إعراب القرآن - ج4

- احمد بن محمد النحاس المزيد...
312 /
103

اللّه عزّ و جلّ على ذلك. و يجوز أن يكون المعنى كما تركتم العمل للقاء يومكم هذا.

و حقيقته في العربية كما تركتم عمل لقاء يومكم مثل‏ وَ سْئَلِ اَلْقَرْيَةَ [يوسف: 82].

على البدل، و يجوز أن يكون نعتا.

وَ لَهُ اَلْكِبْرِيََاءُ فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ قال محمد بن يزيد: الكبرياء الجلال و العظمة وَ هُوَ اَلْعَزِيزُ اَلْحَكِيمُ مبتدأ و خبر.

104

46 شرح إعراب سورة الأحقاف‏

بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ

اَلَّذِينَ في موضع رفع بالابتداء و من العرب من يقول: اللّذون في غير القرآن إذا كان موضع رفع.

قُلْ أَ رَأَيْتُمْ مََا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اَللََّهِ قال الفراء (1) : و في قراءة عبد اللّه قل أريتم من تدعون من دون اللّه يعني بالنون، «أريتم» لغة معروفة للعرب كثيرة، و أرأيتم الأصل، و لغة ثالثة أن يخفف الهمزة التي بعد الراء فتجعل بين بين. و من قرأ «ما تدعون» جاء به على بابه لأنه للأصنام. و من قرأ من فلأنهم قد عبدوها فأنزلوها منزلة ما يعقل.

و على هذا أجمعت القراء على أن قرءوا خَلَقُوا مِنَ اَلْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ و لم يقرءوا خلقن و لا خلقت و لا لهنّ و لا لها. اِئْتُونِي بِكِتََابٍ مِنْ قَبْلِ هََذََا أَوْ أَثََارَةٍ مِنْ عِلْمٍ و قرأ أبو عبد الرحمن السّلميّ أو أثرة (2) و حكى الفراء (3) لغة ثالثة و هي (أثرة) بفتح الهمزة و حكى الكسائي لغة رابعة و هي «أو أثرة» بضم الهمزة و المعنى في اللغات الثلاث عند الفراء واحد، و المعنى عند بقيّة من علم. و يجوز أن يكون المعنى عنده شيئا مأثورا من كتب الأولين. فأثارة عنده مصدر كالسّماحة و الشّجاعة، و أثرة عنده بمعنى أثر كقولهم: قترة و قتر، و أثرة كخطفة. فأما الكسائي فإنه قال: أثارة و أثرة و أثرة كلّ ذلك تقول العرب،

____________

(1) انظر معاني الفراء 3/49.

(2) انظر البحر المحيط 8/56، و المحتسب 2/264.

(3) انظر معاني الفراء 3/50.

105

و المعنى فيهن كلّهن عنده معنى واحد. بمعنى الشي‏ء المأثور. قال أبو جعفر: و معنى الشي‏ء المأثور المتحدّث به. و مما صحّ سنده عن النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم أنه سمع عمر و هو يقول: و أبي، فقال:

«إنّ اللّه جلّ و عزّ ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم فمن كان حالفا فليحلف باللّه جلّ و عزّ أو ليسكت» (1) قال عمر: فما حلفت بها بعد ذاكرا و لا أثرا. و في بعض الحديث «من حلف بغير اللّه جلّ و عزّ فقد أشرك» (2) و في أخر «فقد كفر» فقوله «ذاكرا» معناه متكلّما بها، و قائلا بها، كما يقال: ذكرت لفلان كذا و معنى «و لا أثرا» و لا مخبرا بها عن غيري أنه حلف بها. و من هذا حديث مأثور، يقال: أثر الحديث يأثره، و أثر يفعل ذلك و اثر فلان فلانا، إذا فضّله، و أثار التراب يثيره، و وثر الشي‏ء و يؤثر إذا صار وطيئا و منه قيل: ميثرة انقلبت الواو فيها ياء.

و في معنى قول النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم: «من حلف بغير اللّه جلّ و عزّ فقد أشرك» . أقوال:

أصحّها أنّ المعنى فقد أشرك في تعظيم اللّه جلّ و عزّ غير اللّه؛ لأنه إنما يحلف الإنسان بما يعظّمه أكبر العظمة، و هذا لا ينبغي أن يكون إلاّ للّه جلّ و عزّ. و في قوله صلّى اللّه عليه و سلّم: «فقد كفر» أقوال: فمن أصحّها أنّ الكفر هو التغطية. و المعنى: فقد غطّى و ستر ما يجب أن يظهر من تعظيم اللّه جلّ و عزّ.

وَ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُوا مِنْ دُونِ اَللََّهِ أي و من أضلّ عن الحقّ ممن يدعو من دون اللّه من لا يستجيب له إلى يوم القيامة. قال الفراء (3) : و في قراءة عبد اللّه ما لا يستجيب له و القول فيه مثل ما تقدّم.

وَ إِذََا حُشِرَ اَلنََّاسُ كََانُوا لَهُمْ أَعْدََاءً أي يتبرؤون منهم و من عبادتهم.

وَ إِذََا تُتْلى‏ََ عَلَيْهِمْ آيََاتُنََا بَيِّنََاتٍ نصب على الحال.

____________

(1) أخرجه البخاري في صحيحه 8/33، 164، و مسلم في صحيحه الإيمان 1، 3، و الترمذي في سننه (1534) ، و النسائي في سننه 7، 4، 5، و أبو داود في سننه (3249) ، و ابن ماجة في سننه (2094) ، و أحمد في مسنده 1/18، و 2/7، و البيهقي في السنن الكبرى 10/28.

(2) أخرجه أحمد في مسنده 2/67، 87، و ذكره الطحاوي في مشكل الآثار 358، و التبريزي في مشكاة المصابيح 3419، و ابن حجر في فتح الباري 10/516، و المتقي الهندي في كنز العمال (46328) ، و ابن كثير في تفسيره 4/342.

(3) انظر معاني الفراء 3/50.

106

هُوَ أَعْلَمُ بِمََا تُفِيضُونَ فِيهِ قال محمد بن يزيد: أي بما تمضون فيه قال: و منه حديث مستفيض و مستفاض فيه إذا شاع حتّى يتكلم النّاس فيه كَفى‏ََ بِهِ شَهِيداً نصب على الحال، و يجوز أن يكون نصبا على البيان و الباء زائدة جي‏ء بها للتوكيد؛ لأن المعنى: اكتفوا به، قال: فإذا قلت: كفى بزيد، فمعناه كفى زيد.

قُلْ مََا كُنْتُ بِدْعاً مِنَ اَلرُّسُلِ قال محمد بن يزيد: البدع و البديع الأول. يقال: ابتدع فلان كذا، إذا أتى بما لم يكن قبله، و فلان مبتدع من البدعة و هي التي لم يتقدّم لها شبه، و قال عزّ و جلّ‏ بَدِيعُ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ [البقرة: 117]أي مبتدئهما. وَ مََا أَدْرِي مََا يُفْعَلُ بِي وَ لاََ بِكُمْ حذفت الضمّة من الياء لثقلها، و كذا و إن أدري.

وَ شَهِدَ شََاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرََائِيلَ عَلى‏ََ مِثْلِهِ قيل: شاهد بمعنى شهود تشهد جماعة من بني إسرائيل ممن أسلم على أنهم قد قرءوا التوراة. و فيها تعريف نزول القرآن من عند اللّه جلّ و عزّ و من أجّل ما روي في ذلك ما رواه مالك بن أنس عن أبي النّضر عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه، قال: ما سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم يشهد لأحد يمشي على الأرض أنه من أهل الجنة إلا عبد اللّه بن سلام ففيه نزلت وَ شَهِدَ شََاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرََائِيلَ عَلى‏ََ مِثْلِهِ فَآمَنَ وَ اِسْتَكْبَرْتُمْ قال أبو جعفر: و مع هذا فقد عارض هذا الحديث علماء جلّة منهم مسروق و الشّعبي فقالا: لم تنزل في عبد اللّه بن سلام؛ لأن السورة مكّية و عبد اللّه بن سلام بالمدينة، و إنما نزلت في غيره. و الحديث صحيح السند و قد احتجّ على من أنكر ذلك بأن السورة و إن كانت مكّية فإنه قد يجوز أن يضمّ إليها بعض ما أنزل بالمدينة لأن التأليف من عند اللّه جلّ و عزّ يأمر به رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم كما أحبّ و أراد. فهذا قول بيّن، و قد قيل: إنّ قريشا وجّهت من مكّة إلى المدينة لأنه كان بها علماء اليهود يسألون عن أمر النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم فشهد عبد اللّه بن سلام بنبوته صلّى اللّه عليه و سلّم فأنزل اللّه جلّ و عزّ قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كََانَ مِنْ عِنْدِ اَللََّهِ وَ كَفَرْتُمْ بِهِ وَ شَهِدَ شََاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرََائِيلَ عَلى‏ََ مِثْلِهِ الآية و مع هذا كلّه فإنّ الحديث، و إن كان صحيح السند فقد قيل: إنّ الذي في الحديث من قوله و فيه نزلت ليس من كلام سعد و إنما هو من كلام بعض المحدّثين خلط بالحديث و لم يفصل.

107

وَ قََالَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كََانَ خَيْراً مََا سَبَقُونََا إِلَيْهِ روى ابن المبارك عن معمر عن قتادة قال: قال قوم من المشركين: نحن و نحن يفتخرون لو كان خيرا ما سبقنا إليه فلان و فلان يعنون عمّارا و بلالا و صهيبا و ضروبهم فأنزل اللّه جلّ و عزّ: يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشََاءُ [البقرة: 105]. وَ إِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ زعم سيبويه‏ (1) أن «إذ» لا يجازى بها حتّى يضمّ إليها «ما» ، و كذا «حيث» . قال أبو جعفر: و العلّة في ذلك أن «ما» يفصلها من الفعل الذي بعدها فتعمل فيه، و إذا لم تأت بما كان متّصلا بها و هي مضافة إليه فلم تعمل فيه فَسَيَقُولُونَ هََذََا إِفْكٌ قَدِيمٌ أي تقدّم مثله في سالف الدهور.

إِمََاماً منصوب على الحال أي يؤتمّ به وَ رَحْمَةً عطف على إمام أي و نعمة.

وَ هََذََا كِتََابٌ مُصَدِّقٌ لِسََاناً عَرَبِيًّا منصوب على الحال و الضعيف في العربية يتوهّم أنه حال من نكرة؛ لأن الذي قبله نكرة و الحال من النكرة ليس بجيد و لا يقال في كتاب اللّه جلّ و عزّ ما غيره أجود منه فلسانا منصوب على الحال من المضمر الذي في مصدّق، و المضمر معرفة و جاز نصب لسان على الحال؛ لأنه بمعنى مبين و كان علي بن سليمان يقول: في هذا هو توطئة للحال و «عربيا» منصوب على الحال، كما تقول: هذا زيد رجلا صالحا لتنذر الّذين ظلموا بالتاء، هذه قراءة المدنيين، و قرأ أبو عمرو و حمزة و الكسائي لِيُنْذِرَ اَلَّذِينَ ظَلَمُوا (2) و اختيار أبي عبيد لتنذر (3) بالتاء، و احتج بقوله جلّ و عزّ: إِنَّمََا أَنْتَ مُنْذِرٌ [الرعد: 7]. قال أبو جعفر: و المعنى في القراءتين واحد، و لا اختيار فيهما؛ من قرأ «لينذر» جعله للقرآن أو للّه جلّ و عزّ، و إذا كان للقرآن فالنبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم هو المنذر به و كذا إذا كان للّه جلّ و عزّ فإذا عرف المعنى لم يقع في ذلك اختيار كما قال جلّ و عزّ: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مََا قَدْ سَلَفَ [الأنفال:

38]فقد علم أن الغافر هو اللّه جلّ و عزّ و القراءة نغفر و يغفر واحد، و كذا وَ قُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ [البقرة: 58]و «يغفر» واحد ليس أحدهما أولى من الآخر. وَ بُشْرى‏ََ في موضع رفع عطفا على «كتاب» ، و يجوز أن يكون في موضع نصب على المصدر لِلْمُحْسِنِينَ قال ابن عيينة: الإحسان التفضّل و العدل و الإنصاف.

____________

(1) انظر الكتاب 3/64.

(2) انظر تيسير الداني 161.

(3) انظر كتاب السبعة لابن مجاهد 596.

108

إِنَّ اَلَّذِينَ قََالُوا رَبُّنَا اَللََّهُ ثُمَّ اِسْتَقََامُوا أي على طاعة اللّه جلّ و عزّ ثم أخبر جلّ ثناؤه بما لهم فقال: فَلاََ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ أي في الآخرة. وَ لاََ هُمْ يَحْزَنُونَ على ما خلفوا في الدنيا. }كذا قال أهل التفسير، و بعده خبر أخر و هو أُولََئِكَ أَصْحََابُ اَلْجَنَّةِ خََالِدِينَ فِيهََا نصب على الحال. جَزََاءً بِمََا كََانُوا يَعْمَلُونَ مصدر.

وَ وَصَّيْنَا اَلْإِنْسََانَ بِوََالِدَيْهِ إِحْسََاناً هذه قراءة (1) المدنيين و البصريين، و كذا في مصاحفهم، و قرأ حمزة و الكسائي إِحْسََاناً (2) و روي عن عيسى بن عمر أنه قرأ حسنا بفتح الحاء و السين فأما «حسنى» بغير تنوين فلا يجوز في العربية لأن مثل هذا لا تنطق به العرب إلاّ بالألف و اللام الفضلى و الأفضل و الحسنى و الأحسن. و إحسان مصدر أحسن و حسنا بمعناه، و حسن على إقامة النعت مقام المنعوت أي فعلا حسنا و ينشد بيت زهير: [البسيط] 420-

يطلب شأو امرأين قدّما حسنا # فاقا الملوك و بذّا هذه السّوقا

(3)

أي فعلا حسنا. و هذا مثل هذه القراءة. حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَ وَضَعَتْهُ كُرْهاً هذه قراءة حمزة و الكسائي‏ (4) ، و هي مروية عن الحسن، و قرأ أبو عبد الرحمن السلميّ و أبو عمرو و أبو جعفر و شيبة و نافع كرها (5) بفتح الكاف. و عارض أبو حاتم السجستاني هذه القراءة بما لو صحّ لوجب اجتنابها؛ لأنه زعم أنّ الكره الغضب و القهر، و أنّ الكره المكروه، و احتجّ بأنّ الجميع قرءوا لاََ يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا اَلنِّسََاءَ كَرْهاً [النساء: 19]، و ذكر أنّ بعض العلماء سمع رجلا يقرأ «حملته أمه كرها و وضعته كرها» فقال: لو حملته كرها لرمت به يذهب إلى أنّ الكره القهر و الغضب. قال أبو جعفر: في هذا طعن على من تثبت الحجّة بقراءته، و حكايته عن بعض العلماء لا حجّة فيها لأنه لم يسمه و لا

____________

(1) انظر تيسير الداني 161.

(2) انظر تيسير الداني 161.

(3) مرّ الشاهد رقم (316) .

(4) انظر تيسير الداني 161، و كتاب السبعة لابن مجاهد 596.

(5) انظر البحر المحيط 8/60.

109

يعرف، و لو عرف لما كان قوله حجّة، إلاّ بدليل و برهان. و الحجّة في هذا قول من يعرف و يقتدى به. إن الكره و الكره لغتان بمعنى واحد بل قد روي عن محمد بن يزيد أنه قال: الكره أولى لأنه المصدر بعينه. و قد حكى الخليل و سيبويه رحمهما اللّه أنّ كلّ فعل ثلاثي فمصدره فعل، و استدلاّ على ذلك أنك إذا رددته إلى المرة الواحدة جاء مفتوحا نحو قام قومة، و ذهب ذهبة، فإذا قلت: ذهب ذهابا فإنما هو عندهما اسم للمصدر لا مصدر، و كذلك الكره اسم للمصدر و الكره المصدر. وَ حَمْلُهُ وَ فِصََالُهُ ثَلاََثُونَ شَهْراً التقدير: وقت حمله مثل‏ وَ سْئَلِ اَلْقَرْيَةَ [يوسف: 82]و قرأ أبو رجاء و عاصم الجحدريّ وَ حَمْلُهُ وَ فِصََالُهُ (1) فرويت عن الحسن بن أبي الحسن و احتجّ أبو عبيد للقراءة الأولى بالحديث «لا رضاع بعد فصال» (2) و أبين من هذه الحجّة أنّ فصالا مصدر مثل قتال. و هذا الفعل من اثنين لأن المرأة و الصّبيّ كل واحد منهما ينفصل من صاحبه فهذا مثل القتال، و إن كان قد يقال: فصله فصلا و فصالا. حَتََّى إِذََا بَلَغَ أَشُدَّهُ جمع شدّة عند سيبويه مثل نعمة. و قد ذكرناه‏ (3) بأكثر من هذا.

إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَ إِنِّي مِنَ اَلْمُسْلِمِينَ الأصل إنّني حذفت النون لاجتماع النونات.

أولئك الّذين يتقبّل عنهم أحسن ما عملوا قرأ حمزة و الكسائي و حفص عن عاصم أُولََئِكَ اَلَّذِينَ نَتَقَبَّلُ بالنون و كذا «نتجاوز» بالنون أنها أخبار من اللّه جلّ و عزّ عن نفسه و إنما اختار هذه القراءة لقوله: وَ وَصَّيْنَا اَلْإِنْسََانَ بِوََالِدَيْهِ و قرأ الباقون يتقبّل بالياء، و كذا يتجاوز على ما لم يسمّ فاعله و أَحْسَنَ مََا عَمِلُوا و من قرأ بالنون نصب أحسن لأنه مفعول به. وَعْدَ اَلصِّدْقِ منصوب على المصدر.

