إعراب القرآن - ج3

- احمد بن محمد النحاس المزيد...
320 /
253

جماعة من أهل النظر قالوا: لأن الضمير في حقيقة النظر لما يليه أولى. و قد ذكرنا (1)

قول العلماء المتقدمين قبل هذا يُحَلَّوْنَ فِيهََا مِنْ أَسََاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ جمع أسورة، و أسورة جمع سوار و سوار، و قد حكي أنه يقال: أسوار و جمع إسوار أساوير (2) ، و قد حكي أن في حرف أبي «أساوير» و حذف الياء من مفاعل هذا جائز غير أن المعروف أن الأسوار هو الرجل الجيّد الرمي من الفرس. وَ لُؤْلُؤاً (3) قراءة أهل المدينة. قال أبو إسحاق:

لأن معنى من أساور و معنى أساور واحد، و الخفض قراءة أهل الكوفة، و هو أبين في العربية لأنه مخفوض معطوف على مخفوض. و قرأ عاصم الجحدري جَنََّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهََا (4) بكسر التاء تكون في موضع جرّ على البدل من الخيرات، و يجوز أن يكون في موضع نصب على لغة من قال: زيدا ضربته و زعم بعض أهل النظر أن قوله جلّ و عزّ: يُحَلَّوْنَ فِيهََا مِنْ أَسََاوِرَ للنساء لأن قوله جلّ و عزّ: مِنْ عِبََادِنََا مشتمل على الذكور و الإناث. و هذا خطأ بيّن، لأنه لو كان للنساء لكان يحلّين و لكن هو للرجال لا غير إلاّ أنه يجوز أن يحلّى به النساء فإذا حلّي به النساء فهو لأزواجهنّ.

وَ قََالُوا اَلْحَمْدُ لِلََّهِ اَلَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا اَلْحَزَنَ عن ابن عباس قال: النار. و قال سعيد عن قتادة قال: كانوا يعملون في الدّنيا و ينصبون و يلحقهم الحزن و قال شمر بن عطيّة في قول اللّه جلّ و عزّ وَ قََالُوا اَلْحَمْدُ لِلََّهِ اَلَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا اَلْحَزَنَ قال: همّ الطّعام. قال:

إِنَّ رَبَّنََا لَغَفُورٌ شَكُورٌ غفر لهم الذّنوب التي عملوها، و شكر لهم الخير الذي دلّهم عليه فعملوه.

اَلَّذِي أَحَلَّنََا دََارَ اَلْمُقََامَةِ مِنْ فَضْلِهِ يكون «الذي» في موضع نصب نعت لاسم «إنّ» و يجوز أن يكون في موضع رفع على إضمار مبتدأ، أو على خبر بعد خبر إن، و على البدل من غفور، أو على البدل من المضمر الذي في «شكور» و يجوز أن يكون في موضع خفض على النعت لاسم اللّه جلّ و عزّ قال الكسائي و الفراء: اَلْمُقََامَةِ : الإمامة و المقامة: المجلس الذي يقام فيه. لاََ يَمَسُّنََا فِيهََا نَصَبٌ أي تعب و النّصب الشرّ و النصب ما ينصب لذبح أو غيره و قرأ أبو عبد الرحمن وَ لاََ يَمَسُّنََا فِيهََا لُغُوبٌ (5) بفتح اللام يكون مصدرا كالوقود و الطّهور و قيل هو ما يلغب منه.

____________

(1) انظر إعراب الآية 23 سورة الرعد.

(2) انظر إعراب الآية 31 سورة الكهف.

(3) انظر تيسير الداني 127.

(4) انظر البحر المحيط 7/299، و مختصر ابن خالويه 123.

(5) انظر مختصر ابن خالويه 124، و البحر المحيط 7/300.

254

وَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا مبتدأ و الخبر لَهُمْ نََارُ جَهَنَّمَ و يجوز أن يكون الخبر لاََ يُقْضى‏ََ عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا (1) و حذفت النون؛ لأنه جواب النفي. و قرأ الحسن يقضى عليهم فيموتون على العطف قال الكسائي‏ وَ لاََ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ [المرسلات: 36] بالنون في المصحف لأنه رأس آية، و لاََ يُقْضى‏ََ عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا بغير نون لأنه ليس برأس آية و يجوز في كلّ واحد منهما ما جاز في صاحبه.

وَ هُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهََا الطاء مبدلة من تاء لأن الطاء بالصاد أشبه لأنهما مطبقتان، و يقال: اصطرخ إذا استغاث رَبَّنََا أَخْرِجْنََا أي يقولون نَعْمَلْ صََالِحاً جواب المسألة أي إن أخرجتنا عملنا صالحا غير الذي كنا نعمل أَ وَ لَمْ نُعَمِّرْكُمْ أي فيقال لهم، و روى أبو هريرة عن النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم: «من عمّر ستين سنة فقد أعذر اللّه إليه في العمر» (2) ، و كذلك روى سهل بن سعد عن النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم مثل معناه و قال ابن عباس في قوله جلّ و عزّ: أَ وَ لَمْ نُعَمِّرْكُمْ مََا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ قال ستين سنة. وَ جََاءَكُمُ اَلنَّذِيرُ أي المنذر و في فعيل معنى المبالغة. قيل: يعني به النبي صلّى اللّه عليه و سلّم، و قيل: هو من أنذرهم، و قيل: يعني به الشيب و اللّه جلّ و عزّ أعلم.

إذا كان بغير تنوين صلح أن يكون للماضي و المستقبل و الحال، و إذا كان منونا لم يجز أن يكون للماضي.

هُوَ اَلَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاََئِفَ فِي اَلْأَرْضِ جمع خليفة أي تخلفون من كان قبلكم و في هذا معنى التنبيه و الاعتبار أي فتحذرون أن تنزل بكم العقوبة، كما نزلت بمن كان قبلكم فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ مثل‏ وَ سْئَلِ اَلْقَرْيَةَ [يوسف: 82]أي عقوبة كفره.

____________

(1) و هذه قراءة عيسى أيضا، انظر البحر المحيط 7: 301، و المحتسب 2/201.

(2) أخرجه أحمد في مسنده 2/405 و المتقي في كنز العمال (42668) ، و أبو نعيم في الحلية 3/258.

255

وَ لاََ يَزِيدُ اَلْكََافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلاََّ مَقْتاً مفعولان، و كذا وَ لاََ يَزِيدُ اَلْكََافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلاََّ خَسََاراً .

قُلْ أَ رَأَيْتُمْ شُرَكََاءَكُمُ منصوب بالرؤية، و لا يجوز رفعه و قد يجوز الرفع عند سيبويه في قولهم: قد علمت زيد أبو من هو؛ لأن زيدا في المعنى يستفهم عنه، و لو قلت:

أ رأيت زيدا أبو من هو؟لم يجز الرفع و الفرق بينهما أن معنى هذا أخبرني عنه، و كذا معنى هذا أخبروني عن شركائكم الذين تدعون من دون اللّه أ عبدتموهم لأن لهم شركة في خلق السّموات أم خلقوا من الأرض شيئا أم آتيناهم كتابا بهذا أي أم عندهم كتاب أنزلناه إليهم بالشّركة أو بأنا أمرناهم بعبادتهم فكان في هذا ردّ على كل من عبد غير اللّه جلّ و عزّ لأنهم لا يجدون في كتاب من الكتب أنّ اللّه جلّ و عزّ أمر أن يعبد غيره.

على بيّنات منه (1) قراءة أبي جعفر و شيبة و نافع و عاصم و الكسائي، و قرأ أبو عمرو و ابن كثير و الأعمش و حمزة عَلى‏ََ بَيِّنَةٍ مِنْهُ (2) قال أبو جعفر: و المعنيان متقاربان إلاّ أن القراءة «بيّنات» أولى لأنه لا يخلو من قرأ «على بيّنة» أن يكون خالف السواد الأعظم أو يكون جاء به على لغة من قال: جاءني طلحة، فوقف بالتاء. و هذه لغة شاذّة قليلة.

بَلْ إِنْ يَعِدُ اَلظََّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً «إن» بمعنى «ما» فلذلك رفعت الفعل. بَعْضُهُمْ بَعْضاً «بعضهم» إِلاََّ غُرُوراً أي إلاّ غرورا بالباطل.

إِنَّ اَللََّهَ يُمْسِكُ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضَ أَنْ تَزُولاََ «أن» في موضع نصب بمعنى كراهة أو يحمل على المعنى لأن المعنى إنّ اللّه يمنع السّموات و الأرض من أن تزولا وَ لَئِنْ زََالَتََا إِنْ أَمْسَكَهُمََا مِنْ أَحَدٍ قال الفراء: (3) أي و لو زالتا ما أمسكهما من أحد من بعده و «أان» بمعنى «ما» قال: و هو مثل قوله تعالى: وَ لَئِنْ أَرْسَلْنََا رِيحاً فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ [الروم: 51].

وَ أَقْسَمُوا بِاللََّهِ جَهْدَ أَيْمََانِهِمْ قال أبو إسحاق: كانوا حلفوا و اجتهدوا. قال أبو

____________

(1) انظر تيسير الداني 148.

(2) انظر تيسير الداني 148.

(3) انظر معاني الفراء 2/370.

256

جعفر: فاليمين وقعت على لَيَكُونُنَّ أَهْدى‏ََ مِنْ إِحْدَى اَلْأُمَمِ قال الأخفش: فأنّث إحدى لتأنيث أمة فَلَمََّا جََاءَهُمْ نَذِيرٌ مََا زََادَهُمْ إِلاََّ نُفُوراً أي عن الحقّ.

اِسْتِكْبََاراً مفعول من أجله أي تكبّرا عن الحقّ. وَ مَكْرَ اَلسَّيِّئِ معطوف عليه.

قال سعيد عن قتادة: أي و مكر الشرك. قال أبو جعفر: أصل المكر السّيّئ في اللغة الكذب و الخديعة بالباطل. و قرأ الأعمش و حمزة و مكر السّيئ و لا يحق المكر السيّئ إلا بأهله (1) فحذف الإعراب من الأول و أثبته في الثاني. قال أبو إسحاق: و هو لحن لا يجوز. قال أبو جعفر: و إنما صار لحنا لأنه حذف الإعراب منه، و زعم محمد بن يزيد: أن هذا لا يجوز في كلام و لا شعر، لأن حركات الإعراب لا يجوز حذفها لأنها دخلت للفروق بين المعاني. و قد أعظم بعض النحويين أن يكون الأعمش على جلالته و محلّه يقرأ بهذا، و قال: إنما كان يقف عليه فغلط من ادّعى عنه قال: و الدليل على هذا أنه تمام الكلام، و إن الثاني لمّا لم يكن تمام الكلام أعربه، و الحركة في الثاني أثقل منها في الأول؛ لأنها ضمة بين كسرتين. و قد احتجّ بعض النحويين لحمزة في هذا بقول سيبويه، و أنه أنشد هو و غيره: [الرجز] 355-

إذا اعوججن قلت صاحب قوّم # بالدوّ أمثال السّفين العوّم‏ (2)

و قال الآخر: [السريع‏] 356-

فاليوم أشرب غير مستحقب # إثما من اللّه و لا واغل‏ (3)

و هذا لا حجّة فيه لأن سيبويه لم يجزه و إنما حكاه بعض النحويين، و الحديث إذا قيل فيه عن بعض العلماء لم يكن فيه حجّة فكيف و إنما جاء به على الشذوذ، و ضرورة الشعر، قد خولف فيه. و زعم أبو إسحاق أن أبا العباس أنشده: [الرجز] 357-

إذا اعوججن قلت صاح قوّم‏ (4)

و أنه أنشده «فاليوم فاشرب» بالفاء. فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاََّ سُنَّتَ اَلْأَوَّلِينَ أي إنما ينظرون العقاب الذي نزل بالكفار الأولين فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اَللََّهِ تَبْدِيلاً وَ لَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اَللََّهِ تَحْوِيلاً أي أجرى اللّه جلّ و عزّ العذاب على الكفار، و جعل ذلك سنّة فيهم فهو يعذب بمثله من

____________

(1) انظر تيسير الداني 148، و كتاب السبعة لابن مجاهد 535، و البحر المحيط 7/305.

(2) مرّ الشاهد رقم (22) .

(3) مرّ الشاهد رقم (212) .

(4) مرّ الشاهد رقم (22) .

257

استحقّه لا يقدر أحد أن يبدّل ذلك، و لا يحوّله.

قال أبو إسحاق: لِيُعْجِزَهُ لتفوته...

وَ لَوْ يُؤََاخِذُ اَللََّهُ اَلنََّاسَ بِمََا كَسَبُوا مهموز؛ لأن العرب تقول: أخذت فلانا بكذا و كذا، و لا يقال: و أخذت، و لكن إن خفّفت الهمزة في يؤاخذ جاز فقلت يؤاخذ تقلبها واوا. فإن قال قائل: فلم لا يقلبها ألفا و هي مفتوحة؟قلت: هذا محال لأن الألف لا يكون ما قبلها أبدا إلا مفتوحا. عَلى‏ََ ظَهْرِهََا يعود على الأرض و قد تقدّم ذكرها.

فَإِذََا جََاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اَللََّهَ كََانَ بِعِبََادِهِ بَصِيراً لا يجوز أن يكون العامل في إذا بصيرا، كما لا يجوز: اليوم أنّ زيدا خارج، و لكن العامل فيها جاء لشبهها بحروف المجازاة، و قد يجازى بها، كما قال: [الطويل‏] 358-

إذا قصرت أسيافنا كان وصلها # خطانا إلى أعدائنا فنضارب‏ (1)

____________

(1) الشاهد لقيس بن الخطيم الأنصاري في ديوانه 88، و خزانة الأدب 7/25، و الكتاب 3/69، و شرح أبيات سيبويه 2/137، و شرح المفصّل 7/47، و للأخنس بن شهاب في خزانة الأدب 5/28، و شرح اختيارات المفضّل ص 937، و لكعب بن مالك في فصل المقال 442، و ليس في ديوانه، و لشهم بن مرّة في الحماسة الشجرية 1/186، و لعمران بن حطان في شعر الخوارج ص 406، و بلا نسبة في شرح المفصل 4/97، و المقتضب 2/57.

258

36 شرح إعراب سورة يس‏

بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ

قال عبد الرحمن بن أبي ليلى: لكلّ شي‏ء قلب، و قلب القرآن «يس» من قرأها نهارا كفي همّه، و من قرأها ليلا غفر ذنبه. قال شهر بن حوشب: يقرأ أهل الجنة «طه» و «يس» فقط. قال أبو جعفر: في يس (1) أوجه من القراءات. قرأ أهل المدينة و الكسائي يس‏`وَ اَلْقُرْآنِ اَلْحَكِيمِ بإدغام النون في الواو، و قرأ أبو عمرو و الأعمش و حمزة يس‏`وَ اَلْقُرْآنِ اَلْحَكِيمِ بإظهار النون، و قرأ عيسى بن عمر يسين و القرآن الحكيم ، و ذكر الفراء قراءة رابعة ياسين و القرآن . قال أبو جعفر: القراءة الأولى بالإدغام على ما يجب في العربية لأنّ النون تدغم في الواو لشبهها بها، و من بيّن قال:

سبيل حروف التهجي أن يوقف عليها، و إنما يكون الإدغام في الإدراج، و ذكر سيبويه‏ (2)

النصب و جعله من جهتين: إحداهما أن يكون مفعولا لا يصرفه، لأنه عنده اسم أعجمي بمنزلة هابيل. و التقدير: اذكر ياسين، و جعله سيبويه اسما للسورة. و قوله الآخر أن يكون مبنيا على الفتح مثل «كيف» و «أين» ، و أما الكسر فزعم الفراء أنه مشبه بقول العرب جير لأفعلن و جير لا أفعل‏ (3) .

وَ اَلْقُرْآنِ قسم و الواو مبدلة من ياء لشبهها بها، كما أبدلوها من ربّ، اَلْحَكِيمِ من نعت القرآن. قال أبو إسحاق: لأنه أحكم بالأمر و النهي و الأمثال و أقصيص الأمم.

جواب القسم، و إن مكسورة لأن في خبرها اللام و لو حذفت اللام لكانت أيضا

____________

(1) انظر القراءات المختلفة في تيسير الداني 148، و البحر المحيط 7/310، و معاني الفراء 2/371.

(2) انظر الكتاب 3/286.

(3) انظر معاني الفراء 2/371.

259

مكسورة إلاّ في قول الكسائي فإنّه يجيز فتحها؛ لأن في الكلام معنى: أقسم.

قال الضحاك: أي على طريقة مستقيمة. قال قتادة: أي على دين مستقيم. قال أبو إسحاق: عَلى‏ََ صِرََاطٍ مُسْتَقِيمٍ خبر بعد خبر، قال: و يجوز أن يكون من صلة المرسلين أي الذين أرسلوا على صراط مستقيم.

