إعراب القرآن - ج3

- احمد بن محمد النحاس المزيد...
320 /
153

تخفيف الهمزة إذا كان قبلها ساكن إلاّ أنّ التخفيف لازم لترى و أخواتها من المضارع لكثرته في الكلام، و أنه يقع لرؤية العين و القلب. تَحْسَبُهََا جََامِدَةً لا بدّ لتحسب من مفعولين، و ظننت قد يتعدّى إلى واحد فقط. و أهل الكوفة يقرءون تَحْسَبُهََا و هو القياس لأنه من حسب يحسب إلاّ أنه قد روي عن النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم خلافها أنه قرأ بالكسر في المستقبل فيكون على فعل يفعل، كما قالوا نعم ينعم و يئس ييئس، و حكى بئس يبئس من السالم، لا يعرف في كلام العرب غير هذه الأحرف. وَ هِيَ تَمُرُّ مَرَّ اَلسَّحََابِ مصدر، و تقديره مرّا مثل مرّ السحاب فأقمت الصّفة مقام الموصوف و المضاف إليه. صُنْعَ اَللََّهِ منصوب عند الخليل و سيبويه رحمهما اللّه على أنه مصدر لأنه لما قال عزّ و جلّ «و هي تمرّ مرّ السّحاب» دلّ على أنه صنع ذلك صنعا، و يجوز النصب على الإغراء أي انظروا صنع اللّه. قال أبو إسحاق: و يجوز الرفع على معنى ذلك صنع اللّه.

وَ هُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ تخفض‏ (1) يوما على الإضافة و تحذف التنوين لها و من نصب و أضاف فقرأ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ جعل يومئذ مبنيا على الفتح، مضاف إلى غير متمكّن، و أنشد سيبويه: [الطويل‏] 323-

على حين ألهى النّاس جلّ أمورهم‏ (2)

فإن قال قائل: قد قال سيبويه‏ (3) : التنوين علامة الأمكن عندهم، و قال‏ (4) : و بعدت من المضارعة بعد «كم» و «إذ» من المتمكّنة، فكيف يكون التنوين علامة للأمكن ثمّ يدخل فيما لا يتمكّن بوجه من الوجوه فهذا ضرب من المناقضة؟فالجواب عن هذا أن التنوين الذي على سيبويه ليس هو هذا التنوين و إنما يتوهّمه أنه كان ضعيفا في العربية و التنوين الذي أراده هو الذي يقول بعض النحويين فيه: أدخل فرقا بيّن ما ينصرف و ما لا ينصرف، و يقول بعضهم: فرقا بين الاسم و الفعل. و للتنوين قسمان آخران يكون فرقا بين المعرفة و النكرة، و يكون عوضا في قولك: جوار و في قولك يومئذ.

و الفعل من هذا كبيته و اللازم منه أكبّ و قلّ ما يأتي هذا في كلام العرب.

____________

(1) انظر البحر المحيط 7/96، و كتاب السبعة لابن مجاهد 487.

(2) مرّ الشاهد رقم (216) .

(3) انظر الكتاب 1/47.

(4) انظر الكتاب 1/43.

154

اَلَّذِي في موضع نصب نعت لرب، و لو كان بالألف و اللام قلت: المحرّمها، فإن كان نعتا للبلدة المحرّمها هو، لا بدّ من إظهار المضمر مع الألف و اللام لأن الفعل جرى على غير من هو له فإن قلت: الذي حرّمها لم تحتج أن تقول هو.

وَ أَنْ أَتْلُوَا نصب بأن. قال الفراء (1) : و في إحدى القراءتين و أن أتل القرآن (2) ، و زعم أنه في موضع جزم بالأمر فلذلك حذفت منه الواو. قال أبو جعفر:

و لا نعرف أحدا قرأ بهذه القراءة و هي مخالفة لجميع المصاحف، و قوله في موضع جزم خطأ عند البصريين لأنه لا يكون جزم بلا جازم، و تقديره اللام خطأ لم يكن بدّ من المجي‏ء بحرف المضارعة فكيف تضمر اللام و هي إذا جي‏ء بها كان الكلام على غير ذلك، و حروف الجزم لا تضمر، و هذا الفعل لا يجوز أن يكون معربا لأنه ليس بالمضارع. قال سيبويه: أسكنوها لأنها لا يوصف بها و لا تقع موقع المضارعة.

وَ مََا رَبُّكَ بِغََافِلٍ عَمََّا تَعْمَلُونَ بالتاء ليكون الكلام على نسق واحد، و بالياء على أن يردّ إلى ما قبله أو على تحويل المخاطبة.

____________

(1) انظر معاني الفراء 2/301.

(2) انظر البحر المحيط 7/96، و مختصر ابن خالويه 111.

155

28 شرح إعراب سورة القصص‏

بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ

تِلْكَ في موضع رفع بمعنى هذه تلك و آيََاتُ بدل منها، و يجوز أن يكون «تلك» في موضع نصب بنتلو و «آيات» بدل منها أيضا و انتصابها كما تقول: زيدا ضربت.

عَلاََ هاهنا فعل، و قد يكون في غير هذا اسما إذا قلت: أخذته من على الحائط، و تكون حرفا، في قولك: على زيد مال. و يجوز كتابته بالياء إذا كان اسما أو حرفا، لأن ألفه ينقلب ياء مع المضمر و إنما انقلبت ياء فرقا بينها و بين المتمكن في قولك: رأيت عصاه يا هذا، و من العرب من لا يقلب الألف ياء، كما قال: [الرجز] 324-

طاروا علاهنّ فطر علاها (1)

و إذا كانت اسما خفض ما بعدها بالإضافة، و تخفض ما بعدها إذا كانت حرفا، و إذا كانت فعلا رفعت ما بعدها بفعله أو نصبته لتعدّيها إليه. وَ جَعَلَ أَهْلَهََا شِيَعاً مفعولان، و واحد الشّيع شيعة و هي الفرقة التي يشيّع بعضها بعضا أي يعاونه.

قال سعيد عن قتادة قال: هم بنو إسرائيل. وَ نَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً قال: ولاة الأمر وَ نَجْعَلَهُمُ اَلْوََارِثِينَ قال: أي من بعد فرعون و قومه.

____________

(1) مرّ الشاهد رقم (6) .

156

وَ نُمَكِّنَ لَهُمْ فِي اَلْأَرْضِ عطف على ما قبله. قال أبو إسحاق: و يجوز و «نمكّن» بالرفع على معنى و نحن نمكّن وَ نُرِيَ فِرْعَوْنَ وَ هََامََانَ هذه قراءة المدنيين و أبي عمرو و عاصم، و هي على نسق الكلام لأن قبله و «نريد» ، و قرأ سائر الكوفيين و يرى فرعون و هامان (1) و أجاز الفراء و يرى فرعون و هامان بمعنى و يري اللّه فرعون و هامان وَ جُنُودَهُمََا مِنْهُمْ مََا كََانُوا يَحْذَرُونَ تعدّى إلى مفعولين لأنه متعدّي يرى.

وَ أَوْحَيْنََا إِلى‏ََ أُمِّ مُوسى‏ََ أَنْ أَرْضِعِيهِ فإن خفّفت الهمزة ألقيت حركتها على النون و حذفتها لقربها من الساكن، و أن النون كانت قبلها ساكنة.

نصب «ليكون» بلام كي، و ربما أشكل هذا على من يجهل اللغة و يكون ضعيفا في العربية فقال: ليست بلام كي و لقبها بما لا يعرف الحذّاق من النحويين أصله، و هذا كثير في كلام العرب، يقال: جمع فلان المال ليهلكه، و جمعه لحتفه، و جمعه ليعاقب عليه، لمّا كان جمعه إيّاه قد أدّاه إلى ذلك كان بمنزلة من جمعه له كما قال:

[المتقارب‏] 325-

فللموت ما تلد الوالدة (2)

و قرأ الكوفيون إلاّ عاصما لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَ حَزَناً (3) فهذا الاسم للغمّ، و الحزن مصدر حزن.

وَ قََالَتِ اِمْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَ لَكَ قال الكسائي: المعنى هذا قرّة عين لي و لك. قال أبو جعفر: و في رفعه وجه آخر بعيد ذكره أبو إسحاق: يكون رفعا بالابتداء

____________

(1) انظر تيسير الداني 138، و البحر المحيط 7/100.

(2) مرّ الشاهد (136) .

(3) انظر كتاب السبعة لابن مجاهد 492، و البحر المحيط 7/101.

157

و الخبر لاََ تَقْتُلُوهُ و إنما بعد لأنه يصير المعنى: أنه معروف بأنه قرّة عين له، و جوازه أن يكون المعنى إذا كان قرّة عين لي و لك فلا تقتلوه، و يجوز النصب بمعنى: لا تقتلوا قرّة عين لي و لك. و قالت: لا تقتلوه و لم تقل: نقتله، و هي تخاطب فرعون كما يخاطب الجبّارون و كما يخبرون عن أنفسهم وَ هُمْ لاََ يَشْعُرُونَ يكون لبني إسرائيل، و يجوز أن يكون لقوم فرعون أي لا يشعرون أنه يسلبهم ملكهم.

وَ أَصْبَحَ فُؤََادُ أُمِّ مُوسى‏ََ فََارِغاً قد ذكرناه، و عن فضالة بن عبيد وَ أَصْبَحَ فُؤََادُ أُمِّ مُوسى‏ََ فََارِغاً (1) إِنْ كََادَتْ لَتُبْدِي بِهِ من بدا يبدو إذا ظهر، و عن ابن مسعود قال:

كانت تقول: أنا أمّة. قال الفراء (2) : أي إن كادت لتبدي باسمه لضيق صدرها. لَوْ لاََ أَنْ رَبَطْنََا عَلى‏ََ قَلْبِهََا «أن» في موضع رفع و حذف الجواب لأنه قد تقدّم ما يدلّ عليه و لا سيما و بعده لِتَكُونَ مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ .

اَلْمَرََاضِعَ جمع مرضع على جمع التكسير، و من قال: مراضيع فهو جمع مرضاع و مفعال تكون للتكثير، و لا تدخل الهاء فيه فرقا بين المذكّر و المؤنث؛ لأنه ليس بجار على الفعل و لكن من قال: مرضاعة جاء بالهاء للمبالغة، كما يقال: مطرابة. قال الفراء: تدخل الهاء فيما كان مدحا يراد به الداهية و فيما كان ذما يراد به البهيمة. و هذا القول خطأ عند البصريين، و لو كان كما قال لكانت الهاء للتأنيث. مِنْ قَبْلُ غاية و معنى غاية أنه صار غاية الاسم لما حذف منه. قال محمد بن يزيد: فأعطي الضمّة لأنها غاية الحركات، و قال غيره: أعطي الضمّة لأنها لا تلحقه في حال السلامة. قال أبو إسحاق: التقدير من قبل أن نردّه إليها فَقََالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى‏ََ أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ «يكفلونه» ليس بجواب، و لكن يكون مقطوعا من الأول، أو في موضع نعت لأهل.

وَ هُمْ لَهُ نََاصِحُونَ ليس «له» متعلقا بناصحين فلو كان ذلك لكان تفريقا بين الصلة و الموصول. و قد ذكرناه في «سورة الأعراف» (3) .

____________

(1) انظر معاني الفراء 2/303، و المحتسب 2/147، و البحر المحيط 7/102.

(2) معاني الفراء 2/303.

(3) انظر إعراب الآية 21-الأعراف.

158

وَ لَمََّا بَلَغَ أَشُدَّهُ عند سيبويه‏ (1) جمع شدّة، و قال غيره: هو جمع شدّ، و قيل: هو واحد، و حكى أبو إسحاق في غير هذه السورة أنّه لا يعرف في كلام العرب اسم واحد على أفعل بغير هاء إلا أشدّ و هو وهم، و قد حكى أهل اللغة إصبع. قال أبو إسحاق:

و تأويل بلغ أشدّه استكمل نهاية قوة الرجل. وَ اِسْتَوى‏ََ أهل التفسير منهم ابن عباس على أنّ معنى و استوى بلغ أربعين سنة، و تأوّله أبو إسحاق: على أنه يجوز أن يكون حقيقة و استوى وصف بلوغ الأشدّ. آتَيْنََاهُ حُكْماً وَ عِلْماً العالم و الحكيم هو الذي يعمل بعلمه وَ كَذََلِكَ نَجْزِي اَلْمُحْسِنِينَ قال أبو إسحاق: فجعل إتيان العلم و الحكمة جزاء الإحسان لأنهما يؤدّيان إلى الجنة التي هي جزاء المحسنين.

وَ دَخَلَ اَلْمَدِينَةَ عَلى‏ََ حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهََا أكثر أهل التفسير منهم ابن عباس على أنه دخل نصف النهار، و قال الضحاك: طلب أن يدخل المدينة وقت غفلة أهلها فدخلها حين علم منهم ذلك فكان منه ما كان من قتل الرجل من قبل أن يؤمر بقتله فاستغفر ربه فغفر له. و يقال في الكلام: دخلت المدينة حين غفل أهلها، و لا يقال: على حين غفل أهلها، و دخلت «على» في هذه الآية لأنّ الغفلة هي المقصودة، فصار هذا كما تقول:

جئت على غفلة، و إن شئت قلت: جئت على حين غفلة فكذا الآية. فَوَجَدَ فِيهََا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلاََنِ هََذََا مِنْ شِيعَتِهِ ابتداء و خبر. و المعنى: إذا نظر إليهما الناظر قال: هذا من شيعته أي من بني إسرائيل. وَ هََذََا مِنْ عَدُوِّهِ أي من قوم فرعون. و عدوّه بمعنى أعداء، و كذا يقال في المؤنّث: هي عدو لك. و من العرب من يدخل الهاء في المؤنث لأنه بمعنى معادية عند البصريين و عند الكوفيين لأن الواو خفيّة، كذا يقولون. و الواو ليست بخفيّة بل هي حرف جلد. إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ خبر بعد خبر، و إن شئت كان «مضلّ مبين» نعتا.

فيه قولان: أحدهما أنه بمعنى الدعاء، و هذا قول الكسائي و الفراء، و قدّره الفراء (2) بمعنى اللهمّ فلن أكون ظهيرا للمجرمين، و القول الآخر أنه بمعنى الخبر، و زعم الفراء أن قوله «هو» قول ابن عباس. قال أبو جعفر: و أن يكون بمعنى الخبر أولى و أشبه بنسق الكلام، كما يقال: لا أعصيك لأنّك أنعمت عليّ، و هذا قول ابن عباس على الحقيقة لا ما حكاه الفراء (3) ؛ لأن ابن عباس قال: لم يستثن فابتلي،

____________

(1) انظر الكتاب 4/60.

(2) انظر معاني الفراء 5/304.

(3) انظر معاني الفراء 5/304.

159

و الاستثناء لا يكون في الدعاء، لا تقول: اللّهمّ اغفر لي إن شئت. و أعجب الأشياء أن الفراء روى أن ابن عباس قال هذا ثم حكى عنه قوله.

فَأَصْبَحَ فِي اَلْمَدِينَةِ منصوب على خبر أصبح، و إن شئت على الحال و يكون الظرف في موضع الخبر، قال الضحاك: خاف أن يراه أحد أو يظهر عليه قال:

و يَتَرَقَّبُ يتلفّت. فَإِذَا اَلَّذِي اِسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ «الذي» في موضع رفع بالابتداء يَسْتَصْرِخُهُ في موضع الخبر و يجوز أن يكون في موضع نصب على الحال «و أمس» إذا دخلت عليه الألف و اللام تمكّن و أعرب عند أكثر النحويين، و منهم من يبنيه و فيه الألف و اللام، و إذا أضيف أو نكر تمكّن أيضا. و العلّة في بنائه عند محمد بن يزيد أنّ تعريفه ليس كتعريف المتمكّنات فوجب أن يبنى و لا يعرب فكسر آخره لالتقاء الساكنين، و مذهب الخليل رحمه اللّه أن الياء محذوفة منه. و للكوفيين فيه قولان: أحدهما أنه منقول من قولهم: أمس بخير. و الآخر أن خلقة السين الكسر، هذا قول الفراء، و حكى سيبويه‏ (1) و غيره أنّ من العرب من يجري أمس مجرى ما لا ينصرف في موضع الرفع خاصة، و ربّما اضطرّ الشاعر ففعل هذا في الخفض و النصب كما قال: [الرجز] 326-

لقد رأيت عجبا مذ أمسا (2)

فخفض بمذ فيما مضى و اللغة الجيّدة الرفع و أجرى «أمس» في الخفض مجراه في الرفع على اللغة الثانية. قََالَ لَهُ مُوسى‏ََ إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ و الغويّ الخائب أي لأنك تشار من لا تطيقه.

