إعراب القرآن - ج3

- احمد بن محمد النحاس المزيد...
320 /
103

لَيْسَ عَلَى اَلْأَعْمى‏ََ حَرَجٌ اسم ليس و قد ذكرناه. و من حسن ما قيل فيه أنه في الجهاد. فأما معنى وَ لاََ عَلى‏ََ أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبََائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهََاتِكُمْ إلى آخر الآية. ففيه ثلاثة أقوال: منها أنه إنما يجوز ذلك بعد الإذن، و منها أنه قد كان علم أنهم لا يبخلون عليهم بهذا. و القول الثالث أن الآية منسوخة و أنّ هذا كان أول، فلمّا قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم: «إنّ دماءكم و أموالكم حرام إلاّ بإذن، و حرمة مال المسلم كحرمة دمه» (1) فوجب من هذا أنّه لا يحلّ لأحد شي‏ء من مال أحد إلاّ بإذن أو ما أجمع عليه المسلمون عند خوفه على هلاك نفسه. و قد قيل: إنّ الآية منسوخة بقوله جلّ و عزّ: يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لاََ تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتََّى تَسْتَأْنِسُوا وَ تُسَلِّمُوا عَلى‏ََ أَهْلِهََا [النور: 27]فإذا كان لا يدخل إلاّ بإذن فهو من الطعام أبعد، و قال جلّ و عزّ:

يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لاََ تَدْخُلُوا بُيُوتَ اَلنَّبِيِّ إِلاََّ أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلى‏ََ طَعََامٍ غَيْرَ نََاظِرِينَ إِنََاهُ [الأحزاب: 53]و لو لم يكن في نسخ الآية إلاّ الحديث الذي رواه مالك عن نافع عن ابن عمر عن النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم قال: «لا يحتلبنّ أحدكم ماشية أخيه إلاّ بإذنه أ يحبّ أحدكم أن يؤتى إلى مشربته فتفتح خزانته فيوخذ طعامه لكان كافيا» (2) . و قرأ قتادة مفتاحه (3)

و هي لغة و مفتح أكثر في كلام العرب يدلّك على ذلك جمعه على مفاتح. أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعاً نصب على الحال. تَحِيَّةً مصدر. قال أبو إسحاق: لأن معنى فَسَلِّمُوا فحيّوا، و أجاز الكسائي و الفراء رفع تحيّة بمعنى هي تحيّة مِنْ عِنْدِ اَللََّهِ لأن اللّه أمر بها مُبََارَكَةً طَيِّبَةً لأن سامعها يستطيب سمعها.

____________

(1) أخرجه أبو داود في سننه الحديث (4882) ، و ابن ماجة الحديث رقم (1931) .

(2) أخرجه مالك في الموطأ-الاستئذان باب 6، الحديث رقم (17) ، و الترمذي في سننه-البيوع 5/295، و ابن ماجة في سننه باب 68 الحديث (2302) . و البخاري في صحيحه 3/165، و مسلم في صحيحه كتاب اللقطة باب (2) رقم (13) .

(3) انظر مختصر ابن خالويه 103.

104

إِنَّمَا اَلْمُؤْمِنُونَ اَلَّذِينَ آمَنُوا بِاللََّهِ وَ رَسُولِهِ مبتدأ و خبره وَ إِذََا كََانُوا مَعَهُ عَلى‏ََ أَمْرٍ جََامِعٍ أي ما يحتاج فيه إلا الاجتماع من الحرب و غيرها لَمْ يَذْهَبُوا حَتََّى يَسْتَأْذِنُوهُ لأنه قد يحتاج إلى حضورهم.

لاََ تَجْعَلُوا دُعََاءَ اَلرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعََاءِ بَعْضِكُمْ الكاف في موضع نصب مفعول ثان. قَدْ يَعْلَمُ اَللََّهُ اَلَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوََاذاً مصدر، و يجوز أن يكون في موضع الحال أي ملاوذين. قال أبو إسحاق: أي مخالفين و حقيقته أنّ بعضهم يلوذ ببعض أي يستتر به لئلا يرى. يقال: لاوذ يلاوذ ملاوذة و لواذا، و لاذ يلوذ لوذا و لياذا تقلب الواو ياء لانكسار ما قبلها اتباعا للاذ في الاعتلال، فإذا كان مصدر فاعل لم يعلّ لأن فاعل لا يجوز أن يعلّ فَلْيَحْذَرِ اَلَّذِينَ يُخََالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ «أن» في موضع نصب بيحذر، و لا يجوز عند أكثر النحويين: حذر زيدا، و هو في أن جائز لأن حروف الخفض تحذف معها عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ مبتدأ و خبره.

105

25 شرح إعراب سورة الفرقان‏

بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ

تَبََارَكَ قد تكلّم أهل اللغة في معناه، فقال الفراء (1) : هي في العربية و تقدس واحد، و هما للعظمة، و قال أبو إسحاق؛ تفاعل من البركة. قال: و معنى البركة الكثرة من كل ذي خير، و قيل: تبارك تعالى، و قيل: المعنى تعالى عطاؤه أي زاد و كثر، و قيل: المعنى دام و ثبت أنعامه. و هذا أولاها في اللغة، و الاشتقاق من برك الشي‏ء إذا ثبت، و منه برك الجمل. فأما القول الأول فمخلّط لأن التقدير إنما هو من الطهارة، و ليس من ذا في شي‏ء اَلَّذِي نَزَّلَ اَلْفُرْقََانَ في موضع رفع بفعله. و الفرقان القرآن؛ لأنه فرق بين الحقّ و الباطل، و المؤمن و الكافر عَلى‏ََ عَبْدِهِ ليكون إليه، و يجوز أن يكون يعود على الفرقان. و يقال: أنذر إذا خوّف، و نذير على التكثير.

اَلَّذِي لَهُ مُلْكُ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ في موضع رفع نعتا أو بدلا من الذي قبله.

قال أبو إسحاق: فَقَدْ جََاؤُ ظُلْماً أي بظلم، و قال غيره فقد آتوا ظلما و زورا.

وَ قََالُوا أَسََاطِيرُ اَلْأَوَّلِينَ على إضمار مبتدأ أي و قالوا الذي أتيت به أساطير الأولين. قال أبو إسحاق؛ واحدها اسطورة مثل أحدوثة و أحاديث، و قال غيره: أساطير جمع أسطار مثل أقوال و أقاويل. و روي عن ابن عباس رحمه اللّه أن الذي قال هذا النّضر بن الحارث، و كذا كلّ ما كان في القرآن فيه ذكر الأساطير. قال محمد بن

____________

(1) انظر معاني الفراء 2/262.

106

إسحاق فكان مؤذيا للنبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم اِكْتَتَبَهََا فَهِيَ تُمْلى‏ََ عَلَيْهِ على لغة من قال: أملى، و من قال: أملّ قال تملّ عليه بُكْرَةً وَ أَصِيلاً .

وَ قََالُوا مََا لِهََذَا اَلرَّسُولِ قال أبو إسحاق: «ما» منفصلة. و المعنى أيّ شي‏ء لهذا الرسول في حال مشيه و أكله؟ لَوْ لاََ أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ أي هلاّ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً جواب الاستفهام.

أَوْ يُلْقى‏ََ في موضع رفع، و المعنى أو هلاّ يلقى إليه كنز أو هلاّ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهََا قراءة المدنيين و أبي عمرو و عاصم، و قرأ الكوفيون‏ نَأْكُلَ مِنْهََا (1)

بالنون. و القراءتان حسنتان تؤدّيان عن معنيين، و إن كانت القراءة بالياء أبين لأنه قد تقدّم ذكر النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم وحده فأن يعود الضمير إليه أبين.

اُنْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ اَلْأَمْثََالَ أي ضربوا لك هذه الأمثال ليتوصلوا إلى تكذيبك فَضَلُّوا عن سبيل الحقّ و عن بلوغ ما أرادوا فَلاََ يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً أي إلى تصحيح ما قالوا فيك.

تَبََارَكَ اَلَّذِي إِنْ شََاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِنْ ذََلِكَ شرط و مجازاة، و لم يدغم لأن الكلمتين منفصلتان، و يجوز الإدغام لاجتماع المثلين وَ يَجْعَلْ لَكَ قُصُوراً يكون في موضع جزم عطفا على موضع «جعل» ، و يجوز أن يكون في موضع رفع معطوفا على الأولين ثم يدغم، و أجاز الفراء (2) النصب على الصرف. و قرأ أهل الشام و يروى عن عاصم أيضا وَ يَجْعَلْ لَكَ قُصُوراً (3) بالرفع أي و سيجعل لك في الآخرة قصورا.

____________

(1) انظر كتاب السبعة لابن مجاهد 462، و البحر المحيط 6/443.

(2) انظر معاني الفراء 2/263.

(3) انظر كتاب السبعة لابن مجاهد، و البحر المحيط 6/444.

107

قال أبو إسحاق: ثُبُوراً نصبه على المصدر أي ثبرنا ثبورا، و قال غيره: هو مفعول به أي دعوا الثبور، كما يقال: يا عجباه أي هذا من أوقاتك فاحضر، و هذا أبلغ من تعجّبت.

أي بلاؤكم أعظم من أن تدعوا الثبور مرة واحدة و لكن يدعونه مرارا كثيرة، و لم يجمع الثبور لأنه مصدر.

كما حكى سيبويه‏ (1) عن العرب: الشّقاء أحبّ إليك أم السعادة؟و قد علم أن السعادة أحبّ إليه، و قيل: هذا للتنبيه، و قيل: المعنى: أذلك خير على غير تأويل من، كما يقال: عنده خير. و هذا قول حسن، كما قال: [الوافر] 309-

فشرّكما لخيركما الفداء (2)

و في الآية قول ثالث و هو أن الكوفيين يجيزون: العسل أحلى من الخل، و هذا قول مردود؛ لأنّ معنى: فلان خير من فلان، أنّه أكثر خيرا منه، و لا حلاوة في الخلّ و لا يجوز أن تقول: النصرانيّ خير من اليهوديّ؛ لأنه لا خير فيهما فيكون أحدهما أزيد في الخير من الآخر، و لكن يقال: اليهوديّ شرّ من النصرانيّ، فعلى هذا كلام العرب.

و قرأ الحسن و أبو جعفر أن نتّخذ (3) بضم النون. و قد تكلم في هذه القراءة النحويون، و أجمعوا على أن فتح النون أولى، فقال أبو عمرو بن العلاء و عيسى بن عمر لا يجوز (نتّخذ) قال أبو عمرو: لو كانت «نتّخذ» لحذفت (من) الثانية، فقلت: أن نتّخذ من دونك أولياء، و مثل أبي عمرو على جلالته و محلّه يستحسن منه هذا القول: لأنه جاء بعلّة بيّنة. و شرح ما قال إنه يقال: ما اتّخذت رجلا وليّا، فيجوز أن يقع هذا لواحد

____________

(1) انظر الكتاب 3/193.

(2) الشاهد لحسان بن ثابت في ديوانه 76، و خزانة الأدب 9/232، و شرح الأشموني 3/388، و لسان العرب (ندد) و (عرش) ، و تفسير الطبري 1/163.

(3) انظر البحر المحيط 6/448، و معاني الفراء 2/264.

108

بعينه ثم يقال: ما اتخذت من رجل وليّا، فيكون نفيا عاما، و قولك: وليّا تابع لما قبله فلا يجوز أن يدخل فيه من لأنه لا فائدة في ذلك، و حكى الفراء (1) عن العرب أنهم لا يقولون: ما رأيت عبد اللّه من رجل، غير أنه أبطل هذا، و ترك ما روى عن العرب، و أجاز ذلك من قبل نفسه فقال: و لو أرادوا ما رأيت من رجل عبد اللّه لجاز إدخال من تتأوّل القلب. قال أبو إسحاق: و هذا خطأ لا يجوز البتّة، و هو كما قال. ثم رجع الفراء فقال: و العرب إنما تدخل من في الأسماء و هذه مناقضة بيّنة و أجاز ذلك الكسائي أيضا، ثم قال: و هو قبيح. وَ لََكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَ آبََاءَهُمْ أي طالت أعمارهم بعد موت الرسل صلوات اللّه عليهم فنسوا و هلكوا.

فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمََا تَقُولُونَ تأوله أبو عبيد بمعنى فيما يقولون، و قال غيره: هذه مخاطبة للأنبياء صلّى اللّه عليهم و سلّم فما تستطيعون صرفا و لا نصرا. قيل: فما يستطيعون أن يصرفوا عن أنفسهم العذاب و لا أن ينصر بعضهم بعضا.

إذا دخلت اللام لم يكن في «إن» إلا الكسر، و لو لم تكن اللام ما جاز أيضا إلا الكسر لأنها مستأنفة. و هذا قول جميع النحويين إلا أنّ علي بن سليمان حكى لنا عن محمد بن يزيد أنه قال: يجوز الفتح في إنّ هذه و إن كان بعدها اللام، و أحسبه و هما منه. قال أبو إسحاق: المعنى: و ما أرسلنا قبلك رسلا إلاّ أنهم ليأكلون الطعام ثم حذف من لأنّ من تدلّ على المحذوف. و قال الفراء (2) : «من» محذوفة أي إلاّ أن منهم من ليأكلون الطّعام، و شبّهه بقوله: وَ مََا مِنََّا إِلاََّ لَهُ مَقََامٌ مَعْلُومٌ [الصافات: 164].

قال أبو إسحاق: هذا خطأ لأنّ من موصولة فلا يجوز حذفها. وَ جَعَلْنََا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً الفتنة في اللغة الاختبار، و في الحديث «الغنيّ للفقير فتنة و الفقير للغنيّ فتنة و القويّ للضعيف فتنة و الضعيف للقويّ فتنة» . و المعنى في هذا أن كلّ واحد منهما مختبر بصاحبه فالغنيّ مختبر بالفقير عليه أن يواسيه و لا يسخر منه، و الفقير ممتحن بالغنيّ عليه أن لا يحسده و أن لا يأخذ منه إلا ما أعطاه، و أن يصبر كلّ واحد منهما على الحقّ، كما قال الضحاك: في معنى أَ تَصْبِرُونَ أي على الحق. وَ كََانَ رَبُّكَ بَصِيراً أي بما تعملون أي فيما امتحنكم فيه.

____________

(1) انظر معاني الفراء 2/264.

(2) انظر معاني الفراء 2/264.

109

لا يجوز أن يكون يوم يرون منصوبا ببشرى لأن ما في خبر التعجّب أو في خبر النفي لا يعمل فيما قبله و لكن فيه تقديران: يكون المعنى: يمنعون البشارة يوم يرون الملائكة و دلّ على هذا الحذف ما بعده، و يجوز أن يكون التقدير لا بشرى تكون «يوم يرون الملائكة» و «يومئذ» مؤكد، و يجوز أن يكون المعنى اذكر يوم يرون الملائكة.

وَ يَقُولُونَ حِجْراً مصدر أي منعا و منه حجرت على فلان، و منه قيل حجرة.

أي لا ينتفع به أي أبطلناه. و ليس هباء من ذوات الهمزة و إنما همزت لالتقاء الساكنين، و التصغير هبيّ في موضع الرفع، و من النحويين من يقول: هبيّ في موضع الرفع.

أَصْحََابُ اَلْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا ابتداء و خبر، و قد ذكرنا مثله قبل هذا في أَ ذََلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ اَلْخُلْدِ [الفرقان: 15]و حكينا قول الكوفيين أنهم يجيزون: العسل أحلى من الخلّ. و ذكر الفراء (1) في هذه الآية ما هو أكثر من هذا، فزعم أنّ المعنى:

أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرّا من أهل النار، و ليس في مستقرّ أهل النار خير، فكأنه ردّ على نفسه، و سمعت علي بن سليمان يقول في هذا و يحكيه إنّ المعنى: لمّا كنتم تعملون عمل أهل النار صرتم كأنكم تقولون: إنّ في ذلك خيرا، و قيل خير مستقرّا مما أنتم فيه، و قيل: خير على غير معنى أفعل، و يكون مستقرّ ظرفا، و على ما مرّ يكون منصوبا على البيان.

وَ يَوْمَ تَشَقَّقُ اَلسَّمََاءُ بِالْغَمََامِ الأصل تتشقّق أدغمت التاء في الشين، و قرأ الكوفيون تَشَقَّقُ (2) حذفوا التاء لأن التاء الباقية تدلّ عليها.

اَلْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ اَلْحَقُّ لِلرَّحْمََنِ مبتدأ و خبر. و أجاز أبو إسحاق نصب الحقّ بمعنى أحقّ الحقّ أو أعني الحقّ. وَ كََانَ يَوْماً عَلَى اَلْكََافِرِينَ عَسِيراً الفعل منه عسر يعسر و عسر يعسر.

____________

(1) انظر معاني الفراء 2/266.

