البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - ج3

- الشيخ أياد المنصوري المزيد...
584 /
106

حجّة، وعليه، فكل من خبر الشخص الناقل عن زرارة و خبر زرارة موضوع قائم برأسه لحكم خاص، فالحجّية المجعولة لخبر الشخص الناقل عن زرارة، غير الحجّية المجعولة لخبر زرارة، فتلك فرد و هذه فرد آخر، فعندنا في المقام حجّيتان كل منهما مجعول على موضوع خاص، فعند ما نطبّق دليل حجّية الخبر على خبر الشخص الناقل عن زرارة لأجل أنّه ثابت لدينا بالوجدان بحسب الفرض، يثبت به خبر زرارة، و هو ليس موضوعاً لتلك الحجّية حتى يقال بأن هذا من إثبات الحكم لموضوعه، بل هو من إثبات الحكم لموضوع حكم آخر؛ لأن خبر زرارة موضوع لحجّية خبره، و هو حكم آخر غير حجّية خبر الشخص الناقل، و بهذا يندفع المحذور بتقريبه الأول‏ (1).

و أمّا المحذور بتقريبه الثاني، و هو: لزوم اتحاد الحكم مع شرطه و أثره، فيندفع بأنّ تطبيق دليل الحجّية على الشخص الناقل عن زرارة لإثبات خبر زرارة- باعتباره هو مضمون خبر الشخص الناقل-، أثره عبارة عن حجّية خبر زرارة، لا حجّية خبر الشخص الناقل عنه لكي يقال بلزوم اتحاد الحكم مع شرطه، أو تحقيق الحجّية لشرط نفسها، فحجّية خبر الشخص الناقل عن زرارة أثرها حجّية خبر زرارة، و إحداهما غير الأخرى كما هو واضح.

و بهذا، يكون التقريب المتقدّم لتطبيق دليل الحجّية على الخبر مع الواسطة صحيحاً و تاماً.

____________

(1) هذا ما أجاب به المحقق النائيني، حيث قال في فوائد الأصول المجلد الثاني (ج 3) ص 179: «و لكن، لا يخفى عليك فساد هذا الوجه أيضاً؛ فإن الذي لا يعقل هو إثبات الحكم موضوع شخصه، لا إثبات موضوع لحكم آخر، فإن هذا بمكان من الإمكان، و المقام يكون من هذا القبيل».

و كذلك ما أجاب به صاحب الكفاية حيث قال: «و يمكن الذب عن الإشكال، بأنه إنما يلزم إذا لم يكن القضية طبيعية، و الحكم فيها بلحاظ طبيعة الأثر، بل بلحاظ أفراده، و إلا، فالحكم بوجوب التصديق يسري إليه سراية حكم الطبيعة إلى أفراده، بلا محذور لزوم اتحاد الحكم و الموضوع». راجع كفاية الأصول، ص 341.

107

قاعدة التسامح في أدلّة السنن‏

الكلام حول هذه القاعدة يقع في أربع نقاط:

قوله (قدس) ص 258: «ذكرنا أنّ موضوع الحجّية ... إلخ».

اعتاد الأصوليون أن يتعرضوا في ذيل البحث عن حجية خبر الواحد إلى ما يسمى ب- (قاعدة التسامح في أدلة السنن)؛ لشدة المناسبة بينهما؛ و ذلك لأن البحث في ثبوت هذه القاعدة يرجع في حقيقته إلى مدى شمول أو عدم شمول أدلة حجية الخبر و ما يشترط فيه من شرائط التي من أهمها وثاقة الراوي للأخبار التي ينقلها الرواة و التي لا يكون مفادها أحكاماً الزامية، و قبل الدخول في البحث عن مدى تمامية القاعدة محل الكلام أو عدم تماميتها، لا بدّ من الإشارة أوّلًا إلى بيان المقصود من تلك القاعدة و بيان الفرق بينها و بين قاعدة الاحتياط، ثم بيان ما يدّعى من مدرك لها، و كيفية الاستدلال به عليها، ثم تحقيق الحال في ذلك المدرك، وعليه، فالبحث يقع في ثلاث نقاط:

النقطة الأولى: في بيان المقصود من قاعدة التسامح‏

المراد من قاعدة التسامح في أدلّة السنن، هو: أن الشارع قد تسامح في حجّية الأخبار التي لا يكون مفادها أحكاماً إلزامية، و كان مفادها استحباب فعل من الأفعال، بالنحو الذي لم يعتبر فيها ما كان قد اعتبره من الشروط في الأخبار التي يكون مفادها أحكاماً إلزامية من حيث الوثاقة و العدالة و غيرهما، بدعوى أن الشارع قد جعل الحجّية لمطلق الخبر في باب الأخبار الدالة على الاستحباب، بل حتى الأخبار الدالة على الكراهة، حتى لو كان ذلك الخبر ضعيفاً و فاقداً للشروط المعتبرة في الحجية بالنسبة إلى الأخبار التي يكون مفادها أحكاماً إلزامية، وعليه، فالفقيه إذا واجه خبراً مفاده و مضمونه ترتب الثواب على فعل من الأفعال، أو الحث على فعله، أو استحبابه يستطيع أن يفتي بالاستحباب اعتماداً على ذلك‏

108

الخبر حتى لو كان ضعيفاً (1)، بخلاف ما لو كان مفاد الخبر حكماً إلزامياً، كالوجوب أو الحرمة، فإنّ الفقيه لا يستطيع أن يفتي على طبقه ما لم يثبت وثاقة رواته؛ لأن موضوع الحجّية فيها بحسب ما تقتضيه أدلّة الحجّية المتقدّمة خصوص خبر الثقة، لا مطلق الخبر و لو كان ضعيفاً، و هذا يعني- بناءً على تمامية هذه القاعدة- أن دائرة موضوع الحجّية في باب المستحبات و المكروهات أوسع منها في باب الواجبات و المحرّمات؛ لأنه في الأولى مطلق الخبر حتى لو كان ضعيفاً، و في الثانية خصوص خبر الثقة، هذا هو المقصود من قاعدة التسامح في أدلّة السنن.

النقطة الثانية: في بيان الفرق بين قاعدة التسامح و قاعدة الاحتياط

ثم إن قاعدة التسامح في أدلة السنن تشترك مع قاعدة الاحتياط الذي يحكم العقل بحسنه في ترتب الثواب على الفعل المأتي به رجاء مطلوبيته شرعاً، و إن كان في نفسه مجرى للبراءة الشرعية، كما لو شك المكلف في وجوب فعل من الأفعال، فإن مقتضى البراءة الشرعية في المقام، هو: عدم لزوم الإتيان به، و لكن لو أراد المكلف الاحتياط بشأنه، لأجل تحصيل الثواب، ففعله لأجل ذلك رجاء لمطلوبيته، فإنه سوف يترتب الثواب على ذلك الفعل؛ لأجل انقياد العبد من باب حكم العقل بحسن الاحتياط، و لكن، و على الرغم من هذا الاشتراك بين القاعدتين، فإنّ قاعدة الاحتياط تفترق عن قاعدة التسامح المذكورة في بعض الأمور، و قد أشار الشيخ الأنصاري إلى بعض تلك الفوارق بقوله: «فحاصل الفرق بين قاعدة التسامح و قاعدة الاحتياط: إن إدراك المطلوب الواقعي و الوصول إليه في الأولى داع للآمر إلى أمره و في الثانية داع للمأمور إلى فعله، و أيضاً فالموجب للثواب في الأولى، هو: الأمر القطعي الوارد بالتسامح، بخلاف الثانية، فإن‏

____________

(1) قال الشيخ الأنصاري في الرسائل الفقهية ص 137: «المشهور بين أصحابنا و العامة التسامح في أدلة السنن، بمعنى عدم اعتبار ما ذكروه من الشروط للعمل بأخبار الآحاد: من الإسلام و العدالة و الضبط في الروايات الدالة على السنن، فعلًا، أو تركاً».

وعليه، فالمراد بالخبر الضعيف في المقام هو الخبر الذي لا يكون مشمولًا في حد نفسه بقطع النظر عن هذه الأخبار لدليل الحجية. وعليه، فلو دلت هذه الروايات على حجية مطلق الخبر في باب المستحبات، فلا وجه لتسميته ضعيفاً إلا بلحاظ حجية الأخبار في باب الأحكام الإلزامية.

109

الموجب للثواب، هو: نفس الاحتياط، دون الأمر الوارد به، و أيضاً فاحتمال الحرمة يمنع جريان القاعدة الثانية؛ لعدم تحقق عنوان الاحتياط معه، بخلاف الأولى» (1).

النقطة الثالثة: في بيان مدرك هذه القاعدة و كيفية الاستدلال به عليها

قوله (قدس) ص 258: «استناداً إلى روايات دلّت على أنّ ... إلخ».

ثمّ إنّ القائلين بقاعدة التسامح في أدلّة السنن، قد استدلّوا على هذه القاعدة بروايات مفادها أنّ من بلغه و وصله ثواب على عمل معيّن فعمل على طبقه، كان له مثل ذلك الثواب، و إن كان النبي (ص) لم يقله، من قبيل صحيحة هشام بن سالم، عن أبي عبد الله (ع) قال: «من سمع شيئاً من الثواب على شي‏ء فصنعه كان له أجره، و إن لم يكن على ما بلغه» (2)، و صحيحة صفوان عن أبي عبد الله (ع) قال: «من بلغه شي‏ء من الثواب على شي‏ء من الخير فعمل به كان له أجر ذلك، و إن كان رسول الله (صلى الله عليه و آله) لم يقله» (3)، و غيرها من الروايات الأخرى التي يطلق عليها روايات «مَنْ بلغ» (4).

تقريب الاستدلال بهذه الروايات:

و وجه الاستدلال بمثل هذه الروايات، هو: أنّها قد رتبت الثواب على العمل الذي بلغ فيه الثواب حتى لو لم يكن ذلك البلاغ و البيان صادراً (5) من النبي (ص)، و هذا يعني: جعل‏

____________

(1) رسائل فقهية، ص 141.

(2) أصول الكافي، ج 2، ص 87، باب: من بلغه ثواب من الله على عمل‏

(3) الوسائل، ج 1، ص 59، باب 18 من أبواب مقدمة العبادات، ح 1

(4) ينبغي الالتفات إلى أن مثل هذه الروايات التي يراد الاستدلال بها على القاعدة المذكورة، لا بد و أن تكون ثابتة بطريق معتبر، لكي يتم الاستدلال بها على المطلوب على تقدير كونها دالة على ذلك، وعليه، فلو لم يحصل العلم بصدورها من الشارع، فلا ينفع البحث في دلالتها إلا بعد الفراغ عن ثبوت حجية خبر الثقة لاثبات صدورها

(5) اعلم أن هذه الروايات حتى على تقدير تمامية الاستدلال بها على القاعدة المذكورة، لا تشمل الأخبار التي يحصل العلم بكذبها، و عدم صدورها عن النبي (ص)، بل تختص بالروايات التي لا يعلم بصدورها و لا هي واجدة لشرائط الحجية المعتبرة في الأخبار التي يكون مفادها أحكاماً إلزامية، وعليه، فمعنى قوله: «و إن لم يكن على ما بلغه»، هو أن الثواب يترتب على ذلك الفعل حتى لو لم يكن ذلك الفعل مما يترتب عليه الثواب واقعاً و حتى لو لم يكن ذلك الخبر الدال على الثواب قد صدر حقاً لا أن الثواب يترتب على الفعل حتى مع العلم بعدم الصدور و هذا ما أشار إليه الشهيد الثاني في الرعاية في علم الدراية ص 94 حيث قال: «و جوز الأكثر: العمل به- أي بالخبر الضعيف-، في نحو: القصص، و المواعظ، و فضائل الأعمال، لا في نحو: صفات الله المتعال، و أحكام الحلال و الحرام. و هو حسن حيث لا يبلغ الضعف حد الوضع و الاختلاق لما اشتهر بين العلماء المحققين من التساهل بأدلة السنن»، و الذي يدل على ذلك دلالة واضحة هو أنه لا معنى لجعل الحجية التعبدية للخبر الذي نعلم بكذبه و عدم صدوره.

110

الحجّية لمطلق البلوغ‏ (1) في موارد المستحبات، و من الواضح أن البلوغ كما يتحقّق و يحصل بخبر الثقة، فكذلك يحصل بخبر غير الثقة، فيكون موضوع الحجّية في باب المستحبات عبارة عن مطلق الخبر حتى لو كان ضعيفاً.

النقطة الرابعة: تحقيق الحال في دلالة المدرك المدعى للقاعدة

قوله (قدس) ص 259: «و التحقيق أن هذه الروايات فيها ... إلخ».

لقد تبيّن من خلال العنوان السابق، أن الاستدلال بهذه الروايات على قاعدة التسامح في أدلّة السنن، مبني على أن يكون المستفاد منها جعل الحجّية لمطلق البلوغ، سواء كان المحقّق للبلوغ خبر الثقة، أم خبر غير الثقة، و لكن تمامية الاستدلال تتوقف على استظهار هذا المعنى من تلك الروايات دون غيره من المعاني الأخرى التي يمكن أن تكون تلك الروايات ناظرة إليها.

أربعة احتمالات بالنسبة إلى مفاد روايات (مَن بلغ):

ذكرنا أنّه لكي يتم الاستدلال بالروايات المتقدمة على هذه القاعدة، لا بد من استظهار كونها ناظرة إلى جعل الحجية لمطلق البلوغ دون غيره من المعاني الأخرى؛ و ذلك لأن هذه الروايات يوجد فيها- بدواً- أربعة احتمالات:

الأول: و هو ما بُني عليه الاستدلال على تلك القاعدة، بأن تكون تلك الروايات في مقام جعل الحجّية لمطلق البلوغ.

الثاني: أن تكون في مقام إنشاء استحباب واقعي نفسي على طبق البلوغ، بحيث يكون للبلوغ مدخليّة في اتصاف الفعل بالمصلحة و المحبوبيّة المقتضية لجعل‏

____________

(1) المقصود بالبلوغ هو الوصول، بمعنى: أن يصل إلى المكلف من النبي (ص) أنه من قام بالعمل الفلاني، فله كذا مقدار من الثواب.

111

الاستحباب؛ باعتبار أن البلوغ من العناوين الثانوية التي تطرأ على الفعل و توجب اتصافه بالمصلحة، و لو كان الفعل بقطع النظر عن بلوغ الثواب عليه للمكلّف غير متصف بتلك المصلحة، فيكون حال البلوغ حال العناوين الأخرى المغيرة لجهة الحسن و القبح في الأفعال.

و بعبارة أُخرى: إن الفعل بعنوانه الأولي و بما هو هو لا يتّصف بالمصلحة، فلا يكون مستحباً، و بعنوانه الثانوي، و من حيث أنّه قد بلغ عليه الثواب يتّصف بالمصلحة و يكون مستحباً.

الثالث: أن تكون هذه الروايات في مقام الإرشاد إلى حكم العقل بحسن الاحتياط، و أنّ المحتاط مستحق للثواب، حيث إنّ المكلّف إذا احتمل الثواب على فعل ما، حكم العقل بحسن الاتيان به احتياطاً و رجاءً للحصول على ذلك الثواب، فلعلّ تلك الروايات تشير إلى هذا المعنى‏ (1).

الرابع: أن تكون في مقام الوعد من المولى للعبد، بأنّه إذا أتى بالفعل الذي بلغ عليه الثواب، فإنّه سوف يحصل على ذلك الثواب؛ لمصلحة في نفس الوعد، من دون أن تكون هناك مصلحة في نفس الفعل، و هذه المصلحة، عبارة عن: الترغيب في الاحتياط باعتباره حسناً على كلّ حال‏ (2).

____________

(1) هذا ما ذهب إليه السيد الخوئي بحسب ما جاء عنه في المحاضرات، ج 5، ص 383: «ان مفاد تلك القاعدة ليس هو استحباب العمل البالغ عليه الثواب، بل مفادها هو الارشاد إلى ما استقل به العقل من حسن الاتيان به برجاء ادراك الواقع».

و قال في كتاب الطهارة، ج 9، ص 295: «أن أخبار من بلغ، واردة للإرشاد إلى ما استقل به العقل، من أن الانقياد و إتيان العمل برجاء المحبوبية، حسن و يترتب عليه الثواب، و لا دلالة لها على استحباب العمل شرعاً، وعليه، لا تثبت مشروعية تقديم الغسل يوم الخميس، نعم، لا بأس بالإتيان به يوم الخميس رجاءً عند خوف الإعواز، أو إحرازه يوم الجمعة».

(2) و هذا هو الظاهر من كلمات الشيخ الأنصاري، حيث قال في فرائد الأصول، ج 2، ص 157: «و أما الثواب الموعود في هذه الأخبار، فهو باعتبار الإطاعة الحكمية، فهو لازم لنفس عمله المتفرع على السماع و احتمال الصدق و لو لم يرد به أمر آخر أصلًا، فلا يدل على طلب شرعي آخر له. نعم، يلزم من الوعد على الثواب طلب إرشادي لتحصيل ذلك الموعود. فالغرض من هذه الأوامر، كأوامر الاحتياط، تأييد حكم العقل، و الترغيب في تحصيل ما وعد الله عباده المنقادين المعدودين بمنزلة المطيعين».

112

الفوارق بين الاحتمالات الأربعة السابقة:

قوله (قدس) ص 259: «و الفارق بين هذه الاحتمالات الأربعة ... إلخ».

