلى عائد فإن جعلتها بمعنى الّذي و حذفت المفعول، و لم يحتج إلى إضمار من. قال أبو جعفر: و قد ذكرنا أَ يَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذََا مِتُّمْ (6) بما لا يحتاج إلى زيادة.

____________

(1) انظر معاني الفراء 2/233.

(2) انظر كتاب السبعة لابن مجاهد 444، و البحر المحيط 6/371.

(3) انظر إعراب الآية 37، آل عمران.

(4) انظر البحر المحيط 6/372.

(5) انظر معاني الفراء 2/234.

(6) مرّ في إعراب الآية 157-آل عمران.

80

قرئت على ثلاثة أوجه. قرأ أهل الحرمين و أهل الكوفة هَيْهََاتَ هَيْهََاتَ مفتوحة غير منوّنة إلاّ أبا جعفر فإنه قرأ هَيْهََاتَ هَيْهََاتَ (1) مكسورة غير منونة، و قرأ عيسى بن عمر هَيْهََاتَ هَيْهََاتَ (2) مكسورة منونة. فهذه ثلاثة قراءات. قال أبو جعفر و يجوز هَيْهََاتَ هَيْهََاتَ (3) مفتوحة منوّنة. قال الكسائي: و ناس من العرب كثير يقولون: أيهات‏ (4) يعني أنهم يبدلون من الهاء همزة، و يجوز فيها ما جاز في هيهات من اللغات. قال أبو جعفر: من قال هيهات هيهات لما توعدون وقف بالهاء عند سيبويه و الكسائي‏ (5) لا غير لأنها واحدة، و بنيت على الفتح و موضعها رفع؛ لأن المعنى البعد؛ لأنها لم يشتقّ منها فعل فهي بمنزلة الحروف فاختير لها الفتح لأنّ فيها هاء التأنيث فهي بمنزلة اسم ضمّ إلى اسم كخمسة عشر، و زعم الفراء أن الوقف عليها بالياء و من كسر وقف بالتاء عند الجماعة نوّن أو لم ينوّن؛ لأنها جمع كبيضات، واحدها هيهة كبيضة و نصب الجميع كخفضه. و التنوين فيه قولان: أحدهما أن التنوين في جمع المؤنّث لازم، و الآخر أن فرق بين المعرفة و النكرة، و لهذا حذف من حذف على أنه جعلها معرفة، و يقال: هيهات لما قلت، و هيهات ما قلت أي البعد لما قلت، و البعيد ما قلت.

قََالَ عَمََّا قَلِيلٍ ما زائدة مؤكّدة عند البصريين.

ثُمَّ أَرْسَلْنََا رُسُلَنََا تَتْرََا فيه ثلاثة أوجه: قرأ الكوفيون و نافع و الحسن و ابن محيصن تَتْرََا (6) بغير تنوين، و قرأ أبو عمرو و أبو جعفر و الأعرج تَتْرََا (7) منوّنة و يجوز تَتْرََا (8) بكسر التاء الأولى موضعها نصب على المصدر لأن معنى «ثم أرسلنا» ثم واترنا، و يجوز أن يكون موضع الحال أي مواترين. قال الأصمعي: واترت كتبي عليه أتبعت بعضها بعضا إلاّ أن بين كلّ واحد منها و بين الآخر مهلة، و قال غيره من أهل اللغة: المواترة التتابع بلا مهلة. قال أبو جعفر: من قرأ تترى بلا تنوين و جعلها فعلى مثل سكرى، و من نون جعل الألف للنصب كما تقول: رأيت زيدا يا هذا، و التاء في القراءتين جميعا مبدلة من واو كما يقال: تاللّه و اللّه. و هو من واترت و اشتقاقه من الوتر

____________

(1) انظر البحر المحيط 6/374، و معاني 2/235، مختصر ابن خالويه 97.

(2) انظر البحر المحيط 6/374، و معاني 2/235، مختصر ابن خالويه 97.

(3) انظر البحر المحيط 6/374، و معاني 2/235، مختصر ابن خالويه 97.

(4) انظر البحر المحيط 6/374، و معاني 2/235، مختصر ابن خالويه 97.

(5) انظر معاني الفراء 2/236.

(6) انظر البحر المحيط 6/376، و كتاب السبعة لابن مجاهد 446.

(7) انظر البحر المحيط 6/376، و كتاب السبعة لابن مجاهد 446.

(8) انظر البحر المحيط 6/376، و كتاب السبعة لابن مجاهد 446.

81

و الوتر. وَ جَعَلْنََاهُمْ أَحََادِيثَ يتحدّث بخبرهم و يتعجّب منه و يعتبر به فَبُعْداً مصدر أي أبعدهم اللّه جلّ و عزّ من ثواب الآخرة.

وَ آوَيْنََاهُمََا إِلى‏ََ رَبْوَةٍ و يقال: بالكسر و الفتح، و يقال في معناها رباوة (1) ، و قرأ بها ابن أبي إسحاق و يقال: رباوة (2) و رباوة (3) بالفتح و الكسر. و أحسن ما قيل فيه ما قاله ابن عباس رحمه اللّه. قال: نبئت أنها دمشق لأن قوله نبئت يدلّ على أنه توقيف.

يََا أَيُّهَا اَلرُّسُلُ نعت لأي. كُلُوا مِنَ اَلطَّيِّبََاتِ قال الحسن: أي من الحلال و يدلّ على هذا ما رواه أبو حازم عن أبي هريرة عن النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم أنه قال: «إنّ اللّه طيّب لا يقبل إلاّ طيّبا و إنّ اللّه أمر الأنبياء بما أمر به المؤمنين» فقال: يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبََاتِ مََا رَزَقْنََاكُمْ [البقرة: 172]و قال: «يا أيّها الرّسل كلوا من الطّيّبات» .

وَ إِنَّ هََذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وََاحِدَةً في هذا ثلاثة أوجه من القراءات: قرأ المدنيون و أبو عمرو وَ إِنَّ هََذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وََاحِدَةً (4) بفتح الهمزة و نصب أمة واحدة، و قرأ الكوفيون بكسر الهمزة و نصب أمة واحدة أيضا، و قرأ الحسن و ابن أبي إسحاق وَ إِنَّ هََذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وََاحِدَةً برفع كلّ شي‏ء ففي فتح الهمزة ثلاثة أقوال: فقول البصريين أن المعنى:

و لأنّ و حذفت اللام، و أن في موضع نصب، و قول الكسائي و هو أحد قولي الفراء (5) أنّ في موضع خفض نسقا على «ما تعملون» أي إني بما تعملون عليم و بأنّ هذه أمتكم، و القول الثالث قول الفراء (6) : إنّها في موضع نصب على إضمار فعل، و التقدير:

و اعلموا أنّ هذه أمتكم و كسر الهمزة عنده على الاستئناف، و عند الكسائي أنها نسق على أني بما تعملون عليم. أُمَّةً وََاحِدَةً نصب على الحال. و الرفع من ثلاثة أوجه:

على إضمار مبتدأ، و على البدل، و على خبر بعد خبر.

فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً نصب على الحال، و المعنى مثل زبر. كُلُّ حِزْبٍ بِمََا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ أي كلّ فريق يظنّ أنه على الحق، فهو فرح بما هو عليه و عليه أن يبيّن الحق لأنّه

____________

(1) انظر البحر المحيط 6/377، و مختصر ابن خالويه 98.

(2) انظر البحر المحيط 6/377، و مختصر ابن خالويه 98.

(3) انظر البحر المحيط 6/377، و مختصر ابن خالويه 98.

(4) انظر كتاب السبعة لابن مجاهد 446.

(5) انظر معاني الفراء 2/237.

(6) انظر معاني الفراء 2/237.

82

ظاهر. و قيل: كلّ حزب بما لديهم فرحون أي بما هم فيه من اللذات و طلب الرئاسة.

فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ أي فيما غطّى عليهم من حبّ الدنيا و التواني عن الموت و عن أمر الآخرة. و قيل: في غمرتهم أي فيما غمرهم من الجهل. قال أبو إسحاق: حَتََّى حِينٍ إلى حين ما يأتيهم ما وعدوا به من العذاب.

