البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - ج3

- الشيخ أياد المنصوري المزيد...
584 /
156

الصورة الثالثة: الشك في وجود القرينة الناشئ من غير الاحتمالين السابقين‏

قوله (قدس) ص 275: «أن يكون الشك في وجودها غير ناشئ ... إلخ».

و أمّا الصورة الثالثة لمنشإ الشك في القرينة المتصلة، فهي: أن يكون الشك في وجود القرينة غير ناشئ من أحد الاحتمالين السابقين، لا من احتمال الغفلة، و لا من احتمال إسقاط الناقل لها، بل كان هناك منشأ آخر يوجب الشك في القرينة، كما لو افترضنا أن القرينة لم تتمثل بلفظ، بل كانت قرينة لبية ارتكازية واضحة لدى المتكلّم و السامع، و لم ينقلها السامع لمركوزيتها، و وضوحها عنده.

و في مثل هذه الحالة، لا يمكن اجراء أصالة عدم القرينة لنفيها؛ إذ لا يوجد عند العقلاء ما يكشف عن عدم القرينة في هذه الحالة، و معه، لا يمكن الرجوع إلى أصالة الظهور؛ بعد أن كان موضوعها- و هو: الظهور التصديقي- غير محرز؛ فإنّه مشكوك تبعاً للشك في القرينة المتصلة التي لا نافي لها في هذه الحالة، فاحتمال القرينة المتصلة في مثل هذه الحالة، يوجب اجمال الدليل.

وقوع الخلاف في أن أصالة عدم القرينة و أصالة الظهور أصل واحد أم أصلان؟

قوله (قدس) ص 275: «و بما ذكرناه اتضح أنّ أصالة الظهور ... إلخ».

لا شكّ أنّ أصالة عدم القرينة أصل يعتمده العقلاء لنفي القرينة عند الشك فيها، و لكن، وقع الخلاف في أنّه هل هو أصل عقلائي قائم برأسه، له مورده الخاص، و لأصالة

الظهور موردها و موضوعها الخاص بها؟ أو أن أصالة عدم القرينة مرجعها إلى أصالة الظهور؟ أو إن مرجع أصالة الظهور إليها؟ و بعبارة أُخرى: وقع الخلاف في أن العقلاء، هل عندهم أصلان، أحدهما: أصالة الظهور، و الآخر: أصالة عدم القرينة، بحيث يكون لكل منهما مورده، و موضوعه الخاص به؟ أم أن العقلاء ليس لديهم إلّا أصل واحد بحيث يرجع كل منهما إلى الآخر؟

الأول: كل من أصالة الظهور و أصالة عدم القرينة أصل قائم بنفسه‏

قوله (قدس) ص 276: «فالأول يجري في كل مورد أحرزنا ... إلخ».

ذهب السيّد الشهيد (قدس)، إلى أن كلًا من أصالة الظهور و أصالة عدم القرينة أصل عقلائي قائم‏

157

برأسه، بمعنى: أن لكل منهما موضوعه الخاص به‏ (1)، فالصحيح عنده (قدس) عدم تمامية كل واحد من الوجهين المتقدّمين قبل قليل؛ لأنّهما يبتنيان على أن العقلاء ليس عندهم إلّا أصلًا واحداً، و الحال أنّ الصحيح، هو: أن أصالة الظهور غير أصالة عدم القرينة، و الوجه في ذلك هو أن موضوع إحداهما غير موضوع الأخرى؛ فإنّ موضوع أصالة الظهور، هو: عبارة عن الظهور التصديقي، و هذا، تارة يحرز بالوجدان، كما لو احتملنا القرينة المتصلة على الخلاف، و أُخرى يحرز بالتعبّد، و بأصل عقلائي آخر، كما لو احتملنا القرينة المتصلة، بينما موضوع أصالة عدم القرينة، هو: الشك في القرينة المتصلة من جهة احتمال الغفلة، و إذا كان الموضوع في الأولى غير الموضوع في الثانية، فهذا يكشف عن أن إحداهما غير الأخرى، فلا معنى بعد ذلك للنزاع‏

في أن أصالة الظهور ترجع إلى أصالة عدم القرينة، أو العكس.

الثاني: أصالة الظهور و أصالة عدم القرينة أصل واحد

قوله (قدس) ص 276: «و لا يرجع أحد الأصلين إلى الآخر خلافاً للشيخ ... إلخ».

