إعراب القرآن - ج4

- احمد بن محمد النحاس المزيد...
312 /
53

كان بالحضرة و ذلك لمن تراخى ففي دخول أحدهما على الآخر بطلان البيان و ذلك على بابه أي فإلى ذلك الذي تقدّم فادع، وَ لاََ تَتَّبِعْ أَهْوََاءَهُمْ جمع هوى مبني على فعل إلاّ أنه اعتلّ؛ لأن الياء قلبت ألفا لتحركها و تحرّك ما قبلها فجمع على أصله كما يقال:

جمل و أجمال لاََ حُجَّةَ بَيْنَنََا وَ بَيْنَكُمُ نصب على التبرئة و قد ذكرنا العلّة فيه. و أجاز سيبويه الرفع فجعل «لا» بمعنى ليس. و المعنى أنه قد تبين الحقّ و أنتم معاندون و إنما تثبت الحجّة على من لم يكن هكذا.

وَ اَلَّذِينَ في موضع رفع بالابتداء و حُجَّتُهُمْ ابتداء ثان، دََاحِضَةٌ خبر حجتهم و الجملة خبر «الذين» ، و يجوز أن تكون حجّتهم بدلا من الذين على بدل الاشتمال و في المعنى قولان: أحدهما أن المعنى: و الذين يحاجّون في اللّه من بعد ما استجيب للنبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم فتكون الهاء مكنيّة للنبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم أي من بعد ما دعا على أهل بدر فاستجيب له و دعا على أهل مكة و مصر بالقحط فاستجيب له و دعا للمستضعفين أن ينجيهم اللّه عزّ و جلّ من قريش فاستجيب له في أشياء غير هذه، و القول الآخر قول مجاهد، قال: الّذين يحاجّون في اللّه من بعد ما استجيب له قوم من الكفار يجادلون المؤمنين في اللّه جلّ و عزّ أي في وحدانيته من بعد ما استجاب له المؤمنون فيجادلون، و هم مقيمون على الكفر ينتظرون أن تجي‏ء جاهليته. و هذا القول أولى من الذي قبله بالصواب، و أشبه بنسق الآية لأنه لم يتقدم للنبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم ذكر فيكنى عنه و لا لدعائه.

اَللََّهُ اَلَّذِي أَنْزَلَ اَلْكِتََابَ اسم اللّه جلّ و عزّ مرفوع بالابتداء و اَلَّذِي خبره و ليس نعت لأن الخبر لا بدّ منه و النعت يستغنى عنه أَنْزَلَ اَلْكِتََابَ بِالْحَقِّ أي ذكر فيه ما يحقّ على الناس أن يعملوه: وَ اَلْمِيزََانَ عطف على الكتاب أي و أنزل الميزان بالحق وَ مََا يُدْرِيكَ لَعَلَّ اَلسََّاعَةَ قَرِيبٌ تهديد لهم لأنهم حاجّوا في اللّه عزّ و جلّ من بعد ما استجيب له. و قال قريب و الساعة مؤنّثة على النسب، و قيل فرقا بينه و بين القرابة، فأما أبو إسحاق فيقول: لأن التأنيث ليس بحقيقي. و المعنى: لعلّ البعث قريب، و ذكر وجها أخر قال: يكون لعلّ مجي‏ء الساعة قريب.

54

يَسْتَعْجِلُ بِهَا اَلَّذِينَ لاََ يُؤْمِنُونَ بِهََا و ذلك نحو قولهم: مَتى‏ََ هََذَا اَلْوَعْدُ [يونس:

48] وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهََا و هكذا وصف أهل الإيمان يخافون من التفريط لئلا يعاقبوا عليه. أَلاََ إِنَّ اَلَّذِينَ يُمََارُونَ فِي اَلسََّاعَةِ لَفِي ضَلاََلٍ بَعِيدٍ أي لفي ضلال عن الحقّ و إنما صار بعيدا لأنهم كفروا معاندة و دفعا للحقّ، و لو كان كفرهم جهلا لم يكن بعيدا؛ لأنه كان يتبين لهم و يرون البراهين.

مَنْ كََانَ يُرِيدُ حَرْثَ اَلْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ شرط و مجازاة. قال أبو جعفر: قد ذكرنا في معناه أقوالا، و نذكر ما لم نذكره. و هو أن يكون المعنى: من كان يريد بجهاده الآخرة و ثوابها نعطه ذلك و نزده، و من كان يريد بغزوه الغنيمة، و هو حرث الدّنيا على التمثيل، نؤته منها؛ لأن النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم لم يكن يمنع المنافقين من الغنيمة. و هذا قول بيّن إلاّ أنه مخصوص و قول عامّ قاله طاوس قال: من كان همه الدنيا جعل اللّه فقره بين عينيه و لم ينل من الدنيا إلاّ ما كتب له، و من كان يريد الآخرة جعل اللّه جلّ و عزّ غناه بين عينيه و نور قلبه، و أتاه من الدنيا ما كتب له.

تَرَى اَلظََّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمََّا كَسَبُوا اَلظََّالِمِينَ نصب بترى و مُشْفِقِينَ نصب على الحال، و التقدير: من عقاب ما كسبوا. قال جلّ و عزّ: وَ هُوَ وََاقِعٌ بِهِمْ أي العقاب وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصََّالِحََاتِ فِي رَوْضََاتِ اَلْجَنََّاتِ قال مجاهد: الروضة المكان المونق الحسن. و حكى بعض أهل اللغة أنها لا تكون إلاّ في موضع مرتفع، كان أحسن لها و أشدّ، و إذا كانت خشنة و لم تكن رخوة كان ثمرها أحسن و ألذّ، كما قال جلّ و عزّ: كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ [البقرة: 265]أي مرتفعة. قال الأعشى: [البسيط] 399-

ما روضة من رياض الحزن معشبة # خضراء جاد عليها مسبل هطل‏

(1)

فوصف أنها من رياض الحزن، و الحزن: ما غلظ من الأرض، و يقال: الحزم بالميم، لما ذكرناه. ذََلِكَ هُوَ اَلْفَضْلُ اَلْكَبِيرُ أي ذلك الذي تقدّم ذكره للذين آمنوا.

و «ذلك» في موضع رفع بالابتداء و «هو» ابتداء ثان، و يجوز أن يكون زائدا بمعنى التوكيد «الفضل» الخبر و «الكبير» من نعته.

____________

(1) مرّ الشاهد رقم (337) .

55

ذََلِكَ اَلَّذِي يُبَشِّرُ اَللََّهُ مبتدأ و خبره و قراءة الكوفيين يُبَشِّرُ (1) و قد ذكرنا نظيره‏ (2)

غير أن أبا عمرو بن العلاء قرأ هذا وحده يُبَشِّرُ (3) و قرأ غيره «يبشّر» (4) و أنكر هذا عليه قوم، و قالوا: ليس بين هذا و بين غيره فرق، و الحجّة له ذلك أنه لم يقرأ بشي‏ء شاذ و لا بعيد في العربية و لكن لما كانتا لغتين فصيحتين لم يقتصر على أحدهما فيتوهم السامع أنه لا يجوز غيرها فجاء بهما جميعا، و هكذا يفعل الحذّاق. و في القرآن نظيره مما قد اجتمع عليه، و هو قوله جلّ و عزّ: فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ [البقرة: 282]من أملّ يمل و في موضع أخر فَهِيَ تُمْلى‏ََ عَلَيْهِ بُكْرَةً وَ أَصِيلاً [الفرقان: 5]من أملى يملي. قُلْ لاََ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ اَلْمَوَدَّةَ فِي اَلْقُرْبى‏ََ . قال أبو جعفر: قد ذكرنا معناه مستقصى.

فأما الإعراب فهذا موضع ذكره «المودّة» في موضع نصب لأنه استثناء ليس من الأول، و سيبويه‏ (5) يمثله بمعنى «لكن» ، و كذا قال أبو إسحاق، قال: «أجرا» تمام الكلام كما قال جلّ و عزّ: قُلْ مََا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ [الفرقان: 57]و لو لم يكن استثناء ليس من الأول كانت المودة بدلا من أجر وَ مَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً شرط يقال: اقترف و قرف إذا كسب، و جواب الشرط. نَزِدْ لَهُ فِيهََا حُسْناً .

اختلف العلماء في تفسير هذا فقال أبو إسحاق: معنى يَخْتِمْ عَلى‏ََ قَلْبِكَ يربط على قلبك بالصبر على أذاهم. قال أبو جعفر: و هذا الذي قاله لا يشبه ظاهر الآية.

و قال غيره: فإن يشأ اللّه يختم على قلبك لو اقترفت و اختلفوا في معنى يَخْتِمْ فقال بعضهم: أي يمنعك من التمييز. و قال بعضهم: معنى: ختم اللّه على قلبه جعل عليه علامة من سواد أو غيره تعرف الملائكة بها أنه معاقب، كما قال جلّ و عزّ: كَلاََّ بَلْ رََانَ عَلى‏ََ قُلُوبِهِمْ [المطففين: 14]قال أبو جعفر: و في التفسير أنه إذا عمل العبد خطيئة رين على قلبه فغطي منه شي‏ء فإن زاد زيد في الرّين حتّى يسود قلبه فلا ينتفع بموعظة. وَ يَمْحُ اَللََّهُ اَلْبََاطِلَ منقطع من الأول في موضع رفع. و يجب أن يكتب بالواو

____________

(1) انظر تيسير الداني 157، و البحر المحيط 7/493.

(2) انظر الآية 9-الإسراء و الكهف 2.

(3) انظر تيسير الداني 157، و البحر المحيط 7/493.

(4) انظر تيسير الداني 157، و البحر المحيط 7/493.

(5) انظر الكتاب 2/346.

56

إلاّ أنه وقع في السواد بغير واو كتب على اللفظ في الإدراج و إنما حذفت الواو في الإدراج لسكونها و سكون اللام بعدها فإذا وقفت زالت العلّة في حذفها فعلى هذا لا ينبغي الوقوف عليه لأنه إن أثبت الواو خالف السواد و إن حذفها لحن و نظيره‏ وَ يَدْعُ اَلْإِنْسََانُ بِالشَّرِّ [الإسراء: 11]، و كذا سَنَدْعُ اَلزَّبََانِيَةَ [العلق: 18]فأما معنى و «يمح اللّه الباطل» ففيه احتجاج عليهم لنبوة محمد صلّى اللّه عليه و سلّم لأن معناه أنّ اللّه جلّ و عزّ يزيل الباطل و لا يثبته، فلو كان ما جاء به محمد صلّى اللّه عليه و سلّم باطلا لمحاه اللّه جلّ و عزّ و أنزل كتابا على غيره، و هكذا جرت العادة في جميع المفترين أنّ اللّه سبحانه يمحو باطلهم بالحقّ و البراهين و الحجج وَ يُحِقُّ اَلْحَقَّ بِكَلِمََاتِهِ أي يبيّن الحقّ.

يجوز أن يكون اَلَّذِينَ في موضع رفع بفعلهم أي و يجيب الذين آمنوا ربّهم فيما دعاهم إليه. و يجوز أن يكون الذين في موضع نصب أي و يستجيب اللّه الذين آمنوا، و حذف اللام من هذا جائز كثير، و مثله‏ وَ إِذََا كََالُوهُمْ [المطففين: 3]أي كالوا لهم.

قال أبو جعفر: هذا أشبه بنسق الكلام لأن الفعل الذي قبله و الذي بعده للّه جلّ و عزّ، و ثمّ حديث عن معاذ بن جبل يدل على هذا قال: إنكم تدعون لهؤلاء الصناع غفر اللّه لك رحمك و بارك عليك، و اللّه جلّ و عزّ يقول: وَ يَسْتَجِيبُ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصََّالِحََاتِ وَ يَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ . يكون على هذا «يزيدهم» على ما دعوا، و تمّ الكلام. وَ اَلْكََافِرُونَ مبتدأ و الجملة خبره.

وَ لَوْ بَسَطَ اَللََّهُ اَلرِّزْقَ لِعِبََادِهِ لَبَغَوْا فِي اَلْأَرْضِ و أجاز الخليل رحمه اللّه في السين إذا كانت بعدها طاء أن تقلب صادا لقربها منها، }و زعم الفراء (1) : أن قوله جلّ و عزّ: وَ مِنْ آيََاتِهِ خَلْقُ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ وَ مََا بَثَّ فِيهِمََا مِنْ دََابَّةٍ أنه أراد جلّ و عزّ و ما بثّ في الأرض دون السماء و أنّ مثله‏ يَخْرُجُ مِنْهُمَا اَللُّؤْلُؤُ وَ اَلْمَرْجََانُ [الرحمن: 22]و إنما يخرجان من الملح، و زعم أن هكذا جاء في التفسير. قال أبو جعفر: و الذي قاله لا يعرف في تفسير و لا لغة و لا معقول أي يخبر عن اثنين بخبر واحد، و هذا بطلان البيان و التجاوز إلى ما يحظره الدّين. و العرب تقول: لكل ما تحرّك من شي‏ء دبّ فهو دابّ ثم تدخل الهاء للمبالغة فتقول: دابّة. قال أبو جعفر: و سمعت علي بن سليمان يقول: في دابّة لتأنيث الصيغة.

____________

(1) انظر معاني الفراء 3/24.

57

وَ مََا أَصََابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمََا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ هذه قراءة الكوفيين و البصريين، و كذا في مصاحفهم، و قرأ المدنيون بما بغير فاء، و كذا في مصاحفهم فالقراءة بالفاء بيّنة لأنه شرط و جوابه. و القراءة بغير فاء فيها للنحويين ثلاثة أقوال: أحدها: أن يكون «ما» بمعنى «الذي» فلا تحتاج إلى جواب بالفاء، و هذا مذهب أبي إسحاق. و القول الثاني:

أن يكون ما للشرط و تكون الفاء محذوفة كما قال: [البسيط] 400

-من يفعل الحسنات اللّه يشكرها # و الشّرّ بالشّرّ عند اللّه مثلان‏

(1)

و هذا قول أبي الحسن علي بن سليمان الأخفش، و زعم أن هذا يدلّ على أن حذف الفاء في الشرط جائز حسن لجلال من قرأ به. و القول الثالث: أن «ما» هاهنا للشرط إلاّ أنه جاز حذف الفاء لأنها لا تعمل في اللفظ شيئا و إنما وقعت على الماضي، و هذا أولى الأقوال بالصواب. فأما أن يكون «ما» بمعنى الذي فبعيد لأنّه يقع مخصوصا للماضي، و أما أن يشبّه هذا بالبيت الذي ذكرناه فبعيد أيضا لأن حذف الفاء مع الفعل المستقبل لا يجوز عند سيبويه إلاّ في ضرورة الشعر، و لا يحمل كتاب اللّه عزّ و جلّ إلاّ على الأغلب الأشهر.

وَ مََا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ قال محمد بن يزيد: أي بسابقين يقال: أعجز إذا عدا فسبق.

«الجواري» جمع جارية، و الجواري في موضع رفع حذفت الضمة من يائها لثقلها.

إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ اَلرِّيحَ شرط و مجازاة. فَيَظْلَلْنَ عطف، و كذا} أَوْ يُوبِقْهُنَّ و كذا وَ يَعْفُ }و كذا عند سيبويه‏ (2) وَ يَعْلَمَ اَلَّذِينَ يُجََادِلُونَ فِي آيََاتِنََا هذا الاختيار عنده لأنه كلام معطوف بعضه على بعض، و مثله‏ يُحََاسِبْكُمْ بِهِ اَللََّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشََاءُ وَ يُعَذِّبُ مَنْ يَشََاءُ [البقرة: 284]، و كذا قول النابغة (3) : [الوافر] 401-

فإن يهلك أبو قابوس يهلك # ربيع النّاس و البلد الحرام

و نمسك بعده بذناب عيس # أجبّ الظّهر ليس له سنام‏

فجزم «و نمسك» على العطف. و يجوز رفعه و نصبه إلاّ أن الرفع عند سيبويه

____________

(1) مرّ الشاهد رقم (34) .

(2) انظر إعراب الآية 284-البقرة.

(3) مرّ الشاهد رقم (179) .

58

أجود، و هي قراءة المدنيين وَ يَعْلَمَ اَلَّذِينَ (1) على أنه مقطوع مما قبله مرفوع، و النصب عنده بعيد، و هي قراءة الكوفيين، و الصحيحة من قراءة أبي عمرو، و شبّهه سيبويه في البعد بقول الشاعر: [الوافر] 402-

سأترك منزلي لبني تميم # و ألحق بالحجاز فأستريحا

(2)

إلاّ أن النصب في الآية أمثل لأنه شرط و هو غير واجب، و أنشد (3) : [الطويل‏] 403-

و من يغترب عن قومه لا يزل يرى # مصارع أقوام مجرّا و مسحبا

و تدفن منه الصّالحات و إن يسي‏ء # يكن ما أساء النّار في رأس كبكبا

فنصب «و تدفن» و لو رفع لكان أحسن. و اختار أبو عبيد النصب و شبّهه بقوله جلّ و عزّ: وَ لَمََّا يَعْلَمِ اَللََّهُ اَلَّذِينَ جََاهَدُوا مِنْكُمْ وَ يَعْلَمَ اَلصََّابِرِينَ [ال عمران: 142].

و هما لا يتجانسان و لا يشتبهان لأن «و يعلم» جواب لما فيه النفي فالأولى به النصب و قوله جلّ و عزّ: وَ يَعْلَمَ اَلَّذِينَ يُجََادِلُونَ ليس بجواب فيجب نصبه، و موضع الذين في قوله «و يعلم النّاس» موضع رفع بعلم.

وَ مََا عِنْدَ اَللََّهِ مبتدأ و خَيْرٌ خبره وَ أَبْقى‏ََ معطوف على خير لِلَّذِينَ آمَنُوا خفض باللام.

وَ اَلَّذِينَ في موضع خفض معطوف على «للذين آمنوا» يَجْتَنِبُونَ كَبََائِرَ اَلْإِثْمِ هذه قراءة المدنيين و أبي عمرو و عاصم، و قرأ يحيى بن وثاب و الأعمش و حمزة و الكسائي كَبََائِرَ اَلْإِثْمِ (4) و القراءة الأولى أبين لأنه إذا قرأ كبير توهّم أنه واحد أكبرها، و ليس المعنى على ذلك عند أحد من أهل التفسير إلاّ شيئا قاله الفراء (5) فعكس فيه قول

____________

(1) انظر تيسير الداني 158، و معاني الفراء 3/24.

