إعراب القرآن - ج4

- احمد بن محمد النحاس المزيد...
312 /
203

فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ أي في مجلس حقّ لا لغو فيها و لا باطل. عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ أي يقدر على ما يشاء.

204

55 شرح إعراب سورة الرحمن‏

بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ

اَلرَّحْمََنُ (1) رفع بالابتداء} و خبره عَلَّمَ اَلْقُرْآنَ (2) أي من رحمته علّم القرآن فبصّر به رضاه الذي يقرّب منه و سخطه الذي يباعد منه و من رحمته.

فهو خبر بعد خبر.

اَلشَّمْسُ وَ اَلْقَمَرُ مبتدأ، و قيل: الخبر محذوف أي يجريان بِحُسْبََانٍ و قيل:

الخبر بِحُسْبََانٍ .

روى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: النجم ما تبسّط على الأرض من الزرع يعني البقل و نحوه، قال: و الشجر ما كان على ساق. قال أبو جعفر: و هذا أحسن ما قيل في معناه أي يسجد له كل شي‏ء أي ينقاد للّه جلّ و عزّ.

وَ اَلسَّمََاءَ رَفَعَهََا نصبت بإضمار فعل يعطف ما عمل فيه لفعل على مثله وَ وَضَعَ اَلْمِيزََانَ قال الفراء (1) : أي العدل، و قال غيره: هو الميزان الذي يوزن به.

____________

(1) انظر معاني الفراء 3/113.

205

أَلاََّ تَطْغَوْا فِي اَلْمِيزََانِ (8) «أن» في موضع نصب، و المعنى: بأن لا تطغوا، و تَطْغَوْا في موضع نصب بأن، و يجوز أن يكون «أن» بمعنى أي فلا يكون لها موضع من الإعراب، و يكون تطغوا في موضع جزم بالنهي. قال أبو جعفر: و هذا أولى؛ }لأن بعده وَ أَقِيمُوا اَلْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَ لاََ تُخْسِرُوا اَلْمِيزََانَ (9) و قرأ بلال بن أبي بردة وَ لاََ تُخْسِرُوا (1) بفتح التاء. و هي لغة معروفة.

نصب الأرض بإضمار فعل.

فِيهََا فََاكِهَةٌ مبتدأ. وَ اَلنَّخْلُ ذََاتُ اَلْأَكْمََامِ عطف عليه. الواحد كمّ و هو ما أحاط بها من ليف و سعف و غيرهما.

وَ اَلْحَبُّ مرفوع على أنه عطف على فاكهة أي و فيها الحبّ. ذُو اَلْعَصْفِ نعت له. وَ اَلرَّيْحََانُ عطف أيضا. و قراءة الأعمش و حمزة و الكسائي. ذُو اَلْعَصْفِ وَ اَلرَّيْحََانُ (2) بالخفض بمعنى و ذو الريحان.

روى ابن أبي طلحة عن ابن عباس قال: فبأيّ نعم ربّكما. قال أبو جعفر: فإن قيل: إنما تقدّم ذكر الإنسان فكيف وقعت المخاطبة لشيئين؟ففي هذا غير جواب منها أن الأنام يدخل فيه الجنّ و الإنس فخوطبوا على ذلك، و قيل: لمّا قال جلّ و عزّ:

وَ اَلْجَانَّ خَلَقْنََاهُ [الحجر: 27]و قد تقدم ذكر الإنسان خوطب الجميع و أجاز الفراء (3) .

أن يكون على مخاطبة الواحد بفعل الاثنين، و حكى ذلك عن العرب.

روى ابن أبي طلحة عن ابن عباس قال: الصّلصال الطين اليابس. فالمعنى على هذا خلق الإنسان من طين يابس يصوّت؛ كما يصوّت الطين الذين قد مسّته النار. و هو الفخار. و قيل: الصلصال المنتن فعلان، من صلّ اللحم إذا أنتن، و يقال أصلّ.

____________

(1) انظر مختصر ابن خالويه 149، و البحر المحيط 8/188، و هذه قراءة زيد بن علي أيضا.

(2) انظر البحر المحيط 8/189، و هذه قراءة حمزة و الكسائي و الأصمعي عن أبي عمرو.

(3) انظر معاني الفراء 3/114.

206

قيل: المارج مشتقّ من مرج الشي‏ء إذا اختلط، و المارج من بين أصفر و أخضر و أحمر، و كذا لسان النار. و روى ابن أبي طلحة عن ابن عباس مِنْ مََارِجٍ مِنْ نََارٍ قال: هو من خالص النار.

رفع على إضمار مبتدأ يجوز أن يكون بدلا من المضمر الذي في «خلق» ، و يجوز الخفض‏ (1) بمعنى: فبأيّ آلاء ربّكما ربّ المشرقين و ربّ المغربين، و يجوز النصب بمعنى أعني.

ليس بتكرير؛ لأنه إنما أتى بعد نعم أخرى سوى التي تقدّمت.

روى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: مرج أرسل. و اختلف العلماء في معنى البحرين هاهنا فقال الحسن و قتادة: هما بحر الروم و بحر فارس، و قال سعيد بن جبير و ابن أبزى: هما بحر السماء و بحر الأرض، و كذا يروى عن ابن عباس إلاّ أنه قال: يلتقيان كلّ عام. و قول سعيد بن جبير و ابن أبزى يذهب إليه محمد بن جرير لعلّة أوجبت ذلك عنده نذكرها بعد هذا.

قال بعض أهل التفسير: لا يبغيان على الناس، و قال بعضهم: لا يبغي أحدهما على الآخر. و ظاهر الآية يدل على العموم.

و قراءة يحيى بن وثاب و الأعمش و حمزة يَخْرُجُ (2) و الضمّ أبين لأنه إنما يخرج إذا أخرج. و تكلّم العلماء في معنى يَخْرُجُ مِنْهُمَا اَللُّؤْلُؤُ وَ اَلْمَرْجََانُ فمذهب الفراء (3) أنه إنما

____________

(1) انظر البحر المحيط 8/189 (قرأ الجمهور بالرفع، و أبو حيوة و ابن أبي عبلة بالخفض بدلا من «ربّكما» ) .

(2) انظر البحر المحيط 8/190 (قرأ الجمهور «الخرج» مبنيا للفاعل، و نافع و أبو عمرو و أهل المدينة مبنيا للمفعول، و الجعفي عن أبي عمرو بالياء مضمومة و كسر الراء) .

(3) انظر معاني الفراء 3/115.

207

يخرج من أحدهما و جعله مجازا. و في هذا من البعد ما لا خفاء به على ذي فهم أن يكون «منهما» من أحدهما. و قيل: يخرج إنما هو للمستقبل فيقول: إنه يخرج منهما بعد هذا. و قيل: يخرج منهما حقيقة لا مجازا؛ لأنه إنما يخرج من المواضع التي يلتقي فيها الماء الملح و الماء العذب. و قول رابع هو الذي اختاره محمد بن جرير و حمله على ذلك التفسير لما كان من تقوم الحجّة بقوله قد قال في قوله جلّ و عزّ: مَرَجَ اَلْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيََانِ أنهما بحر السماء و بحر الأرض، و كان اللؤلؤ و المرجان إنما يوجد في الصّدف إذا وقع المطر عليه، و يدلّك على هذا الحديث عن ابن عباس قال: «إذا مطرت السماء فتحت الصدف أفواهها» .

الجواري في موضع رفع، حذفت الضمة من الياء لثقلها، و حذفه الياء بعيد، و من حذف الياء قال الكسرة تدلّ عليها، و قد كانت تحذف قبل دخول الألف و اللام.

و قراءة الكوفيين غير الكسائي و له الجواري المنشئات (1) يجعلونها فاعلة و «المنشأات» قراءة أهل المدينة و أبي عمرو، و هي أبين. فأما ما روي عن عاصم الجحدري أنه قرأ المنشيّات فغير محفوظ لأنه إن أبدل الهمزة قال: المنشيات و إن خفّفها جعلها بين الألف و الهمزة فقال: المنشاءات و هذا المحفوظ من قراءته. كالأعلم في موضع نصب على الحال.

الضمير يعود على الأرض وضعها أي كلّ من على الأرض يفنى و يهلك.

و الأصل: فاني استثقلت الحركة في الياء فسكّنت ثم حذفت لسكونها و سكون التنوين بعدها.

ذُو من نعت وجه لأن المعنى و يبقى ربّك، كما تقول: هذا وجه الأرض.

و في قراءة ابن مسعود و يبقى وجه ربك ذي‏ (2) الجلال و الإكرام من نعت ربّك.

يَسْئَلُهُ مَنْ فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ مذهب قتادة و ليس بنصّ قوله يفزع إليه أهل السموات

____________

(1) انظر كتاب السبعة لابن مجاهد 620، و البحر المحيط 8/191، و تيسير الداني 167 (قرأ حمزة و أبو بكر المنشئات بكسر الشين، و الباقون بفتحها) .

(2) و هي قراءة أبيّ أيضا، انظر البحر المحيط 8/191.

208

و أهل الأرض في حاجاتهم لا غناء بهم عنه. كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ أي في شأنهم و صلاحهم و تدبير أمورهم.

فيه خمس قراءات‏ (1) ذكر أبو عبيد منها اثنتين قد قرأ بكل واحدة منهما خمسة قراء و هما (سنفرغ) و (سيفرغ) فقرأ بالأولى أبو جعفر و شيبة و نافع و أبو عمرو و عاصم، و قرأ طلحة بن مصرف و يحيى بن وثاب و الأعمش و حمزة و الكسائي (سيفرغ) و لم يذكر أبو عبيد طلحة، و قرأ عبد الرحمن الأعرج و قتادة (سنفرغ لكم) بفتح النون و الراء. و قرأ عيسى بن عمر (سنفرغ) بكسر النون و فتح الراء، و ذكر الفراء أنه يقرأ (سيفرغ) بضم الياء و فتح الراء. قال أبو جعفر: القراءتان الأوليان بمعنى واحد. و حكى أبو عبيد أن لغة أهل الحجاز و تهامة فرغ يفرغ و أنّ لغة أهل نجد فرغ يفرغ و أنه لا يعرف أحدا من القراء قرأ بها. قال أبو جعفر: و قد ذكرنا من قرأ بها. فمن قال: فرغ يفرغ جاء به على الأصل؛ لأن فيها حرفا من حروف الحلق و حروف الحلق الهمزة و العين و الغين و الحاء و الخاء و الهاء، و حروف الحلق يأتي منها فعل يفعل كثيرا نحو ذهب يذهب و صنع يصنع، و يأتي ما فيه لغتان نحو صبغ يصبغ و يصبغ و رعف يرعف و يرعف، و يأتي منهما ما لا يكاد يفتح نحو نحت ينحت و إنما يرجع في هذا إلى اللغة.

يََا مَعْشَرَ اَلْجِنِّ وَ اَلْإِنْسِ نداء مضاف. إِنِ اِسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطََارِ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ فَانْفُذُوا على مذهب الضّحاك أن المعنى «سنفرغ لكم أيّها الثقلان» فيقال لكم: يا معشر الجن و الإنس و ذكر أنّ هذا يوم القيامة تنزل ملائكة سبع السموات فيحيطون بأقطار الأرض فيأتي الملك الأعلى جلّ و عزّ. و قرأ الضحاك: وَ جََاءَ رَبُّكَ وَ اَلْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا [الفجر: 22]ثم يؤتى بجهنّم فإذا راها الناس هربوا و قد اصطفّت الملائكة على أقطار الأرض سبعة صفوف. و قرأ الضحاك: يَوْمَ اَلتَّنََادِ`يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ [غافر: 32، 33]، و قرأ إِنِ اِسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطََارِ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ فَانْفُذُوا ، و روي عنه أنه قال: إن استطعتم أن تهربوا من الموت و روي عن ابن عباس أن استطعتم أن تعلموا ما في السموات و ما في الأرض لاََ تَنْفُذُونَ إِلاََّ بِسُلْطََانٍ

____________

(1) انظر القراآت المختلفة في البحر المحيط 8/192، و كتاب السبعة لابن مجاهد 620، و مختصر ابن خالويه 149، و تيسير الداني 167، و معاني الفراء 3/116.

209

قال عكرمة: أي بحجة قال: و كل سلطان في القرآن فهو حجة، و قال قتادة:

بسلطان أي بملكة.

يُرْسَلُ عَلَيْكُمََا شُوََاظٌ مِنْ نََارٍ هذه قراءة أبي جعفر و شيبة و نافع و أبي عمرو و عاصم و الأعمش و حمزة و الكسائي، و قرأ ابن كثير و ابن أبي إسحاق و هي مروية عن الحسن (شواظ) (1) بكسر الشين. و الفراء يذهب إلى أنهما لغتان بمعنى واحد، كما يقال: صوار و صوار. (و نحاس) (2) قراءة أبي جعفر و شيبة و نافع و الكوفيين بالرفع، و قرأ ابن كثير و ابن أبي إسحاق و أبو عمرو (و نحاس) (3) بالخفض، و قرأ مجاهد (و نحاس) بكسر النون و السين، و قرأ مسلم بن جندب (و نحس) بغير ألف و بالرفع. قال أبو جعفر: الرفع في و «نحاس» أبين في العربية؛ لأنه لا اشكال فيه يكون معطوفا على «شواظ» ، و إن خفضت عطفته على نار، و احتجت إلى الاحتيال، و ذلك أن أكثر أهل التفسير منهم ابن عباس يقولون: الشّواظ اللّهب، و النحاس الدخان فإذا خفضت فالتقدير شواظ من نار و من نحاس. و الشواظ لا يكون من النحاس كما أن اللهب لا يكون من الدخان إلا على حيلة و اعتذار و الذي في ذلك من الحيلة، و هو قول أبي العباس محمد بن يزيد، أنه لمّا كان اللهب و الدخان جميعا من النار كان كلّ واحد منهما مشتملا على الآخر، و أنشد للفرزدق: [الطويل‏] 447-

فبتّ أقدّ الزاد بيني و بينه # على ضوء نار مرّة و دخان‏

(4)

فعطف و دخان على نار، و ليس للدخان ضوء؛ لأن الضوء و الدخان من النار و إن عطفت و دخان على ضوء لم تحتج إلى الاحتيال، و أنشد غيره في هذا بعينه: [الرجز] 448-

شراب ألبان و تمر و أقط

(5)

و إنما الشروب الألبان و لكنّ الحلق يشتمل على هذه الأشياء، و قال أخر في مثله.

[مجزوء الكامل‏] 449-

يا ليت زوجك قد غدا # متقلّدا سيفا و رمحا

(6)

____________

(1) انظر معاني الفراء 3/117، و البحر المحيط 8/193، و تيسير الداني 167.

(2) انظر البحر المحيط 8/193.

(3) انظر مختصر ابن خالويه 149.

(4) الشاهد للفرزدق في ديوانه 329، و في الحماسة لابن الشجري 208، و المقاصد النحوية 1/462.

(5) الرجز بلا نسبة في الإنصاف 2/613، و لسان العرب (زجج) ، و (طفل) ، و المقتضب 2/51، و الكامل للمبرد 289.

(6) مرّ الشاهد رقم (122) .

210

لأنهما محمولان و قد قال الحسن و مجاهد و قتادة في قوله جلّ و عزّ: وَ نُحََاسٌ قالوا يذاب النحاس فيصبّ على رؤوسهم. فَلاََ تَنْتَصِرََانِ أي ممن عاقبكما بذلك و لا تستفيدان منه.

أي: فبأيّ نعم ربّكما الذي جعل الحكم واحدا في المنع من النقود، و لم يخصص بذلك أحدا دون أحد.

فَإِذَا اِنْشَقَّتِ اَلسَّمََاءُ و هو يوم القيامة. فَكََانَتْ وَرْدَةً قال قتادة: هي اليوم خضراء و يوم القيامة حمراء، و زاد غيره و هي من حديد. كَالدِّهََانِ أصح ما قيل فيه، و هو قول مجاهد و الضحاك، أنه جمع دهن أي صافية ملساء.

فَيَوْمَئِذٍ جواب إذا. لاََ يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَ لاََ جَانٌّ قول ابن عباس لا يسألون سؤال اختبار، لأنّ اللّه جلّ و عزّ قد حفظ عليهم أعمالهم، و قول قتادة أنّهم يعرفون بسواد الوجوه و زرق الأعين، }و يدلّ على هذا أن بعده يُعْرَفُ اَلْمُجْرِمُونَ بِسِيمََاهُمْ و السيما و السيمياء العلامة. فَيُؤْخَذُ بِالنَّوََاصِي وَ اَلْأَقْدََامِ يكون بالنواصي في موضع رفع اسم لم يسمّ فاعله و يجوز أن يكون مضمرا.

أي يقال لهم: هذه جهنم التي كانوا يكذبون بها في الدنيا.

