إعراب القرآن - ج4

- احمد بن محمد النحاس المزيد...
312 /
253

روى ابن أبي طلحة عن ابن عباس قال: كانوا قد آذوا النبي صلّى اللّه عليه و سلّم بكثرة سرارهم فأراد اللّه جلّ و عزّ أن يخفّف عنه فأمرهم بهذا فتوقّفوا عن السّرار ثم وسّع عليهم و لم يضيّق. قال مجاهد: لم يعمل أحد بهذه الآية إلا علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه تصدّق بدينار ثم سار النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم ثم نسخت، و قال رحمة اللّه عليه: بي خفّف عن هذه الأمة. قال لي النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم: «ما ترى أ يتصدّق من سارّ بدينار قلت: لا، قال: فبدرهم قلت: لا، قال: بكم؟قلت: بحبة من شعير، فقال: إنك لزهيد» (1) ثم نزل التخفيف فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اَللََّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ أي لا يكلّف من لا يجد.

أصل الإشفاق في اللغة الحذر و الخوف و من هذا لا يحلّ لأحد أن يصف اللّه جلّ و عزّ بالاشفاق و لا يقول: يا شفيق. قال مجاهد: أ أشفقتم أي أشقّ عليكم فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَ تََابَ اَللََّهُ عَلَيْكُمْ فإذا تاب عليكم لم يؤاخذهم فأقيموا الصلاة و آتوا الزكاة أي فافعلوا ما لم يسقط عنكم فرضه وَ أَطِيعُوا اَللََّهَ وَ رَسُولَهُ أي فيما أمركم به وَ اَللََّهُ خَبِيرٌ بِمََا تَعْمَلُونَ أي فيجازيكم عليه.

أَ لَمْ تَرَ إِلَى اَلَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اَللََّهُ عَلَيْهِمْ أي ألم تنظر بعين قلبك فتراهم. مََا هُمْ مِنْكُمْ وَ لاََ مِنْهُمْ الضمير يعود على الذين و هم المنافقون ليسوا من المؤمنين أي من أهل دينهم و ملّتهم و لا من الذين غضب اللّه عليهم و هم اليهود وَ يَحْلِفُونَ عَلَى اَلْكَذِبِ وَ هُمْ يَعْلَمُونَ يحلفون أنّهم مؤمنون.

مََا في موضع رفع أي ساء الشي‏ء الذين يعملونه، و هو غشّهم المؤمنين، و نصحهم الكافرين.

اِتَّخَذُوا أَيْمََانَهُمْ جُنَّةً أي اتخذوا حلفهم للمؤمنين أنّهم منهم حاجزا لدمائهم و أموالهم، و هذا معنى فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اَللََّهِ لأن سبيل اللّه جلّ و عزّ في أهل الأوثان أن

____________

(1) أخرجه الترمذي في التفسير 12/186.

254

يقتلوا، و في أهل الكتاب أن يقتلوا إلاّ أن يؤدّوا الجزية فلما أظهر هؤلاء الإيمان و هم كفار صدّوا المؤمنين بما أظهروه عن قتلهم.

أي لن تنتفعوا بالأموال فتفتدوا بها، و لن ينفعهم أولادهم فينصروهم و يستنقذوهم مما هم فيه من العذاب. أُولََئِكَ أَصْحََابُ اَلنََّارِ هُمْ فِيهََا خََالِدُونَ و يجوز النصب على الحال في غير القرآن.

يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اَللََّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمََا يَحْلِفُونَ لَكُمْ أي فيحلفون له على الباطل، و هذا دليل بيّن على بطلان قول من قال: إنّ أحدا لا يتكلّم يوم القيامة إلاّ بالحق لما يعاين.

وَ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلى‏ََ شَيْ‏ءٍ أي على شي‏ء ينفعهم. أَلاََ إِنَّهُمْ هُمُ اَلْكََاذِبُونَ كسرت إنّ لأنها مبتدأة، و سمعت علي بن سليمان يجيز فتحها؛ لأن معنى ألا حقا.

اِسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ اَلشَّيْطََانُ فَأَنْسََاهُمْ ذِكْرَ اَللََّهِ هذا مما جاء على أصله و لو جاء على الإعلال لكان استحاذ، كما يقال: استصاب فلان رأي فلان و لا يقال: استصوب. قال أبو جعفر: إنما جاء على أصله مما يؤخذ سماعا من العرب لا مما يقاس عليه، و قيل: يعلّ الرباعي اتباعا للثلاثي فلما كان يقال: استحوذ عليه إذا غلبه و لا يقال حاذ في هذا المعنى، و إنما يقال: حاذ الإبل إذا جمعها فلمّا لم يكن له ثلاثيّ جاء على أصله.

أُولََئِكَ حِزْبُ اَلشَّيْطََانِ أَلاََ إِنَّ حِزْبَ اَلشَّيْطََانِ هُمُ اَلْخََاسِرُونَ حزبه أولياؤه و أتباعه و جموعه و الخاسر الذي قد خسر في صفقته.

إِنَّ اَلَّذِينَ يُحَادُّونَ اَللََّهَ وَ رَسُولَهُ قال قتادة: يعادونه و قال مجاهد: يشاقون، و قيل:

معناه يخالفون حدود اللّه جلّ و عزّ فيما أمر به. و حقيقته في العربية يصيرون في حدّ غير حدّه الذي حدّه، و الأصل يحاددون فأدغمت الدال في الدال. أُولََئِكَ فِي اَلْأَذَلِّينَ أي ممن يلحقه الذل، و أولئك و ما بعد خبر عن الذين.

كَتَبَ اَللََّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَ رُسُلِي قيل: أي كتب في اللوح المحفوظ، و جعله‏

255

الفراء (1) مجازا جعل كتب بمعنى «قال» أي اللّه لأغلبنّ أنا و رسلي أي من حادّنا، «و رسلي» معطوف على المضمر الذي في «لأغلبن» و «أنا» توكيد. قال أبو جعفر: و هذه اللغة الفصيحة، و أجاز النحويون جميعا في الشعر: لأقومنّ و زيد، و أجاز الكوفيون و جماعة من أهل النظر أن يعطف على المضمر المرفوع من غير توكيد؛ لأنه يتّصل و ينفصل فخالف المضمر المخفوض إِنَ‏ (2) اَللََّهَ قَوِيٌّ أي ذو قوّة و قدرة على أن كتب فيمن خالفه و خالف رسله عَزِيزٌ في انتقامه لا يقدر أحد أن ينتصر منه.

أصحّ ما روي في هذا أنه نزل في المنافقين الذين والوا اليهود لأنهم لا يقرّون باللّه جلّ و عزّ على ما يجب الإقرار به و لا يؤمنون باليوم الآخر فيخافون العقوبة و يُوََادُّونَ في موضع نصب لأنه خبر تجد أو نعت لقوم. وَ لَوْ كََانُوا آبََاءَهُمْ أَوْ أَبْنََاءَهُمْ أَوْ إِخْوََانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أي و لو كان الذين حادّوا اللّه و رسوله آباءهم، جمع أب على الأصل، و الأصل فيه أبو و التثنية أيضا على الأصل عند البصريين لا غير، و حكى الكوفيون: جاءني أبان أَوْ أَبْنََاءَهُمْ جمع ابن على الأصل و الأصل فيه: بني الساقط منه ياء، و الساقط من أب واو فأما أب فقد دل عليه التثنية و أما ابن فدلّ عليه الاشتقاق.

قال أبو إسحاق: هو مشتقّ من بناه أبوه يبينه. قال أبو جعفر: و قد غلط بعض النحويين فقال: الساقط منه واو؛ لأنه قد سمع البنوة. أَوْ إِخْوََانَهُمْ جمع أخ على الأصل، كما تقول: ورل و ورلان أُولََئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ اَلْإِيمََانَ قيل: هو مجاز، و «في» بمعنى اللام أي كتب لقلوبهم الإيمان، و قد علم أن المعنى كتب لهم، و قيل: هو حقيقة أي كتب في قلوبهم سمة الإيمان ليعلم أنّهم مؤمنون وَ أَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ قيل: بنور و هدى و قيل بجبرائيل صلّى اللّه عليه و سلّم ينصرهم و يؤيّدهم و يوفّقهم وَ يُدْخِلُهُمْ جَنََّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا اَلْأَنْهََارُ خََالِدِينَ فِيهََا على الحال. رَضِيَ اَللََّهُ عَنْهُمْ أي بطاعتهم في الدنيا. وَ رَضُوا عَنْهُ بإدخالهم الجنة. أُولََئِكَ حِزْبُ اَللََّهِ أي جنده و جماعته. و تحزّب القوم تجمّعوا أَلاََ إِنَّ حِزْبَ اَللََّهِ هُمُ اَلْمُفْلِحُونَ قيل: أي الذين ظفروا بما أرادوا.

____________

(1) انظر معاني الفراء 3/142.

(2) انظر تيسير الداني 170 (فتحها نافع و ابن عامر) .

256

59 شرح إعراب سورة الحشر

بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ

أي في انتقامه ممن عصاه. اَلْحَكِيمُ في تدبيره، و هُوَ مبتدأ و اَلْعَزِيزُ خبره و اَلْحَكِيمُ نعت للعزيز، و يجوز أن يكون خبرا ثانيا.

هُوَ اَلَّذِي أَخْرَجَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا أي بمحمد صلّى اللّه عليه و سلّم مِنْ أَهْلِ اَلْكِتََابِ من اليهود و هم بنو النضير مِنْ دِيََارِهِمْ لِأَوَّلِ اَلْحَشْرِ صرفت أولا لأنه مضاف، و لو كان مفردا كان ترك الصرف فيه أولى على أنه نعت، و من جعله غير نعت صرفه مََا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا «أن» في موضع نصب بظننتم، و هي تقوم مع صلتها مقام المفعولين عند النحويين إلاّ محمد بن يزيد فإن أبا الحسن حكى لنا عنه أن المفعول الثاني محذوف، و كذا القول في وَ ظَنُّوا أَنَّهُمْ مََانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اَللََّهِ فَأَتََاهُمُ اَللََّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا أي لم يظنّوا من قولهم: ما كان هذا في حسباني أي في ظني، و لا يقال: في حسابي؛ لأنه لا معنى له هاهنا، و يجوز أن يكون معنى «لم يحتسبوا» لم يعلموا، و كذا قيل في قول الناس: حسيبه اللّه أي العالم بخبره و الذي يجازيه اللّه جلّ و عزّ، و قيل معنى قولك: حسيبك اللّه كافيّ إياك اللّه. من قولهم: أحسبه الشي‏ء، إذا كفاه، و قيل: حسيبك أي محاسبك مثل شريب بمعنى مشارب، و قيل: حسيبك أي مقتدر عليك، و منه و كان اللّه على كل شي‏ء حسيبا.

وَ قَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ اَلرُّعْبَ و من قال: في قلوبهم الرّعب جاء به على الأصل‏ (1)

____________

(1) انظر تيسير الداني 170 (قرأ أبو عمرو مشدّدا و الباقون مخفّفا) .

257

يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَ أَيْدِي اَلْمُؤْمِنِينَ و يخرّبون على التكثير، و قد حكى سيبويه أنّ فعّل يكون بمعنى أفعل كما قال: [الطويل‏] 471-

و من لا يكرم نفسه لا يكرم‏

(1)

فَاعْتَبِرُوا يََا أُولِي اَلْأَبْصََارِ أي فاتعظوا و استدلّوا على صدق النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم بأن اللّه جلّ و عزّ ناصره لما يريكم في أعدائه و بصدق ما أخبركم به. و اشتقاقه من عبر إلى كذا إذا جاز إليه، و العبرة هي المتجاوزة من العين إلى الخدّ. قال الأصمعي: و قولهم: فلان عبر أي يفعل أفعالا يورث بها أهله العبرة و في معنى يََا أُولِي اَلْأَبْصََارِ قولان:

أحدهما أنه من بصر العين، و الآخر أنه من بصر القلب. قال أبو جعفر: و هذا أولى بالصواب، لأن الاعتبار إنما يكون بالقلب، و هو الاتّعاظ و الاستدلال بما مرّ. فقد قيل:

إن النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم خبّرهم بهذا أنه يكون فكان على ما وصف فيجب أن تعتبروا بهذا و غيره، كما قال جلّ و عزّ: لَتَدْخُلُنَّ اَلْمَسْجِدَ اَلْحَرََامَ إِنْ شََاءَ اَللََّهُ آمِنِينَ [الفتح: 27]فكان كما قال، و قال جلّ ذكره: سَيَصْلى‏ََ نََاراً ذََاتَ لَهَبٍ [المسد: 3]ذلك و قال: وَ لَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً [البقرة: 95]فلم يتمنه أحد منهم، و كذا وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اَللََّهُ [الزخرف: 87]فقالوا ذلك، و كذا وَ هُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ [الروم: 3] كذا قوله صلّى اللّه عليه و سلّم لعمّار: «تقتلك الفئة الباغية» (2) و قوله عليه السلام لعلي بن أبي طالب رضي اللّه عنه يوم كتب: «من محمد رسول اللّه» فساموه محوها فاستعظم ذلك علي رضي اللّه عنه فقال له النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم: «إنّك ستسام مثلها» (3) فكان ذلك على ما قال، و كذلك قوله في ذي الثديّة «و من ينجو من الخوارج» (4) فكان الأمر كما قال، و كذلك قوله في كلاب الحوأب قولا محدّدا، و كذلك قوله في فتح المدينة البيضا و في فتح مصر، و أوصى بأهلها خيرا فهذا كله مما يعتبر به و قال جلّ و عزّ: وَ اَللََّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ اَلنََّاسِ [المائدة: 67]فعصمه حتّى مات على فراشه، و قال: وَعَدَ اَللََّهُ اَلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ عَمِلُوا اَلصََّالِحََاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي اَلْأَرْضِ كَمَا اِسْتَخْلَفَ اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ [النور: 55]فاستخلف ممّن خوطب بهذا أربعة أبا بكر و عمر و عثمان و عليا رضي اللّه عنهم، و كان هذا موافقا لقوله صلّى اللّه عليه «الخلافة بعدي ثلاثون» و مما يعتبر به تمثيلاته التي لا تدفع، منها حديث أبي رزين العقيلي أنه قال: يا رسول اللّه كيف يحيي

____________

(1) انظر الفهارس العامة.

(2) أخرجه مسلم في صحيحه-الفتن 70، و أحمد في مسنده 2/161، و البيهقي في السنن الكبرى 8/ 189، و الطبراني في المعجم الكبير 1/300، و المتقي في كنز العمال (23736) .

(3) أخرجه الترمذي في سننه-المناقب 13/209.

(4) أخرجه ابن ماجة في سننه باب 12 الحديث (167) ، و أبو داود في سننه، الحديث رقم (4763) .

258

اللّه الموتى و ما آية ذلك في خلقه؟فقال: «يا أبا رزين أما مررت بوادي أهلك محلا ثم مررت به يهتزّ خضرا فكذلك يحيي اللّه الموتى و كذلك آيته تعالى في خلقه» فهذا التشبيه الباهر الذي لا يلحق، و لذلك قوله في تمثيل الميّت بالنائم و بعثه باليقظة. و هذا أشكل شي‏ء بشي‏ء، فبهذا يعتبر أولو الأبصار.

حكى أهل اللغة أنه يقال: جلا القوم عن منازلهم و أجليتهم هذا الفصيح، و حكى أحمد بن يحيى ثعلب أجلوا، و حكى غيره جلوا عن منازلهم يجلون، و استعمل فلان على الجالية و الجالّة، و قرأ أكثر الناس، و هي اللغة الفصيحة المعروفة من كلام العرب التي نقلتها الجماعة التي تجب بها الحجّة، وَ لَوْ لاََ أَنْ كَتَبَ اَللََّهُ عَلَيْهِمُ اَلْجَلاََءَ بكسر الهاء و ضم الميم، فمن قرأ بها: أبو جعفر و شيبة و نافع و عبد اللّه بن عامر و عاصم، و قرأ الأعمش و حمزة و الكسائي عَلَيْهِمُ اَلْجَلاََءَ بضم الهاء و الميم و قرأ أبو عمرو بن العلاء عَلَيْهِمُ اَلْجَلاََءَ بكسر الهاء و الميم. قال أبو جعفر: و القراءة الأولى كسرت فيها الهاء لمجاوزتها الياء فاستثقلت ضمة بعد ياء، و أيضا فإن آخر مخرج الهاء عند مخرج الياء و ضمّت الميم لأن أصلها الضم فردّت إلى أصلها، و هذه القراءة البينة و القراءة الثانية على الأصل إلاّ أن الأعمش و الكسائي لا يقرآن عليهم إلاّ أن يلقى الميم ساكن، و لا يعرف عن أحد من القراء من جهة صحيحة أنه قرأ عليهم إلا حمزة ثم إنه خالف ذلك فقرأ فيهم و لم يضمّ إلاّ في عليهم و إليهم و لديهم إلا ابن كيسان احتجّ له في تخصيصه هذه الثلاثة، فقال: عليهم و إليهم و لديهم ليست الياء فيهنّ ياء محضة، و أصلها الألف، لأنك تقول: على القوم، فلهذا أقرّوها على ضمتها؛ لأن الياء أصلها الألف، و الياء في «في» ياء محضة. قال: و سألت أبا العباس لم قرأ الكسائي عليهم بكسر الهاء فلما قال: (عليهم) ضمّها؟فقال: إنما كسرها اتباعا للياء؛ لأن الكسرة أخت الياء فلما اضطرّ إلى ضمّ الميم لالتقاء الساكنين لأن الضم أصلها كان الأولى أن يتبع الهاء الميم فيضمّها أي لأن أصلها الضم و بعدها مضموم. قال أبو جعفر: و هذا أحسن ما قيل في هذا، فأما قراءة أبي عمرو عَلَيْهِمُ اَلْجَلاََءَ ففيها حجتان إحداهما أنه كسر الميم لالتقاء الساكنين. و هذه حجة لا معنى لها؛ لأنه إنما يكسر لالتقاء الساكنين ما لم يكن له أصل في الحركة فأما أن تدع الأصل و تجتلب حركة أخرى فغير جائز، و الحجة الأخرى صحيحة، و هو إنما كسر الهاء اتباعا للياء؛ لأنه استثقل ضمة بعد ياء، و كذلك أيضا استثقل ضمة بعد كسرة فأبدل منها كسرة اتباعا كما فعل بالهاء فقال عَلَيْهِمُ اَلْجَلاََءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي اَلدُّنْيََا وَ لَهُمْ فِي اَلْآخِرَةِ عَذََابُ اَلنََّارِ أي مع الخزي الذي لحقهم في الدنيا من الجلاء. قال قتادة: الجلاء الخروج من بلد إلى بلد،

259

و قيل: معنى كتب حتم و هو مجاز، و قيل: كتبه في اللوح المحفوظ.

