إعراب القرآن - ج3

- احمد بن محمد النحاس المزيد...
320 /
303

كَمْ في موضع نصب بأهلكنا. فَنََادَوْا قال قتادة: فنادوا في غير نداء. قال أبو جعفر: و معناه على قوله في غير نداء ينجي، كما قال الحسن: نادوا بالتوبة و ليس حين توبة و لا ينفع العمل. و هذا تفسير من الحسن لقوله جلّ و عزّ وَ لاََتَ حِينَ مَنََاصٍ ، قال ليس حين. فأما إسرائيل فيروى عن أبي إسحاق عن التميمي عن ابن عباس وَ لاََتَ حِينَ مَنََاصٍ قال: ليس بحين نزو و لا فرار، قال ضبط القوم جميعا. قال أبو جعفر:

و أصله من ناص ينوص إذا تأخّر، و يقال: ناص ينوص إذا تقدّم. و أما «و لات حين» فقد تكلّم النحويون فيه و في الوقوف عليه، و كثّر فيه أبو عبيد القاسم بن سلام في «كتاب القراءات» ، و كلّ ما جاء به فيه إلاّ يسيرا مردود. قال سيبويه‏ (1) : لات مشبّهة بليس، و الاسم فيها مضمر أي ليست أحياننا حين مناص، و حكي أنّ من العرب من يرفع بها فيقول وَ لاََتَ حِينَ مَنََاصٍ (2) ، و حكي أنّ الرفع قليل، و يكون الخبر محذوفا كما كان الاسم محذوفا في النصب أي و لات حين مناص لنا. و الوقوف عليها عند سيبويه و الفراء (3) ، و هو قول أبي الحسن بن كيسان و أبي إسحاق، و لات بالتاء ثم تبتدئ حين مناص. قال أبو الحسن بن كيسان: و القول كما قال سيبويه؛ لأنه شبّهها بليس فكما تقول ليست تقول: لات. و الوقوف عليها عند الكسائي بالهاء ولاه، و هو قول محمد ابن يزيد، كما حكى لنا عنه علي بن سليمان، و حكي عنه أنّ الحجّة في ذلك أنها «لا» دخلت عليها الهاء لتأنيث الكلمة، كما يقال: ثمّة و ربّة. و أما أبو عبيد فقال: اختلف العلماء فيها فقال بعضهم: لات ثم تبتدئ فتقول: حين. ثم لم يذكر عن العلماء غير هذا القول و كلامه يوجب غير هذا ثم ذكر احتجاجهم بأنها في المصاحف كلّها كذا ثم قال: و هذه حجّة لو لا أنّ ثمّ حججا تردّها ثم ذكر حججا لا يصحّ منها شي‏ء، و سنذكرها إن شاء اللّه تعالى، و نبين ما يردّها. قال: و الوقوف عندي بغير تاء ثم تبتدئ بحين مناص ثم ذكر الحجج فقال: إحداهنّ أنّا لم نجد في كلام العرب لات إنما هي «لا» . قال أبو جعفر: لو لم يكن في هذا من الردّ إلا اجتماع المصاحف على ما أنكره فكيف و قد روي خلاف ما قال جميع النحويين المذكورين من البصريين و الكوفيين، فقال سيبويه: «لات» مشبهة بليس، و قال الفراء عن الكسائي أحسبه أنه سأل أبا السمّال فقال: كيف تقف على و لات؟فوقف عليها بالهاء. قال أبو عبيد: و الحجة الثانية أنّ تفسير ابن عباس يدلّ على ذلك؛ لأن ابن عباس قال: ليس حين نزو و لا فرار. قال أبو جعفر: تفسير ابن عباس يدلّ على أن الصحيح غير قوله، و لو كان على قوله لقال ابن عباس ليس تحين مناص، و لم يرو هذا أحد. قال أبو عبيد: و الحجة الثالثة أنّا لم نجد

____________

(1) انظر الكتاب 1/101.

(2) انظر البحر المحيط 7/368.

(3) انظر معاني الفراء 2/398.

304

العرب تزيد هذه التاء إلا في حين و أوان و الآن، و أنشد لأبي و جزة السعدي: [الكامل‏] 374-

العاطفون تحين ما من عاطف # و المطعمون زمان أين المطعم‏ (1)

و أنشد لأبي زبيد الطائي: [الخفيف‏] 375-

طلبوا صلحنا و لات أوان # فأجبنا أن ليس حين بقاء (2)

و أنشد: [الخفيف‏] 376-

نولّي قبل يوم بيني جمانا # و صلينا كما زعمت تلانا (3)

قال أبو جعفر: و إنشاد أهل اللغة جميعا على غير ما قال. قال الفراء: أنشدني المفضل:

377-

تذكّر حبّ ليلى لات حينا # و أضحى الشّيب قد قطع القرينا (4)

قال أبو جعفر: فأما البيت الأول الذي أنشده لأبي و جزة فقرأه العلماء باللغة على أربعة أوجه كلّها على خلاف ما أنشده، و في أحدها تقديران. رواه أبو العباس محمد بن يزيد «العاطفون و لات ما من عاطف» ، و الرواية الثانية «العاطفون و لات حين تعاطف» ، و الرواية الثالثة رواها أبو الحسن بن كيسان «العاطفونه حين ما من عاطف» جعلها هاء في الوقف و تاء في الإدراج، و زعم أنها لبيان الحركة شبّهت بهاء التأنيث، و الرواية الرابعة هي «العاطفونه حين ما من عاطف» . و في هذه الرواية تقديران: أحدهما، و هو مذهب إسماعيل بن إسحاق، أن الهاء في موضع نصب كما تقول: الضاربون زيدا، فإذا كنّيت قلت: الضاربوه، و أجاز سيبويه‏ (5) الضاربونه في الشعر، فجاء إسماعيل بالبيت

____________

(1) الشاهد لأبي و جزة السعدي في الأزهية 264، و الإنصاف 1/108، و خزانة الأدب 4/175، و الدرر 2/115، و لسان العرب (ليت) و (عطف) و (أين) و (حين) و (ما) ، و بلا نسبة في الجنى الداني 487، و خزانة الأدب 9/383، و الدرر 2/122، و رصف المباني ص 163، و سرّ صناعة الإعراب 1/163، و شرح الأشموني 3/882، و مجالس ثعلب 1/270، و الممتع في التصريف 1/273، و همع الهوامع 1/126.