وَ اَلَّذِي قََالَ لِوََالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمََا قال الفراء (4) : أي قذرا لكما. و قد ذكرنا (5) ما في

____________

(1) انظر البحر المحيط 8/61.

(2) ذكره البيهقي في السنن الكبرى 7/319، و الطبراني في المعجم الصغير 2/68، و الزيلعي في نصب الرآية 3/219، و ابن حجر في المطالب العالية (1707) ، و السيوطي في الدر المنثور 1/228.

(3) ذكره في إعراب الآية 32 سورة يوسف.

(4) انظر معاني الفراء 3/53.

(5) انظر إعراب الآية 23-الإسراء.

110

أفّ من اللغات. أَ تَعِدََانِنِي و ذكر بعض الرواة أنّ نافع بن أبي نعيم قرأ أَ تَعِدََانِنِي (1)

بفتح النون الأولى، و ذلك غلط غير معروف عن نافع و إنّما فتح نافع الياء فغلط عليه.

و فتح هذه النون لحن و لا يلتفت إلى ما أنشد و هو: [الرجز].

421-

أعرف منها الأنف و العينانا

(2)

و سمعت علي بن سليمان يقول: سمعت محمد بن يزيد يقول: إن كان مثل هذا يجوز فليس بين الحق و الباطل فرق. يتركون كتاب اللّه جلّ و عزّ و لغات العرب الفصيحة و يستشهدون بأعرابي بوال. أَنْ أُخْرَجَ و قرأ الحسن أن أخرج (3) و تقديره أن أخرج من قبري. وَ هُمََا يَسْتَغِيثََانِ اَللََّهَ أي يسألانه و يطلبان إليه أن يلطف لهما بما يؤمن به.

وَيْلَكَ آمِنْ يدلّك على أنهما احتجّا عليه و وعظاه، و نصب ويلك على المصدر.

و توهّم القائل لهذا القول أن الأمم لمّا لم تخرج من قبورها أحياء في الدنيا أنّها لا تبعث فذلك قوله: وَ قَدْ خَلَتِ اَلْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي .

أَذْهَبْتُمْ هذه القراءة مروية عن عمر بن الخطاب رحمة اللّه عليه، و هي قراءة نافع و أبي عمرو و عاصم و ابن أبي إسحاق و حمزة و الكسائي. و قرأ يزيد بن القعقاع أذهبتم (4) و هذه القراءة مروية عن الحسن و القراءتان عند الفراء (5) بمعنى واحد.

قال الفراء: العرب تستفهم في التوبيخ و لا نستفهم، فيقولون: ذهبت ففعلت و فعلت، و يقولون: أذهبت ففعلت و فعلت، و كلّ صواب. قال أبو جعفر: فأما ما روي عن محمد بن يزيد فتحقيق هذا، و هو أن الصواب عنده ترك الاستفهام فيقرأ «أذهبتم» و فيه معنى التوبيخ، و إن كان خبرا. و المعنى عنده: أذهبتم طيّباتكم في حياتكم الدنيا فذوقوا العذاب. و الاستفهام إذا قرأ «أذهبتم» فهو على التوبيخ و التقرير، و إنما اختار أذهبتم

____________

(1) انظر تيسير الداني 162.

(2) الرجز لرؤبة بن العجاج في ملحق ديوانه 187، و لرؤبة أو لرجل من ضبة في الدرر 1/139، و المقاصد النحوية 1/184، و لرجل في نوادر أبي زيد ص 15، و بلا نسبة في أوضح المسالك 1/64، و تخليص الشواهد 80، و خزانة الأدب 7/452، و رصف المباني ص 24، و سرّ صناعة الإعراب ص 489، و شرح الأشموني 1/39، و شرح التصريح 1/78، و شرح ابن عقيل ص 42، و شرح المفصل 3/129، و همع الهوامع 1/49، و بعده:

«و منخرين أشبها ظبيانا»

(3) و هذه قراءة ابن يعمر و ابن مصرف و الضحاك أيضا، انظر البحر المحيط 8/62.

(4) انظر تيسير الداني 162.

(5) انظر معاني الفراء 3/54.

111

بغير استفهام لأن الاستفهام إذا كان فيه معنى التقرير صار نفيا إذا كان موجبا، كما قال جلّ و عزّ: أَ فَرَأَيْتُمْ مََا تُمْنُونَ‏`أَ أَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ [الواقعة: 58، 59]و إن كان نفيا صار موجبا؛ لأن نفي النفي إيجاب كما قال: [الوافر].

422-

أ لستم خير من ركب المطايا # و أندى العالمين بطون راح‏

(1)

إلا أنّه من قرأ «أذهبتم» فليس يحمل معناه عنده على هذا، و لكنّ تقديره: أذهبتم طيّباتكم في حياتكم الدّنيا و تطلبون النّجاة في الآخرة. فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذََابَ اَلْهُونِ العامل في اليوم تجزون ينوى به التأخير. بِمََا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي اَلْأَرْضِ بِغَيْرِ اَلْحَقِّ وَ بِمََا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ أي استكباركم و فسقكم و إذا كانت «ما» هكذا مصدرا لم تحتج إلى عائد.

وَ اُذْكُرْ أَخََا عََادٍ صرف عاد لأنه اسم للحيّ و لو جعل اسما للقبيلة لم ينصرف و إن كان على ثلاثة أحرف، و كذا لو سمّيت امرأة بزيد لم ينصرف و إن سمّيتها بهند جاز الصرف عند الخليل و سيبويه‏ (2) و الكسائي و الفراء إلاّ أنّ الاختيار عند الخليل و سيبويه ترك الصرف، و عند الكسائي و الفراء الأجود الصّرف. فأما أبو إسحاق فكان يقول: إذا سمّيت امرأة بهند لم يجز الصّرف البتّة. و هذا هو القياس؛ لأنها مؤنّثة و هي معرفة.

فأما قول بعض النحويين: إنّك إذا سمّيت بفعل ماض لم ينصرف فقد ردّه عليه سيبويه بالسّماع من العرب خلاف ما قال، و أنّ له نصيرا من الأسماء، و كذا يقال: كتبت أبا جاد بالصرف لا غير إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقََافِ قال مجاهد: الأحقاف أرض. و قال ابن أبين نعيم: الأحقاف: اسم أرض. و قال وهب بن منبّه: الأحقاف باليمن الأصنام و الأوثان و قد قهروا الناس بكثرتهم و قوتهم. و قال محمد بن يزيد: واحد الأحقاف حقف و هو رمل مكتنز ليس بالعظيم و فيه اعوجاج، قال: و يقال: احقوقف الشي‏ء إذا اعوجّ حتّى كاد يلتقي طرفاه، كما قال: [الرجز] 423-

سماوة الهلال حتّى احقوقفا

(3)

و انصرف الأحقاف و إن كان اسم أرض لأن فيه ألفا و لاما. قال سيبويه: و اعلم أن كلّ ما لا ينصرف إذا دخلته ألف و لام أو أضيف انصرف. وَ قَدْ خَلَتِ اَلنُّذُرُ جمع نذير، و هو الرسول. و يجوز أن تكون النذر اسما للمصدر. قال الفراء: مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ

____________

(1) مرّ الشاهد رقم 162.

(2) انظر الكتاب 3/265.

(3) الشاهد للعجاج في ديوانه 2/232، و شرح أبيات سيبويه 1/319، و لسان العرب (حقف) و (زلف) و (وجف) ، و (سما) ؛ بلا نسبة في الكتاب 1/425، و جمهرة اللغة 553.

112

من قبله وَ مِنْ خَلْفِهِ من بعده أَلاََّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اَللََّهَ «أن» في موضع نصب أي بأن إِنِّي أَخََافُ عَلَيْكُمْ عَذََابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ نعت لليوم و لو كان نعتا لعذاب لنصب. و لا يجوز الجوار في كتاب اللّه تعالى و إنما يقع في الغلط.

قال محمد بن يزيد: فَلَمََّا رَأَوْهُ عََارِضاً فيه جوابان: يكون التقدير فلمّا رأوا السحاب، و إن كان لم يتقدّم للسّحاب ذكر لأنّ الضمير قد عرف و دل عليه «عارضا» ، و الجواب الآخر أن يكون جوابا لقولهم‏ فَأْتِنََا بِمََا تَعِدُنََا أي فلمّا رأوا ما يوعدون عارضا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ يقدّر فيه التنوين، و كذا قََالُوا هََذََا عََارِضٌ مُمْطِرُنََا أو ممطر لنا، كما قال: [البسيط] 424-

يا ربّ غابطنا لو كان يطلبكم‏

(1)

أي غابط لنا. بَلْ هُوَ مَا اِسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ قال الفراء (2) : و في حرف عبد اللّه: قل بل ما استعجلتم به هي ريح فيها عذاب أليم. قال: و هي و هو مثل‏ مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى‏ََ [القيامة: 37]و يمنى. من قال: هو، ذهب إلى العذاب، و من قال هي، ذهب إلى الريح.

فأصبحوا لا ترى إلاّ مساكنهم هذه قراءة أهل الحرمين و أبي عمرو و الكسائي‏ (3) ، و هي المعروفة من قراءة علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه و ابن عباس.

و قرأ الأعمش و حمزة و عاصم فَأَصْبَحُوا لاََ يُرى‏ََ إِلاََّ مَسََاكِنُهُمْ و هي المعروفة من قراءة ابن مسعود و مجاهد، و قرأ الحسن و عاصم الجحدريّ فأصبحوا لا ترى إلاّ مساكنهم (4) بالتاء و رفع المساكن على اسم ما لم يسمّ فاعله. و هذه القراءة عند الفراء

____________

(1) الشاهد لجرير في ديوانه 163، و الكتاب 1/492، و الدرر 5/9، و سرّ صناعة الإعراب 2/457، و شرح التصريح 2/28، و شرح شواهد المغني 2/712، و لسان العرب (عرض) ، و مغني اللبيب 1/ 511، و المقاصد النحوية 3/364، و المقتضب 4/150، و همع الهوامع 3/47، و بلا نسبة في شرح الأشموني 2/305، و المقتضب 3/227. و عجزه:

«لاقى مباعدة منكم و حرمانا»

(2) انظر معاني الفراء 3/55.

(3) انظر تيسير الداني 162، و كتاب السبعة لابن مجاهد 598.

(4) انظر البحر المحيط 8/65.

113

بعيدة؛ لأنّ فعل المؤنّث إذا تقدّم و كان بعده إيجاب ذكّرته العرب فيما زعم، و حكى:

لم يقم إلاّ هند؛ لأن المعنى عنده: لم يقم أحد إلاّ هند.

وَ لَقَدْ مَكَّنََّاهُمْ فِيمََا إِنْ مَكَّنََّاكُمْ فِيهِ قال محمد بن يزيد: «ما» بمعنى الذي و «إن» بمعنى «ما» أي و لقد مكّنّاهم في الذي مكّنّاكم فيه. وَ جَعَلْنََا لَهُمْ سَمْعاً وَ أَبْصََاراً وَ أَفْئِدَةً فجاء السمع مفردا و ما بعده مجموعا ففيه غير جواب منها أنّه مصدر فلم يجمع لذلك، و منها أن يكون فيه محذوف أي و جعلنا لهم ذوات سمع، و منها أن يكون واحدا يدلّ على جمع فَمََا أَغْنى‏ََ عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَ لاََ أَبْصََارُهُمْ وَ لاََ أَفْئِدَتُهُمْ تكون «ما» نعتا لا موضع لها من الإعراب، و إن جعلتها استفهاما كان موضعها نصبا. قال الفراء (1) : وَ حََاقَ بِهِمْ مََا كََانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ أي عاد، قال: و أهل التفسير يقولون: أحاط و نزل.

وَ لَقَدْ أَهْلَكْنََا مََا حَوْلَكُمْ مِنَ اَلْقُرى‏ََ هذه لام توكيد. و «قد» عند الخليل و سيبويه بمعنى التوقّع مع الماضي فإذا كانت مع المستقبل أدّت معنى التقليل، تقول: قد يقوم أي يقلّ ذلك منه.

فَلَوْ لاََ نَصَرَهُمُ اَلَّذِينَ اِتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اَللََّهِ قُرْبََاناً آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَ ذََلِكَ إِفْكُهُمْ وَ مََا كََانُوا يَفْتَرُونَ (28) فَلَوْ لاََ نَصَرَهُمُ لولا و هلاّ واحد، كما قال: [الطويل‏] 425-

بني ضوطرى لو لا الكميّ المقنّعا

(2)

____________

(1) انظر معاني الفراء 3/56.

(2) الشاهد لجرير في ديوانه 907، و تخليص الشواهد ص 431، و جواهر الأدب ص 394، و خزانة الأدب 3/55، و الخصائص 2/45، و الدرر 2/240، و شرح شواهد الإيضاح 72، و شرح شواهد المغني 2/ 669، و شرح المفصل 2/38، و المقاصد النحوية 4/475، و لسان العرب (أمالا) ، و تاج العروس (لو) ، و للفرزدق في الأزهيّة 168، و لسان العرب (ضطر) ، و لجرير أو للأشهب بن رميلة في شرح المفصّل 8/145، و بلا نسبة في الأزهية ص 170، و الأشباه و النظائر 1/240، و الجنى الداني ص 606، و خزانة الأدب 11/245، و رصف المباني 293، و شرح الأشموني 3/610، و صدره:

«تعدّون عقر النّيب أفضل مجدكم»

114

أي هلاّ: قُرْبََاناً آلِهَةً يكون «قربانا» مصدرا، و يكون مفعولا من أجله، و يكون مفعولا و «الهة» بدل منه بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ و إن شئت أدغمت اللاّم في الضاد. و زعم الخليل و سيبويه‏ (1) أن الضاد تخرج من الشقّ اليمين و لبعض النّاس من الشقّ الشمال.

وَ ذََلِكَ إِفْكُهُمْ «ذلك» في موضع رفع بالابتداء «إفكهم» خبره و الهاء و الميم في موضع خفض بالإضافة و مثله سواء في الإعراب و المعنى. قال الفراء (2) : إفك و أفك مثل حذر و حذر أي هما بمعنى واحد. و يروى عن ابن عباس أنه قرأ أفكهم (3) على أنه فعل ماض و الهاء و الميم على هذه القراءة في موضع نصب، و في إسنادها عن ابن عباس نظر و لكن قرئ على إبراهيم بن موسى عن إسماعيل بن إسحاق عن سليمان بن حرب عن حمّاد بن سلمة قال: حدّثنا عطاء بن السائب قال: سمعت أبا عياض يقرأ وَ ذََلِكَ إِفْكُهُمْ فعلى هذه القراءة يكون وَ مََا كََانُوا يَفْتَرُونَ في موضع رفع على أحد أمرين إما أن يكون معطوفا على المضمر الذي في «أفكهم» و يكون المعنى و ذلك أرداهم و أهلكهم هو و افتراؤهم إلاّ أنّ العطف على المضمر المرفوع بعيد في العربية إلاّ أن يؤكّد و يطول الكلام لو قلت: قمت و عمرو، كان قبيحا حتّى تقول: قمت أنا و عمرو أو قمت في الدار و عمرو. و الوجه الثاني أن يكون «و ما كانوا يفترون» معطوفا على ذلك أي و ذلك أهلكهم و أضلّهم و افتراؤهم أيضا أهلكهم و أضلّهم. و القراءة البيّنة التي عليها حجّة الجماعة «و ذلك إفكهم» أي و ذلك كذبهم و ما كانوا يفترون على هذه القراءة معطوف على إفكهم أي و ذلك إفكهم و افتراؤهم تكون ما و الفعل مصدرا فلا تحتاج إلى عائد لأنها حرف فإن جعلتها بمعنى الذي لم يكن بدّ من عائد مضمر أو مظهر. فيكون التقدير و الذي كانوا يفترونه ثم تحذف الهاء و يكون حذفها حسنا لعلل منها طول الاسم و أنه لا يشكل مذكّر بمؤنّث و أنه رأس آية و أنه ضمير متّصل، و لو كان منفصلا لبعد الحذف، و إن كان بعضهم قد قرأ تَمََاماً عَلَى اَلَّذِي أَحْسَنَ [الأنعام: 154]بمعنى على الذي هو أحسن، و تأوّل بعضهم قول سيبويه‏ (4) «هذا باب علم ما الكلم» بمعنى الّذي هو الكلم، و روى بعضهم «هذا باب علم ما الكلم» بغير تنوين على أنه حذف أيضا هو و فيه من البعد ما ذكرنا فإذا كان متصلا حسن الحذف كما قرئ و فيها ما تشتهي الأنفس [الزخرف: 71]و تشتهيه، و حكى أبو إسحاق «و ذلك أأفكهم» أي أكذبهم.

____________

(1) انظر الكتاب 4/572.

(2) انظر معاني الفراء 3/56.

(3) انظر البحر المحيط 8/66، و المحتسب 2/267.

(4) انظر الكتاب 1/40.

115

وَ إِذْ صَرَفْنََا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ اَلْجِنِّ «إذ» في موضع نصب قيل: مضى «صرفنا» وقفناهم لذلك فسمّي صرفا مجازا فَلَمََّا قُضِيَ أي فرغ من تلاوته وَلَّوْا إِلى‏ََ قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ أي مخوّفين من ترك قبول الحق و نصب «منذرين» على الحال.