ثم أنّه يوجد بين تلك الاحتمالات فوارق، بعضها نظرية لا أثر لها من الناحية العملية في مقام الاستنباط، و بعضها مما يترتب عليها أثر عملي في ذلك المقام:

أوّلًا: الفوارق النظرية

و من الفوارق النظرية التي تترتب على الاحتمالات السابقة ما يلي:

1- إن كلًا من الاحتمال الأول، و الثاني، و الرابع، يتضمن إعمال المولى لمولويته و إظهارها، أمّا على الاحتمال الأول و الثاني فواضح؛ إذ الأول يتضمن جعل الحكم و هو الحجّية، و الثاني كذلك و هو الاستحباب الواقعي، و أمّا على الاحتمال الرابع، فلأنّ الوعد و إن لم يكن حكماً، و لكنّه نشأ عن مصلحة، فتكون المولوية فيه واضحة أيضاً، بخلاف الاحتمال الثالث؛ فإنّه لا يتضمّن المولوية، بل هو إرشاد إلى حكم العقل، فيكون بمثابة الإخبار لا أكثر.

2- إن الاحتمالين الثالث و الرابع، يختلفان عن الاحتمالين الأول و الثاني، في عدم تضمّن الثالث و الرابع لجعل الحكم، بخلاف الأول و الثاني؛ فإن كلًا منهما يتضمّن جعل الحكم، ففي الأول جعل الحجّية، و في الثاني جعل الاستحباب النفسي.

3- يختلف الاحتمال الأول عن الثاني مع اشتراكهما في تضمّنهما للمولويّة من ناحية، و في جعل الحكم من ناحية أُخرى، في أن الحكم المجعول في الأول حكم ظاهري، أمّا الحكم المجعول في الثاني فهو حكم واقعي‏ (1).

ثانياً: الفوارق العملية

قوله (قدس) ص 260: «و أما الأثر العملي لهذه الاحتمالات ... الخ».

و هناك بعض الفوارق العملية التي تترتب على تلك الاحتمالات المتقدمة، و هي تارةً تكون بين الأولين من جهة، و الأخيرين من جهة أُخرى، و تارة أُخرى تفترض بين الأول من جهة، و الثاني من جهة أُخرى.

____________

(1) كما إنه يختلف عنه أيضاً في أنّ المجعول في الأول حكم وضعي، و هو: الحجية، بخلاف الثاني؛ فإنّ المجعول فيه حكم تكليفي، و هو: الاستحباب.

113

1- الفارق العملي بين الاحتمالين الأولين و الأخيرين:

و أمّا الفارق العملي بين الاحتمالين الأولين و الأخيرين، فهو: إنّه على الاحتمال الأول و الثاني، يمكن للفقيه الإفتاء بالاستحباب على وفق الخبر الضعيف الذي يكون مؤداه و مفاده رجحان الفعل، و هذا واضح على الاحتمال الثاني؛ لأن بلوغ الثواب على فعل، يوجب اتصافه بالمصلحة المقتضية للاستحباب، و هو- أي: البلوغ- متحقق، فيثبت الاستحباب، فيحكم به.

أمّا على الاحتمال الأول، فحيث أن الخبر الضعيف حجّة، فيثبت مفاده و هو استحباب الفعل بحسب الفرض.

بينما لا يمكن ذلك على الاحتمالين الآخرين، و هذا على الاحتمال الثالث واضح؛ لعدم تضمّنه للمولويّة، بل هو إرشاد لحكم العقل بحسن الاحتياط كما قلنا سابقاً، و أمّا على الاحتمال الرابع، فهو و إن كان متضمّناً للمولوية، و لكن ليس هو إلّا الوعد بالثواب، و هو ليس حكماً كما هو واضح، وعليه، لا وجه للحكم باستحباب الفعل؛ لأن المصلحة مفترضة في نفس الوعد لا في الفعل‏ (1).

2- الفارق العملي بين الاحتمالين الأول و الثاني:

قد وقع الخلاف في وجود ثمرة عمليّة تترتب على الاختلاف بين الأول و الثاني أو عدم وجودها، فقد ذهب السيد الخوئي (قدس) إلى عدم وجود أي ثمرة عمليّة تترتب على الاحتمالين الأول و الثاني؛ ما دام كل منهما يسوّغ للفقيه الحكم و الافتاء بالاستحباب، و لا فرق بينهما من ناحية الآثار (2).

____________

(1) و قد ذكر الشيخ الأنصاري في فرائد الأصول، ج 2، ص 158 ما يترتب على ذلك من ثمرة فقهية، فقال: «ثم إن الثمرة بين ما ذكرنا و بين الاستحباب الشرعي، تظهر في ترتب الآثار الشرعية المترتبة على المستحبات الشرعية، مثل: ارتفاع الحدث المترتب على الوضوء المأمور به شرعاً؛ فإن مجرد ورود خبر غير معتبر بالأمر به لا يوجب إلا استحقاق الثواب عليه، و لا يترتب عليه رفع الحدث، فتأمل. و كذا الحكم باستحباب غسل المسترسل من اللحية في الوضوء من باب مجرد الاحتياط، لا يسوغ جواز المسح ببلله، بل يحتمل قوياً أن يمنع من المسح ببلله و إن قلنا بصيرورته مستحباً شرعياً، فافهم»

(2) قال السيد الخوئي- كما جاء عنه في دراسات في علم الأصول: ج 3، ص 311-: «لا فرق بين القول باستفادة الحكم المولوي من أخبار من بلغ، و القول بكونها إرشادية، في أنه يترتب الثواب على الإتيان بالعمل الذي بلغ عليه الثواب، فلا فائدة في البحث عن ثبوت الحكم المولوي و عدمه».

114

موارد ثلاثة لترتب الثمرة العملية على الاحتمالين الأول و الثاني:

قوله (قدس) ص 260: «و نذكر فيما يلي جملة من الثمرات ... إلخ».

و خلافاً للسيد الخوئي (قدس)، ذهب السيّد الشهيد (قدس) إلى وجود ثمرات عملية مهمة يختلف بموجبها الاحتمال الأول عن الاحتمال الثاني، و هذه الثمرات تظهر في الموارد التالية:

الأول: لو دلّ خبر ضعيف على استحباب فعل و دلّ خبر ثقة على نفي استحبابه‏

لو جاءنا خبر ضعيف يدل على استحباب فعل، و جاء خبر ثقة يدل على نفي استحبابه، فحينئذ، إن قلنا: إنّ المستفاد من روايات من بلغ جعل الحجّية لمطلق البلوغ كما هو مقتضى الاحتمال الأول، وقع التعارض عندها بين الخبرين المتقدّمين؛ لأن أحدهما يثبت الاستحباب، و الآخر ينفي الاستحباب، و كل منهما حجّة بحسب الفرض، مع نظرهما معاً إلى حكم واقعي واحد.

و أمّا لو قلنا: إنّ مفاد تلك الروايات جعل الاستحباب الواقعي، كما هو مقتضى الاحتمال الثاني، فلا تعارض بين الخبر الضعيف الحاكي عن الاستحباب، و خبر الثقة الدال على نفي الاستحباب، و الوجه في ذلك، هو: أن الخبر الأول لا يثبت استحباب الفعل من حيث إنّه فعل حتى يكون معارضاً للخبر النافي لاستحباب ذلك الفعل، و إنما يكون الخبر بنفسه موضوعاً لاستحباب واقعي؛ لأنه يحقق البلوغ، فالاستحباب الواقعي مترتب على الفعل لا بما هو فعل، بل بما هو قد بلغ عليه الثواب، و لا تنافي بين عدم استحباب فعل بعنوانه الأولي، و استحبابه بسبب طرو عنوان جديد عليه كعنوان البلوغ في المقام، و كون ذلك الخبر الضعيف معارضاً بخبر الثقة، لا ينافي صدق عنوان البلوغ عليه، فيثبت الاستحباب.

الثاني: لو دلّ خبر ضعيف على وجوب فعل من الأفعال‏

و أما الثمرة الثانية فتظهر في ما لو دل خبر ضعيف السند على وجوب شي‏ء، كما لو جاء عن طريق خبر ضعيف أن الإمام (ع) قال: «يجب الدعاء عند رؤية الهلال»، فحينئذ لو أخذنا بالاحتمال الثاني، فلا شكّ في ثبوت استحباب الدعاء عند رؤية الهلال؛ لأن الدعاء عند رؤية الهلال مما قد بلغ عليه الثواب، فيكون مصداقاً للعمل الذي بلغ عليه الثواب، فيثبت الاستحباب، و أمّا لو أخذنا بالاحتمال الأول، فلا يثبت شي‏ء، لا الوجوب، و لا الاستحباب،

115

و لا الجامع بين الوجوب و الاستحباب، أمّا عدم إمكان إثبات الوجوب به، فلعدم حجّيته؛ لأن الخبر الذي يكون حجّة في إثبات الأحكام الالزامية، هو خصوص خبر الثقة، و الفرض عدم وثاقة الراوي، و أمّا عدم إمكان إثبات الاستحباب به؛ فلأنّ مدلول الخبر هو الوجوب لا الاستحباب، و هو ليس حجّة في إثبات مدلوله كما تقدّم، فلا يمكن إثبات غير مدلوله به، و أمّا عدم إمكان إثبات الجامع بين الوجوب و الاستحباب؛ فلانّ الجامع ليس هو المدلول المطابقي للدليل، بل المدلول المطابقي له الوجوب، نعم، لو حلّلنا هذا الوجوب، لوجدنا أنّه عبارة عن الطلب الناشئ من داع لزومي، فالطلب مدلول التزامي للوجوب، فلا يكون الخبر الدال على الوجوب حجّة في إثباته عند من يرى أن المدلول الالتزامي دائماً حصّة خاصّة من اللازم لا طبيعي اللازم، كما ذهب إلى ذلك السيّد الخوئي (قدس)، ففي المقام، المدلول الالتزامي للوجوب ليس هو الطلب الجامع بين الوجوب و الاستحباب، بل حصّة خاصّة من الطلب، و هو الطلب الوجوبي، و مع عدم حجّية الخبر في المدلول المطابقي و هو الوجوب، لا يكون حجّة في إثبات الطلب الجامع بين الوجوب و الاستحباب‏ (1).

الثالث: لو دلّ خبر ضعيف على استحباب الجلوس في مكان و شككنا في بقاءه‏

لو جاءنا خبر ضعيف يدل على استحباب الجلوس في المسجد إلى طلوع الشمس، و شككنا في بقاء استحبابه بعد ذلك الوقت- أي بعد الطلوع- فعلى الاحتمال الأول، لا مانع من جريان استصحاب بقاء الاستحباب إلى ما بعد ذلك الوقت؛ و ذلك لتماميّة أركانه، من يقين سابق بالاستحباب الذي ثبت بمقتضى حجّية الخبر، و شك لاحق في بقاء ذلك الاستحباب إلى ما بعد طلوع الشمس. و أمّا على الاحتمال الثاني، فلا يمكن اجراء الاستصحاب لإثبات بقاء الاستحباب إلى حين طلوع الشمس؛ و ذلك لعدم تماميّة أركانه؛ لعدم الشك في بقاء الاستحباب، لأنه مقطوع الارتفاع في ذلك الوقت؛ لأن استحباب‏

____________

(1) هذا كله بالنسبة إلى الحكم، و أما بالنسبة إلى الثواب، فقد التزم السيد الخوئي بثبوته، حيث قال: «إنه قلنا في البحث عن أدلة التسامح: أنها تشمل لما دل على الحرمة و الوجوب إذا كان ضعيفاً؛ و ذلك فان ما دل على الوجوب يدل على جواز العقاب على الترك، و على ثبوت الثواب على الفعل، فبضعف الرواية الدالة على الوجوب، يسقط العقاب على الترك؛ لخروجه عن الحجية، و يبقى الثواب على حاله؛ لأدلة التسامح؛ لصدق البلوغ هنا أيضاً»، راجع: مصباح الفقاهة، ج 5، ص 483.

116

الجلوس في المسجد إلى الطلوع، قد جعل بعنوان أنّه قد بلغ عليه الثواب، و هذا مختص بفترة ما قبل الطلوع كما هو واضح، و أمّا بعد هذه الفترة، فنقطع بعدم بلوغ الثواب عليه، وعليه، فلا يجري الاستصحاب.

رأي السيد الشهيد (قدس) في قاعدة التسامح:

قوله (قدس) ص 262: «و مهما يكن، فلا شك في ان ... إلخ».

بعد أن عرفنا الاحتمالات الأربعة في تحديد مفاد روايات: «من بلغ»، و عرفنا أيضاً أن تمامية الاستدلال بهذه الروايات على القاعدة المذكورة يتوقف على استظهار الاحتمال الأول منها دون غيره من الاحتمالات الأخرى، يتبيّن بوضوح أنه لو تعيّن غير الاحتمال الأول من تلك الاحتمالات، أو لم يتعيّن أحد منها أصلًا، بل كانت تلك الروايات مجملة، فلا يتم الاستدلال بها على المطلوب، و بالتالي عدم ثبوت ما يسمّى بقاعدة التسامح في أدلّة السنن، و حيث أنّ الاحتمال الأول من تلك الاحتمالات مخالف لظاهر الدليل، فلا يمكن التمسّك به مع وجود الاحتمالات الأخرى التي تصلح الروايات المذكورة لأن تكون ناظرة إليها، فتبيّن عدم تماميّة القاعدة المذكورة.

و بناءً على ذلك، يكون موضوع الحجّية هو خصوص خبر الثقة لا مطلق الخبر، من دون فرق بين الأخبار التي تكون مفادها أحكاماً إلزاميّة، و الأخبار التي تكون مفادها أحكاماً غير إلزاميّة (1).

و بهذا ينتهي الكلام عن الجهة الثانية من الجهات التي يبحث عنها في الدليل الشرعي.

____________

(1) قال المحقق البحراني في الحدائق الناضرة، ج 4، ص 406: «و هذه القاعدة و إن اشتهرت في كلامهم إلا أنها لا تخلو من المجازفة في أحكامه سبحانه؛ لما علم من أن الاستحباب حكم شرعي كالوجوب و التحريم فيتوقف على الدليل الواضح، و إلا كان من قبيل القول على الله سبحانه بغير علم، و قد استفاضت الآيات القرآنية و الأخبار المعصومية بالمنع عنه، و حينئذٍ فالخبر الضعيف إن كان دليلًا شرعياً وجب القول بما دل عليه من وجوب أو استحباب، و إلّا وجب طرحه و الإعراض عنه في جميع الأبواب».

117

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

118

البحث الثالث حجّية الدلالة في الدليل الشرعي «حجّية الظهور»

119

البحث الثالث حجّية الدلالة في الدليل الشرعي «حجّية الظهور»

تمهيد:

يعتبر البحث في حجّية الظهور آخر البحوث المرتبطة بالدليل الشرعي؛ لما قدمناه سابقاً من أن البحث في الدليل الشرعي يقع في ثلاث جهات:

الأولى‏: و هي التي تتكفّل تحديد الضوابط العامّة التي يتم من خلالها تشخيص دلالة الدليل الشرعي، و بيان الضوابط الكلّية لتحديد تلك الدلالة، و قد تمّ بالفعل تحديد بعض تلك الضوابط العامّة من قبيل: أنّ ما يصدر من الشارع بصيغة (افعل) فهو دال على الوجوب، و ما يصدر من الشارع بصيغة النهي فهو دال على التحريم، و الفعل الصادر من المعصوم (ع) دال على عدم الحرمة، و سكوت الشارع عن فعل أو موقف يواجهه دال على الإمضاء، و غير ذلك من الضوابط العامّة التي تم تحديدها في البحث الأوّل.

الثانية: و هي التي تتكفل بيان الطرق و الوسائل التي يمكن من خلالها إثبات صدور الدليل من الشارع، سواء أ كانت تلك الطرق و الوسائل من الوسائل الوجدانية التي توجب اليقين أو الاطمئنان بصدور الدليل من الشارع، أم كانت من الوسائل الجعلية و التعبّدية التي يأمر الشارع بالعمل على طبقها، و يعتبرها من وسائل إثبات الصدور.

و قد انتهينا- أيضاً- من البحث عن هذه الجهة، و قد تمّ تحديد تلك الوسائل بكلا قسميها: الموجبة منها لحصول اليقين بصدور الدليل من الشارع، كالتواتر، و الاجماع، و السيرة، و الموجبة منها لحصول الظنّ بالصدور، و التي تعبّدنا الشارع بها، و جعل الحجّية لها كخبر الثقة.

و البحث في هذه الجهة، يعبّر عنه بالبحث في صغرى الدليل الشرعي، و قد تمّ بيان‏

120

المقصود من ذلك سابقاً.

الثالثة: و هي تمثّل البحث الثالث و الأخير من البحوث المرتبطة بالدليل الشرعي، و التي نريد البحث عنها هنا، و تتكفّل هذه الجهة البحث عن حجّية الظهور، التي تمثّل كبرى‏ (1) لتلك الصغريات التي تمّ تنقيحها بالفعل في البحث الأوّل؛ لأنّ مجرّد كون الكلام الصادر من الشارع يدل على الوجوب- مثلًا- لا ينفع لجعله دليلًا شرعياً على الوجوب ما لم يثبت حجّية تلك الدلالة.

و إنّما خصّصوا البحث في حجّية الظهور مع أنّ الدلالة على الحكم الشرعي قد تكون نصّاً، و قد تكون ظهوراً، و قد تكون مجملة- كما سوف يتضح من خلال تقسيم الدلالة-؛ لأجل أن الدلالة على الحكم الشرعي إذا كانت نصّاً فهي توجب القطع، و لا اشكال في حجّيتها حينئذ؛ من باب حجّية القطع، و قد أثبتنا ذلك في بحوث سابقة، فلا موجب للتكرار، و أمّا إذا كانت مجملة، فهي ليست حجّة على اجمالها إلّا بمقدار الجامع إذا كان له أثر قابل للتنجيز، يضاف إلى ذلك أنّ أغلب الدلالات المرتبطة بالدليل الشرعي هي من الظاهر كما هو واضح.

و قبل البحث عن حجّية الظهور، لا بدّ من بيان معنى الظهور، و هذا ما سوف نبيّنه في البحث التالي.

