إعراب القرآن - ج4

- احمد بن محمد النحاس المزيد...
312 /
153

ترك لنا دارا حتّى باعها وقت الهجرة فهذا قول، و القول الآخر فهل من مزيد على الاستدعاء للزيادة. و هذا قول أنس بن مالك، و يدلّ عليه الحديث الصحيح عن النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم: «لا تزال جهنّم تقول هل من مزيد فيقول ربّ العالمين سبحانه و تعالى فيجعل قدمه فيها فيقول قط قط» (1) . قال أبو جعفر: فهذا الحديث صحيح الإسناد، و يدلّ على خلاف القول الأول. و اللّه جلّ و عزّ أعلم.

أي قريب للمتقين، أي للمتقين معاصي اللّه جلّ و عزّ.

هََذََا مََا تُوعَدُونَ أي: هذا الذي وصفناه للمتّقين الذي توعدون لِكُلِّ أَوََّابٍ حَفِيظٍ قال ابن زيد لكل تائب راجع إلى اللّه لطاعته: و عن ابن عباس أَوََّابٍ مسبّح، و عنه حَفِيظٍ حفظ ذنوبه حتّى تاب منها. و قال قتادة: «حفيظ» حافظ لما ائتمنه اللّه جلّ و عزّ عليه، و معنى هذا أنه حفظ جوارحه عن معاصي اللّه تعالى.

مَنْ خَشِيَ اَلرَّحْمََنَ بِالْغَيْبِ في موضع خفض على البدل من «كلّ» و يجوز أن يكون في موضع رفع بالابتداء و خَشِيَ في موضع جزم بالشرط، و التقدير: خَشِيَ اَلرَّحْمََنَ بِالْغَيْبِ وَ جََاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ }فيقال لهم: اُدْخُلُوهََا على معنى من، و ما قبله على لفظها و مُنِيبٍ تائب راجع إلى اللّه جلّ و عزّ ذََلِكَ يَوْمُ اَلْخُلُودِ أي ذلك الذي وصفناه للمتقين يوم لا يزولون عنه.

لَهُمْ مََا يَشََاؤُنَ فِيهََا أي لهم ما يريدون و زيادة في الكرامة و فسّر أنس بن مالك معنى وَ لَدَيْنََا مَزِيدٌ فلما لا يجوز أن يؤخذ باقتراح و لا يؤخذ إلاّ عن النبيّ عليه السلام في وَ لَدَيْنََا مَزِيدٌ قال: قال: «يتجلّى لهم ربّ العالمين فيقول و عزّتي لأتجلّينّ لكم حتّى تنظروا إليّ فيقول: مرحبا بعبادي و جيراني و زواري و وفدي انظروا إليّ» (2) فذلك نهاية العطاء و فضل المزيد.

____________

(1) أخرجه الترمذي في سننه (3272) ، و أحمد في مسنده 3/134، و ذكره ابن حجر في فتح الباري 11/ 545، و أبو نعيم في حلية الأولياء 7/204.

(2) ذكره المتقي الهندي في كنز العمال (4615) ، و ابن الجوزي في زاد المسير 8/21.

154

وَ كَمْ أَهْلَكْنََا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ أي قبل مشركي قريش الذين كذّبوك. هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشاً المهلكون أشد من الذين كذّبوك. منصوب على البيان فَنَقَّبُوا فِي اَلْبِلاََدِ و قال ابن أبي طلحة عن ابن عباس: فَنَقَّبُوا فِي اَلْبِلاََدِ أثّروا و حقيقته في اللغة طوّفوا و توغّلوا.

هَلْ مِنْ مَحِيصٍ قال الفراء: أي فهل كان لهم من الموت من محيص، و حذف كان للدلالة و قراءة يحيى بن يعمر فَنَقَّبُوا شاذّة خارجة عن الجماعة و هي على التهديد.

إِنَّ فِي ذََلِكَ لَذِكْرى‏ََ أي إن في إهلاكنا القرون التي أهلكناها و قصصنا خبرها.

لَذِكْرى‏ََ يتذكّر بها من كان له قلب يعقل به أَوْ أَلْقَى اَلسَّمْعَ أي أصغى. وَ هُوَ شَهِيدٌ متفهّم غير ساه، و الجملة في موضع نصب على الحال.

أثبت الهاء في ستة لأنه عدد لمذكر، و فرقت بينه و بين المؤنث. و معنى يوم:

وقت فلذلك ذكر قبل خلق النهار وَ مََا مَسَّنََا مِنْ لُغُوبٍ من لغب يلغب و يلغب إذا تعب.

فَاصْبِرْ عَلى‏ََ مََا يَقُولُونَ فأنا لهم بالمرصاد وَ سَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ اَلشَّمْسِ وَ قَبْلَ اَلْغُرُوبِ قال أهل التفسير: يعني به اليهود؛ لأنهم قالوا استراح يوم السبت، قال جلّ و عزّ: فاصبر على ما يقولون فأنا لهم بالمرصاد وَ سَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ اَلشَّمْسِ وَ قَبْلَ اَلْغُرُوبِ حمله أهل التفسير على معنى الصلاة، }و كذا وَ مِنَ اَللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ قال ابن زيد: العتمة. و قال مجاهد: الليل كلّه. قيل: يعني المغرب و العشاء الآخرة. قال:

و هذا أولى لعموم الليل في ظاهر الآية وَ أَدْبََارَ اَلسُّجُودِ (1) فيه قولان: قال ابن زيد:

النوافل. قال: و هذا قول بيّن؛ لأن الآية عامة فهي على العموم إلاّ أن يقع دليل غير أن حجّة الجماعة جاءت لأن معنى وَ أَدْبََارَ اَلسُّجُودِ ركعتان بعد المغرب. قال ذلك عمر و علي و الحسن بن عليّ و ابن عباس و ابن مسعود رضي اللّه عنهم، و من التابعين الحسن و مجاهد و الشّعبيّ و قتادة و الضحاك، و بعض المحدثين يرفع حديث علي عن النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم (و إدبار السجود) قال: «ركعتان بعد المغرب» . و قرأ أبو عمرو و عاصم و الكسائي

____________

(1) انظر تيسير الداني 164، و البحر المحيط 8/128.

155

وَ أَدْبََارَ اَلسُّجُودِ بفتح الهمزة جعلوه جمع دبر، و من قال: إدبار جعله مصدرا من أدبر و أجمعوا جميعا على الكسر في‏ وَ إِدْبََارَ اَلنُّجُومِ [الطور: 49]فذكر أبو عبيد أنّ السجود لا ادبار له. و هذا مما أخذ عليه، لأن معنى و أَدْبََارَ اَلسُّجُودِ و ما بعده و ما يعقبه فهذا للسجود، و النجوم و الإنسان واحد. و قد روى المحدّثون الجلّة تفسير وَ أَدْبََارَ اَلسُّجُودِ وَ إِدْبََارَ اَلنُّجُومِ فلا نعلم أحدا منهم فرّق ما بينهما.

و قرأ عاصم و الأعمش و حمزة و الكسائي يَوْمَ يُنََادِ اَلْمُنََادِ مِنْ مَكََانٍ قَرِيبٍ (1)

بغير ياء في الوصل و الوقف، و هو اختيار أبي عبيد اتباعا للخط. و قد عارضه قوم فقالوا: ليس في هذا تغيير للخط؛ لأن الياء لام الفعل فقد علم أن حقّها الثبات. قال سيبويه: و الجيّد في مثل هذا إثبات الياء في الوقف و الوصل قال: و يجوز حذفها في الوقف. قال أبو جعفر: ذلك أنك تقول مناد ثم تأتي بالألف و اللام فلا تغيّر الاسم عن حاله، فأما معنى وَ اِسْتَمِعْ يَوْمَ يُنََادِ اَلْمُنََادِ مِنْ مَكََانٍ قَرِيبٍ (41) .

فقيل فيه: أي حين يوم. قال كعب: المنادي ملك ينادي من مكان قريب، من صخرة بيت المقدس بصوت عال يا أيّتها العظام البالية و الأوصال المتقطعة اجتمعي لفصل القضاء.

يَوْمَ يَسْمَعُونَ اَلصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ أي بالاجتماع للحساب ذََلِكَ يَوْمُ اَلْخُرُوجِ من قبورهم.

إِنََّا نَحْنُ نُحْيِي وَ نُمِيتُ حذف المفعول أي نحيي الموتى و نميت الأحياء وَ إِلَيْنَا اَلْمَصِيرُ أي المرجع.

يَوْمَ تَشَقَّقُ اَلْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرََاعاً العامل في «يوم» المصير أي و إلينا مصيرهم يوم تتشقّق و تَشَقَّقُ أدغمت التاء في الشين، و من قال: تشقّق حذف التاء، سِرََاعاً على الحال، قيل: من الهاء و الميم، و قيل لا يجوز الحال من الهاء و الميم لأنه لا عامل فيها، و لكن التقدير فيخرجون سراعا ذََلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنََا يَسِيرٌ أي سهل.

____________

(1) انظر البحر المحيط 8/129.

156

نَحْنُ أَعْلَمُ بِمََا يَقُولُونَ وَ مََا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبََّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخََافُ وَعِيدِ (45) نَحْنُ أَعْلَمُ بِمََا يَقُولُونَ أي من الافتراء و التكذيب بالبعث وَ مََا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبََّارٍ أي بمسلّط. قال الفراء: جعل جبّار في موضع سلطان، و من قال بجبّار معناه لست تجبرهم على ما تريد فمخطئ لأن فعّالا لا يكون من أفعل، و إن كان الفراء (1) قد حكى أنه يقال: درّاك من أدرك فهذا شاذّ لا يعرف، و حكى أيضا جبرت الرجل، و هذا من الشذوذ، و إن كان بعض الفقهاء مولعا بجبرت. فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخََافُ وَعِيدِ أي وعيدي لمن عصاني و خالف أمري.

____________

(1) انظر معاني الفراء 3/81.

157

51 شرح إعراب سورة الذاريات‏

بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ

وَ اَلذََّارِيََاتِ خفض بواو القسم و الواو بدل من الباء. ذَرْواً مصدر، و التقدير و الرّياح الذاريات. يقال: ذرت الريح الشي‏ء: إذا فرّقته فهي ذارية و أذرت، فهي مذريّة.

فَالْحََامِلاََتِ عطف على الذّاريات، و التقدير: فالسحاب الحاملات المطر هذا التفسير صحيح عن علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه، و قيل الحاملات السفن، و قيل الرياح؛ لأنها تحمل السحاب وِقْراً كلّ ما حمل على الظهر فهو وقر.

فَالْجََارِيََاتِ عطف أي فالسفن الجاريات. يُسْراً نعت لمصدر أي جريا يسرا.

فَالْمُقَسِّمََاتِ عطف أيضا أي فالملئكة المقسّمات ما أمروا به أمرا.

أي من الحساب و الثواب و العقاب. و هذا جواب القسم.

عطف. قال ابن زيد: «لواقع» لكائن.

وَ اَلسَّمََاءِ خفض بالقسم. و قيل التقدير: و ربّ السّماء، و كذا لكلّ ما تقدّم ذََاتِ‏

158

اَلْحُبُكِ (1) نعت. قال الأخفش: الواحد حباك. و قال الكسائي و الفراء (2) : حباك و حبيكة. }و جواب القسم إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ (8) قال قتادة: في معنى مختلف منكم مصدّق بالقرآن و مكذب به. و قال ابن زيد: يقول بعضهم: هذا سحر، و يقول بعضهم:

شيئا أخر قولا مختلفا ففي أي شي‏ء الحقّ.

قال‏ (3) الحسن يصرف عن الإيمان و القرآن من صرف، و قيل: يصرف عن القول أي من أجله لأنهم كانوا يتلقّون الرجل إذا أراد الإيمان فيقولون له: سحر و كهانة فيصرف عن الإيمان.

روى ابن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله جلّ و عزّ قُتِلَ اَلْخَرََّاصُونَ (10) قال:

يقول: لعن المرتابون، و قال ابن زيد: يخترصون الكذب يقولون: شاعر و ساحر و جاء بسحر، و كاهن و كهانة و أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة و أصيلا فيخترصون الكذب.

اَلَّذِينَ في موضع رفع نعت للخراصين، و هي مبتدأ، و سََاهُونَ خبره و الجملة في الصلة و في غير القرآن يجوز نصب ساهين على الحال. و فِي غَمْرَةٍ أي في تغطية الباطل و الجهل: و منه: فلان غمر و ماء غمر يغطّي من دخله، و منه الغمرة. قال ابن زيد: ساهون عن ما أنزله اللّه و عن أمره و نهيه.

عن ابن عباس: يقولون: متى يوم الحساب. و قرأ أبو عبد الرحمن السلمي إيان (4) بكسر الهمزة و هي لغة.

اختلف النحويون في نصب «يوم» فقال أبو إسحاق: موضعه نصب، و المعنى يقع الجزاء يوم هم على النار يفتنون، و النحويون غيره يقولون: يوم في موضع رفع على

____________

(1) انظر البحر المحيط 8/133.

(2) انظر معاني الفراء 3/82.

(3) انظر البحر المحيط 8/134.

(4) انظر مختصر ابن خالويه 145.

159

البدل من قوله: أَيََّانَ يَوْمُ اَلدِّينِ و تكلّموا في نصبه فقال الفراء (1) : لأنه أضيف إلى شيئين، و أجاز الرفع فيه على أصله. و قال غيره: لأنها إضافة غير محضة. و مذهب الخليل و سيبويه أنّ ظروف الزمان غير متمكنة فإذا أضيف إلى غير معرب أو إلى جملة مثل هذه بنيت على الفتح، و أجازا: مضى يوم قام، و أنشد النحويون و أصحاب الغريب لامرئ القيس: [الطويل‏] 434-

و يوم عقرت للعذارى مطيتي‏

(2)

بنصب «يوم» و موضعه رفع على من روى «و لا سيّما يوم» (3) و خفض على من روى «و لا سيّما يوم» . قال أبو جعفر: و لا نعلم أحدا رفعه و لا خفضه، و القياس يوجب إجازة هذين. روى ابن أبي طلحة عن ابن عباس يَوْمَ هُمْ عَلَى اَلنََّارِ يُفْتَنُونَ (13) قال: يعذّبون. و قال محمد بن يزيد: هو من قولهم: فتنت الذهب و الفضة إذا أحرقتهما لتختبرهما و تخلصهما. و قال بعض المتأخرين: لما كانت الفتنة في اللغة هي الاختبار لم تخرج عن بابها و المعنى عليها صحيح، و التقدير: يوم هم على النار يختبرون فيقال: مََا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ [المدثر: 42].

الذين هم قال مجاهد و عكرمة و قتادة: أي عذابكم هََذَا اَلَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ مبتدأ و خبر لأنهم كانوا يستعجلون في الدنيا بالعذاب تهزّؤا و إنكارا.

أي إن الذين اتقوا اللّه تعالى بترك معاصيه و أداء طاعته في بساتين و أنهار فكذا المتّقي إذا كان مطلقا، فإن كان متقيا للسّرق غير متّق للزنا لم يقل له متّق، و لكن يقال له: متّق للسّرق فكذا هذا الباب كلّه.

آخِذِينَ نصب على الحال، و يجوز رفعه في غير القرآن على خبر «إن» . فأما معنى مََا آتََاهُمْ رَبُّهُمْ ففيه قولان: أحدهما في الجنّة، و الآخر أنّهم عاملون في الدنيا بطاعة اللّه سبحانه و بما افترضه عليهم فهم آخذون به غير متجاوزين له كما روي عن ابن

____________

(1) انظر معاني الفراء 3/83.