يَطُوفُونَ بَيْنَهََا أي بين أطباقها. وَ بَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ حكى عبد اللّه بن وهب عن ابن زيد قال: الاني الحاضر. و روى ابن أبي طلحة عن ابن عباس بَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ قال يقول: قد انتهى حرّه. قال أبو جعفر: و كذا هو في كلام العرب قال النابغة: [الوافر] 450-

و تخضب لحية غدرت و خانت # بأحمر من نجيع الجوف ان‏

أي: فبأيّ نعم ربكما التي أنعم بها عليكم فلم يعاقب منكم إلاّ المجرمين، ـ

211

و جعل لهم سيمياء يعرفون بها حتّى لا يختلط بهم غيرهم.

رفع بالابتداء و بإضمار فعل بمعنى تجب أو تستقرّ، و التقدير: و لمن خاف مقام ربّه فأدّى فرائضه و اجتنب معاصيه خوف المقام الذي يقفه اللّه تعالى للحساب، و يبيّن هذا قوله: وَ أَمََّا مَنْ خََافَ مَقََامَ رَبِّهِ وَ نَهَى اَلنَّفْسَ عَنِ اَلْهَوى‏ََ`فَإِنَّ اَلْجَنَّةَ هِيَ اَلْمَأْوى‏ََ [النازعات: 40]و لا يقال لمن اقتحم على المعاصي: خائف، و روى ابن أبي طلحة عن ابن عباس: وَ لِمَنْ خََافَ مَقََامَ رَبِّهِ جَنَّتََانِ قال: وعد اللّه المؤمنين الذين أدّوا فرائضه الجنة.

نعت للجنتين، و الجنة عند العرب البستان. قال أبو جعفر: واحد الأفنان فنن على قول من قال: هي الأغصان، و من قال: هي الألوان ألوان الفاكهة فواحدها و عندهم فن و الأول أولى بالصواب لأن أكثر ما يجمع فنّ فنون فيستغنى بجمعه الكثير، كما يقال: شسع و شسوع. و منه أخذ فلان في فنون من الحديث.

أي في خلالهما نهران يجريان.

أي من كل نوع من الفاكهة صنفان.

نصب مُتَّكِئِينَ على الحال، و العالم فيه من غامض النحو. قال أبو جعفر: و لا أعلم أحدا من النحويين ذكره إلاّ شيئا ذكره محمد بن جرير قال: هو محمول على المعنى أي: يتنعمون متكئين، و جعل ما قبله يدلّ على المحذوف. قال أبو جعفر:

و يجوز أن يكون بغير حذف، و يكون راجعا إلى قوله جلّ و عزّ: وَ لِمَنْ خََافَ مَقََامَ رَبِّهِ جَنَّتََانِ كما تقول: لفلان تجارة حاضرا، أي في هذه الحال. و مُتَّكِئِينَ على معنى «من» و لو كان على اللفظ لكان متّكئا. وَ جَنَى اَلْجَنَّتَيْنِ في موضع رفع بالابتداء. دََانٍ خبره.

فِيهِنَّ قال أبو جعفر: قد ذكرنا هذا الضمير و على من يعود. و فيه إشكال قد

212

بيّناه و التقدير: فيهن حور. } قََاصِرََاتُ اَلطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَ لاََ جَانٌّ ، و قراءة طلحة لَمْ يَطْمِثْهُنَّ (1) و هما لغتان معروفتان.

أن في موضع خفض بالكاف، و الكاف في موضع رفع بالابتداء و الخبر محذوف «و هنّ» في موضع نصب اسم «أنّ» ، و شددت لأنها بمنزلة حرفين في المذكّر، اَلْيََاقُوتُ خبر، وَ اَلْمَرْجََانُ عطل عليه.

مبتدأ و خبره أي على جزاء من أحسن في الدنيا إلاّ أن يحسن إليه في الآخرة.

في معناه قولان: أحدهما و من دونهما في الدرج. و هذا مذهب ابن عباس، و تأوّل أنّ هاتين الجنتين هما اللتان قال اللّه جلّ و عزّ فيهما: فَلاََ تَعْلَمُ نَفْسٌ مََا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ [السجدة: 17]، و القول الآخر و من دونهما في الفضل و هذا مذهب ابن زيد، قال: و هم لأصحاب اليمين.

قال أبو حاتم: و يجوز في الكلام مدهمّتان؛ لأنه يقال: ادهمّ و ادهامّ، و مدهامتان من نعت الجنتين.

روى ابن أبي طلحة عن ابن عباس نَضََّاخَتََانِ قال: فيّاضتان و قال الضحاك:

ممتلئتان، و قال سعيد بن جبير: نضّاختان بالماء و الفاكهة، قال أبو جعفر: و المعروف في اللغة أنهما بالماء.

فيها ثلاثة أقوال: منها أنه قيل: إنّ النخل و الرمان ليسا من الفاكهة لخروجهما منها في هذه الآية، و قيل هما منها و لكن أعيد إشادة بذكرهما لفضلهما. و قيل: العرب تعيد الشي‏ء بواو العطف اتّساعا لا لتفضيل، و القرآن نزل بلغتهم و الدليل على ذلك أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اَللََّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ مَنْ فِي اَلْأَرْضِ [الحج: 18]ثم قال جلّ

____________

(1) انظر تيسير الداني 167، و كتاب السبعة لابن مجاهد 621، و البحر المحيط 8/196.

213

و عزّ: وَ كَثِيرٌ مِنَ اَلنََّاسِ و قال جلّ ثناؤه: حََافِظُوا عَلَى اَلصَّلَوََاتِ وَ اَلصَّلاََةِ اَلْوُسْطى‏ََ [البقرة: 238]قال أبو جعفر: و هذا بيّن لا لبس فيه.

و حكى الفراء (1) : خيّرات و خيرات. فأما البصريون فقالوا: خيرة بمعنى خيّرة فخفّف، كما قيل: ميّت و ميت «و فيهن» يعود على الأربع الأجنّة.

حُورٌ بدل و إن شئت كان نعتا. مَقْصُورََاتٌ قال مجاهد: قصرن طرفهنّ و أنفسهنّ على أزواجهن فلا يردن غيرهم، و قال أبو العالية: «مقصورات» محبوسات، و قال الحسن: مقصورات محبوسات لا يطفن في الطرق. قال أبو جعفر: و الصواب في هذا أن يقال: إن اللّه جل و عز وصفهنّ بأنهنّ مقصورات فعمّ فنعمّ كما عمّ جلّ و عزّ فيقول: قصرن طرفهنّ و أنفسهن على أزواجهن فلا يرين غيرهم و هن محبوسات في الخيام و مصونات.

فدلّ بهذا على أن الجنّ يطئون.

مُتَّكِئِينَ عَلى‏ََ رَفْرَفٍ خُضْرٍ فخضر جمع أخضر، و رفرف لفظه لفظ واحد، و قد نعت بجمع لأنه اسم للجمع كما قال: مررت برهط كرام و قوم لئام و كذا: هذه إبل حسان و غنم صغار. وَ عَبْقَرِيٍّ مثله غير أنه يجوز أن يكون جمع عبقرية، و قد قرأ عاصم الجحدري متكئين على رفارف خضر و عباقريّ حسان (2) و قد روى بعضهم هذه القراءة عن عاصم الجحدري عن أبي بكرة عن النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم، و إسنادها ليس بالصحيح، و زعم أبو عبيد أنها لو صحّت لكانت و عباقريّ بغير إجراء، و زعم أنه هكذا يجب في العربية. قال أبو جعفر: و هذا غلط بين عند جميع النحويين؛ لأنهم قد أجمعوا جميعا أنه يقال: رجل مدائني بالصرف، و إنما توهّم أنه جمع، و ليس في كلام العرب جمع بعد ألفه أربعة أحرف لا اختلاف بينهم أنك لو جمعت عبقرا لقلت عباقر، و يجوز على بعد عباقير، و يجوز عباقرة. فأما عباقريّ في الجمع فمحال و العلّة في امتناع جواز عباقريّ أنه لا يخلو من أن يكون منسوبا إلى عبقر فيقال: عبقريّ أو يكون منسوبا إلى

____________

(1) انظر معاني الفراء 3/120.

(2) انظر البحر المحيط 8/198، و مختصر ابن خالويه 15.

214

عباقر فيردّ إلى الواحد فيقال أيضا. عبقريّ كما شرط النحويون جميعا في النسب إلى الجمع أنك تنسب إلى واحدة فتقول في النسب إلى المساجد: مسجديّ و إلى العلوم علميّ و إلى الفرائض فرضيّ فإن قال قائل فما يمنع من أن يكون عباقرا اسم موضع ثم ينسب إليها كما يقال: معافريّ؟قيل له: إن كتاب اللّه جلّ و عزّ لا يحمل على ما لا يعرف و تترك حجّة الإجماع.

تَبََارَكَ اِسْمُ رَبِّكَ أي البركة في اسمه جلّ و عزّ و البركة في اللغة بقاء النعمة و ثباتها.

فحضهم بهذا على أن يكثروا ذكر اسمه جلّ و عزّ و دعاءه، و أن يذكروه بالإجلال و التعظيم له فقال: ذي الجلل و الإكرام (1) أي الجليل الكريم و في الحديث «ألظّوا بيا ذا الجلال و الإكرام» (2) .

____________

(1) قرأ ابن عامر (ذو الجلال) بالواو و الباقون بالياء، انظر تيسير الداني 168، و البحر المحيط 8/198.

(2) أخرجه الترمذي (3524) ، و أحمد في المسند 4/177، و الحاكم في المستدرك 1/498، و الطبراني في الكبير 5/60، و البخاري في التاريخ 3/280، و ذكره السيوطي في الدرر 6/153، و الهيثمي في المجمع 10/158.

215

56 شرح إعراب سورة الواقعة

بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ

إِذََا في موضع نصب لأنها ظرف زمان، و العامل فيها وقعت؛ لأنها تشبه حروف الشرط، و إنما يعمل فيها ما بعدها. و قد حكى سيبويه‏ (1) : أن من العرب من يجزم بها، قال: و شبهها بحروف الشرط متمكن قوي، و ذلك أنها تقلب الماضي إلى المستقبل و تحتاج إلى جواب غير أنه لا يجازى بها إلاّ في الشعر. فأما مخالفتها حروف المجازاة فإن ما بعدها يكون محدّدا تقول: أجيئك إذا احمرّ البسر و لا يجوز هاهنا «أن» و كسرت التاء من «وقعت» لالتقاء الساكنين، لأنها حرف فحكمها أن تكون ساكنة، و روى ابن أبي طلحة عن ابن عباس قال: الواقعة و الطامّة و الصاخّة (2) و نحو ذلك من أسماء القيامة عظمها اللّه جلّ و عزّ و حذّرها عباده، و قال غيره: هي الصيحة و هي النفخة الأولى.

اسم ليس و ذكّرت كاذبة عند أكثر النحويين لأنها بمعنى الكذب أي ليس لوقعتها كذب. قال الفرّاء (3) : مثل عاقبة و عافية.

خََافِضَةٌ رََافِعَةٌ (3) على إضمار مبتدأ، و التقدير الواقعة خافضة رافعة، و قرأ اليزيدي خََافِضَةٌ رََافِعَةٌ (4) بالنصب. و هذه القراءة شاذة متروكة من غير جهة منها أنّ

____________

(1) انظر الكتاب 3/67.

(2) انظر الطبري 27/96، و زاد المسير 8/130.

(3) انظر معاني الفراء 3/121.

(4) انظر البحر المحيط 8/203 (و هي قراءة زيد بن علي و عيسى و أبي حيوة و ابن أبي عبلة و ابن مقسم و الزعفراني أيضا) .

216

الجماعة الذين تقوم بهم الحجّة على خلافها، و منها أنّ المعنى على الرفع في قول أهل التفسير و المحقّقين من أهل العربية. فأما أهل التفسير فإن ابن عباس قال: خفضت أناسا و رفعت آخرين فعلى هذا لا يجوز إلاّ الرفع: لأن المعنى خفضت قوما كانوا أعزاء في الدنيا إلى النار و رفعت قوما كانوا أذلاّء في الدنيا إلى الجنة، فإذا نصب على الحال اقتضت الحال جواز أن يكون الأمر على غير ذلك كما أنك إذا قلت: جاء زيد مسرعا، فقد كان يجوز أن يجي‏ء على خلاف هذه الحال، و قال عكرمة و الضحّاك: خََافِضَةٌ رََافِعَةٌ خفضت فأسمعت الأدنى، و رفعت فأسمعت الأقصى فصار الناس سواء. قال أبو جعفر: و أما أهل العربية فقد تكلّم منهم جماعة في النصب. فقال محمد بن يزيد:

لا يجوز، و قال الفرّاء (1) : يجوز بمعنى إذا وقعت الواقعة وقعت خافضة رافعة فأضمر وقعت و هو عند غيره من النحويين بعيد قبيح، و لو قلت: إذا جئتك زائرا، تريد إذا جئتك جئتك زائرا. لم يجز هذا الإضمار؛ لأنه لا يعرف معناه، و قد يتوهّم السامع أنه قد بقي من الكلام شي‏ء. و أجاز أبو إسحاق النصب على أن يعمل في الحال «وقعت» ، قد بيّنا فساده على أن كل من أجازه فإنه يحمله على الشذوذ فهذا يكفي في تركه.

إِذََا في موضع نصب. قال أبو إسحاق: المعنى إذا وقعت الواقعة في هذا الوقت، رَجًّا مصدر، }و كذا وَ بُسَّتِ اَلْجِبََالُ بَسًّا . (5)

هَبََاءً خبر كان. مُنْبَثًّا من نعته. و أصحّ ما قيل في معناه ما روي عن علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه قال: الهباء المنبثّ رهج الدواب، و عن ابن عباس هو الغبار، و عنه هو الشرر الذي يطير من النار.

عن ابن عباس قال: أصنافا ثلاثة. قال أبو إسحاق: يقال للأصناف التي بعضها مع بعض أزواج واحدها زوج، كما يقال: زوج من الخفاف لأحد الخفّين.

فَأَصْحََابُ اَلْمَيْمَنَةِ رفع الابتداء. مََا أَصْحََابُ اَلْمَيْمَنَةِ مبتدأ و خبره في موضع خبر الأول، و قيل: التقدير ما هم فلذلك صلح أن يكون خبرا عن الأول لمّا عاد عليه ذكره و كذا اَلْقََارِعَةُ`مَا اَلْقََارِعَةُ [القارعة: 1، 2]يظهر الاسم على سبيل التعظيم

____________

(1) انظر معاني الفراء 3/121.

217

و التشديد. و هذا قول حسن؛ لأن إعادة الاسم فيه معنى التعظيم، و كذا فَأَصْحََابُ اَلْمَيْمَنَةِ مََا أَصْحََابُ اَلْمَيْمَنَةِ (8) قيل: إنما قيل لهم: أصحاب الميمنة لأنّهم أعطوا كتبهم بإيمانهم، و قيل: لأنهم أخذ بهم ذات اليمين. و هذه علامة في القيامة لمن نجا، و قيل:

إن الجنة على يمين الناس يوم القيامة، }و على هذا وَ أَصْحََابُ اَلْمَشْئَمَةِ مََا أَصْحََابُ اَلْمَشْئَمَةِ (9) لأن اليد اليسرى يقال لها الشّومى.

قال محمد بن سيرين: السابقون الذين صلّوا القبلتين، و أبو إسحاق يذهب إلى أنّ فيه تقديرين في العربية: أحدهما أن يكون السابقون الأول مرفوعا بالابتداء و الثاني من صفته، }و خبر الابتداء أُولََئِكَ اَلْمُقَرَّبُونَ (11) ، و يجوز عنده أن يكون السابقون الأول مرفوعا بالابتداء و السابقون خبره و تقديره و السابقون إلى طاعة اللّه هم السابقون إلى رحمة اللّه، قال: أولئك المقربون صفة. قال أبو جعفر: قوله: أولئك صفة غلط عندي؛ لأن ما فيه الألف و اللام لا يوصف بالمبهم. لا يجوز عند سيبويه: مررت بالرجل ذلك، و لا مررت بالرجل هذا، على النعت، و العلّة فيه أن المبهم أعرف مما فيه الألف و اللام، و إنما ينعت الشي‏ء عند الخليل و سيبويه بما هو دونه في التعريف، و لكن يكون أولئك المقربون بدلا أو خبرا بعد خبر.

من صلة المقرّبين، أو خبر أخر.

قال أبو إسحاق: المعنى: هم ثلّة من الأولين.

عطف عليه.

عَلى‏ََ سُرُرٍ من العرب من يقول: سرر لثقل الضمّة و تكرير الحرف و في الراء أيضا تكرير. مَوْضُونَةٍ نعت.

قال أبو إسحاق: هما منصوبان على الحال.

218

ذكر الفرّاء (1) معناه على سنّ واحد لا يتغيّرون كأنه مشتقّ من الولادة إلاّ أنه يقال:

وليد بين الولادة بفتح الواو.

بِأَكْوََابٍ اجتزئ بالجمع القليل عن الكثير. وَ أَبََارِيقَ لم ينصرف؛ لأنه جمع لا نظير له في الواحد. وَ كَأْسٍ واحد يؤدي عن الجمع، و روى عن ابن أبي طلحة عن ابن عباس وَ كَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ قال: الخمر، و قال الضحّاك: كل كأس في القرآن فهي الخمر، و قال قتادة: من معين من خمر ترى بالعيون.