ذهب الشيخ الأنصاري (قدس)، و كذلك صاحب الكفاية (قدس)، إلى أن العقلاء لا يوجد عندهم أصلان بل أصل واحد، و اختلفا فيما بينهما، في أنّ أيّهما يرجع إلى الآخر، فقد ذهب الشيخ الأنصاري (قدس) إلى أن أصالة الظهور مرجعها إلى أصالة عدم القرينة (2)، و ذهب صاحب‏

____________

(1) هذا ما ذهب إليه السيد الخوئي، فقد جاء عنه أنه قال:) كل من أصالة عدم الغفلة، و أصالة الظهور، أصل برأسه، و ناشئ من منشأ لا يرتبط أحدهما بالآخر، و إن كان كل واحد منهما من الأصول العقلائية الثابتة حجيتها ببناء العقلاء. أما أصالة عدم الغفلة، فمنشؤها أن الغفلة و السهو في الفعل و القول خلاف طبيعة الإنسان، إذ الإنسان بطبعه يفعل ما يفعل عن الالتفات، و يقول ما يقول عن الالتفات، و لذا استقر البناء من العقلاء على عدم الاعتناء باحتمال الغفلة. و أما أصالة الظهور، فمنشؤها كون الألفاظ كاشفة عن المرادات الواقعية بحسب الوضع، أو بحسب قرينة عامة، كالإطلاق الكاشف عن المراد الجدي بضميمة مقدمات الحكمة، فتحصل أن المنشأ لأصالة الظهور هو الوضع، أو القرينة العامة، و المنشأ لأصالة عدم الغفلة، هو: كون الغفلة خلاف طبع الإنسان في الفعل و القول. فلا يرتبط أحدهما بالآخر». راجع: مصباح الأصول، تقرير بحث السيد الخوئي للبهسودي، ج 2، ص 120

(2) قال الشيخ الأنصاري في فرائد الأصول، ج 1، ص 135: «ما يعمل لتشخيص مراد المتكلم عند احتمال إرادته خلاف ذلك، كأصالة الحقيقة عند احتمال إرادة المجاز، و أصالة العموم و الإطلاق، و مرجع الكل إلى أصالة عدم القرينة».

158

الكفاية (قدس) إلى العكس‏ (1).

و الوجه فيما ذهب إليه الشيخ الانصاري، هو: أن العقلاء إنّما يبنون على الظهور باعتباره كاشفاً عن المراد من باب أن المتكلّم إذا أراد خلاف ما هو ظاهر كلامه، كان لا بدّ له أن ينصب قرينة على ذلك، و بما أنّه لم ينصب تلك القرينة، كان الظاهر مراداً له، و هذا يعني: أن العقلاء أوّلًا يبنون على أصالة عدم القرينة لنفي القرينة المحتملة، ثم بعد ذلك يبنون على الظهور، و هذا هو معنى: أن أصالة الظهور مرجعها إلى أصالة عدم القرينة.

و أمّا الوجه فيما ذهب إليه صاحب الكفاية (رحمه الله)، حيث أرجع أصالة عدم القرينة إلى أصالة الظهور، فهو: أن الظهور باعتباره كاشفاً عن المراد، يكون بنفسه نافياً للقرينة، و بنفس النسبة التي يكشف بها الظهور عن المراد، فالعقلاء أوّلًا يبنون على كاشفية الظهور، و به يتم نفي القرينة المحتملة، و هذا يعني: إن أصالة عدم القرينة مرجعها إلى أصالة الظهور.

الظهور الذاتي و الظهور الموضوعي:

الغرض من عقد هذا البحث:

إنّ الغرض من عقد هذا البحث، هو: بيان أن موضوع أصالة الظهور، هل هو الظهور الذاتي أو الظهور الموضوعي؟ باعتبار أنّ الظهور تارة يكون ذاتياً و أخرى يكون موضوعياً.

وقوع البحث في نقطتين:

و قبل الإجابة على التساؤل السابق، لا بدّ من التمييز بين هذين النحوين من الظهور، و بيان المراد من كل منهما، و الفرق بينهما، وعليه فالبحث يقع في نقطتين:

النقطة الأولى: في بيان المراد من الظهور الذاتي و الموضوعي و الفرق بينهما

قوله (قدس) ص 276: «الظهور سواء كان تصورياً أو تصديقياً ... إلخ».