فَلَمََّا أَنْ أَرََادَ «أن» زائدة للتوكيد. و قرأ يزيد بن القعقاع أَنْ يَبْطِشَ (3) و هي لغة إلاّ

____________

(1) انظر الكتاب 3/315.

(2) الشاهد بلا نسبة في الكتاب 3/315، و أسرار العربية 32، و أوضح المسالك 4/132، و خزانة الأدب 7/167، و الدرر 3/108، و شرح الأشموني 2/537، و شرح التصريح 2/226، و شرح قطر الندى ص 16، و شرح المفصّل 4/106، و لسان العرب (أمس) ، و ما ينصرف و ما لا ينصرف ص 95، و المقاصد النحوية 4/357، و نوادر أبي زيد 57، و همع الهوامع 1/209، و جمهرة اللغة 841. و بعده:

«عجائزا مثل السعالى خمسا»

(3) انظر البحر المحيط 7/106، و هي قراءة الحسن و أبي جعفر.

160

أنّ يَبْطِشَ (1) أعرف منها، و إن كان الضمّ أقيس، لأنه فعل لا يتعدّى. إِنْ تُرِيدُ إِلاََّ أَنْ تَكُونَ جَبََّاراً فِي اَلْأَرْضِ قال عكرمة: لا يكون الإنسان جبّارا حتى يقتل نفسين. قال أبو إسحاق:

الجبّار في اللغة المتعظّم الذي لا يخضع لأمر اللّه جلّ و عزّ و إنما تأول عكرمة في قتل النفسين-الآية كما تأول عطاء «فلن أكون ظهيرا للمجرمين» على أنه لا يحلّ لأحد أن يعين ظالما، و لا يكتب له، و لا يصحبه، و إنه إن فعل شيئا من ذلك فقد صار معينا للظالمين حتى قال لمن استفتاه: ارم قلمك و استرزق اللّه جلّ و عزّ و لا تكن ظهيرا للمجرمين.

وَ لَمََّا تَوَجَّهَ تِلْقََاءَ مَدْيَنَ قال أبو إسحاق: أي سلك الطريق الذي هو تلقاء مدين، قال: و لم ينصرف مدين لأنه اسم للبقعة. قََالَ عَسى‏ََ رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوََاءَ اَلسَّبِيلِ قال أبو إسحاق: و سواء السبيل قصد السبيل.

وَ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ اِمْرَأَتَيْنِ تَذُودََانِ فقد ذكرنا قول ابن عباس: إن معنى تذودان تحبسان، و ذلك معروف في اللغة يقال: ذاده يذوده إذا حبسه، و إذا قاده، لأن معنى قاده حبسه على ما يريد، و إنما كانتا تحبسان غنمهما لأنهما لا طاقة لهما بالسّقي و كانت غنمهما تطرد عن الماء. قََالَ مََا خَطْبُكُمََا مبتدأ و خبره قال أبو إسحاق: و المعنى ما تريدان بذود غنمكما عن الماء. قََالَتََا لاََ نَسْقِي أي لا نقدر على السّقي حَتََّى يُصْدِرَ اَلرِّعََاءُ قراءة أهل الكوفة و أهل الحرمين إلا أبا جعفر فإنه قرأ حَتََّى يُصْدِرَ اَلرِّعََاءُ (2)

و كذا قرأ أبو عمرو. فمعنى القراءة الأولى حتى يصدر الرعاة مواشيهم، و معنى الثانية حتى ينصرف الرعاء فأفادت القراءتان معنيين و هما حسنان إلاّ أنّ «يصدر» أشبه بالمعنى، و زعم أبو حاتم أنّ المعنى حتى يصدروا مواشيهم. قال: و لم يرد حتى ينصرفوا إن شاء اللّه و «الرعاء» جمع راع كما تقول: صاحب و صحاب. قال يعقوب:

و ذكر لي في لغة الرّعاء بضم الراء، و أنكر أبو حاتم هذه اللغة، و قال: إذا ضممت الراء لم تقل: إلاّ الرّعاة بالهاء و الذي أنكره لا يمتنع، كما يقال: غاز و غزّاء و غزّا بالمدّ و القصر. وَ أَبُونََا شَيْخٌ كَبِيرٌ قال أبو إسحاق: الفائدة في «و أبونا شيخ» أنه لا يمكنه أن يحضر فيسقي فاحتجنا و نحن نساء أن نخرج فنسقي.

____________

(1) هذه قراءة الجمهور، انظر البحر المحيط 7/106.

(2) انظر البحر المحيط 7/108، و كتاب السبعة لابن مجاهد 492.

161

فَسَقى‏ََ لَهُمََا أي قبل الوقت الذي كانتا تسقيان فيه. ثُمَّ تَوَلََّى إِلَى اَلظِّلِّ و هو في اللغة ما ليس عليه شمس، و الفي‏ء ما كانت عليه شمس ثم زالت. فَقََالَ رَبِّ إِنِّي لِمََا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ قال سعيد بن جبير عن ابن عباس: لقد قال موسى صلّى اللّه عليه و سلّم ربّ إنّني لما أنزلت إليّ من خير فقير، و ما أحد من الخلق أكرم على اللّه جلّ و عزّ منه و لقد افتقر إلى شقّ تمرة فمصّها فلزق بطنه بظهره من الجوع.

فَجََاءَتْهُ إِحْدََاهُمََا تَمْشِي عَلَى اِسْتِحْيََاءٍ قال عبد اللّه بن أبي الهذيل عن عمر بن الخطاب قال: جاءت و قد جعلت كم قميصها على وجهها أو كمّ درعها. قال أبو إسحاق: و يقال: جاءت تمشي مشي من لم يعتد الدخول و الخروج مستحيية، قََالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مََا سَقَيْتَ لَنََا فَلَمََّا جََاءَهُ و في الكلام حذف أي: فأجابها و مضى معها. فَلَمََّا جََاءَهُ وَ قَصَّ عَلَيْهِ اَلْقَصَصَ قََالَ لاََ تَخَفْ حذفت الضمّة من الفاء للجزم، و حذفت الألف لالتقاء الساكنين.

إِنَّ خَيْرَ مَنِ اِسْتَأْجَرْتَ اَلْقَوِيُّ اَلْأَمِينُ أي من قوي على عملك و أدّى فيه الأمانة.

قََالَ ذََلِكَ في موضع رفع بالابتداء. بَيْنِي وَ بَيْنَكَ في موضع الخبر، و التقدير عند سيبويه: بيننا، و أعيدت الثانية توكيدا. أَيَّمَا اَلْأَجَلَيْنِ نصب بقضيت و «ما» زائدة فَلاََ عُدْوََانَ عَلَيَّ تبرية، و يجوز فَلاََ عُدْوََانَ عَلَيَّ من جهتين: إحداهما أن تكون «لا» عاملة كليس، و الأخرى أن يكون «عدوان» مرفوعا بالابتداء، و «عليّ» الخبر، كما تقول:

لا زيد في الدار و لا عمرو. وَ اَللََّهُ عَلى‏ََ مََا نَقُولُ وَكِيلٌ ابتداء و خبر. قال أبو إسحاق:

و المعنى: و اللّه شهيدنا على ما عقد بعضنا على بعض.

و قرأ عاصم: أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ اَلنََّارِ بفتح الجيم، و روي عن الأعمش أو جذوة (1) بضم الجيم.

____________

(1) انظر كتاب السبعة لابن مجاهد 493، و البحر المحيط 7/111، و هذه قراءة مسلمة أيضا.

162

و عن الأشهب العقيلي فِي اَلْبُقْعَةِ بفتح الباء، و هي لغات، و قولهم بقاع يدلّ على بقعة، كما يقال: جفنة و جفان، و من قال: بقعة قال: في الجمع بقع مثل غرفة و غرف. قال أبو إسحاق: و يجوز بقعة و بقاع مثل جفرة و جفار. قال: و أَنْ في موضع نصب بمعنى أنّه يََا مُوسى‏ََ .

قال: وَ أَنْ أَلْقِ عَصََاكَ عليها. وَلََّى مُدْبِراً على الحال. وَ لَمْ يُعَقِّبْ أي لم يلتفت، و التقدير قيل له يََا مُوسى‏ََ أَقْبِلْ وَ لاََ تَخَفْ قال وهب: قيل له: ارجع إلى حيث كنت فرجع فلفّ درّاعته على يده فقال له الملك: أ رأيت إن أراد اللّه أن يصيبك بما تحاذر أ ينفعك لفّك يدك فقال: لا و لكنّي ضعيف خلقت من ضعف و كشف يده فأدخلها في فم الحيّة فعادت عصا. قال إِنَّكَ مِنَ اَلْآمِنِينَ مما تحاذر.

وَ اُضْمُمْ إِلَيْكَ جَنََاحَكَ مِنَ اَلرَّهْبِ يكون التقدير: ولّى مدبرا من الرّهب أو لفّ يده من الرّهب و عن ابن كثير و الجحدريّ مِنَ اَلرَّهْبِ (1) بضم الراء و الهاء، و عن قتادة مِنَ اَلرَّهْبِ (2) بفتح الراء و إسكان الهاء على أصل المصدر. فَذََانِكَ بُرْهََانََانِ ابتداء و خبر، و من قرأ فذانّك (3) فله تقديران: منها أنه ثنّى ذلك فقال: ذانّك و من قال: ذانك و قيل: تشديد النون عوض من الألف التي حذفت من «ذا» و كذا وَ اَلَّذََانِ يَأْتِيََانِهََا مِنْكُمْ [النساء: 16]، و كذا هََذََانِ خَصْمََانِ [الحج: 19]، و هذا القول الثاني قول أبي حاتم، و قيل: تشديد النون للفرق بين النون التي لا تقع معها إضافة فتحذف و بين النون المحذوفة في الإضافة، فأما فذاناك و فذانيك فلا وجه لهما.

____________

(1) انظر مختصر ابن خالويه 112، و البحر المحيط 7/112 و تيسير الداني 139.

(2) انظر تيسير الداني 139.

(3) انظر تيسير الداني 139، و البحر المحيط 7/113.

163

فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءاً نصب على الحال و معنى «ردء» معين مشتق من أردأته أي أعنته، و قد حكي ردأته ردءا. و جمع ردء أرداء، و من خفف الهمزة حذفها و ألقى حركتها على الدال، فقال: فأرسله معي ردّا. يُصَدِّقُنِي (1) و قرأ عاصم و حمزة يُصَدِّقُنِي بالرفع يكون نعتا لردء و يكون حالا. قال أبو إسحاق: و من جزم فعلى جواب السؤال.

قال الفراء: و الصرح كلّ بناء متّسع وَ إِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ اَلْكََاذِبِينَ فالظنّ هاهنا شكّ فكفر على الشكّ لأنه قد رأى من البراهين ما لا يخيل على ذي فطنة.

بَصََائِرَ نصب على الحال، و التقدير و لقد آتينا موسى الكتاب بصائر أي مبيّنا وَ هُدىً وَ رَحْمَةً عطف على بصائر، و يجوز الرفع بمعنى فهو هدي و رحمة.

وَ مََا كُنْتَ بِجََانِبِ اَلْغَرْبِيِّ أقيمت الصّفة مقام الموصوف أي بجانب الجبل الغربي.

وَ لََكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ نصب على المصدر، كذا عند الأخفش قال: و لكن رحمك ربّك رحمة، و عند أبي إسحاق مفعول من أجله أي للرّحمة، و عند الكسائي على خبر كان. قال: و يجوز الرفع بمعنى و لكن هي رحمة. قال أبو إسحاق: الرفع بمعنى و لكن فعل ذلك رحمة.

فَنَتَّبِعَ جواب لَوْ لاََ أي هيلا.

____________

(1) انظر تيسير الداني 139، و البحر المحيط 7/113.

164

قال الفراء (1) بِكِتََابٍ مِنْ عِنْدِ اَللََّهِ هُوَ أَهْدى‏ََ مِنْهُمََا أَتَّبِعْهُ بالرفع لأنه صلة للكتاب و كتاب نكرة. قال: و إذا جزمت و هو الوجه فعلى الشرط.

أُولََئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ ابتداء و خبر. قال أبو العالية: هؤلاء قوم من أهل الكتاب آمنوا بمحمد صلّى اللّه عليه و سلّم قبل أن يبعث و قد أدركه بعضهم. قال محمد بن إسحاق: سألت الزّهري عن قوله جلّ و عزّ أُولََئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ من هم، فقال: النجاشي و أصحابه، و وجّه باثني عشر رجلا فجلسوا مع النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم و كان أبو جهل و أصحابه قريبا منهم فآمنوا بالنبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم فلما قاموا من عنده تبعهم أبو جهل و من معه فقالوا لهم خيّبكم اللّه من ركب، و قبحكم من وفد لم تلبثوا أن صدقتموه، ما رأينا ركبا أحمق و لا أجهل منكم، فقالوا: سَلاََمٌ عَلَيْكُمْ لم نأل أنفسنا رشدا لنا أعمالنا و لكن أعمالكم وَ يَدْرَؤُنَ من درأت أي دفعت أي يدفعون بالاحتمال و الكلام الحسن الأذى، و قيل يدفعون بالتوبة و الاستغفار الذنوب. وَ مِمََّا رَزَقْنََاهُمْ يُنْفِقُونَ فأثنى عليهم بأنهم ينفقون من أموالهم.

شرط و مجازاة. تجبى إليه ثمرات كلّ شي‏ء (2) على تأنيث الجماعة و يُجْبى‏ََ على تذكير الجمع، و ثمرات جمع ثمرة، و ثمر جمعه ثمار.

وَ كَمْ أَهْلَكْنََا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهََا منصوب عند المازني بمعنى في معيشتها فلما حذف «في» تعدّى الفعل، و هو عند الفراء (3) منصوب على التفسير، قال: كما تقول: أبطرك مالك و بطرته، و نظيره عنده‏ إِلاََّ مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ [البقرة: 130]، و كذا عنده‏ فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْ‏ءٍ مِنْهُ نَفْساً [النساء: 4]و نصب المعارف على التفسير محال عند البصريين لأن معنى التفسير و التمييز أن يكون واحدا نكرة يدلّ على الجنس.

____________

(1) انظر معاني الفراء 2/307.

(2) انظر تيسير الداني 139، و البحر المحيط 7/121 و كتاب السبعة لابن مجاهد 494.

(3) انظر معاني الفراء 2/308.

165

قال مجاهد: أَ فَمَنْ وَعَدْنََاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لاََقِيهِ حمزة بن عبد المطلب كَمَنْ مَتَّعْنََاهُ مَتََاعَ اَلْحَيََاةِ اَلدُّنْيََا أبو جهل بن هشام.

وَ رَأَوُا اَلْعَذََابَ لَوْ أَنَّهُمْ كََانُوا يَهْتَدُونَ . قال أبو إسحاق: جواب «لو» محذوف، و المعنى: لو أنّهم كانوا يهتدون لما اتّبعوهم، و لما رأوا العذاب، و قال غيره: التقدير:

لو أنهم كانوا يهتدون لأنجاهم الهدى و لما صاروا إلى العذاب.

فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ اَلْأَنْبََاءُ يَوْمَئِذٍ أي تحيّروا فلم يدروا ما يجيبون به لمّا سئلوا، فقيل لهم: مََا ذََا أَجَبْتُمُ اَلْمُرْسَلِينَ [القصص: 65].