(2) مرّ الشاهد رقم (214) .

(3) إشارة إلى قول امرئ القيس في معلقته:

«و لا سيّما بدارة جلجل»

160

عباس في قوله جلّ و عزّ: آخِذِينَ مََا آتََاهُمْ رَبُّهُمْ قال: الفرائض، و عنه إِنَّهُمْ كََانُوا قَبْلَ ذََلِكَ مُحْسِنِينَ قال: قبل أن يفرض عليهم الفرائض.

تكون «ما» زائدة للتوكيد، و يكون المعنى كانوا يهجعون قليلا أي هجوعا قليلا و يجوز أن يكون «ما» مع الفعل مصدرا و يكون «ما» في موضع رفع و ينصب «قليلا» على أنه خبر «كان» أي كانوا قليلا من الليل هجوعهم قال محمد بن يزيد: إن جعلت «ما» اسما رفعت «قليلا» . و روى ابن أبي طلحة عن ابن عباس يهجعون ينامون.

تأوله جماعة على معنى يصلّون؛ لأن الصلاة مسألة استغفار، و تأوله بعضهم على أنهم يصلون من أول الليل و يستغفرون اخره و استحبّ هذا؛ لأن اللّه سبحانه أنثى عليهم به. و قال عبد الرحمن بن زيد: السّحر: السدس الآخر من الليل.

حَقٌّ رفع بالابتداء لِلسََّائِلِ وَ اَلْمَحْرُومِ قال أبو جعفر: و قد ذكرنا أقوال جماعة من العلماء في المحروم ثمّ. و حدثنا الزهري محمد بن مسلم أنّه قال: المحروم الذي لا يسأل، و أكثر الصحابة على أنه المحارف. و ليس هذا بمتناقض، لأن المحروم في اللغة الممنوع من الشي‏ء فهو مشتمل على كل ما قيل فيه.

أي عبر و عظات للموقنين تدلّ على بارئها و وحدانيته.

وَ فِي أَنْفُسِكُمْ قال ابن زيد: و في خلقه إياكم، قال: و فيها أيضا آيات للسان و العين و الكلام، و القلب فيه العقل هل يدري أحد ما العقل و ما كيفيته؟ففي ذلك كلّه آيات أَ فَلاََ تُبْصِرُونَ أي أفلا تتفكّرون فتستدلّوا على عظمة اللّه جلّ و عزّ و قدرته.

وَ فِي اَلسَّمََاءِ رِزْقُكُمْ رفع بالابتداء. و اختلف أهل التأويل في معنى قوله: رِزْقُكُمْ و في الرزق ما هو هل هو الحلال و الحرام أم الحلال خاصة؟فقال الضحاك: وَ فِي اَلسَّمََاءِ رِزْقُكُمْ أي المطر، و قال سعيد بن جبير: الثلج و كلّ عين ذائبة، و تأويل ذلك واصل

161

الأحدب على أن المعنى: و من عند اللّه الذي في السّماء صاحب رزقكم. و قال قول:

كلّ ما كسبه الإنسان سمّي رزقا. و قال قوم: لا يقال رزقه اللّه جلّ و عزّ إلا كما كان حلالا، و استدلوا على هذا في القرآن فقال اللّه عزّ و جلّ: وَ أَنْفِقُوا مِنْ مََا رَزَقْنََاكُمْ [المنافقون: 10]و لا يأمر بالنفقة إلاّ من الحلال. و اختلف أهل التأويل في وَ مََا تُوعَدُونَ فقال الضحاك: الجنّة و النار، و قال غيره: توعدون من وعد، و وعد إنما يكون للخير فما توعدون للخير فأما في الشّرّ فيقال: أوعد، و قال آخرون: هو من أوعد لأن توعدون في العربية يجوز أن يكون من أوعد و من وعد. و الأحسن فيه ما قال مجاهد، قال: ما توعدون من خير و شرّ؛ لأن الآية عامة فلا يخصّ بها شي‏ء إلا بدليل قاطع.

فَوَ رَبِّ اَلسَّمََاءِ وَ اَلْأَرْضِ خفض على القسم. إِنَّهُ لَحَقٌّ أي إن قولنا. وَ فِي اَلسَّمََاءِ رِزْقُكُمْ وَ مََا تُوعَدُونَ (22) لَحَقٌّ مِثْلَ مََا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ برفع «مثل» قراءة الكوفيين و ابن أبي إسحاق‏ (1)

على النعت لحق، و قرأ المدنيون و أبو عمرو مثل ما بالنصب. و في نصبه أقوال أصحّها ما قال سيبويه أنه مبني لما أضيف إلى غير متمكّن فبني و نظيره‏ وَ مِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ [هود: 66]. و قال الكسائي: «مثل ما» منصوب على القطع، و قال بعض البصريين هو منصوب على أنه حال من نكرة، و أجاز الفراء (2) أن يكون التقدير حقّا مثل ما، و أجاز أن يكون «مثل» منصوبة بمعنى كمثل ثم حذف الكاف و نصب، و أجاز: زيد مثلك، و مثل من أنت؟ينصب «مثل» على المعنى على معنى كمثل فألزم على هذا أن يقول: عبد اللّه الأسد شدّة، بمعنى كالأسد فامتنع منه، و زعم أنه إنما أجازه في مثل؛ لأن الكاف تقوم مقامها، و أنشد: [الوافر] 435-

وزعت بكالهراوة اعوجّي # إذا ونت الرّكاب جرى وثابا

(3)

قال أبو جعفر: و هذه أقوال مختلفة إلاّ قول سيبويه. و في الآية سؤال أيضا و هو أن يقال: جمع ما بين «ما» و «إنّ» و معناهما واحد. قال أبو جعفر: ففي هذا جوابان للنحويين الكوفيين أحدهما أنه لما اختلف اللفظان جاز ذلك كما قال: [الوافر] 436-

فما إن طبّنا جبن و لكن # منايانا و دولة آخرينا

(4)

____________

(1) انظر تيسير الداني 164، و كتاب السبعة لابن مجاهد 609.

(2) انظر معاني الفراء 3/85.

(3) الشاهد لابن غادية السلميّ في الاقتضاب ص 429، و بلا نسبة في أدب الكاتب 505، و جمهرة اللغة 1318، و رصف المباني 196، و سرّ صناعة الإعراب 286، و لسان العرب (ثوب) و (وثب) و المقرّب 1/196، و المخصص 14/86.

(4) الشاهد لفروة بن مسيك في الأزهيّة 51، و الجنى الداني 327، و خزانة الأدب 4/112، و الدرر 2/ 100، و شرح أبيات سيبويه 2/106، و شرح شواهد المغني 1/81، و لسان العرب (طبب) ، و معجم ما استعجم 650، و الكميت في شرح المفصل 8/129، و للكميت أو لفروة في تلخيص الشواهد ص 278، و بلا نسبة في جواهر الأدب ص 207، و خزانة الأدب 11/141، و الخصائص 3/108، و رصف المباني 110، و شرح المفصل 5/120، و المحتسب 1/92، و المقتضب 1/51، و المنصف 3/128، و همع الهوامع 1/123.

162

فجمع ما بين «ما» و «إن» و معناهما واحد. قال اللّه جلّ و عزّ بَلْ إِنْ يَعِدُ اَلظََّالِمُونَ [فاطر: 40]بمعنى ما يعد الظالمون. و الجواب الآخر أنّ زيادة «ما» تفيد معنى؛ لأنه لو لم تدخل «ما» كان المعنى أنه لحقّ لا كذب فإذا جئت بما صار المعنى أنه لحقّ، مثل ما إنّ الآدميّ ناطق، كما تقول: الحقّ نطقك، بمعنى أحقّ أم كذب؟ و تقول: أحقّ إنّك تنطق؟فتفيد معنى آخر.

و لم يقل أضياف؛ لأنّ ضيفا مصدر، و حقيقته في العربية حديث ذوي ضيف، مثل: وَ سْئَلِ اَلْقَرْيَةَ [يوسف: 82].

إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ أي حين دخلوا. فَقََالُوا سَلاََماً منصوب على المصدر، و يجوز أن يكون منصوبا بوقوع الفعل عليه. و يدلّ على صحّة هذا الجواب أنّ سفيان روى عن ابن أبي نجيح عن مجاهد. فَقََالُوا سَلاََماً قال سدادا. قََالَ سَلاََمٌ (1) مرفوع بالابتداء، و الخبر محذوف أي سلام عليكم، و يجوز أن يكون مرفوعا على خبر الابتداء و الابتداء محذوف أي أمري سلام، و قرأ حمزة و الكسائي قََالَ سَلاََمٌ (2) و فيه تقديران: أحدهما أن يكون سلام و سلّم بمعنى واحد مثل حلّ و حلال، و يجوز أن يكون التقدير نحن سلم. قَوْمٌ مُنْكَرُونَ على إضمار مبتدأ و إنما أنكرهم فيما قبل؛ لأنه لم يعرف في الأضياف مثلهم.

فَرََاغَ إِلى‏ََ أَهْلِهِ أي رجع، و حقيقته رجع في خفية. فَجََاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ التقدير:

فجاء أضيافه ثم حذف المفعول.

الفاء تدلّ على أنّ الثاني يلي الأول و «ألا» تنبيه.

فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً أي ستر ذلك و أضمره قََالُوا لاََ تَخَفْ حذفت الضمة للجزم

____________

(1) انظر البحر المحيط 8/137.

(2) انظر البحر المحيط 8/137.

163

و الألف لالتقاء الساكنين وَ بَشَّرُوهُ بِغُلاََمٍ عَلِيمٍ أي يكون عالما و حكى الكوفيون أنّ عليما إذا كان للمستقبل قيل عالم، و كذا نظائره يقال: ما هو كريم و إنه لكارم غدا، و ما مات و إنه لمائت و هذا و إن كان يقال فالقرآن قد جاء بغيره.

فَأَقْبَلَتِ اِمْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ روى ابن أبي طلحة عن ابن عباس قال: في صيحة، و كذا قال مجاهد و الضحاك و ابن زيد و ابن سابط، و قيل «في صرّة» في جماعة نسوة يتبادرن لينظرن إلى الملائكة. فَصَكَّتْ وَجْهَهََا قال مجاهد: ضربت جبهتها تعجبا وَ قََالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ زعم بعض العلماء أنّ عجوزا بإضمار فعل أي أ تلد عجوز. قال أبو جعفر: و هذا خطأ؛ لأن حرف الاستفهام لا يحذف و التقدير على قول أبي إسحاق: قالت أنا عجوز عقيم أي فكيف ألد.

قََالُوا كَذََلِكَ قََالَ رَبُّكِ أي كما قلنا لك، و ليس هذا من عندنا. إِنَّهُ هُوَ اَلْحَكِيمُ في تدبيره اَلْعَلِيمُ أي مصالح خلقه و بما كان و بما هو كائن.

قال إبراهيم لضيفه ما شأنكم يا أيها، و حذفت يا، كما يقال: زيد أقبل و «أي» نداء مفرد، و هو اسم تام، و اَلْمُرْسَلُونَ من نعمته.

أي قد أجرموا بالكفر، و يقال: جرموا، إلاّ أنّ أجرموا بالألف أكثر.

أي لنمطر عليهم.

مُسَوَّمَةً في معناه قولان: أهل التأويل على أنّ معناه معلّمة. قال ابن عباس: يكون الحجر أبيض و فيه نقطة سوداء و يكون الحجر أسود و فيه نقطة بيضاء. و القول الآخر أن يكون معنى مسومة مرسلة من سوّمت الإبل لِلْمُسْرِفِينَ أي للمتعدين لأمر اللّه جلّ و عزّ.

فَأَخْرَجْنََا مَنْ كََانَ فِيهََا مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ (35) كناية عن القرية، و لم يتقدّم لها ذكر؛ لأنه قد عرف المعنى، و يجوز أن يكون كناية عن الجماعة.

164

قال مجاهد لوط صلّى اللّه عليه و سلّم و ابنتاه لا غير.

قول الفراء (1) إنّ «في» زائدة. و المعنى و لقد تركناها آية و مثله عنده‏ لَقَدْ كََانَ فِي يُوسُفَ وَ إِخْوَتِهِ آيََاتٌ لِلسََّائِلِينَ [يوسف: 7]و هذا المتناول البعيد مستغنى عنه قال أبو إسحاق و لقد تركنا في مدينة قوم لوط عليه السلام آية للخائفين.

وَ فِي مُوسى‏ََ أي و في موسى آية و اعتبار إِذْ أَرْسَلْنََاهُ إِلى‏ََ فِرْعَوْنَ بِسُلْطََانٍ مُبِينٍ بحجة بيّنة يتبين من رآها أنّها من عند اللّه سبحانه. قال قتادة: بسلطان مبين أي بعذر مبين.

فَتَوَلََّى فأعرض عن ذكر اللّه و أدبر بِرُكْنِهِ فيه قولان قال أهل التأويل: المعنى بقومه قال ذلك مجاهد و قتادة، و قال ابن زيد: بجماعته. و القول الآخر حكاه الفراء (2)

(بركنه) بنفسه، قال و حقيقة ركنه في اللغة بجانبه الذي يتقوى به وَ قََالَ سََاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ على إضمار مبتدأ. و أبو عبيدة (3) يذهب إلى أن «أو» بمعنى الواو، قال: و هذا تأويل عند النحويين الحذّاق خطأ و عكس المعاني، و هو مستغنى عنه و لأو معناها، و قد أنشد أبو عبيدة لجرير: [الوافر] 437-

أ ثعلبة الفوارس أو رياحا # عدلت بهم طهيّة و الخشابا

(4)

فهذا أيضا على ذاك محمول.

فَأَخَذْنََاهُ وَ جُنُودَهُ عطف على الهاء. فَنَبَذْنََاهُمْ فِي اَلْيَمِّ أي فألقيناهم في البحر.

وَ هُوَ مُلِيمٌ و الأصل مليم ألقيت حركة الياء على اللام اتباعا.

____________

(1) انظر معاني الفراء 3/87.

(2) انظر معاني الفراء 3/87.

(3) انظر مجاز القرآن 2/227.

(4) الشاهد لجرير في ديوانه 814، و الكتاب 1/156، و الأزهيّة 214، و أمالي المرتضى 2/57، و جمهرة اللغة 290، و خزانة الأدب 11/69، و شرح أبيات سيبويه 1/288، و شرح التصريح 1/300، و لسان العرب (خشب) ، و (طها) و المقاصد النحوية 2/533، و بلا نسبة في الرد على النحاة 105، و شرح الأشموني 1/190.

165

أي و في عاد آية و المعنى معقومه فلذلك حذفت الهاء.

مََا تَذَرُ مِنْ شَيْ‏ءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ حذفت الواو من تذر لأنها بمعنى تدع، و حذفت من يدع؛ لأن الأصل فيها يودع فوقعت بين ياء و كسرة فحذفت إِلاََّ جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ قال الفراء (1) : الرميم النّبت إذا يبس و ديس. و قال محمد بن يزيد: أصل الرميم العظم البالي المتقادم، و يقال له: رمّة.

وَ فِي ثَمُودَ أي آية إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتََّى حِينٍ زعم الفراء أن الحين هاهنا ثلاثة أيام، و ذهب إلى هذا؛ لأنه قيل لهم تمتعوا في داركم ثلاثة أيام.

فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ أي غلوا و تركوا أمر ربّهم فَأَخَذَتْهُمُ اَلصََّاعِقَةُ و يروى عن عمر بن الخطاب رحمه اللّه أنه قرأ فأخذتهم الصاعقة (2) و إسناده ضعيف لأنه لا يعرف إلا من حديث السّدّي و يدلّك على أن الصاعقة أولى قوله جلّ و عزّ وَ يُرْسِلُ اَلصَّوََاعِقَ [الرعد: 13]فهذا جمع صاعقة. و جمع صعقة صعقات و صعاق. وَ هُمْ يَنْظُرُونَ قيل: المعنى: ينتظرون ذلك لأنهم كانوا ينتظرون العذاب لمّا تغيّرت ألوانهم في الأيام الثلاثة.

فَمَا اِسْتَطََاعُوا مِنْ قِيََامٍ أي نهوض بالعقوبة. قال الفراء: مِنْ قِيََامٍ أي ما قاموا بها و أجاز في الكلام من إقامة كأنه تأوله بمعنى ما استطاعوا أن يقوموا بها. و زعم أن مِنْ قِيََامٍ مثل‏ وَ اَللََّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ اَلْأَرْضِ نَبََاتاً [نوح: 17] وَ مََا كََانُوا مُنْتَصِرِينَ أي ما كانوا يقدرون على أن يستفيدوا ممن عاقبهم. و قال قتادة في معنى وَ مََا كََانُوا مُنْتَصِرِينَ و ما كانت لهم قوة يمتنعون بها من العقوبة.

وَ قَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ قراءة أهل المدينة و عاصم، و قرأ أبو عمرو و الأعمش و حمزة

____________

(1) انظر معاني الفراء 3/88.

(2) انظر البحر المحيط 8/139.

166

و الكسائي و قوم نوح (1) بالخفض معطوفا على و في ثمود، و المعنى في الخفض و في قوم نوح آية و عبرة. و النصب من غير جهة فللفراء (2) فيه قولان، و بعدهما ثالث عنه أيضا و هما أن يكون التقدير فأخذتهم الصاعقة و أخذت قوم نوح، و التقدير الثاني أن يكون التقدير: و أهلكنا قوم نوح، و الثالث الذي بعدهما أن يكون التقدير و اذكروا قوم نوح. قال أبو جعفر: و رأيت أبا إسحاق قد أخرج قوله هذا الثالث و فيه من كلامه، و ليس هذا بأبغض إليّ من الجوابين، و هو يتعجّب من هذا و يقول: دلّ بهذا الكلام على أن الأجوبة الثلاثة بغيضة إليه. قال: و في هذه الآية قول رابع حسن يكون و قوم نوح معطوفا على فَأَخَذْنََاهُ وَ جُنُودَهُ فَنَبَذْنََاهُمْ فِي اَلْيَمِّ لأن معناه فأغرقناهم و أغرقنا قوم نوح. فأمّا القراءة بالنصب فهي البيّنة عند النحويين سوى من ذكرنا ممن قرأ بغيرها، فاحتجّ أبو عبيد للنصب بأن قبله فيما كان مخفوضا من القصص كلها بيان ما نزل بهم نحو وَ فِي عََادٍ إِذْ أَرْسَلْنََا عَلَيْهِمُ اَلرِّيحَ اَلْعَقِيمَ و ليس هذا في قوم نوح فدلّ هذا على أنه ليس معطوفا على الخفض لأنه مخالف له. قال: فكيف يكون و في قوم نوح و لا يذكر ما نزل بهم، و قال غيره: أيضا العرب إذا تباعد ما بين المخفوض و ما بعده لم يعطفوه عليه و نصبوه قال اللّه جلّ و عزّ: وَ أُتْبِعُوا فِي هََذِهِ اَلدُّنْيََا لَعْنَةً وَ يَوْمَ اَلْقِيََامَةِ [هود: 60]و لا نعلم أحدا خفض، و قال جلّ و عزّ:

فَبَشَّرْنََاهََا بِإِسْحََاقَ وَ مِنْ وَرََاءِ إِسْحََاقَ يَعْقُوبَ [هود: 71]فرفع أكثر القراء و لم يعطفوه على ما قبله و حجة ثالثة ذكرها سيبويه و هو أن المعطوف إلى ما هو أقرب إليه أولى و حكي: خشنت بصدره و صدر زيد، و أن الخفض أولى لقربه فكذا هذا فأخذتهم الصاعقة و أخذت قوم نوح أقرب من أن تردّه إلى ثمود إِنَّهُمْ كََانُوا قَوْماً فََاسِقِينَ نعت لقوم أي خارجين عن الطاعة.

وَ اَلسَّمََاءَ نصب بإضمار فعل أي و بنينا السماء. بَنَيْنََاهََا بِأَيْدٍ روى ابن أبي طلحة عن ابن عباس (بأيد) بقوة.

وَ اَلْأَرْضَ فَرَشْنََاهََا بإضمار أيضا. فَنِعْمَ اَلْمََاهِدُونَ رفع بنعم. و المعنى: فنعم الماهدون نحن ثم حذف.

____________

(1) انظر تيسير الداني 165، و كتاب السبعة لابن مجاهد 609.

(2) انظر معاني الفراء 3/88.

167

وَ مِنْ كُلِّ شَيْ‏ءٍ خَلَقْنََا زَوْجَيْنِ قيل: التقدير و من كلّ شي‏ء خلقنا خلقنا زوجين. قال مجاهد: في الزوجين: الشقاء و السعادة و الهدى و الضلالة و الإيمان و الكفر. و قال ابن زيد: الزوجان: الذكر و الأنثى. و جمعهما الفراء (1) فقال: الزوجان و الحيوان الذكر و الأنثى و من غيرهم الحلو و الحامض و ما أشبه ذلك. لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ أي فتعتبرون و تعلمون أنّ العبادة لا تصلح إلا لمن خلق هذه الأشياء.

فَفِرُّوا إِلَى اَللََّهِ أي إلى طاعته و رحمته من معصيته و عقابه إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ أي مخوف عقابه من عصاه.

وَ لاََ تَجْعَلُوا مَعَ اَللََّهِ إِلََهاً آخَرَ أي معبودا آخر إذا كانت العبادة لا تصلح إلاّ له إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ أي أخوف من عبد غيره عذابه و جاء إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ مرتين، و ليس بتكرير؛ لأنه خوّف في الثاني من عبد غير اللّه جلّ و عزّ و في الأول من لم يفرّ إلى طاعة اللّه و رحمته فهذا قد يكون للموحدين.

تكون الكاف في موضع رفع أي الأمر كذلك، و يجوز أن يكون في موضع نصب بمعنى كذلك فعل الذين من قبل قريش ما أتاهم من رسول إلاّ قالوا له هذا.

أَ تَوََاصَوْا بِهِ أي هل أوصى بعضهم بعضا بهذا بَلْ هُمْ قَوْمٌ طََاغُونَ المعنى: لم يتواصوا به بل هم قوم طغوا و اعتدوا فخالفوا أمر اللّه جلّ و عزّ و نهيه.

فَتَوَلَّ عَنْهُمْ قال مجاهد: أي أعرض و التقدير: أعرض عنهم حتّى يأتيك أمرنا فيهم فأتاه الأمر بقتالهم. فَمََا أَنْتَ بِمَلُومٍ أي لا تلحقك لائمة من ربّك جلّ و عزّ في تفريط كان منك في إنذارهم فقد أنذرتهم و بلّغتهم.

____________

(1) انظر معاني الفراء 3/89.

168

وَ ذَكِّرْ أي عظهم. فَإِنَّ اَلذِّكْرى‏ََ تَنْفَعُ اَلْمُؤْمِنِينَ و يجوز ينفع لأن الذكرى و الذكر واحد.

قيل: يراد هاهنا المؤمنون خاصة. و احتجّ صاحب هذا القول بأنه يلي المؤمنين فأن يكون الضمير يليهم أولى. و معنى هذا يروى عن زيد بن أسلم قال: و هذا مذهب أكثر أصحاب الحديث، و قال القتبي: هو مخصوص فهذا هو ذلك القول إلا أن العبارة عنه ليست بحسنة. و قيل في الآية: ما روي عن ابن عباس أن العبادة هنا الخضوع و الانقياد، و ليس مسلم و لا كافر إلا و هو خاضع للّه جلّ و عزّ منقاد لأمره طائعا أو كارها فيما جبله عليه من الصحّة و السقم و الحسن و القبح و الضيق و السعة.

مََا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ «ما» في موضع نصب و «من» زائدة للتوكيد. وَ مََا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ حذفت النون علامة النصب، و حذفت الياء لأن الكسرة دالة عليها، و هو رأس آية فحسن الحذف.

إِنَّ اَللََّهَ هُوَ اَلرَّزََّاقُ أي الرّزاق خلقه المتكفل بأقواتهم. ذُو اَلْقُوَّةِ اَلْمَتِينُ بالرفع قرأ به من تقوم بقراءته الحجّة على أنه نعت للرزاق و لذي القوة أو على أنه خبر بعد خبر أو على إضمار مبتدأ أو نعت لاسم «إنّ» على الموضع. و روى ابن أبي طلحة عن ابن عباس اَلْمَتِينُ الشديد. و قرأ يحيى بن وثاب و الأعمش ذُو اَلْقُوَّةِ اَلْمَتِينُ (1)

بالخفض على النعت للقوة. و زعم أبو حاتم أن الخفض على قرب الجوار. قال أبو جعفر؛ و الجوار لا يقع في القرآن و لا في كلام فصيح، و هو عند رؤساء النحويين غلط ممن قاله من العرب. و لكن القول في قراءة من خفض أنه تأنيث غير حقيقي. و التقدير فيه عند أبي إسحاق: ذو الاقتدار المتين لأن الاقتدار و القوة واحد، و عند غيره بمعنى ذو الإبرام المتين.

____________

(1) انظر البحر المحيط 8/141، و معاني الفراء 3/90.

169

فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوباً اسم «إنّ» . مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحََابِهِمْ نعت. فَلاََ يَسْتَعْجِلُونِ أي به.

فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا رفع بالابتداء، و يجوز النصب أي ألزمهم اللّه ويلا. مِنْ يَوْمِهِمُ اَلَّذِي يُوعَدُونَ أي يوعدون فيه بنزول العذاب...

170

52 شرح إعراب سورة الطور

بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ

خفض بواو القسم.

واو عطف، و ليست واو قسم. قال الضّحاك و قتادة: مَسْطُورٍ مكتوب. و أجاز النحويون: مصطور تقلب السين صادا تقريبا إلى الطاء.

من صلة مسطور أي كتب في رق به و قال الراجز:

438-

إنّي و أسطار سطرن سطرا

(1)

عطف أي المعمور بمن يدخله. يقال: عمر المنزل فهو عامر، و عمرته فهو معمور، و إن أردت متعدي عمر المنزل قلت: أعمرته.

وَ اَلسَّقْفِ اَلْمَرْفُوعِ (5) معطوف، }و كذا وَ اَلْبَحْرِ اَلْمَسْجُورِ (6) . }و جواب القسم إِنَّ عَذََابَ رَبِّكَ لَوََاقِعٌ (7) قال قتادة: أي يوم القيامة أي حالّ بالكافرين.

____________

(1) الشاهد لرؤبة في ديوانه 174، و خزانة الأدب 2/219، و الخصائص 1/340، و الدرر 4/22، و شرح شواهد الإيضاح 243، و شرح المفصّل 2/3، و لسان العرب (نصر) ، و بلا نسبة في أسرار العربية 297، و الأشباه و النظائر 4/86، و الدرر 6/26، و لسان العرب (سطر) ، و مغني اللبيب 2/388، و المقاصد النحوية 4/209، و المقتضب 4/209، و همع الهوامع 247.

171

و روى ابن أبي طلحة عن ابن عباس قال: تحرّكا. قال أبو جعفر: يقال: مار الشي‏ء إذا دار، و ينشد بيت الأعشى: [البسيط] 439-

كأنّ مشيتها من بيت جارتها # مور السّحابة لا ريث و لا عجل‏

(1)

و يروى عن ابن عباس: تمور تشقّق.

وَ تَسِيرُ اَلْجِبََالُ أي من أمكنتها سَيْراً .

دخلت هذه الفاء لأن في الكلام معنى المجازاة، و مثله فالكلم اسم و فعل و حرف جاء لمعنى فالتقدير إذا انتبهت له فهو كذا و كذا الآية التقدير فيها إذا كان هذا فويل يومئذ للمكذّبين.

أي في فتنة و اختلاط يلعبون أي غافلين عما يراد بهم، و اَلَّذِينَ في موضع خفض نعته للمكذبين.

نصب يوم على البدل من يومئذ. و روى قابوس عن أبيه عن ابن عباس يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلى‏ََ نََارِ جَهَنَّمَ دَعًّا (2) قال: يدفع في أعناقهم حتّى يردّوا إلى النار.

أي يقال لهم فحذف هذا.

اِصْلَوْهََا أي قاسوا حرّها و شدّتها. فَاصْبِرُوا أَوْ لاََ أي على ألمها و شدّتها.

تَصْبِرُوا سَوََاءٌ مبتدأ أي سواء عليكم الصبر و الجزع. عَلَيْكُمْ إِنَّمََا تُجْزَوْنَ مََا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ .

____________

(1) الشاهد للأعشى في ديوانه ص 105، و لسان العرب (مور) ، و تهذيب اللغة 1/372، و 2/256، و تاج العروس (مور) .

(2) انظر البحر المحيط 8/145.

172

إِنَّ اَلْمُتَّقِينَ أي الّذين اتقوا اللّه جلّ و عزّ في اجتناب معاصيه و أداء فرائضه. فِي جَنََّاتٍ وَ نَعِيمٍ في موضع خبر «إنّ» .

فَكِهِينَ على الحال. و يجوز الرفع في غير القرآن على أنه خبر «إنّ» بِمََا آتََاهُمْ رَبُّهُمْ بما أعطاهم و رزقهم وَ وَقََاهُمْ و المستقبل منه معتلّ من جهتين من فائه و لامه. قال أبو جعفر: فأمّا اعتلاله من فائه فإن الأصل فيه: يوقيه حذفت الواو لأنها بين ياء و كسرة و اعتلاله من لامه لأنها سكنت في موضع الرفع و لثقل الضمة فيها، و التقدير: يقال لهم: كُلُوا وَ اِشْرَبُوا هَنِيئاً بِمََا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (19) و نصب هَنِيئاً على المصدر. و معناه بلا أذى و لا غمّ و لا غائلة يلحقكم في أكلكم و لا شربكم.

مُتَّكِئِينَ نصب على الحال. عَلى‏ََ سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ جمع سرير، و يجوز سرر (1) لثقل الضمّة. مَصْفُوفَةٍ نعت. وَ زَوَّجْنََاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ أي قرنّاهم بهنّ. قال أبو عبيدة: الحور شدّة سواد العين و شدّة بياض بياض العين. قال أبو جعفر:

الحور في اللغة البياض، و منه الخبز الحوّاريّ، و عِينٍ جمع عيناء و هو على فعل أبدل من الضمة كسرة لمجاورتها الياء.

وَ اَلَّذِينَ مبتدأ. آمَنُوا صلته. وَ اِتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمََانٍ داخل معه في الصلة أَلْحَقْنََا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ خبر الابتداء. و هذه القراءة مأثورة عن عبد اللّه بن مسعود، و هي متّصلة الإسناد من حديث المفضّل الضبّي عن الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن عبد اللّه بن مسعود أنه رد على رجل وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ اِتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمََانٍ أَلْحَقْنََا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ بالتوحيد فيهما جميعا مقدار عشرين مرة و هذه قراءة الكوفيين؛ و قرأ الحسن و أبو عمرو ذرياتهم (2) بالجمع فيها جميعا. و قرأ المدنيون وَ اِتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمََانٍ أَلْحَقْنََا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ (3) و المعاني في هذا متقاربة و إن كان التوحيد القلب إليه أميل لما روي عن عبد اللّه بن مسعود، و عن ابن عباس و قد احتج أبو عبيد للتوحيد بقوله جلّ و عزّ: مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ [مريم: 58]

____________

(1) انظر البحر المحيط 8/146، و هذه قراءة أبي السمال.