قََالُوا يََا قَوْمَنََا إِنََّا سَمِعْنََا كِتََاباً و أجاز سيبويه‏ (1) في بعض اللغات فتح «أنّ» بعد القول. أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى‏ََ مُصَدِّقاً لِمََا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى اَلْحَقِّ «يهدي» في موضع نصب؛ لأنه نعت لكتاب، و يجوز أن يكون منصوبا على الحال، و هو مرفوع؛ لأنه فعل مستقبل.

يََا قَوْمَنََا أَجِيبُوا دََاعِيَ اَللََّهِ وَ آمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ جواب الأمر، و كذا وَ يُجِرْكُمْ .

أَ وَ لَمْ يَرَوْا أَنَّ اَللََّهَ اَلَّذِي خَلَقَ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضَ وَ لَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ ليس من التعب و إنما يقال في التعب: أعيا يعيي و عيي بالأمر يعي و عيّ به إذا لم يتّجه له. بقدر (2) هذه قراءة أبي جعفر و شيبة و نافع و ابن كثير و أبي عمرو و الأعمش و حمزة و الكسائي، و قرأ عبد الرحمن الأعرج و ابن أبي إسحاق و عاصم الجحدري يقدر (3) و قد زعم بعض النحويين أن القراءة بيقدر أولى؛ لأن الباء إنما تدخل في النفي و هذا إيجاب و تعجّب من أبي عمرو و الكسائي كيف جاز عليهما مثل هذا حتّى غلطا فيه مع محلّهما من العربية قال أبو جعفر: و في هذا طعن على من تقوم الحجّة بقراءته و مع ذلك فقد أجمعت الأئمة على أن قرءوا أَ وَ لَيْسَ اَلَّذِي خَلَقَ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضَ بِقََادِرٍ [يس:

81]و لا نعلم بينهما فرقا و لا تجتمع الجماعة على ما لا يجوز. و قد تكلّم النحويون في الآية التي أشكلت على قائل هذا فقال الكسائي: إنما دخلت الباء من أجل «لم» و هذا

____________

(1) انظر الكتاب 1/178، و 3/163.

(2) انظر البحر المحيط 8/67.

(3) انظر البحر المحيط 8/68.

116

قول صحيح و سمعت علي بن سليمان يشرحه شرحا بيّنا، قال الباء تدخل في النفي فتقول: ما زيد بقائم، فإذا دخل الاستفهام على النفي لم يغيره عمّا كان عليه فتقول: أما زيد بقائم، فكذا «بقادر» لأن قبله حرف نفي و هو «لم» و قال أبو إسحاق: الباء تدخل في النفي و لا تدخل في الإيجاب تقول: ظننت زيدا منطلقا، و لا يجوز: ظننت زيدا بمنطلق فإن جئت بالنفي قلت: ما ظننت زيدا بمنطلق، فكذا قوله جلّ و عزّ: أَ وَ لَمْ يَرَوْا أَنَّ اَللََّهَ اَلَّذِي خَلَقَ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضَ وَ لَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقََادِرٍ و المعنى: أو ليس الذي خلق السموات و الأرض بقادر في رويّتهم و في علمهم. قال أبو جعفر: فإن قال قائل: لم صارت الباء في النفي و لا تكون في الإيجاب؟فالجواب عند البصريين أنها دخلت توكيدا للنفي؛ لأنه قد يجوز ألاّ يسمع المخاطب «ما» أو يتوهّم الغلط فإذا جئت بالباء علم أنه نفي. و أما قول الكوفيين الباء في النفي حذاء اللام في الإيجاب.

وَ يَوْمَ يُعْرَضُ اَلَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى اَلنََّارِ بمعنى و اذكر يوما.

بَلاََغٌ في معناه قولان: أحدهما أنه بمعنى قليل. يقال: ما معه من الزاد إلاّ بلاغ أي قليل، و القول الآخر: أن المعنى فيما وعظوا به بلاغ، كما قال الأخفش. قال بعضهم: البلاغ القرآن. و هو مرفوع على إضمار مبتدأ أي ذلك بلاغ، و من نصبه جعله مصدرا أو نعتا لساعة. فَهَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ اَلْقَوْمُ اَلْفََاسِقُونَ أي من فسق في الدنيا. و يقال: إنّ هذه الآية من أرجى آية في القرآن إلاّ أن ابن عباس قال: أرجى آية في القرآن‏ وَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنََّاسِ عَلى‏ََ ظُلْمِهِمْ [الرعد: 6].

117

47 شرح إعراب سورة محمد صلّى اللّه عليه و سلّم‏

بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ

اَلَّذِينَ في موضع رفع بالابتداء و هو اسم ناقص. كَفَرُوا من صلته «و صدّوا» معطوف عليه وَ صَدُّوا بزيادة ألف بعد الواو و للنحويين في ذلك ثلاثة أقوال: فمذهب الخليل رحمه اللّه أنّ هذه الألف زيدت في الخط فرقا بين واو و الإضمار و الواو الأصلية نحو «لو» فاختيرت الألف؛ لأنها عند أخر مخرج الواو. و قال الأخفش:

لو كتب بغير ألف لقرئ «كفر و صدّ» ففرق بين هذه الواو و بين واو العطف. و قال أحمد بن يحيى: كتب بألف ليفرّق بين المضمر المتصل و المنفصل فيكتب صدّوهم عن المسجد الحرام بغير ألف و يكتب صدوا هم بألف، كما تقول: قاموا هم. قال أبو جعفر: فهذه ثلاثة أقوال أصحّها القول الأول لأن قول الأخفش يعارض بأنه قد يقال:

كفر و أفعل فيقع الأشكال أيضا و قول أحمد بن يحيى في الفرق إنما جعله بين المضمرين و ليس يقع في قاموا مضمر منصوب فيجب على قوله أن يكتبه بغير ألف و هو لا يفعل هذا و لا أحد غيره. و مذهب الخليل رحمه اللّه مذهب صحيح. و هذا في واو الجمع خاصة فأما التي في الواحد نحو قولك: هو يرجو فبغير ألف؛ لأنها ليست واو الإضمار و هي لام الفعل بمنزلة الواو من «لو» فكتابتها بالألف خطأ، و إن كان بعض المتأخرين قد ذكر ذلك بغير تحصيل و رأيت أبا إسحاق قد ذكره بالنقصان في النحو و ذكر أنه خاطبه فيه. و من العرب من يقول: اللّذون فيجعله جمعا مسلّما. فأما ما رواه مجاهد عن ابن عباس في قوله جلّ و عزّ: اَلَّذِينَ كَفَرُوا وَ صَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اَللََّهِ أنّهم كفار أهل مكة فجعل الآية فيهم خصوصا، و الظاهر يدلّ على العموم فيجوز أن تكون نزلت في قوم بأعيانهم ثم صارت عامة لكل من فعل فعلهم، و كذا وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصََّالِحََاتِ فقول ابن عباس أنّ هذا نزل في الأنصار خاصة و هو بمنزلة ما تقدّم «و الذين» في موضع‏

118

رفع بالابتداء، و الخبر كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئََاتِهِمْ وَ أَصْلَحَ بََالَهُمْ قال مجاهد عن ابن عباس: أي أمرهم. و روى الضحاك عنه: أي شأنهم. قال أبو جعفر: و البال في اللغة يعبّر عنه بالأمر و الشأن و الحال. قال محمد بن يزيد: و قد يكون للبال موضع أخر يكون بمعنى القلب. يقال: ما يخطر هذا على بالي أي على قلبي.

ذََلِكَ في موضع رفع على إضمار مبتدأ أي الأمر ذلك، و يجوز أن يكون في موضع رفع بالابتداء و ما بعده خبره. و يكون ذلك إشارة إلى الإضلال و الهدى. و العرب قد تشير إلى شيئين بذلك فمنهم من يقول ذانك. و سمعت أبا إسحاق يقول في قول سيبويه: ظننت، و لم يعدها إلى مفعول أخر: إنّ ذلك إشارة إلى شيئين، كأن قائلا قال: ظننت زيدا منطلقا، فقال له أخر: قد ظننت ذلك.

فَإِذََا لَقِيتُمُ اَلَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ اَلرِّقََابِ مصدر. أي فاضربوا الرقاب ضربا، و قيل: هو على الإغراء (1) ، هذا قول الفراء. حَتََّى إِذََا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا اَلْوَثََاقَ أي لئلا يهربوا أو يلحقكم منهم مكروه. و الإثخان المبالغة بالضرب مشتق من قولهم: شي‏ء ثخين أي متكاثف.

فَإِمََّا مَنًّا بَعْدُ وَ إِمََّا فِدََاءً مصدران و حذف الفعل لدلالة المصدر عليه و لأنه أمر. و الفداء يمدّ و يقصر عند البصريين. و أما الفراء فحكى‏ (2) أنه ممدود إذا كسر أوله و مقصور إذا فتح أوله و حكي: قم فدى لك. حَتََّى تَضَعَ اَلْحَرْبُ أَوْزََارَهََا أهل التفسير على أن المعنى حتّى يزول الشرك و الضمير عند الفراء يحتمل معنيين: أحدهما حتّى تضع الحرب أوزارها أي آثامهم، و المعنى الآخر أن يعود على الحرب نفسها. قال أبو جعفر: الحرب في كلام العرب مؤنّثة، و يصغّرونها بغير هاء فيقولون: حريب، و مثلها قوس و ذود يصغّران بغير هاء سماعا من العرب ذََلِكَ وَ لَوْ يَشََاءُ اَللََّهُ لاَنْتَصَرَ مِنْهُمْ «ذلك» في موضع رفع أي الأمر ذلك أنه لو شاء اللّه لانتصر منهم، و لكنه أراد أن يثيب المؤمنين، و كانت الحكمة في ذلك ليقع الثواب و العقاب. و قد بيّن ذلك جلّ و عزّ بقوله:

____________

(1) انظر معاني الفراء 3/57.

(2) انظر المنقوص و الممدود 25، 26.

119

وَ لََكِنْ لِيَبْلُوَا بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَ اَلَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اَللََّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمََالَهُمْ (1) هذه قراءة أبي جعفر و شيبة و نافع و ابن كثير و عاصم و الأعمش و حمزة و الكسائي، و قرأ عاصم الجحدري وَ اَلَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اَللََّهِ (2) و قرأ أبو عمرو و الأعرج قُتِلُوا و عن الحسن أنه قرأ قتلوا (3)

مشددة. قال أبو جعفر: و القراءة الأولى عليها حجّة الجماعة، و هي أبين في المعنى و قد زعم بعض أهل اللغة أنه يختار أن يقرأ «قاتلوا» لأنه إذا قرأ «قتلوا» لم يكن الثواب إلا لمن قتل، و إذا قرأ قتلوا لم يكن الثواب إلا لمن قتل و إذا قرأ قاتلوا عم الجماعة بالثواب و هذه لعمري احتجاج حسن، غير أن أهل النظر يقولون: إذا قرئ الحرف على وجوه فهو بمنزلة آيات كل واحدة تفيد معنى، و قد قال النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم «أوتيت جوامع الكلم» (4) .

يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اَللََّهَ يَنْصُرْكُمْ قيل: المعنى: إن تنصروا دين اللّه و أولياءه فجعل ذلك نصرة له مجازا ينصركم في الآخرة أي يدفع الشدائد عنكم. و روى الضحاك عن ابن عباس: ينصركم على عدوكم. وَ يُثَبِّتْ أَقْدََامَكُمْ قيل: في موضع الحساب بأن يجعل الحجّة لكم.

وَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا في موضع رفع بالابتداء، و يجوز أن يكون في موضع نصب على إضمار فعل يفسّره فَتَعْساً لَهُمْ وَ أَضَلَّ أَعْمََالَهُمْ معطوف على الفعل المحذوف.

قال أبو إسحاق: كرهوا نزول القرآن و نبوّة محمد صلّى اللّه عليه و سلّم.

أَ فَلَمْ يَسِيرُوا فِي اَلْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا في موضع نصب على أنه جواب، و يجوز أن يكون في موضع جزم على أنه معطوف، و الجزم و النصب علامتهما حذف النون. كَيْفَ كََانَ عََاقِبَةُ اَلَّذِينَ اسم كان و لم يقل: كانت لأنه تأنيث غير حقيقي و خبر «كان» في «كيف» وَ لِلْكََافِرِينَ أَمْثََالُهََا روى الضحاك عن ابن عباس قال: عذاب ينزل من السّماء و لم يكن

____________

(1) انظر تيسير الداني 162، و كتاب السبعة لابن مجاهد 600.

(2) انظر تيسير الداني 162، و كتاب السبعة لابن مجاهد 600.

(3) انظر تيسير الداني 162، و كتاب السبعة لابن مجاهد 600.

(4) أخرجه مسلم في صحيحه، المساجد 7، 8، و أحمد في مسنده 2/250، و ذكره ابن كثير في تفسيره 4/72، و الزبيدي في إتحاف السادة المتقين 7/113، و أبو نعيم في دلائل النبوة 1/14، و المتقي الهندي في كنز العمال (32068) .

120

بعد. و قال أبو إسحاق في الضمير الذي في أمثالها أنه يعود على العاقبة.

روى إسرائيل عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس ذََلِكَ بِأَنَّ اَللََّهَ مَوْلَى اَلَّذِينَ آمَنُوا قال: ناصرهم. قال الفراء (1) و في قراءة عبد اللّه ذلك بأنّ اللّه وليّ الذين آمنوا و هذه قراءة على التفسير. و قال أبو إسحاق: في معنى ذلك بأن اللّه يتولّى الذين آمنوا في جميع أمورهم و هدايتهم و النصر على عدوهم. و هذه الأقوال متقاربة و معروف في اللغة أنّ المولى الوليّ. و هو معنى ما قال ابن عباس: إنّ المولى الناصر، و على هذا تؤوّل قول النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم «من كنت مولاه فعليّ مولاه» (2) أي من كنت أتولاه و أنصره فعليّ يتولاه و ينصره، و قيل: المعنى من كان يتولاني و ينصرني فهو يتولّى عليّا و ينصره.

و يبيّن ذلك ما حدّثناه علي بن سليمان عن أبي سعيد السكّري عن يونس، عن محمد بن المستنير قال: إن سأل سائل عن قول اللّه جلّ و عزّ: ذََلِكَ بِأَنَّ اَللََّهَ مَوْلَى اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ أَنَّ اَلْكََافِرِينَ لاََ مَوْلى‏ََ لَهُمْ (11) فقال اللّه جلّ و عزّ: مولى كلّ أحد فكيف قال جلّ و عزّ و أن الكافرين لا مولى لهم؟فالجواب أن المولى هاهنا الولي و ليس اللّه جلّ و عزّ وليّ الكافرين، و أنشد:

[الكامل‏] 426-

فغدت كلا الفرجين تحسب أنّه # مولى المخافة خلفها و أمامها

(3)

أي وليّ المخافة.

وَ اَلنََّارُ مرفوعة بالابتداء، و «مثوى» في موضع رفع على أنه الخبر، و أجاز الفراء أن يكون مَثْوىً في موضع نصب و يكون الخبر لهم.

التقدير و كم من أهل قرية. و هي أيّ دخلت عليها كاف التشبيه. قال الفراء (4) :

في معنى «التي أخرجتك» التي أخرجك أهلها إلى المدينة أَهْلَكْنََاهُمْ فَلاََ نََاصِرَ لَهُمْ قال

____________

(1) انظر معاني الفراء 3/59.

(2) أخرجه أحمد في مسنده 5/419، و ذكره ابن أبي عاصم في السنة 2/605، و ابن كثير في البداية و النهاية 7/339، و الترمذي في سننه (3713) .

(3) مرّ الشاهد رقم (151) .

(4) انظر معاني الفراء 3/59.

121

الفراء: جاء في التفسير فلم يكن لهم ناصر حتّى أهلكناهم، قال: فيكون «فلا ناصر لهم» اليوم من العذاب.

أَ فَمَنْ كََانَ عَلى‏ََ بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ على اللفظ و لو كان على المعنى لقيل: كانوا على بيّنة من ربهم، و كذا كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ و لم يقل: لهم سوء أعمالهم، و بعده وَ اِتَّبَعُوا أَهْوََاءَهُمْ على المعنى، و لو كان على اللفظ لكان و اتّبع هواه.

مَثَلُ اَلْجَنَّةِ اَلَّتِي وُعِدَ اَلْمُتَّقُونَ و في معناه أربعة أقوال: قال محمد بن يزيد: قال سيبويه‏ (1) : أي فيما يتلى عليكم و يقصّ عليكم مثل الجنة، و قال يونس: مثل بمعنى صفة و مثله فيما ذكرناه‏ مَثَلُ اَلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمََالُهُمْ كَرَمََادٍ [إبراهيم: 18]قال محمد بن يزيد: و كلا القولين حسن جميل و قال الكسائي: مثل الجنّة كذا و فيها كذا و لهم فيها كذا كَمَنْ هُوَ خََالِدٌ فِي اَلنََّارِ أي مثل هؤلاء في الخير كمثل هؤلاء في الشرّ أي هؤلاء كهؤلاء.