(2) الشاهد للمغيرة بن حبناء في خزانة الأدب 8/522، و الدرر 1/240، و شرح شواهد الإيضاح ص 251، و شرح شواهد المغني 497، و المقاصد النحوية 4/390، و بلا نسبة في الكتاب 3/39، و الدرر 5/130، و الردّ على النحاة ص 125، و رصف المباني ص 379، و شرح الأشموني 3/565، و شرح المفصّل 7/55، و المحتسب 1/197، و مغني اللبيب 1/175، و المقتضب 2/24، و المقرب 1/263.

(3) مرّ الشاهد رقم 317.

(4) انظر تيسير الداني 158، و كتاب السبعة لابن مجاهد 581.

(5) انظر معاني الفراء 3/25.

59

أهل التفسير، قال: «كبير الإثم» الشرك قال: و كبائر يراد بها كبير، و هذا معكوس إنما يقال: كبير يراد به كبائر. يكون واحدا يدلّ على جمع، و زعم أنه يستحبّ لمن قرأ «كبائر الإثم» أن يقرأ «و الفواحش» فيخفض، و القراءة بهذا مخالفة بحجّة الإجماع و أعجب من هذا أنه زعم أنه يستحبّ القراءة به ثم قال: و لم أسمع أحدا قرأ به.

و الأحاديث عن النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم في الكبائر معروفة كثيرة و عن الصحابة و عن التابعين. و نحن نذكر من ذلك ما فيه كفاية لتبيين هذا. و نبيّن معنى الكبائر و الاختلاف فيه إذا كان مما لا يسع أحدا جهله. و نبدأ بما صحّ فيها عن الرسول صلّى اللّه عليه و سلّم مما لا مطعن في إسناده و توليه من قول الصحابة و التابعين و أهل النظر بما فيه كفاية إن شاء اللّه. فمن ذلك ما حدّثناه محمد بن إدريس بن أسود عن إبراهيم بن مرزوق قال: حدّثنا وهب بن جرير قال:

حدّثنا شعبة عن عبيد اللّه بن أبي بكر بن أنس عن أنس عن النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم قال: «أكبر الكبائر الإشراك باللّه جلّ و عزّ و عقوق الوالدين المسلمين و قتل النفس و شهادة الزّور أو قول الزور» (1) و قرئ على أحمد بن شعيب عن عبدة بن عبد الرحيم قال أخبرنا ابن شميل قال: حدّثنا شعبة قال: حدّثنا فراس قال: سمعت الشّعبي يحدث عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص عن النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم قال: «الكبائر الإشراك باللّه جلّ و عزّ و عقوق الوالدين و قتل النفس و اليمين الغموس» (2) قال أحمد: و أخبرنا إسحاق بن إبراهيم ثنا بقيّة حدثني بحير بن سعد عن خالد بن معد أن أبا رهم السّماعي حدّثه عن أبي أيوب و هو خالد بن زيد الأنصاري بدريّ عقبيّ عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم قال: «من جاء لا يشرك باللّه شيئا و يقيم الصلاة و يؤتي الزكاة و يصوم رمضان و اجتنب الكبائر فإنه في الجنة» (3) فسئل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم عن الكبائر قال: فقال: «الإشراك باللّه جلّ و عزّ و قتل النفس المسلمة و الفرار يوم الزحف» قال أحمد: أخبرنا عمرو بن علي قال: حدّثنا يحيى قال: حدّثنا سفيان عن الأعمش و منصور عن أبي وائل عن أبي ميسرة عن عبد اللّه قال: قلت يا رسول اللّه أيّ الذنوب أعظم قال: «أن تجعل للّه جلّ و عزّ ندّا و هو خلقك» . قلت: ثمّ أيّ. قال: «أن تقتل ولدك خشية أن يأكل معك» . قلت: ثمّ أيّ. قال: «أن تزني بحليلة جارك» (4) قال أبو جعفر: فهذه أسانيد مستقيمة و في حديث أبي أمامة زيادة على ما فيها من الكبائر فيه: أكل مال اليتيم و قذف المحصنة و الغلول و السحر و أكل الربا فهذا جميع ما نعلمه، روي عن النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم في الكبائر مفصلا مبينا فأما الحديث المجمل فالذي رواه أبو سعيد

____________

(1) أخرجه أحمد في مسنده 3/495، و البيهقي في السنن الكبرى 8/20، و ابن كثير في تفسيره 2/241، و الطبري في تفسيره 5/28.

(2) أخرجه الترمذي في سننه-البر و الصلة 8/97، و الدارمي في سننه-الديات 2/191.

(3) أخرجه أحمد في مسنده 5/413، و المتقي في كنز العمال 276.

(4) أخرجه أحمد في مسنده 5/217، و ابن ماجة في سننه-الديات-الحديث رقم (2618) .

60

و أبو هريرة عن النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم أنها سبع فليس بناقض لهذا لأن قذف المحصنة و اليمين الغموس و السحر داخلان في قول الزور و حديث ابن مسعود الذي فيه «أن تقتل ولدك خشية أن يأكل معك» داخل في قتل النفس المحرمة و لم يقل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم: لا تكون الكبائر إلا هذه فيجب التسليم. و قد روى مسروق عن عبد اللّه بن مسعود أنه قال:

الكبائر من أول سورة النساء إلى رأس ثلاثين آية. إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبََائِرَ مََا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئََاتِكُمْ [النساء: 31]فأولى ما قيل في الكبائر و أجمعه ما حدثناه علي بن الحسين قال: قال الحسين بن محمد الزعفراني قال: حدّثنا أبو قطن عن يزيد بن إبراهيم عن محمد بن سيرين قال: سئل ابن عباس عن الكبائر فقال: كلّ ما نهى اللّه جلّ و عزّ عنه-فهو من الكبائر حتّى ذكر الطرفة، و حدّثناه بكر بن سهل قال: حدّثنا عبد اللّه بن صالح عن معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال:

الكبائر كل ما ختمه اللّه جلّ و عزّ بنار أو غضب أو لعنة أو عذاب. قال أبو جعفر: فهذا قول حسن بيّن لأن اللّه جلّ و عزّ قال: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبََائِرَ مََا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئََاتِكُمْ [النساء: 31]فعقل بهذا أن الصغائر لا يعذّب عليها من اجتنب الكبائر: فإذا أعلم اللّه جلّ و عزّ أنه يدخل على ذنب النار علم أنه كبيرة و كذا إذا أمر أن يعذّب صاحبه في الدنيا بالحد، و كذا قال الضحاك: كل موجبة أوجب اللّه تعالى لأهلها العذاب فهي كبيرة و كلّ ما يقام عليه الحدّ فهو كبيرة. فهذا المعنى الذي بيّنا بعد ذكر الأحاديث المسندة فهو شرح أيضا قول اللّه تعالى: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبََائِرَ مََا تُنْهَوْنَ عَنْهُ و كل ما كان مثله.

وَ اَلَّذِينَ اِسْتَجََابُوا لِرَبِّهِمْ في موضع خفض و المعنى و ما عند اللّه خير و أبقى للذين آمنوا و الذين استجابوا لربهم وَ أَقََامُوا اَلصَّلاََةَ أي أتمّوها بحدودها بركوعها و سجودها و خشوعها. وَ أَمْرُهُمْ شُورى‏ََ بَيْنَهُمْ مبتدأ و خبره.

وَ اَلَّذِينَ إِذََا أَصََابَهُمُ اَلْبَغْيُ في موضع خفض كالأول. هُمْ يَنْتَصِرُونَ و هذا مدح لهم وصفوا أنهم إذا بغى عليهم باغ أو ظلمهم ظالم لم يستسلموا له لأنهم لو استسلموا له لم ينهوا عن المنكر و فعله ذلك بهم منكر. و في حديث حذيفة عن النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم «لا يحلّ للمسلم أن يذلّ نفسه» . قيل: كيف يذلّ نفسه؟قال: «يتكلّف من البلاء ما لا يطيقه» (1) .

وَ جَزََاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهََا مبتدأ و خبره. و السيّئة الأولى سيّئة على الحقيقة و الثانية

____________

(1) الحديث في تنزيه الشرائع لابن عراق 2/363، و الفوائد المجموعة للشوكاني 378.

61

على المجاز سمّيت سيّئة لأنها مجازاة على الأولى ليعلم أنه يقتصّ بمثل ما نيل منه فَمَنْ عَفََا وَ أَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اَللََّهِ أي فلم يقتصّ فثوابه على اللّه جلّ و عزّ، كما روى الحسن و محمد بن المنكدر و عطاء و محمد يقول: أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم قال: «ينادي مناد يوم القيامة أين من له وعد على اللّه عزّ و جلّ؟فليقم، فيقوم من عفا» (1) و قرأ عطاء فَمَنْ عَفََا وَ أَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اَللََّهِ .

وَ لَمَنِ اِنْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ مبتدأ فَأُولََئِكَ مبتدأ أيضا، و الجملة خبر الأول.

إِنَّمَا اَلسَّبِيلُ عَلَى اَلَّذِينَ يَظْلِمُونَ اَلنََّاسَ أي سبيل العقوبة.

أي من أعاليها و أجلّها أن يعفو و يصفح و يتوقّى الشبهات و إن لم تكن محظورة ورعا و طلبا لرضاء اللّه عزّ و جلّ فهذه معالي الأمور، و هي من عزم الأمور أي التي يعزم عليها الورعون المتّقون. قال أبو جعفر: و في إشكال من جهة العربية و هو أنّ «لمن صبر و غفر» مبتدأ و لا خبر له في اللفظ فالقول فيه: إن فيه حذفا، و التقدير: و لمن صبر و عفا أنّ ذلك منه لمن عزم الأمور، و مثل هذا في كلام العرب كثير موجود، حكاه سيبويه و غيره:

مررت ببرّ قفيز بدرهم أي قفيز منه، و يقال: السّمن منوان بدرهم بمعنى منه.

وَ مَنْ يُضْلِلِ اَللََّهُ فَمََا لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ أي من يضلّه عن الثواب فما له وليّ و لا ناصر يسأله الثواب. وَ تَرَى اَلظََّالِمِينَ لَمََّا رَأَوُا اَلْعَذََابَ يَقُولُونَ في موضع نصب على الحال.

هَلْ إِلى‏ََ مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ «من» زائدة للتوكيد.

وَ تَرََاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهََا خََاشِعِينَ على الحال و كذا يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ قال محمد بن كعب: يسارقون النظر إلى النار وَ قََالَ اَلَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اَلْخََاسِرِينَ اَلَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَ أَهْلِيهِمْ

____________

(1) أخرجه الترمذي في سننه 10/18.

62

روى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: هم الذين خلقوا للنّار و خلقت النار لهم خلّفوا أموالهم و أهاليهم في الدنيا و حرموا الجنة و صاروا إلى النار فخسروا الدنيا و الآخرة.

مِنْ أَوْلِيََاءَ في موضع رفع اسم كان.

مََا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَ مََا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ أي من مخلص و لا تنكرون ما وقفتم عليه من أعمالكم.

وَ إِنََّا إِذََا أَذَقْنَا اَلْإِنْسََانَ مِنََّا رَحْمَةً ثم قال بعد وَ إِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ فجاء الضمير لجماعة لأنّ الإنسان اسم للجنس بمعنى الجميع، كما قال جلّ و عزّ: إِنَّ اَلْإِنْسََانَ لَفِي خُسْرٍ`إِلاَّ اَلَّذِينَ آمَنُوا [العصر: 2، 3]فوقع الاستثناء لأن الإنسان بمعنى جمع.

يَهَبُ لِمَنْ يَشََاءُ إِنََاثاً وَ يَهَبُ لِمَنْ يَشََاءُ اَلذُّكُورَ أي من الأولاد.

أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرََاناً وَ إِنََاثاً أي يجمع لهم هذا، كما قال محمد بن الحنفية: يعني به التوأم. و قال أبو إسحاق: يزوّجهم يقرن لهم. و كلّ قرينين زوجان. وَ يَجْعَلُ مَنْ يَشََاءُ عَقِيماً أي لا يولد له. و عقيم بمعنى معقوم. و قد عقمت المرأة إذا لم تحمل فهي امرأة عقيم و معقومة.

أَنْ في موضع رفع اسم كان و وَحْياً يكون مصدرا في موضع الحال، كما تقول: جاء فلان مشيا، و يجوز أن يكون منصوبا على أنه مصدر أَوْ مِنْ وَرََاءِ حِجََابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مََا يَشََاءُ هذه قراءة أكثر الناس، و قرأ نافع أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً (1)

____________

(1) انظر تيسير الداني 158، و كتاب السبعة لابن مجاهد 582.

63

بالرفع فَيُوحِيَ بإسكان الياء، و لا نعلمه يروى إلاّ عن نافع إلاّ أنه قال: لم أقرأ حرفا يجتمع عليه رجلان من الأئمة فلهذا قال عبد اللّه بن وهب: قراءة نافع سنّة. قال أبو جعفر: فأما القول في نصب «يرسل» و «يوحي» و رفعهما فقد جاء به سيبويه عن الخليل بما فيه كفاية لمن تدبّره و نمليه نصا كما قال ليكون أشفى. قال سيبويه‏ (1) : سألت الخليل عن قول اللّه جلّ و عزّ: أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مََا يَشََاءُ فزعم أن النصب محمول على «أن» سوى هذه و لو كانت هذه الكلمة على «أن» هذه لم يكن للكلام وجه، و لكنه لما قال: إِلاََّ وَحْياً كان في معنى إلاّ أن يوحي و كان «أو يرسل» فعلا لا يجري على «إلاّ» فأجري على «أن» هذه كأنه قال: إلاّ أن يوحي أو يرسل؛ لأنه لو قال: إلاّ وحيا و إلا أن يرسل كان حسنا: و كان أن يرسل بمنزلة الإرسال فحملوه على «أن» إذ لم يجز أن يقولوا: أو إلا يرسل فكأنه قال: إلاّ وحيا أو أن يرسل. و قال الحصين بن حمام المرّي: [الطويل‏] 404-

و لولا رجال من رزام أعزّة # و آل سبيع أو أسوءك علقما

(2)

يضمر «أن» و ذلك لأنه امتنع أن يجعل الفعل على لولا فأضمر «أن» كأنه قال:

لولا ذاك أو لولا أن أسؤك. و بلغنا أن أهل المدينة يرفعون هذه الآية وَ مََا كََانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اَللََّهُ إِلاََّ وَحْياً أَوْ مِنْ وَرََاءِ حِجََابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ فكأنه-و اللّه أعلم-قال اللّه لا يكلّم البشر إلاّ وحيا أو يرسل رسولا أي في هذه الحال. و هذا كلامه إياهم، كما تقول العرب: تحيّتك الضرب، و عتابك السيف، و كلامك القتل، قال عمرو بن معدي كرب: [الوافر] 405-

و خيل قد دلفت لها بخيل # تحيّة بينهم ضرب وجيع‏

(3)

و سألت الخليل رحمه اللّه عن قول الأعشى: [البسيط] 406-

إن تركبوا فركوب الخيل عادتنا # أو تنزلون فإنا معشر نزل‏

(4)

فقال: الكلام هاهنا على قولك يكون كذا أو يكون كذا ما كان موضعها لو قال

____________

(1) انظر الكتاب 3/55.

(2) الشاهد للحصين في خزانة الأدب 3/324، و الكتاب 3/55، و الدرر 4/78، و شرح اختيارات المفضّل 334، و شرح التصريح 2/244، و شرح المفصّل 3/50، و المقاصد النحوية 4/411، و بلا نسبة في سر صناعة الإعراب 1/272، و المحتسب 1/326، و همع الهوامع 2/10.

(3) الشاهد لعمرو بن معد يكرب في ديوانه 149، و خزانة الأدب 9/252، و الكتاب 2/335، و شرح أبيات سيبويه 2/200، و نوادر أبي زيد 150، و بلا نسبة في أمالي ابن الحاجب 1/345، و الخصائص 1/368، و شرح المفصل 2/80، و المقتضب 2/20.

(4) مرّ الشاهد رقم (156) .

64

فيه: أ تركبون، لم ينتقض المعنى صار بمنزلة «و لا سابق شيئا» (1) و أما يونس فقال:

أرفعه على الابتداء كأنه قال: أو أنتم نازلون، و على هذا الوجه فسر الرفع في الآية كأنه قال: أو هو يرسل رسولا، كما قال طرفة: [الطويل‏] 407-

أو أنا مفتدى‏

(2)

و قول يونس أسهل.

وَ كَذََلِكَ أَوْحَيْنََا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنََا الكاف في موضع نصب أي: أوحينا إليك وحيا كذلك الذي قصصنا عليك مََا كُنْتَ تَدْرِي مَا اَلْكِتََابُ وَ لاَ اَلْإِيمََانُ «ما» في موضع رفع بالابتداء و «الكتاب» خبره و الجملة في موضع نصب بتدري. و يجوز في الكلام أن تنصب الكتاب و تجعل «ما» زائدة كما روي: هذا «باب علم ما الكلم من العربية» (3)

فنصب «الكلم» وَ لََكِنْ جَعَلْنََاهُ نُوراً و لم يقل: جعلناهما فيكون الضمير للكتاب أو للتنزيل أو الإيمان. و أولاهما أن يكون للكتاب و يعطف الإيمان عليه و يكون بغير حذف وَ إِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى‏ََ صِرََاطٍ مُسْتَقِيمٍ قال الضحاك: الصراط الطريق و الهدى. و يقرأ وَ إِنَّكَ لَتَهْدِي (4) و في حرف أبيّ‏ وَ إِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلى‏ََ صِرََاطٍ مُسْتَقِيمٍ (5) .

صِرََاطِ اَللََّهِ على البدل. قال أبو إسحاق: و يجوز الرفع و النصب. أَلاََ إِلَى اَللََّهِ تَصِيرُ اَلْأُمُورُ و هي أبدا إليه تعالى. قال الأخفش: يتولّى اللّه الأمور يوم القيامة دون خلقه، و قد كان بعضها إلى خلقه في الدنيا من الفقهاء و السلاطين و غيرهم.

____________

(1) يشير إلى قول زهير:

تبيّنت أني لست مدرك ما مضى # و لا سابق شيا إذا كان جاثيا

(2) الشاهد لطرفة بن العبد في ديوانه 36، و الكتاب 3/54، و شرح أبيات سيبويه 2/48:

«و لكن مولاي امرؤ هو خالقي # على الشكر و التساؤل أو أنا مفتدى»

(3) انظر الكتاب 1/40.

(4) انظر البحر المحيط 7/505، و مختصر ابن خالويه 134.

(5) انظر البحر المحيط 7/505، و مختصر ابن خالويه 134.