(2) انظر البحر المحيط 8/147، و تيسير الداني 165، و كتاب السبعة لابن مجاهد 612.

(3) انظر البحر المحيط 8/147، و تيسير الداني 165، و كتاب السبعة لابن مجاهد 612.

173

و لا يكون أكثر من ذرية أدم عليه السلام قال: و هذا إجماع فسبيل المختلف فيه أن يردّ إليه وَ مََا أَلَتْنََاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْ‏ءٍ يقال: ألته يألته ولاته يليته إذا نقصه و «من» في عَمَلِهِمْ للتبعيض و في مِنْ شَيْ‏ءٍ بمعنى التوكيد. كُلُّ اِمْرِئٍ بِمََا كَسَبَ رَهِينٌ مبتدأ و خبره أي كل إنسان مرتهن بما عمل لا يؤخذ أحد بذنب أحد.

وَ أَمْدَدْنََاهُمْ بِفََاكِهَةٍ و هم هؤلاء المذكورون. وَ لَحْمٍ مِمََّا يَشْتَهُونَ أي يشتهونه، و حذفت الهاء لطول الاسم.

يَتَنََازَعُونَ فِيهََا كَأْساً لاََ لَغْوٌ فِيهََا وَ لاََ تَأْثِيمٌ (23) هذه قراءة أهل الحرمين و أهل المصرين إلاّ أبا عمرو و يروى عن الحسن لاََ لَغْوٌ فِيهََا وَ لاََ تَأْثِيمٌ (1) . فالرفع من جهتين: أحداهما أن يكون «لا» بمنزلة «ليس» . و الأخرى أن ترفع بالابتداء و شبّهه أبو عبيد بقوله جلّ و عزّ: لاََ فِيهََا غَوْلٌ [الصافات: 47]و اختار الرفع. قال أبو جعفر: و ليس يشبهه عند أحد من النحويين علمته لأنك إذا فصلت لم يجز إلاّ الرفع، و كذا لاََ فِيهََا غَوْلٌ و إذا لم تفصل جاز الرفع و النصب بغير تنوين فكذلك لاََ لَغْوٌ فِيهََا وَ لاََ تَأْثِيمٌ و لو كانا كما قال واحدا لم يجز. لاََ لَغْوٌ فِيهََا وَ لاََ تَأْثِيمٌ و قد قرأ به أبو عمرو بن العلاء و هو جائز حسن عند الخليل و سيبويه و عيسى بن عمر و الكسائي و الفراء و نصبه على التبرية عند الكوفيين. فأما البصريون فإنهم جعلوا الشيئين شيئا واحدا.

وَ يَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمََانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ أي في الصفاء. مَكْنُونٌ فهو أصفى له و أخلص بياضا.

روى ابن طلحة عن ابن عباس قال: هذا عند النفخة الثانية.

خبر كان أي قبل هذا و جعلت «قبل» غاية...

منّ اللّه عليهم بغفران الصغائر و ترك المحاسبة لهم بالنعم المستغرقة للأعمال،

____________

(1) انظر البحر المحيط 8/147، و تيسير الداني 69، قال (بالنصب من غير تنوين في الكلّ و الباقون بالرفع و التنوين) .

174

كما روي عن النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم: «لا يدخل أحد الجنّة بعمله» قيل: و لا أنت يا رسول اللّه قال:

«و لا أنا إلاّ أن يتغمّدني اللّه منه برحمته» (1) .

هذه قراءة أبي عمرو و عاصم و الأعمش و حمزة، و قرأ أبو جعفر و نافع و الكسائي إِنَّهُ هُوَ اَلْبَرُّ اَلرَّحِيمُ (2) قال أبو جعفر: و الكسر أبين لأنه إخبار بهذا فالأبلغ أن يبتدأ، و الفتح جائز و معناه ندعوه لأنه أو بأنه. و قد عارض أبو عبيد هذه القراءة لأنه اختار الكسر و لأن معناها ندعوه لهذا، و هذه المعارضة لا توجب منع القراءة بالفتح لأنهم يدعونه لأنه هكذا. و هذا له جلّ و عزّ دائم لا ينقطع. فنظير هذا لبّيك أنّ الحمد و النعمة لك، بفتح إن و كسرها. و روى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس إِنَّهُ هُوَ اَلْبَرُّ اَلرَّحِيمُ قال: اللطيف بعباده، و قال غيره: الرحيم بخلقه و لا يعذّبهم بعد التوبة.

فَذَكِّرْ فَمََا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكََاهِنٍ قال أبو إسحاق: أي لست تقول قول الكهان.

وَ لاََ مَجْنُونٍ عطف على بكاهن، و يجوز النصب على الموضع في لغة أهل الحجاز، و يجوز الرفع في لغة بني تميم على إضمار مبتدأ.

أَمْ يَقُولُونَ شََاعِرٌ على إضمار مبتدأ. نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ اَلْمَنُونِ قال أبو جعفر: قد ذكرناه.

قُلْ تَرَبَّصُوا أي تمهّلوا و انتظروا. فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ اَلْمُتَرَبِّصِينَ حتّى يأتي أمر اللّه جلّ و عزّ فيكم.

أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلاََمُهُمْ بِهََذََا قال ابن زيد: كانوا في الجاهلية يسمّون أهل الأحلام فالمعنى أم تأمرهم أحلامهم بأن يعبدوا أوثانا صمّا بكما، و قيل: أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلاََمُهُمْ أن يقولوا لمن جاءهم بالحق و البراهين و النهي عن المنكر و الأمر بالمعروف‏ شََاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ اَلْمَنُونِ . و زعم الفراء أن الأحلام هاهنا العقول و الألباب أَمْ هُمْ قَوْمٌ طََاغُونَ

____________

(1) أخرجه أحمد في مسنده 2/256، و ذكره ابن حجر في فتح الباري 2/332.

(2) انظر البحر المحيط 8/147، و هذه قراءة الحسن أيضا، و تيسير الداني 165.

175

أي لم تأمرهم أحلامهم بهذا بل جاوزوا الإيمان إلى الكفر.

أي ليس يأتون ببرهان أنه تقوّل و اختلقه بل لا يصدّقون و الكوفيون يقولون إنّ «بل» لا تكون إلا بعد نفي فهم يحملون الكلام على هذه المعاني فإن لم يجدوا ذلك لم يجيزوا أن يأتي بعد الإيجاب.

أي إن كانوا صادقين في أنه تقوّله فهم أهل اللسان و اللغة فليأتوا بقرآن مثله.

أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْ‏ءٍ فيه أجوبة فمن أحسنها أم خلقوا من غير أب و لا أم فيكونوا حجارة لا عقول لهم يفهمون بها. و قيل المعنى: أم خلقوا من غير صانع صنعهم فهم لا يقبلون من أحد. أَمْ هُمُ اَلْخََالِقُونَ أي هم الأرباب فللربّ الأمر و النهي.

أَمْ خَلَقُوا اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضَ أي هل هم الذين خلقوا السموات و الأرض فلا يقرّوا بمن لا يشبهه شي‏ء بَلْ لاََ يُوقِنُونَ قيل المعنى لا يعلمون و لا يستدلّون، و قيل: فعلهم فعل من لا يعلم. و من أحسن ما قيل فيه أنّ المعنى: لا يوقنون بالوعيد و ما أعدّ اللّه جلّ و عزّ من العذاب للكفّار يوم القيامة فهم يكفرون و يعصون لأنهم لا يوقنون بعذاب ذلك.

أَمْ عِنْدَهُمْ خَزََائِنُ رَبِّكَ أي فيستغنوا بها. أَمْ هُمُ اَلْمُصَيْطِرُونَ روى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: المسيطرون المسلّطون. و المسيطر (1) في كلام العرب المتجبّر المتسلط المستكبر على اللّه جلّ و عزّ، مشتقّ من السطر كأنه الذي يخطر على الناس منعه مما يريد. و أصله السين و يجوز قلب السين صادا؛ لأن بعدها طاء، و على هذا السواد في هذا الحرف.

____________

(1) انظر تيسير الداني 165، و البحر المحيط 8/149 (قراءة الجمهور بالصاد و هشام و قنبل و حفص بالسين) .

176

أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ أي يستمعون فيه الوحي من السماء فيدّعون أنّ الذي هم عليه قد أوحى به فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطََانٍ مُبِينٍ أي بحجّة بيّنة كما أتى بها النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم.

كما تقولون فتلك قسمة جائرة.

مَغْرَمٍ مصدر أي أم تسألهم مالا فهم من أن يغرموا شيئا مثقلون أي يثقل ذلك عليهم.

أَمْ عِنْدَهُمُ اَلْغَيْبُ أي هم لا يعلمون الغيب فكيف يقولون: لا نؤمن برسول يأكل الطعام و يمشي في الأسواق، و يقولون شاعر نتربّص به ريب المنون؟ فَهُمْ يَكْتُبُونَ أي يكتبون للناس من الغيب ما أرادوا، و يخبرونهم به.

أَمْ يُرِيدُونَ كَيْداً أي احتيالا على إذلال النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم و إهلاكه و على المؤمنين. فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ اَلْمَكِيدُونَ أي المذلّون المهلكون الصابرون إلى عذاب اللّه جلّ و عزّ.

أَمْ لَهُمْ إِلََهٌ غَيْرُ اَللََّهِ أي معبود يستحقّ العبادة. سُبْحََانَ اَللََّهِ عَمََّا يُشْرِكُونَ أي تنزيها للّه جلّ و عزّ مما يعبدونه من دونه.

وَ إِنْ يَرَوْا كِسْفاً مِنَ اَلسَّمََاءِ سََاقِطاً جمع كسفة مثل سدرة و سدر. روى ابن أبي طلحة عن ابن عباس كسفا قال: يقول: قطعا يَقُولُوا سَحََابٌ مَرْكُومٌ على إضمار مبتدأ أي يقولوا: هذا الكسف سحاب مركوم.

فَذَرْهُمْ من يذر حذفت منه الواو و إنما تحذف من يفعل لوقوعها بين ياء و كسرة أو من يفعل إذا كان فيه حرف من حروف الحلق و ليس في «يذر» من هذا شي‏ء يوجب حذف الواو، و قال أبو الحسن بن كيسان: حذفت منه الواو لأنه بمعنى يدع فأتبعه.

حَتََّى يُلاََقُوا يَوْمَهُمُ اَلَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ و قرأ الحسن و عاصم يُصْعَقُونَ (1) قال الحسن أي

____________

(1) انظر تيسير الداني 165، و البحر المحيط 8/150، (عاصم و ابن عامر بضمّ الياء و الباقون بفتحهما) .

177

يماتون، و حكى الفراء (1) عن عاصم يُصْعَقُونَ و هذا لا يعرف عنه قال: يقال: صعق يصعق، و هي لغة معروفة كما قرأ الجميع‏ فَصَعِقَ مَنْ فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ مَنْ فِي اَلْأَرْضِ [الزمر: 68]و لم يقرءوا فصعق، و يقال: صعق يصعق و أصعق متعدّي صعق.

يَوْمَ لاََ يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً بدل من اليوم الأول. وَ لاََ هُمْ يُنْصَرُونَ أي و لا يستقيد لهم أحد ممن عاقبهم و لا يمنع منهم.

وَ إِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذََاباً دُونَ ذََلِكَ أجلّ ما قيل فيه إسنادا ما رواه أبو إسحاق عن البرآء وَ إِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذََاباً دُونَ ذََلِكَ قال: عذاب القبر. و قال ابن زيد: المصائب في الدنيا، و معنى دُونَ ذََلِكَ دون يوم يصعقون و هو يوم القيامة. وَ لََكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاََ يَعْلَمُونَ أي لا يعلمون أنّهم ذائقوا ذلك العذاب، و قيل: فعلهم فعل من لا يعلم.

وَ اِصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ أي لحكمه الذي قضى عليك و امض لأمره و نهيه و بلّغ رسالته فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنََا أي نراك و نرى عملك و نحوطك و نحفظك، و جمعت عين على أعين، و هي مثل بيت، و لا يقال: أبيت لثقل الضمة في الياء إلاّ أن هذا جاء في عين؛ لأنّها مؤنثة. و أفعل في جمع المؤنث كثير. قالوا شمال أشمل و عناق أعنق. و قد قيل: أعيان كأبيات وَ سَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ في معناه أقوال فقول الضّحاك إنّ معناه حين تقوم إلى الصلاة بعد تكبيرة الإحرام، تقول: سبحانك اللّهمّ و بحمدك تبارك و اسمك و تعالى جدّك، و قيل التسبيح هاهنا تكبيرة الإحرام التي لا تتمّ الصلاة إلا بها، لأن معنى التسبيح في اللغة تنزيه اللّه جلّ و عزّ من كل سوء نسبه إليه المشركون و تعظيمه، و من قال: اللّه أكبر فقد فعل هذا، و قول ثالث يكون المعنى حين تقوم من نومك، و يكون هذا يوم القائلة يعني صلاة الظهر؛ لأن المعروف من قيام الناس من نومهم إلى الصلاة إنما هو من صلاة الفجر، و صلاة الظهر و صلاة الفجر مذكورة بعد هذا. فأما قول الضّحاك إنه في افتتاح الصلاة فبعيد لاجتماع الحجة لأن الافتتاح في الصلاة غير واجب و لو أمر اللّه جلّ و عزّ به لكان واجبا إلاّ أن تقوم الحجة أنّه على الندب و الإرشاد.

وَ مِنَ اَللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ قال ابن زيد: صلاة العشاء، و قال غيره: صلاة المغرب و العشاء

____________

(1) انظر معاني الفراء 613.

178

وَ إِدْبََارَ اَلنُّجُومِ فيه قولان: أحدهما أنه لركعتي الفجر، و قال الضّحاك و ابن زيد: صلاة الصبح. قال و هذا أولى؛ لأنه فرض من اللّه تعالى. و نصب وَ إِدْبََارَ اَلنُّجُومِ على الظرف أي و سبّحه وقت إدبار النجوم، كما: أنا أتيك مقدم الحاجّ، و لا يجوز أنا أتيك مقدم زيد، إنما يجوز هذا فيما عرف. و هذا قول الخليل و سيبويه.

179

53 شرح إعراب سورة النجم‏

بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ

وَ اَلنَّجْمِ خفض بواو القسم، و التقدير و ربّ النجم. إِذََا هَوى‏ََ في موضع نصب أي حين هوى، }و جواب القسم مََا ضَلَّ صََاحِبُكُمْ أي ما زال عن القصد وَ مََا غَوى‏ََ قيل:

أي و ما خاب فيما طلبه من الرحمة.

وَ مََا يَنْطِقُ عَنِ اَلْهَوى‏ََ قيل: المعنى و ما ينطق فيما يخبر به من الوحي، }و دلّ على هذا إِنْ هُوَ إِلاََّ وَحْيٌ يُوحى‏ََ أي ما الذي يخبر به إلا وحي يوحى. و يوحى يرجع إلى الياء، و لو كان من ذوات الواو لتبع المستقبل الماضي.

أي الأسباب، و حكى الفراء أنه يقرأ شَدِيدُ اَلْقُوى‏ََ بكسر القاف؛ لأن فعلة و فعلة يتضارعان. قال قتادة: شديد القوى جبريل عليه السلام.