إن ظهور الكلام في معنى معيّن، سواء كان في مرحلة الدلالة التصوّرية للكلام، أم في‏

____________

(1) قال المحقق الخراساني في كفاية الأصول، ص 286:) قد عرفت حجية ظهور الكلام في تعيين المرام فإن أحرز بالقطع و أن المفهوم منه جزماً بحسب متفاهم أهل العرف هو ذا فلا كلام، و إلا فإن كان لاجل احتمال وجود قرينة فلا خلاف في أن الأصل عدمها، لكن الظاهر أنه معه يبنى على المعنى الذي لولاها كان اللفظ ظاهراً فيه ابتداءً، لا أنه يبنى عليه بعد البناء على عدمها، كما لا يخفى، فافهم».

159

مرحلة الدلالة التصديقية، يطلق و يُراد به أحد معنيين تاليين:

1- الظهور الذاتي‏

و المراد به الظهور الذي ينسبق إلى ذهن إنسان معيّن، أي: الذي ينسبق إلى ذهن كل شخص شخص، كما لو قال المولى: «الدعاء عند رؤية الهلال مطلوب»، فيقول الشخص الأوّل: إن الظاهر عندي هو الوجوب- مثلًا-، و يقول الشخص الثاني: إن الظاهر عندي هو الاستحباب، و يقول الثالث: إن الظاهر عندي كذا، و هكذا، فإنّ كل شخص عند ما يسمع كلاماً ما، سوف ينسبق إلى ذهنه معنى معيّن قد يكون متطابقاً مع ما ينسبق إلى ذهن الشخص الآخر، و قد يكون مخالفاً له، و يسمّى مثل هذا الظهور، بالظهور الشخصي، أي: ما يفهمه كل شخص شخص‏ (1).

2- الظهور الموضوعي‏

و يُراد به الظهور الذي يكون ناشئاً بموجب علاقات اللغة و أساليب التعبير العام، أي كونه‏

____________

(1) ينبغي الالتفات إلى أن الظهور الذاتي بهذا المعنى يكون أعم من الظهور الموضوعي، و النسبة بينهما هي العموم و الخصوص المطلق؛ حيث إنّ من الظهور الذاتي ما يكون موضوعياً أيضاً؛ و ذلك فيما إذا كان سبب ذلك الظهور و الانسباق هو الوضع و الأساليب العامة في التعبير. و لكن، قد يطلق الظهور الذاتي و يراد به الظهور الذي لا يكون مستنداً في حصوله إلى الوضع و المبررات الموضوعية، و هو بهذا المعنى يقابل الظهور الموضوعي، و ليس بأعم منه.

كما إنه قد يطلق الظهور الذاتي على الظهور البدوي الأولي الطبعي، أو الظهور التصوري الوضعي لأجزاء الكلام، في مقابل الظهور الفعلي، و هو الظهور التصديقي لمجموع الكلام، و هذا ما وردت الإشارة إليه في منتقى الأصول، ج 3، ص 451 حيث قال:) و لعل السر فيه، هو: أنه و ان كان للفظ: (أسد) ظهور طبعي لا يتلاءم مع ظهور لفظ: (يرمي)، لكن الملحوظ في مقام التصادم ليس الظهور الطبعي للفظين؛ إذ الظهور الطبعي لأي لفظ ثابت فيه، و لو مع الجزم بإرادة خلافه، كما أنه ليس موضوعاً لأي أثر، و بناء عقلائي، و إنما التصادم- على تقدير وجوده- يكون بين الظهورين التصديقيين». و كذلك أشار إليه الشيخ المظفر في أصول الفقه، ج 2، ص 129 حيث قال:) فالقرينة المنفصلة لا محالة تهدم الظهور مطلقاً. نعم، قبل العلم بها، يحصل للمخاطب قطع بدوي أو ظن بدوي يزولان عند العلم بها، فيقال حينئذ قد انعقد للكلام ظهور على خلاف ما تقتضيه القرينة المنفصلة. و هذا كلام شايع عن الأصوليين، و في الحقيقة، إن غرضهم من ذلك، الظهور الابتدائي البدوي الذي يزول عند العلم بالقرينة المنفصلة، لا أنه هناك ظهوران ظهور لا يزول بالقرينة المنفصلة، و ظهور يزول بها. و لا بأس أن يسمى هذا الظهور البدوي الظهور الذاتي، و تسميته بالظهور مسامحة على كل حال».

