إعراب القرآن - ج3

- احمد بن محمد النحاس المزيد...
320 /
203

أَمَّا اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصََّالِحََاتِ في موضع رفع بالابتداء فوصفه اللّه جلّ و عزّ بالإيمان، و خبر الابتداء فَلَهُمْ جَنََّاتُ اَلْمَأْوى‏ََ و المعنى: فله و لنظرائه فعلى هذا جاء الجمع، و كذا وَ أَمَّا اَلَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوََاهُمُ اَلنََّارُ كُلَّمََا ظرف.

وَ لَنُذِيقَنَّهُمْ لام قسم. مِنَ اَلْعَذََابِ اَلْأَدْنى‏ََ أي الأقرب، و أكثر أهل التفسير على أنها المصيبات في الدنيا.

وَ مَنْ أَظْلَمُ أي لنفسه. مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيََاتِ رَبِّهِ أي بحججه و علاماته. ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهََا بترك القبول فاعلم أنه ينتقم منه، فقال جلّ و عزّ: إِنََّا مِنَ اَلْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ .

وَ لَقَدْ آتَيْنََا مُوسَى اَلْكِتََابَ مفعولان. فَلاََ تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقََائِهِ قد ذكرناه، و قد قيل: إن معناه فلا تكن في شكّ من تلقي موسى صلّى اللّه عليه و سلّم الكتاب بالقبول، و عن الحسن أنه قال في معناه: و لقد آتينا موسى الكتاب فأوذي و كذّب فلا تكن في شكّ من أنه سيلقاك ما لقيه من التكذيب و الأذى. و هو قول غريب إلاّ أنه من رواية عمرو بن عبيد.

وَ جَعَلْنََا مِنْهُمْ أَئِمَّةً و الكوفيون يقرءون أمّة و هو لحن عند جميع النحويين، لأنه جمع بين همزتين في كلمة واحدة و هو من دقيق النحو، و شرحه أن الأصل أأممة ثم ألقيت حركة الميم الأولى على الهمزة، و أدغمت الميم في الميم و خفّفت الهمزة الثانية لئلا تجتمع همزتان، و الجمع بين همزتين في حرفين بعيد فأما في حرف واحد فلا يجوز البتة إلاّ بتخفيف آدم و آخر و هذا آدم من هذا لَمََّا صَبَرُوا (1) لصبرهم و لَمََّا صَبَرُوا أي حين صبروا جعلناهم أئمة.

____________

(1) انظر تيسير الداني 144 و معاني الفراء 2/332، و البحر المحيط 7/200، و هذه قراءة عبد اللّه و طلحة و الأعمش و حمزة و الكسائي، و الجمهور بفتح الميم و شدّ الميم.

204

أَ وَ لَمْ يَهْدِ لَهُمْ و قرأ أبو عبد الرحمن السلمي و قتادة أو لمن نهد لهم (1) بالنون فهذه قراءة بيّنة. و القراءة الأولى بالياء فيها إشكال لأنه يقال: الفعل لا يخلو من فاعل فأين الفاعل ليهد فتكلّم النحويون في هذا فقال الفراء (2) : «كم» في موضع رفع بيهد.

و هذا نقض لأصول النحويين في قولهم: إنّ الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله و لا في كم بوجه أعني ما قبلها. و مذهب أبي العباس أنّ يهد يدلّ على الهدى فالمعنى أو لم يهد لهم الهدى، و قيل: المعنى أو لم يهد اللّه لهم فيكون معنى الياء و معنى النون واحدا، و قال أبو إسحاق: كم في موضع نصب بأهلكنا. إِنَّ فِي ذََلِكَ لَآيََاتٍ في موضع نصب بأنّ. أَ فَلاََ يَسْمَعُونَ بمعنى أ فلا يقبلون مثل: سمع اللّه لمن حمده.

أَ وَ لَمْ يَرَوْا أَنََّا نَسُوقُ اَلْمََاءَ إِلَى اَلْأَرْضِ اَلْجُرُزِ روى سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن ابن عباس قال: هي أرض اليمن، و قال سفيان و حدّثني معمر عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: هي أبين‏ (3) ، و قال الحكم بن أبان عن عكرمة «إلى الأرض الجرز» قال:

هي الظّمأى، و قال جويبر عن الضحاك إِلَى اَلْأَرْضِ اَلْجُرُزِ قال: الميتة العطشى، و قال الفراء (4) : هي التي لا نبات فيها، و قال الأصمعي: الأرض الجرز التي لا تنبت شيئا. قال محمد بن يزيد: يبعد أن تكون إلاّ أرضا بعينها لدخول الألف و اللام إلاّ أنه يجوز على قول ما قال ابن عباس و الضحاك. قال أبو جعفر: الإسناد عن ابن عباس صحيح لا مطعن فيه، و هذا إنما هو نعت، و النعت للمعرفة يكون بالألف و اللام. و هو مشتق من قولهم: رجل جروز إذا كان لا يبقي شيئا إلاّ أكله. و حكى الفراء (5) و غيره أنه يقال: أرض جرز و جرز و جرز، و كذلك بخل و رعب و رهب في الأربعة أربع لغات فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً يكون معطوفا على نسوق، أو منقطعا مما قبله تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعََامُهُمْ في موضع نصب على النعت. وَ أَنْفُسُهُمْ أي و يأكلون منه. و النفس في كلام العرب

____________

(1) انظر البحر المحيط 7/200، و مختصر ابن خالويه 118.

(2) انظر معاني الفراء 2/333.

(3) انظر البحر المحيط 7/200 (و قال ابن عباس: هي أرض أبين من اليمن، و هي أرض تشرب بسيول لا تمطر) .

(4) انظر معاني الفراء 2/333.

(5) انظر معاني الفراء 2/333.

205

على ضربين: أحدهما أنه يراد بها الانفصال، و الآخر أنه يراد بها جملة الشي‏ء و حقيقته قال جلّ و عزّ تَعْلَمُ مََا فِي نَفْسِي وَ لاََ أَعْلَمُ مََا فِي نَفْسِكَ [المائدة: 116]أي تعلم ما أعلم و لا أعلم ما تعلم. أَ فَلاََ يُبْصِرُونَ يكون (ألا) للتنبيه.

وَ يَقُولُونَ مَتى‏ََ هََذَا اَلْفَتْحُ «متى» في موضع رفع و يجوز أن تكون في موضع نصب على الظرف. قال الفراء (1) : يعني فتح مكة، و أولى من هذا ما قاله مجاهد قال:

يعني يوم القيامة. قال أبو جعفر: و يوم فتح مكة قد نفع من آمن إيمانه. و يروى أن المؤمنين قالوا: سيحكم اللّه جلّ و عزّ بيننا يوم القيامة فيثيب المحسن و يعاقب المسي‏ء، فقال الكفار على التهزي: متى هذا الفتح أي هذا الحكم؟و يقال: للحاكم فاتح و فتّاح؛ لأن الأشياء تتفتح على يديه و تنفصل، و في القرآن‏ رَبَّنَا اِفْتَحْ بَيْنَنََا وَ بَيْنَ قَوْمِنََا بِالْحَقِّ [الأعراف: 89].

قُلْ يَوْمَ اَلْفَتْحِ على الظرف و أجاز الفراء الرفع.

فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ قيل: معناه أعرض عن سفههم و لا تجبهم إلا بما أمرت به.

وَ اِنْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ أي انتظر يوم الفتح يوم يحكم اللّه لك عليهم، فإن قال قائل: فكيف ينظرون يوم القيامة و هم لا يؤمنون به ففي هذا جوابان: أحدهما أن يكون المعنى أنهم ينتظرون الموت، و هو من أسباب القيامة فيكون هذا مجازا، و الآخر أن فيهم من يشكّ و منهم من يوقن بالقيامة فيكون هذا لهذين الصنفين و اللّه جلّ و عزّ أعلم.

____________

(1) انظر معاني الفراء 2/333.

206

33 شرح إعراب سورة الأحزاب‏

بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ

يََا أَيُّهَا اَلنَّبِيُّ ضممت أيا لأنه نداء مفرد و التنبيه لازم لها و النبي نعت لأيّ عند النحويين إلاّ الأخفش فإنه يقول: إنه صلة لأي، و هو خطأ عند أكثر النحويين لأن الصلة لا تكون إلاّ جملة و الاحتيال له فيما قال: إنه لما كان نعتا لازما سماه صلة فهكذا الكوفيون يسمون نعت النكرة صلة لها، و أجاز بعض النحويين‏ (1) النصب، اِتَّقِ اَللََّهَ حذفت الياء لأنه أمر. وَ لاََ تُطِعِ اَلْكََافِرِينَ وَ اَلْمُنََافِقِينَ أي لا تطعهم فيما نهيت عنه و لا تمل إليهم، و دلّ بقوله جلّ و عزّ: إِنَّ اَللََّهَ كََانَ عَلِيماً حَكِيماً على أنه إنما كان يميل إليهم استدعاء لهم إلى الإسلام أي لو علم اللّه جلّ و عزّ أن ميلك إليهم فيه منفعة لما نهاك عنه لأنه حكيم.

وَ اِتَّبِعْ مََا يُوحى‏ََ إِلَيْكَ أي من اجتنابهم.

وَ تَوَكَّلْ عَلَى اَللََّهِ أي في الخوف من ضررهم. وَ كَفى‏ََ بِاللََّهِ وَكِيلاً أي كافيا لك مما تخافه منهم «وكيلا» نصب على البيان أو على الحال.

مََا جَعَلَ اَللََّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ «من» زائدة للتوكيد، و شبه هذا بالأول أنّه لم

____________

(1) انظر أسرار العربية ص 229.

207

يجعل للإنسان قلبين قلبا يخلص به للّه جلّ و عزّ و قلبا يميل به إلى أعدائه. وَ مََا جَعَلَ أَزْوََاجَكُمُ اَللاََّئِي تُظََاهِرُونَ‏ (1) مِنْهُنَّ أُمَّهََاتِكُمْ مفعولان و هو مشتق من الظهر لأن الظهر موضع الركوب. و كانت العرب تطلق بالظّهار. وَ مََا جَعَلَ أَدْعِيََاءَكُمْ أَبْنََاءَكُمْ أهل التفسير على أن هذا نزل في زيد بن حارثة. و في الحديث أن خديجة رضي اللّه عنها وهبته لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم، فجاء أبوه حارثة إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم فقال: خذ مني فداه فقال له: أنا أخيّره فإن أراد أن يقيم عندي أقام، و إن اختارك فخذه فاختار المقام فأعتقه النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم، و قال: «هو ابني يرثني و أرثه» (2) ، ثم أنزل اللّه جلّ و عزّ وَ مََا جَعَلَ أَدْعِيََاءَكُمْ أَبْنََاءَكُمْ أي ادعوهم لآبائهم. قال ابن عمر: ما كنا ندعوه إلاّ زيد بن محمد فنسب كلّ دعيّ إلى أبيه.

ذََلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوََاهِكُمْ ابتداء و خبره أي هو قول بلا حقيقة. وَ اَللََّهُ يَقُولُ اَلْحَقَّ أي القول الحقّ نعت لمصدر، و يجوز أن يكون مفعولا.

فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبََاءَهُمْ فَإِخْوََانُكُمْ فِي اَلدِّينِ أي فهم إخوانكم وَ مَوََالِيكُمْ عطف عليه.

وَ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنََاحٌ فِيمََا أَخْطَأْتُمْ بِهِ قول قتادة هو أن ينسب الرجل إلى غير أبيه، و هو يرى أنه أبوه. قال أبو جعفر: و قد قيل: إنّ هذا مجمل أي و ليس عليكم جناح في شي‏ء أخطأتم به، و كانت فتيا عطاء على هذا إذا حلف رجل ألاّ يفارق غريمه حتى يستوفي منه حقّه فأخذ منه ما يرى أنه جيد من دنانير فوجدها زجاجا أنه لا شي‏ء عليه، و كذا عنده إذا حلف أنه لا يسلّم على فلان فسلّم عليه و هو لا يعرفه أنه لا يحنث؛ لأنه لم يعمد لذلك. وَ لََكِنْ مََا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ «ما» في موضع خفض ردّا على «ما» التي مع أخطأتم، و يجوز أن يكون في موضع رفع على إضمار مبتدأ، و التقدير: و لكن الذي تؤاخذون به ما تعمدت قلوبكم.

اَلنَّبِيُّ أَوْلى‏ََ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ في معناه قولان: أحدهما النبي أولى بالمؤمنين من بعضهم لبعض مثل‏ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ [البقرة: 54]، و الآخر أنه إذا أمر النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم

____________

(1) انظر القراءات التسعة في البحر المحيط 7/207، و كتاب السبعة لابن مجاهد 519.

(2) انظر زاد المسير 6/351، و ابن كثير 3/468، و القرطبي 14/79.

208

بشي‏ء و دعت النفس إلى غيره كان أمر النبي صلّى اللّه عليه و سلّم أولى. و في الحديث «أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، من ترك مالا فلورثته و من ترك دينا أو ضياعا فعليّ» (1) .

وَ أَزْوََاجُهُ أُمَّهََاتُهُمْ أي في الحرمة و لا يحلّ لهم تزوّجهنّ. وَ أُولُوا اَلْأَرْحََامِ مبتدأ و بَعْضُهُمْ مبتدأ ثان أو بدل أَوْلى‏ََ بِبَعْضٍ فِي كِتََابِ اَللََّهِ مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ وَ اَلْمُهََاجِرِينَ يكون التقدير و أولوا الأرحام من المؤمنين و المهاجرين، و يجوز أن يكون المعنى: أولى من المؤمنين و المهاجرين. إِلاََّ أَنْ تَفْعَلُوا إِلى‏ََ أَوْلِيََائِكُمْ مَعْرُوفاً في موضع نصب استثناء ليس من الأول. قال محمد ابن الحنفية رحمة اللّه عليه: نزلت في إجازة الوصية لليهودي و النصراني. كََانَ ذََلِكَ فِي اَلْكِتََابِ مَسْطُوراً أي مكتوبا في نسق كالسطر. و يقال:

سطر و الجمع أسطار، و من قال سطر قال: أسطر و سطور يصلح لهما جميعا إلاّ أنه بالمسكّن أولى و أكثر.

وَ إِذْ أَخَذْنََا مِنَ اَلنَّبِيِّينَ مِيثََاقَهُمْ قال الثوري عن حبيب بن أبي ثابت عن سعيد بن جبير عن ابن عباس: و إذ أخذنا من النبيين ميثاقهم قال: على قومهم و عن أبيّ بن كعب قال: هو مثل‏ وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ [الأعراف: 172] الآية، قال: فأخذ ميثاقهم و على الأنبياء-صلوات اللّه عليهم-منهم النور كأنه السّرج ثم أخذ ميثاق النبيين خاصة للرسالة قال: وَ إِذْ أَخَذْنََا مِنَ اَلنَّبِيِّينَ مِيثََاقَهُمْ الآية قال:

«و من نوح» و لم يقل: و نوح لأن المظهر إذا عطف على المضمر المخفوض أعيد الحرف تقول: مررت به و بزيد وَ إِبْرََاهِيمَ عطف مظهر على مظهر فلم يعد الحرف و كذا وَ مُوسى‏ََ وَ عِيسَى .

لِيَسْئَلَ اَلصََّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ قد ذكرناه.

فَأَرْسَلْنََا عَلَيْهِمْ رِيحاً و في الحديث «نصرت بالصّبا و أهلكت عاد بالدّبور» (2) و كان في هذه الريح أعظم الآيات و الدلالات للنبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم؛ لأن اللّه جلّ و عزّ أرسل على أعدائه ريحا

____________

(1) أخرجه ابن ماجة في سننه-الصدقات-باب 3 الحديث رقم (2417) ، و الترمذي في سننه-الجنائز 4/291.

(2) انظر المعجم لونسنك 6/460.

209

شديدة البرد فقطعت خيامهم و شغلتهم ببردها، و المؤمنون حذاءهم لم يلحقهم منها شي‏ء.

وَ تَظُنُّونَ بِاللََّهِ اَلظُّنُونَا و الكوفيون يقرءونها بغير ألف، و ذلك مخالف للمصحف و إن كان حسنا في العربية. و أولى الأشياء في هذا أن يوقف عليه بالألف و لا يوصل لأنه إن وصل بالألف كان لاحنا، و إن وصل بغير ألف كان مخالفا للمصحف، و إذا وقف بالألف كان متّبعا للسواد موافقا للإعراب؛ لأن العرب تثبت هذه الألف في القوافي و تثبتها في الفواصل ليتّفق الكلام.

هُنََالِكَ اُبْتُلِيَ اَلْمُؤْمِنُونَ أي في ذلك الوقت اختبر المؤمنون. و اللام زائدة للتوكيد، و إن كانت مكسورة و الكاف للخطاب. وَ زُلْزِلُوا زِلْزََالاً شَدِيداً ، و يقال: زلزال في المضاعف خاصة و غير المضاعف لا يجوز فيه الفتح. و يقال: دحرجته دحراجا.

وَ إِذْ في موضع نصب بمعنى و اذكر، }و كذا وَ إِذْ قََالَتْ طََائِفَةٌ مِنْهُمْ يََا أَهْلَ يَثْرِبَ قال أبو عبيدة (1) : يثرب اسم أرض و المدينة منها. لاََ مُقََامَ لَكُمْ (2) أي مكان يقيمون فيه، و أنشد: [الوافر] 341-

فأيّي ما و أيّك كان شرّا # فسيق إلى المقامة لا يراها (3)

و قرأ أبو عبد الرحمن و الأعرج لاََ مُقََامَ لَكُمْ يكون مصدرا من قام يقيم أو موضعا يقيمون فيه أو يقامون وَ يَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ اَلنَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنََا عَوْرَةٌ وَ مََا هِيَ بِعَوْرَةٍ و قراءة أبي رجاء و تروى عن ابن عباس إِنَّ بُيُوتَنََا عَوْرَةٌ وَ مََا هِيَ بِعَوْرَةٍ (4)

و هذا اسم الفاعل من عور يعور عورة و يجوز أن يكون مصدرا أي ذات عورة و يجوز أن يكون في موضع اسم الفاعل على السعة كما تقول: رجل عدل، أي عادل و يقال: أعور

____________

(1) انظر مجاز القرآن 1/134.