هذه قراءة أهل المدينة و أبي عمرو، و قرأ الكوفيون و عبد اللّه بن عامر اليحصبي تَنْزِيلَ اَلْعَزِيزِ اَلرَّحِيمِ (1) بالنصب و حكي الخفض. قال أبو جعفر: فالرفع على إضمار مبتدأ أي الذي أنزل إليك تنزيل العزيز الرحيم، و النصب على المصدر، و الخفض على البدل من القرآن.

لِتُنْذِرَ قَوْماً مََا أُنْذِرَ آبََاؤُهُمْ مََا لا موضع لها من الإعراب عند أكثر أهل التفسير؛ لأنها نافية، و على قول عكرمة موضعها النصب؛ لأنه قال: أي قد أنذر آباؤهم فتكون على هذا مثل قوله: فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صََاعِقَةً [فصلت: 13]أي بصاعقة. فَهُمْ غََافِلُونَ ابتداء و خبر.

لَقَدْ حَقَّ اَلْقَوْلُ عَلى‏ََ أَكْثَرِهِمْ أي حقّ القول عليهم بالعذاب لكفرهم، و مثله‏ وَ لََكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ اَلْعَذََابِ عَلَى اَلْكََافِرِينَ [الزمر: 71].

إِنََّا جَعَلْنََا فِي أَعْنََاقِهِمْ أَغْلاََلاً عن ابن عباس أنه قال: إن أبا جهل أقسم لئن رأيت محمدا صلّى اللّه عليه و سلّم يصلّي لأدمغنّه فأخذ حجرا و النبي صلّى اللّه عليه و سلّم يصلّي ليرميه به. فلما أومأ به إليه جفّت يده على عنقه، و التصق الحجر بيده فهو على هذا تمثيل أي بمنزلة من غلّت يده إلى عنقه. و روى ابن عيينة عن عمرو بن دينار قال: قرأ ابن عباس إنّا جعلنا في أيمانهم‏ (2) أغلالا فهي إلى الأذقان قال أبو إسحاق و قرئ إنّا جعلنا في أيديهم أغلالا قال أبو جعفر: هذه القراءة على التفسير، و لا يقرأ بما خالف المصحف، و في

____________

(1) انظر تيسير الداني 149، و مختصر ابن خالويه 124.

(2) انظر معاني الفراء 2/373.

260

الكلام حذف على قراءة الجماعة فالتقدير: إنا جعلنا في أعناقهم و في أيديهم أغلالا فهي إلى الأذقان، فهي كناية عن الأيدي لا عن الأعناق، و العرب تحذف مثل هذا، و نظيره‏ سَرََابِيلَ تَقِيكُمُ اَلْحَرَّ [النحل: 81]فتقديره: و سرابيل تقيكم البرد فحذف لأن ما وقى الحرّ وقى البرد، و لأنّ الغل إذا كان في العنق فلا بد من أن يكون في اليد و لا سيما و قد قال جلّ و عزّ: فَهِيَ إِلَى اَلْأَذْقََانِ فقد أعلم اللّه جلّ و عزّ أنها يراد بها الأيدي. فَهُمْ مُقْمَحُونَ أجلّ ما روي فيه ما حكاه عبد اللّه بن يحيى أن علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه أراهم الأقماح فجعل يديه تحت لحيته و ألصقهما و رفع رأسه. قال أبو جعفر: و كان هذا مأخوذا مما حكاه الأصمعي قال: يقال أكمحت الدّابّة إذا جذبت لجامها لترف رأسها. قال أبو جعفر: و القاف مبدلة من الكاف لقربها منها، كما يقال:

قهرته و كهرته. قال الأصمعي: و يقال: أكفحت الدابة إذا تلقّيت فاها باللجام لتضربه به. مشتقّ من قولهم: لقيته كفاحا أي وجها لوجه، و كفحت الدابّة بغير ألف إذا جذبت عنانها لتقف و لا تجري.

قال محمد بن إسحاق في روايته: جلس عتبة و شيبة ابنا ربيعة و أبو جهل و أميّة بن خلف يراصدون النبي صلّى اللّه عليه و سلّم ليبلغوا من أذاه فخرج عليهم يقرأ أول «يس» و في يده تراب فرماهم به، و قرأ وَ جَعَلْنََا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَ مِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا إلى رأس العشر، فأطرقوا حتى مرّ النبي صلّى اللّه عليه و سلّم و قد قيل إن هذا تمثيل كما يقال: فلان حمار أي لا يبصر الهدى، كما يقال: [البسيط] 359-

لهم عن الرشد أغلال و أقياد (1)

و قراءة ابن عباس و عكرمة و يحيى بن يعمر و عمر بن عبد العزيز فَأَغْشَيْنََاهُمْ (2)

قال أبو جعفر: القراءة بالغين أشبه بنسق الكلام، و يقال: غشيه الأمر و أغشيته إياه فأما فأغشيناهم فإنّما يقال لمن ضعف بصره حتى لا يبصر بالليل، أو لمن فعل فعله، كما قال: [الطويل‏] 360-

متى تأته تعشو إلى ضوء ناره # تجد خير نار عندها خير موقد (3)

قال قتادة: فَهُمْ لاََ يُبْصِرُونَ الهدى.

____________

(1) الشاهد للأفوه الأودي في ديوانه ص 10.

(2) انظر البحر المحيط 7/312.

(3) مرّ الشاهد رقم (69) .

261

وَ سَوََاءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ قيل: المعنى لا يكترثون بذلك و لا يعبئون به و لا يؤمنون.

قال ابن عباس: فما آمن منهم أحد.

إِنَّمََا تُنْذِرُ مَنِ اِتَّبَعَ اَلذِّكْرَ أي إنّما ينتفع بالإنذار. قال أبو إسحاق: و معنى وَ خَشِيَ اَلرَّحْمََنَ بِالْغَيْبِ خاف اللّه جلّ و عزّ من حيث لا يراه أحد إلاّ اللّه عزّ و جلّ.

فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَ أَجْرٍ كَرِيمٍ قال الضحاك عن ابن عباس في معنى كريم: أي حسن، و قيل: يراد به الجنة و اللّه جلّ و عزّ أعلم.

الأصل في إِنََّا إنّنا حذفت النون لاجتماع النونات نُحْيِ حذفت منه الضمة لثقلها، و لا يجوز إدغام الياء في الياء هاهنا لئلاّ يلتقي ساكنان. وَ نَكْتُبُ مََا قَدَّمُوا وَ آثََارَهُمْ أي ذكر ما قدّموا، و أقيم المضاف إليه مقام المضاف، و تأوله ابن عباس بمعنى خطاهم إلى المساجد. و هو أولى ما قيل فيه؛ لأنه قال: إنّ الآية نزلت في ذلك لأن الأنصار كانت منازلهم بعيدة من المسجد. و في حديث عمرو بن الحارث عن أبي عشانة عن عقبة بن عامر عن النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم قال: «يكتب له برجل حسنة، و يحطّ عنه برجل سيئة ذاهبا و راجعا إذا خرج إلى المسجد» (1) و تأوّله غير ابن عباس «و نكتب ما قدّموا و آثارهم» يعني نكتب ما قدّموا من خير و ما سنّوا من سنة حسنة يعمل بها بعدهم. و واحد الآثار:

أثر، و يقال: إثر. وَ كُلَّ شَيْ‏ءٍ أَحْصَيْنََاهُ منصوب على إضمار فعل، و يجوز رفعه بالابتداء إلاّ أنّ نصبه أولى ليعطف ما عمل فيه الفعل على ما عمل فيه الفعل. و هذا قول الخليل و سيبويه رحمهما اللّه. قال مجاهد: فِي إِمََامٍ مُبِينٍ في اللوح المحفوظ.

وَ اِضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً أَصْحََابَ اَلْقَرْيَةِ قال أبو إسحاق: أي اذكر لهم مثلا، و الضرب هو المثال و الجنس، يقال: هذا من ضرب هذا، أي من مثال هذا و جنسه و المعنى: و مثّل لهم مثلا. أَصْحََابَ اَلْقَرْيَةِ بدل من مثل فالمعنى مثل أصحاب القرية. إِذْ جََاءَهَا اَلْمُرْسَلُونَ أي جاء أهلها المرسلون.

____________

(1) أخرجه ابن ماجة في سننه-المساجد 1/254، و الترمذي في سننه 3/83، و أحمد في مسنده 4/156.

262

إِذْ أَرْسَلْنََا إِلَيْهِمُ اِثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمََا فَعَزَّزْنََا بِثََالِثٍ و قرأ عاصم فَعَزَّزْنََا (1) و ربما غلط في هذا بعض الناس فتوهّم أنه من عز يعزّ، و ليس منه إنما هو من قول العرب: عازّني فلان فعززته أعزّه أي غلبته و قهرته و له نظائر في كلامهم، و تأول الفراء (2) فَعَزَّزْنََا بِثََالِثٍ أنّ الثالث أرسل قبل الاثنين و أنه شمعون و إنّ معنى فعزّزنا به أنّه غلبهم.

و الظاهر يدلّ على خلاف ما قال، و لو كان كما قال لكان الأولى في كلام العرب أن يقال: بالثالث إذ كان قد أرسل قبل، كما يقال: في أول الكتاب سلام عليك و في آخره و السلام، و كما يقال: مررت برجل من قصّته كذا فقلت للرّجل.

قََالُوا مََا أَنْتُمْ إِلاََّ بَشَرٌ مِثْلُنََا مبتدأ و خبره.

قال الفراء: لَنَرْجُمَنَّكُمْ أي لنقتلنّكم قال: و عامة ما في القرآن من الرجم معناه القتل.

قََالُوا طََائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَ إِنْ ذُكِّرْتُمْ فيه سبعة أوجه من القراءات‏ (3) : قرأ أهل المدينة أين ذكرتم بتخفيف الهمزة الثانية، و قرأ أهل الكوفة أَ إِنْ بتحقيق الهمزتين، و الوجه الثالث أاإن بهمزتين بينهما ألف، أدخلت الألف كراهة للجمع بين الهمزتين، و الوجه الرابع أاإن بهمزة بعدها ألف و بعد الألف همزة مخففة، و القراءة الخامسة أ ان ذكرتم بهمزتين إلا أنّ الثانية همزة مخففة، و الوجه السادس أ أن بهمزتين محققتين مفتوحتين. حكى الفراء (4) : أنّ هذه قراءة أبي رزين. و قرأ عيسى بن عمر و الحسن البصري قالوا طائركم معكم أين ذكّرتم بمعنى حيث و المعنى: أين ذكّرتم تطيّركم معكم. و معنى أ أن أ لأن، و قرأ يزيد بن القعقاع و الحسن و طلحة ذكرتم (5)

____________

(1) انظر تيسير الداني 149، و كتاب السبعة لابن مجاهد 539.

(2) انظر معاني الفراء 2/373.

(3) انظر القراءات في البحر المحيط 7/314، و مختصر ابن خالويه 125، و كتاب السبعة لابن مجاهد 540.

(4) انظر معاني الفراء 2/374.

(5) انظر المحتسب 2/205، و البحر المحيط 7/314.

263

بالتخفيف و زعم الفراء أن معنى طََائِرُكُمْ مَعَكُمْ أي رزقكم و عملكم و بَلْ لخروج من كلام إلى كلام أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ ابتداء و خبر.

وَ جََاءَ مِنْ أَقْصَا اَلْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعى‏ََ و في موضع آخر رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى اَلْمَدِينَةِ يَسْعى‏ََ [القصص: 20]و المعنى واحد إلاّ أن حقّ الظروف أن تكون في آخر الكلام، و تقديمها مجاز. ألا ترى أن معنى: إنّ في الدار زيدا، إن زيدا في الدار، قََالَ يََا قَوْمِ اِتَّبِعُوا اَلْمُرْسَلِينَ .

اِتَّبِعُوا مَنْ لاََ يَسْئَلُكُمْ أَجْراً هذا يدلّ على إعادة الفعل وَ هُمْ مُهْتَدُونَ محمول على معنى «من» .

و قرأ الأعمش و حمزة وَ مََا لِيَ لاََ أَعْبُدُ بإسكان الياء و هذه ياء النفس تفتح و تسكّن، إذا كان ما قبلها متحرّكا فالفتح لأنها اسم فكره أن يكون اسم على حرف واحد ساكنا، و الإسكان لاتصالها بما قبلها، و موضع لاََ أَعْبُدُ موضع نصب على الحال.

إِنْ يُرِدْنِ اَلرَّحْمََنُ بِضُرٍّ شرط و مجازاة، و علامة الجزم فيه حذف الضمة من الدال و حذفت الياء التي قبل الدال لالتقاء الساكنين. و القول في الياء التي بعد النون كما تقدّم من الفتح و الإسكان إلاّ أنك إذا أسكنتها حذفتها في الإدراج لالتقاء الساكنين و جواب الشرط لاََ تُغْنِ عَنِّي .

فأما ما روي عن عاصم أنه قرأ إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ بفتح النون فلحن لأنه في موضع جزم فإذا كسرت النون جاز لأنها النون التي تكون مع الياء لا نون الإعراب. قال أبو إسحاق: أشهد الرسل على إيمانه فقال: إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ .

264

قِيلَ اُدْخُلِ اَلْجَنَّةَ في الكلام حذف لعلم السامع و التقدير: فقتلوه فقيل: ادخل الجنة فلمّا رأى ما هو فيه من النعيم. قََالَ يََا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ .

بِمََا غَفَرَ لِي رَبِّي فيه ثلاثة أوجه: تكون «ما» مصدرا، و تكون بمعنى «الذي» ، و الثالث استفهاما، و هذا ضعيف لأن الأكثر في الاستفهام: بم غفر لي ربّي؟بغير ألف وَ جَعَلَنِي مِنَ اَلْمُكْرَمِينَ قال أبو مجلز: أي بإيماني و تصديقي الرسل. قال أبو إسحاق:

مِنَ اَلْمُكْرَمِينَ أي أدخلني الجنة.

وَ مََا أَنْزَلْنََا عَلى‏ََ قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ اَلسَّمََاءِ أي لم ينزل جندا من السماء ينتصرون له.

إِنْ كََانَتْ إِلاََّ صَيْحَةً وََاحِدَةً في «كانت» مضمر أي أن كانت عقوبتهم أو بليتهم إلاّ صيحة. قرأ أبو جعفر إن كانت إلاّ صيحة واحدة بالرفع. قال أبو حاتم: ينبغي ألا يجوز لأنه إنما يقال: ما جاءني إلاّ جاريتك، و لا يقال: ما جاءتني إلاّ جاريتك، لأن المعنى ما جاءني أحد إلا جاريتك أي فلو كان كما قرأ أبو جعفر لقال: إن كان إلا صيحة واحدة. قال أبو جعفر: لا يمتنع من هذا شي‏ء، يقال: ما جاءتني إلاّ جاريتك، بمعنى ما جاءتني امرأة أو جارية. و التقدير: بالرفع في القراءة ما قاله أبو إسحاق، قال:

المعنى إن كانت عليهم صيحة إلاّ صيحة واحدة و قدّره غيره بمعنى: ما وقعت إلاّ صيحة واحدة «و كان» بمعنى: وقع كثير في كلام العرب. و قرأ عبد الرحمن بن الأسود، و يقال: إنه في حرف عبد اللّه كذلك: إن كانت إلاّ زقية واحدة (1) . قال أبو جعفر: هذا مخالف للمصحف، و أيضا فإن اللغة المعروفة: زقا يزقو إذا صاح فكان يجب على هذا أن يكون إلاّ زقوة. قال قتادة: فَإِذََا هُمْ خََامِدُونَ أي هالكون.

يََا حَسْرَةً منصوب لأنه نداء نكرة لا يجوز فيه إلا النصب عند البصريين، و زعم الفراء أنّ الاختيار النصب و أنها لو رفعت النكرة الموصولة بالصفة لكان صوابا، و استشهد بأشياء منها أنه سمع من العرب: يا مهمّ بأمرنا لا تهتمّ. و أنشد: [الكامل‏]

____________

(1) انظر معاني الفراء 2/375، و مختصر ابن خالويه 125.

265

361-

يا دار غيّرها البلى تغييرا (1)

قال أبو جعفر: في هذا بطلان باب النداء أو أكثره لأنه يرفع النكرة المحضة و يرفع ما هو منزلة المضاف في طوله و يحذف التنوين متوسطا و يرفع ما هو في المعنى مفعول بغير علة أوجبت ذلك. فأما ما حكاه عن العرب فلا يشبه ما أجازه، لأن تقدير:

يا مهتمّ بأمرنا لا تهتمّ، على التقديم و التأخير، و المعنى: يا أيّها المهتم لا تهتمّ بأمرنا.