160

مستنداً إلى الوضع في فهم المعنى من اللفظ، أو الكلام، و مثل هذا الظهور يسمّى بالظهور الموضوعي، أو الظهور النوعي، و يسمّى بالموضوعي لوجود واقع موضوعي محدّد يبرّر مثل ذلك الظهور، و هو عبارة عن: الوضع، و يسمّى بالنوعي لأنّه ظهور يشترك في فهمه أغلب أبناء العرف و المحاورة أي: أبناء النوع- و كل من يجري على وفق الأساليب العامّة في التعبير، و في فهم المعنى من اللفظ.

و لا يتوهّم أحد بأن الظهور ينقسم إلى هذين القسمين؛ إذ ليس عندنا إلّا ظهور واحد، و هو عبارة عن: انسباق المعنى إلى الذهن عند سماع اللفظ، و لكن، باعتبار أنّه حاصل في ذهن هذا الشخص أو ذاك، سمّي بالظهور الذاتي، أو الشخصي، و باعتبار أنّه ناشئ من الوضع و القوانين الثابتة عند أبناء العرف في المحاورة، سمّي بالظهور الموضوعي، أو النوعي.

و منه يظهر أن الظهور الذاتي الشخصي قد يكون ظهوراً موضوعياً أيضاً كما لو كان المستند في ذلك الظهور هو الوضع، و قد يكون الظهور الذاتي غير الظهور الموضوعي، كما لو لم يكن المستند لذلك الظهور هو الوضع، بل كان الشخص الذي حصل عنده ذلك الظهور متأثراً بظروفه الخاصّة، و سنخ ثقافته، أو مهنته، أو غير ذلك من العوامل الذاتية

الأخرى، التي توجب أحياناً أنساً ذهنياً مخصوصاً بمعنى مخصوص غير المعنى الذي يفهمه أبناء العرف العام من اللفظ.

فالفرق- إذن- بين الظهور الذاتي و الظهور الموضوعي، هو: أنّ الأوّل قد يتأثر بعوامل و ظروف شخصية و بيئية تختلف من شخص لآخر، و أمّا الثاني، فله واقع محدّد، و قوانين ثابتة مشتركة بين أبناء العرف الواحد، تقتضي ظهوراً معيّناً في كل ذهن يتحرّك وفقاً لتلك القوانين الثابتة، و أساليب التعبير العام في المحاورة.

النقطة الثانية: في بيان ما هو الموضوع للحجّية من الظهورين المتقدمين‏

قوله (قدس) ص 277: «و ما هو موضوع الحجية الظهور الموضوعي ... إلخ».

بعد أن تبيّن المراد من الظهور الذاتي و الظهور الموضوعي، و الفرق بينهما، يقع البحث في هذه النقطة في تحديد ما هو الموضوع للحجّية من هذين النحوين من الظهور، و هل هو

161

الظهور الذاتي؟ أم أنّه الظهور الموضوعي؟

و الإجابة على هذا السؤال، تتضح من خلال معرفة الأساس الذي تقوم عليه حجّية الظهور، فعند ما نقول: أن الظهور حجّة، نريد بذلك أن نكتشف مراد المتكلّم اعتماداً على ظاهر كلامه، و الأساس الذي يقوم عليه هذا الاكتشاف، هو عبارة عن: التمسك بظاهر حال المتكلّم؛ حيث إنّ ظاهر حال كل متكلّم إرادة ما هو المعنى الظاهر من اللفظ، بحيث لو اراد خلاف الظاهر لنصب قرينة على ذلك، و من الواضح: أنّ ظاهر حال كل متكلّم- باعتباره إنساناً عرفياً يجري في مقام التفهيم على وفق قوانين لغته و عرفه و يتعامل مع أبناء عرفه، على وفق الأساليب العامّة في التعبير و المحاورة- هو: إرادة ما هو المعنى الظاهر موضوعياً، أي: الظهور المستند إلى الوضع، و القوانين العامّة في التعبير، لا ما هو الظاهر ذاتياً و الذي يحصل نتيجة لملابسات شخصية في ذهن هذا السامع أو ذاك، و الذي قد لا يعلم به المتكلّم، أو لا يخطر بباله أحياناً في وقت صدور الكلام منه، فالمتكلّم غير مسئول عما يفهمه السامع من كلامه نتيجة لأنس شخصي و ذاتي مختص به‏ (1) كما هو واضح، فكيف‏

يمكن أن يجعل هذا كاشفاً عن مراد المتكلّم؟!