يكون ذََلِكَ في موضع رفع على إضمار مبتدأ أي الأمر ذلك، و يجوز أن يكون في موضع نصب أي فعلنا بهم ذلك، و يجوز أن يكون في موضع رفع أيضا أي ذلك الخزي و عذاب النار لهم بأنهم خالفوا اللّه و رسوله وَ مَنْ يُشَاقِّ اَللََّهَ في موضع جزم بالشرط، و كسرت القاف لالتقاء الساكنين، و يجوز فتحها لثقل التشديد و الكسر إلاّ أنّ الفتح إذا لم يلقها ساكن أجود مثل‏ مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ [المائدة: 54]و إذا لقيها ساكن كان الكسر أجود، كما قال: [الوافر] 472-

فغضّ الطّرف إنّك من نمير # فلا كعبا بلغت و لا كلابا

(1)

فَإِنَّ اَللََّهَ شَدِيدُ اَلْعِقََابِ جواب الشرط أي شديد عقابه لمن حادّه و حادّ رسوله.

في معنى «اللّينة» ثلاثة أقوال عن أهل التأويل: روى سفيان عن داود بن أبي هند عن عكرمة بن عباس قال: اللينة النخل سوى العجوة، و هذا قول سعيد بن جبير و عكرمة و الزهري و يزيد بن رومان، و قول مجاهد و عمر بن ميمون: إنه لجميع النخل، و كذا روى ابن وهب عن ابن زيد قال: اللّينة النخل كانت فيها عجوة أو لم تكن، و قال سفيان: هي كرائم النخل. و هذه الأقوال صحيحة؛ لأن الأصمعي حكى مثل القول الأول فيكون لجميع النخل، و يكون ما قطعوا منها مخصوصا فتتفق الأقوال. و لينة مشتقّة عند جماعة من أهل العربية من اللون، و انقلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها، و في الجمع ليان كما قال: [المتقارب‏] 473-

و سالفة كسحوق اللّبا # ن أضرم فيها الغويّ السّعر

(2)

و قال بعضهم: هي مشتقّة من لان يلين، و لو كانت من اللون، قيل في الجميع لو أن. وَ لِيُخْزِيَ اَلْفََاسِقِينَ أي و ليذلّ من خرج من طاعته جلّ و عزّ.

هذا عند أهل التفسير في بني النضير؛ لأنه لم يوجف عليهم بخيل و لا جمال،

____________

(1) مرّ الشاهد رقم (167) .

(2) الشاهد لامرئ القيس في ديوانه 165، و لسان العرب (لبن) ، و جمهرة اللغة 674، و تاج العروس (لون) و بلا نسبة في لسان العرب (سحق) و تهذيب اللغة 4/25، و المخصّص 11/132.

260

و إنما صولحوا على الجلاء فملّك اللّه تعالى مالهم النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم يحكم فيه بما أراد و كان فيه فدك فصحّ عن الصحابة منهم عمر رضي اللّه عنه أن النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم كان يأخذ منه ما يكفيه و أهله و يجعل الباقي في السلاح الذي يقاتل به العدوّ و في الكراع. فلما توفّي النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم طالبت فاطمة رضي اللّه عنها على أنه ميراث فقال لها أبو بكر رضي اللّه عنه: أنت أعزّ الناس عليّ غير أني سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم يقول: «إنّا معاشر الأنبياء لا نورث ما تركنا صدقة» (1) و لكنّي أقرّه على ما كان يفعله فيه، و تابعه أصحابه بالشهادة على أن النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم كذا قال حتّى صار ذلك إجماعا، و عمل به الخلفاء الأربعة لم يغيروا منه شيئا و أجروه مجراه في وقت النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم فأما معنى «لا نورث ما تركنا صدقة» فقد تكلّم فيه العلماء فقال بعضهم: معنى «لا نورث» كمعنى لا أورث كما يقول الرجل الجليل: فعلنا كذا، و قيل: هو لجميع الأنبياء؛ لأنه لم يورث أحد منهم شيئا من المال، و قالوا: معنى خِفْتُ اَلْمَوََالِيَ مِنْ وَرََائِي [مريم: 5]معناه خفت ألا يعملوا بطاعة اللّه جلّ و عزّ.

و يدل على هذا وَ اِجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا [مريم: 6]. و معنى‏ يَرِثُنِي النبوة و الشريعة و كذلك‏ وَ وَرِثَ سُلَيْمََانُ دََاوُدَ [النمل: 16]و معنى «ما تركنا صدقة» فيه أقوال: فمن أصحّها أنه بمنزلة الصدقة؛ لأنه صلّى اللّه عليه و سلّم لم يكن يملك شيئا. و إنما أباحه اللّه جلّ و عزّ هذا فكان ينفق منه على نفسه و من يعوله، و يجعل الباقي في سبيل اللّه. فهذا قول، و قيل:

بل قد كان تصدق بكل ما يملكه، و قيل: «ما» بمعنى الذي أي لا نورث الذي تركناه صدقة و حذفت الهاء لطول الاسم و يقال: «وجف» إذا أسرع، و أوجفه غيره وَ لََكِنَّ اَللََّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى‏ََ مَنْ يَشََاءُ أي كما سلّطه على بني النضير.

في هذه الآية أربعة أقوال: منها أنه الفي‏ء الأول و أنّ ما صولح عليه المسلمون من غير قتال فهذا حكمه، و قيل: بل هذا غير الأول، و هذا حكم ما كان من الجزية و مال الخراج أن يقسم. و هذا قول معمر، و قيل: بل هذا ما قوتل عليه أهل الحرب. و هذا قول يزيد بن رومان. و القول الرابع أن هذا حكم ما أوجف عليه بخيل و ركاب، و قوتل عليه فكان هذا حكمه حتّى نسخ بالآية التي في سورة «الأنفال» (2) و الصواب أن يكون هذا الحكم مخالفا للأول؛ لأنه قد صحّ عمن تقوم به الحجّة أن الأول في بني النّضير و أنه جعل حكمه إلى النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم، و هذا الثاني على خلاف ذلك لأنه فيه

____________

(1) انظر التمهيد لابن عبد البر 8/175.

(2) سورة الأنفال، الآية: 1.

261

لِذِي اَلْقُرْبى‏ََ وَ اَلْيَتََامى‏ََ وَ اَلْمَسََاكِينِ وَ اِبْنِ اَلسَّبِيلِ و يدلّك على هذا حديث عمر مع صحّة إسناده و استقامة طريقته قرئ على أحمد بن شعيب عن عبيد اللّه بن سعيد و يحيى بن موسى و هارون بن عبد اللّه قالوا: حدّثنا سفيان عن عمرو عن الزهري عن مالك بن أويس بن الحدثان عن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه، قال: كانت أموال بني النضير مما أفاء اللّه على رسوله مما لم يوجف عليه المسلمون بخيل و لا ركاب فكان ينفق منها على أهله نفقة سنة، و ما بقي جعله في السلاح و الكراع عدّة في سبيل اللّه. فقد دلّ هذا على أن الآية الثانية حكمها خلاف حكم الأولى؛ لأن الأولى تدلّ على هذا إن ذلك شي‏ء للنبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم، و الآية الثانية، على خلاف ذلك قال اللّه جلّ و عزّ مََا أَفََاءَ اَللََّهُ عَلى‏ََ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ اَلْقُرى‏ََ فَلِلََّهِ قيل: هذا افتتاح كلام، و كلّ شي‏ء للّه: و التقدير فلسبل اللّه وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي اَلْقُرْبى‏ََ و هم بنو هاشم و بنو المطّلب وَ اَلْيَتََامى‏ََ و هم الّذين لم يبلغوا الحلم و قد مات آباؤهم، وَ اَلْمَسََاكِينِ و هم الذين قد لحقهم ذلّ المسكنة مع الفاقة، وَ اِبْنِ اَلسَّبِيلِ و هم المسافرون في غير معصية المحتاجون كَيْ لاََ يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ اَلْأَغْنِيََاءِ مِنْكُمْ الضمير الّذي في يكون يعود على ما أي لا يكون ما أفاء اللّه على رسوله من أهل القرى دولة يتداوله الأغنياء فيعملون فيه ما يحبون، فقسمه اللّه جلّ و عزّ هذا القسم. و قرأ يزيد بن القعقاع كي لا تكون دولة (1) بالرفع و تأنيث «تكون» دولة اسم «تكون» «بين الأغنياء» الخبر، و يجوز أن يكون بمعنى يقع فلا يحتاج إلى خبر مثل‏ إِلاََّ أَنْ تَكُونَ تِجََارَةً* [البقرة:

282، و النساء: 29] «و أغنياء» جمع غنيّ، و هكذا جمع المعتل و إن كان سالما جمع على فعلاء و فعال نحو كريم و كرماء و كرام، و قد قالت العرب في السالم: نصيب و أنصباء شبه بالمعتل و شبهوا بعض المعتل أيضا بالسالم. حكى الفرّاء (2) : نفي و نفواء بالفاء شبّه بالسالم و قلبت ياؤه واوا. وَ مََا آتََاكُمُ اَلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ مََا نَهََاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا حكى بعض أهل التفسير أنّ هذا في الغنائم و احتجّ بأن الحسن قال: و ما أتاكم الرسول من الغنائم فخذوه و ما نهاكم عنه من الغلول قال أبو جعفر: فهذا ليس يدلّ على أن الآية فيه خاصة بل الآية عامة. و على هذا تأولها أصحاب رسول اللّه فقال عبد اللّه بن مسعود:

إن اللّه لعن الواشمة و المستوشمة و النامصة و المتنمّصة، فقيل له: قد قرأنا القرآن فما رأينا فيه هذا فقال: قد لعنهنّ رسول اللّه و قال اللّه وَ مََا آتََاكُمُ اَلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ مََا نَهََاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا و عن ابن عباس نحو من هذا في النهي عن الانتباذ في النّقير و المزفّت. وَ اِتَّقُوا اَللََّهَ أي احذروا عقابه في عصيانكم رسوله. إِنَّ اَللََّهَ شَدِيدُ اَلْعِقََابِ أي شديد عقابه لمن خالف رسوله صلّى اللّه عليه و سلّم.

____________

(1) انظر البحر المحيط 8/244، و تيسير الداني 170.

(2) انظر المنقوص و الممدود 14.

262

لِلْفُقَرََاءِ اَلْمُهََاجِرِينَ قيل: هو بدل ممن قد تقدّم ذكره بإعادة الحرف مثل‏ لِلَّذِينَ اُسْتُضْعِفُوا [سبأ: 32]لمن آمن منهم، و قيل: التقدير كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم لكي يكون للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم و أموالهم أي أخرجهم المشركون. يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اَللََّهِ وَ رِضْوََاناً في موضع نصب على الحال، و كذا وَ يَنْصُرُونَ اَللََّهَ وَ رَسُولَهُ أُولََئِكَ هُمُ اَلصََّادِقُونَ مبتدأ و خبره..

اَلَّذِينَ في موضع خفض أي للذين، و يجوز أن يكون في موضع رفع بالابتداء و الخبر يُحِبُّونَ مَنْ هََاجَرَ إِلَيْهِمْ أي انتقل إليهم و إذا كان الذين في موضع خفض كان يحبّون في موضع نصب على الحال أو مقطوعا مما قبله وَ لاََ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حََاجَةً مِمََّا أُوتُوا معطوف عليه، و كذا وَ يُؤْثِرُونَ عَلى‏ََ أَنْفُسِهِمْ وَ لَوْ كََانَ بِهِمْ خَصََاصَةٌ أي فاقة إلى ما اثروا به. و كلّ كوّة أو خلل في حائط فهو خصاصة. وَ مَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ (1) جزم بالشرط فلذلك حذفت الألف منه، و لا يجوز إثباتها إذا كان شرطا عند البصريين، و يجوز عند الكوفيين و شبّهوه بقول الشاعر:

474-

أ لم يأتيك و الأنباء تنمي‏

(2)

و الفرق بين ذا و الأول أن الألف لا تتحرك في حال و الياء و الواو قد يتحرّكان و هذا فرق بيّن و لكن الكوفيين خلطوا حروف المدّ و اللين فجعلوا حكمها حكما واحدا، و تجاوزوا ذلك من ضرورة الشعر إلى أن أجازوه في كتاب اللّه جلّ و عزّ، و حملوا قراءة حمزة لا تخف دركا و لا تخشى [طه: 77]عليه في أحد أقوالهم. و أهل التفسير على أنّ الشحّ أخذ المال بغير الحقّ، و قد ذكرنا أقوالهم. و المعروف في كلام العرب أن الشّحّ أزيد من البخل، و أنه يقال: شحّ فلان يشحّ إذا اشتدّ بخله و منع فضل المال، كما قال: [الوافر] 475-

ترى اللّحز الشّحيح إذا أمرّت # عليه لماله فيها مهينا

(3)

____________

(1) انظر البحر المحيط 8/246 (قرأ أبو حيوة و ابن أبي عبلة «شحّ» بكسر الشين، و الجمهور بإسكان الواو و تخفيف القاف، و ضمّ الشين) .

(2) مرّ الشاهد رقم (299) .

(3) الشاهد لعمرو بن كلثوم في ديوانه 65، و لسان العرب (سخن) و خزانة الأدب 3/178، و شرح ديوان امرئ القيس 320، و شرح القصائد السبع 373، و شرح القصائد العشر 322، و شرح المعلقات السبع 166، و تاج العروس (سخن) ، و بلا نسبة في لسان العرب (لحز) ، و مقاييس اللغة 5/237.

263

يكون اَلَّذِينَ في موضع خفض معطوفا على ما قبله أي و الذين، و على هذا كلام أهل التفسير و الفقهاء، كما قال مالك ليس لمن شتم أصحاب الرسول صلّى اللّه عليه و سلّم في الفي‏ء نصيب لأن اللّه تعالى قال: وَ اَلَّذِينَ جََاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اِغْفِرْ لَنََا الآية، و قال قتادة: لم تؤمروا بسب أصحاب النبيّ و إنما أمرتم بالاستغفار لهم، و قال ابن زيد في معنى قوله وَ لاََ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنََا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا لا تورّث قلوبنا غلا لمن كان على دينك. رَبَّنََا إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ أي بخلقك. رَحِيمٌ لمن تاب منهم.

أَ لَمْ تَرَ إِلَى اَلَّذِينَ نََافَقُوا حذفت الألف للجزم، و الأصل فيه الهمز لأنه من رأى و الأصل يرأى يَقُولُونَ لِإِخْوََانِهِمُ اَلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ اَلْكِتََابِ «يقولون» في موضع نصب على الحال. و عن ابن عباس اَلَّذِينَ نََافَقُوا عبد اللّه بن أبيّ و أصحابه و إخوانهم من أهل الكتاب بنو النضير لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ أي من دياركم و منازلكم لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ من ديارنا. وَ لاََ نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَداً أَبَداً أي لا نطيع من سألنا خذلانكم. وَ اَللََّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكََاذِبُونَ كسرت إن لمجي‏ء اللام، و حكى لنا علي بن سليمان عن محمد بن يزيد أنه أجاز فتحها في خبرها اللام؛ لأن اللام للتوكيد فلا تغيّر هاهنا شيئا.

لَئِنْ أُخْرِجُوا لاََ يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ أي لئن أخرج بنو النضير لا يخرج المنافقون معهم فخبر بالغيب، و كان الأمر على ذلك. وَ لَئِنْ قُوتِلُوا لاََ يَنْصُرُونَهُمْ وَ لَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ اَلْأَدْبََارَ فخبّر جلّ و عزّ بما يعلمه فإن قيل: فما وجه رفع لَئِنْ أُخْرِجُوا لاََ يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ و ظاهره أنه جواب الشرط و أنت تقول: إن أخرجوا لا يخرجوا معهم، و لا يجوز غير ذلك، و اللام توكيد فلم رفع الفعل؟فالجواب عن هذا، و هو قول الخليل و سيبويه رحمهما اللّه على معناهما أنه قسم. و المعنى و اللّه لا يخرجون معهم إن أخرجوا، كما تقول: و اللّه لا

264

يقومون، و دخلت اللام في الأول لأنه شرط للثاني، و كذا ما بعده، و كذا ثُمَّ لاََ يُنْصَرُونَ معطوف عليه، و يجوز أن يكون مقطوعا منه.