(2) الشاهد لأبي زبيد الطائي في ديوانه 30، و الإنصاف 109، و تخليص الشواهد 295، و تذكرة النحاة 734، و خزانة الأدب 4/183، و الدرر 2/119، و شرح شواهد المغني ص 640، و المقاصد النحوية 2/156، و بلا نسبة في جواهر الأدب 249، و خزانة الأدب 4/169، و الخصائص 2/370، و رصف المباني 169، و سرّ صناعة الإعراب 509، و شرح الأشموني 1/126، و شرح المفصّل 9/32، و لسان العرب (أون) و (لات) ، و مغني اللبيب 255، و همع الهوامع 1/126.

(3) الشاهد لجميل بثينة في ديوانه 196، و لسان العرب (تلن) ، و بلا نسبة في الإنصاف 110، و تذكرة النحاة 735، و الجنى الداني 487، و رصف المباني 173، و سرّ صناعة الإعراب 166، و لسان العرب (أين) و (حين) ، و الممتع في التصريف 1/273.

(4) الشاهد بلا نسبة في معاني الفراء 2/397، و تفسير الطبري 2/144.

(5) انظر الشاهد رقم 368.

305

على مذهب سيبويه في إجازته مثله. و التقدير الآخر «العاطفونه» على أن الهاء لبيان الحركة، كما تقول: مر بنا المسلمونه، في الوقف ثم أجريت في الوصل مجراها في الوقف. كما قرأ أهل المدينة مََا أَغْنى‏ََ عَنِّي مََالِيَهْ‏`هَلَكَ عَنِّي سُلْطََانِيَهْ [الحاقة: 29].

و أما البيت الثاني فلا حجّة له فيه لأنه يوقف عليه و لات أوان غير أنّ فيه شيئا مشكلا لأنه روي «و لات أوان» بالخفض، و إنما يقع ما بعد لات مرفوعا و منصوبا، و إن كان قد روي عن عيسى بن عمر أنه قرأ و لات حين مناص (1) بكسر التاء من «لات» و النون من «حين» فإن الثّبت عنه أنه قرأ وَ لاََتَ حِينَ مَنََاصٍ فبنى لات على الكسر و نصب حين فأما «و لات أوان» ففيه تقديران: قال الأخفش: فيه مضمر أي و لات حين أوان.

قال أبو جعفر: و هذا القول بيّن الخطأ، و التقدير الآخر عن أبي إسحاق، قال تقديره:

و لات حين أواننا فحذف المضاف إليه فوجب ألاّ يعرب فكسره لالتقاء الساكنين، و أنشد محمد بن يزيد «و لات أوان» بالرفع.

و أما البيت فبيت مولّد لا يعرف قائله، و لا يصح به حجّة على أن محمد بن يزيد رواه «كما زعمت الآن» و قال غيره: المعنى كما زعمت أنت الآن، فأسقط الهمزة من أنت و النون. و أما احتجاجه بحديث عبد اللّه بن عمر لما ذكر للرجل مناقب عثمان رضي اللّه عنه. قال: اذهب بها تلان إلى أصحابك، فلا حجّة فيه لأن المحدّث إنما يروي هذا على المعنى، و الدليل على هذا أنّ مجاهدا روى عن عمرو بن عمر هذا الحديث، و قال فيه: اذهب فاجهد جهدك، و رواه آخر اذهب بها الآن معك فأمّا احتجاجه بأنه وجدها في الإمام «تحين» فلا حجة فيه لأن معنى الإمام أنه إمام للمصاحف فإن كان مخالفا لها فليس بإمام لها، و في المصاحف كلّها و لات. فلو لم يكن في هذا إلاّ هذا الاحتجاج لكان مقنعا. و جمع مناص مناوص.

وَ عَجِبُوا أَنْ في موضع نصب، و المعنى من أن جاءهم.

أَ جَعَلَ اَلْآلِهَةَ إِلََهاً وََاحِداً مفعولان.

وَ اِنْطَلَقَ في موضع نصب، و المعنى: بأن امشوا. و اَلْمَلَأُ الأشراف، و قد سمّوا، في رواية محمد بن إسحاق، أنهم أبو جهل بن هشام و شيبة و عتبة ابنا ربيعة بن عبد شمس و أميّة بن خلف و العاصي بن وائل و أبو معيط جاءوا إلى أبي طالب، فقالوا

____________

(1) انظر البحر المحيط 7/368.

306

له: أنت سيدنا فانصفنا في قومنا و أنفسنا فاكفنا أمر ابن أخيك و سفهاء معه قد تركوا آلهتنا و طعنوا في ديننا، فأرسل أبو طالب إلى النبي صلّى اللّه عليه و سلّم فقال له: إنّ قومك يدعونك إلى السواء و النصفة، فقال صلّى اللّه عليه و سلّم: إني أدعوهم إلى كلمة واحدة، فقال أبو جهل: و عشرا، فقال: يقولون: لا إله إلاّ اللّه فقاموا، و قالوا: أجعل الآلهة إلها واحدا الآيات. قال أبو جعفر: و قيل المعنى: و انطلق الأشراف منهم فقالوا للعوام اِمْشُوا وَ اِصْبِرُوا عَلى‏ََ آلِهَتِكُمْ أي على عبادة آلهتكم إِنَّ هََذََا لَشَيْ‏ءٌ يُرََادُ أي إن هذا الذي جاء به محمد عليه السلام لشي‏ء يراد به زوال نعم قوم و غير تنزل بهم.

أي تكذيب و ابتداع. يقال: خلق و اختلق أي ابتدع، و خلق اللّه الخلق من هذا أي ابتدعهم على غير مثال، }ثم بيّن أنهم حساد لقولهم أَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ اَلذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنََا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي و هو القرآن بَلْ لَمََّا يَذُوقُوا عَذََابِ و الأصل إثبات الياء، و جاز الحذف لأنه رأس آية.