إذن، لا ينبغي الإشكال في أن موضوع أصالة الظهور، هو عبارة عن: الظهور الموضوعي لا الظهور الذاتي.

و لكن، يأتي هنا سؤال آخر يطرح نفسه في المقام، و هو: أنّه إذا كان موضوع الحجّية هو الظهور الموضوعي لا الظهور الذاتي، فكيف يمكن احراز ذلك مع أن ما بيد كل إنسان وجداناً هو الظهور الذاتي ليس إلا كما هو واضح؟

و الجواب على هذا السؤال: إنّه يمكن احراز الظهور الموضوعي عن طريق الظهور الذاتي؛ باعتباره أمارة عقلائية على تعيين الظهور الموضوعي، بمعنى: أنّ السيرة العقلائية قائمة على جعل ما يتبادر و ينسبق من معنى عند كل شخص أمارة و كاشفاً عن الظهور الموضوعي المشترك عند العرف؛ لأنّ كل شخص إذا انسبق إلى ذهنه معنى معيّن من اللفظ،

____________

(1) نعم، هو مسئول عما يشترك في فهمه أبناء العرف و المحاورة من كلامه، و هذا هو معنى حجّية الظهور، أي: كونه منجزاً و معذراً.

162

فهذا الانسباق: إمّا أن يكون لأجل الوضع، بمعنى: كون اللفظ قد وضع لذلك المعنى، و لأجله انسبق إلى الذهن ذلك المعنى دون غيره، و إمّا أن يكون بسبب الظروف و العوامل الخاصّة، و الأنس الذهني الضيّق، و الذي يوجب له الأنس الذهني بمعنى مخصوص نتيجة لذلك المحيط الضيّق الذي يعيشه ذلك الإنسان، و حينئذٍ، فإذا فتش ذلك الإنسان، و فحص، و دقّق، و لم يجد شيئاً محدّداً شخصياً يمكن أن يستند إليه ذلك الانسباق و التبادر، أو يفسّر به، كان ذلك أمارة، و دليلًا على أنّ هذا الانسباق و التبادر من الظهور الموضوعي و ليس من الظهور الذاتي‏ (1).

التبادر على مستوى الظهور الذاتي و الظهور الموضوعي:

قوله (قدس) ص 277: «و أما الظهور الذاتي و هو ما قد يعبّر ... إلخ».

ثم إنّه ينبغي التمييز هنا بين التبادر و الانسباق على مستوى الظهور الذاتي- أي: الشخصي-، و الذي جعل أمارة على تعيين الظهور الموضوعي، و بين التبادر على مستوى الظهور الموضوعي، و الذي يجعل أمارة، و علامة على الحقيقة، و بالتالي يكون كاشفاً عن الوضع: فإن التبادر على المستوى الأوّل يُراد به إثبات التطابق بين الظهور الذاتي و الظهور الموضوعي، و كونه كاشفاً عنه، و بالتالي: كونه كاشفاً عن الوضع، عن طريق نفي استناد ذلك الانسباق و التبادر إلى أنس شخصي معيّن بمعنى مخصوص، و أمّا التبادر على المستوى الثاني، فيراد به إثبات كون اللفظ موضوعاً لذلك المعنى، و كاشف عن المعنى الحقيقي للفظ عند عدم القرينة (2)، كشفاً إنياً تكوينياً، أي: كشف المعلول عن علّته؛ باعتبار أن التبادر معلول‏

____________

(1) لا يخفى إن هذا الطريق لإحراز الظهور الموضوعي، مبني على دعوى قيام السيرة العقلائية على جعل الظهور الذاتي أمارة على الظهور الموضوعي، فيكون إحراز الظهور الموضوعي إحرازاً تعبدياً، و بالسيرة العقلائية الممضاة من الشارع، و هناك طريق آخر، و هو: الاحراز الوجداني المبني على أساس حساب الاحتمالات؛ عن طريق ملاحظة عدد من الأشخاص المختلفين في ظروفهم الشخصية، و إلقاء اللفظ على كل واحد منهم، و ملاحظة ما ينسبق إلى ذهنه منه.

