البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - ج3

- الشيخ أياد المنصوري المزيد...
584 /
56

و أما الطريق الثاني، فقد يمكن تحصيله ببذل عنايات إضافية في تجميع عدد من الملاحظات الموجبة لحصول الاطمئنان الشخصي بصدور بعض هذه الروايات، لوجود مزايا خاصّة في رجال سند بعض تلك الروايات، أو غير ذلك من الملاحظات الأخرى.

فإن تم تحقيق ذلك فعلًا، فإننا نكون قد أثبتنا بالأخبار حجّية خبر الواحد، و إلّا، فلا (1).

هذا تمام الكلام في الطريق الأول من الطريقين المتقدّمين لإثبات السنّة.

الطريق الثاني: الاستدلال بالسيرة على حجّية خبر الواحد

قوله (قدس) ص 240: «و الطريق الآخر لاثبات السنة هو السيرة ... إلخ».

تقريبان للاستدلال بالسيرة على حجية خبر الواحد:

ذكرنا سابقاً أن الطريق الثاني لإثبات السنّة، هو عبارة عن: السيرة، و للسيرة في المقام تقريبان:

التقريب الأول: الاستدلال بسيرة المتشرعة (2)

قوله (قدس) ص 240: «الأول: الاستدلال بسيرة المتشرعة ... إلخ».

و التقريب الأول للاستدلال بالسيرة على حجية خبر الواحد، يتم عن طريق التمسك بسيرة المتشرعة، بأن يقال: إنّ المتشرعة من أصحاب الأئمة (ع)، قد جرت سيرتهم على العمل بأخبار الثقات في مقام إثبات صدور الرواية من الإمام (ع)، و على الاعتماد على ذلك‏

لمعرفة

____________

(1) و قد حاول السيد الشهيد تجميع مثل تلك القرائن و الملاحظات كما جاء عنه في بحوث في علم الأصول، ج 4، ص 390، فراجع‏

(2) أو ما يصطلح عليه عند البعض بالإجماع العملي في مقابل الإجماع القولي و هو الإجماع في الفتوى، و لأجل ذلك نرى المحقق الخراساني قد اعتبر هذا النحو من الاستدلال أحد الوجوه التي يقرر بها دعوى الإجماع على حجية الخبر، و هذا ما أشار إليه بقوله في كفاية الأصول ص 302: «في الاجماع على حجية الخبر. و تقريره من وجوه: ثانيها: دعوى اتفاق العلماء عملًا- بل كافة المسلمين- على العمل بخبر الواحد في أمورهم الشرعية، كما يظهر من أخذ فتاوى المجتهدين من الناقلين لها».

57

الأحكام الشرعيّة، فالملاحظ لسيرتهم يجد بوضوح أنهم يعتمدون على الخبر الذي ينقله الثقة عن الإمام (ع) في مقام معرفة الحكم الشرعي، كما لو كانوا قد سمعوه بأنفسهم منه، و هذا يكشف عن انهم قد تلقّوا من الشارع ما يكون دليلًا على حجية خبر الثقة، و جواز التعويل عليه في ذلك، و إلّا، فكيف يمكن افتراض أنهم عملوا بذلك من دون أن يكونوا قد تلقوه من الشارع و الحال أنهم متشرعة؟!

و هذا النوع من السيرة، لا يتطلب أكثر من إثبات قيامها فعلًا على العمل بأخبار الثقات، و قد تقدّم في الحلقة السابقة بيان الطرق التي يمكن بها إثبات قيام السيرة على ذلك، و التي منها:

إنّه لا إشكال في أن المتشرعة من أصحاب الأئمة (ع)، و علماء الطائفة المتقدمين، قد واجهوا عدداً كبيراً من الروايات التي يدور عليها معظم الفقه، و التي لا يمكن الاستغناء عن كثير منها في معرفة الأحكام الشرعية، و من الواضح أيضاً، أن أكثر رواة تلك الروايات لا يعهد أنهم على تلك المرتبة العالية من التقوى، و الورع، و الضبط، الموجبة لحصول العلم أو الاطمئنان بصدور ما يروونه و ينقلونه، نعم، لا يعرف في حقهم تعمد الكذب، و الدس، و التزوير، و حينئذٍ، إمّا أن يكونوا قد عملوا بهذه الروايات اعتماداً على مجرّد وثاقة رواتها و إن لم توجب العلم بصدورها، و إمّا أن يكونوا قد طرحوا تلك الروايات و لم يعملوا بها، و الاحتمال الثاني باطل، فيتعين الاحتمال الأول، و يثبت المطلوب.

و الوجه في بطلان الاحتمال الثاني، هو: إن افتراض رفضهم العمل بهذه الروايات، إمّا أن يكون بعد استعلام حالها من الإمام المعصوم (ع) و الاستفسار منه و ردعهم عن العمل بها، و إمّا أن يكون بدون ذلك، و لا شك في بطلان كلا الاحتمالين، أما الوجه في بطلان الثاني، فلأنهم قد سألوا و استفسروا عن أمور لم تكن بتلك الدرجة من الأهمية، و الحال، أن أساس الفقه و عماده يقوم على الأحاديث و الروايات، مضافاً إلى كون العمل بخبر الثقة من المرتكزات العقلائية، و هذا يعني: أن رفض العمل بها بعد تسليمه، لا بد و أن يكون بعد استعلام حالها.

و أما الوجه في عدم احتمال رفضها بعد استعلام حالها، فلأنه لو كان كذلك، لكان ذلك الرفض لا وجه له إلّا نهي الإمام (ع) و ردعه عن العمل بها، و هذا يستلزم وصول و لو رواية

58

واحدة تدل على ذلك الردع، أو المنع، بل الأمر على العكس؛ لأن الذي وصل إلينا من الروايات و الأخبار، إن لم يكن دالًا على الحجية، فلا أقل من أنه مناسب لها، قابل للحمل عليها.

و بهذا نثبت أن عمل المتشرعة من أصحاب الأئمة (ع)، كان قائماً على الأخذ بأخبار الثقات في مقام استنباط الأحكام الشرعية.

و حينئذٍ نقول:

إمّا أن يكون عملهم على وفق ما بأيديهم من الروايات التي وصلت إليهم من الأئمة السابقين عن طريق الثقات لأجل حصول العلم، أو الاطمئنان بصدورها منهم، و إمّا أن يكون عملهم على وفقها من دون أن يحصل لهم العلم بصدورها، بأن اكتفوا بالظن بصدورها عنهم (ع).

و لا إشكال في أن الاحتمال الأول بعيد جداً، الأمر الذي أدّى بالشيخ الأنصاري إلى أن يقطع بعدمه، و قد أبرز شواهد و قرائن على ذلك، وعليه، فيتعيّن الاحتمال الثاني، أي: إنّهم كانوا يعملون على وفقها باعتبارها أخبار ثقات لا أكثر، و حينئذٍ نقول:

إنّ المتشرعة من أصحاب الأئمة إمّا أن يكونوا قد عملوا بها مع عدم السؤال عن حالها، بل كان ذلك جرياً على عاداتهم و مرتكزاتهم العقلائية و عدم مبالاتهم بالدين، و هذا بعيد جداً بحساب الاحتمالات، كما تقدم ذلك، و إمّا أن يكون قد عملوا بها مع السؤال من الإمام (ع) عن حالها، بمعنى: أنه صدر من الإمام (ع) ما يكون دليلًا على حجيتها، فيثبت المطلوب.

و بهذا، نثبت قيام سيرة المتشرّعة من أصحاب الأئمة (ع) على العمل بأخبار الثقات لمجرد وثاقة رواتها، و إنّ ذلك كان مرتكزاً عندهم، و هو ما يكشف كشفاً إنياً عن أن هذا الارتكاز قد تلقوه من الشارع‏ (1)، بحيث يكون قد صدر من الشارع ما يكون مبرراً لعملهم، و هذا يعني: حجّية خبر الثقة.

____________

(1) و قد اعترض المحقق الخراساني على ذلك بقوله: «أنه لو سلم اتفاقهم على ذلك، لم يحرز أنهم اتفقوا بما هم مسلمون و متدينون بهذا الدين، أو بما هم عقلاء و لو لم يلتزموا بدين». راجع كفاية الأصول، ص 303.

59

التقريب الثاني: الاستدلال بالسيرة العقلائية

قوله (قدس) ص 240: «الثاني: الاستدلال بسيرة العقلاء ... إلخ».

يمكن الاستدلال على حجية خبر الواحد بالسيرة العقلائية القائمة على العمل بأخبار الثقات، و المعاصرة للمعصوم (ع)، و سكوته و عدم ردعه عنها، و هذا يعني أن العمل بأخبار الثقات مرضي لدى الشارع، و هذا يعني: حجّية خبر الثقة.

الاستدلال بالسيرة العقلائية يتوقف على إثبات أمرين:

و الاستدلال بالسيرة العقلائية على حجية خبر الثقة يتوقف على إثبات أمرين:

الأمر الأول: أن تكون السيرة العقلائية القائمة على العمل بأخبار الثقات معاصرة للمعصوم (ع).

الأمر الثاني: أن يحرز عدم ردع المعصوم (ع) عنها، أي: أن يحرز إمضاؤها من قبله (ع).

كيفية اثبات معاصرة السيرة للمعصوم (ع):

أمّا إثبات الأمر الأول فباعتبار أن العقلاء في مجال أغراضهم الشخصية التكوينية نراهم يعوّلون على العمل بأخبار الثقات و لا يعتنون باحتمال خلافه، فإنهم لو أرادوا الوصول إلى مكان معين نراهم يعتمدون على إخبار الثقة في ذلك، و لو أرادوا الاستفسار عن حادثة معيّنة نراهم يكتفون بخبر الثقة و هكذا، و كذا الحال بالنسبة إلى أغراضهم التشريعيّة المتمثلة بعلاقات الآمرين بالمأمورين فنرى أن الأمر العقلائي يعتمد على خبر الثقة في إيصال أمره إلى مأموره، و كذا نرى المأمور يعتمد على خبر الثقة في قبول أمر الأمر و هكذا.

إن قلت: نحن نلتزم بأن السيرة العقلائية في زماننا هذا قائمة على العمل بأخبار الثقات في مجال الأغراض الشخصية و التكوينية و كذا الأغراض التشريعية، و لكن من قال إنّ هذه السيرة كانت قائمة بالفعل في زمن المعصوم (ع) على ذلك، مع أنّه يشترط في دليلية السيرة أن تكون معاصرة للمعصوم (ع).

كان الجواب: إنّ إثبات معاصرة السيرة للمعصوم (ع) يتم عن طريق التمسك بأحد الطرق الخمسة التي تقدمت في الحلقة السابقة لإثبات معاصرة السيرة للمعصومين (ع)، كأن يقال: إنّ هذه السيرة القائمة بالفعل في هذا الزمان على العمل بأخبار الثقات و التعويل عليها هي‏

60

نفس‏

السيرة التي كانت في ذلك الزمان، لصعوبة التبدّل و التغيّر في السيرة، أو غير ذلك من الطرق المتقدّمة الأخرى.

لكن هل هذا يكفي لأن تكون السيرة العقلائية دليلًا على حجّية خبر الثقة؟

و الجواب: أنّ هذا لا يكفي قطعاً، بل لا بدّ من إثبات إمضاء الشارع لها و عدم ردعه عنها كما هو واضح.

كيفية اثبات امضاء المعصوم (ع) للسيرة:

و لإثبات ذلك- أي الأمر الثاني المتقدّم- نقول:

إن هذه السيرة، إمّا أن تكون موافقة لغرض الشارع أو لا، و على الأول يثبت المطلوب، و على الثاني، لا بدّ من ردع الشارع عنها، و إلّا، لكان ناقضاً لغرضه، و بما إنه لم يردع عنها، ثبت الأمر الأول، و هو: أن هذه السيرة موافقة لغرض الشارع، و هذا يعني: إمضاء الشارع، و تقريره لتلك السيرة، فيثبت حجية خبر الثقة.

الوجه في وجوب الردع عن السيرة عند عدم موافقتها لغرض الشارع:

إن قلت: لما ذا أوجبتم الردع عن السيرة في حال عدم موافقتها لغرض الشارع، مع أنها منعقدة بحسب الفرض في مجال الأغراض الشخصية، و التشريعيّة للعقلاء أنفسهم، من دون أن يكون لها أي مساس بغرض الشارع؛ لأنّها لم تطبّق في مجال الأغراض التشريعية للشارع.

كان الجواب‏: إنّ هذه السيرة، و هذا الارتكاز العقلائي، و إن كان فعلًا لا يتعدّى أغراض العقلاء أنفسهم، و لكن هذا الارتكاز، سوف يوجب قريحة، و يخلق عادة عقلائية، تقتضي- لو تُرك العقلاء على سجيتهم و لم يردعوا- أن يطبقوها حتى في علاقاتهم مع الشارع، بحيث يعوّلون على أخبار الثقات في تعيين أحكامه، من دون أن يشعروا بالفرق بين علاقاتهم مع بعضهم البعض، و علاقاتهم مع الشارع، و هذا، و إن كان إيحاءً خاطئاً، و لكنه سوف يعرض أغراض الشارع للخطر، و إن لم يكن للسيرة بالفعل مساس مباشر بأغراض الشارع، و حينئذٍ: فلو كان الشارع لا يرضى بأن يعوّل على أخبار الثقات في تعيين أحكامه و معرفتها، لكان عليه أن يردع عن تلك السيرة، و ينهى عنها، حفاظاً منه‏

61

على غرضه، و بما إنّه لم يردع، يثبت أن الشارع قد أمضى ما عليه العقلاء، من التعويل على أخبار الثقات، و هذا يعني: حجّية خبر الثقة.

الملازمة بين الردع و الوصول:

إن قلت: سلّمنا أنه يجب على الشارع أن يردع لو لم يكن العمل بخبر الثقة موافقاً لغرضه، و لكن كيف لنا إثبات إنّه لم يردع؟

كان الجواب: إنّ الشارع لو كان قد ردع و نهى عن العمل بتلك السيرة، لوصل إلينا، و بما إنّه لم يصل شي‏ء من ذلك، فهذا دليل على عدم الردع‏ (1).

عدم وصول الردع دليل على عدم الردع:

إن قلت: لا ملازمة بين ردع الشارع، و نهيه عن شي‏ء، و بين لزوم وصول الردع إلينا، فلربما يكون قد ردع فعلًا، و لكن لم يصل إلينا ردعه بسبب النسيان، أو الضياع، أو عدم التدوين، أو غير ذلك، و ليس من الضروري أن يصل إلينا كل ما صدر من الشارع؛ لوضوح عدم الملازمة بين الصدور و الوصول.

كان الجواب‏: نحن لا ندّعي الملازمة مطلقاً و في كل الأحوال، فإنّ عدم الملازمة بهذا النحو واضحة جداً لا تحتاج إلى برهان، و إنما ندعيها في المقام لنكتة، و هي: إنّ السيرة العقلائية القائمة على العمل بأخبار الثقات، تشكل ميلًا عقلائياً عاماً يشترك فيه جميع العقلاء، و ارتكازاً راسخاً و قوياً، يقتضي من الشارع- لو لم يكن ذلك مرضياً له- أن يردع عنه بما يناسب ذلك الارتكاز القوي، و هذا يتطلب من الشارع ردوعات كثيرة تتناسب مع حجم تلك السيرة و ذلك الارتكاز، و هذا يقتضي أن يكثر السؤال و الاستفسار عن ذلك من الإمام (ع)، و الذي بدوره يتطلب أجوبة كثيرة من الإمام (ع) بهذا الشأن مع وجود الدواعي لنقل تلك الاجوبة و النواهي، الأمر الذي يقتضي أن يصل إلينا شي‏ء منها لو حصل ذلك فعلًا؛ لأنه من المستبعد جدّاً أن تكثر تلك النواهي و بهذا الحجم، و لا

____________

(1) و قد أشار الآخوند الخراساني في كفاية الأصول ص 303 إلى هذه الملازمة فقال: «و لم يردع عنه نبي و لا وصي نبي، ضرورة أنه لو كان لاشتهر و بان، و من الواضح أنه يكشف عن رضى الشارع به في الشرعيات أيضاً».

62

يصل إلينا شي‏ء منها مع وصول الكثير من النواهي عمّا هو أقل من ذلك حجماً و ارتكازاً، كالاستحسان، و القياس، مع أنه لم يذهب إلى حجّيته و التعويل عليه جميع أهل الحديث، و هذا بخلاف العمل بخبر الثقة؛ حيث إن جميع المدارس الفقهيّة من أهل الحديث و الرأي تذهب إلى حجيته.

و بهذه النكتة، ندّعي الملازمة بين الردع عن شي‏ء و وصوله إلينا، و نتيجة لذلك، نكتشف من عدم الوصول عدم الردع.

فبإثبات قيام سيرة عقلائية على العمل بأخبار الثقات، و كونها معاصرة المعصومين (ع) مع عدم ردعهم عنها، نكتشف إمضاءهم لها، و بالتالي، نثبت دليلية السيرة العقلائية على حجّية خبر الثقة.

الفرق بين الاستدلال بالسيرة العقلائية و الاستدلال بسيرة المتشرعة:

قوله (قدس) ص 241: «و الفارق بين التقريبين ان التقريب الأول ... إلخ».

إن الفرق بين التقريب الأول و التقريب الثاني للاستدلال بالسيرة على حجّية خبر الواحد، هو: أن التقريب الأول يتطلب منّا أن نثبت أن أصحاب الأئمة (ع) كانت سيرتهم جارية بالفعل على الاعتماد على خبر الواحد في مجال إثبات صدور الروايات عن الأئمة (ع)؛ لأن معنى قيام سيرة المتشرعة على شي‏ء، كالعمل بخبر الواحد مثلًا، يدل على أنهم قد تلقوه من قبل الشارع، و لذا قلنا: إنّ سيرتهم تكشف عن الدليل كشفاً إنياً- كشف المعلول عن علته- باعتبار أنهم متشرعة، فما لم نثبت إنهم كانوا يعملون بالفعل على التعويل على إخبار الثقات، لا نستطيع أن نكتشف الدليل الشرعي على حجية خبر الثقة.