و القول الرابع عن أبي إسحاق قال: مَثَلُ اَلْجَنَّةِ اَلَّتِي وُعِدَ اَلْمُتَّقُونَ تفسير لقوله جلّ و عزّ:

إِنَّ اَللََّهَ يُدْخِلُ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصََّالِحََاتِ جَنََّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا اَلْأَنْهََارُ [الحج: 14] ثم فسّر تلك الأنهار فالمعنى مَثَلُ اَلْجَنَّةِ اَلَّتِي وُعِدَ اَلْمُتَّقُونَ مما قد عرفتموه في الدنيا من الجنات و الأنهار جنّة فِيهََا أَنْهََارٌ مِنْ مََاءٍ غَيْرِ آسِنٍ و في قراءة أهل مكة فيما ذكره أبو حاتم غَيْرِ آسِنٍ (2) على فعل يقال: أسن الماء يأسن و يأسن أسنا و أسونا فهو آسن و أسن يأسن أسنا فهو أسن، و تحذف الكسرة لثقلها، فيقال: أسن، إذا أنتن. فإن تغيّر قالوا أجن الماء يأجن و يأجن وَ أَنْهََارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشََّارِبِينَ نعت خمر بمعنى ذات لذة و يجوز لذّة نعت لأنهار، و يجوز النصب على المصدر، كما تقول: هو لك هبة. كَمَنْ هُوَ خََالِدٌ فِي اَلنََّارِ الكاف في موضع رفع و هي مرافعة كمثل عند الكسائي كما بيّنّا، و أما الفراء (3) فالتقدير عنده: أمن هو في هذه الجنات كمن هو خالد في النار وَ سُقُوا مََاءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعََاءَهُمْ جمع معى و هو يذكّر و يؤنّث. و روى أبو أمامة الباهلي عن النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم في قول اللّه جلّ و عزّ: وَ سُقُوا مََاءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعََاءَهُمْ قال: «إذا قرّب منه تكرّهه، و إذا أدني منه شوى وجهه و وقعت فروة رأسه و لحم وجهه فيه، فإذا شربه قطّع أمعاءه و خرج من دبره» (4) .

____________

(1) انظر الكتاب 1/196.

(2) انظر تيسير الداني 162.

(3) انظر معاني الفراء 3/60.

(4) انظر البحر المحيط 8/79.

122

وَ مِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ على لفظ «من» حَتََّى إِذََا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قََالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا اَلْعِلْمَ على المعنى. قال عبد اللّه بن بريدة: قالوا ذلك لعبد اللّه بن مسعود أُولََئِكَ اَلَّذِينَ طَبَعَ اَللََّهُ عَلى‏ََ قُلُوبِهِمْ وَ اِتَّبَعُوا أَهْوََاءَهُمْ على المعنى أيضا.

وَ اَلَّذِينَ اِهْتَدَوْا أي قبلوا الهدى و عملوا به. زََادَهُمْ هُدىً قال أبو جعفر: قد ذكرناه. و من حسن ما قيل في الضمير أن المعنى زادهم اللّه جلّ و عزّ هدى بما ينزل من الآيات و البراهين و الدلائل و الحجج على رسوله صلّى اللّه عليه و سلّم فيزداد المؤمنون بها بصيرة و معرفة.

فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ اَلسََّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً هذه القراءة التي عليها حجّة الجماعة. و قد حكى أبو عبيد: أنّ في بعض مصاحف الكوفيين أن تأتيهم و قرئ على إبراهيم بن محمد بن عرفة عن محمد بن الجهم قال: حدّثنا الفراء قال: حدّثني أبو جعفر الرؤاسي قال: قلت لأبي عمرو بن العلاء ما هذه الفاء في قوله: فَقَدْ جََاءَ أَشْرََاطُهََا قال: هي جواب للجزاء. قلت إنما هي أَنْ تَأْتِيَهُمْ فقال: معاذ اللّه إنما هي «إن تأتهم» (1) . قال الفراء: فظننته أخذها عن أهل مكة لأنه عليهم قرأ. قال: و هي في بعض مصاحف الكوفيين «إن تأتهم» بسنة واحدة و لم يقرأ بها أحد منهم. قال أبو جعفر: و لا يعرف هذا عن أبي عمرو إلاّ من هذه الطريق. و المعروف عنه أنه قرأ «أن تأتيهم» و تلك الـ مع شذوذها مخالفة للسواد، و الخروج عن حجّة الجماعة. و من جهة المعنى ما هو أكثر، و ذلك أنه لو كان «إن تأتهم بغتة» لكان المعنى يمكن أن تأتي بغتة و غير بغتة، و قد قال اللّه جلّ و عزّ: لاََ تَأْتِيكُمْ إِلاََّ بَغْتَةً [الأعراف: 187]. فَقَدْ جََاءَ أَشْرََاطُهََا جمع شرط أي علاماتها. قال الحسن: موت النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم من علاماتها، و قال غيره: بعث النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم من علاماتها؛ لأنه لا نبيّ بعده إلى قيام الساعة. و قال قال عليه السلام «أنا و السّاعة كهاتين» (2) قال محمد بن يزيد: و إنما قيل: شرط لأن لهم علامات و هيئات ليست للعامة. فَأَنََّى لَهُمْ إِذََا جََاءَتْهُمْ ذِكْرََاهُمْ قال الأخفش: أي فإنّى لهم ذكراهم إذا جاءتهم

____________

(1) انظر البحر المحيط 8/80، قال: «بعثت أنا و الساعة كهاتين و كفرسي رهان» .

(2) انظر تيسير الداني 69، و البحر المحيط 8/81.

123

الساعة «ذكراهم» في موضع رفع بالابتداء على مذهب سيبويه، و بالصفة على قول الكوفيين.

فَاعْلَمْ قال أبو إسحاق: الفاء جواب للمجازاة أي قد بيّنّا أن اللّه جلّ و عزّ واحد فاعلم ذلك. فأما مخاطبة النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم بهذا، و هو عالم به ففي ذلك غير جواب. قال أبو إسحاق: مخاطبة النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم مخاطبة لأمته، و على مذهب بعض النحويين أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم مأمور أن يخاطب بهذا غيره مثل‏ فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمََّا أَنْزَلْنََا إِلَيْكَ [يونس: 94] و قيل: فاعلم علما زائدا على علمك لأن الإنسان قد يعلم الشي‏ء من جهات و جواب رابع أنّ المعنى تحذير له من المعاصي أي فاعلم أنه لا إله إلاّ اللّه وحده لا يعاقب على العصيان غيره. و يدلّ على هذا أنّ بعده و استغفر لذنبك كما تقول للرجل تحذّره من المعصية: اعلم أنّك ميّت فلست تأمره أن يفعل العلم و إنما تحذّره من المعاصي. قال أبو إسحاق: وَ اَللََّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ أي متصرّفكم. وَ مَثْوََاكُمْ أي مقامكم في الدنيا و الآخرة. }قال: وَ ذُكِرَ فِيهَا اَلْقِتََالُ أي فرض فَأَوْلى‏ََ لَهُمْ .

طََاعَةٌ وَ قَوْلٌ مَعْرُوفٌ فيه أجوبة فقال الخليل و سيبويه جوابان: أحدهما أن تكون طََاعَةٌ وَ قَوْلٌ مَعْرُوفٌ مرفوعين بالابتداء أي طاعة و قول معروف أمثل و الثاني على خبر المبتدأ أي أمرنا طاعة و قول معروف. و قال غيرهما: التقدير منّا طاعة. و قول رابع أن يكون «طاعة» نعتا لسورة بمعنى ذات طاعة فَإِذََا عَزَمَ اَلْأَمْرُ أي جدّ الأمر. و قيل:

هو مجاز أي أصحاب الأمر أي فإذا عزم النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم على الحرب. فَلَوْ صَدَقُوا اَللََّهَ في القتال. لَكََانَ خَيْراً لَهُمْ من التعلّل و الهرب، و قال أبو إسحاق: أي لكان صدقهم اللّه و إيمانهم به خيرا لهم.

فَهَلْ عَسَيْتُمْ‏ (1) إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي اَلْأَرْضِ هذه القراءة التي عليها الجماعة. قال أبو إسحاق: و لو جاز عسيتم لجاز عسى ربّكم فهي عنده لا تجوز البتة. و يروى عن علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه عنه أنه قرأ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أي تولاّكم النّاس على ما لم

____________

(1) انظر مختصر ابن خالويه 140، و البحر المحيط 8/82.

124

يسمّ فاعله. أَنْ تُفْسِدُوا فِي اَلْأَرْضِ (أن) في موضع نصب خبر عسيتم. و هذه اللغة الفصيحة، و من العرب من يحذف «أن» من الخبر، كما قال: [الوافر] 427-

عسى الهمّ الّذي أمسيت فيه # يكون وراءه فرج قريب‏

(1)

و من العرب من يأتي بالاسم في خبرها فينصبه فيقول: عسى زيد قائما.

أُولََئِكَ اَلَّذِينَ لَعَنَهُمُ اَللََّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَ أَعْمى‏ََ أَبْصََارَهُمْ (23) }ثم قال جلّ و عزّ بعد أَ فَلاََ يَتَدَبَّرُونَ اَلْقُرْآنَ و قد تقدّم وصفهم بالصّمم و العمى، فمن أصحّ ما قيل في هذا و أحسنه أن المعنى: أولئك الذين لعنهم اللّه فلم ينلهم ثوابا فهم بمنزلة الصمّ لا يسمعون ثناء حسنا عليهم و لا يبصرون ما يسرّون به من الثواب، فهذا جواب بيّن. و قد قيل: إنه دعاء، و قد قيل: إنهم لا يسمعون أي لا يعلمون. و قد تأوّل بعض العلماء حديث أبي هريرة عن النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم «إنّ الميّت ليسمع خفق نعالهم» (2) أي ليعلم. و تأويل حديث النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم في أهل القليب الذين قتلوا يوم بدر حين خاطبهم فقال: «هل وجدتم ما وعد ربّكم حقّا» (3)

ثمّ أخبر أنّهم يسمعون ذلك فتأول صاحب ذلك التأويل على أنّهم يعلمونه، و احتج بقول اللّه عزّ و جلّ: إِنَّكَ لاََ تُسْمِعُ اَلْمَوْتى‏ََ [النمل: 80]و هذا التأويل قد ردّه جماعة من العلماء على متأوليه؛ لأن النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم هو المبين عن اللّه عزّ و جلّ، و هو القائل «إنّ الميّت ليسمع خفق نعالهم» و المخبر بعذاب القبر و مساءلة الميّت و كذا أكثر أصحابه على ذلك يخبرون بتأدية الأعمال إلى الموتى فالصواب من ذلك أن يقال: إنّ اللّه جلّ و عزّ يؤدّي إلى الموتى من بني أدم ما شاء على ما شاء و يعذب من شاء ممن يستحقّ بما يشاء فأما قوله جلّ و عزّ: وَ مََا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي اَلْقُبُورِ [فاطر: 22]و إِنَّكَ لاََ تُسْمِعُ اَلْمَوْتى‏ََ [النمل: 80].

____________

(1) الشاهد لهدبة بن خشرم في الكتاب 3/181، و خزانة الأدب 9/328، و شرح أبيات سيبويه 1/142، و الدرر 2/145، و شرح التصريح 1/206، و شرح شواهد الإيضاح 97، و شرح شواهد المغني 443، و اللمع 225، و المقاصد النحوية 2/184، و بلا نسبة في أسرار العربية 128، و تخليص الشواهد 326، و خزانة الأدب 9/316، و الجنى الداني ص 462، و شرح ابن عقيل 165، و شرح عمدة الحافظ 816، و المقرب 1/98، و شرح المفصل 7/117، و مغني اللبيب ص 152، و المقتضب 3/70، و همع الهوامع 1/130.

(2) أخرجه أحمد في مسنده 2/445، و ذكره الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد 2/46، و السيوطي في الدر المنثور 4/82، و القرطبي في تفسيره 7/377، و الهيثمي في مجمع الزوائد 3/54.

(3) أخرجه البخاري في صحيحه 5/97، 98، و مسلم في صحيحه، الجنة 76، و النسائي في سننه 4/ 101، و أحمد في مسنده 2/38، 130، و 3/104، 145، و 4/9، و ذكره ابن أبي شيبة في مصنّفه 14/377، و البيهقي في دلائل النبوة 3/48، و الزبيدي في إتحاف السادة المتقين 5/23.

125

فليس فيه مخالفة لهذا: و إنما المعنى-و اللّه أعلم-إنك لا تسمع الموتى بقدرتك و لا بقوتك، و لكن اللّه جلّ و عزّ يسمعهم كيف يشاء و يدلّ على هذا أنّ بعده‏ وَ مََا أَنْتَ بِهََادِي اَلْعُمْيِ عَنْ ضَلاََلَتِهِمْ [النمل: 81]أي لست تهديهم أنت بقدرتك و لكن اللّه جلّ و عزّ يهدي من يشاء بلطفه و توفيقه.

أَ فَلاََ يَتَدَبَّرُونَ اَلْقُرْآنَ أَمْ عَلى‏ََ قُلُوبٍ أَقْفََالُهََا (24) أَ فَلاََ يَتَدَبَّرُونَ اَلْقُرْآنَ أي فيعملون بما فيه و يقفون على دلائله أَمْ عَلى‏ََ قُلُوبٍ أَقْفََالُهََا أي أقفال تمنعها من ذلك.

قال أبو إسحاق: أي رجعوا بعد سماع الهدى و تبيينه إلى الكفر اَلشَّيْطََانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَ أَمْلى‏ََ لَهُمْ هذه قراءة أكثر الأئمة، و قرأ أبو عمرو و الأعرج و شيبة و عاصم الجحدري و أملي لهم (1) على ما لم يسمّ فاعله، و قرأ مجاهد و سلام و يعقوب و أملي لهم (2)

بإسكان الياء فالقراءة الأولى بمعنى و أملى اللّه جلّ و عزّ لهم، و القراءة الثانية تؤول إلى هذا المعنى؛ لأنه قد علم أنّ اللّه تبارك و تعالى هو الذي أملى لهم، و القراءة الثالثة بيّنة أخبر اللّه جلّ و عزّ أنه يملي لهم. و الكوفيون يميلون وَ أَمْلى‏ََ لَهُمْ لأن الألف منقلبة من الياء و معنى أملى له؛ مدّ له في العمر و لم يعاجله بالعقوبة و هو مشتق من الملاوة، و هي القطعة من الدهر و منه ملاك اللّه جلّ و عزّ نعمته و تملّ حبيبك و الملوان: الليل و النهار.

ذََلِكَ بِأَنَّهُمْ قََالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مََا نَزَّلَ اَللََّهُ قال أبو إسحاق: أي الأمر ذلك الإضلال فإنهم قالوا لليهود سنطيعكم في بعض الأمر أي في التضافر على عداوة محمد صلّى اللّه عليه و سلّم وَ اَللََّهُ يَعْلَمُ إِسْرََارَهُمْ (3) هذه قراءة أكثر الأئمة، و قرأ يحيى بن وثاب و الأعمش و حمزة و الكسائي و الله يعلم إسرارهم و هذا مصدر من أسرّ، و الأول جمع سرّ.

فَكَيْفَ إِذََا تَوَفَّتْهُمُ اَلْمَلاََئِكَةُ فيه حذف أي فكيف تكون حالهم يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَ أَدْبََارَهُمْ

____________

(1) انظر تيسير الداني 163، و كتاب السبعة لابن مجاهد 600.

(2) انظر تيسير الداني 163، و كتاب السبعة لابن مجاهد 600.

(3) انظر البحر المحيط 8/83، و تيسير الداني 163.

126

قال مجاهد: أي و أستاههم و لكن اللّه جلّ و عزّ كريم يكنّى.

ذََلِكَ بِأَنَّهُمُ اِتَّبَعُوا مََا أَسْخَطَ اَللََّهَ أي ذلك جزاؤهم بأنّهم اتّبعوا الشي‏ء أسخط اللّه من ترك متابعة النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم وَ كَرِهُوا رِضْوََانَهُ أي اتّباع شريعته و الإيمان به فَأَحْبَطَ أَعْمََالَهُمْ أي فأحبط ذلك، و يجوز أن يكون المعنى: فأحبط اللّه جلّ و عزّ ما عملوا من خير بكفرهم.

أَمْ حَسِبَ اَلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ عن ابن عباس قال: هم المنافقون قال:

و المرض الشكّ و التكذيب أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اَللََّهُ أَضْغََانَهُمْ قال: عداوتهم للمؤمنين قال محمد بن يزيد: الضغن ما تضمره من المكروه و قد ضغنت عليه و اضطغنت.

وَ لَوْ نَشََاءُ لَأَرَيْنََاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمََاهُمْ و يقال في معناه سيمياء وَ لَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ اَلْقَوْلِ عن ابن عباس قال: فما رأى النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم منافقا فخاطبه إلا عرفه قال محمد بن يزيد: في لحن القول في فحواه و في قصده من غير تصريح، قال: و قريب من معناه التعريض. و في الحديث عن النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم «إنكم تختصمون إليّ و لعلّ بعضكم يكون ألحن بحجّته من صاحبه فأقضي له على قدر ما أسمع. فمن قضيت له بشي‏ء من حقّ أخيه فإنما أقطع له قطعة من النار» (1) قال محمد بن يزيد: معنى «ألحن بحجّته» أقصد و أمضى فيها. قال: و منه قول النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم للسّعدين‏ (2) حين وجّههما إلى بني قريظة «إن أصبتماهم على العهد فأعلنا ذلك و إن أصبتماهم على غير ذلك فالحنا لي لحنا أعرفه و لا تفتّا في أعضاد المسلمين» (3) .