(2) انظر تيسير الداني 145، و كتاب السبعة لابن مجاهد 520، و قراءة حفص بضمّ الميم و الباقون بفتحها.

(3) مرّ الشاهد رقم 120.

(4) انظر البحر المحيط 7/212.

210

المكان إذا تبيّنت فيه عورة و أعور الفارس إذا تبيّن منه موضع خلل. إِنْ يُرِيدُونَ إِلاََّ فِرََاراً أي ليس قصدهم ما قالوا و إنما قصدهم للفرار.

وَ لَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطََارِهََا و هي البيوت أو المدينة. ثمّ سئلوا الفتنة لأتوها هذه قراءة أهل الحرمين، و قراءة أهل البصرة و أهل الكوفة لَآتَوْهََا (1) و هو اختيار أبي عبيد، و احتجّ بحديث‏ (2) الجماعة الذين فيهم بلال أنهم أعطوا الفتنة من أنفسهم غير بلال. قال أبو جعفر: الحديث في أمر بلال لا يشبه الآية، لأن اللّه جلّ و عزّ خبّر عن هؤلاء بهذا الخبر و بلال و أصحابه إنما أكرهوا، و في هذه الآية: وَ لَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطََارِهََا أي لو دخل عليهم الكفار لجاءوهم، }و هذا خلاف ما عاهدوا اللّه عليه و في القصّة وَ لَقَدْ كََانُوا عََاهَدُوا اَللََّهَ مِنْ قَبْلُ لاََ يُوَلُّونَ اَلْأَدْبََارَ فهذا يدلّ على «لأتوها» مقصورا.

وَ مََا تَلَبَّثُوا بِهََا إِلاََّ يَسِيراً أي كان العذاب يأخذهم أو يهلكون.

وَ إِذاً لاََ تُمَتَّعُونَ إِلاََّ قَلِيلاً و في بعض الروايات و إذا لا تمتّعوا تنصب بإذن، و الرفع بمعنى لا تمتّعون إذن فتكون إذن ملغاة، و يجوز إعمالها فهذا حكمها إذا كان قبلها الواو أو الفاء، فإن كانت مبتدأة نصبت بها فقلت: إذن أكرمكم. و روى سيبويه‏ (3) عن بعض أصحاب الخليل عن الخليل رحمه اللّه أنّ «أن» معها مضمرة و سماعه منه النصب بها فإن توسّطت لم يجز أن تنصب عند البصريين تقول: أنا إذن أكرمك، و كنت إذن أكرمك، و إنّي إذن أكرمك. الفراء (4) ينصب هنا أعني في «إنّ» خاصة، و أنشد: [الرجز] 342-

إنّي إذا أهلك أو أطيرا (5)

____________

(1) انظر تيسير الداني 145.

(2) انظر تفسير الطبري 14/149.

(3) انظر الكتاب 3/14.

(4) انظر معاني الفراء 2/338.

(5) الرجز بلا نسبة في لسان العرب (شطر) و تهذيب اللغة 11/308، و تاج العروس (شطر) ، و مقاييس اللغة 3/187، و مجمل اللغة 3/185، و أساس البلاغة (شطر) ، و الإنصاف 1/177، و أوضح المسالك 4/ 166، و الجنى الداني 362، و خزانة الأدب 8/456، و الدرر 4: 72، و رصف المباني 66، و شرح الأشموني 3/554، و شرح التصريح 2/234، و شرح شواهد المغني 1/70، و شرح المفصل 7/17، و مغني اللبيب 1/22، و المقاصد النحوية 4/383، و المقرّب 1/261، و همع الهوامع 2/7.

و قبله:

«لا تدعني فيهم شطيرا»

211

و الشعر منصوب و علته في «إنّ» أنها لا تنصرف.

قَدْ يَعْلَمُ اَللََّهُ اَلْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ أي المتعرّضين لأن يصدّوا الناس عن النبي. مشتقّ من عاقني عن كذا أي صرفني عنه، و عوّق على التكثير. وَ اَلْقََائِلِينَ لِإِخْوََانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنََا على لغة أهل الحجاز و غيرهم يقول: هلمّوا للجماعة و هلمّي للمرأة؛ لأن الأصل ها التي للتنبيه ضمّت إليها «لمّ» ثم حذفت الألف استخفافا، و بنيت على الفتح و لم يجز فيها الكسر و لا الضم لأنها لا تتصرّف. و معنى «هلمّ» أقبل.

أَشِحَّةً نصب على الحال. قال أبو إسحاق: و نصبه عند الفراء (1) من أربع جهات: إحداهما أن يكون على الذمّ، و يجوز عنده أن يكون نصبا يعوّقون أشحّة، و يجوز عنده أن يكون التقدير: و القائلين أشحّة، و يجوز عنده و لا يأتون البأس إلاّ قليلا يأتونه أشحّة أي أشحّة على الفقراء بالغنيمة جبناء. قال أبو جعفر: لا يجوز أن يكون العامل فيه المعوّقين و لا القائلين لئلاّ يفرّق بين الصلة و الموصول فَإِذََا جََاءَ اَلْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشى‏ََ عَلَيْهِ مِنَ اَلْمَوْتِ وصفهم بالجبن، و كذا سبيل الجبان ينظر يمينا و شمالا محدّدا بصره و ربّما غشي عليه فَإِذََا ذَهَبَ اَلْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدََادٍ و حكى الفراء صلقوكم (2) بالصاد. و خطيب مسلاق و مصلاق إذا كان بليغا. أُولََئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا أي و إن كان ظاهرهم الإيمان فليسوا بمؤمنين لأن المنافق كافر على الحقيقة وصفهم اللّه جلّ و عزّ بالكفر. وَ كََانَ ذََلِكَ عَلَى اَللََّهِ يَسِيراً أي يقول الحقّ.

يَحْسَبُونَ اَلْأَحْزََابَ لَمْ يَذْهَبُوا أي لجبنهم. و قرأ طلحة و إن يأت الأحزاب يودّوا لو أنهم بدّا (3) في الأعراب يقال: باد و بدّا بالقصر مثل غاز و غزّى و يمدّ مثل صائم و صوّام. و قرأ الحسن و عاصم الجحدري يسّاءلون عن أنبائكم (4) و الأصل يتساءلون

____________

(1) انظر معاني الفراء 2/338.

(2) انظر معاني الفراء 2/339، و البحر المحيط 7/215.

(3) انظر مختصر ابن خالويه 119.

(4) انظر البحر المحيط 7/215، و معاني الفراء 2/339.

212

ثم أدغم. وَ لَوْ كََانُوا فِيكُمْ مََا قََاتَلُوا إِلاََّ قَلِيلاً نعت لمصدر أو لظرف.

لَقَدْ كََانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اَللََّهِ أُسْوَةٌ (1) حَسَنَةٌ أي في خروجه إلى الخندق و صبره، و قرأ عاصم أُسْوَةٌ بضم الهمزة. و الكسر أكثر في كلام العرب و الجمع فيهما جميعا واحد عند الفراء، و العلّة عنده في الضمّ على لغة من كسر في الواحد الفرق من ذوات الواو و ذوات الياء فيقولون: كسوة و كسى، و لحية و لحي. لِمَنْ كََانَ يَرْجُوا اَللََّهَ وَ اَلْيَوْمَ اَلْآخِرَ لا يجوز عند النحويين الحذّاق أن يكتب «يرجو» إلاّ بغير ألف إذا كان لواحد؛ لأن العلّة التي في الجمع ليست في الواحد. وَ ذَكَرَ اَللََّهَ كَثِيراً أي ذكرا كثيرا.

وَ لَمََّا رَأَ اَلْمُؤْمِنُونَ اَلْأَحْزََابَ و من العرب من يقول: راء على القلب. قََالُوا هََذََا مََا وَعَدَنَا اَللََّهُ وَ رَسُولُهُ إن جعلت «ما» بمعنى الذي فالهاء محذوفة، و إن جعلتها (2) مصدرا لم يحتج إلى عائد. وَ مََا زََادَهُمْ إِلاََّ إِيمََاناً وَ تَسْلِيماً قال الفراء: و ما زادهم النظر إلى الأحزاب. قال أبو جعفر: و سمعت علي بن سليمان يقول: رأى يدلّ على الرؤية، و تأنيث الرؤية غير حقيقي. و المعنى: و ما زادهم الرؤية، مثل من كذب كان شرّا له.

مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ رِجََالٌ رفع بالابتداء، و صلح الابتداء بالنكرة لأن «صدقوا» في موضع النعت. قال أبو إسحاق: «ما» في موضع نصب. قال أبو جعفر: يقال: صدقت العهد أي وفيت به. فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى‏ََ نَحْبَهُ وَ مِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ «من» في موضع رفع بالابتداء، و قد ذكرنا معناه.

وَ رَدَّ اَللََّهُ اَلَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنََالُوا قال محمد بن عمرو عن أبيه عن جدّه عن

____________

(1) انظر تيسير الداني 145.

(2) انظر تفسير الطبري 21/149.

213

عائشة رضي اللّه عنها قالت في قوله: وَ رَدَّ اَللََّهُ اَلَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ أبو سفيان و عيينة ابن برد، رجع أبو سفيان إلى تهامة و عيينة إلى نجد. وَ كَفَى اَللََّهُ اَلْمُؤْمِنِينَ اَلْقِتََالَ بأن أرسل عليهم الريح حتى رجعوا فرجعت بنو قريظة إلى صياصيهم. قال أبو جعفر:

فكفي أمر بني قريظة بالرعب حتى نزلوا على حكم سعد بن معاذ رحمة اللّه عليه فحكم بقتل مقاتلتهم و سبي ذراريهم. وَ كََانَ اَللََّهُ قَوِيًّا أي لا يردّ أمره عَزِيزاً لا يغلب.

و بيّن هذا في بني قريظة قال جلّ ثناؤه وَ أَنْزَلَ اَلَّذِينَ ظََاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ اَلْكِتََابِ مِنْ صَيََاصِيهِمْ وَ قَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ اَلرُّعْبَ قال محمد بن يزيد: أصل الصيصية ما يمتنع به فالحصن صيصية و يقال لقرون البقر: صياص لامتناعها. و كذا يقال في شوكة الديك قال: و يقال الشوكة الحائك صيصية تشبيها بها، و أنشد: [الطويل‏] 343-

كوقع الصّياصي في النّسيج الممدّد (1)

فَرِيقاً نصب بتقتلون. و فَرِيقاً نصب بتأسرون، و حكى الفراء (2) «تأسرون» بضم السين.

وَ أَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَ دِيََارَهُمْ وَ أَمْوََالَهُمْ وَ أَرْضاً لأن المهاجرين لم تكن لهم بالمدينة دور.

فَتَعََالَيْنَ نون المؤنّث فيه و هي لا تحذف لأنه مبنيّ و لو حذفت لأشكل. قال الخليل رحمه اللّه: الأصل في تعال: ارتفع ثم كثر استعمالهم حتى قيل للمتعالي: تعال أي أنزل.

وَ مَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلََّهِ وَ رَسُولِهِ وَ تَعْمَلْ صََالِحاً قراءة أهل الحرمين و الحسن و أبي عمرو

____________

(1) الشاهد لدريد بن الصمة في ديوانه 63، و لسان العرب (نوش) و (صيص) ، و (شيق) و (صيا) ، و كتاب العين 7/176، و تهذيب اللغة 12/266، و تاج العروس (صيص) ، و بلا نسبة في جمهرة اللغة ص 242، و المخصص 12/260.

و صدره:

«غداة دعاني و المرماح ينشنه»

(2) انظر معاني الفراء 2/341.

214

و عاصم، و قرأ سائر الكوفيين و يعمل صالحا (1) و أبو عبيد يميل إلى هذه القراءة لأنه عطف على الأول. و قد أجمعوا على الأول بالياء فقرؤوا «و من يقنت» . قال أبو جعفر:

الثاني مخالف للأول؛ لأن الأول محمول على اللفظ و ليس قبله ما يتبعه، و الثاني قبله منكن و هذه النون للتأنيث فتعمل بالتاء أولى لأنه يلي مؤنثا و إن كان بالياء جائزا حسنا، و بعده نُؤْتِهََا أَجْرَهََا مَرَّتَيْنِ بالتأنيث في السواد و كذا وَ أَعْتَدْنََا لَهََا رِزْقاً كَرِيماً أهل التفسير على أن الرزق الكريم هاهنا الجنة.

يََا نِسََاءَ اَلنَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ اَلنِّسََاءِ إِنِ اِتَّقَيْتُنَّ و لم يقل: كواحدة لأنّ «أحدا» نفي عام يقع للمذكّر و المؤنّث، و الجميع على لفظ واحد. فَلاََ تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ في موضع جزم بالنهي إلاّ أنه مبني كما بني الماضي، هذا مذهب سيبويه‏ (2) ، و قال أبو العباس محمد بن يزيد حكاه لنا علي بن سليمان عنه، و لا أعلمه في شي‏ء من كتبه، قال: إذا اعتلّ الشي‏ء من جهتين و هو اسم منع الصرف فإذا اعتلّ من ثلاث جهات بني لأنه ليس بعد ترك الصرف إلا البناء فهذا الفعل معتلّ من ثلاث جهات: منها أن الفعل أثقل من الاسم و هو جمع، و الجمع أثقل من الواحد و هو للمؤنّث، و المؤنّث أثقل من المذكر، و هذا القول عند أبي إسحاق خطأ، و قال: يلزمه ألاّ يصرف فرعون إذا سمّي به امرأة لأن فيه ثلاث علل. فَيَطْمَعَ اَلَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ منصوب لأنه جواب النهي، و قد بيّنّاه بأكثر من هذا، و حكى أبو حاتم أن الأعرج قرأ فَيَطْمَعَ اَلَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ (3) بفتح الياء و كسر الميم. قال أبو جعفر: أحسب هذا غلطا و أن يكون قرأ فَيَطْمَعَ اَلَّذِي (4)

بفتح الميم و كسر العين يعطفه على «يخضعن» و هذا وجه جيد حسن، و يجوز «فيطمع» الذي بمعنى فيطمع الخضوع أو القول وَ قُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً .

وَ قَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ هذه قراءة أبي عمرو و الأعمش و حمزة و الكسائي، و قرأ أهل

____________

(1) انظر تفسير الداني 145، و كتاب السبعة لابن مجاهد 521.

(2) انظر الكتاب 1/45.

(3) انظر مختصر ابن خالويه 119، و البحر المحيط 7/222.

(4) انظر البحر المحيط 7/222.

215

المدينة و عاصم وَ قَرْنَ (1) بفتح القاف. و «قرن» بكسر القاف فيه تقديران: أما مذهب الفراء (2) و أبي عبيد فإنه من الوقار و يقال: وقر يقر وقورا إذا ثبت في منزله، و القول الآخر أن يكون من قرّ في المكان يقرّ بكسر القاف، فيكون الأصل و قررن حذفت الراء الأولى استثقالا للتضعيف و ألقيت حركتها على القاف فصار و قرن كما يقال: ظلت أفعل بكسر الظاء. فأما و «قرن» فقد تكلم فيه جماعة من أهل العربية فزعم أبو حاتم أنه لا مذهب له في كلام العرب، و زعم أبو عبيد أن أشياخه كانوا ينكرونه من كلام العرب.

قال أبو جعفر: أما في قول أبي عبيد إنّ أشياخه أنكروه، ذكر هذا في «كتاب القراءات» فإنه قد حكى في «الغريب المصنّف» (3) نقض هذا. حكي عن الكسائي أنّ أهل الحجاز يقولون: قررت في المكان أقرّ. و الكسائي من أجلّ مشايخه، و لغة أهل الحجاز هي اللغة القديمة الفصيحة. و أما قول أبي حاتم: أنه لا مذهب له فقد خولف فيه، و فيه مذهبان أحدهما ما حكاه الكسائي، و الآخر ما سمعت علي بن سليمان يقوله، قال: هو من قررت به عينا أقرّ. فالمعنى: و اقررن به عينا في بيوتكن، و هذا وجه حسن إلاّ أن الحديث يدلّ على أنه من الأول كما روي أن عمار قال لعائشة رضي اللّه عنهما: إنّ اللّه جلّ و عزّ أمرك أن تقرّي في منزلك، فقالت: يا أبا اليقظان ما زلت قوّالا بالحقّ، فقال:

الحمد للّه الذي جعلني كذلك على لسانك. وَ لاََ تَبَرَّجْنَ قال أبو العباس: حقيقة التبرّج إظهار الزينة و إظهار ما ستره أحسن، و هو مأخوذ من السعة يقال: في أسنانه تبرّج إذا كانت متفرّقة. قال: و «الجاهلية الأولى» كما تقول: الجاهلية الجهلاء، قال:

و كانت النساء في الجاهلية الجهلاء يظهرون ما يقبح إظهاره حتى كانت المرأة تجلس مع زوجها و خلمها فينفرد خلمها بما فوق الإزار إلى الأعلى. و ينفرد زوجها بما دون الإزار إلى الأسفل، و ربما سأل أحدهما صاحبه البدل. } إِنَّمََا يُرِيدُ اَللََّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ اَلرِّجْسَ أَهْلَ اَلْبَيْتِ قال أبو إسحاق: قيل: يراد به نساء النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم، و قيل يراد به نساؤه و أهله الذين هم أهل بيته. قال أبو جعفر: و الحديث في هذا مشهور عن أم سلمة و أبي سعيد الخدري أن هذا نزل في عليّ و فاطمة و الحسن و الحسين‏ (4) رضي اللّه عنهم، و كان عليهم كساء، و قوله «عنكم» يدلّ على أنه ليس للنساء خاصة. قال أبو إسحاق: أَهْلَ اَلْبَيْتِ نصب على المدح، قال: و إن شئت على النداء. قال: و يجوز الرفع و الخفض.