و أمّا التقريب الثاني للسيرة، فإنه لا يتطلب منّا ذلك، بل يكتفى في المقام بإثبات وجود ميل عقلائي عام إلى العمل بخبر الثقة و إن لم يكن العقلاء بالفعل قد عملوا به في مجال الشرعيات، و مجرّد وجود ذلك الميل، سوف يقتضي من الشارع الردع عنه لو لم يكن ذلك الميل موافقاً لغرضه؛ لما بينّاه من أن هذا الميل العام و الارتكاز، سوف يتسرب إلى مجال الشرعيات، ممّا يعرض بالتالي أغراض الشارع للخطر.

63

الاعتراض على الاستدلال بالسيرة على حجية خبر الواحد:

قوله (قدس) ص 241: «و هناك اعتراض يواجه الاستدلال بالسيرة ... إلخ».

ذكرنا سابقاً أن الاستدلال بالسيرة على حجّية خبر الثقة يتوقف على أمرين:

الأول: إثبات قيام السيرة فعلًا على العمل بخبر الثقة، و كون هذه السيرة معاصرة للمعصومين (ع).

الثاني: إثبات الإمضاء عن طريق السكوت و عدم الردع عن تلك السيرة.

و نحن في مقام الاستدلال بالسيرة على حجّية خبر الواحد، قد اثبتنا كلا الأمرين، و لكن، قد يدّعى في المقام أن هذه السيرة و إن كانت قائمة بالفعل على العمل بخبر الواحد، و لكن، قد ثبت ردع الشارع عنها، و مع وجود هذا الردع، لا تكون السيرة دليلًا على حجّية خبر الواحد كما هو واضح.

و الرادع عن تلك السيرة، عبارة عن: الآيات الناهية عن العمل بالظن، كقوله تعالى: «إن الظن لا يغني من الحق شيئاً» (1) و قوله تعالى: «و لا تقف ما ليس لك به علم» (2)، و غيرهما من الآيات الأخرى الدالة على عدم جواز التعويل على الظن، و بمقتضى التمسك باطلاقها، يثبت عدم جواز العمل بكل ظن، سواء كان الناشئ منه من خبر الثقة، أم غيره.

أربعة أجوبة على الاعتراض على الاستدلال بالسيرة:

قوله (قدس) ص 242: «و توجد عدة أجوبة على هذا الاعتراض ... إلخ».

الجواب الأول: حاكمية السيرة على الآيات الناهية عن العمل بالظن‏

و هذا الجواب هو: ما ذكره المحقق النائيني (قدس)، حيث ادعى أن السيرة القائمة على العمل بخبر الواحد، تكون حاكمة على الآيات الناهية عن العمل بالظن؛ باعتبار أن السيرة تخرج خبر الواحد عن كونه ظناً، و تجعله علماً، بناءً على مسلك جعل الطريقة و العلميّة، فيكون الظن الناشئ من خبر الثقة خارجاً عن دائرة أفراد الموضوع الذي تعلّق به النهي في تلك الآيات؛ باعتبار أنّه أصبح علماً تعبداً و اعتباراً، و هذا هو معنى حكومة السيرة على تلك‏

____________

(1) سورة يونس: آية 36

(2) سورة الإسراء: آية 36.

64

الآيات‏ (1).

اعتراض السيد الشهيد (قدس) على الجواب الأول:

عدم تمامية الحكومة المدعاة لأمرين:

قوله (قدس) ص 242: «و نلاحظ على ذلك ... إلخ».

و يلاحظ على ذلك الجواب: أنه حتى مع التسليم بمسلك جعل العلمية و الطريقة في جعل الحجية، فإنّ الحكومة المدّعاة لا تتم، و ذلك لأمرين:

الأمر الأول: مفاد الآيات الناهية و مفاد السيرة في عرض واحد

قوله (قدس) ص 242: «إنه إذا كان معنى الحجية ... إلخ».

و الأمر الأول، هو: إنه إذا كان معنى الحجّية بناءً على هذا المسلك عبارة عن جعل الأمارة علماً، و في المقام جعل خبر الواحد علماً، فإنه سوف يكون مفاد الآيات الناهية عن العمل بالظن، و الشاملة باطلاقها بحسب الفرض لخبر الواحد، هو: نفي جعل خبر الواحد علماً؛ لأن النهي في هذه الآيات إنما هو للإرشاد إلى عدم حجّية الظن، و الذي منه خبر الواحد، و معنى عدم الحجّية بناءً على هذا المسلك، هو: عدم العلميّة لكل ما لا يفيد العلم وجداناً، فكأن الشارع قال: «كل ما ليس بعلم وجداناً لا اعتبره علماً»، و على هذا يكون مفاد الآيات الناهية عن العمل بالظن و غير العلم، في عرض مدلول ما يدل على الحجّية، و هو: السيرة في المقام؛ فإن السيرة الممضاة تقول: «خبر الواحد علم»، و الآيات الناهية عن العمل بالظن تقول: «خبر الواحد ليس علماً»، فموضوعهما واحد، و هو عبارة عن: ذات الظن، وعليه، فلا معنى لحكومة السيرة على تلك الآيات.

الأمر الثاني: لا حكومة في المقام إلا بعد الفراغ عن عدم الردع‏

قوله (قدس) ص 242: «إن الحاكم إن كان هو نفس البناء ... إلخ».

و أما الأمر الثاني، فهو: أن دعوى حكومة السيرة على تلك الآيات، إن أريد به أن الحاكم هو نفس الارتكاز العقلائي القائم على العمل بخبر الواحد أي: السيرة بما هي سيرة، و بقطع النظر عن الإمضاء الشرعي- فهذا غير معقول؛ لأن الدليل الحاكم، إما أن‏

____________

(1) راجع: فوائد الأصول، المجلد الثاني (ج 3)، ص 195.

65

يوسع من دائرة موضوع الحكم في الدليل المحكوم، أو يضيقه، و هذا لا يكون إلّا في الكلامين الصادرين من متكلم واحد، أو الدليلين المجعولين من جاعل واحد، و أما إذا كان الجاعل لأحدهما غير الجاعل للآخر- كما في المقام- فلا معنى لحكومة أحدهما على الآخر؛ إذ لا معنى لأن يوسع العقلاء أو يضيقوا حكماً مجعولًا من قبل الشارع؛ لأن الجاعل لحجّية الخبر في الدليل الحاكم و هو السيرة، هم العقلاء، و النافي بحسب الفرض لحجّية كل ظن بما فيه الظن الناشئ من خبر الواحد، هو الشارع، فلا حكومة في المقام.

و إن كان الحاكم في المقام هو الشارع عن طريق إمضائه لتلك السيرة، فهذا يقتضي أن يكون الإمضاء الشرعي لتلك السيرة محرزاً حتى يتم إحراز حكومة السيرة على تلك الآيات، و هذا أوّل الكلام؛ لأن المعترض يدّعي الردع عن تلك السيرة بتلك الآيات، و هذا يعني: عدم إمضاء تلك السيرة، فيكون دعوى حكومة السيرة على تلك الآيات مصادرة واضحة؛ لأن احراز كون السيرة حاكمة يتوقف على امضائها، و امضاؤها يتوقف على عدم الردع عنها بالآيات، فيكون مفاد دعوى حكومة السيرة على تلك الآيات، هو: إن الآيات غير رادعة عن تلك السيرة، مع أن المعترض يذهب إلى أن الآيات رادعة عن تلك السيرة.

الجواب الثاني: دعوى الردع عن السيرة بتلك الآيات يستلزم الدور

و أما الجواب الثاني، فهو: ما ذكره صاحب الكفاية (قدس)، من أن: الردع عن السيرة بتلك العمومات الناهية عن العمل بالظن و غير العلم، غير معقول؛ لأنه يستلزم الدور (1).

بيان الدور ضمن نقاط أربع:

و بيان الدور الذي ادّعاه صاحب الكفاية، فيتم توضيحه بالنقاط الأربعة التالية:

النقطة الأولى: أنّه قد تقدم من خلال الاستدلال بالسيرة، أنّه يكفي عدم الردع لاستكشاف إمضاء الشارع لتلك السيرة، و بالتالي ثبوت دليليتها، و ليس من الضروري أن‏

____________

(1) هذا هو أحد الوجوه التي ذكرها المحقق الخراساني لبيان عدم كفاية الآيات الناهية عن العمل بالظن لإثبات الردع عن السيرة، و ذكر مضافاً إلى هذا وجهين آخرين: أحدهما: كون النهي الوارد في تلك الآيات هو الإرشاد إلى عدم كفاية الظن في أصول الدين، و ثانيهما: أنّه حتى لو سلم كون النهي هنا نهياً مولوياً، فإنّ المتيقن منه، هو: خصوص الظن الذي لم يقم على اعتباره حجة. راجع: كفاية الأصول، ص 348.

66

يصدر من الشارع حديث أو رواية يكون مفادها إمضاء الشارع لتلك السيرة، و لكن، لكي يثبت عدم دليلية السيرة و عدم إمضاء الشارع لها، لا بدّ من احراز دليل على الردع، و لا يكفي مجرد احتماله‏ (1).

النقطة الثانية: إن الدليل على الردع، تارة يكون صريحاً بذلك، كأن يقول الشارع مثلًا: «العمل بالظن الناشئ من خبر الواحد ليس حجّة»، فهنا، لا إشكال في ثبوت الردع عن تلك السيرة؛ لأن دلالة مثل هذا الدليل قطعيّة كما هو واضح، فيكون حجّة من باب حجّية القطع. و أخرى، تكون دلالة الدليل الدال على الردع ظنيّة، كما لو ثبت الردع عن طريق التمسك بعموم رواية، أو آية شاملة بعمومها لمورد السيرة، كما أدعي ذلك في المقام، فلا بدّ هنا من أن يكون ذلك العموم حجّة لكي يكون صالحاً للردع عن تلك السيرة؛ إذ لو لم يكن عمومها حجّة في العموم، لا يكون دليلًا على الردع، و مع عدم ثبوت الردع عن السيرة، نستكشف إمضاء الشارع لها.

و في المقام نقول: إن دعوى كون تلك العمومات الناهية عن العمل بالظن و غير العلم رادعة عن السيرة، يتوقف على أن تكون تلك العمومات حجّة في العموم، و إلّا، فلا تكون بمجرّد عمومها دليلًا على الردع كما هو واضح. إذن: الردع بالعمومات عن تلك السيرة يتوقف على حجّيتها في العموم.

النقطة الثالثة: إن حجّية كل عام في العموم تتوقف على عدم وجود مخصّص لذلك العام، و إلّا، فمع وجود المخصص، لا يكون العام حجّة في عمومه؛ و ذلك لأن حجية كل ظهور مشروطة بعدم وجود قرينة على خلافه، و وجود الخاص يشكل قرينة على خلاف العام، كما لو جاءنا خطاب يقول: «أكرم كل فقير»، ثم جاء خطاب آخر يقول: «لا تكرم الفقير الفاسق»، ففي هذه الحالة، لا يكون الخطاب الأول حجّة في عمومه و شموله للفقير

____________

(1) ينبغي الالتفات إلى أنه بعد الالتزام بالملازمة بين عدم الردع و الإمضاء الشرعي سوف يكون الموضوع لدليلية السيرة بعد فرض قيامها هو عدم الردع عنها بينما الموضوع لعدم دليليتها هو الردع عنها فيكفي لتحقق الموضوع في الأول عدم الدليل الشرعي على الردع و لا يحتاج إلى قيام الدليل الشرعي على عدم الردع بينما لا يكفي لتحقق الموضوع في الثاني مجرد عدم إحراز الدليل الشرعي على عدم الردع بل لا بد من إحراز قيام الدليل الشرعي على الردع.

67

الفاسق و العادل؛ و ذلك لمجي‏ء مخصص يدل على عدم وجوب اكرام الفقير الفاسق، و هو قوله: «لا تكرم الفقير الفاسق».

و في المقام، حجّية العمومات الناهية عن العمل بالظن، و الشاملة بعمومها للظن الناشئ من خبر الواحد، متوقفة على عدم وجود مخصص لتلك العمومات، و إلّا، فمع وجود المخصص لا تكون حجّة في العموم، كما لو افترضنا مجي‏ء دليل مفاده جواز العمل بالظن الناشئ من خبر الواحد، فهنا، لا شك في تخصيص تلك العمومات بهذا الدليل، و تكون النتيجة بعد التخصيص، هي: عدم جواز العمل بكل ظن إلّا الظن الناشئ من خبر الواحد مثلًا، إذن: حجّية تلك العمومات في العموم، متوقف على عدم وجود مخصّص لها.

النقطة الرابعة: إنّ عدم وجود مخصص لتلك العمومات الناهية عن العمل بالظن، سواء كان الظن الحاصل من خبر الواحد أم غيره، يتوقف على كون السيرة القائمة على العمل بخبر الواحد مردوع عنها، و غير ممضاة من قبل الشارع، و إلّا، فلو كانت ممضاة من قبل الشارع، و الذي يعني كونها دليلًا على جواز العمل بالظن الناشئ من خبر الواحد، لكانت بنفسها مخصّصة لتلك العمومات، و لسقطت حجّية تلك العمومات في العموم.

فبناءً على كل ما تقدم، تكون النتيجة هي: إنّ عدم وجود مخصص لتلك العمومات، يتوقف على كونها رادعة عن السيرة، و الذي يتوقف بدوره على عدم وجود مخصّص، الأمر الذي يعني توقف كون العمومات رادعة عن السيرة على كونها رادعة عنها، و هذا من توقف الشي‏ء على نفسه، و هو دور واضح.

و باختصار نقول:

الردع بتلك العمومات يتوقف على حجّية تلك العمومات في العموم، و هو يتوقف على عدم وجود مخصص لتلك العمومات، و هو يتوقف على كون العمومات رادعة، فتوقف الردع بتلك العمومات على كون العمومات رادعة، و هذا هو الدور.

اعتراض السيّد الشهيد (قدس) على الجواب الثاني:

حجية العام في العموم لا تتوقف على عدم صدور المخصص:

قوله (قدس) ص 243: «و الجواب على ذلك ان توقف الردع ... إلخ».

و قد اعترض السيد الشهيد (قدس) على جواب صاحب الكفاية، بأنّ الصحيح: إنه لا يوجد

68

دور

في المقام؛ لأن تصوير الدور بتلك الكيفية المتقدّمة ينطوي على مغالطة، و هي: عبارة عمّا بيّناه في النقطة الثالثة من النقاط التي صوّرنا بها الدور؛ و ذلك لأن حجّية تلك العمومات في العموم، لا تتوقف على عدم وجود مخصّص لها واقعاً و إن كان الردع بتلك العمومات متوقف على حجيتها في العموم، و لكن حجيتها في العموم غير متوقفة على عدم وجود مخصص، و إنما هي متوقفة على عدم احراز المخصص‏ (1).

و بعبارة أخرى: إن حجّية كل عام في العموم لا تتوقف على عدم صدور مخصص من الشارع، و إلّا، لما تمكّنا من إثبات حجّية كل عام في العموم عند الشك في صدور المخصّص من الشارع، و هذا باطل قطعاً، الأمر الذي يعني: أن حجّية العام في العموم، تتوقف على عدم احراز المخصّص، و من الواضح: إن عدم احراز مخصص للعمومات الناهية عن العمل بالظن، حاصل فعلًا؛ لأن السيرة لم يعلم بإمضائها من قبل الشارع، و مع عدم العلم بإمضائها، فلا علم لنا بالمخصص؛ فإنّ ما أدعي كونه مخصصاً ليس هو إلا السيرة، و مع عدم احرازنا للمخصص، تكون تلك العمومات حجّة في عمومها، و بالتالي تكون رادعة عن السيرة من دون أن يكون هناك أي دور يذكر (2).

الجواب الثالث: الالتزام بحجّية تلك العمومات مع فرض انعقاد السيرة تناقض‏

و أما الجواب الثالث، فهو: ما ذكره المحقق الاصفهاني (قدس): من أنّ الالتزام بحجّية ظهور

____________

(1) و الوجه في ذلك، هو: إن العموم ظهور، و حجية الظهور قد أخذ في موضوعها عدم العلم بالقرينة على الخلاف، و لم يؤخذ في موضوعها عدم صدور القرينة على الخلاف، و هذا يعني: أن حجية العموم متوقفة على عدم العلم بالمخصص و ليست متوقفة على عدم وجود المخصص واقعاً. و سيأتي تفصيل ذلك في بحث حجية الظهور فانتظر

(2) ينبغي الالتفات إلى أن هذا الجواب، إنما هو لأجل دفع الدور الذي ادّعي في المقام، و ليس لإثبات رادعيّة تلك العمومات عن تلك السيرة، كما يتضح لك ذلك في الجواب الرابع و الأخير عن هذا الاعتراض.

و لكن يمكن أن يقال: إن حجية العام في العموم و إن كانت متوقفة على عدم إحراز المخصص لا على عدم وجوده واقعاً و لكن هذا لا ينفع في دفع الدور المتقدم و ذلك بأن يقال: إن عدم العلم بالمخصص في المقام يتوقف على عدم العلم بالإمضاء و إلا فمع العلم بالإمضاء يحصل لنا العلم بالمخصص، و عدم العلم بالإمضاء يتوقف على عدم العلم بالحجية و إلا فمع العلم بالحجية يحصل لنا العلم بعدم الإمضاء و العلم بعدم المخصص و مع العلم بعدم الحجية يحصل لنا العلم بالإمضاء و العلم بالمخصص فتوقف عدم العلم بالحجية على عدم العلم بالمخصص و عدم العلم بالمخصص متوقف على عدم العلم بالحجية و هذا دور.

69

تلك العمومات في العموم مع انعقاد السيرة العقلائيّة على العمل بالظن الناشئ من خبر الثقة، و كونه حجّة، غير معقول؛ لأنه من التناقض.

بيان وجه التناقض:

قوله (قدس) ص 244: «لأنّ الدليل على حجية الظهور هو السيرة ... إلخ».

و وجه التناقض المذكور في هذا الجواب، هو: إنّ الدليل على حجّية ظهور العمومات في العموم و غيره من الظهورات الأخرى، هو: عبارة عن السيرة العقلائية، و هذا يقتضي أن العقلاء إذا كانوا يعملون على وفق ظهور تلك الآيات في العموم، أن لا يعملوا بالظن الناشئ من خبر الثقة؛ لأن العمل بظهور تلك العمومات في العموم، يعني: عدم حجّية كل ظن، بما في ذلك الظن الناشئ من خبر الثقة، فلو عملوا بالظن الناشئ من خبر الثقة، لكان من العمل بالمتناقضين؛ لأن مقتضى عملهم الأول عدم حجّية كل ظن، حتى الظن الناشئ من خبر الثقة، و عملهم الثاني يقتضي حجّية الظن الناشئ من خبر الثقة، فيكون من العمل بالمتناقضين.