أَ يَحْسَبُونَ أَنَّمََا نُمِدُّهُمْ بِهِ «ما» بمعنى الذي، و في خبر أن ثلاثة أقوال: منها أنه محذوف، و قال أبو إسحاق: المعنى نسارع لهم به، و حذفت به، و قال هشام قولا دقيقا قال: «ما» هي الخيرات، و ليس في الكلام حذف؛ لأن معنى في الخيرات فيه، و هذا قول بعيد و مثله: إنّ زيدا تكلّم عمرو في زيد، و الأجود تكلّم عمرو فيه، و قد أجاز مثله سيبويه، و أنشد: [الخفيف‏] 305-

لا أرى الموت يسبق الموت شي‏ء # نغّص الموت ذا الغنى و الفقيرا (1)

و من قرأ يسارع لهم في الخيرات (2) ففي قراءته ثلاثة أوجه: أحدها على حذف به، و يجوز أن يكون التقدير يسارع الأمداد، و يجوز أن يكون «لهم» اسم ما لم يسمّ فاعله.

خبر أن.

أُولََئِكَ يُسََارِعُونَ فِي اَلْخَيْرََاتِ أي في عمل الخيرات أي الطاعات. قال أبو إسحاق:

يسارعون أبلغ من يسرعون. وَ هُمْ لَهََا سََابِقُونَ أحسن ما قيل فيه أنهم يسبقون إلى أوقاتها، و دلّ أنّ الصلاة في أول الوقت أفضل، و كلّ من تقدّم في شي‏ء فقد سابق إليه، و كلّ من تأخر عنه فقد سبقه وفاته.

وَ لَدَيْنََا كِتََابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ قيل: يعني به الكتاب الذي كتب فيه أعمال الخلق عند الملائكة محتفظ به.

____________

(1) مرّ الشاهد رقم (70) .

(2) انظر البحر المحيط 6/379.

83

بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هََذََا قال أبو إسحاق: أي بل قلوبهم في عماية من هذا و قيل: بل قلوبهم في غمرة من هذا الكتاب الذي ينطق بالحق و أعمالهم فيه محصاة.

و هذه قراءة حسنة مشاكلة لأول القصّة لأن في القصة ذكر نكوصهم على أعقابهم فيشبه هذا أنهم هجروا النبي صلّى اللّه عليه و سلّم و الكتاب. و قال الكسائي: تَهْجُرُونَ تهذون. قال أبو جعفر: يقال: هجر المحموم إذا غلب على عقله فهذي، فيكون معنى الآية-و اللّه أعلم-أنكم تتكلّمون في النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم بما لا يضرّه و بما ليس فيه فأنتم كمن يهذي.

و يقال: ما زال ذاك إهجيراه و هجيراه أي عادته كأنه يهذي به حتى صار له عادة.

أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا هذا تستعمله العرب على معنى التوقيف و التقبيح، فيقولون الخير أحبّ إليك أم الشرّ، أي قد اخترت الشرّ.

أهل التفسير مجاهد و أبو صالح و غيرهما يقولون: «الحقّ» هاهنا اللّه جلّ و عزّ. و تقديره في العربية: و لو اتّبع صاحب الحقّ، و قد قيل: هو مجاز أي لو وافق الحقّ أهواءهم فجعل موافقته اتّباعا مجازا أي لو كانوا يكفرون بالرسل و يعصون اللّه جلّ و عزّ ثم لا يعاقبون و لا يجازون على ذلك إمّا عجزا و إمّا جهلا لفسدت السموات و الأرض. و قيل: المعنى لو كان الحقّ فيما يقولون من اتخاذ آلهة مع اللّه لتنافست الآلهة و أراد بعضهم ما لا يريد بعض فاضطرب التدبير، و فسدت السموات و الأرض، و إذا فسدتا فسد من فيهما.

قال الأخفش: الخرج واحد إلاّ أنّ اختلاف الكلام أحسن. و قال أبو حاتم:

الخرج الجعل و الخراج العطاء، و قول محمد بن يزيد: الخرج المصدر، و الخراج الاسم، و المعنى أم تسألهم رزقا، فرزق ربّك خير و هو خير الرازقين أي ليس أحد يرزق مثل رزقه و لا ينعم مثل إنعامه.

أي إلى دين مستقيم، و الصراط في اللغة الطريق فسمّي الدين طريقا؛ لأنه يؤدي إلى الجنة أي فهو طريق إليها.

84

قيل: هل مثل الأول أي عن الدين، و قيل: إنهم عن طريق الجنة لعادلون حتى يصيروا إلى النار.

وَ لَوْ رَحِمْنََاهُمْ وَ كَشَفْنََا مََا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ أي لو رددناهم إلى الدنيا و لم ندخلهم النار و امتحنّاهم. لَلَجُّوا فِي طُغْيََانِهِمْ قال السّدّي: أي في معصيتهم. يَعْمَهُونَ . قال الأخفش: يترددون.

وَ لَقَدْ أَخَذْنََاهُمْ بِالْعَذََابِ قال الضحاك: أي بالجوع.

حَتََّى إِذََا فَتَحْنََا عَلَيْهِمْ بََاباً ذََا عَذََابٍ شَدِيدٍ قال عكرمة: هو باب من أبواب جهنم عليه من الخزنة أربعمائة ألف، سود وجوههم؛ كالحدأ أنيابهم، قد قلعت الرحمة من قلوبهم إذا بلغوه فتحه اللّه عليهم.

قل... للّه و قل... اللّه‏ (1) قد ذكرناه بما لا يحتاج إلى زيادة.

} عََالِمِ اَلْغَيْبِ ، قراءة أهل المدينة و أهل الكوفة على إضمار مبتدأ، و قراءة أبي عمرو عََالِمِ اَلْغَيْبِ (2) بالخفض على النعت للّه جلّ و عزّ و أكثر النحويين الكوفيين و البصريين يذهبون إلى أن الرفع أولى. فحجّة البصريين أنّ قبله رأس آية و قد تمّ الكلام فالابتداء أحسن، و حجّة الكوفيين منهم الفراء (3) أن الرفع أولى قال: لأنه لو كان مخفوضا لكان بالواو فكان يكون عالم الغيب و تعالى، فلما كان «فتعالى» كان الرفع أولى.

قال أبو إسحاق: و يجوز «ربّ» بضم الباء، و يجوز «ربّي» بإسكان الياء و فتحها.

و «إنّ» هاهنا للشرط و «ما» زائدة للتوكيد فلمّا زيدت «ما» حسن دخول النون للتوكيد،

____________

(1) يشير إلى الآيات 85، و 87 و 89 من السورة.

(2) انظر البحر المحيط 6/386.

(3) انظر معاني الفراء 121.

85

و جواب الشرط فَلاََ تَجْعَلْنِي فِي اَلْقَوْمِ اَلظََّالِمِينَ أي إذا أردت بهم عقوبة فأخرجني عنهم.

اِدْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ قال الحسن البصري: و اللّه لا يصيبها أحد حتّى يكظم غيظا و يصبر على مكروه.

قال عبد اللّه بن مسعود: و بعضهم يرفعه همزه الموتة. و الموتة: ضرب من الجنون. و جمعت همزة و هي ساكنة على همزات فرقا بين الاسم و النعت.

و قد يكون القول في النفس قال جلّ و عزّ: وَ يَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْ لاََ يُعَذِّبُنَا اَللََّهُ [المجادلة: 8]فأمّا قوله: اِرْجِعُونِ و هو يخاطب ربّه جلّ و عزّ و لم يقل: ارجعني ففيه قولان للنّحويّين: أحدهما أنّ العرب تتعارف أن الجبار إذا أخبر عن نفسه قال:

لنفعلنّ و لنرجعنّ فإذا خوطب كانت مخاطبته مخاطبة الجميع فيقال له: برّونا و أرجعونا فجاءت هذه الآية بهذا، و القول الآخر: إن معنى ارجعون على جهة التكرير ارجعن ارجعن ارجعن، و هكذا قال المازني في قوله جلّ و عزّ: أَلْقِيََا فِي جَهَنَّمَ [ق: 24] قال معناه ألق ألق.