(2) انظر البحر المحيط 6/453.

110

وَ يَوْمَ يَعَضُّ اَلظََّالِمُ عَلى‏ََ يَدَيْهِ الماضي عضضت و حكى الكسائي عضضت بفتح الضاد الأولى. و جاء التوقيف عن أهل التفسير منهم ابن عباس و سعيد بن المسيّب أنّ الظالم هاهنا عقبة بن أبي معيط، و أن خليله أميّة بن خلف. فعقبة قتله عليّ بن أبي طالب رضي اللّه عنه و أميّة قتله النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم فكان هذا من دلائل النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم؛ لأنه خبّر عنهما بهذا فقتلا على الكفر و لم يسميا في الآية؛ لأنه أبلغ في الفائدة ليعلم أنّ هذه سبيل كل ظالم قبل من غيره في معصية اللّه جلّ و عزّ.

يََا وَيْلَتى‏ََ و قرأ الحسن يا ويلتي (1) بالياء. و القراءة الأولى أكثر في كلام العرب لأنهم يحذفون إذا قالوا: يا غلام أقبل؛ لأن النداء موضع حذف، و كان الأصمعي ينشد بيت زهير: [الطويل‏] 310-

تبصّر خليل هل ترى من ظعائن # تحمّلن بالعلياء من فوق جرثم‏ (2)

و ينكر رواية من روى «تبصر خليلي» لأنه كان يقصد الروايات الصّحاح الفصيحة، و لا يعرّج على الشاذّ، و كذا روى أهل اللغة: [البسيط] 311-

قالت هريرة لمّا جئت زائرها # ويلا عليك و ويلا منك يا رجل‏ (3)

اَلْقُرْآنَ نعت لهذا؛ لأن هذا ينعت بما فيه الألف و اللام و إن لم يكن جاريا على الفعل مَهْجُوراً مفعول ثان.

وَ كَذََلِكَ جَعَلْنََا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا الكاف في موضع نصب نعت لمصدر محذوف، }و كذا الكاف في كَذََلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤََادَكَ المعنى تثبيتا كذلك التثبيت، هذا على أن يكون التمام عند قوله جلّ و عزّ: جُمْلَةً وََاحِدَةً و إن كان التمام عند «كذلك» كان التقدير ترتيلا

____________

(1) انظر مختصر ابن خالويه 104، و البحر المحيط 6/454، و هي قراءة ابن قطيب أيضا.

(2) الشاهد لزهير بن أبي سلمى في ديوانه ص 9، و الدرر 1/103، و شرح شواهد المغني 1/384، و لسان العرب (علا) ، و بلا نسبة في شرح الأشموني 2/542، و همع الهوامع 1/37.

(3) مرّ الشاهد رقم (119) .

111

كذلك. و هذا لما لم يجد المشركون سبيلا إلى تكذيب النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم ببرهان و لا حجّة قالوا لَوْ لاََ نُزِّلَ عَلَيْهِ اَلْقُرْآنُ جُمْلَةً وََاحِدَةً فسألوا ما الصّلاح في غيره؛ لأن القرآن كان ينزّل مفرّقا جوابا عما يسألون عنه، و كان ذلك من علامات النبوة لأنهم لا يسألون عن شي‏ء إلاّ أجيبوا عنه. و هذا لا يكون إلاّ من نبيّ فكان ذلك تثبيتا لفؤاده و أفئدتهم، و يدلّ على هذا الجواب.

و لو نزل جملة لكان قد سبق الحوادث التي كانت ينزل فيها القرآن، و لو نزل جملة بما فيه من الفرائض لثقل ذلك عليهم علم اللّه جلّ و عزّ. إنّ الصلاح في إنزاله متفرّقا لأنهم ينبّهون به مرّة بعد مرّة و لو نزل جملة لزال معنى التنبيه، و فيه ناسخ و منسوخ فكانوا يعبّدون بالشي‏ء إلى وقت بعينه قد علم اللّه جلّ و عزّ فيه الصلاح ثم ينزل النسخ بعد ذلك فمحال أن ينزل جملة افعلوا كذا و كذا، و لا تفعلوا، و الأولى أن يكون التمام «جملة واحدة» ؛ لأنه إذا وقف على «كذلك» صار المعنى كالتوراة و الإنجيل و الزّبور، و لم يتقدّم لهما ذكر. قال أبو إسحاق: وَ رَتَّلْنََاهُ تَرْتِيلاً أي أنزلناه. قيل:

الترتيل و هو التمكّث و هو ضدّ العجلة.

اَلَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلى‏ََ وُجُوهِهِمْ إِلى‏ََ جَهَنَّمَ في موضع رفع الابتداء و خبره في الجملة.

و قد ذكرنا معناه المروي مرفوعا. و قد قيل: هو تمثيل، كما تقول: جاءني على وجهه، أي كارها.

وَ جَعَلْنََا مَعَهُ أَخََاهُ هََارُونَ على البدل. وَزِيراً مفعول ثان. و الوزير في اللغة المعاون الذي يلجأ إليه صاحبه مشتقّ من الوزر و هو الملجأ. قال اللّه جلّ و عزّ كَلاََّ لاََ وَزَرَ [القيامة: 11].

قال الفراء (1) : إنما أمر موسى صلّى اللّه عليه و سلّم بالذهاب وحده في المعنى، و هذا بمنزلة قوله:

نَسِيََا حُوتَهُمََا [الكهف: 61]، و بمنزلة قوله‏ يَخْرُجُ مِنْهُمَا اَللُّؤْلُؤُ وَ اَلْمَرْجََانُ [الرحمن: 22]و إنما يخرج من أحدهما. قال أبو جعفر: و هذا مما لا ينبغي أن يجترأ

____________

(1) انظر معاني الفراء 2/268.

112

به على كتاب اللّه جلّ و عزّ و قد قال جلّ ثناؤه‏ فَقُولاََ لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى‏ََ`قََالاََ رَبَّنََا إِنَّنََا نَخََافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنََا أَوْ أَنْ يَطْغى‏ََ [طه: 44، 45]و نظير هذا في قوله:

وَ مِنْ دُونِهِمََا جَنَّتََانِ [الرحمن: 62]، و قد قال جلّ ثناؤه‏ ثُمَّ أَرْسَلْنََا مُوسى‏ََ وَ أَخََاهُ هََارُونَ بِآيََاتِنََا [المؤمنون: 45].

وَ قَوْمَ نُوحٍ في نصبه أقوال: يكون معطوفا على المضمر في‏ فَدَمَّرْنََاهُمْ أو يكون بمعنى و اذكر، و يكون على إضمار فعل يفسّره ما بعده، و التقدير و أغرقنا قوم نوح.

فهذه ثلاثة أقوال، و زعم الفراء أنه منصوب بأغرقناهم، و هذا لا يحصل لأن أغرقنا ليس ممّا يتعدّى إلى مفعولين فيعمل في المضمر و في قوم نوح.

يكون هذا كلّه معطوفا على قوم نوح إذا كان قوم نوح منصوبا على العطف أو بمعنى و اذكر، و يجوز أن يكون هذا كلّه منصوبا على أنه معطوف على المضمر في وَ جَعَلْنََاهُمْ و هو أولى لأنه أقرب إليه.

وَ كُلاًّ ضَرَبْنََا لَهُ اَلْأَمْثََالَ قال أبو إسحاق: و أنذر كلاّ. قال: و التتبير التدمير، و منه قيل: لمتكسّر الزجاج تبر، و كذلك تبر الذهب.

قيل: هذا للكفار الذين كفروا بالنبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم لأنهم قد أتوا على مدائن قوم لوط عليه السلام، و علموا أنهم أهلكوا بكفرهم أَ فَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهََا بَلْ كََانُوا لاََ يَرْجُونَ نُشُوراً من ينكر الأضداد يقول: يرجون على بابه لأنهم إنّما كفروا بالآخرة على دفع منهم للحقّ ليس على يقين فهم لا يرجونها، و كان أبو إسحاق أحد من ينكر الأضداد، و قال:

المعنى: بل كانوا لا يرجون ثواب النشور فاجترؤوا على المعاصي.

وَ إِذََا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ جواب إِذََا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلاََّ هُزُواً لأن معناه يتّخذونك و قيل: الجواب محذوف لأن المعنى قالوا: أ هذا الذي بعث هو اَلَّذِي بَعَثَ اَللََّهُ رَسُولاً

113

و نصب رسول على الحال، و يجوز أن يكون مصدرا لأن معنى بعث أرسل. و معنى رسول رسالة على هذا.

أَ فَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً قيل معناه أ فأنت تجبره على ذلك.

أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ و لم يقل: أنّهم لأن منهم من قد علم أنه يؤمن و ذمّهم جلّ و عزّ بهذا أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ سماع قبول أو يفكّرون فيما تقوله فيعقلونه أي هم بمنزلة من لا يعقل و لا يسمع. و قيل: المعنى أنهم لمّا ينتفعوا بما يسمعون فكأنّهم لم يسمعوا. إِنْ هُمْ إِلاََّ كَالْأَنْعََامِ أي إنّهم لا يفهمون بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً لأنهم يكذّبون بما يسمعون من الصدق، و ليس كذا الأنعام.

أَ لَمْ تَرَ إِلى‏ََ رَبِّكَ حذفت الألف للجزم، و الأصل الهمز، و التخفيف لازم للمضارع من هذا لكثرة الاستعمال. و قد ذكرنا معنى الآية.

وَ هُوَ اَلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اَللَّيْلَ لِبََاساً مفعولان وَ اَلنَّوْمَ سُبََاتاً عطف و «سبات» بمعنى الراحة، و أعاد «جعل» توكيدا و لو كان و النهار نشورا لجاز في غير القرآن. قال الأخفش سعيد: واحد الأناسيّ إنسيّ. و كذا قال محمد بن يزيد، و هو أحد قولي الفراء (1) ، و له قول آخر و هو أن يكون واحد الأناسيّ إنسانا لم يبدل من النون ياء فيقول: أناسيّ و يجب على قوله أن يقول في جمع سرحان: سراحيّ. لا فرق بينهما، }و حكى أيضا وَ أَنََاسِيَّ كَثِيراً بالتخفيف.

وَ لَقَدْ صَرَّفْنََاهُ بَيْنَهُمْ و هو المطر كما قال عبد اللّه بن مسعود و عبد اللّه بن عباس:

____________

(1) انظر معاني الفراء 2/270.

114

ليس عام بأكثر مطرا من عام، و لكنّ اللّه يصرفه حيث يشاء. فَأَبى‏ََ أَكْثَرُ اَلنََّاسِ إِلاََّ كُفُوراً لا يعلم بين أهل التفسير اختلافا أنّ الكفر هاهنا قولهم: «مطرنا بنوء كذا و كذا» (1) و أن نظيره قول المنجّم: فعل النجم كذا و كذا، و أنّ كلّ من نسب إليها فعلا فهو كافر.

وَ هُوَ اَلَّذِي خَلَقَ مِنَ اَلْمََاءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَ صِهْراً للعلماء في هذا ثلاثة أقوال: فمن أجلها ما روي عن ابن عباس، قال: النسب سبع‏ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهََاتُكُمْ وَ بَنََاتُكُمْ وَ أَخَوََاتُكُمْ وَ عَمََّاتُكُمْ وَ خََالاََتُكُمْ وَ بَنََاتُ اَلْأَخِ وَ بَنََاتُ اَلْأُخْتِ [النساء: 23]و الصّهر السبع وَ أُمَّهََاتُكُمُ اَللاََّتِي أَرْضَعْنَكُمْ [النساء: 23]إلى آخر الآية. و شرح هذا أنّ السبع الأول من النسب فتقديره في العربية: فجعله ذا نسب و ذا صهر. و السبع الذين من الصهر أي ممن يقع فيهم الصهر لو لا ما حدث، و قال الضحاك: النسب الأقرباء، و الصهر ذوات الرضاع، و القول الثالث: أنّ النسب الذكر من الأولاد، و الصهر الإناث من الأولاد؛ لأنّ المصاهرة من جهتين تكون.

وَ كََانَ اَلْكََافِرُ عَلى‏ََ رَبِّهِ ظَهِيراً روي عن ابن عباس الكافر هاهنا أبو جهل و شيعته لأنه يستظهر بعبدة الأوثان على أولياء ربه. و قال عكرمة: الكافر إبليس ظهير على عداوة ربه، و قال مطر: الكافر هاهنا الشيطان.

مِنْ في موضع و نصب استثناء ليس من الأول. و التقدير: لكن من شاء أن ينفق ابتغاء مرضاة اللّه ليتّخذ إلى ثواب ربّه طريقا فليفعل.

ثُمَّ اِسْتَوى‏ََ عَلَى اَلْعَرْشِ اَلرَّحْمََنُ في رفعه ثلاثة أوجه يكون بدلا من المضمر الذي في استوى، و يجوز أن يكون مرفوعا بمعنى هو الرحمن، و يجوز أن يكون مرفوعا بالابتداء و خبره فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً . و يجوز الخفض بمعنى و توكّل على الحيّ الذي لا يموت الرّحمن، يكون نعتا، و يجوز النصب على المدح.

____________

(1) يشير إلى الحديث: «أصبح الناس بين مؤمن و كافر فمن قال مطرنا بنوء كذا و كذا فذلك كافر بي مؤمن بالكواكب» ، أخرجه مالك في الموطأ باب 3، الحديث رقم (6) .

115

هذه قراءة المدنيين و البصريين، و قرأ الأعمش و حمزة و الكسائي لما يأمرنا (1)

بالياء. و القراءة الأولى اختيار أبي عبيد، و تأوّل الثانية فيما نرى «أ نسجد لما يأمرنا الرحمن» ، قال: و لو أقرّوا بأنّ الرحمن أمرهم ما كانوا كفارا، و ليس يجب أن يتأوّل عن الكوفيين في قراءتهم بهذا التأويل البعيد، و لكن الأولى أن يكون التأويل لهم أ نسجد لما يأمرنا النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم فتصح القراءة على هذا، و إن كانت الأولى أبين و أقرب متناولا.

هذه قراءة المدنيين و البصريين و عاصم، و قرأ سائر الكوفيين سرجا (2) و القراءة الأولى أولى عند أبي عبيد، لأنه تأول أن السرج النّجوم، و أنّ البروج النجوم، و ليس يجب أن يتأوّل لهم هذا فيجي‏ء المعنى نجوما و نجوما، و لكن التأويل لهم أن أبان بن تغلب قال: السّرج النجوم الدراريّ فعلى هذا تصحّ القراءة و يكون مثل قوله جلّ و عزّ مَنْ كََانَ عَدُوًّا لِلََّهِ وَ مَلاََئِكَتِهِ وَ رُسُلِهِ وَ جِبْرِيلَ وَ مِيكََالَ [البقرة: 98]فأعيد ذكر النجوم النيّرة، و إن كانت القراءة الأولى أبين و أوضح تأويلا. قال ابن عباس: السراج الشمس و روى عصمة عن الأعمش وَ قَمَراً (3) بضم القاف و إسكان الميم. و هذه قراءة شاذة.

و لو لم يكن فيها إلا أن أحمد بن حنبل و هو إمام المسلمين في وقته قال: لا تكتبوا ما يحكيه عصمة الذي يروي القراءات. و قد أولع أبو حاتم السجستاني بذكر ما يرويه عصمة هذا.

وَ هُوَ اَلَّذِي جَعَلَ اَللَّيْلَ وَ اَلنَّهََارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرََادَ أَنْ يَذَّكَّرَ هذه قراءة المدنيين و أبي عمرو و عاصم على اختلاف عنه و الكسائي، و قرأ الأعمش و حمزة لِمَنْ أَرََادَ أَنْ يَذَّكَّرَ (4)

الأصل في «يذّكّر» يتذكّر ثم أدغمت التاء في الدال أي يتذكّر و يتفكّر في خلق اللّه، فإنّ الدلالة فيه بيّنة فهذه القراءة بيّنة و يذكر يجوز أن يتبيّن هذه الأشياء بذكره.

وَ عِبََادُ اَلرَّحْمََنِ رفع بالابتداء و قد أشكل على جماعة من النحويين هذا حتى قال

____________

(1) انظر البحر المحيط 6/466، و كتاب السبعة لابن مجاهد 466.

(2) انظر البحر المحيط 6/467.

(3) انظر البحر المحيط 6/468، و هي قراءة الحسن و النخعيّ.

(4) انظر البحر المحيط 6/468، و كتاب السبعة لابن مجاهد 466.

116

الأخفش: هو مبتدأ بلا خبر يذهب إلى أنه محذوف و رأيت أبا إسحاق قد جاء في هذا بما هو أولى من قول الأخفش هذا قال: «عباد» مرفوع بالابتداء و اَلَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى اَلْأَرْضِ هَوْناً من صفتهم «و الذين» الذي بعده عطف عليه و الخبر أُوْلََئِكَ يُجْزَوْنَ اَلْغُرْفَةَ [الفرقان: 75]قال: و يجوز أن يكون الخبر اَلَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى اَلْأَرْضِ قََالُوا سَلاََماً مصدر. و قد ذكرنا معناه.