و هذا يعني: أن انعقاد سيرتهم على العمل بخبر الثقة، يكشف عن عدم التزامهم و عملهم بظهور تلك الآيات في العموم، و مع عدم انعقاد سيرتهم على العمل بظهور تلك الآيات في العموم، لا دليل على حجّية العموم في تلك الآيات؛ لأن الدليل على حجّية ظهور تلك الآيات في العموم هو السيرة العقلائية، و لا سيرة في المقام، و مع عدم الدليل على حجّية تلك العمومات، لا تكون صالحة للردع عن تلك السيرة كما هو واضح.

إن قلت: سلّمنا أن العمل بأحد الأمرين السابقين مانع عن العمل بالآخر، و لكن لما ذا افترضتم أن العمل بخبر الثقة مانع عن العمل بظهور تلك العمومات في العموم؟ و لما ذا لا تفترضون العكس؟

كان الجواب: إن انعقاد سيرة العقلاء على العمل بخبر الثقة مما لا إشكال فيه، بينما انعقاد سيرتهم على العمل بظهور تلك العمومات في العموم مما لا دليل عليه و إن كانت سيرتهم قائمة فعلًا على العمل بالظهور و كونه حجّة بنحو الكبرى الكليّة، و لكن تطبيق تلك الكبرى على ظهور تلك الآيات بالخصوص مما لا دليل عليه؛ لأن المعلوم من سيرة العقلاء إنما هو

70

أصل العمل بالظهور، أما تطبيقهم ذلك العمل على هذا المورد أو ذاك، فلا نقطع به، و لأجل ذلك قلنا: إنّ انعقاد سيرتهم على العمل بخبر الثقة يكون مانعاً عن العمل بظهور تلك العمومات في العموم‏ (1).

اعتراض السيد الشهيد (قدس) على الجواب الثالث:

قوله (قدس) ص 244: «و هذا الجواب غريب؛ لأن انعقاد السيرة على العمل ... إلخ».

و الاعتراض الذي يوجهه السيد الشهيد (قدس) على الجواب الثالث هو: إنّ هذا الجواب من المحقق الاصفهاني (قدس) غريب جداً؛ إذ لا منافاة بين أن يعمل العقلاء بالظهور، و بين أن يعملوا بخبر الثقة؛ لأن انعقاد سيرتهم على العمل بالظهور، يعني: أنّهم يعتمدون على ظاهر كلام المتكلّم للكشف عن مراده، و في المقام، يعتبرون الظهور كاشفاً عن مراد المولى، و تنجزه بذلك، و هذا لا ينافي ما استقرّ عليه عملهم بخبر الثقة، و إن كان في بعض الموارد على خلاف ما تنجّز بالظهور، فلا تنافي بين أصل العملين كما هو واضح ما دام موضوع أحدهما غير موضوع الآخر.

نعم، التنافي يكون بين عملهم بالظن الناشي من خبر الثقة، و بين مدلول الظهور في العمومات الناهية عن العمل بالظن، و هذا مرجعه- على فرض حجية تلك العمومات- إلى عدم العمل على وفق مراد الشارع و لو عصياناً، و لا ربط له بكون بنائهم قائماً على اعتبار الظهور كاشفاً عن المراد.

و على هذا، فقد وقع الخلط بين البناء على العمل بالظهور بمعنى: حجيته، و كونه كاشفاً عن مراد المتكلّم، و بين العمل على وفق المراد المنكشف بالظهور، فإنه لا منافاة بين بنائهم على الأول و عدم عملهم على وفقه في كلام الشارع و لو عصياناً، فما أكثر أن يعصي بعض العقلاء الشارع في صريح خطاباته فضلًا عن ظواهرها.

____________

(1) لا يتوهم أنّ المقصود من ذلك كون العمل بخبر الثقة مانعاً عن العمل بالظهور مطلقاً، و في جميع الحالات؛ إذ لا تناقض بين أن يعمل العقلاء بخبر الثقة، و أن يعملوا بالظهور أيضاً؛ لأن موضوع أحدهما غير موضوع الآخر كما هو واضح، و إنما التناقض المدعى في المقام، هو: بين عملهم بخبر الثقة، و خصوص عملهم بعموم تلك الآيات، المانع عن العمل بالظن، الشامل بعمومه لخبر الثقة.

71

بيان الاعتراض بعبارة ثانية:

و يمكن بيان الاعتراض بعبارة ثانية، فنقول: إنّه يوجد في المقام ثلاثة أمور:

الأول: عمل العقلاء بالظهور، و جعله كاشفاً عن المراد بنحو القضية الكلية.

الثاني: المنكشف بهذا الظهور أو ذاك، أي: مراد الشارع بمقتضى هذا الظهور أو ذاك، و في المقام، هو: عدم حجّية كل ظن، حتى الظن الناشئ من خبر الثقة، و الذي هو مدلول ظهور الآيات الناهية عن العمل بالظن.

الثالث: عمل العقلاء بالظن الناشئ من خبر الثقة بنحو القضية الكلية.

و من الواضح: إنّه لا تنافي بين الأمر الأول و الثالث؛ لأن موضوع العمل الأول، هو: جعل الظهور كاشفاً عن مراد المولى، و موضوع الثاني، هو: جعل الظن الناشئ من خبر الثقة موافقاً للواقع و عدم الاعتناء باحتمال الخلاف، و مع اختلاف الموضوع لا تناقض بين العملين كما هو واضح.

نعم، التنافي يكون بين الأمر الثاني و الثالث، أي: بين أن يكون مراد الشارع من قوله تعالى: «إن الظن لا يغني من الحق شيئاً»، هو: أن كل ظن ليس حجّه، سواء كان الناشئ منه من خبر الثقة، أم من غيره، و بين عمل العقلاء بالظن الناشئ من خبر الثقة، و مرجع هذا التنافي، إلى أنّ الشارع يردع و ينهى عن العمل بخبر الثقة، بمعنى: عدم اعتباره حجّة بنظره و إن كان بنظر العقلاء حجّة، و هذا هو أصل الاشكال و الاعتراض كما هو واضح‏ (1).

الجواب الرابع: عدم صلاحية العمومات الناهية عن العمل بالظن للردع عن السيرة

قوله (قدس) ص 244: «فالصحيح في الجواب أن يقال ... إلخ».

و هذا الجواب الرابع و الأخير هو الصحيح، و ذلك بأن يقال: إنّ دعوى كون السيرة مردوعاً عنها بالعمومات الناهية عن العمل بالظن، إمّا أن يكون المقصود منه، هو: كون هذه العمومات رادعة عن سيرة المتشرعة من أصحاب الأئمة (ع)، و إمّا أن يكون المقصود منه،

____________

(1) و ينبغي الالتفات هنا، إلى أنّه ليس المقصود بالمنافاة في المقام هو التناقض؛ لوضوح عدم التناقض بين عمل العقلاء بخبر الثقة، و بين عدم جعله حجّة من قبل الشارع، بل المقصود: أن عمل العقلاء على خلاف ما عليه الشارع.

72

هو:

كون هذه العمومات رادعة عن السيرة العقلائية، فهنا احتمالان يجب الكلام في كل واحد منهما على حدة.

أولًا: ادعاء كون الآيات الناهية رادعة عن سيرة المتشرعة

هذا هو أحد الاحتمالين السابقين، فإن كان المراد بدعوى الرادعية السابقة هو هذا، فهو خلاف الواقع؛ و ذلك لأنّ هذه الدعوى تستبطن الالتزام بوجود سيرة متشرعية قائمة على العمل بأخبار الثقات، و من المعلوم أنّ دعوى وجود سيرة من هذا القبيل مع وجود تلك العمومات، يكشف عن عدم كفاية تلك العمومات للردع، بل يكشف عن عدم رادعيتها أصلًا، و إلّا، فلو كانت رادعة عن العمل بالظن الناشئ من خبر الثقة أيضاً، أو على الأقل صلاحيتها لذلك، و مع ذلك تجد أن المتشرعة يعملون بخبر الثقة، فهذا مرجعه إلى أحد احتمالين:

الأول: أن يكون المتشرعة قد غفلوا عن تلك العمومات الرادعة.

الثاني: أن يكونوا مطلعين عليها، و لكنّهم لم يأخذوا بها عصياناً، أو لعدم المبالاة في الدين، أو غير ذلك.

و كل واحد من هذين الاحتمالين باطل، أمّا بطلان الأول، فلانّه من المستبعد جدّاً أن يكون جميع المتشرعة قد غفلوا عنها؛ لأن ذلك بعيد بحساب الاحتمالات؛ فإن احتمال أن يكون واحداً منهم قد غفل عنها، أو اثنين، أو ثلاثة، ممكن، و أما أنّهم جميعهم قد غفلوا عنها، فهذا بعيد جداً.

و أما بطلان الاحتمال الثاني، فلأنه خلاف كونهم متشرعة، إضافة إلى ما هو المعروف عنهم من الورع، و التقوى، و غير ذلك، مما يجعلنا نقطع بعدم تصور هذا الاحتمال في حقهم.

و بهذا نثبت عدم صلاحية تلك العمومات للردع عن سيرة المتشرعة، بل قيام السيرة على العمل بخبر الثقة دليل قطعي على عدم كون تلك العمومات رادعة. هذا إذا أريد من كونها رادعة، كونها رادعة عن سيرة المتشرعة.

ثانياً: ادعاء كون الآيات الناهية رادعة عن السيرة العقلائية

هذا هو الاحتمال الثاني لدعوى الرادعية، بأن يكون المقصود كون تلك العمومات رادعة

عن السيرة العقلائية، فإن كان المقصود هو هذا، فيمكن أن يكون له وجه؛ باعتبار أن العقلاء

73

بما هم عقلاء قد يتسامحوا و يتساهلوا في ذلك، بل قد يبنوا على العصيان أحياناً؛ لأن الملحوظ في السيرة العقلائية، بناء العقلاء بما هم عقلاء، و بقطع النطر عن تدينهم أو عدم تدينهم، و لكن مع هذا نقول بعدم صلاحيّة تلك العمومات للردع عن مثل هذه السيرة؛ و ذلك لأنّها تعبّر عن ارتكاز عقلائي عام، و سيرة مستحكمة و راسخة، و لا بدّ أن يكون الردع عنها على تقدير عدم موافقة الشارع لها بما يتناسب مع حجم تلك السيرة و جذورها، و لا يعقل أن يكتفى في مقام الردع عن مثل تلك السيرة بالاعتماد على إطلاق دليل، أو أمر من هذا القبيل مع أن الشارع قد أكّد على الردع و النهي عمّا هو اقل ارتكازاً من ذلك، و هذا ما نجده من كثرة النواهي عن العمل بالقياس، فلو كان الشارع بصدد الردع عن العمل بخبر الثقة، لكان عليه أن ينهى عنه بدرجة نهيه و ردعه عن العمل بالقياس إن لم نقل بدرجة أكبر من ذلك؛ لوضوح أن العمل بخبر الثقة أكثر انتشاراً و شيوعاً بين الناس عامّة، و المسلمين خاصّة، من العمل بالقياس.

و بعد أن اتضح عدم صلاحية تلك العمومات للردع عن السيرة، يثبت دليليّة السيرة على حجّية خبر الثقة بامضائها من الشارع.

و بهذا ينتهي الكلام عن الاستدلال بالسنّة على حجّية خبر الواحد، و تبيّن أنّ الطريق الثاني لإثبات السنّة، و هو: السيرة، تام.

المقام الثالث: الاستدلال بحكم العقل على حجّية خبر الواحد

قوله (قدس) ص 245: «و أما دليل العقل، فله شكلان ... إلخ».

الاستدلال بحكم العقل على حجّية خبر الواحد بشكلين:

و مما استدل به على حجّية خبر الثقة، هو: حكم العقل، و ذلك بشكلين:

الشكل الأول: تطبيق قاعدة منجزية العلم الاجمالي‏

و هذا النحو من الاستدلال العقلي، يعتمد على فكرة تطبيق قاعدة منجزية العلم الاجمالي، و ذلك بدعوى: أننا لو نظرنا إلى الروايات التي وصلت إلينا عن طريق الثقات، مثل زرارة بن أعين، و محمد بن مسلم، و غيرهما من الرواة الثقات، لحصل لنا العلم‏

الاجمالي بصدور بعضها من الشارع، و أن جملة من هذه الروايات مطابقة للواقع، فلو

74

افترضنا أن الروايات الواصلة إلينا عن طريق الثقات ألف رواية مثلًا، و أن الروايات الواصلة إلينا عن طريق الضعاف ألف رواية أيضاً، فسوف يحصل لنا العلم بأن بعض ما وصل إلينا من الروايات عن طريق الثقات مطابق للواقع، و أنّه قد صدر من المعصومين (ع)، و لنفترض أن هذا البعض الذي نعلم بصدوره منهم هو مائة رواية؛ إذ لا نتعقل كذبها جميعاً، و لكننا لا نستطيع أن نحدّد تلك المائة من بين الألف رواية، و مقتضى هذا العلم الاجمالي، هو: تنجيزه لوجوب الموافقة القطعية، و من المعلوم أن الموافقة القطعيّة لما هو المعلوم بالاجمال لا تتحقق إلّا بالعمل بكل تلك الروايات، و التي افترضنا أنها ألف رواية، حتى يحصل لنا العلم و اليقين بأننا عملنا على وفق المائة رواية الصادرة قطعاً من الشارع، و وجوب العمل بتلك الروايات جميعاً يعني من الناحية العمليّة (1): حجّية خبر الثقة.

اعتراضان على الاستدلال بالشكل الأول:

قوله (قدس) ص 245: «و قد اعترض على هذا الدليل ... إلخ».

و قد اعترض على هذا الدليل باعتراضين:

الاعتراض الأول: النقض بالروايات التي نقلها الضعاف‏

قوله (قدس) ص 245: «الأول- نقضي: و حاصله أنه لو تم ... إلخ».

و هذا الاعتراض يعتبر جواباً نقضياً على هذا الاستدلال، و محصّله: أنّه كما أننا نعلم بصدور ما لا يقل عن مائة رواية من الروايات التي نقلها الثقات، كذلك نعلم أيضاً بصدور جملة من الروايات التي وصلت إلينا عن طريق الضعاف؛ إذ من أين لنا أن نعلم بأنّ‏

الروايات التي وصلت إلينا عن طريق الضعاف كلّها كاذبة؟! وعليه، فإذا كان العلم الاجمالي‏

____________

(1) ينبغي الالتفات هنا، إلى أن مقتضى هذا العلم الاجمالي هو: تنجيزه لوجوب العمل بكل خبر ثقة؛ لأجل وجوب الموافقة القطعيّة، و لكن هذا غير الحجّية مفهوماً؛ لأنّها تعني: تعبّد الشارع بالعمل على وفق خبر الثقة، سواء كان مفاده حكماً الزامياً أم ترخيصياً، و عدم الاعتناء باحتمال الخلاف، و التنجّز الذي اقتضى وجوب العمل بكل خبر ثقة في ما نحن فيه من الشكل الأول للاستدلال، ثبت بسبب العلم لا التعبّد كما هو واضح، نعم، تكون نتيجة العلم الاجمالي المذكور من الناحية العملية نفس نتيجة القول بالحجّية، من حيث عدم جواز الرجوع إلى الأصول المؤمّنة في مورد التكليف الذي دلّ عليه خبر الثقة.

75

الأول مقتضياً لوجوب العمل بكل رواية وصلت إلينا عن طريق الثقات لأجل احراز الواقع و الموافقة القطعية، فكذلك العلم الاجمالي الثاني- و لنفس النكتة- يقتضي وجوب العمل بكل خبر وصل إلينا عن طريق الضعاف؛ إذ لا فرق بين العلمين من حيث اقتضائهما لايجاب الموافقة القطعيّة، و هذا يعني بمقتضى الاستدلال المتقدم، حجّية مطلق الخبر حتى لو كان ناقله ضعيفاً، و هذا ممّا لا يلتزم به صاحب هذا الاستدلال، كيف و قد ساق هذا الدليل لإثبات حجّية خبر الثقة دون غيره من الأخبار الأخرى‏ (1)؟!

و بعبارة أخرى: إننا لو نظرنا إلى كل الأخبار الواصلة إلينا بقطع النظر عن كونها أخبار الثقات أو أخبار الضعاف، لحصل لنا نفس ذلك العلم الاجمالي بصدور بعض هذه الأخبار من الشارع، من دون أن نعلم بأن جميع تلك الأخبار التي علمنا بصدورها من الشارع هي في دائرة أخبار الثقات خاصّة، بل هي منتشرة في دائرة تلك الأخبار عموماً، و هذا يقتضي- بحسب الدليل المتقدّم- وجوب العمل بكل خبر حتى لو كان ضعيفاً. و هذا مما لا يمكن الالتزام به.

مناقشة صاحب الكفاية (قدس) لهذا النقض:

ليس هناك إلا علم إجمالي واحد أطرافه أخبار الثقات:

قوله (قدس) ص 246: «و الجواب على هذا النقض ما ذكره ... إلخ».

و قد ناقش صاحب الكفاية (قدس) في هذا النقض، بأنّه إنّما يكون وارداً فيما لو افترضنا وجود علمين إجماليين، أحدهما: العلم الاجمالي الذي تكون أطرافه كل الأخبار الواصلة إلينا،

سواء ما وصل منها عن طريق الثقات، أو ما وصل منها عن طريق الضعاف، و هذا ما

____________

(1) هذا الاعتراض هو ظاهر كلام الشيخ الانصاري، كما جاء عنه في فرائد الأصول، ج 1، ص 358، حيث قال: «العلم الإجمالي و إن كان حاصلا في خصوص هذه الروايات التي بأيدينا، إلا أن العلم الإجمالي حاصل أيضا في مجموع ما بأيدينا من الأخبار و من الأمارات الأخر المجردة عن الخبر التي بأيدينا المفيدة للظن بصدور الحكم عن الإمام (عليه السلام)، و ليست هذه الأمارات خارجة عن أطراف العلم الإجمالي الحاصل في المجموع بحيث يكون العلم الإجمالي في المجموع مستنداً إلى بعضها و هي الأخبار، و لذا لو فرضنا عزل طائفة من هذه الأخبار و ضممنا إلى الباقي مجموع الأمارات الأخر، كان العلم الإجمالي بحاله».