ذُو مِرَّةٍ قال مجاهد: جبرائيل عليه السلام ذو قوة. و قال ابن زيد: المرّة القوة. و روى ابن أبي طلحة عن ابن عباس ذُو مِرَّةٍ أي منظر حسن. قال أبو جعفر:

حقيقة المرّة في اللغة اعتدال الخلق و السلامة من الآفات و العاهات، فإذا كان كذا كان قويا. فَاسْتَوى‏ََ قيل: فاعتدل بعد أن كان ينزل مسرعا.

في موضع الحال أي فاستوى عاليا، هذا قول من تجب به الحجّة من العلماء،

180

و المعنى عليه، و الإعراب يقويه. و زعم الفراء (1) أن المعنى فاستوى محمد صلّى اللّه عليه و سلّم و جبريل عليه السلام فجعل «و هو» كناية عن جبرائيل عليه السلام و عطف به على المضمر. قال أبو جعفر: في هذا من الخطأ ما لاحقا به عطف على مضمر مرفوع لا علامة له و مثله مررت بزيد جالسا و عمرو، و يعطف به على المضمر المرفوع. و هذا ممنوع من الكلام حتّى يؤكّد المضمر أو يطول الكلام ثم شبّهه بقوله: أَ إِذََا كُنََّا تُرََاباً وَ آبََاؤُنََا [النمل:

67]و هذا التشبيه غلط من جهتين، إحداهما أنه قد طال الكلام هاهنا و قام المفعول به مقام التوكيد. و الجهة الأخرى أنّ النون و الألف قد عطف عليهما هاهنا، و قولك: قمنا و زيد أسهل من قولك: قام و زيد، و أيضا فليس المعنى على ما ذكر.

شبّهه الفراء (2) بقوله جلّ و عزّ: اِقْتَرَبَتِ اَلسََّاعَةُ وَ اِنْشَقَّ اَلْقَمَرُ [القمر: 1]لأن المعنى: انشقّ القمر و اقتربت الساعة. قال أبو جعفر: و هذا التشبيه غلط بيّن؛ لأن حكم الفاء خلاف حكم الواو لأنها تدلّ على أن الثاني بعد الأول، فالتقدير ثم دنا فزاد في القرب.

قال أبو جعفر: و هذا أيضا مما يشكل في العربية لأن «أو» لا يجوز أن تكون بمعنى الواو لاختلاف ما بينهما، و لا بمعنى «بل» لما ذكرنا. و أن الاختصار يوجب غير ذلك فالتقدير فكان بمقدار ذلك عندكم لو رأيتموه قدر قوسين أو أدنى، كما روي عن ابن مسعود قال: فكان قدر ذراع أو ذراعين. قال أبو جعفر: القاد و القيد و القاب و القيب و القدر و القدر.

في معناه قولان: روى هشام الدستوائي عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس قال:

عبده محمد صلّى اللّه عليه و سلّم فتأوّل هذا على المعنى فأوحى إلى عبده محمد صلّى اللّه عليه و سلّم. و القول الأخر أن المعنى فأوحى جبرائيل إلى محمد صلّى اللّه عليه و سلّم عبد اللّه و هو قول جماعة من أهل التفسير منهم ابن زيد قال: و هذا أشبه بسياق الكلام لأن ما قبله و ما بعده أخبار عن جبرائيل صلّى اللّه عليه و سلّم و محمد صلّى اللّه عليه و سلّم فلا يخرج ذلك عنهما إلى أحد إلاّ بحجة يجب التسليم بها.

(3)

____________

(1) انظر معاني الفراء 3/95.

(2) انظر معاني الفراء 3/96.

(3) انظر القراءات في البحر المحيط 8/156، و تيسير الداني 166.

181

هذه قراءة أكثر القراء، و قرأ الحسن و قتادة و يزيد بن القعقاع و عاصم الجحدري مََا كَذَبَ اَلْفُؤََادُ (1) مشدّدا. التقدير في التخفيف ما كذب فؤاد محمد محمدا فيما راه و حذفت في كما حذفت «من» في قوله جلّ و عزّ من: وَ اِخْتََارَ مُوسى‏ََ قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً [الأعراف: 155]. لأنه مما يتعدّى إلى مفعولين أحدهما بحرف. قال أبو جعفر: و هذا شرح بيّن و لا نعلم أحدا من النحويين بيّنه، و من قرأ كذّب فزعم الفراء أنه يجوز أن يكون أراد صاحب الفؤاد. و أجاز أن يكون معنى «ما كذب» صدّق. و القراءة بالتخفيف أبين معنى، و بالتشديد يبعد؛ لأن معناها قبله و إذا قبله الفؤاد أي علمه فلا معنى للتكذيب. و القراءة بالتخفيف بيّنة أي صدقه. و اختلف أهل التأويل في معنى مََا كَذَبَ اَلْفُؤََادُ مََا رَأى‏ََ فقال ابن عباس و جماعة معه: رأى ربه جلّ و عزّ قال: و خصّ اللّه إبراهيم صلّى اللّه عليه و سلّم بالخلّة و موسى بالتكليم و محمدا صلّى اللّه عليه و سلّم بالرؤية كما جاء في الحديث عنه صلّى اللّه عليه و سلّم:

«رأيت ربّي جلّ و عزّ فقال: فيم يختصم الملأ الأعلى» (2) . و القول الأخر قول ابن مسعود و عائشة رضي اللّه عنهما أنه رأى جبرائيل على صورته و قد رفعه زرّ عن عبد اللّه أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم قال: «رأيت جبرائيل على صورته له ستمائة جناح عند سدرة المنتهى» (3)

و رفعته عائشة أيضا عن النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم و ردّت على ابن عباس ما قاله.

(4)

صحيحه عن النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم و ابن مسعود و ابن عباس و مرويّه عن علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه، و هي قراءة مسروق و أبي العالية و يحيى بن وثاب و الأعمش و حمزة و الكسائي و بها قرأ النخعي غير أن أبا حاتم حكى أنه قال: لم يماروه و إنما جحدوه قال: و في هذا طعن على جماعة من القراء تقوم بقراءتهم الحجة منهم الحسن و شريح و أبو جعفر و الأعرج و شيبة و نافع و أبو عمرو و ابن كثير و العاصمان. و القول في هذا أنهما قراءتان مستفيضتان قد قرأ بهما الجامعة غير أن الأولى من ذكرناه من الصحابة.

فأما أن يقال: لم يماروه فعظيم؛ لأن اللّه جلّ و عزّ قد أخبر أنّهم قد جادلوا، و الجدال هو المراء و لا سيما في هذه القصة، و قد ماروه فيها حتّى قالوا له: سرت في ليلة واحدة إلى بيت المقدس فصفه لنا، و قالوا: لنا عير بالشام فأخبرنا خبرها، قال محمد بن يزيد: يقال مراه بحقّه يمريه إذا دفعه به و منعه منه، قال و «على» بمعنى «عن» . قال أبو

____________

(1) انظر معاني الفراء 3/96.

(2) ذكره ابن الجوزي في زاد المسير 7/155، و ذكر في مناهل الصفا (32) ، و مختصر العلو للعلي الغفار- تحقيق الألباني 119.

(3) أخرجه أحمد في مسنده 1/407، و ابن كثير في البداية و النهاية 1/44.

(4) انظر تيسير الداني 166، و البحر المحيط 8/156.

182

جعفر: و ذلك معروف في اللغة، و قد ذكرنا أن لغة بني كعب بن ربيعة رضي اللّه عليك أي عنك.

وَ لَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى‏ََ (13) أحسن ما قيل فيه و أصحّه أن الضمير يعود على شديد القوى، كما حدّثنا الحسن بن غليب قال: حدثنا محمد بن سوّار الكوفي قال: حدثنا عبدة بن سليمان عن سعيد عن أبي معشر عن إبراهيم عن مسروق قال: قالت عائشة رضي اللّه عنها: ثلاث من قال واحدة منهن فقد أعظم على اللّه جلّ و عزّ الفرية: من زعم أنه يعلم ما في غد فقد أعظم الفرية على اللّه‏ وَ مََا تَدْرِي نَفْسٌ مََا ذََا تَكْسِبُ غَداً [لقمان: 34]. و من زعم أن محمدا صلّى اللّه عليه و سلّم كتم شيئا من أمر الوحي فقد أعظم على اللّه الفرية و اللّه جلّ و عزّ يقول: يََا أَيُّهَا اَلرَّسُولُ بَلِّغْ مََا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمََا بَلَّغْتَ رِسََالَتَهُ [المائدة: 67]، و من زعم أنّ محمدا رأى ربه فقد أعظم على اللّه جل و عز الفرية و اللّه جلّ ثناؤه يقول: وَ مََا كََانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اَللََّهُ إِلاََّ وَحْياً أَوْ مِنْ وَرََاءِ حِجََابٍ [الشورى: 51]و اللّه يقول: لاََ تُدْرِكُهُ اَلْأَبْصََارُ [الأنعام: 103]قلت: يا أمّ المؤمنين ألم يقل: وَ لَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى‏ََ (13) وَ لَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ اَلْمُبِينِ [التكوير: 23] قالت: أنا سألت عن ذلك نبيّ اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم فقال: «رأيت جبرائيل عليه السلام نزل سادّا الأفق على خلقه و هيبته أو خلقه و صورته» (1) . و قال الفراء (2) : «نزلة أخرى» مرّة أخرى. قال أبو جعفر: «نزلة» مصدر في موضع الحال، كما تقول: جاء فلان مشيا أي ماشيا، }و التقدير و لقد راه نازلا نزلة أخرى أي في نزوله عِنْدَ سِدْرَةِ اَلْمُنْتَهى‏ََ (14) متّصل براه. قال عكرمة عن ابن عباس: سألت كعبا عن سدرة المنتهى فقال: إليها ينتهي علم العلماء لا يعلم أحد ما وراءها إلاّ اللّه جلّ و عزّ، و قال الربيع بن أنس: سمّيت سدرة المنتهى لأنه تنتهي إليه أرواح المؤمنين و مذهب الضّحاك أنه ينتهي إليها ما كان من أمر اللّه من فوقها أو من تحتها. قال أبو جعفر: و ليس قول من هذه إلاّ و هو محتمل لذلك، و لا خبر يقطع العذر في ذلك، و اللّه جلّ و عزّ أعلم.

قال كعب: مأوى أرواح الشهداء، و قال قتادة: مأوى أرواح المؤمنين. و يقال:

إنها الجنة التي أوى إليها أدم عليه السلام، و إنها في السماء السابعة. فأعلم اللّه جلّ و عزّ أن محمدا صلّى اللّه عليه و سلّم قد أسري به إلى السماء السابعة على هذا. فأما من قرأ

____________

(1) أخرجه الترمذي في سننه-التفسير 11/188، و في البحر المحيط 8/157.

(2) انظر معاني الفراء 3/96.

183

جَنَّةُ اَلْمَأْوى‏ََ (1) فتقديره جنّة سواد الليل. و هي قراءة شاذة قد أنكرها الصحابة سعد بن أبي وقاص و ابن عباس و ابن عمر. و قال ابن عباس: هي مثل‏ جَنََّاتُ اَلْمَأْوى‏ََ [السجدة:

19]حجّة بيّنة مع إجماع الجماعة الذين تقوم بهم الحجة، و أيضا فإنه يقال: أجنّة الليل، و جنّ عليه، و لغة شاذة جنّة الليل.

إِذْ متصلة براه. قال الربيع بن أنس: غشيها نور الرب و الملائكة واقعة على الأشجار كالغربان، و كذا قال أبو العالية و يقال: إنه عن أبي هريرة مثله و زاد فيه.

فهنالك كلّمه ربه جلّ و عزّ قال له سل: مََا زََاغَ اَلْبَصَرُ أي ما حاد يمينا و شمالا متحيّرا.

وَ مََا طَغى‏ََ أي و ما تجاوز ذلك من غير أن يتبيّنه.

قال ابن زيد: رأى جبرائيل صلّى اللّه عليه و سلّم على صورته في السماء.

قال الكسائي: الوقوف عليه اللاّه، و قال غيره: الوقوف عليه اللاّت. اشتقّوه من اسم اللّه جلّ و عزّ. و هو مكتوب في الصحف بالتاء. }و اشتقّوا العزّى من العزيز وَ مَنََاةَ (2) من منى اللّه عزّ و جلّ عليه الشي‏ء أي قدّره اَلثََّالِثَةَ اَلْأُخْرى‏ََ نعت لمناة.

يجوز أن يكون مقدّما ما ينوى به التأخير، و يكون المعنى إن الّذين لا يؤمنون بالاخرة ليسمّون الملائكة تسمية الأنثى. أي يقولون هم بنات اللّه عزّ و جلّ أ لكم الذكر الذي ترضوانه و له الأنثى التي لا ترضونها.

يقال: ضازه يضيزه و يضوزه إذا جار عليه.

____________

(1) انظر البحر المحيط 8/157 (و قرأ علي و أبو الدرداء و أبو هريرة و ابن الزبير و أنس و زرّ و محمد بن كعب و قتادة (جنّه) بها الضمير، و جنّ فعل ماض، و الهاء ضمير يعود إلى النبيّ، أي: عندها ستره إيواء اللّه تعالى و جميل صنعه) .

(2) انظر تيسير الداني 166 (ابن كثير «و مناءة» بالمدج و الهمز و الباقون بغير مدّ و لا همز) .

184

إِنْ هِيَ إِلاََّ أَسْمََاءٌ سَمَّيْتُمُوهََا أَنْتُمْ وَ آبََاؤُكُمْ قولهم الأوثان الهة و الملائكة بنات اللّه. مََا أَنْزَلَ اَللََّهُ بِهََا مِنْ سُلْطََانٍ أي من حجّة و لا وحي، و إنما هو شي‏ء اخترفتموه. إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ اَلظَّنَّ وَ مََا تَهْوَى اَلْأَنْفُسُ أي ما يتّبعون في هذه التسمية إلاّ الظنّ و هواهم. وَ لَقَدْ جََاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ اَلْهُدى‏ََ أي البيان بأن لا معبود سواه و أن عبادة هذه الأشياء شرك و كفر.

قيل: أي ليس له ذلك، و قال ابن زيد: أي إن كان محمد صلّى اللّه عليه و سلّم تمنّى شيئا فهو له.

و شرح هذا القول إن كان محمد صلّى اللّه عليه و سلّم تمنّى الرسالة فقد أعطاه اللّه جلّ و عزّ فلا تنكروه.

يعطي من شاء ما يشاء.

وَ كَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي اَلسَّمََاوََاتِ لو حذفت «من» لخفضت أيضا لأنه خبر و «كم» تخفض ما بعدها في الخبر مثل «ربّ» إلا أنّ «كم» للكثير و ربّ للقليل. لاََ تُغْنِي شَفََاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلاََّ مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اَللََّهُ لِمَنْ يَشََاءُ وَ يَرْضى‏ََ في هذا تنبيه لهم و توبيخ؛ لأنهم قالوا مََا نَعْبُدُهُمْ إِلاََّ لِيُقَرِّبُونََا إِلَى اَللََّهِ زُلْفى‏ََ [الزمر: 3]فأخبر اللّه جلّ و عزّ أنّ الملائكة صلوات اللّه عليهم و سلّم الذين هم أفضل الخلق عند اللّه جلّ و عزّ و أكثرهم عملا بالطاعة لا تغني شفاعتهم شيئا إلاّ من بعد إذن اللّه عزّ و جلّ و رضاه فكيف تشفع الأصنام لهم.

