البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - ج3

- الشيخ أياد المنصوري المزيد...
584 /
456

الثانية: في بيان معنى الإجزاء المبحوث عنه في المقام‏

المقصود بالإجزاء بشكل عام، هو: الاكتفاء بما أتي به المكلّف من متعلق التكليف و عدم لزوم الإعادة في داخل الوقت و لا القضاء في خارجه، و الذي يعني في نهاية الأمر تحقق الامتثال و سقوط الأمر الذي كان متوجهاً إليه.

و الإجزاء تارة يراد به: الإجزاء بلحاظ نفس التكليف المتوجه إلى المكلّف و المشرّع بحقه، سواء كان تكليفاً أولياً واقعياً، أم كان تكليفاً اضطرارياً أو ظاهرياً.

و أخرى يراد به: الإجزاء بلحاظ التكليف الأصلي بالنسبة إلى من شرّع في حقّه تكليف آخر نتيجة لطرو بعض العوارض التي تحول بينه و بين القدرة على امتثال التكليف الأصلي.

و الإجزاء المبحوث عنه في المقام إثباتاً أو نفياً، هو: النحو الثاني لا النحو الأول؛ إذ لا خلاف في أنّ الاتيان بمتعلّق التكليف يكون مجزياً عن نفس التكليف، و إنّما النزاع و الخلاف وقع في النحو الثاني من جهة أن امتثال الأمر الاضطراري و الاتيان بمتعلقه المشرّع بحق من عجز عن أداء الواجب الأصلي، هل يقوم مقام الواجب الأصلي و يجزي عنه بالنسبة إلى من عجز عن أدائه، بحيث لا تجب عليه الاعادة لو ارتفع عذره داخل الوقت، و لا يجب عليه القضاء لو ارتفع عذره خارج الوقت، أو أن امتثال الأمر الاضطراري لا يقوم مقام الواجب الأصلي و لا يجزي عنه، فيجب عليه الاعادة داخل الوقت و القضاء خارجه اذا ارتفع عذره؟

و كذلك الحال بالنسبة إلى امتثال الأمر الظاهري فيما لو انكشف له الواقع بعد ذلك و تبين له الخلاف فهل يجزي عن الأمر الواقعي أو لا؟

فالقول بالاجزاء في الحالتين معناه: عدم وجوب الإعادة أو القضاء على من امتثل الأمر الاضطراري أو الأمر الظاهري. و القول بعدم الإجزاء معناه: وجوب الاعادة أو القضاء على من امتثل الأمر الاضطراري و ارتفع عجزه في داخل الوقت أو خارجه، و على‏

457

من امتثل الأمر الظاهري ثم انكشف لديه الواقع و تبين له الخلاف في داخل الوقت أو في خارجه.

الثالثة: في بيان مقتضى الأصل اللفظي في المقام‏

قوله (قدس) ص 389: «لا شك في أن الأصل اللفظي في كل واجب ... الخ».

إن مقتضى الاطلاق في دليل كل واجب من الواجبات، هو: أنه لا يجزي عنه- في مقام الامتثال- غيره، فقوله: «أقم الصلاة»- مثلًا- يدل بمقتضى اطلاقه على أنه لا يجزي عن الواجب- و هو الصلاة- أي فعل آخر في مقام الامتثال، كالصوم أو الصدقة أو غير ذلك، فمن لم يصل لا يعد ممتثلًا للأمر بالصلاة حتى لو تصدق، فإن التصدق أو غيره لا يجزي عن الصلاة المأمور بها بالأمر المتقدم، و هذا هو مقتضى الاطلاق في دليل الواجب؛ لأن فرض إجزاء غير الواجب كالتصدق- مثلًا- عن الواجب الذي هو الصلاة بحسب الفرض معناه كون التصدق مسقطاً للواجب في مقام الامتثال، و مرجع مسقطيته كذلك إلى أخذ عدمه قيداً في وجوب الواجب، كأن يقول: «أقم الصلاة إن لم تتصدق»، و هذا تقييد في دليل الواجب، و هو منفي باطلاق دليل الواجب، و هذا هو مقتضى الأصل اللفظي في دليل الواجب‏ (1)، و تسمى هذه القاعدة بقاعدة عدم الإجزاء.

إن قلت: إذا كان مقتضى القاعدة هو عدم الإجزاء، فهذا يعني عدم دلالة الأوامر الاضطرارية أو الظاهرية على الإجزاء؛ تمسكاً بتلك القاعدة، و معه، لا جدوى في البحث فيهما.

كان الجواب: إن مقتضى القاعدة و إن كان هو عدم الإجزاء، و لكن هذا لا يمنع من‏

____________

(1) المقصود بالأصل اللفظي في المقام، هو: أصالة الاطلاق، فإنها من الأصول اللفظية التي تجري عند الشك في التقييد، فيقال: الأصل في المراد من اللفظ عند عدم تقييده هو الاطلاق، و الأصول اللفظية كثيرة، من: أصالة الاطلاق، و أصالة العموم، و أصالة الحقيقة، و هكذا، و هي غير الأصول العملية التي تحدد الوظيفة العملية للمكلف عند الشك.

و الفرق بين الأصول اللفظية و الأصول العملية مع اشتراكهما في كون مورد جريانهما هو الشك، هو: أن موضوع الأولى الشك في المراد من اللفظ، بينما موضوع الثانية هو الشك في الحكم الشرعي، سواء من جهة التكليف أم من جهة المكلف به، كما أن الأولى تحدد المراد من اللفظ، بينما الثانية تحدد الوظيفة العملية للمكلف.

458

خروج بعض الموارد عن مقتضى تلك القاعدة إذا دل الدليل على ذلك، كما هو الحال في الأوامر الاضطرارية و الأوامر الظاهرية، فإنه قد يدعى خروج هاتين الحالتين عن هذه القاعدة استناداً إلى دعوى الملازمة العقلية بين جعلهما و بين نكتة تقتضي الإجزاء، فيكون الأمر الاضطراري أو الظاهري دالًا بالدلالة الالتزامية العقلية على إجزاء متعلقه عن الواجب الواقعي وفقاً لتلك النكتة المدعاة (1).

وقوع البحث في هذه المسألة في مقامين:

قوله (قدس) ص 389: «و لكن يدعى الخروج عن هذه القاعدة ... الخ».

بعد أن اتضح من خلال استعراض النقاط الثلاث المتقدمة معنى الأوامر الاضطرارية و الأوامر الظاهرية، و الوجه في تشريع كل منهما، و اتضح أيضاً معنى الإجزاء و ما تقتضيه القاعدة في المقام، يقع الكلام في بيان مدى دلالة الأوامر الاضطرارية أو الظاهرية على الإجزاء و عدمه، و بيان النكتة التي على أساسها يتم الخروج عن مقتضى القاعدة في حالتي الأمر الاضطراري و الأمر الظاهري، وعليه، فالبحث يقع في مقامين:

الأول: دلالة الأوامر الاضطرارية على الاجزاء.

الثاني: دلالة الأوامر الظاهرية على الاجزاء.

و سوف يقع البحث في هذين المقامين تباعاً إن شاء الله تعالى.

المقام الأول: دلالة الأوامر الاضطرارية على الإجزاء و عدمه‏

قوله (قدس) ص 390: «إذا تعذر الواجب الأصلي على المكلف ... الخ».

قد يتعذر على المكلف أحياناً الاتيان بالواجب الأصلي من التكليف بسبب العجز أو

____________

(1) ينبغي الالتفات إلى أن الملحوظ في الإجزاء و عدمه، إنما هو ما بعد ارتفاع العذر بالنسبة للأوامر الاضطرارية، و بعد انكشاف الخلاف و الواقع بالنسبة للأوامر الظاهرية، كما أن البحث يدور حول إجزاء متعلق الأمر الاضطراري و الظاهري عن متعلق الأمر الأولي و الواقعي، لا الإجزاء بلحاظ نفس متعلق الأمر الاضطراري أو الظاهري؛ لوضوح أن الاتيان بمتعلق الأمر الاضطراري يجزي عن نفس الأمر الاضطراري، كما أن الاتيان بمتعلق الأمر الظاهري يجزي عن نفس الأمر الظاهري، فمثل هذا مما لا وجه للبحث عنه، فالبحث إنما هو بلحاظ أن الصلاة من جلوس المأمور بها بالأمر الاضطراري هل تجزي عن الصلاة من قيام، و المأمور بها بالأمر الواقعي، لكي لا تجب الاعادة في الوقت أو القضاء في خارجه بعد ارتفاع العذر في أثناء الوقت أو في خارجه؟

459

غيره، فيأمره الشارع بالميسور و ما يتمكن منه اضطراراً، كمن عجز عن القيام فعجز عن الاتيان بالصلاة عن قيام و شرع في حقه الصلاة من جلوس بأمر جديد يسمى بالأمر الاضطراري، فصلى المكلف من جلوس و أتى بمتعلق الأمر الاضطراري، ثم ارتفع عذره و أصبح متمكناً من القيام. فهنا، وقع البحث في أنه هل تجب الإعادة على هذا المكلف بحيث يصلي من قيام أداءً إذا كان عذره قد ارتفع في داخل الوقت، أو قضاءً إذا كان عذره قد ارتفع بعد تمام الوقت، أم أنه لا تجب عليه ذلك؟

و الأول معناه: عدم الإجزاء، و الثاني معناه: الإجزاء. و لتحقيق الحال في ذلك، لا بد من التمييز بين صورتين، حيث إن الأمر الاضطراري يمكن أن يتصور على نحوين‏ (1):

الأول: أن يكون الأمر الاضطراري ثابتاً بمجرد عدم التمكن من الاتيان بمتعلق الأمر الأولي و لو في أول الوقت.

الثاني: أن يكون الأمر الاضطراري مقيداً باستمرار العذر في تمام الوقت، على نحو لو لم يستمر العذر بل ارتفع اثناء الوقت، لكشف ذلك عن عدم توجه الأمر الاضطراري لمثل ذلك المكلف‏ (2).

و سوف يقع الكلام في الأمر الاضطراري من حيث الاجزاء و عدمه، تارة بلحاظ النحو الأول، و أخرى بلحاظ النحو الثاني، وعليه، فالكلام يقع في موردين.

المورد الأول: الأمر الاضطراري الثابت بمجرد عدم التمكن‏

قوله (قدس) ص 390: «إذا بادر المريض فصلّى جالساً في ... الخ».

إن المريض العاجز عن القيام، إذا بادر إلى الصلاة فصلى جالساً في أول الوقت، ثم ارتفع العذر و تمكن من القيام في أثناء الوقت، فلا تجب عليه الاعادة (3). و البرهان على‏

____________

(1) تحديد أحد هذين النحوين يرجع فيه إلى نفس دليل الأمر الاضطراري؛ فإن كان مطلقاً فهو من النحو الأول، و إن كان مقيداً باستمرار العذر فهو من النحو الثاني‏

(2) أشار السيد الشهيد أولًا إلى هذا الفرض، ثم أشار إلى الفرض الأول بحسب ترتيبنا، و لكن، حيث أنه بدأ الكلام بالفرض الثاني بحسب ترتيبه، جعلناه هنا الفرض الأول لكي يكون البحث متسلسلًا و منسجماً

(3) أمّا من لم يبادر إلى الصلاة من جلوس في أول الوقت ثم ارتفع عذرة في الأثناء، فلا إشكال هنا في توجه الأمر إليه بالصلاة من قيام، و يكون حاله حال من أخر صلاته عن أول وقتها اختياراً، فلا مورد للأمر الاضطراري في هذه الحالة، فلا يتوهم هنا بقاء الأمر الاضطراري لكونه مطلقاً؛ إذ لا موضوع له بعد ارتفاع العذر، نعم، هو نافع لو امتثله المكلف ثم ارتفع عذره.

460

ذلك، هو: أن ما وقع من المكلف المريض و هو الصلاة من جلوس، يعتبر مصداقاً للواجب المأمور به بالأمر الاضطراري؛ فإن كون الشي‏ء مصداقاً للواجب لا يعني إلا مطابقة المأتي به للمأمور به. و ليس هو في المقام إلا الصلاة من جلوس، التي أتى بها المكلف في أول الوقت بحسب الفرض.

و حينئذٍ يطرح السؤال التالي نفسه، و هو: أن وجوب الصلاة من جلوس، هل هو وجوب تعييني لا بديل و لا عدل له، أم هو وجوب تخييري له عدل؟

و الجواب واضح جداً، و هو: أنه وجوب تخييري، و لا يحتمل أن يكون وجوباً تعييناً؛ لأن فرض كونه تعيينياً لا يخلو من أحد أمرين: أحدهما: أن الواجب على المكلف المريض هو الصلاة من جلوس حتى لو ارتفع عذره و تمكن من القيام في أثناء الوقت، و ثانيهما: أن الواجب على المكلف في هذه الحالة هو الصلاة من جلوس في أول الوقت، و الصلاة من قيام لو ارتفع عذره في آخر الوقت.

و كلا هذين الأمرين باطل؛ أما بطلان الأول، فلأن من لم يصلّ من جلوس في أول الوقت ثم ارتفع عذرة اثناء الوقت لا يجوز له أن يصلي من جلوس، و إنما الواجب عليه الصلاة من قيام؛ لأن الصلاة من جلوس مشرعة في حق من لم يتمكن من القيام، لا مطلقاً. مع أنه لو كان واجباً تعيينياً لما جاز له تأخير صلاته ليصلي من قيام في آخر الوقت، و الحال أن جواز ذلك مما لا إشكال فيه.

و أما بطلان الثاني، فلعدم وجوب صلاتين في وقت واحد.

وعليه، يتعين أن يكون وجوبها وجوباً تخييرياً. و هذا يعني: وجود عدلين و بديلين يتخير المكلف بينهما. فإن كان هذان العدلان هما الصلاة الاضطرارية في أول الوقت و الصلاة الاختيارية في آخر الوقت، على نحو يكون المكلف مخيراً بين الصلاة من جلوس في أول الوقت و بين أن ينتظر و يصلي من قيام آخر الوقت، فقد ثبت المطلوب، و هو: إجزاء المأمور به بالأمر الاضطراري عن الأمر الأولي؛ لأن معنى التخيير بالنحو

461

المتقدم، هو: ان الواجب على المكلف هو الجامع بين الصلاتين و قد حصل فعلًا بالاتيان بالمأمور به بالأمر الاضطراري و هو الصلاة من جلوس، و معه، لا موجب للإعادة؛ لأنه قد امتثل الواجب بحسب الفرض.

و إن كانا العدلان المفترضان هما مجموع الصلاتين من ناحية، و الصلاة الاختيارية- أي: من قيام- من ناحية أخرى، على نحو يكون المكلف مخيراً بين أن يصلي من جلوس في أول الوقت، و إذا ارتفع عذره و تمكن من قيام صلى من قيام، و بين أن ينتظر إلى أن يرتفع عذره و يصلي من قيام.

و هذا التخيير بهذا النحو هو من التخيير بين الأقل و الأكثر في الواجب، و هو مستحيل؛ لأنه من التناقض؛ إذ أن الزائد في الأكثر- أي: مجموع الصلاتين- قد افترض وجوبه و عدم وجوبه في آن واحد، فهو واجب من حيث كونه ضمن الأكثر الذي هو أحد طرفي الواجب التخييري، و ليس بواجب لأنه مما يجوز تركه و الاقتصار على الأقل، و هذا ينافي وجوبه.

و بهذا يتبرهن الإجزاء، و هذا هو معنى الملازمة العقلية التي تمت الإشارة اليها سابقاً، و هي: الملازمة بين جعل الأمر الاضطراري و نكتة تقتضي الإجزاء. و النكتة هنا هي: أن القول بعدم الإجزاء لا معنى له سوى القول بالتخيير بين مجموع الصلاتين و الصلاة الاختيارية، و هو من التخيير في الواجب بين الأقل و الأكثر، و هو باطل.

المورد الثاني: الأمر الاضطراري المقيد باستمرار العذر

قوله (قدس) ص 391: «و إما إذا كان الأمر الاضطراري مقيداً ... الخ».

و أما بالنسبة إلى الصورة الثانية، و هي: ما إذا فرض كون الأمر الاضطراري مقيداً باستيعاب العذر لتمام الوقت، فهنا، تارة: يصلي المريض العاجز عن القيام من جلوس في أول الوقت، ثم يرتفع عذره و يتمكن من القيام في آخر الوقت. و تارة أخرى: يصلي من جلوس في الوقت و يكون عذره مستوعباً لتمام الوقت.