لاََ يُصَدَّعُونَ عَنْهََا وَ لاََ يُنْزِفُونَ (19) لاََ يُصَدَّعُونَ عَنْهََا وَ لاََ يُنْزِفُونَ (2) فنفى عن الخمر ما يلحق من آفاتها من السكر و الصداع، و قيل: «يصدّعون عنها» يفرّقون عن قلّى.

أي يتخيّرونها و حذفت الهاء لطول الاسم.

أهل التفسير منهم من يقول: يخلق اللّه جلّ و عزّ لهم لحما على ما يشتهون من شواء أو طبيخ من جنس الطير، و منهم من يقول: بل هو لحم طير على الحقيقة. و بهذا جاء الحديث عن عبد اللّه بن مسعود عن النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم قال: «ما هو إلاّ أن تشتهي الطائر في الجنّة و هو يطير فيقع بين يديك مشويّا» (3) .

وَ حُورٌ عِينٌ (22) قراءة ابن كثير و أبي عمرو و عاصم و شيبة و نافع، و قرأ الأعمش و حمزة و الكسائي وَ حُورٌ عِينٌ (4) بالخفض، و حكى سيبويه و الفرّاء أنّ في قراءة أبيّ بن كعب و حورا عينا (5) بالنصب، و زعم سيبويه‏ (6) أنّ الرفع محمول على

____________

(1) انظر معاني الفراء 3/122.

(2) انظر تيسير الداني 168، و البحر المحيط 8/205 (قرأ الجمهور «و لا ينزفون» مبنيا للمفعول) .

(3) انظر تفسير القرطبي 17/34.

(4) انظر البحر المحيط 8/206، و تيسير الداني 168.

(5) انظر معاني الفراء 3/124.

(6) انظر الكتاب 1/228.

219

المعنى؛ لأن المعنى فيها أكواب و أباريق و كأس من معين و فاكهة و لحم طير و حور أي و لهم حور عين و أنشد (1) : [الكامل‏]:

451-

بادت و غيّر ايهنّ مع البلى # إلاّ رواكد جمرهنّ هباء

و مشجّج أمّا سوعاء قذاله # فبدا و غيّر ساره المعزاء

فرفع و مشجّج على المعنى؛ لأن المعنى بها رواكد و بها مشجّج. و القراءة بالرفع اختيار أبي عبيد لأن الحور لا يطاف بهن، و اختار الفرّاء (2) الخفض و احتج بأن الفاكهة و اللحم أيضا لا يطاف بهما و إنما يطاف بالخمر. و هذا الاحتجاج لا ندري كيف هو إذ كان القراء قد أجمعوا على القراءة بالخفض في قوله جلّ و عزّ: وَ فََاكِهَةٍ مِمََّا يَتَخَيَّرُونَ (20) `وَ لَحْمِ طَيْرٍ مِمََّا يَشْتَهُونَ (21) فمن أين له أنه لا يطاف بهذه الأشياء التي ادّعى أنه لا يطاف بها؟و إنما يسلّم في هذا لحجّة قاطعة أو خبر يجب التسليم له. و اختلفوا في قوله جلّ و عزّ: وَ حُورٌ عِينٌ (22) كما ذكرت و الخفض جائز على أن يحمل على المعنى؛ لأن المعنى ينعمون بهذه الأشياء و ينعمون بحور عين، و هذا جائز في العربية كثير. كما قال: [الكامل‏] 452-

علفتها تبنا و ماء باردا # حتّى شتت همّالة عيناها

(3)

فحملت على المعنى، و قال أخر: [مجزوء الكامل‏] 453-

يا ليت زوجك قد غدا # متقلّدا سيفا و رمحا

(4)

و قال أخر: [الوافر] 454-

إذا ما الغانيات برزن يوما # و زجّجن الحواجب و العيونا

(5)

و العيون لا تزجّج فحمله على المعنى. فأما «و حورا عينا» فهو أيضا محمول على المعنى؛ لأن معنى الأول يعطون هذا و يعطون حورا، كما قال‏ (6) : [البسيط] 455-

جئني بمثل بني بدر لقومهم # أو مثل أسرة منظور بن سيّار

____________

(1) مرّ الشاهد رقم (36) .

(2) انظر معاني الفراء 3/124.

(3) الشاهد لذي الرمة في ديوانه 664، و الخزانة 1/499، و بلا نسبة في معاني الفراء 1/14، و ديوان المفضليات 248، و اللسان (علف) .

(4) مرّ الشاهد رقم (122) .

(5) الشاهد للراعي النميري في ديوانه 269، و الدرر 3/158، و شرح شواهد المغني 2/775، و لسان العرب (زجج) ، و المقاصد النحوية 3/91، و بلا نسبة في الأشباه و النظائر 3/212، و الإنصاف 2/ 610، و أوضح المسالك 2/432، و تذكرة النحاة ص 617، و الخصائص 2/432، و الدرر 6/80، و شرح الأشموني 1/226، و شرح التصريح 1/346، و شرح عمدة الحافظ ص 635.

(6) مرّ الشاهد رقم (135) .

220

أو عامر بن طفيل في مركّبه # أو حارثا يوم نادى القوم يا حار

قال الحسن البصري: الحور الشديدات سواد سواد العين. و هذا أحسن ما قيل في معناهن. و الحور البياض، و منه الحوّاريّ و روي عن مجاهد أنه قال: قيل حور لأن العين تحار فيهن، و قال الضحّاك: العين العظيمات الأعين. قال أبو جعفر: عين جمع عيناء و هو على فعل إلاّ أن الفاء كسرت لئلا تنقلب الياء واوا فيشكل بذوات الواو، و قد حكى الفرّاء أن من العرب من يقول: حير عين على الإتباع.

و روي عن أم سلمة قالت: قلت: يا رسول اللّه أخبرني عن قول اللّه عزّ و جلّ:

كَأَمْثََالِ اَللُّؤْلُؤِ اَلْمَكْنُونِ (23) قال: «كصفاء الدرّ الذي في الصّدف الذي لا تمسّه الأيدي» (1) .

قال أبو إسحاق: نصبت جزاء لأنه مفعول له أي لجزاء أعمالهم. قال: و يجوز أن يكون مصدرا؛ لأن معنى‏ يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدََانٌ مُخَلَّدُونَ (17) يجزيهم ذلك جزاء أعمالهم.

اللّغو ما يلغى قيل: معناه لا يسمعون فيها صخبا و لا ضجرا و لا صياحا. فنفى اللّه عزّ و جلّ عن أهل الجنة كلّ ما يلحق الناس في الدنيا في نعيمهم من الضجر و في كلّ ما يلحق في طعامهم و شرابهم من الآفات و كل ما يلحقهم من العناء و التعب و في المأكول و المشروب في هذه السورة. و في بعض الحديث «من داوم قراءة سورة الواقعة كلّ يوم لم يفتقر أبدا» (2) .

قال أبو إسحاق: إِلاََّ قِيلاً منصوب بيسمعون أي لا يسمعون إلاّ قيلا، و قال غيره: هو منصوب على الاستثناء سَلاََماً سَلاََماً يكون نعتا لقيل أي إلاّ قيلا يسلم فيه من الصياح و الصخب و ما يؤثم فيه، و يجوز أن يكون منصوبا على المصدر، و يجوز وجه ثالث و هو أن يكون منصوبا بقيل، و يكون معنى قيل أن يقولوا، و أجاز الكسائي و الفرّاء الرفع في في سلام بمعنى: سلام عليكم، و أنشد الفرّاء: [الطويل‏] 456-

فقلنا السّلام فاتّقت من أميرها # فما كان إلاّ ومؤها بالحواجب‏

(3)

____________

(1) انظر البحر المحيط 8/206.

(2) انظر الترغيب و الترهيب للمنذري 2/448.

(3) الشاهد بلا نسبة في لسان العرب ( ومأ) و (صفح) و (سلم) ، و التنبيه و الإيضاح 1/34، و المخصّص 13/ 155، و تهذيب اللغة 15/644، و تاج العروس ( ومأ) و (صفح) .

221

وَ أَصْحََابُ اَلْيَمِينِ في معناه ثلاثة أقوال: منها أنه إنما قيل لهم أصحاب اليمين لأنهم أعطوا كتبهم بأيمانهم، و منها أنه يؤخذ بهم يوم القيامة ذات اليمين و ذلك أمارة من نجا، و القول الثالث أنّهم الذين أقسم اللّه جلّ و عزّ أن يدخلهم الجنة. مََا أَصْحََابُ اَلْيَمِينِ مبتدأ و خبره في موضع خبر الأول، و قول قتادة: إن المعنى: أيّ شي‏ء هو و ما أعدّ لهم من الخيرات.

«مخضود» أصحّ ما قيل فيه أنه خضد شوكه، و قيل: هو مخلوق كذا، و العرب تعرف الطّلح أنه الشجر كثير الشوك. قال أبو إسحاق يجوز أن يكون في الجنة و قد أزيل عنه الشوك. و أهل التفسير يقولون: إن الطلح الموز. قال أبو جعفر: و سمعت علي بن سليمان يقول: يجوز أن يكون هذا مما لم ينقله أصحاب الغريب و أسماء النبت كثيرة حتّى إن أهل اللغة يقولون: ما يعاب على من صحّف في أسماء النبت لكثرتها.

أي لا يتعب في استقائه.

وَ فََاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (32) `لاََ مَقْطُوعَةٍ نعت. و جاز أن يفرق بين النعت و المنعوت بقولك لا لكثرة تصرّفها و أنها تقع زائدة. }قال قتادة: في معنى وَ لاََ مَمْنُوعَةٍ لا يمنع منها شوك و لا بعد.

أي عالية و منه بناء رفيع.

قال مجاهد: خلقن من زعفران. قال أبو إسحاق: إنشاء من غير ولادة.

مفعول ثان. و قال أبو عبيدة: في الضمير الذي في «أنشأناهنّ» أنّه يعود على «و حور عين» ، و قال الأخفش سعيد: هو ضمير لم يجر له ذكر إلاّ أنه قد عرف معناه.

222

عُرُباً (1) جمع عروب، و لغة تميم و نجد عربا يحذفون الضمة لثقلها. أَتْرََاباً جمع ترب.

المعنى: إنّا أنشأناهنّ لأصحاب اليمين، و في الحديث عن علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه و ابن عمر رحمة اللّه عليهما أنّهما قالا: أصحاب اليمين أطفال المؤمنين.

و قدّره الفرّاء (2) بمعنى لأصحاب اليمين ثلّة من الأولين و ثلّة من الآخرين، و قدّره غيره:

المعنى هم ثلّة من الأولين أي جماعة ممن تقدّم قبل مبعث النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم و جماعة من أتباع النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم. و قال صاحب هذا القول: إنما قيل في الأول ثلّة من الأولين و قليل من الآخرين، و في الثاني ثلّة من الأولين و ثلّة من الآخرين؛ لأن الأول للسابقين إلى اتباع الأنبياء صلّى اللّه عليه و سلّم و السابقون إلى اتّباعهم قبل النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم أكثر من السابقين إلى اتباع النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم.

يدلّك على صحة هذا أن قوم يونس صلّى اللّه عليه و سلّم آمنوا، و هم مائة ألف أو يزيدون، و السحرة اتّبعوا موسى صلّى اللّه عليه و سلّم و هم يروى أكثر من هؤلاء فلهذا قيل: و قليل من الآخرين، و الثلة الثانية لأصحاب اليمين و ليست للسابقين، و أصحاب اليمين قد يدخل فيهم المسلمون إلى يوم القيامة هذا على هذا القول، و قد ذكرنا غيره. و اللّه جلّ و عزّ أعلم.

وَ أَصْحََابُ اَلشِّمََالِ أي الّذين أعطوا كتبهم في شمالهم، و قيل: الذين أخذ بهم ذات الشمال. قال قتادة مََا أَصْحََابُ اَلشِّمََالِ أي ماذا لهم و ما أعدّ لهم.

أي في حسر النار و ما يلحق من لهبها، و حكى ابن السكيت في جمع سموم سمام. و قال أبو جعفر: فهذا على حذف الزائد و هو الواو «و حميم» و هو ما يعذّبون به من الماء الحار يجرّعونه و يصبّ على رؤوسهم كما قال جلّ و عزّ: يَطُوفُونَ بَيْنَهََا وَ بَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ [الرحمن: 44].

ينصرف في المعرفة و النكرة لأنه ليس في الأفعال يفعول.

لاََ بََارِدٍ أي لا ظلّ له يستر. وَ لاََ كَرِيمٍ لأنه مؤلم و خفضت. لاََ بََارِدٍ على

____________

(1) انظر تيسير الداني 168.

(2) انظر معاني الفراء 3/126.

223

النعت و لم تفرق «لا» بين النعت و المنعوت لتصرّفها وَ لاََ كَرِيمٍ عطف عليه، و أجاز النحويون الرفع على إضمار مبتدأ كما قال: [الكامل‏] 457-

و تريك وجها كالصّحيفة لا # ظمآن مختلج و لا جهم‏

(1)

أي في الدنيا، روى ابن أبي طلحة عن ابن عباس يقول: منعّمين.

وَ كََانُوا يُصِرُّونَ قال ابن زيد: لا يتوبون و لا يستغفرون. و الإصرار في اللغة الإقامة على الشي‏ء و ترك الإقلاع عنه. عَلَى اَلْحِنْثِ اَلْعَظِيمِ قال الفرّاء: يقول الشرك هو الحنث العظيم.

وَ كََانُوا يَقُولُونَ أَ إِذََا مِتْنََا وَ كُنََّا تُرََاباً وَ عِظََاماً أَ إِنََّا لَمَبْعُوثُونَ تعجّبوا من هذا فلذلك جاء بالاستفهام. قال أبو جعفر: من قال إذا متنا جاء بالهمزة الثانية بين بين فهي متحرّكة كما كانت قبل التخفيف. و هكذا قال محمد بن يزيد، و قال أحمد بن يحيى ثعلب: همزة بين بين لا متحرّكة و لا ساكنة. قال أبو جعفر: فأما كتابها فبالألف لا غير؛ لأنها مبتدأة ثم دخلت عليها ألف الاستفهام. فإذا في موضع نصب على الظرف، و لا يجوز أن يعمل فيه لمبعوثون؛ لأنه خبر «إنّ» فلا يعمل فيما قبله و العامل فيه متنا. و يقال: متنا على لغة من قال: مات يموت و هي فصيحة و من قال: متنا فهو على لغة من قال: مات يمات مثل خاف يخاف، و قد قيل: هو على فعل يفعل جاء شاذا.

معطوف على الموضع، و يجوز أن يكون معطوفا على المضمر المرفوع.

حكى سيبويه‏ (2) عن العرب سماعا: ادخلوا الأول فالأول. و زعم أنه منصوب على الحال و فيه الألف و اللام. و قال ابن كيسان: لا نعلم شيئا يصحّ في كلام

____________

(1) الشاهد للمخبّل السعدي في ديوانه 313، و لسان العرب (ظمأ) و (خلج) ، و تاج العروس (ظمأ) و (خلج) ، و أساس البلاغة (جهم) ، و المفضليات 213، و بلا نسبة في المخصّص 1/91.

(2) انظر الكتاب 1/466.

224

العرب منصوبا على الحال و فيه الألف و اللام إلاّ هذا و العلة فيه أنه وقع فرقا بين معنيين لأنك إذا قلت: دخلوا أولا أولا فمعناه دخلوا متفرقين فإذا قلت: دخلوا الأول فالأول فمعناه أعرفهم الأول فالأول، و قال محمد بن يزيد: التعريف إنما وقع بعد فلذلك جي‏ء بالألف و اللام زائدتين كسائر الزوائد. و حكى سيبويه عن عيسى بن عمر: أدخلوا الأول فالأول يحمله على المعنى و قد خطأه سيبويه لأنه لا يجوز: ادخلوا الأول فالأول فالأول أي إنما يقال باللام، و احتج غيره لعيسى بن عمر: لأنه محمول على المعنى، كما روي عن أبيّ بن كعب أنه قرأ فبذلك فلتفرحوا [يونس: 58]، و كان يجب أن ينطق في الأول بفعل لأنه بمنزلة الأفضل، و لكن يردّ ذلك لأن فاءه و عينه من موضع واحد، و لا يوجد في كلام العرب فعل هكذا، و هو في الأسماء قليل. قالوا: كوكب لمعظم الشي‏ء، و قالوا للهو و اللعب: ددا و ددن و دد، و قالوا للسيف الكليل ددان لا يعرف في الدال غير هذه. و في الحديث عن عمر رضي اللّه عنه «حتّى يصير النّاس ببّانا واحدا» (1) أي شيئا واحدا «وبيّة» لقب. لا يعرف غير هذين في كلام العرب في الباء. أما قولهم في الطائر ببّغاء و لسبع ببر فأعجميان و لا يكاد يعرف ذلك في غير هذه الحروف إلا يسيرا إن جاء فقد قالوا لضرب من النبت آء و لا يعرف له نظير فلهذا لم يستعمل في أول فعل. و حكى سيبويه‏ (2) أنّ «أول» يجوز أن يصرف على أنه اسم غير نعت كما يقال: ما ترك أولا و لا اخرا. و حكي ترك الصرف على أنه نعت.

ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا اَلضََّالُّونَ أي الجائرون عن طريق الهدى. اَلْمُكَذِّبُونَ بالوعيد و البعث.

لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ‏`فَمََالِؤُنَ مِنْهَا على تأنيث الجماعة، و لو كان منه على تذكير الجميع لجاز. } اَلْبُطُونَ جمع بطن و هو مذكر. فأما قول الشاعر: [الطويل‏] 458-

فإنّ كلابا هذه عشر أبطن # و أنت بري‏ء من قبائلها العشر

(3)

فمؤنث لتأنيث القبيلة محمول على المعنى، و لو ذكر على اللفظ لجاز.

____________

(1) انظر اللسان (بب) .

(2) انظر الكتاب 3/217.

(3) الشاهد لرجل من بني كلاب في الكتاب 4/43، و للنواح الكلابي في الدرر 6/196، و المقاصد النحوية 4/484، و بلا نسبة في الأشباه و النظائر 2/105، و أمالي الزجاجي 118، و خزانة الأدب 7/395، و الخصائص 2/417، و شرح الأشموني 3/620، و شرح عمدة الحافظ 520، و لسان العرب (كلب) و (بطن) ، و المقتضب 2/148، و همع الهوامع 2/149.

225

عَلَيْهِ على الشجر على تذكير الجميع، و يجوز أن يكون على الجمع الأكل.

هذه قراءة أكثر القراء. و قرأ ابن كثير و أبو عمرو و ابن عامر و الكسائي فَشََارِبُونَ شُرْبَ اَلْهِيمِ (1) بفتح الشين، و زعم أبو عبيد أنها لغة النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم كلام هائل. فقال بعض العلماء: قوله لغة النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم كلام هائل لا ينبغي لأحد أن يقوله إلاّ بتيقّن و الحديث الذي رواه أصحاب الحديث و الناقلون له عن النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم يقولون فيه: «إنّها أيام أكل و شرب» بضم الشين سواه، أو من قال منهم. و نظير هذا قوله لغة النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم «الحرب خدعة» (2)

و قد سمع خدعة و خدعة. و القول في هذا على قول الخليل و سيبويه أن شربا بفتح الشين مصدر و شربا بضمها اسم للمصدر يستعمل هاهنا أكثر، و يستعمل شرب في جمع شارب، كما قال: [البسيط] 459-

فقلت للشّرب في درنا و قد ثملوا # شيموا و كيف يشيم الشّارب الثّمل‏

(3)

«و الهيم» جمع هيماء و أهيم و هو على فعل كسرت الهاء لأنها لو ضمّت انقلبت الياء واوا. و قد أجاز الفرّاء (4) أن يكون الهيم جمع هائم.

هََذََا نُزُلُهُمْ أي الذي ينزلهم اللّه إيّاه يوم القيامة و هو يوم الدّين الذي يجازي الناس فيه بأعمالهم.

أي نحن خلقناكم و لم تكونوا شيئا فأوجدناكم بشرا فلولا تصدّقون من فعل ذلك أنه يحييكم و يبعثكم.

أَ فَرَأَيْتُمْ أي أيّها المكذبون بالبعث و المنكرون لقدرة اللّه جلّ و عزّ على إحيائهم.

____________

(1) انظر تيسير الداني 168، و البحر المحيط 8/209.

(2) أخرجه مسلم في صحيحه (1361) ، و أبو داود في سننه (2636) ، و أحمد في مسنده 1/90، و البيهقي في السنن الكبرى 7/40، و الهيثمي في مجمع الزوائد 5/320.

(3) مرّ الشاهد رقم (314) .

(4) انظر معاني الفراء 3/128.

226

مََا تُمْنُونَ في أرحام النساء. قال الفرّاء: يقال أمنى و منى و أمنى أكثر.

أَ أَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أي أنتم تخلقون ذلك المنيّ حتّى تصير فيه الروح أَمْ نَحْنُ اَلْخََالِقُونَ .

نَحْنُ قَدَّرْنََا بَيْنَكُمُ اَلْمَوْتَ (1) أي فمنكم قريب الأجل و بعيده كل ذلك بقدر. وَ مََا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ أي في آجالكم و ما يفتات علينا فيها بل هي على ما قدّرنا.

عَلى‏ََ أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثََالَكُمْ أحسن ما قيل في معناه نحن قدّرنا بينكم الموت على أن نبدل أمثالكم أي نجي‏ء بغيركم من جنسكم وَ نُنْشِئَكُمْ فِي مََا لاََ تَعْلَمُونَ أحسن ما قيل في معناه و ننشئكم في غير هذه الصّور فينشئ اللّه جلّ و عزّ المؤمنين يوم القيامة في أحسن الصور و إن كانوا في الدنيا قبحاء و ينشئ الكافرين و الفاسقين في أقبح الصور و إن كانوا في الدنيا نبلاء.

وَ لَقَدْ عَلِمْتُمُ اَلنَّشْأَةَ اَلْأُولى‏ََ فَلَوْ لاََ تَذَكَّرُونَ (2) أي علمتم أنّا أنشأناكم و لم تكونوا فهلا تذّكّرون فتعلمون أن الذي فعل ذلك لقادر على إحيائكم، و الأصل تتذكّرون فأدغمت التاء في الذال.

تكون مََا مصدرا أي حرثكم، و يجوز أن يكون بمعنى الذي أي أ فرأيتم الحرث الذي تحرثون.

معنى تزرعونه تجعلون زرعا، و لهذا جاء الحديث عن أبي هريرة عن النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم.

قال: «لا تقل زرعت و لكن قل حرثت» ثمّ تلا أبو هريرة أَ فَرَأَيْتُمْ مََا تَحْرُثُونَ‏`أَ أَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ اَلزََّارِعُونَ .

____________

(1) انظر تيسير الداني 168 (ابن كثير بتخفيف الدال و الباقون بتشديدها) .

(2) انظر تيسير الداني 140.

227

لَوْ نَشََاءُ لَجَعَلْنََاهُ حُطََاماً أي متهشّما لا ينتفع به. فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ اختلف العلماء في معناه، فقال الحسن و قتادة: تفكّهون أي تندّمون على ما سلف منكم من المعاصي التي عوقبتم من أجلها بهذا و قال عكرمة: تفكّهون تلاومون أي على ما فاتكم من طاعة اللّه جلّ و عزّ، و قيل: تفكّهون تنعمون فيكون على التقدير على هذا: أرأيتم ما تحرثون فظلتم به تفكّهون. قال أبو جعفر: و أولى الأقوال ما قاله مجاهد. قال: تفكّهون تعجّبون أي يعجب بعضكم بعضا مما نزل به و أصله من تفكّه القوم بالحديث إذا عجب بعضهم بعضا منه، و يروى أنها قراءة عبد اللّه فَظَلْتُمْ (1) بكسر الظاء. و الأصل ظللتم كما قال: [الطويل‏] 460-

ظللت بها أبكي و أبكي إلى الغد

(2)

فمن قال: ظلتم حذف اللام المكسورة تخفيفا و من قال: ظلتم ألقى حركة اللام على الظاء بعد حذفها و الأصل تتفكّهون، }و المعنى تقولون إِنََّا لَمُغْرَمُونَ قال عكرمة: إنّا لمولع بنا، و قال قتادة: لمعذبون، و قيل: قد غرمنا في زرعنا، و قول قتادة حسن بيّن؛ لأنه معروف في كلام العرب، إنه يقال للعذاب و الهلاك: غرام. قال الأعشى: [الخفيف‏] 461-

إن يعاقب يكن غراما و إن يعط # جزيلا فإنّه لا يبالي‏

(3)

أي ليس نحن مغرمين لكنا قد حرمنا و حورفنا.

اَلَّذِي في موضع نصب و تَشْرَبُونَ صلته و التقدير: تشربونه حذفت الهاء لطول الاسم و حسن ذلك لأنه رأس آية.

أَ أَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ اَلْمُزْنِ الأصل: أ أنتم خفّفت الهمزة الثانية فجي‏ء بها بين بين.

و الدليل على أنها متحركة و هي بين بين أن النون بعدها ساكنة و الاختيار عند الخليل

____________

(1) انظر البحر المحيط 8/211.

(2) الشاهد لطرفة بن العبد في ديوانه ص 5، و شرح القصائد السبع الطوال لابن الأنباري 132، و صدره:

«لخولة أطلال برقة ثهمد»

.

(3) الشاهد للأعشى في ديوانه ص 9.

228

و سيبويه‏ (1) أن يؤتى بها بين بين لثقل اجتماع الهمزتين. أَمْ نَحْنُ اَلْمُنْزِلُونَ مبتدأ و خبره.

لَوْ نَشََاءُ جَعَلْنََاهُ أُجََاجاً قال الفرّاء: الأجاج الملح الشديد المرارة. فَلَوْ لاََ تَشْكُرُونَ أي فهلاّ تشكرون الذي لم نجعله ملحا فلا تنتفعون به في مشرب و لا زرع.

قال بعض العلماء: أي ترونها بأبصاركم. قال أبو جعفر: و هذا غلط و لو كان كما قال لكان ترون إنما هو من أوريت الزند أوريه إذا قدحته.

أَ أَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهََا أي اخترعتموها و أحدثتموها. أَمْ نَحْنُ اَلْمُنْشِؤُنَ و إن شئت جئت بهمزة بين بين أي بين الهمزة و الواو، و لهذا قال محمد بن يزيد: لا يجوز أن تكتب إلاّ بالواو أي بواوين، و كذا «يستهزئون» ، و من كتبها بالياء فقد أخطأ عنده، لأن الضمة أقوى الحركات فإذا كانت الهمزة مضمومة متوسّطة لم يكن قبلها حكم، و من أبدل من الهمزة قال المنشوون و المستهزوون، قال أبو جعفر: و هذه لغة رديئة شاذّة لا توجد إلاّ في يسير من الشعر، و سمعت علي بن سليمان يحكي أن الصحيح من قول سيبويه أنه لا يجيز إبدال الهمزة يعني في غير الشعر، قال: لأن أبا زيد قال له: من العرب من يقول قرا بغير همزة فقال له سيبويه: فكيف يقولون في المستقبل فقال: يقرا فقال: هذا إذن خطأ؛ لأنه كان يجب أن يقولوا: يقري حتّى يكون مثل رمى يرمي. قال أبو الحسن: فهذا من سيبويه يدلّ على أنه لا يجيزه.

نَحْنُ جَعَلْنََاهََا تَذْكِرَةً مفعولان أي ذات تذكرة. وَ مَتََاعاً لِلْمُقْوِينَ روى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: المقوون المسافرون، و قال ابن زيد: المقوي الجائع. قال أبو جعفر: أصل هذا من أقوت الدّار أي خلت، كما قال عنترة: [الكامل‏] 462-

حييت من طلل تقادم عهده # أقوى و أقفر بعد أمّ الهيثم‏

(2)

و يقال: أقوى إذا نزل بالقيّ أي الأرض الخالية، و أقوى إذا قوي أصحابه أي خلوا من الضعف.

____________

(1) انظر الكتاب 4/31.

(2) الشاهد لعنترة في ديوانه 189، و لسان العرب (شرع) ، و تهذيب اللغة 1/424، و تاج العروس (شرع) ، و المقاصد النحوية 3/188.

229

أي بذكره و أسمائه الحسنى.

فَلاََ أُقْسِمُ بِمَوََاقِعِ اَلنُّجُومِ (1) قول ابن عباس أنه نزول القرآن، و استدلّ الفرّاء (2)

على صحة ذلك‏}لأن بعده وَ إِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (76) و قول الحسن أي بمساقط النجوم، و زعم محمد بن جرير أن هذا القول أولى بالصواب؛ }}لأنه المتعارف من النجوم أنها هي الطالعة إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (77) `فِي كِتََابٍ مَكْنُونٍ (78) أي مصون. لاََ يَمَسُّهُ إِلاَّ اَلْمُطَهَّرُونَ (79) من نعت الكتاب. تَنْزِيلٌ }من نعت القرآن أي ذو تنزيل أي منزّل مِنْ رَبِّ اَلْعََالَمِينَ .

أي تلينون الكلام لمن كفر بهذا الكتاب المكنون.

و عن علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه أنه قرأ و تجعلون شكركم أنكم تكذّبون (3) و عن ابن عباس و تجعلون شكركم أنكم تكذّبون . قال أبو جعفر:

و هاتان القراءتان على التفسير، و لا يتأوّل على أحد من الصحابة أنه قرأ بخلاف ما في المصحف المجمع عليه، و كذا التفسير. و المعنى على قراءة الجماعة و تجعلون شكر رزقكم ثمّ حذف مثل وَ سْئَلِ اَلْقَرْيَةَ [يوسف: 82]، و قد فسر ابن عباس هذا التكذيب كيف كان منهم قال: يقولون مطرنا بنوء كذا و كذا، و قد سمّى النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم هذا كفرا، قال أبو إسحاق: و نظيره قول المنجّم إذا طلع نجم كذا ثمّ سافر إنسان كان كذا فهذا التكذيب بإنذار اللّه جلّ و عزّ.

مخاطبة لمن حضر ميتا: فالتقدير: فلا ترجعونها إن كنتم صادقين، يقال: رجع

____________

(1) انظر تيسير الداني 168 (قرأ حمزة و الكسائي «بموقع» بإسكان الواو من غير ألف و الباقون بفتح الواو و ألف بعدها) .

(2) انظر معاني الفراء 3/129.

(3) انظر المحتسب 2/310، و البحر المحيط 8/214.

230

و رجعته‏} فعلى هذا قال‏ تَرْجِعُونَهََا إِنْ كُنْتُمْ صََادِقِينَ (87) في أنكم لستم مملوكين مدبّرين.

قال أبو جعفر: هكذا حكى الفرّاء (1) في معنى‏ مَدِينِينَ قال: مملوكين، و روى ابن أبي طلحة عن ابن عباس‏ غَيْرَ مَدِينِينَ أي غير محاسبين، و قال الحسن: غير مبعوثين، و قيل: غير مجازين من قوله عزّ و جلّ: مََالِكِ يَوْمِ اَلدِّينِ [الفاتحة: 4]فأما جواب لولا الثانية ففيه قولان: قال الفرّاء (2) : أجيبتا جميعا بجواب واحد، و قيل: حذف من أحدهما و دلّ عليه الآخر.

فَأَمََّا إِنْ كََانَ مِنَ اَلْمُقَرَّبِينَ (3) أي فأما إن كان المتوفّى من المقرّبين إلى رحمة اللّه جلّ و عزّ فله روح و ريحان. قال أبو جعفر: و هذا الموضع مشكل من الإعراب لأن «أما» تحتاج إلى جواب و يسأل لم صار لا يلي «أما» إلاّ الاسم و هي تشبه حروف المجازاة؟و إنما يلي حروف المجازاة الفعل، و هذا أشكل ما فيها. فأما جواب «أما» و «إن» ففيه اختلاف بين النحويين فقول الأخفش و الفراء: أنهما أجيبا بجواب واحد و هو الفاء و ما بعدها، و أما قول سيبويه فإنّ «إن» لا جواب لها هاهنا، لأنّ بعدها فعلا ماضيا كما تقول: أنا أكرمتك إن جئتني، و قول محمد بن يزيد: إنّ جواب «إن» محذوف لأن بعدها ما يدلّ عليه. قال أبو جعفر: و سمعت أبا إسحاق يسأل عن معنى «أما» فقال: هي للخروج من شي‏ء إلى شي‏ء أي دع ما كنا فيه و خذ في شي‏ء أخر. فأما القول في العلّة لم لا يليها إلا الاسم: فذكر فيه أبو الحسن بن كيسان أن معنى «أما» مهما يكن من شي‏ء فجعلت أما مؤدية عن الفعل، و لا يلي فعل فعلا فوجب أن يليها الاسم. و تقديره أن يكون بعد جوابها فإذا أردت أن إعراب الاسم الذي يليها فاجعل موضعها «مهما» و قدّر الاسم بعد الفاء تقول: أما زيدا فضربت معناه مهما يكن من شي‏ء فضربت زيدا. }و روى بديل بن ميسرة عن عبد اللّه بن شقيق عن عائشة رضي اللّه عنها أن النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم قرأ فَرَوْحٌ بضم الراء، و هكذا قرأ الحسن البصري. قال أبو جعفر:

و هذا الحديث إسناده صالح و بعضهم يقول فيه: عن بديل عن أبي الجوزاء عن عائشة عن النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم، و معنى الضمّ حياة دائمة. و روى ابن أبي طلحة عن ابن عباس فَرَوْحٌ وَ رَيْحََانٌ قال: مستراح، و قال سعيد بن جبير: الرّوح الفرح، و روى هشيم عن جويبر عن الضحّاك:

فروح قال: استراحة، و روى غيره عن الضحّاك فروح قال: مغفرة و رحمة. قال: و الروح عند أهل اللغة الفرح، كما قال سعيد بن جبير و المغفرة و الرحمة من الفرح. فأما و ريحان ففي معناه ثلاثة أقوال: منها أنه الرزق، و منها أنه الراحة، و منها أنه الريحان الذي يشمّ. هذا قول الحسن و قتادة و أبي العالية و أبي الجوزاء، و هو يروى عن عبد اللّه بن عمر قال: إذا قرب خروج روح المؤمن جاءه الملك بريحان فشمّه فتخرج روحه. قال أبو إسحاق:

____________

(1) انظر معاني الفراء 3/131.