و تقدير البيت: يا أيّها الدار، ثم حوّل المخاطبة أي يا هؤلاء غير هذه الدار البلى، كما قال جلّ و عزّ: حَتََّى إِذََا كُنْتُمْ فِي اَلْفُلْكِ وَ جَرَيْنَ بِهِمْ [يونس: 22]. و كان أبو إسحاق يقول: بأن قوله جلّ و عزّ: يََا حَسْرَةً عَلَى اَلْعِبََادِ من أصعب ما في القرآن من المسائل، و إنما قال هذا لأن السؤال فيه أن يقال: ما الفائدة في نداء الحسرة؟قال أبو جعفر: و قد شرح هذا سيبويه بأحسن شرح، و مذهبه أن المعنى إذا قيل: يا عجباه فمعناه يا عجب هذا من أبانك، و من أوقاتك التي يجب أن تحضرها و المعنى على قوله إنه يجب أن تحضر الحسرة لهم على أنفسهم لاستهزائهم بالرسل، و في معنى الآية قول غريب إسناده جيد رواه الربيع بن أنس عن أبي العالية قال: لمّا رأى الكفار العذاب قالوا: يا حسرة على العباد، يعنون بالعباد الرسل الثلاثة الذين أرسلوا إليهم تحسروا على فواتهم إن لم يحضروا حتى يؤمنوا. قال اللّه تعالى: مََا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاََّ كََانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ [الحجر: 11].

أَ لَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنََا قَبْلَهُمْ مِنَ اَلْقُرُونِ أَنَّهُمْ قال الفراء (2) : «كم» في موضع نصب من وجهين: أحدهما بيروا، و استشهد على هذا القول بأنه في قراءة عبد اللّه بن مسعود ا لم يروا من أهلكنا ، و الوجه الآخر أن تكون «كم» في موضع نصب بأهلكنا. قال أبو جعفر: القول الأول محال لأن «كم» لا يعمل فيها ما قبلها لأنها استفهام، و محال أن يدخل الاستفهام في حيّز ما قبله، و كذا حكمها إذا كانت خبرا، و إن كان سيبويه قد أومأ إلى بعض هذا فجعل «أنّهم» بدلا من «كم» ، و قد ردّ عليه محمد بن يزيد هذا أشدّ ردّ، و قال: «كم» في موضع نصب بأهلكنا «و أنّهم» في موضع نصب. و المعنى عنده:

بأنهم أي ألم يروا كم أهلكنا قبلهم من القرون بالاستئصال.

____________

(1) الشاهد بلا نسبة في معاني الفراء 2/376، و قد ذكر سيبويه في الكتاب 2/203 البيت للأحوص الأنصاري باختلاف بسيط:

«

يا دار حسّرها البلى تحسيرا # و سفت عليها الريح بعدك مورا

»

(2) انظر معاني الفراء 2/376.

266

هذه إن الثقيلة في الأصل خفّفت فزال عملها في أكثر اللغات، و لزمتها اللام فرقا بينها و بين «إن» التي بمعنى «ما» . و قرأ الكوفيون‏ (1) وَ إِنْ كُلٌّ لَمََّا و فيه قولان:

أحدهما أنّ «لمّا» بمعنى إلا و «إن» بمعنى «ما» . حكى ذلك سيبويه‏ (2) في قولهم:

سألتك باللّه لمّا فعلت، و زعم الكسائي أنه لا يعرف هذا. و القول الآخر أن المعنى:

و إن كلّ لمن ما، و هذا قول الفراء (3) . قال و حذفت ما، كما يقال علماء بنو فلان، أراد به: على الماء بنو فلان.

وَ آيَةٌ رفع بالابتداء، و الخبر «لَهُمُ» ، و يجوز أن يكون الخبر اَلْأَرْضُ اَلْمَيْتَةُ .

قال أبو إسحاق: و يقال: الميتة، و التخفيف أكثر.

لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَ مََا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ «ما» في موضع خفض على العطف أي و مما عملته أيديهم، و يجوز أن تكون «ما» نافية لا موضع لها أي و لم تعمله أيديهم فإذا كان بحذف الهاء كانت «ما» في موضع خفض، و حذف الهاء لطول الاسم، و يبعد أن تكون نافية.

قال أبو إسحاق: أي الأجناس من الحيوان و النبات.

وَ آيَةٌ لَهُمُ اَللَّيْلُ و علامة دالّة على توحيد اللّه.

وَ اَلشَّمْسُ تَجْرِي و يكون تقديره و آية لهم الشمس، و يجوز أن تكون الشمس مرفوعة بإضمار فعل يفسّره الثاني، و يجوز أن تكون مرفوعة بالابتداء.

____________

(1) انظر البحر المحيط 7/319، و معاني الفراء 2/376.

(2) انظر الكتاب 3/123.

(3) انظر معاني الفراء 2/376.

267

وَ اَلْقَمَرَ قَدَّرْنََاهُ مَنََازِلَ يكون تقديره: و آية لهم القمر، و يجوز أن يكون القمر مرفوعا بالابتداء. و قرأ الكوفيون وَ اَلْقَمَرَ بالنصب على إضمار فعل. و هو اختيار أبي عبيد، قال: لأن قبله فعلا و بعده فعلا مثله قبله «نسلخ» و بعده «قدّرناه» قال أبو جعفر:

أهل العربية جميعا فيما علمت على خلاف ما قال، منهم الفراء (1) ، قال: الرفع أعجب إليّ، و إنما كان الرفع عندهما أولى لأنه معطوف على ما قبله فمعناه: و آية القمر و الذي قاله: من أنّ قبله «نسلخ» فقبله ما أقرب إليه منه و هو يجري و قبله: و الشمس بالرفع، و الذي ذكره بعده و هو «قدّرناه» قد عمل في الهاء. و وجه ثان في الرفع يكون مرفوعا بالابتداء، و يقال: القمر ليس هو المنازل فكيف قال: قدّرنا منازل؟ففي هذا جوابان:

أحدهما أن تقديره: قدرناه ذا منازل مثل‏ وَ سْئَلِ اَلْقَرْيَةَ [يوسف: 82]. و التقدير الآخر: قدّرنا له منازل ثمّ حذف اللام، و كان حذفها حسنا لتعدّي الفعل إلى مفعولين مثل‏ وَ اِخْتََارَ مُوسى‏ََ قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً [الأعراف: 155].

رفعت الشمس بالابتداء، (2) و لا يجوز أن تعمل «لا» في معرفة. و قد تكلّم العلماء في معنى هذه الآية فقال: بعضهم معناها أن الشّمس لا تدرك القمر فيبطل معناه، و قيل: القمر في السماء الدنيا و الشمس في السماء الرابعة فهي لا تدركه. و أحسن ما قيل في معناه و أبينه مما لا يدفع أن سير القمر سير سريع فالشمس لا تدركه في السير.

وَ لاَ اَللَّيْلُ سََابِقُ اَلنَّهََارِ مما قد تكلموا فيه أيضا، و قال بعضهم: هذا يدلّ على أن النهار مخلوق قبل الليل و أن الليل لم يسبقه بالخلق، و قيل: لا يجوز أن يتقدّم أحدهما صاحبه؛ لأن وجود هذا عدم هذا و لا يقع فيهما القبل و البعد. و هذا قول أهل النظر، و قيل: كل واحد منهما يجي‏ء في وقته لا يسبق أحدهما صاحبه. قال أبو جعفر: حدّثنا محمد بن الوليد و علي بن سليمان عن محمد بن يزيد قال: سمعت عمارة بن عقيل بن بلال بن جرير يقرأ وَ لاَ اَللَّيْلُ سََابِقُ اَلنَّهََارِ فقلت ما هذا؟قال: أردت سابق النهار فحذفت التنوين لأنه أخفّ. قال أبو جعفر: يجوز أن يكون النهار منصوبا بغير تنوين و يكون التنوين حذف لالتقاء الساكنين.

هذه الآية من أشكل ما في السورة لقوله جلّ و عزّ حَمَلْنََا ذُرِّيَّتَهُمْ لأنهم هم المحمولون. فسمعت علي بن سليمان يقول: الضميران مختلفان و المعنى: و آية لأهل

____________

(1) انظر معاني الفراء 2/378.

(2) انظر تيسير الداني 149، و كتاب السبعة لابن مجاهد 540.

268

مكة أنّا حملنا ذريات قوم نوح في الفلك. و فيها قول آخر حسن، و هو أن يكون المعنى أن اللّه جلّ و عزّ خبّر بلطفه و امتنانه أنه خلق السفن يحمل فيها من يصعب عليه المشي و الركوب من الذريات و الصغار، و يكون الضميران على هذا متفقين.

وَ خَلَقْنََا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مََا يَرْكَبُونَ و الأصل: يركبونه حذفت الهاء لطول الاسم، و أنه رأس آية. و في معناه ثلاثة أقوال: مذهب مجاهد و قتادة و جماعة من أهل التفسير أنّ معنى «من مثله» للإبل، و القول الثاني أنه للإبل و الدواب و كل ما يركب، و القول الثالث أنه للسفن، و هذا أصحّها لأنه متصل الإسناد عن ابن عباس رواه محمد بن فضيل عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس وَ خَلَقْنََا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مََا يَرْكَبُونَ قال: خلق لهم سفنا أمثالها يركبون فيها. }و بغير هذا الإسناد أن ابن عباس احتجّ في أن هذا ليس للإبل بأن بعده وَ إِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلاََ صَرِيخَ لَهُمْ و هو حسن لأن بعده ما لا يجوز فيه إلا الرفع لأنّه معرفة و هو وَ لاََ هُمْ يُنْقَذُونَ و النحويون يختارون: لا رجل في الدار و لا زيد.

إِلاََّ رَحْمَةً مِنََّا قال الكسائي: هو نصب على الاستثناء، و قال أبو إسحاق: نصب لأنه مفعول له أي للرحمة وَ مَتََاعاً معطوف عليه. قال قتادة: إِلى‏ََ حِينٍ أي إلى الموت.

و في قوله جلّ و عزّ مََا يَنْظُرُونَ إِلاََّ صَيْحَةً وََاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَ هُمْ يَخِصِّمُونَ خمس قراءات‏ (1) : قرأ أبو عمرو و ابن كثير و هم يخصّمون بفتح الياء و الخاء و تشديد الصاد، و كذا روى ورش عن نافع. فأما أصحاب القراءات و أصحاب نافع سوى ورش فإنهم رووا عنه و هم يخصّمون بإسكان الخاء و تشديد الصاد على الجمع بين ساكنين و قرأ عاصم و الكسائي وَ هُمْ يَخِصِّمُونَ بكسر الخاء و تشديد الصاد، و قرأ يحيى بن وثاب و الأعمش و حمزة و هم يخصمون بإسكان الخاء و تخفيف الصاد، و في حرف أبيّ و هم يختصمون . قال أبو جعفر: القراءة الأولى و هم يخصّمون أبينها و الأصل: يختصمون فأدغمت التاء في الصاد فقلبت حركتها إلى الهاء، و إسكان الخاء

____________

(1) انظر تيسير الداني 149، و معاني الفراء 2/379، و كتاب السبعة لابن مجاهد 541.

269

لا يجوز لأنه جمع بين ساكنين و ليس أحدهما حرف مدّ و لين و إنما يجوز في مثل هذا إخفاء الحركة فلم يضبط كما لم يضبط عن أبي عمرو فَتُوبُوا إِلى‏ََ بََارِئِكُمْ [البقرة:

54]إلاّ من رواية من يضبط اللغة، كما روى سيبويه عنه أنه كان يختلس الحركة. فأما «يخصّمون» فالأصل فيه أيضا يختصمون فأدغمت التاء في الصاد ثم كسرت الخاء لالتقاء الساكنين. و زعم الفراء (1) : أن هذه القراءة أجود و أكثر، فترك ما هو أولى من إلقاء حركة التاء على الخاء و اجتلب لها حركة أخرى و جمع بين ياء و كسرة، و زعم أنه أجود و أكثر و كيف يكون أكثر و بالفتح قراءة أهل مكة و أهل البصرة و أهل المدينة. قال عكرمة في قوله جلّ و عزّ إِنْ كََانَتْ إِلاََّ صَيْحَةً وََاحِدَةً* [يس: 29]قال: هي النفخة الأولى في الصّور.

فَلاََ يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً روى الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: ينفخ في الصور و الناس في أسواقهم فمن جالب لقحة، و من ذارع ثوبا، و من مار في حاجة فَلاََ يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَ لاََ إِلى‏ََ أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ و ذكر الفراء (2) فيه قولين أحدهما لا يرجعون إلى أهليهم قولا، و القول الآخر لا يرجعون من أسواقهم إلى أهليهم.

وَ نُفِخَ فِي اَلصُّورِ في معناه قولان: قال قتادة: «الصّور» جمع صورة أي نفخ في الصّور الأرواح، و صورة و صور مثل سورة البناء و سور. قال العجاج: [الرجز] 362-

فربّ ذي سرادق محجور # سرت إليه في أعالي السّور (3)

و قد روي عن ابن هرمز أنه قرأ وَ نُفِخَ فِي اَلصُّورِ (4) فهذا لا إشكال فيه. فأما «الصّور» بإسكان الواو فالصحيح فيه أنه القرن جاء بذلك الحديث و التوقيف عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم و ذلك معروف في كلام العرب. أنشد أهل اللغة (5) : [الرجز] 363-

نحن نطحناهم غداة الغورين # بالضّابخات في غبار النقعين

نطحا شديدا لا كنطح الصّورين‏

____________

(1) انظر معاني الفراء 2/379.

(2) انظر معاني الفراء 2/380.

(3) الشاهد للعجاج في ديوانه 341، و الكتاب 4/162، و شرح الشواهد للشنتمري 2/232.

(4) انظر المحتسب 2/212.

(5) البيت الأول و الثالث بلا نسبة في لسان العرب (صور) ، و ديوان الأدب 3/315، و تفسير غريب القرآن لابن قتيبة 26.

270

قََالُوا يََا وَيْلَنََا منصوب على أنه نداء مضاف أي من أيّامك و من ابّانك، و يجوز أن يكون منصوبا على معنى المصدر، و يكون المنادى محذوفا على أن الكوفيين يقدّرونه «وي لنا» منفصلة فإذا قيل لهم فلم قلتم: ويل زيد؟ففتحتم اللام و هي لام خفض و لم قلتم ويل له؟فضممتم اللام و نونتموها ثم حكيتم: ويل زيد بالضم غير منوّن اعتلّوا بعلل لا تصحّ. قال أبو جعفر: و سنذكرها إن شاء اللّه فيما يستقبل. مَنْ بَعَثَنََا مِنْ مَرْقَدِنََا يقال: كيف قالوا هذا و هم من المعذّبين في قولكم في قبورهم؟فالجواب أن أبيّ بن كعب قال: ناموا نومة. و قال أبو صالح: إذا نفخ النفخة الأولى رفع العذاب عن أهل القبور، و هجعوا هجعة إلى النفخة الثانية و بينهما أربعون سنة فذلك قولهم: مَنْ بَعَثَنََا مِنْ مَرْقَدِنََا . قال مجاهد: أي فيقول لهم المؤمنون هََذََا مََا وَعَدَ اَلرَّحْمََنُ و قال قتادة: فقال لهم من هدى اللّه هََذََا مََا وَعَدَ اَلرَّحْمََنُ و قال الفراء: أي فقال لهم الملائكة هََذََا مََا وَعَدَ اَلرَّحْمََنُ . قال أبو جعفر: و هذه الأقوال متفقة لأن الملائكة من المؤمنين و ممن هدى اللّه و قرأ مجاهد و يروى عن ابن عباس يََا وَيْلَنََا مَنْ بَعَثَنََا . قال أبو جعفر: و على هذا يتأوّل قول اللّه جلّ و عزّ: إِنَّ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصََّالِحََاتِ أُولََئِكَ هُمْ خَيْرُ اَلْبَرِيَّةِ [البينة: 7]و كذا الحديث «المؤمن عند اللّه خير من كلّ ما خلق» (1)

و يجوز أن يكون الملائكة صلّى اللّه عليهم و غيرهم من المؤمنين قالوا «هذا ما وعد الرحمن» ، و التمام على هذا «من مرقدنا» «و هذا» في موضع رفع بالابتداء و خبره «ما وعد الرحمن» و يجوز أن يكون «هذا» في موضع خفض على النعت لمرقدنا فيكون التمام «من مرقدنا هذا» و يكون «ما وعد الرحمن» في موضع رفع من ثلاث جهات ذكر أبو إسحاق منها اثنتين، قال: يكون بإضمار «هذا» ، و الثانية: أن يكون بمعنى حق ما وعد الرحمن، و قال أبو جعفر: و الثالثة: أن يكون بمعنى بعثكم ما وعد الرحمن.

فَإِذََا هُمْ جَمِيعٌ مبتدأ و خبره و جميع نكرة و مُحْضَرُونَ من نعته.

قال عبد اللّه بن مسعود و ابن عباس: شغلهم بافتضاض العذارى، و قال أبو قلابة:

بينما الرجل من أهل الجنة مع أهله إذ قيل له تحول إلى أهلك فيقول: أنا مع أهلي مشغول فيقال له: تحوّل أيضا إلى أهلك، و قيل: أصحاب الجنة في شغل بما هم فيه

____________

(1) أخرجه ابن ماجة في سننه باب 6-الحديث رقم (3947) .