ففي الحالة الأولى لا إشكال في عدم وقوع ما أتى به- و هو الصلاة من جلوس- مصداقاً للواجب؛ لأن المأمور به في هذه الحالة هو الصلاة من قيام لا الصلاة من جلوس؛ لأنها مشرعة في حق من استوعب عذره تمام الوقت، و الحال أن هذا المكلف‏

462

لم يستوعب عذره تمام الوقت، فلا أمر اضطراري لهذا المكلف في هذه الحالة حتى يبحث عن دلالته أو عدم دلالته على الإجزاء. فما أتى به، و هو الصلاة من جلوس لم يكن مأموراً به، و ما هو مأمور به و هو الصلاة من قيام، لم يأت به، فلا معنى للبحث عن الإجزاء و عدمه في هذه الصورة وعليه أن يصلي من قيام.

و أما بالنسبة الى الحالة الثانية، و هي: حالة استيعاب العذر فعلًا لتمام الوقت، فلا مجال للكلام عن وجوب الإعادة و عدم وجوبها. و إنما يقع الكلام في وجوب القضاء و عدمه؛ حيث إن المفروض ارتفاع عذره خارج الوقت.

فقد يقال هنا بعدم وجوب القضاء؛ و ذلك لأن الأمر الاضطراري يكشف عقلًا عن وفاء متعلقه و هو الصلاة من جلوس بملاك الواجب الاختياري و هو الصلاة من قيام؛ إذ لو لا ذلك لما أمر به، و لكان الأمر به لغواً، و مع فرض وفائه بالملاك فلا فوت حتى يجب القضاء؛ لأن وجوب القضاء يدور مدار فوت الملاك و عدمه.

و بهذا يبرهن على دلالة الأمر الاضطراري على الإجزاء عقلًا في هذه الحالة، و هذا هو معنى الملازمة العقلية التي أشرنا إليها سابقاً بين جعل الأمر الاضطراري و نكتة تقتضي الإجزاء، و النكتة هنا هي: لزوم اللغوية من جعله إن قلنا بعدم الإجزاء.

و لكن، يمكن الرد على ذلك بعدم لزوم اللغوية من جعله حتى على القول بعدم الإجزاء و لزوم وجوب القضاء؛ و ذلك بافتراض وفاء الأمر الاضطراري و هو الصلاة من جلوس في داخل الوقت بجزء من ملاك الواجب الاختياري و هو الصلاة من قيام مع بقاء جزء آخر من الملاك لا بد من استيفائه؛ لأن ملاك الواجب الاختياري يمكن افتراض قيامه في شيئين: أحدهما: ايقاع الصلاة في داخل الوقت، و الثاني: كون الصلاة من قيام. و إذا كان الأمر كذلك، فيمكن للمولى أن يأمر المكلف العاجز عن القيام بالصلاة من جلوس إدراكاً لذلك الجزء من الملاك، و هو ايقاع الصلاة في الوقت الأصلي، ثم يأمر بعد ذلك بالقضاء و الاتيان بالصلاة من قيام استيفاءً للجزء الباقي من الملاك القائم بكون الصلاة من قيام.

و في هذه الحالة لا يلزم اللغوية من جعل الأمر الاضطراري، فلا ملازمة بين جعله و بين وفائه بتمام الملاك حتى يقال بالإجزاء عقلًا.

463

وعليه، فالصحيح: عدم دلالة الأمر الاضطراري على الإجزاء عقلًا في هذه الحالة. و حينئذٍ ينبغي على الفقيه استظهار الحال من حيث وجوب القضاء و عدمه من لسان دليل الأمر الاضطراري و مقتضى اطلاقه، فقد يستظهر منه الإجزاء و عدم وجوب القضاء لظهور لسانه في وفاء البدل بتمام مصلحة المبدل، أو ظهور حال الشارع في انه في مقام بيان تمام ما يجب على المكلف ابتداء و انتهاء؛ فإن سكوته عن وجوب القضاء و الحال هذه يدل على عدمه تمسكاً بالاطلاق المقامي.

المقام الثاني: دلالة الأوامر الظاهرية على الإجزاء عقلًا

قوله (قدس) ص 393: «قد تؤدي الحجة إلى تطبيق الواجب ... الخ».

الحالة الثانية من الحالات التي قد يدّعى خروجها عن قاعدة عدم الإجزاء، هي: عبارة عن الاتيان بالمأمور به بالأمر الظاهري، حيث قيل هنا بإجزاء ذلك عن الواجب الواقعي على أساس دعوى الملازمة العقلية بين جعل الأمر الظاهري و الإجزاء، الأمر الذي يعني: عدم وجوب الإعادة في داخل الوقت، و عدم وجوب القضاء في خارجه فيما لو انكشف الخلاف‏ (1) و تبين الواقع بعد امتثال المكلف للأمر الظاهري و العمل على وفق الحجة الظاهرية.

فقد يؤدي العمل على طبق الحجة أحياناً الى تطبيق الواجب المعلوم على غير مصداقه الواقعي، كما لو دلت الأمارة الحجة على أن الواجب في ظهر يوم الجمعة هو صلاة الظهر مع أن الواقع هو صلاة الجمعة، أو دلت على أن الثوب طاهر مع أنه نجس واقعاً، و اعتمد المكلف على الحجة الظاهرية و صلى الظهر أو صلى في ذلك الثوب الطاهر ظاهراً النجس واقعاً، ثم انكشف لديه الخلاف و تبين له أن الواجب هو صلاة الجمعة لا صلاة الظهر، و أنّ الثوب كان نجساً فعلًا.

____________

(1) اعلم إنّ انكشاف الخلاف، تارة: يكون بالجزم و اليقين، و أخرى: يكون بحكم ظاهري جديد، سواء كان ذلك الحكم الظاهري الجديد مدلولًا لأمارة أو لأصل عملي، كما لو صلّى الجمعة اعتماداً على الاستصحاب باعتبار أنّ وجوبها كان متيقناً في زمن الحضور و شك في بقائه في زمن الغيبة ثم عثر على رواية معتبرة تدل على وجوب الظهر تعييناً، أو كمن توضأ فشك في أثناء وضوئه و بنى على قاعدة الفراغ و التجاوز، ثم تبيّن له عدم جريانها في أجزاء الوضوء، و إن الذي يجري في حقه هو استصحاب عدم الاتيان بالجزء المشكوك.

464

و هنا، قد وقع الخلاف في أنّ ذلك هل يجزي عن الواجب الواقعي، و بالتالي لا وجوب للإعادة في داخل الوقت و لا للقضاء في خارجه بلا حاجة الى قيام دليل خاص على الإجزاء، أو أنّ إثبات الإجزاء في هذا المورد أو ذاك بحاجة إلى دليل خاص و مع عدمه يرجع إلى قاعدة عدم الإجزاء؟ فإنه قد وقع الخلاف في ذلك على قولين:

الأول: القول باجزاء الأمر الظاهري عن الأمر الواقعي عقلًا

قوله (قدس) ص 393: «قد يقال بالإجزاء بدعوى الملازمة العقلية ... الخ».

قد يقال بإجزاء المأمور به بالأمر الظاهري عن الأمر الواقعي؛ بدعوى الملازمة العقلية بين جعل الأمر الظاهري و بين الإجزاء؛ و ذلك لأن الأمر الظاهري في حالة المخالفة للواقع يكشف عن وجود مصلحة في مورده على نحو يستوفى به الملاك الواقعي الذي يفوت على المكلف بسبب التعبد بالحجة الظاهرية.

و البرهان على ذلك، هو: إنه لو لا افتراض وجود مصلحة في مورد الحكم الظاهري تساوي و تعادل مصلحة الواقع، لكان جعل الأمر الظاهري قبيحاً؛ و ذلك لأنه سوف يؤدي الى تفويت مصلحة الواقع على المكلف و إلقائه في المفسدة من دون تعويضها بمصلحة أخرى تعادلها و تساويها. إذن هناك ملازمة بين جعل الأمر الظاهري و بين ضرورة وجود مصلحة في مورده تعادل و تساوي مصلحة الواقع، و مع اكتشاف مصلحة من هذا القبيل يتعين الإجزاء. وعليه، فلا موجب للإعادة إذا انكشف الخلاف أثناء الوقت فضلًا عن وجوب القضاء؛ و ذلك لحصول الملاك الواقعي و استيفائه ضمن مورد الأمر الظاهري، و مع تحقق و استيفاء ملاك الحكم الواقعي فلا اعادة و لا قضاء.

و البناء على هذه الملازمة و الاكتشاف المذكور يسمى بالقول بالسببية في جعل الحجية، بمعنى: أن الأمارة المجعولة حجة من قبل الشارع تكون سبباً لحدوث مصلحة في موردها يتم من خلال استيفائها استيفاء مصلحة الواقع.

الثاني: القول بعدم إجزاء الأمر الظاهري عن الأمر الواقعي عقلًا

قوله (قدس) ص 394: «و يرد على ذلك: أولًا: أن الأحكام الظاهرية ... الخ».

قد تبين من خلال القول الأول أن دعوى الإجزاء تعتمد أساساً على افتراض كون جعل‏

465

الأمر الظاهري قبيحاً بدون افتراض وفائه بتمام ملاك و مصلحة الواقع فيتعين الإجزاء، و معه، لا وجوب للإعادة في داخل الوقت و لا للقضاء في خارجه.

و الصحيح: أن ما تقوم عليه هذه الدعوى من افتراض ليس صحيحاً و ليس تاماً، و ذلك لأمرين:

الأول: إن الأحكام الظاهرية المجعولة في فرض الشك و عدم وصول الواقع الى المكلف هي أحكام طريقية و ليست أحكاماً حقيقية، حيث ذكرنا سابقاً أنها لم تنشأ أساساً من مبادئ و ملاكات في نفس متعلقاتها كالأحكام الواقعية، و إنما ملاكها عبارة عن: نفس ملاكات و مبادئ الأحكام الواقعية عند ما تكون بدرجة من الأهمية بحيث لا يرضى المولى بفواتها و ضياعها. و هذا المعنى و إن كان يؤدي أحياناً الى تفويت المصالح الواقعية و الالقاء في المفاسد الواقعية عند مخالفة تلك الأحكام الظاهرية للأحكام الواقعية، و لكن، قد تقدم أن هذا مما لا محذور فيه إذا كان لغرض أهم يستدعي الحفاظ عليه التضحية ببعض الملاكات الواقعية.

وعليه، فلا ملازمة بين جعل الأمر الظاهري و افتراض وجود مصلحة في مورده يستوفى بها مصلحة الواقع الفائتة، هذا مضافاً الى أن افتراض نشوء الاحكام الظاهرية من ملاكات و مصالح في مواردها بالنحو المتقدم في السببية المدعاة يلزم منه التصويب؛ و ذلك لأن فرض وفاء الوظيفة الظاهرية بملاك الواجب الواقعي يؤدي الى القول بتعلق الوجوب الواقعي بالجامع بين متعلقه الأصلي و تلك الوظيفة الظاهرية؛ و ذلك لاستحالة بقاء الوجوب الواقعي على متعلقه الأول و اختصاصه به؛ لأنه ينافي القول بوفاء الوظيفة الظاهرية بملاك الوجوب الواقعي. و هذا الانقلاب في متعلق الوجوب الواقعي، من كونه (صلاة الجمعة)- مثلًا- الى كونه (الجامع بين صلاة الجمعة و صلاة الظهر) نحو من التصويب، و هو باطل قطعاً؛ لما ذكرناه سابقاً من أنّ الأحكام الواقعية محفوظة بمبادئها و متعلقاتها حتى مع مجي‏ء الأحكام الظاهرية على خلافها وفقاً لقاعدة اشتراك الاحكام بين العالم و الجاهل. وعليه، فلا معنى للقول بالإجزاء.

الثاني: لو سلمنا جدلًا بأن ما يفوت على المكلف من مصالح واقعية بسبب التعبّد بالحجة الظاهرية لا بد و أن تضمن تلك الحجة تداركه، باعتبار أن تفويت تلك المصالح بلا

466

تدارك يكون قبيحاً، إلا أن هذا المعنى لا يقتضي الإجزاء عقلًا؛ إذ ليس من الضروري افتراض مصلحة في مورد الحكم الظاهري وافية بتمام ملاك الحكم الواقعي؛ فقد يفترض كونها وافية بجزء الملاك الواقعي، و حينئذٍ، لا يقتضي ذلك إلا افتراض مصلحة بقدر ما يفوت بسبب التعبد بالحجة الظاهرية.

فإذا فرضنا انكشاف خلاف الحكم الظاهري في أثناء الوقت، فلم يكن ما فات بسبب الحجة الظاهرية إلا فضيلة الصلاة في أول الوقت لا أصل ملاك الواقع القائم بفعل صلاة الجمعة بما هي صلاة جمعة؛ و ذلك لإمكان استيفائهما معاً. فهذا يعني: أن المصلحة المستكشفة من الأمر الظاهري، التي يقتضي وفاؤها بما فات من ملاك الحكم الواقعي، إنما هي في سلوك الأمارة و التعبد العملي بها بالنحو الذي يجبر ما يخسره المكلف من التعبد بها و السلوك على وفقها، و ليست هي قائمة بالمتعلق و بنفس الوظيفة الظاهرية بذاتها، فإذا انكشف الخلاف و تبين الواقع، انقطع أمد التعبد في أثناء الوقت بانتهاء تلك المصلحة. و هذا ما يسمى بالمصلحة السلوكية، وعليه، فلا موجب للإجزاء عقلًا (1).

إثبات الإجزاء بغير طريق الملازمة:

قوله (قدس) ص 395: «نعم يبقى إمكان دعوى الإجزاء بتوهم حكومة ... الخ».

و على الرغم من عدم دلالة الأوامر الظاهرية على الإجزاء عقلًا، إلا أن هذا لا يعني عدم إمكان الالتزام بالإجزاء بطريق آخر، و ذلك عن طريق الاستظهار من لسان دليل الحجية؛ فقد يدعى إمكان إثبات الإجزاء على أساس حكومة بعض أدلة الحجية على‏

____________

(1) و يمكن أن يضاف إلى ذلك كله بأن يقال: إنه حتى لو سلمنا بأن جعل الأمر الظاهري مع فرض عدم وفائه بتمام الملاك في الأمر الواقعي يكون قبيحاً، إلا أنّ هذا ليس مطلقاً، و إنما هو مخصوص بما إذا فرض استمرار الجهل بالواقع، و أمّا لو فرض انكشاف الواقع كما هو محل البحث، فلا يكون جعله قبيحاً حتى لو فرض عدم وفائه بملاك الواقع؛ إذ يمكن افتراض أنّ فائدته تفرض في تمكين المكلف من استيفاء مصلحة الواقع على تقدير استمرار الجهل؛ و ذلك لعدم علم المكلف بأنّ الواقع سوف ينكشف له فيما بعد،. فيجب عليه امتثال الأمر الظاهري حفاظاً على استيفاء مصلحة الواقع التي ربما تفوت عليه فيما لو استمر جهله بالواقع، غاية الأمر، أن انكشاف الواقع يكشف عن عدم توجه الأمر الظاهري إليه فيجب عليه الإعادة في داخل الوقت و القضاء خارجه. وعليه، فلا ملازمة بين جعل الأمر الظاهري و بين الإجزاء عقلًا.

467

أدلة الاحكام الواقعية و توسعتها لموضوعاتها، و هذا ما ذهب إليه صاحب الكفاية، بدعوى أن المستفاد من أدلة بعض الأصول العملية الجارية في الشبهات الموضوعية، من قبيل: أصالة الطهارة، هو: توسعة الموضوع في ما يشترط فيه الطهارة كالصلاة مثلًا، من كونه خصوص الطهارة الواقعية الى الأعم منها و من الطهارة الظاهرية.

فمن صلى بثوب مشكوك الطهارة اعتماداً على أصالة الطهارة، فإن صلاته سوف تكون صحيحة واقعاً و واجدة لشرطها الواقعي، و هو: بحسب الفرض الطهارة الأعم من كونها واقعية أو ظاهرية، بدعوى أن دليل أصالة الطهارة يوسع من دائرة الموضوع في دليل الشرطية، فبعد أن كان الموضوع خصوص الطهارة الواقعية، أصبح بفضل دليل أصالة الطهارة الأعم منها و من الطهارة الظاهرية.

و قد تقدمت الإشارة إلى هذا المطلب في بداية الحلقة عند البحث في الأحكام الظاهرية تحت عنوان: (التصويب بالنسبة إلى بعض الاحكام الظاهرية)، و قد ذكرنا هناك أنّ هذا الكلام نحو من التصويب الباطل‏ (1).