قيل: أم لهم هذا فيمنعوا محمدا صلّى اللّه عليه و سلّم مما أنعم اللّه به عليه، و كذا أَمْ لَهُمْ مُلْكُ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ وَ مََا بَيْنَهُمََا فإن ادعوا ذلك فَلْيَرْتَقُوا فِي اَلْأَسْبََابِ أي في أسباب السموات، و قيل: في الأسباب التي ذكرت التي لا تكون إلاّ للّه جلّ و عزّ. و الأصل فليرتقوا، حذفت الكسرة لثقلها، يقال: رقي يرقى، و ارتقى يرتقي، إذا صعد، و رقّى يرقي رقيا رمى يرمي رميا، من الرقية} ثم وعد اللّه نبيه النصر فقال جلّ ذكره: جُنْدٌ مََا هُنََالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ اَلْأَحْزََابِ فهزم اللّه جلّ و عزّ الأحزاب كما وعده. و «ما» زائدة للتوكيد، و تأول الفراء معنى مهزوم أنه مغلوب على أن يصعد إلى السماء.

كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ أنّث «قوم» على معنى الجماعة، و لو جاء مذكّرا لجاز على معنى الجميع. و صرف نوح و إن كان أعجميا، لأنه على ثلاثة أحرف فخفّ، و منع فِرْعَوْنُ من الصرف؛ لأنه قد جاوز ثلاثة أحرف فلم يصرف لعجمته و أنّه معرفة و زعم محمد بن إسحاق اسم فرعون الوليد بن مصعب، قال: و قد قيل: إن اسمه مصعب بن الربان، و قال غيره: كان يسمّى من ملك مصر فرعون، كما يسمّى من ملك

307

اليمن تبّعا، و هم التبابعة، و من ملك فارس كسرى، و قال محمد بن يزيد: كسرى بفتح الكاف، و من ملك الروم قيصر و هرقل و ذُو اَلْأَوْتََادِ نعت.

إِنْ كُلٌّ بمعنى ما كلّ إِلاََّ كَذَّبَ اَلرُّسُلَ فَحَقَّ عِقََابِ الأصل إثبات الياء، و حذفت لأنه رأس آية و الكسرة دالّة عليها.

وَ مََا يَنْظُرُ هََؤُلاََءِ بمعنى ما ينتظر و منه‏ اُنْظُرُونََا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ [الحديد:

13] إِلاََّ صَيْحَةً وََاحِدَةً قال عبد اللّه بن عمر: لم تكن صيحة في السماء إلا بغضب من اللّه جلّ و عزّ على أهل الأرض. مََا لَهََا مِنْ فَوََاقٍ (1) قراءة أبي جعفر و شيبة و نافع و أبي عمرو و عاصم، و من فواق بضم القاف قراءة يحيى بن وثاب و الأعمش و حمزة و الكسائي. و أصحّ ما قيل فيهما أنهما لغتان بمعنى واحد، و حكى ذلك الكسائي و الفراء.

وَ قََالُوا رَبَّنََا عَجِّلْ لَنََا قِطَّنََا من أحسن ما قيل في معناه ما قاله سعيد بن جبير قال:

قالوا: ربّنا عجّل لنا نصيبنا في الآخرة قبل يوم الحساب. و هو مشتقّ من قططت الشي‏ء أي قطعته. فالنصيب قطعة تقطع للإنسان، و ذلك معروف في كلام العرب أن يقال في النصيب: قطّ و يقال للكتاب المكتوب بالجائزة قطّ كما قال الأعشى: [الطويل‏] 378-

و لا الملك النّعمان يوم لقيته # بإمّته يعطي القطوط و يأفق‏ (2)

«بإمّته» أي بنعمته و حاله الجليلة، و «يافق» يصلح «القطوط» جمع قطّ و هو الكتاب بالجائزة، و يقال في جمعه: قططة، و في القليل أقطّ و أقطاط.

وَ اُذْكُرْ عَبْدَنََا دََاوُدَ ذَا اَلْأَيْدِ نعت. و الأيد و الآد كما يقال: العيب و العاب، و منه رجل أيّد. إِنَّهُ أَوََّابٌ قال الضحاك: أي ثواب، و عن غيره أنه كان كلّما ذكر ذنبه أو خطر على باله استغفر منه كما قال النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم: «إنّي لاستغفر في اليوم و الليلة مائة

____________

(1) انظر تيسير الداني 15، و البحر المحيط 7/373.

(2) الشاهد للأعشى في ديوانه 269، و لسان العرب (قطط) و (أفق) ، و تهذيب اللغة 8/264، و كتاب الجيم 3/66، و مقاييس اللغة 1/116، و جمهرة اللغة 150، و كتاب العين 5/227، و مجمل اللغة 4/115، و تاج العروس (قطط) و (أفق) ، و بلا نسبة في المخصص 4/102.

308

مرّة» (1) و يقال: آب يؤوب إذا رجع، كما قال: [مخلع البسيط] 379-

و كلّ ذي غيبة يؤوب # و غائب الموت لا يؤوب‏ (2)

إِنََّا سَخَّرْنَا اَلْجِبََالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ في موضع نصب على الحال. و يروى أنها كانت تجيبه بالتسبيح، و قيل: سخّرها اللّه جلّ و عزّ لتسير معه فذلك تسبيحها؛ لأنها دالّة على تنزيه اللّه جلّ و عزّ عن شبه المخلوقين. بِالْعَشِيِّ وَ اَلْإِشْرََاقِ من أشرقت الشمس إذا أضاءت وصفت. و عن ابن عباس قال: صلاة الضحى مذكورة في كتاب اللّه جلّ و عزّ، و قرأ «يسبّحن بالعشيّ و الإشراق» .

إِنََّا سَخَّرْنَا معطوف على الجبال. قال الفراء (3) : و لو قرئ (و الطّير محشورة) لجاز لأنه لم يظهر الفعل، }و كذا لو قرئ (و شددنا ملكه) وَ آتَيْنََاهُ اَلْحِكْمَةَ فعولان وَ فَصْلَ اَلْخِطََابِ معطوف عليه.

وَ هَلْ أَتََاكَ نَبَأُ اَلْخَصْمِ و بعده إِذْ تَسَوَّرُوا اَلْمِحْرََابَ لأنّ الخصم يؤدّي عن الجمع و هو مصدر في الأصل من خصمته خصما. و حقيقته في العربية إذا قلت: القوم خصم له، معناه ذوو خصم ثم أقمت المضاف إليه مقام المضاف، و قد يقال: خصوم كما يقال: عدول.