إِنَّهََا سََاءَتْ مُسْتَقَرًّا قال أبو إسحاق: «مستقرا» منصوب على التمييز أي في المستقر سبيل التمييز أن يكون فيه معنى «من» فالمعنى: ساءت من المستقرات.

وَ اَلَّذِينَ إِذََا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَ لَمْ يَقْتُرُوا هذه قراءة الأعمش و حمزة و الكسائي و عاصم و يحيى بن وثاب على اختلاف عنهما و هي قراءة حسنة من قتر يقتر و هذا القياس في اللازم مثل قعد يقعد. و قرأ أبو عمرو لَمْ يَقْتُرُوا (1) و هي لغة معروفة حسنة، و قرأ أهل المدينة وَ لَمْ يَقْتُرُوا (2) و تعجّب أبو حاتم من قراءة أهل المدينة هذه لأن أهل المدينة عنده لا يقع في قراءتهم الشاذّ فانّما يقال: أقتر يقتر إذا افتقر، كما قال جلّ و عزّ وَ عَلَى اَلْمُقْتِرِ قَدَرُهُ [البقرة: 236]و تأوّل أبو حاتم لهم أنّ المسرف يفتقر سريعا، و هذا تأويل بعيد و لكن التأويل لهم أن أبا عمر الجرمي حكى عن الأصمعي أنه يقال للإنسان إذا ضيّق: قتر يقتر و يقتر و قتّر يقتّر و أقتر يقتر فعلى هذا تصحّ القراءة و إن كان فتح الياء أصحّ و أقرب متناولا و أشهر و أعرف. و من أحسن ما قيل في معناه ما حدّثناه الحسن بن غليب قال: حدّثني عمران بن أبي عمران قال: حدّثنا خلاّد بن سليمان الحضرمي. قال: حدّثني عمرو بن أبي لبيد عن أبي عبد الرحمن الحبلي في قوله جلّ و عزّ وَ اَلَّذِينَ إِذََا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَ لَمْ يَقْتُرُوا وَ كََانَ بَيْنَ ذََلِكَ قَوََاماً قال: من أنفق في غير طاعة اللّه فهو الإسراف و من أمسك عن طاعة اللّه فهو الإقتار، و من أنفق في طاعة اللّه فهو القوام. قال أبو إسحاق: تفسر هذه الآية على الحقيقة ما أدّب اللّه جلّ و عزّ به نبيّه صلّى اللّه عليه و سلّم فقال: وَ لاََ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى‏ََ عُنُقِكَ وَ لاََ تَبْسُطْهََا كُلَّ اَلْبَسْطِ [الإسراء: 29] وَ كََانَ بَيْنَ ذََلِكَ قَوََاماً خبر كان و اسم كان فيها مضمر دلّ عليه أنفقوا، و التقدير:

كان الإنفاق بين الإسراف و القتور عدلا. و للفراء قول آخر يجعل «بين» اسم كان و ينصبها. قال أبو جعفر: ما أدري ما وجه هذا لأن «بين» إذا كانت في موضع رفع رفعت كما يقال: بين عينيه أحمر فترفع بين.

____________

(1) انظر البحر المحيط 6/471، و كتاب السبعة لابن مجاهد 466.

(2) انظر البحر المحيط 6/471، و كتاب السبعة لابن مجاهد 466.

117

وَ مَنْ يَفْعَلْ ذََلِكَ يَلْقَ أَثََاماً شرط و مجازاة.

يُضََاعَفْ لَهُ اَلْعَذََابُ بدل من يلق قال سيبويه: لأن مضاعفة العذاب لقيّ الأنام، و قرأ عاصم يضاعف له العذاب يوم القيامة و يخلد فيها مهانا (1) بالرفع، و الجزم أولى لما ذكرنا. و في الرفع قولان: أحدهما أن يقطعه مما قبله، و الآخر أن يكون محمولا على المعنى، كأنّ قائلا قال: ما لقيّ الآثام؟فقيل: يضاعف له العذاب.

إِلاََّ مَنْ تََابَ في موضع نصب على الاستثناء. فَأُوْلََئِكَ يُبَدِّلُ اَللََّهُ سَيِّئََاتِهِمْ حَسَنََاتٍ مفعولان، و قد ذكرنا معناه. و من حسن ما قيل فيه أنه يكتب موضع كافر مؤمن، و موضع عاص مطيع.

فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اَللََّهِ مَتََاباً مصدر فيه معنى التوكيد.

صُمًّا وَ عُمْيََاناً على الحال.

قُرَّةَ أَعْيُنٍ لم يجمع لأنه مصدر، و لو جمع يراد به اختلاف الأجناس لجاز وَ اِجْعَلْنََا لِلْمُتَّقِينَ إِمََاماً واحد يدلّ على جمع.

وَ يُلَقَّوْنَ فِيهََا تَحِيَّةً وَ سَلاََماً هذه قراءة أهل المدينة و أهل البصرة و قرأ أهل الكوفة وَ يُلَقَّوْنَ فِيهََا (2) . قال الفراء (3) : و يلقون أعجب إليّ لأن القراءة لو كانت

____________

(1) انظر البحر المحيط 6/472، و كتاب السبعة لابن مجاهد 468.

(2) انظر البحر المحيط 6/474.

(3) انظر معاني الفراء 2/275.

118

«يلقّون» كانت في العربية بالباء. و هذا من الغلط أشدّ مما مرّ في السورة لأنه يزعم أنها لو كانت يلقّون كانت في العربية بتحية و سلام. و قال كما يقال: فلان يتلقّى بالسّلام و بالخير. فمن عجيب ما في هذا أنّه قال: يتلقّى، و الآية يلقّون، و الفرق بينهما بيّن لأنه يقال: فلان يتلقّى بالجنّة، و لا يجوز حذف الياء، فكيف يشبه هذا ذاك و أعجب من هذا أنّ في القرآن‏ وَ لَقََّاهُمْ نَضْرَةً وَ سُرُوراً [الإنسان: 11]لا يجوز أن يقرأ بغيره و هذا يبيّن أن الأولى خلاف ما قال.

خََالِدِينَ فِيهََا على الحال.

فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزََاماً و عن ابن عباس بإسناد صحيح أنه قرأ: فقد كذّب الكافرون فسوف يكون لزاما (1) و كذا روى شعبة عن إبراهيم التيمي عن أبي الزبير قال شعبة: و كذا في قراءة عبد اللّه بن مسعود. و هذه القراءة مخالفة للمصحف و ينبغي أن تحمل على التفسير؛ لأن معنى فَقَدْ كَذَّبْتُمْ أنّه يخاطب به الكفار، و هذه القراءة مع موافقتها للسواد أولى بسياق الكلام لأن اللّه جلّ و عزّ قال: قُلْ مََا يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي لَوْ لاََ دُعََاؤُكُمْ فهذه مخاطبة، و كذا فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزََاماً فهذا أولى من فقد كذّب الكافرون فسوف يكون لزاما و قد تكلم النحويون فيه، فمن حسن ما قيل فيه أنّ التقدير فسوف يكون التكذيب لأن كذبتم يدلّ على التكذيب، و حقيقته في العربية فسوف يكون جزاء التكذيب عذابا لزاما أي ذا لزام. و لزام و ملازمة واحد. و حكى أبو حاتم عن أبي زيد قال: سمعت قعنبا أبا السّمال ليقرأ: فَسَوْفَ يَكُونُ لِزََاماً (2) بفتح اللام. قال أبو جعفر: يكون مصدر لزم، و الكسر أولى مثل قتال و مقاتلة كما أجمعوا على الكسر في قوله جلّ و عزّ وَ لَوْ لاََ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكََانَ لِزََاماً وَ أَجَلٌ مُسَمًّى [طه: 129]و للفراء قول آخر (3) في اسم يكون قال: يكون فيها مجهول. و هذا غلط لأن المجهول لا يكون خبره إلا جملة، كما قال جلّ و عزّ: إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَ يَصْبِرْ [يوسف: 90]و كما حكى النحويون: كان زيد منطلق. يكون في كان مجهول، و يكون المبتدأ و خبر مخبر المجهول، و التقدير كان الحديث. فأما أن يقال: كان منطلقا و يكون في كان مجهول فلا يجوز عند أحد علمناه.

____________

(1) انظر البحر المحيط 6/475، و مختصر ابن خالويه 105.

(2) انظر البحر المحيط 6/475.

(3) انظر معاني الفراء 2/275.

119

26 شرح إعراب سورة الشّعراء

بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ

أبو جعفر: (1) حكى أبو عبيد أنّ أبا عمرو كان يفتح، و أنّ الكوفيين يكسرون، و أن المدنيين يقرءون بين الفتح و الكسر. و هذا مشروع في سورة «طه» و قرأ المدنيّون و أبو عمرو و عاصم و الكسائي طسم بإدغام النون في الميم، و القرّاء يقولون: بإخفاء النون، و قرأ الأعمش و حمزة طسين ميم بإظهار النون. قال أبو جعفر: للنون الساكنة و التنوين أربعة أقسام عند سيبويه‏ (2) : يبيّنان عند حروف الحلق، و يدغمان عند الراء و اللام و الميم و الواو و الياء، و يقلبان ميما عند الباء، و يكونان من الخياشيم أي لا يبينان، فعلى هذه الأربعة الأقسام التي نصّها سيبويه لا تجوز هذه القراءة؛ لأنه ليس هاهنا حرف من حروف الحلق فتبيّن النون عنده و لكن في ذلك وجه و هو أن حروف المعجم حكمها أن يوقف عليها فإذا وقف عليها تبيّنت النون. و حكى أبو إسحاق في كتابه «فيما يجرى و ما لا يجرى» (3) أنه يجوز أن يقول «طسين ميم» بفتح النون و ضم الميم، كما يقال: هذا معدي كرب يا هذا.

تِلْكَ آيََاتُ رفع على إضمار مبتدأ أي: هذه تلك آيات الكتاب المبين أي التي كنتم و عدتم بها لأنهم وعدوا في التوراة و الإنجيل بإنزال القرآن.

لَعَلَّكَ بََاخِعٌ نَفْسَكَ خبر لعلّ. أَلاََّ يَكُونُوا قال الفراء (4) : في موضع نصب لأنهما جزاء. قال أبو جعفر: و إنما يقال: إن مكسورة لأنها جزاء، كذا المتعارف. و القول في

____________

(1) انظر القراءات المختلفة في البحر المحيط 7/5.

(2) انظر الكتاب 4/587.

(3) انظر كتاب ما ينصرف و ما لا ينصرف ص 63.

(4) انظر معاني الفراء 2/275.

120

هذا ما قاله أبو إسحاق في كتابه «في القرآن» قال: «أن» في موضع نصب مفعول له، و المعنى: لعلّك قاتل نفسك لتركهم الإيمان.

إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ اَلسَّمََاءِ آيَةً شرط و مجازاة. فَظَلَّتْ معناه فتظلّ، لأن الماضي يأتي بمعنى المستقبل في المجازاة. و قد ذكرنا «خاضعين» و لم يقل: خاضعات بما يستغني عن الزيادة.

أصل الكرم في اللغة الشرف و الفضل، فنخلة كريمة أي فاضلة كثيرة الثمر، و رجل كريم فاضل شريف صفوح، قال الفراء: و الزوج اللون.

إِذْ في موضع نصب، و اتل عليهم إذ نادى ربك موسى، و يدل على هذا أن بعده‏ وَ اُتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرََاهِيمَ [الشعراء: 69] أَنِ اِئْتِ اَلْقَوْمَ اَلظََّالِمِينَ .

قَوْمَ فِرْعَوْنَ بدل. أَ لاََ يَتَّقُونَ لأنهم غيّب عن المخاطبة، و يجوز ألا تتّقون بمعنى قل لهم، و مثله‏ قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ [آل عمران: 12]بالتاء و الياء..

} وَ يَضِيقُ صَدْرِي وَ لاََ يَنْطَلِقُ لِسََانِي . قال الكسائي: القراءة بالرفع يعني في وَ يَضِيقُ صَدْرِي وَ لاََ يَنْطَلِقُ لِسََانِي من وجهين: أحدهما: الابتداء، و الآخر: بمعنى و إنّي يضيق صدري و لا ينطلق لساني يعني نسقا على «أخاف» . قال: و يقرأ بالنصب، و كلاهما وجه. قال أبو جعفر: الوجه الرفع؛ لأن النصب عطف على «يكذّبون» ، و هذا بعيد يدلّ على ذلك قوله: وَ اُحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسََانِي‏`يَفْقَهُوا قَوْلِي [طه: 27]فهذا يدلّ على أن هذا كذا.

قال أبو إسحاق: أَنْ أَرْسِلْ في موضع نصب، أي أرسلنا لأن ترسل معنا بني إسرائيل، فامتنّ عليه فرعون بالتربية.

121

قََالَ أَ لَمْ نُرَبِّكَ فِينََا وَلِيداً نصب على الحال. وَ لَبِثْتَ فِينََا و إن شئت أدغمت الثاء في التاء لقربها منها مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ و تحذف الضمّة لثقلها فيقال من عمرك، و حكى سيبويه‏ (1) فتح العين و إسكان الميم و منه لعمرك و لا يستعمل في القسم عنده إلاّ الفتح لخفّته. سِنِينَ على جمع التسليم، و قد يقال: لبثت سنينا يا هذا. يجعل الإعراب في النون.

تكون الجملة في موضع الحال أي قتلت النفس و هذه حالك، و يجوز أن يكون المعنى: و أنت السّاعة من الكافرين لنعمتي لأنك تطالبني أن أرسل معك بني إسرائيل.

قيل: معناه أي ضللت عن أن أعرف بأنّ تلك الضربة تقتل.

قال الأخفش: فقيل المعنى أو تلك نعمة و حذفت ألف الاستفهام. قال أبو جعفر: و هذا لا يجوز لأن ألف الاستفهام تحدث معنى و حذفها محال، إلاّ أن يكون في الكلام «أم» فيجوز حذفها في الشعر و لا أعلم بين النحويين في هذا اختلافا إلاّ شيئا قاله الفراء (2) قال: يجوز حذف ألف الاستفهام في أفعال الشكّ و حكى: ترى زيدا منطلقا بمعنى أ ترى. و كان عليّ بن سليمان يقول في مثل هذا: إنّما أخذه من ألفاظ العامة و كذا عنده: نعم زيدا إذا تقدّم ذكره إنما أخذه من ألفاظ العامة. و مذهب الفراء (3) في معنى وَ تِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهََا عَلَيَّ أنه على حذف. و أنّ المعنى هي لعمري نعمة إن مننت عليّ فلم تستعبدني و استعبدت بني إسرائيل أي: إنّما صارت لأنك استعبدت بني إسرائيل. و قول الضحاك: أنّ المعنى أنك تمنّ عليّ بما لا يجب أن تمنّ به أي يكون هذا على التّبكيت له و التبكيت يكون بغير استفهام و باستفهام، و يجوز أن يكون هذا مثل وَ مََا أَصََابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ [النساء: 79]و يكون تبكيتا أيضا، و قول رابع في الآيتين جميعا: أن يكون القول محذوفا «إن عبّدت» في موضع رفع على البدل من نعمة، و يجوز أن يكون أن في موضع نصب بمعنى لأن عبّدت بني إسرائيل.

____________

(1) انظر الكتاب 1/386.

(2) انظر معاني القرآن للفراء 2/394.

(3) انظر معاني الفراء 2/279.

122

قََالَ فِرْعَوْنُ وَ مََا رَبُّ اَلْعََالَمِينَ فأجابه موسى صلّى اللّه عليه و سلّم‏} فـ قََالَ رَبُّ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ وَ مََا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ أي إذا نظرتم إلى السموات و الأرض و ما فيهما من الآيات و الحوادث علمتم و أيقنتم أنّ لهما صانعا و مدبّرا.

عليهم من الأول و أدنى إلى أفهامهم من الأول.

فخاطب موسى صلّى اللّه عليه و سلّم الجماعة بما هو أقرب.

فجاء بدليل يفهمونه عنه لأنهم يعلمون أنهم قد كان لهم آباء، و أنهم قد فنوا، و أنهم لا بدّ لهم من مفن، و أنهم قد كانوا بعد أن لم يكونوا و أنهم لا بد لهم من مكوّن.

قََالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ اَلَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ فأجابه موسى صلّى اللّه عليه و سلّم عن هذا} بأن قََالَ رَبُّ اَلْمَشْرِقِ وَ اَلْمَغْرِبِ ليس ملكه كملكك لأنك إنما تملك بلدا واحدا لا يجوز أمرك في غيره و يميت من لا تحبّ أن يموت، و الذي أرسلني يملك المشرق و المغرب و ما بينهما إن كنتم تعقلون فستتبيّنون ما قلت.