وَ رَبُّكَ يَخْلُقُ مََا يَشََاءُ وَ يَخْتََارُ قال علي بن سليمان: هذا وقف التمام و لا يجوز أن يكون «ما» في موضع نصب بيختار لأنها لو كانت في موضع نصب لم يعد عليها شي‏ء قال: و في هذا رد على القدرية، و قال أبو إسحاق: «و يختار» هذا وقف التمام المختار، قال: و يجوز أن يكون «ما» في موضع نصب بيختار، و يكون المعنى و يختار الذي كان لهم فيه الخير.

أَ فَلاََ تَسْمَعُونَ أي أ فلا تقبلون، }و بعده أَ فَلاََ تُبْصِرُونَ أي أفلا تتبيّنون هذا.

وَ نَزَعْنََا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً قيل معناه من كلّ قرن و في كل أمة قوم يكونون عدولا يشهدون على الناس يوم القيامة بأعمالهم. فَقُلْنََا هََاتُوا بُرْهََانَكُمْ أي حجّتكم بما كنتم تدينون به فَعَلِمُوا أَنَّ اَلْحَقَّ لِلََّهِ أي أنّ الحق ما في الدنيا. وَ ضَلَّ عَنْهُمْ مََا كََانُوا يَفْتَرُونَ أي ما كانوا يدعون من دون اللّه، و قد قال جلّ و عزّ قبل هذا: وَ قِيلَ اُدْعُوا

166

شُرَكََاءَكُمْ [القصص: 64]أي الذين جعلتموهم مع اللّه جلّ و عزّ شركاؤكم لأنهم جعلوا لهم نصيبا من أموالهم، و هذا على جهة التوبيخ أي ادعوهم لينجوكم مما أنتم فيه، فدعوهم فلم يستجيبوا لهم أي فلم ينجّوهم و لم يعينوهم، فهذا معنى وَ ضَلَّ عَنْهُمْ مََا كََانُوا يَفْتَرُونَ .

إن «قارون» لم ينصرف، لأنه اسم أعجميّ و ما كان على فاعول أعجميا لا يحسن فيه الألف و اللام لم ينصرف في المعرفة و انصرف في النكرة فإن حسنت فيه الألف و اللام انصرف إن كان اسما لمذكر نحو طاوس و راقود. قال أبو إسحاق: و لو كان قارون من العربية من قرنت الشي‏ء لانصرف. وَ آتَيْنََاهُ مِنَ اَلْكُنُوزِ مََا إِنَّ مَفََاتِحَهُ إنّ و اسمها في صلة «ما» قال أبو جعفر: و سمعت علي بن سليمان يقول: ما أقبح ما يقول الكوفيون في الصلاة أنه لا يجوز أن يكون صلة الذي و أخواته «أنّ» و ما علمت فيه و في القرآن «ما أن مفاتحه» . و هو جمع مفتح، و من قال: مفتاح قال: مفاتيح لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أحسن ما قيل فيه أن المعنى لتني‏ء العصبة أي تميلهم من ثقلها. كما يقال:

ذهبت به و أذهبته، و جئت به و أجأته، و أنأته و نؤت به. فأما قولهم: له عندي ما ساءه و ناءه فهو إتباع كان يجب أن يقال: و أناءه و مثله يقال: هنأني الشي‏ء و مرأني و أخذه ما قدم و ما حدث. إِذْ قََالَ لَهُ قَوْمُهُ تأوله الفراء (1) على أن موسى صلّى اللّه عليه و سلّم هو الذي قال له وحده فجمع، و مثله عنده‏ اَلَّذِينَ قََالَ لَهُمُ اَلنََّاسُ [آل عمران: 173]و إنما هو نعيم ابن مسعود رجل من أشجع وحده. قال أبو جعفر: و سمعت علي بن سليمان يقول:

غير هذا، و ينكر ما قال الفراء لأنه بطلان البيان. قال: و إنما هذا على أن نعيما قاله و من يذهب مذهبه. لاََ تَفْرَحْ تأوله أبو إسحاق على أنّ المعنى لا تفرح بالمال لأنّ الفرح لا يؤدي فيه الحق. إِنَّ اَللََّهَ لاََ يُحِبُّ اَلْفَرِحِينَ فرّق الفراء (2) بين الفرحين و الفارحين، و زعم أن الفرحين الذين هم في حال الفرح و أن الفارحين الذين يفرحون في المستقبل، و زعم أن مثله طمع و طامع و ميّت و مائت، و بذلك على خلاف ما قال قول اللّه جلّ و عزّ إِنَّكَ مَيِّتٌ وَ إِنَّهُمْ مَيِّتُونَ [الزمر: 30]و لم يقل: مائت.

قََالَ إِنَّمََا أُوتِيتُهُ عَلى‏ََ عِلْمٍ عِنْدِي تأوله الفراء (3) على معنيين: أحدهما على فضل عندي، و الآخر على علم فيما رأى، كما تقول: هذا كذا عندي، و قال أبو إسحاق:

____________

(1) انظر معاني الفراء 2/311.

(2) انظر معاني الفراء 2/311.

(3) انظر معاني الفراء 2/311.

167

المعنى: إنما أوتيته على علم بالتوراة، لأنه كان عالما بها و أنكر قول من قاله إنه كان يعمل الكيمياء، قال: لأن الكيمياء باطل لا حقيقة له.

أحسن ما قيل في هذا قول الخليل رحمه اللّه و يونس و سيبويه و الكسائي: إنّ القوم تنبّهوا أو نبّهوا فقالوا وي، و المتندّم من العرب يقول في حال تندّمه: وي، و حكى الفراء (1) : أن بعض النحويين قال: إنّها ويك أي ويلك ثم حذفت اللام. قال أبو جعفر: و ما أعلم جهة من الجهات إلاّ هذا القول خطأ منها فمن ذلك أن المعنى لا يصحّ عليه لأن القوم لم يخاطبوا أحدا فيقولوا له ويلك، و كان يجب على قوله أن يكون «إنّه» بكسر «إنّ» لأن جميع النحويين يكسرون أنّ بعد ويلك، و أيضا فإنّ حذف اللام من ويل لا يجوز، و أيضا فليس يكتب: هذا ويك.

وَ اَلْعََاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ قال الضحّاك: الجنّة.

مَنْ جََاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهََا قال عكرمة: ليس شي‏ء خيرا من «لا إله إلاّ اللّه» ، و إنما المعنى: من جاء بلا إله إلا اللّه، فله خير.

كُلُّ شَيْ‏ءٍ هََالِكٌ إِلاََّ وَجْهَهُ استثناء. قال أبو إسحاق: و لو كان في غير القرآن لجاز إلا وجهه بمعنى كلّ شي‏ء غير وجهه هالك، كما قال: [الوافر] 327-

و كلّ أخ مفارقه أخوه # لعمر أبيك إلاّ الفرقدان‏ (2)

و المعنى: و كلّ أخ غير الفرقدين مفارقه أخوه. وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ بمعنى و ترجعون إليه.

____________

(1) انظر معاني الفراء 2/312.

(2) مرّ الشاهد رقم (205) .

168

29 شرح إعراب سورة العنكبوت‏

بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ

} أَنْ الأولى في موضع نصب بحسب و هي وصلتها مقام المفعولين على قول سيبويه و أَنْ الثانية في موضع نصب على إحدى جهتين بمعنى لأن يقولوا و بأن يقولوا و على أن يقولوا، و الجهة الأخرى أن يكون التقدير أ حسبوا أن يقولوا.

فَلَيَعْلَمَنَّ اَللََّهُ اَلَّذِينَ صَدَقُوا وَ لَيَعْلَمَنَّ اَلْكََاذِبِينَ فيه قولان: أحدهما أن يكون صدقوا مشتقّا من الصدق، و الكاذبين مشتقّا من الكذب الذي هو ضدّ الصدق، و يكون المعنى:

فليبيننّ اللّه الذين صدقوا، فقالوا نحن مؤمنون و اعتقدوا مثل ذلك، و الذين كذبوا حين اعتقدوا غير ذلك و صدقوا في قولهم نحن نصبر و نثبت مع النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم في الحرب و يعلم الذين كذبوا، و القول الآخر أن يكون صدقوا مشتقّا من الصدق، و هو الصلب، و الكاذبين من كذب إذا انهزم، فيكون المعنى: فليعلمنّ اللّه الذين ثبتوا في الحرب و الذين انهزموا، كما قال: [البسيط] 328-

ليث بعثر يصطاد الرّجال إذا # ما الّليث كذّب عن أقرانه صدقا (1)

و جعلت فليعلمنّ في موضع ليبيّننّ مجازا.

سََاءَ مََا يَحْكُمُونَ قدّر أبو إسحاق «ما» تقديرين أحدهما أن تكون في موضع

____________

(1) الشاهد لزهير بن أبي سلمى في ديوانه 54، و لسان العرب (كذب) و (عثر) ، و التنبيه و الإيضاح 2/161، و تهذيب اللغة 10/174، و جمهرة اللغة 421، و تاج العروس (كذب) ، و (عثر) ، و بلا نسبة في ديوان الأدب 1/84.

169

نصب بمعنى: ساء شيئا يحكمون، و التقدير الآخر أن يكون «ما» في موضع رفع بمعنى ساء الشي‏ء حكمهم و قدرها أبو الحسن بن كيسان تقديرين آخرين سوى ذينك: أحدهما أن يكون «ما» مع يحكمون بمنزلة شي‏ء واحد، كما تقول:

أعجبني ما صنعت أي صنيعك، قال: و إن قلت ساء صنيعك لم يجز، و التقدير الآخر أن يكون «ما» لا موضع لها من الإعراب و قد قامت مقام الاسم لساء، و كذا نعم و بئس. قال أبو الحسن بن كيسان: و أنا أختار أن أجعل لما موضعا في كلّ ما أقدر عليه نحو قول اللّه جلّ و عزّ فَبِمََا رَحْمَةٍ مِنَ اَللََّهِ [آل عمران: 159]، و كذا فَبِمََا نَقْضِهِمْ مِيثََاقَهُمْ* [النساء: 155]، و كذا: أَيَّمَا اَلْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ [القصص: 28] «ما» في موضع خفض في هذا كلّه و ما بعدها تابع لها، و كذا إِنَّ اَللََّهَ لاََ يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مََا بَعُوضَةً [البقرة: 26] «ما» في موضع نصب و بعوضة تابعة لها.

مَنْ كََانَ يَرْجُوا لِقََاءَ اَللََّهِ أهل التفسير على أنّ المعنى: من كان يخاف الموت فليفعل عملا صالحا فإنه لا بدّ أن يأتيه، و «من» في موضع رفع بالابتداء، و «كان» في موضع الخبر و في موضع جزم بالشرط و «يرجو» في موضع خبر كان، و المجازاة فَإِنَّ أَجَلَ اَللََّهِ لَآتٍ .

وَ وَصَّيْنَا اَلْإِنْسََانَ بِوََالِدَيْهِ حُسْناً قال أبو إسحاق: مثل و وصينا الإنسان بوالديه ما يحسن، قال: رويت إحسانا، و المعنى: و وصّينا الإنسان بوالديه أن يحسن إليهما إحسانا.

قيل: معناه يبيّن أمرهم لأن المبيّن للأمر هو العالم به.

وَ قََالَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اِتَّبِعُوا سَبِيلَنََا قال أبو إسحاق: أي الطريق الذي نسلكه في ديننا. وَ لْنَحْمِلْ خَطََايََاكُمْ قال: هو أمر في تأويل شرط و جزاء أي إن تتّبعوا سبيلنا حملنا خطاياكم، كما قال: [الوافر]

170

329-

فقلت ادعي و أدعو إنّ أندى # لصوت أن ينادي داعيان‏ (1)

أي: إن دعوت دعوت، و يجوز «و ليحمل» بكسر اللام و هو الأصل إلاّ أن الكسرة حذفت استخفافا، حقيقة المعنى: -و اللّه أعلم-اتّبعوا سبيلنا و نحن لكم بمنزلة المأمورين في حمل خطاياكم إن كانت لكم خطايا كما تقول: قلّدني وزر هذا.

وَ لَيَحْمِلُنَّ أَثْقََالَهُمْ جمع ثقل، و الثقل في الأذن، و ربما دخل أحدهما على الآخر.

في الكلام حذف، و المعنى: و لقد أرسلنا نوحا إلى قومه ليدعوهم إلى الإيمان فدعاهم إليه ألف سنة إلاّ خمسين عاما، و أظهر البراهين فكذبوه، و دلّ على هذا الحذف فَأَخَذَهُمُ اَلطُّوفََانُ وَ هُمْ ظََالِمُونَ و إنّ هذه القصة قد ذكرت في غير موضع من القرآن أَلْفَ سَنَةٍ منصوب على الظرف إِلاََّ خَمْسِينَ منصوب على الاستثناء من الموجب و هو عند سيبويه بمنزلة المفعول؛ لأنه مستثنى عنه كالمفعول، و عند الفراء (2) بإن لأنها عنده «إن» دخلت عليها «لا» فالنصب عنده بإن، و الرفع عنده بلا إذا رفعت. فأما أبو العباس محمد بن يزيد فهو عنده مفعول محض كأنك قلت عنده: استثنيت زيدا. قال أبو جعفر: و رأيت أبا إسحاق يذهب إلى أن قول أبي العباس هذا خطأ، و لا يجوز عنده فيه إلاّ ما قال سيبويه. و نملي كلام أبي إسحاق في الاستثناء الذي ذكره في الآية نصّا لحسنه، و أنه قد شرح فيه أشياء من هذا الباب. قال أبو إسحاق: «الاستثناء في كلام العرب توكيد العدد و تحصيله» ؛ لأنك قد تذكر الجملة و يكون الحاصل أكثرها فإذا أردت التوكيد في تمامها قلت كلّها و إذا أردت التوكيد في نقصانها أدخلت فيها الاستثناء تقول: جاءني إخوتك، تعني أنّ جميعهم جاءك، و جائز أن تعني أن أكثرهم قد جاءك

____________

(1) الشاهد للأعشى في الكتاب 3/47، و الدرر 4/85 و الرّد على النحاة ص 128، و ليس في ديوانه، و للفرزدق في أمالي القالي 2/90، و ليس في ديوانه، و لدثار بن شيبان النمري في الأغاني 2/159، و سمط اللآلي ص 726، و لسان العرب (ندى) و للأعشى أو للحطيئة أو لربيعة بن جشم في شرح المفصل 7/35، و لأحد هؤلاء الثلاثة أو لدثار بن شيبان في شرح التصريح 2/239، و شرح شواهد المغني 2/827، و المقاصد النحوية 4/392، و بلا نسبة في أمالي ابن الحاجب 2/864، و الإنصاف 2/531، و أوضح المسالك 4/182، و مغني اللبيب 1/397، و همع الهوامع 2/13.

(2) انظر الإنصاف المسألة (34) ، و همع الهوامع 1/224.

171

و إذا قلت: جاءني إخوتك كلّهم أكّدت معنى الجماعة و أعلمت أنه لم يتخلّف منهم أحد و تقول: جاءني إخوتك إلاّ زيدا فتؤكد أن الجماعة تنقص زيدا، و كذلك رؤوس الأعداد تشبّه بالجماعات، تقول: عندي عشرة فجائز أن تكون ناقصة و جائز أن تكون تامة فإذا قلت: عندي عشرة إلاّ نصفا أو عشرة كاملة أعلمت تحقيقها، و كذلك إذا قلت: لبث ألفا إلاّ خمسين فهو كقولك: عشرة إلاّ نصفا لأنك استعملت الاستثناء فيما كان أملك بالعشرة من التّسعة لأن النصف قد دخل في باب العاشر و لو قلت: عشرة إلاّ واحدا أو إلاّ اثنين كان جائزا و فيه قبح؛ لأن تسعة و ثمانية يؤدّي عن ذلك العدد و لكنه جائز من جهة التوكيد إنّ هذه التسعة لا تزيد و لا تنقص لأن قولك: عشرة إلاّ واحدا قد أخبرت بحقيقة العدد فيه. و الاختيار في الاستثناء في الأعداد التي هي عقود الكسور و الصّحاح أن يستثنى. فأمّا استثناء نصف الشي‏ء فقبيح جدا لا تتكلّم به العرب فإذا قلت عندي عشرة إلاّ خمسة فليس تكون الخمسة مستثناة من العشرة؛ لأنها ليست تقرب منها، و إنما يتكلّم بالاستثناء كما يتكلّم بالنقصان فتقول: عندي درهم ينقص قيراطا فلو قلت:

عندي درهم ينقص خمسة الدوانيق أو ينقص نصفه كان الأولى بذلك عندي نصف درهم لأن نصف درهم لا يقع عليه اسم درهم و إخوتك يقع على بعضهم اسم الأخوة.