وَ مِنْ وَرََائِهِمْ بَرْزَخٌ البرزخ في اللغة كل حاجز بين شيئين فالبرزخ بين الدنيا و الآخرة كما روي أن رجلا قال بحضرة الشعبي: رحم اللّه فلانا قد صار من أهل الآخرة قال: لم يصر من أهل الآخرة و لكن صار من أهل البرزخ، و ليس من الدنيا و لا من الآخرة. و أضفت يوما إلى يبعثون لأنه ظرف زمان، و المراد بالإضافة المصدر، و قال أبو إسحاق: حقيقته الحكاية.

في معناه قولان: أحدهما قول ابن عباس: أنهم في وقت لا يتساءلون. و يوم في اللغة بمعنى وقت معروف. و القول الآخر أبين من هذا: يكون معنى فَلاََ أَنْسََابَ بَيْنَهُمْ أنّهم لا يتفاخرون بالأنساب يوم القيامة، و لا يتساءلون بها كما كانوا في الدنيا يفعلون.

86

تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ اَلنََّارُ و يقال: «تنفح» في معنا إلاّ أن «تلفح» أبلغ بأسا. وَ هُمْ فِيهََا كََالِحُونَ ابتداء و خبر، و يجوز النصب في غير القرآن على الحال. و الكالح في كلام العرب الذي قد تشمّرت شفتاه و بدت أسنانه كما ترى رؤوس الغنم. و قد جاء عن النبي صلّى اللّه عليه و سلّم التوقيف بمعنى هذا قال: «تحرق واحدهم النار فتقلص شفته العليا حتّى تبلغ وسط رأسه، و تسترخي شفته السفلى حتّى تبلغ سرّته» (1) .

قََالُوا رَبَّنََا غَلَبَتْ عَلَيْنََا شِقْوَتُنََا قراءة أهل المدينة و أبي عمرو و عاصم، و قرأ الكوفيون إلا عاصما شقاوتنا (2) و هذه القراءة مروية عن ابن مسعود و الحسن. و يقال: شقا و شقاء بالقصر و المدّ. و أحسن ما قيل في معناه و الأهواء شقوة لأنهما يؤديان إليها، كما قال جلّ و عزّ: إِنَّ اَلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوََالَ اَلْيَتََامى‏ََ ظُلْماً إِنَّمََا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نََاراً [النساء: 10]لأن ذلك يؤديهم إلى النار وَ كُنََّا قَوْماً ضََالِّينَ أي كنا في فعلنا ضالين عن الهدى. }و ليس هذا اعتذارا منهم إنّما هو إقرار و يدل على ذلك رَبَّنََا أَخْرِجْنََا مِنْهََا فَإِنْ عُدْنََا فَإِنََّا ظََالِمُونَ .

قََالَ اِخْسَؤُا فِيهََا و المصدر خس‏ء في اللازم و المتعدّي على فعل.

إِنَّهُ كََانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبََادِي يَقُولُونَ رَبَّنََا آمَنََّا قال مجاهد: هم بلال و خبّاب و صهيب و فلان و فلان من ضعفاء المسلمين، كان أبو جهل و أصحابه يهزئون بهم.

فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا بالكسر و الضم. و فرق أبو عمرو بينهما فجعل المكسورة من جهة التهزّؤ، و المضمومة من جهة السّخرة. و لا يعرف هذا التفريق الخليل و سيبويه رحمهما اللّه، و لا الكسائي و لا الفراء (3) . قال الكسائي: هما لغتان بمعنى واحد كما

____________

(1) أخرجه الترمذي في سننه، صفة الجنة 10/56.

(2) انظر البحر المحيط 6/389، و كتاب السبعة لابن مجاهد 448.

(3) انظر معاني الفراء 2/243.

87

يقال: عصيّ و عصيّ، و قال محمد بن يزيد: إنّما يؤخذ التفريق بين المعاني عن العرب، فأما التأويل فلا يكون. و الكسر في «سخريّ» في المعنيين جميعا و في عصيّ أكثر؛ لأن الضمة تستثقل في مثل هذا.

قََالَ كَمْ لَبِثْتُمْ و قل كم لبثتم معنيان مختلفان لا يجوز أن يقال أحدهما أجود من الآخر عَدَدَ سِنِينَ بفتح النون على أنه جمع مسلم، و من العرب من يخفضها و ينوّنها.

قََالُوا لَبِثْنََا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ و ليس في هذا ما ينفي عذاب القبر لأنه لا بدّ من خمدة قبل البعث.

رَبُّ اَلْعَرْشِ اَلْكَرِيمِ كمن نعت العرش لارتفاعه و أنّ الأيدي لا تناله.

وَ أَنْتَ خَيْرُ اَلرََّاحِمِينَ مبتدأ و خبره. و الاسم عند البصريين «أن» و التاء للخطاب.

و الاحتجاج لأبي عمرو في تفريقه بين سخري و سخريّ أن يكون خبّر بمذهبه في القراءة فقط. فأمّا «لبتّم» بالإدغام فلقرب التاء من الثاء، و كذا فاتّختّموهم (1) مدغم لقرب الذال من التاء، و من لم يدغم فيهما فلأن التاء اسم فكأنها منفصلة و المخرجان مختلفان. و قال مجاهد: العادّون‏ (2) الملائكة لأنهم يحصون ذلك. و قرأ الأعمش عددا سنين (3) و نصب عددا على البيان في القراءتين جميعا «و كم» في موضع نصب بلبثتم.

____________

(1) انظر الآية 110 من السورة.

(2) انظر الآية 113 من السورة.

(3) انظر الآية 112.

88

24 شرح إعراب سورة النور

بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ

سُورَةٌ أَنْزَلْنََاهََا بمعنى هذه سورة، و قرأ عيسى بن عمر سُورَةٌ أَنْزَلْنََاهََا (1)

بالنصب بمعنى أنزلنا سورة. و يجوز أن يكون المعنى: اتل سورة أنزلناها وَ فَرَضْنََاهََا أي و فرضنا فيها من الحلال و الحرام «و فرضناها» فيه ثلاثة أقوال: قال أبو عمرو فصلناها، و قيل: هو على التكثير لكثرة ما فيها من الفرائض، و القول الثالث قال الفراء (2) : إنّه بمعنى فرضناها عليكم و على من بعدكم.

اَلزََّانِيَةُ وَ اَلزََّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وََاحِدٍ مِنْهُمََا مِائَةَ جَلْدَةٍ و قرأ عيسى بن عمر اَلزََّانِيَةُ وَ اَلزََّانِي (3)

بالنصب. و هو اختيار الخليل و سيبويه‏ (4) رحمهما اللّه لأن الأمر بالفعل أولى، و سائر النحويين على خلافهما، و استدلّ محمد بن يزيد على خلافهما بقول اللّه جلّ و عزّ:

وَ اَلَّذََانِ يَأْتِيََانِهََا مِنْكُمْ [النساء: 16]، و الحجة للرفع أنه ليس يقصد به اثنان- بأعيانهما-زنيا فينصب، فلما كان مبهما وجب الرفع فيه من ثلاثة أوجه: مذهب سيبويه أن المعنى: و فيما فرض عليكم الزانية و الزاني، و قيل بما عاد عليه. وَ لاََ تَأْخُذْكُمْ بِهِمََا رَأْفَةٌ و رأفة لأن فعالة في الخصال كثير، نحو القباحة، و فعلة على الأصل.

____________

(1) انظر البحر المحيط 6/392، و مختصر ابن خالويه 100، و هي قراءة ابن أبي عبلة و أبي حيوة و محبوب عن أبي عمرو و أم الدرداء أيضا.

(2) انظر معاني الفراء 2/244.

(3) انظر مختصر ابن خالويه 100.

(4) انظر الكتاب 1/196.

89

اَلزََّانِي لاََ يَنْكِحُ إِلاََّ زََانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً قد ذكرنا معناه و أن الوجه فيه أن يكون منسوخا و حرّم ذلك أن ينكح الرجل زانية و المرأة زانيا.