أي في صدور بني النضير من اليهود، و نصبت رهبة على التمييز. ذََلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاََ يَفْقَهُونَ أي من أجل أنّهم قوم لا يفقهون قدر عظمة اللّه جلّ و عزّ فهم يجترءون على معاصيه و لا يتخوّفون عقابه.

نصبت جَمِيعاً على الحال، و قرية و قرى عند الفرّاء شاذّ كان يجب أن يكون جمعه قراء مثل غلوة و غلاء. قال أبو جعفر: و أنكر أبو إسحاق هذا و أن يقال شاذّ لما نطق به القرآن، و لكنه مثل ضيعة و ضيع جاء بحذف الألف.

و قيل: هو اسم للجميع. أَوْ مِنْ وَرََاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ و قرأ أبو عمر و ابن كثير أو من وراء جدار (1) و حكي عن المكيين أَوْ مِنْ وَرََاءِ جُدُرٍ بفتح الجيم و إسكان الدال، و يجوز جدر على أن الأصل جدر فحذفت الضّمة لثقلها. و جدر لغة بمعنى جدار، و جدار واحد يؤدّي عن جمع إلا أن الجمع أشبه بنسق الآية لأن قبله إِلاََّ فِي قُرىً و لم يقل: إلاّ في قرية تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً مفعول ثان لتحسب، و ليس على الحال. وَ قُلُوبُهُمْ شَتََّى قال قتادة: أهل الباطل مختلفة أهواؤهم مختلفة أعمالهم، و هم مجتمعون على معاداة أهل الحقّ. قال مجاهد: وَ قُلُوبُهُمْ شَتََّى لأن بني النضير يهود و المنافقين ليسوا بيهود. و في حرف‏ (2) ابن مسعود و قلوبهم أشتّ يكون أفعل بمعنى فاعل أو يحذف منه «من» ذََلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاََ يَعْقِلُونَ أي لا يعقلون ما لهم فيه الحظّ مما عليهم فيه النّقص.

كَمَثَلِ اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ المعنى مثلهم كمثل الذين من قبلهم حين تمادوا على العصيان فأهلكوا. و اختلف أهل التأويل في اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ هاهنا فقال ابن عباس:

هم بنو قينقاع، و قال مجاهد؛ هم أهل بدر. و الصواب أن يقال في هذا: إنّ الآية عامة

____________

(1) انظر البحر المحيط 8/247. انظر تيسير الداني 170 (قرأ ابن كثير و أبو عمرو بكسر الجيم و ألف بعد الدال، و أمال أبو عمرو فتحة الدال و الباقون «جدر» بضم الجيم و الدال) .

(2) انظر البحر المحيط 8/248.

265

و هؤلاء جميعا ممن كان قبلهم. قَرِيباً نعت لظرف ذََاقُوا وَبََالَ أَمْرِهِمْ أي ذاقوا عذاب اللّه على كفرهم و عصيانهم وَ لَهُمْ عَذََابٌ أَلِيمٌ أي في الآخرة.

الكاف في موضع رفع أي مثل المنافقين في غرورهم بني النضير و مثل بني النضير في قلوبهم منهم كمثل الشيطان. و في معناه قولان: أحدهما أنه شيطان بعينه غرّ راهبا.

و في هذا حديث مسند قد ذكرناه، و هكذا روي عن علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه.

و القول الآخر أن يكون الشيطان هاهنا اسما للجنس، و كذا الإنسان، كما روى ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: هي عامّة.

عََاقِبَتَهُمََا خبر كان و أن وصلتها اسمها. و قرأ الحسن فَكََانَ عََاقِبَتَهُمََا بالرفع، جعلها اسم كان، و ذكّرها؛ لأن تأنيثها غير حقيقي خََالِدَيْنِ فِيهََا على الحال.

و قد اختلف النحويون في الظرف إذا كرّر فقال سيبويه‏ (1) : هذا باب ما يثنّى فيه المستقرّ توكيدا فعلى قوله نقول: إن زيدا في الدار جالسا فيها و جالس لا يختار أحدهما على صاحبه، و قال غيره: الاختيار النصب لئلا يلغى الظرف مرتين، و قال الفرّاء: (2) إنّ النصب هاهنا هو كلام العرب قال: تقول: هذا أخوك في يده درهم قابضا عليه، و العلّة عنده في وجوب النصب أنه لا يجوز أن يقدّم من أجل الضمير فإن قلت: هذا أخوك في يده درهم قابض على دينار، جاز الرفع و النصب، و أنشد في ما يكون منصوبا:

[الكامل‏] 476-

و الزّعفران على ترائبها # شرقا به اللّبّات و النّحر

(3)

قال أبو جعفر: و هذا التفريق عند سيبويه لا يلزم منه شي‏ء، و قد قال سيبويه: لو كانت التثنية تنصب لنصبت. في قولك: عليك زيد حريص عليك. و هذا من أحسن ما قيل في هذا و أبينه لأنه بيّن أن التكرير لا يعمل شيئا. وَ ذََلِكَ جَزََاءُ اَلظََّالِمِينَ قيل:

يعني به بني النضير؛ لأن نسق الآية فيهم، و كلّ كافر ظالم.

____________

(1) انظر الكتاب 2/123.

(2) انظر معاني الفراء 3/147.

(3) الشاهد للمخبّل السعدي في ديوانه 293، و لسان العرب (شرق) ، و تاج العروس (شرق) ، و بلا نسبة في تاج العروس (ترب) ، و لسان العرب (ترب) ، و المخصص 2/20.

266

يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا اِتَّقُوا اَللََّهَ أي بأداء فرائضه و اجتناب معاصيه. وَ لْتَنْظُرْ نَفْسٌ مََا قَدَّمَتْ لِغَدٍ و الأصل و لتنظر حذفت الكسرة لثقلها و اتصالها بالواو أي لتنظر نفس ما قدّمت ليوم القيامة من حسن ينجيها أو قبيح يوبقها. و الأصل في غد غدو و ربما جاء على أصله ثم كرّر توكيدا فقال جلّ و عزّ وَ اِتَّقُوا اَللََّهَ إِنَّ اَللََّهَ خَبِيرٌ بِمََا تَعْمَلُونَ .

يكون نسي بمعنى ترك أي تركوا طاعة اللّه جلّ و عزّ فَأَنْسََاهُمْ أَنْفُسَهُمْ قال سفيان:

أي فأنساهم حظّ أنفسهم. و من حسن ما قيل فيه أنّ المعنى أنّ اللّه لما عذّبهم شغلهم عن الفكرة في أهل دينهم أو في خواصهم، كما قال‏ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ [البقرة: 54].

أُولََئِكَ هُمُ اَلْفََاسِقُونَ أي الخارجون عن طاعة اللّه جلّ و عزّ.

لاََ يَسْتَوِي أي لا يعتدل. أَصْحََابُ اَلنََّارِ وَ أَصْحََابُ اَلْجَنَّةِ و في حرف ابن مسعود و لا أصحاب الجنّة تكون «لا» زائدة للتوكيد. أَصْحََابُ اَلْجَنَّةِ هُمُ اَلْفََائِزُونَ أي الذين ظفروا بما طلبوا.

مُتَصَدِّعاً نصب على الحال أي فزعا لتعظيمه القرآن. مِنْ خَشْيَةِ اَللََّهِ و دلّ بهذا على أنه يجب أن يكون من معه القرآن خائفا حذرا معظّما له منزها عمن يخالفه.

وَ تِلْكَ اَلْأَمْثََالُ نَضْرِبُهََا لِلنََّاسِ أي يعرفهم بهذا. لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ فينقادون إلى الحق.

هُوَ مبتدأ، و من العرب من يسكّن الواو فمن أسكنها حذفها هاهنا لالتقاء الساكنين، اسم اللّه جلّ و عزّ خبر الابتداء، اَلَّذِي من نعته. لاََ إِلََهَ إِلاََّ هُوَ في الصلة أي الذي لا تصلح الألوهة إلاّ له لأن كل شي‏ء له هو خالقه فالألوهة له وحده عََالِمُ اَلْغَيْبِ وَ اَلشَّهََادَةِ نعت، و لو كان بالألف و اللام في الأول لكان الثاني منصوبا، و جاز الخفض هُوَ اَلرَّحْمََنُ اَلرَّحِيمُ و الرحمة من اللّه جلّ و عزّ التفضل و الإحسان إلى من يرحمه.

267

هُوَ اَللََّهُ اَلَّذِي لاََ إِلََهَ إِلاََّ هُوَ و من نصب قال: إلاّ إياه و أجاز الكوفيون إلاّه على أن الهاء في موضع نصب، و أنشدوا: [البسيط] 477-

فما نبالي إذا ما كنت جارتنا # ألاّ يجاورنا إلاّك ديّار

(1)

قال أبو جعفر: و هذا خطأ عند البصريين لا يقع بعد «إلاّ» ضمير منفصل لاختلافه، و أنشد محمد بن يزيد: «ألاّ يجاورنا سواك ديّار» اَلْمَلِكُ اَلْقُدُّوسُ نعت و الملك مشتقّ من الملك و المالك مشتقّ من الملك، و «القدّوس» مشتقّ من القدس و هو الطهارة كما قال حسان بن ثابت: [الوافر] 478-

و جبريل أمين اللّه فينا # و روح القدس ليس له كفاء

(2)

قال كعب: روح القدس جبرائيل عليه السلام. قال أبو زيد: القدس اللّه جلّ و عزّ و كذا القدوس و قال غيره: قيل لجبرائيل صلّى اللّه عليه و سلّم: روح اللّه لأنه خلقه من غير ذكر و أنثى و من هذا قيل لعيسى صلّى اللّه عليه و سلّم: روح اللّه جلّ و عزّ لأنه خلقه من غير ذكر، و اللّه القدوس أي مطهّر مما نسبه إليه المشركون. و قرأ أبو الدينار الأعرابي اَلْمَلِكُ اَلْقُدُّوسُ بفتح القاف. قال أبو جعفر: و نظير هذا من كلام العرب جاء مفتوحا نحو سمّور و شبّوط و لم يجي‏ء مضموما إلاّ «السّبّوح» و «القدّوس» و قد فتحا اَلسَّلاََمُ أي ذو السلامة من جميع الآفات. و السلام في كلام العرب يقع على خمسة أوجه: السلام التحيّة، و السلام السّواد من القول قال اللّه تعالى: وَ إِذََا خََاطَبَهُمُ اَلْجََاهِلُونَ قََالُوا سَلاََماً [الفرقان: 63]ليس يراد به التحية، و السلام جمع سلامة، و السلام بمعنى السلامة كما تقول: اللّذاذ و اللّذاذة، «السلام» اسم اللّه من هذا أي صاحب السلامة و السلام شجر قوي واحدها سلامة. قال أبو إسحاق: سمّي بذلك لسلامته من الآفات. اَلْمُؤْمِنُ (3)

فيه ثلاثة أقوال: منها أن معناه الذي آمن عباده من جوره، و قيل: المؤمن الذي آمن أولياءه من عذابه، و قال أحمد بن يحيى ثعلب اللّه جلّ و عزّ: المؤمن لأنه يصدّق عباده

____________

(1) الشاهد بلا نسبة في الأشباه و النظائر 2/129، و أمالي ابن الحاجب 385، و أوضح المسالك 1/83، و تخليص الشواهد 100، و خزانة الأدب 5/278، و الخصائص 1/307، و الدرر 1/176، و شرح الأشموني 1/48، و شرح شواهد المغني 844، و شرح ابن عقيل 52، و مغني اللبيب 2/441.

(2) الشاهد لحسّان بن ثابت في ديوانه ص 75، و لسان العرب (كفأ) و (جبر) ، و كتاب العين 5/414، و تهذيب اللغة 10/389، و التنبيه و الإيضاح 2/96، و تاج العروس (كفأ) ، و (جبر) ، و أساس البلاغة (كفأ) .

(3) انظر البحر المحيط 8/249.

268

المؤمنين. قال أبو جعفر: و معنى هذا أن المؤمنين يشهدون على الناس يوم القيامة فيصدّقهم اللّه جلّ و عزّ اَلْمُهَيْمِنُ روى ابن أبي طلحة عن ابن عباس قال: المهيمن الأمين، و بهذا الإسناد قال: الشهيد، و قال أبو عبيدة: المهيمن الرقيب الحفيظ. قال أبو جعفر: و هذه كلها من صفات اللّه جلّ و عزّ فاللّه شاهد أعمال عباده حافظ لها أمين عليها لا يظلمهم و لا يلتهم من أعمالهم شيئا، و حكى لنا علي بن سليمان عن أبي العباس قال: الأصل مؤيمن، و ليس في أسماء اللّه تعالى شي‏ء مصغّر إنما هو مثل مسيطر أبدل من الهمزة هاء، لأن الهاء أخفّ. اَلْعَزِيزُ أي العزيز في انتقامه المنيع فلا ينتصر منه من عاقبه اَلْجَبََّارُ فيه أربعة أقوال: قال قتادة: الجبّار الذي يجبر خلقه على ما يشاء، قال أبو جعفر: و هذا خطأ عند أهل العربية، لأنه إنما يجي‏ء من هذا مجبر و لا يجي‏ء فعّال من أفعل، و قيل: «جبّار» من جبر اللّه خلقه أي نعتهم و كفاهم.

و هذا قول حسن لا طعن فيه، و قيل: جبار من جبرت العظم فجبر أي أقمته بعد ما انكسر فاللّه تعالى أقام القلوب لتفهّمها دلائله، و قيل: هو من قولهم تجبّر النخل إذا علا وفات اليد كما قال: [الطويل‏] 479-

أطافت به جيلان عند قطاعه # و ردّت عليه الماء حتّى تجبّرا

(1)

فقيل: جبار لأنه لا يدركه أحد اَلْمُتَكَبِّرُ أي العالي فوق خلقه سُبْحََانَ اَللََّهِ عَمََّا يُشْرِكُونَ نصبت سبحان على أنه مصدر مشتقّ من سبّحته أي نزّهته و برّأته مما يقول المشركون، و هو إذا أفردته يكون معرفة و نكرة فإن جعلته نكرة صرفته فقلت سبحانا و إن جعلته معرفة كما قال: [السريع‏] 480-

أقول لمّا جاءني فخره # سبحان من علقمة الفاخر

(2)

هُوَ اَللََّهُ اَلْخََالِقُ اَلْبََارِئُ اَلْمُصَوِّرُ معنى خلق الشي‏ء قدره كما قال: [الكامل‏] 481-

و لأنت تفري ما خلقت و بعض # القوم يخلق ثم لا يفري‏

(3)

____________

(1) الشاهد لامرئ القيس في ديوانه 58، و جمهرة اللغة 1044، و مقاييس اللغة 1/499، و مجمل اللغة 1/457، و بلا نسبة في اللسان (جيل) و تهذيب اللغة 11/191، و المخصص 16/30.

(2) الشاهد للأعشى في ديوانه 193، و الكتاب 1/388، و أساس البلاغة (سبح) ، و الأشباه و النظائر 2/ 109، و جمهرة اللغة 278، و خزانة الأدب 1/185، و الخصائص 2/435، و الدرر 3/70، و شرح أبيات سيبويه 1/157، و شرح شواهد المغني 2/905.

(3) الشاهد لزهير بن أبي سلمى في ديوانه ص 94، و الكتاب 4/299، و الدرر 6/297، و سرّ صناعة الإعراب 2/471، و شرح أبيات سيبويه 2/344، و شرح شواهد الإيضاح 270، و شرح المفصّل 9/ 79، و لسان العرب (خلق) و (فرا) ، و المنصف 2/74، و بلا نسبة في شرح شافية ابن الحاجب 2/302.

269

إلاّ أن محمد بن إبراهيم بن عرفة قال: معنى خلق اللّه الشي‏ء قدّره مخترعا على غير أصل بلا زيادة و لا نقصان فلهذا ترك استعماله الناس هذا معنى قوله: اَلْبََارِئُ قيل: معنى البارئ الخالق، و هذا فيه تساهل لضعف من يقوله في العربية أو على أن يتساهل فيه لأنه قبله الخالق، و حقيقة هذا أن معنى برأ اللّه الخلق سوّاهم و عدّلهم ألا ترى اتساق الكلام أن قبله خلق أي قدّر و بعده برى أي عدّل و سوّى و بعده اَلْمُصَوِّرُ فالصورة بعد هذين، و قد قيل: إن المصور مشتق من صار يصير، و لو كان كذا لكان بالياء، و لكنه مشتق من الصورة و هي المثال. لَهُ اَلْأَسْمََاءُ اَلْحُسْنى‏ََ . قال أبو هريرة عن النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم: «للّه تسعة و تسعون اسما» (1) يُسَبِّحُ لَهُ مََا فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ لأنه دالّ على أن له محدثا و مدبّرا لا نظير له فقد صار بهيئته يسبّح للّه أي منزّها له عن الأشياء وَ هُوَ اَلْعَزِيزُ أي في انتقامه ممن كفر به اَلْحَكِيمُ فيما خلقه؛ لأن حكمته لا يرى فيها خلل، و قيل: الحكيم بمعنى الحاكم.

____________

(1) أخرجه أحمد في مسنده 2/314، و الزبيدي في إتحاف السادة المتقين 2/21، و السيوطي في الدر المنثور 3/148، و البيهقي في الأسماء و الصفات 15.