____________

(1) قال السيد الشهيد بحسب ما جاء في تقريرات بحثه:) و قد تحصل من مجموع ما تقدم في هذا البحث: أنه متى ما كان لدليل الأمر الواقعي اطلاق، فمقتضى القاعدة عدم اجزاء الحكم الظاهري و لزوم الاعادة داخل الوقت و القضاء خارجه في غالب الفروض، و بنحو الاحتياط في بعضها ما لم يأت مخصص لمقتضى القاعدة أي لاطلاق دليل الحكم الواقعي، كما ورد في الصلاة حديث (لا تعاد)، أو لم يكن دليل الحكم الواقعي مطلقاً كما في الأدلة اللبية على بعض الأجزاء و الشرائط، و التي قد لا تشمل حالة تبدل الحكم و الوظيفة اجتهاداً أو تقليداً». راجع: بحوث في علم الأصول، ج 2، ص 171.

468

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

469

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

470

الدليل العقلي امتناع اجتماع الأمر و النهي‏

471

امتناع اجتماع الأمر و النهي‏

تمهيد في نقاط:

الأولى: في بيان موضوع البحث في المسألة

المقصود باجتماع الأمر و النهي المبحوث عنه في المقام، هو: أن يتعلق الأمر بفعل معين، و يتعلق النهي بعين ذلك الفعل في نفس الوقت مع تعدد الجهة، كأن يؤمر بالصلاة و ينهى عنها في آن واحد و لكن بعنوانين و من جهتين‏ (1).

و أما لو تعلق الأمر بفعل و النهي بفعل آخر، كالأمر بالصلاة و النهي عن النظر إلى الأجنبيّة حتى و لو تصادف وقوعهما في آن واحد و في ظرف واحد، فهو خارج عن محل البحث و لا يوجد أيّ محذور فيه، كمن نظر إلى امرأة أجنبية و هو يصلي.

و كذلك لو تعلق الأمر بفعل و تعلق النهي بنفس ذلك الفعل و لكن في زمانين مختلفين، فإن هذا أيضاً خارج عن محل البحث، كما لو تعلّق الأمر بفعل الصوم في شهر رمضان و تعلّق النهي بنفس ذلك الفعل في اليوم العاشر من شهر محرّم الحرام.

فالنتيجة إذن: إن موضوع البحث في المسألة، هو: عبارة عن: تعلق الأمر بفعل و تعلق النهي بنفس ذلك الفعل و في نفس الزمان، بحيث يكون المتعلق واحداً فعلًا و زماناً مع تعدد الجهة (2).

____________

(1) أمّا إذا تعلق الأمر و النهي بفعل واحد من جهة واحدة و بعنوان واحد، فلا خلاف في استحالته؛ نتيجة للتضاد و التنافي بين الأحكام بسبب التضاد و التنافي بين مبادئ تلك الأحكام، و ليس هذا هو مورد البحث في هذه المسألة

(2) و ذلك من قبيل الصلاة في الأرض المغصوبة، و الذي هو في الخارج فعل واحد قد تعلق به الأمر من جهة أنه صلاة، و تعلق به النهي من جهة أنه غصب، و غير ذلك من العناوين و الجهات التي يتصف بها الفعل الواحد في الخارج.

قال المحقق القمي في قوانين الأصول، ص 140: «اختلف العلماء في جواز اجتماع الأمر و النهي في شي‏ء واحد، و موضع النزاع ما إذا كان الوحدة بالشخص لكن مع تعدد الجهة، و أما الواحد بالشخص الذي لم يتعدد الجهة فيه، بأن يكون مأموراً بهما من جهة واحدة، فهو مما لا نزاع في عدم جوازه، إلا عند بعض من يجوز التكليف بالمحال».

و قال أيضاً: «ثم إن القول بجواز الاجتماع هو مذهب أكثر الاشاعرة، و الفضل بن شاذان (رحمه الله) من قدمائنا، و هو الظاهر من كلام السيد (رحمه الله) في الذريعة، و ذهب إليه جملة من فحول متأخرينا، كمولانا المحقق الأردبيلي، و سلطان العلماء، و المحقق الخوانساري، و ولده المحقق، و الفاضل المدقق الشيرواني، و الفاضل الكاشاني، و السيد الفاضل صدر الدين، و أمثالهم رحمهم الله تعالى، بل و يظهر من الكليني حيث نقل كلام الفضل بن شاذان في كتاب الطلاق و لم يطعن عليه رضاءه بذلك، بل و يظهر من كلام الفضل إن ذلك كان من مسلمات الشيعة، و إنما المخالف فيه كان من العامة، كما أشار إلى ذلك العلامة المجلسي (رحمه الله) في كتاب بحار الأنوار أيضاً، و انتصر لهذا المذهب جماعة من أفاضل المعاصرين، و القول بعدم الجواز هو المنقول عن أكثر أصحابنا، و المعتزلة، و هذه المسألة و إن كانت من المسائل الكلامية، و لكنها لما كانت يتفرع عليها كثير من المسائل الفرعية ذكرها الأصوليون في كتبهم، فنحن نقتفي آثارهم في ذلك، و الذي يقوى في نفسي و يترجح في نظري هو جواز الاجتماع».

472

الثانية: في بيان محمول البحث في المسألة

بعد أن تبيّن موضوع البحث في المسألة، لا بدّ لنا أيضاً من معرفة المحمول الذي نريد أن نحكم به على ذلك الموضوع- أي: اجتماع الأمر و النهي- فإن المسألة الأصوليّة- كغيرها من المسائل- تتركب من موضوع و محمول، وعليه، يكون المحمول المبحوث عنه في المقام، هو: عبارة عن: الامتناع و عدم الامتناع.

و المقصود بالامتناع هو الاستحالة، فنحن نريد أن نعرف في هذا البحث هل أن اجتماع الأمر و النهي مستحيل أم لا؟ بمعنى: أنه هل يمكن أن يؤمر بفعل و ينهى عنه في وقت واحد؟

و ينبغي لنا أن لا ننسى أننا قد قسمنا البحث في القضايا العقلية إلى قضايا عقلية تركيبية و قضايا عقلية تحليلية، و مسألتنا المبحوث عنها في المقام من صنف القضايا العقلية التركيبية؛ لأن البحث يدور فيها حول استحالة ثبوت شي‏ء لشي‏ء أو عدمه، و نحن هنا نبحث عن استحالة اجتماع الأمر و النهي و عدم استحالته‏ (1).

____________

(1) التعبير باستحالة اجتماع الأمر و النهي أو جوازه و إن كان هو المناسب لما عنون به البحث هنا أو عند كثير من الأصحاب، إلّا أنّ المحقق النائيني لا يعتبر وقوع البحث في هذه المسألة في الاستحالة و الجواز و إنما هو في لزوم اجتماع الأمر و النهي في المسائل المطروحة تحت هذا العنوان أو عدم لزومه؛ باعتبار أنّ استحالة اجتماع الأمر و النهي مفروغ عنها، و بين التعبيرين بون شاسع، و قد جاء عنه بهذا الصدد في فوائد الأصول، ج 1، ص 396 ما نصه:) و القوم و إن عنونوا النزاع على هذا الوجه، إلا أنه ليس ظاهر العنوان مراداً قطعاً؛ فإن ظاهر العنوان يعطى أن يكون النزاع في تضاد الأمر و النهى و عدمه، مع أن تضاد الأحكام باسرها أمر مفروغ عنه غير قابل للنزاع فيه. بل المبحوث عنه في المقام، هو أصل لزوم الاجتماع و عدمه، لا جوازه و عدمه. فالأولى تبديل العنوان بأن يقال: إذا اجتمع متعلق الأمر و النهى من حيث الايجاد و الوجود، فهل يلزم من الاجتماع كذلك أن يتعلق كل من الأمر و النهى بعين ما تعلق به الآخر كما هو مقالة القائل بالامتناع، أو لا يلزم ذلك كما هو مقالة القائل بالجواز؟».

473

الثالثة: استحالة اجتماع الأمر و النهي ترجع إلى أحد سببين:

قوله (قدس) ص 396: «لا شك في التضاد بين الأحكام التكليفية ... الخ».

لا إشكال في استحالة اجتماع الأمر مع النهي على فعل واحد من جهة واحدة، من قبيل الأمر بالصلاة و النهي عنها في زمان واحد، و هذه الكبرى مسلّمة عند الأصوليين الذين يؤمنون بتبعية الأحكام للمصالح و المفاسد الكامنة في متعلقاتها، الأمر الذي يعني: أن الأحكام التكليفية الواقعيّة- كالوجوب و الحرمة- متضادة فيما بينها، و هذا التضاد يعود في واقعه إلى أحد السببين التاليين:

الأول: التضاد و التنافي بين مبادئ و ملاكات تلك الأحكام؛ فإنّ مبادئ الأمر- من المصلحة و المحبوبية- متضادة في نفسها مع مبادئ النهي من المفسدة و المبغوضية.

الثاني: التضاد بين الحكمين في عالم الامتثال، حيث إن كلًا منهما يتطلب امتثالًا يضاد و ينافي ما يتطلبه الآخر، فما يتطلبه الأمر من امتثال هو التحرك نحو إيجاد الفعل، و ما يتطلبه النهي هو الابتعاد عن الفعل.

و الدليل على الأول، هو: أن مبادئ الأمر عبارة عن المصلحة و المحبوبية في الفعل، فالصلاة المأمور بها تكشف عن وجود المصلحة في فعل الصلاة و أنها محبوبة لدى المولى، و مبادئ النهي عبارة عن المفسدة و المبغوضية في الفعل، فشرب الخمر المنهي عنه يكشف عن وجود مفسدة في ذلك الفعل و أنه مبغوض عند المولى، و هذا نتيجة لما قلناه من تبعية الأحكام للمصالح و المفاسد الكامنة في متعلقاتها، و من المعلوم: أن‏

474

المصلحة و المفسدة أو المحبوبيّة و المبغوضيّة ضدان لا يجتمعان في فعل واحد في زمان واحد، فالفعل الذي يكون واجداً للمصلحة و محبوباً لدى المولى لا يمكن أن يكون في نفس الوقت واجداً للمفسدة و مبغوضاً لديه، وعليه، تكون الأحكام التكليفية متضادة فيما بينها، الأمر الذي يعني: استحالة اجتماع الأمر و النهي على فعل واحد في زمان واحد.

و أما الدليل على الثاني- و هو التنافي بين الأحكام في عالم الامتثال- فهو ضيق قدرة المكلّف عن امتثال كل من الأمر و النهي المتعلقان بفعل واحدٍ في آنٍ واحد؛ لأن القادر على الفعل و الترك إذا صرف قدرته لإيجاد الفعل فلا يكون قادراً في عين الوقت لصرفها في تركه؛ لأنه بحسب الفرض أراد الفعل، نعم، يمكن له إعدام ذلك الفعل في زمان آخر، و لكن ليس هذا محل كلامنا، بل كلامنا الفعل و الترك في آن واحد، فإذا تعلق الأمر بفعل، فإن امتثاله يتطلب إيجاد ذلك الفعل، فإذا صرف قدرته في إيجاده، لم يكن بمقدوره أن يتركه امتثالًا للنهي إذا فرض تعلقه به، و هذا يعني أن المكلّف غير قادر على امتثال الأمر و النهي في آن واحد، و هذا سبب استحالة اجتماع الأمر و النهي بلحاظ عالم الامتثال.

لكن ضيق قدرة المكلف عن الجمع بين الحكمين في مقام الامتثال، إنما يكون سبباً لامتناع جعل هذين الحكمين فيما إذا لم يمكن الترتب بينهما، و هو ما بحثناه في القدرة التكوينية في بحث الأمرين بالضدين.

و حيث إن ما نحن فيه من الأمر و النهي و الوجوب و الحرمة لا يمكن الترتب بينهما بالنحو الذي يحكم بوجوب الصلاة فيما لو لم يمتثل النهي المتعلق بها أو يحكم بحرمتها فيما لو لم يمتثل الأمر المتعلق بها، فإن مثل هذا الترتب و التقييد غير معقول؛ لأنه من تحصيل الحاصل، و هو مستحيل، إذ أن من لم يمتثل النهي عن الصلاة فقد صلّى، فلا معنى للأمر بها حينئذ، و كذلك من لم يمتثل الأمر بالصلاة فقد ترك، فلا معنى النهي عنها حينئذٍ؛ لأن النهي عنها يتطلب تركها، و هو حاصل بحسب الفرض.

وعليه، فلو ضاقت قدرة المكلّف عن امتثال كل من الأمر و النهي و لم يمكن الترتب بينهما، فإن هذا سوف يؤدي حتماً إلى استحالة جعلهما، و هذا ما نعنيه من استحالة اجتماع الأمر و النهي.

475

و نتيجة لذلك، فإنه إذا دلّ الدليل على الأمر بشي‏ء ما و دلّ الدليل الآخر على النهي عنه، من قبيل: «صلّ» و: «لا تصلّ» كان هذان الدليلان متعارضين؛ لتحقق ملاك التعارض فيهما بسبب التنافي بين الجعلين، الناشئ من التضاد بينهما في عالم الملاك من جهة، و ضيق قدرة المكلّف عن امتثالهما و عدم إمكان الترتب بينهما من جهة أخرى.

الرابعة: في بيان مورد الخلاف بين الأصوليين في هذه المسألة

قوله (قدس) ص 397: «و هذا مما لا اشكال فيه من حيث الأساس و لكن ... الخ».

قد يتوهم البعض- مما ذكرناه فيما تقدم- أن البحث في هذه المسألة ينصب على أصل استحالة اجتماع الأمر و النهي و عدم استحالته بحيث يكون البحث كبروياً، و مثل هذا التوهم لا مجال له لو التفتنا إلى ما بحثناه سابقاً، من أن الأحكام التكليفية متضادة فيما بينها، فإنه من الطبيعي حينئذٍ القول باستحالة اجتماع الأمر مع النهي لأنهما حكمان تكليفيان متضادان، وعليه، فلا إشكال عند أي أحدٍ من الأصوليين القائلين بتبعية الأحكام التكليفية للمصالح و المفاسد الكامنة في متعلقاتها في استحالة اجتماع الأمر و النهي على متعلق واحدٍ و في زمانٍ واحد، كما إنّه لا إشكال في جواز اجتماعهما على فعلين و إن كانا في زمان واحد مع القدرة على امتثالهما أو على فعل واحد و لكن في زمانين.

بعبارة أخرى: إن متعلق الأمر و النهي إذا كان واحداً فعلًا و زماناً و جهةً، فإنه يستحيل اجتماعهما، و إذا كان متعدداً فعلًا أو متعدداً زماناً فلا إشكال في جواز ذلك.

و منه يتبيّن أن البحث في هذه المسألة بحث صغروي، بمعنى: أنّ ما تعلق به الأمر و النهي هل هو من المتعلق الواحد الأمر الذي يعني القول باستحالة اجتماعهما، أم هو من المتعلق المتعدد الأمر الذي يعني عدم استحالة اجتماعهما؟

و منه يتضح مقصودنا بالكبرى و الصغرى في هذه المسألة؛ فإن الكبرى عبارة عن: استحالة اجتماع الأمر و النهي على متعلق واحد في زمان واحد، و الصغرى عبارة عن: أن ما تعلق به الأمر و النهي من المتعلق الواحد أم المتعلق المتعدد (1).

____________

(1) إذ بعد فرض كون النزاع في الوجود الواحد الذي عرض عليه كل من الأمر و النهي و لكن من جهتين، وقع البحث في أنّ مجرد تعدد الجهة أو العنوان هل يكفي لرفع التنافي بين الأمر و النهي و يخرجهما عن كونهما تعلقا بشي‏ء واحد و إن كان الوجود الخارجي واحداً و لو من باب أنّ الأحكام تتعلق بالعناوين لا بالوجودات الخارجية، أو يخرجهما عن ذلك عن طريق دعوى أنّ تعدد العنوان يكشف عن تعدد المعنون و الوجود خارجاً، أم أنّ مجرد تعدد الجهة و العنوان لا يكفي لرفع ذلك التنافي ما دام الوجود الخارجي واحداً؟ و على كل تقدير، فالخلاف يعود في جوهره و حقيقته إلى كون المتعلق واحداً أو متعدداً.

476

إن قلت: إذا كان الأمر كذلك فلا داعي لهذا البحث؛ إذ أن التمييز بين كون المتعلق واحداً و بين كونه متعدداً لا يحتاج إلى مزيد من البحث العلمي؛ فإن فعل الصلاة غير فعل الغصب، و هكذا.

كان الجواب: إنّ هناك بعض الموارد التي قد يصعب التمييز بينها من حيث كونها من المتعلق الواحد أم هي من المتعلق المتعدد نتيجة لطرو بعض الخصوصيات التي ربما جعلت مما تراه خارجاً فعلًا واحداً هو في حقيقته من الفعل المتعدد- أي: فعلين قد انضم أحدهما إلى الآخر- أو كان في حقيقته فعلًا واحداً و لكن تعلق به الأمر بعنوان و تعلق به النهي بعنوان آخر، فوقع الخلاف بين العلماء في تلك الموارد التي سوف نستعرضها و يتضح لك الحال فيها.