إِذْ دَخَلُوا عَلى‏ََ دََاوُدَ فجاءت إذ مرتين لأنهما فعلان، و زعم الفراء (4) إحداهما بمعنى «لمّا» . و قول آخر أن تكون الثانية و ما بعدها تبيينا لما قبلها. قََالُوا لاََ تَخَفْ حذفت الضمة من الفاء للجزم، و حذفت الألف المنقلبة من الواو لئلا يلتقي ساكنان خَصْمََانِ و قبل هذا إِذْ تَسَوَّرُوا اَلْمِحْرََابَ لأن اثنين جمع. قال الخليل رحمه اللّه:

كما تقول: نحن فعلنا، إذا كنتما اثنين، و قال الكسائي: جمع لما كان خبرا فلما انقضى

____________

(1) أخرجه أبو داود في سننه-الصلاة رقم الحديث (1515) ، و ابن ماجة في سننه الحديث رقم (3815) .

(2) الشاهد لعبيد بن الأبرص في ديوانه ص 16، و لسان العرب (أوب) ، و تهذيب اللغة 15/608، و مقاييس اللغة 1/153.

(3) انظر معاني الفراء 2/401.

(4) انظر معاني الفراء 2/401.

309

الخبر و جاءت المخاطبة خبّر الاثنان عن أنفسهما فقالا «خصمان» . قال أبو إسحاق: أي نحن خصمان، و قال غيره: القول محذوف أي يقول خصمان. قال أبو إسحاق: و لو كان بالنصب خصمين لجاز أي أتيناك خصمين. بَغى‏ََ بَعْضُنََا عَلى‏ََ بَعْضٍ قال الكسائي: و لو كان بغى بعضهما على بعض لجاز، و قال غيره: بغى بعضنا يجوز أن يراد به داود صلّى اللّه عليه و سلّم فَاحْكُمْ بَيْنَنََا بِالْحَقِّ وَ لاََ تُشْطِطْ و قرأ الحسن و أبو رجاء وَ لاََ تُشْطِطْ (1) بفتح التاء و ضم الطاء الأولى، و قال أبو حاتم لا يعرف هذا في اللغة. قال أبو جعفر: يقال أشطّ يشطّ إذا جار في الحكم أو القول، و شطّ يشطّ و يشطّ إذا بعد فيشطط في الآية أبين و يشطط يجوز أي لا تبعد عن الحق، كما قال: [المتقارب‏] 380-

تشطّ غدا دار جيراننا # و للدّار بعد غد أبعد (2)

و قرأ الحسن تسع و تسعون نعجة (3) بفتح التاء فيها، و هي لغة شاذة و هي الصحيحة من قراءة الحسن. و العرب تكني عن المرأة بالنعجة و الشاة. و عن عبد اللّه بن مسعود رحمه اللّه أنه قرأ و عازّني في الخطاب (4) .

قََالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤََالِ نَعْجَتِكَ إِلى‏ََ نِعََاجِهِ فيقال: إن هذه خطيّة داود صلّى اللّه عليه و سلّم لأنه قال: لقد ظلمك من غير تثبيت بيّنة، و لا إقرار من الخصم و لا سؤال لخصمه هل كان هذا كذا أم لم يكن؟هذا قول، فأما قول العلماء المتقدّمين الذين لا يدفع قولهم، منهم عبد اللّه بن مسعود و ابن عباس رحمهما اللّه فإنهم قالوا: ما زاد داود صلّى اللّه عليه و سلّم على أن قال للرجل: انزل عن امرأتك. قال أبو جعفر: فعاتبه اللّه جلّ و عزّ على هذا، و نبهه عليه. و ليس هذا بكبير من المعاصي، و من يخطئ إلى غير هذا، فإنما يأتي بما لا يصح عن عالم و يلحقه فيه الإثم العظيم. بِسُؤََالِ نَعْجَتِكَ إضافة على المجاز أي بسؤال نعجتك. وَ إِنَّ كَثِيراً مِنَ اَلْخُلَطََاءِ جمع خليط، و هو الشريك فهذا جمع ما لم يكن في واو، و لا يجوز في طويل طولاء لثقل الحركة في الواو وَ ظَنَّ دََاوُدُ أَنَّمََا فَتَنََّاهُ قال أبو عمر و الفراء (5) : ظنّ بمعنى

____________

(1) انظر البحر المحيط 7/376.

(2) الشاهد لعمر بن أبي ربيعة في ديوانه 300، و بلا نسبة في لسان العرب (شطط) و تهذيب اللغة 11: 264، و تاج العروس (شطط) .

(3) انظر البحر المحيط 7/376.

(4) انظر معاني الفراء 2/404.

(5) انظر معاني الفراء 2/404.

310

أيقن إلاّ أن الفراء شرحه بأنه لا يجوز في المعاني أن يكون الظنّ بمعنى اليقين. و عن عمر بن الخطاب أنه قرأ أَنَّمََا فَتَنََّاهُ (1) بتشديد التاء و النون على التكثير، و عن قتادة أنه قرأه. إنما فتناه بتخفيفهما. فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَ خَرَّ رََاكِعاً على الحال.

فَغَفَرْنََا لَهُ ذََلِكَ في موضع نصب بغفرنا، و يجوز أن يكون في موضع رفع أي الأمر ذلك وَ إِنَّ لَهُ عِنْدَنََا لَزُلْفى‏ََ . قال مجاهد عن عبيد بن عمر قال: الزلفى الدنو من اللّه جلّ و عزّ يوم القيامة.

يََا دََاوُدُ إِنََّا جَعَلْنََاكَ خَلِيفَةً فِي اَلْأَرْضِ أي مكّنّاك لتأمر بالمعروف و تنهى عن المنكر فتخلف من كان قبلك من الأنبياء و الأئمة الصالحين. إِنَّ اَلَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اَللََّهِ بفتح الياء بلا اختلاف فيها، و هو فعل لازم و لو ضممت الياء كان متعدّيا بِمََا نَسُوا يَوْمَ اَلْحِسََابِ أي تركوا العمل. يقال: نسي الشي‏ء إذا تركه.