فَأَخَذَهُمُ اَلطُّوفََانُ مشتق من طاف يطوف، و هو اسم موضع على ما أحاط بالأشياء من غرق أو قتل أو غيرهما وَ هُمْ ظََالِمُونَ ابتداء و خبر في موضع الحال.

فَأَنْجَيْنََاهُ وَ أَصْحََابَ اَلسَّفِينَةِ معطوف على الهاء. }قال الكسائي: وَ إِبْرََاهِيمَ منصوب بأنجينا. يعني أنه معطوف على الهاء، و أجاز أن يكون معطوفا على نوح، و المعنى و أرسلنا إبراهيم، و قول ثالث أن يكون منصوبا بمعنى: و اذكر إبراهيم.

إِنَّمََا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اَللََّهِ أَوْثََاناً نصب بتعبدون و «ما» كافّة، و لا يجوز أن يكون صلة لأن إنّ لا تقع على الفعل فإن كان بعد «ما» اسم فقلت: إنما زيد جالس، فما أيضا كافة، و أجاز بعض النحويين أن يكون صلة فتقول: إنما زيدا جالس. و يجوز في غير القرآن رفع أوثان على أن تجعل «ما» اسما لأن و «تعبدون» صلتها، و حذفت الهاء لطول الاسم، و جعلت أوثانا خبر إنّ. فأما وَ تَخْلُقُونَ إِفْكاً فهو منصوب بالفعل لا غير.

172

وَ مََا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي اَلْأَرْضِ وَ لاََ فِي اَلسَّمََاءِ ذكر أبو إسحاق فيه قولين: أحدهما أن المعنى: و ما أنتم بمعجزين في الأرض و لا أهل السماء، و الآخر و لا لو كنتم في السماء. قال أبو جعفر: و سمعت علي بن سليمان يحكي عن محمد بن يزيد قال:

المعنى و ما أنتم بمعجزين في الأرض و لا من في السماء على أن من ليست موصولة و لكن يكون نكرة و يكون في السماء من نعتها، ثم أقام النعت مقام المنعوت. قال أبو إسحاق: و هذا خطأ لأن من إذا كانت نكرة فلا بد من نعتها فقد صار بمنزلة الصلة لها فلا يجوز حذف الموصول و إبقاء الصلة و كذا نعتها إذا كان بمنزلة الصلة، و لكن الناس خوطبوا بما يعرفون، و عندهم أنه من كان في السماء فالوصول إليه أبعد، فالمعنى و ما أنتم بمعجزين في الأرض و لو كنتم في السماء ما أعجزتم، و مثله‏ أَيْنَمََا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ اَلْمَوْتُ وَ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ [النساء: 78].

فَمََا كََانَ جَوََابَ قَوْمِهِ خبر كان، و اسمها إِلاََّ أَنْ قََالُوا و يجوز رفع «جواب» تجعله اسم كان و الخبر أَنْ قََالُوا

وَ قََالَ إِنَّمَا اِتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اَللََّهِ أَوْثََاناً مَوَدَّةَ (1) بَيْنِكُمْ فِي اَلْحَيََاةِ اَلدُّنْيََا هذه قراءة الحسن و مجاهد و أبي عمرو و الكسائي. قال أبو إسحاق: و قرئ مودّة بينكم (2) و قرأ أهل المدينة و عاصم و ابن عامر مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ (3) و قرأ حمزة مودّة بينكم . القراءة الأولى برفع مودة فيها ثلاثة أوجه، ذكر أبو إسحاق منها وجهين: أحدهما أنها مرفوعة على خبر إنّ و يكون ما بمعنى الذي، و التقدير: إنّ الذي اتّخذتموه من دون اللّه أوثانا مودّة بينكم، و الوجه الآخر أن يكون على إضمار مبتدأ أي هي مودّة أو تلك مودّة بينكم.

____________

(1) انظر كتاب السبعة لابن مجاهد 498، و البحر المحيط 7/144.

(2) انظر تيسير الداني 140.

(3) انظر تيسير الداني 140.

173

و المعنى: ألفتكم و جماعتكم مودّة بينكم، و الوجه الثالث الذي لم يذكره أن يكون «مودّة» رفعا بالابتداء و فِي اَلْحَيََاةِ اَلدُّنْيََا خبره، فأما إضافة مودّة إلى بينكم فإنه جعل بينكم اسما غير ظرف، و النحويون يقولون: جعله مفعولا على السعة، و حكى سيبويه: [الرجز] يا سارق الليلة أهل الدار (1)

و لا يجوز أن يضاف إليه و هو ظرف لعلّة ليس هذا موضع ذكرها. و القراءة الثانية على أنه جعل بينكم ظرفا فنصبه. و القراءة الثالثة على أنه نصب مودّة لأنه جعلها مفعولا من أجلها، كما تقول: جئتك ابتغاء العلم و قصدت فلانا مودّة له.

وَ آتَيْنََاهُ أَجْرَهُ فِي اَلدُّنْيََا مفعولان قال أبو جعفر: قد ذكرناه و بيّنا معناه وَ إِنَّهُ فِي اَلْآخِرَةِ لَمِنَ اَلصََّالِحِينَ ليس «في الآخرة» داخلا في الضلة و إنما هو تبيين و قد ذكرناه في غير هذا الموضع بأكثر من هذا.

وَ لُوطاً إِذْ قََالَ لِقَوْمِهِ قال الكسائي: المعنى: و أنجينا لوطا أو أرسلنا لوطا.

قال: و هذا الوجه أحبّ إليّ.

قراءة الكوفيين أَ إِنَّكُمْ (2) في الأولى و الثانية على الاستفهام، و كذا قراءة أبي عمرو إلاّ أنه يخفّف، و قرأ نافع إنّكم (3) بغير استفهام في الأولى و استفهم في الثانية. و هذه القراءة على اتّباع السواد، و هي على الإلزام لا على الاستفهام. و كذا قال محمد بن يزيد في قول الشاعر: [الخفيف‏]:

330-

ثمّ قالوا: تحبّها قلت: بهرا (4)

____________

(1) الرجز بلا نسبة في الكتاب 1/233، و خزانة الأدب 3/108، و الدرر 3/98، و شرح ديوان الحماسة للمرزوقي ص 655، و شرح المفصل 2/45، و المحتسب 2/295، و همع الهوامع 1/203.

(2) انظر كتاب السبعة لابن مجاهد 499، و البحر المحيط 7/145.

(3) انظر كتاب السبعة لابن مجاهد 499، و البحر المحيط 7/145.

(4) الشاهد لعمر بن أبي ربيعة في ديوانه 431، و الأغاني 1/87، و الدرر 3/63، و جمهرة اللغة 331، و الخصائص 2/281، و شرح أبيات سيبويه 1/267، و شرح شواهد المغني ص 39، و شرح المفصل 1/121، و لسان العرب (بهر) ، و بلا نسبة في الكتاب 1/372، و أمالي المرتضى 1/345، و كتاب اللامات 124، و همع الهوامع 1/188.

174

و القراءة الأولى عند أبي عبيد بعيدة للجمع بين الاستفهامين. قال أبو جعفر:

و ليس الأمر كذلك لأن هذا استفهام بعد استفهام و ليس ينكر في مثل هذا استفهامان و قد شبّهه بما لا يشبهه ممّا ذكره في هذه السورة.

إِنََّا مُنَجُّوكَ وَ أَهْلَكَ عطف على الكاف في التأويل، و لا يجوز العطف على موضعها بغير تأويل لئلا يعطف ظاهر مخفوض على مكنيّ. إِلاَّ اِمْرَأَتَكَ استثناء من موجب.

وَ عََاداً وَ ثَمُودَ (1) قال الكسائي: قال بعضهم: هو راجع إلى أول السورة وَ لَقَدْ فَتَنَّا اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ... وَ عََاداً وَ ثَمُودَ ، قال: و أحبّ إليّ أن يكون على‏ فَأَخَذَتْهُمُ اَلرَّجْفَةُ و أخذت عادا و ثمودا. و زعم أبو إسحاق أن التقدير: و أهلكنا عادا و ثمودا.

وَ كََانُوا مُسْتَبْصِرِينَ فيه قولان: أحدهما أنّ المعنى: و كانوا مستبصرين في الضلالة، و القول الآخر و كانوا مستبصرين؛ أي قد عرفوا الحقّ من الباطل بظهور البراهين. و هذا القول أشبه-و اللّه أعلم-لأنه إنما يقال: فلان مستبصر إذا عرف الشي‏ء على الحقيقة، و من كفر فلم يعرف الشي‏ء على حقيقته فلا يخلو أمره من إحدى جهتين إمّا أن يكون معاندا و إما أن يكون قد ترك ما يجب عليه من الاستدلال و تعرّف الحقّ، و هو على أحد هذين يعاقب.

وَ قََارُونَ وَ فِرْعَوْنَ وَ هََامََانَ قال الكسائي: إن شئت كان على عاد و كان فيه ما فيه و إن شئت كان على‏ فَصَدَّهُمْ عَنِ اَلسَّبِيلِ [النمل: 24]و صدّ قارون و فرعون و هامان.

____________

(1) انظر تيسير الداني 141.

175

فَكُلاًّ أَخَذْنََا بِذَنْبِهِ قال الكسائي: «فكلاّ» منصوب بأخذنا.

مَثَلُ اَلَّذِينَ اِتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اَللََّهِ أَوْلِيََاءَ كَمَثَلِ اَلْعَنْكَبُوتِ الكاف في موضع رفع على التأويل، لأنها خبر الابتداء في موضع نصب على الظرف. و العنكبوت مؤنّثة، و حكى الفراء (1) تذكيرها و أنشد: [الوافر] 331-

على هطّالهم منهم بيوت # كأنّ العنكبوت هو ابتناها (2)

قال أبو جعفر: و في جمع العنكبوت وجوه يقال: عناكب و عناكيب و عكاب و عكب و أعكب، و قد حكي أنّه يقال: عنكب. وَ إِنَّ أَوْهَنَ اَلْبُيُوتِ لَبَيْتُ اَلْعَنْكَبُوتِ قال الضحاك: ضرب مثلا لضعف آلهتهم و وهنها فشبّهها ببيت العنكبوت.

قال: إِنَّ اَللََّهَ يَعْلَمُ مََا يَدْعُونَ .

أي ما تعبدون من دونه من شي‏ء. قال أبو جعفر: «من» هاهنا للتبعيض و لو كانت زائدة للتوكيد لا نقلب المعنى.

مذهب أبي العالية أن المعنى إن مما يتلى في الصلاة، و التقدير على هذا إن تلاوة الصلاة مثل‏ وَ سْئَلِ اَلْقَرْيَةَ [يوسف: 82]. قال أبو جعفر: و قد ذكرنا غير هذا.

وَ لَذِكْرُ اَللََّهِ أَكْبَرُ مذهب الضحّاك أن المعنى: و لذكر اللّه عند ما يحرم فيترك أجلّ الذكر، و قيل: المعنى: و لذكر اللّه النهي عن الفحشاء و المنكر أكبر أي كبير، و أكبر يكون بمعنى كبير.

____________

(1) انظر معاني الفراء 2/317.

(2) الشاهد بلا نسبة في لسان العرب (عنكب) و (هطل) ، و تهذيب اللغة 3/309، و المخصص 17/17، و ديوان الأدب 1/329، و تاج العروس (عنكب) و (هطل) ، و معاني القرآن للفراء 2/317.

176

وَ لاََ تُجََادِلُوا أَهْلَ اَلْكِتََابِ إِلاََّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ اَلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ بدل من أهل، و يجوز أن يكون استثناء.

فجعل اللّه جلّ و عزّ هذا دليلا على نبوته لأنه لا يكتب و لا يخالط أهل الكتاب و لم يكن بمكّة أهل الكتاب فجاءهم بأخبار الأنبياء و الأمم، و زالت الريبة و الشك بهذه الأشياء.

بَلْ هُوَ آيََاتٌ بَيِّنََاتٌ أي بل الكتاب، و زعم الفراء (1) أنّ في قراءة عبد اللّه بل هي آيات بينات بمعنى بل آيات القرآن آيات بينات، قال: و مثله‏ هََذََا بَصََائِرُ* [الجاثية: 20]و لو كانت هذه لجاز، و نظيره‏ هََذََا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي [الكهف: 89].

وَ قََالُوا لَوْ لاََ أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيََاتٌ مِنْ رَبِّهِ و كان طلبهم لهذا تعنّتا و تهزّؤا لأنه قد ظهر من الآيات ما فيه كفاية فكان هذا مما لا نهاية له فأمر أن يقول لهم إِنَّمَا اَلْآيََاتُ عِنْدَ اَللََّهِ أي يأتي منها بما فيه الصلاح. وَ إِنَّمََا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ }قيل: معناه يبيّن لهم ما يجب عليهم و بيّن الأول بقوله: أَ وَ لَمْ يَكْفِهِمْ أَنََّا أَنْزَلْنََا عَلَيْكَ اَلْكِتََابَ «أنّا» في موضع رفع بيكفي.

هذه «أيّ» دخلت عليها كاف التشبيه فصار فيها معنى «كم» و التقدير عند الخليل و سيبويه‏ (2) رحمهما اللّه كالعدد. و شرح هذا أبو الحسن بن كيسان فقال. أيّ شي‏ء من الأشياء، فالمعنى على قول الخليل و سيبويه: كشي‏ء كثير من العدد، قال: و لهذا قال

____________

(1) انظر معاني الفراء 2/317.

(2) انظر الكتاب 2/173.

177

الكسائي: الأصل في «كم» كما فإذا قلت: كم مالك؟فالمعنى: كأي شي‏ء من العدد مالك، قال: و مثل ذلك في الإبهام: له كذا و كذا درهما، أي له كالعدد المذكور أو المشار إليه ثم كثر استعمالهم لذلك حتى قالوا: له كذا و إن لم يتقدّم شي و لم يشر إلى شي‏ء. فإذا قلت: له عندي كذا درهما، وجب له عند الكوفيين أحد عشر درهما، فإذا قلت: له عندي كذا و كذا درهما، وجب له أحد و عشرون درهما، و إذا قلت: له عندي كذا درهم كانت مائة، و إذا قلت: كذا دراهم كانت ثلاثة، و لا يجوز عند البصريين الخفض بوجه، و هي عندهم مبهمة يقع للقليل و الكثير، و زعم أبو عبيدة أن الحيوان و الحياة و الحيّ واحد. و غيره يقول: إنّ الحيّ جمع على فعول مثل عصيّ.

وَ لِيَتَمَتَّعُوا لام كي، و يجوز أن تكون لام أمر، لأن أصل لام الأمر الكسر إلاّ أنه أمر فيه معنى التهديد. و من قرأ و ليتمتّعوا (1) بإسكان اللام لم يجعلها لام كي، لأن لام كي لا يجوز إسكانها.

وَ إِنَّ اَللََّهَ لَمَعَ اَلْمُحْسِنِينَ لام توكيد، و دخلت اللام في مع على أحد أمرين منهما أن تكون اسما و لام التوكيد إنما تدخل على الأسماء و منها أن تكون حرفا فتدخل عليها لأن فيها معنى الاستقرار، كما تقول: إنّ زيدا لفي الدار و «مع» إذا سكنت فهي حرف لا غير، و إذا فتحت جاز أن تكون اسما و أن تكون حرفا، و الأكثر أن تكون حرفا جاء لمعنى إلاّ أنها فتحت لما وقع فيها مما ليس في أخواتها.