قال أبو جعفر: إن خفضت على أنه بدل من الكاف و الميم لم يجز عند محمد بن يزيد، قال: لا يبدل من المخاطب و لا من المخاطب، لأنهما لا يحتاجان إلى تبيين. وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً مصدر فيه معنى التوكيد حوّلت المخاطبة على الحديث المروي إلى أزواج النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم فقال جلّ و عزّ: وَ اُذْكُرْنَ مََا يُتْلى‏ََ فِي بُيُوتِكُنَّ .

____________

(1) انظر البحر المحيط: 7/223.

(2) انظر معاني الفراء 2/342.

(3) انظر الغريب المصنّف ص 261.

(4) انظر البحر المحيط 7/224، و تفسير الطبري 22/6.

216

خفّفت النون الأولى لأنها بمنزلة و او المذكر، تقول في المذكر و اذكروا، و ثقّلت في الثاني لأنهما بمنزلة الميم و الواو في قولك: في بيوتكم إلاّ أن الواو يجوز حذفها لثقلها، و أنّ قبلها ميما يدلّ عليها. مِنْ آيََاتِ اَللََّهِ وَ اَلْحِكْمَةِ أكثر أهل التفسير على أنّ الحكمة هاهنا السّنة و بعضهم يقول: هي من الآيات.

إِنَّ اَلْمُسْلِمِينَ اسم إن. وَ اَلْمُسْلِمََاتِ عطف عليه، و يجوز رفعهن عند البصريين. فأما الفراء فلا يجيزه إلاّ فيما لا يتبيّن فيه الإعراب. وَ اَلْحََافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَ اَلْحََافِظََاتِ التقدير و الحافظاتها ثم حذف، و يجوز على هذا: ضربني و ضربت زيد، فإن لم تحذف قلت: و ضربته و مثله: و نخلع و نترك من يفجرك، و إن لم تحذف قلت:

و تتركه. و حكى سيبويه‏ (1) : متى ظننت أو قلت زيدا منطلقا، فإن لم تحذف قلت: متى ظننت أو قلت هو زيدا منطلقا، و إن شئت قلت متى ظننت أو قلته زيدا منطلقا. فهذا كلّه على إعمال الأول، فإن أعملت الثاني قلت: متى ظننت أو قلت زيد منطلق. هذه اللغة الجيدة، و إن شئت قلت: متى ظننت أو قلت زيدا منطلقا، على إعمال الثاني و تكون قلت عاملة كظننت. وَ اَلذََّاكِرِينَ اَللََّهَ كَثِيراً وَ اَلذََّاكِرََاتِ مثله قال مجاهد: لا يكون ذاكرا اللّه كثيرا جلّ و عزّ قائما و جالسا و مضطجعا. و قال أبو سعيد الخدري: من أيقظ أهله بالليل فصلّيا أربع ركعات كتبا من الذاكرين اللّه كثيرا و الذاكرات.

وَ مََا كََانَ لِمُؤْمِنٍ وَ لاََ مُؤْمِنَةٍ إِذََا قَضَى اَللََّهُ وَ رَسُولُهُ أَمْراً قال الحسن: ليس لمؤمن و لا مؤمنة إذا أمر اللّه بأمر و رسوله بأمر أن يعصياه، و قرأ الكوفيون‏ (2) أَنْ يَكُونَ لَهُمُ اَلْخِيَرَةُ و هو اختيار أبي عبيد لأنه قد فرق بين المؤنّث و بين فعله. قال أبو جعفر: القراءة بالياء جائزة فأما أن تكون مقدّمة على التاء فلأن اللفظ مؤنث فتأنيث فعله حسن، و التذكير على أنّ اَلْخِيَرَةُ بمعنى التخيّر.

____________

(1) انظر الكتاب 1/178.

(2) انظر تيسير الداني 145.

217

وَ إِذْ تَقُولُ في موضع نصب و هي غير معربة لأنها لا تتمكّن. لِلَّذِي أَنْعَمَ اَللََّهُ عَلَيْهِ وَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ قال بعض العلماء: لم يكن هذا من النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم ألا ترى أنه لم يؤمر بالتوبة و لا بالاستغفار منه، و قد يكون الشي‏ء ليس بخطيئة إلاّ أن غيره أحسن منه و أخفى ذلك في نفسه خشية أن يفتن الناس.

مََا كََانَ عَلَى اَلنَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمََا فَرَضَ اَللََّهُ لَهُ «من» زائدة للتوكيد سُنَّةَ اَللََّهِ مصدر لأن قبله ما هو بمعنى سنّ ذلك.

اَلَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسََالاََتِ اَللََّهِ قال أبو إسحاق: اَلَّذِينَ في موضع جرّ على النعت لقوله: اَلَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ قال: و يجوز أن يكون في موضع رفع، قال:

و يجوز أن يكون في موضع نصب على المدح.

مََا كََانَ مُحَمَّدٌ أَبََا أَحَدٍ مِنْ رِجََالِكُمْ و قد كان لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم أولاد منهم إبراهيم و القاسم و الطّيب، و الحسن و الحسين رضي اللّه عنهم ولدا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم كما أن عيسى عليه السلام من ولد آدم صلّى اللّه عليه و سلّم، ففي هذا جوابان: أحدهما، و هو قول أبي إسحاق، أن المعنى ما كان محمد أبا أحد ممن تبنّاه و لكنه أبو أمته في التبجيل و التعظيم، و إنّ نساءه رضي اللّه عنهن عليهم حرام، و جواب آخر يكون هذا على الحقيقة أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم في وقت نزلت فيه هذه الآية لم يكن أبا أحد من الرجال، و من ذكرنا من إبراهيم و القاسم و الطيّب ماتوا صبيانا. وَ لََكِنْ رَسُولَ اَللََّهِ قال الأخفش و الفراء (1) : أي و لكن كان رسول اللّه و أجاز وَ لََكِنْ رَسُولَ اَللََّهِ وَ خََاتَمَ اَلنَّبِيِّينَ بالرفع على إضمار مبتدأ، و زعم الفراء (2) أنه قد قرئ به، و قرأ الحسن و الشعبي و عاصم وَ خََاتَمَ اَلنَّبِيِّينَ (3) بفتح التاء أي آخر النبيين، كما قرأ علقمة بن قيس خاتمه مسك [المطففين: 26]أي آخره، و خاتم من ختم فهو خاتم و في قراءة عبد اللّه‏ (4) و لكنّ نبيا ختم النّبيّين و يقال للذي يلبس خاتم

____________

(1) انظر معاني الفراء 2/344.

(2) انظر معاني الفراء 2/344.

(3) انظر تيسير الداني 145.

(4) انظر مختصر ابن خالويه 220، و البحر المحيط 7/228.

218

و خاتم و خيتام و خاتام. وَ كََانَ اَللََّهُ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عَلِيماً خبر كان و التقدير: عليم بكلّ شي‏ء.

قال محمد بن يزيد: الأصيل العشيّ و جمعه أصائل و الأصل بمعنى الأصيل و جمعه آصال، و قال غيره: أصل جمع أصيل كرغيف و رغف.

هُوَ اَلَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَ مَلاََئِكَتُهُ الأصل في الصلاة عند أهل اللغة الدعاء كما قال الأعشى: [البسيط] 344-

عليك مثل الّذي صلّيت فاغتمضي # يوما فإنّ لجنب المرء مضطجعا (1)

أي الزمي مثل الدعاء الذي دعوت لي به لأن قبله:

345-

تقول بنتي و قد قرّبت مرتحلا # يا ربّ جنّب أبي الأوصاب و الوجعا (2)

و يروى: عليك مثل الذي صلّيت، أي عليك مثل دعائك. و سمّيت الصلاة صلاة لما فيها من الدعاء و لهذا و غيره يقول فقهاء أهل المدينة يدعو في صلاته بما أراد، إلاّ أن محمد بن يزيد زعم أن أصل الصلاة: الترحّم، و أخرجها كلّها من باب واحد، و الصلاة من اللّه رحمته عباده، و من الملائكة رقّة لهم و استدعاء الرحمة من اللّه جلّ و عزّ إيّاهم، و الصلاة من الناس لطلب الرحمة من اللّه جلّ و عزّ بأداء الفرض أو النفل. إلا أن في الحديث أن بني إسرائيل سألوا صلّى اللّه عليه و سلّم أن يصلي ربّك جلّ و عزّ فأعظم ذلك فأوحى جلّ و عزّ إليه أنّ صلاتي أي رحمتي سبقت غضبي. لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ اَلظُّلُمََاتِ إِلَى اَلنُّورِ قال الضحاك: «الظلمات» الكفر و «النور» الإيمان، و يجوز «الظّلمات» تبدل من الضمة فتحة لخفّة الفتحة إلا أن الكسائي كان يقول: ظلمات جمع ظلم، و ظلم جمع ظلمة، و من قال: ظلمات حذف الضمة لثقلها.

تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلاََمٌ مبتدأ و خبر. و أجل ما روي فيه أن البراء بن عازب قال:

تحيّتهم يوم يلقونه سلام يسلّم ملك الموت على المؤمنين عند قبض روحه لا يقبض روحه حتى يسلم عليه، و تأوله أبو إسحاق على أن هذا في الجنّة، و استشهد بقوله:

____________

(1) الشاهد للأعشى في ديوانه 151، و لسان العرب (ضجع) ، و (صلا) ، و تهذيب اللغة 12/236، و تاج العروس (ضجع) .

(2) الشاهد للأعشى في ديوانه 151، و مقاييس اللغة 3/300، و تاج العروس (شفع) .

219

تَحِيَّتُهُمْ فِيهََا سَلاََمٌ* و فرق محمد بن يزيد بين التحية و السّلام، فقال: التحيّة تكون لكلّ دعاء و السلام فخصوص، و منه‏ يُلَقَّوْنَ فِيهََا تَحِيَّةً وَ سَلاََماً [الفرقان: 75].

نصب على الحال. قال سعيد عن قتادة: شََاهِداً على أمته بالبلاغ وَ مُبَشِّراً بالجنة وَ نَذِيراً من النار.

وَ دََاعِياً إِلَى اَللََّهِ أي إلى شهادة أن لا إله إلاّ اللّه، بِإِذْنِهِ قال: بأمره. وَ سِرََاجاً مُنِيراً قال: كتاب اللّه جلّ و عزّ. قال أبو جعفر: التقدير على قوله و داعيا إلى توحيد اللّه جلّ و عزّ و ذا سراج أي ذا كتاب بين، و أجاز أبو إسحاق أن يكون بمعنى و تاليا كتابا.

وَ بَشِّرِ اَلْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ و الباء تحذف من مثل هذا، و لا يجوز دخول اللام في الخبر.

وَ لاََ تُطِعِ اَلْكََافِرِينَ وَ اَلْمُنََافِقِينَ وَ دَعْ أَذََاهُمْ تأوّله أبو إسحاق بمعنى: دع الأذى الذي يؤذونك به أي لإنجازهم عليه حتى تؤمر فيهم بشي‏ء. و تأوّله غيره لا تؤذهم و كان هذا عنده من قبل أن يؤمر بالقتال.

فَمََا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ «من» زائدة للتوكيد. } وَ اِمْرَأَةً مُؤْمِنَةً عطف أي و أحللنا لك امرأة مؤمنة. إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهََا لِلنَّبِيِّ قال أبو إسحاق: إن وهبت نفسها للنبيّ حلّت له.

و قرأ الحسن أن وهبت بفتح الهمزة، و «إن» في موضع نصب. قال أبو إسحاق: فهي لأن وهبت، و قال غيره: إنّ وهبت بدل الاشتمال من امرأة خََالِصَةً نصب على الحال.

قَدْ عَلِمْنََا مََا فَرَضْنََا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوََاجِهِمْ وَ مََا مَلَكَتْ أَيْمََانُهُمْ قال قتادة الذي فرض جلّ‏

220

و عزّ عليهم في أزواجهم أنه لا نكاح إلا بولي و شاهدين عدلين و صداق، و أن لا يتزوج الرجل أكثر من أربع، و قال غيره: يدلّ على هذا وَ أَنْكِحُوا اَلْأَيََامى‏ََ مِنْكُمْ [النور:

32]، وَ لاََ تَعْضُلُوهُنَّ [النساء: 19] وَ أَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ [الطلاق: 32]مع ما يقوّي ذلك الحديث عن النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم وَ مََا مَلَكَتْ أَيْمََانُهُمْ فالذي فرض فيه ألاّ يحلّ من النساء إلاّ سبي من لا ذمة له لِكَيْلاََ يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ أي لا تتعدّ هذا، و قيل: هو راجع على قوله: إِنََّا أَحْلَلْنََا لَكَ أَزْوََاجَكَ و ما بعده.

ترجئ من تشاء منهنّ بالهمزة من أرجأت الأمر إذا أخّرته. و يقرأ تُرْجِي (1) بغير همز. و قد تكلم النحويون في الحيلة له فقال بعضهم: هي لغة و إن كانت ليست بالفصيحة، و منهم من قال: على بدل الهمزة على لغة من قال: قريت. قال أبو جعفر:

و سمعت علي بن سليمان يقول: الصحيح من قول سيبويه أنه لا يجيز بدل الهمزة لأن أبا زيد قال له: من العرب من يقول في قرأت قريت مثل رميت فقال سيبويه: كيف يقولون في المستقبل؟قال: يقولون يقرأه قال له سيبويه: كان يجب أن يقولوا: يقرى مثل رميت أرمي. قال أبو الحسن: و هذا من كلام سيبويه يدلّ على أنه لا يجوز عنده، قال: و سمعت محمد بن يزيد يقول: هو من رجا يرجو مشتق، يقال: رجا و أرجيته أي جعلته يرجو. ذََلِكَ أَدْنى‏ََ أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ قد ذكرناه‏ (2) . و قيل فيه: ذلك أقرب ألاّ يحزن إذا لم تجتمع أحداهن مع الأخرى، و تعاين الأثرة و الميل. وَ يَرْضَيْنَ بِمََا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ على توكيد المضمر أي و يرضين كلّهن، و أجاز أبو حاتم و أبو إسحاق وَ يَرْضَيْنَ بِمََا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ على التوكيد للمضمر الذي في «آتيتهنّ» ، و الفراء (3) لا يجيزه لأن المعنى ليس عليه إذ كان المعنى و ترضى كلّ واحدة منهن، و ليس المعنى بما أتيتهن كلّهن. قال أبو جعفر: و الذي قال حسن.

لاََ يَحِلُّ لَكَ اَلنِّسََاءُ مِنْ بَعْدُ قال الفراء (4) : اجتمعت القراء على القراءة بالياء

____________

(1) انظر مختصر ابن خالويه 120، و البحر المحيط 7/234.

(2) انظر إعراب الآية 33-الأحزاب.

و البحر المحيط 7/235.

(3) انظر معاني الفراء 2/436.

(4) انظر معاني الفراء 2/346.

221

لاََ يَحِلُّ لَكَ و زعم أنه لو كان لجميع النساء لكان بالتاء أجود. و قال أبو جعفر: و هذا غلط بين و كيف يقال: اجتمعت القراء على الياء، و قد قرأ أبو عمرو بالتاء (1) بلا اختلاف عنه و إذا كان لجماعة النساء كان بالياء جائزا حسنا. و سمعت علي بن سليمان يقول:

سمعت محمد بن يزيد يقول: من قرأ لا تحل لك النساء قدره بمعنى جماعة النساء، و من قرأ بالياء قدّره بمعنى جميع النساء. و الفراء يقدره إذا كان بالياء لا يحلّ لك شي‏ء من النساء فحمل التذكير على هذا إِلاََّ مََا مَلَكَتْ يَمِينُكَ في موضع رفع على البدل من النساء، و يجوز أن يكون في موضع نصب على الاستثناء. وَ لاََ أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوََاجٍ في موضع رفع عطفا على النساء أي لا يحلّ لك النساء التبدل بهن، و من قال: إن الآية لا يجوز فإنما أجاز ذلك لأنها في معنى النهي، و إن كان لفظهما لفظ الأخبار لا يجوز أن تنسخ.

يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لاََ تَدْخُلُوا بُيُوتَ اَلنَّبِيِّ إِلاََّ أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ «إن» في موضع نصب على معنى إلاّ بأن يؤذن لكم، و يكون استثناء ليس من الأول إِلى‏ََ طَعََامٍ غَيْرَ نََاظِرِينَ إِنََاهُ نصب على الحال أي لا تدخلوا في هذه الحال، و لا يجوز في غير الخفض على النعت للطعام؛ لأنه لو كان نعتا لم يكن بد من إظهار الفاعلين و كان يكون غَيْرَ نََاظِرِينَ إِنََاهُ أنتم، و نظير هذا من النحو: هذا رجل مع رجل ملازم له، و إن شئت قلت: هذا رجل ملازم له هو، و مررت برجل معه صقر صائد به، و إن شئت قلت: صائد به هو.

وَ لََكِنْ إِذََا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا الفاء في جواب إذا لازمة لما فيها من معنى المجازاة. وَ لاََ مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ في موضع نصب عطفا على غير. و يجوز أن يكون خفضا عطفا على ما بعد غير فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَ اَللََّهُ لاََ يَسْتَحْيِي مِنَ اَلْحَقِّ قال أبو إسحاق: و يقال: يستحي بياء واحدة تحذف الياء تخفيفا. قال أبو جعفر: و قد ذكرت هذا في السورة التي تذكر فيها البقرة (2) . وَ مََا كََانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اَللََّهِ في موضع رفع اسم كان. وَ لاََ أَنْ تَنْكِحُوا معطوف عليه.

____________

(1) انظر كتاب السبعة لابن مجاهد 523، و تيسير الداني 145.

(2) انظر آية 26 من سورة البقرة.