270

60 شرح إعراب سورة الممتحنة

بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ

أي نداء مفرد و اَلَّذِينَ من نعته في موضع رفع، و بعض النحويين يجيز النصب على الموضع و قال بعضهم: «أيّ» اسم ناقص و ما بعده صلة له، و هذا خطأ على قول الخليل و سيبويه‏ (1) ، و القول عندهما أنه اسم تام إلا أنه لا بدّ له من النعت مثل «من» و «ما» إذا كانتا نكرتين، و أنشد سيبويه: [الكامل‏] 482-

فكفى بنا فضلا على من غيرنا # حبّ النّبيّ محمّد إيّانا

(2)

قوله غيرنا نعت لمن لا يفارقه. لاََ تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَ عَدُوَّكُمْ بمعنى أعدائي فعدوّ يقع للجميع و الواحد و المؤنث على لفظ واحد، لأنه غير جار على الفعل، و إن شئت جمعته و أنثته. أَوْلِيََاءَ مفعول ثان و لم يصرف أولياء لأن في اخره ألفا زائدة و كلّ ما كان في اخره ألف زائدة فهو لا ينصرف في معرفة و لا نكرة نحو عرفاء و شهداء و أصدقاء و أصفياء و مرضى، و تعرف أن الألف زائدة أن نظر فعله فإن وجدت بعد اللام من فعله ألفا فهي زائدة. ألا ترى أن عرفاء فعلاء و أصفياء أفعلاء فبعد اللام ألف، و كذلك مرضى فعلى و ما كان من الجمع سوى هذا من الجمع فهو ينصرف نحو غلمان و رجال و أعدال و فلوس و شباب إلاّ أن أشياء وحدها لا ينصرف في معرفة و لا نكرة لثقل التأنيث فاستثقلوا أن يزيدوا التنوين مع زيادة حرف التأنيث لأنها أريد بها أفعلاء نحو أصدقاء كأنهم أرادوا أشياء، و هو الأصل فثقل لاجتماع الياء و الهمزتين فحذفوا إحدى

____________

(1) انظر الكتاب 2/190.

(2) مرّ الشاهد رقم (30) .

271

الهمزتين، و ما أشبهها مصروف في المعرفة و النكرة نحو أسماء و أحياء و أفياء ينصرف لأنه أفعال فمن ذلك أعدال و أجمال، و كذلك عدوّ و أعداء مصروف، و كذلك قوله تعالى: إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدََاءً مصروف لأنه أفعال ليس فيه ألف زائدة: تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ مذهب الفراء أن الباء زائدة و أن المعنى تلقون إليهم المودة. قال أبو جعفر: «تلقون» في موضع نصب على الحال، و يكون في موضع نعت لأولياء. قال الفراء (1) : كما تقول: لا تتّخذ رجلا تلقي إليه كلّ ما عندك. وَ قَدْ كَفَرُوا بِمََا جََاءَكُمْ مِنَ اَلْحَقِّ يُخْرِجُونَ اَلرَّسُولَ وَ إِيََّاكُمْ عطف على الرسول أي و يخرجونكم أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللََّهِ رَبِّكُمْ في موضع نصب أي لأن تؤمنوا و حقيقته كراهة أن تؤمنوا باللّه ربّكم. إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهََاداً فِي سَبِيلِي نصبت جهادا لأنه مفعول من أجله أو على المصدر أي إن كنتم خرجتم مجاهدين في طريقي الذي شرعته و ديني الذي أمرت به و اِبْتِغََاءَ مَرْضََاتِي عطف تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ مثل تلقون. وَ أَنَا أَعْلَمُ قراءة أهل المدينة يثبتون الألف في الإدراج، و قراءة غيرهم و أن أعلم بحذف الألف في الإدراج و هذا هو المعروف في كلام العرب؛ لأن الألف لبيان الحركة فلا تثبت في الإدراج، لأن الحركة قد ثبتت و أَعْلَمُ بمعنى عالم كما يقال: اللّه أكبر اللّه أكبر بمعنى كبير، و يجوز أن يكون المعنى و أنا أعلم بكم بما أخفاه بعضكم من بعض و بما أعلنه وَ مَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ و من يلق إليهم بالمودة و يتخذهم أولياء فَقَدْ ضَلَّ سَوََاءَ اَلسَّبِيلِ أي عن قصد طريق الجنة و محجّتها.

إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدََاءً شرط و مجازاة فلذلك حذفت النون و كذا وَ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ تمّ الكلام.

لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحََامُكُمْ وَ لاََ أَوْلاََدُكُمْ لأن أولادهم و أقرباءهم كانوا بمكة فلذلك تقرّب بعضهم إلى أهل مكّة و أعلمهم اللّه جلّ و عزّ أنّهم لن ينفعوهم يوم القيامة. يكون العامل في الظرف على هذا لن تنفعكم و يكون يفصل بينكم في موضع نصب على الحال، و يجوز أن يكون العامل في الظرف يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ (2) و هذه قراءة أهل الحرمين و أهل البصرة، و قد عرف أن المعنى يفصل اللّه جلّ و عزّ بينكم، و قرأ عبد اللّه بن عامر

____________

(1) انظر معاني الفراء 3/149.

(2) انظر تيسير الداني 170 (قرأ عامر «يفصل» بفتح الياء و إسكان الفاء و كسر الصاد مخفّفة، و ابن عامر بضمّ الياء و فتح الفاء و الصاد مشدّدة، و حمزة و الكسائي كذلك إلاّ أنهما كسرا الصاد، و الباقون بضمّ الياء و إسكان الفاء و فتح الصاد مخفّفة) .

272

يفصّل على التكثير، و قرأ عاصم يفصل و قرأ يحيى بن وثاب و الأعمش و حمزة و الكسائي يفصّل بينكم على تكثير يفصل وَ اَللََّهُ بِمََا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ مبتدأ و خبره.

قَدْ كََانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ و حكى الفراء في جمعها أسى بضمّ في الجمع، و إن كانت الواحدة مكسورة ليفرق بين ذوات الواو و ذوات الياء، و عند البصريين أنه يجوز الضم على تشبيه فعلة بفعلة، و يجوز الكسر على الأصل فِي إِبْرََاهِيمَ وَ اَلَّذِينَ مَعَهُ قال عبد الرحمن بن زيد: اَلَّذِينَ مَعَهُ الأنبياء عليهم السلام قََالُوا لِقَوْمِهِمْ أي حين قالوا لقومهم إِنََّا بُرَآؤُا مِنْكُمْ هذه القراءة المعروفة التي قرأ بها الأئمة كما تقول: كريم و كرماء، و أجاز أبو عمرو و عيسى إنا براء منكم (1) و هي لغة معروفة فصيحة كما تقول: كريم و كرام، و أجاز الفراء إنا برآء منكم . قال أبو جعفر: و هذا صحيح في العربية يكون برآء في الواحد و الجميع على لفظ واحد، مثل إنني برآء منكم و حقيقته في الجمع أنا ذوو برآء. كما تقول: قوم رضى فهذه ثلاث لغات معروفة و حكى الكوفيون لغة رابعة. و حكي أن أبا جعفر قرأ بها و هو أنا برآء منكم على تقدير براع و هذه لا تجوز عند البصريين لأنه حذف شي‏ء لغير علة. قال أبو جعفر: و ما أحسب هذا عن أبي جعفر إلا غلطا لأنه يروى عن عيسى أنه قرأ بتخفيف الهمزة أنّا برأ و أحسب أن أبا جعفر قرأ كذا. وَ مِمََّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اَللََّهِ معطوف بإعادة حرف الخفض، كما تقول: أخذته منك و من زيد، و لا يجوز أخذته منك و زيد. ألا ترى كيف السواد فيه و مما، و لو كان على قراءة من قرأ و الأرحام [النساء: 1]لكان: و ما تعبدون من دون اللّه بغير من كَفَرْنََا بِكُمْ أي أنكرنا كفركم. وَ بَدََا بَيْنَنََا وَ بَيْنَكُمُ اَلْعَدََاوَةُ وَ اَلْبَغْضََاءُ أَبَداً لأنه تأنيث غير حقيقي أي لا نودكم. حَتََّى تُؤْمِنُوا بِاللََّهِ وَحْدَهُ إِلاََّ قَوْلَ إِبْرََاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ استثناء ليس من الأول أي لا تستغفروا للمشركين و تقولوا يتأسّى بإبراهيم صلّى اللّه عليه و سلّم إذ كان إنما فعل ذلك عن موعدة وعدها إياه قيل: وعده أنه يظهر إسلامه و لم يستغفر له إلا بعد أن أسلم.

وَ مََا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اَللََّهِ مِنْ شَيْ‏ءٍ أي ما أقدر أن أدفع عنك عذابه و عقابه. رَبَّنََا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنََا في معناه قولان: أحدهما أن هذا قول إبراهيم و من معه من الأنبياء، و الآخر أن المعنى:

قولوا ربنا عليك توكّلنا أي وكلنا أمورنا كلّها إليك، و قيل: معنى التوكل على اللّه جلّ و عزّ أن يعبد وحده و لا يعبى و يوثق بوعده لمن أطاعه. وَ إِلَيْكَ أَنَبْنََا أي رجعنا مما

____________

(1) انظر معاني الفراء 3/149، و البحر المحيط 8/252.

273

تكره إلى ما تحبّ وَ إِلَيْكَ اَلْمَصِيرُ أي مصيرنا و مصير الخلق يوم القيامة.

رَبَّنََا لاََ تَجْعَلْنََا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا روى ابن أبي طلحة عن ابن عباس قال: تقول: لا تسلّطهم علينا فيفتنونا وَ اِغْفِرْ لَنََا و لا يجوز إدغام الراء في اللام لئلا يذهب تكرير الراء. إِنَّكَ أَنْتَ اَلْعَزِيزُ في انتقامك ممن انتقمت منه اَلْحَكِيمُ في تدبير عبادك.

لَقَدْ كََانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ و لم يقل: كانت لأن التأنيث غير حقيقي معناه التأسي لِمَنْ كََانَ يَرْجُوا اَللََّهَ أي ثوابه وَ اَلْيَوْمَ اَلْآخِرَ أي نجاته وَ مَنْ يَتَوَلَّ جزم بالشرط فلذلك حذفت منه الياء، و الجواب فَإِنَّ اَللََّهَ هُوَ اَلْغَنِيُّ اَلْحَمِيدُ .

أَنْ يَجْعَلَ و من العرب من يحذف «أن» بعد «عسى» قال ابن زيد: ففتحت مكة فكانت المودة بإسلامهم وَ اَللََّهُ قَدِيرٌ أي على أن يجعل بينكم و بينهم مودة. وَ اَللََّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ أي لمن اتخذهم أولياء و ألقى إليهم بالمودة إذا تاب رحيم به لمن يعذبه بعد التوبة. و الرحمة من اللّه جلّ و عزّ قبول العمل و الإثابة عليه.

قال أبو جعفر: قد ذكرناه. و ليس لقول من قال: إنها منسوخة معنى: لأن البرّ في اللغة إنما هو لين الكلام و المواساة، و ليس هذا محظورا أن يفعله أحد بكافر. و كذا الإقساط إنما هو العدل و المكافأة بالحسن عن الحسن. ألا ترى أن بعده إِنَّ اَللََّهَ يُحِبُّ اَلْمُقْسِطِينَ و أن في موضع خفض على البدل من اَلَّذِينَ و يجوز أن يكون في موضع نصب أي لا ينهاكم كراهة هذا.

أَنْ تَوَلَّوْهُمْ و الأصل تتولّوهم. وَ مَنْ يَتَوَلَّهُمْ أي ينصرهم و يودّهم فَأُولََئِكَ هُمُ اَلظََّالِمُونَ أي الذين جعلوا المودة في غير موضعها. و الظلم في اللغة وضع الشي‏ء في غير موضعه.

274

يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا إِذََا جََاءَكُمُ اَلْمُؤْمِنََاتُ على تذكير الجمع مُهََاجِرََاتٍ نصب على الحال. فَامْتَحِنُوهُنَّ ، أي اختبروهن هل خرجن لسبب غير الرغبة في الإسلام اَللََّهُ أَعْلَمُ بِإِيمََانِهِنَّ أي منكم ثم حذف لعلم السامع فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنََاتٍ مفعول ثان. فَلاََ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى اَلْكُفََّارِ و ذلك لسبب هدنة كانت بينهم. لاََ هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَ لاََ هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ لأنه لا تحلّ مسلمة لكافر بحال. وَ لاََ جُنََاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذََا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ أي له أن ينكحها إذا أسلمت و زوجها كافر، لأنه قد انقطعت العصمة بينهما و ذلك بعد انقضاء العدة، و كذا إذا ارتدّ و أتوهم ما أنفقوا، و هو المهر وَ لاََ تُمْسِكُوا بِعِصَمِ اَلْكَوََافِرِ و قرأ أبو عمرو و لا تمسكوا (1) يكون بمعناه أو على التكثير، و عن الحسن و لا تمسّكوا (2) و الأصل تتمسّكوا حذفت التاء لاجتماع التاءين، و عصم جمع عصمة يقال: أخذت بعصمتها أي بيدها، و هو كناية عن الجماع، و اَلْكَوََافِرِ جمع كافرة مخصوص به المؤنث.

وَ سْئَلُوا مََا أَنْفَقْتُمْ وَ لْيَسْئَلُوا مََا أَنْفَقُوا و ذلك في المهر ذََلِكُمْ حُكْمُ اَللََّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَ اَللََّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ قال الزهري: فقال المسلمون رضينا بحكم اللّه جلّ و عزّ و أبى الكفار أن يرضوا بحكم اللّه و يقرّوا أنه من عنده.

في معناه قولان، قال الزهري: الكفار هاهنا هم الذين كانت بينهم و بين النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم الذمة، و قال مجاهد و قتادة: هم أهل الحرب ممن لا ذمّة له فَعََاقَبْتُمْ و قرأ حميد الأعرج و عكرمة فعقّبتم (3) هما عند الفراء بمعنى واحد، مثل «و لا تصاعر» وَ لاََ تُصَعِّرْ [لقمان: 18]و حكي أنّ في حرف عبد اللّه و إن فاتكم أحد من أزواجكم و إذا كان للناس صلح فيه أحد و شي‏ء، و إذا كان لغير الناس لم يصلح فيه أحد، و عن مجاهد فأعقبتم (4) و كله مأخوذ من العاقبة، و العقبى و هو ما يلي الشي‏ء.

____________

(1) انظر تيسير الداني 170 (قرأ أبو عمرو مشدّدا، و الباقون مخفّفا) .

(2) انظر البحر المحيط 8/254، و الإتحاف 256.

(3) نظر البحر المحيط 8/255.

(4) نظر البحر المحيط 8/255.

275

فَآتُوا اَلَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوََاجُهُمْ مِثْلَ مََا أَنْفَقُوا اختلف العلماء في حكمها فقال الزهري أ يعطي الذي ذهبت امرأته إلى الكفار الذين لهم ذمّة مثل صداقها و يؤخذ ممن تزوج امرأة ممن جاءت منهم فتعطاه، و قال مسروق و مجاهد و قتادة: بل يعطى من الغنيمة. قال أبو جعفر:

و هذا التأويل على أن تذهب امرأته إلى أهل الحرب ممن لا ذمّة له. وَ اِتَّقُوا اَللََّهَ اَلَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ أي اتّقوه فيما أمركم به و نهاكم عنه.

يََا أَيُّهَا اَلنَّبِيُّ إِذََا جََاءَكَ اَلْمُؤْمِنََاتُ يُبََايِعْنَكَ في موضع نصب على الحال. عَلى‏ََ أَنْ لاََ يُشْرِكْنَ بِاللََّهِ شَيْئاً أي على ألا يعبدن معه غيره و لا يتّخذن من دونه إلها و يُشْرِكْنَ في موضع نصب بأن، و يجوز أن يكون في موضع رفع بمعنى على أنهنّ، و كذا وَ لاََ يَسْرِقْنَ وَ لاََ يَزْنِينَ وَ لاََ يَقْتُلْنَ أَوْلاََدَهُنَّ وَ لاََ يَأْتِينَ بِبُهْتََانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَ أَرْجُلِهِنَّ وَ لاََ يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ و هذا الفعل كله مبني فلذلك كان رفعه و نصبه و جزمه كله واحدا، و روى ابن أبي طلحة عن ابن عباس وَ لاََ يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ يقول: لا ينحن، و قال ابن زيد: لا يعصينك في كل ما تأمرهنّ به من الخير فَبََايِعْهُنَّ وَ اِسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اَللََّهَ إِنَّ اَللََّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ و لا يجوز إدغام الراء في اللام و يجوز الإخفاء، و هو الصحيح عن أبي عمرو، و يتوهّم من سمعه أنه إدغام.

يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لاََ تَتَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اَللََّهُ عَلَيْهِمْ قال ابن زيد: هم اليهود. قَدْ يَئِسُوا مِنَ اَلْآخِرَةِ كَمََا يَئِسَ اَلْكُفََّارُ (1) مِنْ أَصْحََابِ اَلْقُبُورِ قد ذكرناه. فمن أحسن ما قيل فيه، و هو معنى قول ابن زيد، و قد يئسوا من ثوب الآخرة لأنهم كفروا بالنبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم و جحدوا صفته، و هي مكتوبة عندهم، و قد وقفوا عليها، كما يئس الكفار الذين قد ماتوا من ثواب الآخرة أيضا، لأنهم قد كفروا و جحدوا لكفر هؤلاء.

____________

(1) انظر البحر المحيط 8/256 (قرأ ابن أبي الزناد «الكافر» على الإفراد، و الجمهور على الجمع) .