____________

(1) انظر كتاب السبعة لابن مجاهد 502، و البحر المحيط 7/155.

178

30 شرح إعراب سورة الرّوم‏

بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ

قال أبو جعفر:

هذه قراءة أكثر الناس، و روي عن أبي عمرو و أبي سعيد الخدري أنهما قرءا اَلَم غَلبَتِ الرُّومُ‏ (1) و قرءا سَتُغْلَبُونَ‏ (2) ، و حكى أبو حاتم أن عصمة روى عن هارون أن هذه قراءة أهل الشام، و أحمد بن حنبل يقول: إن عصمة هذا ضعيف، و أبو حاتم كثير الرواية عنه و الحديث يدلّ على أن القراءة غُلِبَتِ بضم الغين؛ و كان في هذا الإخبار دليل على نبوّة محمد صلّى اللّه عليه و سلّم، لأن الروم غلبتها فارس فأخبر اللّه جلّ و عزّ أن الروم ستغلب فارس في بضع سنين، و أن المؤمنين يفرحون بذلك لأن الروم أهل كتاب فكان هذا من علم الغيب الذي أخبر اللّه جلّ و عزّ به مما لم يكن و أمر أبا بكر رضي اللّه عنه أن يراهنهم على ذلك، و أن يبالغ في الرهان ثم حرم الرهان و نسخ بتحريم القمار وَ هُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ زعم الفراء (3) أن الأصل من بعد غلبتهم فحذفت التاء كما حذفت في قوله: وَ أَقََامَ اَلصَّلاََةَ* [النور: 37]، و هذا غلط لا يخفى على كثير من أهل النحو لأن «أقام الصلاة» مصدر حذف منه لاعتلال فعله فجعلت التاء عوضا من المحذوف، و «غلب» ، ليس بمعتل و لا حذف منه شي‏ء و قد حكى الأصمعي: طرد طردا و حلب حلبا و غلب غلبا فأيّ حذف في هذا، و هل يجوز أن يقال: في أكل أكلا و ما أشبهه حذف منه.

فِي بِضْعِ سِنِينَ حذفت الهاء من بضع فرقا بين المذكّر و المؤنّث، و فتحت النون من سنين لأنه جمع مسلّم، و من العرب من يقول في بضع سنين كما يقول: من غسلين

____________

(1) انظر معاني الفراء 2/319.

(2) انظر البحر المحيط 7/157.

(3) انظر معاني الفراء 2/319.

179

و إن جاز فجمع سنة بالواو و النون و الياء و النون، لأنه قد حذف منها شي‏ء فجعل هذا الجمع عوضا، و كسرت السين و كانت مفتوحة في سنة لأن الكسرة جعلت دليلا على أنه جمع على غير ما يجب له. هذا قول البصريين، و يلزم الفراء أن يضمّها إلاّ أنّه يقول:

الضمّة دليل على الواو، و قد حذف من سنة واو في أحد القولين و لا يضمها أحد علمناه. لِلََّهِ اَلْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَ مِنْ بَعْدُ و يقال: من قبل و من بعد، و حكى الكسائي عن بعض بني أسد. لِلََّهِ اَلْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَ مِنْ بَعْدُ (1) الأول مخفوض منون و الثاني مضموم بلا تنوين. و حكى الفراء (2) ، «من قبل و من بعد» مخفوضين بغير تنوين، و للفراء في هذا الفصل من كتابه في القرآن أشياء كثيرة، الغلط فيها بيّن فمنها أنه زعم أنه يجوز «من قبل و من بعد» كما قال الشاعر: [مجزوء الكامل‏] 332-

إلاّ علالة أو بداهة # سابح نهد الجزاره‏ (3)

و كما قال: [المنسرح‏] 333-

يا من رأى عارضا أكفكفه # بين ذراعي و جبهة الأسد (4)

و الغلط في هذا بيّن لأنه ليس في القرآن للّه الأمر من قبل و من بعد ذلك، فيكون مثل قوله: «بين ذراعي و جبهة الأسد» أ لا ترى أنك تقول: أخذته بنصف و ربع الدرهم، و لا يجوز أخذته بنصف و ربع، و تقول: قطع اللّه يد و رجل زيد.

و لا يجوز يد و رجل، على أنّ هذا أيضا ليس بكثير في كلام العرب و إنما يحمل كتاب اللّه على الكثير و الفصيح، و لا يجوز أن يقاس عليه ما لا يشبهه، و لو قلت:

اشتريت دار و غلام عمرو، لم يجز عند أحد علمناه و من ذلك أنه زعم أنه يجوز من قبل و من بعد و أنت تريد الإضافة و هذا نقض الباب كلّه لأن الضمّ إنما كان فيه لعدم الإضافة و إرادتها، فإذا خفضت و أنت تريدها تناقض الكلام و إنما يجوز «من قبل و من بعد» على

____________

(1) انظر معاني الفراء 2/320.

(2) انظر معاني الفراء 2/320.

(3) الشاهد للأعشى في ديوانه ص 209، و الكتاب 1/237، و خزانة الأدب 1/172، و الخصائص 2/ 407، و سرّ صناعة الإعراب 1/298، و شرح أبيات سيبويه 1/114، و شرح المفصل 3/22، و الشعر و الشعراء 1/163، و لسان العرب (جزر) ، و (علل) و (بده) ، و المقاصد النحوية 3: 453، و بلا نسبة في أمالي ابن الحاجب 2/626، و رصف المباني 358، و شرح ديوان الحماسة للمرزوقي ص 118، و المقتضب 4/228 و المقرب 1/180.

(4) الشاهد للفرزدق في ديوانه 215، و الكتاب 1/239، و خزانة الأدب 2/319، و شرح شواهد المغني 2/799، و شرح المفصل 3/21 و المقاصد النحوية 3/451، و المقتضب 4/229، و بلا نسبة في الأشباه و النظائر 1/100، و تخليص الشواهد 87، و خزانة الأدب 10/187، و الخصائص 2/407، و رصف المباني ص 341، و سرّ صناعة الأعراب 297، و شرح الأشموني 2/336، و شرح عمدة الحافظ 502، و لسان العرب (بعد) و (يا) .

180

أنهما نكرتان. قال أبو إسحاق: و المعنى من متقدّم و من متأخّر، و منها أنه شبّه من قبل و من بعد بقولهم: من عل، و أنشد: [الرجز] 334-

إن تأت من تحت أجئها من عل‏ (1)

و ليس من قبل و من بعد من باب من عل. قال سيبويه‏ (2) : و لم يسكنوا من الأسماء ما ضارع المتمكّن و لا ما جعل في موضع بمنزلة غير المتمكّن. فالمضارع «من عل» حرّكوه لأنهم يقولون: من عل فأما التمكّن الذي جعل بمنزلة غير المتمكن فقولهم: أبدأ بهذا أول و يا حكم، أ فلا ترى أن سيبويه لحذفه قد فصل بين «من عل» و بين «أول» ثم جاء الفراء فجمع بينهما، و أنشد الذي ذكرناه، و أنشد:

[الطويل‏] 335-

فو اللّه ما أدري و إنّي لأوجل # على أيّنا تعدو المنيّة أوّل‏ (3)

فخلط الجميع في الباب و جاء بهما في «قبل و بعد» و أحدهما مخالف لقبل و بعد.

فأما الكلام في قبل و بعد على مذهب سيبويه و على مذهب البصريين إنّ سبيلهما أن لا يعربا لأنهما قد كانتا حذف منهما المضاف إليه و الإضافة فصارتا معرفتين من غير جهة التعريف فزال تمكّنهما فلم يخليا من حركة لأنهما قد كانتا معربتين فاختير لهما الضم لأنه قد يلحقهما بحقّ الإعراب الجرّ و النصب فأعطيتا غير تينك الحركتين فضمّتا إلاّ أن أبا العباس محمد بن يزيد قال: لمّا كانتا غايتين أعطيتاه ما هو غاية الحركات. وَ يَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ اَلْمُؤْمِنُونَ في معناه قولان: أحدهما أنهم فرحون بغلبة الروم فارس؛ لأن الروم أهل كتاب فهم إلى المسلمين أقرب من الأوثان، و القول الآخر و هو أولى أنّ فرحهم إنما هو لإنجاز وعد اللّه جلّ و عزّ إذ كان فيه دليل على النبوة لأنه أخبر جلّ و عزّ بما يكون في بضع سنين فكان فيه.

مصدر مؤكّد. قال أبو إسحاق: و يجوز وَعْدَ اَللََّهِ بالرفع بمعنى ذلك وعد اللّه.

وَ لََكِنَّ أَكْثَرَ اَلنََّاسِ لاََ يَعْلَمُونَ و هم الكفار و هم أكثر.

يَعْلَمُونَ ظََاهِراً مِنَ اَلْحَيََاةِ اَلدُّنْيََا ثم بيّن ما يجهلونه بقوله: وَ هُمْ عَنِ اَلْآخِرَةِ هُمْ غََافِلُونَ «هم» الأول ابتداء و الثاني ابتداء ثان و الجملة خبر الأول، و في الكلام معنى التوكيد،

____________

(1) الرجز بلا نسبة في معاني الفراء 2/319، و تهذيب اللغة 2/244، و لسان العرب (بعد) .

(2) انظر الكتاب 3/319.

(3) مرّ الشاهد رقم (14) .

181

و يجوز أن يكون «هم» الثاني بدلا من الأول كما تقول: رأيته إياه، و في الكلام أيضا معنى التوكيد.

وَ إِنَّ كَثِيراً مِنَ اَلنََّاسِ بِلِقََاءِ رَبِّهِمْ لَكََافِرُونَ اللام للتوكيد، و التقدير: لكافرون بلقاء ربّهم على التقديم و التأخير و على هذا تقول: إنّ زيدا في الدار لجالس، و لو قلت: إنّ زيدا لفي الدار لجالس، لجاز، فإن قلت: إنّ زيدا جالس لفي الدار. لم يجز لأن اللام إنما يؤتى بها توكيدا لاسم إنّ و خبرها، فإذا جئت بهما لم يجز إن تأتي بها و كذا إن قلت: إنّ زيدا لجالس لفي الدار لم يجز.

وَ أَثََارُوا اَلْأَرْضَ لأن أهل مكة لم يكونوا أصحاب حرب.

ثُمَّ كََانَ عََاقِبَةَ اَلَّذِينَ (1) اسم كان و ذكرت لأن تأنيثها غير حقيقي. اَلسُّواى‏ََ خبر كان و من نصب عََاقِبَةَ جعل «السّوأى» اسم كان، و روي عن الأعمش أنه يقرأ ثمّ كان عاقبة الذين أساؤا السّوء (2) برفع السوء. أَنْ كَذَّبُوا في موضع نصب، و المعنى: لأن كذّبوا.

و قرأ أبو عبد الرحمن السلمي (يبلس) (3) بفتح اللام و المعروف في اللغة أبلس الرجل. إذا سكت و انقطعت حجّته و لم يؤمّل أن تكون له حجة، و قريب منه تحيّر، كما قال الراجز:

336-

قال: نعم أعرفه و أبلسا (4)

____________

(1) انظر تيسير الداني 141، و كتاب السبعة لابن مجاهد 506.

(2) انظر البحر المحيط: 7/160.

(3) انظر البحر المحيط 7/160، و معاني الفراء 2/323.

(4) الرجز للعجاج في ديوانه 1/185، و لسان العرب (بلس) و التنبيه و الإيضاح 2/262، و تهذيب اللغة 12/442، و تاج العروس (بلس) و (عجنس) و (كرس) و (وكف) ، و جمهرة اللغة 719، و أساس البلاغة (بجس) ، و بلا نسبة في لسان العرب (صلب) ، و مقاييس اللغة 5/169، و المخصّص 1/126، و تاج العروس (صلب) ، و تهذيب اللغة 10/53. و قبله:

«يا صاح هل تعرف رسما مكرسا»

182

و قد زعم بعض النحويين أنّ «إبليس» مشتقّ من هذا و أنه أبلس أي انقطعت حجّته، و لو كان كما قال لوجب أن ينصرف و هو في القرآن غير منصرف فاحتجّ بعضهم بأنه اسم ثقل لأنه لم يسمّ به غيره.

وَ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكََائِهِمْ شُفَعََاءُ قيل: يعني بشركائهم ما عبدوه من دون اللّه جلّ و عزّ. وَ كََانُوا بِشُرَكََائِهِمْ كََافِرِينَ قالوا: ليسوا بآلهة.

فَأَمَّا اَلَّذِينَ آمَنُوا سمعت أبا إسحاق يقول: معنى «أمّا» دع ما كنّا فيه و خذ في غيره، و كذا قال سيبويه: إنّ معناها مهما يكن من شي‏ء أي مهما يكن من شي‏ء فخذ في غير ما كنّا فيه. اَلَّذِينَ آمَنُوا في موضع رفع بالابتداء فَهُمْ ابتداء ثان و ما بعده خبر عنه و الجملة خبر «الذين» . قال الضحاك: فِي رَوْضَةٍ في جنة. و الرياض الجنات. و قال أبو عبيدة: الروضة ما كان في تسفّل فإن كان مرتفعا فهو ترعة، و قال غيره:

أحسن ما تكون الروضة إذا كانت في موضع مرتفع غليظ، كما قال الأعشى: [البسيط] 337-

ما روضة من رياض الحزن معشبة (1)

إلاّ أنه لا يقال: لها روضة إلاّ إذا كان فيها نبت فإن لم يكن فيها نبت و كانت مرتفعة فهي ترعة و قد قيل في الترعة غير هذا. قال الضحّاك: «يحبرون» يكرمون.

حكى الكسائي حبرته أي أكرمته و نعمته. قال أبو جعفر: سمعت علي بن سليمان يقول: هو مشتق من قولهم: على أسنانه حبرة أي أثر فيحبرون أي يتبيّن عليهم أثر النعيم، الحبر مشتقّ من هذا.

أهل التفسير على أنّ هذا في الصلوات. قال أبو جعفر: و سمعت علي بن سليمان يقول: حقيقته عندي فسبّحوا اللّه في الصلوات لأن التسبيح يكون في الصلاة، و عن

____________

(1) الشاهد للأعشى في ديوانه 107، و لسان العرب (تدع) ، و (هطل) ، و (حزن) ، و تهذيب اللغة 2/266، و تاج العروس (حزن) ، و عجزه:

«خضراء جاد عليها مسبل هطل»

183

عكرمة أنه قرأ فسبحان اللّه حينا تمسون و حينا تصبحون (1) و هو منصوب على الظرف، و المعنى: حينا تمسون فيه و حينا تصبحون حتى يعود على حين من نعمته شي‏ء، و مثله في القرآن‏ يَوْماً لاََ تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً* [البقرة: 48]قال أبو جعفر: و سمعت علي بن سليمان يقول: حروف الخفض لا تحذف و لكن تقدّر فيه الهاء فقط.

وَ لَهُ اَلْحَمْدُ و يجوز النصب على المصدر.

وَ مِنْ آيََاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرََابٍ أَنْ في موضع رفع بالابتداء، }و كذا أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوََاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهََا . وَ جَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَ رَحْمَةً روي عن ابن عباس المودّة حبّ الرجل امرأته، و الرحمة رحمته إياها أن يصيبها سوء.

بيّن جلّ و عزّ آياته الدالة عليه بخلق السّموات و الأرض و اختلاف اللسان في الفم و اختلاف اللغات و اختلاف الألوان و الصور على كثرة الناس فما تكاد ترى أحدا إلا و أنت تفرق بينه و بين الآخر، فهذا من أدلّ دليل على المدبّر و الباري؛ لأن من صنع شيئا غيره لم يكن فيه هذا التفريق.

وَ مِنْ آيََاتِهِ أَنْ تَقُومَ اَلسَّمََاءُ وَ اَلْأَرْضُ بِأَمْرِهِ أي تقوم بلا عمد بقدرته، و جعله أمرا مجازا كما يقال: هذا أمر عظيم.

و في معنى‏ يَسْمَعُونَ قولان: يقبلون مثل قوله: سمع اللّه لمن حمده، و الآخر

____________

(1) انظر البحر المحيط 7/162، و مختصر ابن خالويه 116.