____________

(1) ينبغي الالتفات إلى أن هذه الكبرى، أي: حجّية الظهور أو أصالة الظهور، ليست هي المقصودة من كبرى الدليل الشرعي، بل المقصود أنها كبرى في القياس المنتج للدلالة، و صغراها عبارة عن الظهور في هذا المورد أو ذاك، فتقول:

«افعل» ظاهر في الوجوب. «صغرى»

كل ظهور حجة. «كبرى»

فينتج: أن ظهور (افعل) في الوجوب حجّة، و دليل على الحكم الشرعي، و من الواضح أن الدليل لا يكون دليلًا شرعياً إلّا إذا صدر من الشارع، فنقول:

«افعل» الصادرة من الشارع دليل على الوجوب. «كبرى»

و قد صدرت (افعل) من الشارع. «صغرى»

فينتج: «افعل» دليل على الوجوب.

و من الواضح أن هذه الكبرى هي المعبّر عنها بكبرى الدليل الشرعي، و صغراه عبارة عن صدوره من الشارع.

121

أقسام الدلالة في الدليل الشرعي ( (1)

): قوله (قدس) ص 263: «الدليل الشرعي قد يكون مدلوله مردداً ... إلخ».

تقدّم أن الدليل الشرعي عبارة عن كل ما يصدر من الشارع و له دلالة على الحكم الشرعي، فلو صدر من الشارع مثلًا: «ادعُ عند رؤية الهلال»، فإنّ قوله «ادعُ» يعتبر دالًا، و وجوب الدعاء هو المدلول لذلك الدال، و حينئذٍ، يكون قوله «ادعُ عند رؤية الهلال» دليلًا على الحكم الشرعي، و هو وجوب الدعاء؛ فالدليل الشرعي إذن فيه دال و مدلول، و ينقسم من حيث مدلوله إلى ثلاثة أقسام‏ (2):

____________

(1) إن الملحوظ في هذا التقسيم هو مجموع الدلالة المتحصلة من مجموع أجزاء الكلام في الجمل التركيبية، لا خصوص دلالة الألفاظ المفردة، و إن كانت دلالة اللفظ المفرد تؤثر في دلالة مجموع الكلام كما هو واضح، و الوجه في ذلك، هو: أن المراد من المدلول في المقام، هو: المدلول التصديقي الكاشف عن المراد الجدي للمتكلم، و من الواضح إن الألفاظ المفردة ليس لها أي دلالة تصديقية.

و بعبارة مختصرة: إن المبحوث عنه في المقام، هو: دلالة الدليل لا دلالة خصوص اللفظ المفرد، و إلى هذا المعنى قد أشار المحقق النائيني حيث قال في فوائد الأصول المجلد الثاني (ج 3)، ص 146: «الثالث: قد عرفت أنّ العبرة في الظهور هو ظهور الجملة التركيبية، و لا عبرة بظهور المفردات؛ إذ الكاشف عن المراد هو جملة الكلام بما له من النسب، و بما له من الملحقات، و القرائن المحتفة بالكلام»

(2) اعلم إن التقسيم السائد للدليل الشرعي من حيث كونه دليلًا يعتمد عليه أو عدم كونه كذلك، هو: تقسيمه إلى قسمين فقط، هما: المجمل، و المبيّن، و أمّا الظاهر، فليس قسماً ثالثاً، بل هو إمّا ملحق بالقسم الأوّل أي: المجمل- كما ذهب إلى ذلك بعض الاخباريين بدعوى أن الظاهر من المجمل، كما يظهر من كلمات بعضهم، حيث قال: إن ظواهر القرآن ليست حجّة؛ لأنّها من المجمل، و قد أمرنا القرآن بعدم الاعتماد عليه، و إمّا أن يلحق بالمبيّن كما هو الصحيح، فيكون المبيّن عندنا عبارة عن: النصّ، و الظاهر.

نعم، من حيث أصل الدلالة، و بقطع النظر عن حجيته و دليليته، ينقسم إلى تلك الأقسام الثلاثة، فقد قال المحقق الحلي في المعتبر، ج 1، ص 28: «و النص ما دل على المراد منه من غير احتمال، و في مقابله المجمل، و قد يتفق اللفظ الواحد أن يكون نصاً مجملًا باعتبارين، فإن قوله تعالى (وَ الْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ) نص باعتبار الاعتداد، مجمل باعتبار ما يعتد به. و أما الظاهر فهو اللفظ الدال على أحد محتملاته دلالة راجحة، و لا ينتفي معها الاحتمال».

و قال الشهيد الأول في الذكرى ص 3: «ثم دلالة اللفظ على معناه، إما خالية عن الاحتمال، و هو: النص، مثل: (فاعلم أنه لا إله إلا هو)، و يقابله المجمل المذكور، و إما مع الاحتمال الراجح على المنطوق، و هو: المأوّل، مثل: (و يبقى وجه ربك)، و إما مع احتمال مرجوح، و هو: الظاهر».

122

القسم الأوّل: الدليل الشرعي الذي يكون مدلوله مجملًا

و هو: كل دليل يكون مدلوله مردّداً بين أمرين، أو أمور، كلّها متكافئة في نسبتها إلى ذلك الدليل، بحيث يكون احتمال إرادة الأمر الأوّل منه على حدّ احتمال إرادة الأمر الثاني، أو الثالث منه و هكذا، من دون أن يوجد في الدليل ما يعيّن إرادة أحدها دون الآخر، فمثل هذا الدليل يطلق عليه ب- (المجمل) (1)، من حيث تعيين المراد منه، كما في قوله تعالى في سورة البقرة الآية 228: وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ، فإنه مجمل من ناحية تحديد مقدار العدة بالنسبة للمطلقة؛ و ذلك للاجمال في تحديد المراد من لفظ: (القرء) الوارد في الآية الكريمة؛ لتردده بين معنيين: أحدهما: الحيض، و الآخر: الطهر بمعنى النقاء من الدم، من دون ترجيح أحدهما على الآخر من ناحية الدليل، أو اللفظ (2).

____________

(1) إن اجمال الدليل، تارة يكون لأجل اجمال نفس اللفظ الوارد فيه، كقوله: «ائتني بعين»، حيث إنّ المراد من لفظ العين مردد بين عدّة معان، جميعها متساوية النسبة إلى اللفظ؛ فإن هذا يؤدي إلى اجمال الدليل.

و أخرى يكون اجماله لأجل اجمال مجموع الدلالة الحاصلة من مجموع الألفاظ الواردة فيه و إن لم يكن في الفاظ الدليل من حيث هي الفاظ أي تردد و اجمال؛ كما ورد ذلك في موثقة سماعة حيث قال: «سأل رجل أبا عبد الله و أنا حاضر، قال: إني رجل أبيع العذرة، فما تقول؟ قال: حرام بيعها، و ثمنها، و قال: لا بأس ببيع العذرة». فألفاظ الرواية كل لفظ لفظ واضح في معناه، و لا اجمال فيه، لكن مجموع دلالة الدليل مجملة؛ لاشتمالها على التناقض، و كلا هذين القسمين داخل في بحث المجمل.

و الفرق بين الحالتين، هو: أن الدليل في الأوّل، يخرج عن كونه مجملًا في حالة وجود قرينة حالية أو مقالية تعيّن المراد منه مع بقاء اللفظ على اجماله، و يطلق على الأوّل اسم: المجمل بالذات، و على الثاني اسم: المجمل بالعرض، و هذا ما أشار إليه السيد الشهيد في بحوث في علم الأصول، ج 3، ص 444 حيث جاء عنه ما ملخصه: «إن المجمل و هو ما ليس له معنى ظاهر يمكن العمل به، و يكون على قسمين:

1- المجمل بالذات: و هو ما ليس له معنى ظاهر في نفسه، من قبيل: اجمال كلمة: الرطل، و ترددها بين المكي، و العراقي.

2- المجمل بالعرض: ما كان له معنى ظاهر في نفسه لغةً و عرفاً، و لكن جاء ما يدل على عدم إرادته، فتعذر العمل بظاهره، فأصبح المراد منه مجملًا، من قبيل: أن يرد مطلق، ثم يأتي مقيّد على خلافه، أو يرد عام، ثم يأتي خاص على خلافه».

(2) هذا بالنظر إلى نفس الدليل و ما يرتبط به من ألفاظ و بقطع النظر عمّا يحيط به من قرائن، و أمّا بالنظر إلى ما يكتنفه من قرائن و لو منفصلة فقد لا يكون مجملًا كما لو جاءت قرينة تعيّن المراد من اللفظ.

123

القسم الثاني: الدليل الشرعي الذي يكون مدلوله نصاً

و هو: كل دليل يكون مدلوله أمراً واحداً محدّداً لا يحتمل إرادة غيره منه بحسب النظام اللغوي العام، و الأساليب العامّة في التعبير عند أبناء العرف و المحاورة (1)، أو بحسب القرائن الأخرى، كالقرائن الحاليّة، أو العقلية، التي تنفي احتمال إرادة مدلول آخر منه، و إن كان من وجهة نظر لغوية و عرفية عامة ممكناً؛ كما لو ورد في الشريعة: «لا بأس بارتماس الصائم في الماء»، فإن هذا نصّ في الجواز بحسب النظام اللغوي، و الأساليب العرفية العامّة في التعبير، و كما في دلالة اتيان المعصوم بفعل ما، فإنّه نصّ في عدم الحرمة؛ لعلمنا بأنّه لا يفعل حراماً بمقتضى عصمته.

القسم الثالث: الدليل الشرعي الذي يكون مدلوله ظاهراً

و هو: كل دليل يكون مدلوله مردّداً بين أمرين، أو أمور، بحيث يكون بنفسه قابلًا للانطباق على كل واحد من الأمرين أو الأمور، و لكن، مع أولويّة دلالته على أحدهما، أو أحدها، بنحو ينسبق إلى الذهن في مرحلة الدلالة التصورية، و التصديقية، أحد تلك الأمور، فيكون ذلك المعنى المنسبق إلى الذهن دون غيره هو الظاهر، مع الالتزام بأن إفادة المعنى الآخر من ذلك الدليل ممكنة، و محتملة، كما في قوله: «أقم الصلاة»، فإن إرادة الوجوب منه، أو إرادة الاستحباب، ممكنة بحسب الأساليب العامّة في التعبير، و لكن الذي ينسبق إلى الذهن منه، هو الوجوب، فيكون قوله: «أقم الصلاة» ظاهراً في وجوب الصلاة.

في حجّية الدلالات الثلاث المتقدمة:

بعد أن بيّنا أقسام الدليل من حيث الدلالة، من: النص، و المجمل، و الظاهر، يقع الكلام في حجّية تلك الدلالات لتنقيح كبرى الصغريات التي تمّ تشخيصها، و اعطاء الضوابط العامّة و الكلية لتحديدها، في البحث الأوّل من البحوث المرتبطة بالدليل الشرعي، من قبيل‏

ظهور

____________

(1) اعلم أن نفي احتمال إرادة المتكلم غير المعنى المحدد للفظ عقلًا إنما هو بالنظر إلى قوانين اللغة و أساليب التفهيم و المحاورة و ليس مجرداً عن ذلك و إلا فبقطع النظر عن ذلك لا يمتنع عقلًا إرادة غير ذلك المعنى غايته خروج المتكلم عن إطار تلك القوانين العامة في التفهيم فبالنظر إلى تلك القوانين كان اللفظ نصاً في المراد و عدم احتمال إرادة غيره فقد قال الميرزا القمي في قوانين الأصول ص 167: «فالنص هو ما لا يحتمل غير المعنى عقلًا أيضاً بالنظر إلى هذه اللغة و الاستعمال».

124

الأمر في الوجوب، و ظهور النهي في التحريم، و غيرهما من الدلالات الأخرى التي تشكل الصغريات لكبرى حجية الدلالة التي هي مورد بحثنا هنا، فيقع الكلام في حجية: النص، ثم المجمل، ثم الظاهر.

أوّلًا: في حجية النص‏

لا إشكال في حجّية دلالة الدليل الشرعي إذا كانت نصّاً في الحكم الشرعي؛ لأنّه حينئذ سوف يؤدي إلى حصول القطع بمدلوله، أي: بالحكم الشرعي، فيكون حجّة؛ على أساس حجّية القطع من دون حاجة إلى تعبّد من الشارع بحجّية تلك الدلالة، فيكون الدليل حجّة في جانبه الدلالي، و إن كان محتاجاً في بعض الأحيان إلى التعبّد بالحجّية من الشارع بالنسبة إلى الجانب السندي منه، أي: التعبّد بصدوره من الشارع، كما لو كان ظنّي الصدور؛ لأنّ ما يفترض كونه دليلًا شرعياً على الحكم الشرعي، لا يكون كذلك إلّا باحراز صدوره من الشارع، إما وجداناً، و إمّا تعبّداً، و كذلك يجب إحراز دلالته على الحكم الشرعي، إمّا إحرازاً وجدانياً، و إمّا احرازاً تعبّدياً؛ فقد يثبت كل من السند و الدلالة بالوجدان و القطع، فيكون حجّة سنداً و دلالة على أساس حجّية القطع، و هو المعبّر عنه ب- (قطعي السند و الدلالة)، كما في الآيات القرآنية التي يكون مدلولها نصّاً في الحكم الشرعي، من قبيل: قوله تعالى: وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا، فإنّه نصّ في حليّة البيع، و حرمة الربا كما هو واضح.

و قد يثبت كل منهما- السند و الدلالة- بالتعبّد الشرعي، كما في الروايات التي ينقلها الثقات عن المعصومين (ع)، و التي تكون دلالتها ظنية، كما لو نقل الثقة عن الإمام (ع) قوله: «ادعُ عند رؤية الهلال»؛ فإنّ كلًا من الصدور و الدلالة ظنّي، و هو المعبّر عنه ب- (ظني السند و الدلالة).

و قد يثبت السند بالتعبّد و تثبت الدلالة بالوجدان، أو بالعكس، و هما: كل من: الظنّي السند القطعي الدلالة، كما في الروايات المنقولة عن طريق الثقات التي تكون دلالتها نصّاً في المراد، و: القطعي السند الظنّي الدلالة، كما في الآيات القرآنية التي تكون دلالتها ظاهرة في المراد.

و على كلّ حال، فإذا كان مدلول الدليل الشرعي نصّاً في المراد، فهنا، لا إشكال في‏

125

حجّية دلالته على أساس حجّية القطع.

ثانياً: في حجية المجمل‏

وقوع الكلام في حجية المجمل بلحاظين:

قوله (قدس) ص 263: «أما المجمل فيكون حجة في اثبات الجامع ... إلخ».

الكلام في حجّية المجمل، تارة يكون بلحاظ أحد المحتملات التي يصلح المجمل للانطباق عليها، و إرادتها منه، و أُخرى يكون بلحاظ الجامع بين تلك المحتملات‏ (1).

الأول: حجية المجمل بلحاظ أحد محتملاته‏

أمّا بالنسبة إلى اللحاظ الأوّل من اللحاظين المتقدمين، و هو: حجية المجمل بلحاظ أحد محتملاته، فلا شكّ في أن المجمل لا يكون حجّة في إثبات أحد المحتملات بالخصوص؛ لأنّه لا معيّن و لا مرجّح لأحدها- من ناحية اللفظ- من بين تلك المحتملات، و مع عدم المعين أو المرجح، لا يمكن المصير إلى أحدها؛ لأنّ نسبة اللفظ إلى كل واحد من هذه المحتملات التي يصلح إرادتها منه على حد سواء، و هذا هو معنى ما يقال من: إنّ المجمل ليس حجة.

الثاني: حجية المجمل بلحاظ الجامع بين المحتملات‏

و أمّا بالنسبة إلى اللحاظ الثاني، و هو: حجية المجمل بلحاظ الجامع بين المحتملات، فالمجمل يكون حجّة في إثبات الجامع بين محتملاته؛ و ذلك للعلم الاجمالي بإرادة أحدها منه، و من المعلوم أنّ كل واحد من تلك المحتملات متضمن للجامع، فتكون إرادة المتكلم للجامع مقطوعاً بها، فيكون المجمل بهذا اللحاظ حجة من باب حجية القطع، و هذا معنى ما يقال من: إنّ المجمل يؤخذ منه بالقدر المتيقن.

حجية المجمل بلحاظ الجامع تتوقف على شرطين:

هذا و لكن حجية المجمل في إثبات الجامع تتوقف على شرطين:

الأوّل: أن يكون للجامع على إجماله أثر قابل للتنجيز.

و الوجه في توقف حجية المجمل بهذا اللحاظ على هذا الشرط، أنّه إذا لم يكن للجامع‏

____________

(1) ينبغي الالتفات إلى أنّ وصف الدليل بالمجمل إنما هو بلحاظ أحد محتملاته لا بلحاظ الجامع بين المحتملات؛ و ذلك لأنه بهذا اللحاظ ليس مجملًا.

126

أثر قابل للتنجيز، فلا معنى لحجيته حينئذ؛ لأنّ معنى كونه حجّة أن يكون منجّزاً، فمع عدم وجود الأثر القابل للتنجيز، لا معنى لحجيته كما هو واضح.

الثاني: أن لا يوجد ما يبطل منجزيّة ذلك الأثر.

و أمّا توقف حجية المجمل في المقام على هذا الشرط، فلأنّه إذا كان هناك أثر قابل للتنجيز و تحقق الشرط الأول، و لكن كان هناك ما يبطل تلك المنجزية و يحول دونها، فهنا- أيضاً- لا معنى للقول بحجّية المجمل في إثبات الجامع كما هو واضح؛ لأنّ المقصود كونه حجة بالفعل، لا مجرّد اقتضائه للحجية (1).