76

نسميه بالعلم الاجمالي الكبير، و الآخر: هو العلم الاجمالي الذي تكون أطرافه أخبار الثقات خاصّة، و هذا ما نسميه بالعلم الاجمالي الصغير، و لكن الحال أنه لا يوجد لدينا علمان اجماليان من هذا القبيل؛ و ذلك لأن العلم الاجمالي الكبير قد انحلّ بالعلم الاجمالي الأصغر منه؛ وفقاً لقاعدة انحلال كل علم اجمالي كبير بعلم اجمالي أصغر منه، أ لا تلاحظ العلم الاجمالي بنجاسة إناءين من عشرة أواني سوف يزول فيما لو علمنا بنجاسة هذين الإناءين ضمن خمسة بالخصوص من تلك العشرة؟ فإنك لن تستطيع أن تشير إلى الخمسة الباقية و تقول: إنّني أعلم بنجاسة أحدها، فضلًا عن نجاسة إناءين منها، بل سوف تتضيق أطرافه من كونها عشرة إلى كونها خمسة، فتكون الأطراف الخمسة الباقية مشكوكة بالشك البدوي. و ما نحن فيه من هذا القبيل؛ إذ يوجد لنا علمان إجماليان:

أحدهما: العلم الإجمالي الكبير الذي تكون أطرافه كل الأخبار، بغض النظر عن كونها من أخبار الثقات أو الضعاف، و هذا هو النقض الذي أبرزه المعترض.

و الآخر: العلم الاجمالي الصغير، و الذي تكون أطرافه عبارة عن دائرة أخبار الثقات خاصّة، و هذا ما استدلّ به المستدل.

و سوف ينحل ذلك العلم الاجمالي الكبير بهذا العلم الاجمالي الصغير، و تتضيق أطرافه، بحيث تكون أطرافه دائرة أخبار الثقات خاصّة، و تخرج الأطراف الأخرى عن كونها أطرافاً للعلم الاجمالي، و تصبح مشكوكة بالشك البدوي. و هذا يعني: أنه لا يوجد لدينا بعد ذلك إلّا العلم الاجمالي الذي تكون أطرافه دائرة أخبار الثقات‏ (1).

توفر كلا شرطي الانحلال:

قوله (قدس) ص 246: «و كلا الشرطين منطبقان في المقام ... إلخ».

و هذا الانحلال- كما تقدم في الحلقة السابقة- له شرطان:

الأول: أن تكون أطراف العلم الاجمالي الصغير بعض أطراف العلم الاجمالي الكبير،

____________

(1) هذا الجواب على النقض المذكور ذكره المحقق الخراساني في كفاية الأصول، ص 305، حيث قال: «و إن كان يسلم عما أورد عليه من أن لازمه الاحتياط في سائر الأمارات، لا في خصوص الروايات، لما عرفت من انحلال العلم الاجمالي بينهما بما علم بين الأخبار بالخصوص و لو بالإجمال فتأمل جيداً». «قطعي الصدور»،

77

و إلّا، فلو كانت غيرها، و كانت من خارج دائرة أطراف العلم الاجمالي الكبير، لما حصل الانحلال؛ لأنه من إضافة علم إجمالي إلى علم إجمالي آخر، فمثلًا لو علمنا بنجاسة إناء من ضمن خمسة أواني، ثم علمنا بنجاسة إناء من ضمن خمسة أخرى، فالعلم الإجمالي الأول يبقى على حاله و لا يزول، و سوف سيحصل لنا نتيجة لذلك علم إجمالي بنجاسة إناءين من ضمن عشرة أواني.

الثاني‏: أن لا يزيد المعلوم بالاجمال بالعلم الاجمالي الكبير على المعلوم بالاجمال بالعلم الاجمالي الصغير، بمعنى: تطابق المعلومين بالاجمال في كلا العلمين؛ فلو علمنا بنجاسة إناءين من ضمن عشرة أواني، فلا بدّ- لكي يحصل الانحلال- أن يكون المعلوم بالاجمال في العلم الاجمالي الثاني، هو: نجاسة إناءين من الخمسة التي فرضنا أنّها بعض أطراف العلم الاجمالي الأول، و إلّا، فلو كان المعلوم بالاجمال في الأول، هو: نجاسة إناءين، و المعلوم بالاجمال في الثاني، هو: نجاسة إناء واحد، لأمكن أن يشار إلى الخمسة الأخرى، و يقال: إنّا نعلم بنجاسة إناء واحد منها، و هذا يعني: عدم انحلال العلم الاجمالي الأول.

و كلا هذين الشرطين منطبقان في المقام، أمّا انطباق الشرط الأول، فلوضوح أن اطراف العلم الاجمالي الثاني- أي: الصغير- هي: بعض أطراف العلم الاجمالي الكبير؛ لأن أطراف العلم الصغير هي: أخبار الثقات، و هي بعض أطراف الكبير كما هو واضح.

و أمّا انطباق الشرط الثاني، فلانّ المعلوم بالاجمال في العلم الاجمالي الكبير، عبارة عن مائة رواية مثلًا، و هي لا تزيد على المعلوم بالاجمال في العلم الصغير، فينحل الأول بالثاني؛ وفقاً لقاعدة الانحلال المتقدّمة، و بالتقريب المتقدم للانحلال.

الاعتراض الثاني: وجوب العمل بأخبار الثقات في المقام غير الحجّية المطلوبة

قوله (قدس) ص 247: «الثاني- جواب حلّي، و حاصله ... إلخ».

لا زال الكلام في الشكل الأول من شكلي الاستدلال بحكم العقل على حجية خبر الواحد، و الذي هو عبارة عن: تطبيق قاعدة منجزية العلم الإجمالي بأنّ بعض الروايات ضمن دائرة أخبار الثقات الواصلة إلينا قد صدرت من الشارع، و أنها مطابقة للواقع،

و ذكرنا أنه يعترض عليه باعتراضين، و قد انتهينا من الاعتراض الأول منهما، و تصل‏

78

النوبة الآن إلى بيان الاعتراض الثاني على الاستدلال السابق، و الذي يعتبر جواباً حلّياً على أصل الاستدلال، و حاصله: إن تطبيق قاعدة منجزية العلم الاجمالي لإثبات وجوب العمل بكل أخبار الثقات، لا يحقّق الحجّية المطلوب إثباتها في المقام؛ و ذلك لأمرين:

الأول: إنّ أطراف العلم الاجمالي في دائرة أخبار الثقات، بعضها يتكفل إثبات أحكام تكليفية إلزامية، كالوجوب و الحرمة، و بعضها يتكفل إثبات أحكام ترخيصيّة؛ لأن بعض أخبار الثقات، مفادها: الوجوب أو الحرمة، و بعضها مفادها: الإباحة و الترخيص، و من الواضح أن العلم الاجمالي الذي يكون منجّزاً هو العلم الاجمالي بالتكليف لا العلم الاجمالي بالترخيص، فمثلًا لو علمت إجمالًا بحلّية أكل لحم أحد أفراد مجموعة من الحيوانات، مع كون الأفراد الأخرى مشكوكة الحرمة، فلا يكون لهذا العلم الاجمالي أيّ تنجيز في المقام؛ لعدم وجود علم بالتكليف، و هذا بخلاف ما لو علمت إجمالًا بحرمة أكل لحم أحد أفراد تلك المجموعة من الحيوانات؛ فإن هذا العلم يقتضي تنجيز حرمة أكل لحم كل حيوان من أفراد تلك المجموعة، فالعلم الإجمالي المفترض في المقام، يثبت التنجيز لأخبار الثقات التي يكون مفادها حكماً إلزامياً، كالوجوب، و الحرمة، و أمّا الأخبار الدالة على الترخيص، فلو لم نعمل على وفقها، فلا نكون قد خالفنا ذلك العلم الاجمالي كما هو واضح؛ لانّها خارجة عمّا قام العلم الاجمالي بتنجيزه علينا، و هذا غير حجّية خبر الثقة؛ و ذلك لأن معنى كون خبر الثقة حجّة، هو: كونه منجّزاً فيما لو كان مفاده ثبوت تكليف إلزامي، و معذّراً فيما لو كان مفاده الترخيص و الإباحة، و هذا يعني: أن الاستدلال بالعلم الاجمالي بصدور جملة من الروايات عن المعصومين (ع) في دائرة أخبار الثقات، على حجية خبر الثقة، غير تام، و لا يحقّق الحجّية بالمعنى المطلوب منها في المقام.

الثاني: إنّ وجوب العمل بأخبار الثقات، و الذي ثبت بمقتضى قاعدة منجّزية العلم الإجمالي بكون بعض الروايات التي وصلت إلينا عن طريق الثقات مطابقة للواقع، إنّما هو لأجل العلم الاجمالي بوجود تكاليف الزاميّة واقعيّة في ضمن تلك الدائرة، و مقتضى الاحتياط بتمامها، هو: وجوب العمل بكل خبر ثقة كان بصدد إثبات تكليف إلزامي.

و يترتب على ذلك: عدم إمكان تخصيص العام أو تقييد المطلق في دليل قطعي الصدور

كالقرآن الكريم، بخبر الثقة الذي وجب العمل به من أجل الاحتياط؛ و ذلك لأنّ التخصيص،

79

أو التقييد، معناه: رفع اليد عن عموم العام، أو إطلاق المطلق فى دليل قطعي الصدور، و معلوم الحجّية (1) في دلالته؛ فإنّ ظهور العام في العموم، أو ظهور المطلق في الإطلاق، قد قام الدليل القطعي على حجيته، و من الواضح أنّه لا يجوز رفع اليد عما هو معلوم الحجّية إلّا بحجّية أخرى، تخصيصاً، أو تقييداً، فما لم يثبت بالدليل القطعي حجّية خبر الثقة، لا يمكن تخصيص العام أو تقييد المطلق بذلك الخبر (2).

و مثال ذلك: ما لو ورد دليل قطعي الصدور كآية قرآنية مثلًا، أو خبر متواتر يدل باطلاقه على حلّية أكل كل أنواع اللحوم، و ورد خبر ثقة وجب العمل به من باب منجزية العلم الإجمالي المذكور، يدل على حرمة أكل لحم الأرنب، فالنسبة بين مفاد الآية القرآنية و مفاد الخبر، هي: العموم المطلق؛ لأن الآية القرآنية تدل على حلّية أكل مطلق اللحم، سواء أ كان لحم الأرنب أم غيره، و الخبر يدل على حرمة أكل لحم الأرنب، فهل نستطيع هنا أن نقيّد إطلاق الآية الكريمة بخبر الثقة، و نقول بحلّية أكل مطلق اللحم إلّا لحم الأرنب؟ أو لا نستطيع ذلك؟

و الجواب: إننا لا نستطيع أن نقيّد إطلاق الدليل القرآني بذلك الخبر؛ لأن ذلك من رفع‏

اليد عمّا هو معلوم الحجّية بما لم تثبت حجّيته بالدليل الشرعي، و هذا لا يجوز.

____________

(1) لا يتوهم هنا أنّ قوله: «و معلوم الحجّية» عطف تفسير لقوله: «قطعي الصدور» كما حصل ذلك للبعض، بل هو إشارة إلى الجهة الثانية من جهات الدليل، و هي: جهة الدلالة؛ لأن في كل دليل شرعي جهتين: جهة السند، و التي أشار إليها بقوله: «قطعي الصدور»، وجهة الدلالة، و التي أشار إليها بقوله: «و معلوم الحجّية»، أي: نعلم بحجّية تلك الدلالة، أي: العلم بحجّية الظهور، و يؤيد ما قلناه أن التعبد و التخصيص إنما يصح في الدلالة الظنّية المجعولة حجّة من قبل الشارع، لا للدلالة القطعيّة كما هو واضح؛ لأنه مع القطع بالدلالة نقطع بعدم حجّية ما يخالفها.

إن قلت: إذن لما ذا قال: «قطعي الصدور»، و لم يقل: «معلوم الحجّية من جهة الصدور».

كان الجواب: إن معلوم الحجّية من جهة الصدور أعم من كونه حجّة من باب حجّية القطع بالصدور، و من كونه حجّة تعبداً، و من الواضح أن الاحتمال الثاني لا معنى له؛ لأن الكلام في حجّية الخبر تعبّداً، و لم تثبت بعد بحسب الفرض، و لأجل ذلك عبّر بقوله: «قطعي الصدور»، فانتبه، و لا تغفل‏

(2) هذا الاعتراض ذكره المحقق الخراساني في كفاية الأصول، ص 305، حيث قال: «و فيه: إنه لا يكاد ينهض على حجية الخبر، بحيث يقدم تخصيصاً أو تقييداً أو ترجيحاً على غيره، من عموم أو إطلاق أو مثل مفهوم».

80

إن قلت: إنّ العلم الاجمالي المتقدّم، و الذي اقتضى وجوب العمل بكل خبر ثقة، سوف ينجّز علينا هذه الحرمة التي دلّ عليها خبر الثقة، و هذا يكفي لرفع اليد عن الإطلاق.

كان الجواب: إنّ تنجّز الحرمة التي دلّ عليها الخبر، إنما هو بسبب وجوب الاحتياط، و ليس لأجل حجّية خبر الثقة، و لا مجال للاحتياط في مثل هذه الحالة؛ لأنّ المفروض أنّه قد دلّ الدليل القطعي الصدور و المعلوم الحجّية في دلالته على الترخيص، و حلّية أكل لحم الأرنب قد ثبتت بمقتضى ظهور ذلك الدليل في الإطلاق الذي نعلم بحجّيته، فينتفي بعد مجي‏ء هذا الدليل القطعي الصدور و معلوم الحجّية احتمال حرمة أكل لحم الأرنب و لو تعبّداً (1)، و هذا يعني: خروج خبر الثقة الدال على حرمة أكل لحم الأرنب عن كونه طرفاً من أطراف العلم الاجمالي، و معه، لا يجب العمل به، و لا ينجّز الحرمة المذكورة، و يكون المورد في هذه الحالة، من قبيل ورود الدليل القطعي الصدور، و القطعي الدلالة على الترخيص، كما لو ورد مثلًا: «يحل أكل اللحم مطلقاً حتى لحم الأرنب»، فكما لا يلتزم أحد هنا بوجوب العمل بخبر الثقة الدال على حرمة أكل لحم الأرنب احتياطا- إذ لا مجال للاحتياط كما هو واضح؛ للقطع بعدم حرمة أكل لحم الأرنب- فكذلك لو كانت دلالة الدليل ظنّية، كالظهور الذي نعلم بحجّيته، فهنا أيضاً لا مجال للاحتياط؛ للعلم و لو تعبّداً بعدم حرمة أكل لحم الأرنب، و هذا يعني: عدم وجوب العمل بخبر الثقة الدال على حرمة أكل لحم الأرنب، و هذا بدوره يعني: عدم إمكان الالتزام بتقييد إطلاق ذلك المطلق بهذا الخبر.

طريق آخر للوصول إلى نتيجة التخصيص أو التقييد:

قوله (قدس) ص 248: «اللهمّ إلّا أن يقال ان مجموعة العمومات ... إلخ».

بعد أن تبيّن عدم إمكان الالتزام بتخصيص العام أو المطلق الكتابي بخبر الثقة الذي‏

وجب العمل به بسبب العلم الاجمالي بصدور بعض الروايات المطابقة للواقع في دائرة

____________

(1) انتفاء احتمال الحرمة في هذه الحالة ليس انتفاءً وجدانياً و واقعياً و إن كان الدليل الدال على الحلية قطعياً من جهة الصدور؛ و ذلك لأنّ دلالته ظنية قد ثبتت حجيتها بالتعبد الشرعي، و لأجل ذلك كان انتفاء احتمال الحرمة تعبدياً.