و قرأ أبو زرعة (1) بن عمرو بن جرير ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدََاءَ (2) و فيه ثلاثة أوجه: يكون «شهداء» في موضع جرّ على النعت لأربعة، و يكون في موضع نصب بمعنى ثم لم يحضروا أربعة شهداء. و الوجه الثالث أن يكون حالا من النكرة. وَ لاََ تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهََادَةً أَبَداً وَ أُولََئِكَ هُمُ اَلْفََاسِقُونَ .

إِلاَّ اَلَّذِينَ تََابُوا في موضع نصب على الاستثناء، و يجوز أن يكون في موضع خفض على البدل. و المعنى: و لا تقبلوا لهم شهادة أبدا إلا الذين تابوا.

وَ اَلَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوََاجَهُمْ وَ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدََاءُ إِلاََّ أَنْفُسُهُمْ على البدل و النصب على الاستثناء و على خبر يكون فَشَهََادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهََادََاتٍ بِاللََّهِ (3) بالنصب قراءة أهل المدينة و أبي عمرو، و قراءة الكوفيين أَرْبَعُ شَهََادََاتٍ بِاللََّهِ (4) بالرفع على الابتداء، و الخبر: أي فشهادة أحدهم التي تزيل عنه حدّ القاذف أربع شهادات، كما تقول: صلاة الظهر أربع ركعات، و النصب لأن معنى شهادة أن شهد، فالتقدير: فعليهم أن يشهد أحدهم أربع شهادات، أو فالأمر أن يشهد أحدهم أربع شهادات.

وَ اَلْخََامِسَةُ رفع بالابتداء، و الخبر «أنّ» وصلتها و معنى المخفّفة كمعنى الثقيلة؛ لأن معناها أنه. و قرأ أبو عبد الرحمن و طلحة (و الخامسة أنّ) (5) بالنصب بمعنى و يشهد الشهادة الخامسة.

____________

(1) أبو زرعة بن عمرو بن جرير البجلي الكوفي، روى عن أبي هريرة، و هو من التابعين الثقات ترجمته في:

غاية النهاية 1/602.

(2) انظر مختصر ابن خالويه 100.

(3) انظر البحر المحيط 6/399، و كتاب السبعة لابن مجاهد 452.

(4) انظر البحر المحيط 6/399، و كتاب السبعة لابن مجاهد 452.

(5) انظر البحر المحيط 6/399، و معاني الفراء 2/247.

90

وَ لَوْ لاََ فَضْلُ اَللََّهِ عَلَيْكُمْ رفع بالابتداء عند سيبويه، و الخبر محذوف و لا يظهره العرب وَ رَحْمَتُهُ عطف عليه. وَ أَنَّ اَللََّهَ تَوََّابٌ حَكِيمٌ عطف عليه أيضا. و حذف جواب لو لا لأنه قد ذكر مثله بعد. قال اللّه: وَ لَوْ لاََ فَضْلُ اَللََّهِ عَلَيْكُمْ وَ رَحْمَتُهُ فِي اَلدُّنْيََا وَ اَلْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِيمََا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذََابٌ عَظِيمٌ

إِنَّ اَلَّذِينَ جََاؤُ بِالْإِفْكِ اسم إنّ. عُصْبَةٌ خبرها، و يجوز النصب في «عصبة» على الحال، و يكون الخبر لِكُلِّ اِمْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اِكْتَسَبَ مِنَ اَلْإِثْمِ و قرأ حميد الأعرج و يعقوب وَ اَلَّذِي تَوَلََّى كِبْرَهُ (1) بضم الكاف. قال الفراء (2) : و هو وجه جيد لأن العرب تقول:

فلان أولى عظم كذا و كذا أي أكثره. قال أبو جعفر: و الذي جاء به لا حجّة فيه لأنه قد يكون الشي‏ء بمعنى الشي‏ء، و الحركة فيها مختلفة. و الأشهر في كلام العرب في مثل هذا الكبر و الكبر في النسب و يقال: الولاء للكبر.

لَوْ لاََ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ اَلْمُؤْمِنُونَ وَ اَلْمُؤْمِنََاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً أي بإخوانهم. وَ قََالُوا هََذََا إِفْكٌ مُبِينٌ فأوجب اللّه جلّ و عزّ على المسلمين إذا سمعوا رجلا يقذف أحدا أو يذكره بقبيح لا يعرفونه به أن ينكروا عليه، و يكذّبوه، و تواعد من ترك ذلك و من نقله.

إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ و الأصل تتلقونه أي يأخذه بعضكم عن بعض، و يقبله بعضكم من بعض، و مثله‏ فَتَلَقََّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمََاتٍ [البقرة: 37]و عن عائشة رضي اللّه عنها أنها قرأت إِذْ تَلَقَّوْنَهُ (3) و إسناده صحيح، و لا يعرف له مخرج إلاّ من حديث ابن عمر الجمحي و المعنيان صحيحان لأنهم قد تلقّوه و و لقوه. و الأصل: تولقونه فحذفت الواو اتباعا ليلق، يقال: ولق يلق إذا أسرع في الكذب، و اشتقاقه من الولق، و هو الخفّة و السرعة.

____________

(1) انظر معاني الفراء 2/247، و البحر المحيط 6/402.

(2) انظر معاني الفراء 2/247.

(3) انظر مختصر ابن خالويه 100.

91

يَعِظُكُمُ اَللََّهُ أَنْ تَعُودُوا في موضع نصب.

فتواعدهم اللّه جلّ و عزّ على إرادة الفسق أي إذاعة الفاحشة في الذين آمنوا وَ اَللََّهُ يَعْلَمُ أي يعلم مقدار عظم هذا الذنب و المجازاة عليه، و يعلم كل شي‏ء.

هو من ذوات الواو و إن كان قد كتب بالياء. و روى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رحمه اللّه في قوله: وَ لَوْ لاََ فَضْلُ اَللََّهِ عَلَيْكُمْ وَ رَحْمَتُهُ مََا زَكى‏ََ مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً قال: ما اهتدى أحد من الخلائق لشي‏ء ينفع به نفسه أو ينفي به ما يدفعه عن نفسه.

وَ لاََ يَأْتَلِ أُولُوا اَلْفَضْلِ مِنْكُمْ حذفت الياء للجزم، قرأ يزيد بن القعقاع و زيد بن أسلم. و لا يتألّ أولوا الفضل (1) حذفت الألف للجزم. و المعنى واحد، كما تقول:

فلان يتكسّب و يكتسب.

من أحسن ما قيل في هذا أنه عام لجميع الناس القذفة من ذكر و أنثى، و التقدير:

الذين يرمون الأنفس المحصنات فدخل في هذا المذكّر و المؤنّث. و كذا: في الذين يرمون، إلاّ أنه غلّب المذكّر على المؤنّث.

و قرأ مجاهد يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اَللََّهُ دِينَهُمُ اَلْحَقَّ (2) يرفع الحقّ على أنه نعت للّه جلّ و عزّ. قال أبو عبيد: و لو لا كراهة خلاف الناس لكان الوجه الرفع، ليكون نعتا للّه جلّ

____________

(1) انظر البحر المحيط 6/404، و مختصر ابن خالويه 101.

(2) انظر البحر المحيط 6/405.

92

و عزّ، و يكون موافقا لقراءة أبيّ، و ذلك أن جرير بن حازم قال: رأيت في مصحف أبيّ ليوفيهم اللّه الحقّ دينهم (1) و هذا الكلام من أبي عبيد غير مرضيّ لأنه احتجّ لما هو مخالف للسواد الأعظم، و لا حجة فيه أيضا لأنه لو صحّ هذا أنّ في مصحف أبيّ كذلك جاز أن تكون القراءة: يومئذ يوفّيهم اللّه الحقّ دينهم يكون دينهم بدلا من الحق على أن قراءة العامة دِينَهُمُ اَلْحَقَّ يكون «الحقّ» نعتا لدينهم و المعنى حسن لأنّ اللّه جل و عز قد ذكر المسيئين فاعلم أنه يجازيهم بالحق، كما قال جلّ و عزّ: وَ هَلْ نُجََازِي إِلاَّ اَلْكَفُورَ [سبأ: 17]لأن مجازاة اللّه جلّ و عزّ للكافر و المسي‏ء بالحقّ و العدل، و مجازاته للمحسنين بالفضل و الإحسان.

اَلْخَبِيثََاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَ اَلْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثََاتِ قد ذكرنا فيه أقوالا: فمن أحسن ما قيل فيه:

أنّ المعنى الزناة للزناة على ما كان التعبّد مبرئا.

لاََ تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتََّى تَسْتَأْنِسُوا قال عكرمة: أي حتى تستأذنوا و حقيقته في اللّغة تستعملوا مشتقّ من آنست الشي‏ء أي استعملته. ذََلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ أي من الدخول بغير استئذان لما فيه من التّهمة لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ أي تنتبهون على ما لكم فيه الصّلاح.

قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصََارِهِمْ «من» هاهنا لبيان الجنس‏}و كذا يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصََارِهِنَّ

____________

(1) انظر البحر المحيط 6/405، و مختصر ابن خالويه 101.

93

و ظهر التضعيف في الثاني، لأن لام الفعل من الثاني ساكنة و من الأول متحركة و هما في موضع جزم جوابا. و التقدير عند المازني: قل للمؤمنين غضّوا يغضّوا وَ يَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ قال أبو العالية: أي حتى لا يراها أحد، و قال غيره: فحرّم اللّه على المسلمين أيضا أن يدخلوا حمّاما بغير مئزر، و أجمع المسلمون على أن السوأتين عورة من الرجل، و أن المرأة كلّها عورة إلاّ وجهها و يديها فإنّهم اختلفوا فيهما، و قال أكثر العلماء في الرجل: من سرته إلى ركبته عورة لا يجوز أن ترى. إِنَّ اَللََّهَ خَبِيرٌ بِمََا يَصْنَعُونَ اسم إن و خبرها. وَ لْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى‏ََ جُيُوبِهِنَّ و يجوز و ليضربن بكسر اللام و هو الأصل و حذفت الكسرة لثقلها. و يضربن في موضع جزم بالأمر إلاّ أنه مبنيّ على حال وحدة اتباعا للماضي عند سيبويه. و المعنى: و ليلصقن خمرهنّ و هنّ المقانع على جيوبهنّ لئلا تبدو صدورهنّ أو أعناقهنّ. و الصحيح من قراءة الكوفيين عَلى‏ََ جُيُوبِهِنَّ (1) كما يقرءون‏ بُيُوتاً و النحويون القدماء لا يجيزون هذه القراءة، و يقولون: بيت و بيوت كفلس و فلوس. و قال أبو إسحاق: هي تجوز على أن تبدل من الضمة كسرة. فأما ما روي عن حمزة من الجمع بين الضمّ و الكسر فمحال لا يقدر أحد أن ينطق به إلاّ على الإيماء إلى ما لا يجوز. أَوِ اَلتََّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي اَلْإِرْبَةِ و قرأ يزيد بن القعقاع و عاصم و ابن عامر أو التابعين غير (2) بنصب غير على الاستثناء. قال أبو حاتم: على الحال و الخفض على النعت، و إن كان الأول معرفة لأنه ليس بمقصود قصده، و إن شئت قلت: هو بدل و نظيره‏ غَيْرِ اَلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ [الفاتحة: 7]في الخفض و النصب جميعا أَوِ اَلطِّفْلِ بمعنى الأطفال، و الدليل على ذلك نعته بالذين اَلَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلى‏ََ عَوْرََاتِ و حكى الفراء أنّ لغة قيس «عورات» بفتح الواو، و هذا هو القياس لأنه ليس بنعت، كما تقول: جفنة و جفنات إلاّ أن التسكين أجود في عورات و ما أشبهه لأن الواو إذا تحرّكت و تحرّك ما قبلها قلبت ألفا، و لو فعل هذا لذهب المعنى و حكى الكسائي أَيُّهَا اَلْمُؤْمِنُونَ (3) بضم الهاء و هذه لغة شاذّة لا وجه لها لأن ها للتنبيه.

وَ أَنْكِحُوا اَلْأَيََامى‏ََ مِنْكُمْ جمع أيّم و الأيّم عند أهل اللغة من لا زوج لها كانت بكرا أم ثيّبا. حكى ذلك أبو عمرو بن العلاء و الكسائي و غيرهما. و ذلك بيّن في قوله جلّ و عزّ: وَ أَنْكِحُوا اَلْأَيََامى‏ََ مِنْكُمْ فلم يبح ثيّبا دون بكر. و حديث النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم «الأيّم أحقّ

____________

(1) انظر تيسير الداني 131، و البحر المحيط 6/413.

(2) انظر كتاب السبعة لابن مجاهد 455.

(3) و هذه قراءة ابن عامر، انظر البحر المحيط 6/414، و تيسير الداني 131.

94

بنفسها» (1) من هذا بعينه. و جمع أيّم أيامى و أيايم و إيام مثل جيّد و جياد، و جمع أمة في التكسير إماء و آم، و في النصب رأيت آميا و إموان مثل أخ و إخوان، لأن الأصل في أمة أموة و في المسلّم أموات. قال أبو جعفر: و سمعت علي بن سليمان يقول: حكى هشام أميات. قال: و هذا خطأ لأنها من ذوات الواو. و قرأ الحسن و الصّالحين من عبيدكم (2) و «عبيد» اسم للجمع، و ليس بجمع مستتبّ، و الجمع المستتبّ أعبد و عباد، و نظير عبيد في أنه اسم للجمع قولهم: معبوداء و عبدّى. قال الفراء (3) : و يجوز و الصالحين من عبادكم و إماءكم بالنصب يردّه على الصّالحين. إِنْ يَكُونُوا فُقَرََاءَ يُغْنِهِمُ اَللََّهُ مِنْ فَضْلِهِ شرط و جوابه. قيل: يغنهم بالتزويج و هذا صحيح في اللغة لأن فقيرا إنما يعرف بالإضافة فيقال: فقير إلى الطّعام، و فقير إلى اللباس، و فقير إلى التزويج.

وَ اَلَّذِينَ يَبْتَغُونَ اَلْكِتََابَ في موضع رفع بالابتداء و في موضع نصب عند الخليل و سيبويه على إضمار فعلا لأن بعده أمرا.

اَللََّهُ نُورُ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ مبتدأ و خبره. و تقديره: اللّه ذو نور السّموات و الأرض مثل‏ وَ سْئَلِ اَلْقَرْيَةَ [يوسف: 82]. مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكََاةٍ فِيهََا مِصْبََاحٌ مبتدأ و خبره أيضا.

و قد ذكرنا معناه، و قد روى شمر بن عطية (4) عن كعب في قول اللّه جلّ و عزّ مَثَلُ نُورِهِ

____________

(1) أخرجه الترمذي في سننه 5/25، و ابن ماجة في سننه باب 11 حديث 1870، و الدارمي في سننه 2/ 138، و مالك في الموطّأ باب 2 الحديث رقم 4.

(2) و هذه قراءة مجاهد أيضا، بالياء مكان الألف و فتح العين، انظر البحر المحيط 6/415، و مختصر ابن خالويه 102.

(3) انظر معاني الفراء 2/251.

(4) شمر بن عطية: روى عن أبي وائل و زرّ، و عنه الأعمش و قيس بن الربيع، و كان عثمانيا غاليا، ترجمته في ميزان الاعتدال 2/280.