(2) الوجه في تعبيره بعدم القرينة، هو: أنّ تبادر و انسباق معنى معيّن من اللفظ إلى الذهن له علتان، و منشآن لا غير، و هما عبارة عن: الوضع، و القرينة؛ لأنّ انسباق المعنى إلى الذهن إما أن يكون بسبب كون اللفظ موضوعاً لذلك المعنى، و إما أن يكون بسبب وجود قرينة معينة أدّت إلى تبادر ذلك المعنى من اللفظ، فإذا انتفى المنشأ الثاني للتبادر، ثبت الأوّل، و كان التبادر كاشفاً عن الوضع.

163

لذلك الوضع، و لولاه لما تبادر ذلك المعنى من اللفظ.

و بعبارة أخرى: إن التبادر الأوّل، يراد به: التبادر عند كل شخص شخص و لأجل ذلك يسمى بالتبادر الشخصي، و يراد من الثاني: التبادر عند العرف العام، بحيث لو سمع أي انسان عرفي من أهل اللغة ذلك اللفظ، لتبادر منه ذلك المعنى دون غيره من المعاني الأخرى، و لأجل ذلك كان مثل هذا التبادر كاشفاً عن الوضع و المعنى الحقيقي، و عُدَّ من علامات الحقيقة.

الظهور الموضوعي في عصر النص:

قوله (قدس) ص 278: «لا شك في أن ظواهر اللغة و الكلام تتطور ... إلخ».

بعد أن ثبت أن الظهور الحجّة هو الظهور الموضوعي لا الظهور الذاتي، يبقى هناك سؤال آخر، و هو: أن الظهور الموضوعي الحجّة، هل هو الظهور في عصر صدور النص؟ أم هو الظهور في عصر السماع الذي يُراد العمل فيه بذلك النص، مع افتراض اختلاف الزمانين، كما هو الحال في النصوص الشرعيّة التي بأيدينا بالنسبة إلينا؟

و بعبارة أُخرى: هل أنّ المناط في تحديد الظهور الموضوعي الحجّة هو زمن الصدور؟ أم أنّه زمن الوصول مع فرض اختلاف الزمانين؟ باعتبار إنّ زمن الوصول قد يكون هو نفس زمن الصدور و معاصر له، كما هو الحال بالنسبة للمعاصرين لزمن الأئمة (ع)، و قد يكون زمن الصدور مغايراً لزمن الوصول، كما هو الحال بالنسبة إلينا، و إلى كل من لم يعاصر الأئمة المعصومين (ع).

و الوجه في هذا البحث، هو: أن الظهور قد يختلف من زمان إلى زمان آخر، بحيث يكون ما هو المعنى الظاهر من اللفظ في زمان صدور الحديث أو الرواية عن المعصوم (ع)، غير ما هو المعنى الظاهر في زمان وصول تلك الرواية إذا فرض اختلاف الزمانين، فلعل الفهم السائد من اللفظ في أيّام زرارة، و محمّد بن مسلم، و غيرهما شي‏ء، و ما نفهمه نحن من اللفظ شي‏ء آخر.

و الوجه في احتمال اختلاف الظهور بين زمان صدور النص و زمان العمل به المتأخر عنه بسنين عديدة بل قرون عديدة، هو: أن اللغة باعتبارها ظاهرة اجتماعية مرتبطة بما

164

حولها من الظواهر الاجتماعية الأخرى، قابلة للتغير و التبدّل على مرّ الزمن، تبعاً لتغيّر و تبدّل طرائق الحياة الاجتماعية الأخرى، فقد تتأثر ظواهر اللغة و تتغير بفعل مؤثرات لغوية، من قبيل: اختراع معان جديدة، و وضع اللفظ لها، أو نقل اللفظ من معنى إلى معنى آخر، و قد تتأثر تلك الظواهر و تتغيّر بفعل مؤثرات فكرية، و اجتماعية تجعل اللفظ ظاهراً في معنى آخر غير المعنى الظاهر منه في زمن صدوره، و لأجل تطرّق احتمال الاختلاف و التغيّر في الظواهر من زمن إلى زمن آخر، وقع البحث في أن المناط في الظهور الموضوعي الحجّة، هل هو الظهور الموضوعي في عصر السماع؟ أم أنّه الظهور الموضوعي في عصر الصدور؟

و الجواب على هذا السؤال يتضح بنفس النكتة التي أثبتنا بها أن موضوع الحجّية هو الظهور الموضوعي لا الظهور الذاتي؛ من حيث إنّ حجّية الظهور حجّية عقلائية قائمة على أساس الكشف، و ليست من الأصول التعبدية البحتة، و جعل العقلاء الظهور كاشفاً عن مراد المتكلّم، إنّما هو باعتبار أن ظاهر حال كل متكلّم إرادة ما هو المعنى الظاهر