184

أنّ منهم من كان إذا تلي القرآن و هو حاضر سدّ أذنيه لئلاّ يسمع فلمّا بيّن جلّ و عزّ الدلالة عليه قال: ثُمَّ إِذََا دَعََاكُمْ دَعْوَةً مِنَ اَلْأَرْضِ إِذََا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ أي الذي فعل هذه الأشياء قادر على أن يبعثكم، و أجمع القراء على فتح التاء هاهنا في «تخرجون» و اختلفوا في التي في «الأعراف» فقرأ أهل المدينة وَ مِنْهََا تُخْرَجُونَ [الأعراف: 25]، و قرأ أهل العراق بالفتح، و إليه يميل أبو عبيد و المعنيان متقاربان إلاّ أن أهل المدينة فرقوا بينهما لنسق الكلام، فنسق الكلام في التي في «الأعراف» بالضم أشبه إذ كان الموت ليس من فعلهم، فكذا الإخراج و الفتح في سورة الروم أشبه بنسق الكلام أي إذا دعاكم خرجتم أي أطعتم فالفعل بهم أشبه.

قال أبو الهيثم عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلّى اللّه عليه و سلّم قال: «كلّ قنوت في القرآن فهو طاعة» (1) قال أبو جعفر: المعنى كلّ من في السّموات و الأرض له مطيعون طاعة انقيادهم على ما شاء من صحّة و سقم و غنى و فقر، و ليست هذه الطاعة التي يجازون عليها.

وَ هُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ و قد ذكرناه. وَ لَهُ اَلْمَثَلُ اَلْأَعْلى‏ََ أي ما أراده جلّ و عزّ كان، و قال الخليل رحمه اللّه: المثل الصفة.

شُرَكََاءَ في موضع رفع و مِنْ زائدة للتوكيد. فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوََاءٌ مبتدأ و خبر و ليست سواء هاهنا التي تكون ظرفا. تَخََافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ نصب بالفعل و الكاف و الميم في موضع خفض، و هي أيضا في موضع رفع في التأويل كما تقول: عجبت من ضربكم عمرا. و يجوز من ضربكم عمرو لأن المصدر يضاف إلى الفاعل و المفعول به، و تقول: عجبت من وقع أنيابه بعضها على بعض، و إن شئت رفعت لأن أنيابه في موضع رفع في التأويل إلاّ أن الرفع في الظاهر قبيح عند الكوفيين، فإن قلت: عجبت من وقعها بعضها على بعض، حسن الرفع عند الجميع كَذََلِكَ الكاف في موضع نصب، و التقدير: نفصّل الآيات تفصيلا كذلك.

____________

(1) انظر تفسير القرطبي 14/20، و 15/239.

185

بَلِ اِتَّبَعَ اَلَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوََاءَهُمْ جمع هوى لأنّ أصله فعل.

فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ أي اجعل جهتك للدين. حَنِيفاً على الحال. قال الضحاك: «حنيفا» مسلما حاجا. قال و فِطْرَتَ اَللََّهِ دين اللّه. قال أبو إسحاق: «فطرة اللّه» نصب بمعنى اتّبع فطرة اللّه، قال: لأن معنى فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ اتبع الدين و اتبع فطرة اللّه. قال محمد بن جرير: «فطرة» مصدر من معنى فأقم وجهك؛ لأن معنى ذلك فطر اللّه الناس على ذلك فطرة. و قد ذكرنا فطرة اللّه بأكثر من هذا في «المعاني» ، و الحديث «كل مولود يولد على الفطرة» ، و قول الفقهاء فيه. و قد قيل: معناه يولد على الخلقة التي تعرفونها، و قيل: معنى فطرة اللّه التي فطر الناس عليها أي اتّبعوا دين اللّه الذي خلق الناس له. و سمّيت الفطرة دينا لأن الناس يخلقون له قال جلّ و عزّ وَ مََا خَلَقْتُ اَلْجِنَّ وَ اَلْإِنْسَ إِلاََّ لِيَعْبُدُونِ [الذاريات: 56]و احتجّ قائل بقوله جلّ و عزّ: وَ إِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهََا [الإسراء: 7].

مُنِيبِينَ إِلَيْهِ منصوب على الحال. قال محمد بن يزيد: لأن معنى «فأقم وجهك» : و فأقيموا وجوهكم. و هو قول أبي إسحاق و احتج بقوله جلّ و عزّ يََا أَيُّهَا اَلنَّبِيُّ إِذََا طَلَّقْتُمُ اَلنِّسََاءَ [الطلاق: 1]، و قال الفراء (1) : المعنى فأقم وجهك و من معك منيبين ورد أبو العباس قول من قال: التقدير لا يعلمون منيبين لأن معنى منيبين راجعون فكيف لا يعلمون راجعين، و أيضا فإن بعده وَ اِتَّقُوهُ و إنما معناه فأقيموا وجوهكم و اتّقوه وَ لاََ تَكُونُوا مِنَ اَلْمُشْرِكِينَ .

مِنَ اَلَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ تأولته عائشة رضي اللّه عنها و أبو هريرة و أبو أمامة رحمهما اللّه على أنه لأهل القبلة، و قال الربيع بن أنس: الذين فرقوا دينهم أهل الكتاب. و فارقوا دينهم تركوا دينهم الذي يجب أن يتبعوه، و هو التوحيد. وَ كََانُوا شِيَعاً أي فرقا. كُلُّ حِزْبٍ بِمََا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ قيل: هم فرحون لأنهم لم يتبيّنوا الحق

____________

(1) مرّ في إعراب الآية 9: مريم.

186

و عليهم أن يتبيّنوه، و قيل: هذا قبل أن تظهر البراهين، و قول ثالث أنّ العاصي للّه جلّ و عزّ قد يكون فرحا بمعصيته، و كذلك الشيطان، و قطّاع الطريق و غيرهم، و اللّه أعلم.

و زعم الفراء (1) أنه يجوز أن يكون التمام «و لا تكونوا من المشركين» و يكون المعنى «من الذين فارقوا دينهم» وَ كََانُوا شِيَعاً على الاستئناف، و أنه يجوز أن يكون متصلا بما قبله، قال أبو جعفر: إذا كان متصلا بما قبله فهو عند البصريين على البدل بإعادة الحرف كما قال جلّ و عزّ: لِلَّذِينَ اُسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ [الأعراف: 75] و لو كان بلا حرف لجاز.

دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ على الحال، و عن ابن عباس أي مقبلين إليه بكلّ قلوبهم.

لِيَكْفُرُوا بِمََا آتَيْنََاهُمْ لام كي، و قيل: هي لام أمر فيه معنى التهديد، كما قال جلّ و عزّ فَمَنْ شََاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَ مَنْ شََاءَ فَلْيَكْفُرْ [الكهف: 29]و كما تقول‏ (2) : كلّم فلانا حتى نرى ما يلحقك منّي و كذا فَتَمَتَّعُوا ، و دلّ على ذلك فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ .

أَمْ أَنْزَلْنََا عَلَيْهِمْ سُلْطََاناً استفهام فيه معنى التوقيف. قال الضحّاك: «سلطانا» أي كتابا، و زعم الفراء أن العرب تؤنّث السلطان، و تقول: قضت به عليك السلطان. فأما البصريون فالتذكير عندهم أفصح، و به جاء القرآن، و التأنيث جائز عندهم؛ لأنه بمعنى الحجّة. و قولنا سلطان معناه صاحب سلطان أي صاحب الحجّة؛ إلاّ أن محمد بن يزيد قال غير هذا فيما حكى لنا عنه علي بن سليمان قال: سلطان جمع سليط كما تقول:

رغيف و رغفان، فتذكيره على معنى الجميع و تأنيثه على معنى الجماعة.

وَ إِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمََا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذََا هُمْ يَقْنَطُونَ التقدير عند سيبويه قنطوا فلهذا كان جواب الشرط.

فَآتِ ذَا اَلْقُرْبى‏ََ حَقَّهُ تأوله مجاهد و قتادة على أنه قريب الرجل، و جعلا صلة

____________

(1) انظر معاني الفراء 2/325.

(2) انظر معاني الفراء 2/325.

187

الرحم فرضا من اللّه جلّ و عزّ حتى قال مجاهد: لا يقبل صدقة من أحد و رحمه محتاجة، و قيل: ذو القربى القربى بالنبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم، و حقّه مبيّن في قوله جلّ و عزّ: وَ اِعْلَمُوا أَنَّمََا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْ‏ءٍ فَأَنَّ لِلََّهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي اَلْقُرْبى‏ََ [الأنفال: 41]، «و ابن السبيل» الضيف فجعل الضيافة فرضا، فَأُولََئِكَ مبتدأ و هُمُ مبتدأ ثان اَلْمُضْعِفُونَ خبر الثاني و الجملة خبر الأول، و في معنى المضعفين قولان: أحدهما تضاعف لهم الحسنات و الآخر أنه قد أضعف لهم الخير و النعيم أي هم أصحاب أضعاف، كما يقال:

فلان مقو أي له أصحاب أقوياء، و يقال: فلان ردي‏ء مردئ أي هو ردي‏ء في نفسه و أصحابه أردياء.

ظَهَرَ اَلْفَسََادُ فِي اَلْبَرِّ وَ اَلْبَحْرِ بِمََا كَسَبَتْ أَيْدِي اَلنََّاسِ في معناه قولان: أحدهما ظهر الجدب في البر أي في البوادي و قرأها: و في البحر أي في مدن البحر مثل‏ وَ سْئَلِ اَلْقَرْيَةَ [يوسف: 82]أي ظهر قلّة الغيث و غلاء السعر بما كسبت أيدي الناس من المعاصي لنذيقهم عقاب بعض الذي عملوا ثم حذف. و القول الآخر: أنّ معنى ظَهَرَ اَلْفَسََادُ ظهرت المعاصي من قطع السبيل و الظلم فهذا هو الفساد على الحقيقة. و الأول مجاز إلاّ أنه على الجواب الثاني يكون في الكلام حذف و اختصار دلّ عليه ما بعده.

و يكون المعنى ظهرت المعاصي في البر و البحر فحبس اللّه عنهم الغيث و أغلى سعرهم ليذيقهم عقاب بعض ما عملوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ و روى داود بن أبي هند عن عكرمة عن ابن عباس «لعلهم يرجعون» لعلهم يتوبون.

فأما قوله جلّ و عزّ: وَ مََا آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَا فِي أَمْوََالِ فقد ذكرنا قول العلماء فيه أنه أن يهدي الرجل إلى الرجل الهدية يريد عليها المكافأة و لا يريد الثواب فذلك مباح إلاّ أنه لا يثاب عليه لأنه لم يقصد به ثواب اللّه جلّ و عزّ غير أنّ الضحاك قال: نهى النبي صلّى اللّه عليه و سلّم عن ذلك خاصة بقوله جلّ و عزّ: لاََ تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ [المدثر: 6]و قد قيل: معنى و ما آتيتم من ربا هو الربا الذي لا يحلّ، و قال قائل هذا القول: معنى فلا يربو عند اللّه فلا يحكم به لآخذه لأنه ليس له و إنما هو للمأخوذ منه. و تثنية الربا ربوان، كذا قول سيبويه‏ (1) ، و لا يجوز عند أصحابه غيره. و سمعت أبا إسحاق يقول: و ذكر قول الكوفيين-لا يكفيهم في قولهم ربيان أن يخطئوا في الخطّ فيكتبوا الربا بالياء حتى يخطئوا في التثنية و استعظم هذا، و قد قال اللّه جلّ و عزّ: لِيَرْبُوَا فِي أَمْوََالِ اَلنََّاسِ ، فهذا

____________

(1) انظر الكتاب 3/428.

188

أبين أنه من ذوات الواو، و أن القول كما قال أبو إسحاق.

مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لاََ مَرَدَّ لَهُ مِنَ اَللََّهِ أي لا يردّه اللّه جلّ و عزّ عنهم فإذا لم يردّه لم يتهيّأ لأحد دفعه، و يجوز عند غير سيبويه‏ (1) «لا مردّ له» و ذلك عند سيبويه بعيد إلاّ أن يكون في الكلام عطف. يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ الأصل يتصدّعون أدغمت التاء في الصاد لقربها منها، و يقال: تصدّع القوم، إذا تفرقوا و منه اشتق الصّداع لأنه يفرق شعب الرأس.

وَ كََانَ حَقًّا عَلَيْنََا خبر كان. نَصْرُ اَلْمُؤْمِنِينَ اسمها، و لو كان في غير القرآن لجاز رفع حقّ و نصب نصر، لأن حقّا، و إن كان نكرة، فبعده علينا، و لجاز رفعهما على أن تضمر في كان و الخبر في الجملة. و في الحديث: «من ردّ عن عرض صاحبه ردّ اللّه عنه نار جهنّم ثم تلا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم و كََانَ حَقًّا عَلَيْنََا نَصْرُ اَلْمُؤْمِنِينَ » (2) .

وَ يَجْعَلُهُ كِسَفاً جمع كسفة و هي القطعة، و في قراءة الحسن و أبي جعفر و عبد الرحمن الأعرج. كسفا (3) بإسكان السين، و هو أيضا جمع كسفة كما يقال: سدرة و سدر، و على هذه القراءة يكون المضمر الذي بعده عائدا عليه أي فترى الودق يخرج من خلال الكسف لأن كلّ جمع بينه و بين واحده «الهاء» لا غير، التذكير فيه حسن، و من قرأ كسفا فالمضمر عنده عائد على الحساب، و في قراءة الضحاك فترى الودق يخرج من خلله (4) و يجوز أن يكون خلال جمع خلل.

____________

(1) انظر الكتاب 1/104.

(2) أخرجه أحمد في مسنده 6/450، و الترمذي في سننه رقم (1931) ، و المنذري في الترغيب و الترهيب 3/517، و الزبيدي في إتحاف السادة المتقين 6/284.

(3) انظر كتاب السبعة لابن مجاهد 508. و تيسير الداني 142.

(4) انظر إعراب الآية 12 من سورة الروم.

189

وَ إِنْ كََانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ قد ذكرناه، و كان أبو إسحاق يذهب إلى أنه على التوكيد، و يقول: إنّ قول قطرب التقدير من قبل التنزيل خطأ لأن المطر لا ينفك من التنزيل، و أنشد: [الطويل‏] 338-

مشين كما اهتزّت رماح تسفّهت # أغاليها مرّ الرّياح النّواسم‏ (1)

فأنّث المرّ، لأنّ الرياح لا تنفكّ منه، و لأن المعنى تسفّهت أعاليها الرياح، فكذا معنى: «من قبل أن ينزل عليهم المطر» من قبل المطر. و يقال: آثر و إثر. } كَيْفَ يُحْيِ اَلْأَرْضَ لا يجوز فيه الإدغام لئلا يجمع فيه ساكنان.

وَ لَئِنْ أَرْسَلْنََا رِيحاً فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا قيل: التقدير فرأوا الزرع مصفرّا، و قيل: فرأوا السحاب، و قيل فرأوا الريح، و ذكّرت الريح لأنها للمرسل منها، و قال محمد بن يزيد لا يمتنع تذكير كلّ مؤنث غير حقيقي نحو أعجبني الدار، و ما أشبهه لَظَلُّوا قال الخليل رحمه اللّه: معناه ليظلّنّ. قال أبو إسحاق: و جاز هذا لأن في الكلام معنى المجازاة.

} فَإِنَّكَ لاََ تُسْمِعُ اَلْمَوْتى‏ََ وَ لاََ تُسْمِعُ اَلصُّمَّ اَلدُّعََاءَ جعلوا بمنزلة الموتى و الصمّ، لأنهم لا ينتفعون بما يسمعون. وَ مََا أَنْتَ بِهََادِي اَلْعُمْيِ عَنْ ضَلاََلَتِهِمْ قال الفراء (2) : و يجوز من ضلالتهم بمعنى و ما أنت بمانعهم من ضلالتهم، و عن بمعنى و ما أنت بصارفهم عن ضلالتهم.