الخصوصيات الموجبة لعدم التمييز بين كون المتعلق واحداً أم متعدداً:

قوله (قدس) ص 397: «قد تفرض بعض الخصوصيات في الأمر و النهي ... الخ».

ذكرنا فيما تقدّم أن الخلاف بين الأصوليين في هذه المسألة ينصب على بعض الموارد التي يصعب التمييز فيها بين كون المتعلق واحداً حتى نحكم بعدم جواز الاجتماع، أو متعدداً حتى نحكم بجواز الاجتماع؛ و ذلك نتيجة لطرو بعض الخصوصيات في الأمر و النهي، و التي قد تخرجهما عن كونهما مجتمعين على شي‏ء واحد، و تجعل من متعلق أحدهما غير الآخر، و بالتالي يزول الامتناع- كما هو واضح- و ينتفي ملاك التعارض بين دليلهما.

و يمكن تلخيص تلك الخصوصيات في ثلاثة:

الخصوصية الأولى: الأمر بالطبيعة و النهي عن حصة خاصة منها

قوله (قدس) ص 397: «الخصوصية الأولى أن نفترض تعلق الأمر بالطبيعة ... الخ».

إنّ الخصوصية الأولى التي قد يخرج معها الأمر و النهي عن كونهما مجتمعين على‏

477

شي‏ء واحد و في زمان واحد، تتمثل في تعلّق الأمر بالطبيعة على نحو صرف الوجود و الاطلاق البدلي الذي يقتضي التخيير العقلي بين حصصها في مقام امتثالها، و تعلق النهي بحصة معينة من حصص تلك الطبيعة من قبيل: «صلّ» و: «لا تصل في الحمام»؛ فإن متعلق الأمر عبارة عن طبيعي الصلاة الذي يتحقق في مقام الامتثال بالإتيان بفرد من أفراد تلك الطبيعة، و متعلق النهي حصة خاصة و هي عبارة عن: الصلاة في الحمام، فهذه الخصوصية توجب اختلاف المتعلقين بالاطلاق و التقييد كما هو واضح؛ فإن متعلق الأمر هو الصلاة المطلقة من دون تقيدها بأي قيد، و متعلق النهي هو الصلاة المقيدة بكونها في الحمام.

و قد وقع البحث عند الأصوليين في أن هذه الخصوصية الموجبة للاختلاف بين المتعلقين بنحو الاطلاق و التقييد، هل هي كافية لإخراج الأمر و النهي عن كونهما مجتمعين على شي‏ء واحد، الأمر الذي يزول معه الامتناع و ينتفي به التعارض بين دليليهما، أم أن هذه الخصوصية و إن أوجبت اختلاف المتعلقين بالاطلاق و التقييد، لكنها غير كافية لإخراج كل من الأمر و النهي عن كونهما مجتمعين على شي‏ء واحد، و معه لا موجب لزوال الامتناع أو انتفاء التعارض بين دليلهما (1)؟

تحقيق الحال في الخصوصية الأولى:

و تحقيق الحال في هذه الخصوصية و معرفة مدى تأثيرها، يقتضي منا الرجوع إلى ما يكون سبباً لوجود التنافي و التضاد بين الحكمين و عدم إمكان اجتماعهما؛ فإن كانت تلك الخصوصية نافية و رافعة لما يمكن أن يكون سبباً لذلك الامتناع، قلنا بجواز اجتماع الأمر و النهي في مثل هذه الحالة، و إن كانت تلك الخصوصية غير كافية لرفع ما يمكن أن يكون سبباً لذلك الامتناع، قلنا بعدم جواز اجتماع الأمر و النهي في مثل هذه الحالة.

و قد ذكرنا سابقاً أن التنافي بين الأمر و النهي و عدم جواز اجتماعهما يعود إلى أحد

سببين رئيسيين:

____________

(1) إنّ مورد الاجتماع في مثل هذه الحالة التي يبحث فيها عن جوازه أو امتناعه، هو عبارة عن: الصلاة في الحمام؛ باعتبار أنّ المكلف مأمور بها من جهة كونها أحد أفراد الصلاة المأمور بها بقوله:) صلّ»، و منهي عنها بقوله:) لا تصل في الحمام».

478

الأول: التنافي بينهما بلحاظ عالم المبادئ و الملاكات.

الثاني: التنافي بينهما بلحاظ عالم الامتثال، الناشئ من ضيق قدرة المكلّف من الجمع بينهما.

وعليه، فتحقيق الحال في هذه الخصوصية يقتضي ملاحظة كلا هذين السببين.

أولًا: لا إشكال في زوال السبب الثاني للتنافي في هذه الخصوصية:

قوله (قدس) ص 397: «و لا شك في أن ذلك يوجب زوال السبب الثاني ... الخ».

و لو رجعنا إلى تلك الخصوصية، لوجدنا أنها موجبة- بلا إشكال- لزوال السبب الثاني للتنافي بين الحكمين، و هو: ضيق قدرة المكلّف عن امتثالهما معاً؛ و ذلك لأنه بإمكان المكلف أن يصلي في غير الحمام، و بذلك يكون قد امتثل الأمر بطبيعي الصلاة؛ لأنه صلّى بحسب الفرض و أوجد الطبيعة المأمور بها، كما إنه يكون ممتثلًا للنهي؛ لأنه لم يصلّ في الحمام و إنما صلّى في مكان غيره، و هذا يعني: أنه لا تنافي بين الحكمين في هذه الحالة في مقام الامتثال؛ لأنه قادر على الجمع بين الامتثالين كما بيّنا ذلك.

و لكن هذا لوحده لا يكفي لرفع التنافي بين هذين الحكمين ما لم تكن تلك الخصوصية موجبة لرفع السبب الأول للتنافي، و هو: التضاد بين الحكمين في عالم المبادئ و الملاكات كما هو واضح، و لهذا، لا بد من البحث في هذا المقام، و هو ما نقوم به في العنوان التالي.

ثانياً: وقوع الخلاف على قولين في زوال السبب الأول للتنافي و عدمه:

قوله (قدس) ص 397: «و انما المهم تحقيق حال السبب الأول ... الخ».

و قد وقع الخلاف بين الأصوليين في هذا المقام على قولين:

الأول: زوال التنافي بينهما؛ لعدم التضاد بين الأمر بالطبيعة و النهي عن حصة منها.

الثاني: عدم زوال التنافي بينهما.

توجيه القول بعدم التنافي بين الأمر بالطبيعة و النهي عن حصة منها:

قوله (قدس) ص 397: «فقد يقال بزواله أيضاً لأن الوجوب ... الخ».

و يمكن أن يستدل لهذا القول بأن مبادئ الأمر و الوجوب كامنة في متعلق هو غير

479

المتعلق الذي تكمن فيه مبادئ النهي و الحرمة؛ و ذلك لأن متعلق الوجوب في قوله: «صل» هو: الجامع، أي: طبيعي الصلاة، فمبادئه تكمن في نفس ذلك الجامع، من غير أن يسري ذلك الوجوب و لا مبادئه إلى الحصة، و متعلق الحرمة في قوله: «لا تصل في الحمام» هو: الحصة الخاصة، و هي: الصلاة في الحمام، و مبادئ تلك الحرمة تكمن في نفس تلك الحصّة. وعليه، لم يتحد معروض الوجوب مع معروض الحرمة؛ فإن معروض أحدهما غير معروض الآخر، و هذا يعني: أن مثل هذه الخصوصية موجبة لتعدد المتعلق، و معه، لا مانع من الأمر بالطبيعة و النهي عن الحصة، و لا تعارض بين هذين الدليلين.

تحقيق الحال في توجيه القول الأول:

قوله (قدس) ص 398: «و هذا مبني على بحث تقدم في التخيير العقلي ... الخ».

المتأمل في هذا النحو من الاستدلال، يجد أنه يتوقف على نكتة أساسية، و هي: أن الأمر إذا تعلق بالجامع فإنه لا يسري- و لو بمبادئه- إلى الحصة، و هذا يبتني- كما هو واضح- على أن التخيير العقلي في موارد الأمر بالطبيعة بنحو الاطلاق البدلي هل يستبطن تخييراً شرعياً و وجوبات مشروطة بعدد ما للطبيعة من حصص بحيث يسري الوجوب المتعلق بالجامع إلى جميع حصص الطبيعة و لكن بنحو مشروط أو على الأقل سراية تلك المبادئ إلى تلك الحصص و بنحو مشروط أيضاً، أو أن هذا التخيير لا يستبطن ذلك، بمعنى: أن يقف الوجوب بمبادئه على الجامع من غير أن يسري هو أو مبادئه إلى تلك الحصص؟

فإن قلنا بالأول و التزمنا بسريان الوجوب أو على الأقل مبادئه إلى الحصص و لو بنحو مشروط، فحينئذٍ لا تجدي هذه الخصوصية الموجبة لاختلاف المتعلقين بالاطلاق و التقييد في التغلب على السبب الأول للتنافي- و هو التضاد بين الملاكين و اجتماعهما على متعلق واحد- و ذلك لأن الأمر بالطبيعة- بحسب هذا الفرض- سوف يجعل من الصلاة في الحمام باعتبارها حصّة من حصص تلك الطبيعة حصّة محبوبة لدى المولى؛ لأن هذه المحبوبية قد سرت- بحسب الفرض- من الجامع إلى هذه الحصة، و تعلق‏

النهي بها يكشف عن كونها مبغوضة لدى المولى، و من المعلوم: عدم إمكان اجتماع‏

480

هذين المبدأين على شي‏ء واحد في زمان واحد؛ و ذلك لتضادهما.

و إن قلنا بالثاني و التزمنا بعدم سراية الوجوب و لا حتى مبادئه إلى الحصة، أمكن القول بجواز الأمر بالطبيعة بنحو التخيير العقلي و الاطلاق البدلي، و النهي عن الحصة الخاصة.

و النتيجة: إنّ تمامية هذا التوجيه أو عدم تماميته تعتمد على تفسير كيفية تعلّق الوجوب في الواجب في موارد التخيير العقلي، و الذي وقع محلًا للخلاف و الاختلاف بين الأصوليين كما تقدّم بحثه سابقاً.

توجيه القول بوقوع التنافي بين الأمر بالطبيعة و النهي عن حصة منها

و يمكن أن يوجّه هذا القول بإحدى طريقتين:

الطريقة الأولى: دعوى استبطان التخيير العقلي للتخيير الشرعي‏

قوله (قدس) ص 398: «فإن قيل باستبطانه ذلك لم يجد اختلاف ... الخ».

و الطريقة الأولى لاثبات التنافي، هي: عبارة عن: دعوى رجوع التخيير العقلي إلى التخيير الشرعي، و هو ما قد تقدم بيانه عند تحقيق الحال في كيفية توجيه القول الأول، و الذي هو عبارة عن: دعوى رجوع التخيير العقلي في موارد الأمر بالطبيعة إلى التخيير الشرعي، الذي يعني: سراية الوجوب أو على الأقل مبادئ ذلك الوجوب فقط من الجامع إلى حصص ذلك الجامع بنحو مشروط، و قد بيّنا كيفية ذلك.

تحقيق الحال في هذه الطريقة لاثبات التنافي:

إنّ صحة هذه الطريقة أو عدم صحتها ترتبط بصحة دعوى الاستبطان المذكورة أو عدم صحتها، و قد حققنا الحال فيها في بحث التخيير العقلي، و قلنا هناك بأنّ الوجدان قاض بسراية مبادئ الوجوب من الجامع إلى الحصص و لو بنحو مشروط، الأمر الذي يمكن معه القول بصحة هذا الطريقة لاثبات التنافي بين الأمر بالطبيعة و النهي عن الحصة الخاصة منها.

الطريقة الثانية: دعوى انحلال الأمر بالمطلق إلى ترخيصات بعدد الحصص‏

قوله (قدس) ص 398: «غير أن مدرسة المحقق النائيني برهنت ... الخ».

لقد حاولت مدرسة المحقق النائيني (قدس) البرهنة على أن الخصوصية التي نحن فيها

481

لا تكفي لرفع التنافي بين الأمر و النهي، و لا توجب تعدد المتعلق، الأمر الذي يعني: التنافي بين الأمر بالمطلق و النهي عن الحصة الخاصة، سواء التزمنا برجوع التخيير العقلي في موارد الأمر بالطبيعة بنحو الاطلاق البدلي إلى التخيير الشرعي و سراية الوجوب من الجامع إلى الحصّة، أم لم نلتزم بذلك.

و الوجه في ذلك التنافي، هو: إن الأمر بالمطلق كالأمر بطبيعي الصلاة مثلًا يعني: أن الواجب لوحظ من قبل المولى مطلقاً من ناحية حصصه، بمعنى: أنه لم يقيده بهذه الحصة أو تلك الحصة، و هذا الاطلاق و عدم التقييد مؤداه الترخيص في تطبيق الجامع على أي واحدة من تلك الحصص بحيث يتمكن المكلّف- بمقتضى هذا الاطلاق- من تطبيق الجامع على الصلاة في المسجد، أو الصلاة في المدرسة، أو الصلاة في الحمام، و هذه الترخيصات سوف تتعدد بعدد ما للطبيعة و الجامع من أفراد و حصص، و إلّا، فلو لم يكن هذا الترخيص متعدداً بعدد الحصص لما كان الواجب بلحاظها مطلقاً بل كان مقيّداً كما هو واضح.

و حينئذٍ، فالترخيص في تطبيق الجامع على الحصة المنهي عنها- و هي الصلاة في الحمام- الناتج من الأمر بالمطلق، ينافي لا محالة النهي المتعلق بهذه الحصة؛ لأن معروضهما- أي الترخيص في التطبيق على هذه الحصة و النهي عنها- واحدٌ و ليس متعدداً، الأمر الذي يعني: عدم جواز الأمر بالطبيعة و النهي عن الحصّة.

نعم، التنافي بين الأمر بالمطلق و النهي عن الحصة لا يكون تنافياً بالذات كالتنافي بين «صلّ» و: «لا تصلّ»، و إنّما هو تناف بالعرض نشأ بسبب انحلال الأمر بالطبيعة إلى ترخيصات بعدد ما للطبيعة من أفراد و حصص، فيقع التنافي بين الترخيص في تطبيق الجامع على هذه الحصة، الناتج عن اطلاق متعلق الأمر، و بين النهي عن تلك الحصة.

ثمرة الاختلاف بين الطريقتين المتقدمتين في اثبات التنافي:

قوله (قدس) ص 399: «و الفرق بين إثبات التنافي بطريقة الميرزا ... الخ».

و مما يترتب على هذا الاختلاف بين المحقق النائيني و غيره في كيفية إثبات التنافي‏

بين الأمر بالمطلق و النهي عن الحصة الخاصة، من حيث كونه بملاك انحلال الأمر

482

بالمطلق إلى ترخيصات بعدد ما لذلك المطلق من حصص و أفراد، أو كونه بملاك سراية الوجوب و لو بمبادئه إلى تلك الحصص و الأفراد، هو: أن الملاك في الطريقة الأولى في إثبات التنافي يختص بالنهي التحريمي و لا يشمل النهي التنزيهي أو الكراهتي، بخلافه في الطريقة الثانية؛ فإنه يجري سواء كان النهي نهياً تحريمياً أم نهياً تنزيهياً كراهتياً. و توضيح ذلك:

إن النهي عن الحصة بنحو النهي التنزيهي الكراهتي لا ينافي- بحسب طريقة الميرزا النائيني في إثبات التنافي- الأمر بالمطلق؛ لأن الترخيص في تطبيق الجامع على الحصة المكروهة الناتج من الأمر بالمطلق لا ينافي كراهة تلك الحصة؛ لأن الترخيص يجتمع مع الكراهة كما هو واضح، و هذا بخلاف النهي التحريمي؛ فإنه لا يمكن أن يجتمع مع الترخيص.

و أما لو أخذنا بملاك الاستبطان المشار إليه سابقاً في إثبات التنافي، فإن التنافي حاصل بين الأمر بالطبيعة و مطلق النهي عن الحصة، سواء أ كان نهياً تحريمياً أم نهياً كراهتياً؛ و ذلك لعدم إمكان اجتماع محبوبية تلك الحصة الناشئة من سريان المبادئ من الجامع إليها مع مبغوضيتها الناشئة من كراهيتها، فكما لا يمكن اجتماع الوجوب مع الحرمة بسبب التضاد بين مبادئ الحكمين، فكذلك- و لنفس السبب- لا يمكن اجتماع الوجوب مع الكراهة.

تحقيق الحال في الطريقة الثانية لاثبات التنافي:

قوله (قدس) ص 399: «و لكن التحقيق أن طريقة الميرزا ... الخ».