}و شرح هذا أنهم كانوا يقولون: ليست ثمّ عقوبة و لا نار فالكافر و العاصي يسعدان باللذات و غصب الأموال، و المظلوم يشقى، لأنهما يصيران إلى شي‏ء واحد، فرد اللّه جل و عز هذا عليهم بأنه ما خلق السّماء و الأرض و ما بينهما باطلا؛ لأن الذين ادعوه باطل و ذلك منهم ظنّ و بيّن ذلك جلّ و عزّ بقوله: أَمْ نَجْعَلُ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصََّالِحََاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي اَلْأَرْضِ فكان في هذا ردّ على المرجئة؛ لأنهم يقولون: يجوز أن يكون المفسد كالمصلح أو أرفع درجة منه، و بعده أيضا أَمْ نَجْعَلُ اَلْمُتَّقِينَ كَالْفُجََّارِ .

كِتََابٌ أَنْزَلْنََاهُ إِلَيْكَ بمعنى هذا كتاب. مُبََارَكٌ من نعته.

نِعْمَ اَلْعَبْدُ مرفوع بنعم.

____________

(1) انظر البحر المحيط 7/377.

311

اَلْجِيََادُ جمع جواد للفرس إذا كان شديد الحضر، كما يقال للإنسان: جواد إذا كان سريع العطيّة غزيرها غير أنه يقال: قوم أجواد و خيل جياد و قد قيل: جياد جمع جائد. و قائل هذا يحتجّ بأنه لو كان جمع جواد لقيل جواد، كطويل و طوال. و يقال في جمع جواد: جوداء و أجوداء و جود بإسكان الواو و جوود بضمها.

فَقََالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ اَلْخَيْرِ الفراء (1) يقدّره مفعولا أي آثرت حبّ الخيل، و غيره يقدره مصدرا و هو يقدّر الخيل بمعنى الخير، و غيره يقول: معنى أَحْبَبْتُ حُبَّ اَلْخَيْرِ أنه كان في صلاة فجي‏ء إليه بخيل لتعرض عليه قد غنمت فأشار إليها بيده لأنه يصلّي حتّى توارت الخيل، و سترها جدر الإصطبلات‏} فلمّا فرغ من صلاته قال: رُدُّوهََا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحاً (2) أي فأقبل يمسحها مسحا. و في معناه قولان: أحدهما أنه أقبل يمسح سوقها و أعناقها بيده إكراما منه لها، و ليري أن الجليل لا يقبح به أن يفعل مثل هذا بخيله.

و قال قائل هذا القول: كيف يقتلها و في ذلك إفساد المال و معاقبة من لا ذنب له؟و قيل المسح هاهنا القطع أذن له في قتلها. و السّوق جمع ساق مثل دار و دور، و في أقلّ العدد أسوق. و الساق مؤنّثة.

وَ لَقَدْ فَتَنََّا سُلَيْمََانَ أي اختبرناه بما يثقل عليه وَ أَلْقَيْنََا عَلى‏ََ كُرْسِيِّهِ جَسَداً قيل يعني به ولدا له ميّتا. و ذلك أنه طاف على جواريه، و قال: أرجو أن تلد كلّ واحدة منهم ذكرا، و في الحديث أنه لم يقل إن شاء اللّه فلم تحمل إلاّ واحدة منهن، و مات الولد و ألقي على كرسيّه فتنة على محبّة الدّنيا، و الرغبة فيها، و استدعاء الولد، و أنه لا ينبغي أن يكون كذا ثُمَّ أَنََابَ أي رجع عما كان عليه. و قد قيل: جسد شيطان.

قََالَ رَبِّ اِغْفِرْ لِي قيل: ليس في هذا دليل على أنّ ذلك الفعل منه ذنب، لأنه قد يكون له أن يستغفر مما عمله قبل النبوة أو يستغفر مما يعرض له.

____________

(1) انظر معاني الفراء 2/405.

(2) انظر البحر المحيط 7/380.

312

وَ إِنَّ لَهُ عِنْدَنََا لَزُلْفى‏ََ أي قرين. وَ حُسْنَ مَآبٍ أي مرجع.

وَ اُذْكُرْ عَبْدَنََا أَيُّوبَ على البدل. إِذْ نََادى‏ََ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ اَلشَّيْطََانُ بِنُصْبٍ وَ عَذََابٍ و قرأ عيسى ابن عمر (إنّي) (1) بكسر الهمزة. قال الفراء (2) : و اجتمعت القراء على أن قرءوا «بنصب» بضم النون و التخفيف. و هذا غلط و يعدّ مناقضة أيضا، لأنه قال: اجتمعت القراء على هذا، و حكي بعده أنهم ذكروا عن يزيد بن القعقاع أنه قرأ (بنصب) (3) بفتح النون و الصاد فغلط على أبي جعفر، و إنّما قرأ أبو جعفر (بنصب) بضم النون و الصاد، كذا حكاه أبو عبيد و غيره، و هو يروى عن الحسن فأما (بنصب) فهو قراءة عاصم الجحدري و يعقوب الحضرمي و قد رويت هذه القراءة أيضا عن الحسن، و قد حكي (بنصب) . و هذا كلّه عند أكثر النحويين بمعنى النّصب. فنصب و نصب كحزن و حزن، و قد يجوز أن يكون نصّب جمع نصب كوثن و وثن، و يجوز أن يكون نصب بمعنى نصب حذفت منه الضمة فأما وَ مََا ذُبِحَ عَلَى اَلنُّصُبِ [المائدة: 3]فقيل: إنه جمع نصاب و نصب على أصل المصدر. و قد قيل في معنى مَسَّنِيَ اَلشَّيْطََانُ بِنُصْبٍ وَ عَذََابٍ : أنه ما يلحقه من وسوسته لا غير، و اللّه أعلم.

اُرْكُضْ بِرِجْلِكَ قال الكسائي: أي قلنا، و قال محمد بن يزيد: الرّكض التحريك و لهذا قال الأصمعي: يقال ركضت الدابة و لا يقال: ركضت هي، لأن الركض إنما هو تحريك راكبها برجليه و لا فعل لها في ذلك، و حكى سيبويه: ركضت الدابة فركضت هي مثل جبرت العظم فجبر و حزنته فحزن.