276

61 شرح إعراب سورة الصف‏

بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ

قال أبو جعفر: قوله سَبَّحَ لِلََّهِ مََا فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ مََا فِي اَلْأَرْضِ أي أذعن له و انقاد ما أراد جلّ و عزّ فهذا داخل فيه كل شي‏ء؛ لأن ما عامة في كلام العرب. وَ هُوَ اَلْعَزِيزُ في انتقامه ممن عصاه. اَلْحَكِيمُ في تدبيره.

لِمَ الأصل لما حذف الألف لاتصال الكلمة بما قبلها و أنه استفهام.

نصبت مَقْتاً على البيان و الفاعل مضمر في كبر أي كبر ذلك القول أَنْ تَقُولُوا مََا لاََ تَفْعَلُونَ «أن» في موضع رفع بالابتداء أو على إضمار مبتدأ و الذي يخرج من هذا ألاّ يقول أحد شيئا إلا ما يعتقد أن يفعله، و يقول: إن شاء اللّه لئلا يخترم دونه.

و المحبة منه جلّ و عزّ قبول العلم و الإثابة عليه. صَفًّا في موضع الحال قيل:

فدلّ بهذا على أن القتال في سبيل اللّه جلّ و عزّ و الإنسان راجلا أفضل منه راكبا.

كَأَنَّهُمْ بُنْيََانٌ مَرْصُوصٌ أي قد أحكم و أتقن فليس فيه شي‏ء يزيد على شي‏ء، و قيل:

مرصوص مبني بالرصاص.

وَ إِذْ قََالَ مُوسى‏ََ لِقَوْمِهِ أي و اذكر. يََا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي نداء مضاف و حذفت‏

277

الياء، لأن النداء موضع حذف. وَ قَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اَللََّهِ إِلَيْكُمْ و الأصل أنّني فَلَمََّا زََاغُوا أي مالوا عن الحقّ. أَزََاغَ اَللََّهُ قُلُوبَهُمْ مجازاة على فعلهم، و قيل: أزاغ قلوبهم عن الثواب. وَ اَللََّهُ لاََ يَهْدِي اَلْقَوْمَ اَلْفََاسِقِينَ أي لا يوفق للصواب من خرج من الإيمان إلى الكفر. روي عن سعد بن أبي وقاص رضي اللّه عنه و أبي أمامة أنّ هؤلاء هم الحرورية.

أي و اذكر هذا. مُصَدِّقاً لِمََا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ اَلتَّوْرََاةِ منصوب على الحال، و كذا وَ مُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اِسْمُهُ أَحْمَدُ هذه قراءة أهل المدينة و أبي عمرو و ابن كثير، و قراءة ابن محيصن و حمزة و الكسائي من بعد اسمه أحمد حذف الياء في الوصل لسكونها و سكون السين بعدها، و هو اختيار أبي عبيد، و احتج في حذفها بأنك إذا ابتدأت قلت:

اسمه فكسرت الهمزة. و هذا من الاحتجاج الذي لا يحصل منه معنى، و القول في هذا عند أهل العربية أن هذه ياء النفس فمن العرب من يفتحها و منهم من يسكّنها، قد قرئ بهاتين القراءتين، و ليس منهما إلاّ صواب غير أن الأكثر في ياء النفس إذا كان بعدها ساكن أن تحرّك لئلا تسقط و إذا كان بعدها متحرك أن تسكّن، و يجوز في كلّ واحدة منهما ما جاز في الأخرى. فَلَمََّا جََاءَهُمْ بِالْبَيِّنََاتِ أي فلما جاءهم أحمد بالبيّنات أي بالبراهين و الآيات الباهرة قََالُوا هََذََا سِحْرٌ مُبِينٌ (1) .

أي و من أشدّ ظلما ممّن قال لمن جاءه بالبيّنات هو ساحر، و هذا سحر مبين أي مبين لمن راه أنه سحر. وَ هُوَ يُدْعى‏ََ إِلَى اَلْإِسْلاََمِ و هو إذا دعي إلى الإسلام قال: هذا سحر مبين، و قراءة طلحة و هو يدّعي إلى الإسلام (2) وَ اَللََّهُ لاََ يَهْدِي اَلْقَوْمَ اَلظََّالِمِينَ و هم الذين يقولون في البيّنات هذا سحر مبين.

يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اَللََّهِ بِأَفْوََاهِهِمْ أي بقولهم هذا. وَ اَللََّهُ مُتِمُّ نُورِهِ أي مكمل الإسلام و معليه. هذه قراءة أهل المدينة و أبي عمرو و عاصم، و قرأ ابن كثير و الأعمش و حمزة و الكسائي متمّ نوره و الأصل التنوين و الحذف على التخفيف وَ لَوْ كَرِهَ اَلْكََافِرُونَ و حذف المفعول.

____________

(1) انظر تيسير الداني 83، و البحر المحيط 8/259.

(2) انظر المحتسب 2/321، و البحر المحيط 8/259.

278

قول أبي هريرة في هذا: أنه يكون إذا نزل المسيح صلّى اللّه عليه و سلّم و صار الدّين كلّه دين الإسلام.

قال قتادة: فلو لا أنه بيّن التجارة لطلبت قال: } تُؤْمِنُونَ بِاللََّهِ وَ رَسُولِهِ وَ تُجََاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اَللََّهِ بِأَمْوََالِكُمْ وَ أَنْفُسِكُمْ و كان أبو الحسن علي بن سليمان يذهب إلى هذا و يقول «تؤمنون» على عطف البيان الذي يشبه البدل، و حكى لنا عن محمد بن يزيد أن معنى «تؤمنون» آمنوا على جهة الإلزام. }قال أبو العباس: و الدليل على ذلك يَغْفِرْ لَكُمْ جزم لأنه جواب الأمر و عطف عليه وَ يُدْخِلْكُمْ جَنََّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا اَلْأَنْهََارُ .

فأما قول الأخفش سعيد: إنّ وَ أُخْرى‏ََ في موضع خفض على أنه معطوف على تجارة فهو يجوز، و أصحّ منه قول الفراء: إنّ «أخرى» في موضع رفع بمعنى و لكم أخرى يدلّ على ذلك نَصْرٌ مِنَ اَللََّهِ وَ فَتْحٌ قَرِيبٌ بالرفع و لم يخفضا و على قول الأخفش الرفع بإضمار مبتدأ وَ بَشِّرِ اَلْمُؤْمِنِينَ أي بالنصر و الفتح. و النصر في اللغة المعونة.

يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصََارَ اَللََّهِ قراءة أهل المدينة و أبي عمرو، و قرأ الكوفيون كُونُوا أَنْصََارَ اَللََّهِ بالإضافة و هو اختيار أبي عبيد و حجته في ذلك قََالَ اَلْحَوََارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصََارُ اَللََّهِ و لم يقولوا: أنصار اللّه. و هذه الحجة لا تلزم لأنها مختلفان لأن الأول كونوا ممن ينصرون اللّه فمعنى هذا النكرة فيجب أن يكون أنصارا للّه و إن كانت الإضافة فيه تجوز أي كونوا الذين يقال لهم: هذا، و الثاني معناه المعرفة. ألا ترى أنك إذا قلت: فلان ناصر للّه فمعناه ممن يفعل هذا، و إذا عرفته فمعناه المعروف بهذا، كما قال: [البسيط] 483-

هو الجواد الذي يعطيك نائله # حينا و يظلم أحيانا فيظّلم‏

(1)

____________

(1) الشاهد لزهير بن أبي سلمى في ديوانه 152، و سرّ صناعة الإعراب 1/219، و الكتاب 4/600، و سمط اللئالي ص 467، و شرح أبيات سيبويه 2/403، و شرح التصريح 2/391، و شرح شواهد الشافية 493، و شرح المفصّل 10/47، 149، و لسان العرب (ظلم) ، و المقاصد النحوية 4/582، و بلا نسبة في الخصائص 2/141، و شرح الأشموني 3/873، و شرح شافية ابن الحاجب 3/189، و لسان العرب (ظنن) .

279

فأما قول القتبي معنى مَنْ أَنْصََارِي إِلَى اَللََّهِ أي مع اللّه فلا يصحّ و لا يجوز: قمت إلى زيد مع زيد. قال أبو جعفر: و تقديره من يضم نصرته إياي إلى نصرة اللّه إياي فَآمَنَتْ طََائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرََائِيلَ وَ كَفَرَتْ طََائِفَةٌ قد بيّناه قال مجاهد: فَأَيَّدْنَا فقوّينا. قال إبراهيم النخعي في معنى فَأَيَّدْنَا اَلَّذِينَ آمَنُوا عَلى‏ََ عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظََاهِرِينَ أيّدهم اللّه محمد صلّى اللّه عليه و سلّم و تصديقه إياهم أن عيسى صلّى اللّه عليه و سلّم كلمة اللّه.

280

62 شرح إعراب سورة الجمعة

بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ

يُسَبِّحُ يكون للمستقبل و الحال. اَلْمَلِكِ اَلْقُدُّوسِ اَلْعَزِيزِ اَلْحَكِيمِ نعت. و فيه معنى المدح، و يجوز النصب في غير القرآن بمعنى أعني، و يجوز الرفع على إضمار مبتدأ، و يجوز على غير إضمار ترفعه بالابتداء و الذي الخبر، و قد يكون التقدير هو الملك القدوس‏} و يكون اَلَّذِي نعتا للملك فإذا خفضت كان هُوَ مرفوعا بالابتداء و اَلَّذِي خبره، و يجوز أن يكون «هو» مرفوعا على أنه توكيد لما في الحكيم و يكون «الذي» نعتا للحكيم بَعَثَ فِي اَلْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ داخل في الصلة يَتْلُوا عَلَيْهِمْ في موضع نصب أي تاليا عليهم نعت لرسول وَ يُزَكِّيهِمْ وَ يُعَلِّمُهُمُ اَلْكِتََابَ وَ اَلْحِكْمَةَ معنى يزكيهم يدعوهم إلى طاعة اللّه عزّ و جلّ فإذا أطاعوه فقد تزكّوا و زكّاهم وَ إِنْ كََانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلاََلٍ مُبِينٍ و يجوز إدغام اللام في اللام.

وَ آخَرِينَ مِنْهُمْ في موضع خفض؛ لأنه عطف على الأميين، و يجوز أن يكون في موضع نصب معطوفا على «هم» من يعلّمهم أو على «هم» من يزكيهم، و يجوز أن يكون معطوفا على معنى‏ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيََاتِهِ أي يعرّفهم بها لَمََّا يَلْحَقُوا بِهِمْ . قال ابن زيد:

أي لمن يأتي من العرب و العجم إلى يوم القيامة، و قال مجاهد: لمن ردفهم من الناس كلّهم. قال أبو جعفر: هذا أصحّ ما قيل به لأن الآية عامة و لمّا هي «لم» زيدت إليها «ما» توكيدا. قال سيبويه‏ (1) : «لمّا» جواب لمن قال: قد فعل، و «لم» جواب لمن قال:

____________

(1) انظر الكتاب 4/135.

281

فعل. قال أبو جعفر: إلاّ أن الجازم عند الجميع لم و لذلك حذفت النون. وَ هُوَ اَلْعَزِيزُ اَلْحَكِيمُ و من أسكن الهاء قال: الضمة ثقيلة و قد اتصل الكلام بما قبله.

ذََلِكَ فَضْلُ اَللََّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشََاءُ أي ذلك الذي أعطيه هؤلاء تفضل من اللّه جلّ و عزّ يؤتيه من يشاء. وَ اَللََّهُ ذُو اَلْفَضْلِ اَلْعَظِيمِ أي لا يذمّ في صرف من صرفه عنه، لأنه لم يمنعه حقّا له قبله و لا ظلمه بمنعه إياه و لكنه علم أن غيره أولى به منه فصرفه إليه.

مَثَلُ اَلَّذِينَ حُمِّلُوا اَلتَّوْرََاةَ أي حملوا القيام بها و الانتهاء إلى ما فيها. ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهََا أي لم يفعلوا ذلك كَمَثَلِ اَلْحِمََارِ يَحْمِلُ أَسْفََاراً «يحمل» في موضع نصب على الحال أي حاملا فإن قيل: فكيف جاز هذا و لا يقال: جاءني غلام هند مسرعة؟فالجواب أنّ المعنى مثلهم مثل الّذين حملوا التوراة، و زعم الكوفيون أنّ يحمل صلة للحمار، لأنه بمنزلة النكرة و هم يسمون نعت النكرة صلة ثمّ نقضوا هذا فقالوا: المعنى كمثل الحمار حاملا أسفارا. بِئْسَ مَثَلُ اَلْقَوْمِ اَلَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيََاتِ اَللََّهِ أي هذا المثل ثم حذف هذا، لأنه قد تقدم ذكره. وَ اَللََّهُ لاََ يَهْدِي اَلْقَوْمَ اَلظََّالِمِينَ المعنى لا يوفقّهم و لا يرشدهم إذ كان في علمه أنّهم لا يؤمنون، و قيل: لا يهديهم إلى الثواب.

قُلْ يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ هََادُوا يقال: هاد يهود إذا تاب و إذا رجع. إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيََاءُ لِلََّهِ مِنْ دُونِ اَلنََّاسِ أي سواكم فَتَمَنَّوُا اَلْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صََادِقِينَ أي إن كنتم صادقين أنكم أولياء فإنه لا يعذّب أولياءه فتمنّوه لتستريحوا من كرب الدنيا و همّها و غمّها و تصيروا إلى روح الجنة.

وَ لاََ يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً فكان حقا كما قال جلّ و عزّ و كفّوا عن ذلك. بِمََا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ أي من الآثام. وَ اَللََّهُ عَلِيمٌ بِالظََّالِمِينَ أي ذو علم بمن ظلم نفسه فأوبقها و أهلكها بالكفر.

282

قُلْ إِنَّ اَلْمَوْتَ اَلَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ أي تأبون أن تتمنوه. اَلَّذِي في موضع نصب نعت للموت. فَإِنَّهُ مُلاََقِيكُمْ خبر إن و جاز أن تدخل الفاء و لا يجوز: إنّ أخاك فمنطلق لأن في الكلام معنى الجزاء، و أجاز الكوفيون‏ (1) : إنّ ضاربك فظالم؛ لأن في الكلام معنى الجزاء عندهم، و فيه قول أخر و يكون الذي تفرون منه خبر إن الموت هو الذي تفرون منه ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلى‏ََ عََالِمِ اَلْغَيْبِ وَ اَلشَّهََادَةِ عطف جملة على جملة فَيُنَبِّئُكُمْ بِمََا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ عطف على تردون.

و قرأ الأعمش اَلْجُمُعَةِ (2) بإسكان الميم و لغة بني عقيل «من يوم الجمعة» بفتح الميم فمن قرأ اَلْجُمُعَةِ (3) قدّره تقديرات منها أن يكون الأصل الجمعة ثمّ حذف الضمة لثقلها، و يجوز أن تكون هذه لغة بمعنى تلك، و جواب ثالث يكون مسكنا لأن التجميع فيه فهو يشبه المفعول به كما يقال: رجل هزأة أي يهزأ به و لحنة أي يلحن و من قال: اَلْجُمُعَةِ نسب الفعل إليها أي يجمع للناس، كما يقال: رجل لحنة أي يلحّن الناس و قراء أي يقرئ الناس. فَاسْعَوْا إِلى‏ََ ذِكْرِ اَللََّهِ قال قتادة: أي بقلوبكم و أعمالكم أي امضوا وَ ذَرُوا اَلْبَيْعَ و لا يقال في الماضي: و ذر. قال سيبويه‏ (4) : استغنوا عنه بترك، و قال غيره: لأن الواو ثقيلة فعدّلوا إلى ترك؛ لأن معناه ذََلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ أي السعي إلى ذكر اللّه. قال سعيد بن المسيب: و هي الخطبة خير لكم من البيع و الشراء.

قال الضحّاك: إذا زالت الشمس حرم البيع و الشراء، و قال غيره: ظاهر القرآن يدلّ على أن ذلك إذا أذّن المؤذّن و الإمام على المنبر. إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ما فيه منفعتكم و مضرتكم.

أي صلاة الجمعة. فَانْتَشِرُوا فِي اَلْأَرْضِ أي أن شئتم يدلّ على ذلك ما قبله، و إن أهل التفسير قالوا: هو إباحة و في الحديث عن أنس بن مالك مرفوعا فَانْتَشِرُوا فِي اَلْأَرْضِ وَ اِبْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اَللََّهِ قال أبو جعفر: لعيادة مريض أو شهود جنازة أو زيارة أي في اللّه.

____________

(1) انظر معاني الفراء 3/156.

(2) و هذه قراءة أبي عمرو و زيد بن علي أيضا، و هي لغة تميم، انظر البحر المحيط 8/264.

(3) هذه قراءة الجمهور بضم الميم، انظر البحر المحيط 8/264.

(4) انظر الكتاب 4/226.

283

و ظاهر الآية يدلّ على إباحة الانتشار في الأرض لطلب رزق في الدنيا أو ثواب في الآخرة. وَ اُذْكُرُوا اَللََّهَ كَثِيراً أي لما عليكم و وفّقكم لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ أي تدخلون الجنة فتقيمون فيها، و الفلاح البقاء.