222

إِنَّ اَللََّهَ وَ مَلاََئِكَتَهُ عطف و حكي «و ملائكته» بالرفع و أجاز الكسائي على هذا: إنّ زيدا و عمرو منطلقان. و منع هذا جميع النحويين غيره. قال أبو جعفر: و سمعت علي بن سليمان يقول: الآية لا تشبه ما أجازه لأنك لو قلت: إنّ زيدا و عمرو منطلقان، أعملت في منطلقين شيئين و هذا محال، و التقدير في الآية: إنّ اللّه جلّ و عزّ يصلّي على النبي و ملائكته يصلّون على النبي صلّى اللّه عليه و سلّم ثم حذفت من الأول لدلالة الثاني. و الذي قال حسن. و لقد قال بعض أهل النظر في قراءة من قرأ إِنَّ اَللََّهَ وَ مَلاََئِكَتَهُ بالنصب مثال ما قال علي بن سليمان في الرفع قال: لأن يصلون إنما هو للملائكة خاصة لأنه لا يجوز أن يجتمع ضمير لغير اللّه جلّ و عزّ مع اللّه إجلالا له و تعظيما، و لقد قال رجل للنبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم: ما شاء اللّه و شئت، و أنكر ذلك و علمه النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم فقال له: قل ما شاء اللّه ثم شئت.

إِنَّ اَلَّذِينَ يُؤْذُونَ اَللََّهَ وَ رَسُولَهُ اَلَّذِينَ في موضع نصب و ما بعده صلته، و هو يقع لكل غائب مذكر و أخواته «من» و «ما» و «أي» و مؤنثه «التي» فإذا قلت: رأيت من في الدار، كان للآدميّين خاصة، و إذا قلت: رأيت الذي في الدار، كان مبهما للآدميين و غيرهم، و إذا قلت: رأيت ما في الدار، كان لما لا يعقل خاصة و لنعت ما يعقل لو قال قائل: ما عندك؟فقلت: كريم، كان حسنا. قال محمد بن يزيد: و لو قلت: رجل، كان جائزا؛ لأنه داخل في الأجناس، و لا يجوز أن تقول: زيد و لا عمرو إلاّ أن من و ما يكونان في الاستفهام و الجزاء بغير صلة لأنك لو وصلتهما في الاستفهام كنت مستفهما عما تعرفه، و الجزاء مبهم لا يختص شيئا دون شي‏ء؛ فلهذا لم تجز فيه الصلة، و «يؤذون» مهموز لأنه من آذى و الأصل بين مهموز مثل آمن فإن خففت الهمزة أبدلت منها واوا فقلت: يوذون لأنه لا سبيل إلى أن يجعلها بين بين لأنها ساكنة.

وَ اَلَّذِينَ يُؤْذُونَ اَلْمُؤْمِنِينَ وَ اَلْمُؤْمِنََاتِ في موضع رفع بالابتداء، و يجوز أن يكون في موضع نصب على العطف.

يََا أَيُّهَا اَلنَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوََاجِكَ واحدها زوج. يقال للمرأة: زوج و زوجة، و الفصيح‏

223

الكثير بغير هاء و بها جاء كل ما في القرآن و لا يجوز أن تجمع زوجة على أزواج، إنما أزواج جمع زوج مثل حوض و أحواض و الأصل زوج مثل فلس و أفلس و استثقلوا الحركة في الواو، و قد جاء في فعل أفعال فردّوه إليه فقالوا أزواج و أحواض و للكثير حياض و زياج، و في قولهم: زوج بغير هاء قولان: أحدهما أن تأنيثه تأنيث صيغة مثل عقرب و عناق، و ليس بجار على الفعل فيلزمه الهاء، و الجاري على الفعل متزوّجة، و القول الآخر أن العرب تقول لكل مقترنين: زوجان. يقال للخفّين: زوجان، و كذا النعلان و المقرضان‏ (1) و المقصان. قال اللّه جلّ و عزّ اِحْمِلْ فِيهََا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اِثْنَيْنِ [هود: 40]و قال جلّ و عزّ وَ آخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوََاجٌ [ص: 58]. وَ بَنََاتِكَ جمع مسلم، و هو جمع بنة مثل هنة و هنات و المحذوف منه ياء، و قد قال بعض النحويين:

المحذوف منه واو و استدلّ بقولهم البنوّة. قال أبو جعفر: و هذا لعمري مما تقع فيه المغالطة لأنه ليس فيه دليل لأنهم قد قالوا: الفتوّة و هو من ذوات الياء يدلك على ذلك قوله جلّ و عزّ وَ دَخَلَ مَعَهُ اَلسِّجْنَ فَتَيََانِ [يوسف: 36]. قال أبو جعفر: و أحسن ما سمعت فيه قول أبي إسحاق قال: هو عندي مشتقّ من بنى يبني. وَ نِسََاءِ اَلْمُؤْمِنِينَ قيل:

نساء جمع جواب للأمر، و الأمر محذوف و التقدير عند المازني: قل لهنّ أدنين يدنين مِنْ جَلاَبِيبِهِنَّ عن ابن مسعود و ابن عباس الجلباب: الرداء. قال محمد بن يزيد:

الجلباب كل ما ستر من ثوب أو ملحفة أي يرخين على وجوههن منه. ذََلِكَ أَدْنى‏ََ أَنْ يُعْرَفْنَ فَلاََ يُؤْذَيْنَ أي يعرفن بالستر و الصيانة.

لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ اَلْمُنََافِقُونَ وَ اَلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَ اَلْمُرْجِفُونَ فِي اَلْمَدِينَةِ أهل التفسير على أن الأوصاف الثلاثة لشي‏ء واحد، كما روى سفيان بن سعيد بن منصور عن أبي رزين قال:

المنافقون و الذين في قلوبهم مرض و المرجفون في المدينة هم شي‏ء واحد يعني أنهم قد جمعوا هذه الأشياء، و عن ابن عباس وَ اَلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ قال فجور و شك، قال: لئن لم ينتهوا عن أذى النبي و عن أذى النساء و في هذه الآية للعلماء غير قول فمنها أنه لم ينتهوا و أن اللّه جل و عز قد أغراه بهم لأنه قد قال جلّ و عزّ وَ لاََ تُصَلِّ عَلى‏ََ أَحَدٍ مِنْهُمْ مََاتَ أَبَداً وَ لاََ تَقُمْ عَلى‏ََ قَبْرِهِ [التوبة: 84]و أنه أمره بلعنهم فهذا هو الإغراء فهذا قول، و قال أبو العباس محمد بن يزيد: قد أغراه بهم في الآية التي تلي هذه مع

____________

(1) أخرجه أبو داود في سننه-المناسك، الحديث رقم (1847) ، و مسلم في صحيحه ب 9 رقم 79، و الطبراني في المعجم الكبير 17/329.

224

اتصال الكلام بها، }و هو قوله جلّ و عزّ أَيْنَمََا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَ قُتِّلُوا تَقْتِيلاً فهذا فيه معنى الأمر بقتلهم و أخذهم أي هذا حكمهم و هذا أمرهم أن يؤخذوا و يقتلوا إذ كانوا مقيمين على النفاق و الإرجاف. و في الحديث عن النبي صلّى اللّه عليه و سلّم «خمس يقتلن في الحرم» (1) فهذا فيه معنى الأمر كالآية سواء. و هذا من أحسن ما قيل و في الحديث عن النبي صلّى اللّه عليه و سلّم «خمس يقتلن في الحرم» . لَنُغْرِيَنَّكَ لام القسم و اليمين واقعة عليها و أدخلت اللام في إن توطئة لها ثُمَّ لاََ يُجََاوِرُونَكَ فِيهََا إِلاََّ قَلِيلاً فكان الأمر كما قال جلّ و عزّ لأنهم لم يكونوا إلا أقلاء فهذا أحد جوابي الفراء (2) ، و هو الأولى عنده أي إلا في حال قتلهم، و الجواب الآخر أن يكون المعنى: إلاّ وقتا قليلا.

مَلْعُونِينَ هذا تمام الكلام عند محمد بن يزيد، و هو منصوب على الحال أي ثم لا يجاورونك إلا أقلاء. عن بعض النحويين أنه قال يكون المعنى أينما أخذوا ملعونين، و هذا خطأ لا يعمل ما كان مع المجازاة فيما قبله.

سُنَّةَ اَللََّهِ نصب على المصدر أي سنّ اللّه جلّ و عزّ فيمن أرجف بالأنبياء و أظهر نفاقه أن يؤخذ و يقتل.

إِنَّ اَللََّهَ لَعَنَ اَلْكََافِرِينَ وَ أَعَدَّ لَهُمْ سَعِيراً }فأنّث لأن السعير بمعنى النار. خََالِدِينَ فِيهََا أَبَداً .

يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي اَلنََّارِ و حكى الفراء (3) «يوم تقلّب» بمعنى تتقلّب. و يوم نقلّب وجوههم في النار يَقُولُونَ يََا لَيْتَنََا أَطَعْنَا اَللََّهَ وَ أَطَعْنَا اَلرَّسُولاَ هذه الألف تقع في الفواصل لتتفق فيوقف عليها و لا يوصل بها.

و قرأ الحسن إنّا أطعنا ساداتنا بكسر التاء لأنه جمع مسلّم لسادة، و كان في هذا زجر عن التقليد.

____________

(1) انظر معاني الفراء 2/350.

(2) انظر معاني الفراء 2/350.

(3) انظر تيسير الداني 145، و كتاب السبعة لابن مجاهد 523 و البحر المحيط 7/242.

225

و قرأ عاصم و ابن عامر وَ اِلْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً و (كثيرا) (1) في هذا أشبه كما قال جلّ و عزّ أُولََئِكَ يَلْعَنُهُمُ اَللََّهُ وَ يَلْعَنُهُمُ اَللاََّعِنُونَ [البقرة: 159]و هذا اللعن كثير.

وَ كََانَ عِنْدَ اَللََّهِ وَجِيهاً خبر كان. و لو قلت: كان عبد اللّه عندنا جالسا، كان في نصبه وجهان: يكون خبر كان و يكون على الحال. و الوجيه عند العرب العظيم القدر، الرفيع المنزلة، و يروى أنه كان إذا سأل اللّه شيئا أعطاه إياه.

قال الحكم بن أبان عن عكرمة «قولوا قولا سديدا» قال: لا إله إلا اللّه و ما أشبهها من الصدق و الصواب. قال أبو جعفر: الاسم من هذا السّداد بفتح السين و قد استدّ فلان، القياس من فعله سدّ و الأصل سدد. فأما السّداد بكسر السين فما غطّي به الشي‏ء، و هو سداد من عوز.

إِنََّا عَرَضْنَا اَلْأَمََانَةَ عَلَى اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ وَ اَلْجِبََالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهََا قد ذكرناه. و من حسن ما قيل في معناه أنّ معنى عرضنا أظهرنا كما تقول: عرضت الجارية على البيع، و المعنى: أنّا عرضنا الأمانة و تضييعها على أهل السموات و أهل الأرض من الملائكة و الجنّ و الإنسان فأبين أن يحملنها أي أن يحملن وزرها، كما قال جلّ و عزّ وَ لَيَحْمِلُنَّ أَثْقََالَهُمْ وَ أَثْقََالاً مَعَ أَثْقََالِهِمْ [العنكبوت: 13] «و حملها الإنسان» قال الحسن يراد به الكافر و المنافق، قال: إِنَّهُ كََانَ ظَلُوماً لنفسه جَهُولاً بربّه فيكون على هذا الجواب مجازا، مثل‏ وَ سْئَلِ اَلْقَرْيَةَ ، و فيه جواب آخر على أن يكون حقيقة أنه عرض على السموات و الأرض و الجبال الأمانة و تضييعها و هي الثواب و العقاب أي أظهر لهن ذلك فلم يحملن وزرها و أطعن فيما أمرن به و ما سخّرن له، و حملها الإنسان على ما مر من الجواب الذي تقدم.

____________

(1) انظر تيسير الداني 145، و كتاب السبعة لابن مجاهد 523.

226

لِيُعَذِّبَ اَللََّهُ اَلْمُنََافِقِينَ وَ اَلْمُنََافِقََاتِ وَ اَلْمُشْرِكِينَ وَ اَلْمُشْرِكََاتِ أي بالحجج القائمة عليهم من عرض الأمانة عليهم، و هي إظهار ما أظهر لهم من الوعيد. قال عبد اللّه بن مسعود:

الأمانة: الصلاة و الصيام و غسل الجناية، و عن أبيّ بن كعب قال: من الأمانة أنّ المرأة اؤتمنت على فرجها. و في حديث مرفوع «الأمانة الصلاة» (1) إن شئت قلت صليت، و إن شئت قلت لم أصلّ و كذا الصيام و غسل الجنابة. و قرأ الحسن و يتوب اللّه (2)

بالرفع يقطعه من الأول أي يتوب عليهم بكل حال. وَ كََانَ اَللََّهُ غَفُوراً رَحِيماً خبر بعد خبر لكان، و يجوز أن يكون نعتا لغفور، و يجوز أن يكون حالا من المضمر.

____________

(1) انظر تفسير الطبري 22/23.

(2) انظر البحر المحيط 7/244، مختصر ابن خالويه 121.

227

34 شرح إعراب سورة سبأ

بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ

اَلَّذِي في موضع خفض على النعت أو البدل، و يجوز أن يكون في موضع رفع على إضمار مبتدأ، و أن يكون في موضع نصب بمعنى أعني. و حكى سيبويه: الحمد للّه أهل الحمد بالنصب و الرفع و الخفض. وَ هُوَ اَلْحَكِيمُ اَلْخَبِيرُ مبتدأ و خبره.

يَعْلَمُ في موضع نصب على الحال، و يجوز أن يكون مستأنفا.

وَ قََالَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا لاََ تَأْتِينَا اَلسََّاعَةُ قُلْ بَلى‏ََ وَ رَبِّي قسم، و الجواب لَتَأْتِيَنَّكُمْ و قرأ أهل المدينة عالم الغيب (1) بالرفع لأن جواب القسم قد تقدّم فحسن الرفع بالابتداء و الخبر ما بعده، و يجوز أن يكون مرفوعا على إضمار مبتدأ، و يجوز النصب بمعنى أعني، و قرأ أبو عمرو و عاصم عََالِمِ اَلْغَيْبِ على النعت، و قرأ سائر الكوفيين علاّم الغيب (2) بالخفض على النعت أيضا، فعالم يكون للقليل و الكثير و علاّم للكثير لا غير، و المستعمل و الأشبه في مثل هذا: عالم الغيب فإن قلت: علام الغيوب كان علاّم أشبه. و قرأ يحيى بن وثاب و الكسائي لا يعزب (3) بكسر الزاي، يقال: عزب يعزب

____________

(1) انظر تيسير الداني 146، و كتاب السبعة لابن مجاهد 526.

(2) و هذه قراءة ابن وثاب و الأعمش و حمزة و الكسائي، انظر البحر المحيط 7/248.

(3) انظر تيسير الداني 146، و كتاب السبعة لابن مجاهد 526.

228

و يعزب. قال الفراء (1) : و الكسر أحبّ إليّ، و هي قراءة الأعمش. وَ لاََ أَصْغَرُ مِنْ ذََلِكَ وَ لاََ أَكْبَرُ بالفتح تعطفهما على «ذرّة» ، و قراءة العامة بالرفع على العطف على مثقال.

لِيَجْزِيَ منصوب بلام كي، و التقدير لتأتينّكم ليجزي.

و قرأ طلحة و عيسى أُولََئِكَ لَهُمْ عَذََابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ (2) بالرفع على النعت لعذاب.

وَ يَرَى في موضع نصب معطوف على ليجزي، و يجوز أن يكون في موضع رفع على أنه مستأنف اَلَّذِينَ في موضع رفع بيرى. أُوتُوا اَلْعِلْمَ خبر ما لم يسمّى فاعله، اَلَّذِي في موضع نصب على أنه مفعول أول ليرى هُوَ اَلْحَقَّ مفعول ثان «و هو» فاصلة و الكوفيون يقولون: عماد، و يجوز الرفع على أن يكون «هو» مبتدأ و «الحقّ» خبره و النصب أكثر فيما كانت فيه الألف و اللام عند جميع النحويين، و كذا ما كان نكرة لا تدخله الألف و اللام فيشبه المعرفة فإن كان الخبر اسما معروفا نحو قولك: كان أخوك هو زيد. و زعم الفراء (3) أن الاختيار فيه الرفع و كذا: كان أبو محمد هو عمرو.

و علّه في اختياره الرفع أنه لما لم يكن فيه ألف و لام أشبه النكرة في قوله: كان زيد هو جالس، لأن هذا لا يجوز فيه إلا الرفع.

وَ قََالَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلى‏ََ رَجُلٍ و إن شئت أدغمت اللام في النون لقربها منها يُنَبِّئُكُمْ إِذََا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ و المعنى: يقول لكم «و إذا» في موضع نصب، و العامل فيها مزّقتم، و لا يجوز أن يكون العامل فيها ينبئكم لأنه ليس يخبرهم ذلك الوقت، و لا يجوز أن يكون العامل فيها ما بعد أنّ لأنه لا يعمل فيما قبله، و أجاز أبو إسحاق أن يكون العامل فيها محذوفا، و التقدير: إذا مزّقتم كلّ ممزّق بعثتم.

____________

(1) انظر معاني الفراء 2/251.

(2) انظر تيسير الداني 146.

(3) انظر معاني الفراء 2/352.

229

أَفْتَرى‏ََ لمّا دخلت ألف الاستفهام و استغنيت عن ألف الوصل فحذفتها و كان فتح ألف الاستفهام فرقا بينها و بين ألف الوصل.

وَ لَقَدْ آتَيْنََا دََاوُدَ مِنََّا فَضْلاً مفعولان: يََا جِبََالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَ اَلطَّيْرَ أي رجّعي الحنين فكانت الجبال تجيبه إذا تلا الزبور، و هو من آب يؤوب إذا رجع. وَ اَلطَّيْرَ (1) بالرفع قراءة الأعرج و أبي عبد الرحمن، و الرفع من جهتين: إحداهما على العطف على جبال، و الأخرى على العطف على المضمر الذي في أوّبي، و حسن ذلك، لأن بعده «معه» ، و النصب عند أبي عمرو بن العلاء بمعنى و سخّرنا له الطير، و قال الكسائي: هو معطوف على فضلا أي آتيناه الطير، و عند سيبويه‏ (2) معطوف على الموضع أي: نادينا الجبال و الطير، و يجوز أن يكون مفعولا معه، كما تقول: استوى الماء و الخشبة: أي مع الخشبة. قال أبو جعفر: سمعت أبا إسحاق يجيز قمت و زيدا. وَ أَلَنََّا لَهُ اَلْحَدِيدَ قيل:

إنه أول من سخّر له الحديد، و قيل أعطي من القوة أنه كان يثني الحديد-و اللّه جلّ و عزّ أعلم بذلك-و قال الحسن: و كان داود صلّى اللّه عليه و سلّم يأخذ الحديد فيكون في يده مثل العجين فيعمل منه الدروع.