و الطريقة المتقدمة للمحقق النائيني (قدس) في إثبات التنافي بين الأمر بالمطلق و النهي عن الحصة الخاصة، تعتمد اعتماداً كلياً على دعوى أن مؤدى الاطلاق عبارة عن: الترخيص في تطبيق الجامع على أي واحدة من حصصه، فيتعدد هذا الترخيص بتعدد الحصص المفروضة للمطلق، فلو قال الشارع: «أقم الصلاة» بنحو الاطلاق البدلي، فهذا يعني: الترخيص في تطبيق جامع الصلاة المطلوب على الصلاة في المسجد، أو على الصلاة

في البيت، أو على الصلاة في المدرسة، أو على الصلاة في الحمام، و هكذا.

483

و هذه الطريقة في إثبات التنافي بين الأمر بالمطلق و النهي عن الحصة غير وجيهة؛ لأنها تستبطن أحد أمرين:

الأول: دلالة الاطلاق على الترخيص المدعى بنحو الدلالة المطابقية، بحيث يكون معنى الاطلاق هو الترخيص في التطبيق.

الثاني: دلالة الاطلاق على الترخيص المدعى بنحو الدلالة الالتزامية، بمعنى: أن يكون الاطلاق مستلزماً للترخيص في التطبيق و إن لم يكن بنفسه ترخيصاً.

و كلا الأمرين غير صحيح.

أما الأول، فلأن الاطلاق ليس ترخيصاً في التطبيق؛ و ذلك لأن حقيقة الاطلاق هي رفض القيود لا تجميعها، فالاطلاق عبارة عن: عدم لحاظ القيد مع الطبيعة عند ما يراد جعل الحكم عليها كما تقدم في بحث الاطلاق، و هذا ما نقصده من أن الاطلاق عبارة عن: رفض القيود لا تجميع القيود (1).

و أما الثاني، فلأن الاطلاق- بعد ما كان عبارة عن: عدم لحاظ القيد مع الطبيعة عند الأمر بها- إنما يستلزم عدم المانع الناشئ من نفس الأمر في تطبيق متعلق ذلك الأمر- و هو الطبيعة- على أي حصة من حصص تلك الطبيعة، بمعنى: أن لا يكون هناك أي مانع من ناحية نفس الأمر يحول دون تحقق امتثال الطبيعة بهذه الحصة أو تلك، و إن كان ما أتى به المكلف هو الطبيعة المقيدة بهذا القيد أو ذاك تبعاً للحصة التي يختارها في مقام الامتثال؛ إذ لا تنافي بين كون المأمور به هو صرف وجود الطبيعة، و بين أن يتحقق الامتثال بالطبيعة المقيدة بهذا القيد أو ذاك؛ لأن الاطلاق- كما تقدم- عبارة عن: عدم لحاظ القيد مع الطبيعة، فهو- أي: المولى- لم يرد القيد، لا أنه أراد عدم القيد، و الفرق واضح بين الأمرين.

و من المعلوم: أن عدم المانع من قبل نفس الأمر شي‏ء، و عدمه من قبل نفس جاعل‏

____________

(1) قد وقع الخلاف في بيان حقيقة الاطلاق من حيث كونه رفضاً للقيود بمعنى: دلالة المطلق على الطبيعة المجرّدة عن أي قيد، أو هو عبارة عن: تجميع القيود بمعنى: دلالة المطلق على الطبيعة مع أي قيد كان، فالصلاة المأمور بها مطلقاً هي: طبيعي الصلاة المعراة من أي قيد على الأول، و هي: الصلاة التي لوحظ معها أي قيد كان- ككونها في المسجد أو في البيت أو في الحمام- على الثاني.

484

ذلك الأمر شي‏ء آخر؛ إذ الثاني مساوق للترخيص الفعلي، بخلاف الأول؛ فإنه ترخيص وضعي قهري ناشئ من الضرورة التي يحتمها امتثال الطبيعة المأمور بها؛ فإن امتثالها لا يمكن أن يكون إلّا ضمن حصة خاصة، أما الترخيص في الثاني، فإنه ترخيص تكليفي ناشئ من قبل نفس الآمر. و ما هو مناف للنهي عقلًا هو الترخيص التكليفي الناشئ من قبل جاعل الأمر، لا الترخيص الوضعي الذي تفرضه ضرورة الامتثال و التطبيق الخارجي.

و بعبارة مختصرة: إن الترخيص الناشئ من اطلاق نفس الأمر ترخيص عقلي تفرضه ضرورة التطبيق الخارجي إما على هذه الحصة أو تلك، بخلاف الترخيص الناشئ من قبل نفس الآمر؛ فإنه ترخيص شرعي لا عقلي، و هذا الثاني هو المنافي للنهي عن الحصّة، لا الأول‏ (1).

نتيجة البحث في الخصوصية الأولى:

و نتيجة البحث هنا في هذه الخصوصية، هي: إنّ الأمر بالطبيعة بنحو صرف الوجود و الاطلاق البدلي و إن لم يكن منافياً في مقام الامتثال للنهي عن حصّة خاصّة من حصصها إلا أنّه مناف له بلحاظ عالم المبادئ و الملاكات؛ و ذلك نتيجة لسراية تلك المبادئ من الجامع إلى تلك الحصص، الأمر الذي يعني: أنّ خصوصية الاطلاق و التقييد لا تكفي لوحدها لرفع التنافي بين الأمر و النهي بالنحو الذي يسوغ للمكلّف امتثال المطلق بالحصّة المنهي عنها، الأمر الذي يعني بالضرورة وقوع التعارض بينهما. و بهذا، ينتهي البحث في الخصوصية الأولى، و سوف يقع البحث بعدها في الخصوصية

الثانية التالية.

____________

(1) و لتوضيح الصورة أكثر لا بأس بالالتفات إلى المثال التالي: لو قال لك والدك:) اسقني ماءً بارداً»، و كانت لديك أربعة أوان فيها ماء بارد، فمقتضى الاطلاق و عدم التقييد بهذا الإناء أو ذاك أنك مخير عقلًا بين هذه الأواني الأربعة و مرخص في أن تأتي له بالإناء الأول أو الثاني و هكذا. فهذا النوع من الترخيص الذي يقتضيه الاطلاق لا ينافي عقلًا أن ينهاك والدك عن الاتيان له بالإناء الثالث، و هذا بخلاف ما لو قال لك:) ائتني بالماء البارد من أي إناء شئت»، فإن هذا ترخيص من قبل نفس الآمر في التطبيق على أي إناء من الأواني الأربعة، فلو صدر النهي عن الإناء الثالث منفصلًا، لكان منافياً لذلك الترخيص في هذه الحالة. و الترخيص الذي يقتضيه الإطلاق هو من النحو الأول لا الثاني.

485

الخصوصية الثانية: إذا تعلق الأمر بعنوان و النهي بعنوان آخر

قوله (قدس) ص 400: «الخصوصية الثانية أن نفترض تعدد ... الخ».

الخصوصية الثانية التي قد تكون سبباً لجواز اجتماع الأمر و النهي و رفع التنافي بينهما، و الموجبة لتعدد المتعلق، هي: عبارة عن: تعدد العنوان بحيث يتعلق الأمر بعنوان معين و النهي بعنوان آخر، من قبيل قوله: «صلّ» و: «لا تغصب»؛ فإن العنوان الذي تعلق به الأمر عبارة عن: الصلاة، و العنوان الذي تعلق به النهي عبارة عن: الغصب، و أحدهما غير الآخر قطعاً.

و موضوع بحثنا في هذه الخصوصية، هو: فيما لو اتحد المصداق الخارجي لهذين العنوانين، كما في الصلاة في الأرض المغصوبة، لا فيما إذا لم يتحدا في الخارج كالصلاة في غير الأرض المغصوبة و الغصب في غير حال الصلاة، و لا فيما إذا كان العنوان متعدداً و الوجود الخارجي متعدداً أيضاً حتى لو وقعا في زمان واحد كالنظر إلى الأجنبية في حال الصلاة، من قبيل قوله: «صلّ»، و قوله: «لا تنظر إلى الأجنبية»؛ فإنه لا مجال هنا للقول بعدم الجواز كما هو واضح.

و المثال الواضح لهذه الخصوصية المطروحة للبحث، هو: عبارة عن: الصلاة في الأرض المغصوبة، فهل يقال هنا بجواز اجتماع الأمر و النهي بحيث يكون المكلف مأموراً بالصلاة و بنفس الوقت منهياً عن الغصب، فإذا صلي في الأرض المغصوبة كان ممتثلًا للأمر بالصلاة، و عاصياً للنهي عن الغصب، أو أنه يقال بعدم جواز اجتماعهما في مثل هذه الحالة و الالتزام بسقوط أحد الحكمين قطعاً؟

وقوع الخلاف في هذه المسألة على قولين:

و هذه المسألة- كسابقتها- قد وقعت محلًا للخلاف بين الأصوليين من حيث جواز الاجتماع و عدمه، فمنهم من ذهب إلى القول بالجواز بدعوى أنّ تعدد العنوان يكون سبباً كافياً لرفع التنافي و التضاد بين الحكمين‏ (1)، و منهم من ذهب إلى القول بعدم الجواز؛ بدعوى‏

____________

(1) قال المحقق القمي في قوانين الأصول، ص 140: «لنا على الجواز وجوه: الأول: أن الحكم إنما تعلق بالطبيعة على ما أسلفنا لك تحقيقه، فمتعلق الأمر طبيعة الصلاة و متعلق النهي طبيعة الغصب و قد أوجدهما المكلف بسوء اختياره في شخص واحد، و لا يرد من ذلك قبح على الآمر؛ لتغاير متعلق المتضادين، فلا يلزم التكليف بالمتضادين، و لا كون الشي‏ء الواحد محبوباً و مبغوضاً من جهة واحدة».

486

أنّ تعدد العنوان ليس كافياً لوحده لرفع التنافي و التضاد بين الحكمين، و فيما يلي نحاول استعراض أدلة كل من هذين القولين.

دليل القول الأول: تعدد العنوان يوجب رفع التنافي بين الحكمين‏

قوله (قدس) ص 400: «و تعدد العنوان قد يسبب جواز الاجتماع ... الخ».

وجهان في بيان دليل القول الأول:

إنّ تعدد العنوان بحيث يكون الأمر متعلقاً بعنوان و هو الصلاة في المثال المذكور، و يكون النهي متعلقاً بعنوان آخر و هو الغصب، يكفي لرفع التنافي بين الأمر و النهي؛ و ذلك للوجهين التاليين:

الوجه الأول: كشف تعدد العنوان دائماً عن تعدد المعنون خارجاً

قوله (قدس) ص 400: «أن تعدد العنوان يبرهن على تعدد المعنون ... الخ».

ذكرنا فيما تقدم أن الخلاف في مسألة اجتماع الأمر و النهي في بعض الموارد إنما هو في تشخيص و تحديد كون المتعلق لهما واحداً أو متعدداً، فإن كان واحداً فعلًا و زماناً، فلا خلاف بين الأصوليين في الامتناع، و إن كان متعدداً، فلا خلاف بينهم أيضاً في جواز الاجتماع. و حيث إنّ المتعلق المبحوث عنه في المقام هو من المتعلق المتعدد لا الواحد، فلا مناص من القول بجواز الاجتماع.

و الوجه في كون المتعلق في المقام من المتعلق المتعدد لا الواحد، هو: إن الأمر قد تعلق بعنوان و هو الصلاة، و هو غير العنوان الذي تعلق به النهي و هو الغصب، و تعدد العنوان يكشف دوماً عن تعدد المعنون، الأمر الذي يعني: أن هذه الخصوصية تكون سبباً كافياً لجواز الاجتماع و رفع التنافي بين الأمر و النهي. وعليه، فمن صلّى في الأرض المغصوبة تكون صلاته صحيحة، غاية الأمر أنه ارتكب حراماً و استحق إثماً من ناحية الغصب.

عدم جريان التقريبين السابقين للتنافي بناءً على هذا الوجه:

قوله (قدس) ص 400: «أما الوجه الأول فهو إذا تم يدفع التنافي ... الخ».

قبل تحقيق الحال في هذا الوجه و بيان مدى صحة هذه الدعوى أو عدم صحتها، لا بدّ

487

من الإشارة إلى أنّ هذا الوجه إذا تم فهو يدفع التنافي بكلا التقريبين المتقدمين لإثبات التنافي بين الأمر و النهي، و اللذين تقدم بيانهما في الخصوصية الأولى، سواء كان ذلك بتقريب استبطان الأمر بالجامع للوجوبات المشروطة بالحصص، أو بتقريب استلزام الأمر بالجامع للترخيص في التطبيق على الحصة المنهي عنها.

و الوجه في ذلك، هو: أن هذا الوجه يفترض تعدد الوجود الخارجي بنحو يكون متعلق الأمر غير متعلق النهي، و مع هذا التعدد في الوجود الخارجي، لا يجري كلا هذين التقريبين.

أمّا على تقريب الاستبطان، فلأنّ متعلق الوجوب المشروط غير متعلق النهي، فيكون الأمر بالحصة- أي: الصلاة في الأرض المغصوبة- من حيث كونها صلاة لا من حيث كونها غصباً، و النهي عنها يكون من حيث كونها غصباً لا من حيث كونها صلاة؛ إذ الوجود في الخارج وجودان يمثل أحدهما الصلاة، و يمثل الآخر الغصب.

و أمّا بالنسبة للتقريب الثاني- و هو استلزام الاطلاق للترخيص في التطبيق- فالأمر كذلك أيضاً؛ فإن الترخيص في التطبيق على هذه الحصة إنّما هو باعتبارها صلاة لا باعتبارها غصباً، و النهي عنها إنما هو باعتبارها غصباً لا باعتبارها صلاة، فلم يجتمع الأمر و النهي على متعلق واحد فلا تنافي في البين.

تحقيق الحال في هذا الوجه:

قوله (قدس) ص 401: «و لكن الإشكال في تمامية هذا الوجه ... الخ».

إنّ هذا الوجه- كما تقدّم- يستند في رفع التنافي بين الأمر و النهي في مثل هذا المورد على ركيزة أساسيّة، و هي: دعوى أن تعدد العنوان يكشف دوماً عن تعدد المعنون و الوجود الخارجي و إن كنّا لا نشعر بذلك أحياناً، و لكن الكلام كل الكلام في مدى تمامية هذه الدعوى؛ إذ لا برهان على أن تعدد العنوان يكشف دوماً عن تعدد المعنون خارجاً؛ إذ لا مانع من الالتزام بتعدد العنوان مع كون المعنون واحداً، و ذلك لأن‏

العناوين على نحوين:

الأول: ما يكون عنواناً عرضياً انتزاعياً من غير أن يكون ممثلًا لحقيقة الشي‏ء و ماهيته،

488

من قبيل انتزاع عنوان: (الشاعر) أو (الكاتب) من إنسان معيّن؛ فإن مثل هذه العناوين لا تمثل حقيقة ذلك الإنسان و ماهيته كما هو واضح.

الثاني: ما يكون عنواناً حقيقياً للشي‏ء بحيث يمثل الحقيقة النوعية لذلك الشي‏ء، من قبيل عنوان (الإنسان) و غيره من العناوين الأخرى.

و تعدد العنوان إنما يكشف عن تعدد المعنون في النحو الثاني من العناوين لا في النحو الأول؛ و ذلك لأنّ بالإمكان انتزاع عنوانين أو أكثر من موجود خارجي واحد، و هذا بخلاف النحو الثاني من العناوين؛ فإنها ما دامت تمثل الحقيقة النوعية للشي‏ء، فمن الواضح أنّ تعدد العنوان يساوق تعدد الشي‏ء خارجاً؛ لأن الالتزام بتعدد العنوان في هذه الحالة مع عدم تعدد المعنون خارجاً، يعني: افتراض أن لهذا الشي‏ء الواحد بحسب الفرض ماهيتين نوعيتين، و هذا باطل؛ إذ لا يمكن أن يكون للشي‏ء الخارجي الواحد ماهيتان نوعيتان.

فإذا تبين أن دعوى الملازمة المذكورة بين تعدد العنوان و تعدد المعنون إنما هي في خصوص العناوين التي تمثل الماهية الحقيقية للشي‏ء، فلا بدّ- لكي يتم هذا الوجه لدفع التنافي بين الأمر و النهي في هذا المورد أو غيره من الموارد الأخرى- من إثبات أن هذه العناوين- من قبيل عنوان (الصلاة) و عنوان (الغصب)- هي من العناوين الماهويّة و ليست من العناوين الانتزاعية؛ إذ ليس كل عنوان من العناوين يشكل الماهية النوعيّة لمعنونه، بل كثيراً ما يكون من العناوين العرضية المنتزعة.

وعليه، فلا ملازمة بين تعدد العنوان و تعدد المعنون‏ (1).