قََالَ لَئِنِ اِتَّخَذْتَ إِلََهَاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ اَلْمَسْجُونِينَ فرفق به موسى صلّى اللّه عليه و سلّم‏} فـ قََالَ أَ وَ لَوْ جِئْتُكَ بِشَيْ‏ءٍ مُبِينٍ أي أ تجعلني من المسجونين و لو جئتك بشي‏ء تتبيّن به صدق ما جئت به.

فلم يحتج الشرط إلى جواب عند سيبويه لأن ما تقدّم يكفي منه.

قََالُوا أَرْجِهْ وَ أَخََاهُ قال أبو إسحاق: أي أخّره عن وقتك و أخّر استتمام مناظرته‏

123

حتى تجتمع كل السحرة أرجئه بإثبات الهمزة في الإدراج، و يجوز حذفها و إثبات الكسرة، و في الإدراج يجوز حذفها، و إثبات الضمة بالهمزة و ضمّ الهاء بغير واو.

و يجوز إثبات الواو على بعد. و إنما بعد؛ لأن الهمزة ساكنة و الواو ساكنة و الحاجز بينهما ضعيف و الواو في الأصل و الياء على البدل منه و حذفهما؛ لأن قبلهما ما يدلّ عليهما، و أنهما زائدتان.

و من قرأ أَ إِنَّ لَنََا لَأَجْراً بغير استفهام جعل معناه إنّك ممن يحبّنا و يبرّنا.

أي الّذين كان يقال لهم سحرة و ذكروا بهذا الاسم ليدلّ على أنهم المذكورون قبل.

إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ اَلَّذِي عَلَّمَكُمُ اَلسِّحْرَ تمويه من فرعون و طغيان و عدوان أظهر أنّ السحرة واطئوا موسى عليه السلام على ما كان، و أنّ موسى هو الذين علّمهم السحر.

قََالُوا لاََ ضَيْرَ من ضار يضير. و يقال: ضار يضور بمعنى ضرّ يضرّ ضرّا و ضررا.

أَنْ في موضع نصب و المعنى لأن كنا، و أجاز الفراء (1) كسرها على أن يكون مجازاة.

وَ أَوْحَيْنََا إِلى‏ََ مُوسى‏ََ أَنْ أَسْرِ بِعِبََادِي من أسرى يسري و يجوز أن أسر من سرى يسري لغتان فصيحتان.

لام توكيد تدخل كثيرا في خبر إن إلاّ أن الكوفيين لا يجيزون: إن زيدا لسوف يقوم. و الدليل على أنه جائز فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ [الشعراء: 49]فهذه لام التوكيد

____________

(1) انظر معاني الفراء 2/280.

124

بعينها قد دخلت على سوف قَلِيلُونَ جمع مسلّم كما يقال: أحدون.

من غاظ يغيظ و هي اللغة الفصيحة.

قراءة المدنيين و أبي عمرو، و قراءة الكوفيين حََاذِرُونَ (1) ، و هي معروفة عن عبد اللّه بن مسعود و ابن عباس حادرون (2) بالدال غير معجمة، قراءة ابن أبي عمار.

قال أبو جعفر: أبو عبيدة يذهب إلى أن معنى حذرين و حاذرين واحد، و هو قول سيبويه. و أجاز: هو حذر زيدا، كما يقال: حاذر زيدا، و أنشد: [الكامل‏] 312-

حذر أمورا لا تضير و آمن # ما ليس منجيه من الأقدار (3)

قال أبو جعفر: حدّثني علي بن سليمان قال: حدّثنا محمد بن يزيد قال: سمعت أبا عثمان المازني يقول: قال أبو عثمان اللاّحقي: لقيني سيبويه فقال: أتعرف بيتا فيه فعل ناصبا؟فلم أحفظ فيه شيئا و فكّرت فعملت له فيه هذا البيت، و زعم أبو عمر الجرمي أنه يجوز هو حذر زيدا، على حذف «من» . فأما أكثر النحويين فيفرقون بين حذر و حاذر منهم الكسائي و الفراء و محمد بن يزيد، و يذهبون إلى أنّ معنى حذر في خلقته الحذر أي منتبه متيقّظ فإذا كان هكذا لم يتعدّ، و معنى حاذر مستعد و بهذا جاء التفسير عن المتقدّمين. قال عبد اللّه بن مسعود في قول اللّه جلّ و عزّ: حََاذِرُونَ قال: مؤدّون في الكراع و السلاح مقوون فهذا ذاك بعينه، و قوله: مؤدّون معناه معهم أداة، و قيل: المعنى معنا سلاح و ليس معهم سلاح يحرّضون على القتال. فأما «حادرون» فمعنا مشتقّ من قولهم: عين حدرة أي ممتلئة أي نحن ممتلئون غيظا عليهم.

كَذََلِكَ في موضع رفع و المعنى الأمر كذلك أي الأمر كما أخبرناكم من خبرهم.

فَلَمََّا تَرََاءَا هكذا الوقف كما تقول: تجافى القوم، و تراخى إخوتك. لم تقف عليه فتقول: تجافى و تراخى، و من وقف فقال: تراءى فقد حذف لام الفعل، و غلط من اعتلّ أنه فعل متقدّم غلطا قبيحا، و ذلك أن العلّة في قولنا: تراءى أنه مثل تداعى

____________

(1) انظر البحر المحيط 6/17.

(2) انظر مختصر ابن خالويه 106، و البحر المحيط 6/18.

(3) مرّ: الشاهد رقم (121) .

125

و تجافى-كما قلنا، و لو كان متأخّرا لقيل: ترآيا فإن وصلت حذفت لالتقاء الساكنين فقلت: تراءى الجمعان. و قرأ الأعرج و عبيد بن عمير قََالَ أَصْحََابُ مُوسى‏ََ إِنََّا لَمُدْرَكُونَ (1) . قال الفراء (2) : حفر و احتفر بمعنى واحد، و كذلك لمدركون و لمدّركون بمعنى واحد. قال أبو جعفر: و ليس كذا يقول النحويون الحذاق، إنما يقولون مدركون ملحوقون، و مدّركون مجتهد في لحاقهم، كما يقال: كسبت بمعنى أصبت و ظفرت، و اكتسبت بمعنى اجتهدت و طلبت. و هذا معنى قول سيبويه.

على تخفيف الهمزة الثانية، و هو أحسن الوجوه لأنهم قد أجمعوا جميعا على تخفيف الثانية إذا كانتا في كلمة واحدة، نحو آدم، و إن شئت حققتهما فقلت: «نبأ إبراهيم» و إن شئت خفّفتهما فقلت «نبأ إبراهيم» ، و إن شئت خففت الأولى فقلت «نبأ إبراهيم» . و ثمّ وجه خامس إلاّ أنه بعيد في العربية، بعد لأنه جمع بين همزتين كأنهما في كلمة واحدة و حسن في فعال لأنه لا يأتي إلاّ مدغما.

فَنَظَلُّ لَهََا عََاكِفِينَ خبر نظل.

قََالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ قال الأخفش: فيه حذف، و المعنى: هل يسمعون منكم أو هل يسمعون دعاءكم فحذف كما قال: [البسط] 313-

القائد الخيل منكوبا دوابرها # قد أحكمت حكمات القدّ و الأبقا (3)

قال: و الأبق الكتان فحذف. و المعنى: و قد أحكمت حكمات الأبق. و روي عن قتادة أنه قرأ قََالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ (4) بضمّ الياء أي هل يسمعونكم أصواتهم. إِذْ تَدْعُونَ و إن شئت أدغمت الذال في التاء.

معطوف على يسمعونكم.

____________

(1) انظر البحر المحيط 7/19، و مختصر ابن خالويه 107.

(2) انظر معاني الفراء 2/280.

(3) الشاهد لزهير بن أبي سلمى في ديوانه ص 49، و لسان العرب (أبق) و (حكم) ، و تهذيب اللغة 4/114، و جمهرة اللغة 1026، و تاج العروس (حكم) ، و مجمل اللغة 1/159، و مقاييس اللغة 1/39، و ديوان الأدب 2/329، و أساس البلاغة (حكم) ، و بلا نسبة في لسان العرب (حكم) ، و المخصّص 4/71، و ديوان الأدب 2/133، و كتاب العين (حكم) .

(4) انظر مختصر ابن خالويه 107.

126

فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي واحد يؤدّي عن جماعة، و كذلك يقال للمرأة: هي عدوّ اللّه و عدوّة اللّه، حكاهما الفراء. قال أبو جعفر: و سألت علي بن سليمان عن العلّة فيه، فقال من قال: عدوّة فأثبت الهاء قال: هي بمعنى معادية. و من قال عدوّ للمؤنّث، و الجمع جعله بمعنى النسب. إِلاََّ رَبَّ اَلْعََالَمِينَ قال أبو إسحاق: قال النحويون: هو استثناء ليس من الأول، و أجاز أبو إسحاق أن يكون من الأول على أنهم كانوا يعبدون اللّه جلّ و عزّ و يعبدون معه الأصنام، و تأوله الفراء (1) على الأصنام وحدها، و المعنى عنده فإنّهم لو عبدتهم عدوّ لي إلاّ ربّ العالمين أي عدوّ لي يوم القيامة.

يَهْدِينِ } وَ يَسْقِينِ : بغير ياء لأن الحذف في رؤوس الآيات حسن لتتّفق كلّها.

و قد قرأ ابن أبي إسحاق على جلالته و محلّه من العربية هذه كلّها بالياء لأن الياء اسم و إنما دخلت النون لعلّة.

و قرأ الحسن: الذي أطمع أن يغفر لي خطاياي يوم الدين و قال ليست خطيئة واحدة. قال أبو جعفر: و خطيئة بمعنى خطايا معروف في كلام العرب، و قد أجمعوا جميعا على التوحيد في قوّته جلّ و عزّ فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ [الملك: 11]و معناه بذنوبهم، و كذا فَأَقِيمُوا اَلصَّلاََةَ* [النساء: 103]و معناه الصلوات فكذا خَطِيئَتِي إن كانت خطايا، و اللّه أعلم.

فَكُبْكِبُوا فِيهََا قيل الضمير يعود على الأصنام و قد جرى الإخبار عنهم بالتذكير، لأنهم أنزلوهم منزلة ما يعقل. هُمْ وَ اَلْغََاوُونَ الذين عبدوهم، «و الغاوون» الخائبون من رحمة اللّه جلّ و عزّ.

الذين دعوهم إلى عبادة الأصنام و ساعدوا إبليس على ما يريد فهم جنوده.

____________

(1) انظر معاني الفراء 2/281.

127

رفع بفعلهم، و المجرمون: الذين دعوهم إلى عبادة الأصنام.

في موضع رفع لأن المعنى: فما لنا شافعون.

و يجوز وَ لاََ صَدِيقٍ حَمِيمٍ بالرفع يكون عطفا على الموضع: لأن المعنى فما لنا شافعون و لا صديق حميم. و جمع صديق أصدقاء، و صدقاء و صداق. و لا يقال:

صدق، للفرق بين النعت و بين غيره، و حكى الكوفيون أنه يقال في جمعه صدقان.

و هذا بعيد لأن هذا جمع ما ليس بنعت نحو رغيف و رغفان، و حكوا أيضا صديق و أ صادق، و أفاعل إنما هو جمع أفعل إذا لم يكن نعتا، نحو أشجع و أشاجع. و يقال:

صديق للجماعة و للمرأة، و جمع حميم أحمّاء و أحمّة، و كرهوا أفعلاء للتضعيف.

أنّ في موضع رفع و المعنى: فلو وقع لنا رجوع إلى الحياة لآمنّا.

كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ على تأنيث الجماعة.

اَلْأَرْذَلُونَ جمع الأرذل و المكسر أراذل و الأنثى الرّذلى و الجمع رذل، و لا يجوز حذف الألف و اللام في شي‏ء من هذا عند أحد من النحويين علمناه، و منعوا جميعا سقطت له ثنّيتان علييان لا سفليان.

اَلْفُلْكِ زعم سيبويه أنه جمع فلك كأسد و أسد، و قيل: فلك و فلك بمعنى واحد.

قال محمد بن يزيد رِيعٍ جمع ريعة.

فذمّوا على أن اتّخذوا ما لا يحتاجون إليه و وبخوا بقوله: لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ أي لستم تخلدون فلم تبنون ما تموتون و تتركونه؟

128

قراءة شيبة و نافع و عاصم و الأعمش و حمزة، و قرأ أبو عمرو و أبو جعفر و الحسن إِنْ هََذََا إِلاََّ خُلُقُ اَلْأَوَّلِينَ (1) بفتح الخاء. فالقراءة الأولى عند الفراء بمعنى عادة الأولين. قال أبو جعفر: و حكى لنا محمد بن الوليد عن محمد بن يزيد قال: خلق الأولين مذهبهم، و ما جرى عليه أمرهم. و القولان متقاربان من هذا الحديث عن النبي صلّى اللّه عليه و سلّم: «أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا» (2) أي أحسنهم مذهبا و عادة و ما يجري عليه الأمر في طاعة اللّه جلّ و عزّ، و لا يجوز أن يكون من كان حسن الخلق فاجرا فاضلا، و لا أن يكون أكمل إيمانا من السيئ الخلق الذي ليس بفاجر. قال أبو جعفر: و حكي لنا عن محمد بن يزيد أنّ معنى «خلق الأولين» تكذيبهم و تخرّصهم غير أنه كان يميل إلى القراءة الأولى لأن فيها مدح آبائهم، و أكثر ما جاء القرآن في صفتهم مدحهم لآبائهم و قولهم: إِنََّا وَجَدْنََا آبََاءَنََا عَلى‏ََ أُمَّةٍ* [الزخرف: 22].

وَ نَخْلٍ طَلْعُهََا هَضِيمٌ الجملة في موضع خفض نعت لنخل. و أحسن ما قيل في معناه ما رواه الدّراوردي عن ابن أخي الزّهري عن عمه في قوله جلّ و عزّ: طَلْعُهََا هَضِيمٌ قال: الرّخص اللطيف أول ما يطلع، و هو الطلع النضيد لأن بعضه فوق بعض.

وَ تَنْحِتُونَ مِنَ اَلْجِبََالِ و يقال: تنحتون لأنه فيه حرفا من حروف الحلق. بيوتا فرهين (3) قراءة المدنيين و البصريين، و قرأ أبو صالح و الكوفيون فََارِهِينَ و قد اختلف العلماء في معناهما ففرق بينهما بعضهم و جعلهما بمعنى واحد. فقال أبو صالح و معاوية بن قرّة و منصور بن المعتمر و الضحاك بن مزاحم؛ فارهون حاذقون. قال مجاهد: «فرهون» أشرون بطرون. قال أبو جعفر: فهذا تفريق بين معنيين، يكون «فارهون» من فره إذا كان حاذقا نشيطا، و «فرهون» بمعنى فرحين فأبدل من الحاء هاء.

و قد روى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس و ينحتون من الجبال بيوتا فرهين قال:

____________

(1) انظر معاني الفراء 2/281، و البحر المحيط 7/32، و هذه قراءة عبد اللّه و علقمة و ابن كثير و الكسائي أيضا.

(2) أخرجه أحمد في مسنده 2/250، و أبو داود في سننه (4682) ، و الدارمي في سننه 2/323، و الحاكم في المستدرك 1/3، و أبو نعيم في حلية الأولياء 9/248 و الزبيدي في إتحاف السادة المتقين 5/355.

(3) انظر كتاب السبعة لابن مجاهد 472، و البحر المحيط 7/34.

129

حاذقين. قال: فهذا بمعنى فارهين إن كان محفوظا عن ابن عباس و ممن ذهب إلى أنّ فارهين و فرهين بمعنى واحد أبو عبيدة و قطرب. و حكى قطرب: فره يفره فهو فاره و فرع يفره فهو فره و فاره إذا كان نشيطا و هو منصوب على الحال.

قََالَ هََذِهِ نََاقَةٌ لَهََا شِرْبٌ قال الفراء (1) : الشّرب الحظّ من الماء. قال أبو جعفر:

فأمّا المصدر فيقال فيه شرب شربا و شربا و شربا: و أكثرها المضمومة لأنّ المفتوحة و المكسورة يشتركان مع شي‏ء آخر، فيكون الشرب الحظّ من الماء، و يكون الشّرب جمع شارب، كما قال: [البسيط] 314-

فقلت للشّرب في درنا و قد ثملوا # شيموا و كيف يشيم الشّارب الثّمل‏ (2)

إلاّ أنّ أبا عمرو بن العلاء رحمه اللّه و الكسائي يختاران الشّرب بالفتح في المصدر، و يحتجّان برواية بعض العلماء أن النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم قال: «أنّها أيام أكل و شرب» (3) .