الابتلاء في اللغة الاختبار فقيل: المعنى: لنشدّدنّ عليكم في التعبّد، و ذلك في الأمر بالجهاد، و النهي عن المعاصي. يدلّ على ذلك حتّى نعلم المجاهدين منكم

____________

(1) أخرجه البخاري في صحيحه 3/235، و 9/32، و مسلم في الأقضية 4، و أحمد في مسنده 6/203، و ذكره السيوطي في جمع الجوامع (7534) ، و الشافعي في مسنده 150، و المتقي الهندي في كنز العمال 14536.

(2) السعدان: هما سعد بن معاذ و سعد بن عبادة.

(3) انظر السيرة النبوية لابن هشام 3/221.

127

و الصابرين. وَ نَبْلُوَا أَخْبََارَكُمْ أي ما عملتم فيما تعبّدتم به.

دخلت الفاء في خبر «إنّ» لأن اسمها الذين وصلته فعل فأشبه المجازاة فدخلت فيه الفاء، و لو قلت: إنّ زيدا فمنطلق، لم يجز.

فَلاََ تَهِنُوا الأصل توهنوا حذفت الواو تباعا وَ تَدْعُوا عطف عليه، و يجوز أن يكون جوابا. قال محمد بن يزيد: السلم و السّلم و المسالمة واحد وَ أَنْتُمُ اَلْأَعْلَوْنَ قال مجاهد: الغالبون. وَ اَللََّهُ مَعَكُمْ أي ينصركم وَ لَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمََالَكُمْ قال الضّحاك: أي لن يظلمكم و قدّره أبو إسحاق على حذف أي لن ينقصكم ثواب أعمالكم. و روى يونس عن الزهري عن سالم عن أبيه و عنبسة يقول: عن عمر عن النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم و قال: «من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله و ماله» (1) أي نقص و سلب. قال أبو جعفر: و في اشتقاقه قولان: مذهب الفراء (2) أنه مشتقّ من الوتر، و هو الذّحل و هو قتل الرجل و أخذ ماله فالذي تفوته صلاة العصر لما فاته من الأجر و الثواب بمنزلة من أخذ أهله و ماله أي هو بمنزلة الذي وتر. و الاشتقاق الآخر أن يكون من الوتر و هو الفرد كأنّه بمنزلة من قد بقي منفردا و خصّت بهذا، لأنها في وقت أشغالهم و معائشهم و الأصل في يتركم يوتركم حذفت إلى مفعولين مثل‏ وَ اِخْتََارَ مُوسى‏ََ قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً [الأعراف: 155] و التقدير عند الأخفش و لن يتركم في أعمالكم.

إِنَّمَا اَلْحَيََاةُ اَلدُّنْيََا لَعِبٌ وَ لَهْوٌ مبتدأ و خبره وَ إِنْ تُؤْمِنُوا وَ تَتَّقُوا . قال أبو إسحاق:

و قد عرّفهم أنّ أجورهم الجنة، قال: و يجوز وَ لاََ يَسْئَلْكُمْ أَمْوََالَكُمْ يريد على أن يجعله خبرا و الجزم على العطف. قيل: المعنى: و لا يأمركم أن تنفقوا أموالكم كلّها في الجهاد و مواساة الفقراء.

فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا أي تمتنعوا مما يجب عليكم. قال أبو جعفر: و كذا البخل في اللغة وَ يُخْرِجْ أَضْغََانَكُمْ قيل: أي و يخرج ذلك البخل أضغانكم أي ما تضمرونه من امتناع النفقة خوف الفقر.

____________

(1) أخرجه أحمد في مسنده 2/102.

(2) انظر معاني الفراء 3/64.

128

وَ مَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمََا شرط و جوابه فَإِنَّمََا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ أي إنما يعود الضرر عليه و العقوبة وَ اَللََّهُ اَلْغَنِيُّ وَ أَنْتُمُ اَلْفُقَرََاءُ أي فلم يكلّفكم ذلك لمّا علمه منكم وَ إِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ قيل: إن تتولّوا عن نصرة النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم يأتي بقوم آخرين بدلا منكم ثُمَّ لاََ يَكُونُوا أَمْثََالَكُمْ فيما فعلتموه.

129

48 شرح إعراب سورة الفتح‏

بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ

الأصل إنّنا حذفت النون لاجتماع النونات. و النون و الألف في «إنّا» في موضع نصب، و في «فتحنا» في موضع رفع و علامات المضمر تتّفق كثيرا إذا كانت متصلة، و الفتح هاهنا فتح الحديبيّة. و قد توهّم قوم أنه فتح مكّة ممّن لا علم لهم بالآثار. و قد صحّ عن ابن عباس و البرآء و سهل بن حنيف أنّهم قالوا: هو فتح الحديبيّة و هو صحيح عن أنس بن مالك كما قرئ على أحمد بن شعيب عن عمرو بن علي قال: حدّثنا يحيى قال: حدّثنا شعبة قال: حدّثنا قتادة عن أنس بن مالك إِنََّا فَتَحْنََا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً قال: الحديبية. و صحّ عن النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم أنه قال عند منصرفه من الحديبيّة «لقد أنزلت عليّ آية هي أحبّ إليّ من الدنيا و ما فيها» ثمّ تلا إِنََّا فَتَحْنََا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً (1) (1) الآية فإن قيل:

لم يكن النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم يحب الدنيا، فكيف قال في هذا الفضل العظيم الخطير أحبّ إليّ من الدنيا؟و إنما تقول العرب: هذا في الشي‏ء الجليل فيقولون: هو أسخى من حاتم طيّئ، و الدنيا لا مقدار لها. و قد قال النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم حين مرّ بشاة ميّتة «و اللّه للدّنيا أهون على اللّه جلّ و عزّ من هذه على أهلها» (2) ففي ذلك غير جواب منها أنّ المعنى لقد أنزلت عليّ آية هي أحبّ إليّ من الدنيا و ما فيها لو كانت لي فأنفقتها في سبيل اللّه جلّ و عزّ. و قيل: خوطبوا بما يعرفون «فتحا» مصدر «مبينا» من نعته.

لِيَغْفِرَ لَكَ اَللََّهُ لام كي، و المعنى لأن. قال مجاهد مََا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ قبل النّبوة. وَ مََا تَأَخَّرَ بعد النبوة، و قال الشعبي مثله إلاّ أنه قال: إلى أن مات. وَ يُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ

____________

(1) أخرجه مسلم في صحيحه، الجهاد ب 34 رقم 97، و القرطبي في تفسيره 16/259.

(2) أخرجه الترمذي في سننه-الزهد 9/198، و ابن ماجة في سننه رقم الحديث (4110) .

130

عطف قيل: يتم نعمته عليه في الدنيا بالنصر و في الآخرة بالثواب وَ يَهْدِيَكَ صِرََاطاً مُسْتَقِيماً قيل: طريق الجنة. قال محمد بن يزيد: الصراط المنهاج الواضح. قال أبو جعفر: التقدير: إلى صراط ثم حذفت إلى.

وَ يَنْصُرَكَ اَللََّهُ عطف. نَصْراً عَزِيزاً مصدر «عزيزا» من نعته.

هُوَ اَلَّذِي أَنْزَلَ اَلسَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ اَلْمُؤْمِنِينَ روى ابن أبي طلحة عن ابن عباس قال:

السكينة الرحمة، قال محمد بن يزيد: السكينة فعيلة من السكون، و من السكينة الحلم و الوقار و ترك ما لا يعني. و روى مالك بن أنس عن الزهري عن علي بن الحسين و بعضهم يقول عن الحسين رضي اللّه عنه عن النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم قال: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» (1) ، و من الرحمة الحديث أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم قبّل الحسن بن علي رضي اللّه عنهما فقال له الأقرع بن حابس: إنّ لي لعشرة أولاد ما قبّلت واحدا منهم قطّ فقال النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم «من لا يرحم لا يرحم» (2) . و في بعض الحديث «أ رأيت إن كان اللّه سبحانه قلع الرحمة من قلبك فما ذنبي» (3) . و في ابن أبي طلحة عن ابن عباس لِيَزْدََادُوا إِيمََاناً مَعَ إِيمََانِهِمْ قال: بعث النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم بشهادة أن لا إله إلا اللّه ثم زاد الصلاة ثمّ زاد الصيام ثم أكمل لهم دينهم.

لِيُدْخِلَ اَلْمُؤْمِنِينَ وَ اَلْمُؤْمِنََاتِ جَنََّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا اَلْأَنْهََارُ مفعولان خََالِدِينَ على الحال وَ يُكَفِّرَ عطف، }كذا وَ يُعَذِّبَ اَلْمُنََافِقِينَ وَ اَلْمُنََافِقََاتِ وَ اَلْمُشْرِكِينَ وَ اَلْمُشْرِكََاتِ اَلظََّانِّينَ نعت.

و قرأ مجاهد و أبو عمرو دائرة السوء (4) بضم السين، و فتح السين، و إن كانت القراءة به أكثر فإنّ ضمّها فيما زعم الفراء في هذا أكثر. و السّوء اسم الفعل، و السّوء الشي‏ء بعينه.

____________

(1) أخرجه مالك في الموطّأ-الحديث (3) ، و الترمذي في سننه-الزهد 9/196.

(2) أخرجه الحاكم في المستدرك 3/170.

(3) أخرجه الحاكم في المستدرك 3/170.

(4) انظر تيسير الداني 163، و معاني الفراء 3/65.

131

حال مقدّرة.

قرأ ابن كثير و أبو عمرو ليؤمنوا (1) مردودة على‏ هُوَ اَلَّذِي أَنْزَلَ اَلسَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ اَلْمُؤْمِنِينَ ليؤمنوا. و القراءة بالتاء على معنى قل لهم، و قيل إنّ المخاطبة للنبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم مخاطبة لأمته، وَ تُعَزِّرُوهُ على التكثير، و يقال عزره يعزره. قال الحسن و الضحاك:

«و تعزّروه» أي تنصروه و تعظّموه. وَ تُسَبِّحُوهُ أي تسبّحوا اللّه عزّ و جلّ. و قال قتادة:

«تعزّروه» تعظّموه وَ تُوَقِّرُوهُ تسوّدوه و تشرّفوه، و تأوّله محمد بن يزيد على أنه للمبالغة قال: و منه عزّر السلطان الإنسان أي بالغ في أدبه فيما دون الحدّ. قال أبو جعفر:

و رأيت علي بن سليمان يتأوّله بمعنى المنع، قال: فعزّرت الرجل الجليل منعت منه و نصرته، و عزّرت الرجل ضربته دون الحدّ. و اشتقاقه منعته من أن يعود إلى ما ضربته من أجله.

إِنَّ اَلَّذِينَ يُبََايِعُونَكَ اسم «إنّ» و يجوز أن يكون الخبر إِنَّمََا يُبََايِعُونَ اَللََّهَ و يجوز أن يكون الخبر يَدُ اَللََّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ و قرأ ابن أبي إسحاق وَ مَنْ أَوْفى‏ََ بِمََا عََاهَدَ عَلَيْهُ اَللََّهَ (2) جاء به على الأصل و يجوز فسنؤتيه أجرا عظيما كالأول، فسنؤتيه بإثبات الواو في الإدراج، و يجوز فسنؤتيهي بإثبات الياء في الإدراج تبدل من الواو ياء. حكى هذا كلّه سيبويه و غيره.

سَيَقُولُ لَكَ اَلْمُخَلَّفُونَ مِنَ اَلْأَعْرََابِ و يجوز إدغام اللام و إن كان فيه جمع بين ساكنين لأن الأول منهما حرف مدّ و لين، و لا يجوز الإدغام في فَاسْتَغْفِرْ لَنََا عند الخليل و سيبويه؛ لأن في الراء تكريرا فإن أدغمتها في اللام ذهب التكرير. يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ جمع على أنّ اللسان مذكّر و من أنّثه قال: ألسن. قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اَللََّهِ شَيْئاً إِنْ أَرََادَ بِكُمْ ضَرًّا هذه قراءة أكثر القراء، و قرأ يحيى بن وثاب و الأعمش و حمزة و الكسائي

____________

(1) انظر تيسير الداني 163، و كتاب السبعة لابن مجاهد 603.

(2) انظر كتاب السبعة لابن مجاهد 603.

132

ضرا (1) ففرّق بينهما جماعة من أصحاب الغريب منهم أبو عبيد فقال: الضّرّ: ضدّ النفع و الضرّ: البؤس كما قال: أَنِّي مَسَّنِيَ اَلضُّرُّ [الأنبياء: 83]فعلى هذا يجب أن يكون الضرّ هنا أولى و لكن حكى النحويّون أنّ ضرّه ضرّا و ضرّا جائز مثل شرب شربا و شربا.

وَ كُنْتُمْ قَوْماً بُوراً يقال: إنّ البور في لغة أزد عمان الفاسد، و حكى الفراء: أن البور في كلام العرب لا شي‏ء، و أنه يقال: أصبحت أعمالهم بورا أي لا شي‏ء.

سَيَقُولُ اَلْمُخَلَّفُونَ إِذَا اِنْطَلَقْتُمْ إِلى‏ََ مَغََانِمَ لِتَأْخُذُوهََا ذَرُونََا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلاََمَ اَللََّهِ و قرأ يحيى بن وثاب و الأعمش و حمزة و الكسائي كلم الله (2) جمع كلمة، و قول سيبويه «هذا باب علم ما الكلم من العربيّة» يريد به جمع كلمة يريد ثلاثة أنحاء من الكلام اسما و فعلا و حرفا. و الكلام اسم للجنس، و قد أجاز بعض النحويين أن يكون الكلام بمعنى التكليم، و أجاز: سمعت كلام زيد عمرا. قال أبو جعفر: و حقيقة الفرق بين الكلام و التكليم أن الكلام قد يسمع بغير متكلّم به، و التكليم لا يسمع إلاّ من متكلّم به. قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونََا كَذََلِكُمْ قََالَ اَللََّهُ مِنْ قَبْلُ و هو قوله جلّ و عزّ: وَ لَنْ تُقََاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا [التوبة: 83]ثم قال جلّ ثناؤه بعد هذا قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ اَلْأَعْرََابِ سَتُدْعَوْنَ إِلى‏ََ قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ يقال: كيف تدعون إلى القتال، و قد قال‏ وَ لَنْ تُقََاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا و ردّ عليهم قولهم ذَرُونََا نَتَّبِعْكُمْ ؟فالجواب عن هذا أنه إنما قال: لَنْ تُقََاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا و هؤلاء لم يدعوا في وقت النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم يدلك على ذلك أنّ بعده. وَ إِنْ تَتَوَلَّوْا كَمََا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ و يعضد هذا الجواب جماعة الحجّة أن أبا بكر و عمر رحمهما اللّه هما اللذان دعيا الأعراب إلى القتال، كما قال ابن عباس في قوله جلّ و عزّ: سَتُدْعَوْنَ إِلى‏ََ قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ قال: إلى بني حنيفة أصحاب مسيلمة، قال: و يقال إلى فارس

____________

(1) انظر تيسير الداني 163، و كتاب السبعة لابن مجاهد 604.

(2) انظر تيسير الداني 163.

133

و الروم. قال مجاهد و عطية العوفي: إِلى‏ََ قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ قال: فارس. قال أبو جعفر: فكانت في هذه الآية دلالة على إمامة أبي بكر و عمر و فضلهما رضي اللّه عنهما و أنهما أخذا الإمامة باستحقاق لقول اللّه جلّ و عزّ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اَللََّهُ أَجْراً حَسَناً و لا يجوز أن يعطى اللّه جلّ و عزّ أجرا حسنا إلاّ لمن قاتل على حقّ مع إمام عادل. قال الكسائي: تُقََاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ على النسق. و قال أبو إسحاق: «أو يسلمون» مستأنف، و المعنى أو هم يسلمون. قال الكسائي: و في قراءة أبيّ بن كعب أو يسلموا (1) بمعنى حتّى يسلموا، و البصريون يقولون: بمعنى إلى أن كما قال: [الطويل‏] 428-

أو نموت فنعذرا

(2)

لَيْسَ عَلَى اَلْأَعْمى‏ََ حَرَجٌ وَ لاََ عَلَى اَلْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَ لاََ عَلَى اَلْمَرِيضِ حَرَجٌ أصل الحرج في اللغة الضيق. و عن ابن عباس: أن هذا في الجهاد، و أنه كان في وقعة الحديبية فيمن تخلّف عنها.

لَقَدْ رَضِيَ اَللََّهُ عَنِ اَلْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبََايِعُونَكَ تَحْتَ اَلشَّجَرَةِ قال جابر كنا ألفا و أربع مائة بايعنا على أن لا نفرّ. وَ أَثََابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً أكثر أهل التفسير على أنه خيبر كانت لأهل الحديبية، و قيل: هو فتح الحديبية. قال الزهري: و كان فتحا عظيما.

فَعَجَّلَ لَكُمْ هََذِهِ فأهل التفسير على أنها خيبر وَ كَفَّ أَيْدِيَ اَلنََّاسِ عَنْكُمْ عن ابن عباس و الحسن قال: هو عيينة بن حصن الفزاري و قومه و عوف بن مالك النضري و من معه جاءوا لينصروا أهل خيبر، و رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم محاصر لهم فألقى في قلوبهم الرعب قال جلّ و عزّ: وَ لِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ و قيل: المعنى: و لتكون المغانم آية أي دلالة على صدق النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم و إخباره بالغيب.

____________

(1) انظر مختصر ابن خالويه 142، و البحر المحيط 8/94.

(2) مرّ الشاهد رقم 148.

134

وَ أُخْرى‏ََ في موضع نصب أي وعدكم أخرى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهََا قَدْ أَحََاطَ اَللََّهُ بِهََا أي علم أنها ستكون.