أَنِ اِعْمَلْ سََابِغََاتٍ لأبي إسحاق فيه جوابان: أحدهما أن تكون «أن» بمعنى أي مفسّرة تؤدّي عن معنى: قلنا له اعمل، و الجواب الآخر أن يكون في موضع نصب أي و ألنّا له الحديد لها و وصلت أن بلفظ الأمر سََابِغََاتٍ في موضع نصب و أقيمت الصفة مقام الموصوف أي: اعمل دروعا سابغات و الدروع مؤنثة إذا كانت للحرب، و درع المرأة مذكر. وَ قَدِّرْ فِي اَلسَّرْدِ قال ابن عيينة عن ابن أبي نجيح عن مجاهد: قدر المسمار لا يكون دقيقا فيسلس و لا غليظا فيفصمها.

وَ لِسُلَيْمََانَ اَلرِّيحَ جعله الكسائي نسقا على‏ وَ أَلَنََّا لَهُ اَلْحَدِيدَ و قال: المعنى:

و ألنّا لسليمان الرّيح، و قال أبو إسحاق: التقدير: و سخّرنا لسليمان الريح: و قرأ عاصم وَ لِسُلَيْمََانَ اَلرِّيحَ (3) بالرفع بالابتداء أو بالاستقرار أي لسليمان الريح ثابتة و فيه ذلك

____________

(1) انظر البحر المحيط 7/253.

(2) انظر الكتاب 2/188.

(3) انظر تيسير الداني 146، و كتاب السبعة لابن مجاهد 527.

230

المعنى، فإن قال قائل: إذا قلت: أعطيت زيدا دينارا و لعمرو درهم، فرفعت لم يكن فيه كمعنى الأول، و جاز أن يكون لم تعطه الدرهم قيل: الأمر كذا الآية على خلاف هذا من المعنى قد علم أنه لم يسخّرها أحد غير اللّه جلّ و عزّ غُدُوُّهََا شَهْرٌ أي مسيرة شهر، و كذا وَ رَوََاحُهََا شَهْرٌ و روى الأعمش عن المنهال عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: كان سليمان صلّى اللّه عليه و سلّم إذا جلس نصبت حواليه أربعمائة ألف كرسيّ ثم جلس رؤساء الإنس مما يليه، و جلس سفلة الإنس مما يليهم، و جلس رؤساء الجنّ مما يلي سفلة الإنس و جلس سفلة الجن مما يليهم، و موكل بكلّ كرسي طائر يعمل بعينه ثم تقلّهم الريح و الطير تظلّهم من الشمس، فيغدو من بيت المقدس إلى إصطخر فيقيل بها ثم يروح من إصطخر فيبيت في بيت المقدس ثمّ قرأ ابن عباس غُدُوُّهََا شَهْرٌ وَ رَوََاحُهََا شَهْرٌ . وَ مِنَ اَلْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ «من» في وضع نصب بمعنى و سخرنا، و يجوز أن يكون في موضع رفع كما تقدّم في الريح. وَ مَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنََا نُذِقْهُ مِنْ عَذََابِ اَلسَّعِيرِ شرط و جوابه. و مِنَ في موضع رفع بالابتداء و هو تام.

يَعْمَلُونَ لَهُ مََا يَشََاءُ مِنْ مَحََارِيبَ وَ تَمََاثِيلَ لم ينصرفا لأن هذا الجمع ليس له نظير في الواحد، و لا يجمع كما يجمع غيره من الجموع. و المحراب في اللغة كلّ موضع مرتفع و قيل للذي يصلّي إليه: محراب، لأنه يجب أن يرفّع و يعظّم، و قال الضحاك: «من محاريب» أي من مساجد و تماثيل، قال: صور فقال قوم: عمل الصور جائز لهذه الآية و لما أخبر اللّه جلّ و عزّ عن المسيح صلّى اللّه عليه و سلّم، و قال قوم: قد صحّ النهي عن النبي صلّى اللّه عليه و سلّم عنها و التوعّد لمن عملها أو اتخذها فنسخ صلّى اللّه عليه و سلّم هذا ما كان مباحا قبله، و كانت في ذلك الحكمة لأنه بعث صلّى اللّه عليه و سلّم و الصّور تعبد، و كان الأصلح إزالتها. وَ جِفََانٍ كَالْجَوََابِ وَ قُدُورٍ رََاسِيََاتٍ الأولى أن يكون بالياء، و من حذف الياء قال: سبيل الألف و اللام أن يدخلا في النكرة فلا يغيّرها عن حالها فلما كان يقال: «جواب» و دخلت الألف و اللام أقرّ على حاله بحذف الياء و واحد الجوابي جابية و هي القدر العظيمة و الحوض الكبير الذي يجبى إليه الشي‏ء أن يجمع، و منه جبيت الخراج و جبيت الجراد أي جعلت كساء فجمعته فيه، إلا أنّ ليثا روى عن مجاهد قال:

الجوابي جمع جوبة. قال أبو جعفر: الجوبة الحفرة الكبيرة تكون في الجبل يجتمع فيها ماء المطر وَ قُدُورٍ رََاسِيََاتٍ قال سعيد بن جبير: هي قدور النحاس تكون بفارس. قال الضحاك: هي قدور كانت تعمل من حجارة الجبال. اِعْمَلُوا آلَ دََاوُدَ شُكْراً أي يقال لهم.

آلَ دََاوُدَ نداء مضاف و نصب شكر عند أبي إسحاق من جهتين: إحداهما اعملوا للشكر أي لتشكروا اللّه جلّ و عزّ، و الأخرى أن يكون التقدير: اشكروا شكرا. وَ قَلِيلٌ مِنْ عِبََادِيَ

231

اَلشَّكُورُ مبتدأ و خبره. و الشكور على التكثير لا غير، و شاكر يقع للقليل و الكثير، و الشكر لا يكون إلا في شي‏ء بعينه، و الحمد أعمّ منه.

مِنْسَأَتَهُ (1) قراءة أهل المدينة و أبي عمرو، و قرأها الكوفيون بالهمز و اشتقاقها يدلّ على أنها مهموزة لأنها مشتقة من نسأته أي أخّرته و دفعته فقيل لها: منسأة لأنه يدفع بها الشي‏ء و يؤخّر. قال مجاهد و عكرمة: هي العصا فمن قرأ (منساته) أبدل من الهمزة ألفا، فإن قال قائل: الإبدال من الهمزة قبيح إنما يجوز في الشعر على بعد و شذوذ و أبو عمرو بن العلاء لا يغيب عنه مثل هذا و لا سيما و أهل المدينة على هذه القراءة فالجواب عن هذا أن العرب استعملت في هذه الكلمة البدل و نطقوا بها هكذا كما يقع البدل في غير هذا و لا يقاس عليه حتى قال أبو عمرو: و لست أدري ممّ هي؟ إلاّ أنها غير مهموزة. و هذا كلام العلماء لأن ما كان مهموزا قد يترك همزة و ما لم يكن مهموزا لم يجز همزه بوجه. فَلَمََّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ اَلْجِنُّ موته و قال غيره: المعنى: تبيّن أمر الجن مثل‏ وَ سْئَلِ اَلْقَرْيَةَ [يوسف: 82]و قيل: المعنى تبيّنت الجن للإنس: و في التفسير بالأسانيد الصحاح تفسير المعنى، و روى ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن ابن عباس قال: أقام سليمان بن داود صلّى اللّه عليهما حولا لا يعلم بموته و هو متّكئ على عصاه و الجنّ متصرّفة فيما كان أمرها به ثم سقط بعد حول. و قرأ ابن عباس فلما خرّ تبيّنت الإنس أن لو كان الجنّ يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين (2) قال أبو جعفر: و هذه القراءة عن ابن عباس على سبيل التفسير. فأما. أَنْ فموضعها موضع رفع على البدل من الجن أي تبيّن أن لو كان الجنّ يعلمون الغيب، و هذا بدل الاشتمال، و يجوز أن يكون في موضع نصب بمعنى اللام.

لَقَدْ كََانَ لِسَبَإٍ بالصرف و التنوين على أنه اسم للحيّ، و هو في الأصل اسم رجل جاء بذلك التوقيف عن النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم، و قرأ أبو عمرو لَقَدْ كََانَ لِسَبَإٍ (3) بغير صرف

____________

(1) انظر تيسير الداني 146، و كتاب السبعة لابن مجاهد 527، نافع و أبو عمرو بألف ساكنة بدلا من الهمزة، و ابن ذكوان بهمزة ساكنة، و الباقون بهمزة مفتوحة.

(2) انظر المحتسب 2/188، و البحر المحيط 7/257.

(3) انظر تيسير الداني 146.

232

جعله اسما للقبيلة، و هو اختيار أبي عبيد و استدلّ على أنه اسم قبيلة أن بعده فِي مَسْكَنِهِمْ و لو كان كما كان لكان في مساكنها. آيَةٌ اسم كان أي علامة دالّة على قدرة اللّه جل و عزّ و انعامه على عباده أنه جعل لأهل سبأ جنتين عن يمين و شمال و مما اجتمع من مطر بين جبلين في وجهه مسنّاة قال يحيى بن سليمان الجعفي: المسنّاة هي التي يسمّيها أهل مصر الجسر فكانوا يفتحونها إذا شاؤوا فإذا رويت جنّتهم سدّوها جَنَّتََانِ بدل من الآية و يجوز أن يكون مرفوعا على إضمار مبتدأ، و يجوز أن تنصب «آية» على أنها خبر كان، و يجوز أن تنصب جنتين على الخبر أيضا في غير القرآن.

و التقدير: قيل لهم: كلوا من رزق ربّكم و اشكروا له. قال الفراء: تمّ الكلام. بَلْدَةٌ بالرفع على إضمار مبتدأ أي هذه بلدة وَ رَبٌّ على إضمار مبتدأ أيضا. غَفُورٌ من نعته. فأما في مساكنهم (1) فهي قراءة الحسن و أبي رجاء و أبي جعفر و شيبة و نافع و عاصم و أبي عمرو. و قرأ إبراهيم النخعي و حمزة فِي مَسْكَنِهِمْ و قرأ يحيى بن وثاب و الأعمش و الكسائي فِي مَسْكَنِهِمْ (2) بكسر الكاف. قال أبو جعفر: «مساكن» في هذا أبين لأنه يجمع اللفظ و المعنى فإذا قلت: مسكنهم كان فيه تقديران: أحدهما أن يكون واحدا يؤدّي عن جميع، و الآخر أن يكون مصدرا لا يثنّى و لا يجمع، كما قال جلّ و عزّ خَتَمَ اَللََّهُ عَلى‏ََ قُلُوبِهِمْ وَ عَلى‏ََ سَمْعِهِمْ وَ عَلى‏ََ أَبْصََارِهِمْ [البقرة: 7]فجاء السمع مفردا، و كذا فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ [القمر: 55]و من قال: مسكن بكسر الكاف جعله مثل مسجد، و هو خارج عن القياس لا يوجد مثله إلاّ سماعا.

فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنََا عَلَيْهِمْ سَيْلَ اَلْعَرِمِ قال عمرو بن شرحبيل: «العرم» المسنّاة، و قال محمد بن يزيد: العرم كلّ حاجز بين شيئين، و هو الذي يسمّى السّكر و هو جمع عرمة وَ بَدَّلْنََاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوََاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ و قرأ أبو عمرو ذَوََاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ (3) بغير تنوين مضافا. قال أهل التفسير و الخليل رحمه اللّه: «الخمط» : الأراك و قال محمد بن يزيد: الخمط: كلّ ما تغيّر إلى ما لا يشتهى و اللبن خمط إذا حمض. و الأولى عنده في القراءة ذَوََاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ بالتنوين على أنه نعت لأكل أو بدل منه لأن الأكل هو الخمط بعينه عنده فأما الإضافة فباب جوازها أن يكون تقديرها ذواتي أكل حموضة أو أكل مرارة وَ شَيْ‏ءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ قال الفراء: هو السّمر.

____________

(1) انظر تيسير الداني 146، و كتاب السبعة لابن مجاهد 528، و معاني الفراء 2/357.

(2) انظر تيسير الداني 146، و كتاب السبعة لابن مجاهد 528، و معاني الفراء 2/357.

(3) انظر كتاب السبعة لابن مجاهد 528، و تيسير الداني 146.

233

ذََلِكَ جَزَيْنََاهُمْ بِمََا كَفَرُوا قال أبو إسحاق: «ذلك» في موضع نصب أي جزيناهم ذلك. و هل يجازى إلا الكفور (1) قراءة أهل الحرمين و أبي عمرو و عاصم، و قرأ الكوفيون إلا عاصما وَ هَلْ نُجََازِي إِلاَّ اَلْكَفُورَ (2) و هذا عند أبي عبيد أولى لأن قبله «جزيناهم» و لم يقل جوزوا. قال أبو جعفر: الأمر في هذا واسع، و المعنى فيه بين لو قال قائل: خلق اللّه جلّ و عزّ آدم من طين، و قال آخر: خلق آدم من طين لكان المعنى واحدا. و في الآية سؤال لا أعلم في السورة أشدّ منه يقال: ما معنى و هل يجازى إلاّ الكفور و لم يذكر أصحاب المعاصي غير الكفار؟و قد تكلم العلماء في هذا فقال قوم:

ليس يجازى بمثل هذا الجزاء الذي هو الاصطلام و الهلاك إلاّ من كفر. فأما قطرب فجوابه على هذه الآية على خلاف لأنه جعلها في أهل المعاصي غير الكفار و جرى على مذهبه و قوله من كفر بالنعم فعمل الكبائر. و أولى ما قيل في هذه الآية و أجل ما روي فيه أنّ الحسن قال: مثلا بمثل. و روى أيوب عن أبي مليكة عن عائشة رضي اللّه عنها قالت: سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم يقول: «من حوسب هلك» فقلت يا نبيّ اللّه: فأين قوله جلّ و عزّ فَسَوْفَ يُحََاسَبُ حِسََاباً يَسِيراً [الانشقاق: 8]قال: «إنما ذلك العرض و من نوقش الحساب هلك» (3) . قال أبو جعفر: و هذا إسناد صحيح، و شرحه أن الكافر يكافأ على أعماله و يحاسب عليها و يحبط ما عمل من خير، و يبين لك هذا قوله جلّ و عزّ في الأولى ذََلِكَ جَزَيْنََاهُمْ بِمََا كَفَرُوا و في الثاني «و هل يجازى» فمعنى «يجازى» يكافأ بما عمل، و معنى «جزيناهم» وفيناهم فهذا حقيقة اللغة و إن كان جازى يقع بمعنى جزى مجازا.

وَ جَعَلْنََا بَيْنَهُمْ وَ بَيْنَ اَلْقُرَى اَلَّتِي بََارَكْنََا فِيهََا قُرىً ظََاهِرَةً قال أبو العباس: الظاهرة المرتفعة. وَ قَدَّرْنََا فِيهَا اَلسَّيْرَ أي جعلناه بمقدار يسيرون و يبيتون في قرية. قال الفراء: (4) وَ قَدَّرْنََا فِيهَا اَلسَّيْرَ أي جعلنا بين كل قريتين نصف يوم فهذا التقدير.

سِيرُوا فِيهََا لَيََالِيَ وَ أَيََّاماً ظرفان آمِنِينَ على الحال.

____________

(1) انظر تيسير الداني 147، و كتاب السبعة لابن مجاهد 529، حفص و حمزة و الكسائي بالنون و كسر الزاي، و الباقون بالياء و فتح الزاي و الرفع.

(2) انظر تيسير الداني 147، و كتاب السبعة لابن مجاهد 529، حفص و حمزة و الكسائي بالنون و كسر الزاي، و الباقون بالياء و فتح الزاي و الرفع.

(3) أخرجه الترمذي في سننه-صفة القيامة 9/258.

(4) انظر معاني الفراء 341.

234

فَقََالُوا رَبَّنََا بََاعِدْ بَيْنَ أَسْفََارِنََا فيه ستة أوجه من القراءات‏ (1) قرأ الحسن و أبو رجاء و أبو مالك و أبو جعفر و شيبة و نافع و يحيى بن وثاب و الأعمش و عاصم و حمزة و الكسائي رَبَّنََا بََاعِدْ بَيْنَ أَسْفََارِنََا ، و قرأ مجاهد و ابن كثير و أبو عمرو ربّنا بعد بين أسفارنا و قرأ محمد ابن الحنفية و يروى عن ابن عباس و أبي صالح ربّنا باعد بين أسفارنا ، و قرأ يحيى بن يعمر و عيسى بن عمر و تروى عن ابن عباس ربّنا بعّد بين أسفارنا ، و قرأ سعيد بن أبي الحسن و هو أخو الحسن البصري فقالوا ربّنا بعد بين أسفارنا . فهذه خمس قراءات. و روى الفراء و أبو إسحاق السادسة ربّنا بعد بين أسفارنا قال أبو جعفر: القراءة الأولى ربّنا نصب على أنه نداء مضاف و هو منصوب على أنه مفعول به لأن معناه ناديت و دعوت، و كذلك القراءة الثانية و «باعد» و «بعّد» واحد في المعنى، كما تقول: قارب و قرّب، و المعنى على ما روى محمد بن ثور عن معمر عن قتادة قال: كانوا آمنين يخرجون إلى أسفارهم و لا يتزوّدون يبيتون في قرية و يقيلون في قرية فبطروا النعمة فقالوا: ربّنا بعد بين أسفارنا فعاقبهم اللّه جلّ و عزّ.