وَ لاََ تَمَسُّوهََا بِسُوءٍ لا يجوز إظهار التضعيف هاهنا لأنهما حرفان متحرّكان من جنس واحد فَيَأْخُذَكُمْ جواب النهي، و لا يجوز حذف الفاء منه و الجزم كما جاز في الأمر إلاّ شي‏ء روي عن الكسائي أنه يجيزه.

أي على عقرها لما أيقنوا بالعذاب، و لم ينفعهم الندم لأن المحنة قد زالت لمّا وقع الاستيقان بالعذاب. و قيل: لم ينفعهم الندم لأنهم لم يتوبوا بل طلبوا صالحا صلّى اللّه عليه و سلّم ليقتلوه لمّا أيقنوا بالعذاب.

إِلاََّ عَجُوزاً نصب على الاستثناء. فِي اَلْغََابِرِينَ روى سعيد عن قتادة قال: غبرت في عذاب اللّه جلّ و عزّ أي بقيت، و أبو عبيدة يذهب إلى أن المعنى من الباقين في الهرم أي بقيت حتى هرمت.

____________

(1) انظر معاني الفراء 2/272.

(2) الشاهد للأعشى في ديوانه 107، و لسان العرب (ثمل) و (درن) ، و جمهرة اللغة 640، و مقاييس اللغة 1/390، و أساس البلاغة (ثمل) ، و تاج العروس (ثفت) و (ثمل) ، و (درن) .

(3) أخرجه مالك في الموطأ باب 44 حديث (135) ، و ابن ماجة في سننه حديث (1719) و أبو داود في سننه حديث (2813) .

130

و قرأ أبو جعفر و نافع أصحاب لئيكة المرسلين (1) و كذا قرأ في «صاد» [آية:

13]، و أجمع القراء على الخفض في التي في سورة «الحجر» [آية: 78]و التي في سورة «ق» [آية: 14]فيجب أن يردّ ما اختلفوا فيه إلى ما أجمعوا عليه إذ كان المعنى واحدا. فأما ما حكاه أبو عبيدة من أنّ «ليكة» هي اسم القرية التي كانوا فيها و أنّ الأيكة اسم البلد كلّه فشي‏ء لا يثبت و لا يعرف من قاله، و إنما قيل: و هذا لا تثبت به حجّة حتّى يعرف من قاله فيثبت علمه، و لو عرف من قاله لكان فيه نظر لأنّ أهل العلم جميعا من أهل التفسير و العلم بكلام العرب على خلافه. روى عبد اللّه بن وهب عن جرير بن حازم عن قتادة قال: أرسل شعيب صلّى اللّه عليه و سلّم إلى أمّتين: أي قومه أهل مدين، و إلى أصحاب الأيكة. قال: و الأيكة غيضة من شجر ملتفّ. و روى سعيد عن قتادة. قال: كان أصحاب الأيكة أهل غيضة و شجر، و كانت عامة شجرهم الدوم، و هو شجر المقل و روى جويبر عن الضحاك، قال: خرج أصحاب الأيكة يعني حين أصابهم الحر فانضموا إلى الغيضة و الشجر فأرسل اللّه عليهم سحابة فاستظلّوا تحتها فلما تتامّوا تحتها أحرقوا، و لو لم يكن في هذا إلاّ ما روي عن ابن عباس قال: تحتها الشجر. و لا نعلم بين أهل اللغة اختلافا أنّ الأيكة الشجر الملتفّ. فأمّا احتجاج بعض من احتجّ لقراءة من قرأ في هذين الموضعين بالفتح بأنه في السواد ليكة فلا حجّة له فيه، و القول فيه أنّ أصله الأيكة ثم خفّفت الهمزة فألقيت حركتها على اللاّم و سقطت و استغنيت عن ألف الوصل، لأن اللام قد تحرّكت فلا يجوز على هذا إلاّ الخفض، كما تقول: مررت بالأحمر، على تحقيق الهمزة ثم تخفّفها فتقول: مررت بلحمر. فإن شئت كتبته في الخطّ كما كتبته أولا، و إن شئت كتبته بالحذف، و لم يجز إلاّ بالخفض فكذا لا يجوز في الأيكة إلاّ الخفض. قال سيبويه: و اعلم أنّ كلّ ما ينصرف إذا دخلته الألف و اللام أو أضيف انصرف إذا دخلته، و لا نعلم أحدا خالف سيبويه في هذا.

عطف على الكاف و الميم و يقال: جبلّة» و الجمع فيهما جبال، و تحذف الضمة و الكسرة من الباء، و كذلك التشديد من اللام فيقال: جبلة و جبل و جبلة و جبل. و يقال:

جبلة و جبال، و تحذف الهاء من هذا كلّه.

____________

(1) انظر كتاب السبعة لابن مجاهد 473، و تيسير الداني 135، و البحر المحيط 7/36.

131

نَزَلَ بِهِ اَلرُّوحُ اَلْأَمِينُ هذه قراءة أهل الحرمين و أهل البصرة إلاّ الحسن فإنه قرأ هو و الكوفيون نَزَلَ بِهِ اَلرُّوحُ اَلْأَمِينُ (1) و بعض أهل اللغة يحتجّ لهذه القراءة بقوله جلّ و عزّ وَ إِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ اَلْعََالَمِينَ لأن تنزيلا يدلّ على نزّل، و هو احتجاج حسن، و قد ذكره أبو عبيد و الحجّة لمن قرأ بالتخفيف أن يقول: ليس هذا المصدر لأنّ المعنى و إنّ القرآن لتنزيل ربّ العالمين نزل به جبرائيل صلّى اللّه عليه و سلّم، كما قال جلّ و عزّ قُلْ مَنْ كََانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ [البقرة: 97]فإنه نزّله على قلبك.

أي و إنّ الإنذار بمن أهلك لفي كتب الأولين. و في قراءة الأعمش لَفِي زُبُرِ اَلْأَوَّلِينَ (2) حذف الضمة لثقلها كما يقال رسل.

أي أو لم يكن لهم علم علماء بني إسرائيل الذين أسلموا صحّة نبوّة محمد صلّى اللّه عليه و سلّم فما عندهم في التوراة و الإنجيل آية واضحة. و من قرأ (تكن) (3) أنّث لأن أن يعلمه هو الآية كما قال: [الكامل‏] 315-

فمضى و قدّمها و كانت عادة # منه إذا هي عرّدت إقدامها (4)

و يبعد رفع آية لأن أن يعلمه هو الآية. و قرأ عاصم الجحدري أن تعلمه علماء بني إسرائيل (5) .

و قرأ الحسن على بعض الأعجميّين (6) . قال أبو جعفر: يقال رجل أعجم و أعجميّ إذا كان غير فصيح و إن كان عربيا، و رجل عجميّ أصله من العجم و إن كان فصيحا ينسب إلى أصله، إلاّ أنّ الفراء أجاز أن يقال: رجل عجميّ.

____________

(1) انظر كتاب السبعة لابن مجاهد 473، و معاني الفراء 2/284، و تيسير الداني 135.

(2) انظر البحر المحيط 7/38.

(3) انظر تيسير الداني 135، و كتاب السبعة لابن مجاهد 473، و البحر المحيط 7/39، و هذه قراءة ابن عامر و الجحدري.

(4) الشاهد للبيد في ديوانه 306، و الأشباه و النظائر 5/255، و الخصائص 2/415، و لسان العرب (عرد) و (قدم) ، و كتاب العين 2/32، و بلا نسبة في الخصائص 1/70.

(5) انظر البحر المحيط 7/39، و مختصر ابن خالويه 107.

(6) انظر البحر المحيط 7/40 و هي قراءة ابن مقسم أيضا.

132

}و أجاز الفراء (1) الجزم في «يؤمنون» لأن فيه معنى الشرط و المجازاة، زعم و حكي عن العرب: ربطت الفرس لا ينفلت بالرفع و الجزم، قال: لأن معناه إن لم أربطه ينفلت. و الرفع عنده بمعنى كيلا ينفلت وكيلا يؤمنوا فلما حذف «كي» رفع. و هذا الكلام كلّه في يؤمنون خطأ على مذهب البصريين لا يجوز الجزم لا جازم و لا يكون شي‏ء يعمل عملا أقوى من عمله و هو موجود، فهذا احتجاج بيّن و إن شذّ قول لبعض البصريين لم يعرّج عليه إذ كان الأكثر يخالفه فيه.

قال الضحاك: يعني أهل مكة.

قال: يعني من العذاب و الهلاك.

مََا الأولى في موضع نصب، و الثانية في موضع رفع، و يجوز أن تكون الأولى نفيا لا موضع لها.

}قال الكسائي: ذِكْرى‏ََ في موضع نصب على القطع، و هذا لا يحصّل، و القول فيه هو قول الفراء (2) و أبي إسحاق أنّها في موضع نصب على المصدر. قال الفراء: أي يذّكّرون ذكرى و هذا قول صحيح لأنّ معنى إِلاََّ لَهََا مُنْذِرُونَ إلا لها مذكّرون. و ذكرى لا يتبيّن فيه الإعراب؛ لأن فيه ألفا مقصورة، و يجوز «ذكرى» بالتنوين، و يجوز أن يكون «ذكرى» في موضع رفع على إضمار مبتدأ. قال أبو إسحاق: أي إنذارنا ذكرى. و قال الفراء: أي ذلك ذكرى و تلك ذكرى.

و قرأ الحسن الشياطون (3) و هو غلط عند جميع النحويين. قال أبو جعفر:

____________

(1) انظر معاني الفراء 2/283.

(2) انظر معاني الفراء 2/284.

(3) انظر البحر المحيط 7/43، و معاني الفراء 2/285، و مختصر ابن خالويه 108.

133

و سمعت علي بن سليمان يقول: سمعت محمد بن يزيد يقول: هكذا يكون غلط العلماء إنما يكون بدخول شبهة. لما رأى الحسن رحمه اللّه في آخره ياء و نونا و هو في موضع اشتبه عليه بالجمع المسلّم فغلط. و في الحديث «احذروا زلّة العالم» (1) و قد قرأ هو مع الناس‏ وَ إِذََا خَلَوْا إِلى‏ََ شَيََاطِينِهِمْ [البقرة: 14]و لو كان هذا بالواو في موضع الرفع لوجب حذف النون للإضافة.

وَ مََا يَنْبَغِي لَهُمْ أي و ما يصلح للشياطين أن ينزلوا بالوحي و الأمر بطاعة اللّه جلّ و عزّ وَ مََا يَسْتَطِيعُونَ أن يتقوّلوا مثل القرآن، }و لا أن يأخذوه من الملائكة استراقا لأنهم عن السمع لمعزولون.

قيل: قل لمن كفر هذا، و قيل: هو مخاطبة له صلّى اللّه عليه و سلّم و إن كان لا يفعل هذا لأنه معصوم مختار و لكنه خوطب بهذا ليعلم اللّه جلّ و عزّ حكمه في من عبد غيره كائنا من كان‏}و بعد هذا ما يدلّ عليه و هو وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ اَلْأَقْرَبِينَ أي لئلا يتّكلوا على نسبهم و قرابتهم منك فيدعوا ما يجب عليهم.

يقال: خفض جناحه إذا لان و رفق.

أي إنّي بري‏ء من معصيتكم إيّاي؛ لأن عصيانهم إياه عصيانهم للّه جلّ و عزّ؛ لأنه لا يأمرهم إلاّ بما يرضاه اللّه جلّ و عزّ، و من تبرّأ اللّه جلّ و عزّ منه.

قيل: الشياطين تنزّل؛ لأنها أكثر ما تكون في الهواء لضئولة خلقها و أنها بمنزلة الريح.

أي كذّاب يجترم الإثم تتنزّل عليه توسوس له بالمعصية.

____________

(1) أخرجه المتقي الهندي في كنز العمال رقم (2883) .

134

يُلْقُونَ اَلسَّمْعَ قيل: الّذين يلقون السمع هم الذين تتنزّل عليهم أي يستمعون إلى الشياطين و يقبلون منهم، و قيل: هم الشياطين يسترقون السمع.

و يجوز النصب على إضمار فعل يفسره يتّبعهم. و قيل: «الغاوون» هاهنا الزائلون عن الحقّ، و دلّ: هذا على أن الشعراء أيضا غاوون لأنهم لو لم يكونوا غاوين ما كان أتباعهم كذلك.

أي هم بمنزلة الهائم لأنهم يذهبون في كلّ وجه من الباطل و لا يتّبعون سنن الحقّ؛ لأن من اتّبع الحقّ و علم أنّه يكتب عليه قوله تثبّت و لم يكن هائما يذهب على وجهه لا يبالي ما قال.

إِلاَّ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصََّالِحََاتِ في موضع نصب على الاستثناء.

وَ ذَكَرُوا اَللََّهَ كَثِيراً وَ اِنْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مََا ظُلِمُوا و إنما يكون الانتصار بالحقّ و بما حدّه اللّه جلّ و عزّ فإذا تجاوز ذلك فقد انتصر بالباطل. وَ سَيَعْلَمُ اَلَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ و في هذا تهديد لمن انتصر بظلم و «أيّ» منصوب بينقلبون، و هو بمعنى المصدر، و لا يجوز أن يكون منصوبا بسيعلم. و النحويون يقولون: لا يعمل في الاستفهام ما قبله. قال أبو جعفر: و حقيقة العلّة في ذلك أن الاستفهام معنى و ما قبله معنى آخر، فلو عمل فيه ما قبله لدخل بعض المعاني في بعض.

135

27 شرح إعراب سورة النّمل‏

بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ

طس تِلْكَ آيََاتُ اَلْقُرْآنِ بمعنى هذه تلك آيات القرآن، و يجوز في هذا ما جاز في أول «البقرة» في قوله جلّ و عزّ ذََلِكَ اَلْكِتََابُ [البقرة: 2]. وَ كِتََابٍ مُبِينٍ عطف على القرآن. قال أبو إسحاق: و يجوز «و كتاب مبين» (1) بمعنى و ذلك كتاب مبين.

هُدىً في موضع نصب على الحال، و يجوز فيه ما جاز في غيره في أول سورة «البقرة» في قوله جلّ و عزّ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ [البقرة: 2].

اَلَّذِينَ يُقِيمُونَ اَلصَّلاََةَ في موضع رفع على إضمار مبتدأ، و يجوز فيه ما جاز في أول سورة «البقرة» في قوله جلّ و عزّ اَلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ [البقرة: 3]

إِنَّ اَلَّذِينَ لاََ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ اسم «إنّ» . زَيَّنََّا لَهُمْ أَعْمََالَهُمْ في موضع الخبر.

أُوْلََئِكَ في موضع رفع بالابتداء. و خبره اَلَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ اَلْعَذََابِ و يقال: «الّذون» في موضع الرفع. وَ هُمْ فِي اَلْآخِرَةِ هُمُ اَلْأَخْسَرُونَ . فِي اَلْآخِرَةِ تبيين و ليس بمتعلق بالأخسرين.

____________

(1) و هي قراءة ابن أبي عبلة، انظر البحر المحيط 7/51.

136

لَدُنْ بمعنى عند إلاّ أنّها مبنية غير معربة لأنها لا تتمكّن.

و قرأ المدنيون و أبو عمرو بشهاب قبس (1) و قرأ الكوفيون بِشِهََابٍ قَبَسٍ فزعم الفراء (2) في ترك التنوين أنه بمنزلة قولهم: وَ لَدََارُ اَلْآخِرَةِ* [يوسف: 109] يضاف الشي‏ء إلى نفسه إذا اختلفت أسماؤه. قال أبو جعفر: إضافة الشي‏ء إلى نفسه محال عند البصريين‏ (3) ؛ لأن معنى الإضافة في اللغة ضمّ شي‏ء ليبيّن به معنى الملك و النوع فمحال أن يبيّن أنه مالك نفسه أو من نوعها. و «بشهاب قبس» إضافة النوع إلى الجسم كما تقول: هذا ثوب خزّ. و الشهاب كلّ ذي نور، نحو الكوكب و العود الموقد. و القبس اسم لما يقتبس من جمر و ما أشبه، فالمعنى: بشهاب من قبس. يقال:

قبست قبسا، و الاسم قبس، كما تقول: قبض قبضا و الاسم القبض، و من قرأ «بشهاب قبس» جعله بدلا، و يجوز «بشهاب قبسا» في غير القرآن على أنه مصدر أو بيان أو حال. لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ أصل الطاء تاء فأبدل منها طاء لأنّ الطاء مطبقة، و الصاد مطبقة فكان الجمع بينهما حسنا.

قال أبو إسحاق «أن» في موضع نصب أي بأنه «قال» . و يجوز أن يكون في موضع رفع، جعلها اسم ما لم يسمّ فاعله. و حكى أبو حاتم: أن في قراءة أبيّ و ابن عباس و مجاهد أن بوركت النار و من حولها (4) و مثل هذا لا يوجد بإسناد صحيح، و لو صحّ لكان على التفسير، و قد روى سعيد عن قتادة «أن بورك من في النّار و من حولها» قال: الملائكة. و حكى الكسائي عن العرب: باركك اللّه، و بارك فيك.