وَ وَهَبْنََا لَهُ أَهْلَهُ وَ مِثْلَهُمْ مَعَهُمْ تأوّل هذا مجاهد على أن اللّه جلّ و عزّ ردّ عليه أهله فأعطاه مثلهم في الآخرة فصار له أهله في الدنيا و مثلهم معهم في الآخرة. فأما ما يروى عن عبد اللّه بن مسعود لمّا بلغه أن مروان قال: إنّما أعطي عوضا من أهله و لم يعطهم بأعيانهم فقال: ليس كما قال بل أعطي أهله و مثلهم معهم، فتأول هذا القول بعض العلماء على أن اللّه جلّ و عزّ ردّ عليه من غاب من أهله، و ولد له مثل من مات و أعطي من نسلهم مثلهم رَحْمَةً بالنصب على المصدر. قال أبو إسحاق: هو مفعول له

____________

(1) انظر البحر المحيط 7/383.

(2) انظر معاني الفراء 2/405.

(3) انظر معاني الفراء 2/405، البحر المحيط 7/384.

313

وَ ذِكْرى‏ََ معطوف على الرحمة. قال أبو إسحاق: معنى وَ ذِكْرى‏ََ لِأُولِي اَلْأَلْبََابِ أنّ ذا العقل إذا ابتلي ذكر بلاء أيّوب صلّى اللّه عليه و سلّم صبر.

وَ خُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً أي و قلنا له و خذ بيدك ضغثا. قال: و هي الحزمة من الحشيش و ما أشبه ذلك.

وَ اُذْكُرْ عِبََادَنََا إِبْرََاهِيمَ وَ إِسْحََاقَ وَ يَعْقُوبَ على البدل، و قراءة ابن عباس و اذكر عبدنا (1)

بإسناد صحيح، رواها ابن عيينة عن عمر عن عطاء عنه، و هي قراءة ابن كثير. فعلى هذه القراءة يكون إِبْرََاهِيمَ بدلا من عبدنا، و إسحاق و يعقوب على العطف. و القراءة بالجمع أبين، و شرح هذا من العربية أنك إذا قلت: رأيت أصحابنا زيدا أبين، و شرح هذا من العربية أنك إذا قلت: رأيت أصحابنا زيدا و عمرا و خالدا، فزيد و عمرو و خالد بدل منهم، فزيد وحده بدل، و هو الصاحب، و عمرو و خالد عطف على صاحبنا و ليسا بداخلين في المصاحبة إلاّ بدليل غير هذا غير أنه قد علم أن قوله جلّ و عزّ «و إسحاق و يعقوب» داخل في العبودية أُولِي اَلْأَيْدِي وَ اَلْأَبْصََارِ فأما وَ اَلْأَبْصََارِ فمتّفق على تأويلها أنها البصائر في الدين، و أما اَلْأَيْدِي (2) فمختلف في تأويلها فأهل التفسير يقولون:

إنها القوة في الدين، و قوم يقولون: الأيدي جمع يد، و هي النعمة أي هم أصحاب النعم أي الذين أنعم اللّه عليهم، و قيل: هم أصحاب النعم و الإحسان لأنهم قد أحسنوا و قدموا خيرا.

ذِكْرَى في موضع خفض إلاّ أن فيها ألف التأنيث و خفضها بالإضافة و قراءة الكوفيين بِخََالِصَةٍ ذِكْرَى اَلدََّارِ (3) على البدل. و هذا بدل المعرفة من النكرة أَخْلَصْنََاهُمْ جعلناهم مخلصين و مخلصين من الأدناس قد أخلصوا العمل للّه جلّ و عزّ يذكرون الدار، و هي الآخرة، و يذكرونها لا يريدون بذلك الدنيا و لا التعمّل لأهلها.

أي من الذين اصطفيناهم من الأدناس و مصطفين جمع مصطفى زدت على

____________

(1) انظر معاني الفراء 2/406، و البحر المحيط 7/385.

(2) انظر البحر المحيط 7/385.

(3) انظر البحر المحيط 7: 385، و تيسير الداني 152.

314

مصطفى ياء ساكنة و نونا، و الألف من مصطفى ساكنة حذفت الألف لالتقاء الساكنين و كانت أولى بالحذف لأن قبلها فتحة. و الأخيار جمع خيّر و كأنه جمع على حذف الزائد كأنك جمعت خيّرا، كما تقول: ميّت و أموات. و يقال: رجل خيّر و خير كما يقال:

هيّن و هين و ليّن و لين.

هََذََا ذِكْرٌ مبتدأ و خبره. و المعنى هذا ذكر جميل في الدنيا. وَ إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ أي مع هذا الذكر الجميل في الدنيا حسن المرجع يوم القيامة}ثم بيّن بقوله جلّ و عزّ: جَنََّاتِ عَدْنٍ و العدن في اللغة الإقامة يقال: عدن بالمكان إذا أقام به غير أن عبد اللّه بن عمر قال: جنّة عدن: قصر في الجنّة، له خمسة آلاف باب، على كل باب خمسة آلاف خيّرة لا يدخله إلاّ نبيّ أو صديق أو شهيد مُفَتَّحَةً لَهُمُ اَلْأَبْوََابُ رفعت الأبواب لأنها اسم ما لم يسمّ فاعله، و أجاز الفراء «مفتحة لهم الأبواب» على أن مفتّحة للجنات، و أنشد هو و سيبويه: [الوافر] 381-

و ما قومي بثعلبة بن سعد # و لا بفزارة الشّعر الرّقابا (1)

قال الفراء: أي مفتحة الأبواب ثم جئت بالتنوين و نصبت و أنشد سيبويه: [الوافر] 382-

و نأخذ بعده بذناب عيش # أجبّ الظهر ليس له سنام‏ (2)

مُتَّكِئِينَ فِيهََا نصب لأنه نعت للجنات.

نعت لقاصرات لأن قاصرات نكرة و إن كان مضافا إلى معرفة، و الدليل على ذلك أن الألف و اللام يدخلانه، كما قال الشاعر: [الطويل‏] 383-

من القاصرات الطّرف لو دبّ محول # من الذّرّ فوق الإتب منها لأثّرا (3)

و زعم الفراء (4) أن المعنى مفتّحة لهم أبوابها و أنّ الألف و اللام بدل من الهاء

____________

(1) الشاهد للحارث بن ظالم في الأغاني 11/119، و شرح أبيات سيبويه 1/259، و الكتاب 1/263، و المقاصد النحوية 3/609، و المقتضب 4/161، و بلا نسبة في خزانة الأدب 7/492، و شرح المفصل 6/79.