اَللََّهُ اَلَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ قال عطية عن ابن عمر رحمه اللّه قال: قرأت على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم: «من ضعف» فقال لي مِنْ ضَعْفٍ (3) و قرأ عيسى بن عمر مِنْ ضَعْفٍ ، و قرأ الكوفيون مِنْ ضَعْفٍ و هو المصدر، و أجاز النحويون منهم من ضعف، و كذا كلّ ما كان فيه حرف من حروف الحلق ثانيا أو ثالثا. قال أبو إسحاق:

تأويله اللّه الذي خلقكم من النطفة التي حالكم معها الضعف ثم جعل من بعد الضعف الشبيبة.

____________

(1) مرّ الشاهد رقم 141.

(2) انظر معاني الفراء 2/326.

(3) انظر تيسير الداني 142.

190

وَ يَوْمَ تَقُومُ اَلسََّاعَةُ يُقْسِمُ اَلْمُجْرِمُونَ مََا لَبِثُوا غَيْرَ سََاعَةٍ و ليس في هذا ردّ لعذاب القبر إذ كان قد صحّ عن النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم من غير طريق أنه تعوّذ منه، و أمر أن يتعوّذ منه. من ذلك ما رواه عبد اللّه بن مسعود قال: سمع صلّى اللّه عليه و سلّم أمّ حبيبة تقول: اللّهمّ أمتعني بزوجي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم و بأبي أبي سفيان و بأخي معاوية فقال لها النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم: «سألت اللّه في آجال مضروبة و أرزاق مقسومة و لكن سليه أن يعيذك من عذاب جهنّم أو عذاب القبر» (1) في أحاديث مشهورة. و في معنى مََا لَبِثُوا غَيْرَ سََاعَةٍ قولان: أولهما أنّه يريد لا بدّ من خمدة قبل يوم القيامة و لحق الفناء الذي كتب على الخلق من رحم و من عذّب فعلى هذا قالوا ما لبثنا غير ساعة لأنهم لم يعملوا مقدار ذلك، و القول الآخر أنهم يعنون في الدنيا لزوالها و انقطاعها و إن كانوا قد أقسموا على غيب و على غير ما يدرون قال اللّه جلّ و عزّ كَذََلِكَ كََانُوا يُؤْفَكُونَ أي كذلك كانوا يكذبون في الدنيا، و قد زعم جماعة من أهل النظر أن القيامة لا يجوز أن يكون فيها كذب لما هم فيه، و القرآن يدل على غير ذلك. قال اللّه جلّ و عزّ: كَذََلِكَ كََانُوا يُؤْفَكُونَ و قال جلّ ثناؤه‏ يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اَللََّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمََا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلى‏ََ شَيْ‏ءٍ أَلاََ إِنَّهُمْ هُمُ اَلْكََاذِبُونَ [المجادلة: 18].

و ردّ عليهم المؤمنون فقالوا: لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتََابِ اَللََّهِ إِلى‏ََ يَوْمِ اَلْبَعْثِ قال أبو إسحاق: أي في اللّوح المحفوظ و حكى يعقوب عن بعض القراء «إلى يوم البعث» (2)

فهذا ما فيه حرف من حروف الحلق.

فَيَوْمَئِذٍ لاََ يَنْفَعُ اَلَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ لمّا ردّ عليهم المؤمنون سألوا الرجوع إلى الدنيا و اعتذروا فلم يعذروا وَ لاََ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ و لا حالهم حال من يستعتب فيرجع.

____________

(1) أخرجه مسلم في صحيحه-القدر-32، 33.

(2) انظر المحتسب 2/166.

191

وَ لَقَدْ ضَرَبْنََا لِلنََّاسِ فِي هََذَا اَلْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ يدلّهم على ما يحتاجون إليه.

وَ لاََ يَسْتَخِفَّنَّكَ في موضع جزم بالنهي فأكّد بالنون الثقيلة فبني على الفتح، كما يبنى الشيئان إذا ضمّ أحدهما إلى الآخر اَلَّذِينَ لاََ يُوقِنُونَ في موضع رفع، و من العرب من يقول الذّون في موضع الرفع.

192

31 شرح إعراب سورة لقمان‏

بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ

الم } تِلْكَ في موضع رفع على إضمار مبتدأ أي هذه تلك، و يقال: تيك.

آيََاتُ اَلْكِتََابِ اَلْحَكِيمِ بدل من «تلك» .

هُدىً وَ رَحْمَةً نصب على الحال، مثل‏ هََذِهِ نََاقَةُ اَللََّهِ لَكُمْ آيَةً* [الأعراف: 73، و هود: 64]و هذه قراءة المدنيين و أبي عمرو و عاصم و الكسائي، و قرأ حمزة هدى و رحمة (1) بالرفع، و هو من جهتين: إحداهما على إضمار مبتدأ لأنه أول آية، و الأخرى أن يكون خبر تلك.

اَلَّذِينَ يُقِيمُونَ اَلصَّلاََةَ في موضع رفع على إضمار مبتدأ، لأنه أول آية أو في موضع نصب بمعنى أعني، أو في موضع خفض على أنه نعت للمحسنين.

وَ مِنَ اَلنََّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ اَلْحَدِيثِ مِنَ في موضع رفع بالابتداء أو بالصفة.

و عن رجلين من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم ابن مسعود و ابن عباس رضي اللّه عنهما أن «لهو الحديث» هاهنا الغناء و أنه ممنوع بالكتاب و السنة فيكون التقدير و من الناس من يشتري ذا لهو أو ذات لهو، مثل‏ وَ سْئَلِ اَلْقَرْيَةَ [يوسف: 82]أو يكون التقدير: لما

____________

(1) انظر تيسير الداني 143، و البحر المحيط 7/179.

193

كان إنما يشتريها و يبالغ في ثمنها كأنه اشترى اللهو. لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اَللََّهِ أي ليضلّ غيره و من قرأ ليضل (1) فعلى اللازم له عنده، وَ يَتَّخِذَهََا (2) قراءة المدنيين و أبي عمرو و عاصم، و قرأ الأعمش و حمزة و الكسائي وَ يَتَّخِذَهََا عطفا على ليضلّ. و الرفع من وجهين: أحدهما أن يكون معطوفا على يشتري، و الآخر أن يكون مستأنفا. و الهاء كناية عن الآيات، و يجوز أن تكون كناية عن السبيل لأن السبيل يذكّر و يؤنّث.

كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً اسم كأنّ و تحذف الضمة لثقلها فيقال: أذن.

خَلَقَ اَلسَّمََاوََاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهََا يكون تَرَوْنَهََا في موضع خفض على النعت لعمد أي بغير عمد مرئية، و يجوز أن يكون في موضع نصب على الحال. قال أبو جعفر:

و سمعت علي بن سليمان يقول: الأولى أن يكون مستأنفا و يكون بغير عمد التمام. أَنْ تَمِيدَ في موضع نصب أي كراهة أن تميد، و الكوفيون يقدّرونه بمعنى لئلا تميد.

فَأَنْبَتْنََا فِيهََا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ عن ابن عباس: من كلّ نوع حسن، و تأوّله الشعبي على الناس لأنهم مخلوقون من الأرض، قال: فمن كان منهم يصير إلى الجنة فهو الكريم و من كان يصير إلى النار فهو اللئيم، و قد تأول غيره أن النطفة مخلوقة من تراب و ظاهر القرآن يدلّ على ذلك.

هََذََا خَلْقُ اَللََّهِ مبتدأ و خبر. فَأَرُونِي مََا ذََا خَلَقَ اَلَّذِينَ مِنْ دُونِهِ «ما» في موضع رفع بالابتداء و خبره «ذا» و ذا بمعنى الذي، و خلق واقع على هاء محذوفة على هذا، تقول: ماذا تعلّمت أ نحو أم شعر، و يجوز أن يكون «ما» في موضع نصب بخلق و «ذا» زائدة، و على هذا تقول: ما ذا تعلمت أنحوا أم شعرا. بَلِ اَلظََّالِمُونَ رفع بالابتداء.

فِي ضَلاََلٍ مُبِينٍ في موضع الخبر.

____________

(1) انظر تيسير الداني 143، و البحر المحيط 7/179، و هي قراءة ابن كثير و أبي عمرو.

(2) انظر تيسير الداني 143، و كتاب السبعة لابن مجاهد 512.

194

وَ لَقَدْ آتَيْنََا لُقْمََانَ اَلْحِكْمَةَ مفعولان و لم ينصرف لقمان لأن في آخره ألفا و نونا زائدتين فأشبه فعلان الذي أنثاه فعلى فلم يصرف في المعرفة لأن ذلك ثقل ثان و انصرف في النكرة لأن أحد الثقلين زال. و زعم عكرمة أن لقمان كان نبيا و في الحديث أنه كان حبشيا (1) . أَنِ اُشْكُرْ لِلََّهِ فيه تقديران: أحدهما أن تكون «أن» بمعنى أي مفسرة أي قلنا له اشكر، و القول الآخر أنها في موضع نصب و الفعل داخل في صلتها، كما حكى سيبويه: كتبت إليه أن قم إلا أن هذا الوجه بعيد. وَ مَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمََا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ جزم بالشرط، و يجوز الرفع على أن من بمعنى الذي.

وَ إِذْ قََالَ لُقْمََانُ لاِبْنِهِ وَ هُوَ يَعِظُهُ «إذ» في موضع نصب، و المعنى و اذكر، و حكى أبو إسحاق في كتابه في القرآن أن «إذ» في موضع نصب بآياتنا و أن المعنى و لقد آتينا لقمان الحكمة إذ قال. قال أبو جعفر: و أحسبه غلطا لأن في الكلام واوا تمنع من ذلك و أيضا فإن اسم لقمان مذكور بعد قال. يََا بُنَيَّ (2) بكسر الياء؛ لأنها دالّة على الياء المحذوفة و من فتحها فلخفّة الفتحة عنده.

إِنَّهََا الكتابة عن القصة أو عن الفعلة أو بمعنى: إنّ التي سألتني عنها لأنه يروى أنه سأله، و البصريون يجيزون إنّها زيد ضربته، بمعنى أن القصة، و الكوفيون لا يجيزون هذا إلاّ في المؤنث إِنْ تَكُ مِثْقََالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ خبر «تك» و اسمها مضمر فيها، و استبعد أبو حاتم أن يقرأ إِنْ تَكُ مِثْقََالَ حَبَّةٍ (3) بالرفع. لأن مثقالا مذكّر فلا يجوز عنده إلا بالياء. قال أبو جعفر: و هذا جائز صحيح و هو محمول على المعنى لأن المعنى واحد، و هذا كثير في كلام العرب يقال: اجتمعت أهل القيامة لأن من كلامهم اجتمعت اليمامة، و زعم الفراء أن مثل الآية قول الشاعر:

339-

و تشرق بالقول الّذي قد أذعته # كما شرقت صدر القناة من الدّم‏ (4)

فأما وَ وَصَّيْنَا اَلْإِنْسََانَ بِوََالِدَيْهِ فمعترض بين كلام لقمان كما روى شعبة عن سماك ابن حرب عن مصعب بن سعد عن أبيه قال: قالت أم سعد لسعد: أليس قد أمر اللّه جلّ

____________

(1) انظر البحر المحيط 7/181.

(2) انظر تيسير الداني 143، و كتاب السبعة لابن مجاهد 513.

(3) انظر معاني الفراء 2/328، و البحر المحيط 7/182.

(4) مرّ الشاهد رقم (130) .

195

و عزّ ببرّ الوالدة؟فو اللّه لا أطعم و لا أشرب حتى تكفر بمحمد صلّى اللّه عليه و سلّم، و كانوا إذا أرادوا أن يطعموها أو جروها بالعصا و جعلوا في فيها الطعام و الشراب، فنزلت‏ وَ وَصَّيْنَا اَلْإِنْسََانَ بِوََالِدَيْهِ إلى‏ وَ إِنْ جََاهَدََاكَ عَلى‏ََ أَنْ تُشْرِكَ بِي مََا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ الآية فأما نصب «و هنا على و هن» قال أبو جعفر: فما علمت أن أحدا من النحويين ذكره فيكون مفعولا ثانيا على حذف الحرف أي حملته بضعف على ضعف أو فازدادت ضعفا على ضعف، و مَعْرُوفاً نعت لمصدر محذوف. و زعم أبو إسحاق في كتابه أن «أن» في موضع نصب و أن المعنى و وصينا الإنسان بوالديه أن اشكر لي و لوالديك. و هذا القول على مذهب سيبويه بعيد و لم يذكر أبو إسحاق فيما علمت غيره. و أجود منه أن تكون «أن» مفسرة و المعنى: قلنا له اشكر لي و لوالديك.

يََا بُنَيَّ أَقِمِ اَلصَّلاََةَ معنى إقامة الصّلاة إتمامها بجميع فروضها، كما يقال: فلان قيّم بعمله الذي وليه أي قد وفّى العمل جميع حقوقه، و منه هذا قوام الأمر وَ اِصْبِرْ عَلى‏ََ مََا أَصََابَكَ و هو أن لا يخرج من الجزع إلى معصية اللّه و كذا الصبر عن المعاصي.

وَ لاََ تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنََّاسِ قد ذكرناه و حكي عن محمد بن يزيد أنه قال: «تصاعر» من واحد مثل عافاه اللّه وَ لاََ تَمْشِ فِي اَلْأَرْضِ مَرَحاً أي متبخترا متكبرا. و هو مصدر في موضع الحال.

وَ اِقْصِدْ فِي مَشْيِكَ أي توسّط و التوسط أحمد الأمور، و كذا وَ اُغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ أدّبه اللّه جلّ و عزّ بالأمر بترك الصياح في وجوه الناس تهاونا بهم إِنَّ أَنْكَرَ اَلْأَصْوََاتِ لَصَوْتُ اَلْحَمِيرِ قال أبو عبيدة (1) : أي أشدّ، و قال الضحاك: و هما جميعا على المجاز.

و في الحديث «ما صاح حمار و لا نبح كلب إلاّ أن يرى شيطانا» (2) .

____________

(1) انظر مجاز القرآن لأبي عبيدة 2/127.

(2) أخرجه الترمذي في سننه-الدعاء 13/13، بمعناه.

196

أَ لَمْ تَرَوْا أَنَّ اَللََّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مََا فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ مََا فِي اَلْأَرْضِ و ذلك من نعم اللّه جلّ و عزّ على بني آدم فالأشياء كلّها مسخرة لهم من شمس و قمر و نجوم و ملائكة تحوطهم، و تجرّ إليهم منافعهم، و من سماء و ما فيهما لا يحصى وَ أَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظََاهِرَةً وَ بََاطِنَةً على الحال و من قرأ نعمة ظاهرة و باطنة (1) جعله نعتا، و هي قراءة ابن عباس من وجوه صحاح مروية و فسرها: الإسلام؛ و شرح هذا أنّ سعيد بن جبير قال في قوله جلّ و عزّ:

وَ لََكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَ لِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ [المائدة: 6]قال: يدخلكم الجنة و تمام نعمة اللّه على العبد أن يدخله الجنة فكذا لمّا كان الإسلام يؤول أمره إلى الجنة سمّي نعمة، و عن ابن عباس قال: وَ مِنَ اَلنََّاسِ مَنْ يُجََادِلُ فِي اَللََّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ قال: هو النّضر بن الحارث.

أَ وَ لَوْ كََانَ اَلشَّيْطََانُ يَدْعُوهُمْ إِلى‏ََ عَذََابِ اَلسَّعِيرِ أي أ و لو كان كذا يتّبعونه على التوبيخ.

وَ مَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اَللََّهِ و قراءة أبي عبد الرحمن السلمي وَ مَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اَللََّهِ . قال: «يسلم» في هذا أعرف، كما قال جلّ و عزّ: فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلََّهِ و معنى «أسلمت وجهي للّه» قصدت بعبادتي إلى اللّه و أقررت أنه لا إله غيره، و يجوز أن يكون التقدير: و من يسلم نفسه إلى اللّه مثل‏ كُلُّ شَيْ‏ءٍ هََالِكٌ إِلاََّ وَجْهَهُ [القصص:

88]معناه إلاّ إياه. و يكون يسلّم على التكثير إلاّ أنّ المستعمل في سلّمت أنه بمعنى دفعت يقال: سلّمت في الحنطة و قد يقال: أسلمت. و روى جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله جلّ و عزّ: فَقَدِ اِسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ اَلْوُثْقى‏ََ قال: لا إله إلا اللّه.