65

43 شرح إعراب سورة الزخرف‏

بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ

اَلْكِتََابِ مخفوض بواو القسم، و هي بدل من الباء لقربها منها و لشبهها بها اَلْمُبِينِ نعت. }و جواب القسم إِنََّا جَعَلْنََاهُ الهاء التي في جعلناه مفعول أول و قرآنا مفعول ثان فهذه جعلنا التي تتعدى إلى مفعولين بمعنى صيّرنا و ليست و جعلنا التي بمعنى خلقنا؛ لأن تلك لا تتعدى إلاّ إلى مفعول واحد، نحو قوله جلّ و عزّ: وَ جَعَلَ اَلظُّلُمََاتِ وَ اَلنُّورَ [الأنعام: 1]و فرقت العرب بينهما بما ذكرنا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ أي تعقلون أمر اللّه جلّ و عزّ و نهيه إذ أنزل القرآن بلسانكم.

وَ إِنَّهُ فِي أُمِّ اَلْكِتََابِ أي القرآن في اللوح المحفوظ. لَعَلِيٌّ أي عال رفيع.

و قيل: علي أي قاهر معجز لا يؤتى بمثله حَكِيمٌ محكم في أحكامه و رصفه.

أَ فَنَضْرِبُ عَنْكُمُ اَلذِّكْرَ صَفْحاً قال الفرّاء (1) يقال: أضربت عنك و ضربت عنك أي أعرضت عنك و تركتك. و في نصب صفح أقوال منها أن يكون معنى أَ فَنَضْرِبُ أ فنصفح، كما يقال: هو يدعه تركا؛ لأن معنى يدعه يتركه، و يجوز أن يكون صفحا بمعنى صافحين، كما تقول: جاء زيد مشيا أي ماشيا، و يجوز أن يكون صفحا بمعنى ذوي صفح، كما يقال: رجل عدل أي عادل و كذا رضى. و هذا جواب حسن و اختلف العلماء في معنى اَلذِّكْرَ هاهنا فروى جويبر عن الضحّاك أَ فَنَضْرِبُ عَنْكُمُ اَلذِّكْرَ ، قال: القرآن. و قال أبو صالح: أَ فَنَضْرِبُ عَنْكُمُ اَلذِّكْرَ فقال: أ فنذر عنكم الذكر

____________

(1) انظر معاني الفراء 2/28.

66

فنجعلكم سدى كما كنتم. قال أبو جعفر: و هذه الأقوال، و إن كانت مختلفة الألفاظ فإنّ معانيها متقاربة فمن قال: الذّكر العذاب قدّره بمعنى ذكر العذاب و ذكر العذاب إذا أنزل قرآن. و من قال: معناه أ فنذر عنكم الذّكر فنجعلكم سدى قدّره أ فنترك أن ينزل عليكم الذكر الذي فيه الأمر و النهي فنجعلكم مهملين، قال أبو جعفر: و هذا قول حسن صحيح بيّن أي أ فنهملكم فلا نأمركم و لا ننهاكم و لا نعاقبكم على كفركم بعد أن ظهرت لكم البراهين لأن كنتم قوما مسرفين. و هذا على قراءة من فتح «أن» (1) و هي قراءة الحسن و أبي عمرو و ابن كثير و عاصم، و سائر القراء على كسر «إن» أي متى أسرفتم فعلنا بكم هذا.

كَمْ في موضع نصب و هي عقيبة ربّ في الخبر، فمن العرب من يحذف «من» و ينصب، و منهم من يخفض و إن حذف «من» كما قال: [السريع‏] 408

-كم بجود مقرف نال العلى # و كريم بخله قد وضعه‏

(2)

و أفصح اللّغات إذا فصلت أن تأتي بمن، و هي اللغة الّتي جاء بها القرآن، و كذا كلّ ما جاء به القرآن و ربما وقع الغلط من بعض أهل اللغة فيما يذكرون من فصيح الكلام.

فأما المحققون فلا يفعلون ذلك فمما ذكر بعضهم في الفصيح من الكلام من زعم أنه يقال: أضربت عن الشّي‏ء بالألف، و زعم أنها اللغة الفصيحة. سمعت علي بن سليمان يقول: هذا غلط و الفصيح. ضربت عن الشي‏ء، لأن إجماع الحجة في قراءة الفرّاء أَ فَنَضْرِبُ عَنْكُمُ اَلذِّكْرَ صَفْحاً بفتح النون، و ذكر بعضهم أنّ الفصيح: عظّم اللّه أجرك، و إجماع الحجّة في قراءة القراء وَ يُعْظِمْ لَهُ أَجْراً [الطلاق: 2]في حروف كثيرة.

فَأَهْلَكْنََا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشاً وَ مَضى‏ََ مَثَلُ اَلْأَوَّلِينَ (8) فَأَهْلَكْنََا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشاً منصوب على البيان. وَ مَضى‏ََ مَثَلُ اَلْأَوَّلِينَ قال قتادة:

أي عقوبة يجوز أن تكون «مثل» هاهنا بمعنى صفة أي صفتهم بأنهم أهلكوا لمّا كذّبوا، و يجوز أن يكون مثل على بابه.

اَلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اَلْأَرْضَ مَهْداً (3) «الذي» في موضع رفع على النعت للعزيز أو على إضمار مبتدأ لأنه أول آية.

____________

(1) انظر تيسير الداني 158.

(2) مرّ الشاهد رقم 45.

(3) انظر تيسير الداني 151.

67

الكاف في موضع نصب أي تخرجون خروجا مثل ذلك. و بيّن معنى هذا عبد اللّه بن مسعود، و هو مما لا يؤخذ به إلا بالتوقيف، قال: يرسل اللّه جلّ و عزّ ماء مثل منيّ الرجال و ليس شي‏ء خلق من الأرض إلاّ و قد بقي منه شي‏ء فتنبت بذلك الجسمان و اللحوم تنبت من الثرى و المطر ثم تلا عبد اللّه وَ اَلَّذِي نَزَّلَ مِنَ اَلسَّمََاءِ مََاءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنََا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذََلِكَ تُخْرَجُونَ .

وَ اَلَّذِي في موضع رفع على العطف. خَلَقَ اَلْأَزْوََاجَ جمع زوج جمع على أفعال. و سبيل فعل من غير هذا الجنس أن يجمع على أفعل فكرهوا أن يقولوا: أزوج؛ لأن الحركة في الواو ثقيلة فحوّل إلى جمع فعل؛ لأنّ عدد الحروف واحد فشبّهوا فعلا بفعل كما شبّهوا فعلا بفعل فقالوا: زمن و أزمن كُلَّهََا توكيد و يسميه بعض النحويين صفة. و باب كلّها الجمع الكثير، و الجمع القليل كلهن. وَ جَعَلَ لَكُمْ مِنَ اَلْفُلْكِ وَ اَلْأَنْعََامِ مََا تَرْكَبُونَ إن جعلت «ما» بمعنى الذي فالضمير محذوف لطول الموسم و لو ظهر الضمير لجاز مما تركبونه على لفظ «ما» و مما تركبونها على تأنيث الجماعة، و إن جعلت «ما» مصدرا لم تحتج إلى حذف.

لِتَسْتَوُوا عَلى‏ََ ظُهُورِهِ قال الفرّاء (1) : و لم يقل ظهورها؛ لأنه بمعنى: كثر الدرهم أي هو بمعنى الجنس. قال أبو جعفر: و أولى من هذا أن يكون يعود على لفظ «ما» لأن لفظها مذكر موحد، و كذا ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اِسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَ تَقُولُوا سُبْحََانَ اَلَّذِي سَخَّرَ لَنََا هََذََا وَ مََا كُنََّا لَهُ مُقْرِنِينَ جاء على التذكير.

معطوف على ما قبله من القول.

وَ جَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبََادِهِ جُزْءاً ذكر معناه في ثلاثة أقوال روى ابن أبي نجيح عن

____________

(1) انظر معاني الفراء 3/28.

68

مجاهد «جزءا» قال: ولدا و بنات و قال عطاء: يعني نصيبا شركا. و قال زيد بن أسلم:

إنّها الأصنام، فهذان قولان. و ذكر أبو إسحاق قولا ثالثا و هو أن جزءا للبنات خاصة و أنشد بيتا في ذلك أنشده زعم و هو: [البسيط] 409-

إن أجزأت حرّة يوما فلا عجب # قد تجزئ الحرّة المذكار أحيانا

(1)

أي تلد إناثا. قال أبو جعفر: الذي عليه جماع الحجّة من أهل التفسير و اللغة أنّ الجزء النصيب و هذا مذهب عطاء الذي ذكرناه و مجاهد و الربيع بن أنس و الضحّاك و هو معنى قول ابن عباس، و قال محمد بن يزيد: الجزء النصيب. و قول زيد بن أسلم جماع الحجّة على غيره أيضا، و الرواية تدل على خلافه و نسق الكلام؛ لأن بعده وَ جَعَلُوا اَلْمَلاََئِكَةَ اَلَّذِينَ هُمْ عِبََادُ اَلرَّحْمََنِ إِنََاثاً و قيل: هذا أيضا يلي ذاك.

أَمِ اِتَّخَذَ مِمََّا يَخْلُقُ بَنََاتٍ فهذا يدلّ على أنّ هذا ليس للأصنام.

ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا اسم ظلّ و خبرها، و يجوز في الكلام ظلّ وجهه مسودّ على أن يكون في ظلّ ضمير مرفوع يعود على أحد، و وجهه مرفوع بالابتداء و مسودّ خبره و المبتدأ و خبره خبر الأول، و مثله مما حكاه سيبويه «كلّ مولود يولد على الفطرة حتّى يكون أبواه هما اللذان يهوّدانه أو ينصّرانه» (2) و حكى سيبويه الرفع في اللّذين و النصب.

أَ وَ مَنْ يُنَشَّؤُا فِي اَلْحِلْيَةِ (3) قال أبو إسحاق: «من» في موضع نصب و المعنى أو جعلتم من ينشأ، و قال الفرّاء (4) : «من» في موضع رفع على الاستئناف، و أجاز النصب، قال: و اذن رددته على أول الكلام على قوله جلّ و عزّ: وَ إِذََا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمََا ضَرَبَ لِلرَّحْمََنِ مَثَلاً و اختلف القراء في قراءة هذا الحرف فقرأ ابن عباس و الكوفيون غير عاصم أَ وَ مَنْ يُنَشَّؤُا فِي اَلْحِلْيَةِ و قرأ أهل الحرمين و أبو عمرو و عاصم أَ وَ مَنْ يُنَشَّؤُا و احتجّ أبو عبيد للقراءة الأولى بقوله جلّ و عزّ: إِنََّا أَنْشَأْنََاهُنَّ إِنْشََاءً [الواقعة: 35]

____________

(1) الشاهد بلا نسبة في لسان العرب (جزأ) و تهذيب اللغة 11/145، و تاج العروس (جزأ) و البحر المحيط 8/10، و غريب القرآن 396، و روح المعاني 25/69، و الكشاف 4/241.

(2) مرّ تخريج الحديث في إعراب الآية 58-النحل.

(3) انظر تيسير الداني 158، ينشّأ: قراءة حفص و حمزة و الكسائي، و الباقون بفتح الياء و سكون النون و تخفيف الشين.

(4) انظر معاني الفراء 3/29.

69

قال أبو جعفر: و هما قراءتان مشهورتان قد روتهما الجماعة، و ليس فيما جاء به حجّة لأنّا نعلم أنّه لا ينشأ حتّى و لو لزم ما قال لما قيل: مات فلان لقوله جلّ و عزّ: ثُمَّ يُمِيتُكُمْ [البقرة: 28، و الحج: 66، و الروم: 40]فكان يجب أن يقال: أميت و كذا حيي، و الفرق على خلاف ما قال عند النحويين و ذلك أنّ معنى ينشّأ لمرّة بعد مرّة على التكثير.

وَ جَعَلُوا اَلْمَلاََئِكَةَ اَلَّذِينَ هُمْ عِبََادُ اَلرَّحْمََنِ إِنََاثاً مفعولان أي وصفوا أنه هكذا، و حكموا أنه كذا. و اختلف في قراءة هذا أيضا فقرأ عبد اللّه بن عباس و الكوفيون و أبو عمرو عِبََادُ اَلرَّحْمََنِ (1) و قرأ أهل الحرمين و الحسن و أبو رجاء عند الرحمن (2)

و احتجّ أبو عبيد لقراءة من قرأ عِبََادُ اَلرَّحْمََنِ بأن الإسناد فيها أعلى و أنها ردّ لقولهم:

الملائكة بنات اللّه فقال: ليسوا بنات هم عباد. قال أبو جعفر: و هما قراءتان مشهورتان معروفتان إلاّ أن أولاهما «عند» من غير جهة و الذي احتجّ به أبو عبيد لا يلزم لأنه احتجّ بأن الإسناد في القراءة بعباد أعلى. و لعمري أنّها صحيحة عن ابن عباس و لكن إذا تدبرت ما في الحديث رأيت الحديث نفسه قد أوجب أن يقرأ (عند) لأن سعيد بن جبير احتجّ على ابن عباس بالمصحف، فقال: في مصحفي «عند» . و هذه حجّة قاطعة؛ لأن جماع الحجّة من كتب المصاحف مما نقلته الجماعة على أنه «عند» . و لو كان «عباد» لوجب أن يكتب بالألف، كما كتب‏ بَلْ عِبََادٌ مُكْرَمُونَ [الأنبياء: 26]. و احتجاجه بأنه ردّ لقولهم بنات لا يلزم لأن عبادا إنما هو نفي لمن قال: ولد؛ لأنه يقع للمذكّر و المؤنّث. و الأشبه بنسق الآية قراءة من قرأ (عند) ؛ لأن المعنى فيه و جعلوا الملائكة الذين هم عند الرحمن أي لم يروهم إناثا فكيف قالوا هذا و هم عند الرحمن و ليسوا عندهم؟ أَ شَهِدُوا خَلْقَهُمْ (3) قراءة نافع و أما سائر القراء فيما علمنا فإنهم قرءوا أشهدوا و هما قراءتان حسنتان قد نقلتهما الجماعة. و المعنى فيهما متقارب لأنهم إذا شهدوا فقد أشهدوا، و قوله جلّ و عزّ: أَمْ خَلَقْنَا اَلْمَلاََئِكَةَ إِنََاثاً وَ هُمْ شََاهِدُونَ [الصافات: 150]يدلّ على قراءة من قرأ أشهدوا و الأخرى جائزة حسنة قال جلّ و عزّ مََا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ [الكهف: 51].

____________

(1) انظر تيسير الداني 159، و كتاب السبعة لابن مجاهد 585.

(2) انظر تيسير الداني 159، و كتاب السبعة لابن مجاهد 585.

(3) انظر البحر المحيط 8/11.

70

بَلْ قََالُوا إِنََّا وَجَدْنََا آبََاءَنََا عَلى‏ََ أُمَّةٍ هذه القراءة التي عليها اجتماع الحجّة و اللغة المعروفة. و الأمّة: الدّين، و منه‏ كََانَ اَلنََّاسُ أُمَّةً وََاحِدَةً [البقرة: 213]أي على دين واحد. و قراءة مجاهد و عمر بن عبد العزيز رحمه اللّه عَلى‏ََ أُمَّةٍ (1) بكسر الهمزة.

وَ إِنََّا عَلى‏ََ آثََارِهِمْ مُهْتَدُونَ و الأصل إننا حذفت النون تخفيفا و مُهْتَدُونَ خبر «إنّ» و يجوز النصب في غير القرآن على الحال، }و كذا مُقْتَدُونَ و روى معمر عن قتادة إِلاََّ قََالَ مُتْرَفُوهََا قال: رؤوسهم و أشرافهم. و قرأ يزيد بن القعقاع قل ا و لو جئناكم (2)

و استبعد أبو عبيد هذه القراءة، و احتجّ بأن قبله «قل» و لم يقل: قلنا}و الحجّة لهذه القراءة أنّ قبله إِنََّا بِمََا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كََافِرُونَ فخاطبهم النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم بجئنا لهم عنه و عن الرسل عليهم السلام فقال: أو لو جئناكم. } بَرََاءٌ القراءة التي عليها حجّة الجماعة و السواد، و عن ابن مسعود أنه قرأ إِنَّنِي بَرِي‏ءٌ إلاّ أن الفرّاء (3) قال: إنّ مثل هذا يكتب بالألف، و أجاز في كل همزة أن تكتب ألفا. قال أبو جعفر: هذا شاذّ بعيد يلزم قائله أن يكتب يستهزئ بالألف، و هذا فيه من الأشكال و مخالفة الجماعة أغلظ و أقبح من قرأ برآء قال: في الاثنين و الجميع أيضا برآء، و التقدير: إنّني ذو برآء مثل‏ لََكِنَّ اَلْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللََّهِ [البقرة: 177]و من قال: بري‏ء قال في جمعه برءاء أو برآء على وزن كرماء و كرام. و حكى الكوفيون جمعا ثالثا انفردوا به حكوا: برآء على وزن براع و زعموا أنه محذوف من برءاء.

إِلاَّ اَلَّذِي فَطَرَنِي في موضع نصب على الاستثناء من قول «ما تعبدون» و يجوز أن يكون استثناء منقطعا.

وَ جَعَلَهََا الهاء و الألف كناية عن قوله: «إنّني برآء» و ما بعده أي و جعل تبرّؤه من كلّ ما يعبدون من دون اللّه جلّ و عزّ و إخلاصه التوحيد للّه عزّ و جلّ.

كَلِمَةً بََاقِيَةً فِي عَقِبِهِ و الفاعل المضمر في «جعلها» يجوز أن يكون عائدا على قوله: اَلَّذِي فَطَرَنِي أي و جعلها اللّه تعالى كلمة باقية في عقبه و أهل التفسير على هذا

____________

(1) انظر البحر المحيط 8/12.

(2) انظر تيسير الداني 159.

(3) انظر معاني الفراء 3/30.

71

أنّه لا يزال من ولد إبراهيم صلّى اللّه عليه و سلّم موحدون. و قيل: الضمير عائد على إبراهيم أي و جعلها كلمة باقية في عقبه أي عرفهم التوحيد و التبرّؤ من كل معبود دون اللّه جلّ و عزّ فتوارثوه فصار كلمة باقية في عقبه و يقال: «في عقبه» بحذف الكسرة لأنها ثقيلة.

وَ قََالُوا لَوْ لاََ نُزِّلَ هََذَا اَلْقُرْآنُ عَلى‏ََ رَجُلٍ على عطف البيان الذي يقوم مقام النعت لهذا، هذا قول سيبويه. و غيره يقول: نعت عَلى‏ََ رَجُلٍ مِنَ اَلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ نعت لرجل و ليس الرجل يكون من القريتين، و لكن حقيقته في العربية على رجل من رجلي القريتين ثم حذف مثل‏ وَ سْئَلِ اَلْقَرْيَةَ [يوسف: 82]. فأما قوله جلّ و عزّ: بَلْ مَتَّعْتُ هََؤُلاََءِ وَ آبََاءَهُمْ حَتََّى جََاءَهُمُ اَلْحَقُّ فمعناه لم أهلكهم كما أهلك غيرهم من الكفار.