(2) انظر معاني الفراء 3/131.

(3) انظر البحر المحيط 8/215.

231

الأصل في ريحان ريحان و الياء الأولى منقلبة من واو. و أصله روحان، أدغمت الواو في الياء ثم خفّفت، كما يقال: ميت إلاّ أنه لا يؤتى به على الأصل إلا على بعد؛ لأن فيه ألفا و نونا زائدتين. وَ جَنَّةُ نَعِيمٍ أي و له مع ذلك جنّة نعيم.

أي ممن أخذ به ذات اليمين إلى الجنة.

فيه أقوال: قال قتادة فَسَلاََمٌ لَكَ مِنْ أَصْحََابِ اَلْيَمِينِ سلموا من عذاب اللّه جلّ و عزّ و سلّمت عليهم الملائكة و قيل فَسَلاََمٌ لَكَ مِنْ أَصْحََابِ اَلْيَمِينِ (91) أي لك منهم سلام أي يسلّمون عليك. و هذا قول نظري لأن المخاطبة للنبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم فلا يخرج إلى غيره إلاّ بدليل قاطع، و قيل فَسَلاََمٌ لَكَ فمسلّم لك أنك من أصحاب اليمين، و حذفت «أنّ» و المعنى لأنك من أصحاب اليمين. و حذف «أنّ» خطأ في العربية لأن ما بعدها داخل في صلتها و إن كان قائل هذا القول الفرّاء (1) و قد ذهب إليه محمد بن جرير.

أي الجائرين عن الطريق.

فَنُزُلٌ أي عذاب مِنْ حَمِيمٍ و هو الماء الحار.

أي إحراقه.

الكوفيون‏ (2) يجيزون إضافة الشي‏ء إلى نفسه و يجعلون هذا منه، و ذلك عند البصريين خطأ لأنه يبين الشي‏ء بغيره، و المضاف إليه يبيّن به. قال مجاهد: حقّ اليقين حقّ الخبر اليقين، و قال أبو إسحاق: المعنى أن هذا الذي قصصناه في هذه السورة يقين حقّ اليقين، كما تقول: فلان عالم حقّ العالم، إذا بالغت في التوكيد.

أي فنزّه اللّه جلّ و عزّ عن كفرهم بأسمائه الحسنى.

____________

(1) انظر معاني الفراء 3/131.

(2) انظر الإنصاف المسألة رقم (1141) .

232

57 شرح إعراب سورة الحديد

بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ

سَبَّحَ عظّم و رفّع مشتق من السباحة و هي الارتفاع، و التقدير: ما في السّموات و ما في الأرض، و حذفت «ما» على مذهب أبي العباس و هي نكرة لا موصولة لأنه لا يحذف الاسم الموصول، و أنشد النحويون: [الرجز] 463-

لو قلت ما في قومها لم تيثم # يفصلها في حسب و ميسم‏

(1)

فالتقدير: من يفضلها (2) . وَ هُوَ اَلْعَزِيزُ اَلْحَكِيمُ مبتدأ و خبره أي العزيز في انتقامه ممن عصاه الذي لا ينتصر منه من عاقبه من أعدائه الحكيم في تدبّره خلقه الذي لا يدخل في تدبيره خلل.

لَهُ مُلْكُ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ رفع بالابتداء. يُحْيِي وَ يُمِيتُ في موضع نصب على الحال، و مرفوع لأنه فعل مستقبل. وَ هُوَ عَلى‏ََ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ مبتدأ و خبره.

هُوَ اَلْأَوَّلُ وَ اَلْآخِرُ مثله. و لم ينطق من الأول بفعل، و هو على أفعل؛ لأن فاءه و عينه من موضع واحد فاستثقل ذلك و الآخر ليس بجار على الفعل لأنه من تأخّر.

____________

(1) الرجز لحكيم بن معيّة في خزانة الأدب 5/62، و له أو لحميد الأرقط في الدرر 6/19، و لأبي الأسود الحماني في شرح المفصّل 3/59، و المقاصد النحوية 4/71، و لأبي الأسود الجمالي (و هذا تصحيف) في شرح التصريح 2/118، و بلا نسبة في الكتاب 2/364، و الخصائص 2/370، و شرح الأشموني 2/400، و شرح عمدة الحافظ 547، و همع الهوامع 2/120.

(2) انظر الكتاب 2/364 (يريد: ما في قومها أحد، فحذفوا) .

233

وَ اَلظََّاهِرُ وَ اَلْبََاطِنُ قيل: معنى الظاهر الذي ظهرت صنعته و حكمته، و قيل العالم بما ظهر و ما بطن. و من أحسن ما قيل فيه أنه من ظهر أي قوي و علا، فالمعنى الظاهر على كل شي‏ء العالي فوقه فالأشياء دونه. الباطن جميع الأشياء فلا شي‏ء أقرب إلى شي‏ء منه، و مثله‏ وَ نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ اَلْوَرِيدِ [ق: 16]و يدلّ على هذا أن بعده وَ هُوَ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عَلِيمٌ أي لا يخفى عليه شي‏ء.

يكون اَلَّذِي في موضع رفع على إضمار مبتدأ لأنه أول آية. قال: و يجوز أن يكون نعتا لما تقدم و يجوز أن يكون في موضع نصب على المدح أعني بهذا المدح الذي خلق السموات و الأرض و ما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش. يَعْلَمُ مََا يَلِجُ فِي اَلْأَرْضِ وَ مََا يَخْرُجُ مِنْهََا وَ مََا يَنْزِلُ مِنَ اَلسَّمََاءِ وَ مََا يَعْرُجُ فِيهََا يقال: ولج يلج إذا دخل. و الأصل يولج حذفت الواو لأنها بين ياء و كسرة. وَ هُوَ مَعَكُمْ نصب على الظرف، و العامل فيه المعنى أي و هو شاهد معكم حيث كنتم. وَ اَللََّهُ بِمََا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ أي بما تعملونه من حسن و سيّئ و طاعة و معصية حتّى يجازيكم عليها.

لَهُ مُلْكُ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ أي سلطانهما فأمره و حكمه نافذ فيهما وَ إِلَى اَللََّهِ تُرْجَعُ اَلْأُمُورُ أي إليه مصيركم ليجازيكم بأعمالكم.

يُولِجُ اَللَّيْلَ فِي اَلنَّهََارِ أي نقصان الليل في النهار فتكون زيادة وَ يُولِجُ اَلنَّهََارَ فِي اَللَّيْلِ يدخل نقصان النهار في الليل فتكون زيادة فيه، كما قال عكرمة و إبراهيم هذا في القصر و الزيادة و لم يحذف الواو من يولج و هي بين ياء و كسرة لأن الفعل رباعي لا يجوز أن يغير هذا التغيير وَ هُوَ عَلِيمٌ بِذََاتِ اَلصُّدُورِ أي بما تخفونه في صدوركم من حسن و سيئ أو تهمّون به في أنفسكم. و في الحديث «إنّ الدعاء يستجاب بعد قراءة هذه الآيات السّت» (1) .

أي يخلفون من كان قبلهم، و حضّهم على الإنفاق لأنهم يفنون كما فني الذين من

____________

(1) انظر تفسير القرطبي 17/235.

234

قبلهم و يورثون. فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ أَنْفَقُوا فالذين مبتدأ أي الذين آمنوا منكم باللّه و رسوله. لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ أي ثواب عظيم.

وَ مََا لَكُمْ لاََ تُؤْمِنُونَ بِاللََّهِ في موضع نصب على الحال، و المعنى أيّ شي‏ء لكم إن كنتم تاركين الإيمان؟ وَ اَلرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ قد أظهر البراهين و الحجج. لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَ قَدْ أَخَذَ مِيثََاقَكُمْ قال الفرّاء (1) : القرّاء جميعا على وَ قَدْ أَخَذَ مِيثََاقَكُمْ قال: و لو قرئت وَ قَدْ أَخَذَ مِيثََاقَكُمْ لكان صوابا. قال أبو جعفر: هذا كلامه نصا في كتابه و هو غلط، و قد قرأ أبو عمرو وَ قَدْ أَخَذَ مِيثََاقَكُمْ (2) غير أن أبا عبيد قال: و القراءة عندنا هي الأولى وَ قَدْ أَخَذَ مِيثََاقَكُمْ ؛ لأن الأمة عليها و لأن ذكر اللّه جلّ و عزّ قبل الآية و بعدها. قال أبو جعفر: أما قوله: لأن الأمة عليها، فحجة بيّنة لأن الأمة الجماعة، و أما قوله: لأن ذكر اللّه عزّ و جلّ اسمه قبل الآية و بعدها، فلا يلزم لأنه قد عرف المعنى. و للعلماء في أخذ الميثاق قولان: أحدهما أنه أخذ الميثاق حين أخرجوا من ظهر أدم صلّى اللّه عليه و سلّم بأن اللّه عزّ و جلّ ربّهم لا إله لهم سواه، و هذا مذهب العلماء من أصحاب الحديث منهم مجاهد، و القول الآخر أنه مجاز لما كانت آيات اللّه جلّ و عزّ بيّنة و الدلائل واضحة و حكمته ظاهرة، يشهد بها من راها كان علمه بذلك بمنزلة أخذ الميثاق منه. إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ قيل:

المعنى إن كنتم عازمين على الإيمان فهذا أوانه لما ظهر لكم من البراهين و الدلائل، و يدل على هذا أن بعده هو الذي ينزّل على عبده آيات بيّنات. } لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ اَلظُّلُمََاتِ إِلَى اَلنُّورِ أي من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، كما قال مجاهد من الضلالة إلى الهدى.

وَ إِنَّ اَللََّهَ بِكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ أي حين بيّن لكم هداكم.

وَ مََا لَكُمْ أَلاََّ تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اَللََّهِ «أن» في موضع نصب على المعنى و أي عذر لكم في

____________

(1) انظر معاني الفراء 3/132.

(2) انظر تيسير الداني 168 (قرأ أبو عمرو «أخذ» بضمّ الهمزة و كسر الخاء و «ميثاقكم» بالرفع، و الباقون بفتح الهمزة و الخاء و النصب) .

235

أن لا تنفقوا في سبيل اللّه وَ لِلََّهِ مِيرََاثُ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ فحضّهم بهذا على الإنفاق؛ لأنهم يموتون و يخلّفون ما بخلوا به و يورّثونه. لاََ يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ اَلْفَتْحِ وَ قََاتَلَ اختلف العلماء في معنى هذا الفتح فقال قتادة: الذين أنفقوا من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم قبل فتح مكة و قاتلوا، أفضل من الذين أنفقوا من بعد فتح مكة و قاتلوا، و كذا قال زيد بن أسلم، و قال الشّعبي: الذين أنفقوا قبل الحديبية و قاتلوا أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد فتح الحديبية و قاتلوا. قال أبو جعفر: و هذا القول أولى بالصواب؛ لأن عطاء بن يسار روى عن أبي سعيد الخدري قال: قال لنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم يوم فتح الحديبية: «يأتون أقوام تحقرون أعمالكم مع أعمالهم» قلنا: يا رسول اللّه أمن قريش هم؟قال: «لا هم أهل اليمن أرقّ أفئدة و ألين قلوبا» . قلنا: يا رسول اللّه أهم خير منا؟ قال «لا لو أنّ لأحدهم جبل ذهب ثم أنفقه ما بلغ مدّ أحدكم و لا نصيفه. هذا فضل ما بعيننا و بين الناس» (1) لاََ يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ اَلْفَتْحِ وَ قََاتَلَ أُولََئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ اَلَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَ قََاتَلُوا وَ كُلاًّ وَعَدَ اَللََّهُ اَلْحُسْنى‏ََ وَ اَللََّهُ بِمََا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ . حكى أبو حاتم و كلّ وعد اللّه الحسنى (2) بالرفع. قال أبو جعفر: و قد أجاز سيبويه مثل هذا على إضمار الهاء، و أنشد: [المتقارب‏] 464-

فثوب نسيت و ثوب أجرّ

(3)

و أبو العباس محمد بن يزيد لا يجيز هذا في منثور و لا منظوم إلاّ أن يكون يجوز فيه غير ما قدّره سيبويه، و هو أن يكون الفعل نعتا فيكون التقدير: فثمّ ثوب نسيت فعلى هذا لا يجوز في ثوب إلاّ الرفع، و لا يجيز زيد ضربت؛ لأنه ليس فيه شي‏ء من هذا فيكون كلّ بمعنى و أولئك كلّ وعد اللّه فيكون نعتا. وَ اَللََّهُ بِمََا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ مبتدأ و خبره أي من إنفاق و بخل حتّى يجازيكم عليه.

مَنْ في موضع رفع بالابتداء و ذَا خبره و اَلَّذِي نعت لذا و فيه قولان آخران: أحدهما أن يكون «ذا» زائدا مع الذي، و القول الآخر أن يكون «ذا» زائدا مع

____________

(1) انظر المعجم المفهرس لونسنك 1/487.

(2) انظر تيسير الداني 169.

(3) الشاهد لامرئ القيس في ديوانه 159، و الكتاب 1/139، و الأشباه و النظائر 3/110، و خزانة الأدب 1/373، و شرح شواهد المغني 2/866، و المقاصد النحوية 1/545، و بلا نسبة في المحتسب 2/ 124، و مغني اللبيب 2/472، و صدره:

«فأقبلت زحفا على الرّكبتين»

.

236

«من» ، و هذا قول الفرّاء (1) ، و زعم أنه رأى في بعض مصاحف عبد اللّه، «منذا» بوصل النون مع الذال جعلا شيئا واحدا، و لا يجيز البصريون أن تزاد «ذا» مع «من» و يجيزون ذلك مع «ما» ، لأن «ما» مبهمة فذا تجانسها، و على هذا قرئ‏ وَ يَسْئَلُونَكَ مََا ذََا يُنْفِقُونَ قُلِ اَلْعَفْوَ [البقرة: 219]بالنصب، و زيادة «ذا» مع «الذي» أقرب ألا ترى أن «الذي» تصغّر كما تصغّر «ذا» فيقال: اللّذيّا، يقال: ذيّا و قد عورض سيبويه في قوله: الذي بمنزلة العمي فقيل: كيف هذا؟و إنما يقال في تصغير العمي: العميّ، و يقال في تصغير الذي: اللذيّا، و يقال: اللّذيان و العميان فيوخذ هذا كلّه مختلفا فكيف يكون الذي بمنزلة العمي؟و هذا لا يلزم منه شي‏ء، و ليس هذا موضع شرحه. «قرضا» منصوب على أنه اسم للمصدر كما يقال: أجابه إجابة، و يجوز أن يكون مفعول به كما تقول: أقرضته مالا، «حسنا» من نعت قرض. قيل: معنى الحسن هاهنا الحلال فإن الإقراض أن ينفق محتسبا للّه عزّ و جلّ مبتغيا ما عنده فَيُضََاعِفَهُ لَهُ قال الفرّاء (2) : جعله عطفا على يقرض. كما تقول: من يجي‏ء فيكرمني و يحسن إليّ، و قال أبو إسحاق: يجوز أن يكون مقطوعا من الأول مستأنفا، و من قرأ فيضعفه (3) جعله جواب الاستفهام فنصبه بإضمار «أن» عند الخليل، و سيبويه و الجرمي ينصبه بالفاء. وَ لَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ قيل:

الجنة.

نصبت يوما على الظرف أي لهم أجر في ذلك اليوم، و «ترى» في موضع خفض بالإضافة «يسعى» في موضع نصب على الحال فأما قوله جلّ و عزّ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَ بِأَيْمََانِهِمْ و لم يذكر الشمائل فللعلماء فيه ثلاثة أقوال: قال الضحّاك: نورهم هداهم، و مال إلى هذا القول محمد بن جرير قال: لأن المؤمنين نورهم حواليهم من كل جهة فلما خص اللّه جلّ و عزّ بين أيديهم و بأيمانهم علم أنه ليس بالضياء، و الباء بمعنى «في» و قال بعض نحويي البصريين هي بمعنى عن قال أبو جعفر: و قيل النور هاهنا نور كتبهم و إنما يعطون كتبهم بأيمانهم من بين أيديهم فلهذا وقع الخصوص. قال أبو جعفر: و أجلّ ما قيل في هذا ما قاله عبد اللّه بن مسعود رحمة اللّه عليه، قال: يعطى المؤمنون أنوار على قدر أعمالهم، فمنهم من يعطى نورا مثل الجبل، و أقل ذلك أن يعطى نورا على إبهامه يضي‏ء مرة و يطفأ مرة. بُشْرََاكُمُ اَلْيَوْمَ جَنََّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا اَلْأَنْهََارُ أي يقال لهم، و حذف القول

____________

(1) انظر معاني الفراء 3/123.