271

من اللذات و النعيم عن الاهتمام بأهل المعاصي و مصيرهم إلى النار و ما هم فيه من أليم العذاب و إن كانوا أقوياء هم و أهليهم. و قرأ الكوفيون فِي شُغُلٍ (1) بضم الشين و الغين، و عن مجاهد فِي شُغُلٍ و حكى أبو حاتم: أنّ هذا يروى عن أبي عمرو بن العلاء أنه قرأ به و هي لغات بمعنى واحد و يقال: شغل بفتح الشين و إسكان الغين فََاكِهُونَ خبر إنّ، و عن طلحة بن مصرف أنه قرأ فاكهين (2) نصبه على الحال.

مبتدأ و خبره، و يجوز أن يكون هم توكيدا وَ أَزْوََاجُهُمْ عطفا على المضمر و مُتَّكِؤُنَ نعتا لقوله فاكهون.

الدال الثانية مبدلة من تاء لأنه يفتعلون من دعاء.

سَلاََمٌ مرفوع عن البدل من «ما» ، و يجوز أن يكون «ما» نكرة و «سلام» نعتا لها أي و لهم ما يدّعون مسلّم و يجوز أن يكون «ما» رفعا بالابتداء سَلاََمٌ خبرا عنها. و في قراءة عبد اللّه بن مسعود سلاما (3) يكون مصدرا. و إن شئت في موضع الحال أي و لهم الذي يدّعون مسلّما و قَوْلاً مصدر أي نقوله قولا يوم القيامة، و يجوز أن يكون معناه قال اللّه جلّ و عزّ هذا قولا.

و يقال: تميّزوا و انمازوا.

أَ لَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ و يقال: أعهد بكسر الهاء يكون من عهد يعهد. قال أبو إسحاق: و يجوز أن يكون عهد يعهد مثل حسب يحسب. أَنْ لاََ تَعْبُدُوا اَلشَّيْطََانَ قال الكسائي: «لا» للنهي.

____________

(1) انظر تيسير الداني 149، و البحر المحيط 7/327.

(2) و هذه قراءة الأعمش أيضا، انظر البحر المحيط 7/327.

(3) انظر البحر المحيط 7/327.

272

وَ أَنِ اُعْبُدُونِي من كسر النون فعلى الأصل، من ضم كره كسرة بعدها ضمة.

وَ لَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاًّ هذه قراءة أهل المدينة و العاصمين، و قرأ الحسن و ابن أبي إسحاق و عيسى و عبد اللّه بن عبيد بن عمير و النضر بن أنس وَ لَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاًّ (1)

بضم الجيم و الباء و تشديد اللام، قرأ ابن كثير و الكوفيون إلا عاصما جِبِلاًّ (2) بضم الجيم و الباء و تخفيف اللام، و قرأ أبو عمرو جِبِلاًّ (3) بضم الجيم و إسكان الباء و تخفيف اللام و قرأ أبو يحيى و الأشهب العقيلي جِبِلاًّ بكسر الجيم و إسكان الباء و تخفيف اللام. قال أبو جعفر: فهذه خمس قراءات أبينها القراءة الأولى الدليل على ذلك أنهم قد أجمعوا على أن قرءوا وَ اَلْجِبِلَّةَ اَلْأَوَّلِينَ [الشعراء: 184]و يكون جبل جمع جبلّة. و الاشتقاق فيه كلّه واحد، و إنما هو من: جبل اللّه الخلق أي خلقهم و قد ذكرت قراءة سادسة و هي وَ لَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاًّ كَثِيراً (4) بالياء. أَ فَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ أي قد كنتم تعقلون، و هذا على جهة التوبيخ، و كذا «أ لم أعهد» أي قد عهدت.

وَ لَوْ نَشََاءُ لَطَمَسْنََا عَلى‏ََ أَعْيُنِهِمْ أي لو شئنا لأعميناهم في الدنيا عقوبة على عصيان اللّه جلّ و عزّ، و لكنا أخّرنا عقوبتهم إلى يوم القيامة. فَاسْتَبَقُوا اَلصِّرََاطَ أي فبادروا الطريق إلى منازلهم في أول ما يعمون ليلحقوا بأهليهم.

وَ لَوْ نَشََاءُ لَمَسَخْنََاهُمْ عَلى‏ََ مَكََانَتِهِمْ أي لو نشاء لمسخناهم في الموضع الذي اجترءوا فيه على معصية اللّه عزّ و جلّ. فَمَا اِسْتَطََاعُوا مُضِيًّا أي فلم يستطيعوا أن يهربوا. وَ لاََ يَرْجِعُونَ إلى أهليهم، و حكى الكسائي: طمس يطمس و يطمس. وَ لَوْ نَشََاءُ لَمَسَخْنََاهُمْ على مكانتهم يقال: مكان و مكانة و دار و دارة. و حكى ابن الأعرابي أنّ العرب تقول: في جمع مكان أمكنة و مكنات و أنّ منه حديث النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم: «أقرّوا الطير على مكناتها» (5) . قال أبو جعفر: مكنات جمع مكنة، و مكنة و مكان بمعنى واحد. و قد تكلّم الناس في معنى هذا الحديث فقال: بعض الناس لا تنفروها بالليل و لا تصطادوها إلاّ أن الشافعي رحمه اللّه فسّره لسفيان بن عيينة على غير هذا، قال: كانت العرب تزجر

____________

(1) انظر البحر المحيط 7/328، و تيسير الداني 150.

(2) انظر البحر المحيط 7/328، و تيسير الداني 150.

(3) انظر البحر المحيط 7/328، و تيسير الداني 150.

(4) انظر البحر المحيط 7/328، و قال هي قراءة علي بن أبي طالب و بعض الخراسانيين.

(5) انظر اللسان (مكن) .

273

الطير في مكناتها إذا أرادوا الحاجة يتفاءلون بها و يتطيّرون فنهاهم النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم عن ذلك فقال: «أقروا الطّير على مكناتها» أي لا تزجروها فإن الأمور تجري على ما قضى اللّه جلّ و عزّ. و قد روي عن عبد اللّه بن سلام غير هذا في تأويل هذه الآية و تأولها على أنها يوم القيامة. قال: إذا كان يوم القيامة و مدّ الصراط نادى مناد ليقم محمد صلّى اللّه عليه و سلّم و أمته فيقومون برّهم و فاجرهم فيتبعونه ليجاوزوا الصراط فإذا صاروا عليه طمس اللّه جلّ و عزّ أعين فجارهم فاستبقوا الصراط فمن أين يبصرونه حتى يجاوزوه ثم ينادي ليقم عيسى صلّى اللّه عليه و سلّم و أمته فيقومون برهم و فاجرهم فتكون سبيلهم تلك السبيل، و كذلك سائر الأنبياء صلوات اللّه عليهم.

وَ مَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي اَلْخَلْقِ (1) قال أبو إسحاق: يبدل من القوة ضعفا، و من الشباب هرما. و عاصم و الأعمش و حمزة يقرءون نُنَكِّسْهُ (2) على التكثير و التخفيف يقع للقليل و الكثير بمعنى واحد.

وَ مََا عَلَّمْنََاهُ اَلشِّعْرَ و قد صحّ عنه صلّى اللّه عليه و سلّم أنه قال: [الرجز] 364-

أنا النّبيّ لا كذب # أنا ابن عبد المطّلب‏

فتكلّم العلماء في هذا فقال بعضهم: إنما الرواية بالإعراب فإن كانت بالإعراب لم تكن شعرا لأنه إذا فتح الباء من البيت الأول أو ضمّها أو نوّنها و كسر الباء من البيت الثاني خرج عن وزن الشعر، و قال بعضهم: ليس هذا الوزن من الشعر. قال أبو جعفر:

و هذا مكابرة العيان لأن أشعار العرب على هذا قد رواها الخليل و غيره. و من حسن ما قيل في هذا قول أبي إسحاق: إنّ معنى وَ مََا عَلَّمْنََاهُ اَلشِّعْرَ أي و ما علّمناه أن يشعر أي ما جعلناه شاعرا، و هذا لا يمنع أن ينشد شيئا من الشعر، و قد قيل إنما خبر اللّه عزّ و جلّ ما علّمه الشعر، و لم يخبر أنّه لا ينشد شعرا، و هذا ظاهر الكلام. و قد قيل فيه قول بين زعم صاحبه أنه إجماع من أهل اللغة، و ذلك أنهم قالوا: كل من قال قولا موزونا لا يقصد به إلى شعر فليس بشعر و إنما وافق الشعر، و هذا قول بيّن. وَ مََا يَنْبَغِي لَهُ قال أبو إسحاق: أي و ما يتسهّل له، و تأويله على معنى و ما يتسهّل قول الشعر لا الإنشاد إِنْ هُوَ إِلاََّ ذِكْرٌ أي ما الذي أنزلنا إليك إِلاََّ ذِكْرٌ وَ قُرْآنٌ مُبِينٌ .

____________

(1) انظر تيسير الداني 150.

(2) انظر تفسير الطبري 10/102.

274

لتنذر من كان حيّا... هذه قراءة أهل المدينة (1) ، و مال إليها أبو عبيد، قال:

و الشاهد لها «إنّما أنت منذر» و قراءة أبي عمرو و أهل الكوفة لِيُنْذِرَ يكون معناها لينذر اللّه جلّ و عزّ، أو لينذر القرآن، أو لينذر محمد صلّى اللّه عليه و سلّم. و قرأ محمد بن السميفع اليماني لِيُنْذِرَ مَنْ كََانَ حَيًّا قال جويبر عن الضحاك: «من كان حيّا» أي من كان مؤمنا أي لأن المؤمن بمنزلة الحيّ في قبوله ما ينفعه وَ يَحِقَّ اَلْقَوْلُ عَلَى اَلْكََافِرِينَ أي يحقّ عليهم أن اللّه جلّ و عزّ يعذّبهم و إنما يحقّ عليهم هذا بعد كفرهم. و حكى بعض النحويين:

«لتنذر من كان حيّا» أي لتعلم من قولهم: نذرت بالقوم أنذر إذا علمت بهم فاستعددت لهم و حكي: و يحق القول على الكافرين بمعنى يوجب الحجة عليهم.

إن جعلت «ما» بمعنى الذي حذفت الهاء لطول الاسم، و إن جعلت «ما» مصدرا لم يحتج إلى إضمار الهاء. و واحد الأنعام نعم و النّعم مذكّر.

فَمِنْهََا رَكُوبُهُمْ روى هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أنها قرأت فمنها ركوبتهم (2) قال أبو جعفر: حكى النحويون الكوفيون أنّ العرب تقول: امرأة صبور و شكور بغير هاء، و يقولون: شاة حلوبة، و ناقة ركوبة لأنهم أرادوا أن يفرقوا بين ما كان له الفعل و بين ما كان الفعل واقعا عليه فحذفوا الهاء مما كان فاعلا، و أثبتوها فيما كان مفعولا، كما قال عنترة: [الكامل‏] 365-

فيها اثنتان و أربعون حلوبة # سودا كخافية الغراب الأسحم‏ (3)

فيجب على هذا أن يكون «ركوبتهم» فأما أهل البصرة فيقولون:

حذفت الهاء على النسب و الحجة للقول الأول ما رواه الجرمي عن أبي عبيدة قال: الركوبة تكون للواحدة و الجماعة، و الركوب لا يكون إلاّ للجماعة. فعلى هذا يكون على تذكير الجمع. و زعم أبو حاتم أنه لا يجوز «فمنها ركوبهم» بضم الراء لأنه مصدر و الرّكوب ما يركب و أجاز الفراء (4) : «فمنها ركوبهم» بضم الراء، كما تقول:

فمنها أكلهم، و منها شربهم.

____________

(1) انظر كتاب السبعة لابن مجاهد 544، و تيسير الداني 150.

(2) مرّ الشاهد رقم (274) .

(3) انظر مجاز القرآن 2/165.

(4) انظر معاني الفراء 2/381.

275

وَ لَهُمْ فِيهََا مَنََافِعُ وَ مَشََارِبُ لم ينصرفا، لأنهما من الجموع التي لا نظير لها في الواحد و لا يجمع.

هذه اللغة الفصيحة و من العرب من يأتي بأن فيقول: لعلّه أن ينصر.

لاََ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ يعني الآلهة، و جمعوا على جمع الآدميين لأنه أخبر عنهم بخبرهم وَ هُمْ يعني الكفار لَهُمْ الآلهة جُنْدٌ مُحْضَرُونَ قال الحسن: يمنعون منهم و يدفعون عنهم، و قال قتادة: يغضبون لهم.

فَلاََ يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ هذه هي اللغة الفصيحة. و من العرب من يقول: يحزنك إِنََّا بكسر الهمزة فيما بعد القول لأنه مستأنف.

قََالَ مَنْ يُحْيِ اَلْعِظََامَ وَ هِيَ رَمِيمٌ حذفت الضمة من الياء لثقلها، }و لا يجوز الإدغام لئلا يلتقي ساكنان و كذا قُلْ يُحْيِيهَا اَلَّذِي أَنْشَأَهََا أَوَّلَ مَرَّةٍ .

اَلَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ اَلشَّجَرِ اَلْأَخْضَرِ نََاراً فذكّر الشجر و من العرب من يقول:

الشجر الخضراء كما قال جلّ و عزّ: لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ‏`فَمََالِؤُنَ مِنْهَا اَلْبُطُونَ [الواقعة: 52، 53].

و حكي أن سلاما أبا المنذر قرأ أَ وَ لَيْسَ اَلَّذِي خَلَقَ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضَ بِقََادِرٍ عَلى‏ََ أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلى‏ََ (1) أي إن خلق السموات و الأرض أعظم من خلقهم، فالذي خلق السموات و الأرض يقدر على أن يبعثهم‏ (2) .

____________

(1) انظر البحر المحيط 7/333.

(2) انظر كتاب السبعة لابن مجاهد 544.

276

و قرأ الكسائي إنّما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون بالنصب عطفا على يقول.

قال سعيد عن قتادة: مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْ‏ءٍ مفاتح كل شي‏ء. قال أبو جعفر: ملكوتي و ملكوت في كلام العرب بمعنى ملك. و العرب تقول: «جبروتي خير من رحموتي» .

277

37 شرح إعراب سورة الصّافات‏

بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ

هذه قراءة أكثر القراء، و قرأ حمزة (1) بالإدغام فيهن. و هذه القراءة التي نفر منها أحمد بن حنبل لمّا سمعها. قال أبو جعفر: هي بعيدة في العربية من ثلاث جهات:

إحداهنّ أن التاء ليست من مخرج الصاد و لا من مخرج الزاي و لا من مخرج الذال، و لا هي من أخواتهن، و إنما أختاها الطاء و الدال، و أخت الزاي الصاد و السين، و أخت الذال الظاء و الثاء، و الجهة الثانية أن التاء في كلمة و ما بعدها في كلمة أخرى، و الجهة الثالثة أنك إذا أدغمت فقلت: و الصافات صفّا فجمعت بين ساكنين من كلمتين فإنما يجوز الجمع بين ساكنين في مثل هذا إذا كانا في كلمة واحدة نحو دابّة. و مجاز قراءة حمزة أن التاء قريبة المخرج من هذه الحروف «و الصافات» خفض بواو القسم و الواو بدل من الباء و التقدير: أحلف بالصّافات، و حقيقته بربّ الصافات فالزاجرات عطف، و كذا «فالتاليات» .

جواب القسم و أجاز الكسائي فتح أن في القسم.

رَبُّ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ خبر بعد خبر، و يجوز أن يكون بدلا من واحد، و يجوز أن يكون مرفوعا على إضمار مبتدأ، و حكى الأخفش: رَبُّ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ وَ مََا بَيْنَهُمََا وَ رَبُّ اَلْمَشََارِقِ بالنصب على النعت لاسم «إنّ» .

____________

(1) انظر تيسير الداني 150.

278

هذه قراءة الحسن و أهل المدينة و يحيى بن وثاب و هي المعروفة من قراءة أبي عمرو، و حكى يعقوب القارئ أن أبا عمرو و الأعمش قرءا بزينة الكواكب (1) بتنوين زينة و نصب الكواكب. و هي المعروفة من قراءة عاصم، و أما حمزة فقرأ بِزِينَةٍ اَلْكَوََاكِبِ (2) بتنوين زينة و خفض الكواكب، و قراءة رابعة تجوز و هي بزينة الكواكب (3) بتنوين زينة و رفع الكواكب فالقراءة الأولى بِزِينَةٍ اَلْكَوََاكِبِ بحذف التنوين من زينة للإضافة، و هي قراءة بيّنة حسنة أي إنّا زيّنّا السماء الدنيا بتزيين الكواكب أي بحسنها، و قرأه عاصم بتنوين زينة و نصب الكواكب فيها ثلاثة أقوال: أحداهنّ أن تكون الكواكب منصوبة بوقوع الفعل عليها أي بأنا زينا الكواكب، كما تقول: عجبت من ضرب زيدا. و قال اللّه عزّ و جلّ: أَوْ إِطْعََامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ`يَتِيماً [البلد: 14] إلاّ أن هذا أحسن للتفريق، و القول الثاني أن يكون التقدير: أعني الكواكب، و القول الثالث ذكره أبو إسحاق أن يكون الكواكب بدلا من زينة على الموضع لأن موضعها نصب و قراءة حمزة بِزِينَةٍ اَلْكَوََاكِبِ على بدل المعرفة من النكرة.