و مثال ذلك: ما لو ورد من الشارع: «ادع عند رؤية الهلال»، و تردّد المراد منه بين وجوب الدعاء، أو استحبابه، مع افتراض عدم ظهور صيغة الأمر في الوجوب، فهذا الدليل سوف يكون مجملًا بالنسبة إلى تعيين المراد منه من حيث الوجوب و الاستحباب، فلا يكون حجّة في إثبات أحدهما كما هو واضح، و أمّا بالنسبة إلى الجامع بينهما و هو الطلب، فتارة نفترض عدم وجود الأثر الشرعي القابل للتنجيز المترتب على جامع الطلب، فهنا- أيضاً- لا يكون ذلك المجمل حجّة في إثبات الجامع؛ و ذلك لاختلال الشرط الأول من الشرطين المتقدمين، و أُخرى نفترض وجود أثر شرعي قابل للتنجيز يترتب على الجامع، بقطع النطر عن خصوصية الفرد الذي يوجد في ضمنه ذلك الجامع، كما لو قال الشارع- مثلًا-: «إذا كان الدعاء عند رؤية الهلال مطلوباً في الشريعة، وجب عليك التصدّق»، فهنا: لا إشكال في أن المجمل- و هو بحسب الفرض صيغة الأمر «ادعُ»- يكون حجّة في إثبات ذلك الجامع و هو الطلب؛ لوجود الأثر القابل للتنجيز المترتب على الجامع؛ لأنّ الموضوع لوجوب التصدّق، هو: مطلوبيّة الدعاء شرعاً، الأعم من كونه طلباً وجوبياً، أو استحبابياً، و لكن، مع ذلك، يشترط في حجيته بالفعل عدم‏

وجود ما يبطل تلك المنجزيّة بأحد الوجوه التالية الذكر.

____________

(1) يمكن جعل هذين الشرطين شرطاً واحد؛ و ذلك بأن يقال: إن حجّية المجمل في إثبات الجامع تتوقف على أن يكون للجامع أثر منجّز بالفعل لا مجرد كونه قابلًا للتنجيز، فهذه العبارة معبّرة عن وجود المقتضي للتنجيز، و عن عدم وجود المانع الذي يحول دون منجزيته.

127

ما يبطل منجزية الجامع في المجمل يكون على أربع حالات:

قوله (قدس) ص 263: «ما لم يحصل سبب من الخارج يبطل ... إلخ».

ثم إنّ ما يبطل منجزية المجمل في اثبات الجامع بين محتملاته بسبب ورود دليل شرعي آخر، يتصور على أربع حالات:

الأوّلى: أن يتعيّن المراد من المجمل مباشرة ( (1)

) قوله (قدس) ص 263: «إما بتعيين المراد من المجمل مباشرة ... إلخ».

في هذه الحالة يفترض كون الدليل في نفسه- و بقطع النطر عن مجي‏ء الدليل الآخر- مجملًا، و لكن بورود الدليل الآخر سوف يتعيّن المراد من المجمل و يرتفع إجماله‏ (2)، كما لو ورد دليل يقول: «الدعاء عند رؤية الهلال مطلوب»، فإن هذا الدليل مجمل بحسب الفرض من حيث إرادة الوجوب من المطلوبية أو الاستحباب، و ورد دليل آخر يقول: «الدعاء عند رؤية الهلال مستحب»، ففي مثل هذه الحالة، لا إشكال في ارتفاع إجمال المجمل بالدليل الثاني، ويتعيّن أن المراد منه، هو: خصوص الاستحباب، و مع تعيّن خصوصية الاستحباب في الطلب، لا يكون الدليل الأوّل حجّة في إثبات الجامع بين الطلب الوجوبي و الطلب الاستحبابي؛ لأنّ المراد منه خصوص الطلب الاستحبابي، لا الأعم منه و من الطلب الوجوبي.

الثانية: أن يتعيّن المراد من المجمل بصورة غير مباشرة

قوله (قدس) ص 263: «و إما بنفي أحد المحتملين ... إلخ».

و أما الحالة الثانية، فهي: أن يأتي دليل آخر يعيّن المراد من المجمل، و لكن لا بصورة

____________

(1) قوله: «مباشرةً» للتفريق بين هذه الحالة و الحالة الثانية التي ستأتي حيث إنّ كلًا منهما يشتركان في تعيين المراد من المجمل، و لكن في الحالة الأولى بصورة مباشرة، و في الحالة الثانية بصورة غير مباشرة، بواسطة نفي دليل آخر لأحد المحتملين‏

(2) ينبغي الالتفات إلى أنّ الدليل في مثل هذه الحالة و بلحاظ النتيجة النهائية المتحصلة من الدلالة لا يدخل ضمن الدليل المجمل الذي هو أحد الأقسام الثلاثة المتقدمة؛ لأنّ المناط في التقسيم المتقدم إنما هو ملاحظة مجموع الدلالة بلحاظ كل ما يكتنف الدليل من قرائن سواء كانت متصلة أم منفصلة، نعم هو مجمل في نفسه و بقطع النظر عن أي قرينة، و ايراد السيد الشهيد لمثل هذا الدليل ضمن المجمل و الحال ما ذكرناه إنما هو بلحاظ الدليل في نفسه فانتبه و لا تغفل.

128

مباشرة كما كان في الحالة الأولى، بل بصورة غير مباشرة، و ذلك عن طريق تكفل الدليل الثاني لنفي أحد المحتملين الذين تردّد الدليل الأوّل بينهما، فإنه بضم هذا الدليل إلى المجمل، يثبت كون المراد من المجمل المحتمل الآخر، و يرتفع بذلك اجماله، كما لو ورد دليل مجمل يقول: «ادع عند رؤية الهلال»، و تردد المراد منه بين الوجوب و الاستحباب، و ورد دليل آخر يقول: «الدعاء عند رؤية الهلال ليس واجباً»، ففي هذه الحالة، سوف يرتفع اجمال الدليل الأوّل، ويتعيّن كون المراد منه هو الاستحباب خاصّة؛ لأنّه بحسب الفرض مردد بين الوجوب و الاستحباب، فإذا انتفى الوجوب بالدليل الثاني، تعيّن الاستحباب لا محالة (1).

الثالثة: أن يتعيّن المراد من المجمل بمجمل آخر يراد منه نفس المعنى‏

قوله (قدس) ص 264: «و إما بمجمل آخر مردد بين محتملين ... إلخ».

و أما الحالة الثالثة، فهي: أن يأتي دليل آخر مجمل- أيضاً- و يكون مردّداً بين نفس المحتملين اللذين تردّد بينهما المجمل الأوّل، و لكن على نحو يعلم بأنّ المراد بالمجملين معاً معنى واحد، و ليس لهما إلّا معنى واحد قابل لأن يحملا عليه، فحينئذ، يحملان على ذلك المعنى الواحد، و يرتفع الاجمال في كل من الدليلين، كما حصل ذلك بالفعل بالنسبة إلى الروايات الواردة في تحديد الكر؛ فقد ورد في بعضها: «أن الكر ألف و مائتا رطل»، و ورد في بعضها الآخر: «أن الكر ستمائة رطل»؛ فإن الرطل في كل من الروايتين مجمل؛ إذ يتردد بين أن يكون المراد منه الرطل المكي أو الرطل العراقي، مع العلم بأن المراد من الروايتين معنى واحد، و هو تحديد مقدار الماء الذي لا ينفعل بالملاقاة؛ إذ لا نحتمل أن له حكمين، أحدهما: موضوعه الماء الذي مقداره 600 رطل، و الآخر: الماء الذي مقداره 1200 رطل بنفس الرطل السابق؛ فإن هذا غير معقول.

و العلم- أيضاً- بأنّه لا يوجد إلّا معنى واحد قابل لأن يحملا عليه، حتى يمكن الجمع بين‏

____________

(1) ينبغي الالتفات إلى أنّه في مثل هذه الحالة يشترط أن يكون المجمل مردداً بين محتملين لا أكثر، و إلا فلو كان مردداً بين أكثر من محتملين فلا يرتفع إجمال المجمل بمجرد ورود دليل آخر ينفي أحد المحتملات؛ لأنه سوف يبقى مردداً بين المحتملين الآخرين و هو معنى الإجمال كما هو واضح، و هذا بخلاف الحالة الأولى المتقدمة فإنه لا وجه لمثل هذا الشرط فيها؛ لأنّ ورود الدليل الآخر يعيّن أحد المحتملات بصورة مباشرة، و معه، لا يفرق الحال سواء كان مردداً بين محتملين أو أكثر.

129

هاتين الروايتين، و ذلك المعنى الواحد، هو: أن يراد بالرطل في الرواية الأولى الرطل المكي، و في الرواية الثانية الرطل العراقي؛ لعلمنا من الخارج بأن الرطل المكي ضعف العراقي، فنقول: إن الرواية المحدّدة للكر ب- (1200) رطل، ناظرة إلى الرطل العراقي، و الرواية المحدّدة للكر ب- (600) رطل، ناظرة إلى الرطل المكي، و بهذا يرتفع الاجمال عن كلا الدليلين.

الرابعة: أن يأتي دليل آخر يدل على إثبات أحد محتملي المجمل‏

قوله (قدس) ص 264: «و إما بقيام دليل على اثبات أحد محتملي ... إلخ».

و أما الحالة الرابعة و الأخيرة، فهي: أن يأتي دليل آخر يدل على إثبات أحد محتملي المجمل من دون أن يكون منافياً لثبوت المحتمل الآخر و إرادته من المجمل، فإنه في مثل هذه الحالة، و إن كان لا يعيّن المراد من المجمل، و لكن، مع ذلك تبطل حجّية المجمل في إثبات الجامع بين المحتملين؛ و ذلك لأنّ منجزيّة المجمل للجامع إنما هي من باب العلم الاجمالي بإرادة أحد المحتملين، و منجزيّة العلم الاجمالي مشروطة بتمامية أركانه الأربعة، و التي منها: أن يكون كل طرف من أطراف العلم الاجمالي في نفسه مجرى للأصل المؤمن، و بقطع النظر عن التعارض الحاصل بين جريان الأصول في أطرافه، فتتعارض الأصول فيما بينها و تتساقط، و تثبت منجزية العلم الاجمالي، و أما إذا خرج أحد أطرافه عن كونه مجرى للأصل المؤمّن، فحينئذ لا يبقى مانع من جريان الأصل المؤمن في الطرف الآخر، و هذا يعني: سقوط العلم الاجمالي عن المنجزية؛ لاختلال الركن الثالث من أركان منجزية العلم الاجمالي.

و في المقام: حيث إنّ الدليل الثاني قد أثبت أحد المحتملين من المجمل، و تنجّز على المكلّف، فلا يمكن جريان الأصل المؤمن فيه، فيجري الأصل المؤمن في المحتمل الآخر بلا معارض؛ لأنّ المانع من جريانه ليس إلّا معارضته بجريان الأصل في المحتمل الآخر؛ و قد زال بسبب ثبوت أحد المحتملين بالدليل الآخر، فيسقط الجامع عن المنجزيّة.

و مثال ذلك: ما لو ورد دليل يقول- مثلًا-: «تجب الزكاة في العين»، و تردد المراد منها بين عين الذهب و عين الفضّة، فلو كنّا نحن و هذا الدليل، لحصل لنا العلم الاجمالي بوجوب الزكاة إمّا في الذهب، أو الفضة، و مقتضى العلم الاجمالي تنجيزه لوجوب الموافقة القطعية،

و هو وجوب الزكاة في كل من الذهب و الفضّة، و لكن إذا ورد دليل آخر يقول: «تجب‏

130

الزكاة في الذهب»، فإنّ هذا الدليل و إن كان لا ينافي إرادة عين الفضّة خاصّة في الدليل الأوّل؛ لعدم المانع من ثبوت وجوب الزكاة في كل من الذهب و الفضّة، و لكنه سوف يوجب سقوط حجّية المجمل في إثبات الجامع، و يسقط منجزيته؛ لأنّ تنجّزه إنما كان بسبب العلم الاجمالي، و قد أختل ركنه الثالث في المقام كما تقدّم، فتجري البراءة عن وجوب الزكاة في الفضّة بلا معارض؛ لتنجّز وجوب الزكاة في الذهب بسبب الدليل الثاني.

الفرق بين الحالة الرابعة و الحالات الثلاث المتقدمة:

ثم إنّ الفرق بين الحالة الرابعة و الحالات الثلاث المتقدّمة، هو: إنّه في الحالات الثلاث الأولى يتعيّن المراد من المجمل و يرتفع بذلك إجماله، إمّا بصورة مباشرة كما في الحالة الأولى، و إمّا بصورة غير مباشرة كما في الحالتين الثانية و الثالثة، بخلاف الحالة الرابعة؛ فإنّه لا يتعيّن المراد من المجمل، بل الدليل يبقى على إجماله، غاية الأمر، سقوط حجيته في إثبات الجامع، كما تقدّم بيانه مفصلًا.

ثالثاً: في حجية الظاهر

قوله (قدس) ص 265: «و أما الظاهر فظهوره حجة ... إلخ».

قبل الكلام عن حجّية أصل الظهور، و ما يمكن أن يستدل به على الحجّية، لا بدّ من التنبيه على أنّ الظهور باعتباره أمارة من الامارات لا يفيد سوى الظن، و من الواضح أن الظن لا يكون حجّة بنفسه، بل لا بدّ- لكي يكون حجّة- من أن تجعل له الحجّية من قبل الشارع، بحيث يتعبّدنا الشارع بالعمل على وفق الظهور، و اعتباره كاشفاً عن مراده، و لا بدّ- أيضاً- من أن يكون الدليل على حجّية الظهور قطعي الدلالة على ذلك، أو يكون ظنّي الدلالة على ذلك بنحو تثبت حجّية دلالته بالخصوص بدليل قطعي، و إلّا، فلو لم يكن الدليل قطعياً، و لا ظنياً ثبتت حجّية دلالته بدليل قطعي، فلا يمكن الاستدلال به على حجّية الظهور؛ لأنّه يكون حينئذ من الاستدلال بالدلالة الظنّية على حجّية نفسها، و هذا باطل قطعاً.

ثلاثة وجوه للاستدلال على حجّية الظهور:

قوله (قدس) ص 265: «و يمكن الاستدلال عليها بوجوه ... إلخ».

فإذا تبيّن ذلك، فالكلام يقع فيما يمكن أن يستدل به على حجّية الظهور، و قد ذكرت في‏

131

المقام ثلاثة وجوه.

الوجه الأوّل: الاستدلال بسيرة المتشرعة

قوله (قدس) ص 265: «الوجه الأول: الاستدلال بالسنة المستكشفة ... إلخ».

استدل على حجية الظهور بسيرة المتشرعة بتقريب: إن المتشرعة من أصحاب الأئمة (ع)، كانت سيرتهم منعقدة على العمل بالظهور، و أنهم يعتمدون في مقام اقتناص الأحكام الشرعيّة من الآيات و الروايات الصادرة عن الأئمة (ع) على الظواهر، و هذه السيرة لدى المتشرعة، تكشف كشفاً إنياً (كشف المعلول عن علّته) عن الدليل الشرعي، و عن كون الظهور حجّة عند الشارع.

و لا يحتاج الاستدلال بالسيرة المتشرعية إلى أكثر من اثبات أنها كانت قائمة بالفعل على العمل بالظهور في مقام اقتناص احكام الشارع من كلامه، و لا نحتاج إلى اثبات عدم ردع الشارع عن تلك السيرة، و هذا هو الفارق الرئيسي بينها و بين السيرة العقلائية؛ حيث إنّ الثانية لا يمكن الاستدلال بها لمجرّد انعقادها على العمل بالظهور، بل لا بدّ- أيضاً- من احراز عدم ردع الشارع عنها.

و السر في عدم توقف الاستدلال بسيرة المتشرعة على إثبات عدم الردع عنها من الشارع، هو: أن نفس قيام السيرة على عمل معيّن يكشف عن عدم الردع عنها؛ لأنّها بحكم كونها سيرة و سلوكاً عند المتشرعة، فهذا يعني أنّها وليدة البيان الشرعي، وعليه، فلا معنى لاحتمال الردع عنها؛ لأنّ ذلك من التناقض، فهي تكشف عن الدليل الشرعي كشف المعلول عن علّته؛ لأنّها معلولة للبيان و الدليل الشرعي، فكيف يعقل احتمال الردع عنها؟ بخلاف السيرة العقلائية، فهي ليست وليدة البيان الشرعي، و لا معلولة له، بل هي معلولة لقضية طبعية عقلائية، و لأجل ذلك يحتمل الردع عنها، و يحتاج في مقام الاستدلال بها إلى إثبات عدم الردع.

اثبات قيام السيرة المتشرعية على العمل بالظهور:

قوله (قدس) ص 265: «و قد تقدم في الحلقة السابقة توضيح الطريق ... إلخ».

بقي علينا أن نعرف أنّه كيف يمكن إثبات أن سيرة المتشرعة كانت قائمة بالفعل على‏

132

العمل بالظهور؟

و الجواب: إنّ إثبات ذلك يكون عن طريق التمسك بأحد الطرق الخمسة التي ذكرت في الحلقة السابقة لإثبات قيام السيرة على عمل معيّن، و الذي ينفعنا في المقام، هو: الطريق الآتي:

لا شكّ أن أصحاب الأئمة (ع) من المتشرعة كانوا يقتنصون الأحكام الشرعيّة مما بأيديهم من الأدلّة الشرعية، من قبيل الآيات القرآنية، و الروايات التي يسمعونها من الأئمة (ع)، و من المعلوم- أيضاً- أنّ أغلب الأدلّة الشرعية التي كانت بين أيديهم من الظواهر، و حينئذٍ، يدور الأمر بين احتمالين لا ثالث لهما:

الأوّل: إنهم كانوا يعتمدون على الظواهر في مقام اقتناص الأحكام الشرعية من تلك الأدلّة.

الثاني: إنهم كانوا يعتمدون على قواعد و طرق أُخرى غير الظهور، يتوصلون بها إلى تلك الأحكام.