(2) مرّ الشاهد رقم (179) .

(3) الشاهد لامرئ القيس في ديوانه ص 68، و لسان العرب (قصر) و (حول) ، و مقاييس اللغة 1/53، و تاج العروس (قصر) و (حول) ، و بلا نسبة في تهذيب اللغة 8/359.

(4) انظر معاني الفراء 2/408.

315

و الألف، و أجاز: مررت برجل حسنة العين المعنى حسنة عينه. قال أبو إسحاق: و لا يجوز أن تكون الألف و اللام بدلا من الهاء و اللام لأن الألف و اللام محرف جاء لمعنى و الهاء و الألف اسم و محال أن يقوم أحدهما مقام صاحبه. و إنما المعنى: مفتّحة لهم الأبواب منها.

هََذََا وَ إِنَّ لِلطََّاغِينَ و التقدير الأمر هذا لَشَرَّ مَآبٍ اسم إن.

جَهَنَّمَ بدل من شرّ.

هََذََا في موضع رفع بالابتداء و خبره حميم على التقديم و التأخير أي هذا حميم و غسّاق فليذوقوه. و يجوز أن يكون «هذا» في موضع رفع بالابتداء و فليذوقوه في موضع الخبر. و يجوز أن يكون المعنى الأمر هذا و حميم و غساق إذا لم تجعلهما خبرا فرفعهما على معنى: هو حميم و غساق. و الفراء يرفعهما بمعنى هو حميم و غساق، و أنشد:

[البسيط] 384-

حتّى إذا ما أضاء الصّبح في غلس # و غودر البقل ملويّ و محصود (1)

و يجوز أن يكون هذا في موضع نصب بإضمار فعل، كما تقول: زيدا أضربه، و النصب في هذا أولى. وَ غَسََّاقٌ بالتخفيف قراءة أهل المدينة و أهل البصرة و بعض الكوفيين. فأما يحيى بن وثاب و الأعمش و حمزة و الكسائي فقرؤوا وَ غَسََّاقٌ بالتشديد. فأما معناه فقال عبد اللّه بن عمر: و فيه هو قيح غليظ لو وقع شي‏ء منه بالمشرق لأنتنّ ممن في المغرب، و لو وقع منه شي‏ء بالمغرب لأنتن من في المشرق.

قال مجاهد: غسّاق بارد، و عن غير مجاهد أنه يحرق ببرده كما يحرق الحميم بحره.

و قال قتادة: هو ما يسيل من بين جلودهم و لحمهم. قال أبو جعفر: و سمعت علي بن سليمان يقول: يقال: غسقت عينه إذا سالت، فغسّاق بالتشديد أولى، كما تقول:

سيّال. قال أبو جعفر: و قد خالف في هذا غيره من رؤساء النحويين لأنه إذا قال:

غسّاق جعله نعتا لغير معروف بعينه، و هذا بعيد في العربية فإذا قال: غسّاق فهو اسم، و هو أولى من أن يقام النعت مقام المنعوت و يحذف المنعوت.

____________

(1) الشاهد بلا نسبة في معاني القرآن للفراء 1/193، و تفسير الطبري 23/176.

316

هََذََا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ ابتداء و خبره أي مقتحم معكم النار. و التقدير: يقال لهم:

هذا فوج يدخل معكم النار فيقول الذين في النار لاََ مَرْحَباً بِهِمْ و «مرحبا» منصوب على المصدر و بمعنى لا أصبت رحبا أي سعة. }قال الفوج: بَلْ أَنْتُمْ لاََ مَرْحَباً بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنََا أي دعوتمونا إلى العصيان. فَبِئْسَ اَلْقَرََارُ أي استقرارنا.

قََالُوا رَبَّنََا مَنْ قَدَّمَ لَنََا هََذََا (1) قال الفراء (2) : أي من شرّع لنا هذا و سنّه، و قال غيره:

أي من قدّم لنا هذا العذاب بدعائه إيّانا إلى المعاصي. فَزِدْهُ عَذََاباً ضِعْفاً فِي اَلنََّارِ أي عذابا بكفره و عذابا بدعائه إيّانا فصار ذلك ضعفا.

وَ قََالُوا مََا لَنََا لاََ نَرى‏ََ رِجََالاً (ما) في موضع رفع و لاََ نَرى‏ََ في موضع نصب على الحال.

أَتَّخَذْنََاهُمْ سِخْرِيًّا بضم السين قراءة الحسن و مجاهد و أبي جعفر و شيبة و نافع و عاصم و ابن عامر على الاستفهام و سقطت ألف الوصل لأنه قد استغني عنها، و قرأ ابن كثير و الأعمش و أبو عمرو و حمزة و الكسائي اتّخذناهم على أنها ألف وصل في اتّخذناهم، يكون «اتخذناهم» نعتا للرجال، و أبو عبيد و أبو حاتم يميلان إلى هذه القراءة و احتجّا جميعا بأن الذين قالوا هذا قد علموا أنهم اتّخذوهم سخريّا فكيف يستفهمون فالا و قد تقدم الاستفهام. قال أبو جعفر: هذا الاحتجاج لا يلزم، و لو كان واجبا لوجب في مالنا، و لكن الاستفهام هاهنا على ما قاله الفراء (3) (4) فيه. قال: هو بمعنى التوبيخ و التعجب اَلرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخََاءً حَيْثُ أَصََابَ إذا قرأت بالاستفهام كانت أم للتسوية، و إذا كانت بغير استفهام فهي بمعنى أبل.

بمعنى هو تخاصم، و يجوز أن يكون بدلا من الحقّ، و يجوز أن يكون خبرا بعد خبر، و يجوز أن يكون بدلا من ذلك على الموضع.

____________

(1) انظر تيسير الداني 152.

(2) انظر معاني الفراء 2/411.

(3) انظر تيسير الداني 152.

(4) انظر معاني الفراء 2/411.

317

قُلْ إِنَّمََا أَنَا مُنْذِرٌ مبتدأ و خبره و كفّت «ما» «أن» عن العمل وَ مََا مِنْ إِلََهٍ إِلاَّ اَللََّهُ «من» زائدة للتوكيد. قال أبو إسحاق: و لو قرئ بالنصب إِلاَّ اَللََّهُ اَلْوََاحِدُ اَلْقَهََّارُ جاز على الاستثناء.