وَ حِفْظاً نصب على المصدر و الفعل محذوف، و هو معطوف على «زينا» . مِنْ كُلِّ شَيْطََانٍ مََارِدٍ نعت لشيطان. و كلّ عات من الجنّ و الإنس فهو شيطان، فالعرب تسميه شيطانا.

لاََ يَسَّمَّعُونَ إِلَى اَلْمَلَإِ اَلْأَعْلى‏ََ هذه قراءة أهل المدينة و أبي عمرو و عاصم، و قرأ سائر الكوفيين لا يسمعون (4) على أن الأصل: يتسمّعون فأدغمت التاء في السين لقربها منها. و مال أبو عبيد إلى هذه القراءة و احتجّ في ذلك أنّ العرب لا تكاد تقول: سمعت إليه، و لكن تسمعت إليه، قال: فلو كان «يسّمّعون الملأ» بغير «إلى» لكان مخفّفا. قال أبو جعفر: يقال: سمعت منه كلاما و سمعت إليه يقول كذا و معنى سمعت إليه: أملت سمعي إليه. فأما قوله: لو كان يسمعون الملأ، فكأنه غلط، لأنه لا يقال: سمعت زيدا، و تسكت إنما تقول: سمعت زيدا يقول كذا و كذا فيسمعون إلى الملأ على هذا أبين. و قد روى الأعمش عن مجاهد عن ابن عباس: لاََ يَسَّمَّعُونَ إِلَى اَلْمَلَإِ اَلْأَعْلى‏ََ قال: هم لا يسمعون و هم يتسمّعون. و هذا قول بيّن وَ يُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جََانِبٍ .

____________

(1) انظر معاني الفراء 2/382، و تيسير الداني 150، و البحر المحيط 7/338.

(2) انظر معاني الفراء 2/382، و تيسير الداني 150، و البحر المحيط 7/338.

(3) انظر معاني الفراء 2/382، و تيسير الداني 150، و البحر المحيط 7/338.

(4) انظر تيسير الداني 151.

279

دُحُوراً مصدر، و قرأ أبو عبد الرحمن السلمي دُحُوراً (1) بفتح الدال يجعله مصدرا على فعول بمنزلة القبول و أما الفراء فقدّره على أنه اسم الفاعل أي و يقذفون بما يدحرهم أي بدحور ثم حذف الباء و الكوفيون يستعملون هذا كثيرا، كما أنشدوا لجرير:

[الوافر] 366-

تمرّون الدّيار و لم تعوجوا # كلامكم عليّ إذا حرام‏ (2)

قال أبو جعفر: و سمعت علي بن سليمان يقول: سمعت أبا العباس محمد بن يزيد يقول: قرأت على عمارة بن عقيل بن بلال بن جرير «مررتم بالديار» .

إِلاََّ مَنْ خَطِفَ اَلْخَطْفَةَ فيه لغات قد قرئ ببعضها، و هي غير مخالفة للخطّ يقال:

إذا أخذ الشي‏ء بسرعة خطف و خطف و خطّف و خطّف و خطّف و الأصل المشدّدات اختطف فأدغمت التاء في الطاء لأنها أختها و فتحت الخاء، لأن حركة التاء ألقيت عليها و من كسرها فلالتقاء الساكنين، و من كسر الطاء أتبع الكسر الكسر. فَأَتْبَعَهُ شِهََابٌ ثََاقِبٌ نعت لشهاب. قال أبو إسحاق: يقال: تبعه و أتبعه إذا مضى في أثره و شهاب و شهب، و القياس في القليل أشهبة و إن لم يسمع من العرب، و حكى الأخفش سعيد: في الجمع شهب ثقب و ثواقب و ثقاب، و حكى الكسائي: ثقب يثقب ثقابة و ثقوبا.

فَاسْتَفْتِهِمْ أَ هُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمْ مَنْ خَلَقْنََا «من» بمعنى الذين و المعنى: أم الذين خلقناهم و قد تقدّم ذكر الملائكة و غيرهم إِنََّا خَلَقْنََاهُمْ مِنْ طِينٍ لاََزِبٍ . و حكى الفراء عن العرب طين لاتب‏ (3) بمعناه أي لازق.

هذه قراءة أهل المدينة و أبي عمرو و عاصم، و قرأ الكوفيون إلاّ عاصما بَلْ عَجِبْتَ (4) بضم التاء و إليها يذهب أبو عبيد، و احتجّ بقول اللّه جلّ و عزّ وَ إِنْ تَعْجَبْ

____________

(1) انظر البحر المحيط 7/339، و معاني الفراء 2/833.

(2) مرّ الشاهد رقم (263) .

(3) انظر معاني الفراء 2/384.

(4) انظر تيسير الداني 151، و كتاب السبعة لابن مجاهد 547.

280

فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ [الرعد: 5]و لا حجة فيه. و معناه على ما قاله أبو حاتم: و إن تعجب فلك في قولهم عجب و لمن سمعه و فيه عجب. و القراءة بضم التاء مروية عن علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه و عن ابن مسعود رحمه اللّه رواها شعبة عن الأعمش عن أبي وائل عن عبد اللّه بن مسعود أنه قرأ بَلْ عَجِبْتَ بضم التاء و يروى عن ابن عباس قال أبو جعفر: سمعت علي بن سليمان يقول: معنى القراءتين واحد، و التقدير: قل: يا محمد بل عجبت لأن النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم مخاطب بالقرآن، و هذا قول حسن. وَ يَسْخَرُونَ بالسين في السواد، و يجوز في غير القرآن عند الخليل رحمه اللّه أن يقال: «صخرت منه» بالصاد، و لغة شاذة «سخرت به» بالياء.

أي يستدعون السّخريّ و «إذا» في موضع نصب بإضمار فعل قبلها، و لا يعمل فيها ما بعدها. و حكى الكسائي: دخر يدخر دخورا.

فَإِنَّمََا هِيَ زَجْرَةٌ وََاحِدَةٌ و الجمع زجرات بتحريك الجيم فرقا بين الاسم و النعت.

وَ قََالُوا يََا وَيْلَنََا منصوب على أنه مصدر عند البصريين، و زعم الفراء أن تقديره يا وي لنا. و وي بمعنى: حزن و لو كان كما قال لكان منفصلا و هو في المصحف متصل، و لا نعلم أحدا يكتبه إلاّ متصلا فزاد الكوفيون على هذا، فحكى بعضهم لغات شتّى أنه يقال: ويل للشيطان، و ويلا للشيطان، و ويل للشيطان، و ويل الشيطان، و ويل الشيطان، و ويل الشيطان. فأما ويل للشيطان فبيّن لا نظر فيه، و ويلا للشيطان جائز بمعنى: ألزمه اللّه ويلا، و أما ويل للشيطان فشاذّ و هو مشبّه بالأصوات. فأما ويل الشيطان فهو عند البصريين منصوب على معنى ألزمه اللّه ويلا أيضا، و قال الفراء: لمّا كثر استعمالهم إيّاه جعلوه بمنزلة اسم ضمّ إلى اسم، كما قالوا: يا لبكر، و هي لام الخفض، و من قال: ويل الشيطان جاء به على الأصل، و من قال: ويل الشيطان فالأصل عنده ويل للشيطان ثم حذف لكثرة اللامات كما قرئ‏ إِنَّ وَلِيِّيَ اَللََّهُ اَلَّذِي نَزَّلَ اَلْكِتََابَ [الأعراف: 196]بمعنى إنّ وليّي اللّه فحذف لكثرة الياءات. قال أبو جعفر:

لا تعرف هذه القراءة و لكن قرأ عاصم الجحدري إنّ وليّ اللّه الذي نزّل الكتاب بمعنى إنّ وليّ اللّه الذي نزّل الكتاب جبريل صلّى اللّه عليه و سلّم الذي نزّل الكتاب ثمّ أقيم النعت مقام المنعوت. هََذََا يَوْمُ اَلدِّينِ ابتداء و خبر. قال أبو جعفر: قال الضحاك و عطية العوفي: أي هذا يوم الحساب.

281

«الذي» في موضع رفع على النعت لليوم و يجوز أن يكون في موضع خفض على النعت للفصل.

اُحْشُرُوا اَلَّذِينَ ظَلَمُوا وَ أَزْوََاجَهُمْ معطوف على «الذين» . و واحدهم زوج قال سفيان عن سماك عن النعمان عن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه قال: وَ أَزْوََاجَهُمْ قرناؤهم و هو مبيّن في حديث شريك عن سماك عن النعمان قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول في قول اللّه جلّ و عزّ: اُحْشُرُوا اَلَّذِينَ ظَلَمُوا وَ أَزْوََاجَهُمْ قال: الزاني مع الزاني، و شارب الخمر مع شارب الخمر، و صاحب السرقة مع صاحب السرقة. و قال سفيان عن أبيه عن المسيب بن رافع عن ابن عباس «احشروا الذين ظلموا و أزواجهم» قال:

أشباههم. قال أبو جعفر: و هذه الأقوال لا تدفع لجلالة قائلها و أنها معروفة في اللغة يقال: هذا زوج هذا أي قرينه و شبهه، و من هذا قيل للرجل: زوج المرأة و للمرأة زوج الرجل و قيل للخفّين: زوجان لأن كل واحد منهما زوج لصاحبه، و لا يقال للاثنين إلا زوجان. و قال سعيد عن قتادة اُحْشُرُوا اَلَّذِينَ ظَلَمُوا وَ أَزْوََاجَهُمْ ، }قال: الكفار مع الكفار. وَ مََا كََانُوا يَعْبُدُونَ‏`مِنْ دُونِ اَللََّهِ قال الأصنام فَاهْدُوهُمْ إِلى‏ََ صِرََاطِ اَلْجَحِيمِ يقال: هديته إلى الطريق و هديته الطريق أي دللته عليه، و أهديت الهديّة و هديت العروس و يقال أهديتها أي جعلتها بمنزلة الهدية.

و حكى عيسى بن عمر أنهم بفتح الهمزة. قال الكسائي: أي لأنهم و بأنهم.

في موضع نصب على الحال.

قال قتادة مستسلمون في عذاب اللّه.

وَ أَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى‏ََ بَعْضٍ يَتَسََاءَلُونَ فربما توهم الجاهل أن هذا من قول جلّ و عزّ: فَلاََ أَنْسََابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَ لاََ يَتَسََاءَلُونَ [المؤمنون: 101]و ليس منه في شي‏ء؛ لأن قوله جلّ و عزّ فَلاََ أَنْسََابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَ لاََ يَتَسََاءَلُونَ إنما هو لا يتساءلون بالأرحام فيقول أحدهم:

282

أسألك بالرحم التي بيني و بينك إمّا نفعتني أسقطت حقّا لك عليّ أو وهبت لي حسنة لأن قبله: فلا أنساب بينهم أي ليس ينتفعون بالأنساب التي بينهم كما جاء بالحديث «إنّ الرجل يوم القيامة ليسرّ بأن يصحّ له على أبيه أو على ابنه حقّ فيأخذه منه لأنها الحسنات و السيئات» (1) ، و في حديث آخر «رحم اللّه امرأ كانت لأخيه عنده مظلمة في مال أو عرض فأتاه فاستحلّه قبل أن يطلبه به فيأخذ من حسناته فإن لم تكن له حسنات زيد عليه من سيئات المطالب» 2و «يتساءلون» هاهنا إنما هو أن يسأل بعضهم بعضا و يوبّخه في أنه أضلّه أو فتح له بابا من المعصية يبيّن ذلك أنّ بعده إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنََا عَنِ اَلْيَمِينِ قال سعيد عن قتادة: أي تأتونا عن طريق الخير و تصدّوننا، و عن ابن عباس نحو منه، و قيل: تأتوننا عن اليمين من الجهة التي نحبّها و ننقاد إليها و تغرّونا بذاك. و العرب تتفاءل لما كان على اليمين، و تسميه السانح و قيل: تأتوننا مجي‏ء من إذا حلف لنا صدّقناه.

قال قتادة: هذا قول للشياطين لهم.

سُلْطََانٍ في موضع رفع لأن «من» زائدة للتوكيد. بَلْ كُنْتُمْ قَوْماً طََاغِينَ أي متزايدين في الكفر، و طغى الماء إذا زاد.

فَحَقَّ عَلَيْنََا قَوْلُ رَبِّنََا أي فحقّ علينا ما كتبه اللّه جلّ و عزّ، و ما أعلم به ملائكته صلوات اللّه عليهم أجمعين. و هذا موافق للحديث «إنّ اللّه جلّ و عزّ كتب للنار أهلا و للجنّة أهلا لا يزاد فيهم و لا ينقص منهم» (3) .

أي كنا سببا لغيّكم.

أي الضالّ و المضلّ، و لو كان في غير القرآن لجاز نصب مشتركين.

الكاف من كذلك في موضع نصب نعت لمصدر.

____________

(1) انظر تفسير القرطبي 15/74.

(2) أخرجه الترمذي في صفة القيامة 9/254.

(3) أخرجه الترمذي في سننه في التفسير 11/195، و ابن ماجة في سننه في المقدمة الحديث رقم (82) .

283

يكون يستكبرون في موضع نصب على خبر كان، و يجوز أن يكون في موضع رفع على أنه خبر «إنّ» و كان ملغاة.

الأصل لذائقون حذفت النون استخفافا، و خفضت للإضافة، و يجوز النصب، كما أنشد سيبويه: [المتقارب‏] 367-

فألفيته غير مستعتب # و لا ذاكر اللّه إلاّ قليلا (1)

و أجاز سيبويه‏ وَ اَلْمُقِيمِي اَلصَّلاََةِ [الحج: 35]على هذا.

نصب على الاستثناء.

فَوََاكِهُ بدل من رزق.

قال عكرمة: لا ينظر بعضهم في قفا بعض، و يجوز سرر لثقل الضمة مع التضعيف.

روي عن ابن عباس قال: الخمر، و عن مجاهد قال: هي خمر بيضاء، و قال الضحاك: كل كأس في القرآن فهي خمر، و حكي من يوثق به من أهل اللغة أنّ العرب تقول للقدح إذا كان فيه خمر: كأس فإن لم يكن فيه خمر فهو قدح، كما يقال للخوان إذا كان عليه طعام: مائدة فإن لم يكن عليه طعام لم يقل له مائدة. قال أبو الحسن بن كيسان: و مثله ظعينة للهودج إذا كانت فيه امرأة. قال أبو إسحاق: بكأس من معين:

خمر تجري العيون على وجه الأرض.

قال: و لَذَّةٍ بمعنى ذات لذّة.

____________

(1) مرّ الشاهد رقم (73) .

284

لاََ فِيهََا غَوْلٌ و يقال بمعناه: غيلة و غائلة، و هو ما يؤذي الإنسان من الصداع أو غيره وَ لاََ هُمْ عَنْهََا يُنْزَفُونَ قراءة أهل المدينة و أهل البصرة و عاصم، و قرأ سائر الكوفيين إلاّ عاصما يُنْزَفُونَ (1) بكسر الزاي. قال أبو جعفر: و القراءة الأولى أبين و أصحّ في المعنى لأن معنى «ينزفون» عند جلّة أهل التفسير منهم مجاهد لا تذهب عقولهم فنفى اللّه جلّ و عزّ عن خمر الجنة الآفات التي تلحق في الدنيا من خمرها من الصداع و السكر. فأما معنى «ينزفون» فالصحيح فيه أنه يقال: أنزف الرجل إذا نفد شرابه، و هذا يبعد أن يوصف به شراب أهل الجنة، و لكن مجازه أن يكون بمعنى لا ينفذ أبدا.

عن ابن عباس و مجاهد و محمد بن كعب قالوا: قصرن طرفهنّ على أزواجهن فلا يبغين غيرهم، و قال عكرمة: قاصرات الطرف أي محبوسات على أزواجهن و التفسير الأول أبين لأنه ليس في الآية مقصورات موضع آخر حُورٌ مَقْصُورََاتٌ [الرحمن:

72]من قول العرب امرأة قصيرة و مقصورة إذا حبست على زوجها. عِينٌ جمع عيناء و الأصل فيه فعل فكسرت العين لئلا تنقلب الياء واوا.

قال مطر الوراق: أي بيض محضون أي لم توسّخه الأيدي. قال أبو جعفر:

هكذا تقول العرب إذا وصفت الشي‏ء بالحسن و النظافة كأنه بيض النّعام المغطّى بالريش.

فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى‏ََ بَعْضٍ يَتَسََاءَلُونَ و إدغام التاء في السين جائز في العربية. }قال الأخفش: إنما سأل عن صاحبه ثم أخبر فقال إِنِّي كََانَ لِي قَرِينٌ قال سعد بن مسعود:

و شريكه قرينه، و هما رجلان من بني إسرائيل اشتركا في تجارة فربحا ستة آلاف دينار، فأخذ كل واحد منهما ثلاثة آلاف دينار، فافترقا فلقي أحدهما صاحبه فقال له: هل علمت أني تزوجت امرأة من أفضل نساء بني إسرائيل بألف دينار؟فمضى صاحبه فأخذ ألف دينار تصدّق بها على المساكين و الفقراء و قال: اللّهمّ إنّ صاحبي تزوّج امرأة يموت عنها، و يكبر و تفارقه، و أني أسألك أن تنكحني امرأة من نساء أهل الجنّة بهذه الألف،

____________

(1) انظر تيسير الداني 151، و كتاب السبعة لابن مجاهد 547.

285

ثم إنّ صاحبه لقيه فقال له: هل علمت أني اشتريت مسكنا من أفضل مساكن بني إسرائيل بألف دينار؟فمضى صاحبه فتصدّق بألف دينار على الفقراء و المساكين و قال:

اللّهم إني اشتريت منك مسكنا من مساكن أهل الجنّة بهذه الألف دينار، ثمّ لقي صاحبه فقال: هل علمت أني اشتريت جنة من أفضل جنة بني إسرائيل بألف دينار فصرت من أفضلهم بزوجتي و مسكني و جنتي؟فمضى صاحبه فتصدّق بالألف الباقي على الفقراء و المساكين و قال: اللهم إنّي قد اشتريت منك جنة الخلد بهذا الألف، ثمّ إنّ صاحبه الذي اكترى أجراء لجنّته فإذا هو بصاحبه فيهم فعرفه فدعا به فقال له أشحّ هذا أم أفسدت ملكك فحدّثه بالقصة، فقال له: أ تتوهّم أنك ستبعث ثم تدان بما علمت أنك لمغرور و إنّ هذا لباطل، ففيهما أنزل اللّه جلّ و عزّ «قََالَ قََائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كََانَ لِي قَرِينٌ» إلى‏ مِنَ اَلْمُحْضَرِينَ .

قال أبو جعفر: التقدير أَ إِنَّكَ لَمِنَ اَلْمُصَدِّقِينَ بأنّا مدينون أي محاسبون مجاوزون بأعمالنا ثم حذفت الياء و كسرت «إنّ» ، لأن في خبرها اللام، و لا يجوز أنك لمن المصدّقين لأنه لا معنى للصدقة هاهنا.

و حكي هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ (1) . قال أبو إسحاق: يقال: طلع، و أطلع بمعنى واحد، و قد حكي: هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ بكسر النون و هي لحن لا يجوز لأنه جمع بين النون و الإضافة، و لو كان مضافا لكان هل أنتم مطلعيّ، و إن كان سيبويه و الفراء حكيا مثله، و أنشدا: [الطويل‏] 368-

هم القائلون الخير و الآمرونه # إذا ما خشوا من محدث الأمر معظما (2)

و إنشاد الفراء «و الفاعلونه» و أنشد سيبويه وحده: [الطويل‏] 369-

و لم يرتفق و النّاس محتضرونه # جميعا و أيدي المعتفين رواهقه‏ (3)

و أنشد الفراء وحده: [الوافر] 370-

و ما أدري و ظنّي كلّ ظنّ # أ مسلمني إلى قومي شراح‏ (4)

____________

(1) انظر البحر المحيط 7/344، و المحتسب 2/219.

(2) البيت بلا نسبة في أمالي ابن الحاجب 1/392، و الكتاب 1/247، و خزانة الأدب 4/266، و الدرر 6/235، و شرح المفصّل 2/125، و لسان العرب (طلع) ، و (حين) ، و (ها) ، و مجالس ثعلب 1/ 150، و همع الهوامع 2/157.

(3) البيت بلا نسبة في الكتاب 1/248، و خزانة الأدب 4/266، و شرح المفصّل 2/125، و المقرّب 1/ 125، و الكامل 371.

(4) الشاهد ليزيد بن محرم الحارثي في شرح شواهد المغني 2/770، و الدرر 1/212، و المقاصد النحوية 1/385، و بلا نسبة في الأشباه و النظائر 3/243، و تذكرة النحاة 422، و رصف المباني 363، و لسان العرب (شرحل) ، و المحتسب 2/220، و مغني اللبيب 2/345، و المقرّب 1/125، و همع الهوامع 1/65.

286

أما البيتان اللذان أنشدهما سيبويه و شركه الفراء في أحدهما فلا يعرف من قالهما و لا تثبت بهما حجّة، و لو عرف من قالهما لكانا شاذين خارجين عن كلام العرب و ما كان هكذا لم يحتجّ به في كتاب اللّه جلّ و عزّ، و لا يدخل في الفصيح.

و أما البيت الذي أنشده الفراء فالقول فيه ما حكاه أبو إسحاق قال: أنشدنا محمد بن يزيد «أ أسلمني» و زعم الفراء أنه يريد بشراح شراحيل. و هذا من أقبح الضرورات أن يرخّم في غير النداء و إنما لم يجز «هل أنتم مطلعون» بكسر النون لأنه جاء إلى ما لا ينفصل مما قبله بالنون و هذا ما لا وجه له، و هذا قول من يوثق به من النحويين منهم محمد بن يزيد، و هو أيضا قول الفراء غير أنه أفسده بعد ذلك فقال: ضاربني مشبّه بيضربني.

و حكي فَاطَّلَعَ فَرَآهُ (1) و فيه قولان: أحدهما أن يكون فعلا مستقبلا أي فأطلع أنا، و يكون منصوبا على أنه جواب الاستفهام، و القول الثاني على أن يكون فعلا ماضيا و يكون أطلع و اطلع واحدا فَرَآهُ فِي سَوََاءِ اَلْجَحِيمِ عن عبد اللّه بن مسعود قال: في وسطها و الحسك حواليه.

قال الكسائي: أي لثهّلكني، و قال محمد بن يزيد: لو قيل: لتردين لتوقعني في النار لكان جائزا.

ما بعد لو لا مرفوع بالابتداء عند سيبويه و الخبر محذوف. قال الفراء: أي لكنت معك في النار محضرا.

} إِلاََّ مَوْتَتَنَا اَلْأُولى‏ََ يكون استثناء ليس من الأول، و يكون مصدرا لأنه منعوت.

يكون هو مبتدأ، و ما بعده خبرا عنه، و الجملة خبر «إنّ» و يجوز أن يكون هو فاصلا.

____________

(1) انظر البحر المحيط 7/345، و معاني الفراء 2/386.

287

و الأصل ليعمل بكسر اللام، فحذفت الكسرة لثقلها. و التقدير-و اللّه جلّ و عزّ أعلم-فليعمل العاملون لمثل هذا فإن قال قائل: فالفاء في العربية تدلّ على أن الثاني بعد الأول فكيف صار ما بعدها ينوى به التقديم؟فالجواب أنّ التقديم كمثل التأخير لأنّ حقّ حروف الخفض و ما معها أن تكون متأخرة.

أَ ذََلِكَ خَيْرٌ مبتدأ و خبره نُزُلاً على البيان و المعنى أ نعيم أهل الجنة خير نزلا أم شجرة الزقوم خير نزلا و النزل في اللغة الرزق الذي له سعة و كذا النّزل و النزل إلاّ أنه يجوز أن يكون النزل بإسكان الزاي لغة، و يجوز أن يكون أصله النّزل فحذفت الضمة لثقلها، و منه: أقيم للقوم نزلهم. و اشتقاقه أنه الغذاء الذي يصلح أن ينزلوا معه، و يقيموا فيه. و شجرة الزقوم مشتقّة من التزقّم، و هو البلع على الجهد و الشدّة، فقيل لها شجرة الزقوم لأنهم يبتلعونها على جهد و تقف في حلوقهم لكراهيتها و نتنها.

مفعولان.

إِنَّهََا شَجَرَةٌ خبر «إن» و لا يجوز حذف الألف من «إنها» كما حذفت الواو من إنه لثقل الواو و خفة الألف. تَخْرُجُ فِي أَصْلِ اَلْجَحِيمِ خبر بعد خبر مثل‏ كَلاََّ إِنَّهََا لَظى‏ََ `نَزََّاعَةً لِلشَّوى‏ََ [المعارج: 16]و يجوز أن يكون تخرج نعتا للشجرة.

طَلْعُهََا مبتدأ، و خبره في الجملة أو تجعل الكاف بمعنى مثل فتكون خبرا.

فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهََا دخلت اللام للتوكيد، }و كذا لَشَوْباً حكى الفراء شاب طعامه و شرابه إذا خلطهما بشي‏ء سواهما يشوبهما شوبا و شابة.

قال الفراء (1) : الإهراع الإسراع فيه شبيه بالرعدة، و قال محمد بن يزيد: المهرع

____________

(1) انظر معاني الفراء 2/387.

288

المستحب يقال: جاء فلان يهرع إلى النار إذا استحثّه البرد إليها، و حكى أبو إسحاق:

هرع و أهرع جميعا.

وَ لَقَدْ نََادََانََا نُوحٌ من النداء الذي هو استغاثة و دعاء. فَلَنِعْمَ اَلْمُجِيبُونَ قال الكسائي: فلنعم المجيبون له كنا.

وَ نَجَّيْنََاهُ وَ أَهْلَهُ عطف على الهاء.

وَ جَعَلْنََا ذُرِّيَّتَهُ مفعول أول و هُمُ زائدة تسمّى فاصلة اَلْبََاقِينَ مفعول ثان. فأما معنى وَ جَعَلْنََا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ اَلْبََاقِينَ فمن أحسن ما روي فيه ما ذكر عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن سعيد بن المسيّب في قوله جلّ و عزّ وَ جَعَلْنََا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ اَلْبََاقِينَ أنّ الناس كلّهم من ولد نوح صلّى اللّه عليه و سلّم، و أنهم كلّهم من ثلاثة أولاد لنوح سام و حام و يافث فالعرب يعني يمنيها و نزارها و الروم و الفرس من ولد سام، و السودان يعني أجناسهم من السند و الهند و الزغاوة و غيرهم و البربر و القبط من ولد حام، و الصقالب و الترك و يأجوج و مأجوج من ولد يافث. و الخير في ولد سام. قال أبو جعفر: صرفت نوحا و ساما و إن كانت أسماء أعجمية لأنها على ثلاثة أحرف فخفّت. هذا الصحيح، و قد قيل إنها عربية مشتقة.

زعم الكسائي أن فيه تقديرين: أحدهما و تركنا عليه في الآخرين يقال: سلام على نوح أي تركنا عليه هذا الثناء، و هذا مذهب أبي العباس، قال: و العرب تحذف القول كثيرا. و القول الآخر أن يكون المعنى: و ألقينا عليه و تمّ الكلام ثم ابتدأ فقال: سلام على نوح. }قال الكسائي: و في قراءة ابن مسعود سلاما (1) منصوب بتركنا أي تركنا عليه ثناء حسنا.

أي يبقى عليهم الثناء الحسن، و الكاف في موضع نصب أي جزاء كذلك.

____________

(1) انظر البحر المحيط 7/349.

289

الواحد: آخر و الأصل فيه أن يكون معه «من» إلا أنها حذفت؛ لأن المعنى معروف لا يكون آخر و معه شي‏ء من جنسه.

نصب بإنّ.

قال عوف الأعرابي: سألت محمد بن سيرين: ما القلب السليم؟فقال: الناصح للّه في خلقه.

تكون «ما» في موضع رفع بالابتداء و «ذا» خبره، و يجوز أن تكون «ما» و «ذا» في موضع نصب بتعبدون.

أَ إِفْكاً نصب بتعبدون. قال أبو العباس محمد بن يزيد: و الإفك أسوأ الكذب و هو الذي لا يثبت و يضطرب، و منه ائتفكت بهم الأرض، آلِهَةً بدل من إفك.

فَمََا ظَنُّكُمْ مبتدأ و خبره.

يكون جمع نجم، و يكون واحدا مصدرا، و هذا قول الخليل أي فيما نجم له من الرأي.

عن ابن عباس قال: مريض، و قال الضحاك: أي مطعون فينحّوا عنه لئلا يعديهم. و صدق إبراهيم في هذا لأن كلّ أحد سيسقم بالموت، كما قال جلّ و عزّ إِنَّكَ مَيِّتٌ [الزمر: 30]فالمعنى إني سقيم فيما استقبل فتوهّموا أنه سقيم الساعة.

قال أبو جعفر: و هذا من معاريض الكلام.

نصب على الحال.

290

فَرََاغَ إِلى‏ََ آلِهَتِهِمْ فَقََالَ أَ لاََ تَأْكُلُونَ فخاطبها كما يخاطب من يعقل، لأنهم أنزلوها بتلك المنزلة في عبادتهم إياها، }و كذا «قال ألا تأكلون» متعجبا منها، و كذا مََا لَكُمْ لاََ تَنْطِقُونَ }و كذا فَرََاغَ عَلَيْهِمْ و لم يقل: عليها و لا عليهنّ ضَرْباً مصدر، }و قرأ مجاهد و يحيى بن وثاب و الأعمش فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ (1) بضم الياء و زعم أبو حاتم أنه لا يعرف هذه اللغة و قد عرفها جماعة من العلماء منهم الفراء و شبّهها بقولهم: أطردت الرجل، أي صيّرته إلى ذلك و طردته نحّيته. و أنشد هو و غيره: [الطويل‏] 371-

تمنّى حصين أن يسود جذاعه # فأضحى حصين قد أذلّ و أقهرا (2)

أي صيّر إلى ذلك فكذا «يزفّون» يصيرون إلى الزفيف. قال محمد بن يزيد:

الزفيف: الإسراع، و قال أبو إسحاق: الزفيق: أول عدو النعام. قال أبو حاتم: و زعم الكسائي أنّ قوما قرءوا فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ (3) من وزف يزف مثل وزن يزن فهذه حكاية أبي حاتم، و أبو حاتم لم يسمع من الكسائي شيئا. و روى الفراء (4) و هو صاحب الكسائي عن الكسائي أنه لا يعرف «يزفون» مخفّفة. قال الفراء: و أنا لا أعرفها. قال أبو إسحاق:

و قد عرفها غيرهما أنه يقال: و زف يزف إذا أسرع، و لا أعلم أحدا قرأ «يزفون» .

و يقال: نحت ينحت و ينحت؛ لأنه فيه حرف من حروف الحلق.

«ما» في موضع نصب أي: و خلق ما تعلمون، و يجوز أن يكون في موضع نصب بيعملون أي: و أيّ شي‏ء تعملون.

قال عبد اللّه بن عمرو بن العاص: فلمّا صار في البنيان قال: حسبي اللّه و نعم الوكيل.

و الأصل إنّني حذفت لاجتماع النونات.

____________

(1) انظر البحر المحيط 7/351.

(2) الشاهد للمخبل السعدي في ديوانه 294، و لسان العرب (قهر) و (جذع) ، و تهذيب اللغة 5/395، و تاج العروس (قهر) و (جذع) ، و بلا نسبة في مقاييس اللغة 5/35، و مجمل اللغة 4/128، و ديوان الأدب 2/299، و المخصّص 3/130.

(3) انظر معاني الفراء 2/389.

(4) انظر معاني الفراء 2/389.

291

أي صالحا من الصالحين و حذف مثل هذا كثير.

أي إنه يكون حليما في كبره.

قال أبو جعفر: فاختلف العلماء في المأمور بذبحه، فقال أكثرهم: الذبيح إسحاق فممن قال ذلك العباس بن عبد المطلب و ابنه عبد اللّه ذلك الصحيح عنه و رواه الثوري عن داود بن أبي هند عن عكرمة عن ابن عباس قال: المفديّ إسحاق. و روى الثوري و ابن جريج عن عبد اللّه بن عثمان بن خثيم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال:

الذبيح إسحاق، و هذا هو الصحيح عن عبد اللّه بن مسعود رواه شعبة عن أبي إسحاق عن أبي وائل عن عبد اللّه بن مسعود: أن رجلا قال: أنا ابن الأشياخ الكرام، فقال عبد اللّه: ذاك يوسف بن يعقوب بن إسحاق ذبيح اللّه ابن إبراهيم خليل اللّه، و قد روى حمّاد ابن زيد عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم قال: «إنّ الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم صلوات اللّه عليهم أجمعين» (1) . و روى أبو الزبير عن جابر قال: الذّبيح إسحاق، و ذلك مرويّ أيضا عن علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه و عبد اللّه بن عمر أنّ الذبيح إسحاق عليه السلام، فهؤلاء ستة من الصحابة و من التابعين و غيرهم منهم علقمة و الشّعبي و مجاهد و سعيد بن جبير و عبد اللّه بن أبي الهذيل و مالك بن أنس و كعب الأحبار قالوا: الذبيح إسحاق صلّى اللّه عليه و سلّم.