و الاحتمال الثاني باطل قطعا؛ و ذلك لأنّ كل ما يفترض من طريقة أُخرى غير الظهور يعتبر حدثاً فريداً من نوعه، الأمر الذي يقتضي أن يشار إليه من بعيد أو قريب، و يصل منه أثر إلينا، و حيث لم يصل إلينا شي‏ء من هذا القبيل، بل قد وصل العكس، فيثبت أنه ليس لديهم طرق و أساليب أخرى يعتمدون عليها غير العمل بالظواهر، و هذا يعني تعيّن الاحتمال الأوّل، وعليه، تتم دليلية السيرة المتشرعية على حجّية الظهور.

الوجه الثاني: الاستدلال بالسيرة العقلائية

قوله (قدس) ص 265: «الوجه الثاني: الاستدلال بالسيرة العقلائية ... إلخ».

تقدّم أن الاستدلال بالسيرة العقلائية على شي‏ء يتوقف على إثبات أمرين:

الأوّل: انعقاد سيرة للعقلاء على العمل بذلك الشي‏ء، معاصرة للمعصوم (ع).

الثاني: إثبات عدم ردع الشارع عن تلك السيرة.

و كلا هذين الأمرين متحقق بالنسبة إلى الاستدلال بالسيرة العقلائية على حجّية الظهور؛ أمّا بالنسبة إلى الأمر الأوّل، فلأن قيام السيرة العقلائية على العمل بالظهور و اعتباره كاشفاً عن مراد المتكلم، و التعويل عليه في هذا المقام مما لا شكّ فيه؛ لأنّه‏

ثابت بالوجدان؛ حيث إنّنا نشعر بالوجدان أن العقلاء في عصرنا الحاضر يكتفون بالظن‏

133

الحاصل من الظهور في ما يتعلق بأغراضهم الشخصية التكوينيّة، و أغراضهم التشريعية، و أمهم لا يهتمون باحتمال الخلاف.

إن قلت: هذا صحيح، و لكنه لا يكفي للاستدلال بالسيرة العقلائية على حجّية الظهور عند الشارع ما لم تكن معاصرة للمعصوم (ع)، كما تقدّم ذلك في بحث السيرة العقلائية.

كان الجواب: إنّنا لا ندّعي أنّ هذه السيرة في عصرنا الحاضر كافية للاستدلال على حجّية الظهور، بل ندعي أن هذه السيرة كانت على عهد المعصوم أيضاً؛ للعلم بعدم كون هذه السيرة قد حدثت بعد عصر المعصومين (ع)؛ لأنّ هذه السيرة لو كانت حادثة و لم تكن امتداداً للسيرة في عهد المعصومين (ع)، فهذا يعني افتراض وجود بديل لها، و الحال أننا نعلم بعدم وجود بديل لهذه السيرة في أي مجتمع من المجتمعات، لا القديمة منها و لا المعاصرة.

و أمّا بالنسبة للأمر الثاني؛ فلأنه لو صدر من الشارع ما يكون صالحاً للردع عن تلك السيرة، لوصل إلينا، (1) و بما أنّه لم يصل إلينا شي‏ء من ذلك، فهذا يعني عدم الردع عنها، و هو بدوره يكشف عن إمضاء الشارع‏ (2) لتلك السيرة، فتكون دليلًا على حجّية الظهور.

الوجه الثالث: الاستدلال بالروايات الآمرة بالتمسك بالكتاب و السنة

قوله (قدس) ص 265: «الوجه الثالث: التمسك بما دلّ على ... إلخ».

و مما يمكن الاستدلال به على حجّية الظهور، هو: التمسك ببعض الروايات‏

____________

(1) إثبات الملازمة بين ردع المعصوم عن السيرة و وصول الردع إلينا حتى يكون عدم وصول الردع كاشفاً عن عدم الردع؛ يكون بالطريق الآتي:

إن السيرة العقلائية بما أنها ناشئة من ارتكاز عقلائي، و قضيّة طبعية عقلائية، و حالة مستحكمة و راسخة عند العقلاء؛ فلا بدّ إذن- لو لم تكن تلك السيرة مرضيّة عند الشارع- من الردع عنها بالشكل الذي يتناسب مع حجم تلك السيرة و درجة استحكامها، بحيث يكون الردع قادراً على إزالة و قلع تلك السيرة من جذورها، و لا يكفي الردع عن تلك السيرة بمجرد اطلاق دليل أو عمومه بل لا بدّ أن يتكرر الردع بما يناسب حجم السيرة و انتشارها؛ بسبب كثرة الدواعي إلى السؤال عنها الأمر الذي يقتضي تكرر الجواب عن تلك الأسئلة، و هذا يقتضي أن يصل إلينا شي‏ء من ذلك، فإذا لم يصل إلينا شي‏ء، و الحال هذه استكشفنا عدم الردع‏

(2) قد تقدّم في بحث السيرة العقلائية طرق استكشاف الإمضاء من السكوت و عدم الردع فراجع.

134

و الأحاديث الدالّة على الأمر بالتمسك بالكتاب و السنّة، و العمل على وفقهما، كحديث الثقلين المتواتر عن النبي (ص): «إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب الله، و عترتي أهل بيتي، ما إن تمسكتم بهما لن تضلّوا بعدي».

توقف الاستدلال بحديث الثقلين على حجية الظهور على أمرين:

قوله (قدس) ص 265: «فالوجه الثالث مثلًا بحاجة إلى تمامية ... إلخ».

و الاستدلال بهذه الروايات و الأحاديث على حجية الظهور، يتوقف على إثبات دلالة تلك الأحاديث و الروايات على لزوم التمسك بالكتاب و السنّة أوّلًا، و على إثبات أن العمل بالظهور من التمسك بالكتاب و السنة ثانياً، و من المعلوم تحقق كلا هذين الأمرين بالنسبة إلى هذه الروايات و الأحاديث.

أمّا الوجه في دلالة تلك الأحاديث على لزوم التمسك بالكتاب و السنّة، فهو: أن النبي (ص) قد جعل التمسك بهما طريقاً لنفي الضلال من بعده، و من الواضح أن نفي الضلال، و الابتعاد عنه واجب؛ لأنّه عبارة أُخرى عن الهداية، و هي واجبة قطعاً، فيكون التمسك بالكتاب و السنّة واجباً.

و أمّا الوجه في أن العمل و الأخذ بظواهر الآيات و الروايات من العمل بالكتاب و السنّة، فهو: إن ما هو موجود في الكتاب و السنّة من الآيات و الروايات الدالّة على الأحكام الشرعية، يشتمل على النص، و الظاهر، بل أنّ أغلبها من الظواهر، فمقتضى إطلاق الأمر بالتمسك بهما، هو لزوم العمل بالظواهر أيضاً.

و إذا ثبت وجوب العمل بظواهر الآيات و الروايات تثبت حجّية الظهور، إذ لا معنى لوجوب العمل بالظهور إلّا حجّيته، و بهذا يتم المطلوب.

و إن شئت شكلت قياساً منطقياً فتقول:

إن التمسّك بالكتاب و السنّة واجب. «كبرى»

إن العمل بظواهر الكتاب و السنّة تمسّك بهما. «صغرى»

فينتج: إن العمل بظواهر الكتاب و السنّة واجب، و هذا يعني حجّية الظهور.

الفرق بين الوجوه الثلاثة المتقدمة التي يستدل بها على حجية الظهور:

ثم إنّه يوجد بين الوجوه الثلاثة المتقدمة فوارق:

135

الفرق بين الوجه الأوّل و الثاني:

يفترق الوجه الأوّل عن الثاني بأمرين:

الأوّل: إن الوجه الأوّل و هو الاستدلال بسيرة المتشرعة لا يتوقف الاستدلال به على حجّية الظهور، إلّا على إثبات كون سيرة المتشرعة منعقدة فعلًا على العمل بالظهور؛ لأنّها تكشف عن الدليل الشرعي كشفاً إنيّاً، أي: كشف المعلول عن علّته، فهي ليست بحاجة إلى تكلّف اثبات الإمضاء؛ لأن الإمضاء إنما يتجه في ما لو أمكن افتراض اجتماع السيرة مع وجود الردع حتى يكون عدمه كاشفاً عن الإمضاء، و من المعلوم أنه لا مجال لاحتمال الردع مع افتراض قيام السيرة المتشرعية على العمل بالظهور (1)، خلافاً للوجه الثاني، فإنه لا يكفي لتمامية الاستدلال به مجرّد إثبات كون السيرة العقلائية المعاصرة للمعصوم (ع) كانت منعقدة فعلًا على العمل بالظهور، بل لا بدّ- أيضاً- من إثبات عدم الردع عنها؛ لأنّ دليليتها لا بذاتها، بل عن طريق إمضائها من قبل الشارع، و الذي يتم استكشافه عن طريق السكوت و عدم الردع، فلا بدّ- إذن- من إثبات عدم الردع حتى يتم استكشاف الإمضاء.

الثاني: إنّ الاستدلال بالسيرة العقلائية على حجّية الظهور، يجب أن لا يدخل في تتميمه التمسك بظهور حال المعصوم بأنّه بصدد المراقبة و التوجيه لأجل إثبات الإمضاء؛ لأنّ الكلام في حجّية الظهور، و لا يعقل الاستدلال على حجّية الظهور بنفس الظهور؛ لأنه من‏

باب توقف الشي‏ء على نفسه، و هو الدور المستحيل، فلا بدّ من استكشاف الإمضاء عن‏

____________

(1) اثبات الملازمة بين عمل المتشرعة بالظهور و عدم الردع عنه يكون بالطريق التالي:

إن افتراض قيام سيرة المتشرعة و انعقادها فعلًا على العمل بالظهور لا يخلو من أحد احتمالات ثلاثة:

الأول: افتراض وجود الردع لكن المتشرعة لم يبالوا به عصياناً.

الثاني: افتراض وجود الردع لكن المتشرعة غفلوا عنه.

الثالث: افتراض عدم وجود الردع أصلًا.

و لا شك في بطلان الاحتمالين الأول و الثاني، أما بطلان الأول؛ فلأنه خلف الفرض؛ لأن افتراض كونهم متشرعة يعني أنهم لا يعملون إلا بما هو موافق للشريعة، و إلا لما كانوا متشرعة، و أما بطلان الثاني؛ فلأن احتمال غفلتهم جميعاً عن الردع منفي بحساب الاحتمالات.

وعليه يتعين الاحتمال الثالث و هو افتراض عدم وجود الردع أصلًا فيكون عملهم كاشفاً كشفاً إنياً عن الدليل الشرعي.

136

طريق الأساس العقلي، و هو أحد الأساسين المتقدّمين في الحلقة الثانية لاستكشاف الإمضاء من السكوت و عدم الردع.

الفرق بين الوجهين الأولين و الوجه الثالث:

أمّا الفرق بين الوجهين الأولين- الاستدلال بالسيرة المتشرعية و العقلائية- و الوجه الثالث- الاستدلال بالروايات و الأحاديث- فهو: أن الاستدلال بالوجه الثالث على حجّية الظهور، بحاجة إلى افتراض وجود دليل آخر على حجّية ظهور تلك الروايات و الأحاديث الآمرة بالتمسك بالكتاب و السنّة؛ لأنّ دلالتها على حجّية الظهور، إنّما هي بسبب ظهورها في إطلاق الأمر بالتمسك، و شموله للعمل بالظواهر، فما لم يكن هذا الظهور الاطلاقي حجّة، لا يمكن التمسك به لاثبات حجّية الظهور؛ لأنّه سوف يكون من التمسك بالظهور لاثبات حجّية نفس الظهور، و هذا باطل قطعاً، و أمّا الاستدلال بالوجهين الأوّلين، فيتم من دون حاجة إلى افتراض دليل على حجّية الظهور في رتبة سابقة؛ لأنّ دلالتهما على حجّية الظهور قطعيّة كما هو واضح.

تحقيق الحال في الأدلّة الثلاثة على حجية الظهور:

لتحقيق حال الأدلّة الثلاثة السابقة على حجية الظهور، و بيان مدى تمامية الاستدلال بها و عدمه، سوف نبدأ بالدليل الثالث منها، ثم الأوّل، ثم الثاني.

تحقيق الحال في الدليل الثالث:

الوقوف على حقيقة الحال في الدليل الثالث يقتضي الكلام أولًا في الإشكال الذي يرد على الاستدلال بهذا الدليل، و ثانياً في كيفية التخلص من هذا الإشكال و ردّه.

أولًا: الإشكال على التمسك بالدليل الثالث‏

قد يستشكل في تمامية الاستدلال بالروايات و الأحاديث الآمرة بالتمسك بالكتاب و السنّة على حجّية الظهور باستلزام ذلك للدور، (1) توضيح ذلك:

إن الاستدلال بهذه الاحاديث و الروايات يتوقف على ظهورها الاطلاقي في شمولها

____________

(1) هذا الاشكال عبّر عنه بقوله ص 266: «فالوجه الثالث مثلًا بحاجة إلى تمامية دليل على حجّية الظهور».

137

للعمل بالظاهر، و إلّا، فلو قلنا أنها مختصّة بالأمر بالتمسك بالعمل بالنصّ فقط دون الظاهر، فلن يتم الاستدلال حينئذ كما هو واضح؛ لأنه سوف يكون من التمسك بالظهور لاثبات حجّية الظهور، فلا بدّ في رتبة سابقة من إثبات حجّية ظهور تلك الأحاديث و الروايات في الاطلاق حتى يمكن إثبات حجّية الظهور، فتوقفت حجّية الظهور على حجّية الظهور، و هذا هو الدور الذي أشرنا له سابقاً.

و بعبارة مختصرة: إن الاستدلال بالروايات و الأحاديث على حجية الظهور، يتوقف على حجّية ظهورها، و حجّية ظهورها يتوقف على حجّية الظهور في رتبة سابقة، و هذا يعني: إن حجّية الظهور تتوقف على نفسها.

ثانياً: ردّ الإشكال السابق‏

و يمكن التخلّص من الاشكال السابق الذكر بأن يقال:

إن تماميّة الاستدلال بهذه الأحاديث على حجّية الظهور ليس من الضروري أن يتوقف على إثبات حجّية الظهور بنحو كلّي في رتبة سابقة حتى يقال بلزومه للدور، أو خروجه عن كونه دليلًا باعتبار افتراض وجود الدليل على حجية الظهور في رتبة سابقة على هذا الدليل، بل يكفي أن تثبت بالدليل القطعي حجّية ظهور خصوص هذه الأحاديث الآمرة بالتمسك بالكتاب و السنّة (1)، و إذا ثبت بالدليل حجّية ظهور هذه الأحاديث، نستطيع أن نتمسك بظهورها في لزوم العمل بالظهور لاثبات حجّية كل ظهور، و لا يلزم من ذلك أي دور كما هو واضح. نعم، يبقى الكلام في هذا الدليل المثبت لحجّية ظهور خصوص هذه الأحاديث‏ (2).

____________

(1) هذا الجواب للتخلص من الاشكال المتقدّم، عبّر عنه بقوله: «... و لو في الجملة، دونهما»

(2) بل يمكن أن يقال بأن دلالة تلك الروايات و الأحاديث على لزوم العمل بظواهر الكتاب و السنّة متيقنة، فلا تكون من الاستدلال بالظهور على حجّية نفس الظهور؛ و ذلك لأنّ الآيات القرآنية و الروايات الصادرة عنهم إن لم تكن كلها من الظواهر، فأغلبها كذلك، و حينئذٍ، لا يخلو الحال من لزوم التمسك بالكتاب و السنّة من احتمالين:

الأوّل: العمل بالظاهر و النص.

و الثاني: العمل بالنصّ خاصّة دون الظاهر.

و لا شك في تعين الاحتمال الأول و بطلان الثاني؛ و ذلك لأنّ لزوم العمل بالنص مفروغ عنه؛ لأنه مما حكم به العقل قبل الشرع؛ فإنّ النص يؤدي إلى القطع، و هو حجة عقلًا، هذا علاوة على أنه لو أريد من التمسك بالكتاب و السنة التمسك بالنص دون الظاهر، لزم تخصيص الأكثر، و هو مستهجن عرفاً.

لا يقال: إنّ هذا من التمسك بالإطلاق و هو ظهور، فيكون من الاستدلال بالظهور على حجّية نفس الظهور.

فإنه يقال: إنّ الاطلاق و الشمول إنّما يكون من الظهور فيما لو استفيد من مقدمات الحكمة، و عدم ذكر القيد في الكلام، و في المقام، نحن ندعي القطع بإرادته من الكلام، بسبب وجود القرينة على ذلك، و التي هي عبارة عن: أنّ افتراض نظر حديث لزوم التمسك إلى خصوص النص، دون الظاهر، يلزم منه اللغوية؛ و ذلك لندرة النص، و النادر كالمعدوم.

و لكن على الرغم من صلاحية ما ذكرناه لتوجيه الاستدلال بمثل هذه الأحاديث على حجية الظهور من دون الحاجة إلى افتراض وجود دليل يثبت حجية ظهور هذه الأحاديث بالخصوص، فإنّ الاستدلال بمثل هذه الأحاديث يبقى محل نظر و تأمّل؛ و ذلك لعدم الملازمة بين لزوم التمسك بالكتاب و السنة و بين الالتزام بحجية الظهور؛ فإنّ التمسك بالكتاب و السنة يعني العمل بما علم أنه مدلول للكتاب و السنة، لوضوح أنّ العمل بما لم يعلم أنّه من الكتاب و السنة كما هو الحال في الظهور لا يعد تمسكاً بالكتاب و السنة، و كون ما في الكتاب أغلبه من الظواهر لا يمنع من حصول العلم بمدلوله و لو ببيان الإمام المعصوم قولًا صريحاً أو فعلًا لا لبس فيه أو تقريراً واضحاً، خصوصاً و أن الحديث قد أمر بالتمسك بالعترة لا بالسنة مباشرة، فتأمّل.