81

أخبار الثقات، و الذي يعني: عدم إمكان رفع اليد عن عموم العام القرآني أو إطلاقه بهذا الخبر تخصيصاً أو تقييداً، إلّا أنّه مع ذلك يمكن القول بأننا نستطيع الوصول عن طريق هذا الخبر الدال على حرمة أكل لحم الأرنب و غيره، و الذي تنجّز العمل به بسبب العلم الاجمالي، إلى نتيجة مشابهة للنتيجة التي ينتهي إليها التخصيص أو التقييد، و إن لم يكن تخصيصاً أو تقييداً اصطلاحاً، و ذلك بالتقريب التالي:

لا شك و لا إشكال بأنّنا نعلم علماً إجمالياً بطرو التخصيص أو التقييد على كثير من العمومات أو المطلقات الدالة على الترخيص و الإباحة في الأدلة القطعيّة الصدور، و من هنا اشتهر على ألسنتهم: «ما من عام إلّا و قد خصّ»، فأغلب العمومات القرآنية أو المطلقات قد طرأ عليها التخصيص أو التقييد، غاية الأمر: أنّنا لا نعلم المخصّص أو المقيد بعينه، فهل المخصّص أو المقيّد لتلك العمومات أو المطلقات القرآنية هو ذلك الخبر الدال على حرمة أكل لحم الأرنب؟ أو هو الخبر الدال على حرمة أكل الجرّي مثلًا؟ أو غير ذلك؟ فمع عدم ثبوت حجّية خبر الثقة بدليل خاص، لا نستطيع أن نعيّن تلك المخصّصات أو المقيّدات، و حيث إن تخصيص العام الدال على الترخيص أو تقييد المطلق الدال على الترخيص يكون بالخاص أو المقيّد الدال على الإلزام، فهذا يعني: أن مرجع العلم الإجمالي بطرو التخصيص أو التقييد على تلك العمومات أو الاطلاقات، إلى العلم الإجمالي بوجود تكليف الزامي في دائرة أفراد ذلك العام أو المطلق، و هذا العلم الإجمالي يقتضي رفع اليد عن تلك العمومات أو الاطلاقات جميعاً، و هذا يعني: سقوط تلك العمومات أو الاطلاقات عن الحجّية؛ لأن حجّية العام في عمومه، أو حجّية المطلق في إطلاقه، مشروطة بعدم العلم بالتخصيص أو التقييد؛ إذ مع العلم بالتخصيص أو التقييد، لا يكون العام حجّة في عمومه، و لا المطلق حجّة في إطلاقه؛ من باب تقديم الخاص على العام، و تقديم المقيّد على المطلق عند التعارض، و مع سقوط العام عن الحجّية في عمومه، أو سقوط المطلق عن الحجّية في إطلاقه، لا يبقى مانع من الأخذ بالخبر الدال على الحرمة احتياطاً؛ لأنّ مجال الاحتياط هنا متحقق؛ فإنّ الحرمة في ما نحن فيه محتملة، و غير معلومة العدم، لا وجداناً كما هو واضح، و لا

تعبّداً؛ لعدم حجّية العام الدال على الترخيص أو الإباحة؛ و ذلك للعلم الاجمالي بتخصيصه، فيبقى الخبر

82

الدال على الحرمة داخلًا في أطراف العلم الاجمالي بمطابقة بعض تلك الأخبار للواقع، فيتنجز وجوب العمل بذلك الخبر احتياطاً، ففي مثالنا المتقدّم، نرفع اليد عن إطلاق ما دلّ على حلية اللحوم بمقدار ما دلّ على حرمة أكل لحم الأرنب، و إن بقيت الأفراد الأخرى داخلة تحت الإطلاق، و هذه نتيجة مشابهة للنتيجة التي ننتهي إليها عن طريق التخصيص و التقييد، و إن لم تكن من التخصيص و التقييد الاصطلاحيين؛ لأن تخصيص العام، أو تقييد المطلق، فرع حجّية العام في العموم و المطلق في الإطلاق، و إلّا، لو لم يكن العام حجّة في عمومه، و لا المطلق حجّة في إطلاقه، لا يكون العمل بالخاص أو بالمقيّد تخصيصاً أو تقييداً لذلك العام أو المطلق؛ لأن التخصيص أو التقييد من نتائج التعارض بين ظهور العام و ظهور الخاص، أو ظهور المطلق و ظهور المقيّد، و من الواضح: إن التعارض لا يعقل إلّا بين دليلين كان كل منهما حجّة في نفسه لو لا التعارض؛ إذ لا يعقل التعارض بين ما هو حجّة في نفسه و بين ما هو ليس كذلك.

و ينبغي الالتفات هنا، إلى أنّ رفع اليد عن العموم أو الإطلاق في هذه الحالة، لم يكن لأجل تنجّز العمل بالخبر الدال على الحرمة، و إنّما هو لأجل عدم حجّية ذلك العام في العموم بسبب العلم الاجمالي بطروّ التخصيص عليه، سواء كان الخبر الدال على الحرمة موجوداً، أم لا، و سواء تنجّز علينا العمل بمقتضاه، أم لا (1)، غاية الأمر: أنه مع عدم حجّية العام في عمومه، لا مانع من الأخذ به لو كان واصلًا و قلنا بوجوب العمل به من باب منجّزية العلم الاجمالي.

هذا تمام الكلام في الشكل الأول من شكلي الاستدلال بالدليل العقلي على حجّية

خبر الثقة، و قد تبيّن أنّه لا يوصل إلى نفس النتيجة المطلوبة من الحجّية التي يراد اثباتها للخبر (2).

____________

(1) لا يقال: إنّه بناء على ذلك سوف تسقط كل العمومات و المطلقات القرآنية عن الحجية؛ و ذلك للعلم الإجمالي بطرو التخصيص أو التقييد عليها.

فإنّه يقال: إنّ مقتضى العلم الإجمالي بطرو التخصيص أو التقييد، و إن كان هو ذلك، و لكن نحن نلتزم بانحلال هذا العلم الإجمالي بالعثور على تلك المخصصات أو المقيدات ضمن دائرة أخبار الثقات التي ثبتت حجيتها بدليل خاص‏

(2) هذا ما انتهى إليه السيّد الشهيد على ما يظهر من تقرير بحثه، حيث قال: «و هكذا يتضح عدم تمامية الدليل العقلي على حجّية أخبار الآحاد، و عدم الانتهاء إلى نفس النتيجة المطلوبة من الحجّية على تقدير تماميته»، راجع: بحوث في علم الأصول، ج 4، ص 421.

83

الشكل الثاني: الاستدلال على حجية خبر الواحد بدليل الانسداد ( (1)

) قوله (قدس) ص 249: «الشكل الثاني للدليل العقلي، ما يسمى ... إلخ».

ذكرنا إن الاستدلال بالدليل العقلي على حجّية خبر الثقة له شكلان، و قد انتهينا من الشكل الأول منهما، و يقع الكلام الآن حول الشكل الثاني، و هو: ما يسمّى بدليل الانسداد، أي: انسداد باب العلم بالاحكام نتيجة لانقطاع عصر التشريع بغيبة الإمام المنتظر (عجّل الله تعالى فرجه الشريف)، و عدم وجود الدليل العلمي على اعتبار بعض الطرق الظنّية الموصلة للأحكام بحسب الفرض، و هذه إحدى المقدّمات التي يعتمد عليها هذا الدليل؛ و لأجلها سمّي بدليل الانسداد (2).

ثمّ إنّ هذا الدليل لو تمّ بتمامية جميع مقدّماته، فهو يثبت حجّية مطلق الظنّ، و لا يختص بالظن الناشئ من خبر الواحد، و يكون إثباته لحجّية خبر الثقة باعتباره أحد أفراد الظنّ،

و إلّا، فلا اختصاص لهذا الدليل بخبر الواحد.

و ما يسمّى بدليل الانسداد، يبيّن عادةً في ضمن خمس مقدّمات يطلق عليها مقدّمات دليل الانسداد، و بتماميتها جميعاً، يتم دليل الانسداد، و يثبت حجّية مطلق الظنّ، بما فيه الظن‏

____________

(1) هذا الدليل اعتمده الميرزا القمي كما صرح بذلك في جامع الشتات ج 4، ص 327 حيث قال: «و الإجماع الذى ادعاه الشيخ على حجية خبر الواحد، لو سلم فإنما هو على حجيته في الجملة، لا في جميع أفراده. و سائر الأدلة أقاموها على حجية خبر الواحد، إما ممنوع الدلالة، و إما ممنوع العموم. فالمعتمد في حجتيه إنما هو كونه ظن المجتهد، و إنه حجة لانسداد باب العلم، و استحالة تكليف ما لا يطاق، مع كون بقاء التكاليف ضرورياً»

(2) الانسداد في قبال الانفتاح، أي: انفتاح باب العلم بالأحكام في زمان التشريع، فإن المعاصرين للمشرّع، سواء كان هو النبي (ص)، أو الإمام، في عصر الحضور يستطيعون تحصيل العلم بالأحكام الشرعيّة عن طريق سماعها من النبي (ص)، أو الإمام مباشرةً، أما في عصرنا و في عصر الغيبة عموماً، فلا مجال لتحصيل العلم بجميع الأحكام بالطريق المتقدّم كما هو واضح، و هو ما عبّروا عنه بانسداد باب العلم بالأحكام، أمّا باب العلمي و هو التعبّد ببعض الظنون، فهو ما وقع محلًا للخلاف، فقد ذهب البعض إلى انسداده أيضاً، و ذهب البعض الآخر إلى انفتاحه، و على هذا الخلاف تدور تماميّة دليل الانسداد أو عدم تماميته، كما سيتجلى لك ذلك خلال البحث.

84

الناشئ من خبر الثقة، و ببطلان واحدة من تلك المقدّمات التي يعتمد عليها هذا الدليل، يبطل دليل الانسداد، و يبطل الاستدلال به حينئذ كما هو واضح.

مقدمات دليل الانسداد:

قوله (قدس) ص 249: «و قد بيّن ضمن مقدمات ... إلخ».

و المقدمات التي يعتمد عليها دليل الانسداد، هي‏ (1):

المقدمة الأولى: إنّنا لو لاحظنا مجموع الشبهات في دائرتها العريضة الواسعة، لحصل لنا العلم الإجمالي بوجود تكاليف شرعيّة إلزاميّة، من قبيل الواجباب و المحرّمات، منتشرة في دائرة تلك الشبهات، و مقتضى هذا العلم الاجمالي، هو: تنجّز تلك التكاليف علينا، فلا بدّ من التعرّض لامتثالها خروجاً عن عهدتها.

و منشأ العلم الاجمالي المذكور، هو: أنّنا بحكم إيماننا بوجود خالق هو الله سبحانه و تعالى، و وجود شريعة شرّعها هذا الخالق، و أنزلها إلى عباده الذين يجب عليهم طاعته، سوف يحصل لنا العلم بوجود تكاليف إلزامية في تلك الشريعة؛ إذ لا معنى لوجود شريعة من دون أن يكون فيها إلزام بفعل أو بترك؛ لعدم تعقّل كون كل شي‏ء مباحاً، و لأجل ذلك، سوف يحصل لنا العلم الاجمالي بوجود تكاليف إلزاميّة في مجموع الشبهات، و هذه‏

التكاليف لا بدّ من التعرّض لامتثالها وفاءً لحق الطاعة الثابت للمولى بحكم العقل.

المقدمة الثانية: إنّ امتثال تلك التكاليف التي تنجّزت علينا بسبب العلم الاجمالي المذكور امتثالًا قطعياً، يتوقف إمّا على تعيين مواطن تلك التكاليف و محالّها، بمعنى:

____________

(1) هذه المقدمات أشار إليها الميرزا القمي في قوانين الأصول، ص 55 بقوله: «إن من اليقينيات إنا مكلفون بما جاء به محمد (صلى الله عليه و آله) من الاحكام و الشرائع و العبادات و كما أن سبيل القطع بمعرفة الاحكام كما وردت منسد لنا فكذلك بمعرفة ماهية العبادات و كما يمكن أن يقال التكليف بالعبادات أمر بشي‏ء غير معلوم لنا و لا يحصل الامتثال بها إلا بإتيانها بماهياتها كما وردت فكذلك سائر الأحكام الشرعية غير معلوم لنا و لا يحصل الامتثال بها إلا بإتيانها بماهياتها كما وردت و كما أن انسداد باب العلم مع بقاء التكليف بالضرورة و قبح تكليف ما لا يطاق يوجب جواز العمل بالظن في الاحكام بعد التفحص و التجسس عن الأدلة و حصول الظن بسبب رجحان الدليل على المعارضات أو بسبب أصالة عدم معارض آخر فكذلك في ماهية العبادات و كما لا يمكن في ماهية العبادات التمسك بالأصل قبل الفحص و التفتيش و استفراغ الوسع فكذلك لا يمكن ذلك في نفس الاحكام».

85

تشخيصها واحداً واحداً، و إمّا على الاحتياط التام في جميع الشبهات، و تعيين مواطن تلك التكاليف لا يتحقق إلّا بأحد الطريقين التاليين:

الأول: الطريق القطعي الوجداني، الذي يوجب لنا العلم بأنّ تلك التكاليف، هي عبارة عن: وجوب صلاة العيد، و حرمة أكل الأرنب و ... و ... مثلًا.

الثاني: الطريق التعبّدي الذي قام الدليل الشرعي الخاص على حجّيته، من قبيل: أن يجوّز الشارع التعويل على أخبار الثقات مثلًا، و غيرها من الأمارات الظنّية لمعرفة أحكامه و تكاليفه، فيتم تعيين مواطن تلك التكاليف المعلومة بالاجمال عن هذا الطريق مثلًا.

و كل من الطريقين المتقدّمين غير متحقّق في المقام، أمّا الطريق الأول، و هو: الطريق القطعي الوجداني؛ فلأجل انسداد باب العلم بالاحكام بالنسبة إلينا؛ لعدم وجود المشرّع فيما بيننا حتى نسأله عن تلك التكاليف و يحصل لنا العلم بها، و أمّا الطريق الثاني، فلعدم وجود الدليل القطعي على حجّية بعض الامارات الظنّية كخبر الثقة أو غيره بحسب الفرض، و هذا ما يعبّر عنه بانسداد باب العلم و العلمي، فلم يبق إلّا الاحتياط التام في جميع تلك الشبهات، و به نصل إلى المقدّمة الثالثة.

المقدمة الثالثة: إنّ الاحتياط التام في جميع الشبهات لأجل الموافقة القطعيّة للعلم الإجمالي المتقدّم غير واجب؛ و ذلك لأنه سوف يؤدي إلى العسر و الحرج، إذ مقتضى ذلك، هو أنه كلّما شك المكلف في وجوب شي‏ء وجب عليه الاتيان به، و كلّما شك في حرمة شي‏ء وجب عليه تركه، و لا شك أنّ هذا يوجب العسر و الحرج عليه بسبب كثرة أطراف العلم الاجمالي المذكور، و كثرة الشبهات، إضافة إلى أنّه يؤدي إلى اختلال النظام العام في الحياة كما هو واضح.

المقدمة الرابعة: إنّه إذا لم يجب الاحتياط التام في جميع الشبهات، فلم يبق إلّا الرجوع إلى الأصول العملية المؤمّنة، كالبراءة، أو الاستصحاب المعذّر، أو أصالة الطهارة، و إجراؤها في كل شبهة من تلك الشبهات، و هذا ممّا لا يجوز عقلًا؛ لأنه موجب‏

للوقوع في المخالفة القطعيّة للتكليف المعلوم بالإجمال، و هو خلاف قانون تنجيز العلم الاجمالي لحرمة المخالفة القطعيّة.

المقدمة الخامسة: بعد أن تبيّن عدم جواز إهمال العلم الاجمالي الذي ثبت‏

86

بمقتضى المقدّمة الأولى، و عدم وجود طريق معتبر قطعي وجداني، أو ظني تعبّدي لتعيين تلك التكاليف التي تنجّزت علينا؛ و ذلك لانسداد باب العلم و العلمي كما هو مقتضى المقدّمة الثانية، و عدم إمكان الاحتياط التام في كل شبهة، و عدم وجوبه كما هو مقتضى المقدّمة الثالثة، و عدم جواز الرجوع إلى الأصول العمليّة المؤمّنة كالبراءة و غيرها لكونها على خلاف قانون تنجيز العلم الاجمالي كما هو مقتضى المقدّمة الرابعة، فحينئذ، نحن بين أمرين:

الأول: أن نأخذ بما نظنّه من التكاليف من مجموع تلك الشبهات، و نترك المشكوكات أو الموهومات.

الثاني: أن نأخذ بالمشكوكات أو الموهومات و نترك المظنونات.

و لا شكّ في بطلان الثاني؛ لأنه من ترجيح المرجوح على الراجح؛ حيث إنّ العمل بالمظنونات أرجح من العمل بالمشكوكات، فيتعيّن الأول، و هو: أن نأخذ بالتكاليف المظنونة و نترك المشكوكة، و هذا يعني: حجّية الظن دون غيره، و الظن الناشئ من خبر الثقة، هو أحد افراد الظن، فيكون حجّة، و بهذا نثبت حجّية خبر الثقة بدليل الانسداد.

الاعتراضات الواردة على دليل الانسداد:

قوله (قدس) ص 250: «و نلاحظ على هذا الدليل ... إلخ».

ذكرنا فيما سبق أنّ تمامية الاستدلال بما يسمّى بدليل الانسداد تتوقف على تمامية جميع المقدّمات التي يعتمد عليها هذا الدليل، و لكن يكفي لإبطال هذا الدليل إبطال إحدى مقدّماته، و ليس من الضروري إبطال كل المقدّمات كما هو واضح، و لكن مع ذلك يمكن الاعتراض على أكثر هذه المقدّمات و إثبات عدم تماميتها، و بالتالي إبطال هذا الدليل، و ذلك كما يلي:

أوّلًا: عدم تماميّة المقدّمة الثانية من تلك المقدّمات؛ و ذلك لانّها عبارة عن: دعوى انسداد باب العلم و العلمي، و هذه الدعوى تتوقف كما هو واضح على عدم قيام الدليل‏

الشرعي الخاص على حجّية خبر الثقة، أو غيره من الأمارات الأخرى التي يمكن الرجوع إليها لتعيين التكاليف الالزاميّة التي نعلم بوجودها في دائرة تلك الشبهات، و إلّا، فلو كان باب العلمي مفتوحاً، كما لو قام الدليل الشرعي على حجّية خبر الثقة مثلًا، لأمكن الرجوع‏

87

إلى تلك الأخبار لتعيين التكاليف المعلومة بالاجمال، و حيث أنّه قد ثبت فيما تقدّم من بعض الأدلة قيام الدليل الشرعي على حجّية خبر الثقة، فيكون باب العلمي مفتوحاً، و به تبطل هذه المقدّمة، و هو ما يؤدي إلى بطلان دليل الانسداد بكامله كما بيّنا.

نعم، دليل الانسداد بناءً على تماميّة مقدّماته الأخرى، يُنتهى إليه حيث لا يحصل الفقيه على دليل شرعي خاص يثبت حجّية خبر الثقة أو غيره من الامارات الظنّية الأخرى.

ثانياً: سلّمنا أنّه لو لاحظنا مجموع الشبهات ابتداءً لحصل لنا العلم الاجمالي بوجود تكاليف إلزاميّة في دائرة تلك الشبهات كما هو مقتضى المقدّمة الأولى في الاستدلال، و لكن هذا العلم الاجمالي منحل بعلم إجمالي أصغر منه، و هو: العلم الاجمالي بوجود تكاليف إلزامية في دائرة الاخبار الواصلة إلينا عن طريق الثقات، و هذا الانحلال هو تطبيق لقانون انحلال العلم الاجمالي الكبير بالصغير مع توفّر كلا شرطيه كما تقدّم، و حينئذٍ، تبطل المقدّمة الثالثة؛ و ذلك لأن هذا العلم و إن اقتضى تنجيز العمل بكل خبر ثقة كان مفاده إثبات تكليف من وجوب أو حرمة من باب الاحتياط، إلّا أن مثل هذا الاحتياط التام في حدود هذا العلم الاجمالي الجديد ليس فيه مشقة و عسر، و بالتالي يزول المانع عن وجوب الاحتياط، و الذي تم تصويره في المقدّمة الثالثة، فيجب الاحتياط، و به تبطل المقدّمة الثالثة.