و القراءة الثالثة «ربّنا» رفع بالابتداء و «باعد» فعل ماض في موضع الخبر، و كذا الرابعة، و قد فسّرها ابن عباس قال: شكوا أن ربّهم باعد بين أسفارهم. القراءة الخامسة ربّنا بعد بين أسفارنا . «ربّنا» نداء مضاف ثم أخبروا بعد ذلك فقالوا «بعد بين أسفارنا» و رفع «بين» بالفعل أي بعد ما يتصل بأسفارنا. و القراءة السادسة مثل هذه إلا أنها تنصب «بين» على أنه ظرف، و تقديره في العربية: بعد سيرنا بين أسفارنا. و هذه القراءات إذا اختلفت معانيها لم يجز أن يقال: إحداها أجود من الأخرى، لا يقال ذلك في الأخبار إذا اختلفت معانيها و لكن خبّر عنهم أنهم دعوا أن يبعّد بين أسفارهم بطر و أشرا، و خبّر أنهم لمّا فعل بهم ذلك خبّروا به و شكوا، كما قال ابن عباس وَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ أي بكفرهم فَجَعَلْنََاهُمْ أَحََادِيثَ أي يتحدّث بهم بأخبارهم، و تقديره في العربية ذوي أحاديث. وَ مَزَّقْنََاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ أي لمّا لحقهم ما لحقهم تفرّقوا و تمزّقوا. قال الشعبي:

فلحقت الأنصار بيثرب. و غسان بالشام، و أسد بعمان، و خزاعة بتهامة. إِنَّ فِي ذََلِكَ لَآيََاتٍ لِكُلِّ صَبََّارٍ شَكُورٍ «صبّار» تكثير صابر، و الصابر الذي يصبر عن المعاصي يمدح بهذا الاسم و إن أردت أنه صبر على المعصية لم يستعمل فيه إلا صابر عن كذا قال جلّ و عزّ إِنَّمََا يُوَفَّى اَلصََّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسََابٍ [الزمر: 10].

____________

(1) انظر القراءات المختلفة في تيسير الداني 147، و البحر المحيط 7/262، و كتاب السبعة لابن مجاهد 529، و المحتسب 2/189.

235

وَ لَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فيه أربع أوجه من القراءات: قرأ أبو جعفر و شيبة و نافع و أبو عمرو و ابن كثير و ابن عامر يروى عن مجاهد وَ لَقَدْ صَدَّقَ (1) بالتخفيف. عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ بالرفع. ظَنَّهُ بالنصب. و قرأ ابن عباس و يحيى بن وثاب و الأعمش و عاصم و حمزة و الكسائي صَدَّقَ بالتشديد، و قرأ أبو الهجهاج: و لقد صدق عليهم إبليس ظنه (2) بنصب إبليس و رفع ظنه، قال أبو حاتم: لا وجه لهذه القراءة عندي و اللّه جلّ و عزّ أعلم. قال أبو جعفر: و قد أجاز هذه القراءة الفراء و ذكرها أبو إسحاق، و قال:

المعنى: صدّق ظنّ إبليس إبليس بما اتّبعوه، و القراءة الرابعة وَ لَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ (3) برفع إبليس و ظنّه. و القراءة الأولى وَ لَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ معناها في ظنّه. قال أبو إسحاق: هو منصوب على المصدر، و القراءة الثانية وَ لَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ بنصب «ظنه» بوقوع الفعل عليه. قال مجاهد: ظنّ ظنّا فكان كما ظن فصدّق ظنّه، و عن ابن عباس قال: إبليس خلق آدم من طين فهو ضعيف و أنا من نار فلأحتنكنّ ذرّيّته إلاّ قليلا فكان كما قال. و قال الحسن: ما ضربهم بسوط و لا بعصا، و إنما ظنّ ظنّا فكان كما ظنّ بوسوسته. إِلاََّ فَرِيقاً مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ نصب بالاستثناء، و فيه قولان: أحدهما أنه يراد به بعض المؤمنين فأما ابن عباس فعنه أنه قال: هم المؤمنون كلّهم.

مِنْ زائدة للتوكيد. و أهل التفسير يقولون السلطان الحجّة. إِلاََّ لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ و قد علم اللّه جلّ و عزّ ذلك غيبا، و هذا علم الشهادة الذي تجب به الحجّة هذا قول أكثر أهل اللغة، و هو عند بعضهم مجاز أي ليكون هذا علمه جازى عليه، و قول ثالث، و هو مذهب الفراء يكون المعنى: إلاّ لنعلم ذلك عندكم، كما قال: أَيْنَ شُرَكََائِيَ* [النحل: 27]. أي على قولكم و عندكم.

قُلِ اُدْعُوا اَلَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اَللََّهِ في الكلام حذف، و المعنى: قل ادعوا الّذين زعمتم أنّهم آلهة لكم من دون اللّه لينفعوكم أو ليدفعوا عنكم ما قضاه اللّه جلّ و عزّ

____________

(1) انظر تيسير الداني 147، و كتاب السبعة لابن مجاهد 529.

(2) انظر البحر المحيط 7/263.

(3) انظر مختصر ابن خالويه 121.

236

عليكم فإنّهم لا يملكون ذلك و لاََ يَمْلِكُونَ مِثْقََالَ ذَرَّةٍ فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ لاََ فِي اَلْأَرْضِ وَ مََا لَهُمْ فِيهِمََا مِنْ شِرْكٍ وَ مََا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ قال الضحاك و السدي أي من معين.

أَذِنَ (1) و أذن بمعنى واحد كما مرّ في و هل يجازى [سبأ: 17]و «من» هاهنا للشافعين، و يجوز أن تكون للمشفوع لهم، و زعم أبو إسحاق أنها للشافعين أشبه بالمعنى، قال: لأن بعده حَتََّى إِذََا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ فيكون هذا للملائكة صلوات اللّه عليهم. و في هذا خمس قراءات قراءة العامة حَتََّى إِذََا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ (2) ، و عن ابن مسعود و ابن عباس و سعيد بن جبير و مجاهد حَتََّى إِذََا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ (3) بفتح الفاء و الزاي فهاتان القراءتان بمعنى واحد أي فزّع اللّه جلّ و عزّ عن قلوبهم أي كشف عنها الفزع أي تعدّاها الفزع، و كذا يقول سيبويه‏ (4) في قول العرب: رميت عن القوس أي تعدّى رميي القوس، و قد ذكرنا معناه. و روى هيثم عن عوف عن الحسن أنه قرأ حتى إذا فرّغ عن قلوبهم (5) بضم الفاء و براء غير معجمة و بعدها غين معجمة و كذا قرأ أبو مجلز. و روى مطر الوراق عن الحسن حتى إذا فزّع عن قلوبهم (6) و هاتان القراءتان يؤول معناهما إلى معنى الأولين لأن المعنى: حتّى إذا فرّغ عن قلوبهم الفزع أزيل عن قلوبهم إلاّ أن مجاهدا قال في تفسير هذه الآية على ما رواه عنه ورقاء عن أبي نجيح:

إنها في يوم القيامة. قال: إذا كشف الغطاء. و روى أيّوب و حميد الطويل عن الحسن حتّى إذا فرغ عن قلوبهم بضمّ الفاء و براء مخففة غير معجمة و بعدها غين معجمة فهذه الروايات عن الحسن مستقيمات الطرق لا مطعن في واحد رواها، و كلّها صحاح عنه قََالُوا مََا ذََا قََالَ رَبُّكُمْ «ماذا» في موضع نصب بقال و يجوز أن يكون «ما» في موضع رفع بالابتداء و «ذا» في موضع الخبر، و معناه معنى الذي قََالُوا اَلْحَقَّ على أن «ماذا» في موضع نصب أي قال الحق، و يجوز رفع «الحقّ» على أن ما في موضع رفع. وَ هُوَ اَلْعَلِيُّ اَلْكَبِيرُ ابتداء و خبر. و «العليّ» الجبار المتعالي، و «الكبير» السيّد المقصود.

____________

(1) انظر تيسير الداني 147، و أذن بضم الهمزة قراءة أبي عمرو و حمزة و الكسائي و الباقين بفتحها.

(2) انظر تيسير الداني 147، و كتاب السبعة لابن مجاهد 530.

(3) انظر الكتاب 4/348.

(4) انظر الكتاب 4/348.

(5) انظر البحر المحيط 7/266، و معاني الفراء 2/361.

(6) انظر البحر المحيط 7/266، و معاني الفراء 2/361.

237

قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ قُلِ اَللََّهُ مَنْ في موضع رفع بالابتداء، و هي اسم تام لأنها للاستفهام و يَرْزُقُكُمْ في موضع الخبر و يجوز إدغام القاف في الكاف فتقلب القاف كافا وَ إِنََّا و الأصل و إنّنا فحذفت النون تخفيفا أَوْ إِيََّاكُمْ معطوف على اسم «إنّ» و لو عطف على الموضع لكان أو أنتم و يكون لَعَلى‏ََ هُدىً للأول لا غير لو قلت: أو أنتم فإذا قلت: أو إيّاكم كان للثاني أولى و حذفت من الأول، و يجوز أن يكون للأول و هو اختيار أبي العباس، قال: و معناه معنى قول المستنصر بصاحبه على صحّة الوعيد و استظهار بالحجّة الواضحة أحدنا كاذب و قد عرف المعنى، و كما تقول: أنا أفعل كذا و تفعل أنت كذا و أحدنا مخطئ و قد عرف أنه هو المخطئ، و هكذا وَ إِنََّا أَوْ إِيََّاكُمْ لَعَلى‏ََ هُدىً أَوْ فِي ضَلاََلٍ مُبِينٍ .

قُلْ أَرُونِيَ اَلَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكََاءَ تكون أَرُونِيَ هاهنا من رؤية القلب أي عرّفوني هذه الأصنام و الأوثان التي جعلتموها شركاء للّه جلّ و عزّ هل شاركته في خلق شي‏ء فبيّنوا ما هو و إلاّ فلم تعبدونها؟و يجوز أن يكون من رؤية البصر فيكون «شركاء» حالا. قال أبو إسحاق: و المعنى: أروني الذين ألحقتموهم به شركاء ثم حذف لأنه في الصلة. قال: ثم قال جلّ و عزّ كَلاََّ ردع و تنبيه أي ارتدعوا عن هذا القول، و تنبهوا على ضلالكم.

وَ مََا أَرْسَلْنََاكَ إِلاََّ كَافَّةً نصب على الحال. قال أبو إسحاق: و المعنى:

أرسلناك جامعا للناس لأنه صلّى اللّه عليه و سلّم أرسل إلى العرب و العجم.

و أجاز النحويون لَكُمْ مِيعََادُ يَوْمٍ (1) على أنه بدل من ميعاد، و أجازوا ميعاد يوما لا تستأخرون عنه (2) على أن يكون ظرفا و تكون الهاء تعود على يوم و لا يجوز الإضافة كما تقول: إنّ يوما زيد فيه أمير عبد اللّه فيه وزير، بتنوين يوم لا غير فإن حذفت فيه جار حذف التنوين و نصبت عبد اللّه على أنه اسم إنّ، و يجوز مِيعََادُ يَوْمٍ لاََ تَسْتَأْخِرُونَ (3) بغير تنوين في يوم على أن يكون الهاء التي في «عنه» تعود على ميعاد لا على يوم.

____________

(1) انظر البحر المحيط 7/270، و معاني الفراء 2/36.

(2) انظر البحر المحيط 7/270، و معاني الفراء 2/36.

(3) انظر مختصر ابن خالويه 122.

238

قال سعيد عن قتادة: وَ لاََ بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ من الكتب و الأنبياء عليهم السلام.

وَ لَوْ تَرى‏ََ إِذِ اَلظََّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ اَلظََّالِمُونَ بالابتداء مرفوعون، و مَوْقُوفُونَ خبره، و الجملة في موضع خفض بالإضافة، و لا يجوز أن تنصب «موقوفون» على الحال؛ لأن إذ ظرف زمان فلا تكون خبرا عن الجثث، و جواب «لو» محذوف لعلم السامع. يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلى‏ََ بَعْضٍ اَلْقَوْلَ أي يجاوبه و اللغة الفصيحة هذه يقال: رجعت زيدا. يَقُولُ اَلَّذِينَ اُسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اِسْتَكْبَرُوا لَوْ لاََ أَنْتُمْ لَكُنََّا مُؤْمِنِينَ هذه اللغة الفصيحة و من العرب من يقول: لولاكم حكاها سيبويه‏ (1) و يكون «لو لا» تخفض المضمر و ترفع المظهر بعدها بالابتداء و تحذف خبره، و محمد بن زيد يقول: لا يجوز «لولاكم» لأن المضمر عقب المظهر فلما كان المظهر مرفوعا بإجماع وجب أن يكون المضمر أيضا مرفوعا.

بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ أي أنتم اخترتم الكفر و لم يكن لنا عليكم سبيل إلاّ أن دعوناكم فاستجبتم لنا.

بَلْ مَكْرُ اَللَّيْلِ وَ اَلنَّهََارِ قال الأخفش: أي هذا مكر الليل و النهار. قال أبو جعفر:

و المعنى و اللّه جلّ و عزّ أعلم، مكركم في اللّيل و النهار أي مشارتكم إيانا و دعاؤكم لنا إلى الكفر الذي حملنا على هذا. قال محمد بن يزيد: أي بل مكركم الليل و النهار كما تقول العرب: نهاره صائم، و ليله قائم، و أنشد: [الطويل‏] 346-

لقد لمتنا يا أمّ غيلان في السّرى # و نمت و ما ليل المطيّ بنائم‏ (2)

____________

(1) انظر الكتاب 2/395.

(2) الشاهد لجرير في ديوانه 993، و خزانة الأدب 1/465، و لسان العرب (ريح) ، و بلا نسبة في الأشباه و النظائر 8/60، و الصاحبي في فقه اللغة 222، و المحتسب 2/184، و المقتضب 3/105.

239

و أنشد سيبويه: [الرجز] 347-

فنام ليلي و تجلّى همّي‏ (1)

أي نمت فيه، و روى جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد بن جبير: بَلْ مَكْرُ اَللَّيْلِ وَ اَلنَّهََارِ قال ممرّ اللّيل و النّهار عليهم فغفلوا، و قرأ راشد بَلْ مَكْرُ اَللَّيْلِ وَ اَلنَّهََارِ (2)

بالنصب كما يقال: رأيته مقدم الحاج، و إنما يجوز هذا فيما يعرف، و لو قلت: رأيته مقدم زيد لم يجز إِذْ تَأْمُرُونَنََا أَنْ نَكْفُرَ بِاللََّهِ وَ نَجْعَلَ لَهُ أَنْدََاداً قال: و يقال: نديد و أنشد:

[الوافر] 348-

أ تيما تجعلون إليّ ندّا # و ما تيم لذي حسب نديد (3)

وَ أَسَرُّوا اَلنَّدََامَةَ لَمََّا رَأَوُا اَلْعَذََابَ في معناه قولان: أحدهما أن معنى أسروا أظهروا و أنه من الأضداد، كما قال: [الطويل‏] 349-

تجاوزت أحراسا إليها و معشرا # عليّ حراصا لو يسرّون مقتلي‏ (4)

و قد روي يشرّون. و قيل و أسرّوا الندامة تبيّنت الندامة في أسرار وجوههم.

و قيل: الندامة لا تظهر و إنما تكون في القلب و إنما يظهر ما يتولّد عنها.

إِلاََّ قََالَ مُتْرَفُوهََا قال سعيد عن قتادة: مترفوها جبابرتها و رؤوسها و قادة الشر.

أحسن ما قيل في هذا قاله الحسن، قال: يخير له و المعنى على قوله وَ لََكِنَّ أَكْثَرَ اَلنََّاسِ لاََ يَعْلَمُونَ أن اللّه جلّ و عزّ إنما يبسط الرزق لمن يشاء، و يقدر على المحنة و يفعل بهم الذي هو خير لهم.

____________

(1) الرجز لرؤبة في ديوانه 142، و المحتسب 2/184 و بلا نسبة في خزانة الأدب 8/202، و المقتضب 3/ 105.

(2) و هذه قراءة ابن جبير و طلحة أيضا، انظر البحر المحيط 7/271، و مختصر ابن خالويه 122.

(3) مرّ الشاهد رقم (237) .

(4) الشاهد لامرئ القيس في ديوانه ص 13، و جمهرة اللغة 736، و خزانة الأدب 11/238، و شرح شواهد المغني 2/651، و لسان العرب (شرر) ، و مغني اللبيب 1/265، و بلا نسبة في رصف المباني 292.

240

وَ مََا أَمْوََالُكُمْ وَ لاََ أَوْلاََدُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنََا زُلْفى‏ََ قال الأخفش: أي أزلافا. و هو اسم المصدر و زعم الفراء (1) أن التي تكون للأموال و الأولاد جميعا، و له قول آخر، و هو مذهب أبي إسحاق، يكون المعنى و ما أموالكم بالتي تقرّبكم عندنا زلفى و لا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى ثم حذف، و أنشد الفراء: [الخفيف‏] 350-

نحن بما عندنا و أنت بما عندك # راض و الرّأي مختلف‏ (2)

و أنشد: [الكامل‏] 351-

إنّي ضمنت بما أتاني ما جنى # و أبي و كان و كنت غير غدور (3)

و يجوز في غير القرآن باللتين و باللاتي و باللواتي و بالذين للأولاد خاصة. إِلاََّ مَنْ آمَنَ في موضع نصب بالاستثناء. و زعم أبو إسحاق أنه في موضع نصب على البدل من الكاف و الميم التي في «تقربكم» و هذا القول كأنه غلط لأن الكاف و الميم للمخاطب فلا يجوز البدل، و لو جاز هذا لجاز: رأيتك زيدا. و قول أبي إسحاق هذا هو قول الفراء (4) إلاّ أن الفراء لا يقول: بدل لأنه ليس من لفظ الكوفيين و لكن قوله يؤول إلى ذلك و زعم أن مثله‏ إِلاََّ مَنْ أَتَى اَللََّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [الشعراء: 89]يكون منصوبا عنده بينفع و أجاز الفراء (5) أن يكون «من» في قوله جلّ و عزّ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنََا زُلْفى‏ََ إِلاََّ مَنْ آمَنَ في موضع رفع بمعنى ما هو إلاّ من آمن كذا قال، و لست أحصل معناه.