95

قال: نوره محمد صلّى اللّه عليه و سلّم. قال أبو جعفر: لأن محمدا صلّى اللّه عليه و سلّم في تبيانه للناس بمنزلة النور الذي يضي‏ء لهم. قال كعب: كَمِشْكََاةٍ ، ككوّة فيها مصباح قال: اَلْمِصْبََاحُ قلب محمد صلّى اللّه عليه و سلّم فِي زُجََاجَةٍ قال: اَلزُّجََاجَةُ صدره كَأَنَّهََا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ لصدره ثم رجع إلى المصباح الذي هو في القلب فقال: يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبََارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لاََ شَرْقِيَّةٍ وَ لاََ غَرْبِيَّةٍ قال لم تصبها شمس المشرق و لا شمس المغرب. شَرْقِيَّةٍ نعت لزيتونة. وَ لاََ ليست تحول بين النعت و المنعوت وَ لاََ غَرْبِيَّةٍ عطف. يَكََادُ زَيْتُهََا يُضِي‏ءُ قال كعب:

يكاد محمد صلّى اللّه عليه و سلّم يستبين لمن يراه أنّه نبيّ و إن لم ينطق لما جعل عليه صلّى اللّه عليه و سلّم من الدلائل، كما يكاد هذا الزيت يضي‏ء و لو لم تمسّه نار. و قد قرئ دري (1) على أربعة أوجه:

قرأ الحسن و أهل الحرمين كَأَنَّهََا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ بضم الدال و تشديد الياء إلاّ أن سعيد ابن المسيّب قرأ هو و أبو رجاء العطارديّ و نصر بن عاصم و قتادة كَأَنَّهََا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ بفتح الدال و تشديد الياء و قرأ أبو عمرو و الكسائي كأنّها كوكب درء بكسر الدال و الهمز، و قرأ حمزة كأنّها كوكب درّي‏ء بضم الدال و الهمز. فهذه أربع قراءات، و حكى الفراء (2) أنّه يقال: درّي بكسر الدال و تشديد الياء بغير همز. قال أبو جعفر:

القراءة الأولى بيّنة نسب الكوكب إلى الدّرّ. فإن قال قائل: فالكوكب نورا من الدّرّ قيل له: إنما المعنى أنّ هذا الكوكب فضله على الكواكب كفضل الدّرّ على سائر الحبّ.

و القراءة الثانية بهذا المعنى فأبدل من الضمّة فتحة لأن النسب باب تغيير. و القراءة الثالثة أبي عمرو و الكسائي ضعّفها أبو عبيد تضعيفا شديدا لأنه تأولها من درأت أي دفعت أي كوكب يجري من الأفق إلى الأفق فإن كان التأويل على ما تأوّله لم يكن في الكلام فائدة و لا كان لهذا الكوكب مزيّة على أكثر الكواكب. أ لا ترى أنّه لا يقال: جاءني إنسان من بني آدم، و لا ينبغي أن يتأوّل لمثل أبي عمرو و الكسائي رحمهما اللّه مع محلّهما و جلالهما هذا التأويل البعيد، و لكن التأويل لهما على ما روي عن محمد بن يزيد أن معناهما في ذلك كوكب مندفع بالنور كما يقال: اندرأ الحريق، أي اندفع، و هذا تأويل صحيح لهذه القراءة. و حكى الأخفش سعيد بن مسعدة أنه يقال: درأ الكوكب بضوئه إذا امتدّ ضوءه و علا. فأما قراءة حمزة فأهل اللغة جميعا إلا أقلّهم يقولون: هي لحن لا يجوز لأنه ليس في كلام العرب اسم على فعّيل، و قد اعترض أبو عبيد في هذا فاحتج لحمزة فقال: ليس هو فعّل إنما هو فعّول مثل سبّوح أبدل من الواو ياء كما قالوا: عتيّ. قال أبو جعفر و هذا الاعتراض و الاحتجاج من أعظم الغلط و أشدّه

____________

(1) انظر القراءات جميعها في البحر المحيط 6/419، و معاني الفراء 2/252، و كتاب السبعة لابن مجاهد 455.

(2) انظر معاني الفراء 2/252.

96

لأن هذا لا يجوز البتّة، و لو جاز ما قال لقيل في سبّوح: سبّيح، و هذا لا يقوله أحد.

و ليس عتيّ من هذا، و الفرق بينهما واضح بيّن لأنه ليس يخلو عتيّ من إحدى جهتين:

إما أن يكون جمع عات فيكون البدل فيه لازما لأن الجمع باب تغيير و الواو لا تكون ظرفا في الأسماء و قبلها ضمة، فلما كان قبل هذه ساكن و قبل الساكن ضمة و الساكن ليس بحاجز حصين أبدل من الضم كسرة و قلبت الواو ياء، و إن كان عتى واحدا كان بالواو أولى و كان قبلها لأنها طرف و الواو في فعول ليست طرفا و لا يجوز قلبها. و من احتجّ لحمزة بشي‏ء مشبه قال: قد جاء مرّيق و هو فعّيل، و الحق في هذا أن مرّيقا عجميّ، و الذي حكى الفراء-من كسر الدال جائز على أن تبدل من الضمة كسرة.

يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبََارَكَةٍ قرئ على أربعة أوجه‏ (1) : قرأ الحسن و أبو عبد الرحمن السلمي و مجاهد و أبو جعفر و أبو عمرو بن العلاء توقّد من شجرة بفتح الدال يجعله فعلا ماضيا، و قرأ شيبة و نافع يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبََارَكَةٍ و هاتان القراءتان متقاربتان لأنهما جميعا للمصباح، و هو أشبه بهذا الوصف لأنه الذي يبين و يضي‏ء، و إنما الزجاجة وعاء له، فتوقّد فعل ماض من توقّد يتوقّد و يوقد فعل مستقبل من أوقد يوقد، و قرأ نصر ابن عاصم توقّد و الأصل على قراءته تتوقّد و حذف إحدى التاءين لأن الأخرى تدلّ عليها. و قرأ الكوفيون توقد (2) و هاتان القراءتان على تأنيث الزجاجة وَ لَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نََارٌ على تأنيث النار، و زعم أبو عبيد أنه لا يعرف إلاّ هذه القراءة. و حكى أبو حاتم أنّ السّديّ روى عن أبي مالك عن ابن عباس أنه قرأ و لو لم يمسسه نار (3) بالياء.

قال محمد بن يزيد: التذكير على أنه تأنيث غير حقيقي، و كذا سبيل الموات عنده.

فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اَللََّهُ أَنْ تُرْفَعَ قد ذكرناه‏ (4) . و قيل المعنى صلّوا في بيوت. و قرأ عاصم و عبد اللّه بن عامر يُسَبِّحُ لَهُ فِيهََا بِالْغُدُوِّ وَ اَلْآصََالِ (5) ، و كذا يروى عن الحسن، و قد ذكر سيبويه مثل هذا، و أنشد: [الطويل‏] 306-

ليبك يزيد ضارع لخصومة (6)

و التقدير: يسبّح له فيها رجال على إضمار هذا الفعل؛ لأنه لما قال: يسبّح دلّ

____________

(1) انظر البحر المحيط 6/420، و معاني الفراء 2/252، و كتاب السبعة لابن مجاهد.

(2) انظر كتاب السبعة لابن مجاهد.

(3) انظر البحر المحيط 6/420، و مختصر ابن خالويه 102.

(4) انظر إعراب الآية 30 من هذه السورة.

(5) انظر البحر المحيط 6/421، و كتاب السبعة لابن مجاهد 456.

(6) مرّ الشاهد رقم (132) .

97

على أن ثمّ مسبّحين و على هذا تقول: ضرب زيد عمرو. و لمّا أن قلت: ضرب زيد.

دلّ على أنّ له ضاربا فذكرته و أضمرت له فعلا.

وَ إِقََامِ اَلصَّلاََةِ و يقال: أقام الصلاة إقامة، و الأصل إقوامة فقلبت حركة الواو على القاف فانقلبت الواو ألفا و بعدها ألف و هما ساكنتان فحذفت إحداهما و أثبت الهاء لئلاّ تحذفها فيجحف فلما أضفت قام المضاف إليه مقام الهاء فجاز حذفها، فإن لم تضف لم يجز حذفها، ألا ترى أنك تقول: وعد عدة، فلا يجوز حذف الهاء لأنك قد حذفت واوا لأن الأصل وعدة فإن أضفت جاز حذف الهاء، و أنشد الفراء: [البسيط] 307-

إنّ الخليط أجدّوا البين فانجردوا # و أخلفوك عد الأمر الّذي وعدوا (1)

يريد عدة فحذف الهاء لمّا أضاف. يَخََافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ اَلْقُلُوبُ وَ اَلْأَبْصََارُ قد ذكرناه. و قيل: معناه تتقلّب قلوب الفجّار على النار، و قيل تتقلّب أي تنضج مرّة و تلفحها النار مرة.

وَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا ابتداء أَعْمََالُهُمْ ابتداء ثان، و يجوز أن يكون بدلا من الذين و يكون الخبر كَسَرََابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ اَلظَّمْآنُ مََاءً فإن خففت الهمزة قلت الظّمآن.

ظُلُمََاتٌ على إضمار مبتدأ و من قرأ ظلمات (2) جعلها بدلا من ظلمات الأولى، و يقال: «ظلمات» لخفّة الفتحة و «ظلمات» لنقل الضمة.

وَ مَنْ لَمْ يَجْعَلِ اَللََّهُ لَهُ نُوراً فَمََا لَهُ مِنْ نُورٍ . تأوّله أبو إسحاق على أنه في الدّنيا أي من لم يجعل اللّه له هداية إلى الإسلام لم يهتد، و تأوله غيره على أنه في الآخرة أي من لم يجعل اللّه له نورا في القيامة لم يهتد إلى الجنّة.

____________

(1) الشاهد للفضل بن عباس في شرح التصريح 2/396، و شرح شواهد الشافية 64، و لسان العرب (غلب) ، و (خلط) ، و المقاصد النحوية 4/572، و بلا نسبة في الأشباه و النظائر 5/241، و أوضح المسالك 4/407، و الخصائص 3/171، و شرح الأشموني 2/304، و شرح عمدة الحافظ 486، و لسان العرب (وعد) و (خلط) .

(2) انظر تيسير الداني 134، و البحر المحيط 6/424.

98

عطفا على «من» . قال أبو إسحاق: و يجوز «و الطير» بمعنى مع الطير، و لم يقرأ به. قال أبو جعفر: و سمعته يجيز قمت و زيدا، بمعنى مع زيد. قال: و هو أجود من الرفع. قال: فإن قلت: قمت أنا و زيد، كان الأجود الرفع، و يجوز النصب. كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاََتَهُ وَ تَسْبِيحَهُ يجوز أن يكون المعنى: كلّ قد علم اللّه صلاته و تسبيحه. و من هذه الجهة يجوز نصب كلّ عند البصريين و الكوفيين. قال أبو إسحاق: و الصلاة للناس و التسبيح لغيرهم و لهم، و يجوز أن يكون المعنى: كلّ قد علم صلاة نفسه و تسبيحه.

أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اَللََّهَ يُزْجِي سَحََاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ يقال: «بين» لا يقع إلاّ لاثنين فصاعدا فكيف جاء بينه؟فالجواب أن بينه هاهنا لجماعة السحاب، كما تقول: الشجر حسن، و قد جلست بينه. و فيه قول آخر: و هو، أن يكون السحاب واحدا فجاز أن يقال: بينه لأنه مشتمل على قطع كثيرة كما قال الشاعر: [الطويل‏] 308-

قفا نبك من ذكرى حبيب و منزل # بسقط اللّوى بين الدّخول فحومل‏ (1)

فأوقع بينا على الدخول و هو واحد لاشتماله على مواضع. هذا قول النحويين، إلا الأصمعي فإنه زعم أن هذا لا يجوز و كان يرويه «بين الدّخول و حومل» ، قرأ ابن عباس و الضحاك فَتَرَى اَلْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلاََلِهِ (2) و خلل: واحد خلال مثل جمل و جمال، و هو واحد يدلّ على جمع. وَ يُنَزِّلُ مِنَ اَلسَّمََاءِ مِنْ جِبََالٍ فِيهََا مِنْ بَرَدٍ من قال: إنّ المعنى من جبال برد فيها، فبرد عنده في موضع خفض هكذا يقول الفراء (3) ، كما تقول: الإنسان من لحم و دم، و الإنسان لحم و دم، و يجب أن يكون على قوله: المعنى من جبال برد فيها بتنوين الجبال، لأنه قال: الجبال هي البرد. فأما على قول البصريين

____________

(1) الشاهد لامرئ القيس في ديوانه 8، و الأزهيّة 244، و جمهرة اللغة 567، و الجنى الداني 63، و شرح شواهد الشافية ص 242، و شرح شواهد المغني 1/463، و لسان العرب (آ) ، و مجالس ثعلب 127، و همع الهوامع 2/129، و بلا نسبة في الإنصاف 2/656، و أوضح المسالك 3/359، و جمهرة اللغة 580، و الدرر 6/82، و رصف المباني 353، و شرح الأشموني 2/417، و شرح شافية ابن الحاجب 2/316.

(2) انظر البحر المحيط 6/426.

(3) انظر معاني الفراء 2/256.

99

فيكون من برد في موضع نصب، و يجوز الخفض كما تقول: مررت بخاتم حديدا و بخاتم حديد، الخفض على البدل و النصب عند سيبويه على الحال، و عند أبي العبّاس على البيان.

و من قال: المعنى من مقدار جبال فمن برد عنده في موضع نصب لا غير. قال الفراء (1) :

كما تقول عندي بيتان تبنا، و مثله عنده‏ أَوْ عَدْلُ ذََلِكَ صِيََاماً [المائدة: 95]. و من قال:

إنّ «من» زائدة فيهما فهما عنده في موضع نصب لا غير. و قرأ أبو جعفر: يَكََادُ سَنََا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصََارِ (2) بضم الياء، و زعم أبو حاتم أن هذا لحن، و هو قول أستاذه الأخفش يقول: دخل بالمدخل و لا يجيز هاهنا أدخل، و يزعم أن الباء تعاقب الألف، و هذا هو القول البين. فأما أن يكون خطأ لا يجوز و لا يحمل عليه فقد زعم جماعة أن الباء تزاد و احتجوا بقول اللّه جلّ و عزّ: وَ مَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحََادٍ بِظُلْمٍ [الحجّ: 25]و إن كان غير هذا القول أولى منه، و هو ما حكاه لنا علي بن سليمان عن محمد بن يزيد. قال: تكون الباء متعلقة بالمصدر إذ كان الفعل دالا عليه و مأخوذا منه فعلى هذا يكون التقدير ذهابه بالأبصار أو إذهابه و كذا: أدخل بالمدخل السّجن الدار، جائز على هذا.

يُقَلِّبُ اَللََّهُ اَللَّيْلَ وَ اَلنَّهََارَ مجاز أي يقلب هذا إلى هذا و هذا إلى هذا فإذا زال أحدهما و دخل الآخر كان بمنزلة ما قلب إليه.

وَ اَللََّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مََاءٍ قراءة المدنيين و أبي عمرو و عاصم و سائر الكوفيين يقرءون خالق كلّ دابّة (3) و المعنيان صحيحان. أخبر اللّه جلّ و عزّ بخبرين و لا ينبغي أن يقال في هذا أحد القراءتين أصحّ من الأخرى لأنهما يدلاّن على معنيين، و لكن إن قال قائل: «خلق» في هذا أكثر لأنه ليس بشي‏ء مخصوص، و إنما يقال: خالق على العموم، كما قال جلّ و عزّ: اَلْخََالِقُ اَلْبََارِئُ اَلْمُصَوِّرُ [الحشر: 24]و في الخصوص اَلْحَمْدُ لِلََّهِ اَلَّذِي خَلَقَ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضَ [الأنعام: 1]، و كذا هُوَ اَلَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وََاحِدَةٍ [الأعراف: 189]فكذا يجب وَ اَللََّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مََاءٍ . و الدابّة كلّ ما دبّ على الأرض من الحيوان يقال: دبّ، و هو داب، و الهاء للمبالغة. و قيل: يعني بالماء هاهنا المنيّ كما قال: مِنْ مََاءٍ دََافِقٍ [الطارق: 6]و قيل: لمّا كان خلق الأرض

____________

(1) انظر معاني الفراء 2/257.