أَ هُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ «هم» رفع على إضمار فعل؛ لأن الاستفهام عن الفعل، و يجوز أن يكون موضعه مرفوعا بالابتداء. نَحْنُ قَسَمْنََا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي اَلْحَيََاةِ اَلدُّنْيََا وَ رَفَعْنََا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجََاتٍ أي فكذلك فضلنا بعضهم على بعض بالاصطفاء و الاختيار. و دَرَجََاتٍ في موضع نصب مفعول ثان حذف منه «إلى» ، لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا أي فضّلنا بعضهم على بعض في الرزق ليسخّر بعضهم لبعض. و كلّ من عمل لرجل عملا فقد سخّر له بأجرة كان أو بغير أجرة. و عن ابن عباس و الضّحاك لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا (1) قال: العبيد، قال الفرّاء (2) : يقال سخريّ و سخريّ بمعنى واحد هاهنا و في‏ قَدْ أَفْلَحَ [المؤمنون: 1]و في «صاد» (3) . قال أبو جعفر:

و الأمر كما قال الفرّاء عند جميع أهل اللغة إلاّ شيئا ذكره أبو عمرو.

وَ لَوْ لاََ أَنْ يَكُونَ اَلنََّاسُ أُمَّةً وََاحِدَةً قال الفرّاء: «أن» في موضع رفع، لَجَعَلْنََا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمََنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ «بيوتهم» فيه غير قول، منه أن المعنى أي على بيوتهم، و قيل: إنه بدل بإعادة الحرف مثل: قََالَ اَلْمَلَأُ اَلَّذِينَ اِسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اُسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ [الأعراف: 75]. قال أبو جعفر: و هذا القول أولى

____________

(1) انظر البحر المحيط 8/14.

(2) انظر معاني الفراء 3/31.

(3) الآية 63.

72

بالصواب لأن الحروف لا تنقل عن بابها إلاّ بحجة يجب التسليم لها و سقف‏ (1) على الجمع قراءة الحسن و مجاهد و أبي رجاء الأعرج و شيبة و نافع و عاصم و الأعمش و حمزة و الكسائي، و أما قراءة أبي عمرو و أبي جعفر و ابن كثير و شبل و حميد فسقف‏ (2) على التوحيد. قال أبو جعفر: سقف فيما ذكر أبو عبيد جمع سقف مثل: رهن و رهن، و رأيت علي بن سليمان ينكر هذا لأنه ليس بجمع فعل مطرد. قال: و رهن جمع رهان مثل حمار و حمر، و رهان جمع رهن مثل عبد و عباد، و كذا «سقفا» . و حكى الفرّاء: أن سقفا جمع سقيفة فأما قراءة من قرأ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ فتأوّلها إسماعيل بن إسحاق على أنّ «من» لواحد، قال: و المعنى: لجعلنا لكل من كفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة إلا أنه استبعد هذه القراءة، و حكي أنّ هذا متناول بعيد، و استدلّ على أن القراءة بالجمع أولى؛ لأن بعده و معارج و سررا و أبوابا فكذا سقف بالجمع أولى. قال أبو جعفر: الذي تأوله بعيد و أولى منه أن يكون سقف بمعنى سقف كما قال جلّ و عزّ:

ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً [الحج: 5]و كما قال الشاعر: [الوافر] 410-

كلوا في بعض بطنكم تعفّوا # فإنّ زمانكم زمن خميص‏

(3)

و الأحاديث تدلّ على أن القراءة سقف، و كذا نسق الكلام كما حدّثنا بكر بن سهل قال: حدّثنا عبد اللّه بن صالح عن معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله جلّ و عزّ: وَ لَوْ لاََ أَنْ يَكُونَ اَلنََّاسُ أُمَّةً وََاحِدَةً الآية و التي بعدها قال:

يقول سبحانه لولا أن جعل الناس كلّهم كفارا لجعلت للكفار لبيوتهم سقفا من فضّة و معارج عليها من فضة و زخرفا قال: ذهبا، قال سعيد بن جبير و الشعبي: لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً أي جذوعا فهذا كلّه يدل على الجمع.

وَ زُخْرُفاً معطوف على سقف. و زعم الفرّاء: أنه يجوز أن يكون معناه سقفا من فضة و من زخرف ثم حذفت من فنصب. و القول الأول أولى بالصواب. و زعم ابن زيد أن الزخرف متاع البيت فأما أكثر أهل التفسير منهم ابن عباس و الحسن و مجاهد و قتادة فقالوا:

الزخرف الذهب، و قال الشعبي: الزخرف الذهب و الفضة. قال أبو جعفر: و الزخرف في اللغة، على ما حكاه محمد بن يزيد، الزينة قال: يقال: بنى داره فزخرفها أي زيّنها و حسّنها. وَ إِنْ كُلُّ ذََلِكَ لَمََّا مَتََاعُ اَلْحَيََاةِ اَلدُّنْيََا فاللام للتوكيد عند البصريين، و عند الكوفيين

____________

(1) انظر تيسير الداني 159، و كتاب السبعة لابن مجاهد 585.

(2) انظر البحر المحيط 8/15، و كتاب السبعة لابن مجاهد 585.

(3) الشاهد بلا نسبة في الكتاب 1/271، و أسرار العربية ص 323، و تخليص الشواهد 157، و خزانة الأدب 7/537، و الدرر 1/152، و شرح المفصّل 5/8، و المقتضب 2/172، و همع الهوامع 1/50.

73

بمعنى إلاّ و «ما» زائدة للتوكيد، و عند بعض النحويين نكرة بمعنى شي‏ء. وَ اَلْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ رفع بالابتداء و التقدير ثواب الآخرة عند ربّك للمتقين.

وَ مَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ اَلرَّحْمََنِ قال محمد بن يزيد: يعش يتعامى، و أصله من الأعشى، و هو الذي قد ركب بصره ضعف و ظلمة. و منه جاء فلان يعشو، إذا جاءه ليلا لما يركب بصره من الظلمة. و قال غيره: عشي عن ذكر الرحمن لم ينتفع بالذكر كما أن الأعشى الذي لا يبصر في الضوء فهو لا ينتفع ببصره كما ينتفع غيره و يَعْشُ في موضع جزم بالشرط و علامة الجزم فيه حذف الواو و هو مشتق من العشي إلاّ أنه يقال:

عشي يعشى إذا صار أعشى، و عشا يعشو إذا لحقه ما يلحق الأعشى. و هو من ذوات الواو، و الياء في عشي منقلبة من واو، و كذا الألف في عشا الذي هو مصدر. و لهذا قال النحويون: العشا في البصر يكتب بالألف و الدليل على ذلك أنه يقال: امرأة عشواء. نُقَيِّضْ لَهُ جواب الشرط.

وَ إِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ اَلسَّبِيلِ محمول على المعنى لأن شيطانا يؤدّي عن معنى شياطين.

حَتََّى إِذََا جََاءَنََا قراءة نافع و عاصم و عبد اللّه بن عامر و هي البينة لأن الضمير يعود على «من» و «القرين» ، و قراءة أبي عمرو و الكوفيين غير عاصم حَتََّى إِذََا جََاءَنََا (1)

و هو بمعنى ذلك أي حتّى إذا جاءنا هو و قرينه و العرب تحذف مثل هذا، كما يقال:

كحلت عيني، يراد العينان. قََالَ يََا لَيْتَ بَيْنِي وَ بَيْنَكَ بُعْدَ اَلْمَشْرِقَيْنِ اسم «ليت» و هي ظرف، كما يقال: يا ليت بيني و بينك بعدا. و يجوز بعد بمعنى ليت مقدار ذلك، فإن قلت:

ليت بيني و بينك متباعد رفعت.

«أنّ» في موضع رفع أي لن ينفعكم اشتراككم لأنّ الإنسان في الدنيا إذا أصيب بمصيبة هو و غيره سهلت عليه بعض السهولة و تأسّى به فحرم اللّه جلّ و عزّ ذلك أهل النار.

____________

(1) انظر تيسير الداني 159، و كتاب السبعة لابن مجاهد 586.

74

فَإِمََّا نَذْهَبَنَّ بِكَ في موضع جزم بالشرط، و النون للتوكيد و لو لا هي لكانت الباء ساكنة} و كذا أَوْ نُرِيَنَّكَ في موضع جزم، و لو لا النون لحذفت الياء و لكنها بنيت معها على الفتح.

وَ إِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَ لِقَوْمِكَ روى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: إن القرآن لشرف لك و لقومك، و تأوّل هذا مجاهد على أنه شرف لقريش، قال يقال: ممّن الرجل؟فيقال: من العرب فيقال: من أيّ العرب؟فيقول: من قريش. و قال غيره:

قومه هاهنا من آمن به و كان على منهاجه. و قيل: معنى وَ إِنَّهُ لَذِكْرٌ و إنّ الذي أوحي إليك و إلى الذين من قبلك لذكر أي أنزل لتذكروا به و تعرفوا أمر دينكم.

قال أبو جعفر: في هذه الآية إشكال؛ لأن النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم لا يحتاج مسألة. و قد ذكرنا قول جماعة من العلماء فيها فمنهم من قال: في الكلام حذف، و التقدير: و اسأل من أرسلنا إليه من قبلك رسلا من رسلنا، قال: و الخطاب للنبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم و المراد المشركون به. قال أبو جعفر:

أما حذف رسل هاهنا فجائز لأن من رسلنا يدلّ عليه، كما قال الشاعر: [الوافر] 411-

كأنّك من جمال بني أقيش‏

(1)

و التقدير: كأنك جمل من جمال بني أقيش، و أمّا حذف إليه فلا يجوز لو قلت:

مررت بالذي ضربت أو بالذي قام و أنت تقدّر حذف حرف الخفض و المضمر لم يجز و إنما يجوز حذف المضمر الذي في الصلة و قوله: المخاطب النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم و المراد به المشركون، كلام فيه نظر. و القول في الآية-و اللّه جلّ و عزّ أعلم-ما قاله قتادة قال:

سل أهل الكتاب أ أمر اللّه جلّ و عزّ إلاّ بالتوحيد و الإخلاص. و شرح هذا من العربية قل: يا محمد لمن عبد الأوثان سل أمم من قد أرسلنا من رسلنا أي من آمن منهم هل أمر اللّه جلّ و عزّ أن يعبد وثن أو يعبد معه غيره؟فإنهم لا يجدون هذا في شي‏ء من الكتب، ثم حذفت أمم و أقيمت «من» مقامها، مثل‏ وَ سْئَلِ اَلْقَرْيَةَ [يوسف: 82].

وَ قََالُوا يََا أَيُّهَا اَلسََّاحِرُ و قرأ ابن عامر يََا أَيُّهَا (2) اَلسََّاحِرُ اُدْعُ لَنََا رَبَّكَ «الساحر» نعت لأيّ على اللفظ، و لا يجوز النصب إلا في قول المازني على الموضع لأن موضع أي نصب. قال أبو إسحاق: إن قال قائل: كيف قالوا يا أيّها الساحر و قد زعموا أنهم

____________

(1) مرّ الشاهد رقم (90) .

(2) انظر كتاب السبعة لابن مجاهد 583.

75

مهتدون؟فإنما وقع الخطاب على أنه كان عندهم مسمّى بهذا فقالوا: يا أيّها الساحر على ذلك. قال أبو جعفر: و قد ذكرنا غير هذا الجواب.

وَ نََادى‏ََ فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قيل: كان نداؤه كراهة أن يتّبع قومه موسى صلّى اللّه عليه و سلّم لأنه لمّا دعا كشف عنهم العذاب فتبيّن عجز فرعون عن كشفه فكره أن يتّبعوه فقال: أنا أولى بالاتّباع منه. قََالَ يََا قَوْمِ أَ لَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ في موضع خفض، و لم ينصرف عند البصريين‏ (1)

لأنها مؤنثة سميت بمذكر، و كذا لو سميت امرأة بزيد لم ينصرف و أجازوا صرف مصر على أن يكون اسما للبلد، و ترك الصرف أولى؛ لأن المستعمل في مثلها بلدة فأما الكوفيون فيذهبون إلى أن مصر بمنزلة امرأة سمّيت بهند فكان يجب أن ينصرف إلا أنها منعت من ذلك لقلتها في الكلام. وَ هََذِهِ اَلْأَنْهََارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي «تجري» في موضع نصب على الحال. و يجوز أن يكون في موضع رفع على خبر هذه أَ فَلاََ تُبْصِرُونَ .

أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هََذَا اَلَّذِي هُوَ مَهِينٌ قال الفرّاء: هو من الاستفهام الذي جاء بأم لاتصاله بكلام قبله قال: و يجوز أن تردّه على قوله «أليس لي ملك مصر» . و قد شرحناه بأكثر من هذا. و زعم الفرّاء (2) : أنه أخبره بعض المشيخة أنه يقرأ ا فلا تبصرون أما أنا خير (3) قال أبو جعفر: يقدّره «أما» التي بمعنى «ألا» و حقا، و يكون على هذا أَ فَلاََ تُبْصِرُونَ تمام الكلام. فهذه القراءة خارجة من حجّة الإجماع و كان يجب على هذا أن يكون «أما» بالألف «أنا» مبتدأ و خَيْرٌ خبره و كذا هُوَ مَهِينٌ . و في معنى «مهين» قولان: قيل معناه الذي يمتهن نفسه في حاجاته و معاشه ليس له من يكفيه. و قال الكسائي: المهين الضعيف الذليل، و قد مهن مهانة. و هذا أولى بالصواب.

فلولا ألقي عليه أساورة من ذهب هذه قراءة (4) أهل الحرمين و أهل الكوفة و أهل البصرة إلا الحسن و قتادة و شيئا يروى عن عبد اللّه و أبيّ فأما الحسن و قتادة فقرأ لو لا ألقي عليه أسورة (5) و الذي روي عن عبد اللّه و أبيّ فلو لا ألقي عليه أساوير قال أبو جعفر: أساورة جمع إسوار. و حكى الكسائي: أسوار و سوار و سوار بمعنى

____________

(1) انظر الكتاب 3/266.

(2) انظر معاني الفراء 3/35.

(3) انظر البحر المحيط 8/23.

(4) انظر تيسير الداني 159، و البحر المحيط 8/24.

(5) انظر تيسير الداني 159، و البحر المحيط 8/24.

76

واحد، و أساوير و أساورة واحد مثل زنادقة و زناديق إلاّ أنه إذا كان بالهاء انصرف لأن الإعراب يقع عليها، و هي بمنزلة اسم ضم إلى اسم. و قال أبو إسحاق: إنما انصرف لأنه له في الواحد نظيرا نحو علانية و عباقية و يجوز أن يكون أساور جمع أسورة أَوْ جََاءَ مَعَهُ اَلْمَلاََئِكَةُ مُقْتَرِنِينَ على الحال.

فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ أي استخفّهم بذلك القول إلى الكفر بموسى صلّى اللّه عليه و سلّم. }و قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس فَلَمََّا آسَفُونََا قال: يقول أسخطونا.

فَجَعَلْنََاهُمْ سَلَفاً (1) قراءة المدنيين و أبي عمرو و عاصم و قرأ يحيى بن وثاب و الأعمش و حمزة و الكسائي سَلَفاً و هو جمع سليف، و قد سمع عن العرب سليف.

و روي عن حميد الأعرج أنه قرأ سَلَفاً بضم السين و فتح اللام جمع سلفة و أبو حاتم لا يعرف معناه لشذوذه. و قال أبو إسحاق: سلفة أي فرقة متقدمة و مع إنكار أبي حاتم إياه فإن فيه مطعنا؛ لأن الكسائي رواه عن ابن حميد فذكر إسماعيل بن إسحاق القاضي عن علي بن المديني‏ (2) قال: سألت ابن عيينة عن قراءة حميد سَلَفاً فلم يعرفه فقلت له: إنّ الكسائي رواه عنك فقال: لم نحفظه.

وَ لَمََّا ضُرِبَ اِبْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً لم ينصرف مريم عليها السلام لأنها معرفة و اسم مؤنث، و يجوز أن يكون اسما أعجميا فيكون ذلك علّة، و يجوز أن يكون عربيا مبنيا على مفعل جاء على الأصل من رام يريم. إِذََا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ (3) قراءة مجاهد و سعيد بن جبير و عكرمة و أبي عمرو و عاصم و حمزة، و يروى عن ابن عباس بكسر الصاد.

و يَصِدُّونَ (4) بالضم قراءة الحسن و إبراهيم و أبي جعفر و شيبة و نافع و يحيى بن وثاب و الكسائي، و تروى عن علي بن طالب رضي اللّه عنه و أبي عبد الرحمن السلمي و عبيد بن عمير الليثي. قال أبو جعفر: حكى الكسائي و الفراء (5) إنّ يصدّون و يصدّون لغتان بمعنى واحد، كما يقال: نمّ ينمّ و ينمّ و شدّ يشدّ و يشدّ، و فرّق أبو عبيد القاسم بن

____________

(1) انظر كتاب السبعة لابن مجاهد 587، و تيسير الداني 159.

(2) علي بن المديني، محدّث، (ت 234 هـ) ترجمته في الأعلام 5/118.

(3) انظر تيسير الداني 159.

(4) انظر البحر المحيط 8/25.

(5) انظر معاني الفراء 3/36.

77

سلام بينهما فزعم أن معنى يصدّ يضجّ و معنى يصدّ من الصدود عن الحق، و زعم أنها لو كانت يصدّ بالضم لكانت إذا قومك عنه يصدّون. قال أبو جعفر: و في هذا ردّ على الجماعة الذين قراءتهم حجّة و قد خالف بقوله هذا الكسائي و الفراء، و الذي ذكره من الحجة ليس بواجب لأنه يقال: صددت من قوله أي لأجل قوله و على هذا معنى الآية- و اللّه جلّ و عزّ أعلم-إنّما هو «يصدّون» من أجل ذلك القول، و قد يجوز أن يكون مع ذلك الصدود ضجيج فيقول المفسّر: معناه يضجّون.