فَلَمََّا رَآهََا تَهْتَزُّ في موضع نصب على الحال. كَأَنَّهََا جَانٌّ و الجانّ عند العرب الثعبان، و هو الحيّة العظيمة وَلََّى مُدْبِراً على الحال. وَ لَمْ يُعَقِّبْ قال قتادة: أي لم

____________

(1) انظر تيسير الداني 136، و البحر المحيط 7/53.

(2) انظر معاني الفراء 2/286.

(3) انظر الإنصاف مسألة (61) .

(4) انظر معاني الفراء 2/286، و البحر المحيط 7/55.

137

يلتفت. يََا مُوسى‏ََ لاََ تَخَفْ أي قيل له لا تخف من الحيّة و ضررها. إِنِّي لاََ يَخََافُ لَدَيَّ اَلْمُرْسَلُونَ هذا تمام الكلام.

إِلاََّ مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سُوءٍ استثناء ليس من الأول في موضع نصب. و زعم الفراء (1) أن الاستثناء من محذوف، و المعنى عنده: إنّي لا يخاف لديّ المرسلون إنّما يخاف غيرهم إلاّ من ظلم ثمّ بدّل حسنا بعد سوء فإنه لا يخاف، و زعم الفراء (2) : أيضا أنّ بعض النحويين يجعل إلاّ بمعنى الواو. قال أبو جعفر: استثناء من محذوف محال لأنه استثناء من شي‏ء لم يذكر و لو جاز هذا لجاز: إنّي أضرب القوم إلاّ زيدا، بمعنى لا أضرب القوم إنّما أضرب غيرهم إلاّ زيدا، و هذا ضدّ البيان، و المجي‏ء بما لا يعرف معناه. و أما كان إلاّ بمعنى الواو فلا وجه له و لا يجوز في شي‏ء من الكلام. و معنى «إلاّ» خلاف معنى الواو لأنك إذا قلت: جاءني إخوتك إلاّ زيدا، أخرجت زيدا مما دخل فيه الإخوة. و إذا قلت: جاءني إخوتك و زيد، أدخلت زيدا فيما دخل فيه الإخوة فلا شبه بينهما و لا تقارب. و في الآية قول ثالث: يكون المعنى أن موسى صلّى اللّه عليه و سلّم لما خاف من الحية فقال له جلّ و عزّ: لاََ تَخَفْ إِنِّي لاََ يَخََافُ لَدَيَّ اَلْمُرْسَلُونَ ، علم جلّ و عزّ أنّ من عصى منهم يسرّ الخيفة فاستثناه فقال: إلاّ من ظلم ثمّ بدّل حسنا بعد سوء أي فانه يخاف، و إن كنت قد غفرت له فإن قال قائل: فما معنى الخوف بعد التوبة و المغفرة؟قيل له: هذه سبيل العلماء باللّه جلّ و عزّ أن يكونوا خائفين من معاصيه، وجلين، و هم أيضا لا يأمنون أن يكون قد بقي من أشراط التوبة شي‏ء لم يأتوا به، فهم يخافون من المطالبة به، و قرأ مجاهد ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سُوءٍ (3) قال أبو جعفر:

و هذا بعيد من غير جهة، منها أنه أقام الصفة مقام الموصوف في شي‏ء مشترك، و منها أن ازدواج الكلام بدّل حسنا بعد سيئ على أن بعضهم قد أنشد بيت زهير: [البسيط] 316-

يطلب شأو امرأين قدّما حسنا # فاقا الملوك و بذّا هذه السّوقا (4)

تَخْرُجْ بَيْضََاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ جزم «تخرج» لأنه جواب الأمر، و فيه معنى المجازاة.

فِي تِسْعِ آيََاتٍ أحسن ما قيل فيه أنّ المعنى هذه الآية داخلة في تسع آيات.

____________

(1) انظر معاني الفراء 2/287.

(2) انظر معاني الفراء 2/287.

(3) انظر البحر المحيط 7/56، و مختصر ابن خالويه 108.

(4) الشاهد لزهير بن أبي سلمى في ديوانه 51، و لسان العرب (سوق) ، و تاج العروس (سوق) .

138

فَلَمََّا جََاءَتْهُمْ آيََاتُنََا مُبْصِرَةً نصب على الحال. قال أبو إسحاق: و يجوز «مبصرة» أي مبيّنة تبصر. قال الأخفش: و يجوز «مبصرة» مصدر، و كما يقال: «الولد مجبنة» .

قال سعيد عن قتادة وَ وَرِثَ سُلَيْمََانُ دََاوُدَ قال: ورث منه النبوّة و الملك صلّى اللّه عليه و سلّم وَ قََالَ يََا أَيُّهَا اَلنََّاسُ عُلِّمْنََا مَنْطِقَ اَلطَّيْرِ خبر ما لم يسم فاعله. و المنطق قد يقع لما يفهم بغير كلام، و اللّه جلّ و عزّ أعلم بما أراد.

يقال: إنّ الجنّ سخّرت له لأنه ملك مضارّها و منافعها، و سخّرت له الطير بأن جعل فيها ما يفهم عنه فكانت تستره من الشمس و غيرها. و قيل: لهذا تفقّد الهدهد.

الكلام في القول كما مضى في المنطق. يََا أَيُّهَا اَلنَّمْلُ اُدْخُلُوا مَسََاكِنَكُمْ فجاء على خطاب الآدميين لما خبر عنهن بأخبار الآدميين. لاََ يَحْطِمَنَّكُمْ يكون نهيا و جوابا، و النون للتوكيد.

وَ تَفَقَّدَ اَلطَّيْرَ فَقََالَ مََا لِيَ لاََ أَرَى اَلْهُدْهُدَ هذه قراءة المدنيين و أبي عمرو بإسكان الياء و قرءوا و ما لي لا أعبد الذي فطرني [يس: 22]بتحريك الياء، فزعم قوم أنهم أرادوا أن يفرقوا بين ما كان مبتدأ و بين ما كان معطوفا على ما قبله، قال أبو جعفر:

و هذا ليس بشي‏ء و إنما هي ياء النفس، من العرب من يفتحها، و منهم من يسكنها، فقرؤوا باللغتين و الدليل على هذا أن جماعة من جلّة القراء قرءوها جميعا بالفتح، منهم عبد اللّه بن كثير و عاصم و الكسائي، و أن حمزة قرأهما جميعا بالتسكين، و اللغة الفصيحة من ياء النفس أن تكون مفتوحة لأنها اسم و هي على حرف واحد فكان الاختيار أن لا تسكّن فيجحف بالاسم. أَمْ كََانَ مِنَ اَلْغََائِبِينَ بمعنى أبل.

لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذََاباً شَدِيداً أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ مؤكد بالنون الثقيلة، و هي لازمة هي‏

139

و الخفيفة. قال أبو حاتم: و لو قرئت لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذََاباً شَدِيداً أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ لجاز أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطََانٍ مُبِينٍ و يجوز أن يكون هذا النون الخفيفة ثمّ أدغمت في النون التي مع الياء، و يجوز أن تكون النون التي مع الياء حذفت، كما يقال: إنّي ذاهب و يكون مؤكّدا بالثقيلة، و أهل مكة يقرءون «أو ليأتينّني» (1) .

فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ قراء عاصم، و تروى عن الأعمش، و قراءة سائر القراء فَمَكَثَ (2) قال سيبويه: مكث يمكث مكوثا، كما قالوا: قعد يقعد قعودا. قال:

و مكث مثل ظرف، و حجّة من ضمّ عند سيبويه أنه غير متعدّ كظرف. قال أبو جعفر:

و سمعت علي بن سليمان يقول: الدليل على أن مكث أفصح قولهم ماكث، و لا يقولون: مكث فهذا مخالف لظرف. قال أبو جعفر: و هذا احتجاج بيّن لأن فعل فهو فاعل لا يعرف في كلام العرب إلاّ في أشياء مختلف فيها، و منها ما هو مردود. فأما اللواتي اختلف فيها فطلقت المرأة فهي طالق، و قد قيل: طلقت، و حمض الخلّ فهو حامض، و قد قيل: حمض. و زعم أبو حاتم: أنّ قولهم فره فهو فاره لا اختلاف فيه.

كذا قال، و قد حكى غيره: فره يفره فهو فره و فاره مثل حذر، حكى هذا قطرب. غَيْرَ بَعِيدٍ قال أبو إسحاق: أي وقتا غير بعيد. فَقََالَ أَحَطْتُ بِمََا لَمْ تُحِطْ بِهِ فكان في هذا ردّ على من قال: إنّ الأنبياء تعلم الغيب، و حكى الفراء (3) (أحطّ) يدغم التاء في الطاء، و حكى أحتّ يقلب الطاء تاءا و يدغم «و جئتك من سبأ بنبإ يقين» قراءة المدنيين و الكوفيين. و قرأ المكيون و البصريون مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ (4) بغير صرف و زعم الفراء أن الرّؤاسي سأل أبا عمرو بن العلاء رحمه اللّه عن سبأ فقال: ما أدري ما هو. و تأوّل الفراء على أبي عمرو أنه منعه من الصرف لأنه مجهول و أنه إذا لم يعرف الشي‏ء لم ينصرف و احتجّ بقوله: [الطويل‏] 317-

يكن ما أساء النّار في رأس كبكبا (5)

و أبو عمرو أجلّ من أن يقول مثل هذا، و ليس في حكاية الرؤاسي عنه دليل أنه إنّما منعه من الصرف لأنه لم يعرفه و إنما قال: لا أعرفه، و لو سئل نحويّ عن اسم

____________

(1) انظر البحر المحيط 7/62، و كتاب السبعة لابن مجاهد 479.

(2) انظر البحر المحيط 7/62، و كتاب السبعة لابن مجاهد 479.

(3) انظر معاني الفراء 2/289.

(4) انظر البحر المحيط 7/63.

(5) الشاهد للأعشى في ديوانه 163، و الكتاب 3/106، و جمهرة اللغة 177، و شرح شواهد الإيضاح 492، و لسان العرب (زيب) و (كبب) ، و بلا نسبة في المقتضب 2/22، و صدره:

«و تدفن منه الصالحات و إن يسي‏ء»

140

فقال: لا أعرفه، لم يكن في هذا دليل على أنه يمنعه من الصرف بل الحقّ على غير هذا، و الواجب إذا لم تعرفه أن تصرفه لأن أصل الأسماء الصرف، و إنما يمنع الشي‏ء من الصرف لعلّة داخلة عليه فالأصل ثابت فلا يزول بما لا يعرف. و احتجاجه بكبكب لا معنى له لأن كبكب جبل معروف، منع من الصرف لأنه بقعة، و إن كان الصرف فيه حسنا. و الدليل على ما قلنا إن أبا عمرو إنما احتجّ بكلام العرب و لم يحتجّ بأنه لا يعرفه، و أنشد للنابغة الجعدي: [المنسرح‏] 318-

من سبأ الحاضرين مأرب إذ # يبنون من دون سيله العرما (1)

و إن كان أبو عمرو قد عورض من هذا فروي «من سبأ الحاضرين... » حذف التنوين لالتقاء الساكنين. قال أبو جعفر: سمعت علي بن سليمان يقول: سمعت محمد ابن يزيد يقول: سمعت عمارة يقرأ وَ لاَ اَللَّيْلُ سََابِقُ [يس: 40]بالنصب، حذف التنوين لالتقاء الساكنين. و قد تكلّم أبو عبيد القاسم بن سلام في هذا بكلام كثير التخليط و نمليه على نص ما قال، إذ كان كتابه أصلا من الأصول ليوقف على نصّ ما قال، و يعلم موضع الغلط منه. قال أبو عبيد: و هي قراءتنا التي نختار، يعني «من سبأ بنبإ يقين» ، قال أبو عبيد: لأن سبأ اسم مؤنث لامرأة أو قبيلة، و ليس بخفيف فيجري لخفّته و الذي يجريه يذهب به إلى أنه اسم رجل، و من ذهب إلى هذا لزمه أن يجري ثمود في كلّ القرآن فإنه و إن كان اليوم اسم قبيلة فإنه في الأصل اسم رجل و كذلك سبأ، فإن قيل: إن ثمود أكثر في العدد من سبأ بحرف، قيل: إن الحركة التي في الباء و الهمزة قد زادتا في ثقله أكثر من ذلك الحرف أو مثله، إنما الزيادة في ثمود واو ساكنة. قال أبو جعفر: قوله: «لأن سبأ اسم مؤنّث لامرأة أو قبيلة» يوجب أنه ترك صرفه لأحد هذين الأمرين، و أحدهما لا يشبه صاحبه، لأن اسم المرأة تأنيث حقيقى و اسم القبيلة تأنيث غير حقيقي، و الاختيار عند سيبويه‏ (2) في أسماء القبائل إذ كان لا يستعمل فيها «بنو» الصرف نحو ثمود، و قوله: «ليس بخفيف فيجري لخفّته» ليس بحجّة على من صرفه؛ لأنه لم يقل أحد علمناه: صرفته لأنه خفيف. و قوله: «و الذي يجريه يذهب به إلى أنه اسم رجل» ليس هذا حجّة من أجراه، إنما حجته أنه اسم للحيّ و إن كان أصله على الحقيقة أنه اسم لرجل. روى فروة بن مسيك و عبد اللّه بن عباس عن النبي

____________

(1) الشاهد للنابغة الجعدي في ديوانه 134، و جمهرة اللغة ص 773، و سمط اللآلي ص 18، و شرح أبيات سيبويه 2/241، و لسان العرب (عرم) ، و لأميّة بن أبي الصلت في ديوانه ص 59، و للنابغة الجعدي أو لأميّة في خزانة الأدب 9/139، و للأعشى في معجم ما استعجم ص 170، و بلا نسبة في الكتاب 3/ 279، و الاشتقاق ص 489، و جمهرة اللغة 1107، و لسان العرب (سبأ) ، و ما ينصرف و ما لا ينصرف ص (59) .

(2) انظر الكتاب 3/271.

141

صلّى اللّه عليه و سلّم و هو معروف في النسب «سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان» و إن كان أبو إسحاق قد زعم أنه من صرفه جعله اسما للبلد. و قوله «فإن قيل: إنّ ثمود أكثر في العدد من سبأ قيل: إن الحركتين اللتين في الباء و الهمزة قد زادتا في ثقله أكثر من ذلك الحرف أو مثله» فهذا موضع التخليط لأن الحركة التي في الباء و الهمزة في ثمود و سبأ بالحركة لا معنى له لأنهما جميعا متحركان. قال أبو جعفر: و القول في سبأ ما جاء التوقيف فيه أنه اسم رجل في الأصل، فإن صرفته فلأنه قد صار اسما للحيّ، و إن لم تصرفه جعلته اسما للقبيلة مثل ثمود؛ إلا أن الاختيار عند سيبويه الصرف، و حجته في ذلك قاطعة لأن هذا الاسم لما كان يقع للتذكير و التأنيث كان التذكير أولى؛ لأنه الأصل و الأخف.

وَ زَيَّنَ لَهُمُ اَلشَّيْطََانُ أَعْمََالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ اَلسَّبِيلِ فَهُمْ لاََ يَهْتَدُونَ } أَلاََّ يَسْجُدُوا لِلََّهِ هذه قراءة أبي عمرو و عاصم و نافع و حمزة، و قرأ الزهري و أبو جعفر و أبو عبد الرحمن و حميد و طلحة و الكسائي ألا يا اسجدوا للّه (1) القراءة الأولى هي أن دخلت عليها «و إن» في موضع نصب. قال الأخفش: المعنى: لئلا يسجدوا. و قال الكسائي:

المعنى: فصدّهم أن لا يسجدوا. و قال علي بن سليمان: أن بدل من أعمالهم في موضع نصب. و قيل: موضعها خفض على البدل من السبيل، و القراءة الثانية بمعنى ألا يا هؤلاء اسجدوا، كما قال: [الطويل‏] 319-

ألا يا اسلمي يا دارمي على البلى # و لا زال منهلاّ بجرعائك القطر (2)

و قال آخر: [البسيط] 320-

يا لعنة اللّه و الأقوام كلّهم # و الصّالحين على سمعان من جار (3)

____________

(1) انظر معاني الفراء 2/290، و تيسير الداني 136.

(2) الشاهد لذي الرمة في ديوانه ص 559، و الإنصاف 1/100، و تخليص الشواهد ص 231، و الخصائص 2/278، و الدرر 2/44، و شرح التصريح 1/185، و شرح شواهد المغني 2/617، و الصاحبي في فقه اللغة ص 232، و اللامات 37، و لسان العرب (يا) ، و مجالس ثعلب 1/42، و المقاصد النحوية 2/ 6، و بلا نسبة في أوضح المسالك 1/235، و جواهر الأدب ص 290، و الدرر 5/117، و شرح الأشموني 1/178، و شرح ابن عقيل ص 136، و شرح عمدة الحافظ 199.