وَ لَوْ قََاتَلَكُمُ اَلَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا اَلْأَدْبََارَ عن ابن عباس و الحسن أيضا أنه في عيينة و عوف.

سُنَّةَ اَللََّهِ مصدر لأن معنى لَوَلَّوُا اَلْأَدْبََارَ سنّ اللّه عزّ و جلّ ذلك. قال أبو إسحاق: و يجوز «سنّة اللّه» بالرفع أي تلك سنة اللّه.

وَ هُوَ اَلَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ رويت فيه روايات فمن أحسنها أنه في يوم فتح مكّة كفّ اللّه جلّ و عزّ أيدي الكفار بالرعب الذي ألقاه في قلوبهم و كفّ أيدي المؤمنين بأنه لم يأمرهم بقتالهم يدلّ على هذا قوله عزّ و جلّ: بِبَطْنِ مَكَّةَ و لم تنصرف مكة؛ لأنها معرفة اسم للمؤنث ثم بيّن جلّ و عزّ أنه لم يترك أمرهم بقتالهم لأنهم مؤمنون و أخبر أنّهم كفار} فقال: هُمُ اَلَّذِينَ كَفَرُوا وَ صَدُّوكُمْ عَنِ اَلْمَسْجِدِ اَلْحَرََامِ وَ اَلْهَدْيَ معطوف على الكاف و الميم و صدّوا الهدي مَعْكُوفاً على الحال. أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ «أن» في موضع نصب أي عن أن يبلغ محلّه ثم بيّن جلّ و عزّ لم لم يأمرهم بقتالهم فقال: وَ لَوْ لاََ رِجََالٌ مُؤْمِنُونَ وَ نِسََاءٌ مُؤْمِنََاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَؤُهُمْ «أن» في موضع رفع بدل و المعنى و لو لا أن تطئوهم أي تقتلوهم بالوطء، و قيل: لأذن لكم في دخول مكة و لكنه حال بينكم و بين ذلك لِيُدْخِلَ اَللََّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشََاءُ من أهل مكة بالوطء، و قيل: المعنى أنّ اللّه سبحانه علم أنّ هؤلاء الكفّار من يسلم و من يولد له من يسلم فلم يأمر بقتلهم و يقال: إنّ على هذا نهى اللّه جلّ و عزّ عن قتل أهل الكتاب إذا أدّوا الجزية قال اللّه جلّ و عزّ: لِيُدْخِلَ اَللََّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشََاءُ . فأما معنى فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ فقيل لئلا يقتل المسلمون خطأ فتؤخذ الديات و قيل: معرّة أي عيب فيقال: لم يتقوا إذ قتلوا أهل دينهم قال اللّه سبحانه: لَوْ تَزَيَّلُوا

135

لَعَذَّبْنَا اَلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذََاباً أَلِيماً أي لو انمازوا لأمرناكم أن تعذبوهم بالقتل.

إِذْ جَعَلَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ اَلْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ اَلْجََاهِلِيَّةِ روي عن ابن عباس قال: هم المشركون صدّوا عن المسجد الحرام و منعوا الهدي أن يبلغ محلّه فأما حقيقة الحميّة في اللغة فهي الأنفة و الإنكار فإن كانت لما يجب فهي حسنة و يقال فاعلها حامي الذمار، كما قال: [الكامل‏] 429-

حامي الذّمار على محافظة # الجليّ أمين مغيّب الصّدر

(1)

و إن كانت لما لا يجب فهي ضلال و غلوّ كما قال جلّ و عزّ: حَمِيَّةَ اَلْجََاهِلِيَّةِ فأما وَ أَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ اَلتَّقْوى‏ََ فللعلماء فيه قولان: روى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس وَ أَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ اَلتَّقْوى‏ََ «لا إله إلاّ اللّه» و هي رأس كلّ تقوى و كذلك يروى عن علي و ابن عمر و أبي هريرة و سلمة بن الأكوع رحمهم اللّه قالوا: كلمة التقوى «لا إله إلا اللّه» و روى محمد بن إسحاق عن الزهري عن المسور و مروان وَ أَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ اَلتَّقْوى‏ََ قال: يعني بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ قال الزهري: لمّا كتب الكتاب بالمقاضاة و أملاه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم (بسم اللّه الرحمن الرحيم) أنكروا ذلك، و قالوا: ما نعرف إلا «باسمك اللّهمّ» فأمر النّبي صلّى اللّه عليه و سلّم أن يكتب كما قالوا. و هذان القولان ليسا بمتناقضين، لأن اللّه جلّ و عزّ قد ألزم المؤمنين التوحيد و بسم اللّه الرحمن الرّحيم. و قد كانوا أنكروا في هذا الكتاب «من محمد رسول اللّه» و قالوا من محمد عبد اللّه. وَ كََانُوا أَحَقَّ بِهََا خبر كان أي أحقّ بها من غيرهم لأنهم أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم الذين اختارهم اللّه جلّ و عزّ له.

لَقَدْ صَدَقَ اَللََّهُ رَسُولَهُ اَلرُّؤْيََا بِالْحَقِّ ثم بيّن الرؤيا بقوله عزّ و جلّ: لَتَدْخُلُنَّ اَلْمَسْجِدَ اَلْحَرََامَ إِنْ شََاءَ اَللََّهُ آمِنِينَ و تكلّم العلماء في معنى «إن شاء اللّه» هنا لأن الاستثناء لا يكون في البشارة فيكون فيه فائدة إنما الاستثناء من المخلوقين؛ لأنهم لا يعرفون عواقب الأمور فقيل الاستثناء من امنين.

و قيل: إنما حكي ما كان من الرؤيا و قيل خوطب الناس بما يعرفون و من حسن ما فيه

____________

(1) الشاهد لزهير بن أبي سلمى في ديوانه 90.

136

أن يكون الاستثناء لمن قتل منهم أو مات، و قد زعم بعض أهل اللغة أنّ المعنى لتدخلنّ المسجد الحرام إن شاء اللّه. و زعم أنه مثل قوله: وَ ذَرُوا مََا بَقِيَ مِنَ اَلرِّبََا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [البقرة: 278]و أنّ مثله: و إنّا إن شاء اللّه بكم لاحقون. و هذا قول لا يعرّج عليه، و لا يعرف أحد من النحويين «إن» بمعنى «إذ» و إنّما تلك «أن» فغلط و بينهما فصل في اللغة و الأحكام عند الفقهاء و النحويين مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَ مُقَصِّرِينَ نصب على الحال، و هي حال مقدرة. و زعم الفراء (1) أنه يجوز «محلّقون رؤوسكم و مقصّرون» بمعنى بعضكم كذا و بعضكم كذا و أنشد: [البسيط] 430-

و غودر البقل ملويّ و محصود

(2)

هُوَ اَلَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى‏ََ وَ دِينِ اَلْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى اَلدِّينِ كُلِّهِ قيل: بالحجج و البراهين، و قيل: لا بد أن يكون هذا، و قيل: و قد كان لأن النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم بعث و الأديان أربعة فقهرت كلّها في وقته، و في خلافة أبي بكر و عمر رضي اللّه عنهما. و في علي بن أبي طلحة عن ابن عباس أن المعنى ليظهره على أمر الدّين كلّه أي ليبينه له.

قال أبو جعفر: هذا من أحسن ما قيل في الآية لأنه لا معارضة فيه.

مُحَمَّدٌ رَسُولُ اَللََّهِ مبتدأ و خبره وَ اَلَّذِينَ مَعَهُ أَشِدََّاءُ عَلَى اَلْكُفََّارِ مثله. و روى قرّة عن الحسن أنه قرأ وَ اَلَّذِينَ مَعَهُ أَشِدََّاءُ عَلَى اَلْكُفََّارِ رُحَمََاءُ بَيْنَهُمْ (3) بالنصب على الحال و خبر «الذين» «تراهم» ، و يجوز أن يكون الذين في موضع نصب بإضمار فعل يفسّره تراهم. رُكَّعاً سُجَّداً على الحال. سِيمََاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ اَلسُّجُودِ أي علامتهم.

و أصحّ ما قيل فيه أنّهم يوم القيامة يعرفون بالنور الّذي في وجوههم. و في الحديث «تأتي أمتي غرّا محجّلين» (4) ذََلِكَ مَثَلُهُمْ مبتدأ و خبره فِي اَلتَّوْرََاةِ تمام الكلام على

____________

(1) انظر معاني الفراء 3/68.

(2) مرّ الشاهد رقم (384) .

(3) انظر البحر المحيط 8/100، و مختصر ابن خالويه 142.

(4) أخرجه مالك في الموطأ باب-الحديث 28، و ابن ماجة في سننه-الطهارة باب 6 الحديث (283) .

137

قول الضّحاك و قتادة، و يكون مَثَلُهُمْ فِي اَلْإِنْجِيلِ مبتدأ، و خبره كَزَرْعٍ ، و على قول مجاهد التمام وَ مَثَلُهُمْ فِي اَلْإِنْجِيلِ تعطف مثلا على مثل ثم تبتدئ «كزرع» أي هم كزرع. أَخْرَجَ شَطْأَهُ عن ابن عباس قال: السنبلة بعد أن كانت وحدها تخرج معها سبع سنابل و أكثر و روى حميد عن أنس أَخْرَجَ شَطْأَهُ (1) قال: نباته و فراخه. قال أبو جعفر: إن خفّفت الهمزة قلت شطه فألقيت حركتها على الطاء و حذفتها فَآزَرَهُ (2) قال أهل اللغة: أي لحق بالأمهات. و أصل أزره قوّاه فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوى‏ََ عَلى‏ََ سُوقِهِ جمع ساق على فعول حذف منه يُعْجِبُ اَلزُّرََّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ اَلْكُفََّارَ قيل: الكفار هاهنا الزراع؛ لأنهم يغطون الزّرع، و قيل: هم الذين كفروا بمحمد صلّى اللّه عليه و سلّم. و هذا أولى؛ لأنه لا يجوز يعجب الزراع ليغيظ بهم الزراع. وَعَدَ اَللََّهُ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصََّالِحََاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَ أَجْراً عَظِيماً تكون «منهم» لبيان الجنس أولى؛ لأنها إذا جعلت للتبعيض كان معنى آمنوا ثبتوا، و ذلك مجاز و لا يحمل الشي‏ء على المجاز و معناه صحيح على الحقيقة.

____________

(1) انظر تيسير الداني 164، و البحر المحيط 8/101.

(2) انظر تيسير الداني 164.

138

49 شرح إعراب سورة الحجرات‏

بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ

يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا يََا حرف ينادى به، و أي مضمومة؛ لأنها نداء مفرد، و ها للتنبيه، اَلَّذِينَ في موضع رفع نعت لأيّ. و من العرب من يقول: اللّذون آمَنُوا صلة «الذين» . لاََ تُقَدِّمُوا جزم بالنهي، و بعض النحويين يقول: جزم بلا لشبهها بلم، و بعضهم يقول: لقوتها في قلب الفعل إلى المستقبل لا غيره.

و روي في نزول هذه الآية أقوال فمن أصحّها سندا و أبينهما ما حدّثناه علي بن الحسين عن الحسن بن محمد قال: حدّثنا حجّاج عن ابن جريج قال: أخبرني ابن أبي مليكة أن عبد اللّه بن الزبير أخبرهم: أنه قدم ركب من بني تميم على النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم فقال أبو بكر رضي اللّه عنه: أمّر القعقاع بن معبد، و قال عمر رضي اللّه عنه بل أمّر الأقرع بن حابس، فقال أبو بكر: ما أردت إليّ أو إلى خلافي؟ فقال: ما أردت خلافك، فتماريا حتّى ارتفعت أصواتهما فنزل في ذلك: يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لاََ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اَللََّهِ وَ رَسُولِهِ وَ اِتَّقُوا اَللََّهَ إِنَّ اَللََّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (1) .

قال الحسن: و حدّثنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا سفيان بن حسين عن الحسن يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لاََ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اَللََّهِ وَ رَسُولِهِ قال: لا تذبحوا قبل الإمام. و روى الضحاك عن ابن عباس لاََ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اَللََّهِ وَ رَسُولِهِ قال: هذا في القتال و الشرائع لا تقضوا حتّى يأمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم. قال أبو جعفر: و هذه الأقوال ليست بمتناقضة بل بعضها يشدّ بعضا، لأن هذه الأشياء إذا كانت و نزلت الآية تأولها القوم على ظاهرها في كراهة تقديم القول بين يدي الرسول صلّى اللّه عليه و سلّم من قبل أن يتشاوروا، و تأولها قوم على منع الذبح قبل الإمام، و دلّ على هذا أنّ فعل الطاعات قبل وقتها لا يجوز تقديم الصلاة و لا الزكاة. و قراءة ابن عباس‏

139

و الضحاك لاََ تُقَدِّمُوا (1) و زعم الفراء (2) أن المعنى فيهما واحد. قال أبو جعفر: و إن كان المعنى واحدا على التساهل فثمّ فرق بينهما من اللغة قدّمت يتعدّى فتقديره لا تقدّموا القول و الفعل بين يدي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم، و تقدّموا ليس كذا، لأن تقديره لا تقدموا بالقول و الفعل.

يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لاََ تَرْفَعُوا أَصْوََاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ اَلنَّبِيِّ قال إبراهيم التيمي: فقال أبو بكر الصديق رضي اللّه عنه: يا رسول اللّه لا أكلمك إلا أخا السّرار. قال ابن أبي مليكة قال عبد اللّه بن الزبير: فكان عمر بعد نزول هذه الآية لا يسمّع النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم كلامه حتّى يستفهمه. و قال أنس: تأخّر ثابت بن قيس في منزله، و قال: أخاف أن أكون من أهل النار حتّى أرسل إليه النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم: «لست من أهل النار» (3) و عمل جماعة من العلماء على أن كرهوا رفع الصوت عند قبر النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم و بحضرة العلماء و في المساجد، و قالوا: هذا أدب اللّه جلّ و عزّ و رسوله عليه السلام، و احتجّوا في ذلك بحديث البراء و غيره، كما قرئ على بكر بن سهل عن عبد اللّه بن يوسف قال: أخبرنا أبو معاوية عن الأعمش عن المنهال عن زاذان أبي عمرو عن البرآء قال: خرجنا مع النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم في جنازة رجل من الأنصار فانتهينا إلى القبر و لم يلحد فجلس النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم و جلسنا حوله كأنّ رؤوسنا الطير، و النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم مكبّ في الأرض فرفع رأسه و قال: «استعيذوا باللّه من عذاب القبر» (4) مرّتين أو ثلاثا، و ذكر الحديث. فكان فيما ذكرناه فوائد: منها خروج النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم فدلّ هذا على أنه لا ينبغي لإمام و لا لأمير و لا قاض أن يتأخر عن الحقوق من أجل ما هو فيه، و فيه مجلس النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم و جلسنا حوله كأنّ على رؤوسنا الطير، أي ساكنين إجلالا له فدلّ هذا على أنه كذا ينبغي لمن جالس عالما أو واليا يجب أن يجلّ، كما روى عبادة بن الصامت عن النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم أنه قال: «ليس منّا من لم يجلّ كبيرنا و يرحم صغيرنا و يعرف لعالمنا» (5) . وَ لاََ تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ الكاف في وضع

____________

(1) انظر البحر المحيط 8/105، و المحتسب 2/278.

(2) انظر معاني الفراء 3/69.

(3) انظر البحر المحيط 8/106.

(4) أخرجه أحمد في مسنده 4/287 و 6/362، و أبو داود في سننه (4753) ، و الترمذي في سننه (3604) ، و ذكره التبريزي في مشكاة المصابيح (1630) ، و الهيثمي في مجمع الزوائد 3/49، و الزبيدي في إتحاف السادة المتقين 10/400، و أبو نعيم الحلية 8/118.

(5) ذكره الحاكم في المستدرك 1/122، و الطبراني في المعجم الكبير 8/196، و الهيثمي في مجمع الزوائد 8/14، و المتقي الهندي في كنز العمال (5980) ، و الزبيدي في إتحاف السادة المتقين 6/259، و الطحاوي في مشكل الآثار 2/133.

140

نصب أي جهرا كجهر بعضكم لبعض. أَنْ تَحْبَطَ أَعْمََالُكُمْ «أن» في موضع نصب فقال بعض أهل اللغة: أي لئلا تحبط أعمالكم، و هذا قول ضعيف إذا تدبّر علم أنه خطأ، و القول ما قاله أبو إسحاق هو غامض في العربية قال: المعنى لأن تحبط و هو عنده مثل: فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَ حَزَناً [القصص: 8]. وَ أَنْتُمْ لاََ تَشْعُرُونَ قيل: أي لا تشعرون أنّ أعمالكم قد حبطت.

إِنَّ اَلَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوََاتَهُمْ اسم إنّ، و يجوز أن يكون الخبر أُولََئِكَ اَلَّذِينَ اِمْتَحَنَ اَللََّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى‏ََ و يكون «أولئك» مبتدأ، و «الذين» خبره، و يجوز أن يكون اَلَّذِينَ اِمْتَحَنَ اَللََّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى‏ََ خبر إنّ و «أولئك» نعتا للذين، و يجوز أن يكون خبر إنّ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَ أَجْرٌ عَظِيمٌ .