وَ إِذََا رَأَوْا تِجََارَةً أَوْ لَهْواً اِنْفَضُّوا إِلَيْهََا اختلف العلماء في اللهو هاهنا، فروى سليمان بن بلال عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر قال: كانت المرأة إذا أنكحت حرّكت لها المزامير فابتدر الناس إليها فأنزل اللّه جلّ و عزّ هذا. و قال مجاهد: اللهو الطبل. قال أبو جعفر: و القول الأول أولى بالصواب؛ لأن جابرا مشاهد للتنزيل، و مال الفرّاء (1) إلى القول الثاني لأنهم فيما ذكر كانوا إذا وافت تجارة ضربوا لها بطبل، فبدر الناس إليها. و كان الفرّاء يعتمد في كتابه في المعاني على الكلبيّ و الكلبي متروك الحديث. فأما قوله جلّ و عزّ اِنْفَضُّوا إِلَيْهََا و لم يقل: إليهما فتقديره على قول محمد بن يزيد و إذا رأوا تجارة انفضوا إليها ثمّ عطف الثاني على الأول فدخل فيما دخل فيه. و زعم الفرّاء (2) أن الاختيار أن يعود الضمير على الثاني، و لو كان كما قال فكان انفضوا إليه، و لكنه يحتجّ في هذا بأن المقصود التجارة. و هذا كله جائز أن يعود على الأول أو على الثاني أو عليهما. قال جلّ و عزّ وَ مَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً [النساء: 112]فعاد الضمير على الثاني، و قال جلّ و عزّ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً فَاللََّهُ أَوْلى‏ََ بِهِمََا [النساء: 135]فعاد عليهما جميعا وَ تَرَكُوكَ قََائِماً نصب على الحال أي قائما تخطب. قُلْ مََا عِنْدَ اَللََّهِ خَيْرٌ مِنَ اَللَّهْوِ وَ مِنَ اَلتِّجََارَةِ أي ما عنده من الثواب.

وَ اَللََّهُ خَيْرُ اَلرََّازِقِينَ أي فإيّاه فاسألوا و إليه فارغبوا أن يوسّع عليكم.

____________

(1) انظر معاني الفراء 3/157.

(2) انظر معاني الفراء 3/157.

284

63 شرح إعراب سورة المنافقين‏

بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ

إِذََا في موضع نصب بجاءك إلا أنها غير معربة لتنقّلها و في اخرها ألف، و الألف لا تحرّك، و جواب إذا قََالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اَللََّهِ كسرت «إن» لدخول اللام و انقطع الكلام فصارت إنّ مبتدأة فكسرت وَ اَللََّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَ اَللََّهُ يَشْهَدُ إِنَّ اَلْمُنََافِقِينَ لَكََاذِبُونَ و أعيد اسم اللّه تعالى ظاهرا؛ لأن ذلك أفخم قيل: أكذبهم اللّه جلّ و عزّ في ضميرهم. و من أصحّ ما قيل في ذلك أنّهم أخبروا أنّ أنفسهم تعتقد الإيمان و هم كاذبون فأكذبهم اللّه.

اِتَّخَذُوا أَيْمََانَهُمْ جُنَّةً قال الضّحاك: هو حلفهم باللّه أنّهم لمنكم، و قال قتادة: جنّة إنّهم يعصمون به دماءهم و أموالهم، و قرأ الحسن اِتَّخَذُوا أَيْمََانَهُمْ (1) أي تصديقهم سترة يستترون به كما يستتر بالجنّة في الحرب فامتنع من قتلهم و سبي ذراريهم لأنهم أظهروا الإيمان فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اَللََّهِ يجوز أن يكون المفعول محذوفا أي صدّوا الناس، و يجوز أن يكون الفعل لازما أي أعرضوا عن سبيل اللّه أي دينه الذي ارتضاه و شريعته التي بعث بها نبيّه صلّى اللّه عليه و سلّم إِنَّهُمْ سََاءَ مََا كََانُوا يَعْمَلُونَ من حلفهم على الكذب و نفاقهم، و «ما» في موضع رفع على قول سيبويه أي ساء الشي‏ء و في موضع نصب على قول الأخفش أي ساء شيئا يعملون.

____________

(1) انظر البحر المحيط 8/267 (قرأ الجمهور «أيمانهم» بفتح الهمزة، و الحسن بكسرها مصدر أمن) .

285

ذََلِكَ في موضع رفع أي ذلك الحلف و النفاق من أجل أنهم. آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فطبع على قلوبهم، و يجوز إدغام العين في العين، و ترك الأدغام أجود لبعد مخرج العين فَهُمْ لاََ يَفْقَهُونَ حقّا من باطل و لا صوابا من خطأ لغلبة الهوى عليهم.

وَ إِذََا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسََامُهُمْ و أجاز النحويون جميعا الجزم بإذا و ان تجعل بمنزلة حروف المجازاة لأنها لا تقع إلاّ على فعل و هي تحتاج إلى جواب و هكذا حروف المجازاة، و أنشد الفرّاء: [الكامل‏] 484-

و استغن ما أغناك ربّك بالغنى # و إذا تصبك خصاصة فتجمّل‏

(1)

و أنشد الآخر: [البسيط] 485-

نارا إذا ما خبت نيرانهم تقد

(2)

و الاختيار عند الخليل و سيبويه و الفرّاء (3) أن لا يجزم بإذا لأن ما بعدها موقت فخالفت حروف المجازاة في هذا، كما قال: [الكامل‏] 486-

و إذا تكون شديدة أدعى لها # و إذا يحاس الحيس يدعى جندب‏

(4)

وَ إِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ لأن منطقهم كمنطق أهل الإيمان كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ أي لا يفهمون و لا عندهم فقه و لا علم، فهم كالخشب، و هذه قراءة أبي جعفر و شيبة و نافع و عاصم و حمزة، و قرأ أبو عمرو و الأعمش و الكسائي خشب (5) بإسكان الشين و إليه يميل أبو عبيد، و زعم أنه لا يعرف فعلة تجمع على فعل بضم الفاء و العين. قال أبو جعفر: و هذا غلط و طعن على ما روته الجماعة و ليس يخلو ذلك من إحدى جهتين إمّا أن يكون خشب جمع خشبة كقولهم: ثمرة و ثمر فيكون غير ما قال من جمع فعلة على فعل، أو يكون كما قال حذّاق النحويين خشبة و خشاب مثل جفنة و جفان و خشاب

____________

(1) مرّ الشاهد رقم (103) .

(2) الشاهد لعبد قيس بن خفاف الدرر 3/102، و شرح اختيارات المفضّل ص 1558، و شرح شواهد المغني 1/271، و لسان العرب (كرب) و المقاصد النحوية 2/203، و لحارثة بن بدر الغداني في أمالي المرتضى 1/383، و بلا نسبة في الأشباه و النظائر 1/335، و شرح الأشموني 3/583، و شرح عمدة الحافظ 374، و مغني 1/93، و همع الهوامع 1/206.

(3) انظر معاني الفراء 3/158.

(4) الشاهد لابن أحمر الكناني في الأزهية ص 185، و لسان العرب (حيس) ، و تاج العروس (حيس) ، و بلا نسبة في شرح المفضل 2/110، و كتاب اللامات ص 106، و تاج العروس (حيس) .

(5) انظر تيسير الداني 171.

286

و خشب مثل حمار و حمر أيضا فقد سمع أكمة و أكم و أكم و أجمة و أجم. فأما خشب فقد يجوز أن يكون الأصل فيه خشبا حذفت الضمة لثقلها، و يجوز و هو أجود أن يكون مثل أسد و أسد في المذكر. قال سيبويه و مثل خشبة و خشب بدنة و بدن و مثل مذكّرة وثن و وثن قال: و هي قراءة، و أحسب من تأول على سيبويه، و هي قراءة يعني «كأنّهم خشب» لأن قوله: و هي قراءة تضعيف لها و لكنه يريد فيما يقال: «إن تدعون من دونه إلاّ وثنا» فهذه قراءة شاذة تروى عن ابن عباس يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ أي لجبنهم و قلة يقينهم و إنهم يبطنون الكفر كلما نزل الوحي فزعوا أن يكونوا قد فضحوا. هُمُ اَلْعَدُوُّ لأن ألسنتهم معكم و قلوبهم مع الكفار فهم عين لهم و عدو بمعنى أعداء. فَاحْذَرْهُمْ قََاتَلَهُمُ اَللََّهُ أي عاقبهم فأهلكهم فصاروا بمنزلة من قتل. أَنََّى يُؤْفَكُونَ أي من أين يصرفون عن الحق بعد ظهور البراهين.

وَ إِذََا قِيلَ لَهُمْ تَعََالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اَللََّهِ هذا على إعمال الفعل الثاني كما تقول:

أقبل يكلمك زيد فإن أعملت الأول قلت أقبل يكلمك إلى زيد، و تعالوا يستغفر لكم إلى رسول اللّه لَوَّوْا رُؤُسَهُمْ يكون للقليل و لوّوا على التكثير. وَ رَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ في موضع الحال. وَ هُمْ مُسْتَكْبِرُونَ أي معرضون عن المصير إلى النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم ليستغفر لهم.

سَوََاءٌ عَلَيْهِمْ رفع بالابتداء: أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ في موضع الخبر، و المعنى الاستغفار و تركه. لَنْ يَغْفِرَ اَللََّهُ لَهُمْ لأنهم كفار و إنّما استغفر لهم النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم لأن ظاهرهم الإسلام فمعنى استغفاره لهم اللّهم اغفر لهم إن كانوا مؤمنين إِنَّ اَللََّهَ لاََ يَهْدِي اَلْقَوْمَ اَلْفََاسِقِينَ قيل: أي لا يوفّقهم، و قيل: لا يهديهم إلى الثواب و الجنّة.

يَنْفَضُّوا أي يتفرقوا. قال قتادة: الذي قال هذا عبد اللّه بن أبيّ، قال: لو لا أنكم تنفقون عليهم لتركوه و خلّوا عنه. قال أبو الحسن علي بن سليمان: «هم» كناية عنهم و عن من قال بقوله. قال أبو جعفر: و هذا أحسن من قوله من قال «هم» كناية عن واحد. وَ لِلََّهِ خَزََائِنُ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ أي بيده مفاتيح خزائن السماوات و الأرض فلا

287

يعطي أحد أحدا شيئا إلا بإذنه و لا يمنعه إلا بمشيئته. وَ لََكِنَّ اَلْمُنََافِقِينَ لاََ يَفْقَهُونَ أن ذلك كذا، فلهذا يقولون: لا تنفقوا على من عند رسول اللّه حتّى ينفضوا.

يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنََا إِلَى اَلْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ اَلْأَعَزُّ مِنْهَا اَلْأَذَلَّ و حكى الكسائي و الفرّاء (1)

أنه يقرأ لنخرجنّ الأعزّ منها الأذلّ (2) بالنون و أن ذلك بمعنى لنخرجنّ الأعز منها ذليلا، و حكى الفرّاء: ليخرجنّ الأعزّ منها الأذلّ، بمعنى ذليلا أيضا و أكثر النحويين لا يجيز أن تكون الحال بالألف و اللام غير أن يونس أجاز: مررت به المسكين، و حكى سيبويه‏ (3) : دخلوا الأوّل فالأوّل، و هي أشياء لا يجوز أن يحمل القرآن عليها إلاّ أن علي بن سليمان قال: يجوز أن يكون «ليخرجنّ» تعمل عمل لتكونن فيكون خبره معرفة، و الأعز و العزيز واحد أي القوي الأمين المنيع كما قال: [الطويل‏] 487-

إذا ابتدر القوم السّلاح وجدتني # عزيزا إذا بلّت بقائمة يدي‏

(4)

و يروى «منيعا» و المعنى واحد. وَ لِلََّهِ اَلْعِزَّةُ وَ لِرَسُولِهِ وَ لِلْمُؤْمِنِينَ وَ لََكِنَّ اَلْمُنََافِقِينَ لاََ يَعْلَمُونَ أي فكذلك قالوا هذا.

أي لا توجب لكم اللهو كأنّه من ألهيته فلهي، كما قال: [الطويل‏] 488-

و مثلك حبلى قد طرقت و مرضع # فألهيتها عن ذي تمائم محول‏

(5)

وَ مَنْ يَفْعَلْ ذََلِكَ فَأُولََئِكَ هُمُ اَلْخََاسِرُونَ أي المغبونون الرحمة و الثواب.

وَ أَنْفِقُوا مِنْ مََا رَزَقْنََاكُمْ قيل: دلّ بهذا على أنه لا يقال رزقه اللّه جلّ و عزّ إلاّ

____________

(1) انظر معاني الفراء 3/160.

(2) انظر البحر المحيط 8/270.

(3) انظر الكتاب 1/466.

(4) الشاهد لطرفة بن العبد في ديوانه ص 38، و كتاب العين 8/319، و تاج العروس (بلل) و أساس البلاغة (بلل) .

(5) مرّ الشاهد رقم (385) .

288

الحلال مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ اَلْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْ لاََ أَخَّرْتَنِي إِلى‏ََ أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ جواب وَ أَكُنْ مِنَ اَلصََّالِحِينَ عطف على موضع الفاء لا على ما بعد الفاء، و قرأ الحسن و ابن محيصن و أبو عمرو و أكون (1) بالنصب عطفا على ما بعد الفاء و قد حكي أنّ ذلك في قراءة أبيّ و ابن مسعود كذا و أكون إلاّ أنه مخالف للسواد الذي قامت به الحجّة، و قد احتج بعضهم فقال: الواو تحذف من مثل هذا كما يقال: «كلمن» فتكتب بغير واو.

و حكي عن محمد بن يزيد معارضة هذا القول بأن الدليل على أنه ليس بصحيح أنّ كتب المصحف في نظيره على غير ذلك نحو يكون و تكون و نكون كلها بالواو في موضع الرفع و النصب و لا يجوز غير ذلك، و قال غيره: حكم «كلمن» غير هذا لأنه إنما حذف منه الواو لأنهم إنما أرادوا أن يروا أن صورة الواو متصلة فلما تقدّمت في «هوّز» لم تحتج إلى إعادتها و كذلك لم يكتبوها في قولهم «أبجد» فأما في الكلام فلا يجوز من هذا شي‏ء، و لا يحتاج إليه لأن العطف على الموضع موجود في كلام العرب كثير. قال سيبويه: لو لم تكن الفاء لكان مجزوما يعني لأنه جواب الاستفهام الذي فيه معنى التمني، كما قال أنشد غير سيبويه: [الوافر] 489-

فأبلوني بليّتكم لعلّي # أصالحكم و أستدرج نويّا

(2)

و أنشد سيبويه في العطف على الموضع: [الطويل‏] 490-

فإن لم تجد من دون عدنان والدا # و دون معدّ فلتزعك العواذل‏

(3)

لأن معنى من دون عدنان دون عدنان، و أنشد: [الوافر] 491-

معاوي إنّنا بشر فأسجح # فلسنا بالجبال و لا الحديدا

(4)

____________

(1) انظر تيسير الداني 171، و البحر المحيط 8/270.

(2) الشاهد لأبي دؤاد الإيادي في ديوانه 350، و الخصائص 1/176، و سرّ صناعة الإعراب 2/701، و شرح شواهد المغني 2/839، و للهذليّ في مغني اللبيب 2/477، و بلا نسبة في لسان العرب (علل) ، و مغني اللبيب 2/423.

(3) الشاهد للبيد بن ربيعة في ديوانه ص 255، و الكتاب 1/114، و أمالي المرتضى 1/171، و خزانة الأدب 2/252، و سرّ صناعة الإعراب 1/131، و شرح أبيات سيبويه 1/22، و شرح شواهد المغني 1/ 151، و المعاني الكبير (1211) ، و المقاصد النحوية 1/8، و المقتضب 4/152، و بلا نسبة في رصف المباني ص 82، و شرح التصريح 1/288، و شرح شواهد المغني 2/866، و المحتسب 2/43، و مغني اللبيب 2/472.

(4) الشاهد لعقبة أو لعقيبة الأسدي في الكتاب 1/113، و الإنصاف 1/332، و خزانة الأدب 2/260، و سرّ صناعة الإعراب 1/131، و سمط اللآلي ص 148، و شرح أبيات سيبويه 300، و شرح شواهد المغني 2/870، و لسان العرب (غمز) ، و لعمر بن أبي ربيعة في الأزمنة و الأمكنة 2/317، و بلا نسبة في الأشباه و النظائر 4/313، و أمالي ابن الحاجب ص 160، و رصف المباني 122.

289

و كذا قوله: [الكامل‏] 492-

لا أمّ لي إن كان ذاك و لا أب‏

(1)

و كذا قوله: [السريع‏] 493-

لا نسب اليوم و لا خلّة # اتّسع الخرق على الرّاقع‏

(2)

على الموضع و إن جئت به على اللفظ قلت و لا خلّة و مثله من القرآن‏ مَنْ يُضْلِلِ اَللََّهُ فَلاََ هََادِيَ لَهُ وَ يَذَرُهُمْ [الأعراف: 186]على موضع الفاء و بالرفع على ما بعد الفاء، و أصل فأصّدّق فأتصدق أدغمت التاء في الصاد، و حسن ذلك؛ لأنهما في كلمة واحدة و لتقاربهما، و روى الضحّاك عن ابن عباس «فأصّدّق» و أزكّي وَ أَكُنْ مِنَ اَلصََّالِحِينَ أحجّ، و قال غيره: أكن من الصالحين أؤدي الفرائض و أجتنب المحارم، و التقدير: و أكن صالحا من الصالحين.

وَ لَنْ يُؤَخِّرَ اَللََّهُ نَفْساً إِذََا جََاءَ أَجَلُهََا نصب بلن عند سيبويه و عند الخليل الأصل «لا أن» و حكي عنه لا ينتصب فعل إلاّ بأن مضمرة أو مظهرة، و ردّ سيبويه ذلك بأنه يجوز:

زيدا لن أضرب، و لا يجوز: زيدا يعجبني أن تضرب، لأنه داخل في الصلة فلا يتقدّم.