(2) انظر البحر المحيط 6/470، يذهب بضمّ الياء.

(3) انظر كتاب السبعة لابن مجاهد 457.

100

من ماء جاء هذا هكذا. و قيل: أصل خلق النار و النور من الماء. فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى‏ََ بَطْنِهِ وَ مِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى‏ََ رِجْلَيْنِ وَ مِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى‏ََ أَرْبَعٍ و من مشى على أكثر من أربع فهو يمشي على أربع، و غلب ما يعقل لمّا اجتمع مع ما لا يعقل؛ لأنه المخاطب و المتعبّد.

مُذْعِنِينَ في موضع الحال.

أَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ اِرْتََابُوا فأنكر اللّه عليهم ذلك لما أظهر من البراهين فقال: بَلْ أُولََئِكَ هُمُ اَلظََّالِمُونَ .

و قرأ الحسن إِنَّمََا كََانَ قَوْلَ اَلْمُؤْمِنِينَ (1) جعله اسم كان و الخبر أَنْ يَقُولُوا .

قُلْ لاََ تُقْسِمُوا نهاهم عن الحلف لأنّ عزمهم كان على غير ذلك فهم آثمون إذا حلفوا. طََاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ على إضمار لتكن طاعة، و يجوز أن يكون المعنى: طاعة أولى بكم.

قال أبو إسحاق: يجوز طاعة بالنصب يعني على المصدر.

فَإِنْ تَوَلَّوْا في موضع جزم بالشرط، و الأصل تتولّوا فحذفت إحدى التاءين لدلالة الأخرى، و حذفت النون للجزم، و الجواب في الفاء و ما بعدها.

فكان في هذه الآية دلالة عن نبوّة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم لأن اللّه أنجز ذلك الوعد، و كان

____________

(1) قول: بالرفع، و هي قراءة عليّ و ابن أبي إسحاق أيضا، انظر البحر المحيط 6/429.

101

فيها دلالة على خلافة أبي بكر الصديق و عمر و عثمان و علي رضي اللّه عنهم؛ لأنه لم يستخلف أحدا ممّن خوطب بهذه الآية غيرهم؛ لأن هذه الآية نزلت قبل فتح مكة.

و عن النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم أنه قال: «الخلافة بعدي ثلاثون» (1) هذا للآية وَ لَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً و عاصم يقرأ: وَ لَيُبَدِّلَنَّهُمْ مخففا، و حكى محمد بن الجهم عن الفراء قال‏ (2) :

قرأ عاصم و الأعمش: وَ لَيُبَدِّلَنَّهُمْ مشددة، و هذا غلط على عاصم و قد ذكرنا بعده غلطا أشدّ منه، و هو أنه حكى عن سائر الناس التخفيف. قال أبو جعفر: زعم أحمد بن يحيى أن بين التخفيف و التثقيل فرقا و أنّه يقال: بدلته أي غيرته و أبدلته أنزلته، و جعلت غيره. قال أبو جعفر: و هذا القول صحيح، كما تقول: أبدل لي هذا الدرهم، أي أزله و أعطني غيره، و تقول: قد بدّلت بعدنا أي غيرت غير أنه قد يستعمل أحدهما في موضع الآخر، و الذي ذكر أكثر يَعْبُدُونَنِي في موضع نصب على الحال، و يجوز أن يكون مستأنفا في موضع رفع.

لاََ تَحْسَبَنَّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي اَلْأَرْضِ مفعولان، و قرأ حمزة لا يحسبنّ‏ (3)

الذين كفروا معجزين في الأرض (4) قال أبو جعفر: و ما علمت أحدا من أهل العربيّة و اللغة بصريا و لا كوفيّا و إلاّ و هو يحظر أن تقرأ هذه القراءة. فمنهم من يقول هي لحن لأنه لم يأت إلاّ بمفعول واحد ليحسبن، و ممن قال هذا أبو حاتم. و قال الفراء (5) : هو ضعيف و أجازه على ضعفه على أنه يحذف المفعول الأول. و المعنى عنده: لا يحسبنّ الذين كفروا إيّاهم معجزين في الأرض، و معناه لا يحسبنّ أنفسهم معجزين في الأرض.

و رأيت أبا إسحاق يذهب إلى هذا القول أعني قول الفراء و سمعت علي بن سليمان يقول في هذه القراءة: و يكون «الذي» في موضع نصب قال: و يكون المعنى: لا يحسبنّ الكافر الذين كفروا معجزين في الأرض.

____________

(1) أخرجه الترمذي في سننه 9/70، و أبو داود في سننه الحديث رقم (646) .

(2) انظر البحر المحيط 6/431، و كتاب السبعة لابن مجاهد 459.

(3) انظر معاني الفراء 2/258.

(4) انظر تيسير الداني 132، و هذه قراءة ابن عامر أيضا.

(5) انظر معاني الفراء 2/259.

102

و قرأ الحسن وَ اَلَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا اَلْحُلُمَ (1) بإسكان اللام لثقل الضمة. و قرأ المدنيون و أبو عمرو ثَلاََثُ عَوْرََاتٍ بالرفع، و قرأ الكوفيون (ثلاث عورات) (2) بالنصب، و القول في هذا قريب من القول في يحسبنّ. قال أبو حاتم: النصب ضعيف مردود. قال الفراء (3) : الرفع أحبّ إليّ. قال: و إنّما اخترت الرفع لأن المعنى هذه الخصال ثلاث عورات. و الرفع عند الكسائي بالابتداء، و الخبر عنده ما بعده. و لم يقل بالعائد، و قال نصا بالابتداء. قال: العورات الساعات التي تكون فيها العورة و الخلوة إلا أنه قرأ بالنصب و النصب فيه قولان: أحدهما أنه مردود على قوله: ثَلاََثَ مَرََّاتٍ و لهذا استبعده الفراء. قال أبو إسحاق: المعنى ليستأذنكم أوقات ثلاث عورات طَوََّافُونَ بمعنى هم طوافون. قال الفراء: كقولك في الكلام: إنّما هم خدمكم و طوافون عليكم. و أجاز الفراء (4) نصب طوافون لأنه نكرة و المضمر في عليكم معرفة، و لا يجيز البصريون أن يكون حالا من المضمر من الذين في «عليكم» و في «بعضكم» لاختلاف العاملين. لا يجوز مررت بزيد، و نزلت على عمرو العاقلين، على النعت لهما. بَعْضُكُمْ عَلى‏ََ بَعْضٍ للّه بإضمار فعل أي يطوف بعضكم على بعض كَذََلِكَ يُبَيِّنُ اَللََّهُ لَكُمُ اَلْآيََاتِ الكاف في موضع نصب أي يبيّن اللّه لكم آياته الدالّة على وحدانيته. تبيانا مثل ما بيّن لكم هذه الأشياء.

و قرأ الحسن الحلم (5) حذف الضمة لثقلها. فَلْيَسْتَأْذِنُوا أي فليستأذنوا في كلّ الأوقات، و لم يقل: فليستأذنوكم، و قال في الأول: لِيَسْتَأْذِنْكُمُ لأن الأطفال غير مخاطبين و لا متعبّدين...

وَ اَلْقَوََاعِدُ مِنَ اَلنِّسََاءِ جمع قاعد بحذف الهاء. و فيه ثلاثة أقوال: مذهب البصريين أنه على النسب، و مذهب الكوفيين أنه لمّا كان لا يقع إلاّ للمؤنّث لم يحتج فيه إلى الهاء، و القول الثالث أنه جاء بغير هاء تفريقا بينه و بين القاعدة بمعنى الجالسة فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنََاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيََابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجََاتٍ بِزِينَةٍ على الحال، أي لا يردن أن يظهرن زينتهنّ للرجال.

____________

(1) انظر البحر المحيط 6/433، و مختصر ابن خالويه 103.

(2) انظر كتاب السبعة لابن مجاهد 459.

(3) انظر معاني الفراء 2/260.

(4) انظر معاني الفراء 2/260.

(5) انظر البحر المحيط 6/433.