هو قولهم هم بنات اللّه عزّ و جلّ. ما لهم بذلك من علم‏ مِنْ زائدة للتوكيد و الموضع موضع رفع‏} إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ اَلظَّنَّ وَ إِنَّ اَلظَّنَّ لاََ يُغْنِي مِنَ اَلْحَقِّ شَيْئاً أي لا ينفع من الحقّ و لا يقوم مقامه.

أي فدع من تولّى عن ذكرنا و لم يؤمن و لم يوحّد و لم يرد ثواب الآخرة و لم يرد إلا زينة الحياة الدنيا.

ذََلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ اَلْعِلْمِ قال ابن زيد: ليس لهم علم إلاّ الّذي هم فيه من الشرك‏

185

و الكفر و مكابرتهم ما جاء من عند اللّه جلّ و عزّ، و قال غيره: ذلك مبلغهم من العلم أنّهم اثروا ما يفنى من زينة الدنيا و رئاستها على ما يبقى من ثواب الآخرة إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ يكون أعلم بمعنى عالم و يجوز أن يكون على بابه بالحذف و سبيل الإسلام. وَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اِهْتَدى‏ََ أي إلى طريق الحق و هو الإسلام و ذلك في سابق علمه.

تكون لام كي متعلقة بالمعنى أي و للّه ما في السّموات و ما في الأرض من شي‏ء يهدي من يشاء و يضلّ من يشاء. لِيَجْزِيَ اَلَّذِينَ أَسََاؤُا أي كفروا و عصوا بِمََا عَمِلُوا ، و يجوز أن يكون اللام متعلّقة بقوله جلّ و عزّ: لاََ تُغْنِي شَفََاعَتُهُمْ شَيْئاً . لِيَجْزِيَ اَلَّذِينَ أَسََئوُا بِمََا عَمِلُوا وَ يَجْزِيَ اَلَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى عطف. قيل: الحسنى الجنة. و قال زيد بن أسلم. اَلَّذِينَ أَسََاؤُا الكفار و اَلَّذِينَ أَحْسَنُوا المؤمنون.

اَلَّذِينَ بدل من الذين قبله يَجْتَنِبُونَ كَبََائِرَ (1) اَلْإِثْمِ قال أبو جعفر: قد ذكرناه في سورة «حم عسق» . وَ اَلْفَوََاحِشَ عطف على الكبائر إِلاَّ اَللَّمَمَ قد ذكرنا ما فيه من قول أهل التفسير. و هو منصوب على أنه استثناء ليس من الأول. و من أصحّ ما قيل فيه و أجمعه لأقوال العلماء أنّه الصغائر و يكون مأخوذا من لممت بالشي‏ء إذا قلّلت نيله.

إِنَّ رَبَّكَ وََاسِعُ اَلْمَغْفِرَةِ أي لأصحاب الصغائر، و نظيره‏ إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبََائِرَ مََا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئََاتِكُمْ [النساء: 31] هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ اَلْأَرْضِ وَ إِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهََاتِكُمْ أي هو أعلم بما تعملون و ما أنتم صائرون إليه حين ابتدأ خلق أبيكم من تراب، و حين أنتم أجنة في بطون أمهاتكم منكم لما أن كبرتم، و يجوز أن يكون اعلم بمعنى عالم فَلاََ تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ قال زيد بن أسلم: أي لا تبرئوها من المعاصي. قال:

و شرح هذا لا تقولوا إنّا أزكياء. هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اِتَّقى‏ََ المعاصي و خاف و أدى الفرائض.

أي عن الإيمان. قال ابن زيد: نزلت في رجل أسلم فلقيه صاحبه فغيره و قال له:

____________

(1) انظر تيسير الداني 158 (حمزة و الكسائي بكسر الباء من غير ألف و لا همزة، و الباقون بفتح الباء و بألف و همزة بعدها) .

186

أضللت أباك و نسبته إلى الكفر و أنت بتنصيرهم أولى فقال: خفت عذاب اللّه، فقال:

أعطني شيئا و أنا أ تحمّل عنك العذاب فأعطاه شيئا قليلا فتعاسر و أكدى، و كتب له كتابا و أشهد له على نفسه أنه يتحمّل عنه العذاب فنزلت أَ فَرَأَيْتَ اَلَّذِي تَوَلََّى .

أي عاسره، و عن ابن عباس «أكدى» منع، و قال مجاهد: قطع.

أي أعلم أن هذا يتحمّل عنه العذاب، كما قال و يرى بمعنى يعلم حكاه سيبويه.

أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمََا فِي صُحُفِ مُوسى‏ََ (36) } وَ إِبْرََاهِيمَ أنه لا يعذّب أحد من أحد. و روى عكرمة عن ابن عباس وَ إِبْرََاهِيمَ اَلَّذِي وَفََّى (1) قال: كان قبل إبراهيم عليه السلام فيؤخذ موضع رفع أي ذلك‏ أَلاََّ تَزِرُ وََازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى‏ََ ، و التقدير عند مجاهد: وفّى بما افترض عليه. قال محمد بن كعب: وفّى بذبح ابنه. و أولى ما قيل في معنى الآية بالصواب ما دلّ عليه عمومها أي وفّى بكل ما افترض عليه بشرائع الإسلام، و وفّى في العربية للتكثير.

«أن» في موضع نصب على البدل من «ما» ، و يجوز أن يكون في موضع رفع أي ذلك أَلاََّ تَزِرُ وََازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى‏ََ و التقدير عند سيبويه أنه لا تزر وازرة. يقال: وزر يزر حمل الوزر.

بمعنى و أنه أيضا أي يجازى إنسان إلا بما عمل.

أن يظهر الناس يوم القيامة على ما عمله من خير أو شرّ لأنه يجازى عليه. قال أبو إسحاق: و يجوز وَ أَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى‏ََ (40) قال: و هذا عند الكوفيين لا يجوز منعوا أنّ زيدا ضربت، و اعتلوا في ذلك بأنه خطأ؛ لأنه لا يعمل في زيد عاملان و هما «أنّ»

____________

(1) انظر البحر المحيط 8/164 (قرأ الجمهور وفّى بتشديد الفاء، و قرأ أبو أمامة الباهلي و سعيد بن جبير و أبو مالك الغفاري و ابن السميفع و زيد بن علي بتخفيفها) .

187

و «ضربت» و أجاز ذلك الخليل و سيبويه و أصحابهما و محمد بن يزيد. قال أبو جعفر:

و سمعت علي بن سليمان يقول: سألت محمد بن يزيد فقلت له: أنت لا تجيز زيد ضربت و تخالف سيبويه فيه فكيف أجزت أنّ زيدا ضربت «و أنّ» تدخل على المبتدأ، فقال: هذا مخالف لذاك لأن «إنّ» لمّا دخلت اضطررت إلى إضمار الهاء لأن في الكلام عاملين.

ثُمَّ يُجْزََاهُ اَلْجَزََاءَ مصدر، و الهاء كناية عن السعي الأوفى لأن اللّه عزّ و جلّ أوفى لهم بما وعد و أوعد.

في موضع نصب اسم «أنّ» ألاّ أنه مقصور لا يتبيّن فيه الإعراب، و المعنى: و أنّ إلى ربّك انتهاء جميع خلقه و مصيرهم فيجازيهم بأعمالهم الحسنة و السيّئة.

«هو» زائدة للتوكيد، و يجوز أن تكون صفة للهاء. فأما معنى أضحك و أبكى فقيل فيه: أضحك أهل الجنة بدخولهم الجنّة و أبكى أهل النار بدخولهم النار، و قيل:

أضحك من شاء من الدنيا بأن سرّه و أبكى من شاء بأن غمّه و الآية عامة.

أي أمات من مات و أحيا من حيي بأن جعل فيه الروح بعد أن كان نطفة.

كلّ واحد منهما زوج لصاحبه، و الذكر و الأنثى بدل من الزوجين.

أي إذا أمناها الرجل و المرأة. و قيل: هو من منى اللّه عليه الشي‏ء إذا قدّره له.

فالأول من «أمنى» ، و هذا من «منى» و يفعل في الثلاثي و الرباعي واحد، لأن الرباعي يحذف منه حرف فتقول هو يكرم و الأصل يؤكرم فحذفت الهمزة اتباعا لقولك: أنا أكرم و حذفت من أكرم لأنه لا يجتمع همزتان.

أي عليه أن ينشئ الزوجين بعد الموت.

188

روى ابن أبي طلحة عن ابن عباس قال: أقنى أرضى، و قال ابن زيد: أغنى بعض خلقه و أفقر بعضهم. قال أبو جعفر: يقال: أقنيت الشي‏ء أي اتخذته عندي و جعلته مقيما فأقنى جعل له مالا مقيما.

قال مجاهد: هي الشّعرى التي خلف الجوزاء، و قال غيره: هما شعريان فالتي عبرت هي الشّعرى العبور الخارجة عن المجرة التي عبدها أبو كبشة في الجاهلية، و قال: رأيتها قد عبرت عن المنازل.

قراءة الكوفيين و بعض المكيين، و هي القراءة البيّنة في العربية حرّك التنوين لالتقاء الساكنين. و قراءة أبي عمرو و أهل المدينة و أنه أهلك عدا الولي (1) بإدغام التنوين في اللام. و تكلّم النحويون في هذا فقال محمد بن يزيد: هو لحن و قال غيره: لا يخلو من إحدى جهتين أن يصرف عادا فيقول: عادا الأولى، أو يمنعه الصرف يجعله اسما للقبيلة فيقول عاد الأولى. فأما عادا الأولى فمتوسط، فأما الاحتجاج بقراءة أهل المدينة و أبي عمرو فنذكره عن أبي إسحاق، قال: فيه ثلاثة لغات يقال: الأولى بتحقيق الهمزة ثم تخفّف الهمزة فتلقى حركتها على اللام فتقول: «الولي» و لا تحذف ألف الوصل لأنها تثبت مع ألف الاستفهام نحو آللََّهُ أَذِنَ لَكُمْ [يونس: 59]فخالفت ألفات الوصل فلم تحذف أيضا هاهنا. و اللغة الثالثة أن يقال: «لولى» فتحذف ألف الوصل لأنها إنما اجتلبت لسكون اللام فلما تحركت اللام حذفت فعلى هذا قراءته عادا الولي أدغم التنوين في اللام. قال: و سمعت محمد بن الوليد يقول: لا يجوز إدغام التنوين في هذه اللام لأن هذه اللام أصلها السكون و التنوين ساكن فكأنه جمع بين ساكنين قال: و سمعته يقول: سمعت محمد بن يزيد يقول: ما علمت أن أبا عمرو بن العلاء لحن في صميم العربية في شي‏ء من القرآن إلاّ في‏ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ [ال عمران:

75]و في وَ أَنَّهُ أَهْلَكَ عََاداً اَلْأُولى‏ََ قال: و أبى هذا أبو إسحاق و احتجّ بما قدّمنا. فأما الأولى فيقال: لا يكون أولى إلاّ و ثمّ أخرى فهل كان ثمّ عاد آخرة؟فتكلّم في هذا جماعة من العلماء. فمن أحسن ما قيل فيه ما ذكره محمد بن إسحاق قال: عاد الأولى عاد بن إرم بن عوض بن سام بن نوح صلّى اللّه عليه و سلّم، و عاد الثانية بنو لقيم بن هزّال بن هزيل

____________

(1) انظر تيسير الداني 166، و كتاب السبعة لابن مجاهد 615، و البحر المحيط 8/166.

189

من ولد عاد الأكبر و كانوا بمكة في وقت أهلكت عاد الأولى مع بني عملاق. قال أبو إسحاق: فبقوا بعد عاد الأولى حتّى بغى بعضهم على بعض و قتل بعضهم بعضا. قال:

و سمعت علي بن سليمان يقول: سمعت محمد بن يزيد يقول: عاد الآخرة ثمود، و استشهد على ذلك بقول زهير: [الطويل‏] 440-

كأحمر عاد ثمّ ترضع فتفطم‏

(1)

يريد عاقر الناقة، و جواب ثالث أنه قد يكون شي‏ء له أول و لا أخر له من ذلك نعيم أهل الجنة.

قال بعض العلماء: أي فلم يبقهم على كفرهم و عصيانهم حتّى أفناهم و أهلكم و هذا القول خطأ؛ لأن الفاء لا يعمل ما بعدها فيما قبلها فلا يجوز أن تنصب ثمودا بأبقى، و أيضا فإن بعد الفاء «ما» و أكثر النحويين لا يجيز أن يعمل ما بعد ما فيما قبلها، و الصواب أن ثمودا منصوب على العطف على عاد.

وَ قَوْمَ نُوحٍ عطف أيضا. مِنْ قَبْلُ أي من قبل هؤلاء. إِنَّهُمْ كََانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَ أَطْغى‏ََ أي أظلم لأنفسهم من هؤلاء و أطغى و أشدّ تجاوزا للظلم و قد بين ذلك قتادة و قال: كان الرجل منهم يمشي بابنه إلى نوح عليه السلام فيقول: يا بنيّ لا تقبل من هذا، فإنّ أبي مشى بي إليه و أوصاني بما أوصيتك به فوصفهم اللّه جلّ و عزّ بالظلم و الطغيان.

وَ اَلْمُؤْتَفِكَةَ منصوبة بأهوى.

الفائدة هي هذا معنى التعظيم أي ما غشّى مما قد ذكر لكم. قال قتادة: غشّاها الصخور أي بعد ما رفعها و قلبها.

____________

(1) الشاهد لزهير بن أبي سلمى في ديوانه ص 20، و لسان العرب (سكف) ، و (شأم) ، و جمهرة اللغة (1328) ، و أساس البلاغة (شأم) ، و تاج العروس (كشف) ، و (شأم) ، و بلا نسبة في تهذيب اللغة 11/ 436، و صدره:

«فتنتج لكم غلمان أشأم كلّهم»

190

أي قل يا محمد لمن يشك و يجادل بأيّ نعم ربّك تمتري أي تشكّ، و واحد الالاء إلى، و يقال: ألى و إلي و أليّ، أربع لغات قال قتادة: أي فبأي نعم ربك تتمارى المعنى يا أيها الإنسان فبأيّ نعم ربّك تتشكّك؛ لأن المريّة الشكّ.

هََذََا نَذِيرٌ مبتدأ و خبره. و مذهب قتادة أن المعنى هذا محمد نذير، و شرحه أنّ المعنى: هذا محمد من المنذرين أي منهم في الجنس و الصدق و المشاكلة و إذا كان مثلهم فهو منهم. و مذهب أبي مالك أن المعنى: هذا الذي أنذرتكم به من هلاك الأمم نذير. مِنَ اَلنُّذُرِ اَلْأُولى‏ََ قال أبو جعفر: و هذا أولى بنسق الآية لأن قبله‏ أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمََا فِي صُحُفِ مُوسى‏ََ`وَ إِبْرََاهِيمَ اَلَّذِي وَفََّى [الآية: 3]فالتقدير هذا الذي أنذرتكم به من النذر المتقدّمة.

روى ابن أبي طلحة عن ابن عباس قال: «الآزفة» من أسماء القيامة. قال: يقال أزف الشي‏ء إذا قرب، كما قال: [الكامل‏] 441-

أزف التّرحّل غير أنّ ركابنا # لمّا نزل برحالنا و كأن قد

(1)

قيل: معنى «كاشفة» المصدر أي كشفت مثل‏ لَيْسَ لِوَقْعَتِهََا كََاذِبَةٌ [الواقعة: 2] و قال أبو إسحاق: «كاشفة» من يتبيّن متى هي، و قيل «كاشفة» من يكشف ما فيها من الجهد أي لوقعتها كاشف إلاّ اللّه عزّ و جلّ و لا يكشفه إلاّ عن المؤمنين، و تكون الهاء للمبالغة.