فَأُولََئِكَ لَهُمْ جَزََاءُ اَلضِّعْفِ بِمََا عَمِلُوا و أجاز النحويون أولئك لهم جزاء الضعف (6) يكون بدلا من جزاء أو على إضمار مبتدأ، و أجازوا «أولئك لهم جزاء الضّعف» بمعنى أولئك لهم أن نجزيهم الضعف، و أجازوا أولئك لهم جزاء الضعف (7) . قال أبو إسحاق:

و المعنى: أولئك لهم الضعف جزاء أي في حال مجازاتهم. وَ هُمْ فِي اَلْغُرُفََاتِ آمِنُونَ (8) و عن الحسن في الغرفات (9) إسكان الراء، و عن الأعمش و حمزة في الغرفة (10) . قال أبو جعفر: «الغرفات» جمع غرفة على جمع التسليم إلاّ أن الراء ضمت فرقا بين الاسم و النعت، و من قال: غرفات حذف الضمة لثقلها، و من قال:

____________

(1) انظر معاني الفراء 2/336.

(2) مرّ الشاهد رقم (185) .

(3) الشاهد للفرزدق في الكتاب 1/126، و الردّ على النحاة 100، و شرح أبيات سيبويه 1/226، و لسان العرب (قعد) و تفسير الطبري 26/158، و بلا نسبة في معاني الفراء 1/434، و هو غير موجود في ديوان الفرزدق.

(4) انظر معاني الفراء 2/363.

(5) انظر معاني الفراء 2/363.

(6) انظر البحر المحيط 7/273.

(7) انظر معاني الفراء 2/364.

(8) انظر البحر المحيط 7/273.

(9) انظر البحر المحيط 7/273، و مختصر ابن خالويه 122، و تيسير الداني 147.

(10) انظر كتاب السبعة لابن مجاهد 530.

241

غرفات أبدل من الضمة فتحة لأنها أخف، و يجوز أن يكون «غرفات» جمع غرف و من قرأ اَلْغُرْفَةَ أتى بواحدة تدل على جماعة و الجمع أشبه لأن الإخبار عن جمع.

وَ مََا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْ‏ءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ و هذا فيما أنفق في طاعة اللّه جلّ و عزّ فهو مخلف لا محالة إما في الدنيا و إما في الآخرة. وَ هُوَ خَيْرُ اَلرََّازِقِينَ أي رزق العباد.

وَ يَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً على الحال ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلاََئِكَةِ أَ هََؤُلاََءِ إِيََّاكُمْ كََانُوا يَعْبُدُونَ قال سعيد عن قتادة هذا استفهام مثل قوله جلّ و عزّ لعيسى عليه السلام: أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنََّاسِ اِتَّخِذُونِي وَ أُمِّي إِلََهَيْنِ [المائدة: 116]. قال أبو جعفر: و المعنى أن الملائكة صلوات اللّه عليهم إذا أكذبتهم كان في ذلك تبكيت لهم.

قََالُوا سُبْحََانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنََا مِنْ دُونِهِمْ أي أنت المتولّي لنا دونهم. بَلْ كََانُوا يَعْبُدُونَ اَلْجِنَّ أي يطيعونهم. أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ بقبولهم منهم و هو مجاز.

قُلْ إِنَّمََا أَعِظُكُمْ بِوََاحِدَةٍ قال سفيان عن ليث عن مجاهد: «بواحدة» قال: لا إله إلا اللّه، و قال غيره: تقديره بخصلة واحدة ثم بينها بقوله جلّ و عزّ: أَنْ تَقُومُوا لِلََّهِ مَثْنى‏ََ وَ فُرََادى‏ََ و تكون «أن» في موضع خفض على البدل من واحدة أو في موضع رفع على إضمار مبتدأ، و مذهب أبي إسحاق أنها في موضع نصب بمعنى لأن تقوموا مَثْنى‏ََ وَ فُرََادى‏ََ على الحال و هو لا ينصرف لعلّتين قد ذكرناهما (1) ، ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا معطوف على تقوموا.

و قرأ عيسى بن عمر علام الغيوب (2) على أنه بدل أي: قل إنّ ربّي علاّم

____________

(1) انظر إعراب الآية 3/من سورة النساء.

(2) انظر البحر المحيط 7/278، و هذه قراءة ابن أبي إسحاق و زيد بن علي و ابن أبي عبلة و أبي حيوة و حرب أيضا.

242

الغيوب يقذف بالحقّ. قال أبو إسحاق: و الرفع من جهتين: على الموضع لأن الموضع رفع و على البدل مما في «يقذف» . قال أبو جعفر: و في الرفع وجهان آخران: يكون خبرا بعد خبر، و يكون على إضمار مبتدأ. و زعم الفراء أن الرفع في مثل هذا أكثر في كلام العرب إذا أتى بعد خبر «إنّ» و مثله‏ إِنَّ ذََلِكَ لَحَقٌّ تَخََاصُمُ أَهْلِ اَلنََّارِ [ص: 64].

قُلْ جََاءَ اَلْحَقُّ قال سعيد عن قتادة، قال: القرآن. قال أبو جعفر: و التقدير: جاء صاحب الحقّ أي الكتاب الذي فيه البراهين و الحجج الحق. وَ مََا يُبْدِئُ اَلْبََاطِلُ قال سعيد عن قتادة، قال: الباطل إبليس. و التقدير في العربية صاحب الباطل. و قال الضحاك: الباطل الآلهة، و قال: و ما يبدئ و ما يعيد أي ما يحيى و ما يميت و قال قتادة مََا يُبْدِئُ و مََا يُعِيدُ ما يخلق و ما يبعث، و قال غيره: «مََا يُبْدِئُ اَلْبََاطِلُ» أي ما يبتدي بحجة و «مََا يُعِيدُ» ما يحكي عن غيره حجة «ما» الأولى في موضع نصب يبدئ، و «ما» الثانية في موضع نصب بيعيد. قال أبو إسحاق: و الأجود أن تكون «ما» نافية.

قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمََا أَضِلُّ عَلى‏ََ نَفْسِي شرط و جوابه، و كذا وَ إِنِ اِهْتَدَيْتُ فَبِمََا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي فإن جعلت «ما» بمعنى الذي كانت الهاء محذوفة، و إن جعلتها مصدرا لم يحتج إلى عائد إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ أي يسمع ممن دعاه قريب الإجابة له.

وَ لَوْ تَرى‏ََ إِذْ فَزِعُوا فَلاََ فَوْتَ حذف جواب «لو» قال أبو إسحاق: المعنى: و لو ترى إذ فزعوا لرأيت ما يعتبر به عبرة شديدة أي فلا فوت لهم أي فلا يمكنهم الفوت.

و قرأ أبو عمرو و الكسائي و الأعمش و حمزة وَ أَنََّى لَهُمُ اَلتَّنََاوُشُ (1) بالهمز و أبو عبيد يستبعد هذه القراءة، لأن «التناؤش» البعد فيكون فكيف يكون و أنّى لهم البعد من مكان بعيد. قال أبو جعفر: و القراءة جائزة حسنة و لها وجهان في كلام العرب و لا يتناول بها هذا المتناول البعيد، فأحد الوجهين أن يكون الأصل غير مهموز ثم همزت الواو لأن الحركة فيها خفية و ذلك كثير في كلام العرب، و في المصحف الذي نقلته

____________

(1) انظر تيسير الداني 147، و البحر المحيط 7/280.

243

الجماعة عن الجماعة وَ إِذَا اَلرُّسُلُ أُقِّتَتْ [المرسلات: 11]و الأصل «وقّتت» لأنه مشتق من الوقت. و يقال في جمع دار: أدؤر. و الوجه الآخر قد ذكره أبو إسحاق:

قال: يكون مشتقا من «النئيش» و هو الحركة في إبطاء أي من أين لهم الحركة فيما قد بعد و قد كفروا به من قبل؟

وَ يَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكََانٍ بَعِيدٍ و العرب تقول لكلّ من يتكلّم بما لا يحقه: هو يقذف و يرجم بالغيب. مِنْ مَكََانٍ بَعِيدٍ على التمثيل بمن يرجم و لا يصيب برجمه.

و من قرأ وَ يَقْذِفُونَ (1) فمعناه عنده يقذف به إليهم من يغويهم و يضلّهم.

وَ حِيلَ بَيْنَهُمْ وَ بَيْنَ مََا يَشْتَهُونَ قيل: حيل بينهم و بين النجاة من العذاب، و قيل: حيل بينهم و بين ما يشتهونه في الدنيا من أموالهم و أهليهم. و مذهب قتادة أن المعنى أنهم كانوا يشتهون أن يقبل منهم أن يطيعوا اللّه جلّ و عزّ و ينتهوا إلى ما يأمرهم به فحيل بينهم و بين ذلك، لأن ذلك إنما كان في الدنيا، و قد زالت في ذلك الوقت. و الأصل في حيل «حول» فقلبت حركة الواو على الحاء فانقلبت ياء فحذفت حركتها لثقلها. إِنَّهُمْ كََانُوا فِي شَكٍّ أي في الدنيا و التوحيد مُرِيبٍ أي يستراب به.

____________

(1) انظر مختصر ابن خالويه 122.

244

35 شرح إعراب سورة فاطر

بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ

اَلْحَمْدُ لِلََّهِ فََاطِرِ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ فيه ثلاثة أوجه: الخفض على النعت، و الرفع على إضمار مبتدأ، أو النصب على المدح، و حكى سيبويه‏ (1) : الحمد للّه أهل الحمد، مثله، و كذا جََاعِلِ اَلْمَلاََئِكَةِ رُسُلاً و لا يجوز فيه التنوين لأنه لما مضى رُسُلاً مفعول ثان، و يقال: على إضمار فاعل لأن «فاعلا» إذا كان لما مضى مضافا لم يعمل شيئا أُولِي أَجْنِحَةٍ نعت، قال أبو إسحاق: أي أصحاب أجنحة مَثْنى‏ََ وَ ثُلاََثَ وَ رُبََاعَ لم ينصرف لأن فيها علّتين: إحداهما أنها معدولة فهذا اتّفاق، و اختلف في الثانية لأن النحويين القدماء لم يذكروها. قال أبو إسحاق: العلّة الثانية أنّه عدل في حال نكرة و قال غيره: العلّة الثانية أنه صفة، و قول ثالث إنه معدول عن اثنين اثنين فهذه علّة ثانية.

و أجاز النحويون‏ (2) في غير القرآن: فلا ممسك له، على لفظ «ما» «و لها» على المعنى و أجازوا: وَ مََا يُمْسِكْ فلا مرسل لها على معنى «ما» ، و أجازوا: فلا ممسك لها، يكون بمعنى ليس و كذا «فلا مرسل له» و أجازوا: «ما يفتح اللّه للناس من رحمة» تكون «ما» بمعنى الذي.

____________

(1) انظر الكتاب 2/57.

(2) انظر معاني الفراء 2/66.

245

يََا أَيُّهَا اَلنََّاسُ اُذْكُرُوا نِعْمَتَ اَللََّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خََالِقٍ غَيْرُ اَللََّهِ هذه قراءة شيبة و نافع و أبي عمرو و عاصم، و قرأ شقيق بن سلمة و يزيد بن القعقاع و يحيى بن وثّاب و حمزة و الكسائي هل من خالق غير اللّه (1) و يجوز نصب غير على الاستثناء. و الرفع من جهتين:

إحداهما بمعنى: هل من خالق إلاّ اللّه بمعنى ما خالق إلاّ اللّه، و الوجه الثاني أن يكون نعتا على الموضع، لأن المعنى هو خالق غير اللّه. و الخفض على اللفظ، و قال حماد ابن سلمة: حدّثنا حميد الطويل قال: قلت للحسن: من خلق الشرّ؟فقال: سبحان اللّه، هل من خالق غير اللّه جلّ و عزّ اللّه خلق الخير و الشرّ.

وَ إِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ تأسيا له صلّى اللّه عليه و سلّم. وَ إِلَى اَللََّهِ تُرْجَعُ اَلْأُمُورُ قال أبو إسحاق: أي الأمور مرجعها إلى اللّه جلّ و عزّ فيجازي من كذّب و ينصر من كذّب من رسله.

يََا أَيُّهَا اَلنََّاسُ إِنَّ وَعْدَ اَللََّهِ حَقٌّ فَلاََ تَغُرَّنَّكُمُ اَلْحَيََاةُ اَلدُّنْيََا قال سعيد بن جبير: غرور الحياة الدنيا أن يشغل الإنسان بنعيمها و فتنتها عن عمل الآخرة حتى‏ يَقُولُ يََا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيََاتِي [الفجر: 24] وَ لاََ يَغُرَّنَّكُمْ بِاللََّهِ اَلْغَرُورُ . و قال شعبة عن سماك وَ لاََ يَغُرَّنَّكُمْ بِاللََّهِ اَلْغَرُورُ (2) بضم الغين. و فيه ثلاثة أقوال: منها أن يكون مع غار، كما تقول جالس و جلوس، و هذا أحسن ما قيل فيه، و يكون معناه كمعنى «الغرور» ، قال أبو حاتم:

الغرور جمع غر، و غر مصدر، و القول الثالث يكون الغرور مصدرا، و هذا بعيد عند أبي إسحاق لأن غررته متعد، و المصدر من المتعدّي إنّما هو على فعل نحو ضربته ضربا إلاّ أشياء يسيرة سمعت لا يقاس عليها قالوا: لزمته لزما، و نهكه المرض نهوكا. فأما معنى هذا الحرف فأحسن ما قيل فيه ما قاله سعيد بن جبير، قال: الغرور باللّه جلّ و عزّ أن يكون الإنسان يعمل المعاصي ثم يتمنّى على اللّه جلّ و عزّ المغفرة.

إِنَّ اَلشَّيْطََانَ لَكُمْ عَدُوٌّ و يكون عدوّ بمعنى معاد فيثنّى و يجمع و يؤنث، و يكون بمعنى النسب فيكون موحّدا بكلّ حال كما قال جلّ و عزّ: فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي [الشعراء:

77]و في المؤنث على هذا عدوّ أيضا. فأما قول بعض النحويين: إن الواو خفيّة فجاؤوا بالهاء فخطأ بل الواو حرف جلد. فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا مفعولان. إِنَّمََا يَدْعُوا حِزْبَهُ

____________

(1) انظر تيسير الداني 148، و فيه (غير اللّه) بخفض الراء قراءة حمزة و الكسائي و الباقون برفعها.

(2) انظر مختصر ابن خالويه 122.

246

كفّت «ما» «إنّ» عن العمل فوقع بعدها الفعل لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحََابِ اَلسَّعِيرِ

اَلَّذِينَ كَفَرُوا يكون بدلا من «أصحاب» و يكون في موضع خفض، و يكون بدلا من حزبه فيكون في موضع نصب، أو يكون بدلا من الواو فيكون في موضع رفع، و قول رابع، و هو أحسنها، يكون في موضع رفع بالابتداء و يكون خبره لَهُمْ عَذََابٌ شَدِيدٌ . فأما وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا ففي موضع رفع بالابتداء و خبره لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَ أَجْرٌ كَبِيرٌ .

أَ فَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ «من» في موضع رفع بالابتداء، و خبره محذوف لما دلّ عليه. قال الكسائي: و الذي دلّ عليه. فَلاََ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرََاتٍ و المعنى: أ فمن زيّن له سوء عمله فرآه حسنا ذهبت نفسك عليهم حسرات، قال: و هذا كلام عربي حسن ظريف لا يعرفه إلاّ قليل. و الذي قاله الكسائي أحسن ما قيل في الآية لما ذكره فمن الدلالة على المحذوف، و المعنى أنّ اللّه جلّ و عزّ نهى النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم عن شدّة الاغتمام بهم و الحزن عليهم كما قال جلّ و عزّ لَعَلَّكَ بََاخِعٌ نَفْسَكَ* [الشعراء: 3]قال أهل التفسير: أي: قاتل نفسك، و قرئ على إبراهيم بن موسى عن إسماعيل بن إسحاق قال: حدثنا نصر بن علي قال: سألت الأصمعي عن قول النبي صلّى اللّه عليه و سلّم في أهل اليمن «هم أرقّ قلوبا و أبخع طاعة» (1) ما معنى أبخع طاعة، قال أنصح طاعة قال: فقلت له: إنّ أهل التفسير مجاهدا و غيره يقولون: في قول اللّه جلّ و عزّ لَعَلَّكَ بََاخِعٌ نَفْسَكَ* معناه قاتل نفسك فقال: هو من ذلك بعينه كأنه من شدّة النصح لهم قاتل نفسه، و قراءة أبي جعفر فَلاََ تَذْهَبْ نَفْسُكَ (2) و المعنيان متقاربان و «حسرات» منصوب على أنه مفعول من أجله أو مصدر.

و بَلَدٍ مَيِّتٍ و ميّت‏ (3) واحد، و كذا ميتة و ميتة واحد. هذا قول الحذّاق من النحويين، و قال محمد بن يزيد: هذا قول البصريين و لم يستثن أحدا و استدلّ على ذلك بدلائل قاطعة من كلام العرب.

____________

(1) أخرجه الترمذي في المناقب 10/286.

(2) انظر البحر المحيط 7/288، و معاني الفراء 2/367.

(3) انظر تيسير الداني 73.