138

تحقيق الحال في الدليل الأوّل:

قوله (قدس) ص 266: «و قد يلاحظ على الوجه الأوّل ... إلخ».

الإشكال على الاستدلال بسيرة المتشرعة على حجية الظهور:

قوله (قدس) ص 266: «إنّ سيرة المتشرعة و إن كان من المعلوم ... إلخ».

يمكن أن يعترض على الاستدلال بسيرة المتشرعة على حجّية الظهور، بأن هذه السيرة و إن كنّا نجزم بانعقادها على العمل بالظهور في أيام النبي (ص) و الأئمة (ع)، و لكن، باعتبارها دليلًا لبيّاً لا إطلاق فيه، لا يمكن التمسّك بها لاثبات حجّية الظواهر مطلقاً و بنحو كلّي؛ و ذلك لأنّ الدليل اللبّي يؤخذ فيه بالقدر المتيقن لا أكثر، فهي تثبت حجّية الظهور بنحو القضية المهملة، و هي في قوّة الجزئية، فلا بدّ من أن يقتصر على القدر المتيقن من مدلولها.

و الشواهد التاريخية التي دلّت على عمل الأصحاب بالظهور، إنّما أثبتت ذلك على سبيل‏

الاجمال، من دون التعرّض إلى أنّهم كانوا يعملون بالظهور في جميع الموارد، أو بعضها، و الحال إن من الظهورات ما يكون بدرجة من الوضوح و القوّة عرفاً، و منها ما لا يكون بتلك‏

139

الدرجة، بل يكون أخفى من غيره، كما لو احتملنا اتصال ذلك الظهور بقرينة متصلة موجبة لحصول الظن خلاف ذلك الظهور، و إذا كان الأمر كذلك، فلا يمكن الاستدلال بسيرة المتشرعة على حجّية الظهور إلّا في موارد الظهورات التي أحرزنا يقيناً عمل المتشرعة بها من الظهورات، و ليست هي إلّا الظواهر اللفظية التي تكون بدرجة من الوضوح و القوة عرفاً بحيث يحصل بسببها الظن بموافقة ذلك الظهور لمراد المتكلّم، و أمّا الظواهر اللفظية الأخرى التي يوجد ظنّ على خلافها- كما لو احتملنا وجود قرينة متصلة على خلاف الظهور- فلا يمكن إثبات حجيتها بالسيرة المتشرعية؛ و ذلك لعدم الاطلاق في السيرة لمثل هذه الموارد، و كذلك لا يمكن الرجوع إلى السيرة لاثبات حجّية الظواهر الحاليّة غير المتمثلة بالكلام؛ و ذلك لعدم القطع بانعقاد سيرة المتشرعة على العمل بها؛ إما لندرتها، أو لعدم شيوع الاستدلال بها في مقام الاستنباط، و بهذا يكون الدليل أخصّ من المدّعى‏ (1).

تحقيق الحال في الدليل الثاني:

قوله (قدس) ص 267: «و قد يلاحظ على الوجه الثاني ... إلخ».

اعتراضان على الاستدلال بالسيرة العقلائية على حجية الظهور:

و يعترض على الاستدلال بالسيرة العقلائية على حجّية الظهور باعتراضين:

الاعتراض الأوّل: قصور السيرة عن الشمول لجميع الموارد

قوله (قدس) ص 267: «أحدهما: إنه قاصر عن الشمول لموارد ... إلخ».

أمّا الاعتراض الأول، فهو: إن السيرة العقلائية و إن كانت قائمة بالفعل على العمل بالظهور، و لكنّها قاصرة عن الشمول لجميع الموارد، كما لو وجدت أمارة معتبرة عقلائية و إن لم تكن معتبرة شرعاً على خلاف الظهور كالقياس- مثلًا-، ففي هذه الحالة، لا يمكن لنا إثبات أن سيرتهم كانت قائمة على العمل بالظهور حتى في هذه الحالة، و معه، لا يمكن إثبات حجّية الظهور الذي يبتلي بوجود أمارة عقلائية على خلافه، فقد يقال في‏

هذه الحالة بأن العقلاء يعتمدون على تلك الامارة، و يرفعون اليد عن الظهور لأجلها، و في مثل هذه الحالة، لا يمكن إثبات انعقاد سيرة عقلائيّة على العمل بالظهور المخالف‏

____________

(1) و قد تصدّى السيّد الشهيد للجواب عن هذا الاشكال.، راجع: بحوث في علم الأصول ج 4، ص 255.

140

لتلك الأمارة، فيكون الاستدلال بالسيرة العقلائية على حجّية الظهور أخصّ من المدّعى.

جوابان على الاعتراض الأول:

قوله (قدس) ص 268: «اللهم إلا إذا استفيد من دليل اسقاطها ... إلخ».

و يمكن أن يجاب على ما ذكر من الاعتراض الأول بجوابين:

الأوّل‏: أن يدّعى أنّ المستفاد من دليل إسقاط تلك الامارة العقلائية عن الحجّية هو تنزيلها منزلة العدم بلحاظ جميع آثارها (1)، بمعنى أن الشارع اعتبر وجودها كعدمه بلحاظ جميع الآثار التي يمكن ان تترتب عليها في حال وجودها، و من تلك الآثار التي تترتب عليها في حال وجودها، اعتماد العقلاء عليها في مقام رفع اليد عن الظهور المبتلى بتلك الامارة، فبتنزيلها من قبل الشارع منزلة العدم بلحاظ تلك الآثار، يثبت حجّية الظهور حتى في هذه الحالة- أيضاً-؛ إذ لا شكّ في أن العقلاء في حالة عدم وجود تلك الأمارة يعملون بالظهور، ففي حالة تنزيل تلك الأمارة منزلة العدم بلحاظ جميع آثارها، فهذا يعني: أنّه على المكلّف أن يعمل بالظهور حتى في حالة وجود تلك الأمارة على خلاف الظهور، و هذا يعني: حجّية الظهور مطلقاً (2).

الثاني‏: إنّه لا معنى لهذا الاشكال اساساً حتى يتصدّى لدفعه بما ذكر أو بغيره؛ لأنّه مبني على إن الإمضاء الذي يكون مناطاً لدليلية السيرة العقلائية، ينصّب على نفس العمل العقلائي بما هو عمل، و الذي يقتضي أن يتحدّد الإمضاء بحدود العمل الصامت للعقلاء، و لكن الصحيح أن الإمضاء إنّما يتّجه إلى النكتة المرتكزة في أذهان العقلاء، و التي تم‏

على أساسها ذلك العمل، بحيث يكون العمل العقلائي معلولًا لتلك النكتة، و من الواضح أن النكتة في المقام هي عبارة عن كون الظهور يقتضي الحجّية مطلقاً عند العقلاء، فإذا

____________

(1) هذا الجواب بدأه بقوله ص 268:) اللهم إلا إذا استفيد من دليل اسقاطها ... إلخ»

(2) هذا ما ذكره المحقق الأصفهاني، كما جاء عنه في نهاية الدراية: ج 3، ص 171 حيث قال:) و المتيقن من عدم اعتناء العقلاء بالظن بالخلاف، إنما هو فيما إذا لم يكن هناك أمارة معتبرة عندهم، ففي مثل هذه الصورة يشكل الأمر، إلا أن يجعل المنع عن اتباع مثل ذلك الظن شرعاً، منعاً عن ترتيب كل أثر عليه، حتى رفع اليد به عن الظهور». و قد أجاب عنه بقوله:) فمثل هذا الظاهر حجة شرعاً، لا ببناء العقلاء، و إطلاق دليل المنع لمثل هذا الأثر مشكل، فتدبر».

141

أمضى الشارع هذه النكتة، فهذا يعني أن الظهور يقتضي الحجّية عند الشارع، و هذا المقتضي يؤثر أثره ما لم يوجد مانع يمنعه من تأثير أثره، و من الواضح أنّ المانع عن الحجّية المجعولة من قبل الشارع، لا بدّ و أن يكون مانعاً بنظر الشارع، و لا يكفي كونه مانعاً بنظر العقلاء، و المفروض عدم حجّية تلك الأمارة شرعاً، و هذا يعني: إنّها ليست مانعاً بنظر الشارع، فيتعيّن العمل بالظهور (1).

و بعبارة أُخرى: إن موضوع الإمضاء إذا كان نفس العمل العقلائي بما هو عمل، فمن الطبيعي أن ينظر إلى حدود ذلك العمل عند العقلاء، و هو في المقام ليس إلّا العمل بالظهور في الموارد التي لا يبتلي ذلك الظهور فيها بأمارة عقلائية على الخلاف، و أمّا في موارد الظهور المبتلى بأمارة عقلائيّة على الخلاف، كالقياس- مثلًا- فلم يثبت عمل العقلاء بذلك الظهور، و معه، يكون الدليل قاصراً عن الشمول لتلك الموارد، و يأتي حينئذ دور الجواب الأوّل المتقدّم.

أمّا لو قيل: إنّ موضوع الإمضاء ليس العمل العقلائي، بل النكتة المرتكزة عند العقلاء- كما هو الصحيح- فلا وجه لهذا الاشكال؛ لأنّ المقتضي للحجّية- و هو: كاشفية الظهور عن المراد- موجود بحسب الفرض؛ لأنّه ممضى من قبل الشارع، و المانع مفقود؛ لعدم حجّية تلك الأمارة- القياس- شرعاً، فيكون الظهور حجّة. و لا يمنع من ذلك كون تلك الامارة معتبرة عند العقلاء فتكون مانعاً عن العمل بالظهور عندهم؛ لأنّه ليس كل ما يرونه‏

مانعاً يلزم أن يكون مانعاً عند الشارع أيضاً (2).

____________

(1) اعلم أن المانع قد يكون مانعاً تكوينياً، كما في العلل التكوينيّة مع موانعها، كمانعيّة الرطوبة عن احتراق الورقة بالنار، و في هذه الحالة، لا يمكن الاختلاف في مانعية الشي‏ء؛ لأنّه إذا كان مانعاً تكوينياً، يكون مانعاً مطلقاً. و قد يكون مانعاً جعلياً اعتبارياً، كما في العلل الاعتبارية الجعلية مع موانعها، و في هذه الحالة، يمكن أن يكون الشي‏ء مانعاً بنظر العقلاء و لا يكون مانعاً بنظر الشارع، و في الحالة التي هي مورد البحث، فإن العقلاء يعتبرون الظهور مقتضياً للحجّية بنظرهم، و يعتبرون القياس الذي على خلاف الظهور مانعاً عن العمل بالظهور، و لكن الشارع يعتبر الظهور مقتضياً للحجّية و لا يعتبر القياس مانعاً عنها، فيتعيّن العمل بالظهور

(2) و هذه إحدى الثمرات المهمّة التي تترتب على الخلاف في أن الممضى من قبل الشارع هو نفس العمل العقلائي بما هو عمل، أو إنّه النكتة الارتكازية التي دعت العقلاء إلى هذا العمل؟

142

الاعتراض الثاني: عدم قابلية السيرة لاثبات حجية مطلق الظهور

قوله (قدس) ص 268: «و الأمر الآخر الذي يلاحظ على ... إلخ».

و أمّا الاعتراض الثاني، فهو: إنّ السيرة العقلائية، و إن كانت منعقدة على العمل بالظهور و اعتباره كاشفاً عن مراد المتكلّم، و التعويل على ذلك الظهور للكشف عن مراده، و لكن الموضوع الذي انعقدت سيرتهم عليه، عبارة عن: كلام المتكلّم الاعتيادي، و من الواضح أنّ المتكلّم الاعتيادي إذا أراد خلاف ما هو ظاهر كلامه، نصب قرينة متصلة تدلّ على ذلك، فإذا لم ينصب قرينة متصلة على خلاف ذلك الظهور، عرفنا أنّ الظاهر هو المراد له، أمّا في حالة الظهور الذي نحتمل معه وجود قرينة منفصلة على خلافه، كما هو الحال في كلام الشارع الذي يعتبر عنده الاعتماد على القرائن المنفصلة أمراً طبيعياً و متعارفاً؛ فلا يوجد لنا طريق لمعرفة موقف العقلاء منه؛ لعدم وجود هذه الحالة في العرف، و هذا يعني: عدم وجود سيرة عقلائية للعمل بالظهور في حالة احتمال القرينة المنفصلة على الخلاف حتى نستكشف من عدم ردع الشارع عنها امضاءها، فما هو الممضى- إذن- هو: العمل بالظهور الذي نعلم بعدم وجود قرينة على خلافه، سواء كانت متصلة أم منفصلة، و ما نريد أن نثبته بذلك الإمضاء، هو: حجّية الظهور حتى في حالة احتمال وجود قرينة منفصلة على خلافه.

و بهذا الذي ذكرناه، سوف يكون الدليل أخص من المدّعى؛ لأنّ المدّعى حجّية الظهور مطلقاً؛ احتملنا القرينة المتصلة أو المنفصلة على خلافه أم لم نحتمل ذلك، و ما يمكن إثباته بالسيرة العقلائية على أكثر تقدير، هو: حجّية الظهور في حالة العلم بعدم وجود قرينة مطلقاً على الخلاف.

و باختصار: إن الذي أمضاه الشارع، هو: العمل بالظهور و اعتباره كاشفاً عن المراد في‏

حالتي العلم بعدم وجود القرينة المتصلة على الخلاف، و احتمال تلك القرينة، و أمّا الظهور الذي نحتمل وجود قرينة منفصلة على خلافه- كما هو الحال في كلام الشارع عادةً- فلم ينعقد عمل العقلاء عليه، و معه، لا طريق لنا لاثبات حجّيته في مثل هذه الحالة.

143

جواب الاعتراض الثاني:

قوله (قدس) ص 269: «و هذا الاعتراض إنما قد يتجه إذا كان دليل ... إلخ».

و جواب الاعتراض المتقدم، هو: إنّه كسابقه مبني على أنّ الإمضاء يتّجه إلى نفس العمل العقلائي، بحيث يكون الموضوع في دليل الإمضاء- أي: الممضى من قبل الشارع- متطابقاً تماماً مع ما هو موضوع السيرة العقلائية، فحيث إنّ موضوع السيرة العقلائية هو: المتكلّم الاعتيادي الذي يندر اعتماده على القرائن المنفصلة، فلا بدّ أن يكون الممضى من قبل الشارع ذلك أيضاً، و حيث إنّ الصحيح هو أن الإمضاء- كما ذكرنا سابقاً- يتّجه إلى النكتة المرتكزة في أذهان العقلاء، و التي دعتهم إلى ذلك العمل لا نفس العمل العقلائي الخارجي؛ فسوف يكون موضوع الإمضاء أوسع من موضوع السيرة العقلائية، و ليس من الضروري أن يكون موضوع الإمضاء مساوياً دائماً لموضوع السيرة؛ إذ قد يوجد الارتكاز العقلائي و لكنه لم يتجسّد بسلوك خارجي لأجل عدم موضوعه، بحيث لو كان الموضوع موجوداً، لتجسّد ذلك الارتكاز بعمل خارجي.

إنْ قلت‏: سلّمنا بأن الممضى هو نفس الارتكاز العقلائي، و لكن، من أين لنا أن نثبت أن الارتكاز العقلائي يقتضي سلوكاً أوسع مما انعقد العمل به فعلًا؟

و بعبارة أُخرى: ما هو الدليل على أن موضوع الإمضاء أوسع من موضوع السيرة و ليس مساوياً له؟

كان الجواب‏: إن المرتكز في أذهان العقلاء، و الذي دعاهم إلى العمل بالظهور، ليس إلّا كاشفية الظهور عن مراد المتكلّم، من دون فرق في ذلك بين احتمال القرينة المتصّلة أو المنفصلة، و كون المتكلم الاعتيادي لا يعتمد عادة على القرائن المنفصلة لبيان خلاف ما هو الظاهر من كلامه، لا يمنع من اقتضاء ذلك الارتكاز للعمل بالظهور حتى بلحاظ

المتكلّم الذي يعتمد في كلامه عادة على القرائن المنفصلة، و هذا يعني: أن ذلك الارتكاز سوف يقتضي الجري على طبقه حتى في كلمات الشارع أيضاً، إمّا للعادة التي اعتاد عليها العقلاء من جعل الظهور كاشفاً عن مراد المتكلّم، و إمّا لعدم اطلاعهم على أن الشارع له طريقته الخاصّة به بحيث يعتمد حتى على القرائن المنفصلة في بيان إرادته‏

144

لخلاف ما هو ظاهر كلامه، و أنّه خارج عن الحالة الاعتيادية عند العرف، و في مثل هذه الحالة، إذا لم يكن الشارع موافقاً على ذلك الارتكاز العقلائي في الأخذ بظواهر كلامه لاكتشاف مراده، فيجب عليه حينئذ أن يردع عن ذلك؛ لأنّ ذلك الارتكاز سوف يشكل خطراً على الأغراض الشرعية، فإذا لم يردع عن ذلك، كشف عدم الردع عن إمضاء الشارع، و اقراره لحجّية الظهور حتى في الكلام الصادر منه. و بهذا، يكون الاستدلال بالسيرة العقلائية على حجّية الظهور تاماً.

تشخيص موضوع الحجّية:

قوله (قدس) ص 269: «ظهور الكلام في المعنى الحقيقي قسمان ... إلخ».

بعد أن ثبت بالدليل أن الظهور حجّة، سوف يقع الكلام في تشخيص و تحديد موضوع الحجّية، و لعلّك في بداية الأمر تستغرب من ذلك، و تقول: إن موضوع الحجّية واضح، و هو: الظهور، فلا معنى لهذا البحث حينئذ.