(2) انظر معاني الفراء 3/132.

(3) انظر البحر المحيط 8/219، و تيسير الداني 69.

237

«بشراكم» في موضع رفع بالابتداء «جنات» خبره، و أجاز الفرّاء: في «جنّات» النصب من جهتين، إحداهما على القطع و يكون اليوم في موضع الخبر و إن كان ظرفا، و أجاز رفع «اليوم» على أنه خبر «بشراكم» ، و أجاز أن يكون «بشراكم» في موضع نصب يعني يبشّرونهم بالبشرى، و أن ينصب «جنات» «بالبشرى» قال أبو جعفر: و لا نعلم أحدا من النحويين ذكر هذا غيره و هو متعسّف لأن جَنََّاتٌ إذا نصبها على القطع، و ليست بمعنى الفعل بعد ذلك و إن نصبها بالبشرى، فإن كان نصبها ببشراكم فهو خطأ بين، لأنها داخلة في الصلة فيفرق بين الصلة و الموصول باليوم، و ليس هو في الصلة، و هذا لا يجوز عند أحد النحويين، و إن نصبت «جنات» بفعل محذوف فهو شي‏ء متعسّف و مع هذا فلم يقرأ به أحد، خََالِدِينَ نصب على الحال. ذََلِكَ هُوَ اَلْفَوْزُ اَلْعَظِيمُ . قال الفرّاء (1) : و في قراءة عبد اللّه ذلك الفوز العظيم ليس فيها «هو» . قال أبو جعفر:

«ذلك» مبتدأ، و «هو» زائدة للتوكيد. اَلْفَوْزُ اَلْعَظِيمُ خبر ذلك، و يجوز أن يكون «هو» مبتدأ ثانيا و الجملة خبر ذلك.

نصبت يوما على الظرف أي و ذلك الفوز العظيم في ذلك اليوم، و يجوز أن يكون بدلا من اليوم الذي قبله، اُنْظُرُونََا من نظر ينظر بمعنى النظر. و هذه القراءة البيّنة.

و قرأ يحيى بن وثاب و الأعمش و حمزة. و أنظرونا (2) بفتح الهمزة، و زعم أبو حاتم أن هذا خطأ، قال: و إنما يأتينا هذا من شقّ الكوفة. قال أبو جعفر: و سمعت علي بن سليمان يقول: إنما لحن حمزة في هذا لأن الذي لحنه قدّر «أنظرنا» بمعنى أخّرنا و أمهلنا، فلم يجز ذلك هاهنا. و هو عندي يحتمل غير هذا؛ لأنه يقال: أنظرني بمعنى تمهّل عليّ و ترفّق، فالمعنى على هذا يصحّ. نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ مجزوم لأنه جواب. قِيلَ اِرْجِعُوا وَرََاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً أي قال المؤمنون للمنافقين ارجعوا إلى الموضع الذي كنا فيه فاطلبوا ثمّ النور. قال أبو جعفر: و شرح هذا ما روي عن ابن عباس قال: يغشى الناس ظلمة المؤمنين و المنافقين و الكافرين، فيبعث اللّه جلّ و عزّ نورا يهتدي به المؤمنون إلى الجنة فإذا تبعه المؤمنون تبعهم المنافقون، فيضرب اللّه جلّ و عزّ بينهم بسور باطنه فيه الرحمة و ظاهره من قبله العذاب، فينادي المنافقون المؤمنين اُنْظُرُونََا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ فيقول لهم المؤمنون: اِرْجِعُوا وَرََاءَكُمْ إلى الموضع الذي كنا فيه و فيه الظلمة فجاء النور

____________

(1) انظر معاني الفراء 3/133.

(2) انظر تيسير الداني 169 (قرأ حمزة «انظرون» بقطع الهمزة و فتحها في الحالين و كسر الظاء و الباقون بالألف الموصولة و يبتدئونها بالضمّ و ضمّ الظاء) .

238

فالتمسوا منه النور. قال أبو جعفر: فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ في موضع رفع على أنه اسم ما لم يسمّ فاعله و الباء زائدة، و على قول محمد بن يزيد هي متعلقة بالمصدر الذي دلّ عليه الفعل، و ضمّت الضاد في «ضرب» للفرق فإن قيل: فلم لا كسرت؟فالجواب عند بعض النحويين أنها ضمّت كما ضمّ أول الاسم في التصغير و هذا الجواب يحتاج إلى جوابين: أحدهما الجواب لم ضمّ أول الاسم المصغّر؟و لم ضمّ أول فعل ما لم يسمّ فاعله؟و الجواب أن أول فعل ما لم يسم فاعله ضمّ لأنه لمّا وجب الفرق بينه و بين الفعل الذي سمّي فاعله لم يجز أن يكسر إلا لعلّة أخرى؛ لأن بينه ما سمّي فاعله قد يأتي مكسورا في قول بعضهم: أنت تعلم و نحن نستعين، و يأتي مفتوحا، و هو الباب فلم يبق إلاّ الضم، و ليس هذا موضع جواب التصغير. لَهُ بََابٌ قال كعب الأحبار:

باب الرحمة الذي في بيت المقدس هو الذي ذكره اللّه جلّ و عزّ. قال قتادة: بََاطِنُهُ فِيهِ اَلرَّحْمَةُ الجنة و ما فيها. وَ ظََاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ اَلْعَذََابُ النار.

يُنََادُونَهُمْ أَ لَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ أي نصلّي معكم و نصوم و نوارثكم و نناكحكم، قََالُوا بَلى‏ََ أي قد كنتم معنا كذلك وَ لََكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ قال مجاهد: بالنفاق. وَ تَرَبَّصْتُمْ قال ابن زيد: بالإيمان وَ اِرْتَبْتُمْ قال: شكّوا، و قال غيره: ارتبتم فعلتم فعل المرتابين بوعد اللّه جلّ و عزّ و وعيده وَ غَرَّتْكُمُ اَلْأَمََانِيُّ أي خدعتكم أمانيّ أنفسكم فصددتم عن سبيل اللّه جلّ و عزّ حَتََّى جََاءَ أَمْرُ اَللََّهِ قيل: قضاؤه بمناياكم وَ غَرَّكُمْ بِاللََّهِ اَلْغَرُورُ قال مجاهد و قتادة:

الغرور الشيطان. قال أبو جعفر: فعول في كلام العرب للتكثير، و هو يتعدى عند البصريين. تقول: هذه غرور زيدا. و غفور الذنب، و أنشد سيبويه في تعدّيه إلى مفعول: [الرمل‏] 465-

ثمّ زادوا أنّهم في قومهم # غفر ذنبهم غير فجر

(1)

فَالْيَوْمَ لاََ يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ و قرأ يزيد بن القعقاع تؤخذ (2) بالتاء؛ لأن الفدية مؤنثة،

____________

(1) الشاهد لطرفة بن العبد في ديوانه 55، و الكتاب 1/168، و خزانة الأدب 8/188، و الدرر 5/274، و شرح أبيات سيبويه 1/68، و شرح التصريح 2/69، و شرح عمدة الحافظ 682، و شرح المفصل 6/ 74، و المقاصد النحوية 3/548، و نوادر أبي زيد 10.

(2) انظر تيسير الداني 169، و البحر المحيط 8/221.

239

و من ذكّرها فلأنها و الفداء واحد و هي البدل و العوض وَ لاََ مِنَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا أي لا يؤخذ من الذين كفروا بدل و لا عوض من عذابهم مَأْوََاكُمُ اَلنََّارُ أي مسكنكم النار مبتدأ و خبره، و كذا هِيَ مَوْلاََكُمْ وَ بِئْسَ اَلْمَصِيرُ أي و بئس المصير النار ثم حذف هذا.

و عن الحسن أَ لَمْ يَأْنِ (1) يقال: أ إن يئين و أني يأنى و حان يحين، و نال ينال و أنال ينيل بمعنى واحد و «أن» في موضع رفع بيأن. وَ مََا نَزَلَ مِنَ اَلْحَقِّ «ما» في موضع خفض أي و لما نزل، هذه قراءة شيبة و نافع، و قرأ أبو جعفر و أبو عمرو و ابن كثير و الكوفيون وَ مََا نَزَلَ مِنَ اَلْحَقِّ (2) و عن عبد اللّه بن مسعود أنه قرأ و ما أنزل من الحقّ و أبو عبيد يختار التشديد؛ لأن قبله ذكر اللّه جلّ و عزّ. قال أبو جعفر: و المعنى واحد؛ لأن الحق لا ينزل حتّى ينزله اللّه عزّ و جلّ، و ليس يقع في هذا اختيار و له جاز أن يقال في مثل هذا اختيار لقيل: الاختيار نزل: لأن قبله لِذِكْرِ اَللََّهِ و لم يقل لتذكير اللّه. وَ لاََ يَكُونُوا (3) كَالَّذِينَ أُوتُوا اَلْكِتََابَ مِنْ قَبْلُ يكونوا في موضع نصب معطوف على «تخشع» أي و ألا يكونوا، و يجوز أن تكون في موضع جزم. و الأول أولى؛ لأنها واو عطف، و لا يقطع ما بعدها ممّا قبلها إلاّ بدليل فَطََالَ عَلَيْهِمُ اَلْأَمَدُ قال مجاهد الدّهر. فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ أي لم تلن و لم تقبل الوعظ. وَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ فََاسِقُونَ مبتدأ و خبره و لم يعمّوا بالفسق؛ لأن منهم من قد آمن، و منهم من لم تبلغه الدعوة، و هو مقيم على ما جاء به نبيه صلّى اللّه عليه و سلّم.

اِعْلَمُوا أَنَّ اَللََّهَ يُحْيِ اَلْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهََا قيل: فالذي فعل هذا هو الذي يهدي و يسدّد من أراد هدايته و من ضلّ عن طريق الحقّ. قَدْ بَيَّنََّا لَكُمُ اَلْآيََاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ أي بالحجج و البراهين لتكونوا على رجاء من أن تعقلوا ذلك، هذا قول سيبويه. و غيره يقول: «لعلّ» بمعنى «كي» و لو كان كذلك لكان تعقلوا بغير نون.

____________

(1) انظر البحر المحيط 8/222.

(2) انظر تيسير الداني 169 (قرأ نافع و حفص «و ما نزل» مخفّفا و الباقون مشدّدا) .

(3) انظر البحر المحيط 8/222 (بالياء قراءة الجمهور، و بالتاء قراءة أبي حيوة و ابن أبي عبلة و إسماعيل عن أبي جعفر و عن شيبة و يعقوب و حمزة) .

240

إِنَّ اَلْمُصَّدِّقِينَ وَ اَلْمُصَّدِّقََاتِ الأصل المتصدقين ثم أدغمت التاء في الصاد. و في قراءة أبيّ إنّ المتصدقين (1) و في قراءة ابن كثير و عاصم إِنَّ اَلْمُصَّدِّقِينَ (2) أي المؤمنين من التصديق، و الأول من الصدقة وَ لَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ قيل. الجنة.

وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا بِاللََّهِ وَ رُسُلِهِ مبتدأ. أُولََئِكَ يكون مبتدأ ثانيا، و يجوز أن يكون بدلا من الذين، و لا يكون نعتا لأن المبهم لا يكون نعتا لما فيه الألف و اللام لا يجوز مررت بالرجل هذا، على النعت عند أحد علمته، و لو قلت: مررت بزيد هذا على النعت لجاز، و خير الابتداء اَلصِّدِّيقُونَ قال أبو إسحاق: صدّيق على التكثير أي كثير التصديق، و قال غيره: هذا خطأ لأن فعيلا لا يكون إلا من الثلاثي مثل سكّيت من سكت، و صدّيق للكثير الصّدق. و من هذا قيل لأبي بكر رضي اللّه عنه: الصّدّيق، حتّى كان يعرف بذلك في وقت النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم، و قال علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه: «إنّ اللّه جلّ و عزّ سمّى أبا بكر صدّيقا» .

وَ اَلشُّهَدََاءُ على هذا معطوفون على الصديقين يدلّ على صحة ذلك ما رواه بن عجلان عن زيد بن أصمّ عن البرآء عن النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم قال: «مؤمنو أمتي شهداء» (3) ثم تلا وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا بِاللََّهِ وَ رُسُلِهِ أُولََئِكَ هُمُ اَلصِّدِّيقُونَ وَ اَلشُّهَدََاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ الآية. قال أبو جعفر: فهذا القول أولى من جهة الحديث و العربية لأن الواو واو عطف فسبيل ما بعدها أن يكون داخلا فيما قبلها إلاّ أن يمنع مانع من ذلك أن يكون حجّة قاطعة و قد قيل: إن التمام أولئك هم الصديقون و إن الشهداء ابتداء. و هذا يروى عن ابن عباس و هذا اختيار محمد بن جرير و زعم أنه أولى بالصواب؛ لأن المعروف من معنى الشهداء أنه المقتول في سبيل اللّه جلّ و عزّ ثم استثنى فقال: إلاّ أن يراد بالشهداء أنه يشهد لنفسه عند ربّه بالإيمان، قال أبو جعفر: و إذا كان و «الشهداء» مبتدأ فخبره عِنْدَ رَبِّهِمْ و يجوز أن يكون خبره. لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَ نُورُهُمْ و هذا عطف جملة على جملة و الأول على خلاف هذا يكون «و الشهداء» معطوفا على الصّدّيقين و يكون لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَ نُورُهُمْ للجميع. وَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا وَ كَذَّبُوا بِآيََاتِنََا مبتدأ.

أُولََئِكَ أَصْحََابُ اَلْجَحِيمِ مبتدأ و خبره في موضع خبر الأول.

____________

(1) انظر تيسير الداني 169، و مختصر ابن خالويه 152، و كتاب السبعة لابن مجاهد 626.

(2) انظر تيسير الداني 169، و مختصر ابن خالويه 152، و كتاب السبعة لابن مجاهد 626.

(3) انظر تفسير القرطبي 27/231.

241

اِعْلَمُوا أَنَّمَا اَلْحَيََاةُ اَلدُّنْيََا لَعِبٌ وَ لَهْوٌ «ما» كافة لأنّ عن العمل و لو جعلتها صلة لنصبت الحياة و الدنيا من نعتها، لَعِبٌ خبر، و المعنى: مثل لعب أي يفرح الإنسان بحياته فيها كما يفرح باللعب ثم تزول حياته كما يزول لعبه و زينته و ما يفاخر به الناس و يباهيهم به من كثرة الأموال و الأولاد كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ اَلْكُفََّارَ نَبََاتُهُ . قال أبو إسحاق: الكاف في موضع رفع على أنها نعت أي و تفاخر مثل غيث قال:

و يجوز أن يكون خبرا بعد خبر. و الكفّار الزرّاع. و إذا أعجب الزراع كان على نهاية من الحسن. قال: و يجوز أن يكونوا الكفار بأعيانهم، لأن الدنيا للكفار أشدّ إعجابا؛ لأنهم لا يؤمنون بالبعث قال: و «يهيج» يبتدئ في الصفرة ثُمَّ يَكُونُ حُطََاماً قال: متحطّما. فضرب اللّه جلّ و عزّ هذا مثلا للحياة الدنيا و زوالها ثمّ خبر جلّ و عزّ بما في الآخرة فقال: وَ فِي اَلْآخِرَةِ عَذََابٌ شَدِيدٌ وَ مَغْفِرَةٌ مِنَ اَللََّهِ وَ رِضْوََانٌ وَ مَا اَلْحَيََاةُ اَلدُّنْيََا إِلاََّ مَتََاعُ اَلْغُرُورِ قال محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم قال:

«لموضع سوط في الجنّة خير من الدنيا و ما فيها فاقرؤوا إن شئتم» : وَ مَا اَلْحَيََاةُ اَلدُّنْيََا إِلاََّ مَتََاعُ اَلْغُرُورِ (1) .

سََابِقُوا إِلى‏ََ مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أي سابقوا بالأعمال التي توجب المغفرة إلى مغفرة من ربكم وَ جَنَّةٍ عَرْضُهََا كَعَرْضِ اَلسَّمََاءِ وَ اَلْأَرْضِ قال أبو جعفر: قد تكلّم قوم من العلماء في معنى هذا فمنهم من قال: العرض هاهنا السعة و منهم من قال: هو مثل الليل و النهار إذا ذهبا فاللّه جلّ و عزّ أعلم أين يذهبان، و أجاب بهذا عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه، و منهم من قال: هذه هي الجنة التي يدخلها المؤمنون يوم القيامة، و السماء مؤنثة ذكر ذلك الخليل رحمه اللّه و غيره من النحويين سوى الفرّاء و بذلك جاء القرآن‏ إِذَا اَلسَّمََاءُ اِنْشَقَّتْ [الانشقاق: 1]و إِذَا اَلسَّمََاءُ اِنْفَطَرَتْ [الانفطار: 1]و حكى الفرّاء أنها تؤنّث و تذكّر، و أنشد: [الوافر] 466-

فلو رفع السّماء إليه قوما # لحقنا بالسّماء مع السّحاب‏

(2)

و هذا البيت لو كان حجّة لحمل على غير هذا، و هو أن يكون يحمل على تذكير

____________

(1) أخرجه أحمد في مسنده 3/433، و الدارمي في سننه 2/333، و السيوطي في الدر المنثور 2/107، و ابن كثير في تفسير 2/255.