أي من أن أوحى إلى محمد صلّى اللّه عليه و سلّم تعجبون.

____________

(1) الشاهد للنابغة الذبياني في ديوانه 89، و الأزهيّة 211، و الأغاني 11/8، و الجنى الداني 146، و خزانة الأدب 7/197، و الدرر اللوامع 2/202، و شرح التصريح 1/36، و شرح شواهد المغني 490، و شرح المفصل 8/148، و لسان العرب (قدد) ، و مغني اللبيب 171، و المقاصد النحوية 1/80، و بلا نسبة في الأشباه و النظائر 2/56، و أمالي ابن الحاجب 1/455، و خزانة الأدب 9/8، و رصف المباني 72، و سرّ صناعة الإعراب 334، و شرح الأشموني 1/12، و شرح ابن عقيل 18، و شرح قطر الندى 160، و شرح المفصّل 10/110، و مغني اللبيب 342، و المقتضب 1/42، و همع الهوامع 1/143.

191

وَ تَضْحَكُونَ استهزاء. وَ لاََ لما فيه من الوعيد و ذكر العقاب.

أي لاهون معرضون عن آياته.

قال أبو إسحاق: المعنى: فَاسْجُدُوا لِلََّهِ و لا تسجدوا للات و العزّى و مناة وَ اُعْبُدُوا أي و اعبدوا اللّه جلّ و عزّ وحده.

192

54 شرح إعراب سورة القمر

بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ

اِقْتَرَبَتِ اَلسََّاعَةُ كسرت التاء لالتقاء الساكنين، و وجب أن تكون التاء ساكنة لأنها حرف جاء لمعنى، هذا قول البصريين. فأما قول الكوفيين فإنه لما كانت التاءات أربعا فضمّت تاء المخاطب و فتحت تاء المخاطب المذكّر و كسرت تاء المخاطبة المؤنثة فلم تبق حركة فسكّنت تاء المؤنثة الغائبة. و المعنى: اقتربت الساعة التي تقوم فيها القيامة فاحذروا منها لئلا تأتيكم فجأة و أنتم مقيمون على المعاصي وَ اِنْشَقَّ اَلْقَمَرُ معطوف على اقتربت معناه المضي‏ء.

وَ إِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا شرط و جوابه. و المعنى أنّهم سألوا آية فأروا القمر منشقّا فرأوا آية تدل على حقيقة أمر النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم، و أن ما جاء به صدق فأعرضوا عن التصديق وَ يَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ على إضمار مبتدأ أي هذا سحر مستمر.

وَ كَذَّبُوا وَ اِتَّبَعُوا أَهْوََاءَهُمْ أي كذّبوا بحقيقة ما رأوه و تيقّنوه و اثروا اتباع أهوائهم في عبادة الأوثان و ترك ما أمرهم اللّه به أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ مبتدأ و خبر. و المعنى: و كلّ أمر من خير أو شرّ مستقرّ قراره و متناه منتهاه.

أي و لقد جاء هؤلاء المشركين من أخبار الأمم الذين فعلوا كفعلهم فأهلكوا ما فيه منتهى عمّا هم عليه، كما قال مجاهد: مزدجر منتهى. و الأصل عند سيبويه‏ (1) مزتجر

____________

(1) انظر الكتاب 4/600.

193

بالتاء إلاّ أن التاء مهموسة و الزاي مجهورة فثقل الجمع بينهما فأبدل من التاء ما هو من مخرجها و هو الدال. قال أبو جعفر: و هذا من أوجز قوله و لطيفه.

حِكْمَةٌ بدل من «ما» و التقدير و لقد جاءهم حكمة بََالِغَةٌ أي ليس فيها تقصير، و يجوز أن تكون حكمة مرفوعة على إضمار مبتدأ فَمََا تُغْنِ اَلنُّذُرُ و يجوز أن تكون «ما» في موضع نصب بتغني. و التقدير: فأيّ شي‏ء تغني النذر عمّن اتّبع هواه و خالف الحقّ، و يجوز أن تكون ما نافية لا موضع لها. و زعم قوم أن الياء حذفت من تغن في السواد؛ لأن «ما» جعلت بمنزلة «لم» . قال أبو جعفر: هذا خطأ قبيح؛ لأن «ما» ليست من حروف الجزم، و هي تقع على الأسماء و الأفعال فمحال أن تجزم و معناهما أيضا مختلف: لأنّ «لم» تجعل المستقبل ماضيا و «ما» تنفي الحال. فأما حذف الياء من «تغن» في السواد فإنه على اللفظ في الإدراج و مثله يوم يدع الداعي إلى شي‏ء نكر (1) تكتب بغير واو على اللفظ في الإدراج. فأما الداعي إذا حذفت منه الياء فالقول فيه أنه بني على نكرته. فأما البيّن فأن يكون هذا كله مكتوبا بغير حذف.

خُشَّعاً (2) منصوب على الحال. أَبْصََارُهُمْ مرفوع بفعله هذه قراءة أهل الحرمين، و قرأ أهل الكوفة و أهل البصرة خاشعا أبصارهم و عن ابن مسعود خاشعة أبصارهم فمن قال خاشعا وحّد، لأنه بمنزلة الفعل المتقدم، و من قال: خاشعة أنّث كتأنيث الجماعة، و من قال خشّعا جمع لأنه جمع مكسّر فقد خالف الفعل، و لو كان في غير القرآن جاز الرفع على التقديم و التأخير. يَخْرُجُونَ في موضع نصب على الحال أيضا مِنَ اَلْأَجْدََاثِ واحدها جدث، و يقال: جدف للقبر، مثل فوم و ثوم كَأَنَّهُمْ جَرََادٌ مُنْتَشِرٌ في موضع نصب على الحال‏}و كذا قوله: مُهْطِعِينَ إِلَى اَلدََّاعِ يَقُولُ اَلْكََافِرُونَ هََذََا يَوْمٌ عَسِرٌ مبتدأ و خبره.

كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ على تأنيث الجماعة. فَكَذَّبُوا عَبْدَنََا يعني نوحا. وَ قََالُوا مَجْنُونٌ على إضمار مبتدأ وَ اُزْدُجِرَ أي زجر و تهدّد بقولهم: لئن لم تنته لنرجمنّك‏ (3) .

____________

(1) انظر تيسير الداني 166 (قرأ ابن كثير «نكر» بإسكان الكاف و الباقون بضمّها) ...

(2) انظر القراءات المختلفة في البحر المحيط 8/173، و تيسير الداني 167، و معاني الفراء 3/105، و كتاب السبعة لابن مجاهد 618.

(3) يشير إلى الآية 116، من سورة الشعراء: لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يََا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ اَلْمَرْجُومِينَ .

194

فَدَعََا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ أي بأني قد غلبت و قهرت، و قرأ عيسى بن عمر فَدَعََا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ (1) بكسر الهمزة. قال سيبويه أي قال: إني مغلوب فَانْتَصِرْ أي لي بعقابك إياهم.

فَفَتَحْنََا أَبْوََابَ اَلسَّمََاءِ التقدير: فنصرناه ففتحنا أبواب السماء: لأن ما ظهر من الكلام يدلّ على ما حذف. بِمََاءٍ مُنْهَمِرٍ أي مندفق. قال سفيان منهمر ينصبّ انصبابا، و قال الشاعر: [الرمل‏] 442-

راح تمريه الصّبا ثم انتحى # فيه شؤبوب جنوب منهمر

(2)

وَ فَجَّرْنَا اَلْأَرْضَ عُيُوناً جمع عين في العدد، و قراءة الكوفيين عُيُوناً بكسر العين، و الأصل الضمّ فأبدل من الضمة كسرة استثقالا للجمع بين ضمة و ياء فَالْتَقَى اَلْمََاءُ (3) و التقى لا يكون إلاّ الاثنين. المعنى: فالتقى ماء الأرض و ماء السماء، و هما جميعا يقال لهما ماء لأنّ ماء اسم للجنس. قال أبو الحسن بن كيسان: الأصل في ماء ماه فأبدلوا من الهاء همزة فإذا جمعوا ردّوه إلى أصله فقالوا: أمواه و مياه، و مويه في التصغير عَلى‏ََ أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (4) قيل:

أي قدّره اللّه جلّ و عزّ في اللوح المحفوظ، و قيل: قدر ماء الأرض كماء السّماء.

وَ حَمَلْنََاهُ عَلى‏ََ ذََاتِ أَلْوََاحٍ أي على سفينة ذات ألواح وَ دُسُرٍ روى ابن أبي طلحة عن ابن عباس قال: الدّسر المسامير، و كذا قال محمد بن كعب و قتادة و ابن زيد، و قال الحسن: الدّسر صدر السفينة، و قال الضحاك: الدّسر طرف السفينة. قال: و أصل هذا من دسره يدسره و يدسره دسرا إذا شدّه و دفعه.

تَجْرِي بِأَعْيُنِنََا أي بمرأى منّا و مسمع، و قيل بأمرنا. و أعين جمع في القليل،

____________

(1) انظر مختصر ابن خالويه 147، و البحر المحيط 8/175.

(2) الشاهد لامرئ القيس في ديوانه ص 145.

(3) انظر البحر المحيط 8/175 (و قرأ علي و الحسن و محمد بن كعب و الجحدري «الماءان» ، و قرأ الحسن «الماوان» ) .

(4) انظر البحر المحيط 8/176 (و قرأ أبو حيوة «قدّر» بشدّ الدال، و المجهور بتخفيفها) .

195

و يقال: أعيان، مثل بيت و أبيات. جَزََاءً مصدر. لِمَنْ كََانَ كُفِرَ في معناه أقوال. قال ابن زيد: «من» بمعنى «ما» ، و تقديره عنده للذي كفر من النعم و جحد. قال: و هذا يمنعه أهل العربية جميعا، و مذهب مجاهد. أن المعنى جزاء للّه. قال أبو جعفر: و هذا قول حسن أي عاقبناهم و عرفناهم جزاء للّه جلّ و عزّ حين كفروا به و جحدوا وحدانيته فقالوا لا تذرنّ الهتكم و لا تذرنّ ودّا و لا سواعا، و قيل: جزاء لمن كان كفر على لفظ «من» ، و لو كان في غير القرآن لجاز على هذا القول كفروا على المعنى.

وَ لَقَدْ تَرَكْنََاهََا آيَةً قيل: المعنى: و لقد تركنا هذه العقوبة لمن كفر و جحد الأنبياء صلّى اللّه عليه و سلّم عظة و عبرة، و مذهب قتادة و لقد تركنا السفينة آية. فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ هذه قراءة الجماعة و هي صحيحة عن النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم كما رواه شعبة و غيره عن ابن إسحاق عن الأسود عن عبد اللّه قال: سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم يقرأ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ بالدال غير معجمة، و قال يعقوب القارئ: قرأ قتادة فهل من مذّكر (1) بالذال معجمة. قال أبو جعفر:

مدّكر أولى لما ذكرنا من الاجتماع في العربية و الأصل عند سيبويه‏ (2) مذتكر فاجتمعت الذال و هي مجهورة أصلية و التاء و هي مهموسة زائدة فأبدلوا من التاء حرفا مجهورا من مخرجها فصار مذدكر، فأدغمت الذال في الدال فصار مدّكر، ممن قال مذّكر أدغم الدال في الذال، و ليس على هذا كلام العرب إنما يدغمون الأول في الثاني.

أي فكيف كان عقابي لمن كفر بي و عصاني و بإنذاري و تحذيري من الوقوع في مثل ذلك.

وَ لَقَدْ يَسَّرْنَا اَلْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ قال ابن زيد: أي بيّنا، و قال مجاهد: هوّنّا، و قيل:

التقدير: و لقد سهّلنا القرآن بتبييننا إياه و تفصيلنا لمن أراد أن يتذكّره فيعتبر به. فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ يتذكّر ما فيه، و قيل هل من طالب خيرا أو علما فيعان عليه، فهذا قريب من الأول لأن الأول أبين على ظاهر الآية.

كَذَّبَتْ عََادٌ قال أبو جعفر: في هذا حذف قد عرف معناه أي كذّبت عاد هودا

____________

(1) انظر البحر المحيط 8/176.

(2) انظر الكتاب 4/601.

196

كما كذّبت قريش محمدا صلّى اللّه عليه و سلّم فليحذروا مثل ما نزل بهم فَكَيْفَ كََانَ عَذََابِي وَ نُذُرِ «فكيف» في موضع نصب على خبر كان إلاّ أنها مبنية لأن فيها معنى الاستفهام و فتحت لالتقاء الساكنين.

إِنََّا أَرْسَلْنََا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً أهل التفسير يقولون: الصّرصر الباردة، و قال بعض أهل اللغة: إنما يقال لها صرصر إذا كان لها صوت شديد من قولهم صرّ الشي‏ء إذا صوّت، و الأصل صرر فأبدل من إحدى الراءات صاد. فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ قال بعض أهل التفسير: النحس الشديد، و لو كان كما قال لكان يوم منونا و لقيل: نحس و لم يضف.

تَنْزِعُ اَلنََّاسَ قيل: تنزعهم من الحفر التي كانوا حفروها كَأَنَّهُمْ أَعْجََازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ النخل تذكّر و تؤنّث لغتان جاء بها القرآن و زعم محمد بن جرير (1) أنّ في الكلام حذفا، و أن المعنى تنزع النّاس فتتركهم كأعجاز نخل. قال: فتكون الكاف على هذا في موضع نصب بالفعل المحذوف، و هذا لا يحتاج إلى ما قاله من الحذف. و القول فيه ما قاله أبو إسحاق قال: هو في موضع نصب على الحال أي تنزع الناس أمثال نخل منقعر أي في هذه الحال. قال أبو جعفر: و هذا القول حقيقة الإعراب فإن كان على تساهل المعنى فالمعنى يؤول إلى ما قاله محمد بن جرير. و قد روى محمد بن إسحاق قال: لمّا هاجت الريح قام نفر سبعة من عاد فاصطفوا على باب الشّعب فسدّوا الريح عمّن في الشّعب من العيال، فأقبلت الريح تجي‏ء من تحت واحد واحد ثم تقلعه فتقلبه على رأس فتدقّ عنقه حتّى أهلكت ستّة و بقي واحد يقال له: الخلجان فجاء إلى هود صلّى اللّه عليه و سلّم، فقال:

ما هؤلاء الذين أراهم كالبخاتي‏ (2) تحت السحاب قال: هؤلاء الملائكة عليهم السلام قال: إن أسلمت فما لي قال: تسلم قال: أيقيدني ربّك من هؤلاء الذين في السحاب؟ قال: ويلك هل رأيت ملكا يقيد من جنده؟قال: لو فعل ما رضيت قال: فرجع إلى موضعه، و أنشأ يقول: [الراجز] 443-

لم يبق إلاّ الخلجان نفسه # يا شرّ يوم قد دهاني أمسه‏

(3)

ثم لحقه ما لحق أصحابه فصاروا كما قال جلّ و عزّ: كَأَنَّهُمْ أَعْجََازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ .

و قال مجاهد في تشبيههم بأعجاز نخل منقعر: لأنه قد بانت أجسادهم من رؤوسهم

____________

(1) انظر تفسير الطبري 27/99.

(2) البخاتي: جمع البختيّة، و هي جمال طوال الأعناق (تاج العروس «بخت» ) .

(3) الشاهد بلا نسبة في تفسير الطبري 27/99.

197

فصاروا أجساما بلا رؤوس، و قال بعض أهل النظر: التشبيه للحفر التي كانوا فيها قياما صارت الحفر كأنها أعجاز نخل. قال أبو جعفر: و هذا القول قول خطأ، و لو كان كما قال كان كأنّها أو كأنّهن، و أيضا فإنّ الحفر لم يتقدّم لها ذكر فيكنى عنها. و أيضا فالتشبيه بالقوم أولى و لا سيما و هو قول من يحتجّ بقوله.