و لكن الصحيح أن الأمر ليس بتلك البساطة و الوضوح؛ إذ الظهور، تارة يُراد به الظهور التصوّري، و أُخرى يراد به الظهور التصديقي، و الثاني: تارة يُراد به الظهور الكاشف عن المراد الاستعمالي، و أُخرى يُراد به الظهور الكاشف عن المراد الجدّي، و كل منهما: تارة نحتمل وجود قرينة متصلة أو منفصلة على خلافه، و أُخرى لا نحتمل ذلك، و نحن عند ما نبحث في تشخيص موضوع الحجّية، نريد أن نحدّد الظهور الذي يكون موضوعاً للحجّية هل هو الظهور التصوّري أو الظهور التصديقي؟ ( (1) 1)

تمهيد بسيط قبل الخوض في البحث:

و قبل البحث عن هذا الذي ذكرناه، لا بدّ من مقدّمة نستعرض من خلالها بيان المراد من الظهور التصوّري، و الظهور التصديقي، و الفرق بينهما، و مدى تأثير كل من القرينة المتصلة و المنفصلة على هذين النحوين من الظهور، فهنا مقامان.

____________

(1) (1) ثم إنه لا ينتهي الأمر إلى هذا الحد؛ لأنّ من الظهور ما هو ذاتي و ما هو موضوعي، و منه: ما هو في عصر صدور النص من الشارع و ما هو في عصر السماع المتأخر عن عصر النص، فكل ذلك لا بد من البحث عنه لمعرفة و تشخيص موضوع الحجية.

145

المقام الأول: ظهور الكلام في المعنى الحقيقي له قسمان‏

و لظهور الكلام في المعنى الحقيقي قسمان، هما:

أولًا: الظهور التصوّري: و هو عبارة عن خطور المعنى في ذهن السامع عند سماعه للفظ، و المعبّر عنه بالدلالة التصوّرية، فعند ما نسمع لفظ «ماء» مثلًا، فإن ذهننا سوف ينتقل إلى ذلك السائل المعيّن، و تنتقش صورة ذلك المعنى في ذهننا بمجرّد سماع ذلك اللفظ، من دون فرق بين أن يكون ذلك اللفظ قد صدر من متلفظ ذي شعور، أم صدر من احتكاك حجرين، أم غير ذلك، و المنشأ لهذا الظهور، هو الوضع، بشرط العلم به.

ثانياً: الظهور التصديقي: و هو عبارة عن قصد إخطار المعنى في ذهن السامع و إرادته جدّاً، بمعنى: إن المتكلّم كان قاصداً لاخطار ذلك المعنى الذي خطر في ذهننا، و أنّه مريد له جدّاً، كما لو قال: «جاء الأسد»؛ فإنّ ذلك المعنى الذي يخطر في ذهن السامع، و الذي هو عبارة عن تصوّر مجي‏ء الحيوان المفترس، كان المتكلّم قاصداً لاخطاره، و قاصداً لاستعمال ذلك اللفظ في معناه لأجل اخطاره في ذهن السامع، و إنّ هذا المتكلم كان مريداً جداً لذلك المعنى، بحيث أراد أن يخبرنا، و يحكي لنا عن مجي‏ء الأسد حقيقة.

و المنشأ لهذا الظهور، هو: الظهور الحالي للمتكلّم بأنّ ما يقوله يريده، و هذا يفترض أن يكون الكلام صادراً من شخص ملتفت جاد حتى يكون له هذه الدلالة التصديقية، كما هو واضح.

المقام الثاني: تأثير القرينة المتصلة و المنفصلة على الظهورين السابقين‏

و في هذا المقام سوف نستعرض تأثير كل من القرينة المتصلة و القرينة المنفصلة على الظهور التصوري تارة و الظهور التصديقي تارة أخرى، وعليه، فالبحث هنا يقع في نقطتين:

النقطة الأولى: دور القرينة و تأثيرها على الظهور التصوري‏

قوله (قدس) ص 269: «و الظهور التصوري كثيراً ما لا ينثلم ... إلخ».

ثمّ إن الظهور التصوّري لا يتزعزع عادة و غالباً (1) بوجود القرينة المتصلة على الخلاف‏

____________

(1) نعم، لو كثر استعمال اللفظ مع القرينة مرّات عديدة، بحيث يحصل أنس ذهني بذلك المعنى الجديد الذي دلّت عليه القرينة، فسوف يزول الظهور التصوّري لذلك اللفظ في معناه الحقيقي، و لكن الغالب هو بقاء الظهور التصوّري محفوظاً حتى مع قيام قرينة متّصلة على خلافه.

146

فضلًا عن المنفصلة، بل يبقى محفوظاً حتى مع وجود تلك القرينة، فلو قال المولى مثلًا: «اذهب إلى البحر، و خذ منه العلم»، فتارة نفترض أن قوله: «خذ منه العلم» جاء متصلًا بالكلام الأوّل- أي: «اذهب إلى البحر»- فتكون القرينة على الخلاف متصلة، و أُخرى نفترض أنّه جاء منفصلًا عنه- أي في كلام آخر- فتكون القرينة على الخلاف منفصلة.

و في كلتا الحالتين السابقتين، يكون قوله: «و خذ منه العلم» قرينة على أن المراد من البحر هو المعنى المجازي، و هو: العالم، و ليس المعنى الحقيقي للفظ البحر؛ لأنّ الذي يؤخذ منه العلم هو العالم، و لكن، مع ذلك، نجد أن الظهور التصوّري للفظ البحر في معناه الحقيقي يبقى محفوظاً لا يزول حتى في هذه الحالة، كما لو كان قد جاء قوله «اذهب إلى البحر» مجرّداً عن تلك القرينة، و هذا يعني أنه لا أثر لوجود القرينة المتصلة، أو المنفصلة على الظهور التصوّري فضلًا عن احتمالهما. و من هنا صحّ القول: بأنّ الظهور التصوّري محفوظ حتى مع القرينة المتصلة على الخلاف.

النقطة الثانية: دور القرينة و تأثيرها على الظهور التصديقي‏

قوله (قدس) ص 270: «و إنما يزول الظهور التصديقي في إرادة ... إلخ».

و أمّا بالنسبة للظهور التصديقي فينبغي التفصيل بين الحالتين المتقدّمتين، أي: بين القرينة المتصلة، و القرينة المنفصلة على الخلاف، ففي الحالة الأولى- أي: مع كون قوله: «و خذ منه العلم» متصلًا بالكلام- لا يبقى لقوله: «اذهب إلى البحر» ظهور تصديقي في إرادة المتكلّم للمعنى الحقيقي من البحر، بل يزول ذلك الظهور، و يتحوّل إلى ظهور تصديقي في إرادة المتكلّم للمعنى المجازي الذي دلّت عليه القرينة، و من هنا صحّ‏

القول بأنّ الظهور التصديقي للكلام في المعنى الحقيقي، منوط بعدم وجود قرينة متصلة على الخلاف، فإذا جاءت تلك القرينة، زال أصل الظهور، بمعنى: أنّه يمنع عن انعقاد الظهور التصديقي في المعنى الحقيقي، و يحول دون تحققه.

و أمّا في الحالة الثانية- أي: افتراض القرينة المنفصلة- فإن الظهور التصديقي للفظ في إرادة المتكلم للمعنى الحقيقي يبقى محفوظاً، غاية الأمر، سوف يحصل التعارض بين ظهور

147

ذي القرينة- أي: قوله: «اذهب إلى البحر» في إرادة المعنى الحقيقي من البحر- و بين ظهور القرينة- أي: قوله: «و خذ منه العلم» في إرادة المعنى المجازي من البحر- أي: الانسان العالم- و في هذه الحالة، يقدّم أقوى الظهورين، و هو في المقام ظهور القرينة، فيسقط ظهور ذي القرينة عن الحجّية.

و يتلخص مما تقدّم ما يلي:

1- إن الظهور التصوّري محفوظ و لا ينثلم حتى في حالة قيام قرينة متصلة على الخلاف فضلًا عن القرينة المنفصلة و فضلًا عن احتمالهما.

2- إن الظهور التصديقي منوط بعدم وجود قرينة متصلة على خلافه، و محفوظ في حالة وجود القرينة المنفصلة على الخلاف، و لكنه يسقط عن الحجّية في هذه الحالة، فالقرينة المتصلة تحول دون انعقاد الظهور التصديقي للكلام، و القرينة المنفصلة لا تحول دون ذلك، و انّما تسقطه عن الحجّية (1).

الكلام في تشخيص و تحديد موضوع الحجّية يقع في نقاط ثلاث:

قوله (قدس) ص 270: «و على ضوء التمييز بين الظهور ... إلخ».

بعد أن ميّزنا بين الظهور التصوّري و الظهور التصديقي، و تبيّن الفرق بينهما، و منشأ كل واحد منهما، و تبيّن أيضاً مدى التأثير الذي تلعبه كل من القرينة المتصلة و القرينة المنفصلة على هذين النحوين من الظهور، و بعد الفراغ عن حجّية الظهور عقلائياً، يقع البحث في‏

تشخيص و تحديد موضوع الحجّية، و كيفية تطبيقها على موضوعها، و البحث عن ذلك سوف يقع في نقاط ثلاث:

النقطة الأولى: بيان المحتملات المتصوّرة في موضوع الحجّية

قوله (قدس) ص 270: «و بهذا الصدد نواجه عدة محتملات ... إلخ».

إن المحتملات التي يمكن تصوّرها ابتداءً بالنسبة إلى تشخيص و تحديد موضوع الحجّية

____________

(1) و هذا ما اختاره السيد الخوئي أيضاً، حيث قال في كتاب النكاح، ج 2، ص 178:) و على هذا الأساس كان ما ذكرناه في محله من أن القرينة المنفصلة لا توجب خللًا في ظهور الكلام و رفعه، و إنما توجب رفع حجية الظهور خاصة».

148

ثلاثة (1):

المحتمل الأوّل: أن يكون موضوع الحجّية، هو: الظهور التصوّري بشرط عدم العلم بالقرينة على الخلاف، سواء كانت متصلة أم منفصلة. و هو ما ذهب إليه المحقق الاصفهاني (قدس) (2).

المحتمل الثاني: أن يكون موضوع الحجّية، هو: الظهور التصديقي، لكن لا مطلقاً، بل بشرط عدم صدور القرينة المنفصلة (3) على الخلاف، و هو ما ذهب إليه المحقق النائيني (قدس) (4).

____________

(1) قد يقال: إن هناك احتمالًا رابعاً، و هو أن يكون موضوع الحجّية، هو: الظهور التصوّري مع عدم القرينة واقعاً، سواء كانت متصلة، أم منفصلة، وعليه، تكون الاحتمالات أربعة لا ثلاثة.

و لكن الصحيح عدم ورود مثل هذا الاحتمال و إنْ كان الظهور التصوّري محفوظاً حتى مع قيام القرينة المتصلة على الخلاف؛ و الوجه في ذلك، هو: أن الظهور أمارة من الامارات يُراد بها الكشف عن الواقع، و معنى حجّية الظهور شرعاً، هو: أن الشارع تعبدنا بالعمل بالظهور باعتباره طريقاً إلى الواقع، و ينتهي هذا التعبّد حين العلم بالواقع، و أمّا مع عدم العلم بمخالفة ذلك الظهور للواقع، فيبقى على حجّيته، و هذا يعني: أنّه يكفي للتعبّد بالظهور عدم العلم بمخالفته للواقع، و هذا يحصل في حالة عدم العلم بالقرينة المتصلة و المنفصلة على الخلاف، و لا يشترط في التعبّد به العلم بعدم مخالفته للواقع حتى يقال: إن الظهور التصوّري مشروط بعدم صدور القرينة؛ لأنّه مع العلم بعدم مخالفته للواقع، لا يحتاج في مقام العمل على وفقه إلى التعبّد الشرعي؛ إذ سوف يحصل لنا القطع بموافقته للواقع، و يكون حجّة على أساس حجّية القطع‏

(2) قال في نهاية الدراية ج 3، ص 183:) بل موضوع بناء العرف و العقلاء، هو: الظهور الوضعي الذاتي»، و من المعلوم أن الظهور الوضعي ليس هو إلا الظهور التصوري؛ لأنّ الوضع لا يكون منشأً إلا للدلالة التصورية فقط.

و أما اشتراطه بعدم العلم بالقرينة على الخلاف، فهذا ما أشار له بقوله:) إلا أن الكلام الواصل يمكن أن يكون آلة لتفهيم نفس معناه، و وجود القرينة واقعاً لا يكون صالحاً لتفهيم غيره به، فهذا المقتضي الواصل يؤثر في نفوس العقلاء من حيث بنائهم على استكشاف المراد به، و وجود القرينة واقعاً لا يصلح للصارفية، و نفس الاحتمال ليس صارفاً؛ حيث إنه ليس مفهماً لغيره». و هذا يعني: أنه يكفي نفس عدم العلم بالقرينة للبناء على الظهور، كما هو واضح من كلامه.

(3) أمّا المتصلة، فحيث تقدّم أنّها تزعزع أصل الظهور و تحول دون انعقاده، فلا معنى لأخذ عدمها شرطاً، لأنّه بنفس جعله الظهور التصديقي موضوعاً للحجّية، قد افترض عدم القرينة المتصلة على الخلاف؛ إذ مع وجود القرينة المتصّلة لا ظهور تصديقي أصلًا كما هو واضح‏

(4) قال في فوائد الأصول المجلد الثاني (ج 3) ص 145:) قد تقدم أنه لا يجوز الأخذ بظاهر كلام من كان من عادته الاعتماد على القرائن المنفصلة قبل الفحص عنها». و هذا يعني أن موضوع الحجية مشروط بالعلم بعدم القرينة.

149

المحتمل الثالث: أن يكون موضوع الحجّية، هو: الظهور التصديقي بشرط عدم العلم بصدور القرينة المنفصلة على خلافه‏ (1)، و هو ما ذهب إليه السيد الشهيد (قدس).

ثم إننا لو لاحظنا كل واحد من هذه المحتملات، لوجدنا أن موضوع الحجّية فيها

مركب من جزءين، ففي الاحتمال الأوّل، الجزءان عبارة عن: الظهور التصوّري+ عدم العلم بالقرينة مطلقاً، و في الاحتمال الثاني هما عبارة عن: الظهور التصديقي+ عدم صدور القرينة المنفصلة واقعاً، و في الاحتمال الثالث هما عبارة عن: الظهور التصديقي+ عدم العلم بالقرينة المنفصلة.

و الفرق بين الاحتمال الأوّل و الاحتمالين الآخرين، هو: أن الموضوع في الأوّل عبارة عن: الظهور التصوّري، و في الآخرين عبارة عن: الظهور التصديقي، و الفرق بين الاحتمال الثاني‏

____________

(1) الذي يظهر من خلال التأمل في كلمات المحقق الأصفهاني، رجوع الاحتمال الأول إلى هذا الاحتمال، و لكنه عبّر بالظهور التصوري و لم يعبّر بالظهور التصديقي؛ باعتبار أن الظهور التصوري حيثية تعليلية للظهور التصديقي؛ إذ لولاه لما أمكن الانتقال إلى الظهور التصديقي، وفقاً لأصالة التطابق بين الدلالة التصورية للكلام و الدلالة التصديقية. و يدل على ما ذكرناه عدة أمور:

منها: إنه قال في نهاية الدراية، ج 3، ص 169:) إذ الظاهر إنما يكون حجة من حيث الكاشفية عن المراد»، و هذا يعني: أنه جعل موضوع الحجية الظهور الذي يكون كاشفاً عن المراد، و ليس هو إلا الظهور التصديقي، نعم، الظهور التصوري من حيث أنه كاشف عن الظهور التصديقي وفقاً لأصالة التطابق بين الظهورين، يمكن أن يكون كاشفاً عن المراد من هذه الحيثية.

و منها: إنه لو أراد الظهور التصوري من حيث هو، لا من حيث إنه كاشف عن الظهور التصديقي، فلا وجه لاشتراطه بعدم العلم بالقرينة على الخلاف؛ و ذلك لأنّ الظهور التصوري للكلام محفوظ، و لا يتزعزع حتى مع العلم بوجود القرينة على الخلاف، فضلًا عن احتمالها.

و منها: إنه قال في ص 183:) بل موضوع بناء العرف و العقلاء، هو: الظهور الوضعي الذاتي بضميمة هذه المقدمة، و هي أن مقتضى الجري على قانون الوضع، عدم التفهيم بنفس اللفظ إلا نفس معناه الموضوع له، بحيث لو أراد تفهيم غيره به، لكان بمعونة غيره». و هذا يعني: أنه ناظر إلى الظهور الوضعي من حيث أنه كاشف عن الظهور التصديقي، لا الظهور الوضعي من حيث هو ظهور وضعي، و إلا، فلا حاجة لمثل تلك الضميمة كما هو واضح، مضافاً إلى أنه اعتمد في تشخيص ذلك الظهور، على طريق التمسك بالظهور الحالي للمتكلم في أنه يجري على وفق قانون الوضع في تفهيم مراده، و هذا يعني: أنه ناظر إلى الظهور الذي يكون كاشفاً عن المراد الجدي للمتكلم، و ليس هو إلا الظهور التصديقي. فانتبه، و لا تغفل.

150

و الثالث، هو: أنّه على الاحتمال الثاني، يكون عدم القرينة المنفصلة واقعاً دخيلًا في موضوع الحجّية؛ لأنّ عدم الصدور واقعاً قد أخذ شرطاً في الموضوع، فلا بدّ لكي يتم إحراز الموضوع من العلم بعدم القرينة؛ إذ مع احتمالها و عدم العلم بعدمها لا يتم إحراز الموضوع، بينما على الاحتمال الثالث ليس دخيلًا، فيكفي عدم العلم بالقرينة لاحراز الموضوع.

النقطة الثانية: كيفية تطبيق الحجّية على موضوعها

قوله (قدس) ص 271: «و تختلف هذه الاحتمالات في كيفية ... إلخ».