الوجه الثاني: تعلق الأحكام بالعناوين و الصور الذهنية لا بالوجود الخارجي‏

قوله (قدس) ص 401: «و أما الوجه الثاني فحاصله أن الأحكام ... الخ».

كان الكلام في الوجه الأول من الوجهين اللذين يقرّب من خلالهما كفاية تعدد العنوان لرفع التنافي بين الأمر و النهي، و يقع الكلام هنا في الوجه الثاني، و حاصله: إنّ‏

____________

(1) قال الآخوند الخراساني في كفاية الأصول، ص 159: «إنه لا يوجب تعدد الوجه و العنوان تعدد المعنون، و لا ينثلم به وحدته؛ فإن المفاهيم المتعددة و العناوين الكثيرة ربما تنطبق على الواحد».

489

المناط في معرفة كون المتعلق واحداً أم متعدداً، هو: ملاحظة العنوان و الصورة الذهنية التي تقع متعلقاً للحكم الشرعي؛ لأنه هو الذي يكون معروضاً للحكم، و لا عبرة بالوجود الخارجي سواء كان واحداً أم متعدداً.

و الوجه في ذلك، هو: أن الأحكام إنما تتعلق بالعناوين و الصور الذهنية لا بالوجود الخارجي مباشرة؛ و ذلك لاستحالة تعلق الأحكام بالخارج مباشرة، وعليه، فإنّ مجرد تعدد العنوان بحيث ينصب الأمر على عنوان هو غير العنوان الذي ينصب عليه النهي، يكفي لرفع التنافي بينهما حتى لو كان المعنون و الوجود الخارجي واحداً.

وعليه، ففي ما نحنُ فيه- و هو الصلاة في الأرض المغصوبة- بناءً على هذا الوجه، لا يوجد ما يمنع من توجه كل من الأمر و النهي إلى المكلّف في تلك الحالة، و لا يوجد أي محذور في ذلك؛ لأن الأمر بحسب الفرض قد تعلق بعنوان (الصلاة)، و أما النهي فقد تعلق بعنوان (الغصب)، و من الواضح وجود التغاير و الاختلاف بين هذين العنوانين، فلم يتعلق الأمر بعين ما تعلق به النهي، بل كان متعلق أحدهما غير متعلق الآخر، و معه، لا موجب لامتناعه.

و الفرق بين هذا الوجه و سابقه، هو: أن الوجه السابق بحاجة إلى إثبات الملازمة بين تعدد العنوان و تعدد المعنون، بخلاف هذا الوجه؛ فإنه في غنى عن ثبوت هذه الدعوى أو عدم ثبوتها، بل يكفي عنده تعدد العنوان و إن كان المعنون و الوجود الخارجي واحداً.

المناقشة على هذا الوجه:

قوله (قدس) ص 401: «فإن قيل أن العناوين في الذهن إنما يعرض لها ... الخ».

و يمكن المناقشة في هذا الوجه بأن يقال: إن الأحكام و إن كانت تتعلق ابتداءً بالعناوين و الصور الذهنيّة و لا تتعلق بالخارج مباشرة، و لكن هذا لا يعني: أن العناوين لوحظت بما هي هي، و إنما لوحظت بما هي مرآة للخارج؛ لوضوح أن المطلوب هو إيجاد المتعلق خارجاً و ليس الصورة الذهنية لذلك الخارج، و هذا يعني أن الحكم في‏

نهاية الأمر ينصب على الخارج لا على العنوان، و لكن، حيث إنه لا يمكن جعل الحكم على الخارج مباشرة، اقتضى أن يتوسط العنوان في ذلك.

490

و إذا كان الأمر كذلك، فالعبرة كل العبرة حينئذٍ بالوجود الخارجي، فإن كان متعدداً أمكن تعلق الأمر بأحدهما و النهي بالآخر، و إن كان واحداً فلا يمكن أن يثبت أمر و نهي عليه و لو بتوسط عنوانين.

وعليه، فهذا الوجه في دفع التنافي بين الأمر و النهي في مثل الصلاة في الأرض المغصوبة غير تام.

جواب السيد الشهيد (قدس) على المناقشة المذكورة:

قوله (قدس) ص 402: «كان الجواب على ذلك أن ملاحظة العنوان ... الخ».

و قد أجاب السيد الشهيد (قدس) على المناقشة المذكورة بما حاصله: إنّ الأحكام و إن كانت تتعلق بالعناوين لا بما هي هي بل بما هي مرآة للخارج، و لكن هذا لا يعني: سراية الحكم إلى الخارج حقيقة، بل غاية ما يعنيه ذلك، هو: أن العنوان لوحظ بما هو (صلاة) أو (غصب) مثلًا لا بما هو مجرد صورة ذهنية في أفق النفس. و من الواضح: أن ملاحظة العنوان بما هو مرآة للخارج غير الخارج حقيقةً قطعاً، و غير ملاحظة الصورة الذهنيّة بما هي هي أيضاً.

و قد تقدّم- عند البحث في القضية الحقيقية و الخارجية للأحكام- التمييز بين ملاحظة العنوان بما هو هو و ملاحظته بما هو مرآة للخارج، و ذكرنا هناك أن هذا العنوان إذا نظر إليه بالنظر التصديقي و بالحمل الشائع يكون مغايراً تماماً للخارج، و إذا نظر إليه بالنظر التصوّري- و بما هو مرآة للخارج- يكون عين الخارج، و فرقنا هناك بين الصورة الذهنية بالحمل الشائع و الصورة الذهنية بالحمل الأولي.

و بناءً على ما تقدّم، فإن الخارج لا يكون معروضاً للحكم مباشرةً، و إنما المعروض بالذات لهُ هو العنوان و الصورة الذهنيّة، وعليه، فلا ينفع الاعتراض المتقدم في دفع هذا الوجه.

الوجه الثاني و التقريب الأول للتنافي:

قوله (قدس) ص 402: «و هذا الوجه إذا تم إنما يدفع التنافي بالتقريب الأول ... الخ».

ذكرنا أن هذا الوجه يعتمد في دفعه للتنافي بين الأمر و النهي في مورد الصلاة في الأرض المغصوبة على أساس تعدد العنوان و أنّ هذا التعدد يكفي لوحده لرفع غائلة التنافي‏

491

بين الأمر و النهي و إن كان الوجود الخارجي واحداً؛ إذ إنّ العبرة في تحديد المتعلق من حيث كونه واحداً أو متعدداً هو العنوان و ليس المعنون؛ باعتبار أن الأحكام تتعلق بالعناوين لا بالخارج مباشرة، و بناءً على هذا الوجه سوف يرتفع التنافي بين الأمر و النهي على التقريب الأول من التقريبين المتقدمين في إثبات التنافي، و الذي يقوم على أساس دعوى استبطان الأمر بالجامع للوجوبات المشروطة بعدد حصص الجامع؛ و ذلك لأن كل وجوب من هذه الوجوبات المشروطة سوف يتعلق بحصة من حصص الجامع بعنوانه لا بعنوان أنها حصة من حصص ما تعلق به النهي، فالأمر بجامع الصلاة سوف يتعلق بالصلاة في الأرض المغصوبة بعنوان أنها صلاة و لا يتعلق بها بما هي حصة من حصص الغصب، و مع وجود هذين العنوانين و تعلق الأمر بأحدهما و النهي بالآخر، فلا تنافي بين الوجوبات المشروطة و النهي و إن كان الوجود الخارجي لهذين العنوانين متحداً.

الوجه الثاني و التقريب الثاني للتنافي:

قوله (قدس) ص 402: «و لكن الوجه المذكور لا يدفع التنافي بالتقريب الثاني ... الخ».

و أمّا بالنسبة إلى التقريب الثاني في إثبات التنافي بين الأمر و النهي، و الذي هو: عبارة عن: دعوى اقتضاء الإطلاق في متعلق الأمر إلى الترخيص في التطبيق على أية حصّة من حصص المطلق، فإنّ هذا الوجه لا يتمكن من دفع التنافي بالتقريب المذكور؛ و ذلك لأن مقتضى إطلاق الأمر بالصلاة لحالة الصلاة في الأرض المغصوبة وفقاً لهذا التقريب، الترخيص في التطبيق حتى في الأرض المغصوبة، و هذا منافٍ لا محالة لتحريم هذه الحصّة من الغصب؛ إذ لا يمكن أن يكون مرخصاً بالصلاة في الأرض المغصوبة في عين الوقت الذي يُحرم عليه الغصب؛ لأن الصلاة في الأرض المغصوبة غصب أيضاً (1).

____________

(1) إن قلت: لما ذا لا يفترض هنا أن الترخيص بالصلاة في الأرض المغصوبة إنما هو بعنوان أنها صلاة لا بعنوان أنها غصب كما كنا نقول في التقريب الأول، و معه، لا تنافي بين الترخيص بالصلاة في الأرض المغصوبة و بين حرمة الغصب.

كان الجواب: إن افتراض تعلق الترخيص بالصلاة في الأرض المغصوبة بعنوان أنها صلاة لا معنى له؛ إذ الترخيص بهذه الحصة من الصلاة يعني لا محالة الترخيص بالغصب؛ لأنّ الصلاة في هذه الحالة تكون غصبية، و هذا ينافي تحريم الغصب، فتأمل جيداً.

492

الخصوصية الثالثة: تعلق الأمر و النهي بعنوانين مع عدم تعاصرهما في الفعلية

قوله (قدس) ص 403: «الخصوصية الثالثة أن نسلّم بأن الخصوصيتين ... الخ».

ذكرنا سابقاً أنّ البحث في المقام في مسألة اجتماع الأمر و النهي من حيث الجواز و الامتناع إنّما هو بلحاظ طرو بعض الخصوصيات التي قد يدّعى معها خروج المتعلّق فيهما من كونه واحداً إلى كونه متعدداً، و قد تقدّم الكلام في الخصوصيتين الأولى و الثانية، و وصل بنا الكلام إلى بيان الخصوصية الثالثة من تلك الخصوصيات فنقول: لو افترضنا أن الخصوصيتين السابقتين غير نافعتين لدفع التنافي بين الأمر و النهي بالنسبة إلى الصلاة في المكان المغصوب، و أنها لا يمكن أن يجتمع عليها أمر و نهي و لو بعنوانين، فهل ينفع في دفع التنافي المذكور افتراض كون الصلاة في الأرض المغصوبة متعلقة للأمر و النهي مع عدم تعاصرهما في الفعلية زماناً بحيث يكون زمان فعلية أحدهما غير زمان فعلية الآخر، كما لو كان الأمر فعلياً و لكن النهي ليس كذلك لسبب ما، أو أنّ ذلك لا ينفع في رفع التنافي؟

و المثال المقصود الذي تنطبق عليه هذه الخصوصية، هو: عبارة عن: حالة طرو الاضطرار بسوء الاختيار، بمعنى: أن يكون المكلف مضطراً إلى فعل شي‏ء أو تركه بالنحو الذي يكون هذا الاضطرار قد حصل بسبب سوء اختيار ذلك المكلف، بحيث لو لم يحصل منه ذلك الاختيار لما كان مضطراً إلى فعل ذلك الشي‏ء أو تركه.

و قد تقدم في البحوث السابقة الإشارة إلى مقولة أن الاضطرار بسوء الاختيار لا ينافي الاختيار عقاباً و لكن ينافيه خطاباً، و التي تعني: سقوط الخطاب بفعليته بالنسبة إلى ذلك الشي‏ء المضطر إليه، لأنّ توجه الخطاب في مثل هذه الحالة يكون من التكليف بغير المقدور.

ينبغي التمييز بين حالتين:

و لو أردنا تطبيق ذلك على ما نحن فيه و هو الصلاة في المكان المغصوب، و مدى‏

إمكان اجتماع الأمر و النهي في هذه الحالة، لا بدّ من التمييز بين حالتين:

الأولى: أن يدخل الإنسان الأرض المغصوبة بدون اختياره، كما لو نقل بقوّة ظالم من بيته و وضع في ذلك المكان المغصوب.

493

الثانية: أن يدخل الإنسان الأرض المغصوبة بسوء اختياره، كما لو دخل هو بنفسه و بكامل اختياره إلى الأرض المغصوبة.

و في كلتا الحالتين يجب عليه الخروج و يحرم عليه البقاء فيما لو كان قادراً على الخروج، و يكون بذلك مضطراً إلى ذلك التصرّف في أرض الغير بالمقدار الذي يستلزمه الخروج من الأرض المغصوبة، و لكن الفرق بين الحالتين، هو: أنه في الحالة الأولى يكون مضطراً إلى هذا التصرّف لا بسوء الاختيار، بخلاف الحالة الثانية؛ فإنّه مضطرٌّ إليه بسوء الاختيار بعد دخوله أرض الغير باختياره.

و يترتب على الفرق المذكور: أن هذا المقدار من التصرّف مرخصٌ فيه من قبل الشارع في الحالة الأولى؛ و ذلك لأمره بالخروج للتخلص من الغصب الحرام، و أما في الحالة الثانية، فالإدانة و المسئولية ثابتة و إن كان مضطراً لذلك؛ و ذلك لما قلناه من: أن الاضطرار بسوء الاختيار لا ينافي الاختيار عقاباً و إدانةً، غاية الأمر، سوف يسقط النهي بناءً على القول المتقدم من أن الاضطرار بسوء الاختيار لا ينافي الاختيار عقاباً و لكنه ينافيه خطاباً؛ لعدم إمكان توجه الخطاب إلى المضطر.

فلو فرض أن وقت الصلاة كان ضيقاً بحيث لو انتظر المكلف إلى ما بعد الخروج لفاته وقت الصلاة، و فرض أيضاً أن بإمكان ذلك المكلّف أن يصلّي حال الخروج بالنحو الذي لا يستلزم من ذلك زيادة مدّة بقائه في الأرض المغصوبة بحيث يكون مدة بقائه لو أراد الصلاة أكثر مما يستلزمه نفس الخروج بدون صلاة، ففي هاتين الحالتين لا شك في كون هذه الصلاة من الصلاة في الأرض المغصوبة، و لكن الكلام في أنه هل يجب على المكلف أن يصلّي أثناء الخروج أو لا يجب عليه ذلك باعتبار أنّه في هذه الحالة لا يمكن توجه كل من الأمر و النهي إليه في نفس الوقت و أنه من اجتماع الأمر و النهي، و هو ممتنع؟

و للجواب على ذلك، ينبغي ابتداءً التفريق بين الحالتين المتقدمتين، ففي الحالة

الأولى لا شك في وجوب الصلاة على المكلف؛ لأن النهي ساقط قطعاً منذ البداية بسبب الاضطرار، فهو لم يكن باختياره، و هذا المورد ليس من اجتماع الأمر و النهي في شي‏ء.

494

وقوع الكلام في الحالة الثانية:

نعم، الكلام في الحالة الثانية، و هي: حالة الاضطرار بسوء الاختيار، فهنا قد يقال بأنّ هذه الصلاة و إن كانت منهياً عنها باعتبارها تصرّفاً في ملك الغير و مأموراً بها باعتبارها صلاة، لكن، حيث إنّ الأمر و النهي هنا غير متعاصرين زماناً لأجل سقوط خطاب النهي بالاضطرار، و إن كان ذلك الاضطرار عن سوء اختيار، جاز توجه الأمر بالصلاة إلى المكلف حال الخروج، فلم يجتمعا معاً في زمان واحد. و النتيجة وفقاً لذلك هي: وجوب الصلاة في هذه الحالة أيضاً؛ لعدم التنافي بين الأمر و النهي مع عدم تعاصرهما زماناً في الفعلية.

نعم، هو مدان بسبب الغصب الناتج من الخروج و إن كان مضطراً إليه؛ لأن الاضطرار بسوء الاختيار لا ينافي الاختيار عقاباً و إدانة.

تحقيق الحال في ذلك:

قوله (قدس) ص 404: «و لكن التحقيق أن ذلك لا يدفع التنافي ... إلخ».