247

و أنشد (1) : [الخفيف‏] 352-

ليس من مات فاستراح بميت # إنّما الميت ميّت الأحياء

إنّما الميت من يعيش كئيبا # كاسفا باله قليل الرّخاء

و يروى «قليل الرّجاء» قال: فهل ترى بين ميت و ميت من فرق؟و أنشد: [البسيط] 353-

هينون لينون أيسار بنو يسر # سوّاس مكرمة أبناء أيسار (2)

قال: قد أجمعوا على أنّ قوله: هينون و هيّنون واحد، فكذا ميت و ميّت و سيد و سيّد، قال: و زعم سيبويه أن قولهم كان كينونة و صار صيرورة الأصل فيه كينونة و صيرورة، و كذا قيدودة، و ردّ محمد بن يزيد (3) على الكوفيين قولهم: إنه فعلول من جهتين: إحداهما لأنه ليس في كلام العرب فعلول و الثانية أنه لو كان كما قالوا لكان بالواو. قال أبو جعفر: هذا كلام بيّن حسن في كينونة لأنها من الكون و في القيدودة لأنها من الأقود. كَذََلِكَ اَلنُّشُورُ أي كذلك تحيون بعد ما متّم. من نشر الإنسان نشورا إذا حيي و أنشره اللّه جلّ و عزّ.

مَنْ كََانَ يُرِيدُ اَلْعِزَّةَ التقدير عند الفراء: من كان يريد علم العزّة، و كذا قال غيره من أهل العلم من كان يريد علم العزّة التي لا ذلة معها لأن العزّة إذا كانت تؤدّي إلى ذلّة فإنها هي تعرّض للذلة، و العزّة التي لا ذلّة معها للّه جلّ و عزّ. جَمِيعاً على الحال. و قدر أبو إسحاق معناه: من كان يريد بعبادة اللّه جلّ و عزّ العزّة به فإن اللّه يعزّه في الآخرة و الدنيا. إِلَيْهِ يَصْعَدُ اَلْكَلِمُ اَلطَّيِّبُ تمّ الكلام و قرأ أبو عبد الرحمن السلمي إليه يصعد الكلام (4) و الكلم جمع كلمة. و أهل التفسير ابن عباس و مجاهد و الربيع ابن أنس و شهر بن حوشب و غيرهم قالوا: و المعنى العمل الصالح يرفع الكلم الطيّب.

و هذا رد على المرجئة. وَ اَلْعَمَلُ اَلصََّالِحُ رفع بالابتداء أو على إضمار فعل. فأما أن يكون مرفوعا بمعنى و يرفعه العمل الصالح فخطأ؛ لأن الفاعل إذا كان قبل الفعل لم يرتفع بالفعل. هذا قول جميع النحويين إلاّ شيئا حكاه لنا علي بن سليمان عن أحمد بن

____________

(1) الشعر لعدي بن الرعلاء في تاج العروس (موت) ، و لسان العرب (موت) ، و بلا نسبة في تهذيب اللغة 14/343 و تاج العروس (حيي) ، و التنبيه و الإيضاح 1/173.

(2) الشاهد لعبيد بن العرندس الكلابي في الكامل 72، و بلا نسبة في الأشباه و النظائر 1/265، و الخصائص 2/289، و المنصف 3/61.

(3) انظر المقتضب 3/135.

(4) انظر معاني الفراء 2/367، و البحر المحيط 7/290.

248

يحيى أنه أجاز: زيد قام بمعنى قام زيد. قال أبو جعفر: و يبيّن لك فساد هذا قول العرب: الزيدان قاما، و لو كان كما قال لقيل: الزيدان قام. وَ اَلَّذِينَ يَمْكُرُونَ اَلسَّيِّئََاتِ بمعنى و الذين يعملون السيئات فتكون السيئات مفعولة، و يجوز أن يكون التقدير و الذين يسيئون فيكون السيئات مصدرا لَهُمْ عَذََابٌ شَدِيدٌ خبر «الذين. وَ مَكْرُ أُولََئِكَ مبتدأ، و هو ابتداء ثان و يَبُورُ خبر الثاني، و يجوز أن يكون خبرا عن الأول، و يكون هذا زائدة. و تقول: بار يبور إذا هلك و منه بارت السوق، و نعوذ باللّه جلّ و عزّ بوار الأيّم.

وَ اَللََّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرََابٍ قال سعيد عن قتادة قال: يعني آدم صلّى اللّه عليه و سلّم و التقدير على هذا خلق أصلكم من تراب. ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ قال: أي التي أخرجها من ظهور آبائكم. ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوََاجاً قال: أي زوّج بعضكم بعضا. وَ مََا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَ لاََ يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاََّ فِي كِتََابٍ . حدّثنا علي بن الحسين عن الحسن بن حمد قال: حدّثنا ابن عوانة عن عطاء ابن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس: و ما يعمّر من معمّر إلاّ كتب عمره كم هو سنة؟كم هو شهرا؟كم هو يوما؟و كم هو ساعة؟ثم يكتب عند عمره نقص كذا نقص كذا حتى يوافق النقصان العمر. و مذهب الفراء في معنى وَ مََا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ أي ما يطوّل من عمره و ما ينقص من عمره يعني آخر أي و لا ينقص الآخر من عمر ذاك إِلاََّ فِي كِتََابٍ إِنَّ ذََلِكَ عَلَى اَللََّهِ يَسِيرٌ و الفعل منه يسر، و لو سمّيت به إنسانا انصرف لأنه فعيل.

وَ مََا يَسْتَوِي اَلْبَحْرََانِ هََذََا عَذْبٌ فُرََاتٌ روى ابن عباس قال: فرات حلو، و أجاج:

مالح مرّ. و قرأ طلحة وَ هََذََا مِلْحٌ أُجََاجٌ (1) بفتح الميم و كسر اللام بغير ألف، و أما المالح فهو الذي يجعل الملح لإصلاح الشي‏ء. وَ مِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيًّا لا اختلاف في هذا أنّه منهما جميعا. وَ تَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهََا مذهب أبي إسحاق أن الحلية إنما تستخرج من الملح فقيل: منهما لأنهما مختلطان، و قال غيره: إنما تستخرج

____________

(1) انظر البحر المحيط 7/291، و المحتسب 2/199.

249

الأصداف التي قال فيها الحلية من الدرّ و غيره، و من المواضع التي فيها العذب و الملح نحو العيون و قال محمد بن يزيد قولا ثالثا هو أحسنها قال: إنما تستخرج الحلية من الملح خاصة، و ليس هذا عنده لأنهما مختلطان و لكن جمعا ثم خبّر عن أحدهما كما قال جلّ و عزّ وَ مِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اَللَّيْلَ وَ اَلنَّهََارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ [يونس: 67]و كما تقول: لو رأيت الحسن و الحجّاج لرأيت خيرا و شرا، و كما تقول:

لو رأيت الأصمعيّ و سيبويه لملأت يدك لغة و نحوا، فقد عرف معنى هذا، و هو كلام فيصيح كثير فكذا. وَ مِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيًّا وَ تَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهََا فاجتمع في الأول و انفرد الملح بالثاني فصارا مجتمعين في كل هذا. قال: وَ تَرَى اَلْفُلْكَ فِيهِ مَوََاخِرَ أي في الملح خاصة، و لو لا ذلك لقال: فيهما و قد مخرت السفينة تمخر و تمخر إذا شقّت الماء، كما قال طرفة: [الطويل‏] 354-

يشقّ حباب الماء حيزومها بها # كما قسم التّرب المفايل باليد (1)

و قيل: الأجل المسمّى هاهنا القيامة لأنها عند اللّه جلّ و عزّ مسمّاة لوقت معلوم وَ اَلَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مََا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: القطمير جلد النواة.

إِنْ تَدْعُوهُمْ لاََ يَسْمَعُوا دُعََاءَكُمْ شرط و مجازاة. وَ لَوْ سَمِعُوا مَا اِسْتَجََابُوا لَكُمْ فيه معنى الأول و إن كانت لو لا يجازى بها. قال قتادة مَا اِسْتَجََابُوا لَكُمْ ما تبعوكم و لا قبلوا منكم. وَ يَوْمَ اَلْقِيََامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ . قال أبو إسحاق: أي يقولون: ما كانوا إيّانا يعبدون. وَ لاََ يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ قال قتادة: اللّه جلّ و عزّ أخبر أنه يكون هذا منكم يوم القيامة.

يََا أَيُّهَا اَلنََّاسُ أَنْتُمُ اَلْفُقَرََاءُ إِلَى اَللََّهِ بتخفيف الهمزة الثانية أجود الوجوه عند الخليل رحمه اللّه و يجوز تخفيف الأولى و حذفها و تخفيفها جميعا و تحقيقهما جميعا. وَ اَللََّهُ هُوَ اَلْغَنِيُّ اَلْحَمِيدُ تكون «هو» زائدة فلا يكون لها موضع من الإعراب، و تكون مبتدأة فيكون موضعها رفعا.

____________

(1) الشاهد لطرفة بن العبد في ديوانه 20، و لسان العرب (حبب) و (فيل) ، و كتاب العين 3/32، و مقاييس اللغة 2/28، و المخصّص 9/149، و تهذيب اللغة 4/10، و تاج العروس (فأل) ، و (حبب) و (فيل) .

250

إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ شرط و مجازاة و فيه حذف تستعمله العرب كثيرا. و التقدير:

إن يشأ أن يذهبكم يذهبكم و حذفت من «يشأ» الضمة التي كانت على الهمزة فلما سكنت حذفت الألف التي قبلها. وَ يَأْتِ معطوف على يذهبكم.

وَ لاََ تَزِرُ مقطوع مما قبله و الأصل توزر حذفت الواو اتباعا ليزر. وََازِرَةٌ نعت لمحذوف أي نفس وازرة، و كذا وَ إِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ قال الفراء (1) : أي نفس مثقلة أو دابة قال: و هذا يقع للمذكّر و المؤنث. قال الأخفش: أي و إن تدع مثقلة إنسانا إِلى‏ََ حِمْلِهََا و الحمل ما كان على الظهر، و حمل المرأة و حمل النخلة حكاهما الكسائي بالفتح لا غير، و حكى ابن السكيت: إنّ حمل النخلة يفتح و يكسر وَ لَوْ كََانَ ذََا قُرْبى‏ََ التقدير على قول الأخفش و لو كان الإنسان المدعو ذا قربى، و أجاز الفراء (2) : و لو كان ذو قربى قال أبو جعفر: و هذا جائز عند سيبويه، و مثله‏ وَ إِنْ كََانَ ذُو عُسْرَةٍ [البقرة: 280] و تكون «كان» بمعنى وقع أو يكون الخبر محذوفا أي و إن كان فيمن تطلبون ذو عسرة، و حكى سيبويه: الناس مجزيّون بأعمالهم إن خير فخير، على هذا، و إن خيرا فخيرا، على الأول و حكى الحكم بن أبان عن عكرمة أنه قال: بلغني أنّ اليهوديّ و النصراني يرى الرجل المسلم يوم القيامة فيقول له: ألم أكن قد أسديت إليك يدا ألم أكن قد أحسنت إليك فيقول: بلى فيقول: انفعني فلا يزال المسلم ينقص من عذابه، و أن الرجل ليأتي إلى أبيه يوم القيامة فيقول: أ لم أكن بك بارا و عليك مشفقا و إليك محسنا، و أنت ترى ما أنا فيه فهب لي حسنة من حسناتك أو تحمل عني سيئة فيقول: إن الذي سألتني يسير و لكني أخاف مثل ما تخاف، و إن الأب ليقول لابنه مثل ذلك فيردّ عليه نحوا من هذا، و إن الرجل ليقول لزوجته: ألم أكن حسن العشرة لك فتحملي عني خطيئة لعلي أنجو فتقول: إنّ ذلك ليسير و لكنّي أخاف مما تخاف منه ثم تلا عكرمة وَ إِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلى‏ََ حِمْلِهََا لاََ يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْ‏ءٌ وَ لَوْ كََانَ ذََا قُرْبى‏ََ . إِنَّمََا تُنْذِرُ اَلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ و هو ينذر الخلق كلهم فخصّ الذين يخشون ربّهم لأنهم الذين ينتفعون بالنذارة.

____________

(1) انظر معاني الفراء 2/368.

(2) انظر معاني الفراء 2/368.

251

وَ مََا يَسْتَوِي اَلْأَعْمى‏ََ وَ اَلْبَصِيرُ روي عن ابن عباس قال: المؤمن و الكافر، }قال:

و اَلظُّلُمََاتُ الضلالة و اَلنُّورُ الهدى‏} و اَلظِّلُّ الجنّة و اَلْحَرُورُ النار. قال الأخفش سعيد: «لا» زائدة و المعنى: و لا الظلمات و النور و لا الظل و الحرور. و قيل: الحرور لا يكون إلاّ بالليل، و السموم يكون بالنهار. و قيل: الحرور يكون فيهما. و هذا أصحّ القولين، لأن الحرور فعول من الحرّ، و فيه معنى التكثير أي الحرّ المؤذي.

و قرأ الحسن وَ مََا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي اَلْقُبُورِ (1) تحذف التنوين تخفيفا أي هم بمنزلة أهل القبول في أنّهم لا ينتفعون بما يسمعونه و لا يقبلونه.

بِالْبَيِّنََاتِ وَ بِالزُّبُرِ و في موضع آخر اَلزُّبُرِ* [آل عمران: 184]بغير باء و المعنى واحد، غير أنّ الكثير في كلام العرب بغير باء و ما بعده بالباء أيضا فتكون الباء إذا دخلت توكيدا أو عطف جملة على جملة و حذف الفعل لدلالة الأول عليه.

نصبت مُخْتَلِفاً لأنه نعت لثمرات و أَلْوََانُهََا مرفوع بمختلف و صلح أن يكون نعتا لثمرات لما عاد عليه من ذكره، و يجوز رفعه في غير القرآن و مثله: رأيت رجلا خارجا أبوه. وَ مِنَ اَلْجِبََالِ جُدَدٌ جمع جدّة. قال الأخفش: و لو كان جمع جديد لقيل جدد مثل رغيف و رغف. بِيضٌ وَ حُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوََانُهََا رفع «مختلف» هاهنا و نصب ثمّ لأن ما قبله هاهنا مرفوع فهو نعت له، و يجوز أن يكون رفعه على الابتداء و الخبر.

فقيل هاهنا أَلْوََانُهُ و ثمّ «أَلْوََانُهََا» لأن تقديره و خلق مختلف ألوانه. و مختلف نعت أقيم مقام المنعوت. و الكاف في موضع نعت لأنها نعت لمصدر محذوف. إِنَّمََا يَخْشَى اَللََّهَ مِنْ عِبََادِهِ اَلْعُلَمََاءُ قال مجاهد: إنما العالم من يخشى اللّه جلّ و عزّ و عن عبد اللّه ابن مسعود رضي اللّه عنه: كفى بخشية اللّه جلّ و عزّ علما و بالاغترار به جهلا.

____________

(1) انظر البحر المحيط 7/295، و مختصر ابن خالويه 123.

252

إِنَّ اَلَّذِينَ يَتْلُونَ كِتََابَ اَللََّهِ قال أحمد بن يحيى خبر «إنّ» . يَرْجُونَ تِجََارَةً لَنْ تَبُورَ .

ثُمَّ أَوْرَثْنَا اَلْكِتََابَ اَلَّذِينَ اِصْطَفَيْنََا مِنْ عِبََادِنََا هذه الآية مشكلة لأنه قال جلّ و عزّ اِصْطَفَيْنََا مِنْ عِبََادِنََا ثم قال جلّ و عزّ فَمِنْهُمْ ظََالِمٌ لِنَفْسِهِ و قد كنا ذكرناها إلاّ أنا نبيّنها هاهنا بغاية البيان و قد تكلم جماعة من الصحابة و التابعين و من بعدهم فمن أصحّ ما روي في ذلك ما قرئ على أبي بكر محمد بن جعفر ابن الإمام عن يوسف بن موسى عن وكيع بن الجراح قال: حدثنا سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن ابن عباس «فَمِنْهُمْ ظََالِمٌ لِنَفْسِهِ» قال: الكافر، و قرئ على أحمد بن شعيب عن الحسين بن حبيب عن الفضل بن موسى عن حسين عن يزيد عن عكرمة عن ابن عباس‏ (1) في قول اللّه تعالى: ثُمَّ أَوْرَثْنَا اَلْكِتََابَ اَلَّذِينَ اِصْطَفَيْنََا مِنْ عِبََادِنََا فَمِنْهُمْ ظََالِمٌ لِنَفْسِهِ وَ مِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَ مِنْهُمْ سََابِقٌ بِالْخَيْرََاتِ بِإِذْنِ اَللََّهِ قال: نجت فرقتان. فهذا قول: و يكون التقدير في العربية «فمنهم» فمن عبادنا «ظالم لنفسه» أي كافر، و قال الحسن: أي فاسق، و يكون الضمير الذي في يدخلونها يعود على المقتصد و السابق لا على الظالم. فأما معنى «الذين اصطفينا من عبادنا» ففيه قولان: أحدهما أن الذين اصطفوا هم الأنبياء صلوات اللّه عليهم أي اختيروا للرسالة، و قيل: المعنى الذين اصطفوا لإنزال الكتاب عليهم فهذا عام، }و قيل الضمير في يَدْخُلُونَهََا يعود على الثلاثة الأصناف على أن لا يكون الظالم هاهنا كافرا و لا فاسقا، فمن روى عنه هذا القول أعني أنّ الذين يدخلونها هذه الثلاثة الأصناف عمر و عثمان و أبو الدرداء و ابن مسعود و عقبة بن عمرو و عائشة رضي اللّه عنهم. و لو لا كراهة الإطالة لذكرنا ذلك بأسانيده و إن كانت ليست مثل الأسانيد الأولى في الصحة و هذا القول أيضا صحيح عن عبيد بن عمرو و كعب الأحبار و غيرهما من التابعين و التقدير على هذا القول: أن يكون الظالم لنفسه الذي عمل الصغائر، و المقتصد: قال محمد بن يزيد: هو الذي يعطي الدّنيا حقّها، و الآخرة حقّها فيكون «جنّات عدن يدخلونها» عائدا على الجميع على هذا الشرح و التبيين. و في الآية قول ثالث يكون «الظالم» صاحب الكبائر، و المقتصد الذي لم يستحق الجنة بزيادة حسناته على سيئاته. فيكون «جنّات عدن يدخلونها» الذين سبقونا بالخيرات لا غير. و هذا قول

____________

(1) انظر تفسير الطبري 22/135.