قال أبو جعفر: و سمعت علي بن سليمان يقول: لا يجوز عندي: زيدا لن أضرب؛ لأن «لن» لا يتصرّف فلا يتقدم عليها ما كان من سبب ما عملت فيه كما لا يجوز: زيدا إنّ عمرا يضرب، و كذا «لم» عنده، و حكيت هذا لأبي إسحاق فأنكره و قال: لم يقل هذا أحد، و زعم أبو عبيدة أن من العرب من يجزم بلن و هذا لا يعرف. يُؤَخِّرَ مهموز لأن أصله من أخّر و تكتب الهمزة واوا و إن كانت مفتوحة لعلتين إحداهما أن قبلها ضمة و الضمة أغلب لقوتها، و الأخرى أنه لا يجوز أن تكتب ألفا لأن الألف لا ينون قبلها إلا مفتوحا، و من خفّف الهمزة قلبها واوا فقال: يؤخّر، فإن قيل: لم لا تجعل بين بين؟ فالجواب أنها لو جعلت بين بين نحي بها نحو الألف فكان ذلك خطأ؛ لأن الألف لا

____________

(1) الشاهد لرجل من بني مذحج في الكتاب 2/302، و لضمرة بن جابر في خزانة الأدب 2/38، و هو لرجل من مذحج أو لضمرة بن ضمرة أو لهمام أخي جساس ابني مرّة في تخليص الشواهد 405، و هو لهنيّ بن أحمر أو لزرافة الباهلي في لسان العرب (حيس) ، و لابن أحمر في المؤتلف و المختلف ص 38، و المقاصد النحوية 2/339، و لهمام بن مرّة في الحماسة الشجرية 1/256، و بلا نسبة في جواهر الأدب 241، و الأشباه و النظائر 4/162، و أمالي ابن الحاجب 593، و أوضح المسالك 2/16، و صدره:

«هذا لعمركم الصّغار بعينه»

(2) مرّ الشاهد رقم (40) .

290

يكون ما قبلها إلا مفتوحا إِذََا جََاءَ أَجَلُهََا على تحقيق الهمزتين، فإن شئت خفّفت، و أبو عمرو يحذف للدلالة لما كانت حركتهما واحدة و كانت الهمزة مستقلة. وَ اَللََّهُ خَبِيرٌ بِمََا تَعْمَلُونَ أي ذو خبرة بعملكم، فهو يحصيه عليكم و ليجازيكم عليه. و هذا ترتيب الكلام أن يكون الخافض و المخفوض طرفا لأنهما تبيين فإن تقدم من ذلك شي‏ء فهو ينوى به التأخير و لهذا أجمع النحويون أنه لا يجوز: لبست ألينها من الثياب؛ لأن الخافض و المخفوض متأخران في موضعهما فلا يجوز أن ينوى بهما التقديم، و تصحيح المسألة لبس من الثياب ألينها، فإن قدرت «ما» بمعنى الذي فالهاء محذوفة أي خبير بما تعملونه. حذفت لطول الاسم، و إن قدّرت «ما» بمعنى المصدر لم تحتج إلى حذف أي و اللّه ذو خبرة بعملكم.

291

64 شرح إعراب سورة التغابن‏

بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ

يُسَبِّحُ لِلََّهِ مََا فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ مََا فِي اَلْأَرْضِ يكون هذا تمام الكلام، و قد يكون متصلا و يكون له ما في السموات، و يكون لَهُ اَلْمُلْكُ وَ لَهُ اَلْحَمْدُ في موضع الحال أي سلطانه و أمره و قضاؤه نافذ فيهما. وَ هُوَ عَلى‏ََ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ أي ذو قدرة على ما يشاء يخلق ما يشاء و يحيي و يميت و يعزّ و يذلّ لا يعجزه شي‏ء لأنه ذو القدرة التامة.

هُوَ اَلَّذِي خَلَقَكُمْ إن شئت أدغمت القاف في الكاف فَمِنْكُمْ كََافِرٌ وَ مِنْكُمْ مُؤْمِنٌ أي مصدّق يوقن أنه خالقه و إلهه لا إله له غيره وَ اَللََّهُ بِمََا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ أي عالم بأعمالكم فلا تخالفوا أمره و نهيه فيسطو بكم.

خَلَقَ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضَ أي بالعدل و الإنصاف. وَ صَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ و عن أبي رزين صَوَّرَكُمْ شبّه فعلة بفعلة كما أنّ فعلة تشبه بفعلة قالوا: كسوة و كسى و رشوة و رشى و لحية و لحى أكثر، و قالوا: قوّة و قوى. قال أبو جعفر و هذا لمجانسة الضمة الكسرة وَ إِلَيْهِ اَلْمَصِيرُ أي مصير جميعكم فيجازيكم على أفعالكم.

يَعْلَمُ مََا فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ و يجوز إدغام الميم في الميم، و كذا وَ يَعْلَمُ مََا تُسِرُّونَ وَ مََا تُعْلِنُونَ و المعنى: و يعلم ما تسرّونه و ما تعلنونه بينكم من قول و فعل وَ اَللََّهُ عَلِيمٌ بِذََاتِ اَلصُّدُورِ أي عالم بضمائر صدوركم و ما تنطوي عليه نفوسكم الذي هو أخفى من السرّ.

292

أَ لَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ اَلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ الأصل يأتيكم حذفت الياء للجزم، و من قال: ألم يأتيك الأصل عنده يأتيك فحذفت الضمة للجزم إلاّ أن اللغة الفصيحة الأولى. قال سيبويه: و اعلم أن الآخر إذا كان يسكن في الرفع حذف في الجزم. قال أبو جعفر:

و سمعت أبا إسحاق يقول: قرأنا على محمد بن يزيد و اعلم أن الآخر إذا كان يسكن في الرفع و الجر حذف في الجزم لئلا يكون الجزم بمنزلة الرفع و الجر فَذََاقُوا وَبََالَ أَمْرِهِمْ أي مستهم العقوبة بكفرهم وَ لَهُمْ عَذََابٌ أَلِيمٌ أي في الآخرة.

ذََلِكَ بِأَنَّهُ الهاء كناية عن الحديث و ما بعده مفسّر له خبر عن أنّ كََانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنََاتِ أي بالحجج و البراهين فَقََالُوا أَ بَشَرٌ يَهْدُونَنََا فقال: يهدوننا، و لفظ بشر واحد. تكلّم النحويون في نظير هذا فقال بعضهم: يهدوننا على المعنى و يهدينا على اللفظ، و قال المازني: و ذكر عللا في مسائل في النحو منها أن النحويين أجازوا أن يقال: جاءني ثلاثة نفر، و ثلاثة رهط، و هما اسمان للجميع و لم يجيزوا جاءني ثلاثة قوم و لا ثلاثة بشر، و هما عند بعض النحويين اسمان للجميع فقال المازني: إنما جاز جاءني ثلاثة نفر و ثلاثة رهط لأن نفرا و رهطا لأقل العدد فوقع في موقعه. و بشر للعدد الكثير و قوم للقليل و الكثير، فلذلك لم يجز فيهما هذا و خالفه محمد بن يزيد في اعتلاله في بشر و وافقه في غير فقال: بشر يكون للواحد و الجميع. قال اللّه جلّ و عزّ:

مََا هََذََا بَشَراً [يوسف: 31]قال: فلذلك لم يجز جاءني ثلاثة بشر فَكَفَرُوا أي جحدوا أنبياء اللّه جلّ و عزّ و آياته وَ تَوَلَّوْا أي أدبروا عن الإيمان وَ اِسْتَغْنَى اَللََّهُ عن إيمانهم وَ اَللََّهُ غَنِيٌّ عن جميع خلقه حَمِيدٌ أي محمود عندهم بما يعرفونه من نعمه و تفضّله.

أَنْ و ما بعدها تقوم مقام مفعولين قُلْ بَلى‏ََ وَ رَبِّي لَتُبْعَثُنَّ من قبوركم ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمََا عَمِلْتُمْ أي تخبرون به و تحاسبون عليه وَ ذََلِكَ عَلَى اَللََّهِ يَسِيرٌ أي سهل؛ لأنه لا يعجزه شي‏ء.

فَآمِنُوا بِاللََّهِ وَ رَسُولِهِ وَ اَلنُّورِ اَلَّذِي أَنْزَلْنََا أي القرآن. وَ اَللََّهُ بِمََا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ مبتدأ و خبره.

293

يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ اَلْجَمْعِ العامل في يوم لتنبّؤنّ و الضمير الذي في يجمعكم يعود على اسم اللّه، و لا يجوز أن يعود على اليوم لو قلت: جئت يوم يوافقك، لم يجز، لا يضاف اليوم إلى فعل يعود عليه منه ضمير لعلّة ليس هذا موضع ذكرها ذََلِكَ يَوْمُ اَلتَّغََابُنِ مبتدأ و خبره، و يجوز في غير القرآن نصب يوم على الظرف وَ مَنْ يُؤْمِنْ بِاللََّهِ وَ يَعْمَلْ صََالِحاً معطوف، و يجوز رفع و يعمل على أنه في موضع الحال يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئََاتِهِ أي نمحو عنه سيّئاته وَ يُدْخِلْهُ جَنََّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا اَلْأَنْهََارُ خََالِدِينَ فِيهََا نصب على الحال أَبَداً على الظرف ذََلِكَ اَلْفَوْزُ اَلْعَظِيمُ مبتدأ و خبره و الفوز النجاء.

وَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا وَ كَذَّبُوا بِآيََاتِنََا أي بدلائلنا و حججنا و أي كتابنا وَ اَلَّذِينَ رفع بالابتداء أُولََئِكَ مبتدأ ثان أَصْحََابُ اَلنََّارِ خبر الثاني و الجملة خبر الذين خََالِدِينَ فِيهََا على الحال وَ بِئْسَ اَلْمَصِيرُ رفع ببئس المصير مصيرهم إلى النار.

مََا أَصََابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلاََّ بِإِذْنِ اَللََّهِ ما هاهنا نفي لا موضع له من الإعراب وَ مَنْ يُؤْمِنْ بِاللََّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ و قراءة عكرمة يَهْدِ قَلْبَهُ (1) بفتح الدال و رفع قلبه على أن الأصل فيه يهدى قلبه أي يسكّن فأبدل من الهمزة ألفا ثمّ حذفها للجزم، كما قال: [الطويل‏] 494-

سريعا و إلاّ يبد بالظّلم يظلم‏

(2)

وَ اَللََّهُ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عَلِيمٌ أي بما كان و بما هو كائن.

وَ أَطِيعُوا اَللََّهَ أي فيما أمركم به و نهاكم عنه اَلرَّسُولَ عطف فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ أي أدبرتم و استكبرتم عن طاعته و عصيتموه فَإِنَّمََا عَلى‏ََ رَسُولِنَا اَلْبَلاََغُ اَلْمُبِينُ أي أن يبلّغ و المحاسبة و العقوبة إلى اللّه جلّ و عزّ.

____________

(1) انظر البحر المحيط 8/275.

(2) مرّ الشاهد رقم (16) .

294

اَللََّهُ لاََ إِلََهَ إِلاََّ هُوَ أي لا تصلح الألوهية إلاّ له وَ عَلَى اَللََّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ اَلْمُؤْمِنُونَ أمر، و الأصل كسر اللام.

عَدُوًّا اسم «إنّ» و عدوّ يكون بمعنى أعداء. قيل: أي يأمرونكم بالمعاصي و ينهونكم عن الطاعة، و هذا أشد العداوة. فَاحْذَرُوهُمْ أي أن تقبلوا منهم وَ إِنْ تَعْفُوا حذفت النون للجزم وَ تَصْفَحُوا عطف عليه، و كذا وَ تَغْفِرُوا أي إن تعفوا عما سلف منهم، و تصفحوا عن عقوبتهم و تغفروا ذنوبهم من غير ذلك. فَإِنَّ اَللََّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ أي لمن تاب رحيم أي يعذبه بعد التوبة.

إِنَّمََا أَمْوََالُكُمْ وَ أَوْلاََدُكُمْ فِتْنَةٌ قال قتادة: أي بلاء، روى ابن زيد عن أبيه قال: كان النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم يخطب فرأى الحسن و الحسين يعبران فنزل من على المنبر و ضمّهما إليه و تلا إِنَّمََا أَمْوََالُكُمْ وَ أَوْلاََدُكُمْ فِتْنَةٌ قال قتادة: وَ اَللََّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ أي الجنة.

فَاتَّقُوا اَللََّهَ مَا اِسْتَطَعْتُمْ «ما» في موضع نصب أي فاتقوا اللّه قدر ما استطعتم أي قدر استطاعتكم مثل‏ وَ سْئَلِ اَلْقَرْيَةَ [يوسف: 82]و قول قتادة إنّ هذه الآية ناسخة لقوله جلّ و عزّ: اِتَّقُوا اَللََّهَ حَقَّ تُقََاتِهِ [ال عمران: 102]قول لا يصحّ، و لا يقع الناسخ و المنسوخ إلا بالتوقيف أو إقامة الحجة القاطعة، و الآيتان متفقتان لأن اللّه جلّ و عزّ لا يكلف ما لا يستطاع. فمعنى اتقوا اللّه حقّ تقاته هو فيما استطعتم. وَ اِسْمَعُوا أي ما تؤمرون به وَ أَطِيعُوا وَ أَنْفِقُوا خَيْراً لِأَنْفُسِكُمْ في نصب «خيرا» أربعة أقوال: مذهب سيبويه أن المعنى و أتوا خيرا لأنفسكم، و قيل: المعنى يكن خيرا لأنفسكم و القول الثالث إنفاقا خيرا لأنفسكم، و القول الرابع أن تنصب خيرا بأنفقوا و يكون الخير المال وَ مَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ و حكى الفراء أنه قرئ و من يوق شح نفسه (1) بكسر الشين، و هي شاذة.

فَأُولََئِكَ هُمُ اَلْمُفْلِحُونَ أي الذين ظفروا بما طلبوا.

____________

(1) انظر معاني الفراء 3/160، و البحر المحيط 8/276.

295

إِنْ تُقْرِضُوا اَللََّهَ قَرْضاً حَسَناً أي بإنفاقكم في سبيله يُضََاعِفْهُ لَكُمْ مجازاة وَ يَغْفِرْ لَكُمْ عطف، و يجوز رفعه بقطعه من الأول و نصبه على الصرف وَ اَللََّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ أي يشكر من أنفق في سبيله، و معنى شكره إياه إثابته له و قبوله عمله حَلِيمٌ في ترك العقوبة في الدنيا.

يجوز أن يكون اَلْعَزِيزُ اَلْحَكِيمُ هو نعت اسم اللّه جلّ و عزّ، و يكون عالم الغيب خبرا ثانيا أو نعتا إن كان بمعنى المضيّ؛ لأنه يكون معرفة، و يجوز أن يكون كلّه بدلا لأن المعرفة تبدل من النكرة.

296

65 شرح إعراب سورة الطلاق‏

بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ

يََا أَيُّهَا اَلنَّبِيُّ نعت لأيّ فإن همزته فهو مشتقّ من أنبأ أي أخبر، و إن لم تهمز جاز أن يكون من أنبأ و خفّفت الهمزة و فيه شي‏ء لطيف من العربية و ذلك أن سبيل الهمزة إذا خففت و قبلها ساكن أن تلقى حركتها على ما قبلها، و لا يجوز ذلك هاهنا. و العلّة فيه أن هذه الياء لا تتحرك بحال فلما لم يجز تحريكها قيل: نبيّ و خطيّة و لو كان على القياس لقيل خطيّة و إن جعلته من نبا ينبو لم يهمز و كانت الياء الأخيرة منقلبة من واو. إِذََا طَلَّقْتُمُ اَلنِّسََاءَ أي إذا أردتم ذلك و هو مجاز. فأما القول في إِذََا طَلَّقْتُمُ و قبله يََا أَيُّهَا اَلنَّبِيُّ فقد ذكرنا فيه أقوالا، و قد قيل: هو مخاطبة للنبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم بمخاطبة الجميع على الإجلال له كما يقال للرجل الجليل: أنتم فعلتم، و المعنى: إذا طلقتم النساء اللاتي دخلتم بهن. فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ فبين اللّه جلّ و عزّ هذا على لسان نبيّه صلّى اللّه عليه و سلّم بأنه الطلاق في الطهر الذي لم يجامعها فيه. وَ أَحْصُوا اَلْعِدَّةَ قال السدي: أي احفظوها. وَ اِتَّقُوا اَللََّهَ رَبَّكُمْ أي لا تتجاوزوا ما أمركم به لاََ تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَ لاََ يَخْرُجْنَ ثم استثنى إِلاََّ أَنْ يَأْتِينَ بِفََاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ «أن» في موضع نصب و اختلف العلماء في هذه الفاحشة ما هي؟فمن أجمع ما قيل في ذلك أنها معصية اللّه جلّ و عزّ، فهذا يدخل فيه كل قول؛ لأنها إن زنت أو سرقت فأخرجت لإقامة الحدّ فهو داخل في هذا، و كذلك إن بذؤت أو نشزت. وَ تِلْكَ حُدُودُ اَللََّهِ أي الأشياء التي حدّها من الطّلاق و العدّة و ألاّ تخرج الزوجة وَ مَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اَللََّهِ حذفت الألف للجزم فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ قيل: أي منعها مما كان أبيح له. لأنه إذا طلّقها ثلاثا على أي حال كان لم يحلّ له أن يرتجعها حتّى تنكح زوجا غيره فقد ظلم نفسه بهذا الفعل لاََ تَدْرِي لَعَلَّ اَللََّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذََلِكَ أَمْراً أكثر أهل التفسير على أن المعنى إنه إذا طلّقها واحدة كان أصلح له لَعَلَّ اَللََّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذََلِكَ أَمْراً من محبّته لها.