وَ قََالُوا أَ آلِهَتُنََا خَيْرٌ ابتداء و خبر «أم هو» معطوف على الهتنا مََا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاََّ جَدَلاً مفعول من أجله أي لم يقولوا هذا على جهة المناظرة و لا على جهة التثبت فهذا فرق بين الجدل و المناظرة لأن المتناظرين يجوز أن يكون كل واحد منهما يطلب الصواب و الجدل الذي جادلوا به النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم فيما روي عن ابن عباس أنه لمّا أنزل اللّه جلّ و عزّ: إِنَّكُمْ وَ مََا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اَللََّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهََا وََارِدُونَ [الأنبياء:

98]قالوا: أليس قد عبد عيسى صلّى اللّه عليه و سلّم و هو عندك رجل صالح فقد جعلته في النار معنا فهذا هو الجدل الذي كان منهم لأن الكلام لا يوجب هذا؛ لأنه قال جلّ و عزّ: إِنَّكُمْ وَ مََا تَعْبُدُونَ و لم يقل من تعبدون و «ما» فإنما هي لغير بني أدم. بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ أي كثير و الخصومة فيما يدفعون به الحق.

إِنْ هُوَ إِلاََّ عَبْدٌ أَنْعَمْنََا عَلَيْهِ أي أنعمنا عليه بظهور الآيات على يديه. وَ جَعَلْنََاهُ مَثَلاً لِبَنِي إِسْرََائِيلَ قال أبو إسحاق: يعني عيسى صلّى اللّه عليه و سلّم أي يدلّهم على نبوته، و قال غيره وصفناه لبني إسرائيل بأنه مثل لآدم عليه السلام. و قيل: مثل و مثل واحد أي هو بشر مثلهم.

قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: يقول يخلف بعضهم بعضا. و في أبي صالح عنه قال: لو نشاء لجعلناهم خلائف و أهلكناهم.

وَ إِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسََّاعَةِ قراءة أكثر الناس، و يروى عن ابن عباس و أبي هريرة أنّهما قرا وَ إِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسََّاعَةِ (1) و زعم الفراء (2) أنهما متقاربتا المعنى. و حكي عن محمد بن

____________

(1) انظر البحر المحيط 8/26.

(2) انظر معاني الفراء 3/37.

78

يزيد أنه قال: معنى «لعلم» لذكر و تنبيه و تعريف، و معنى «لعلم» لدلالة و علامة. قال أبو جعفر: فأما الضمير الذي في وَ إِنَّهُ ففي معناه قولان: مذهب ابن عباس و أبي هريرة و أبي مالك و مجاهد و الضحاك أنّ الضمير لعيسى صلّى اللّه عليه و سلّم، و المعنى: لنزوله، و القول الآخر، و هو قول الحسن، أن الضمير للقرآن أي و إن القرآن لعلم للساعة لأنه لا ينزل كتاب بعده، و القول الأول أبين و عليه أكثر الناس، و قد قيل: في هذا دليل على أنه إذا نزل عيسى صلّى اللّه عليه و سلّم رفعت المحنة و لم تقبل من أحد توبة. و في الحديث عن النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم ما يدلّ على ذلك و هو قوله «فليكسرنّ الصليب و ليقتلنّ الخنزير و تلقي الأرض أفلاذ كبدها» (1) ففي هذا دليل أنه لا أحد يأخذ من أحد زكاة، و أنّ المحنة قد ارتفعت و قربت الساعة فَلاََ تَمْتَرُنَّ بِهََا قال أبو إسحاق: أي فلا تشكّوا وَ اِتَّبِعُونِ هََذََا صِرََاطٌ مُسْتَقِيمٌ «مستقيم» نعت لصراط، و يجوز أن يكون خبرا بعد خبر.

وَ لَمََّا جََاءَ عِيسى‏ََ بِالْبَيِّنََاتِ قال أبو إسحاق: أي بالآيات المعجزات قََالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ قال: أي بالإنجيل وَ لِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ اَلَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ قال أبو عبيدة: بعض بمعنى كل و أنشد: [الكامل‏] 412-

أو يخترم بعض النّفوس حمامها

(2)

قال أبو جعفر: و هذا القول مردود عند جميع النحويين، و لا حاجة عليه من معقول أو خبر؛ لأن بعضا معناها خلاف معنى «كلّ» في كل المواضع. قال أبو إسحاق: المعنى و لأبيّن لكم في الإنجيل بعض الذي تختلفون فيه، و قال غيره: إنما بيّن لهم بعض الذي اختلفوا فيه على الحقيقة و ذلك ما سألوه عنه أو كانت لهم في إخباره إياهم منفعة، و قد يجوز أن يختلفوا في أشياء غير ذلك. و البيت الذي أنشده أبو عبيدة لا حجة فيه لأن معنى «أو يخترم بعض النفوس» أنه يعني نفسه و بعض النفوس.

____________

(1) أخرجه مسلم في صحيحه ب 71 رقم 243، و ذكره الطحاوي في مشكل الآثار 1/28، و الآجري في الشريعة 380، و المتقي الهندي في كنز العمال 39722، و القرطبي في تفسيره 10/315،

«لينزلن ابن مريم حكما # عادلا فليكسرن الصليب... »

(2) الشاهد للبيد بن ربيعة في ديوانه ص 313، و الخصائص 1/74، و شرح ديوان الحماسة للمرزوقي ص 772، و شرح شواهد الشافية 415، و الصاحبي في فقه اللغة ص 251، و مجالس ثعلب ص 63، و المحتسب 1/111، و بلا نسبة في خزانة الأدب 7/349، و الخصائص 2/317. و صدره:

«تراك أمكنة إذا لم أرضها»

79

فَاخْتَلَفَ اَلْأَحْزََابُ مِنْ بَيْنِهِمْ قال أبو إسحاق: الأحزاب اليهود و النصارى.

اَلْأَخِلاََّءُ جمع خليل و لم يقل فيه فعلاء كراهة التضعيف بَعْضُهُمْ على البدل من الأخلاء، و يجوز أن يكون مرفوعا بالابتداء لِبَعْضٍ عَدُوٌّ الخبر. و روى ابن أبي طلحة عن ابن عباس اَلْأَخِلاََّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ اَلْمُتَّقِينَ (67) قال: فكلّ خلّة فهي عداوة يوم القيامة إلاّ خلّة المتقين إِلاَّ اَلْمُتَّقِينَ نصب على الاستثناء من موجب.

من حذف الياء، و هو أكثر في كلام العرب قال: النداء موضع حذف و من أثبتها قال: هي اسم في موضع خفض فأثبتّها كما أثبت المظهر.

اَلَّذِينَ آمَنُوا بِآيََاتِنََا وَ كََانُوا في موضع نصب على النعت لعبادي، و يدلّك على أنه نعت له. و تبيين ما رواه ميمون بن مهران عن ابن عباس قال: بينما الناس في الموقف إذ خرج مناد من الحجب فنادى‏ يََا عِبََادِ لاََ خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اَلْيَوْمَ وَ لاََ أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ ففرحت الأمم كلّها، و قالت نحن عباد اللّه كلنا فخرج ثانية فنادى اَلَّذِينَ آمَنُوا بِآيََاتِنََا وَ كََانُوا مُسْلِمِينَ فيئست الأمم كلّها إلا أمة محمد صلّى اللّه عليه و سلّم و من كان مسلما.

اُدْخُلُوا اَلْجَنَّةَ أي يقال لهم ذلك أَنْتُمْ وَ أَزْوََاجُكُمْ عطف على المضمر في ادخلوا «و أنتم» توكيد تُحْبَرُونَ في موضع نصب على الحال. و عن ابن عباس «تحبرون» تكرمون.

يُطََافُ عَلَيْهِمْ بِصِحََافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَ أَكْوََابٍ و حكي في الجمع كوبة و كيبان و يجوز كياب وَ فِيهََا مََا تَشْتَهِيهِ اَلْأَنْفُسُ وَ تَلَذُّ اَلْأَعْيُنُ (1) هذه قراءة أهل المدينة و أهل الشام، و كذا في

____________

(1) انظر تيسير الداني 160، و كتاب السبعة لابن مجاهد 588.

80

مصاحفهم. و قراءة أهل العراق‏ تَشْتَهِي بغير هاء، و القراءتان حسنتان فإثبات الهاء على الأصل و حذفها لطول الاسم غير أنه حكي عن محمّد بن يزيد أنه يختار إثبات الهاء و يقدمه على حذفها في مثل هذا، و علته في ذلك أنّ الهاء إنما حذفت في الذي لطول الاسم، «و ما» أنقص من الذي، و أيضا فإنك إذا حذفت الياء في «الذي» و في «التي» فقد عرف المذكر من المؤنث، و ليس هذا في «ما» .

وَ تِلْكَ اَلْجَنَّةُ نعت لتلك التي خبر الابتداء.

إِنَّ اَلْمُجْرِمِينَ فِي عَذََابِ جَهَنَّمَ خََالِدُونَ خبر «إنّ» و يجوز النصب في غير القرآن على الحال، }و كذا وَ هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ قال الفراء: و في قراءة عبد اللّه و هم فيها يريد جهنم.

و من قال «فيه» أراد العذاب.

خبر كان. و «هم» عند سيبويه فاصلة لا موضع لها من الإعراب بمنزلة «ما» في قوله جلّ و عزّ فَبِمََا نَقْضِهِمْ مِيثََاقَهُمْ* [النساء: 155 و المائدة: 13]و الكوفيون يقولون هم عماد. قال الفراء (1) : و في حرف عبد اللّه بن مسعود و لكن كانوا هم الظالمون (2) . قال أبو جعفر: و على هذا يكون «هم» في موضع رفع بالابتداء و «الظالمون» خبر الابتداء و خبره خبر كان، كما تقول: كان زيد أبوه خارج.

وَ نََادَوْا يََا مََالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنََا رَبُّكَ قال مجاهد: ما كنا ندري معنى «يا مالك» حتّى سمعنا في قراءة عبد اللّه و نادوا يا مال (3) . قال أبو جعفر: هذا على الترخيم، و العرب ترخّم مالكا و عامرا كثيرا إلاّ أن هذا مخالف للسواد، و فيه لغتان يقال: يا مال أقبل، هذا أفصح اللغتين، كما قال: [البسيط] 413-

يا حار لا أرمين منكم بداهية # لم يلقها سوقة قبلي و لا ملك‏

(4)

و من العرب من يقول: يا مال أقبل، فيجعلون ما بقي اسما على حاله.

____________

(1) انظر معاني الفراء 3/37.

(2) انظر البحر المحيط 8/27، و معاني الفراء 3/37.

(3) انظر البحر المحيط 8/27.

(4) الشاهد لزهير بن أبي سلمى في ديوانه 180.

81

أَمْ يَحْسَبُونَ أَنََّا لاََ نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَ نَجْوََاهُمْ بَلى‏ََ و الكوفيون يقرءون يَحْسَبُونَ يقال:

حسب يحسب و تحسب، لغتان، و القياس الفتح مثل حذر يحذر إلاّ أن الكسر أكثر في كلام العرب. و يقال: إنّ لغة النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم الكسر، و فتحت «أن» لأنها في موضع اسم.

إن جعلت «إن» للشرط فكان في موضع جزم و إن جعلتها بمعنى «ما» فلا موضع لكان. و قد روى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى: قُلْ إِنْ كََانَ لِلرَّحْمََنِ وَلَدٌ قال: يقول: لم يكن للرحمن ولد. قال أبو جعفر: جعل «إن» بمعنى «ما» كما قال جلّ و عزّ: إِنِ اَلْكََافِرُونَ إِلاََّ فِي غُرُورٍ [الملك: 20]أي ما الكافرون إلاّ في غرور.

وَ هُوَ اَلَّذِي فِي اَلسَّمََاءِ إِلََهٌ وَ فِي اَلْأَرْضِ إِلََهٌ قال أبو إسحاق: أي معبود في السماء و معبود في الأرض. و في حرف عبد اللّه و هو الذي في السماء الله و في الأرض اللّه .

إِلاََّ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ في موضع نصب على الاستثناء.

وَ قِيلِهِ يََا رَبِّ هذه قراءة (1) المدنيين و أبي عمرو و الكسائي، و قرأ الكوفيون غير الكسائي وَ قِيلِهِ بالخفض، و زعم هارون القارئ أنّ الأعرج قرأ وَ قِيلِهِ بالرفع.

قال أبو جعفر: وَ قِيلِهِ بالنصب من خمسة أوجه: قال الأخفش سعيد: «و قيله» بالنصب من وجهين؛ يكون بمعنى أم يحسبون أنا لا نسمع سرّهم و نجواهم و قيله، الوجه الثاني: أن يكون مصدرا. و قال أبو إسحاق: المعنى و عنده علم الساعة و يعلم قيله لأن معنى و عنده علم الساعة و يعلم الساعة أي يعلم وقت الساعة و هو الغيب و يعلم قيله و هو الشهادة. و القول الرابع أن يكون المعنى إلاّ من شهد بالحق و هم يعلمون الحقّ و قيله. و القول الخامس و رسلنا لديهم يكتبون ذلك و قيله. قال أبو إسحاق:

و الخفض بمعنى و عنده علم الساعة و علم قيله. قال أبو جعفر: و الرفع بالابتداء. قال

____________

(1) انظر تيسير الداني 160، و البحر المحيط 8/30.

82

الفراء (1) : كما تقول نداؤه هذه الكلمة و قدّره غيره بمعنى و قيله يا ربّ و يقال: قال قولا و قيلا و قالا بمعنى واحد. و القراءة البينة بالنصب من جهتين: إحداهما: أن المعطوف على المنصوب يحسن أن يفرق بينهما و إن تباعد ذلك لانفصال العامل من المعمول فيه مع المنصوب و ذلك في المخفوض إذا فرّقت بينهما قبيح، و الجهة الأخرى أنّ أهل التأويل يفسرون الآية على معنى النصب، كما روى ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله تعالى: وَ قِيلِهِ يََا رَبِّ إِنَّ هََؤُلاََءِ قَوْمٌ لاََ يُؤْمِنُونَ قال: فأخبر اللّه جلّ و عزّ عن محمد صلّى اللّه عليه و سلّم، و روى معمر عن قتادة و «قيله يا رب» قال: قول النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم إنّ هؤلاء قوم لا يؤمنون، فالهاء في «و قيله» على هذا عائدة على النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم، و قد قيل: إن الهاء راجعة إلى قوله: وَ لَمََّا ضُرِبَ اِبْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً [الزخرف: 57]أي و يسمع قول عيسى ابن مريم صلّى اللّه عليه و سلّم لمّا يئس من صلاح قومه و إيمانهم إِنَّ هََؤُلاََءِ قَوْمٌ لاََ يُؤْمِنُونَ و الأولى بالصواب القول الأول أن تكون الهاء عائدة على نبينا صلّى اللّه عليه و سلّم لجهتين: إحداهما أنّ ذكره أقرب إلى المضمر؛ لأن المعنى: قل يا محمد إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين. و الجهة الأخرى أن الذي بعده مخاطبة للنبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم بإجماع و هو} فَاصْفَحْ عَنْهُمْ أي أعرض عنهم وَ قُلْ سَلاََمٌ أي مسالمة و متاركة. و التقدير في العربية أمري سلام. زعم الفراء (2) أنّ التقدير سلام عليكم ثم حذف. و هذا خلاف ما قال المتقدمون، و قد ذكر مثل هذا سيبويه، و قال: نزل بمكة من قبل أن يؤمروا بالسلام، و أيضا فإنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم قد نهى أن يبدأ اليهود و النصارى بالسلام، و حظر على المسلمين فصحّ أن معنى‏ وَ إِذََا خََاطَبَهُمُ اَلْجََاهِلُونَ قََالُوا سَلاََماً [الفرقان: 63]أنه ليس من التسليم في شي‏ء، و إنما هو من المتاركة و التسليم. و كذا فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَ قُلْ سَلاََمٌ فسوف تعلمون قراءة المدنيين‏ (3) ، و هو على هذا من كلام واحد و قراءة ابن كثير و الكوفيين و البصريين فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ بالياء على أنه قد تمّ الكلام عند وَ قُلْ سَلاََمٌ . و المعنى فسوف يعلمون العقوبة على التهديد.

____________

(1) انظر معاني الفراء 3/38.

(2) انظر معاني الفراء 3/38.

(3) انظر البحر المحيط 8/30، و كتاب السبعة لابن مجاهد 589.

83

44 شرح إعراب سورة حم (الدخان)

بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ قرئ على محمد بن جعفر بن حفص عن يوسف بن موسى عن مهدي بن ميمون قال: حدّثنا عمران القصير عن الحسن قال: من قرأ سورة «الدخان» ليلة الجمعة غفر له.

} حم (1) وَ اَلْكِتََابِ مخفوض بالقسم. اَلْمُبِينِ من نعته.

إِنََّا أَنْزَلْنََاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبََارَكَةٍ قال أبو جعفر: و قد ذكرنا عن العلماء أنها ليلة القدر.

فأما البركة التي فيها فهي نزول القرآن، و قال أبو العالية: هي رحمة كلّها لا يوافقها عبد مؤمن يعمل إحسانا إلاّ غفر له ما مضى من ذنوبه. و قال عكرمة: يكتب فيها الحاجّ حاجّ بيت اللّه جلّ و عزّ فلا يغادر منهم أحد و لا يزاد فيهم أحد فقيل لها: مباركة لثبات الخير فيها و دوامه. و البركة في اللغة. الثبات و الدوام.

أي فيه الحكمة من فعل اللّه جلّ و عزّ.

أَمْراً مِنْ عِنْدِنََا في نصبه‏ (1) خمسة أقوال: قال سعيد الأخفش: نصبه على الحال بمعنى أمرين. و قال محمد بن يزيد: نصبه نصب المصادر أي إنّا أنزلناه إنزالا، و الأمر مشتمل على الأخبار. قال أبو عمر الجرميّ: هو حال من نكرة، و أجاز على هذا: هذا رجل مقبلا. و قال أبو إسحاق: «أمرا» مصدر، و المعنى فيها يفرق فرقا و «أمرا» بمعنى:

فرق، و القول الخامس أن معنى يفرق يؤمر و يؤتمر فصار مثل: هو يدعه تركا.

____________

(1) انظر البحر المحيط 8/34.

84

رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ في نصبه خمسة أقوال: قال الأخفش: هو نصب على الحال. و قدّره الفراء (1) مفعولا على أنه منصوب بمرسلين، و جعل الرحمة للنبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم. و قال أبو إسحاق:

يجوز أن يكون رحمة مفعولا من أجله. و هذا أحسن ما قيل في نصبها. و قيل: هي بدل من أمر، و القول الخامس: أنها منصوبة على المصدر. إِنَّهُ هُوَ اَلسَّمِيعُ اَلْعَلِيمُ يكون «هو» زائدا فاصلا، و يجوز أن يكون مبتدأ و «السميع» خبره و اَلْعَلِيمُ من نعته.

رَبِّ اَلسَّمََاوََاتِ نعت للسميع، و يجوز أن يكون مرفوعا على إضمار مبتدأ. و هذه قراءة المدنيين و البصريين سوى الحسن فإنه و الكوفيين قرءوا رب السماوات (2) على البدل بمعنى رحمة من ربّك ربّ السّموات، و كذا ربكم و رب آبائكم الأولين بالرفع و الخفض.