ثالثاً: إنّه إذا سلّمنا بعدم وجوب الاحتياط التام في مجموع تلك الشبهات التي نعلم إجمالًا بوجود تكاليف إلزاميّة في دائرتها لأنه يؤدي إلى العسر و الحرج كما قيل في المقدّمة الثالثة، إلّا أنّ مثل هذا العسر و الحرج لا ينفي الاحتياط ببعض مراتبه التي تكون مقدورة، و التي لا يلزم منها العسر و الحرج، و إنّما ينفي المرتبة العليا من مراتبه، و هي: الاحتياط التام في جميع تلك الشبهات، و من المعلوم: أن الضرورات تقدّر بقدرها، فنرفع اليد عن المرتبة العليا من الاحتياط، و التي يلزم منها العسر و الحرج، و أمّا بقيّة المراتب التي لا يلزم منها العسر و الحرج، فلا مانع من إيجاب الاحتياط فيها، و توضيح ذلك:

إن للاحتياط ثلاث مراتب:

الأولى: و هي المرتبة العليا، و التي تتمثل بالاحتياط تجاه كل شبهة، سواء كان التكليف فيها مظنوناً، أو مشكوكاً، أو موهوماً.

الثانية: و هي المرتبة الوسطى، و التي تتمثل بالاحتياط تجاه الشبهات التي يكون فيها

88

التكليف مظنوناً، أو مشكوكاً.

الثالثة: و هي المرتبة الدنيا من مراتب الاحتياط، و تتمثل بالاحتياط تجاه الشبهات التي يكون فيها التكليف مظنوناً فحسب.

فإن كانت المرتبة الأولى، أو الثانية، يلزم من الاحتياط فيها العسر و الحرج، فمن الواضح عدم لزومهما- أي: العسر و الحرج- في المرتبة الثالثة، فنأخذ بالمظنونات دون غيرها من المشكوكات، أو الموهومات، باعتبار ذلك إحدى مراتب الاحتياط المقدورة للمكلّف، و به تبطل المقدّمة الثالثة التي بني عليها الاستدلال.

إن قلت: إنّ هذا عين ما وصل إليه المستدل بهذا الدليل وفقاً للمقدّمة الخامسة، و ليس هو إلّا اختصار للمسافة؛ لأنه في الحالتين يجب العمل بالمظنونات دون غيرها.

كان الجواب: إن الأمر ليس كما تتصور، لأن الأخذ بالمظنونات دون المشكوكات، أو الموهومات، الذي انتهى إليه المستدل، إنّما هو باعتبار انّها مظنونات بحيث يكون للظن بالتكليف مدخليّة في وجوب الأخذ به، على أساس أنّ الأخذ بغير الظن من الشك والوهم يكون من ترجيح المرجوح على الراجح، و هو باطل، فيتعين الأخذ بالظنّ من حيث أنّه ظن، و هذا يعني: حجّية الظن.

أما الأخذ بالمظنونات، و الذي انتهينا إليه في الأمر الثالث، فباعتبار أنّه مرتبة من مراتب الاحتياط الواجبة بسبب العلم الاجمالي الذي يقتضي الاحتياط في كل شبهة، بحيث لا يكون للظنّ أي مدخليّة في وجوب الأخذ بالمظنونات، دون غيرها من المشكوكات و الموهومات، و إنّما وجب الأخذ به بسبب وجوب الاحتياط، باعتبار أنها المرتبة المقدورة التي لا يلزم فيها العسر و الحرج، و إلّا، فلو افترضنا أنّ المرتبة الثانية من مراتب الاحتياط، و التي تحصل بالاتيان بالمظنونات و المشكوكات معاً كانت مقدورة

للمكلّف، و لا يلزم فيها العسر و الحرج، لقلنا أيضاً بوجوب الأخذ بها (1)، و هذا لا يعني حجّية الشك، أو الظن، كما هو واضح.

____________

(1) و هو ما ذهب إليه الشيخ الأنصاري في فرائد الأصول، ج 1، ص 382 حيث قال: «مع أن العمل بالاحتياط في المشكوكات أيضاً كالمظنونات لا يلزم منه حرج قطعاً، لقلة موارد الشك المتساوي الطرفين كما لا يخفى، فيقتصر في ترك الاحتياط على الموهومات فقط».

89

إمكان تصوير حجّية الظن بهذا الطريق أيضاً:

قوله (قدس) ص 251: «اللهمّ إلّا أن يدّعى قيام الإجماع ... إلخ».

تقدّم أنّ الاحتياط التام في جميع الشبهات التي تنجّزت بالعلم الاجمالي المتقدّم غير واجب؛ لأنه يؤدي إلى العسر، و الحرج، و هما منفيان قطعاً، و ذكرنا أن هذا إنّما يقتضي رفع اليد عن المرتبة العليا من الاحتياط؛ لأنها هي التي تؤدي إلى الوقوع في العسر و الحرج، و لا يمنع من وجوب الاحتياط في بعض المراتب الأخرى التي لا يلزم فيها العسر، و الحرج، كالأخذ بالمظنونات دون غيرها، و قلنا أيضاً: إنّ هذا لا يعني حجّية الظن بالنحو المبحوث عنه في المقام، و هو: الحجية التعبدية، و لكن، يمكن أن يكون هذا بنفسه طريقاً لإثبات حجّية الظنّ تعبداً و لكن، بشرط أن يُضم إليه أمر آخر، فيكون وجوب الأخذ بالمظنونات مع تلك الضميمة، دليلًا على حجّية الظن، و هذه الضميمة عبارة عن: دعوى قيام الاجماع على أن الشارع ليس من طريقته جعل التعامل مع الشريعة مبتنياً على أساس الاحتياط (1)، فيكون الأخذ بالظن في هذه الحالة، ليس من باب أنه احتياط مقدور واجب، بل من باب أن الظن طريق معتبر دون غيره، من: الشك، والوهم، و هذا يعني: جعل الحجّية للظن.

و بعبارة مختصرة: إن وجوب الأخذ بالظنّ دون غيره من الدرجات الأخرى كالشك، والوهم، إنّما هو باعتبار أنّه المرتبة المقدورة من مراتب الاحتياط، و لكن حيث قام‏

الاجماع على عدم ابتناء التعامل مع الشريعة على أساس الاحتياط، فسوف نكتشف من خلال الإجماع المذكور أن الأخذ بالظن لم يكن من باب وجوب الاحتياط باعتباره المرتبة المقدورة على نحو لو لم يكن الاحتياط واجباً لما أخذ به، بل إنّما هو باعتبار أنّه الطريق الأقرب للوصول إلى الواقع لا أكثر، و من الواضح: أن وجوب الأخذ بالظن من حيث أنّه ظن ليس إلّا، يعني: حجّية الظن، فمن مجموع هذين الأمرين، نستكشف أن‏

____________

(1) قال الشيخ الأنصاري في فرائد الأصول، ج 1، ص 403: «أما الاحتياط، فهو و إن كان مقتضى الأصل و القاعدة العقلية و النقلية عند ثبوت العلم الإجمالي بوجود الواجبات و المحرمات، إلا أنه في المقام أعني صورة انسداد باب العلم في معظم المسائل الفقهية غير واجب، لوجهين: أحدهما: الإجماع القطعي على عدم وجوبه في المقام».

90

الشارع جعل الحجّية للظنّ.

و بهذا ينتهي البحث عن المرحلة الأولى، و التي تم من خلالها استعراض ما يدّعى من أدلّة على حجّية خبر الواحد، و قد تبيّن من خلال ذلك أن التام من تلك الأدلة عبارة عن: آية النبأ، و السنّة الثابتة بطريق قطعي، كسيرة المتشرعة، و السيرة العقلائية، و حينئذٍ، يصل البحث إلى المرحلة الثانية، و التي هي عبارة عن تحديد دائرة حجية الأخبار التي ثبتت ببركة الأدلة السابقة.

المرحلة الثانية: في تحديد دائرة حجّية الاخبار

قوله (قدس) ص 252: «و نأتي الآن إلى المرحلة الثانية ... إلخ».

تكلّمنا في المرحلة الأولى عن أصل حجّية خبر الواحد، أي: حجيته على نحو القضيّة المهملة، و بعبارة أخرى كان البحث في تلك المرحلة عن حجّية خبر الواحد بما هو خبر واحد و بقطع النظر عن كونه ثقة أو عادلًا أو غير ذلك من مواصفات المخبر، و كذلك بقطع النظر عن كون الخبر يؤدي إلى الوثوق بصدوره من الشارع أو لا يؤدي إلى ذلك، و كذلك بقطع النظر عن كون الخبر عن حس أو كونه عن حدس، و قد ثبت بالدليل القطعي حجّيته في الجملة، و تصل النوبة الآن إلى تحديد دائرة تلك الحجّية من حيث السعة و الضيق، و بيان شروطها، و هذا ما سنتكلم فيه في المرحلة الثانية التي بين أيدينا.

الكلام في المرحلة الثانية يقع في ثلاث نقاط:

و الكلام في هذه المرحلة يقع تارة في تحديد موضوع الحجية بالنسبة إلى صفات المخبر من حيث كونه عادلًا أو ثقة، و تارة أخرى في تحديد موضوعها بالنسبة إلى ما يؤديه الخبر من الوثوق بالصدور و عدمه، و تارة ثالثة في تحديد موضوعها بالنسبة إلى منشأ الخبر من حيث‏

كونه حسياً أو حدسياً؛ فإنّ للبحث في كل واحدة من النقاط الثلاث المتقدمة أثر مهم في عملية الاستنباط، و هذا الأثر بالنسبة إلى النقطة الأولى واضح جداً؛ فإن كون موضوع الحجية خصوص خبر العادل يعني عدم حجية خبر الفاسق حتى لو كان ثقة، و أما بالنسبة إلى النقطة الثانية، فإن القول بأن موضوع الحجية هو خصوص الخبر الذي يحصل معه الوثوق بصدوره لا مطلق الخبر فإنه يسقط الخبر الذي تقوم قرينة على عدم صدوره من الشارع كإعراض‏

91

المشهور عن العمل به عن الحجية حتى لو كان رواته ثقات، و أما بالنسبة إلى النقطة الثالثة، فإن القول بأنّ موضوع الحجية هو خصوص الخبر الذي يكون منشأه الحس فإنه يسقط الخبر الحدسي عن الحجية حتى لو كان رواته ثقات، كما هو الحال في الإجماع المنقول بالنسبة إلى نقل المسبب، كما ستأتي الإشارة إليه لاحقاً، و من المعلوم إن ذلك له تأثير كبير جداً في عملية الاستنباط، و لأجل هذه الأهمية البالغة التي تترتب على الأمور الثلاثة المتقدمة لا بد من تحديد موضوع الحجية بالنسبة إلى كل واحد منها، وعليه فالكلام يقع في ثلاث نقاط:

النقطة الأولى: في تحديد موضوع الحجّية بالنسبة إلى صفات المخبر

يقع البحث في هذه النقطة في تحديد موضوع الحجّية بالنسبة إلى صفة المخبر، و هل أنه خبر الواحد مطلقاً؟ أم أنه خبر الواحد الثقة؟ أم أنه خبر الواحد العادل خاصّة؛ فإن خبر الواحد بالنسبة إلى وجود هذه الصفات و عدمها على ثلاثة أقسام:

الأول: خبر الواحد الثقة.

الثاني: خبر الواحد العادل.

الثالث: خبر الواحد مطلقاً.

فهل أن كل هذه الاقسام من خبر الواحد حجّة أم لا؟

لا شكّ في عدم ثبوت الحجّية للقسم الثالث منها و هو خبر الواحد مطلقاً؛ لأنّ الحجية حكم شرعي مجعول يرجع في تحديد موضوعه إلى أدلة ذلك الحكم و هي مقيدة بحسب الفرض قطعاً؛ غاية الأمر أن القيد في بعضها هو وثاقة المخبر و في بعضها الأخر هم عدالته، وعليه فلا مورد لتوهم الحجية للخبر المجرد عن إحدى هاتين الصفتين الذي هو القسم الثالث من الأقسام المتقدمة، فيبقى الأمر محصوراً بين القسم الثاني منها و هو اختصاص‏

الحجّية بخبر العادل، فتكون دائرة الحجّية بمقدار خبر العادل، و بين القسم الأول منها و هو شمول الحجّية لخبر الثقة و إن لم يكن عادلًا، فتكون دائرة الحجّية أوسع من الحالة المتقدمة؛ لشمولها لخبر كل ثقة، سواء كان عادلًا أم لا.

لتحديد موضوع الحجية لا بد من الرجوع إلى ما تم من أدلتها:

و لمعرفة تحديد موضوع الحجية، لا بدّ من الرجوع إلى نفس الأدلّة التي تمّ الاستدلال بها

92

عليها، لنرى أنها هل تقتضي حجّية خبر العادل خاصة؟ أو حجّية خبر الثقة و إن لم يكن عادلًا (1)؟ إذ لا مرجع لنا في تحديد ذلك إلّا هذه الأدلة (2).

آية النبإ لا تثبت أكثر من حجية خبر العادل:

و بناء على ما تقدم، فإن قلنا: إن دليل حجّية الخبر هو آية النبأ خاصّة دون غيره من الأدلة الأخرى التي ذكرت في المقام، فلا يثبت حينئذ إلّا حجّية خبر العادل خاصّة؛ و ذلك لأنّ‏

الاستدلال بآية النبأ كان عن طريق التمسك بمفهومها، الذي هو عبارة عن: أنّه إذا جاء العادل بالنبإ، فلا يجب التبيّن؛ فإنّ غير الفاسق ليس سوى العادل، و بالتالي، لا يشمل دليل الحجّية خبر الثقة غير العادل، فتكون دائرة الحجّية بدرجة أضيق؛ لاختصاصها بخبر العادل، و عدم شمولها لخبر الثقة غير العادل.

السيرة و الروايات تثبت حجية خبر مطلق الثقة:

و أما إذا قلنا بأن مدرك الحجّية ليس مختصاً و منحصراً بآية النبأ، بل هو كل من:

____________

(1) اعلم أن الفاسق تارة يكون فاسقاً من جميع الجهات، أي: كونه فاسقاً من حيث الإخبار بأن لم يكن متورعاً عن الكذب، و الافتراء، و كونه فاسقاً من حيث الاعتقاد أيضاً، بأن كان يعتقد عقائد فاسدة، و أخرى يكون فاسقاً من جهة الاعتقاد خاصّة، و لكنّه غير فاسق من جهة الإخبار، بأن يكون ثقة لا يكذب، و لا يفتري، و لا يتقوّل على الآخرين، و في هذه الحالة يكون ثقة فاسقاً، فهو ثقة من جهة الإخبار، و فاسق من جهة الاعتقاد، و يقابله الثقة العادل، فهو ثقة من جهة الإخبار، و غير فاسق من جهة الاعتقاد، و حينئذٍ، قد يكون الشخص ثقة غير عادل، أي: ثقة فاسق، و قد يكون ثقة عادل، فلا يختلط عليك الأمر و تتصور أن الفاسق لا يمكن أن يكون ثقة، و هذا المعنى قد تجده عند الأصحاب؛ حيث إنهم عملوا بروايات السكوني؛ لكونه ثقة عندهم، و إن كان فاسد المذهب و العقيدة، وعليه، فالنسبة بين الفسق و الوثاقة هي العموم و الخصوص من وجه‏

(2) إن تحديد العنوان بالنسبة إلى موضوع الحكم الشرعي سعة و ضيقاً، لا مرجع له إلا نفس الدليل الدال على الحكم الشرعي؛ لأن الارتباط بين الحكم الشرعي و موضوعه إنما هو بالجعل الشرعي، و لو لا ذلك لما كان بينهما هذا الارتباط، فلا وجود لشي‏ء اسمه موضوع للحكم الشرعي إلا إذا فرض وجود حكم شرعي قد ترتب على ذلك الموضوع، و من المعلوم، إن ترتب حكم شرعي على موضوع معيّن لا يعرف إلا من جهة الدليل الدال على ذلك الحكم الشرعي، وعليه، فكما أنّ الموضوع للحكم الشرعي لا يعرف إلا من جهة الدليل الدال على ذلك الحكم الشرعي فكذلك حدوده سعة و ضيقاً لا تعرف إلا من خلال الرجوع إلى ذلك الدليل، و في المقام، معرفة كون الحجة من الخبر هو خبر مطلق الثقة و إن كان فاسقاً أم هو خبر خصوص الثقة العادل، لا تحصل إلا بالرجوع إلى نفس الأدلة الدالة على الحجية.

93

السيرة، و الروايات المتقدّمة، مضافاً إلى آية النبأ، فمن الواضح أن مفاد السيرة، أو الروايات، هو: حجّية خبر الثقة و لو لم يكن عادلًا، فتكون دائرة الحجّية بدرجة أوسع مما ثبت بالآية الكريمة.

توهم فاسد:

و قد يتوهم في المقام فيقال: إنّ شمول دائرة الحجّية لخبر الثقة و إن لم يكن عادلًا، لا يكون تاماً إلّا على القول باختصاص دليل الحجّية بالسيرة، أو الروايات، و عدم كون آية النبأ دليلًا معهما؛ و ذلك لأنّه لو كان الدليل على الحجّية كلًا من: آية النبأ، و السيرة، و الروايات، لوقع التعارض بالعموم من وجه بين السيرة و الروايات من جهة، و منطوق آية النبأ من جهة أخرى؛ لأن مفاد الأولى حجّية خبر الثقة، و هو شامل باطلاقه للثقة الفاسق، و مفاد آية النبأ عدم حجّية خبر الفاسق، الشامل باطلاقه للفاسق الثقة، فيتعارض الاطلاقان في الثقة الفاسق، فالروايات تقول: أنّه حجّة، و منطوق آية النبأ يقول: أنّه ليس بحجّة، فيجتمعان في الثقة الفاسق، و تفترق الروايات، أو السيرة بالثقة غير الفاسق، أي: الثقة العادل، و تفترق آية النبأ عنهما بالفاسق غير الثقة، فالنسبة بينهما حينئذ العموم و الخصوص من وجه، و الحكم في هذه الحالة، هو: التساقط بالنسبة لمورد الاجتماع، و هو: الثقة الفاسق، فلا يبقى دليل على حجّية خبر الثقة الفاسق، فيكون مشكوك الحجّية، و معه يرجع إلى أصالة عدم الحجّية؛ لأن الاصل عند الشك في الحجّية هو: عدم الحجّية، وعليه، فتكون النتيجة حجّية خبر العادل خاصّة لا مطلق الثقة و إن لم يكن عادلًا (1).