(3) الشاهد بلا نسبة في أمالي ابن الحاجب 448، و الجنى الداني ص 356، و الكتاب 2/224، و جواهر الأدب ص 290، و خزانة الأدب 11/197، و الدرر 3/25، و رصف المباني ص 3، و شرح أبيات سيبويه 2/31، و شرح شواهد المغني 2/796، و شرح المفصّل 2/24، و اللامات ص 37، و مغني اللبيب 2/373، و المقاصد النحوية 4/261، و همع الهوامع 1/174.

142

و المعنى: يا هؤلاء لعنة اللّه. قال أبو جعفر: و هذا موجود في كلام العرب إلاّ أنه غير معتاد أن يقال: يا قدم زيد، و القراءة به بعيدة لأن الكلام يكون معترضا. و القراءة الأولى يكون الكلام بها متّسقا، و أيضا السواد على غير هذه القراءة؛ لأنه قد حذف منها ألفان و إنما يختصر مثل هذا بحذف ألف واحدة نحو يََا عِيسَى اِبْنَ مَرْيَمَ* [المائدة:

110]. اَلَّذِي يُخْرِجُ اَلْخَبْ‏ءَ فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ و الوقف عليه بتسكين الهمزة، و إذا كان في موضع رفع جاز الرّوم‏ (1) و الإشمام و لا يجوز التضعيف، و حكى أبو حاتم أن عكرمة قرأ الّذي يخرج الخبا في السماوات و الأرض (2) بألف غير مهموزة، و زعم أن هذا لا يجوز في العربية و اعتل بأنه أن خفّف الهمزة ألقى حركتها على الباء و حذفها فقال:

«الخب في السّموات» و أنه إن حول الهمزة قال: «الخبي» بإسكان الباء و بعدها ياء. قال أبو جعفر: قوله لا يجوز «الخبا» و سمعت علي بن سليمان يقول: سمعت محمد بن يزيد يقول: كان دون أصحابه في النحو، و لم يلحق بهم، يعني أبا حاتم، إلاّ أنه إذا خرج من بلده لم يلق أعلم منه. حكى سيبويه‏ (3) عن العرب أنها تبدل من الهمزة ألفا إذا كان قبلها ساكن و كانت مفتوحة، و تبدل منها واوا إذ كان قبلها ساكن و كانت مضمومة، و تبدل منها ياء إذا كان قبلها ساكن و كانت مكسورة، و أنه يقال: هذا الوثو، و عجبت من الوثى، و رأيت الوثا، و هذا من وثئت يده، و كذلك هذا الخبو، و عجبت من الخبي، و رأيت الخبا. و إنما فعل هذا لأن الهمزة خفيفة فأبدلت منها هذه الحروف.

و حكى سيبويه عن قوم من بني تميم و بني أسد أنهم يقولون: هذا الخبوء فيضمّون الساكن إذا كانت الهمزة مضمومة، و يثبتون الهمزة و يكسرون الساكن إذا كانت الهمزة مكسورة، و يفتحون الساكن إذا كانت الهمزة مفتوحة. و حكى سيبويه أيضا أنهم يكسرون و إن كانت الهمزة مضمومة إلاّ أن هذا عن بني تميم، فيقولون: هذا الرّدي، و زعم أنهم لم يضمّوا الدال لأنهم كرهوا ضمة قبلها كسرة لأنه ليس في الكلام فعل.

و هذا كلّه لغات داخلة على اللغة التي قرأ بها الجماعة.

اِذْهَبْ بِكِتََابِي هََذََا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ قال أبو إسحاق: فيها خمسة أوجه‏ (4) : (فألقهي إليهم) بإثبات الياء في اللفظ، و بحذف الياء و إثبات الكسرة دالّة عليها (فألقه إليهم) ،

____________

(1) الرّوم: هو تضعيف الصوت بالحركة حتى يذهب بذلك معظم صوتها فيسمع لها صوت خفيّ يدركه الأعمى بحاسة السمع.

(2) انظر مختصر ابن خالويه 109، و البحر المحيط 7/67.

(3) انظر الكتاب 4/25.

(4) انظر الوجوه الخمسة في كتاب السبعة لابن مجاهد 481، و البحر المحيط 7/68.

143

و بضم الهاء و اثبات الواو على الأصل (فألقهو إليهم) ، و بحذف الواو و اثبات الضمة (فألقه إليهم) ، و اللغة الخامسة قرأ بها حمزة بإسكان الهاء (فألقه إليهم) و هذا عند النحويين لا يجوز إلا على حيلة بعيدة يكون يقدّر الوقف. و سمعت علي بن سليمان يقول: لا تلتفت إلى هذه اللغة، و لو جاز أن يصل و هو ينوي الوقف لجاز أن تحذف الإعراب من الأسماء.

أي و إنّ الكلام، أو أنّ مبتدأ الكلام «بسم اللّه الرّحمن الرّحيم» ، و أجاز الفراء (1)

إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمََانَ وَ إِنَّهُ بفتحهما جميعا على أن يكونا في موضع رفع بمعنى: ألقي إليّ أنه من سليمان، و أجاز أن يكونا في موضع نصب على حذف الخافض.

أَلاََّ تَعْلُوا عَلَيَّ ذكر أبو إسحاق في «أن» ثلاثة أوجه: تكون في موضع نصب على معنى بأن، و تكون في موضع رفع بمعنى ألقي إليّ أن، و الوجه الثالث أن تكون بمعنى أي مثل‏ وَ اِنْطَلَقَ اَلْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ اِمْشُوا [ص: 6]المعنى أي امشوا و قالوا أن امشوا، و كذا «ألاّ تعلو عليّ» أي قال: لا تعلوا عليّ، و عن وهب بن منبّه أنه قرأ ألاّ تغلوا علي (2) من غلا يغلو إذا تجاوز وَ أْتُونِي مُسْلِمِينَ يكتب بغير ياء لأن الواو لا تنفصل.

قََالَتْ يََا أَيُّهَا اَلْمَلَأُ أَفْتُونِي بتخفيف الهمزة الثانية اللغة الفصيحة، و إن شئت خففت الأولى وحدها، و إن شئت خففتهما جميعا، و إن شئت حققتهما جميعا، و هي أبعد اللغات لثقل الجمع بين همزتين. مََا كُنْتُ قََاطِعَةً أَمْراً حَتََّى تَشْهَدُونِ حذفت النون للنصب، و حذفت الياء لأن الكسرة دالة عليها و النون مع الفعل و هي رأس آية، و لا يجوز فتح النون و لو كان كذلك لكان الفعل مرفوعا.

أُولُوا هذا اسم للجمع و الواحد ذو. و روى الأعمش عن مجاهد قال: كان

____________

(1) انظر معاني الفراء 2/291.

(2) انظر البحر المحيط 7/69، و هي قراءة الأشهب العقيلي أيضا.

144

تحت يديها اثنا عشر ألفا قيول تحت يدي كلّ قيل مائة ألف‏}فأجابتهم عن هذا إِنَّ اَلْمُلُوكَ إِذََا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهََا أي عنوة أي على القهر و الغلبة وَ جَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهََا أَذِلَّةً قال اللّه جلّ و عزّ: وَ كَذََلِكَ يَفْعَلُونَ و ليس هذا من كلامها، كذا قال سعيد بن جبير.

وَ إِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ قال سعيد بن جبير عن ابن عباس: أرسلت إليهم بلبنة من ذهب أو بذهب، قرأت الرسل الحيطان من ذهب فصغر عندهم ما جاءوا به و قالت:

«مرسلة إليهم» و إنما هو إلى سليمان صلّى اللّه عليه و سلّم كما يخبر عن الملوك فيخاطبون و يخاطبون، و قد قيل: إنّ الهدية كانت غير هذا إلاّ أن قوله: «أ تمدّونني بمال» يدلّ على هذا فَنََاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ اَلْمُرْسَلُونَ و الأصل «بما» ، حذفت الألف فرقا بين الاستفهام و الخبر، و إنما يكون هذا إذا كان قبل «ما» حرف جر، تقول في الخبر: رغبت فيما عندك فتثبت فيما عندك الألف لا غير. و تقول في الاستفهام: فيم نظرت؟فتحذف الألف، و أجاز الفراء (1) إثباتها في الاستفهام، و هذا من الشذوذ التي جاء القرآن بخلافها.

فَلَمََّا جََاءَ سُلَيْمََانَ قََالَ أَ تُمِدُّونَنِ بِمََالٍ و إن شئت أدغمت النون في النون فذلك جائز و إن كان فيه جمع بين ساكنين.

فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لاََ قِبَلَ لَهُمْ بِهََا لام قسم و النون لها لازمة. قال أبو جعفر: و سمعت أبا الحسن بن كيسان يقول: هي لام توكيد، و كذا كان عنده أنّ اللامات كلّها ثلاث لا غير: لام توكيد و لام أمر و لام خفض، و هذا قول الحذّاق من النحويين لأنهم يردّون الشي‏ء إلى أصله، و هذا لا يتهيّأ إلاّ لمن درب بالعربية. أَذِلَّةً على الحال. وَ هُمْ صََاغِرُونَ في موضع الحال أيضا.

قيل: إنما أراد بهذا أنهم إذا أتوا مسلمين لم يجز أن يؤتى بعرشها إلاّ بإذنها، و قيل: إنما أراد سليمان صلّى اللّه عليه و سلّم أن يظهر آية معجزة.

____________

(1) انظر معاني الفراء 2/292.

145

قََالَ عِفْرِيتٌ مِنَ اَلْجِنِّ قال أبو إسحاق: العفريت النافذ في الأمور المبالغ فيها الذي معه خبث و دهاء. و يقال: عفر و عفارية و عفرية، و عن أبي رجاء أنه قرأ قال عفرية (1)

من الجنّ و يقال: عفرية نفرية إتباع، و من قال: عفرية جمعه على عفار، و من قال:

عفريت كان له في الجمع ثلاثة أوجه: إن شاء قال: عفاريت و إن شاء قال: عفار لأن التاء زائدة، كما يقال: طواغ في جمع طاغوت، و إن شاء عوض من التاء فقال:

عفاريّ.

قال الأخفش: المعنى: لينظر أ أشكر أم أكفر، و قال غيره: معنى ليبلوني ليتعبّدني و هو مجاز.

قََالَ نَكِّرُوا لَهََا عَرْشَهََا زعم الفراء أنه إنما أمر بتنكيره لأن الشياطين قالوا له: إن في عقلها شيئا فأراد أن يمتحنها نَنْظُرْ جزم لأنه جواب الأمر، و من رفعه جعله مستأنفا أَ تَهْتَدِي في معناه قولان: أحدهما أ تهتدي بمعرفته، و الآخر أ تهتدي لهذه الآية العظيمة و تعلم أنّها لا يأتي بها إلاّ نبيّ من عند اللّه جلّ و عزّ فتهتدي و تدع الضّلالة.

قََالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ خبر كأنّ مكنيّ عنه لأنه قد تقدّم ذكره. وَ أُوتِينَا اَلْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهََا قيل:

العلم بالتوحيد وَ كُنََّا مُسْلِمِينَ قيل: لأن قومها أسلموا قبلها.

تكون «ما» في موضع رفع أي صدّها عبادتها من دون اللّه و عبادتها إياها عن أن تعلم ما علمناه عن أن تسلم، و يجوز أن تكون «ما» في موضع نصب، و يكون التقدير و صدها اللّه جل و عز عن عبادتها أي و صدها سليمان صلّى اللّه عليه و سلّم عن عبادتها فحذف «عن» و تعدّى الفعل، و أنشد سيبويه: [الطويل‏]

____________

(1) انظر مختصر ابن خالويه 109، و البحر المحيط 7/72.

146

321-

و نبئت عبد اللّه بالجوّ أصبحت # كراما مواليها لئيما صميمها (1)

و زعم أنّ المعنى عنده نبّئت عن عبد اللّه، و من قرأ (أنّها) (2) بفتح الهمزة كانت أنّ في موضع نصب بمعنى لأنها، و يجوز أن يكون بدلا من «ما» و الكسر على الاستئناف.

قِيلَ لَهَا اُدْخُلِي اَلصَّرْحَ التقدير على مذهب سيبويه‏ (3) ادخلي إلى الصرح فحذفت «إلى» و عدّي الفعل. و أبو العباس يغلّطه في هذا قال لأن «دخل» يدلّ على مفعول.

قََالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي كسرت إن لأنها مبتدأة بعد القول، و من العرب من يفتحها فيعمل فيها القول وَ أَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمََانَ لِلََّهِ رَبِّ اَلْعََالَمِينَ إذا سكنت مَعَ فهي حرف جاء لمعنى بلا اختلاف بين النحويين، و إذا فتحتها ففيها قولان: أحدهما أنها بمعنى الظرف اسم، و الآخر أنها حرف خافض مبني على الفتح.

وَ لَقَدْ أَرْسَلْنََا إِلى‏ََ ثَمُودَ أَخََاهُمْ صََالِحاً جعل اسما للقبيلة فلم يصرف، و صرفه حسن على أنه اسم للحيّ. فَإِذََا هُمْ فَرِيقََانِ يَخْتَصِمُونَ على المعنى و يختصمان على اللفظ.

قََالَ يََا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ اَلْحَسَنَةِ قال أبو إسحاق: أي لم قلتم: إن كان ما أتيت به حقا فأتنا بالعذاب.

قََالُوا اِطَّيَّرْنََا بِكَ وَ بِمَنْ مَعَكَ قال مجاهد: أي تشاءمنا. قال أبو إسحاق: الأصل تطيّرنا فأدغمت التاء في الطاء لأنها من مخرجها و اجتلبت ألف الوصل لئلا يبتدأ بساكن، فإذا وصلت حذفتها قََالَ طََائِرُكُمْ عِنْدَ اَللََّهِ قال الفراء (4) : يقول في اللوح المحفوظ عند اللّه عزّ و جلّ تشاءمون بي و تتطيّرون، و ذلك من عند اللّه تعالى مثل قوله

____________

(1) الشاهد للفرزدق في الكتاب 1/75، و شرح التصريح 1/293، و المقاصد النحوية 2/522، و ليس في ديوانه، و بلا نسبة في شرح أبيات سيبويه 1/426، و شرح الأشموني 1/186.

(2) انظر مختصر ابن خالويه 110، و هذه قراءة سعيد بن جبير.

(3) انظر الكتاب 1/211.

(4) انظر معاني الفراء 2/295.

147

طََائِرُكُمْ مَعَكُمْ [يس: 19]أي لازم لكم ما كان من خير أو شرّ لازم لكم و في رقابكم.

وَ كََانَ فِي اَلْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ اسم للجمع، و جمعه أرهط، و جمع الجمع أراهط.

يُفْسِدُونَ فِي اَلْأَرْضِ وَ لاََ يُصْلِحُونَ قال الضحاك: كان هؤلاء التسعة عظماء أهل المدينة، و كانوا يفسدون و يأمرون بالفساد فجلسوا تحت صخرة عظيمة على نهر فقلبها اللّه جلّ و عزّ عليهم فقتلهم فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا.

قََالُوا تَقََاسَمُوا بِاللََّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَ أَهْلَهُ و هذا، من أحسن ما قرئ به هذا الحرف لأنه يدخل فيه المخاطبون في اللفظ و المعنى. و إذا قرأ لتبيّننّه (1) لم يدخل فيه المخاطبون في اللفظ و دخلوا في المعنى، و قراءة مجاهد ليبيّتنّه بالياء. قال أبو إسحاق: لَنُبَيِّتَنَّهُ أي قالوا لنبيتنه متقاسمين، أي متحالفين ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مََا شَهِدْنََا مَهْلِكَ أَهْلِهِ (2) «مهلك» بمعنى إهلاك، و يكون بمعنى الظرف و عن عاصم ما شهدنا مهتل بمعنى هلاك و عنه مَهْلِكَ (3) و هو اسم موضع الهلاك كما تقول: مجلس.

وَ مَكَرُوا مَكْراً إنما عملوه. وَ مَكَرْنََا مَكْراً جازيناهم على ذلك، و قيل المكر من اللّه الإتيان بالعقوبة المستحقّة من حيث لا يدري العبد.

فَانْظُرْ كَيْفَ كََانَ عََاقِبَةُ مَكْرِهِمْ و قرأ الكوفيون و الحسن و ابن أبي إسحاق و هي قراءة الكسائي أَنََّا دَمَّرْنََاهُمْ بفتح الهمزة، و زعم الفراء (4) أن فتحهما من جهتين: إحداهما أن تردّها على كيف. قال أبو جعفر: و هذا لا يحصّل لأن كيف للاستفهام و «أنّا» غير داخل في الاستفهام، و الجهة الأخرى عنده أن تكرّ عليها «كان» كأنك قلت: كان عاقبة أمرهم تدميرهم. قال أبو جعفر: و هذا متعسّف، و في فتحها

____________

(1) انظر القراءات المختلفة في تيسير الداني 136، و البحر المحيط 7/80.