(2) الشاهد بلا نسبة في لسان العرب (سما) ، و المذكر و المؤنث للأنباري ص 367، و المذكر و المؤنث للفراء ص 102، و المخصص 17/22.

242

الجميع ذكر محمد بن يزيد: أن سماء تكون جمعا لسماوة و أنشد هو و غيره: [الوافر] 467-

سماوة الهلال حتّى احقوقفا

(1)

و يدلّ على صحة هذا قوله جلّ و عزّ: ثُمَّ اِسْتَوى‏ََ إِلَى اَلسَّمََاءِ فَسَوََّاهُنَّ [البقرة:

29]و إذا كانت السماء واحدة فتأنيثها كتأنيث عناق، و تجمع على ستة أوجه منهن جمعان مسلّمان، و جمعان مكسّران لأقل العدد، و جمعان مكسّران لأكثره، و ذلك قولك: سموات و سماءات و أسم و أسمية و سمايا و سميّ و إن شئت كسرت السين من سميّ، و قد جاء فيها أخر في الشّعر كما قال: [الطويل‏] 468-

سماء الإله فوق سبع سمائيا

(2)

فعلى هذا جمع سماء على سماء و فيه من الأشكال و النحو اللطيف غير شي‏ء، فمن ذلك أنه شبه سماء برسالة لأن الهاء في رسالة زائدة. و وزن فعال و فعال واحد، فكان يجب على هذا أن يقول: سمايا فعمل شيئا أخر فجمعها على سماء على الأصل؛ لأن الأصل في خطايا خطاء ثم عمل شيئا ثالثا كان يجب أن يقول: فوق سبع سماء، فأجرى المعتلّ مجرى السالم و جعله بمنزلة ما لا ينصرف من السالم، و زاد الألف للإطلاق. و الأرض مؤنّثة، و قد حكي فيها التذكير، كما قال: [المتقارب‏] 469-

فلا مزنة ودقت ودقها # و لا أرض أبقل ابقالها

(3)

قال أبو جعفر: و قد ردّ قوم هذا، و رووا «و لا أرض أبقلت ابقالها» بتخفيف الهمزة. قال ابن كيسان: في قولهم أرضون حركوا هذه الراء لأنهم أرادوا: أرضات فبنوه على ما يجب من الجمع بالألف و التاء، قال: و جمعوه بالواو و النون عوضا من حذف الهاء في واحدة ذََلِكَ فَضْلُ اَللََّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشََاءُ مبتدأ و خبره أي ذلك الفضل من التوفيق و الهداية و الثواب فضل اللّه يؤتيه من يشاء أي يؤتيه إياه من خلقه. وَ اَللََّهُ ذُو اَلْفَضْلِ اَلْعَظِيمِ مبتدأ و خبره.

____________

(1) مرّ الشاهد رقم (423) .

(2) الشاهد لأمية بن أبي الصلت في ديوانه 70، و خزانة الأدب 1/244، و شرح أبيات سيبويه 2/304، و لسان العرب (سما) ، و بلا نسبة في الكتاب 3/349، و الأشباه و النظائر 2/337، و الخصائص 1/ 211، و ما ينصرف و ما لا ينصرف 115، و المقتضب 1/144، و الممتع في التصريف 2/513، و المنصف 2/66. و صدره:

«له ما رأت عين البصير و فوقه»

(3) مرّ الشاهد رقم (152) .

243

قال قتادة: فِي اَلْأَرْضِ يعني السنين أي الحرب و القحط. وَ لاََ فِي أَنْفُسِكُمْ الأوصاب و الأمراض إلاّ في كتاب. مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهََا يكون من قبل أن نخلق الأنفس هذا قول ابن عباس و الضحّاك و الحسن و ابن زيد، و قيل: الضمير للأرض، و قيل:

للمصائب و الأول أولاها؛ لأن الجلّة قالوا به، و هو أقرب إلى الضمير. و قال بعض العلماء: هذا معنى قضاء اللّه و قدره أنه كتب كلّ ما يكون ليعلم الملائكة عظيم قدرته جلّ و عزّ إِنَّ ذََلِكَ عَلَى اَللََّهِ يَسِيرٌ لأنه جلّ و عزّ إنما يقول للشي‏ء: كن فيكون.

} لِكَيْلاََ تَأْسَوْا عَلى‏ََ مََا فََاتَكُمْ أي من أمر الدنيا إذ أعلمكم اللّه جلّ و عزّ أنه مفروغ منه مكتوب. وَ لاََ تَفْرَحُوا بِمََا آتََاكُمْ و هو الفرح الذي يؤدي إلى المعصية، و قرأ أبو عمرو و لا تفرحوا بما آتاكم (1) و هو اختيار أبي عبيد، و احتجّ أنه لو أتاكم لكان الأول أفاتكم. قال أبو جعفر: و هذا الاحتجاج مردود عليه من العلماء و أهل النظر؛ لأن كتاب اللّه عزّ و جلّ لا يحمل على المقاييس، و إنما يحمل بما تؤديه الجماعة فإذا جاء رجل فقاس بعد أن يكون متّبعا، و إنما تؤخذ القراءة كما قلنا أو كما قال نافع بن أبي نعيم: ما قرأت حرفا حتّى يجتمع عليه رجلان من الأئمة أو أكثر. فقد صارت قراءة نافع عن ثلاثة أو أكثر و لا نعلم أحدا قرأ بهذا الذي اختاره أبو عبيد إلاّ أبا عمرو، و مع هذا فالذي رغب عنه معروف المعنى صحيح قد علم كلّ ذي لبّ و علم أن ما فات الإنسان أو أتاه فاللّه عزّ و جلّ فاته إياه أو أتاه إياه، و لو لم يعلم هذا إلاّ من قوله جلّ و عزّ: مََا أَصََابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي اَلْأَرْضِ وَ لاََ فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاََّ فِي كِتََابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهََا و اللّه لاََ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتََالٍ فَخُورٍ أي في مشيته تكبّرا و تعظّما فخور على الناس بماله و دنياه، و إنما ينبغي أن يتواضع للّه جلّ و عزّ و يشكره و يثني عليه.

اَلَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَ يَأْمُرُونَ اَلنََّاسَ بِالْبُخْلِ وَ مَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اَللََّهَ هُوَ اَلْغَنِيُّ اَلْحَمِيدُ (24) اَلَّذِينَ يَبْخَلُونَ أي بحقوق اللّه جلّ و عزّ عليهم وَ يَأْمُرُونَ اَلنََّاسَ بِالْبُخْلِ أي بما يفعلونه من ذلك و في إعراب اَلَّذِينَ (2) خمسة أوجه منها ثلاثة للرفع و اثنان للنصب.

يكون اَلَّذِينَ في موضع رفع على إضمار مبتدأ، و يجوز أن يكون في موضع رفع على الابتداء و خبره محذوف يدلّ عليه الاخبار عن نظائره، و الوجه الثالث أن يكون

____________

(1) انظر تيسير الداني 169 (قرأ أبو عمرو «بما أتاكم» بالقصر و الباقون بالمدّ) .

(2) انظر البحر المحيط 8/224.

244

مرفوعا بالابتداء و دلّ على خبره ما بعده من الشرط و المجازاة لأنه في معناه. و يجوز أن يكون في موضع نصب على البدل من كلّ أو بمعنى أعني. وَ مَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اَللََّهَ هُوَ اَلْغَنِيُّ اَلْحَمِيدُ أي الغني عن خلقه و عما ينفقونه، الحميد إليهم بإنعامه عليهم. و من قرأ فَإِنَّ اَللََّهَ هُوَ اَلْغَنِيُّ اَلْحَمِيدُ (1) جعل «هو» زائدة فيها معنى التوكيد أو مبتدأ، و ما بعدها خبرا، و الجملة خبر «إن» .

لَقَدْ أَرْسَلْنََا رُسُلَنََا بِالْبَيِّنََاتِ أي بالدلائل و الحجج وَ أَنْزَلْنََا مَعَهُمُ اَلْكِتََابَ أي بالأحكام و الشرائع. وَ اَلْمِيزََانَ قال ابن زيد، هو الميزان الذي يتعامل الناس به، و قال قتادة: الميزان الحق لِيَقُومَ اَلنََّاسُ بِالْقِسْطِ منصوب بلام كي، و حقيقته أنها بدل من «أن» . وَ أَنْزَلْنَا اَلْحَدِيدَ أي للناس فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَ مَنََافِعُ لِلنََّاسِ قال ابن زيد: البأس الشديد السلاح و السيوف يقاتل الناس بها، قال: و المنافع التي يحفر بها الأرضون و الجبال. وَ لِيَعْلَمَ اَللََّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَ رُسُلَهُ معطوف على الهاء. بِالْغَيْبِ إِنَّ اَللََّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ أي قويّ على الانتصار ممن بارزه بالمعاداة عزيز في انتقامه منه؛ لأنه لا يمنعه منه مانع.

وَ لَقَدْ أَرْسَلْنََا نُوحاً وَ إِبْرََاهِيمَ إلى قومهما. وَ جَعَلْنََا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا اَلنُّبُوَّةَ وَ اَلْكِتََابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ أي متّبع لطريق الهدى مستبصر. وَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ فََاسِقُونَ أي خارجون إلى الكفر و المعاصي.

ثُمَّ قَفَّيْنََا عَلى‏ََ آثََارِهِمْ بِرُسُلِنََا أي أتبعنا، و يكون الضمير يعود على الذريّة أو على نوح و إبراهيم عليهما السلام لأن الاثنين جمع وَ قَفَّيْنََا بِعِيسَى اِبْنِ مَرْيَمَ أي أتبعنا.

وَ آتَيْنََاهُ اَلْإِنْجِيلَ يروى أنه نزل جملة. وَ جَعَلْنََا فِي قُلُوبِ اَلَّذِينَ اِتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَ رَحْمَةً

____________

(1) انظر البحر المحيط 8/224، و تيسير الداني 169، (قرأ ابن عامر و نافع بغير هو، و الباقون بزيادة هو) .

245

و يقال: رأفة و قد رؤف و رأف وَ رَهْبََانِيَّةً اِبْتَدَعُوهََا نصبت رهبانية بإضمار فعل أي فابتدعوا رهبانية أي أحدثوها، و قيل: هو معطوف على الأول. مََا كَتَبْنََاهََا عَلَيْهِمْ قال ابن زيد: أي ما افترضناها. إِلاَّ اِبْتِغََاءَ رِضْوََانِ اَللََّهِ نصب على الاستثناء الذي ليس من الأول و يجوز أن يكون بدلا من المضمر أي ما كتبناها عليهم إلاّ ابتغاء رضوان اللّه فَمََا رَعَوْهََا حَقَّ رِعََايَتِهََا لفظه عام و يراد به الخاص لا نعلم في ذلك اختلافا، و يدلّ على صحته فَآتَيْنَا اَلَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ و في الذين لم يرعوها قولان: مذهب الضحّاك و قتادة أنّهم الذين ابتدعوها تهوّد منهم قوم و تنصّروا، و هذا يروى عن أبي أمامة، فأما الذي روي عن ابن عباس فإنهم كانوا من بعد من ابتدعها بأنهم كفار ترهّبوا، و قالوا:

نتبع من كان قبلنا و يدلّ على صحّة هذا حديث ابن مسعود عن النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم فَآتَيْنَا اَلَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ قال: «من آمن بي» . وَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ فََاسِقُونَ قال: من جحدني.

يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا قال الضحّاك: من أهل الكتاب. اِتَّقُوا اَللََّهَ أي في ترك معاصيه و أداء فرائضه. وَ آمِنُوا بِرَسُولِهِ يعني محمدا صلّى اللّه عليه و سلّم يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ يعني حظّين، كما روى أبو بردة عن أبيه عن النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم قال: «ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين، من كان من أهل الكتاب فآمن بالتوراة و الإنجيل ثم آمن بالقرآن، و رجل كانت له جارية فأدّبها فأحسن أدبها ثم تزوّجها، و عبد نصح مولاه و أدّى فرض اللّه جلّ و عزّ عليه» وَ يَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ عن ابن عباس قال: القرآن و اتباع النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم، و قال مجاهد:

الهدى، قال أبو إسحاق: و يقال إنه النور الذي يكون للمؤمنين يوم القيامة وَ يَغْفِرْ لَكُمْ أي يصفح عنكم و يستر عليكم ذنوبكم وَ اَللََّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ذو مغفرة و رحمة لا يعذّب من تاب.

لا زائدة للتوكيد و دلّ على هذا ما قبل الكلام و ما بعده أي لأن يعلم و يروى عن ابن عباس أنه قرأ لأن يعلم أهل الكتاب و كذا يروى عن عاصم الجحدري و عن ابن مسعود لكي يعلم أهل الكتاب (1) و كذا عن سعيد بن جبير، و هذه قراءات على التفسير لا يقدرون فرفعت الفعل لأن المعنى أنه لا يقدرون يدلّ على هذا أن بعده:

____________

(1) انظر البحر المحيط 8/227، و معاني الفراء 3/137.

246

وَ أَنَّ اَلْفَضْلَ بِيَدِ اَللََّهِ ، و بعض الكوفيين يقول «لا» بمعنى «ليس» ، و الأول قول سيبويه، و روى المعتمر عن أبيه عن ابن عباس قال: اقرءوا بقراءة ابن مسعود ألاّ يقدروا (1)

بغير نون فهذا على أنه منصوب بأن. قال أبو جعفر: و هذا بعيد في العربية أن تقع أَنَّ معملة بعد يَعْلَمَ و هو من الشواذ، و من الشواذ أنه روي عن الحسن أنه قرأ لِئَلاََّ يَعْلَمَ أَهْلُ اَلْكِتََابِ بالرفع و مجازه ما ذكرناه من أن التقدير فيه أنه و أن الفضل بيد اللّه أي بيد اللّه دونهم؛ لأنه كما روي قالوا: الأنبياء منّا فكفروا بعيسى صلّى اللّه عليه و سلّم و بمحمد فأعلم اللّه جلّ و عزّ أنّ الفضل بيده يرسل من شاء و ينعم على من أراد إلاّ أن قتادة قال:

لمّا أنزل اللّه جلّ و عزّ يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا اِتَّقُوا اَللََّهَ وَ آمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَ يَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ حسد اليهود المسلمين فأنزل اللّه جلّ و عزّ لِئَلاََّ يَعْلَمَ أَهْلُ اَلْكِتََابِ أَلاََّ يَقْدِرُونَ عَلى‏ََ شَيْ‏ءٍ مِنْ فَضْلِ اَللََّهِ وَ أَنَّ اَلْفَضْلَ بِيَدِ اَللََّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشََاءُ أي من خلقه وَ اَللََّهُ ذُو اَلْفَضْلِ اَلْعَظِيمِ أي على عباده.

____________

(1) انظر البحر المحيط 8/228.

247

58 شرح إعراب سورة المجادلة

بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ

قَدْ سَمِعَ اَللََّهُ قَوْلَ اَلَّتِي تُجََادِلُكَ فِي زَوْجِهََا وَ تَشْتَكِي إِلَى اَللََّهِ وَ اَللََّهُ يَسْمَعُ تَحََاوُرَكُمََا إِنَّ اَللََّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (1) قَدْ سَمِعَ اَللََّهُ قَوْلَ اَلَّتِي تُجََادِلُكَ فِي زَوْجِهََا قال أبو جعفر بن محمد: إن شئت أدغمت الدال في السين فقلت: قد سمع، لأن مخرج الدال و السين جميعا من طرف اللسان، و إن شئت بيّنت فقلت: قد سمع اللّه؛ لأن الدال و السين و إن كانتا من طرف اللسان فليستا من موضع واحد؛ لأن الدال و التاء و الطاء من موضع واحد، و السين و الصاد و الزاي من موضع واحد. يسمّين حروف الصفير، و أيضا فإن السين منفصلة من الدال.

وَ تَشْتَكِي إِلَى اَللََّهِ أي تشتكي المجادلة إلى اللّه جلّ و عزّ ما بظهار زوجها و تسأله الفرج. وَ اَللََّهُ يَسْمَعُ تَحََاوُرَكُمََا أي تحاور النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم و المجادلة إِنَّ اَللََّهَ سَمِيعٌ أي لما يقولانه و غيره. بَصِيرٌ بما يعملانه و غيره.