297

فَإِذََا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ أي قاربن ذلك فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أي بما يجب لهن عليكم من النفقة و ترك البذاء و غير ذلك أَوْ فََارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ بدفع صداقهنّ إليهن و ما يجب لهن وَ أَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ أكثر أهل التفسير على أن هذا في الرجعة، و عن ابن عباس يشهد على الطلاق و الرجعة إلاّ أنه إن لم يشهد لم يكن عليه شي‏ء وَ أَقِيمُوا اَلشَّهََادَةَ لِلََّهِ أي اشهدوا بالحقّ إذا شهدتم و إذا أديتم الشهادة كما قال السدّي ذلك في الحق.

ذََلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كََانَ يُؤْمِنُ بِاللََّهِ وَ اَلْيَوْمِ اَلْآخِرِ «ذلكم» مخاطبة لجميع و إخبار عن واحد؛ لأن أخر الكلام لمن تخاطبه و أوله لمن تخبر عنه أو تسأل وَ مَنْ يَتَّقِ اَللََّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً أهل التفسير على أن المعنى أنه إن اتّقى اللّه جلّ و عزّ و طلّق واحدة فله مخرج إن أراد أن يتزوّج تزوّج و إن لم يتّق اللّه جلّ و عزّ و طلّق ثلاثا فلا مخرج له: و هذا قول صحيح عن علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه و ابن عباس بالأسانيد التي لا تدفع. روى ابن عليّة عن أيّوب عن عبد اللّه بن كثير عن مجاهد، قال: كنت عند ابن عباس فجاءه رجل فقال: يا ابن عباس إني طلّقت امرأتي ثلاثا فأطرق ابن عباس مليّا ثمّ رفع رأسه إلى الرجل فقال:

يأتي أحدكم الحموقة ثمّ يقول: يا ابن عباس طلّقت ثلاثا فحرمت عليك حتّى تنكح زوجا غيرك، و لم يجعل اللّه لك مخرجا و لو اتقيته لجعل لكم مخرجا ثمّ تلا: وَ مَنْ يَتَّقِ اَللََّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً و قول علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه الذي لا تدفع صحته أنه قال رضي اللّه عنه في الحرام: إنه ثلاث لا تحلّ له حتّى تنكح زوجا غيره.

وَ يَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاََ يَحْتَسِبُ قال قتادة: من حيث يرجو و لا يأمل وَ مَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اَللََّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ أي كافيه. و أحسبني الشي‏ء كفاني. و هذا تمام الكلام ثمّ قال: إِنَّ اَللََّهَ بََالِغُ أَمْرِهِ قال مسروق: أي بالغ أمره توكّل عليه أم لم يتوكّل أي منفذ قضاؤه. قال هارون القارئ: في عصمة يقرأ (1) إِنَّ اَللََّهَ بََالِغُ أَمْرِهِ و هذا على حذف التنوين تخفيفا، و أجاز الفراء إِنَّ اَللََّهَ بََالِغُ أَمْرِهِ (2) بالرفع بفعله بالغ، و يجوز أن يكون مبتدأ و خبره في موضع خبر «إنّ» قَدْ جَعَلَ اَللََّهُ لِكُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدْراً أي للطلاق و العدّة منتهى ينتهي إليه.

____________

(1) انظر تيسير الداني 172 (قرأ حفص «بالغ» بغير تنوين و «أمره» بالخفض و الباقون بالتنوين و نصب «أمره» ) .

(2) انظر معاني الفراء 3/163.

298

اَللاََّئِي في موضع رفع بالابتداء فمن جعل إن ارتبتم متعلقا بقوله: لاََ تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ فخبر الابتداء عنده فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاََثَةُ أَشْهُرٍ و من جعل التقدير على ما روي أن أبيّ بن كعب قال: يا رسول الله الصغار و الكبار اللائي يئسن من المحيض وَ أُولاََتُ اَلْأَحْمََالِ لم يذكر عدتهن في القرآن، فأنزل اللّه جلّ و عزّ: وَ اَللاََّئِي يَئِسْنَ مِنَ اَلْمَحِيضِ مِنْ نِسََائِكُمْ الآية قال: خبر الابتداء «إن ارتبتم» و ما بعده، و يكون المعنى إن لم تعلموا و ارتبتم في عدّتهن فحكمهن هذا. و أما قول عكرمة في معنى «إن ارتبتم» انه إن ارتبتم في الدم فلم تدروا أهو دم حيض أم استحاضة؟ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاََثَةُ أَشْهُرٍ يقول: قد رد من غير جهة، و ذلك أنه لو كان الارتياب بالدم لقيل: إن ارتبتنّ؛ لأن الارتياب بالدم للنساء، و أيضا فإن اليأس في العربية انقطاع الرجاء، و الارتياب وجود الرجاء فمحال أن يجتمعا وَ اَللاََّئِي لَمْ يَحِضْنَ معطوف على الأول و تم الكلام ثمّ قال: وَ أُولاََتُ اَلْأَحْمََالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ . قال أبو جعفر: في هذا قولان: أحدهما أنه لكل حامل مطلقة مدخول بها أو متوفى عنها زوجها إذا ولدت فقد حلّت و هذا قول أبيّ بن كعب بن مسعود، و القول الثاني أنّ هذا للمطلقات فقط و أنّ المتوفى عنها زوجها إذا ولدت قبل انقضاء الأربعة الأشهر و العشر لم تحلل حتّى تنقضي أربعة أشهر و عشر، و كذا إن انقضت أربعة أشهر و لم تلد لم تحلل حتّى تلد. و هذا قول علي و ابن عباس رضي اللّه عنهما، و القول الأول أولى بظاهر الكلام: لأنه قال جلّ و عزّ: وَ أُولاََتُ اَلْأَحْمََالِ على العموم فلا يقع خصوص إلاّ بتوقيف من الرسول صلّى اللّه عليه و سلّم أُولاََتُ اَلْأَحْمََالِ رفع بالابتداء أَجَلُهُنَّ مبتدأ ثان أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ خبر الثاني و الجملة خبر الأول، و يجوز أن يكون أجلهن بدلا من أولات و الخبر «أن يضعن حملهنّ» وَ مَنْ يَتَّقِ اَللََّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً أهل التفسير على أن المعنى من يتّق اللّه إذا أراد الطلاق فيطلق واحدة كما حدّ له يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً بأن يحلّ له التزوج لا كمن طلق ثلاثا.

ذََلِكَ أي ذلك المذكور من أمر الطلاق و الحيض و العدد أَمْرُ اَللََّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ لتأتمروا به وَ مَنْ يَتَّقِ اَللََّهَ أي يخفه بأداء فرائضه و اجتناب محارمه يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئََاتِهِ أي يمح عن ذنوبه وَ يُعْظِمْ لَهُ أَجْراً أي يجزل له الثواب. قال أبو جعفر و لا نعلم أحدا قرأ إلا هكذا على خلاف قول: عظّم اللّه أجرك.

299

أَسْكِنُوهُنَّ قيل: هذا الضمير يعود على النساء جمع المدخول بهنّ و قيل على المطلقات أقل من ثلاث و إن المطلقات ثلاثا لا سكن لهن و لا نفقة. و بذلك صحّ الحديث عن النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم رواه الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن فاطمة بنت قيس عن النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم و يستدل على ذلك أيضا بقوله وَ إِنْ كُنَّ أُولاََتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتََّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فخص الحوامل وحدهن، و أيضا فإنهن إذا طلّقن ثلاثا فهن أجنبيّات فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ شرط و مجازاة. وَ أْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ قال سفيان: أي ليحثّ بعضكم بعضا وَ إِنْ تَعََاسَرْتُمْ قال السّدي: أي إن قالت المطلقة لا أرضعه لم تكره قال تعالى: فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى‏ََ .

لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ جاءت لام الأمر مكسورة على بابها و سكنت في فَلْيُنْفِقْ لاتصالها بالفاء؛ و يجوز كسرها أيضا فأجاز الفراء (1) و من قدر (2) عليه رزقه فلينفق ممّا آتيه اللّه أي على قدر ما رزقه اللّه من التضييق و قد روي عن ابن عباس فَلْيُنْفِقْ مِمََّا آتََاهُ اَللََّهُ إن كان له ما يبيعه من متاع البيت باعه و أنفقه. لاََ يُكَلِّفُ اَللََّهُ نَفْساً إِلاََّ مََا آتََاهََا قال السدي: لا يكلّف اللّه الفقير نفقة الغني، و قال ابن زيد: لا يكلّف الفقير أن يزكّي و يصدّق سَيَجْعَلُ اَللََّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً أي إمّا في الدنيا و إما في الآخرة ليرغب المؤمنون في فعل الخير.

أي مخفوض بالكاف، و صارت كأيّ بمعنى كم للتكثير، و المعنى: و كم من أهل قرية عتوا عن أمر ربهم ثمّ أقيم المضاف إليه مقام المضاف. و قال ابن زيد: عتوا هاهنا عصوا كفروا. و العتو في اللغة التجاوز في المخالفة و العصيان. و قد روى عمرو بن أبي سلمة عن عمر بن سليمان في قوله جلّ و عزّ: وَ كَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهََا الآية قال: هؤلاء قوم عذّبوا في الطلاق فَحََاسَبْنََاهََا أي بالنعم و الشكر. حِسََاباً مصدر. شَدِيداً من نعته. قال ابن زيد: الحساب الشديد: الذي ليس فيه من العفو شي‏ء وَ عَذَّبْنََاهََا عَذََاباً نُكْراً أي ليس بمعتاد. قال الفراء (3) : فيه للتقديم و التأخير أي عذّبناها عذابا نكرا في الدنيا و حاسبناها حسابا شديدا في الآخرة.

____________

(1) انظر معاني الفراء 3/164.

(2) انظر البحر المحيط 2/282 (قرأ الجمهور «قدر» مخفّفا و ابن أبي عبلة مشدّد الدال) .

(3) انظر معاني الفراء 3/164.

300

فَذََاقَتْ وَبََالَ أَمْرِهََا قال السدّي: أي عقوبة أمرها. و أمرها الكفر و العصيان وَ كََانَ عََاقِبَةُ أَمْرِهََا خُسْراً أي غبنا؛ لأنهم باعوا نعيم الآخرة بحظّ خسيس من الدنيا باتباع أهوائهم.

أَعَدَّ اَللََّهُ لَهُمْ عَذََاباً شَدِيداً و هو عذاب النار. فَاتَّقُوا اَللََّهَ يََا أُولِي اَلْأَلْبََابِ نداء مضاف و اَلَّذِينَ آمَنُوا في موضع نصب على النعت لأولي الألباب. قَدْ أَنْزَلَ اَللََّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً قال السدي: الذكر القرآن و الرسول محمد صلّى اللّه عليه و سلّم. و التقدير في العربية على هذا ذكرا ذا رسول ثمّ حذف مثل‏ وَ سْئَلِ اَلْقَرْيَةَ [يوسف: 82]، و يجوز أن يكون رسول بمعنى رسالة مثل‏ أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ [مريم: 19]فيكون رسولا بدلا من ذكر، و يجوز أن يكون التقدير أرسلنا رسولا فدلّ على الضمر ما تقدّم من الكلام، و يجوز في غير القرآن رفع رسول؛ لأن قوله «ذكرا» رأس آية، و الاستئناف بعد مثل هذا أحسن، كما قال جلّ و عزّ: وَ تَرَكَهُمْ فِي ظُلُمََاتٍ لاََ يُبْصِرُونَ‏`صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ [البقرة: 17، 18] و كذا. إِنَّ اَللََّهَ اِشْتَرى‏ََ مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ [التوبة: 11]فلمّا كملت الآية قال جلّ و عزّ: اَلتََّائِبُونَ اَلْعََابِدُونَ [التوبة: 111، 112]، و كذا ذُو اَلْعَرْشِ اَلْمَجِيدُ`فَعََّالٌ لِمََا يُرِيدُ [البروج: 16].

يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آيََاتِ اَللََّهِ مُبَيِّنََاتٍ نعت لرسول. لِيُخْرِجَ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصََّالِحََاتِ مِنَ اَلظُّلُمََاتِ إِلَى اَلنُّورِ أي من الكفر إلى الإيمان وَ مَنْ يُؤْمِنْ بِاللََّهِ جزم بالشرط وَ يَعْمَلْ عطف عليه، و يجوز رفعه على أن يكون في موضع الحال. صََالِحاً أي بطاعة اللّه جلّ و عزّ:

يُدْخِلْهُ جَنََّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا اَلْأَنْهََارُ مجازاة. خََالِدِينَ فِيهََا على الحال أَبَداً ظرف زمان قَدْ أَحْسَنَ اَللََّهُ لَهُ رِزْقاً أي وسع عليه في المطعم و المشرب.

اَللََّهُ اَلَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمََاوََاتٍ يكون اسم اللّه تعالى بدلا أو على إضمار مبتدأ و الذي نعت، و يجوز أن يكون «اللّه خلق سبع سموات» مبتدأ و خبره وَ مِنَ اَلْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ عطف، و حكى أبو حاتم أن عاصما قرأ وَ مِنَ اَلْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ (1) قطعه من الأول و رفع

____________

(1) انظر البحر المحيط 8/283، و مختصر ابن خالويه 158.

301

بالابتداء. يَتَنَزَّلُ اَلْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ قيل: الضمير يعود على السموات. و الأكثر في كلام العرب أن ما كان بالهاء و النون فهو للعدد القليل، فعلى هذا يكون الضمير يعود على السموات. و على قول مجاهد يعود على السّموات و الأرض. لِتَعْلَمُوا أَنَّ اَللََّهَ عَلى‏ََ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ تكون لام كي متعلقة بيتنزّل و يجوز أن تكون متعلقة بخلق أي خلق السموات و الأرض لتعلموا كنه قدرته و سلطانه، و إنه لا يتعذّر عليه شي‏ء أراده، و لا يمتنع منه شي‏ء شاءه. وَ أَنَّ اَللََّهَ قَدْ أَحََاطَ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عِلْماً أي و لتعلموا مع علمكم بقدرته أنه يعلم جميع ما يفعله خلقه فاحذروا أيّها المخالفون أمره و سطوته لقدرته عليكم و أنه عالم بما تفعلون، و جاز إظهار الاسم و لم يقل: و أنه و قال: و أن اللّه أفخم، و على هذا يتأوّل قول الشاعر: [الخفيف‏] 495-

لا أرى الموت يسبق الموت شي‏ء # نغّص الموت ذا الغنى و الفقيرا

(1)

____________

(1) مرّ الشاهد رقم (70) .

302

66 شرح إعراب سورة التحريم‏

بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ

يََا أَيُّهَا اَلنَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مََا أَحَلَّ اَللََّهُ لَكَ هذه «ما» دخلت عليها اللام فحذفت الألف فرقا بين الاستفهام و الخبر و أنها قد اتصلت باللام. و الوقوف عليها في غير القرآن: لمه و يؤتى بالهاء لبيان الحركة و في القرآن لا يوقف عليها. و اختلفوا في الذي حرّمه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم فروى مالك بن أنس عن زيد بن أسلم قال: حرّم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم أم إبراهيم، و قال: و اللّه لا أمسّك. قال أبو جعفر: فعلى هذا القول إنما وقعت الكفّارة لليمين لا لقوله: أنت عليّ حرام، و كذا قال مسروق و الشّعبي، و روى ابن أبي طلحة عن ابن عباس قال: من قال في شي‏ء حلال: هو عليّ حرام فعليه كفّارة يمين، و كذا قال قتادة و قال مسروق: إذا قال لامرأته: أنت عليّ حرام فلا شي‏ء عليه من الكفارة و لا الطلاق؛ لأنه كاذب في هذا، و قيل: عليه كفّارة يمين، و تأول صاحب هذا القول الآية و قيل:

هي طالق ثلاثا، إذا كانت مدخولا بها و واحدة إذا لم يدخل بها، و قيل: هي واحدة بائنة و قيل: واحدة غير بائنة. و قد روي عن عائشة رضي اللّه عنها في هذه الآية أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم إنما كان حرّم على نفسه عسلا. و روى داود بن أبي هند عن الشّعبي عن مسروق عن عائشة قالت: حرم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم و الى فعوتب في التحريم و عاتب في الإيلاء. قال أبو جعفر: و لا يعرف في لغة من اللغات أن يقال فيمن جعل الحلال حراما: حالف تَبْتَغِي في موضع نصب على الحال. مَرْضََاتَ أَزْوََاجِكَ هذه تاء التأنيث و لو كانت تاء جمع لكسرت وَ اَللََّهُ غَفُورٌ أي لخلقه و قد غفر لك رَحِيمٌ لا يعذب من تاب.

قَدْ فَرَضَ اَللََّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمََانِكُمْ أي بيّنها. وَ اَللََّهُ مَوْلاََكُمْ مبتدأ و خبره أي يتولاكم بنصره وَ هُوَ اَلْعَلِيمُ بمصالح عباده اَلْحَكِيمُ في تدبيره.