و التحقيق: أنّ هذه الخصوصيّة- أي: الاضطرار بسوء الاختيار- لا تنفع لدفع التنافي بين الأمر و النهي بالنسبة إلى الصلاة في المكان المغصوب؛ لأنّ غاية ما يعتمد عليه في ذلك، هو: عبارة عن: سقوط النهي عن المقدار المرتبط بالخروج باعتبار أنّ المكلّف كان مضطراً إليه؛ و ذلك لأنّ التخلّص من الغصب المحرّم لا يتم إلا به، و الحال أن التنافي بين الأمر و النهي ليس بلحاظ مجرد خطابيهما حتى يقال بأن سقوط النهي خطاباً يجعل من توجه الأمر إلى المكلف ممكناً، بل التنافي إنما هو بلحاظ التضاد بين ملاك الأمر و ملاك النهي و التنافر بين مبادئيهما كما تقدّم بيان ذلك سابقاً، و من الواضح أن سقوط النهي في المقام لم يكن بسبب النسخ أو التبدل في الملاك لكي يكون طرو الأمر بعد ذلك ممكناً، بل إن سقوط النهي كان بسبب الاضطرار بسوء الاختيار الذي هو نحو

من العصيان، و لذلك قلنا باستحقاقه للعقوبة و الإدانة رغم كونه مضطراً. و هذا النحو من الاضطرار، غاية ما يقتضيه هو: سقوط الخطاب فقط، بدعوى أن توجه الخطاب إلى المضطر لا قيمة و لا معنى له، أما المبادئ التي كان يكشف عنها ذلك الخطاب فهي باقية و ثابتة، و إلّا، فلا

495

معنى لإدانته أصلًا. و معه، يكون ما هو سبب للتنافي بين الأمر و النهي باقياً و محفوظاً فيما نحن فيه.

و بعبارة مختصرة: إنّ سقوط النهي، تارة يكون لأجل سقوط المبادئ التي اقتضت ذلك الخطاب، كما في موارد النسخ أو التبدل في الملاكات، و أخرى يكون لمانع يحول دون توجهه إلى المكلّف. فعلى الأول، لا يوجد ما يمنع من توجه الأمر إلى المكلف، و على الثاني، فلا يمكن معه توجه الأمر إلى المكلّف. و ما نحن فيه من الثاني لا الأول كما هو واضح.

هذا كلّه لو آمنا أساساً بأن الاضطرار بسوء الاختيار ينافي الاختيار خطاباً، و أما لو أنكرنا- كما هو الصحيح- هذه المنافاة و التزمنا ببقاء الخطاب أيضاً، فالأمر أوضح.

ملاك آخر لاجتماع الأمر و النهي في المسألة المطروحة:

قوله (قدس) ص 405: «و قد واجه الأصوليون هنا مشكلة اجتماع ... الخ».

كان الملحوظ في مشكلة اجتماع الأمر و النهي بالنسبة إلى الصلاة في المكان المغصوب في حالة الاضطرار بسوء الاختيار عبارة عن: نفس الأمر بالصلاة و النهي عن الغصب و اجتماعهما على فعل واحد و هو الصلاة في المكان المغصوب، و قد بحثنا ذلك مفصلًا فيما تقدّم، إلا أنّ الأصوليين قد واجهوا المشكلة من ناحية ثانية وجهة أخرى غير نفس الأمر بالصلاة، و تلك الجهة عبارة عن: الأمر الفوري بالخروج من الأرض المغصوبة؛ و ذلك للتخلص من الحرام- و هو البقاء في الأرض المغصوبة- و الحال أنّ هذا الخروج لا يخرج عن كونه غصباً فيكون منهياً عنه أيضاً، و توضيح ذلك:

إن التخلص من الغصب واجب؛ و ذلك لحرمة البقاء في المكان المغصوب؛ لأنّ البقاء في المغصوب غصبٌ أيضاً، و من المعلوم: أنّ التخلص من الغصب بعد التلبّس به لا يتم إلّا عن طريق الخروج كما هو واضح، فيكون الخروج مقدمة للتخلص من‏

الغصب؛ لما تقدّم من أنّ ملاك المقدمية هو التوقف، و هو حاصل فعلًا، و حيث إنّ مقدمة الواجب واجبة؛ لأجل الملازمة بين إيجاب شي‏ء و إيجاب مقدمته، فيكون الخروج واجباً و مأموراً به، و الحال أن الخروج يستلزم التصرّف في ملك الغير بدون إذنه، فهو غصبٌ إذن،

496

فيكون منهياً عنه، إمّا بالنهي السابق الذي لا يزال فعلياً بخطابه و روحه معاً بحسب ما اخترناه من أنّ الاضطرار بسوء الاختيار لا ينافي الاختيار لا عقاباً و لا خطاباً، و إمّا فعلياً بروحه و ملاكه فقط على الأقل بناءً على أنّ الاضطرار بسوء الاختيار ينافي الاختيار خطاباً، فيلزم من ذلك كون الخروج منهياً عنه و مأموراً به، فاجتمع الأمر و النهي على مورد واحد في زمانٍ واحد.

التخلص من هذه المشكلة عن طريق أحد وجوه ثلاثة:

قوله (قدس) ص 405: «فهل يلتزم بأن الخروج ليس مقدمة ... الخ».

ثم إنّ التخلّص من المشكلة المزبورة يكون بأحد وجوه ثلاثة:

الأول: الالتزام بأن الخروج ليس مقدّمة للواجب، و معه، لا يتصف بالوجوب و لا يكون مأموراً به، و لا يتعلق به سوى النهي.

الثاني: الالتزام بتخصيص حرمة التصرّف في المغصوب، و تقييده بالغصب الدخولي دون الغصب الخروجي، بحيث لا وجود للنهي من أول الأمر عن هذه الحصة من التصرّف المسببة عن الخروج.

الثالث: الالتزام بانخرام قاعدة وجوب المقدّمة، فالخروج و إن كان مقدمة للواجب، و مقدمة الواجب و إن كانت واجبة، و لكنها ليست شاملة لهذا المورد.

فهذه ثلاثة وجوه بل أقوال في المسألة (1):

____________

(1) إن قلت: إنّ المسألة إذا كانت مسألة أقوال، فمن الطبيعي جداً أن يوجد في المسألة قولان أو ثلاثة، و أمّا لو كانت مسألة وجوه و بقطع النظر عن وجود من يقول بها، فمن الممكن القول: إنّ في المسألة أربعة وجوه لا ثلاثة، و الوجه الرابع، هو عبارة عن: انكار الملازمة بين إيجاب شي‏ء و إيجاب مقدمته شرعاً؛ إذ إنها ليس مورد اتفاق الجميع، و معه، لا وجه لتعلق الأمر بالمقدمة، فلا يلزم اجتماع الأمر و النهي. فما هو الوجه في حصر المسألة بالوجوه الثلاثة المذكورة؟

كان الجواب: إنّ الوجه الرابع و إن كان متصوراً في حدّ نفسه، و لكن الظاهر أنّ نظر السيد الشهيد إلى ما هو ممكن في حدّ نفسه على النحو الذي يمكن أن يقول به قائل، و الحال أنّه يرى أنّ الملازمة بين إيجاب شي‏ء و إيجاب مقدمته شرعاً و إن لم تكن ثابتة في مرحلة الجعل الشرعي، و لكن لا مجال لإنكارها بلحاظ مرحلة المبادئ التي هي السبب في امتناع اجتماع الأمر و النهي، و معه، لا يصلح هذا الوجه في حد نفسه لأن يكون وجهاً لحل المشكلة.

497

الوجه الأول: الالتزام بأن الخروج ليس مقدمة للواجب‏

قوله (قدس) ص 406: «أما الوجه الأول: فحاصله أن الخروج ... الخ».

و الوجه الأول، هو: ما ذكره المحقق الاصفهاني (قدس) (1)، و حاصله: إنّ الواجب فيما نحن فيه هو ترك البقاء، فلو فرض أن الخروج مقدمة، لكان مقدمة لترك البقاء، و الحال أن الخروج لا يمكن أن يكون مقدّمة لترك البقاء؛ و ذلك لأن الخروج و البقاء ضدّان، و قد تقدم في الحلقة السابقة (2) أنّ فعل أحد الضدين ليس مقدمة لترك ضدّه؛ و ذلك لاستلزامه للدور الواضح البطلان، و هذا يعني: أنه لا مقدميّة بين الخروج و ترك البقاء، فلا يكون الخروج مقدّمة لترك البقاء، و معه، فلا يتصف الخروج بالوجوب حتى يقال باجتماع الأمر و النهي على شي‏ء واحد.

تحقيق الحال في الوجه الأول:

قوله (قدس) ص 406: «و هذا الوجه حتى إذا تم لا يحل المشكلة ... الخ».

و هذا الوجه لا ينفع في حل المشكلة المذكورة أو دفعها؛ و ذلك لسببين:

الأول: إنّ البرهان على عدم مقدميّة فعل أحد الضدين لعدم ضدّه هو: عبارة عن: استلزام ذلك للدور، و من المعلوم: أن لزوم الدور إنما يكون فيما لو كان بلحاظ آنٍ واحد، أما كون فعل أحد الضدين في آنٍ سبباً لعدم ضدّه الآخر في الآن الآخر و فيما بعد فلا يلزم منه الدور و لا دليل على استحالته، كما لو كان زيد مريضاً ضعيف الحال، و اشتغل بإزالة النجاسة الآن، فضعف عن أداء الصلاة في الآن اللاحق، فسوف يكون الاشتغال بالإزالة مقدّمة لعدم فعل الصلاة في الآن اللاحق، و في المقام: يدّعى أن‏

الخروج الآن مقدّمة لترك الغصب في الآن اللاحق، و الذي هو واجب على المكلف. فهذا الوجه غير تام.

الثاني: إنّه حتى على تقدير تمامية هذا الوجه و ما يبتني عليه، فهو لا يصلح لحل المشكلة بنحو العموم، و إنما يحلّها بخصوص هذا المثال، و لكن المشكلة لا نواجهها في‏

____________

(1) نهاية الدراية، ج 3، ص 92

(2) و كما سيأتي أيضاً في هذه الحلقة في بحث (اقتضاء الأمر بشي‏ء لحرمة ضدّه)، فلاحظ.

498

هذا المثال فقط، بل نواجهها أيضاً في حالات أخرى لا يمكن إنكار المقدميّة فيها، كما لو سبب شخص بسوء اختياره إلى الوقوع في مرض مهلك، و انحصر علاجه بشرب الخمر- مثلًا- فحيث إنّ شرب الخمر مقدمة للعلاج، فيكون واجباً؛ لأنّه مقدمة للعلاج الواجب، و مقدمة الواجب واجبة، و لا يمكن في هذا الفرض إنكار مقدمية شرب الخمر للعلاج الواجب، و حينئذٍ سوف يجتمع كل من الأمر و النهي على شرب الخمر (1).

الوجه الثاني: الالتزام بتخصيص حرمة الغصب بما عدا الحصة المذكورة

و أمّا الوجه الثاني، فحاصله: إنّ المكلّف في الفرض المذكور، حيث إنّه لا يمكنه الجمع بين التكليفين بنحو يتخلص من الغصب من دون أن يستلزم ذلك للغصب الحرام أيضاً، الأمر الذي يعني أنه لا يمكن تكليفه بالجمع بينهما؛ لأنه من التكليف بغير المقدور، و هو مستحيل، فهذا يعني أنه لا بد من سقوط أحد التكليفين، إما سقوط حرمة الغصب الذي يستلزمه الخروج، و إما سقوط وجوب الخروج للتخلص من الغصب، و الثاني لا يمكن الالتزام به؛ لأنّ معناه: جواز البقاء، و هو محرّم قطعاً لأنّه غصب، فيتعيّن وجوب الخروج فوراً، و سقوط حرمة الغصب الذي يستلزمه الخروج؛ لأنّ أمر المكلّف سوف يدور بين البقاء و بين الخروج فوراً؛ إذ لا ثالث بينهما، و الأول لا يمكن افتراضه؛

لأن البقاء بحاجة دوماً إلى الخروج و إن طال، فيتعيّن الثاني، و هو: لزوم الخروج فوراً، الأمر الذي يعني عدم توجه النهي إليه، و إلّا، لزم اجتماع الأمر و النهي، و هو ممتنع، و هذا يعني: الالتزام بتخصيص حرمة الغصب، بأن لا يكون هناك نهي من أول الأمر عن هذه الحصة من التصرف.

____________

(1) إن قلت: لعلّ نظر المحقق الأصفهاني كان مقصوراً على حل المشكلة في خصوص ما طرح فعلًا مورداً للبحث، و الذي هو عبارة عن: اجتماع الأمر و النهي في مورد الخروج من الأرض المغصوبة خاصة لا مطلقاً، و عندها يكون الاعتراض الأول وحده فقط صالحاً للرد عليه، دون الاعتراض الثاني.

كان الجواب: إنّ هذا و إن كان محتملًا، و لكن النقض على الوجه المذكور بغير ما هو مورد البحث، يكشف عن عدم تمامية هذا الوجه، ما دام الحل ممكناً بغير هذا الوجه، مع عدم ورود مثل هذا النقض عليه، و لذا نقول بعدم تمامية الوجه المذكور حتى على تقدير عدم ورود الاعتراض الأول عليه.

499

تحقيق الحال في الوجه الثاني:

قوله (قدس) ص 406: «و أما الوجه الثاني فلا يمكن الأخذ به ... الخ».

للوقوف على حقيقة الحال في الوجه الثاني المتقدم- و هو: الالتزام بالتخصيص- و بيان مدى تماميته أو عدم تماميته، لا بدّ من معرفة ما يبتني عليه هذا الوجه؛ إذ أن الالتزام بالتخصيص لدليل حرمة التصرّف في المغصوب أو غيره من الأدلّة التي تدل على العموم، إمّا أن يكون لأجل ورود دليل خاص يخرج مورداً معيّناً من حكم موارد ذلك العام، كأن يأتي دليل يقول: «لا يحرم التصرّف في المغصوب» إذا كان لأجل التخلص من الغصب كما فيما نحنُ فيه، و إمّا أن يكون ذلك لوجود مانع يحول دون الالتزام بالعموم في هذا المورد أو ذاك، الأمر الذي يقتضي التخصيص لا محالة.

و الملاحظ لما يبتني عليه هذا الوجه من الالتزام بالتخصيص في دليل حرمة التصرّف في المغصوب، يجده يعتمد على النحو الثاني من الأنحاء الموجبة لتخصيص العام، و من المعلوم: أنّ هذا لا يتم إلّا إذا قام البرهان على عدم وجود أيّ حل آخر للمشكلة المطروحة، و إلّا، فلو فرض إمكان حل المشكلة بالشكل الذي لا يتنافى مع الالتزام بعموم الدليل، فلا وجه للالتزام بالتخصيص حينئذٍ.

الوجه الثالث: الالتزام بانخرام قاعدة وجوب المقدّمة

و أمّا الوجه الثالث، فإنّه يبتني على أساس الانخرام في قاعدة وجوب المقدمة، فالخروج من الأرض المغصوبة و إن كان مقدمة للتخلص من الغصب الذي هو واجب بلا اشكال، و لكنه- أي: الخروج- ليس واجباً، فيبقى على حرمته؛ لأنه غصب أيضاً؛ إذ لا يخرج عن كونه تصرفاً في مال الغير بدون إذنه، وعليه، فلا اجتماع للأمر و النهي على موضوع واحد.

تحقيق الحال في الوجه الثالث:

قوله (قدس) ص 406: «و أما الوجه الثالث فهو المتعين و ذلك ... الخ».

بعد أن تبيّن بمقتضى التحقيق بطلان الوجهين الأول و الثاني من الوجوه الثلاثة المتقدمة، يتّجه القول بتعيّن الوجه الثالث، و لكن، لا على أساس البطلان المذكور للوجهين السابقين فقط، بل بإقامة البرهان على هذا الوجه أيضاً، و توضيح ذلك:

500

إن المقدمة التي يتوقف عليها الواجب و التي يكون لها عدة أفراد، تارة يفترض أنّ كل فرد من أفراد تلك المقدمة مباحاً، فحينئذٍ، لا خلاف في توجه الوجوب الغيري على القول به إلى جميع تلك الأفراد على نحو التخيير العقلي، كما لو أراد أن يصلّي و كان عنده عدة أواني من الماء مباحة و طاهرة، و حينئذٍ لا مانع من الالتزام بتوجه الوجوب الغيري إلى كل فردٍ من تلك الأواني بنحو مشروط؛ لأن كل فردٍ من تلك الأواني يحقق الوضوء به الطهارة التي هي مقدّمة للصلاة، و تارة ثانية يفترض انحصار المقدمة بالفرد المحرّم من بين تلك الأفراد، و تارة ثالثة يفترض أن بعض أفراد تلك المقدمة مباحاً و البعض الآخر محرّماً.

وعليه، تكون المقدمة من حيث انقسامها إلى فرد مباح و فرد محرّم على أقسام ثلاثة:

الأول: أن تكون منقسمة فعلًا إلى فردين: أحدهما مباح، و الآخر: محرّم.

الثاني: أن تكون منحصرة بالفرد الحرام.

الثالث: أن تكون منقسمة فعلًا إلى فردين: أحدهما: مباح، و الآخر: حرام، غير أن المكلّف يعجّز نفسه بسوء اختياره عن الفرد المباح.

فبالنسبة للقسم الأول من هذه الأقسام، لا شك في توجه الوجوب الغيري نحو الفرد غير المحرّم خاصّة دون الفرد المحرّم؛ لأنّ الملازمة التي يدركها العقل بين إيجاب ذي المقدّمة و إيجاب المقدمة لا تقتضي أكثر من ذلك.