إِنَّ اَلَّذِينَ يُنََادُونَكَ مِنْ وَرََاءِ اَلْحُجُرََاتِ اسم «إنّ» و الخبر أَكْثَرُهُمْ لاََ يَعْقِلُونَ و يجوز أن تنصب أكثرهم على البدل من الذين و قرأ يزيد بن القعقاع اَلْحُجُرََاتِ بفتح الجيم. و قد ردّه أبو عبيد على أنه جمع الجمع على التكثير. جمع حجرة على حجر ثمّ جمع حجرا على حجرات. قال أبو جعفر: و هذا خلاف قول الخليل و سيبويه، و مذهبهما أنه يقال: حجرة و حجرات و غرفة و غرفات فتزاد منها فتحة فيقال: حجرات و ركبات و تحذف فيقال: حجرات و ركبات، كما يقال: عضد عضد. و روى الضحاك عن ابن عباس: إنّ الّذين ينادونك من وراء الحجرات إعراب من بني تميم منهم عيينة ابن حصن صاحوا ألا تخرج إلينا يا محمد، اخرج إلينا يا محمد. أَكْثَرُهُمْ لاََ يَعْقِلُونَ ما في هذا من القبح.

وَ لَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا أي عند النداء حَتََّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكََانَ خَيْراً أي لكان الصبر خيرا لهم، و دلّ صبروا على المضمر. وَ اَللََّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ غفر لهم و رحمهم لأنهم لم يقصدوا بهذا استخفافا، و إنما كان منهم سوء أدب.

141

يقرأ فتثبّتوا و هما قراءتان‏ (1) معروفتان إلاّ أن «فتبيّنوا» أبلغ؛ لأن الإنسان قد يثبّت و لا يتبيّن. أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهََالَةٍ فَتُصْبِحُوا عطفا على تصيبوا.

العلماء من أهل السنّة يقولون: معنى حَبَّبَ إِلَيْكُمُ اَلْإِيمََانَ وفّقكم له، و فعل أفاعيل تحبّون معها الإيمان و تستحسنونه فلما أحبّوه و استحسنوه نسب الفعل إليه، و كذا فعل أفاعيل كرهوا معها الكفر و الفسق و العصيان. فأما أن يكون معنى «حبّب» أمركم أن تحبّوه فخطأ من كل جهة منها أنه إنما يقال: حبّب فلان إليك نفسه أي أنه فعل أفعالا أحببته من أجلها، و منها أنه قول مبتدع مخالف صاحبه لنصّ القرآن قال جلّ و عزّ:

وَ مََا تَوْفِيقِي إِلاََّ بِاللََّهِ [هود: 88]و منه قوله: اِهْدِنَا [الفاتحة: 6]من هذا بعينه، و منها أنّ نص الآية يدلّ على خلاف ما قال جلّ و عزّ: أُولََئِكَ هُمُ اَلرََّاشِدُونَ فلا اختلاف في هذا أنه يرجع إلى الذين حبّب إليهم الإيمان و زيّنه في قلوبهم و كرّه إليهم الكفر و الفسوق و العصيان. فلو كان معنى حبّب أمرهم أن يحبوه كان الكفار و أهل المعاصي داخلين في هذا. و هذا خارج من الملّة و «الراشدون» الذين رشدوا للإيمان و تركوا المعاصي‏} ثم بيّن جلّ و عزّ أنّ ذلك فضل منه و نعمة فقال جلّ و عزّ: فَضْلاً مِنَ اَللََّهِ وَ نِعْمَةً قال أبو إسحاق: «فضلا» مفعول من أجله أي للفضل. وَ اَللََّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ أي عليم بمصالح عباده و منافعهم، حكيم في أفعاله.

طََائِفَتََانِ مرفوعتان بإضمار فعل أي و إن اقتتلت طائفتان، و يجوز أن يكون المضمر كان و لا بدّ من إضمار لأن «إن» لا يليها إلا الفعل؛ لأنها للشرط، و جوابه فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمََا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدََاهُمََا عَلَى اَلْأُخْرى‏ََ شرط أيضا، و الجواب فَقََاتِلُوا اَلَّتِي تَبْغِي حَتََّى تَفِي‏ءَ إِلى‏ََ أَمْرِ اَللََّهِ أي ترجع فإن قلت: تفي بغير همز فمعناه تكثر. وَ أَقْسِطُوا إِنَّ اَللََّهَ يُحِبُّ اَلْمُقْسِطِينَ

____________

(1) انظر تيسير الداني ص 80.

142

قال محمد بن يزيد: قسط إذا جار و أقسط إذا عدل، مأخوذ منه أي أزال القسوط و في الحديث عن النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم: «كثيرا المقسطون الذين يعدلون في حكمهم و ما ولّوا على منابر من نور على يمين الرحمن جلّ و عزّ» (1) .

إِنَّمَا اَلْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ مبتدأ و خبره لمّا اتّفقوا في الدّين رجعوا إلى أصلهم؛ لأنهم جميعا من بني آدم. و قراءة عبد الرحمن بن أبي بكرة و ابن سيرين فأصلحوا بين إخوانكم (2) ، و قراءة يعقوب فأصلحوا بين إخوتكم (3) و أخ و إخوة لأقلّ العدد و إخوان للكثير و بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ (4) بين كلّ مسلمين اقتتلا فقد صار عامّا.

يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لاََ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ جزم بالنهي. و روى الضّحاك عن ابن عباس أن بعضهم كان يقول لبعض: أنّك لغير رشيد، و ما أشبه ذلك، يستهزئ به فنزل هذا، و هو من بني تميم وَ لاََ تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ نهي أيضا. قال عكرمة عن ابن عباس: أي لا يعب بعضكم بعضا. و سمعت علي بن سليمان يقول: اللّمز في اللغة أن يعيب بالحضرة، و الهمز في الغيبة. و قال أبو العباس محمد بن يزيد: اللّمز يكون باللسان و العين يعيبه و يحدّد إليه النظر و تشير إليه بالاستنقاص، و الهمز لا يكون إلاّ باللسان في الحضرة و الغيبة، و أكثر ما يكون في الغيبة، فهذا شرح بيّن، و قد أنشد أبو العباس لزياد الأعجم: [البسيط] 431-

إذا لقيتك تبدي لي مكاشرة # و إن تغيّبت كنت الهامز اللّمزه‏

(5)

قال محمد بن يزيد: و اللّمز كالغيبة قال: و النبز اللّقب الثابت: قال: و المنابزة الإشاعة و الإذاعة به. قال أبو جعفر: فأما اللّقب فقد جاء التوقيف فيه عمّن حضر التنزيل و عرف نزول الآية فيم نزلت، كما قرئ على أحمد بن شعيب عن حميد بن مسعدة قال: أخبرنا بشر عن داود عن الشعبي قال: قال أبو جبيرة فينا نزلت هذه الآية

____________

(1) أخرجه أحمد في مسنده 2/159، 160.

(2) انظر البحر المحيط 8/111.

(3) انظر البحر المحيط 8/111.

(4) انظر البحر المحيط 8/111.

(5) الشاهد لزياد الأعجم في ديوانه 78، و بهجة المجالس 1/404، و بلا نسبة في لسان العرب (همز) ، و جمهرة اللغة ص 727، و مقاييس اللغة 6/66، و مجمل اللغة 4/488، و ديوان الأدب 1/256، و أساس البلاغة (لمز) ، و إصلاح المنطق 428، و تاج العروس (همز) ، و كتاب العين 4/17.

143

في بني سلمة، قدم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم المدينة و للرجل منا اسمان و ثلاثة فكان يدعى باسم منها فيقال: يا رسول اللّه إنه يغضب منه فنزلت وَ لاََ تَنََابَزُوا بِالْأَلْقََابِ فأما حديث الضّحاك عن ابن عباس كان الرجل يقول للآخر: يا كافر يا فاسق، فنزلت: وَ لاََ تَنََابَزُوا بِالْأَلْقََابِ فإسناد الأول أصحّ منه، و لو صحّ هذا لم يكن ناقضا للأول، لأن المعنى في اللّقب على ما قال محمد بن يزيد و غيره: أنه كلّما كان ذائعا يغضب الإنسان منه و يكره قائله أن يلقى صاحبه به و يكرهه المقول له به فمحظور التنابز به. بِئْسَ اَلاِسْمُ اَلْفُسُوقُ رفع بالابتداء و التقدير الفسوق بعد أن امنتم بئس الاسم وَ مَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولََئِكَ هُمُ اَلظََّالِمُونَ قال الضّحاك عن ابن عباس: من لم يتب من هذا القول.

يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا اِجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ اَلظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ اَلظَّنِّ إِثْمٌ فسّر ابن عباس الإثم فيم هو؟قال: إن تقول بعد أن تظنّ، فإن أمسكت فلا إثم و البيّن في هذا أنّ الظنّ الذي هو إثم، و هو حرام على فاعله، أن يظنّ بالمسلم المستور شرا، و أما الظن المندوب إليه فأن تظنّ به خيرا و جميلا، كما قال جلّ و عزّ: لَوْ لاََ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ اَلْمُؤْمِنُونَ وَ اَلْمُؤْمِنََاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً [النور: 12]قال: وَ لاََ تَجَسَّسُوا أي لا تبحث عن عيب أخيك بعد أن ستره اللّه جلّ و عزّ عنه: وَ لاََ يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً بيّن اللّه جلّ و عزّ الغيبة على لسان نبيّه صلّى اللّه عليه و سلّم، كما قرئ على أحمد بن شعيب عن علي بن حجر قال: حدّثنا إسماعيل قال: حدّثنا العلاء عن أبيه عن أبي هريرة قال: «قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم: «أ تدرون ما الغيبة؟قالوا: اللّه جلّ و عزّ و رسوله أعلم قال: أن تذكر أخاك بما يكره، قيل: أ رأيت إن كان ذلك في أخي؟قال: إن كان فيه فقد اغتبته و إن لم يكن فيه فقد بهتّه» (1) فهذا حديث لا مطعن في سنده ثم جرت العلماء عليه، فقال محمد بن سيرين: إن علمت أن أخاك يكره أن تقول ما أشدّ سواد شعره، ثم قلته من ورائه فقد اغتبته. فقالت عائشة رضي اللّه عنها: قلت بحضرة النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم في امرأة ما أطول درعها فقال النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم: «قد اغتبتها فاستحلّي منها» (2) . و قال أبو نضرة عن جابر عن النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم قال: «الغيبة أشدّ من الزنا، لأن الرجل يزني فيتوب فيتوب اللّه عليه و الرجل يغتاب الرجل فيتوب فلا يتاب عليه حتّى يستحلّه» (3) . قال أبو جعفر: و في الغيبة ما لا يقع فيه

____________

(1) أخرجه مالك في الموطّأ باب 4 الحديث رقم (10) ، و الترمذي في سننه-البر و الصلة 8/120، و الدارمي في سننه 2/299، و أبو داود في سننه الحديث رقم (4874) .

(2) أخرجه أبو داود في سننه-الأدب-الحديث رقم (4875) .

(3) ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد 8/91، و الزبيدي في إتحاف السادة المتقين 7/533، و التبريزي في مشكاة المصابيح (4874) ، و السيوطي في الحاوي للفتاوى 1/172، و المنذري في الترغيب و الترهيب 3/511، و ابن أبي حاتم الرازي في علل الحديث (2474) .

144

استحلال، و هو أعظم، كما روي أن رجلا قال لمحمد بن سيرين: إنّي قد اغتبتك فحلّلني فقال: إنّي لا أحلّ ما حرّم اللّه تعالى. و روى عقيل عن ابن شهاب أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم قال: «كلّما كرهت أن تقوله لأخيك في وجهه ثم قلته من ورائه فقد اغتبته» (1) . أَ يُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً هذا الأصل ثم من خفّف قال: ميتا فَكَرِهْتُمُوهُ قال الكسائي: المعنى فكرهتموه فينبغي أن تكرهوا الغيبة. و قال محمد بن يزيد: أي فكرهتم أن تأكلوه فحمل على المعنى مثل: أَ لَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ‏`وَ وَضَعْنََا عَنْكَ وِزْرَكَ [الشرح: 1].

يََا أَيُّهَا اَلنََّاسُ إِنََّا خَلَقْنََاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَ أُنْثى‏ََ عامّ و الذي بعده خاص لأن الشعوب و القبائل في العرب خاصّة إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اَللََّهِ أَتْقََاكُمْ روى عبد الرحمن في العرب خاصة قيل:

يا رسول اللّه من خير الناس؟قال: «من طال عمره و حسن عمله» ؟ (2) و قالت درّة: سئل النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم: من خير الناس؟قال: «أمرهم بالمعروف و أنهاهم عن المنكر و أوصلهم للرّحم و أتقاهم» (3) قال ابن عباس: ترك الناس هذه الآية: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اَللََّهِ أَتْقََاكُمْ و قالوا: بالنسب. و قال أبو هريرة: ينادي مناد يوم القيامة إني جعلت نسبا و جعلهم نسبا. إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اَللََّهِ أَتْقََاكُمْ ليقم المتّقون فلا يقوم إلاّ من كان كذلك.

قََالَتِ اَلْأَعْرََابُ آمَنََّا قال محمد بن يزيد: هذا على تأنيث الجماعة أي قالت جماعة الأعراب قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَ لََكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنََا و الإسلام في اللغة الخضوع و التذلّل لأمر اللّه جلّ و عزّ و التسليم له و الإيمان و التصديق بكلّ ما جاء من عند اللّه جلّ و عزّ فإذا خضع لأمر اللّه سبحانه و تذلّل له فهو مصدّق، و إذا كان مصدّقا فهو مؤمن، و من كان على هذه الصفة فهو مسلم مؤمن إلاّ أن للإسلام موضعا أخر و هو الاستسلام خوف

____________

(1) أخرجه مالك في الموطأ باب 4-الحديث (10) .

(2) أخرجه الترمذي في سننه (2329) ، و أحمد في مسنده 4/188، و 5/40، و الدارمي في سننه 2/308، و البيهقي في السنن الكبرى 3/371.

(3) أخرجه القرطبي في تفسيره 4/47.

145

القتل وَ إِنْ تُطِيعُوا اَللََّهَ وَ رَسُولَهُ لاََ يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمََالِكُمْ شَيْئاً هذه قراءة أكثر الناس، و بها قامت الحجّة و قرأ أبو عمرو و الأعرج لا يألتكم (1) و هي مخالفة للسواد إلا أن من قرأ بها يحتجّ بإجماع الجميع على‏ وَ مََا أَلَتْنََاهُمْ [الطور: 21]و القول في هذا: إنّهما لغتان معروفتان مشهورتان، فإذا كان الأمر كذلك فاتباع السواد أولى.

قُلْ أَ تُعَلِّمُونَ اَللََّهَ بِدِينِكُمْ على التكثير من تعلمون.

يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا «أن» في موضع نصب بمعنى يمنون عليك إسلامهم، و يجوز أن يكون التقدير بأن ثم حذفت الباء. بَلِ اَللََّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدََاكُمْ أي بأن و لأن ثمّ حذف الحرف فتعدّى الفعل.

وَ اَللََّهُ بَصِيرٌ بِمََا تَعْمَلُونَ مبتدأ و خبر أي عالم به، و إذا علمه جازى عليه.

____________

(1) انظر تيسير الداني 164، و البحر المحيط 8/116.

146

50 شرح إعراب سورة ق‏

بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ

ق غير معربة لأنها حرف تهجّ. قال أبو جعفر: قد ذكرنا معناها. وَ اَلْقُرْآنِ خفض بواو القسم. اَلْمَجِيدِ من نعته. قال سعيد بن جبير: «المجيد» الكريم، فأما جواب القسم ففيه أربعة أجوبة: قال الأخفش سعيد: قَدْ عَلِمْنََا مََا تَنْقُصُ اَلْأَرْضُ مِنْهُمْ [ق: 4]و قال أبو إسحاق: الجواب محذوف أي و القرآن المجيد لتبعثنّ، و قيل:

بل المحذوف ما ذلّ عليه سياق الكلام لأنهم قالوا: إنّ هذا النبيّ عجيب تعجّبوا من أن يبعث إليهم رجل من بني أدم فوقع الوعيد على ذلك أي و القرآن المجيد لتعلمنّ عاقبة تكذيبكم يوم القيامة فقالوا: أَ إِذََا مِتْنََا . قال أبو جعفر: فهذان جوابان، و من قال:

معنى قضي الأمر و اللّه فليس يحتاج إلى جواب، لأن القسم متوسّط، كما تقول: قد كلّمتك و اللّه اليوم. و الجواب الرابع أن يكون «ق» اسما للجبل المحيط بالأرض. قال ذلك وهب بن منبّه. فيكون التقدير: هو قاف و اللّه، فقاف على هذا في موضع رفع.

قال أبو جعفر: و أصحّ الأجوبة أن يكون الجواب محذوفا للدلالة لأن إذا متنا جواب فلا بدّ من أن يكون «إذا» متعلّقة بفعل أي أ نبعث إذا، فأما أن يكون الجواب قد علمنا فخطأ؛ لأن «قد» ليست من جواب الأقسام، و قاف إذا كان اسما للجبل فالوجه فيها الإعراب.

بَلْ عَجِبُوا أَنْ جََاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ أي لم يكذّبوك لأنّهم لا يعرفونك بالصدق بل عجبوا أن جاءهم برسالة رب العالمين. فَقََالَ اَلْكََافِرُونَ هََذََا شَيْ‏ءٌ عَجِيبٌ .

أَ إِذََا مِتْنََا أي أ نبعث إذا متنا. وَ كُنََّا تُرََاباً ذََلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ و معنى بعيد عند الفراء لا يكون. و ذلك معروف في اللغة.