و سمع من العرب في جمع دخان دواخن. و زعم القتبيّ أنه لم يأت على هذا إلاّ دخان و عثان. قال أبو جعفر: و هذا القول ليس بشي‏ء عند النحويين الحذاق؛ و إنما دواخن جمع داخنة و هذا قول الفراء نصا و كلّ من يوثق بعلمه، و حكى الفراء: دخنت النار فهي داخنة إذا أتت بالدخان.

قال أبو إسحاق: أي يقول الناس الذين أصابهم الجدب «هذا عذاب أليم» .

أَنََّى لَهُمُ اَلذِّكْرى‏ََ في موضع رفع بالابتداء على قول سيبويه، و على قول غيره بإضمار فعل. قال أبو الحسن بن كيسان: «أنّى» تجتذب معنى «أين» «و كيف» أي من أي المذاهب و على أي حال، و منه‏ قََالَ يََا مَرْيَمُ أَنََّى لَكِ هََذََا [ال عمران: 37]أي من أي المذاهب و على أي حال.

إِنََّا أصله إنّنا فحذفت النون تخفيفا. كََاشِفُوا اَلْعَذََابِ الأصل كاشفون حذفت

____________

(1) انظر معاني الفراء 3/39.

(2) انظر تيسير الداني 160، و كتاب السبعة لابن مجاهد 592.

85

النون تخفيفا، و من يحذف النون لالتقاء الساكنين نصب العذاب قَلِيلاً نصب؛ لأنه نعت لظرف أو لمصدر. قال أحمد بن يحيى: إنكم عائدون إلى الشرك. و قيل إلى عذاب الآخرة.

يَوْمَ نَبْطِشُ منصوب بمعنى اذكروا، و لا يجوز أن يكون منصوبا بمنتقمين؛ لأن «أنّ» لا يجوز فيها مثل هذا. و قرأ أبو جعفر و طلحة يَوْمَ نَبْطِشُ (1) و هي لغة معروفة و قراءة أبي رجاء يَوْمَ نَبْطِشُ (2) بضم النون و كسر الطاء على حذف المفعول. يقال:

بطش و أبطشه. }قال أحمد بن يحيى: وَ جََاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ أي عند ربه جلّ و عزّ، قال: و قال «كريم» من قومه.

أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبََادَ اَللََّهِ «أن» في موضع نصب و المعنى بأن و نصبت «عباد اللّه» بوقوع الفعل عليهم أي سلّموا إلى عباد اللّه أي اطلقوهم من العذاب و يجوز أن تنصب عباد اللّه على النداء المضاف، و يكون المعنى: أن أدّوا إليّ ما أمركم اللّه عزّ و جلّ به يا عباد اللّه.

وَ أَنْ لاََ تَعْلُوا عَلَى اَللََّهِ معطوفة على «أن» الأولى إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطََانٍ مُبِينٍ قال أبو إسحاق: أي بحجّة واضحة بيّنة أني نبيّ.

وَ إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَ رَبِّكُمْ و يجوز إدغام الذال في التاء لقربها منها و أن التاء مهموسة أَنْ تَرْجُمُونِ قال الضحاك: أي أن تشتموني و حذفت الياء؛ لأنها رأس آية، }و كذا فَاعْتَزِلُونِ .

من قال: إنّ هؤلاء فالمعنى عنده قال: إنّ هؤلاء.

فَأَسْرِ بِعِبََادِي من سرى، و من قال: أسرى قال: فأسر لَيْلاً ظرف.

وَ اُتْرُكِ اَلْبَحْرَ رَهْواً على الحال. قال محمد بن يزيد: يقال: عيش راه خفض و ادع

____________

(1) انظر البحر المحيط 8/35.

(2) انظر البحر المحيط 8/35.

86

فمعنى «رهوا» أي ساكنا حتّى يحصلوا فيه و هو ساكن و لا ينفروا منه. و قيل: الرهو المتفرق.

«كم» في كلام العرب للتكثير و «ربّ» للتقليل و زعم الكسائي أنّ أصل «كم» كما فإذا قلت: كم مالك؟فالمعنى كأيّ شي‏ء من العدد مالك، و حذفت الألف من «ما» كما تحذف مع حروف الخفض مثل‏ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ [التوبة: 43]قيل له: فلم أسكنت الميم؟قال: لكثرة الاستعمال كما تسكّن في الشعر، و أنشد: [البسيط] 414-

فلم دفنتم عبيد اللّه في جدث # و لم تعجّلتم و لم تروحونا

(1)

و ذكر أبو الحسن بن كيسان: هذا القول فاسد، و استدلّ على ذلك إنما تستعمله العرب في جواب «كم» لأنهم يقولون في جواب كم مالك؟ثلاثون و ما أشبهه، و لو كان كما قال لكان الجواب بالكاف لأن قائلا لو قال: كمن أخوك؟لقلت: كمحمد، و لو قال: مثل ما مالك؟لقلت: مثل الثياب، و لو قال: كأيّ شي‏ء مالك؟لقلت: كمال زيد. و هذا لا يقال في «كم» فصحّ أنها ليست «ما» دخلت عليها كاف التشبيه، و أنها مثل «من» و «ما» يستفهم بها عن العدد؛ لأنك لو قلت: أمالك ثلاثون أم أربعون؟لم ينتظم معنى «كم» لاشتماله على ذلك كله. و هي اسم غير معرب لأن فيها معنى الحروف. قال سيبويه: فبعدت عن المضارعة بعد «كم» و «إذ» من المتمكّنة.

في أبي صالح عن ابن عباس: أنّ المقام الكريم المنازل الحسنة. قال أبو جعفر؛ و هذا معروف في اللغة أن يقال للموضع الذي يقام فيه: مقام كريم، و في الضحاك عن ابن عباس: أن المقام المنابر، و كذا قال سعيد بن جبير، و هو مروي عن عبد اللّه بن عمر، و قد ذكرناه بإسناده في سورة «الشعراء» (2) .

قال يعقوب بن السكّيت: النعمة التنعّم. و روى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: «فكهين» معجبين، و عنه فاكهين فرحين. و حكى أبو عبيد عن أبي زيد الأنصاري أنه يقال: رجل فكه إذا كان طيّب النفس ضحوكا، و زعم الفراء (3) أنّ فكها و فاكها بمعنى واحد، كما يقال: حذر و حاذر. فأما محمد بن يزيد ففرق بين فعل و فاعل في مثل هذا تفريقا لطيفا فقال: الحذر الّذي في خلقته الحذر، و الحاذر المستعدّ. قال أبو

____________

(1) لم أجده في كتب الشواهد.

(2) انظر كتاب معاني القرآن للنحاس في تفسير الآية 58-الشعراء.

(3) انظر معاني الفراء 3/249.

87

جعفر: و هذا قول صحيح بيّن يدلّ عليه أن حذرا لا يتعدّى عند النحويين.

الكاف في موضع رفع أي الأمر ذلك، و يجوز أن يكون في موضع نصب بمعنى كذلك يفعل بمن يهلكه و ينتقم منه.

فَمََا بَكَتْ عَلَيْهِمُ اَلسَّمََاءُ وَ اَلْأَرْضُ أكثر أهل التفسير على أنه حقيقة و أنها تبكي على المؤمن موضع مصلاّه من الأرض و موضع مصعده من السماء. و قيل: هو مجاز و المعنى: و ما بكى عليهم أهل السماء و لا أهل الأرض و قول ثالث نظير قول العرب: ما بكاه شي‏ء، و جاء بكت على تأنيث السماء. و زعم الفراء (1) : أنّ من العرب من يذكّرها.

نعت للعذاب، و زعم الفراء أن في قراءة عبد اللّه مِنَ اَلْعَذََابِ اَلْمُهِينِ (2) و ذهب إلى إضافة الشي‏ء إلى نفسه مثل: وَ ذََلِكَ دِينُ اَلْقَيِّمَةِ [البينة: 5]. قال أبو جعفر: و إضافة الشي‏ء إلى نفسه عند البصريين‏ (3) محال، و القراءة مخالفة للسواد، و لو صحّت كان تقديرها: من عذاب فرعون المهين ثم أقيم النعت مقام المنعوت و يكون الدليل على الحذف.

روي عن ابن عباس قال: من المشركين و عن الضحاك قال: من الفتّاكين.

وَ لَقَدِ اِخْتَرْنََاهُمْ الضمير يعود على بني إسرائيل أي اخترناهم للرسالة و التشريف عَلى‏ََ عِلْمٍ لأن من اخترناه منهم للرسالة يقوم بأدائها عَلَى اَلْعََالَمِينَ لكثرة الرسل فيهم و قيل: عالم أهل زمانهم.

أصحّ ما قيل فيه أن البلاء هاهنا النعمة مثل و جميل بلائه لديك. قال الفراء (4) :

و قد يكون البلاء هاهنا العذاب.

____________

(1) انظر معاني الفراء 3/41.

(2) انظر معاني الفراء 3/41، و البحر المحيط 8/37.

(3) انظر الإنصاف المسألة رقم (61) .

(4) انظر معاني الفراء 3/42.

88

} إِنَّ هََؤُلاََءِ لَيَقُولُونَ إِنْ هِيَ إِلاََّ مَوْتَتُنَا اَلْأُولى‏ََ أي يقولون هذا على العادة بغير حجّة و قد تبيّنت لهم البراهين و ظهرت الحجج لهم، }و لهذا لم يحتجّ عليهم هاهنا و خوّفوا و هدّدوا فقيل أَ هُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ أي فقد علموا أنّهم كانوا أعزّ منهم. وَ اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ عطف على قوم، و يجوز أن يكون مرفوعا بالابتداء و ما بعده خبره، و يجوز أن يكون في موضع نصب بإضمار فعل دلّ عليه أهلكناهم إِنَّهُمْ كََانُوا مُجْرِمِينَ .

و أجاز الكسائي و الفرّاء إِنَّ يَوْمَ اَلْفَصْلِ مِيقََاتُهُمْ بالنصب. قال أبو إسحاق:

يكون يوما منصوب على الظرف، و يكون التقدير: أنّ ميقاتهم في يوم الفصل. قال أبو جعفر: يفرّق بين إنّ و اسمها بالظرف فتقول: إنّ حذاءك زيدا، و إنّ اليوم القتال؛ لأن الظرف معناه في الكلام و إن لم تلفظ به فهذا لا اختلاف بين النحويين فيه، و اختلفوا في الحال فأجاز الأخفش: تقديمها و منعه محمد بن يزيد. و أجاز الأخفش: إنّ قائمين فيها إخوتك تنصب قائمين على الحال. «أجمعين» في موضع خفض توكيد للهاء و الميم.

يَوْمَ لاََ يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئاً نصبت يوما على البدل من يوم الأول. قال الضحّاك مَوْلًى عَنْ مَوْلًى أي عن وليّ. } إِلاََّ مَنْ رَحِمَ اَللََّهُ في إعراب‏ (1) من أربعة أوجه: قال الأخفش سعيد: «من» في موضع رفع على البدل، تقديره بمعنى و لا ينصر إلا من رحم اللّه. و يجوز أن يكون في موضع رفع على الابتداء أي إلاّ من رحم اللّه فيعفى عنه.

و قال غيره «من» في موضع رفع بمعنى لا يغني إلاّ من رحم اللّه أي لا يشفع إلاّ من رحم اللّه. و هذا قول حسن لأنه قد صحّ عن النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم أنه يشفع لأمته حتّى يخرج من النار من كان في قلبه مثقال حبّة من خردل من الإيمان، و صح عنه أن المؤمنين يشفعون. و القول الرابع في «من» أنها في موضع نصب على الاستثناء المنقطع، و هذا قول الكسائي و الفراء (2) .

و عن أبي الدرداء قال: طعام الفاجر، و هذا تفسير و ليس بقراءة لأنه مخالف للمصحف.

____________

(1) انظر البحر المحيط 8/39.

(2) انظر معاني الفراء 3/42.

89

كالمهل تغلي في البطون قراءة أهل المدينة و أهل الكوفة و أهل البصرة، و قراءة ابن كثير كَالْمُهْلِ يَغْلِي (1) و هو اختيار أبي عبيد. و هو مخالف لحجّة الجماعة من أهل الأمصار. و المعنى فيه أيضا بعيد على ما تأوله أبو عبيد لأنه جعل يغلي للمهل؛ لأنه أقرب إليه، و ليس المهل الذي يغلي في البطون إنما المهل يغلي في القدور، كما روي عن عبد اللّه بن مسعود أنه أخذ فضة من بيت المال فأذابها ثم وجّه إلى أهل المسجد فقال: هذا المهل. و عن ابن عباس قال: المهل: درديّ الزيت. قال أبو جعفر: إلاّ أنه لا يكون لدرديّ الزيت إلاّ أن يغلي بذلك على ظاهر الآية.

خُذُوهُ فَاعْتُلُوهُ قراءة أهل المدينة. و قرأ أهل الكوفة فَاعْتِلُوهُ (2) و هما لغتان إلا أنّ القياس الكسر؛ لأنه مثل ضربه يضربه. و أجاز الخليل و سيبويه: «خذوهو فاعتلوهو» بإثبات الواو في الإدراج إلاّ أنّ الاختيار حذفها، و اختلف النحويون في ذلك فمذهب سيبويه أن الأصل: «خذوهو» بإثبات الواو إلاّ أنها حذفت لاجتماع حرفين من حروف المدّ و اللين. و مذهب غيره أنّها حذفت من أجل الساكنين. و قال جويبر عن الضحّاك: إنه نزل في أبي جهل «خذوه فاعتلوه» إذا أمر به يوم القيامة. قال الضحّاك:

فَاعْتِلُوهُ فادفعوه، إِلى‏ََ سَوََاءِ اَلْجَحِيمِ أي إلى وسط الجحيم.

روي عن ابن عباس: الحميم الحارّ الذي قد انتهى حرّه.

كسرت «إن» لأنها مبتدأة، و من قرأ ذُقْ إِنَّكَ (3) جعله بمعنى لأنك و بأنك.

و القراءة بالكسر عليها حجّة الجماعة، و أيضا فإن الكفر أكثر من قوله: أنا العزيز الكريم؛ لأن تأويل من قرأها بالفتح ذق لأنك كنت تقول: أنا العزيز الكريم.

قيل: دلّ بهذا على أنهم يعذبون على الشك و قيل: بل كانوا مع شكّهم يجحدون

____________

(1) انظر تيسير الداني 160، و كتاب السبعة لابن مجاهد 592، و البحر المحيط 8/40.

(2) انظر تيسير الداني 160، و كتاب السبعة لابن مجاهد 593.

(3) انظر البحر المحيط 8/40.

90

ما شكّوا فيه. و من شك في شي‏ء فجحده فهو عاص للّه تعالى.

(1)

قراءة الكوفيين و أبي عمرو، و قرأ المدنيون فِي مَقََامٍ بضم الميم. قال الفرّاء (2)

مقام أجود في العربية لأنه للمكان. قال أبو جعفر: و هذا ما ينكر على الفراء أن يقال للقراءات التي قد روتها الجماعة عن الجماعة: هذه أجود من هذه لأنها إذا روتها الجماعة عن الجماعة قيل: هكذا أنزل؛ لأنهم لا يجتمعون على ضلالة فكيف تكون إحداهما أجود من الأخرى؟و مقام بالضم معناه صحيح يكون بمعنى الإقامة كما قال: [الكامل‏] 415-

عفت الدّيار محلّها فمقامها

(3)

و المقام أيضا الموضع إذا أخذته من أقام، و المقام بالفتح الموضع أيضا إذا أخذته من قام. أَمِينٍ قال الضحّاك: أمنوا فيه الجوع و السقم و الهرم و الموت و أمنوا الخروج منه.

قال مجاهد: عَلى‏ََ سُرُرٍ مُتَقََابِلِينَ [الصافات: 44]لا يرى بعضهم قفا بعض.

كَذََلِكَ الكاف في موضع رفع أي الأمر كذلك، و يجوز أن يكون في موضع نصب أي كذلك يفعل بالمتقين. وَ زَوَّجْنََاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ قال الضحّاك: الحور البيض و العين الكبار الأعين. قال الأخفش: و من العرب من يقول: بحير عين. قال أبو جعفر: هذا على إتباع الأول للثاني، و نظيره من روى «ارجعن مأزورات غير مأجورات» (4) و الفصيح البيّن ارجعن «موزورات» و «بحور» فأما «عين» فهو جمع عيناء و هو فعل كسرت منه فاء الفعل؛ لأن بعدها ياء.

لاََ يَذُوقُونَ فِيهَا اَلْمَوْتَ إِلاَّ اَلْمَوْتَةَ اَلْأُولى‏ََ نصب لأنه استثناء ليس من الأول.

____________

(1) انظر تيسير الداني 160، قراءة نافع و ابن عامر بضم الميم و الباقين بفتحها.

(2) انظر معاني الفراء 3/44.

(3) الشاهد للبيد في ديوانه 297، و لسان العرب (خرج) ، و (أبد) ، و (غول) ، (وصل) ، و جمهرة اللغة 961، و تاج العروس (خرج) و (غول) و (رجم) و (مني) و (قوم) ، و مقاييس اللغة 1/34، و المخصّص 15/ 176، و بلا نسبة في لسان العرب (رجم) ، و جمهرة اللغة 466، و ديوان الأدب 1/189. و عجزه:

«بمنى تأبد غولها فرجامها»

(4) أخرجه أبو داود في سننه في الجنائز-الحديث رقم (3167) ، و ابن ماجة في سننه-باب 50-الحديث رقم (1578) .

91

فَضْلاً منصوب على المصدر، و العامل فيه المعنى، و اختلف في ذلك المعنى، فقال أبو إسحاق فيه إنه‏ يَدْعُونَ فِيهََا بِكُلِّ فََاكِهَةٍ آمِنِينَ قال: و يجوز أن يكون العامل فيه‏ إِنَّ اَلْمُتَّقِينَ فِي مَقََامٍ أَمِينٍ ، و قال غيره العامل فيه‏ وَ وَقََاهُمْ عَذََابَ اَلْجَحِيمِ ، و جواب رابع أن يكون هذا كلّه عاملا فيه لأن معناه كلّه تفضّل من اللّه جلّ و عزّ. و كلّه يحتاج إلى شرح. و ذلك أن يقال: قد قال جلّ و عزّ بِمََا كََانُوا يَعْمَلُونَ [الأنعام:

127، و يوسف: 12]و بِمََا كََانُوا يَكْسِبُونَ [الأنعام: 129]فما معنى التفضل هاهنا ففي هذا غير جواب منها أن تكليف اللّه جلّ و عزّ الأعمال ليس لحاجة منه إليها، و إنّما كلّفهم ذلك ليعملوا فيدخلوا الجنة فالتكليف و إدخالهم الجنة تفضّل منه جلّ و عزّ.