على النعت، و أن نصبت الأول نصبت، و يجوز رفع الأول و نصب ما بعده على المدح.

أي القرآن خبر جليل، و قيل: المعنى عظيم المنفعة، و قال أبو إسحاق: هذا الخبر نبأ عظيم.

أي لا تقبلونه.

قال أبو جعفر: قد بينا معناه‏ (1) .

«أنّ» في موضع رفع لأنها اسم ما لم يسمّ فاعله، و يجوز أن يكون في موضع نصب بمعنى إلاّ لأنما.

فَإِذََا سَوَّيْتُهُ إذا تردّ الماضي إلى المستقبل لأنها تشبه حروف الشرط و جوابها كجوابه سََاجِدِينَ على الحال.

أَسْتَكْبَرْتَ على التوبيخ، و من وصل الألف جعله خبرا أَمْ كُنْتَ مِنَ اَلْعََالِينَ . قال ابن عباس: كان في علم اللّه من الكافرين.

____________

(1) انظر إعراب الآية السادسة من السورة.

318

قََالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ مبتدأ و خبره. قال الفراء: و من العرب من يقول: أنا أخير منه و أشرّ منه. و هذا هو الأصل إلاّ أنه حذفت الألف منه لكثرة الاستعمال.

قََالَ فَاخْرُجْ مِنْهََا قيل: يعني من الجنة. فَإِنَّكَ رَجِيمٌ أي مرجوم بالكواكب و الشهب.

قََالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلى‏ََ يَوْمِ يُبْعَثُونَ و هو يوم القيامة}فلم يجب إلى ذلك و أخّر إِلى‏ََ يَوْمِ اَلْوَقْتِ اَلْمَعْلُومِ و هو يوم يموت الخلق فيه فأخّر إليه تهاونا به و أنه لا يصل إلاّ لي الوسوسة، و لا يفسد إلاّ من كان لا يصلح لو لم يوسوسه.

أي لاستدعينّهم إلى المعاصي التي يغوون من أجلها أي يخيبون.

قال الحقّ‏ (1) و الحقّ أقول هذه قراءة أهل الحرمين و أهل البصرة و الكسائي، و قرأ ابن عباس و مجاهد و عاصم و الأعمش و حمزة قََالَ فَالْحَقُ‏ (2) وَ اَلْحَقَّ أَقُولُ برفع الأول و فتح الثاني، و أجاز الفراء (3) «قال فالحقّ و الحقّ أقول» بخفض الأول و لا اختلاف في الثاني أنه منصوب بأقول و نصب الأول على الإغراء أي فاتّبعوا الحق و استمعوا الحق. }و قيل بمعنى أحقّ أي أفعله، و أجاز الفراء و أبو عبيد أن يكون الحقّ منصوبا بمعنى حقّا لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ و ذلك عند جماعة من النحويين خطأ لا يجوز: زيدا لأضربنّ لأن ما بعد اللام مقطوع مما قبلها. و من رفع الحق رفعه بالابتداء أي فأنا الحقّ أو و الحقّ منّي و رويا جميعا عن مجاهد يجوز أن يكون التقدير: هذا الحق. و في الخفض قولان: أحدهما أنه على حذف حرف القسم، هذا قول الفراء، قال كما تقول:

____________

(1) انظر تيسير الداني 152، و البحر المحيط 7/393.

(2) انظر تيسير الداني 152، و البحر المحيط 7/393.

(3) انظر معاني الفراء 2/413.

319

اللّه لأفعلنّ، و قد أجاز مثل هذا سيبويه و غلّطه في أبو العباس، و لم يجز إلاّ النصب لأن حروف الخفض لا تضمر، و القول الآخر: أن تكون الفاء بدلا من القسم، كما أنشدوا:

[الطويل‏] 385-

فمثلك حبلى قد طرقت و مرضع # فالهيتها عن ذي تمائم محول‏ (1)

}و روى مسروق عن عبد اللّه بن مسعود قال: من سئل عمّا لا يعلم فليقل لا أعلم و لا يتكلّف فإنّ قوله لا أعلم علم. و قد قال اللّه جلّ و عزّ لنبيه صلّى اللّه عليه و سلّم: قُلْ مََا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَ مََا أَنَا مِنَ اَلْمُتَكَلِّفِينَ إِنْ هُوَ إِلاََّ ذِكْرٌ لِلْعََالَمِينَ .

وَ لَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ أي نبأ القرآن حق بعد حين. قال أبو إسحاق: أي بعد الموت.

و قال الفراء: بعد الموت و قبله أي سيتبيّن ذلك.

____________

(1) الشاهد لامرئ القيس في ديوانه 12، و الأزهيّة 244، و الجنى الداني ص 75، و جواهر الأدب 63، و خزانة الأدب 1/334، و الدرر 4/193، و شرح أبيات سيبويه 1/450، و الكتاب 2/164، و شرح شواهد المغني 1/402، و لسان العرب (رضع) و (غيل) ، و المقاصد النحوية 3/336، و تاج العروس (غيل) ، و بلا نسبة في أوضح المسالك 3/73، و رصف المباني 387، و شرح الأشموني 2/299، و شرح ابن عقيل ص 372، و مغني اللبيب 1/136، و همع الهوامع 2/36.

320

فهرس المحتويات‏

شرح إعراب سورة مريم 3 شرح إعراب سورة طه 22 شرح إعراب سورة الأنبياء 45 شرح إعراب سورة الحج 60 شرح إعراب سورة المؤمنين 77 شرح إعراب سورة النور 88 شرح إعراب سورة الفرقان 105 شرح إعراب سورة الشعراء 119 شرح إعراب سورة النمل 135 شرح إعراب سورة القصص 155 شرح إعراب سورة العنكبوت 168 شرح إعراب سورة الروم 178 شرح إعراب سورة لقمان 192 شرح إعراب سورة السجدة 199 شرح إعراب سورة الأحزاب 206 شرح إعراب سورة سبأ 227 شرح إعراب سورة فاطر 244 شرح إعراب سورة يس 258 شرح إعراب سورة الصافات 277 شرح إعراب سورة ص 302