قال أبو جعفر: أما من قال: هو إسماعيل صلّى اللّه عليه و سلّم فأبو هريرة، و هو يروي عن ابن عمر ثم تكلّم العلماء بعد ذلك فمنهم من قال: نصّ التأويل يدلّ على أنه إسماعيل عليه السلام لأن اللّه جلّ و عزّ قال: وَ بَشَّرْنََاهُ بِإِسْحََاقَ نَبِيًّا [الصافات: 112]فكيف يأمره بذبحه و قد وعده أن يكون نبيا فهذا قد قيل، و ليس بقاطع و اللّه جلّ و عزّ أعلم لأن البشارة بنبوته في ما روي بشارة ثابتة بعد الأمر بذبحه ثوابا على ما كان منه. فأمّا وعده بأن يكون من إسحاق ابن، فكيف يأمره بذبحه فقد يجوز أن يكون ولد لإسحاق غير ولد لأنه قد بلغ السعي، فظاهر التنزيل يدلّ على أن الذبيح إسحاق؛ لأنه أخبر جلّ و عزّ أنه فدى الغلام الحليم الذي بشر به إبراهيم حين قال: هَبْ لِي مِنَ اَلصََّالِحِينَ فإذا كان

____________

(1) أخرجه أحمد في مسنده 8/86.

292

المفدّى هو المبشّر به و قد بيّن أن الذي بشر به هو إسحاق و من وراء إسحاق يعقوب، و أن كلّ موضع من القرآن ذكر بتبشيره إياه بولد فهو إسحاق نبيا أي بتبشيره إياه بقوله فبشرناه بغلام حليم إنما هو إسحاق، فأما اعتلال من اعتلّ بأن قرني الكبش كانا معلّقين في الكعبة فليس يمتنع أن يكون حمل من الشام إلى مكّة على أن جماعة من العلماء قد قالوا كان الأمر بالذبح. فأما قوله: إِنِّي أَرى‏ََ فِي اَلْمَنََامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مََا ذََا تَرى‏ََ فمن المشكل و قد تكلّم العلماء في معناه فقال بعضهم: كان إبراهيم صلّى اللّه عليه و سلّم أمر إذا رأى رؤيا فيها كذا و كذا أن يذبح ابنه و استدلّ صاحب هذا القول بأنها في قراءة ابن مسعود إنّي أرى في المنام أفعل ما أمرت به فهذه قراءة على التفسير دالّة على أنه أمر بهذا قبل إذ كان مما لا يؤتى مثله برؤيا، و قال صاحب هذا القول: و قد ذبحه إبراهيم صلّى اللّه عليه و سلّم لأن معنى ذبحت الشي‏ء قطعته، و ليس هذا مما يجوز أن ينسخ بوجه. و استدلّ عليه بقول مجاهد: قال إسحاق لإبراهيم عليهما السلام: لا تنظر إلى وجهي و ترحمني، و لكن اجعل وجهي إلى الأرض فأخذ إبراهيم السكين فأمرّها على خلفة فانقلبت فقال له: ما لك؟فقال: انقلبت السكين، قال: اطعنّي بها طعنة ففعل، ثم فداه اللّه جلّ و عزّ. قال ابن عباس: فداه اللّه بكبش قد رعى في الجنّة أربعين سنة. و قال الحسن: ما فدى اللّه إسماعيل إلاّ بتيس من الأروى أهبط عليه من ثبير. قال أبو إسحاق: يقال إنه فدي بوعل، و الوعل: التيس الجبليّ؛ و أهل التفسير على أنه فدي بكبش. فَانْظُرْ مََا ذََا تَرى‏ََ أي ماذا تأتي به من رأيك. و قرأ أهل الكوفة إلاّ عاصما فَانْظُرْ مََا ذََا تَرى‏ََ (1) .

قال الفراء (2) : المعنى: فانظر ما ذا تري من صبرك أو جزعك، و أما غيره فقال: معناه ما ذا تشير و أنكر أبو عبيد «تري» ، و قال: إنما يكون هذا من رؤية العين خاصّة، و كذا قال أبو حاتم. قال أبو جعفر: و هذا غلط هذا يكون من رؤية العين و غيرها و هو مشهور يقال: أريت فلانا الصواب، و أريته رشده، و هذا ليس من رؤية العين. قََالَ يََا أَبَتِ اِفْعَلْ مََا تُؤْمَرُ و القول الآخر في رؤيا إبراهيم صلّى اللّه عليه و سلّم أنه لم يعزم على ذبحه من أجل الرّؤيا، و إنما أضجعه ينظر الأمر ألا ترى أنه قال: يا أبت افعل ما تؤمر أي إن أمرت بشي‏ء فافعله.

فَلَمََّا أَسْلَمََا قال قتادة: أسلم أحدهما للّه جلّ و عزّ نفسه و أسلم الآخر ابنه. وَ تَلَّهُ لِلْجَبِينِ يقال: كبه و حوّل وجهه إلى القبلة، و جواب لمّا محذوف عند البصريين أي فلمّا أسلما سعدا و أجزل لهما الثواب. }و قال الكوفيون: الجواب نََادَيْنََاهُ و الواو زائدة.

____________

(1) انظر تيسير الداني 151، و البحر المحيط 7/355.

(2) انظر معاني الفراء 2/390.

293

قال أبو جعفر: و الواو من حروف المعاني فلا يجوز أن تزاد. }و في قراءة ابن مسعود فلما سلّما و ناديناه أن يا إبراهيم قد صدّقت الرؤيا (1) أي فعلت ما أمرت به، و ما رأيته في النوم.

إِنََّا كَذََلِكَ نَجْزِي اَلْمُحْسِنِينَ أي نجزيهم بالخلاص من الشدائد في الدنيا و الآخرة.

أي النعمة الظاهرة يقال: أبلاه اللّه بلاء و إبلاء إذا نعم عليه، و قد يقال: بلاه قال زهير: [الطويل‏] 372-

جزى اللّه بالإحسان ما فعلا بكم # و أبلاهما خير البلاء الّذي يبلو (2)

فزعم قوم أنه جاء باللغتين، و قال آخرون: بل الثاني من بلاه يبلوه إذا اختبره و لا يقال في الاختبار إلاّ بلاه يبلوه، و لا يقال من الابتلاء بلاه. و أصل هذا كلّه من الاختبار لأن الاختبار يكون بالخير و الشرّ. قال جلّ و عزّ وَ نَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَ اَلْخَيْرِ فِتْنَةً [الأنبياء: 35]و قال ابن زيد: هذا في البلاء الذي نزل به في أن يذبح ابنه، قال: و هذا من البلاء المكروه.

الذبح اسم المذبوح و جمعه ذبوح، و الذبح بالفتح المصدر.

و روى الثوري عن داود بن أبي هند عن عكرمة عن ابن عباس في قول اللّه جلّ و عزّ وَ بَشَّرْنََاهُ بِإِسْحََاقَ نَبِيًّا مِنَ اَلصََّالِحِينَ قال: بشّر بنبوّته، و ذهب إلى أنّ البشارة به كانت مرتين.

وَ بََارَكْنََا عَلَيْهِ وَ عَلى‏ََ إِسْحََاقَ أي ثبتنا عليهما النعمة.

قال أبو إسحاق: في معنى وَ نَجَّيْنََاهُمََا وَ قَوْمَهُمََا مِنَ اَلْكَرْبِ اَلْعَظِيمِ من الغرق الذي لحق آل فرعون.

وَ نَصَرْنََاهُمْ موسى و هارون و قومهما، و ذهب الفراء (3) إلى أنه لموسى و هارون وحدهما و اعتلّ بأن الاثنين جمع.

____________

(1) انظر البحر المحيط 7/355، و المحتسب 2/222.

(2) انظر ديوانه ص 109، و اللسان (بلا) .

(3) انظر معاني الفراء 2/390.

294

روى أبو إسحاق عن عبيدة بن ربيعة عن عبد اللّه بن مسعود قال: إسرائيل هو يعقوب و إلياس: هو إدريس، و قيل: هو الخضر قال الفراء: إن أخذت إلياس من الأليس صرفته.

روى الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس أَ تَدْعُونَ بَعْلاً .

قال صنما، و روى عطاء بن السائب عن عكرمة عن ابن عباس «أَ تَدْعُونَ بَعْلاً» قال: ربّا. قال أبو جعفر: القولان صحيحان أي تدعون صنما عملتموه ربّا. «أَ تَدْعُونَ» بمعنى أ تسمّون، حكى ذلك سيبويه وَ تَذَرُونَ أَحْسَنَ اَلْخََالِقِينَ .

بالنصب قراءة الربيع بن خثيم و الحسن و ابن أبي إسحاق و يحيى بن وثاب و الأعمش و حمزة و الكسائي و إليها يذهب أبو عبيد و أبو حاتم، و حكى أبو عبيد: أنها على النعت. قال أبو جعفر: و هذا غلط و إنما هو البدل و لا يجوز النعت هاهنا لأنه ليس بتحلية، و قرأ ابن كثير و أبو عمرو و عاصم و أبو جعفر و شيبة و نافع الله ربكم بالرفع.

قال أبو حاتم: بمعنى هو اللّه ربّكم. قال أبو جعفر: و أولى مما قال إنه مبتدأ و خبر بغير إضمار و لا حذف، و رأيت علي بن سليمان يذهب إلى أن الرفع أولى و أحسن لأن قلبه رأس آية فالاستئناف أولى.

قراءة الأعرج و شيبة و نافع و فيها قراءتان أخريان: قرأ عكرمة و أبو عمرو و حمزة و الكسائي سلام على إلياسين (1) و قرأ الحسن سلام على الياسين (2) بوصل الألف كأنها «ياسين» دخلت عليها الألف و اللام للتعريف. فمن قرأ سلام على آل ياسين كأنه و اللّه أعلم جعل اسمه «الياس» و «ياسين» ثم سلّم على آله أي أهل دينه و من كان على مذهبه و علم أنه إذا سلم على آله من أجله فهو داخل في السلام، كما قال النبي صلّى اللّه عليه و سلّم «صلّ على آل أبي أوفى» (3) و قال جلّ و عزّ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ اَلْعَذََابِ [غافر: 46]فأما «الياسين» فللعلماء فيها غير قول روى هارون عن ابن أبي إسحاق

____________

(1) انظر البحر المحيط 7/358، و كتاب السبعة لابن مجاهد 549، و تيسير الداني 151.

(2) انظر البحر المحيط 7/358، و كتاب السبعة لابن مجاهد 549، و تيسير الداني 151.

(3) أخرجه أبو داود في سننه-الزكاة رقم الحديث (1590) ، و ابن ماجة في سننه الزكاة رقم الحديث (1796) .

295

قال: إلياسين مثل إبراهيم يذهب إلى أنه اسم له و أبو عبيد (1) يذهب إلى أنه جمع جمع التسليم على أنه و أهل مذهبه يسلّم عليهم، و أنشد: [الرجز] 373-

قدني من نصر الخبيبين قدي‏ (2)

و إنما يريد أبا خبيب عبد اللّه بن الزبير فجمعه على أن من كان على مذهبه داخل معه، و غير أبي عبيدة يرويه «الخبيبين» على التثنية يريد عبد اللّه و مصعبا. قال أبو جعفر: و رأيت علي بن سليمان يشرحه بأكثر من هذا الشرح، قال: العرب تسمي قوم الرجل باسم الرجل الجليل منهم فيقولون: المهالبة على أنهم سمّوا كلّ واحد بالمهلّب، قال: فعلى هذا «سلام على الياسين» سمّى كل رجل منهم الياس. و قد ذكر سيبويه «في كتابه» (3) شيئا من هذا إلاّ أنه ذكر أن العرب تفعل هذا على وجه النسبة فيقولون: الأشعرون يريدون به النسب، و احتجّ أبو عبيدة في قراءته «سلام على الياسين» و أن اسمه كما أن اسمه الياس لأنه ليس في السورة «سلام على آل» لغيره من الأنبياء صلّى اللّه عليه، و كما سمّي الأنبياء، كذا سمي هو. و هذا الاحتجاج أصله لأبي عمرو بن العلاء و هو غير لازم لأنّا قد بيّنا قول أهل اللغة أنّه إذا سلم على آله من أجله فهو مسلم عليه و القول بأنّ اسمه الياس و الياسين يحتاج إلى دليل و رواية فقد وقع في الأمر إشكال كان الأولى اتباع الخط الذي في المصحف و في المصحف «سلام على آل ياسين» بالانفصال فهذا ما لا إشكال فيه. و للفراء (4) في هذا قول حسن ليس بالمشروع سنذكره و نشرحه إن شاء اللّه، و ذلك أنه شبهه بقول اللّه جلّ و عزّ وَ شَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنََاءَ [المؤمنون: 20]و قال جلّ و عزّ: وَ طُورِ سِينِينَ [التين: 2]. قال و هما بمعنى واحد و موضوع واحد و شرح هذا أن الياس اسم أعجمي و الأسماء الأعجمية إذا وقعت إلى العرب غيّرتها بضروب من التغيير فيقولون إبراهيم و إبراهيم و إبرهام هكذا أيضا سيناء و سنين و الياس و الياسين و يس في قراءة «سلام على آل ياسين» بمعنى واحد.

إِلاََّ عَجُوزاً نصب على الاستثناء}و مُصْبِحِينَ نصب على الحال.

وَ بِاللَّيْلِ عطف على المعنى أي في الصبح و في الليل.

لم ينصرف لأنه اسم أعجميّ و لو كان عربيا لانصرف، و إن كانت في أوله الياء لأنه

____________

(1) انظر مجاز القرآن 2/172.

(2) مرّ الشاهد رقم (279) .

(3) انظر الكتاب 3/454.

(4) انظر معاني الفراء 2/391.

296

ليس في الأفعال يفعل، كما أنك إذا سمّيت بيعفر صرفته و إن سمّيته بيعفر لم تصرفه.

إِذْ أَبَقَ قال محمد بن يزيد: أصل أبق تباعد و منه: غلام آبق و أبق و قال غيره:

إنما قيل يونس أبق لأنه خرج لغير أمر اللّه جلّ و عزّ مستترا من الناس. إِلَى اَلْفُلْكِ اَلْمَشْحُونِ قال الفراء: (1) الفلك يذكّر و يؤنّث و يذهب به إلى معنى الجميع، و قال غيره:

إذا ذهب به إلى معنى الجمع فهو جمع فلك مثل: وثن و وثن.

فَسََاهَمَ قال محمد بن يزيد: فقارع قال: و أصله من السّهام التي تجال فَكََانَ مِنَ اَلْمُدْحَضِينَ أي من المغلوبين به. قال الفراء (2) : يقال: دحضت حجّته و أدحضها اللّه و أصله من الزلق.

من ألام إذا أتى بما يجب أن يلام عليه مثل: أحمق فهو محمق، فأما الملوم فهو الذي يلام استحق ذلك أو لم يستحق.

قال الكسائي: لم يكسر «أنّ» لدخول اللام لأن اللام ليست لها. قال أبو جعفر:

و الأمر كما قال إنما اللام في جواب لو لا و عن ابن مسعود و ابن عباس «فلو لا أنه كان من المسبحين» قالا أي من المصلين. قال قتادة: كان يصلّي قبل ذلك فحفظ اللّه جل و عز له ذلك فنجاه. }قال الربيع بن أنس: لو لا أنه كان قبل ذلك له عمل صالح لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى‏ََ يَوْمِ يُبْعَثُونَ قال: و مكتوب في الحكمة أن العمل الصالح يرفع ربّه إذا عشر.

قال سعيد بن جبير: لما قال لا إله إلا أنت سبحانك أنّي كنت من الظالمين قذفه الحوت.

مما يسأل عنه يقال: خبّر اللّه جلّ و عزّ هاهنا أنه نبذ بالعراء و قال جلّ و عزّ لَوْ لاََ أَنْ تَدََارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرََاءِ وَ هُوَ مَذْمُومٌ [القلم: 49]فالجواب أن اللّه جلّ و عزّ خبّر هاهنا أنه نبذه بالعراء و هو غير مذموم و لو لا نعمة اللّه جلّ و عزّ عليه لنبذه بالعراء و هو مذموم. و حكى الأخفش في جمع سقيم: سقمي و سقامى و سقام.

____________

(1) انظر معاني الفراء 2/393.

(2) انظر معاني الفراء 2/393.

297

جمع يقطينة قال محمد بن يزيد: يقال لكلّ شجرة ليس لها ساق يفترش ورقها على الأرض: يقطينة نحو الدبّاء و البطيخ و الحنظل فإن كان لها ساق يقلّها فهي شجرة فقط، و إن كانت قائمة أي بغير ورق مفترش فهي نجمة و جمعها نجم.