فأصحّ الأجوبة في هذا أنّ للمؤمنين ذنوبا لا يخلون منها، و إن كانت لكثير منهم صغائر فلو أخذهم اللّه جلّ و عزّ بها لعذّبهم غير ظالم لهم، فلما غفرها لهم و أدخلهم الجنة كان ذلك تفضلا منه جلّ و عزّ، و أيضا فإنّ للّه جلّ و عزّ على عباده كلّهم نعما في الدنيا فلو قوبل بتلك النعم أعمالهم لاستغرقها فقد صار دخولهم الجنة تفضلا، كما قال صلّى اللّه عليه و سلّم «ما أحد يدخل الجنّة بعمله» قيل: و لا أنت يا رسول اللّه؟قال: «و لا أنا إلاّ أنا يتغمّدني اللّه منه برحمة» .

فَإِنَّمََا يَسَّرْنََاهُ بِلِسََانِكَ قيل: معنى يسّرناه علمناكه و حفّظناكه و أوحينا إليك لتتذكّروا به و تعتبروا.

فَارْتَقِبْ أي فارتقب أن يحكم اللّه جلّ و عزّ بينك و بينهم إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ فيه قولان: أحدهما أنه مجاز، و أن المعنى أنهم بمنزلة المرتقبين لأن الأمر حال بهم لا محالة، و قيل هو حقيقة أي أنهم مرتقبون ما يؤمّلونه.

92

45 شرح إعراب سورة الجاثية

بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ }

تَنْزِيلُ مرفوع بالابتداء و خبره مِنَ اَللََّهِ ، و يجوز أن يكون مرفوعا على أنه خبر ابتداء محذوف أي هذا تنزيل الكتاب، و يجوز أن يكون مرفوعا على أنه خبر عن «حم» ، اَلْعَزِيزِ اَلْحَكِيمِ نعت و فيه معنى المدح.

لَآيََاتٍ في موضع نصب، و كسرت التاء لأنه جمع مسلّم ليوافق المؤنّث المذكّر في استواء النصب و الخفض. و التاء عند سيبويه‏ (1) بمنزلة الياء و الواو، و عند غيره الكسرة بمنزلة الياء، و قيل: التاء و الكسرة بمنزلة الياء فأما الألف فزائدة للفرق بين الواحد و الجمع.

وَ فِي خَلْقِكُمْ وَ مََا يَبُثُّ مِنْ دََابَّةٍ آيََاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ هذه قراءة المدنيين أبي عمرو، و كذا التي بعدها. و قرأ الأعمش و حمزة و الكسائي آيات (2) مخفوضة في موضع نصب، و كذا التي بعدها. و احتج الكسائي لهذه القراءة بأنه في حرف أبيّ لآيات (3) فيهن كلّهنّ باللام فاستدلّ بهذا على أنه معطوف على ما قبله.

قال الفرّاء (4) : و في قراءة عبد اللّه و في اختلاف اللّيل و النّهار على أن فيها

____________

(1) انظر الكتاب 1/45.

(2) انظر تيسير الداني 161.

(3) انظر معاني الفراء 3/45، و البحر المحيط 8/43.

(4) انظر معاني الفراء 3/45.

93

«في» و اختيار أبي عبيد ما اختاره الكسائي. قال أبو جعفر: أما قوله جلّ و عزّ: وَ فِي خَلْقِكُمْ وَ مََا يَبُثُّ مِنْ دََابَّةٍ آيََاتٌ فلا اختلاف بين النحويين فيه أنّ النصب و الرفع جيدان فالنصب على العطف أي و إنّ في خلقكم. و الرفع من ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون معطوفا على الموضع مثل‏ وَ إِذََا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اَللََّهِ حَقٌّ وَ اَلسََّاعَةُ لاََ رَيْبَ فِيهََا . و الوجه الثاني: الرفع بالابتداء و خبره و عطفت جملة على جملة منقطعة من الأول كما تقول: إنّ زيدا خارج و أنا أجيئك غدا. و الوجه الثالث: أن تكون الجملة في موضع الحال مثل‏ يَغْشى‏ََ طََائِفَةً مِنْكُمْ وَ طََائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ [ال عمران: 154]فأما قوله جلّ و عزّ: وَ اِخْتِلاََفِ اَللَّيْلِ وَ اَلنَّهََارِ وَ مََا أَنْزَلَ اَللََّهُ مِنَ اَلسَّمََاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيََا بِهِ اَلْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهََا وَ تَصْرِيفِ اَلرِّيََاحِ آيََاتٌ فقد اختلف النحويون فيه فقال بعضهم: النصب فيه جائز و أجاز العطف على عاملين فممن قال هذا سيبويه و الأخفش و الكسائي و الفرّاء، و أنشد سيبويه:

[المتقارب‏] 416-

أ كلّ امرئ تحسبين امرأ # و نار توقّد باللّيل نارا

(1)

و ردّ هذا بعضهم و لم يجز العطف على عاملين و قال: من عطف على عاملين أجاز: في الدار زيد و الحجرة عمرو. و قائل هذا القول ينشد «و نارا» بالنصب. و يقول من قرأ الثالثة «آيات» فقد لحن. و ممن قال هذا محمد بن يزيد. و كان أبو إسحاق يحتجّ لسيبويه في العطف على عاملين بأن من قرأ «آيات» بالرفع فقد عطف أيضا على عاملين؛ لأنه عطف «و اختلاف» على «و في خلقكم» و عطف «آيات» على الموضع فقد صار العطف على عاملين إجماعا. و القراءة بالرفع بيّنة لا تحتاج إلى احتجاج و لا احتيال. و قد حكى الفرّاء (2) في الآية غير ما ذكرناه، و ذلك أنه أجاز «و اختلاف الليل و النهار» بالرفع فيه و في «آيات» يجعل الاختلاف هو الآيات. و قد كفي المؤونة فيه بأن قال: و لم أسمع أحدا قرأ به.

تِلْكَ آيََاتُ اَللََّهِ مبتدأ و خبره، و يجوز أن يكون آيات اللّه بدلا من تلك و يكون

____________

(1) الشاهد لأبي دؤاد في ديوانه ص 353، و الكتاب 1/110، و الأصمعيات 191، و أمالي ابن الحاجب 1/ 134، و خزانة الأدب 9/592، و الدرر 5/39، و شرح التصريح 2/56، و شرح شواهد الإيضاح ص 299، و شرح شواهد المغني 2/700، و شرح عمدة الحافظ 500، و شرح المفصل 3/26، و المقاصد النحوية 3/445، و لعدي بن زيد في ملحق ديوانه 199، و بلا نسبة في الأشباه و النظائر 8/ 49، و الإنصاف 2/473، و خزانة الأدب 4/417، و رصف المباني ص/348، و شرح الأشموني 2/ 325، و شرح ابن عقيل 399، و شرح المفصل 3/79، و المحتسب 1/281، و مغني اللبيب 1/290، و المقرب 1/237، و همع الهوامع 2/52.

(2) انظر معاني الفراء 3/45.

94

الخبر نَتْلُوهََا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ . فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اَللََّهِ وَ آيََاتِهِ يُؤْمِنُونَ قراءة المدنيين و أبي عمرو، و قرأ الكوفيون تؤمنون بالتاء ورد أبو عبيد قولهم بأن قبله‏ إِنَّ فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ لَآيََاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ ، و كذا «لقوم يوقنون» و «لقوم يعقلون» فوجب على هذا عنده أن يكون فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اَللََّهِ وَ آيََاتِهِ يُؤْمِنُونَ و ردّ عليهم أيضا بأن قبله تِلْكَ آيََاتُ اَللََّهِ نَتْلُوهََا عَلَيْكَ فكيف يكون بعده «فبأيّ حديث بعد اللّه تؤمنون» قال أبو جعفر:

و هذا الردّ لا يلزم لأن قوله جلّ و عزّ: تِلْكَ آيََاتُ اَللََّهِ نَتْلُوهََا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ و إن كان مخاطبة للنبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم فإنه مبلّغ عن اللّه عزّ و جلّ كل ما أنزل إليه، فلما كان ذلك كذلك كان المعنى قل لهم «فبأيّ حديث بعد اللّه و آياته تؤمنون» ، فهذا المعنى صحيح قال اللّه جلّ و عزّ وَ اَلْمَلاََئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بََابٍ‏`سَلاََمٌ عَلَيْكُمْ [الرعد: 23]أي يقولون.

روي عن ابن عباس أنه قال: نزلت في النّضر بن كلدة «ويل» مرفوع بالابتداء.

و قد شرحناه فيما تقدم‏ (1) .

و قرأ أهل مكة و عيسى بن عمر عذاب من رجز أليم (2) بالرفع على أنه نعت لعذاب. قال محمد بن يزيد: الرّجز أغلظ العذاب و أشده و أنشد لرؤبة: [الرجز] 417-

كم رامنا من ذي عديد مبزي # حتّى و قمنا كيده بالرّجز

(3)

اَللََّهُ اَلَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ اَلْبَحْرَ مبتدأ و خبره.

جَمِيعاً نصب على الحال و روي عن ابن عباس أنه قرأ جَمِيعاً مِنْهُ (4) نصب على المصدر. و أجاز أبو حاتم جَمِيعاً مِنْهُ (5) بفتح الميم و الإضافة على المصدر

____________

(1) تقدّم في إعراب الآية 79 من سورة البقرة.

(2) انظر البحر المحيط 8/45، و فيه: (قرأ طلحة و ابن محيصن و أهل مكة و ابن كثير و حفص أليم بالرفع نعتا لعذاب، و الحسن و أبو جعفر و شيبة و عيسى و الأعمش و باقي السبعة بالجر نعتا لرجز) .

(3) الرجز لرؤية بن العجاج في ديوانه 64، و تهذيب اللغة 10/608، و تفسير الطبري 8/223، و بعده:

«و الصّقع من قاذفة و جرز»

(4) انظر مختصر ابن خالويه 138، و البحر المحيط 8/45.

(5) انظر المحتسب 2/262.

95

أيضا بمعنى منّا منّه. و يروى عن مسلمة أنه قرأ جَمِيعاً مِنْهُ بالرفع على إضمار مبتدأ.

يَغْفِرُوا في موضع جزم. قال الفرّاء (1) : هذا مجزوم بالتشبيه بالجزم و الشرط كأنه كقولك: قم تصب خيرا. و ليس كذلك. قال أبو جعفر: يذهب إلى أنه لما وقع في جواب الأمر كان مجزوما و إن لم يكن جوابا. و هذا غير محصّل و الأولى فيه ما سمعت عليّ بن سليمان يحكيه عن محمد بن يزيد عن أبي عثمان المازني قال: التقدير قل للّذين آمنوا اغفروا يغفروا. و هذا قول محصّل لا إشكال فيه، و هو جواب كما تقول:

أكرم زيدا يكرمك. و تقديره: إن تكرمه يكرمك. و قرأ نافع و أبو عمرو و عاصم لِيَجْزِيَ قَوْماً (2) و قرأ يحيى بن وثاب و الأعمش و حمزة و الكسائي لنجزي قوما بالنون.

و قرأ أبو جعفر القارئ لِيَجْزِيَ قَوْماً . قال أبو جعفر: القراءة الأولى و الثانية حسنتان معناهما واحد، و إن كان أبو عبيد يختار الأولى و يحتجّ بأن قبله قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لاََ يَرْجُونَ أَيََّامَ اَللََّهِ فيختار «ليجزي قوما» ليعود الضمير على اسم اللّه جلّ و عزّ.

و هذا لا يوجب اختيارا؛ لأنه كلام اللّه جلّ و عزّ و وحيه فقوله جلّ ثناؤه لنجزي إخبارا عنه جلّ و عزّ فأما لِيَجْزِيَ قَوْماً فقال أبو إسحاق: هو لحن عند الخليل و سيبويه و جميع البصريين و قال الفرّاء (3) : هو لحن في الظاهر، و هو عند البصريين لحن في الظاهر و الباطن، و إنما أجازه الكسائي على شذوذ بمعنى: ليجزي الجزاء قوما فأضمر الجزاء و لو أظهره ما جاز فكيف و قد أضمره؟و قد أجمع النحويون على أنه لا يجوز.

ضرب الضرب زيدا، حتّى أنه قال بعضهم: لا يجوز: ضرب زيدا سوطا؛ لأن سوطا مصدر، و إنما يقام المصدر مقام الفاعل مع حروف الخفض‏ (4) (5) إذا نعت فإذا لم يكن منعوتا لم يجز. و هذا أعجب أن يقام المصدر مقام الفاعل غير منعوت مع اسم غير مصدر، و فيه أيضا علة أخرى أنه أضمر الجزاء و لم يتقدم له ذكر على أن «يجزي» يدلّ عليه. و هذا، و إن كان يجوز فإنه مجاز فأما إنشادهم: [الوافر] 418-

و لو ولدت قفيرة جرو كلب # لسبّ بذلك الجرو الكلابا

فلا حجة فيه، و رأيت أبا إسحاق يذهب إلى أن تقديره: و لو ولدت قفيرة الكلاب، و «جرو كلب» منصوب على النداء.

____________

(1) انظر معاني الفراء 3/45.

(2) انظر البحر المحيط 8/45.

(3) انظر البحر المحيط 8/45.

(4) انظر تيسير الداني 160، قال: (حمزة و حفص و الكسائي بالنصب و الباقون بالرفع) .

(5) انظر معاني الفراء 3/47.

96

وَ لَقَدْ آتَيْنََا بَنِي إِسْرََائِيلَ اَلْكِتََابَ وَ اَلْحُكْمَ وَ اَلنُّبُوَّةَ قال مالك بن دينار: سألت مجاهدا عن الحكم فقال: اللبّ. قال محمد بن يزيد: الشريعة المنهاج و القصد. و منه شريعة النهر، و طريق شارع أي واضح بيّن. و شرائع الدّين التي شرّعها اللّه جلّ و عزّ لعباده ليعرفوها. و جمع شريعة شرائع، و حكي أنه يقال: شرع، و حقيقته أن شرعا جمع شرعة.

بَعْضُهُمْ مرفوع بالابتداء و أولياء خبره و الجملة خبر «إنّ» و يجوز نصب بعضهم على البدل من الظالمين وَ اَللََّهُ وَلِيُّ اَلْمُتَّقِينَ مبتدأ و خبره، و يجوز النصب بعطفه على «إنّ» }قال الكسائي: قال هََذََا بَصََائِرُ و لم يقل: هذه بصائر لأنه أراد القرآن و الوعظ.

اَلَّذِينَ في موضع رفع بحسب. أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصََّالِحََاتِ أن وصلتها بمعنى المفعولين، و الهاء و الميم في موضع نصب مفعول أول لنجعلهم، كَالَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصََّالِحََاتِ في موضع المفعول الثاني. سَوََاءً مَحْيََاهُمْ وَ مَمََاتُهُمْ مبتدأ و خبره. هذه قراءة أهل الحرمين و أبي عمرو و عاصم، و قرأ الأعمش و حمزة و الكسائي سَوََاءً مَحْيََاهُمْ وَ مَمََاتُهُمْ بنصب سواء. قال أبو عبيد: و كذلك يقرؤها نصبا بوقوع «نجعلهم» عليها. قال أبو إسحاق: و أجاز بعض النحويين سَوََاءً مَحْيََاهُمْ وَ مَمََاتُهُمْ (1) و قد قرئ به. قال أبو جعفر: القراءة الأولى سَوََاءً مَحْيََاهُمْ وَ مَمََاتُهُمْ هي التي اجتمعت عليها الحجّة من الصحابة و التابعين و النحويين، كما قرئ على إبراهيم بن موسى عن إسماعيل بن إسحاق عن مسدّد عن يحيى عن عبد الملك عن قيس عن مجاهد في قوله جلّ و عزّ: سَوََاءً مَحْيََاهُمْ وَ مَمََاتُهُمْ قال: المؤمن يموت على إيمانه و يبعث عليه، و الكافر يموت على كفره و يبعث عليه. و عن أبي الدرداء قال:

يبعث النّاس على ما ماتوا عليه و نحو هذا عن تميم و حذيفة فاجتمعت الحجة على أنه لا

____________

(1) انظر البحر المحيط 8/47، و تيسير الداني 161.

97

يجوز القراءة إلا بالرفع، و أنّ من نصب فقد خرج من هذه التأويلات و سَوََاءً مرفوع بالابتداء على هذا لا وجه لنصبه لأن المعنى أنّ المؤمنين مستوون في محياهم و مماتهم، و الكافرون مستوون في محياهم و مماتهم، ثم يرجع إلى النصب فهو يكون من غير هذه الجهة و ذلك من جهة ذكرها الأخفش سعيد، قال: يكون المعنى: أم حسب الذين اجترحوا السيّئات أن نجعل محياهم و مماتهم مستويا كمحيا المؤمنين و مماتهم. فعلى هذا الوجه يجوز النصب، و على هذا الوجه الاختيار عند الخليل و سيبويه رحمهما اللّه الرفع أيضا، و مسائل النحويين جميعا على الرفع كلهم. تقول ظننت زيدا سواء أبوه و أمّه، و يجيزون النصب و مسائلهم على الرفع. و أعجب ما في هذا إذا كانت مسائل النحويين كذا فكيف قرأ به الكسائي و اختاره أبو عبيد؟فأما القراءة بالنصب «سواء محياهم و مماتهم» ففيها وجهان. قال الفرّاء (1) : المعنى في محياهم و في مماتهم ثم حذفت «في» يذهب إلى أنه منصوب على الوقت، و الوجه الآخر أن يكون «محياهم و مماتهم» بدلا من الهاء و الميم التي في «نجعلهم» بمعنى أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعل محياهم و مماتهم سواء كالذين آمنوا و عملوا الصّالحات أي كمحيا الذين آمنوا و عملوا الصّالحات و مماتهم. سََاءَ مََا يَحْكُمُونَ إن جعلت «ما» معرفة فموضعها رفع و إن جعلتها نكرة فموضعها نصب على البيان.

لام كي لا بدّ من أن تكون متعلّقة بفعل إما مضمر و إما مظهر، و هو هاهنا مضمر أي و لتجزى كلّ نفس بما كسبت فعل ذلك.