وَ لَوْ أَنَّ مََا فِي اَلْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلاََمٌ «أنّ» في موضع رفع، و التقدير و لو وقع هذا و «أقلام» خبر أن. وَ اَلْبَحْرُ يَمُدُّهُ مرفوع من جهتين: إحداهما العطف على الموضع،

____________

(1) انظر تيسير الداني 143، و كتاب السبعة لابن مجاهد 513.

197

و الأخرى أن يكون في موضع الحال. و قرأ أبو عمرو و ابن أبي إسحاق وَ اَلْبَحْرُ يَمُدُّهُ (1)

بالنصب على اللفظ. و حكى يونس عن ابن أبي عمرو بن العلاء قال: ما أعرف للرفع وجها إلاّ أن يجعل البحر أقلاما و أبو عبيد يختار الرفع لكثرة من قرأ به إلا أنه قال: يلزم من قرأ بالرفع أن يقرأ و كَتَبْنََا عَلَيْهِمْ فِيهََا أَنَّ اَلنَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَ اَلْعَيْنَ بِالْعَيْنِ [المائدة: 45]. قال أبو جعفر:

هذا مخالف لذاك عند سيبويه، قال سيبويه‏ (2) : أي و البحر هذا أمره يجعل الواو تؤدّي عن الحال، و ليس هذا في‏ وَ اَلْعَيْنَ بِالْعَيْنِ (يمدّه) ، و حكي «يمدّه» على أنهما لغتان بمعنى واحد، و حكي التفريق بين اللغتين و أنّه يقال فيما كان يزيد في الشي‏ء مدّة يمدّه كما تقول: مدّ النيل الخليج، أي زاد فيه، و أمدّ اللّه جلّ و عزّ الخليج بالنيل. و هذا أحسن القولين، و هو مذهب الفراء (3) ، و يجوز تمدّه. مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ على تأنيث السبعة. مََا نَفِدَتْ كَلِمََاتُ اَللََّهِ قال قتادة: قالوا: إنّ ما جاء به محمد صلّى اللّه عليه و سلّم سينفد فأنزل اللّه جلّ و عزّ يعني هذا.

مََا خَلْقُكُمْ وَ لاََ بَعْثُكُمْ إِلاََّ كَنَفْسٍ وََاحِدَةٍ قال الضحاك: أي ما ابتداء خلقكم جميعا إلاّ كخلق نفس واحدة، و ما بعثكم يوم القيامة إلاّ كبعث نفس واحدة. قال أبو جعفر:

و هكذا قدّره النحويون بمعنى إلاّ كخلق نفس واحدة مثل‏ وَ سْئَلِ اَلْقَرْيَةَ .

يُولِجُ اَللَّيْلَ فِي اَلنَّهََارِ وَ يُولِجُ اَلنَّهََارَ فِي اَللَّيْلِ عن ابن مسعود أنه قال: قصر نهار الشتاء في طول ليله، و قصر ليل الصيف في طول نهاره.

وَ إِذََا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ لأن سبيل الموج إذا اشتدّ أن يرتفع. قال الفراء: يعني بالظّلل السحاب. قال الخليل و سيبويه رحمهما اللّه في قاض و جاز: يوقف عليهما بغير تاء، و علتهما في ذلك أن يعرف أنه في الوصل كذلك و كان القياس أن يوقف عليهما بالياء لأن التنوين يزول في الوقف، و حكى يونس أن بعض العرب الموثوق بلغتهم يقف بالياء فيقول: جاءني قاضي و جازي.

____________

(1) انظر تيسير الداني 143، و كتاب السبعة لابن مجاهد 513.

(2) انظر الكتاب 2/145.

(3) انظر معاني الفراء 2/329.

198

إِنَّ اَللََّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ اَلسََّاعَةِ وَ يُنَزِّلُ‏ (1) اَلْغَيْثَ زعم الفراء (2) أن في هذا معنى النفي أي ما لم يعلمه أحد إلاّ اللّه جل و عز. قال أبو جعفر: إنما صار فيه معنى النفي و الإيجاب بتوقيف الرسول صلّى اللّه عليه و سلّم على ذلك لأنه صلّى اللّه عليه و سلّم في قول اللّه جلّ و عزّ وَ عِنْدَهُ مَفََاتِحُ اَلْغَيْبِ [الأنعام: 59]لا يعلمها إلاّ هو أنها هذه. قال أبو إسحاق: فمن زعم أنه يعلم شيئا من هذا فقد كفر إِنَّ اَللََّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ اَلسََّاعَةِ وَ يُنَزِّلُ اَلْغَيْثَ وَ يَعْلَمُ مََا فِي اَلْأَرْحََامِ وَ مََا تَدْرِي نَفْسٌ مََا ذََا تَكْسِبُ غَداً وَ مََا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ و من العرب من يقول: بأيّة أرض. فمن قال:

بأيّ أرض قال: تأنيث الأرض يكفي من تأنيث أي، و من قال: بأيّة أرض قال: أي تنفرد تأتي بغير إضافة لو قال: جاءتني امرأة، قلت أيّة إِنَّ اَللََّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ نعت لعليم أو خبر بعد خبر.

____________

(1) انظر تيسير الداني 143.

(2) انظر معاني الفراء 2/330.

199

32 شرح إعراب سورة السجدة

بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ

} الم‏`تَنْزِيلُ اَلْكِتََابِ لاََ رَيْبَ فِيهِ الاجتماع على رفع تنزيل، و رفعه من ثلاثة أوجه:

أحدها بالابتداء و الخبر لاََ رَيْبَ فِيهِ ، و الثاني على إضمار مبتدأ أي هذا المتلو تنزيل، و الثالث بمعنى هذه الحروف تنزيل و «ألم» تدل على الحروف كلها كما تدل عليها أ ب ت ث. و لو كان تنزيل منصوبا على المصدر لجاز كما قرأ الكوفيون‏ إِنَّكَ لَمِنَ اَلْمُرْسَلِينَ‏`عَلى‏ََ صِرََاطٍ مُسْتَقِيمٍ‏`تَنْزِيلَ اَلْعَزِيزِ اَلرَّحِيمِ [يس: 3-5].

أَمْ يَقُولُونَ اِفْتَرََاهُ «أم» تدلّ على خروج من حديث إلى حديث بَلْ هُوَ اَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ مبتدأ و خبره، و كذا اَللََّهُ اَلَّذِي خَلَقَ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضَ مََا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ أي للكافرين من مولى يمنع من عذابهم وَ لاََ شَفِيعٍ ، و يجوز بالرفع على الموضع أَ فَلاََ تَتَذَكَّرُونَ هذه الموعظة.

اَلَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْ‏ءٍ خَلَقَهُ و قرأ أبو جعفر و أبو عمرو و ابن كثير خَلَقَهُ (1) بإسكان اللام و نصبه في هذه القراءة على المصدر عند سيبويه مثل‏ صُنْعَ اَللََّهِ اَلَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْ‏ءٍ [النمل: 88]، و عند غيره على البدل من «كلّ» أي الّذي أحسن خلق كلّ شي‏ء و هما مفعولان على مذهب بعض النحويين بمعنى أفهم كلّ شي‏ء خلقه و خَلَقَهُ على أنه فعل

____________

(1) انظر تيسير الداني 144، و كتاب السبعة لابن مجاهد 516.

200

ماض في موضع خفض نعت لشي‏ء و المعنى على ما يروى عن ابن عباس: أحكم كلّ شي‏ء خلقه أي جاء به ما أراد لم يتغيّر عن إرادته، و قول آخر أن كلّ شي‏ء يخلقه حسن لأنه لا يقدر أحد أن يأتي بمثله، و هو دالّ على خالقه. قال أبو إسحاق: و يجوز الذي أحسن كل شي‏ء خلقه بالرفع بمعنى ذلك خلقه. وَ بَدَأَ خَلْقَ اَلْإِنْسََانِ مِنْ طِينٍ يعني آدم صلّى اللّه عليه و سلّم.

ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلاََلَةٍ مشتقّ من سللت الشي‏ء و فعالة للقليل. مِنْ مََاءٍ مَهِينٍ قال أبو إسحاق: أي ضعيف، و قال غيره: أي لا خطر له عند الناس.

ثُمَّ سَوََّاهُ يعني الماء. وَ نَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ أي الّذي يحيا به. وَ جَعَلَ لَكُمُ اَلسَّمْعَ وَ اَلْأَبْصََارَ فوحّد السمع و جمع الأبصار، لأنّ السمع في الأصل مصدر، و يجوز أن يكون واحدا يدلّ على جمع وَ اَلْأَفْئِدَةَ جمع فؤاد و هو القلب.

و قالوا أ أذا ضللنا في الأرض أ أنا (1) لفي خلق جديد و يقرأ أَ إِنََّا في هذا سؤال صعب من العربية يقال: ما العامل في «إذ» و «إنّ» لا يعمل ما بعدها فيما قبلها؟و السؤال في الاستفهام أشدّ لأن ما بعد الاستفهام أجدر أن لا يعمل فيما قبله من «أنّ» كيف و قد اجتمعا؟فالجواب على قراءة من قرأ أنا أنّ العامل ضللنا، و على قراءة من قرأ أَ إِنََّا أن العامل مضمر، و التقدير: أ نبعث إذا متنا، و فيه أيضا سؤال يقال: أين جواب إذا على القراءة الأولى لأن فيها معنى الشرط؟فالقول في ذلك أن بعدها فعلا ماضيا فلذلك جاز هذا، و عن أبي رجاء و طلحة أنهما قرءا أَ إِذََا ضَلَلْنََا (2) و هي لغة شاذة، و عن الحسن ا إذا صللنا بالصاد، و هكذا رواها الفراء (3) ، و زعم أنها تروى عن علي ابن أبي طالب رضي اللّه عنه و لا يعرف في اللغة صللنا و لكن يعرف صللنا، يقال: صل اللحم و أصل، و خمّ و أخمّ إذ أنتن.

قُلْ يَتَوَفََّاكُمْ مَلَكُ اَلْمَوْتِ قال أبو إسحاق: هو من توفية العدد أي يستوفي عددكم أجمعين.

____________

(1) انظر البحر المحيط 7/195، و كتاب السبعة لابن مجاهد 285.

(2) انظر البحر المحيط 7/195.

(3) انظر معاني الفراء 2/311.

201

وَ لَوْ تَرى‏ََ إِذِ اَلْمُجْرِمُونَ نََاكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ مبتدأ و خبر. قال أبو إسحاق: المخاطبة للنبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم مخاطبة لأمته، و المعنى: و لو ترون، و مذهب أبي العباس غير هذا، و أن يكون المعنى: يا محمد قل للمجرم و لو ترى إذ المجرمون ناكسو رؤوسهم عند ربهم لندمت على ما كان منك و حذف جواب «لو» و القول.

وَ لَوْ شِئْنََا لَآتَيْنََا كُلَّ نَفْسٍ هُدََاهََا مفعولان قيل: في معناه قولان: أحدهما أن سياق الكلام يدلّ على أنه في الآخرة أي لو شئنا لرددناهم إلى الدنيا و المحنة كما سألوا وَ لََكِنْ حَقَّ اَلْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ اَلْجِنَّةِ وَ اَلنََّاسِ أَجْمَعِينَ أي حقّ القول منّي لأعذبنّ من عصاني بعذاب جهنّم و علم اللّه جلّ و عزّ أنّه لو ردّهم لعادوا كما قال‏ وَ لَوْ رُدُّوا لَعََادُوا لِمََا نُهُوا عَنْهُ [الأنعام: 28].

فَذُوقُوا بِمََا نَسِيتُمْ لِقََاءَ يَوْمِكُمْ هََذََا في معناه قولان: أحدهما أنه من النسيان الذي لا ذكر معه أي لم تعملوا لهذا اليوم فكنتم بمنزلة الناسين، و الآخر أن نسيتم بمعنى تركتم، و كذا إِنََّا نَسِينََاكُمْ و احتجّ محمد بن يزيد بقوله: وَ لَقَدْ عَهِدْنََا إِلى‏ََ آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ [طه: 115]قال: و الدليل على أنه بمعنى ترك أنّ اللّه جلّ و عزّ أخبر عن إبليس أنه قال له: مََا نَهََاكُمََا رَبُّكُمََا عَنْ هََذِهِ اَلشَّجَرَةِ إِلاََّ أَنْ تَكُونََا مَلَكَيْنِ [الأعراف:

20]فلو كان آدم صلّى اللّه عليه و سلّم ناسيا لكان قد ذكّره: و أنشد: [البسيط] 340-

كأنّه خارجا من جنب صفحته # سفّود شرب نسوه عند مفتأد (1)

أي تركوه و لو كان من النسيان لكانوا قد عملوا به مرّة.

____________

(1) الشاهد للنابغة الذبياني في ديوانه ص 19، و الأشباه و النظائر 6/243، و خزانة الأدب 3/185، و الخصائص 2/275، و لسان العرب (فأد) ، و تهذيب اللغة 14/196، و بلا نسبة في رصف المباني ص 211، و كتاب العين 8/8.

202

إِنَّمََا يُؤْمِنُ بِآيََاتِنَا اَلَّذِينَ إِذََا ذُكِّرُوا بِهََا خَرُّوا سُجَّداً أي إنما يؤمن بالعلامات و البراهين و الحجج الذين إذا ذكّروا بها خضعوا للّه و سبّحوا بحمده. وَ هُمْ لاََ يَسْتَكْبِرُونَ عن عبادته و لا الانقياد لما أبانه.

تَتَجََافى‏ََ جُنُوبُهُمْ في موضع نصب على الحال أو رفع لأنه فعل مستقبل و لم يتبيّن فيه الإعراب لأنه فعل مقصور. و معنى مقصور أنه قصر منه الإعراب و معنى منقوص أنه نقص منه الإعراب. يَدْعُونَ في موضع نصب على الحال خَوْفاً مفعول من أجله، و يجوز أن يكون مصدرا. وَ طَمَعاً مثله أي خوفا من العذاب و طمعا في الثواب. وَ مِمََّا رَزَقْنََاهُمْ يُنْفِقُونَ تكون «ما» بمعنى الذي و تكون مصدرا، و في كلا الوجهين يجب أن تكون منفصلة من «من» .

فَلاََ تَعْلَمُ نَفْسٌ مََا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ و يقرأ ما أخفي لهم (1) بإسكان الياء على أنه فعل مستقبل. و في قراءة عبد اللّه ما نخفي (2) بالنون، قال أبو إسحاق: و يقرأ ما أخفي لهم بمعنى ما أخفى اللّه لهم فإن جعلت «ما» بمعنى الذي كانت في موضع نصب على الوجوه كلّها، و إن جعلتها بمعنى أي و قرأت بقراءة المدنيين كانت في موضع رفع و إن قرأت بغيرها كانت في موضع نصب.

جَزََاءً مفعول من أجله أو مصدر.

لأن لفظ «من» تؤدّي عن الجماعة فلهذا قال: لا يستوون. هذا قول كثير من النحويين، و قال بعضهم: يستوون لاثنين إلاّ أنّ الاثنين جمع، لأنه واحد جمع مع آخر. و الحديث يدلّ على هذا القول لأنه عن ابن عباس رحمه اللّه و غيره قال: نزلت أَ فَمَنْ كََانَ مُؤْمِناً في علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه، كَمَنْ كََانَ فََاسِقاً في الوليد بن عقبة بن أبي معيط (3) .

____________

(1) انظر تيسير الداني 144، و كتاب السبعة لابن مجاهد 516.

(2) انظر معاني الفراء 2/332، و البحر المحيط 7/197.

(3) انظر البحر المحيط 7/198.