قال أبو جعفر: قد ذكرت حديث ابن عباس أنه قال: كانت الرسالة بعد ما نبذه الحوت و ليس له طريق إلاّ عن شهر بن حوشب، و أجود منه إسنادا، و أصحّ ما حدّثناه علي بن الحسين قال: حدّثنا الحسن بن محمد قال: حدّثنا عمرو العنقريّ قال: حدّثنا إسرائيل عن ابن إسحاق عن عمرو بن ميمون قال: حدّثنا عبد اللّه في بيت المال عن يونس النبي صلّى اللّه عليه و سلّم قال: إنّ يونس صلّى اللّه عليه و سلّم وعد قومه العذاب، و أخبرهم أنه يأتيهم إلى ثلاثة أيام ففرقوا بين كل والدة و ولدها، و خرجوا و جأروا إلى اللّه جلّ و عزّ، و استغفروا فكفّ اللّه جلّ و عزّ عنهم العذاب، و هذا يونس صلّى اللّه عليه و سلّم ينتظر العذاب فلم ير شيئا. و كان من كذب و لم تكن له بيّنة قتل، فخرج يونس صلّى اللّه عليه و سلّم مغاضبا فأتى قوما في سفينة فحملوه و عرفوه، فلما دخل السفينة ركدت السفينة، و السفن تسير يمينا و شمالا، فقالوا: ما لسفينتكم؟ قالوا: لا ندري، فقال يونس صلّى اللّه عليه: إنّ فيها عبدا آبقا من ربّه جلّ و عزّ و إنها لن تسير حتى تلقوه، قالوا: أما أنت يا نبيّ اللّه فإنّا لا نلقيك، قال: فاقترعوا فمن قرع فليقع فاقترعوا فقرعهم يونس صلّى اللّه عليه فأبوا أن يدعوه قالوا: فاقترعوا ثلاثا فمن قرع فليقع فاقترعوا فقرعهم يونس صلّى اللّه عليه ثلاث مرات أو قال ثلاثا فوقع. و قد وكل اللّه جلّ و عزّ به حوتا فابتلعه فمرّ يهوي به إلى قرار الأرض فسمع يونس صلّى اللّه عليه تسبيح الحصى فنادى في الظلمات أن لا إله إلاّ أنت سبحانك إني كنت من الظالمين قال: ظلمة اللّيل، و ظلمة البحر، و ظلمة بطن الحوت قال: فَنَبَذْنََاهُ بِالْعَرََاءِ وَ هُوَ سَقِيمٌ قال: كهيئة الفرخ الممعوط الذي ليس عليه ريش قال: و أنبت اللّه جلّ و عزّ عليه شجرة من يقطين فنبتت، فكان يستظلّ بها، فيبست، فبكى عليها، فأوحى اللّه جلّ و عزّ إليه أ تبكي على شجرة يبست و لا تبكي على مائة ألف أو يزيدون أردت أن تهلكهم؟قال: و خرج يونس صلّى اللّه عليه و سلّم فإذا هو بغلام يرعى فقال: يا غلام من أنت؟قال: من قوم يونس، قال: فإذا جئت إليهم فأخبرهم أنك قد لقيت يونس. قال له: إن كنت يونس فقد علمت أنه من كذب قتل إذا لم يكن له بيّنة فمن يشهد لي قال: هذه الشجرة و هذه البقعة، قال: فمرهما فقال لهما يونس صلّى اللّه عليه: إذا جاءكما هذا الغلام فاشهدا له، قالتا: نعم. فرجع الغلام إلى قومه، و كان في منعة، و كان له إخوة فأتى الملك، فقال: إنّي قد لقيت يونس، و هو يقرأ عليكم السلام قال: فأمر به أن يقتل،

298

فقالوا: إنّ له بينة فأرسلوا معه فأتى الشجرة و البقعة فقال لهما: نشدتكما باللّه جلّ و عزّ أشهدكما يونس صلّى اللّه عليه و سلّم قالتا: نعم، قال: فرجع القوم مذعورين. يقولون: شهدت له الشجرة و الأرض فأتوا الملك فأخبروه بما رأوا، قال عبد اللّه: فتناول الملك بيد الغلام فأجلسه في مجلسه فقال: أنت أحقّ بهذا المكان منّي، قال عبد اللّه: فأقام لهم ذلك الغلام أمرهم أربعين سنة. فقد تبيّن في هذا الحديث أن يونس صلّى اللّه عليه كان قد أرسل قبل أن يلتقمه الحوت بهذا الإسناد الذي لا يؤخذ بالقياس. و فيه أيضا من الفائدة أن قوم يونس صلّى اللّه عليه آمنوا و ندموا قبل أن يروا العذاب لأن فيه أنه أخبرهم أنه يأتيهم إلى ثلاثة أيام ففرقوا بين كلّ والدة و ولدها، و الفاء في اللغة تدلّ على أن الثاني يلي الأول فكان حكم اللّه جلّ و عزّ فيهم كحكمه في غيرهم في قوله جلّ و عزّ: فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمََانُهُمْ لَمََّا رَأَوْا بَأْسَنََا [غافر: 85]، و قال جلّ ثناؤه‏ وَ لَيْسَتِ اَلتَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ اَلسَّيِّئََاتِ حَتََّى إِذََا حَضَرَ أَحَدَهُمُ اَلْمَوْتُ [النساء: 18]الآية و قد قال بعض العلماء: إنهم رأوا مخايل العذاب فتابوا. قال أبو جعفر: و هذا لا يمتنع فأما قوله عزّ و جلّ: إِلاََّ قَوْمَ يُونُسَ [يونس: 98]فهو استثناء ليس من الأول. و قد ذكرنا معنى أَوْ يَزِيدُونَ و قول الفراء (1) أنها بمعنى «بل» ، و قول غيره أنها بمعنى الواو. و أنه لا يصحّ هذان القولان، لأن «بل» ليس هذا من مواضعها، لأنها للإضراب عن الأول و الإيجاب لما بعده. و تعالى اللّه عز و جل عن ذلك أو الخروج من شي‏ء إلى شي‏ء، و ليس هذا موضع ذلك. و الواو معناها خلاف معنى «أو» فلو كانت إحداهما بمعنى الأخرى لبطلت المعاني، و لو جاز ذلك لكان و أرسلناه إلى أكثر من مائة ألف أخصر، و في الآية قولان سوى هذين: أحدهما أنّ المعنى و أرسلناه إلى جماعة لو رأيتموهم لقلتم هم مائة ألف أو أكثر، و إنّما خوطب العباد على ما تعرفون، و القول الآخر أنه كما تقول: جاءني زيد أو عمرو، و أنت تعرف من جاءك منهما إلاّ أنك أبهمت على المخاطب.

و في قراءة ابن مسعود فآمنوا فمتعناهم حتى حين (2) و المعنى واحد.

فَاسْتَفْتِهِمْ قال أبو إسحاق: أي فاسألهم سؤال توبيخ و تقرير أَ لِرَبِّكَ اَلْبَنََاتُ وَ لَهُمُ اَلْبَنُونَ لأن معنى «فاستفتهم» فقل لهم.

إِنََاثاً جمع أنثى. قال أبو إسحاق: «أم» بمعنى: أبل. وَ هُمْ شََاهِدُونَ ابتداء و خبر في موضع الحال.

____________

(1) انظر معاني الفراء 2/393.

(2) انظر معاني الفراء 2/393.

299

أَلاََ إِنَّهُمْ «إنّ» بعد «ألا» مكسورة لأنها مبتدأة، و حكى سيبويه أنّها تكون بعد «أما» تكون مفتوحة و مكسورة فالفتح على أن تكون أما بمعنى حقا، و الكسر على أن يكون أما بمعنى ألا. قال أبو جعفر: و سمعت علي بن سليمان يقول: يجوز فتحها بعد «ألا» تشبيها بأما، فأمّا في الآية فلا يجوز إلاّ كسرها لأن بعدها اللام.

أَصْطَفَى اَلْبَنََاتِ عَلَى اَلْبَنِينَ استفهام فيه معنى التوبيخ. فأما ما روي‏ (1) عن أبي جعفر و شيبة و نافع أنّهم قرءوا وَ إِنَّهُمْ لَكََاذِبُونَ‏`أَصْطَفَى اَلْبَنََاتِ بوصل الألف فلا يصحّ عنهم، }و زعم أبو حاتم أنه لا وجه له لأن بعده مََا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ فالكلام جار على التوبيخ. قال أبو جعفر: هذه القراءة و إن كانت شاذة فهي تجوز من وجهتين إحداهما أن تكون تبيينا لما قالوا و يكون مََا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ منقطعا مما قبله، و الجهة الأخرى أنه قد حكى النحويون منهم الفراء أنّ التوبيخ يكون استفهاما و بغير استفهام، كما قال جلّ و عزّ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبََاتِكُمْ فِي حَيََاتِكُمُ اَلدُّنْيََا [الأحقاف: 20]و جعلوا بينه و بين الجنّة نسبا أكثر أهل التفسير على أن الجنّة هاهنا الملائكة و قال أهل الاشتقاق: قيل لهم: جنّة لأنهم لا يرون، و ثم قول آخر غريب رواه إسرائيل عن السّدّي عن أبي مالك قال: إنما قيل للملائكة جنّة لأنهم على الجنان، و الملائكة كلهم جنّة.

كسرت إنّ لدخول اللام.

إِلاََّ عِبََادَ اَللََّهِ نصب على الاستثناء. اَلْمُخْلَصِينَ من نعتهم.

أهل التفسير مجمعون فيما علمته على أن المعنى: ما أنتم بمضلّين أحدا إلاّ من قدّر اللّه جلّ و عزّ عليه أن يضلّ، فروى فضيل بن عياض عن منصور عن إبراهيم قال:

ليس بتابعكم على عبادة آلهتكم و عبادتكم إلاّ من كتب اللّه جلّ و عزّ عليه أن يصلى الجحيم. و روى عمر بن ذر عن عمر بن عبد العزيز رحمه اللّه ما أنتم بمضلّين إِلاََّ مَنْ

____________

(1) انظر البحر المحيط 7/361، و معاني الفراء 2/394.

300

هُوَ صََالِ اَلْجَحِيمِ . و عن ابن عباس: ما أنتم بمضلّين إلاّ من قدّر عليه أن يضلّ.

و روى أبو الأشهب جعفر بن حيان عن الحسن قال: يا بني إبليس ما أنتم بمضلّين أحدا من الناس إلاّ من قدّر اللّه عليه أن يضلّ. قال أبو جعفر: ففي هذه الآية ردّ على القدرية من كتاب اللّه جلّ و عزّ، و فيها من المعاني أنّ الشياطين لا يصلون إلى إضلال أحد إلاّ من كتب اللّه جلّ و عزّ عليه أنه لا يهتدي، و لو علم اللّه جلّ و عزّ أنّه يهتدي لحال بينه و بينهم. و على هذا قوله جلّ و عزّ وَ أَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَ رَجِلِكَ [الإسراء: 64] أي لست تصل منهم إلى شي‏ء إلاّ إلى ما في علمي. قال الفراء (1) : أهل الحجاز يقولون: فتنته، و أهل نجد يقولون: أفتنته.

و عن الحسن أنه قرأ إِلاََّ مَنْ هُوَ صََالِ اَلْجَحِيمِ (2) بضم اللام فجماعة من أهل العربية يقولون: لحن لأنه لا يجوز: هذا قاض فاعلم. قال أبو جعفر: و من أحسن ما قيل فيه ما سمعت من عليّ بن سليمان يقول. هو محمول على المعنى لأن معنى «من» جماعة فالتقدير: فيه صالون، فحذفت النون للإضافة و حذفت الواو لالتقاء الساكنين، و فيهما قول آخر: أن يكون على القلب فإذا قلب قيل: صايل ثم يحذف الياء فيقال:

صال كما يقال: شاك.

فيه تقديران عند أهل العربية: أحدهما و ما منا إلاّ من له و حذفت من و هذا مذهب الكوفيين، و فيه ما لا خفاء فيه من حذف الموصول، و القول الآخر أنّ المعنى: و ما منّا ملك إلاّ لهم مقام معلوم، و هذا قول البصريين. فأما اتصال هذا بما قبله فإنه فيما يروى أن الملائكة تبرّأت ممّن يعبدها، و تعجبت من ذلك لاجتهادها فقال: و ما منا إلاّ له مقام معلوم.

}و في الحديث عن جابر بن سمرة قال: خرج علينا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم و نحن في المسجد فقال: «ألا تصفّون كما تصفّ الملائكة عند ربهم. فقلنا يا رسول اللّه كيف تصفّ الملائكة عند ربهم؟قال: يتمّمون الصفوف و يتراصون في الصفّ» (3) .

____________

(1) انظر معاني الفراء 2/394.

(2) انظر البحر المحيط 7/362، و معاني الفراء 2/394.

(3) أخرجه أبو داود في سننه، الصلاة رقم (661) و ابن ماجة في سننه رقم (992) .

301

لمّا خففت «إن» دخلت على الفعل و لزمتها اللام فرقا بين النفي و الإيجاب.

و الكوفيون يقولون «إن» بمعنى «ما» و اللام بمعنى إلاّ.

}أي لو جاءنا ذكر كما جاء الأولين لأخلصنا العبادة.

فَكَفَرُوا أي بالذكر، و الفراء (1) يقدره على حذف أي فجاءهم محمد صلّى اللّه عليه و سلّم بالقرآن فكفروا به. فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ قال أبو إسحاق: أي فسوف يعلمون مغبّة كفرهم.

قال الفراء: بالسعادة، و قال غيره: التقدير: و لقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين.

فلمّا دخلت اللام كسرت «إن» .

على المعنى، و لو كان على اللفظ لكان هو الغالب مثل قوله: جُنْدٌ مََا هُنََالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ اَلْأَحْزََابِ [ص: 11]. و قال الكسائي: جاء هاهنا على الجمع من أجل أنه رأس آية.

قال قتادة: أي إلى الموت، و قال أبو إسحاق: أي الوقت الذي أمهلوا إليه.

فَإِذََا نَزَلَ بِسََاحَتِهِمْ أي العذاب، قال أبو إسحاق: و كان عذاب هؤلاء بالقتل.

و ساء بمعنى: بئس، و رفع صَبََاحُ بها.

سُبْحََانَ رَبِّكَ رَبِّ اَلْعِزَّةِ على البدل قال أبو إسحاق: و يجوز النصب على المدح و الرفع بمعنى: هو رب العزة.

}و لو كان في غير القرآن لجاز النصب على المصدر.

____________

(1) انظر معاني الفراء 2/395.

302

38 شرح إعراب سورة ص‏

بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ

بإسكان الدال لأنها حروف تهجّ، و الأجود عند سيبويه‏ (1) فيها الإسكان. و لا تعرب؛ لأن حكمها الوقوف عليها و قراءة الحسن صاد (2) بكسر الدال بغير تنوين و لقراءته مذهبان: أحدهما أنه من صادى يصادي إذا عارض، و منه‏ فَأَنْتَ لَهُ تَصَدََّى [عبس: 6] فالمعنى صادي القرآن بعملك أي قابلة به. و هذا المذهب يروى عن الحسن أنه فسّر به قراءته رواية صحيحة عنه أنّ المعنى: اتله و تعرّض لقراءته. و المذهب الآخر أن تكون الدال مكسورة لالتقاء الساكنين. و قراءة عيسى بن عمر (صاد) بفتح الدال، له فيها ثلاثة مذاهب:

أحداهنّ أن يكون بمعنى اتل صاد. و الثاني أن يكون فتح لالتقاء الساكنين، و اختار الفتح للإتباع، الثالث أن يكون منصوبا على القسم بغير حروف. و قراءة ابن أبي إسحاق (صاد) بكسر الدال و التنوين على أن يكون مخفوضا على حذف حرف القسم. قال أبو جعفر:

و هذا بعيد و إن كان سيبويه قد أجاز مثله، و يجوز أن يكون مشبّها بما لا يتمكن من الأصوات و غيرها. و صاد إذا جعلته اسما للسورة لم ينصرف كما أنك إذا سمّيت مؤنثا بمذكّر لم ينصرف و إن قلّت حروفه. وَ اَلْقُرْآنِ خفض بواو القسم بدل من الباء. ذِي اَلذِّكْرِ نعت و علامة الخفض الياء، و هو اسم معتل و الأصل فيه ذوي على فعل.

بَلِ اَلَّذِينَ كَفَرُوا في موضع رفع بالابتداء. فِي عِزَّةٍ خبره أي في تكبّر و امتناع من قبول الحقّ، كما قال جلّ و عزّ: وَ إِذََا قِيلَ لَهُ اِتَّقِ اَللََّهَ أَخَذَتْهُ اَلْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ [البقرة:

206]. وَ شِقََاقٍ من شاقّ يشاقّ إذا خالف، و اشتقاقه أنه صار في شقّ غير الشقّ الآخر.

____________

(1) انظر الكتاب 3/294.

(2) انظر معاني الفراء 2/396.