فَكَيْفَ كََانَ عَذََابِي وَ نُذُرِ (21) أي فكيف كان عذابي إيّاهم على الكفر و إنذاري إيّاكم أن ينزل بكم ما نزل بهم. قال أبو إسحاق: نذر جمع نذير.

كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ (23) لم يصرف ثمود: لأنه اسم للقبيلة و يجوز صرفه على أنه اسم للحيّ.

فَقََالُوا أَ بَشَراً مِنََّا وََاحِداً نَتَّبِعُهُ نصبت بشرا بإضمار فعل و المعنى: أ نتّبع بشرا منّا واحدا و نحن جماعة؟ إِنََّا إِذاً لَفِي ضَلاََلٍ وَ سُعُرٍ أي في حيرة عن الطريق المستقيم و أخذ على العوج، و لا تعمل إذن إذا لم يكن الكلام معتمدا عليها. وَ سُعُرٍ يكون جمع سعير، و يكون مصدرا من قولهم سعر الرجل إذا طاش.

أَ أُلْقِيَ اَلذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنََا استفهام فيه معنى التوقيف. بَلْ هُوَ كَذََّابٌ أَشِرٌ الكوفيون يقولون: «بل» لا تكون إلاّ بعد نفي فيحملون مثل هذا على المعنى؛ لأن معنى ألقي عليه الذكر لم يلق عليه.

} سَيَعْلَمُونَ غَداً الأصل عند سيبويه غدو حذفت منه الواو. مَنِ اَلْكَذََّابُ اَلْأَشِرُ مبتدأ و خبره في موضع نصب بسيعلمون، و قرأ يحيى بن وثاب و الأعمش و حمزة ستعلمون غدا (1) و أبو عبيد يميل إلى القراءة بالياء لأن بعده إِنََّا مُرْسِلُوا اَلنََّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ و لم يقل: لكم. قال أبو جعفر: التقدير لمن قرأ بالياء قال اللّه جلّ و عزّ: سَيَعْلَمُونَ غَداً ، و القول يحذف كثيرا. و الأصل إنّا مرسلون حذفت النون تخفيفا و أضيف فتنة

____________

(1) انظر تيسير الداني 167، و كتاب السبعة لابن مجاهد 618، و البحر المحيط 8/179.

198

لهم. قال أبو إسحاق: فتنة مفعول له، و قال غيره: هو مصدر أي فتناهم بذلك و ابتليناهم. و كان ابتلاؤهم في ذلك أنّ الناقة خرجت لهم من صخرة صماء ناقة عظيمة فآمن بعضهم و كانت لعظمها كثيرة الأكل فشكوا ذلك إلى صالح صلّى اللّه عليه و سلّم فقالوا: قد أفنت الحشائش و الأعشاب و منعتنا من الماء، فقال: ذروها تأكل في أرض اللّه و لا تمسّوها بسوء، ترد الماء يوما، و تردون يوما فكانت هذه الفتنة. فَارْتَقِبْهُمْ وَ اِصْطَبِرْ أي فاصبر على ارتقابك إيّاهم، و الأصل و اصتبر أبدل من التاء طاء؛ لأن الطاء أشبه بالصاد لأنهما مطبقتان. قال أبو إسحاق: ينطبق الحنك على اللسان بهما، قال أيضا: و هما أيضا مطبقتان في الخطّ.

وَ نَبِّئْهُمْ أَنَّ اَلْمََاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ أي ذو قسمة مثل قولك: رجل عدل. كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ مبتدأ و خبر. أي تحضر الناقة يوما و هم يوما، و غلّب المذكّر على المؤنّث فقيل بينهم.

فَنََادَوْا صََاحِبَهُمْ و هم التسعة الذين انفردوا لعقر الناقة فنادى ثمانية منهم قدارا، فقالوا: هذه الناقة قد أقبلت فَتَعََاطى‏ََ فَعَقَرَ قيل: أي فتعاطى قتلها و حقيقته في اللغة فتناول الناقة فقتلها، من قولهم عطوت إذا تناولت، كما قال: [الطويل‏] 444-

و تعطو برخص غير شثن كأنّه # أساريع ظبي أو مساويك إسحل‏

(1)

فَكَيْفَ كََانَ عَذََابِي أي عقابي إيّاهم على عصيانهم أي فاحذروا المعاصي. وَ نُذُرِ أي إنذاري إياكم أن ينزل بكم ما نزل بهم.

و هذا من التمثيل العجيب لأن الهشم ما يبس من الشجر و تهشّم فصار يحظر به بعد أن كان أخضر ناضرا أي صاروا بعد النعمة رفاتا، و بعد البهجة حطاما كهيئة الشجر. و روي عن ابن عباس «كهشيم المحتظر» أي كالعظام المحترقة. قال أبو جعفر:

و حقيقة هذا القول في اللغة كهشيم قد حظر به و أحرق: و قال ابن زيد: هو الشوك

____________

(1) الشاهد لامرئ القيس في ديوانه 17، و جمهرة اللغة 363، و شرح المفصّل 6/92، و 7/144، و لسان العرب (سرع) و (سحل) و (ششن) ، و (ظبا) ، و المنصف 3/58، و تاج العروس (سحل) ، و (ششن) ، و (ظبا) .

199

تجعله العرب حوالى الغنم مخافة السبع. و التقدير في العربية كهشيم الرجل المحتظر، و من قرأ كَهَشِيمِ اَلْمُحْتَظِرِ (1) فتقديره كهشيم الشي‏ء الذي قد احتظر.

أي بالآيات التي أنذروا بها.

إِنََّا أَرْسَلْنََا عَلَيْهِمْ حََاصِباً أي حجارة تحصبهم. إِلاََّ آلَ لُوطٍ نصب على الاستثناء، و ال الرجل كلّ من كان على دينه و مذهبه كما قال جلّ و عزّ لنوح صلّى اللّه عليه و سلّم: إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ [هود: 46]و هو ابنه و ال بمعنى واحد، إلاّ أن النحويين يقولون: الأصل في ال أهل، و الدليل على ذلك أنّ العرب إذا صغّرت الا قالت: أهيل. نَجَّيْنََاهُمْ بِسَحَرٍ قال الفراء (2) : سحر هاهنا يجري؛ لأنه نكرة كقولك: نجّيناهم بليل. قال أبو جعفر: و هذا القول قول جميع النحويين لا نعلم فيه اختلافا إلاّ أنه قال بعده شيئا يخالف فيه قال:

فإذا ألقت العرب من سحر الباء لم يجروه فقالوا: فعلت هذا سمر يا هذا. قال أبو جعفر: و قول البصريين أنّ سحر إذا كان نكرة انصرف و إذا كان معرفة لم ينصرف، و دخول الباء و خروجها واحد. و العلّة فيه عند سيبويه‏ (3) أنه معدول عن الألف و اللام لأنه يقال: أتيتك أعلى السّحر فلما حذفت الألف و اللام و فيه نيتهما اعتلّ فلم ينصرف تقول: سير بزيد سحر يا هذا، غير مصروف. و لا يجوز رفعه لعلّة ليس هذا موضع ذكرها.

نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنََا قال أبو إسحاق: نصبت نعمة لأنها مفعول لها، قال: و يجوز الرفع بمعنى تلك نعمة من عندنا. كَذََلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ الكاف في موضع نصب أي نجزي من شكر جزاء كذلك النجاء.

وَ لَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنََا أي التي بطشنا بهم. فَتَمََارَوْا بِالنُّذُرِ أي كذّبوا بها شكّا، كما قال قتادة في فَتَمََارَوْا بِالنُّذُرِ أي لم يصدّقوا بها.

____________

(1) انظر البحر المحيط 8/180، و معاني الفراء 3/108.

(2) انظر معاني الفراء 3/109.

(3) انظر الكتاب 3/314.

200

وَ لَقَدْ رََاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ «و ضيف» بمعنى أضياف لأنه مصدر فلذلك لا تكاد العرب تثنيه و لا تجمعه، و حقيقته في العربية عن ذوي ضيفه. فَطَمَسْنََا أَعْيُنَهُمْ يقال: طمس عينه و على عينه إذا فعل بها فعلا يصير بها مثل وجهه لا شقّ فيها و يقال طمست الريح الأعلام إذا سفت عليها التراب فغطّتها به، كما قال: [البسيط] 445-

من كلّ نضّاخة الذّفرى إذا عرقت # عارضها طامس الأعلام مجهول‏

(1)

فَذُوقُوا عَذََابِي وَ نُذُرِ أي فقالت لهم الملائكة عليهما السلام: فذوقوا عذاب اللّه و عقابه ما أنذركم به.

قال سفيان: كان مع الفجر صرفت بكرة هاهنا؛ لأنها نكرة، و زعم الفراء (2) أن غدوة و بكرة يجريان و لا يجريان، و زعم أنّ الأكثر في غدوة ترك الصرف، و في بكرة الصرف. قال أبو جعفر: قول البصريين أنهما لا ينصرفان في المعرفة و ينصرفان في النكرة فإن زعم زاعم أنّ الأولى ما قال الفراء لأن بكرة هاهنا مصروف قيل له: هذا لا يلزم؛ لأن بكرة هاهنا نكرة و كذا سحر، و الدليل على ذلك أنه لم يقل: أهلكوا في يوم كذا من شهر كذا من سنة كذا بكرة فتكون معرفة فلما وجب أن تكون نكرة لم يكن فيها ذكر حجّة و لا سيما و فيه الهاء قيل: عَذََابٌ مُسْتَقِرٌّ أي يستقرّ عليهم حتّى أهلكهم.

أي أهل دينه و القائلين بقوله كما مرّ. «قد» إذا وقعت مع الماضي دلّت على التوقّع و إذا كانت مع المستقبل دلّت على التقليل نقول: قد يكرمنا فلان أي ذلك يقلّ منه.

كَذَّبُوا بِآيََاتِنََا كُلِّهََا في معناه قولان: أحدهما أن المعنى: كذّبوا بآياتنا التي أريناهم إيّاها كلّها و الآخر أنه على التكثير، كما حكى سيبويه ما بقي منهم مخبّر. فَأَخَذْنََاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ قال قتادة: عزيز في انتقامه، و قال لي غيره: عزيز لا يغلب مقتدر على ما يشاء.

____________

(1) الشاهد لكعب بن زهير في ديوانه ص 9، و لسان العرب (نضخ) ، و (عرض) ، و تاج العروس (نضخ) و (عرض) .

(2) انظر معاني الفراء 3/109.

201

أَ كُفََّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولََئِكُمْ مبتدأ و خبره قال: و هذا على التوقيف كما حكى سيبويه:

الشّقاء أحبّ إليك أم السعادة؟ أَمْ لَكُمْ بَرََاءَةٌ فِي اَلزُّبُرِ أي أكتب لكم أنكم لا تعذّبون.

على اللفظ و لو كان على المعنى قيل: منتصرون.

سَيُهْزَمُ اَلْجَمْعُ قال أهل التفسير: ذلك يوم بدر. وَ يُوَلُّونَ اَلدُّبُرَ واحد بمعنى الجمع: كما يقال: كثر الدّرهم.

بَلِ اَلسََّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ من قال: «بل» لا يكون إلا بعد نفي قال: المعنى: ليس الأمر كما يقولون إنهم لا يبعثون بل الساعة موعدهم. وَ اَلسََّاعَةُ أَدْهى‏ََ وَ أَمَرُّ أي من هزيمتهم و تولّيهم.

إِنَّ اَلْمُجْرِمِينَ فِي ضَلاََلٍ أي ذهب عن الحق. وَ سُعُرٍ أي نار تسعّر.

يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي اَلنََّارِ عَلى‏ََ وُجُوهِهِمْ و في قراءة ابن مسعود إلى النار (1) و هذه القراءة على التفسير، كما روى أبو هريرة عن النبيّ صلّى اللّه عليه «يحضر المقتول بين يدي اللّه جلّ و عزّ فيقول له: فيم قتلت؟فيقول: فيك، فيقول: كذبت أردت أن يقال: فلان شجاع فقد قيل: فيؤمر به فيسحب على وجهه إلى النار» (2) . ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ أي يقال لهم.

(3)

فدلّ بهذا على أنّهم يعذّبون على كفرهم بالقدر. و زعم سيبويه أن نصب «كلّ»

____________

(1) انظر معاني الفراء 3/110، و البحر المحيط 8/181.

(2) أخرجه الترمذي في سننه-الزهد 9/225.

(3) انظر البحر المحيط 8/181 (قراءة الجمهور بالنصب، و قرأ أبو السمال و قوم من أهل السنة بالرفع) .

202

على لغة من قال: زيدا ضربته. و في نصبه قولان آخران: أما الكوفيون فقالوا: «إنّا» تطلب الفعل و الفعل بها أولى من الاسم، و المعنى إنا خلقنا كلّ شي‏ء، قالوا: و ليس هذا مثل قولنا: زيدا ضربته: لأنه ليس هاهنا حرف هو بالفعل أولى. ألا ترى أنك تقول: أ زيدا ضربته فيكون النصب أولى: لأن هاهنا حرف هو بالفعل أولى و القول الثالث أنه إنما جاز هذا بالنصب و خالف زيد ضربته ليدل ذلك على خلق الأشياء فيكون فيه ردّ على من أنكر خلق الأفعال.

وَ مََا أَمْرُنََا إِلاََّ وََاحِدَةٌ مبتدأ و خبره. و قال علي بن سليمان: المعنى إلاّ أمرة واحدة. و زعم الفراء: أنه روي وَ مََا أَمْرُنََا إِلاََّ وََاحِدَةٌ (1) بالنصب كما يقال: ما فلان إلاّ ثيابه و دابّته أي إلاّ يتعهّد ثيابه و دابته و كما حكى الكسائي: ما فلان إلاّ عمّته أي يتعهّد عمّته. كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ أي في سرعته.

فيه قولان: أحدهما أن أشياعهم هم الذين أهلكوا من قبلهم لأنهم كفروا كما كفروا فهل من متّعظ بذلك، و سمّوا أشياعهم لأنهم كذّبوا كما كذّبوا. و القول الآخر أن أشياعهم هم الذين كانوا يعاونونهم على عداوة النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم و المؤمنين فأهلكوا فهل من متّعظ منكم بذلك. و القول الأول عليه أهل التأويل.

الهاء في فعلوه تعود على الأشياع في الزبر مكتوب عليهم قد كتبته الحفظة.

يقال: سطر و استطر إذا كتب سطرا.

إِنَّ اَلْمُتَّقِينَ أي الذين اتقوا عقاب اللّه جلّ و عزّ باجتناب محارمه و أداء فرائضه فِي جَنََّاتٍ وَ نَهَرٍ قال أبو إسحاق: «نهر» بمعنى أنهار. قال أبو جعفر: و أنشد الخليل و سيبويه: [الرجز] 446-

في حلقكم عظم و قد شجينا

(2)

____________

(1) انظر معاني الفراء 3/111.

(2) الرجز بلا نسبة في الكتاب 1/270، و لطفيل في جمهرة اللغة ص (1041) ، و المحتسب 2/87، و للمسيب بن زيد مناة في شرح أبيات سيبويه 1/212، و لسان العرب (شجا) ، و بلا نسبة في خزانة الأدب 7/559، و شرح المفصّل 6/32، و لسان العرب (نهر) و سمع و (أمم) و (مأى) و المقتضب 2/ 172. و قبله:

«لا تنكروا لقتل و قد سبينا» .