اَلَّذِينَ رفع بالابتداء، و يجوز على قول سيبويه أن يكون في موضع نصب ببصير يظّهارون (1) قراءة الحسن و أبي عمرو و نافع، و قرأ أبو جعفر و شيبة و يحيى بن وثاب و الأعمش و حمزة و الكسائي يظهرون و قرأ أبو عبد الرحمن السلمي و عاصم يَظْهَرُونَ ؛ و حكى الكسائي أنّ في حرف أبيّ يتظاهرون حجة لمن قرأ يظهرون ؛ لأن التاء مدغمة في الظاء و أصحّ من هذا ما رواه نصر بن علي عن أبيه عن هارون قال: في حرف أبيّ يتظهّرون حجّة لمن قرأ

____________

(1) انظر تيسير الداني 169، و البحر المحيط 8/231.

248

يظّهرون لأن التاء أدغمت في الظاء أيضا. مّا هنّ أمّهاتهم (1) خبر «ما» شبّهت بليس، و قال الفرّاء: بأمهاتهم فلما حذفت الباء بقي لها أثر فنصب الاسم. إِنْ أُمَّهََاتُهُمْ إِلاَّ اَللاََّئِي وَلَدْنَهُمْ مبتدأ و خبر، و «إن» بمعنى «ما» وَ إِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنَ اَلْقَوْلِ أي ما لا يصحّ. وَ زُوراً قال قتادة: أي كذبا و نصبت منكرا و زورا و يقولون لو رفعته لانقلب المعنى وَ إِنَّ اَللََّهَ لَعَفُوٌّ أي ذو عفو و صفح عمن تاب. غَفُورٌ له لا يعذّبه بعد التوبة، و قيل هذا لأنهم كانوا يطلّقون في الجاهلية بالظّهار. قال أبو قلابة: كان الرجل في الجاهلية إذا ظاهر من امرأته فهو طلاق بتات فلا يعود إليه أبدا، فأنزل اللّه عزّ و جلّ هذا.

قال أبو جعفر: اختلف العلماء في معنى العود فقال قوم ممن يقول بالظاهر: لا يجب عليه الكفّارة حتّى يظاهر مرة ثانية، و حكوا ذلك عن بكير بن عبد اللّه بن الأشجّ، و قال قتادة: ثُمَّ يَعُودُونَ لِمََا قََالُوا هو أن يعزم بعد الظّهار على وطئها و غشيانها، و قال بعض الفقهاء: عوده أن يمسكها و لا يطلّقها بعد الظهار فتجب عليه الكفارة، و قال القتبيّ: هو أن يعود لما كان يقال في الجاهلية و قال أبو العالية: لِمََا قََالُوا أي فيما قالوا، و قال الفرّاء (2) : لما قالوا و إلى ما قالوا و فيما قالوا واحد، يريد يرجعون عن قولهم، و قال الأخفش: فيه تقديم و تأخير أي فتحرير رقبة لما قالوا. و من أبينها قول قتادة أي ثم يعودون إلى ما قالوا من التحريم فيحلّونه. فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ أو فعليهم تحرير رقبة، و يجوز عند النحويين البصريين فتحرير رقبة. مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسََّا من قبل أن يمسّ الرجل المرأة، و من قبل أن تمسّ المرأة الرجل، و هذا عام غير أن سفيان كان يقول: له ما دون الجماع.

مِنْ في موضع رفع بالابتداء أي فمن لم يجد الرقبة و المفعول يحذف إذا عرف المعنى فعليه صيام شهرين، و يجوز صيام شهرين على أن شهرين ظرف، و إن شئت كان

____________

(1) انظر البحر المحيط 8/231 (قرأ الجمهور بالنصب على لغة الحجاز، و المفضل عند عاصم بالرفع على لغة تميم، و ابن مسعود بأمهاتهم بزيادة الباء) .

(2) انظر معاني الفراء 3/139.

249

مفعولا على السعة فإذا قلت: صيام شهرين لم يجز أن يكون ظرفا. و على هذا حكى سيبويه فيما يتعدّى إلى مفعولين: [الرجز] 470-

يا سارق اللّيلة أهل الدار

(1)

فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعََامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً أي فمن لم يستطع الصوم لهرم أو زمانة فعليه إطعام ستين مسكينا، و يجوز تنوين إطعام، و ليس هاهنا من قبل أن يتماسّا و لكنه يؤخذ من جهة الإجماع ذلك ليؤمنوا باللّه و رسوله. قال أبو إسحاق: أي ذلك التغليظ، و قال غيره: فعلنا ذلك لتؤمنوا باللّه و رسوله أي لتصدّقوا بما جاءكم فتؤمنوا. وَ تِلْكَ حُدُودُ اَللََّهِ أي هذه فرائض اللّه جلّ و عزّ التي حدّها وَ لِلْكََافِرِينَ عَذََابٌ أَلِيمٌ أي لمن كفر بها.

إِنَّ اَلَّذِينَ يُحَادُّونَ اَللََّهَ وَ رَسُولَهُ أي يخالفون اللّه و رسوله و يصيرون في حدّ أعدائه.

كُبِتُوا أي غيظوا، و قال بعض أهل اللغة: أي هلكوا، قال: و الأصل كبدوا من قولهم: كبده إذا أصابه بوجع في كبده كَمََا كُبِتَ اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ الكاف في موضع نصب؛ لأنّها نعت لمصدر و لهم عذاب مهين.

يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اَللََّهُ العامل في يوم «عذاب» ، و لا يجوز عند البصريين أن يكون مبنيا إذا كان بعده فعل مستقبل و إنما يبنى إذا كان بعده ماض أو ما ليس بمعرب فإذا كان هكذا بني، لأنه لما كان يحتاج إلى ما بعده و لا بد له منه أجري مجراه. فأما الكوفيون فيقولون: إنما بني لأنه بمعنى إذا فيبنى لبنائها. جَمِيعاً منصوب على الحال أي يوم يبعثهم اللّه من قبورهم إلى القيامة في حال اجتماعهم. فَيُنَبِّئُهُمْ بِمََا عَمِلُوا أي فيخبرهم بما أسرّوه و أخفوه و غير ذينك من أعمالهم أَحْصََاهُ اَللََّهُ وَ نَسُوهُ أي عدّه و أثبته و حفظه و نسيه عاملوه. وَ اَللََّهُ عَلى‏ََ كُلِّ شَيْ‏ءٍ شَهِيدٌ أي على كل شي‏ء من أعمالهم شاهد عالم به.

____________

(1) الرجز بلا نسبة في الكتاب 1/233، و خزانة الأدب 3/108 و 4/233، و الدرر 3/98، و شرح ديوان الحماسة للمرزوقي 655، و شرح المفصل 2/45، و المحتسب 2/295، و همع الهوامع 1/203.

250

أي أ لم تنظر بعين قلبك فتعلم أن اللّه جلّ و عزّ يعلم ما في السّموات و ما في الأرض لا يخفى عليه شي‏ء من صغيرة و لا كبيرة فكيف يخفى عليه أعمال هؤلاء مََا يَكُونُ مِنْ نَجْوى‏ََ ثَلاََثَةٍ إِلاََّ هُوَ رََابِعُهُمْ قال مقاتل بن حيان عن الضحاك قال: هو تعالى فوق عرشه و علمه معهم. و خفض ثلاثة على البدل من «نجوى» و يجوز أن يكون مخفوضا بإضافة نجوى إليه، و يجوز رفعه على موضع نجوى، و يجوز نصبه على الحال من المضمر الذي في نجوى إِلاََّ هُوَ رََابِعُهُمْ مبتدأ و خبره، و حكى الفراء (1) أن في حرف عبد اللّه و لا أربعة إلاّ هو خامسهم و حكى أبو حاتم أن في حرف عبد اللّه: ما يكون من نجوى ثلاثة إلاّ اللّه رابعهم و لا خمسة إلاّ اللّه سادسهم و لا أقلّ من ذلك و لا أكثر إلاّ اللّه معهم إذا انتجوا. قال أبو جعفر: و هذه القراءة إن صحّت فإنما هي على التفسير لا يجوز أن يقرأ بها إلا على ذلك و قرأ يزيد بن القعقاع ما تكون‏ (2) من نجوى ثلاثة و هذه القراءة و إن كانت مخالفة لحجة الجماعة فهي موافقة للسواد جائزة في العربية؛ لأن نجوى مؤنثة باللفظ و «من» فيها زائدة، كما تقول: ما جاءني من رجل، و ما جاءتني من امرأة، و التقدير: و لا يكون من نجوى أربعة إلاّ هو خامسهم، و حكى هارون عن عمرو عن الحسن أنه قرأ وَ لاََ أَدْنى‏ََ مِنْ ذََلِكَ وَ لاََ أَكْثَرَ (3) إِلاََّ هُوَ مَعَهُمْ عطفه على الموضع ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمََا عَمِلُوا يَوْمَ اَلْقِيََامَةِ أي ثم ينبئهم بما تناجوا به إِنَّ اَللََّهَ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عَلِيمٌ من نجواهم و سرارهم و غير ذلك من أعمالهم و أعمال عباده.

قال مجاهد: هم قوم من اليهود و قرأ يحيى بن وثاب و الأعمش و حمزة (4)

ينتاجون بالإثم و العدوان و يتناجون أبين؛ لأنهم قد أجمعوا على أن قرءوا

____________

(1) انظر معاني الفراء 3/140.

(2) انظر البحر المحيط 8/233.

(3) انظر معاني الفراء 3/140، و البحر المحيط 8/233 (قرأ الجمهور «و لا أكثر» عطفا على لفظ المخفوض، و الحسن و ابن أبي إسحاق و الأعمش و أبو حياة و سلام و يعقوب بالرفع عطفا على موضع نجوى) .

(4) انظر البحر المحيط 8/234، و تيسير الداني 169.

251

إذا تناجيتم فلا تتناجوا إلاّ شيئا روي عن ابن مسعود أنه قرأ أيضا و ينتجون بالإثم و العدوان و عصيان الرسول وَ إِذََا جََاؤُكَ حَيَّوْكَ بِمََا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اَللََّهُ . قال أبو جعفر: قد ذكرنا معناه. وَ يَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْ لاََ يُعَذِّبُنَا اَللََّهُ بِمََا نَقُولُ أي هلاّ يعاقبنا على ذلك في وقت قولنا حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهََا فَبِئْسَ اَلْمَصِيرُ مبتدأ و خبره، و حكى النحويون أنه يقال:

حسبك و لا يلفظ له بخبر؛ لأنه قد عرف معناه، و قيل: فيه معنى الأمر؛ لأن معناه اكفف فلما كان الأمر لا يؤتى له بخبر حذف خبر ما هو بمعناه.

يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا إِذََا تَنََاجَيْتُمْ فَلاََ تَتَنََاجَوْا بِالْإِثْمِ وَ اَلْعُدْوََانِ وَ مَعْصِيَةِ اَلرَّسُولِ فيه ثلاثة أجوبة فلا تتناجوا بتاءين، و لا تناجوا بتاء واحدة و لا تناجوا بإدغام التاء في التاء. فمن جاء به بتاءين، قال: هي كلمة مبتدأ بها و هي منفصلة مما قبلها، و من جاء به بتاء واحدة حذف لاجتماع التاءين مثل تذكرون و تتذكّرون، و من أدغم قال: اجتمع حرفان مثلان و قبلهما ألف و الحرف المدغم قد يأتي بعد الألف مثل دواب وَ تَنََاجَوْا بِالْبِرِّ أي بما يقربكم من اللّه جلّ و عزّ وَ اَلتَّقْوى‏ََ أي باتّقائه بأداء فرائضه و اجتناب ما نهى عنه. وَ اِتَّقُوا اَللََّهَ اَلَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ أي الذي إليه مصيركم و مجمعكم فيجزيكم بأعمالكم.

إِنَّمَا اَلنَّجْوى‏ََ مِنَ اَلشَّيْطََانِ أصحّ ما قيل فيه قول قتادة قال: كان المنافقون يتناجون بحضرة النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم فيسوء ذلك المسلمين و يكبر عليهم فأنزل اللّه جلّ و عزّ: إِنَّمَا اَلنَّجْوى‏ََ مِنَ اَلشَّيْطََانِ لِيَحْزُنَ اَلَّذِينَ آمَنُوا الآية و يدلّ على صحّة هذا القول ما قبله و ما بعده من القرآن. و قال ابن زيد: كان الرجل يناجي النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم في الحاجة و يفعل ذلك ليرى الناس أنه ناجى النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم فيوسوس إبليس للمسلمين فيقول: إنما هذه المناجاة لجموع قد اجتمعت لكم و أمر قد حضر ترادون به فيحزنون لذلك. و في الآية قول ثالث ذكره محمد بن جرير، قال: حدّثنا محمد بن حميد قال: حدّثنا يحيى بن واضح قال:

حدّثنا يحيى بن داود البجلي قال: سئل عطية العوفي و أنا أسمع عن الرؤيا فقال: الرؤيا على ثلاثة منازل منها ما يوسوس به الشيطان فذلك قول اللّه جلّ و عزّ: إِنَّمَا اَلنَّجْوى‏ََ مِنَ اَلشَّيْطََانِ لِيَحْزُنَ اَلَّذِينَ آمَنُوا و منها ما يحدث الرجل به نفسه فيراه في منامه و منها أخذ باليد، و يقرأ لِيَحْزُنَ و الأول أفصح. وَ لَيْسَ بِضََارِّهِمْ شَيْئاً إِلاََّ بِإِذْنِ اَللََّهِ قال محمد بن جرير: أي بقضاء اللّه و قدره، و قيل: بِإِذْنِ اَللََّهِ بما أذن اللّه جلّ و عزّ فيه، و هو غمّهم‏

252

بالمؤمنين؛ لأنه جلّ ثناؤه قد أذن في ذلك وَ عَلَى اَللََّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ اَلْمُؤْمِنُونَ أي ليكلوا أمرهم إليه و لا تحزنهم النجوى و ما يتسارّ به المنافقون إذا كان اللّه جلّ و عزّ يحفظهم و يحوطهم.

في المجلس (1) و روي عن الحسن و قتادة أنهما قرأ إذا قيل لكم تفاسحوا قال الفراء (2) : مثل تعهدت ضيعتي و تعاهدت، و قال أهل اللغة: تعهّدت أفصح؛ لأنه فعل من واحد، و قال الخليل: لا يقال إلاّ تعهّدت؛ لأنه فعل من واحد. و قرأ الحسن و عاصم فِي اَلْمَجََالِسِ و قراءة العامة في المجلس و قال أبو جعفر: و اختلف العلماء في معناه فصحّ عن مجاهد أنه قال: هو مجلس النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم خاصة، و صح عن قتادة أنه قال: كان الناس يتنافسون في مجلس النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم لا يكاد بعضهم يوسع لبعض فأنزل اللّه جلّ و عزّ يعني هذا، و روي عن قتادة أنه في مجلس الذكر، و قال الحسن‏ (3)

و يزيد بن أبي حبيب: هذا في القتال خاصة. قال أبو جعفر: و ظاهر الآية للعموم، فعليه يجب أن يحمل و يكون هذا لمجلس النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم خاصة و للحرب و لمجالس الذكر و لا نعلم قولا رابعا و المعنى يؤدّي عن معنى مجالس، و أيضا فإن الإنسان إذا خوطب أن يوسع مجلسه و معه جماعة قد أمروا بما أمر به فقد صارت مجالس. يَفْسَحِ اَللََّهُ لَكُمْ جواب الأمر، و فيه معنى المجازاة و مكان فسيح أي واسع. وَ إِذََا قِيلَ اُنْشُزُوا فَانْشُزُوا قراءة أبي جعفر و نافع و شيبة و قراءة ابن كثير و أبي عمرو و أهل الكوفة اُنْشُزُوا فَانْشُزُوا (4) و هما لغتان بمعنى واحد، و أبو عبيد يختار الثانية. و لو جاز أن يقع في هذا اختيار لكان الضم أولى؛ لأنه فعل لا يتعدى مثل قعد يقعد؛ لأن الأكثر في كلام العرب فيما لا يتعدى أي يأتي مضموما و فيما يتعدّى أن يأتي مكسورا مثل ضرب يضرب. و أما المعنى فأصح ما قيل فيه أنه النشوز إلى كل خير من أمر بمعروف و نهي عن منكر أو قتال عدو أو تفرّق عن النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم لئلا يلحقه أذى. يَرْفَعِ اَللََّهُ اَلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ اَلَّذِينَ أُوتُوا اَلْعِلْمَ دَرَجََاتٍ قيل: أي يرفعهم في الثواب و الكرامة، و قيل: يرفعهم من الارتفاع أي يرفعهم على غيرهم ممن لا يعلم ليبيّن فضلهم وَ اَللََّهُ بِمََا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ أي يخبره فيجازي عليه.

____________

(1) انظر البحر المحيط 8/235، و تيسير الداني 169 (قرأ عاصم «في المجالس» بألف على الجمع و الباقون بغير على ألف على التوحيد) .

(2) انظر معاني الفراء 3/141.

(3) انظر البحر المحيط 8/235.

(4) انظر تيسير الداني 169.