و أما بالنسبة إلى القسم الثاني، فسوف يتجه الوجوب الغيري نحو ذلك الفرد المحرّم فيما إذا كان الوجوب النفسي المتعلق بذي المقدّمة أهم من حرمة تلك المقدّمة، و سوف تسقط الحرمة حينئذٍ بملاك التزاحم و تقديم الأهم ملاكاً عند المولى.

و أمّا بالنسبة إلى القسم الثالث منها، و هو: فيما لو كانت المقدمة تنقسم أساساً إلى‏

فرد مباح و آخر حرام كما في القسم الأول، لكن يختلف عنه بأن المكلّف قد عجّز نفسه باختياره عن الفرد المباح، الأمر الذي أدى إلى انحصار المقدّمة بالفرد الحرام من أفرادها، ففي هذه الحالة يدرك العقل أن الانحصار في الفرد المحرّم ما دام حصل بسوء اختيار المكلّف و تعجيز نفسه عن الفرد المباح غير مسوّغ و مبرر لتوجه الوجوب الغيري نحوه، فبالإمكان الالتزام ببقاء الفرد المحرّم على حرمته، و حينئذٍ يكون تعجيز المكلّف‏

501

نفسه عن الفرد المباح من المقدّمة مع بقاء الفرد المحرّم على حرمته تعجيزاً له شرعاً عن الإتيان بذي المقدّمة، فيكون المكلّف بذلك قد عجّز نفسه عن ذي المقدّمة.

و هذا نظير من أراق الماء و لم يوجد عنده غيره فلم يتمكن من الوضوء، فإنه سوف يعجّز نفسه عن الإتيان بالصلاة بالطهارة المائية، وعليه، فالمنع شرعاً عن مقدّمة الواجب كما في المقام- حيث إنّ الغصب الذي يستلزمه الخروج الواجب و الذي هو مقدمة للخروج حرام شرعاً- هو تعجيز شرعي عن الواجب ذي المقدّمة و هو الخروج الفوري، و حيث إن هذا التعجيز المفترض قد حصل بسوء اختيار المكلّف؛ إذ لو لا اختيار المكلّف للغصب لما كان التخلص من الغصب متوقفاً على تلك المقدمة المحرمة؛ لأنه كان بإمكانه أن لا يورط نفسه بالغصب من أول الأمر، فعندها سوف يسقط الخطاب المتكفل للأمر بذي المقدمة على القول المشهور بأن الاضطرار بسوء الاختيار ينافي الاختيار خطاباً و لكن لا ينافيه عقاباً، حيث إنّ الإدانة ثابتة قطعاً.

و لكن مجرد سقوط الخطاب الغيري المتعلق بالمقدّمة المحرّمة و عدم تعلّق الأمر الشرعي بها لا يحول دون حكم العقل بلزوم تحصيل ذي المقدمة و هو الخروج و التخلص من الغصب بقاءً و لو بارتكاب تلك المقدمة المحرّمة؛ لأن ذلك أهون الأمرين، فالمكلف في هذه الحالة بين أن يترك ذي المقدمة باعتبار أن الإتيان به سوف يؤدي به إلى ارتكاب المقدمة المحرّمة، الأمر الذي يعني: البقاء في الأرض المغصوبة و هو غصب محرم أيضاً، و بين أن يأتي بذي المقدّمة و يقع في الحرام نتيجة ارتكابه للمقدّمة المحرّمة- و هي الغصب الذي يستلزمه الخروج- و حينئذٍ سوف يؤدي لزوم تحصيل ذي المقدّمة إلى الاضطرار إلى ارتكاب المحرّم، و عندها سوف تسقط تلك‏

الحرمة أيضاً؛ لما ذكرناه من أنّ الاضطرار و لو بسوء الاختيار ينافي الاختيار خطاباً، بمعنى: أنه لا يمكن توجه الخطاب إلى المكلف في فرض الاضطرار و إن كان عن سوء اختيار.

وعليه، فكما يسقط الأمر الغيري المتعلق بالمقدمة، فكذلك يسقط النهي النفسي المتعلق بنفس تلك المقدّمة، غير أن روحه بما تستتبعه من إدانة و مسئوليّة ثابتة (1).

____________

(1) لا يخفى عليك أنّ هذا الوجه يبتني على مسلك المشهور القائل بأن الاضطرار بسوء الاختيار لا ينافي الاختيار عقاباً و لكنّه ينافيه خطاباً، و لا يتم على مبنى السيد الشهيد القائل بعدم منافاة اطلاق الخطاب للاضطرار بسوء الاختيار، أو على الأقل الالتزام ببقاء روح الخطاب و ملاكه و عدم منافاة ذلك للاضطرار حتى لو كان بسوء الاختيار، و معه، سوف تبقى المشكلة على حالها، و لا ينفع في حلّها القول بسقوط الخطاب؛ لأنّ التنافي بين المبادئ ثابت على كل حال، و هذا هو الذي اعتمد عليه في الرد على محاولة رفع التنافي بين الأمر و النهي بملاك الاضطرار بسوء الاختيار بالنسبة إلى الخصوصية الثالثة المتقدمة.

فالخطاب المتعلق بذي المقدمة- و هو الأمر بالخروج- و إن كان ساقطاً باعتبار أنّ التعجيز الشرعي عن المقدمة هو تعجيز شرعي عن ذي المقدمة، و لكن، لمّا كان بسوء اختيار المكلف، فإنّ مبادئه باقية و محفوظة، الأمر الذي يعني: اتصاف المقدمة بمبادئ الوجوب الغيري، و إن لم تكن متصفة بنفس الوجوب الغيري؛ نتيجة للالتزام بالملازمة بين وجوب ذي المقدمة و وجوب المقدمة و لو في مرحلة المبادئ خاصّة، كما إنّ النهي النفسي المتعلّق بالمقدمة و إن كان ساقطاً، و لكن مبادئه محفوظة و ثابتة بنفس التقريب المتقدم.

وعليه، فهذا الوجه لا يصلح لرفع التنافي بين الأمر و النهي في مورد الخروج من الأرض المغصوبة على النحو الذي يجعله متعيناً على غيره من الوجوه المذكورة في المقام.

نعم، قد ورد في كلمات السيد الشهيد ما يمكن معه رجوع هذا الجواب روحاً لا صياغة إلى الجواب الثاني، و هو: قوله ص 407: «غير أن العقل يحكم بلزوم تحصيل ذي المقدمة و لو بارتكاب المقدمة المحرمة؛ لأن ذلك أهون الأمرين»؛ لأنّ المقصود بالأمرين هنا، إمّا البقاء المستلزم للغصب مدة أطول مع احتياج التخلص منه إلى الخروج دوماً، و إمّا الخروج المستلزم للغصب بمقدار زمن الخروج، و لا شكّ في تعيّن الخروج الفوري دون البقاء كما هو واضح؛ غاية الأمر، يكون الفرق بين الوجهين، هو: إنّ ظاهر الوجه الثاني- حيث إنّه خصص دليل حرمة الغصب بغير هذه الحصّة- الالتزام بعدم العقاب، بينما الوجه الثالث يلتزم بثبوت العقاب و الإدانة.

502

شمول البحث في مسألة الاجتماع لجميع أقسام الأمر و النهي:

قوله (قدس) ص 408: «و في كل حالة يثبت فيها امتناع ... الخ».

ثم إنّ البحث في مسألة امتناع اجتماع الأمر و النهي لا يختص ببعض أقسامهما دون البعض الآخر، فإن الأمر تارة يكون نفسياً كالأمر المتعلق بذي المقدمة، و أخرى يكون غيرياً كالأمر المتعلق بالمقدمة المستكشف بالملازمة بين الأمر بذي المقدمة و الأمر بالمقدمة، المعبّر عنهُ بالوجوب الغيري، و كذلك النهي؛ فإنه تارة يكون نفسياً، و أخرى يكون غيرياً.

وعليه، فتارة يفرض اجتماع الأمر النفسي مع النهي النفسي، و أخرى يفرض اجتماع‏

503

الأمر الغيري مع النهي الغيري، و ثالثة يفرض اجتماع الأمر الغيري مع النهي النفسي، و رابعة يفرض اجتماع الأمر النفسي مع النهي الغيري.

ففي كل حالة يثبت فيها امتناع اجتماع الأمر و النهي، لا يختلف الحال في ذلك بين الأقسام الأربعة المتقدّمة، و الوجه في ذلك، هو: أن ملاك الامتناع هو التضاد بين مبادئ كل من الأمر و النهي، و هو مشترك بين جميع تلك الأقسام؛ فإن مبادئ الأمر و النهي عبارة عن: الحب و البغض، فكما لا يمكن أن يكون الشي‏ء الواحد مبغوضاً و محبوباً لنفسه في آنٍ واحد، كذلك لا يمكن أن يكون محبوباً لنفسه و مبغوضاً لغيره و بالعكس؛ لأن الحب و البغض متنافيان و متضادان بكافة أنحائهما (1).

إن قلت: إن تعميم البحث في مسألة الامتناع إلى الأمر و النهي الغيريين و عدم تخصيصه بالنفسيين منهما، يتوقف على الالتزام بالوجوب الغيري، و الحال أنكم قد أنكرتم الملازمة بين وجوب الشي‏ء و وجوب مقدّمته غيرياً.

كان الجواب: إنّ الوجوب الغيري لهُ مرحلتان، إحداهما: مرحلة الجعل و الحكم، و الأخرى: مرحلة المبادئ و الملاك، و الملازمة بين وجوب ذي المقدمة و وجوب المقدمة، تارة ندعيها في مرحلة الجعل و الحكم، و أخرى ندعيها في مرحلة المبادئ فقط دون مرحلة الجعل و الحكم، و نحن و إن أنكرنا الوجوب الغيري في مرحلة الجعل، و لكننا قد آمنا به في مرحلة المبادئ، و هذا يكفي في تحقق ملاك الامتناع؛ لأن نكتة امتناع اجتماع الأمر و النهي تنشأ من التضاد بين المبادئ و ليست هي قائمة بالوجود الجعلي‏

للحكمين، بل أنّ التنافي و التضاد بين الجعلين راجع في واقعه و حقيقته إلى التنافي و التضاد بين مبادئ نفس الجعلين كما قدّمنا غير مرّة.

ثمرة البحث في مسألة اجتماع الأمر و النهي:

قوله (قدس) ص 409: «و أما ثمرة البحث في مسألة الاجتماع ... الخ».

و أمّا ثمرة البحث في مسألة اجتماع الأمر و النهي من حيث الامتناع و عدمه، فهي: أنه على القول بالامتناع و عدم جواز الاجتماع سوف يقع التعارض بين إطلاق دليل الأمر

____________

(1) قال المحقق الخراساني في كفاية الأصول، ص 152: «لا يخفى أن ملاك النزاع في جواز الاجتماع و الامتناع يعم جميع أقسام الإيجاب و التحريم، كما هو قضية إطلاق لفظ الأمر و النهي».

504

و إطلاق دليل النهي في مورد الاجتماع؛ و ذلك للتنافي بين جعليهما نتيجة للتنافي و التضاد بين ملاكيهما، و حينئذٍ سوف يقدم إطلاق دليل النهي على إطلاق دليل الأمر، و الوجه في ذلك، هو: أن الإطلاق في متعلق النهي شمولي بحيث يشمل كل أفراد الطبيعة المنهي عنها و التي لا يتم امتثالها إلّا بإعدام كل فردٍ من أفرادها، و أما الإطلاق في متعلق الأمر فهو بدلي، و الذي يكفي فيه لامتثال الطبيعة الإتيان بفردٍ من أفرادها.

و إذا تعارض إطلاقان أحدهما: شمولي و الآخر بدلي، قدّم الشمولي على البدلي؛ لأنّ الشمولي أقوى ظهوراً في الشمول لمورده من شمول البدلي له؛ لإمكان الامتثال في البدلي بغير هذه الحصة، بينما لا يمكن ذلك بالنسبة للشمولي كما هو واضح، وعليه، ففي مثل الصلاة في المكان المغصوب بناءً على القول بالامتناع، يقدّم النهي عن الغصب على دليل الأمر بالصلاة بالنسبة لهذه الحصّة.

و أمّا على القول بالجواز، فلا يوجد تعارض بين إطلاق دليل الأمر و إطلاق دليل النهي، و حينئذٍ، فتارة تكون للمكلف مندوحة وسعة في امتثال الأمر من دون أن يتورط في ارتكاب الحرام، كما لو كان في الأرض المغصوبة و كان عنده سعة من الوقت بحيث لو خرج من تلك الأرض المغصوبة لتمكن من أداء الصلاة في وقتها، و أخرى لا يتمكن من امتثال الأمر إلّا بالفعل المشتمل على الحرام، بحيث لا تكون لديه مندوحة وسعة وقت كما لو ضاق وقت الصلاة و هو في الأرض المغصوبة بحيث لو انتظر حتى يخرج لفاته وقت الصلاة.

ففي الحالة الأولى، كما لم يكن هناك تعارض بين الدليلين، فكذلك لا تزاحم‏

بينهما، و أما في الحالة الثانية، فسوف يقع التزاحم بين الواجب و الحرام بالنحو الذي لا يتمكن من امتثالهما معاً لضيق قدرته عن ذلك.

إذن، على القول بالامتناع سوف يتحقق التعارض بين الدليلين و يقدم دليل النهي على الأمر، و أما على القول بالجواز، فسوف يتحقق التزاحم بين الدليلين فيما لو كان هناك مندوحة وسعة، و انحصر امتثال الأمر بالمشتمل على الحرام.

و نتيجة لذلك سوف يسقط الأمر على القول بالامتناع و التعارض، و سوف يقع التزاحم بين الدليلين على القول بالجواز و عدم المندوحة، و سوف نرجع إلى مرجحات باب‏

505

التزاحم و يقدّم الأهم ملاكاً من الأمر و النهي. هذا بالنسبة إلى نفس الأمر و النهي.

و أما بالنسبة إلى صحة امتثال الواجب بالفعل المشتمل على الحرام، كالصلاة في الأرض المغصوبة، فذلك مرتبط بما ذكرناه من حيث حصول التعارض بين الدليلين أو التزاحم بينهما.

فإن بنينا على التعارض بين الدليلين و تقديم النهي على دليل الأمر كما هو مقتضى القول بالامتناع، فلا يصح الامتثال للواجب بالفعل المشتمل على الحرام، من دون فرق في ذلك بين كون الواجب تعبدياً- كالصلاة مثلًا- أو كان توصلياً- كدفن الميت في الأرض المغصوبة- و الوجه في ذلك، هو: أن الامتثال يتوقف على وجود الأمر، و بعد تقديم النهي و سقوط الأمر لا يعد ما أتى به المكلف مصداقاً للواجب، و من المعلوم: أن أجزاء غير الواجب عن الواجب يكون على خلاف القاعدة؛ حيث إن القاعدة تقتضي أن الامتثال لا يتحقق إلّا إذا كان المأتي به مأموراً به، و الحال أن المأتي به غير مأمور به.

و أمّا إذا بنينا على عدم التعارض بين الدليلين كما هو مقتضى الجواز، فينبغي التفصيل بين كون الواجب توصلياً و بين كونه تعبدياً، فإن كان توصلياً، صحّ و أجزأ، سواء قلنا بوقوع التزاحم بين الدليلين؛ لعدم وجود مندوحة، أم قلنا بعدم وقوع التزاحم بينهما كما لو كان هناك مندوحة.

و الوجه في ذلك هو وجود الأمر المقتضي لتحقق الامتثال على كل تقدير، و كون المأتي به مصداقاً للواجب، غاية الأمر، أنه مع التزاحم و عدم المندوحة يكون الأمر ثابتاً على وجه الترتب، و مع عدم التزاحم- لوجود المندوحة- يكون الأمر ثابتاً بالإطلاق؛ إذ

لا مانع من التمسك بإطلاقه في هذه الحالة.

و إن كان الواجب تعبدياً- كالصلاة مثلًا فيما نحنُ فيه- فهنا، تارة يكون مبنى القول بجواز اجتماع الأمر و النهي هو كفاية تعدد العنوان في ذلك و إن كان المعنون و الوجود الخارجي واحداً، و تارة يثبت الجواز بملاك كشف تعدد العنوان عن تعدد المعنون.

فعلى الثاني صحّ و أجزأ؛ و ذلك لأنه على هذا المبنى يكون الأمر قد تعلق بشي‏ء غير ما تعلق به النهي، غاية الأمر، قد وقعا في ظرفٍ واحد، و يصير حال الصلاة في المغصوب في مثل هذه الحالة حال من نظر إلى أجنبيّة أثناء صلاته، فيكون ممتثلًا للأمر