(2) انظر البحر المحيط 7/80، و تيسير الداني 136، و كتاب السبعة لابن مجاهد 483.

(3) انظر البحر المحيط 7/80، و تيسير الداني 136، و كتاب السبعة لابن مجاهد 483.

(4) انظر معاني الفراء 2/296.

148

خمسة أوجه: منها أن يكون التقدير: لأنّا دمّرناهم و تكون أن في موضع نصب، و يجوز أن تكون في موضع رفع بدلا من عاقبة، و ليجوز أن تكون في موضع نصب على خبر كان و يجوز أن تنصب عاقبة على خبر كان و تكون أنّ في موضع رفع على أنّها اسم كان، و يجوز أن تكون في موضع رفع على إضمار مبتدأ تبيينا للعاقبة، و التقدير: من أنّا دمرناهم، و من قرأ أَنََّا دَمَّرْنََاهُمْ جعلها مستأنفه قال أبو حاتم: و في حرف أبيّ أن دمّرناهم (1) تصديقا لفتحها.

فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خََاوِيَةً بِمََا ظَلَمُوا النصب على الحال، و الرفع من خمسة أوجه تكون «بيوتهم» بدلا من تلك و «خاوية» خبر الابتداء، و تكون «بيوتهم» خبرا و «خاوية» خبرا ثانيا كما يقال: هذا حلو حامض، و تكون «خاوية» على إضمار مبتدأ أي هي خاوية، و تكون بدلا من بيوتهم لأن النكرة تبدل من المعرفة.

وَ لُوطاً إِذْ قََالَ لِقَوْمِهِ بمعنى و أرسلنا لوطا أو و اذكر لوطا.

أَ إِنَّكُمْ بتخفيف الهمزة الثانية اختيار الخليل و سيبويه رحمهما اللّه فأما الخط فالسبيل فيه أن يكتب بألفين على الوجوه كلّها لأنها همزة مبتدأة دخلت عليها ألف الاستفهام. وَ تَأْتُونَ فِي نََادِيكُمُ اَلْمُنْكَرَ [العنكبوت: 29]. قال مجاهد: كان يجامع بعضهم بعضا في المجالس.

و قرأ الحسن و ابن أبي إسحاق فَمََا كََانَ جَوََابَ قَوْمِهِ إِلاََّ أَنْ قََالُوا جعلا «أن» خبر كان، فما كان جواب قومه إلاّ قولهم. و قرأ عاصم قَدَّرْنََاهََا (2) مخفّفا، و المعنى واحد يقال: قدرت الشي‏ء قدرا و قدرا و قدّرته.

قُلِ اَلْحَمْدُ لِلََّهِ قال الفراء (3) : المعنى قيل للوط صلّى اللّه عليه و سلّم قل الحمد للّه على هلكهم

____________

(1) انظر تيسير الداني 136، و البحر المحيط 7/82.

(2) انظر كتاب السبعة لابن مجاهد 484.

(3) انظر كتاب السبعة لابن مجاهد 484.

149

وَ سَلاََمٌ عَلى‏ََ عِبََادِهِ اَلَّذِينَ اِصْطَفى‏ََ و خالف جماعة من العلماء الفراء في هذا فقالوا: هو مخاطبة لنبيّنا صلّى اللّه عليه و سلّم. قال أبو جعفر: و هذا أولى لأن القرآن منزل على النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم و كلّ ما فيه فهو مخاطب به عليه السلام إلاّ ما لم يصحّ معناه إلاّ بغيره. آللََّهُ خَيْرٌ و أجاز أبو حاتم أ اللّه بهمزتين و لم نعلم أحدا تابعه على ذلك هذه المدّة إنما جي‏ء بها فرقا بين الاستفهام و الخبر، و هذه ألف التوقيف، «و خير» هاهنا ليس بمعنى أفعل منك إنما هو مثل قول الشاعر حسّان: [الوافر] 322-

فشرّكما لخيركما الفداء (1)

فالمعنى فالذي فيه الشر منكما للذي فيه الخير الفداء، و لا يجوز أن يكون بمعنى من لأنك إذا قلت: فلان شرّ من فلان، ففي كلّ واحد منهما شرّ.

قال عكرمة: الحدائق النخل ذََاتَ بَهْجَةٍ قال أهل التفسير: البهجة الزينة و الحسن.

قُلْ لاََ يَعْلَمُ مَنْ فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ اَلْغَيْبَ إِلاَّ اَللََّهُ قال أبو إسحاق: هذا بدل من «من» و المعنى لا يعلم أحد الغيب إلاّ اللّه قال: و من نصب نصب على الاستثناء يعني في الكلام. قال أبو جعفر: و سمعته يحتجّ بهذه الآية على من صدّق منجّما، و قال: أخاف أن يكفر لعموم هذه الآية.

بَلِ اِدََّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي اَلْآخِرَةِ هذه قراءة (2) أكثر النحويين منهم شيبة و نافع و يحيى بن وثاب و عاصم و الأعمش و حمزة و الكسائي، و قرأ أبو جعفر و أبو عمرو و ابن كثير و حميد بل أدرك (3) ، و قرأ عطاء بن يسار بل أدرك (4) بتخفيف الهمزة، و قرأ ابن محيصن بل أدرك علمهم في الآخرة و قرأ ابن عباس بلى ادّارك (5) و إسناده إسناد صحيح هو من حديث شعبة عن أبي حمزة عن ابن عباس، و زعم هارون القارئ أن قراءة أبيّ بن كعب بل تدارك علمهم . القراءة الأولى و الآخرة معناهما واحد؛ لأن

____________

(1) مرّ الشاهد رقم 309.

(2) انظر تيسير الداني 137، و معاني الفراء 2/299.

(3) انظر تيسير الداني 137، و معاني الفراء 2/299.

(4) انظر تيسير الداني 137، و معاني الفراء 2/299.

(5) انظر تيسير الداني 137، و معاني الفراء 2/299.

150

أصل ادّارك تدارك أدغمت التاء في الدال فجي‏ء بألف الوصل؛ لأنه لا يبتدأ بساكن فإذا وصلت سقطت ألف الوصل و كسرت اللام لالتقاء الساكنين. و في معناه قولان: أحدهما أنّ المعنى بل تكامل علمهم في الآخرة لأنهم رأوا كلّما وعدوا به معاينة فتكامل علمهم به، و القول الآخر أن المعنى بل تتابع علمهم اليوم في الآخرة فقالوا تكون، و قالوا لا تكون. و في معنى أدرك قولان: أحدهما معناه كمل في الآخرة، و هو مثل الأول، و الآخر على معنى الإنكار و هذا مذهب أبي إسحاق، و استدلّ على معنى صحّة هذا القول بأن بعده بَلْ هُمْ مِنْهََا عَمُونَ . فأما معنى أدرك فليس فيه إلاّ وجه واحد، يكون فيه معنى الإنكار كما تقول: أ أنا قاتلتك أي لم أقاتلك فيكون المعنى لم يدرك. بَلْ هُمْ مِنْهََا عَمُونَ حذفت منه الياء لالتقاء الساكنين، و لم يجز تحريكها لثقل الحركة فيها.

هكذا يقرأ نافع‏ (1) في هذه السورة و في سورة «العنكبوت» (2) ، و قرأ أبو عمرو باستفهامين إلاّ أنه خفّف الهمزة، و قرأ عاصم و حمزة باستفهامين أيضا إلاّ أنهما حقّقا (3)

الهمزتين. و كل ما ذكرناه في السورتين جميعا واحد، و قرأ الكسائي أَ إِذََا بهمزتين (اننا) بنونين في هذه السورة و في سورة «العنكبوت» (4) باستفهامين. القراءة الأولى إذا كنا ترابا و آباؤنا أننا موافقة للخطّ حسنة، و قد عارض فيها أبو حاتم، فقال: و هذا معنى كلامه «إذ» ليس باستفهام و «أ إنا» استفهام و فيه «أنّ» فكيف يجوز أن يعمل ما في حيّز الاستفهام فيما قبله، و كيف يجوز أن يعمل ما بعد أنّ فيما قبلها، و كيف يجوز غدا أنّ زيدا خارج، فإذا كان فيه استفهام كان أبعد، و هذا إذا سئل عنه كان مشكلا لما ذكره. قال أبو جعفر: و سمعت محمد بن الوليد يقول: سألنا أبو العباس محمد بن يزيد عن آية من القرآن صعبة الإعراب مشكلة و هي قوله جلّ و عزّ: وَ قََالَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلى‏ََ رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذََا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ [سبأ: 7] فقال: إنّ عمل في «إذا» ينبئكم كان محالا لأنه لا ينبئهم ذلك الوقت، و إن عمل فيه ما بعد إن كان المعنى صحيحا، و كان خطأ في العربية أن يعمل ما بعد إنّ فيما قبلها.

و هذا سؤال بيّن، و يجب أن يذكر في السورة التي هو فيها. فأما أبو عبيد فمال إلى قراءة نافع و ردّ على من جمع بين استفهامين، و استدلّ بقول اللّه جلّ و عزّ أَ فَإِنْ مََاتَ أَوْ قُتِلَ اِنْقَلَبْتُمْ عَلى‏ََ أَعْقََابِكُمْ [آل عمران: 144]، و بقوله جلّ و عزّ أَ فَإِنْ مِتَّ فَهُمُ

____________

(1) انظر تيسير الداني 137، و كتاب السبعة لابن مجاهد 485.

(2) انظر إعراب الآية 29-سورة العنكبوت.

(3) انظر معاني الفراء 2/300، و تيسير الداني 137.

(4) انظر معاني الفراء 2/300، و تيسير الداني 137.

151

اَلْخََالِدُونَ [الأنبياء: 34]و هذا الرّد على أبي عمرو و عاصم و حمزة و طلحة و الأعرج لا يلزم منه شي‏ء، و لا يشبه ما جاء به من الآية شيئا، و الفرق بينهما أن الشرط و جوابه بمنزلة شي‏ء واحد، و معنى أَ فَإِنْ مِتَّ فَهُمُ اَلْخََالِدُونَ أ فإن مت خلدوا، و نظير هذا:

أزيد منطلق، و لا يقال: أزيد أ منطلق، لأنهما بمنزلة شي‏ء واحد، و ليس كذا الآية، لأن الثاني جملة قائمة بنفسها فصلح فيها الاستفهام و الأول كلام منفرد يصلح فيه الاستفهام فأما من حذف الاستفهام من الثاني الاستفهام لأن في الكلام دليلا عليه لمعنى الإنكار.

وَ مََا أَنْتَ بِهََادِي اَلْعُمْيِ هذه قراءة المدنيين و أبي عمرو و عاصم و الكسائي، و أجاز الفراء و أبو حاتم و ما أنت بهاد العمى (1) و قرأ يحيى بن وثاب و الأعمش و حمزة و ما أنت تهدي العمي عن ضلالتهم (2) و في حرف عبد اللّه و ما أن تهدي العمي عن ضلالتهم . القراءة الأولى بحذف الياء في اللفظ لالتقاء الساكنين و إثباتها في الخط، و القراءة الثانية بحذف الياء في اللفظ و الخطّ لسكونها و سكون التنوين بعدها، من العرب من يثبتها في الوقف فيقول: مررت بقاضي، لأن التنوين لا يثبت في الوقف، و القراءة الثالثة بحذف الياء منها في اللفظ و في الوصل لالتقاء الساكنين و في حرف عبد اللّه و ما إن تهدي إن زائدة للتوكيد و هي كافّة لما عن العمل إِنْ تُسْمِعُ إِلاََّ مَنْ يُؤْمِنُ بِآيََاتِنََا قال أبو إسحاق: أي ما تسمع قال: و المعنى ما تسمع فيعي و يعمل إلا من يؤمن بآياتنا فأما من يسمع و لا يقبل فبمنزلة الأصم.

وَ إِذََا وَقَعَ اَلْقَوْلُ عَلَيْهِمْ قالت حفصة ابنة سيرين: سألت أبا العالية عن قول اللّه جلّ و عزّ: وَ إِذََا وَقَعَ اَلْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنََا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ اَلْأَرْضِ فقال: أوحى اللّه جلّ و عزّ إلى نوح صلّى اللّه عليه و سلّم: أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلاََّ مَنْ قَدْ آمَنَ [هود: 36]فكأنما كان على وجهي غطاء فكشف. قال أبو جعفر: و هذا من حسن الجواب لأنّ الناس ممتحنون و مؤخّرون لأن فيهم مؤمنين و صالحين، و من قد علم اللّه جلّ و عزّ أنه سيؤمن و يتوب، و لهذا أمرنا بأخذ الجزية فإذا زال هذا وجب القول عليهم فصاروا كقوم نوح صلّى اللّه عليه و سلّم حين قال اللّه جلّ و عزّ فيهم‏ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلاََّ مَنْ قَدْ آمَنَ أَخْرَجْنََا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ اَلْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ قال عبد اللّه بن عمر رحمة اللّه عليه: تخرج الدابة من صدع في الصفا، و قرأ ابن عباس

____________

(1) انظر البحر المحيط 7/92، و مختصر ابن خالويه 110.

(2) انظر معاني الفراء 2/300.

152

و عكرمة و عاصم الجحدري و طلحة و أبو زرعة: أَخْرَجْنََا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ اَلْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ (1) قال عكرمة: أي تسمهم. و في معنى «تكلمهم» قولان: فأحسن ما قيل فيه ما روي عن ابن عباس قال: هي و اللّه تكلّمهم و تكلمهم. تكلّم المؤمن، و تكلم الكافر أو الفاجر تجرحه. و قال أبو حاتم: تكلّمهم كما تقول: تجرّحهم يذهب إلى أنّه تكثير من تكلمهم. و قرأ الكوفيون و ابن أبي إسحاق أَنَّ اَلنََّاسَ (2) بفتح الهمزة، و قرأ أهل الحرمين و أهل الشام و أهل البصرة إن الناس بكسر الهمزة. قال أبو جعفر: في المفتوحة قولان و كذا المكسورة، قال الأخفش: المعنى بأنّ الناس، و قال أبو عبيد:

موضعها نصب بوقوع الفعل عليها أي تخبرهم أن الناس. و قال الكسائي: و الفراء (3) :

إن الناس بالكسر على الاستئناف، و قال الأخفش: هو بمعنى تقول إنّ النّاس.

وَ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي اَلصُّورِ بمعنى و اذكر، و مذهب الفراء (4) أنّ المعنى و ذلك يوم ينفخ في الصور، و أجاز فيه الحذف و جعله مثل‏ وَ لَوْ تَرى‏ََ إِذْ فَزِعُوا فَلاََ فَوْتَ [سبأ: 51].

فَفَزِعَ مَنْ فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ مَنْ فِي اَلْأَرْضِ فهذا ماض «و ينفخ» مستقبل، و يقال: كيف عطف ماض على مستقبل؟و زعم الفراء أنه محمول على المعنى، لأن المعنى إذا نفخ في الصور ففزع. إِلاََّ مَنْ شََاءَ اَللََّهُ في موضع نصب على الاستثناء. قرأ المدنيون و أبو عمرو و عاصم و الكسائي و كلّ آتوه داخرين (5) جعلوه فعلا مستقبلا، و قرأ الأعمش و حمزة وَ كُلٌّ أَتَوْهُ جعلاه فعلا ماضيا. قال أبو جعفر: و في كتابي عن أبي إسحاق في القرآن من قرأ وَ كُلٌّ أَتَوْهُ وحده على لفظ كلّ و من قرأ آتَوْهُ جمع على معناها.

و هذا القول غلط قبيح لأنه إذا قال: و كلّ أتوه فلم يوحد و إنما جمع فلو وحّد لقال:

أتاه، و لكن من قال: أتوه جمع على المعنى و جاء به ماضيا لأنّه ردّه على «ففزع» و من قرأ و كلّ آتوه حمله على المعنى، و قال: آتوه لأنها جملة منقطعة من الأول.

وَ تَرَى اَلْجِبََالَ من رؤية العين، و لو كان من رؤية القلب لتعدّت إلى مفعولين، و الأصل ترأى فألقيت حركة الهمزة على الرّاء فتحرّكت الراء و حذفت الهمزة فهذه سبيل

____________

(1) انظر معاني الفراء 2/301.

(2) انظر مختصر ابن خالويه 110.

(3) انظر تيسير الداني 137.

(4) انظر معاني الفراء 2/301.

(5) انظر البحر المحيط 7/94، و كتاب السبعة لابن مجاهد 487، و تيسير الداني 137.