بطلان التوهم:

و ما ذكر في التوهم السابق باطل؛ فإن شمول دائرة الحجّية لخبر الثقة، يتم حتى على‏

____________

(1) لا يتوهم أحد هنا و يقول: إنّ الدليلين إذا تعارضا، و سقطا عن الحجّية، فلا يبقى لدينا دليل على حجّية خبر العادل؛ باعتقاد أن الدليل على ذلك، إنما هو عبارة عن آية النبأ، و قد سقطت عن الحجّية بالتعارض.

فإنّ هذا التوهّم باطل؛ و ذلك لأنّ الساقط من الدليلين في مثل هذه الحالة من التعارض ليس هو إلا إطلاقهما فقط، لا أصل كل منهما؛ لأن التعارض بينهما إنما كان على نحو العموم و الخصوص من وجه، فيسقطان في مورد الاجتماع فقط، و هو عبارة عن: الثقة الفاسق، أمّا مورد افتراق كل منهما عن الآخر فيبقى على حجّيته، نعم، لو كان التعارض على نحو التباين، لأدّى ذلك إلى سقوط كل من الدليلين من الأساس. فلا تغفل.

94

القول بعدم اختصاص مدرك الحجّية بالسيرة، أو الروايات، بأن كان المدرك للحجّية آية النبأ أيضاً؛ و ذلك لعدم التعارض بين ما دلّ على حجّية خبر الثقة من السيرة، أو الروايات، و بين ما دلّ على عدم حجّية خبر الفاسق، و الذي هو عبارة عن منطوق آية النبأ؛ و ذلك لأن التعارض- كما تقدّم تصويره- فرع تماميّة الإطلاق و الشمول في كل منهما للثقة الفاسق، و الحال أنّه لا إطلاق في منطوق آية النبأ لخبر الثقة الفاسق، بل هو مختص بخبر غير الثقة مع كونه فاسقاً، و مع عدم التعارض يثبت حجّية خبر الثقة و إن كان فاسقاً، و لا تختص الحجّية حينئذ بخبر العادل إلّا على القول باختصاص مدرك الحجّية بآية النبأ.

دفاع عمّا ورد في التوهم:

و قد يدافع البعض عما ورد في التوهم المذكور فيقول: كيف لا يكون هناك إطلاق في منطوق آية النبأ للثقة الفاسق و قد جاء في الآية الكريمة قوله: «إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا» لا قوله: «إن جاءكم فاسق غير ثقة بنبإ فتبيّنوا»؟! فإنه لم يقيّد الفاسق في الآية الكريمة بكونه غير ثقة، فنتمسك بالإطلاق حينئذ لإثبات أن مراده سبحانه مطلق الفاسق، سواء كان ثقة أم لا.

الدفاع باطل:

و الدفاع السابق عن التوهم ضعيف؛ فإنه يقال: إنّ المدافع قد غفل عن ذيل الآية الكريمة؛ حيث ورد فيها تعليل الحكم بوجوب التبيّن بالجهالة، و هي تعني: السفاهة، و هذا يوجب اختصاص الحكم بالموارد التي يكون العمل فيها بخبر الفاسق سفاهة، و من الواضح‏

أن العمل بخبر الثقة و إن كان فاسقاً لا يعد عند العقلاء من السفاهة، و هذا يعني: اختصاص الحكم بوجوب التبيّن بخبر غير الثقة إذا كان فاسقاً.

النقطة الثانية: تحديد نحو أخذ الوثاقة في أدلة الحجية

قوله (قدس) ص 253: «و هل يسقط خبر الثقة عن الحجية ... إلخ».

بعد أن تبيّن من خلال البحث في النقطة الأولى أنّ موضوع الحجّية هو خبر الثقة لا خصوص خبر العادل، و الذي يعني: أن الوثاقة مأخوذة قطعاً في موضوع الحجّية، يقع البحث حينئذ في النقطة التي بين أيدينا في أن هذه الوثاقة هل أخذت بنحو الموضوعيّة؟ أم‏

95

بنحو الطريقية؟

و بتعبير آخر: هل إن موضوع الحجّية وثاقة الراوي؟ أو هو مجرد الوثوق بالمروي؟ أو كليهما، أي: الوثاقة، و الوثوق معاً بحيث يشكل كل منهما جزءاً من الموضوع؟

و معنى أخذها بنحو الموضوعية، هو: أن يكون تمام الموضوع للحجّية وثاقة الراوي، و حينئذٍ تدور الحجّية و عدمها مدار وثاقة الراوي و عدم وثاقته، فإن كان الراوي ثقة، كان خبره حجّة، و إلّا، فلا، من دون فرق بين حصول الوثوق بصدور الخبر، أو عدم حصوله‏ (1).

و معنى أخذها بنحو الطريقية، هو: أن تكون الوثاقة طريقاً للوثوق بصدور الخبر؛ لأن الغالب في خبر الثقة أن يورث الظن بصدوره، و في هذه الحالة: إمّا أن تكون طريقاً صرفاً بحيث يكون تمام الموضوع للحجّية هو: الوثوق، و إما أن يكون كل من: الوثاقة، و الوثوق دخيلين في الحجّية، بحيث يكون كل منهما جزء الملاك في الحجّية.

و مما يترتب على الفرق السابق، أنّه لو قلنا بأن الوثاقة مأخوذة على نحو الموضوعية، فلا يسقط خبر الثقة عن الحجّية حينئذ لمجرّد وجود أمارة ظنّية نوعيّة على كذبه، و كذلك لا يرتفع خبر غير الثقة إلى مستوى الحجّية إذا توفّرت أمارة ظنّية نوعية على‏

صدقه.

و إن قلنا: إنّها مأخوذة على نحو الطريقية، بحيث يكون الملحوظ فيها كاشفيتها النوعية، فهنا يسقط خبر الثقة عن الحجّية إذا وجدت أمارة ظنّية نوعية على كذبه؛ لأن تلك الأمارة سوف تمنع من حصول الوثوق بصدور الخبر، فلا يكون حجّة؛ لعدم تحقق موضوع الحجّية بحسب الفرض؛ فإن موضوعه الوثوق، و هو غير حاصل، و هذا معنى ما يقال من: إنّ اعراض المشهور عن العمل بالخبر الصحيح الجامع في نفسه لشرائط الحجّية، يوجب سقوطه عن الحجّية (2).

____________

(1) و هذا ما ذهب إليه السيد الخوئي في مصباح الفقاهة، ج 1، ص 21 20 حيث قال: «إن المناط في حجية خبر الواحد هي وثاقة الراوي ... و على هذا، فإن كان عمل المشهور راجعاً إلى توثيق رواة الخبر و شهادتهم بذلك فبها، و إلا فلا يوجب انجبار ضعفه، و من هنا يعلم أنه بعد ثبوت صحة الخبر لا يضره اعراض المشهور عنه، إلا أن يرجع إلى تضعيف رواته. و بالجملة أن الملاك في حجية أخبار الآحاد هو وثاقة رواتها، و المناط في عدم حجيتها عدم وثاقتهم»

(2) اعلم إنّ اعراض المشهور عن العمل بخبر ما، إنّما يكون موجباً لسقوطه عن الحجّية إذا لم يكن ذلك الإعراض لأجل ضعف سنده بحسب مبانيهم الرجالية، كما لو افترضنا عدم وثاقة أحد رواته بنظرهم، و كان ثقة بنظر المتأخرين، ففي هذه الحالة لا يكون اعراضهم موجباً لعدم الوثوق بصدوره؛ لوجود سبب آخر للاعراض عنه، و هو: ضعف السند بنظرهم، و كذلك الحال بالنسبة لعمل المشهور بخبر ما، فإنه إنّما يكون جابراً لضعف السند عندنا إذا لم يكن عملهم به لأجل تماميّة سنده بنظرهم بحسب مبانيهم الرجالية.

96

و أمّا خبر غير الثقة إذا وجدت أمارة ظنّية نوعية على صدقه، فهنا: تارة نفترض أن الوثوق تمام الموضوع للحجّية، فهنا لا شكّ في ارتفاع هذا الخبر إلى مستوى الحجّية، و على هذا تبتني مسألة انجبار ضعف السند بعمل المشهور؛ لأن عمل المشهور بالرواية الضعيفة يوجب الوثوق بصدورها، و صدقها، فيتم موضوع الحجّية، فيكون هذا الخبر حجّة، و هذا معنى أنّ عمل المشهور جابر لضعف السند.

و إن افترضنا أن الوثوق أخذ جزء الموضوع، و الوثاقة هي الجزء الآخر، فلا يكون عمل المشهور بتلك الرواية الضعيفة أو أي أمارة أُخرى على صدقها جابراً لضعف سندها حينئذ.

النقطة الثالثة: مدى شمول أدلّة الحجّية للخبر الحدسي‏

قوله (قدس) ص 254: «و لا شكّ في أنّ أدلة حجية خبر الثقة ... إلخ».

إنّ الخبر، تارة يكون حسّياً، و أُخرى يكون حدسياً، و نعني بالخبر الحدسي: ما يكون الإخبار فيه عن شي‏ء مبنياً على النظر و الاستنباط، بحيث يكون إدراكه لذلك الشي‏ء

الذي أخبر عنه إدراكاً حدسياً لا حسّياً، كالإخبار عن القضايا العلمية، و النظرية التي لا يتعلّق بها الاحساس. و أمّا الخبر الحسّي، فهو: الذي يكون الإخبار فيه عن شي‏ء ناتجاً عن الإحساس بذلك الشي‏ء، كالإخبار عن نزول المطر نتيجة للإحساس بنزوله لا مجرّد الحدس به نتيجةً لوجود بعض الظواهر الطبيعيّة، كوجود الغيوم مثلًا؛ فإن هذا من الإخبار الحدسي كما هو واضح، و كذلك الإخبار عن شي‏ء غير محسوس نتيجة للاحساس ببعض آثاره و لوازمه العرفية؛ فإنّه يعد من الإخبار الحسّي أيضاً، كالإخبار عن عدالة زيد لأجل الإحساس بآثارها، من قبيل التزامه بالواجبات الشرعية، و انتهائه عن المحرّمات، و غير ذلك من الآثار المحسوسة للعدالة.

97

عدم شمول أدلة الحجية للإخبار الحدسي:

و بعد أن اتّضح الفرق بين الخبر الحسّي و الخبر الحدسي، نطرح السؤال التالي:

هل أن أدلّة حجّية الخبر شاملة لمطلق الخبر حتى لو كان حدسياً؟ أو هي مختصة بالخبر الحسّي فقط؟

و المحدّد للجواب عن هذا السؤال، هو: ملاحظة أدلّة الحجّية نفسها، كالسيرة العقلائية، أو السيرة المتشرعية، أو غيرهما من الأدلة الأخرى، و حيث أن الملاحظ من تلك الأدلة هو عدم شمولها للخبر الحدسي المبني على النظر، و الاستنباط، و الاجتهاد، فتكون لا محالة مختصة بالخبر الحسّي المستند إلى الاحساس بمدلول الخبر الذي يخبر عنه بأحد حواسه، كالسمع، و البصر، أو غير ذلك‏ (1).

أمران مهمان يترتبان على اختصاص أدلة الحجية بالخبر الحسي:

و مما يترتب على اختصاص أدلة الحجية بالخبر الحسي، أمران:

الأمر الأول: عدم شمول أدلّة حجّية خبر الثقة لقول المفتي بالنسبة لمفت آخر

قوله (قدس) ص 254: «و على هذا فقول المفتي ليس حجة على ... إلخ».

و الأمر الأول الذي يترتب على اختصاص أدلة الحجية بالخبر الحسي، هو: أنّه لو اطلع المفتي على فتوى مجتهد آخر، أو قوله، فلا يكون قوله حجّة عليه بلحاظ أدلّة حجّية خبر الثقة؛ و ذلك لأن فتوى المجتهد و إن كانت إخباراً عن الحكم الشرعي، و لكنه إخبار حدسي مبني على النظر و الاجتهاد، و ليس إخباراً حسّياً، فمن أفتى بوجوب صلاة العيد مثلًا، فهو إنّما يخبر عن حكم الشارع بوجوب صلاة العيد نتيجة إلى ما وصل إليه نظره و اجتهاده، و لم‏

____________

(1) قال الشيخ محمد حسين الغروي الأصفهانى في نهاية الدراية، ج 2، ص 179: «و الآية متكفلة لنفى احتمال تعمد الكذب و أصالة عدم الخطاء لنفى احتمال الخطاء، و حيث إن بناء العقلاء على عدم الاعتناء باحتمال الخطاء في الحس دون الخطاء في الحدس، فالآية بضميمة أصالة عدم الخطاء في الحس دليل الحجية في الخبر الحسى، و حيث إن هذه الضميمة غير متحققة في الخبر الحدسي فالآية و إن كانت نافية لاحتمال تعمد الكذب لكنه لا أثر بالفعل لنفى احتمال تعمد الكذب إلا مع نفى احتمال الخطاء، فلا تعم الآية التي هي دليل الحجية بالفعل لما لا أثر له بالفعل و هو الخبر الحدسي، فهي و إن كانت بحسب الاقتضاء قابلة لشموله لكنها لا تعمه بالفعل».

98

يكن إخباره عن ذلك إخباراً حسّياً بحيث يكون قد سمع ذلك من المعصوم (ع).

إن قلت: بناءً على هذا الأمر الأول، فلن يكون قول المفتي حجّة على مقلّديه أيضاً؛ لأنه إخبار حدسي لا حسّي.

كان الجواب: إنّ حجّية قول المفتي على مقلّديه، ليس بلحاظ أدلّة حجّية خبر الثقة ليقال بما سبق، بل أنّ هذه الحجّية إنّما هي بدليل آخر، و هو عبارة عن دليل حجّية قول أهل الخبرة، و رجوع الجاهل إلى العالم، و الرجوع إلى أهل الذكر، كقوله تعالى: فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ‏ ( (1) 1)، و غيرها من الأدلة الأخرى التي دلّت على وجوب التقليد على من لم يكن مجتهداً، أو محتاطاً.

الأمر الثاني: عدم شمول أدلّة حجّية الخبر لإثبات الحكم عن طريق نقل الاجماع‏

قوله (قدس) ص 255: «و على هذا الأساس نعرف الحال في الاجماعات ... إلخ».

و أما الأمر الثاني، فهو: عدم شمول أدلّة حجّية الخبر لإثبات رأي المعصوم (ع) عن طريق نقل الاجماع على حكم شرعي، كما لو لاحظ شخص فتاوى عدد معيّن من العلماء، و وجدهم متفقين على فتوى معيّنة، فأخبر بقول المعصوم (ع) اعتماداً على ما لاحظه من اتّفاق العلماء، و إجماعهم على فتوى معيّنة؛ نتيجة لإيمانه بوجود ملازمة بين‏

هذا الاتفاق و الاجماع، و بين رأي المعصوم (ع)، إمّا بقاعدة اللطف، أو بغيرها من الوجوه التي ذكرت لكشف الاجماع عن قول المعصوم (ع)؛ فإن إخبار هذا المخبر عن قول المعصوم نتيجة لذلك، لا يكون حجّة؛ لأنه إخبار حدسي و ليس حسّياً؛ لأنه بحسب الفرض لم ير المعصوم (ع)، و لم يسمع منه ذلك الحكم، و إنّما وصل إليه نتيجة لحدسه، و نظره و اجتهاده؛ لما يراه من الملازمة بين الاجماع و قول المعصوم (ع)، و هذا اكتشاف مبني على النظر و الاجتهاد، فيكون إخباراً حدسياً لا حسّياً، فلا يكون مشمولًا لأدلّة الحجّية.

و أمّا نقله لاتفاق ذلك العدد من العلماء على فتوى معيّنة، فهو حجّة؛ لأنه إخبار حسّي؛ لفرض إنّه اطّلع بنفسه على فتاوى ذلك العدد من العلماء، و وجدهم متطابقين و مجمعين‏

____________

(1) (1) سورة النحل: آية 43.

99

على الفتوى الواحدة، فيكون مثل هذا الإخبار مشمولًا لأدلّة حجّية خبر الثقة مع عدم العلم بتسامحه عادة في مثل ذلك النقل.

إن قلت: ما فائدة القول بحجّية نقله لهذا الاتفاق و الاجماع مع القول بعدم حجّية نقله لقول المعصوم المستكشف من ذلك الاجماع؟

كان الجواب: إن فائدة تلك الحجّية، هو: إثبات ذلك الاتفاق بالنسبة إلينا، فلا يجب علينا بعد ذلك أن نفتش بأنفسنا عن فتوى ذلك العدد من العلماء، بل نكتفي بما نُقل إلينا من ذلك الاتفاق.

و حينئذٍ، فإن كان اتّفاق العدد يكشف في رأينا عن قول المعصوم، إما بحساب الاحتمالات، أو بقاعدة اللطف، أو غير ذلك، استكشفنا رأي المعصوم منه، و إلّا فلا.

و من خلال ذلك يتّضح لك الحال في الاجماعات المنقولة من قبل الشيخ الطوسي، و السيّد المرتضى (رحمهما الله)، كقولهما: «أجمعت الطائفة، أو أجمعت الأمّة»، أو غير ذلك من العبارات الدالّة على إخبارهم عن الاجماع؛ فإن الرأي السائد سابقاً، حجّية مثل هذه الاجماعات المنقولة في إثبات الحكم الشرعي؛ باعتبار انضمام رأي المعصوم إلى رأي المجمعين، أو قل: إنّ المعصوم من بين المجمعين، فإذا قيل: أجمعت الطائفة على وجوب صلاة العيد- مثلًا-، فكأنه قيل: قال المعصوم بوجوب صلاة العيد، غاية الأمر،

يكون من نقل قول المعصوم بالمعنى؛ لأن قول المجمعين يعني قول المعصوم أيضاً، و من الواضح أنّه لا يشترط في حجّية خبر الثقة لقول المعصوم أن ينقل بنفس الألفاظ الصادرة عنه، بل يجوز نقل نفس المعنى الذي تشير إليه تلك الألفاظ، كما هو الحال في بعض الروايات الواصلة إلينا، فإنها منقولة بالمعنى.