147

قَدْ عَلِمْنََا مََا تَنْقُصُ اَلْأَرْضُ مِنْهُمْ أي من لحومهم و أبدانهم وَ عِنْدَنََا كِتََابٌ حَفِيظٌ بمعنى حافظ لأنه لا يندرس و لا يتغير.

بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمََّا جََاءَهُمْ أي لم يكذّبوك لشي‏ء ظهر عندهم. فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ روي عن ابن عباس: «مريج» منكر. و عنه: مريج في ضلالة، و عنه: مريج مختلف، و قال مجاهد و قتادة: مريج ملتبس، و قال الضّحاك و ابن زيد: مريج مختلط. قال أبو جعفر: و هذه الأقوال، و إن كانت ألفاظها مختلفة فمعانيها متقاربة؛ لأن الأمر إذا كان مختلفا فهو ملتبس منكر في ضلالة؛ لأن الحقّ بيّن واضح.

أي أ فلم ينظر هؤلاء المشركون الذين أنكروا البعث و جحدوا قدرتنا على إحيائهم بعد البلى إلى قدرتنا على خلق السماء حتّى جعلناها سقفا محفوظا. وَ زَيَّنََّاهََا أي بالكواكب. وَ مََا لَهََا مِنْ فُرُوجٍ يكون جمعا و يكون واحدا أي من فتوق و شقوق.

وَ اَلْأَرْضَ مَدَدْنََاهََا أي بسطناها و نصبت الأرض بإضمار فعل أي و بسطنا الأرض، و الرفع جائز إلاّ أن النصب أحسن لتعطف الفعل على الفعل. وَ أَلْقَيْنََا فِيهََا رَوََاسِيَ أي جبالا رست في الأرض أي ثبتت. وَ أَنْبَتْنََا فِيهََا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ أي نوع. قال ابن عباس:

بَهِيجٍ حسن.

تَبْصِرَةً مصدرا، و مفعول له أي فعلنا ذلك لنبصّركم قدرة اللّه سبحانه وَ ذِكْرى‏ََ أي و لتذكروا عظمة اللّه و سلطانه فيعلموا أنه قادر على أن يحيي الموتى و يفعل ما يريد.

لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ أي راجع إلى الإيمان و طاعة اللّه جلّ و عزّ.

وَ نَزَّلْنََا مِنَ اَلسَّمََاءِ مََاءً مُبََارَكاً و هو المطر. فَأَنْبَتْنََا بِهِ جَنََّاتٍ وَ حَبَّ اَلْحَصِيدِ زعم الفراء (1) : أنّ الشي‏ء أضيف إلى نفسه؛ لأن الحب هو الحصيد عنده. قال أبو جعفر:

____________

(1) انظر معاني الفراء 3/76.

148

سمعت علي بن سليمان يحكي عن البصريين منهم محمد بن يزيد أن إضافة الشي‏ء إلى نفسه محال، و لكن التقدير حبّ النبت الحصيد.

وَ اَلنَّخْلَ بََاسِقََاتٍ أي و أنبتنا النخل طوالا، و هي حال مقدرة «باسقات» على الحال لَهََا طَلْعٌ نَضِيدٌ رفعت طلعا بالابتداء و إنه كان نكرة لما فيه من الفائدة.

رِزْقاً لِلْعِبََادِ قال أبو إسحاق: رزقا مصدر، و يجوز أن يكون مفعولا من أجله.

وَ أَحْيَيْنََا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً أي مجدبة، ليس فيها زرع و لا نبات كَذََلِكَ اَلْخُرُوجُ مبتدأ و خبره أي الخروج من قبوركم كذا يبعث اللّه جلّ و عزّ ماء فينبت به الناس كما ينبت الزّرع‏ (1) ، و قال أبو إسحاق: المعنى كما خلقنا هذه الأشياء نبعثكم.

كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ أي كذّبت قبل هؤلاء المشركين الذين كذّبوا محمدا صلّى اللّه عليه و سلّم قوم نوح، و التاء لتأنيث الجماعة}} وَ أَصْحََابُ اَلرَّسِّ وَ ثَمُودُ وَ عََادٌ وَ فِرْعَوْنُ وَ إِخْوََانُ لُوطٍ (13) . وَ أَصْحََابُ اَلْأَيْكَةِ قال مجاهد: الرّسّ: بئر. و قال قتادة: الأيكة الشجر الملتفّ وَ قَوْمُ تُبَّعٍ عطف كلّه. قال أبو مجلز سأل عبد اللّه بن عباس كعبا عن تبّع فقال: كان رجلا صالحا أخذ فتية من الأحبار فاستبطنهم فأسلم فأنكر ذلك قومه عليه. و في حديث سهل بن سعد عن النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم قال: «لا تلعنوا تبّعا فإنه كان أسلم» كُلٌّ كَذَّبَ اَلرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ التقدير عند سيبويه: كلّهم ثم حذف لدلالة كلّ، و أجاز النحويون جميعا: كلّ منطلق، بمعنى كلّهم. قال أبو جعفر سمعت محمد بن الوليد يجيز حذف التنوين فيقول: كلّ منطلق بمعنى كلّهم. يجعله غاية مثل قبل و بعد. قال علي بن سليمان: هذا كلام من لم يعرف لم بني قبل و بعد، و نظير هذا من الألفاظ لأن النحويين قد خصّوا الظروف للعلّة التي فيها ليست في غيرها. قال أبو جعفر: و هذا كلام بين عند أهل العربية صحيح.

و حذفت الياء من وَعِيدِ لأنه رأس آية لئلا يختلف الآيات، فأما من أثبتها في الإدراج و حذفها في الوقف فحجّته أنّ الوقف موضع حذف، الدليل على ذلك أنك تقول: لم يمض، فإذا وصلت كسرت الضاد لا غير و معنى فَحَقَّ وَعِيدِ فوجب الوعيد من اللّه جلّ و عزّ للكفار بالعذاب في الآخرة و النقمة.

____________

(1) مرّ الحديث في الآية 10-الزخرف.

149

أَ فَعَيِينََا (1) بِالْخَلْقِ اَلْأَوَّلِ يقال: عيينا بالأمر و عييّ به إذا لم يتجه، و لم يحسنه، و إذا قلت: عيينا لم يجز الإدغام؛ لأن الحرف الثاني ساكن فلو أدغمته في الأول التقى ساكنان. فأما المعنى فإنه قيل لهؤلاء الذين أنكروا البعث فقالوا (ذلك رجع بعيد) أ فعيينا بالابتداء الخلق فنعيا بإحيائكم بعد البلى. و روى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس:

أ فعيينا بالخلق الأول، قال: يقول لم نعي به. قال أبو جعفر: و هكذا الاستفهام الذي فيه معنى التقرير و التوبيخ يدخله معنى النفي أي لم يعي بالخلق الأول بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ أي من البعث.

وَ لَقَدْ خَلَقْنَا اَلْإِنْسََانَ وَ نَعْلَمُ مََا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ الضمير الذي في به يعود على «ما» ، و أجاز الفراء (2) أن يعود على الإنسان أي و يعلم ما توسوس إليه نفسه. وَ نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ اَلْوَرِيدِ قال ابن عباس: الوريد حبل العنق، و للنحويين فيه تقديران: قال الأخفش سعيد: و نحن أقرب إليه بالمقدرة من حبل الوريد، و قال غيره: أي و نحن أقرب إليه في العلم بما توسوس به نفسه من حبل الوريد.

و لم يقل: قعيدان ففيه أجوبة: فمذهب سيبويه و الكسائي أن المعنى عن اليمين قعيد و عن الشمال قعيد ثم حذف. و مذهب الأخفش و الفراء أن «قعيد» واحد يؤدي عن اثنين، و أكثر منهما، كما قال جلّ و عزّ: ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً [غافر: 67]. و قال محمد بن يزيد: إنّ التقدير في قَعِيدٌ أن يكون ينوى به التقديم أي عن اليمين قعيد ثم عطف عليه و عن الشمال. قال أبو جعفر: و هذا بيّن حسن و مثله‏ وَ اَللََّهُ وَ رَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ [التوبة: 62]. و قول رابع أن يكون قعيد بمعنى الجماعة، كما يستعمل العرب في فعيل، قال جلّ و عزّ: وَ اَلْمَلاََئِكَةُ بَعْدَ ذََلِكَ ظَهِيرٌ [التحريم: 4].

مََا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ الضمير الذي فيه يعود على الإنسان أي ما يلفظ الإنسان من قول فيتكلّم به إلاّ عند لفظ به. رَقِيبٌ أي حافظ يحفظ عليه. عَتِيدٌ معدّ. يكون هذا من متصرّفات فعيل يكون بمعنى الجمع و بمعنى مفعل و بمعنى مفعول مثل قتيل، و بمعنى فاعل، مثل قدير بمعنى قادر.

____________

(1) انظر البحر المحيط 8/122.

(2) انظر معاني الفراء 3/77.

150

وَ جََاءَتْ سَكْرَةُ اَلْمَوْتِ أي شدّته و غلبته على فهم الإنسان حتّى يكون كالسكران من الشراب أو النوم. بِالْحَقِّ أي بأمر الآخرة الذي هو حقّ حتّى يتبيّنه عيانا، و قول أخر أن يكون الحقّ هو الموت أي و جاءت سكرة الموت بحقيقة الموت. و صحّ عن أبي بكر الصديق رضي اللّه عنه أنه قرأ و جاءت سكرة الحقّ بالموت (1) و كذا عن عبد اللّه بن مسعود رحمة اللّه عليه. قال: و هذه قراءة على التفسير. و في معناها قولان: يكون الحقّ هو اللّه جلّ و عزّ أي و جاءت سكرة اللّه بالموت، و القول الآخر قول الفراء تكون السّكرة هي الحق، و جاءت السكرة الحقّ أضيف الشّي‏ء إلى نفسه. ذََلِكَ مََا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ أي تلك السكرة ما كنت منه تهرب. فأما التذكير فبمعنى ذلك السّكر.

أي ما وعد اللّه عزّ و جلّ الكفار و أصحاب المعاصي بالنار.

محمول على المعنى، و لو كان على اللفظ لكان و جاء كلّ نفس معه و التقدير و معها حذفت الواو للعائد؛ و الجملة في موضع نصب على الحال.

لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هََذََا اختلف أهل العلم في هذه المخاطبة لمن هي فقالوا فيها ثلاثة أقوال: قال زيد بن أسلم و عبد الرحمن بأنّ هذه المخاطبة للنبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم، و حكى عبد اللّه بن وهب عن يعقوب عن عبد الرحمن قال: قلت لزيد بن أسلم و هذه المخاطبة للنبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم فقال: ما أنكرت من هذا و قد قال اللّه سبحانه: أَ لَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى‏ََ `وَ وَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدى‏ََ [الضحى: 6، 7]. قال: فهذا قول، و روى ابن أبي طلحة عن ابن عباس لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هََذََا قال: هذا مخاطبة للكفار، و كذا قال مجاهد، و قال الضحاك: مخاطبة للمشركين؛ و قال صالح بن كيسان بعد أن أنكر على زيد بن أسلم ما قاله، و قال: ليس عالما بكلام العرب و لا له و إنما هذه مخاطبة للكفار.

فهذان قولان، و القول الثالث ما قاله الحسن بن عبد اللّه بن عبيد اللّه بن عباس قال:

هذا مخاطبة للبرّ و الفاجر، و هو قول قتادة. قال أبو جعفر: أما قول زيد بن أسلم فتأويله على أن الكلام تم عنده عند قوله جلّ و عزّ: F وَ جََاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهََا سََائِقٌ وَ شَهِيدٌ (21)

____________

(1) انظر معاني الفراء 3/78، و المحتسب 2/283.

151

ثم ابتدأ يا محمد لقد كنت في غفلة من هذا الدّين و مما أوحي إليك من قبل أن تبعث إذ كنت في الجاهلية فَكَشَفْنََا عَنْكَ غِطََاءَكَ أي فبصّرناك فَبَصَرُكَ اَلْيَوْمَ حَدِيدٌ أي فعلمك نافذ.

و البصر هاهنا بمعنى العلم. و أولى ما قيل في الآية أنها على العموم للبرّ و الفاجر يدلّ على ذلك‏ وَ لَقَدْ خَلَقْنَا اَلْإِنْسََانَ وَ نَعْلَمُ مََا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ فهذا عامّ لجميع الناس برّهم و فاجرهم، فقد علم أنّ معنى‏ وَ جََاءَتْ سَكْرَةُ اَلْمَوْتِ بِالْحَقِّ و جاءتك أيّها الإنسان سكرة الموت ثم جرى الخطاب على هذا في لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هََذََا أي لقد كنت أيّها الإنسان في غفلة مما عاينت فإن كان محسنا ندم إذ لم يزدد، و إن كان مسيئا ندم إذ لم يقلع هذا لما كشف عنهما الغطاء، فبصرك اليوم نافذ لما عاينت. و قال الضحاك: فبصرك لسان الميزان:

قيل: فتأوّل بعض العلماء هذا على التمثيل بالعدل أي أنت أعرف خلق اللّه جلّ و عزّ بعملك، فبصرك به كلسان الميزان الذي يعرف به الزيادة و النقصان.

وَ قََالَ قَرِينُهُ قال عبد الرحمن بن زيد: «قرينه» سائقه الذي وكّل به هََذََا مََا لَدَيَّ عَتِيدٌ قال: هذا ما أخذه و جاء به، هََذََا في موضع رفع بالابتداء و مََا خبر الابتداء و عَتِيدٌ خبر ثان، و يجوز أن يكون مرفوعا على إضمار مبتدأ، و يجوز أن يكون بدلا من «ما» ، و يجوز أن يكون نعتا لما على أن تجعل «ما» نكرة، و يجوز النصب في غير القرآن مثل‏ وَ هََذََا بَعْلِي شَيْخاً [هود: 72].

اختلف النحويون في قوله ألقيا، فقال قوم: هو مخاطبة للقرين أي يقال للقرين:

ألقيا. فهذا قول الكسائي و الفراء، و زعم‏ (1) : أنّ العرب تخاطب الواحد بمخاطبة الاثنين فيقول: يا رجل قوما، و أنشد: [الطويل‏].

432-

خليليّ مرّا بي على أمّ جندب # لنقضي حاجات الفؤاد المعذّب‏

(2)

و إنّما خاطب واحدا و استدلّ على ذلك قوله: [الطويل‏] 433-

ألم تر أنّي كلما جئت طارقا # وجدت بها طيبا و إن لم تطيّب‏

و قال قوم: «قرين» للجماعة و الواحد و الاثنين مثل‏ وَ اَلْمَلاََئِكَةُ بَعْدَ ذََلِكَ ظَهِيرٌ [التحريم: 4]. قال أبو جعفر: و حدّثنا علي بن سليمان عن محمد بن يزيد عن بكر بن محمد المازني، قال: العرب تقول للواحد: قوما على شرط إذا أرادت تكرير الفعل أي

____________

(1) انظر معاني الفراء 3/78.

(2) هذا الشاهد و الذي بعده لامرئ القيس في ديوانه ص 41، و الأشباه و النظائر 8/85، و لسان العرب (ندل) و (محل) .

152

قم قم، فجاؤوا بالألف لتدلّ على هذا المعنى، و كذا «ألقيا» و قول أخر: يكون مخاطبة لاثنين. قال عبد الرحمن بن زيد: معه السائق و الحافظ جميعا. قال مجاهد و عكرمة:

العنيد المجانب للحقّ و المعاند للّه جلّ و عزّ. قال محمد بن يزيد: عنيد بمعنى معاند مثل ضجيع و جليس.

مَنََّاعٍ لِلْخَيْرِ أي لما يجب عليه من زكاة و غيرها. و الخير المال. و مُعْتَدٍ على الناس بلسانه و يده. قال قتادة: مُرِيبٍ شاك.

اَلَّذِي جَعَلَ مَعَ اَللََّهِ إِلََهاً آخَرَ يكون «الذي» في موضع نصب بدلا من كلّ و بمعنى أعني، و يكون رفعا بإضمار مبتدأ، و بالابتداء و خبره فَأَلْقِيََاهُ فِي اَلْعَذََابِ اَلشَّدِيدِ .

قََالَ قَرِينُهُ رَبَّنََا مََا أَطْغَيْتُهُ أي ما جعلته طاغيا أي متعدّيا إلى الكفر. وَ لََكِنْ كََانَ فِي ضَلاََلٍ بَعِيدٍ أي في طريق جائر عن الحق.

قََالَ لاََ تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ قال ابن أبي طلحة عن ابن عباس قال: اعتذروا بغير عذر فأبطل عليهم حجّتهم وَ قَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ أي بالوعيد الذي لا حيف فيه، و لا خلف له فلا تختصموا لديّ.

مََا يُبَدَّلُ اَلْقَوْلُ لَدَيَّ قال مجاهد: أي قد قضيت ما أنا قاض. وَ مََا أَنَا بِظَلاََّمٍ لِلْعَبِيدِ أي لا أخذ أحدا بجرم أحد.

يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ اِمْتَلَأْتِ و العامل في يوم ظلام وَ تَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ في معناه قولان: أحدهما أنّ المعنى: ما في مزيد، و يحتج صاحب هذا القول بقوله جلّ و عزّ:

لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ [السجدة: 13، ص: 85]. و هذا قول عكرمة، و نظيره الحديث حين قيل للنبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم: ألا تنزل دارا من دورك؟فقال: «و هل ترك لنا عقيل من دار» (1) أي ما

____________

(1) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى 6/34، و المتقي الهندي في كنز العمال (30429) و (30685) .