و أمّا النقطة الثانية، فسنتكلم فيها عن أنّ تطبيق الحجّية على موضوعها- و هو الظهور- يختلف باختلاف الاحتمالات الثلاثة المتقدّمة في تشخيص موضوع الحجّية، فلو قال المولى مثلًا: «اذهب إلى البحر»، و أردنا أن نطبق الحجّية على موضوعها وفقاً لكل احتمال من الاحتمالات المتقدّمة، فتارة نعلم بعدم وجود قرينة على الخلاف متصلة كانت أو منفصلة، و أُخرى لا نعلم بذلك، بل نحتمل كلًا من القرينة المتصلة و المنفصلة، فهنا حالتان:

الحالة الأولى: العلم بعدم القرينة على الخلاف‏

لو علمنا بعدم وجود قرينة على الخلاف متصلة أو منفصلة، فهنا لا اشكال في تطبيق الحجّية على موضوعها مباشرة بدون حاجة إلى افتراض شي‏ء آخر على كل واحد من المحتملات الثلاثة:

أمّا على الاحتمال الأوّل؛ فلأنّ موضوع الحجّية بحسب الفرض هو الظهور التصوّري الذي لا يعلم بوجود قرينة على خلافه، و هو متحقق بكلا جزئيه بحسب الفرض، فبالنسبة للجزء الأول و هو الظهور التصوّري، فهو لا يتزعزع حتى مع قيام قرينة متصلة على الخلاف‏

فضلًا عن احتمالها فكيف في حالة العلم بعدم وجود مثل تلك القرينة؟! و أمّا الجزء الآخر من الموضوع- و هو: عدم العلم بالقرينة على الخلاف- فهو متحقق بالوجدان، بل المتحقق أكثر من ذلك، و هو العلم بعدم القرينة، ففي مثالنا المتقدّم، نقول: إنّ ظهور قوله: «اذهب إلى البحر» في وجوب الذهاب إلى البحر بمعناه الحقيقي حجّة.

و أمّا على الاحتمال الثاني، فلأن موضوع الحجّية متحقق فيه أيضاً بكلا جزئيه؛ لأنّ الجزء الأوّل- و هو: الظهور التصديقي- محرز بالوجدان؛ لأنّه منوط بعدم القرينة المتصلة، و نحن‏

151

نعلم بعدمها بحسب الفرض، و أمّا الجزء الآخر- و هو: العلم بعدم القرينة المنفصلة- فهو حاصل أيضاً بحسب الفرض كما هو واضح.

و أمّا على الاحتمال الثالث، فالأمر كذلك، بل هو أوضح من الثاني. هذا كلّه اذا علمنا بعدم وجود قرينة على الخلاف.

الحالة الثانية: احتمال القرينة على الخلاف‏

و إن لم نعلم بوجود قرينة على الخلاف، بل احتملنا ذلك، فهنا: تارة نحتمل القرينة المتصلة، و أُخرى نحتمل القرينة المنفصلة، فعلى الاحتمال الأوّل من الاحتمالات الثلاثة المتقدّمة في تشخيص موضوع الحجية، نطبّق الحجّية على موضوعها مباشرة بدون حاجة إلى افتراض شي‏ء آخر؛ لأنّ موضوعها بحسب الفرض هو الظهور التصوّري الذي لا يعلم معه بوجود قرينة متصلة أو منفصلة على خلافه، و هو متحقق بكلا جزئيه عند احتمال القرينة المتصلة أو المنفصلة، أما الجزء الأوّل- و هو: الظهور التصوّري- فهو محرز بالوجدان؛ لانّه لا يتزعزع حتى مع قيام القرينة المتصلة على الخلاف، فكيف عند احتمالها؟! و أمّا الجزء الآخر، فهو محرز أيضاً؛ لانّه عبارة عن عدم العلم بالقرينة، و هو حاصل فعلًا.

و أما على الاحتمال الثاني، فإذا احتملنا القرينة المتصلة على الخلاف، فلا نستطيع أن نطبق الحجّية على موضوعها ابتداءً و مباشرة و إن علمنا بعدم القرينة المنفصلة؛ لأنّ الظهور التصديقي غير محرز؛ فإنّ احرازه يتوقف على احراز عدم القرينة المتصلة، لما تقدّم من أنّه منوط بعدمها، فعند احتمالها سوف يكون الظهور التصديقي محتملًا أيضاً تبعاً لاحتمال القرينة المتصلة، فإن قيل بحجّية الظهور في هذه الحالة، فلا بدّ من افتراض أصل عقلائي‏

ينفي احتمال القرينة المتصلة لكي يتنقح بذلك موضوع الحجّية، و هذا الأصل العقلائي، هو: عبارة عن أصالة عدم القرينة، فلو تم بواسطته نفي القرينة تعبّداً، تم احراز الظهور التصديقي تعبداً، و ثبتت حجّية هذا الظهور.

و أمّا عند احتمال القرينة المنفصلة، فكذلك أيضاً نكون بحاجة إلى أصالة عدم القرينة، لا لأجل أن الظهور التصديقي غير محرز، بل لأجل عدم احراز الجزء الثاني من موضوع الحجّية، فالجزء الأوّل- و هو: الظهور التصديقي- محرز بالوجدان؛ لانّه منوط بعدم القرينة

152

المتصلة، و الفرض إننا نعلم بعدمها، و أمّا احتمال القرينة المنفصلة، فلا يزعزع أصل الظهور كما تقدّم، و لكن الجزء الثاني في هذه الحالة غير محرز؛ لانّه- بحسب هذا الاحتمال- عبارة عن عدم صدور القرينة المنفصلة، و الحال أننا لا علم لنا بعدم الصدور؛ لأننا نحتمل صدور القرينة المنفصلة، فلا بدّ- لكي يتم إحراز هذا الجزء- من الاعتماد على أصل عقلائي، كأصالة عدم القرينة، ننفي به احتمال القرينة و يتم بذلك احراز الجزء الثاني بالتعبّد، و الجزء الأوّل محرز بالوجدان، فيتم الموضوع، و يكون ذلك الظهور حجّة.

و أمّا بالنسبة للاحتمال الثالث، فهو كالاحتمال الثاني في حالة احتمال القرينة المتصلة من حيث كونه محتاجاً إلى أصل عقلائي ينفي به ذلك الاحتمال حتى يتنقح بذلك موضوع الحجّية و هو: الظهور التصديقي، فيتم احرازه بالتعبّد و يثبت حجّيته، و أما عند احتمال القرينة المنفصلة، فسوف يتم تطبيق حجية الظهور على موضوعها مباشرة دون الحاجة إلى الأصل العقلائي؛ و ذلك لأنّ الجزء الأوّل من الموضوع- و هو: الظهور التصديقي- محرز بالوجدان، و الجزء الثاني كذلك؛ لأنّه عبارة عن عدم العلم بالقرينة المنفصلة، و هو حاصل، فإنّ احتمال القرينة المنفصلة، يعني: عدم العلم بها، كما هو واضح.

و خلاصة ما تقدّم: إنّه عند العلم بعدم القرينة المتصلة أو المنفصلة، يتم تطبيق أصالة الظهور مباشرة بدون حاجة إلى أي شي‏ء آخر على جميع الاحتمالات المتقدّمة في تشخيص موضوع الحجّية، و أمّا عند احتمال القرينة المتصلة أو احتمال القرينة المنفصلة، فكذلك على المحتمل الأوّل، و أمّا على المحتمل الثاني، فلا يمكن الرجوع مباشرة إلى أصالة الظهور، بل لا بدّ من أصل عقلائي ينفي القرينة المحتملة لتنقيح الظهور التصديقي عند احتمال المتصلة، و لإحراز الجزء الثاني عند احتمال المنفصلة، و أمّا على المحتمل‏

الثالث، فكذلك بالنسبة لاحتمال القرينة المتصلة، و أمّا عند احتمال القرينة المنفصلة، فيتم تطبيق أصالة الظهور مباشرةً بلا حاجة إلى أصل عقلائي؛ لأنّ موضوعها محرز بكلا جزئيه على هذا الاحتمال.

النقطة الثالثة: بيان الصحيح من الاحتمالات الثلاثة المتقدمة

قوله (قدس) ص 273: «و التحقيق في تمحيص هذه الاحتمالات ... إلخ».

لمعرفة الصحيح من الاحتمالات الثلاثة المتقدمة، لا بدّ من الرجوع إلى دليل حجّية

153

الظهور، و هو: السيرة العقلائية، حيث نجد أن العقلاء عند ما كانوا يعملون بالظهور، إنّما كان عملهم لأجل تعيين مراد المتكلّم؛ اعتماداً على كاشفية الظهور عن المراد، و العقلاء لا يعملون بالظهور إلّا باعتبار الحيثية الكاشفة عن المقصود و المراد، و ليست هي إلّا الظهور التصديقي، لا الظهور التصوّري؛ إذ ليس مبنى العقلاء في العمل بالظهور على التعبّد المحض؛ فإنّهم لا يعملون بالتعبّد، بل بما يعتبرونه كاشفاً، فيكون معنى الحجّية التعبّدية للظهور عند الشارع، هو: اعتبار الظهور كاشفاً عن مراد الشارع، و جواز التعويل عليه لمعرفة أحكامه، و هذا يعني: أن موضوع الحجّية، لا بدّ أن يكون هو الظهور الكاشف عن المراد، لا مطلق الظهور، و منه يتبيّن سقوط الاحتمال الأوّل من الاحتمالات المتقدّمة في تشخيص موضوع الحجّية؛ فإنّ ما يكشف عن المراد ليس هو الظهور التصوّري، و إنّما هو الظهور التصديقي، فجعل الظهور التصوّري موضوعاً للحجّية، يعني: إناطة الحجّية بغير حيثية الكشف؛ فإنّ الظهور التصوّري ما هو إلّا انسباق المعنى من اللفظ عند سماعه، و لا يوجد فيه ما يكشف عن المراد و المقصود، و إناطة الحجّية بذلك يكون بلا موجب عقلائي، فلا بدّ أن يكون موضوع الحجّية هو الظهور التصديقي.

وعليه، سوف يدور الأمر بين الاحتمال الثاني و الثالث، و بما أن الاحتمال الثاني- كما اتضح قبل قليل- يفترض الحاجة أوّلًا إلى أصالة عدم القرينة عند الشك في القرينة المنفصلة و احتمالها، ثم تطبيق أصالة الظهور، فهو ساقط أيضاً؛ و ذلك لأنّ نفي القرينة المنفصلة عند احتمالها بأصالة عدم القرينة، إمّا أن يكون من باب التعبّد المحض، و إمّا أن يكون لأجل وجود ما يكشف عن عدمها عند احتمالها، و الأوّل باطل قطعاً؛ لأنّ العقلاء لا

يعملون بالتعبّد و إنّما يعملون بالطرق الكاشفة و الظنية المعتمدة على نكات عقلائية، و هذا يعني: أن الأصول العقلائية جميعاً تعبّر عن حيثيات كشف معتبرة عند العقلاء، و ليست تعبّدات محضة، فيتعين الثاني، و هو: أنّ نفي القرينة المنفصلة عند احتمالها ليس إلّا لأجل وجود ما يكشف عن عدمها، و ليس الكاشف في المقام إلا نفس الظهور التصديقي عن إرادة مفاده، و أنّ ما قاله المتكلّم يريده، و هي كاشفية مساوقة لنفي القرينة المنفصلة.

فلو افترضنا أن كاشفية الظهور التصديقي عن المراد كانت بنسبة 80%، و العقلاء يعملون بالظهور اعتماداً على هذه النسبة من الكاشفية، و لا يهتمون باحتمال مخالفة ذلك الظهور

154

للواقع، فإن نسبة احتمال وجود قرينة منفصلة على إرادة خلاف الظاهر، لا بدّ و أن تكون بنسبة 20% لا أكثر، و نسبة احتمال عدم وجود مثل تلك القرينة، لا بدّ أن تكون 80%، و هذا يعني: أنّ نسبة 80% يكون الظهور مطابقاً للمراد، فإذا كان العقلاء يعملون بالظهور لأجل تلك الكاشفية- أي: 80%- عن المراد، فهذا يعني: أن العقلاء ينفون احتمال القرينة المنفصلة اعتماداً على تلك الكاشفية، و هي مساوقة لنفي القرينة المنفصلة، فلا معنى حينئذ لافتراض أصل عقلائي آخر كأصالة عدم القرينة لنفي احتمال القرينة المنفصلة، ثم تطبيق أصالة الظهور، بل يرجع مباشرة إلى أصالة الظهور؛ لأنّ كاشفيته هي المناط لنفي احتمال القرينة المنفصلة، لا أنّها مترتبة على نفي القرينة بأصل سابق ( (1) 1)، و هذا يعني: أنّه لا يحتاج في مقام تطبيق أصالة الظهور على موضوعها عند احتمال القرينة المنفصلة إلى الرجوع إلى أصالة عدم القرينة، و هذا يعني‏

أنه لا يمكن أن يكون موضوع الحجّية، هو الظهور التصديقي مع العلم بعدم القرينة المنفصلة، بل يكفي أن لا نعلم بالقرينة المنفصلة، و هذا يعني: تعيّن الاحتمال الثالث.

منشأ الشك في القرينة المتصلة يتصوّر على ثلاث صور:

قوله (قدس) ص 274: «و إن شك في القرينة المتصلة فهناك ثلاث صور ... إلخ».

بعد أن تبيّن أنّ موضوع حجّية الظهور هو الظهور التصديقي مع عدم العلم بالقرينة المنفصلة، لا الظهور التصوري، و لا الظهور التصديقي مع عدم القرينة واقعاً، فعليه، إن علم بعدم القرينة مطلقاً متصلة كانت أو منفصلة، رجعنا إلى أصالة الظهور مباشرةً؛ لتحقق موضوعها بكلا جزئيه‏

____________

(1) (1) و لا بأس بتوضيح ذلك أكثر من خلال المثال التالي: لو أن شخصاً قد اخبرك، و قال لك:) رأيت أسداً»، ثم احتملت وجود قرينة منفصلة تدل على أن المراد من الأسد في كلامه هو الرجل الشجاع لا الحيوان المفترس، فهنا، لو حصل لديك ظهور تصديقي بارادة الحيوان المفترس بنسبة 80%، فما هي نسبة احتمال أن يريد المتكلم من) الأسد» الرجل الشجاع، أي: ما نسبة احتمال أنه لا يريد الحيوان المفترس؟ من الطبيعي أن يكون الجواب: إنّ تلك النسبة هي 20% لا تزيد على ذلك و لا تنقص، و لو سألناك، و قلنا لك: من أين عرفت ذلك؟ فمن البديهي أن تقول: إنّ ذلك يحصل بمجرد افتراض أن الظهور يكشف عن مراد المتكلم بنسبة 80%، و هذا يعني: أن احتمال وجود القرينة المنفصلة على خلاف ذلك الظهور منتف بنسبة 80%، و النافي لذلك الاحتمال بهذا المقدار من النسبة، ليس هو الا كاشفية الظهور عن المراد، فلو كانت هذه النسبة من الظهور و الكاشفية كافية للعمل على طبقه عند العقلاء، فهو بنفسه يعني عدم اعتناء العقلاء باحتمال القرينة المنفصلة.

155

بالوجدان، و إن علم بعدم القرينة المتصلة خاصّة، و لكن شككنا في القرينة المنفصلة، فكذلك أيضاً، و أمّا لو شككنا في القرينة المتصلة، فهنا ينبغي التفصيل بين الصور الثلاث الآتية، اعتماداً على منشأ الشك في القرينة المتصلة، فإنّه يتصوّر على ثلاث صور:

الصورة الأولى: الشك في وجود القرينة المتصلة لاحتمال الغفلة

قوله (قدس) ص 274: «أن يكون الشك في وجودها لاحتمال غفلة ... إلخ».

و الصورة الأولى لمنشإ الشك في القرينة المتصلة، هي: أن يكون الشك في وجود القرينة المتصلة بالكلام الذي وصل إلينا عن طريق الرواة مجرّداً عن تلك القرينة منشأه غفلة السامع لكلام المعصوم عنها، بحيث لو كان السامع ملتفتاً و متوجهاً بدقة، لنقل لنا تلك القرينة مع الكلام، فلأجل أنّنا نحتمل غفلة السامع عن تلك القرينة، يحصل لنا الشك في وجود قرينة متصلة بالكلام لم ينقلها إلينا السامع نتيجة لغفلته عنها.

و في مثل الحالة المذكورة، تجري أصالة عدم الغفلة؛ فإنّ الحالة الطبيعية لكل سامع، أن يكون ملتفتاً و متوجهاً أثناء الكلام، و الغفلة و إن كانت ممكنة و محتملة، و لكنها خلاف العادة، و خلاف ظاهر حال السامع، من كونه صاغياً و مستمعاً للكلام، و بجريان أصالة عدم الغفلة، ننفي احتمال القرينة المتصلة، و يتنقح بذلك الظهور التصديقي، و يحرز بالتعبّد، فيتم موضوع الحجّية، و تطبق أصالة الظهور، و تسمّى أصالة عدم الغفلة في هذه الحالة، بأصالة عدم القرينة، لأجل أنّها هي التي تنفي القرينة.

الصورة الثانية: الشك في وجود القرينة لأجل احتمال اسقاط الناقل لها

قوله (قدس) ص 275: «أن يكون الشك في وجودها لاحتمال اسقاط ... إلخ».

و أمّا الصورة الثانية لمنشإ الشك في القرينة المتصلة، فهي: أن يكون الشك في وجود القرينة لأجل احتمال اسقاط الناقل لها، و لو باعتبار أن الناقل لا يرى بنظره أهميّة لتلك القرينة، و يرى الكلام وافياً بالمقصود حتى مع عدم تلك القرينة.

و في مثل هذه الحالة، يمكن نفي القرينة أيضاً؛ و ذلك بشهادة الراوي المفهومة من كلامه و لو ضمناً إنّه قد استوعب في نقله كل ما له دخل في إفادة المقصود، و به يتم احراز موضوع أصالة الظهور.