و قد أجاب المتأخرون على ذلك، بأن هذا و إن كان من نقل قول المعصوم بالمعنى، و لكنه ليس نقلًا حسّياً؛ إذ لم يسمع من المعصوم أنّه قال: صلاة العيد واجبة حتى يُقال بحجّيته بأدلّة حجّية خبر الثقة، و إنّما هو نقل حدسي لقول المعصوم، مبني على ما يراه الناقل من الملازمة بين اتفاق المجمعين و كشفه عن قول المعصوم و رأيه، وعليه، فلا تكون أدلّة حجّية خبر الثقة شاملة له، فلا يثبت بنقل الاجماع قول المعصوم، نعم، يثبت بذلك النقل نفس ذلك الاجماع و الاتفاق على فتوى معيّنة، فهو حجّة في إثبات الاجماع‏

100

على تلك الفتوى لا أكثر، كما وضّحنا ذلك‏ (1).

و بهذا، نكون قد حدّدنا دائرة حجّية الأخبار و شروطها وفقاً للنتائج التي وصلنا إليها من خلال البحث عن النقاط الثلاث المتقدّمة، و نشير إليها هنا باختصار و هي:

1- أنّ أدلّة الحجّية تقتضي حجّية خبر مطلق الثقة و إن كان فاسقاً من غير جهة الإخبار، و هذا ما تكفله البحث في النقطة الأولى.

2- أنّ أدلّة حجّية خبر الثقة لا تشمل الخبر الحدسي، و إنّما هي مختصّة بالخبر الحسّي، و هذا ما تكفله البحث في النقطة الثالثة.

و أما نتيجة البحث في النقطة الثانية، فلم يتعرّض السيّد الشهيد (قدس) لها هنا، و اكتفى بذكر ما يترتب عليها.

حجّية الخبر مع الواسطة:

قوله (قدس) ص 255: «و لا شك في أن حجية الخبر تتقوّم ... إلخ».

إن كل مخبر إذا أخبر عن واقعة، أو حادثة ما، فتارة: يخبر عنها مباشرة و بلا واسطة بينه و بين ما أخبر عنه، بحيث يكون قد شاهد أو سمع الواقعة بنفسه و أخبرنا عنها، و تارة: يخبر عنها اعتماداً على إخبار مخبر آخر؛ بحيث يكون بين ما أخبر عنه و بينه واسطة، كما لو أخبر زيد عن عمر نزول المطر- مثلًا- فإن زيداً لم يشاهد بنفسه نزول المطر، و إنّما أخبر عنه بواسطة إخبار عمر عنه، و هذه الواسطة قد تكون واحدة كما في مثالنا المتقدّم؛ إذ لا يوجد بين زيد و ما أخبر عنه و هو نزول المطر إلّا إخبار عمر، و قد تكون متعدّدة؛ بحيث يكون بين من أخبرنا و ما أخبر عنه أكثر من واسطة، كما لو أخبر زيد عن بكر عن عمر نزول المطر- مثلًا- فهنا توجد واسطتان بين زيد و ما أخبر عنه، و هما:

____________

(1) هذا هو معنى ما يقال عادة من أنّ الاجماع المنقول ليس حجّة، أي: أنه لا يكون حجّة في إثبات الحكم الشرعي أو قول المعصوم المستكشف من الإجماع، أمّا نقل نفس الاجماع بما هو اجماع و المعبّر عنه بنقل السبب، فلا شكّ في شمول أدلّة حجّية الخبر له؛ لأنه من الإخبار الحسّي كما هو واضح، و يدل على ذلك ما ذكره المحقق النائيني في فوائد الأصول: المجلد الثاني (ج 3)، ص 149 حيث قال: «فإن رجع- أي: نقل الاجماع- إلى نقل السبب، كان ذلك إخباراً عن الحس، و يندرج في عموم أدلة حجية الخبر الواحد، و إن رجع إلى نقل المسبب، كان ذلك إخباراً عن الحدس، فلا عبرة به، و لا دليل على حجيته».

101

إخبار بكر، و إخبار عمر، و هذا هو الخبر مع الواسطة.

و الأخبار الواصلة إلينا من الأئمة (ع) عن طريق الثقات كلها من الأخبار مع الواسطة، و ما وصل إلينا من الروايات الصادرة عنهم (ع) كله من الخبر مع الواسطة؛ لأنّنا لم نعاصر الأئمة (ع)، و لا مَنْ سمع منهم مباشرة، أمثال: زرارة، و محمّد بن مسلم، و إبراهيم بن هاشم، و غيرهم من الرواة الذين سمعوا عن الإمام مباشرة بلا واسطة، و حينئذٍ، وقع الاشكال في شمول أدلة الحجية للخبر مع الواسطة بعد الفراغ عن حجية الخبر بلا واسطة، و مرجع الاشكال إلى أنّ حجّية الخبر تتقوّم بوجود أمرين:

أحدهما: هو: نفس الخبر الذي يكون بمثابة الموضوع للحجّية؛ لأن وجود الحكم تابع لوجود موضوعه.

و الآخر: وجود أثر شرعي يترتب على مدلول الخبر، و هو عبارة عن: التعبّد بصدوره من الشارع، و هذا يكون بمثابة الشرط في الحجّية؛ لأنه مع عدم الأثر الشرعي يكون التعبّد بصدوره و جعل الحجّية له لغواً.

و من خلال هذين الأمرين، يتّضح أن الحجّية متأخرة رتبة عن الخبر، لتأخر كل حكم‏

رتبة عن موضوعة؛ لأن علاقة كل حكم بموضوعه بمثابة علاقة المعلول بعلّته، و من الواضح: أن المعلول متأخر رتبة عن علّته، و الحجية متأخرة أيضاً عن افتراض وجود أثر شرعي لمدلول ذلك الخبر؛ لتأخر كل مشروط عن شرطه؛ لأن المشروط بشي‏ء لا يحصل إلّا بعد فرض حصول شرطه كما هو واضح، كما أن الاثر الشرعي لا يمكن أن يكون هو نفس الحجّية للخبر؛ لفرض كون الحجّية مشروطة به، فيلزم اتحاد الشرط و المشروط، مع ضرورة وجود المغايرة بينهما.

و هذا يعني: أنّه لكي تثبت الحجية للخبر، لا بدّ أولًا من تحقق نفس الخبر باعتباره موضوعاً لها، و ثانياً من وجود أثر شرعي يترتب على مدلول و مفاد ذلك الخبر.

و لو طبقنا كلا هذين الأمرين على الخبر المنقول بدون واسطة، لوجدنا أن كلًا منهما ثابت و متحقق فيه، كما لو قال لنا زرارة- مثلًا-: «إنني سمعت الإمام (ع) يقول: ادعُ عند رؤية الهلال، أو: أن السورة واجبة في الصلاة»، فهنا، لا شكّ في حجّية خبر زرارة و ثبوت‏

102

مفاده و مدلوله؛ تمسكاً بأدلة حجّية خبر الثقة؛ و ذلك لتحقّق كلا الركنين المتقدّمين، أما الركن الأول، فلانّ إخبار زرارة ثابت لنا بالوجدان؛ لأننا سمعنا ذلك منه مباشرةً بحسب الفرض، و أما الركن الثاني، فلأنّ مدلول الخبر عبارة عن وجوب الدعاء عند رؤية الهلال، أو وجوب السورة، و هو ذو أثر شرعي كما هو واضح.

الاستشكال في حجية الخبر مع الواسطة و لزوم الكلام في نقطتين:

قوله (قدس) ص 256: «و على هذا الأساس قد يستشكل في شمول ... إلخ».

و أمّا بالنسبة للخبر مع الواسطة، فقد يستشكل في شمول أدلّة حجّية الخبر له؛ لأجل استلزامه ما ينافي الركن الأول، أو ما ينافي الركن الثاني من الركنين المتقدّمين للحجّية، و قبل التعرّض إلى أصل الاشكال، و كيفية تقريبه، لا بدّ أولًا من بيان كيفيّة تطبيق دليل الحجّية على الخبر مع الواسطة، ثم بيان الإشكال على ذلك، وعليه، فالبحث يقع في نقطتين:

النقطة الأولى: كيفية تطبيق دليل الحجّية على الخبر مع الواسطة

قد يُقال بإمكان تطبيق دليل حجّية الخبر على الخبر مع الواسطة لإثبات حجّية خبر

الواسطة، و بالتالي، إثبات كلام المعصوم الذي وصل إلينا عن طريق الواسطة، كما لو أخذنا الرواية التي يرويها الشيخ الطوسي: «عن الشيخ المفيد، عن علي بن إبراهيم، عن محمّد بن عيسى، عن يونس، عن سماعة، قال: سألت الإمام (ع) عن اليوم الذي يشك فيه من شهر رمضان لا يدري أ هو من شعبان أو من رمضان فصامه من شهر رمضان؟ قال: هو يوم وفق له، و لا قضاء عليه» (1)، و افترضنا أنّنا قد سمعنا ذلك من الشيخ الطوسي مباشرةً، و حينئذٍ، يكون إخبار الشيخ الطوسي لنا ثابت بالوجدان، فنطبّق دليل الحجّية عليه، فنقول:

أخبرنا الشيخ الطوسي بأن الشيخ المفيد قد أخبره، و هو ثقة، و كل ثقة خبره حجّة، فيثبت حجّية خبر الشيخ الطوسي، و يثبت مفاده، و هو بحسب الفرض: إخبار الشيخ المفيد له، و بعد أن ثبت خبر الشيخ المفيد، نطبّق دليل الحجّية على ما أخبر به، فنقول:

أخبر الشيخ المفيد، بأنّ علي بن إبراهيم قد أخبره، و هو- أي المفيد- ثقة، و كل ثقة خبره حجّة، فيثبت حجّية خبر الشيخ المفيد، و يثبت مفاده، و هو: إخبار علي بن إبراهيم له،

____________

(1) رواه الشيخ الطوسي في الاستبصار، ج 2، باب صيام يوم الشك، ح 2.

103

و حيث ثبت خبر علي بن إبراهيم، نطبّق دليل الحجّية على خبره، و بالتالي يثبت كلام المعصوم.

هذا هو الطريق الذي ينبغي اتباعه لتطبيق دليل الحجّية على الخبر مع الواسطة لإثبات كلام الإمام (ع)، و لكن، لكي يكون الكلام في النقطة الثانية الآتية أكثر وضوحاً، نقتصر في المقام على التمثيل بخبر ذي واسطة واحدة، كما لو نقل إلينا شخص عن زرارة كلام الإمام (ع)، فنطبّق دليل الحجّية على الشخص الناقل عن زرارة، فيثبت حجّية خبر ذلك الشخص الناقل، و يثبت لنا خبر زرارة، ثم نطبّق دليل الحجّية عليه، فيثبت لنا كلام الإمام (ع).

النقطة الثانية: دعوى استحالة تطبيق دليل الحجّية على الخبر مع الواسطة

قوله (قدس) ص 256: «و لكن، قد استشكل في ذلك، و قيل ... إلخ».

و قد استشكل على التطبيق المذكور في النقطة السابقة بأن قيل: إن تطبيق دليل الحجّية على الخبر مع الواسطة لإثبات كلام الإمام (ع) بحسب الترتيب المتقدّم في النقطة السابقة

مستحيل؛ للزومه ما ينافي الركن الأول، و ما ينافي الركن الثاني من الركنين المتقدّمين للحجّية في أوّل البحث.

تقريبان لبيان الاستحالة المدعاة:

قوله (قدس) ص 256: «و بيان الاستحالة بتقريبين ... إلخ».

و بيان تلك الاستحالة المدعاة يتم من خلال التقريبين التاليين:

التقريب الأول: إنّه يلزم من التقريب المتقدّم لتطبيق دليل الحجّية على الخبر مع الواسطة إثبات الحكم لموضوعه، و هذا يقتضي تقدم الحكم على موضوعه، مع أن الحكم متأخر رتبةً عن ذلك الموضوع.

و توضيح ذلك:

إنّنا بتطبيق دليل الحجّية على الشخص الناقل عن زرارة، إن أردنا به إثبات كلام الإمام (ع) مباشرة، فهذا غير معقول؛ لأن ذلك الشخص لم يسمع من الإمام (ع) مباشرة، و إنّما وصل إليه عن طريق زرارة، و إن أردنا به إثبات خبر زرارة أوّلًا ثم تطبيق دليل الحجّية

104

عليه لإثبات كلام الإمام (ع) كما هو المفروض، لزم إثبات الحجّية لموضوعها، و هو خبر زرارة؛ لأن خبر زرارة لم يثبت لنا بالوجدان؛ لانّنا لم نسمع من زرارة، و إنّما ثبت لنا بلحاظ تطبيق دليل الحجّية على الشخص الناقل عن زرارة، مع أن خبر زرارة هو الموضوع للحجّية، فثبت بالحجّية ما هو موضوع لتلك الحجّية، و هو عبارة عن: خبر زرارة، و هذا معنى إثبات الحكم لموضوعه، و من الواضح أن هذا مستحيل؛ لأنه من قبيل ايجاد المعلول لعلّته؛ لأن علاقة الحكم بموضوعه بمثابة علاقة المعلول بعلّته.

التقريب الثاني: إنّه يلزم من تطبيق الحجية على الخبر مع الواسطة، اتحاد الحكم و هو: الحجّية، مع شرطه، و هو: وجود الاثر الشرعي المترتب على جعل الحجّية، مع أنّ من اللازم وجود المغايرة بين الشرط و المشروط، و كون المشروط متأخر رتبةً عن وجود شرطه، و الوجه في استلزامه اتحاد الحكم مع شرطه، هو: أن تطبيق دليل حجّية الخبر على الشخص الناقل عن زرارة مشروط بوجود أثر شرعي يترتب على ما ينقله الناقل، و حيث أن الناقل لم ينقل لنا سوى خبر زرارة، و حينئذٍ: فإن لم يكن لخبر زرارة أي أثر

شرعي، فلا معنى لتطبيق دليل الحجّية على الشخص الناقل لأجل إثبات خبره؛ إذ لا معنى لأن يتعبّدنا الشارع بصدور خبر لم يكن له أثر شرعي، كما لو افترضنا أن الناقل قد نقل عن زرارة أنّه شاهد نزول المطر من السماء، فمن الواضح عدم وجود أثر شرعي يترتب على نزول المطر من السماء، فلا معنى لتطبيق دليل الحجّية على الشخص الناقل عن زرارة لأجل إثبات خبر زرارة.

و إن كان لخبر زرارة أثر شرعي، كما لو كان الناقل قد نقل عن زرارة كلام الإمام (ع) الدال على حكم شرعي معيّن، فهذا الاثر الشرعي، و هو: إثبات كلام الإمام (ع)، لا يثبت بمجرّد إخبار زرارة، بل يثبت في حالة كون خبر زرارة حجّة، و هذا يعني: أن الاثر الذي يترقب من إثبات خبر زرارة، هو حجّية خبره، و بالتالي، ثبوت كلام الإمام (ع)، فلو أردنا تطبيق دليل حجّية الخبر على الشخص الناقل عن زرارة لإثبات خبر زرارة بدليل الحجّية، فليس له أثر شرعي سوى حجّية ذلك الخبر، فهذا يعني أن حجّية الخبر قد حققت شرط نفسها، أي: أنّنا في هذه الحالة قد أثبتنا الأثر الشرعي- و هو: حجّية خبر زرارة- بنفس دليل الحجّية، فيلزم اتحاد الحكم، و هو: الحجّية، مع شرطه، و هو: الأثر

105

الشرعي الذي هو في المقام نفس الحجّية، مع أنّ الحكم متأخر رتبة عن شرطه و أثره و إن كان الأثر متأخراً عن الحكم وجوداً.

الجواب عن كلا التقريبين المتقدمين:

قوله (قدس) ص 257: «و جواب كلا التقريبين: ان حجية الخبر ... إلخ».

قبل الإجابة على هذه الاستحالة بكلا تقريبيها، لا بدّ من الإشارة إلى ما جعله المستدل أساساً لبيان تلك الاستحالة، و هذا الأساس عبارة عن إيمانه بوحدة الحكم و الموضوع هنا و عدم تعدّدهما بتعدد أفرادهما، و ذلك الحكم عبارة عن الحجّية، و الموضوع عبارة عن الخبر، و غفل عن أن حجية خبر زرارة فرد من أفراد الحكم- أي: الحجية- و حجية خبر محمد بن مسلم فرد آخر، و لأجل ذلك قال: إن تطبيق الحجّية على الشخص الناقل عن زرارة لإثبات خبر زرارة، يكون من إثبات الحكم لموضوعه، أي: إثبات الحجّية لموضوعها، و هو: الخبر، و كذلك الحال في دعوى استلزامه اتحاد الحكم الشرعي مع‏

أثره، و إلّا، فمع الايمان بتعدد الحكم و الموضوع، لا يلزم كلا المحذورين المتقدّمين؛ إذ لا محذور في إثبات حكم لموضوع حكم آخر، كما لو تمسّكنا بدليل حجّية الخبر الدال على نجاسة مائع معين، لإثبات نجاسة ذلك المائع الذي هو موضوع لعدم جواز شربه، أو غير ذلك. كما أنّه لا محذور في إثبات حكم لشي‏ء يكون أثره حكماً آخر، كإثبات دليل الحجّية لنجاسة الخمر، الذي يكون أثره حرمة بيعه، أو عدم جواز شربه.

و في المقام، لا يوجد عندنا حكم واحد لموضوع واحد، بل يوجد عندنا حكمان لموضوعين:

أحدهما: حجّية خبر الشخص الناقل عن زرارة، و موضوعها خبر ذلك الشخص.

و الآخر: حجّية خبر زرارة، و موضوعها نفس خبر زرارة.

و الوجه في ذلك، هو: أن الأحكام مجعولة على نهج القضايا الحقيقية التي يكون الموضوع فيها مقدّراً و مفترض الوجود، كقوله: «خبر الثقة حجّة»، و هذا الحكم في مقام الجعل و إن كان واحداً على موضوع واحد و هو طبيعي خبر الثقة، و لكنّه في مقام المجعول و الفعليّة سوف يتعدّد تبعاً لتعدّد موضوعه خارجاً، فكلما وجد خبر ثقة، كان‏