مَنِ في موضع نصب. و للعلماء في معناها ثلاثة أقوال فمن أجلها ما رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اِتَّخَذَ إِلََهَهُ هَوََاهُ قال: الكافر اتّخذ دينه بغير هدى من اللّه جلّ و عزّ و لا برهان. و قال الحسن: هو الذي كلما اشتهى شيئا لم يمتنع منه. و قال سعيد بن جبير: كان أحدهم يعبد الشي‏ء فإذا رأى غيره أحسن منه عبده و ترك الآخر. قال أبو جعفر: قول الحسن على التشبيه كما قال جلّ و عزّ اِتَّخَذُوا أَحْبََارَهُمْ وَ رُهْبََانَهُمْ أَرْبََاباً مِنْ دُونِ اَللََّهِ [التوبة: 31]و الأشبه بنسق الآية أن يكون

____________

(1) انظر معاني الفراء 3/47.

98

للكفار. وَ أَضَلَّهُ اَللََّهُ عَلى‏ََ عِلْمٍ فيه ثلاثة أقوال: منها أن المعنى أضلّه عن الثواب على علم منه بأنه لا يستحقه، و القول الثاني أن المعنى على علم منه بأنّ عبادته لا تنفعه. و هذان القولان لم يقلهما متقدّم و أولى ما قيل في الآية ما رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس وَ أَضَلَّهُ اَللََّهُ عَلى‏ََ عِلْمٍ قال: في سابق علمه. قال سعيد بن جبير: وَ أَضَلَّهُ اَللََّهُ عَلى‏ََ عِلْمٍ أي على علم قد علمه منه وَ خَتَمَ عَلى‏ََ سَمْعِهِ وَ قَلْبِهِ قال أبو جعفر: قد ذكرناه‏ (1) في سورة «البقرة» . وَ جَعَلَ عَلى‏ََ بَصَرِهِ غِشََاوَةً (2) و في قراءة عبد اللّه وَ جَعَلَ عَلى‏ََ بَصَرِهِ غِشََاوَةً مروية بفتح الغين، و هي لغة ربيعة فيما يظنّ الفرّاء. و قراءة عكرمة: غشاوة بضم الغين، و هي لغة عكل. قال أبو الحسن بن كيسان: و يحذف الألف منها فيكون فيها إذا حذفت الألف ثلاث لغات: غشوة و غشوة و غشوة. و أما المعنى فمتقارب، إنما هو تمثيل أي لا يبصر الحقّ فهو بمنزلة من على بصره غشاوة إلاّ أن الأكثر في كلام العرب في مثل هذا أن يكون على فعالة و ذلك في كل ما كان مشتملا على الشي‏ء نحو عمامة و كذا ولاية.

وَ قََالُوا مََا هِيَ إِلاََّ حَيََاتُنَا اَلدُّنْيََا نَمُوتُ وَ نَحْيََا قد ذكرناه إلاّ أن علي بن سليمان قال: المعنى ما هي إلاّ حياتنا الدنيا نموت و نحيا على قولكم، و استبعد أن يكون المعنى نحيا و نموت على التقديم و التأخير، و قال: إنما يجوز هذا فيما يعرف معناه نحو وَ اُسْجُدِي وَ اِرْكَعِي [ال عمران: 43]. قال أبو جعفر: و أهل العربية يخالفونه في هذا، و يجيزون في الواو التقديم و التأخير في كل موضع. قال الفرّاء (3) : معنى وَ مََا يُهْلِكُنََا إِلاَّ اَلدَّهْرُ أي طول الدهر و مرّ الأيام و الليالي و الشهور و السنين و تكلّم جماعة في معنى الآية فقال بعضهم: هؤلاء قوم لم يكونوا يعرفون اللّه جلّ و عزّ و لو عرفوه لعلموا أنه يهلكهم و يميتهم. و قال قوم: يجوز أن يكونوا يعرفون اللّه جلّ و عزّ و عندهم أنّ هذه الآفات التي تلحقهم إنّما هي بعلل و دوران فلك، يقولون هذا بغير حجّة و لا علم. و قال قوم:

هؤلاء جماعة من العرب يعرفون اللّه جلّ و عزّ يدلّ على قولهم‏ مََا نَعْبُدُهُمْ إِلاََّ لِيُقَرِّبُونََا إِلَى اَللََّهِ زُلْفى‏ََ [الزمر: 3]و فيهم من يؤمن بالبعث. قال زهير: [الطويل‏] 419-

يؤخّر فيوضع في كتاب فيدّخر # ليوم الحساب أو يعجّل فينقم‏

(4)

____________

(1) مرّ في إعراب الآية 7-البقرة.

(2) انظر البحر المحيط 8/49، و تيسير الداني 161، و مختصر ابن خالويه 138.

(3) انظر معاني الفراء 3/48.

(4) الشاهد لزهير في ديوانه ص 18.

99

غير أنهم كانوا جهلة لا يعلمون أن الآفات مقدّرة من اللّه عزّ و جلّ. و هذا أصحّ ما روي في الآية و أشبه بنسقها، و قد قامت به الحجة بالظاهر و لأنه مرويّ عن ابن عباس أنّه قال في قوله جلّ و عزّ: وَ مََا لَهُمْ بِذََلِكَ مِنْ عِلْمٍ قال: قالوا: لا نبعث، بغير علم فقال اللّه جلّ و عزّ: وَ مََا لَهُمْ بِذََلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاََّ يَظُنُّونَ .

مََا كََانَ حُجَّتَهُمْ خبر كان. إِلاََّ أَنْ قََالُوا اسمها، و يجوز «ما كان حجّتهم» بالرفع على أنه اسم كان؛ لأن الحجّة و الاحتجاج واحد، و يكون الخبر إِلاََّ أَنْ قََالُوا أي إلاّ مقالتهم.

قُلِ اَللََّهُ يُحْيِيكُمْ حذفت الضمة من الياء لثقلها. ثُمَّ يُمِيتُكُمْ عطف عليه و كذا ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ . وَ لََكِنَّ أَكْثَرَ اَلنََّاسِ لاََ يَعْلَمُونَ قيل: أي بمنزلة من لا يعلم، و قيل: عليهم أن يعلموا.

وَ لِلََّهِ مُلْكُ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ أي فهو قادر على أن يحييكم. وَ يَوْمَ تَقُومُ اَلسََّاعَةُ ظرف منصوب بيخسر.

وَ تَرى‏ََ كُلَّ أُمَّةٍ جََاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ على الابتداء، و أجاز الكسائي «كلّ أمة» على التكرير على كلّ الأولى. و قد ذكرنا معنى تُدْعى‏ََ إِلى‏ََ كِتََابِهَا و إنّ أولى ما قيل فيه أنه إلى ما كتب عليها من خير و شر، كما روي عن ابن عباس: يعرض من خميس إلى خميس ما كتبته الملائكة عليهم السلام على بني أدم فينسخ منه ما يجزى عليه من الخير و الشر و يلغى سائره. فالمعنى على هذا كلّ أمة تدعى إلى ما كتب عليها و حصّل فتلزمه من طاعة أو معصية، و إن كان كفرا أوقف عليه و أتبع ما كان يعبد، كما قرئ على إسحاق بن إبراهيم بن يونس عن إسحاق بن أبي إسرائيل عن سفيان بن عيينة عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة قال: قالوا: يا رسول اللّه هل نرى ربّنا جلّ و عزّ يوم القيامة فقال:

«هل تضارّون في القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب» قالوا: لا. قال: «فهل تضارّون في الظّهيرة ليس دونها سحاب» قالوا: لا. قال: «فو الذي نفس محمّد بيده لترونّه كما ترونها» ، قال: «و يلقى العبد ربّه يوم القيامة، فيقول: أي قل ألم أكرمك و أسودك و أزوّجك و أسخّر لك الخيل و الإبل و أدرك ترأس و تربع فيقول: بل أي ربّ، قال: فيقول هل كنت تعلم أنك ملاقيّ فيقول: لا يا ربّ فيقول: فإني أنساك كما نسيتني، ثم يقول للثاني مثل ذلك فيقول له مثل ذلك و يردّ عليه مثل ذلك، ثم يقول للثالث مثل ذلك فيقول: أي ربّ أمنت بك‏

100

و بكتابك و صمت و صلّيت و تصدّقت. قال: فيقول: أفلا تبعث شاهدنا عليك قال: فيكفر في نفسه فيقول: من ذا الذي يشهد عليّ؟فيختم اللّه جلّ و عزّ على فيه و يقول لفخذه: انطقي فتنطق فخذه و عظامه و لحمه بما كان، و ذلك ليعذر من نفسه و ذلك الذي يسخط عليه و ذلك المنافق. قال: ثم ينادي مناد ألا اتّبعت كلّ أمّة ما كانت تعبد فيتبع الشياطين و الصّلب أولياؤهما، و بقينا أيّها المؤمنون. قال: فيأتينا ربّنا جلّ و عزّ فيقول: من هؤلاء؟فيقولون:

عبادك المؤمنون آمنّا بك و لم نشرك بك شيئا، و هذا مقامنا حتّى يأتينا ربنا جلّ و عزّ فيثيبنا.

قال: فينطلقون حتّى يأتوا الجسر و عليه كلاليب من نار تخطف الناس فهناك حلّت الشفاعة أي اللّهمّ سلّم فإذا جاوزوا الجسر فكلّ من أنفق زوجا مما يملك من المال في سبيل اللّه فكلّ خزنة الجنّة تدعوه يا عبد اللّه يا مسلم. هذا خير، فتعال. قال أبو بكر رضي اللّه عنه: يا رسول اللّه إنّ هذا العبد لا ترى عليه يدع بابا و يلج من أخر قال: فضرب كتفه و قال: «و الذي نفسي بيده إنّي لأرجو أن تكون منهم» (1) و قرئ على أحمد بن شعيب بن عيسى بن حماد قال: أخبرنا الليث بن سعد عن إبراهيم بن سعد عن ابن شهاب عن عطاء بن يزيد عن أبي هريرة قال:

«قال الناس يا رسول اللّه هل نرى ربنا جلّ و عزّ يوم القيامة قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم: هل تضارّون في الشّمس ليس دونها سحاب؟و هل تضارّون في القمر ليلة البدر؟قالوا: لا. قال:

فكذلك ترونه» قال: يجمع اللّه جلّ و عزّ النّاس يوم القيامة فيقول من كان يعبد شيئا فليتّبعه فيتبع من يعبد الشمس الشمس، و يتبع من يعبد القمر القمر، و يتبع من يعبد الطّواغيت الطّواغيت و تبقى هذه الأمة بمنافقيها فيأتيهم اللّه جلّ و عزّ في الصور التي يعرفون فيقول: أنا ربّكم فيقولون: أنت ربّنا فيتّبعونه و يضرب الصراط بين ظهراني جهنّم فأكون أنا و أمّتي أول من يجيز و لا يتكلّم إلاّ الرسل عليهم السلام. و دعوة الرسل يومئذ اللّهمّ سلّم سلّم، و في جهنم كلاليب كشوك السّعدان هل رأيتم السعدان؟فإنه مثل شوك السعدان غير أنه لا يدري ما قدر عظمها إلا اللّه عزّ و جلّ، فيخطف الناس بأعمالهم، فإذا أراد اللّه جلّ و عزّ أن يخرج من النار برحمته من شاء أمر الملائكة أن يخرجوا من كان لا يشرك باللّه شيئا. فمن يقول لا إله إلاّ اللّه ممن أراد أن يرحمه فيعرفونهم في النار بآثار السجود حرّم اللّه عزّ و جلّ النار على ابن أدم أن تأكل اثار السجود، فيخرجونهم من النار، و قد امتحشوا فيصبّ عليهم ماء الحياة فينبتون كما تنبت الحبّة في حميل السّيل» قال أبو جعفر: فأمّا تفسير «تضارّون» فنمليه مما أخذناه عن أبي إسحاق بشرح كل فيه مما لا يحتاج إلى زيادة. قال: و الذي جاء في الحديث مخفّف «تضارون و تضامون» و له وجه حسن في العربية. و هذا موضع يحتاج أن يستقصى تفسيره فإنه أصل في السّنّة و الجماعة. و معناه لا ينالكم ضير و لا ضيم في رؤيته أي ترونه حتّى تستووا في الرؤية فلا يضير بعضكم بعضا. قال: و قال أهل اللغة قولين

____________

(1) أخرجه أحمد في مسنده 2/275، 293، 534، و ذكره ابن حجر في فتح الباري 11/445.

101

آخرين قالوا: لا تضارّون بتشديد الراء و لا تضامّون بتشديد الميم مع ضم التاء. قال: و قال بعضهم بفتح التاء و بتشديد الراء و الميم على معنى تتضارّون و تتضامّون. و تفسير هذا أنّه لا يضارّ بعضكم بعضا أي لا يخالف بعضكم بعضا في ذلك. يقال: ضاررت الرجل أضارّه مضارّة و ضرارا إذا خالفته. و معنى لا تضامّون في رؤيته، لا ينضمّ بعضكم إلى بعض فيقول واحد للآخر أرينه، كما يفعلون عند النظر إلى الهلال.

هََذََا كِتََابُنََا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ «ينطق» في موضع نصب على الحال، و يجوز أن يكون في موضع رفع على خبر هذا و «كتابنا» بدل من هذا.

اَلَّذِينَ في موضع رفع بالابتداء و خبره فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ .

وَ أَمَّا اَلَّذِينَ كَفَرُوا اَلَّذِينَ في موضع رفع أيضا، و حذف القول كما يحذف في كلام العرب كثيرا، فلما حذف حذفت الفاء معه لأنها تابعة له فَاسْتَكْبَرْتُمْ الاستكبار في اللغة الأنفة من اتّباع الحقّ و قد بيّن اللّه جلّ و عزّ على لسان رسوله صلّى اللّه عليه و سلّم حين سئل ما الكبر؟كما قرئ على إسحاق بن إبراهيم بن يونس عن محمد بن المثنى عن عبد الوهاب عن هشام عن محمد عن أبي هريرة «أنّ رجلا أتى النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم و كان رجلا جميلا فقال: يا رسول اللّه حبّب إليّ الجمال و أعطيت منه ما ترى حتّى ما أحبّ أن يفوقني أحد. إما قال: بشراك نعل و إمّا قال:

بشسع أ فمن الكبر ذلك؟قال: لا و لكن الكبر من بطر الحقّ و غمص الناس» (1) قال إسحاق:

و حدّثنا الوليد بن شجاع قال: حدّثنا عطاء بن مسلم الخفّاف عن محمد عن أبي هريرة عن النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم قال: «يحشر المتكبّرون-أحسبه قال-في صور الذرّ» ؟ (2) قال إسحاق: و حدّثنا محمد بن بكار قال: حدّثنا إسماعيل-يعني ابن عليّة-عن عطاء بن السائب عن الأغرّ عن أبي هريرة قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم: «قال جلّ و عزّ: الكبرياء ردائي و العظمة إزاري فمن نازعني واحدا منهما ألقيته في جهنّم» (3) .

____________

(1) أخرجه أبو داود في سننه الحديث رقم 4092، و ذكره الحاكم في المستدرك 4/181، 182.

(2) ذكره الزبيدي في إتحاف السادة المتقين 1/309، و 10/453، و التبريزي في مشكاة المصابيح 5112، و العجلوني في كشف الخفاء 2/551.

(3) أخرجه أحمد في مسنده 2/376، و ذكره الحاكم في المستدرك 1/61، و الزبيدي في إتحاف السادة المتقين 8/336، و البخاري في الأدب المفرد 253، و الألباني في السلسلة الصحيحة 450، و أبو حنيفة في جامع المسانيد 1/88، و العجلوني في كشف الخفاء 2/151.

102

وَ إِذََا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اَللََّهِ حَقٌّ وَ اَلسََّاعَةُ لاََ رَيْبَ فِيهََا و قرأ الأعمش و حمزة اَلسََّاعَةُ لاََ رَيْبَ فِيهََا (1) عطفا بمعنى و أنّ الساعة لا ريب فيها. و الرفع بالابتداء، و يجوز أن يكون معطوفا على الموضع أي و قيل اَلسََّاعَةُ لاََ رَيْبَ فِيهََا ، و يجوز أن تكون الجملة في موضع الحال. و زعم أبو عبيد أنه يلزم من قرأ بالرفع هاهنا أن يقرأ وَ كَتَبْنََا عَلَيْهِمْ فِيهََا أَنَّ اَلنَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَ اَلْعَيْنَ بِالْعَيْنِ [المائدة: 45]و في هذا طعن على جماع الحجّة لأنه قد قرأها هنا بالرفع و ثم بالنصب من يقوم بقراءتهم الحجّة منهم نافع و عاصم قرا وَ اَلسََّاعَةُ لاََ رَيْبَ فِيهََا و قرا «و العين بالعين» بالنصب، و كذا ما بعده. و فيه أيضا طعن على عبد اللّه بن كثير و أبي عمرو بن العلاء و أبي جعفر القارئ و عبد اللّه بن عامر لأنهم قرءوا «و الساعة لا ريب فيها» و قرءوا وَ اَلْعَيْنَ بِالْعَيْنِ بالنصب، و كذا ما بعده إلاّ «و الجروح قصاص» و الحديث المرويّ عن النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم أنه قرأ «و العين بالعين» لا يجوز أن يكون في موضع الحال. و قد ذكر أبو عبيد أنّ مثله‏ وَ اَلْبَحْرُ يَمُدُّهُ [لقمان: 27] و هو مخالف له؛ لأنّ و البحر أولى الأشياء به عند النحويين أن يكون في موضع الحال و أبعد الأشياء في «الساعة لا ريب فيها» أن يكون في موضع الحال. قُلْتُمْ مََا نَدْرِي مَا اَلسََّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلاََّ ظَنًّا و هذا من مشكل الإعراب و غامضه لأنه لا يقال: ما ضربت إلاّ ضربا، و ما ظننت إلاّ ظنّا، لأنه لا فائدة فيه أن يقع بعد حرف الإيجاب لأنّ معنى المصدر كمعنى الفعل. فالجواب عن الآية عن محمد بن يزيد على معنيين: أحدهما أن يكون في الكلام تقديم و تأخير أي إن نحن إلاّ نظنّ ظنّا، و زعم أنّ نظيره من كلام العرب حكاه أبو عمرو بن العلاء و سيبويه‏ (2) : ليس الطّيب إلاّ المسك أي ليس إلاّ الطّيب المسك، و الجواب الآخر أن يكون التقدير: إن نظنّ إلاّ أنّكم تظنّون ظنّا.

قال أبو العباس وَ حََاقَ بِهِمْ نزل بهم.

و روى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس اَلْيَوْمَ نَنْسََاكُمْ قال: نترككم كَمََا نَسِيتُمْ لِقََاءَ يَوْمِكُمْ هََذََا يكون من النسيان أي تشاغلتم عن يوم القيامة بلذاتكم و أمور دنياكم فوبّخهم

____________

(1) انظر تيسير الداني 161، و كتاب السبعة لابن مجاهد 595.

(2) انظر الكتاب 1/201.