موضوعياً من كلامه، و من الواضح: أنّ ظاهر حاله هو الجري على وفق أساليب العرف و اللغة المعاصرة لزمانه، لا اللغة و الأساليب التي سوف تنشأ في المستقبل على فرض حصول ذلك، و هذا يعني: أنّ موضوع الحجّية هو الظهور الموضوعي فى عصر صدور الكلام لا في عصر السماع المغاير له.

أصالة عدم النقل:

قوله (قدس) ص 278: «و يبقى علينا أن نثبت أن الظهور ... إلخ».

و لمّا كان موضوع الحجية هو الظهور الموضوعي في عصر الصدور لا الظهور الموضوعي في عصر السماع مع احتمال الاختلاف بين الظهورين، يأتي هنا سؤال آخر يطرح نفسه في المقام، و هو: أننا كيف يمكننا إثبات الظهور الموضوعي في عصر صدور الكلام، مع أن غاية ما يمكن إثباته فعلًا عن طريق الظهور الذاتي هو الظهور الموضوعي في زماننا، و هو ليس موضوعاً للحجّية كما هو واضح؟

فلا بدّ لنا إذن من إثبات أن الظهور الموضوعي في عصر السماع مطابق للظهور

165

الموضوعي في عصر صدور الحديث، و هذا ما يمكن اثباته عن طريق التمسك بأصل عقلائي عبّر عنه المحققون بأصالة عدم النقل‏ (1)، و عبّر عنه السيد الشهيد (قدس) بأصالة الثبات في اللغة (2)، باعتبار أن العقلاء عند ما يشكون في كون الظهور الموضوعي في زمانهم مطابقاً

للظهور الموضوعي في عصر النص أو لا، فإنهم في هذه الحالة يبنون على أنّه مطابق له؛ باعتبار أن احتمال تبدّل و تغيّر الظهور في زماننا عن الظهور في زمان صدور النص، ليس إلّا لأجل احتمال أن اللفظ قد نقل من معناه الأوّل في ذلك الزمان إلى معنى آخر في زماننا الحاضر، فينفى هذا الاحتمال بأصالة عدم النقل.

الكاشف بنظر العقلاء عن عدم النقل عند احتماله:

قوله (قدس) ص 278: «و هذا الأصل العقلائي يقوم على أساس ... إلخ».

بقي علينا أن نعرف المبنى لهذا الأصل العقلائي؛ باعتبار أن الأصول العقلائية ليست أصولًا تعبديّة- كما ذكرنا غير مرّة- و إنّما هي أصول مبنية على الكشف، فما هو الكاشف- إذن- بنظر العقلاء عن عدم النقل؟ أو الثبات في اللغة؟

و للجواب على هذا السؤال نقول: إنّ الكاشف بنظر العقلاء عن عدم النقل عند احتماله، أو الثبات في اللغة عند احتمال التغيّر و التبدّل، هو: أنّ أبناء العرف، و نتيجةً لتجاربهم الشخصية اليومية في الاستعمالات المتداولة بينهم، قد يتخيل لهم أن اللغة في استقرار و ثبات؛ حيث إنّ كل واحد منهم يرى أنّه في طيلة حياته كان يستعمل ألفاظاً في معاني‏

____________

(1) و قد يسمّى عندهم بالاستصحاب القهقرائي، الذي يكون فيه زمان الشك سابقاً على زمان اليقين، بعكس الاستصحاب الطبيعي الذي يكون فيه زمان الشك متأخراً عن زمان اليقين.

و قد يطلق على هذا الأصل أحياناً أصالة تشابه الأزمان، كما عبر عنه المحقق العراقي بذلك، حيث قال في نهاية الأفكار، ج 1، ص 67:) أصالة عدم النقل المعبر عنها بأصالة تشابه الأزمان، كي يثبت بها كون المعنى المتبادر في سابق الزمان أيضاً هو المعنى المتبادر عندنا»

(2) و الوجه في عدول السيد الشهيد عن تسمية ذلك الأصل بأصالة عدم النقل إلى تسميته بأصالة الثبات في اللغة، هو: تعميم الأصل لكل مجالات احتمال التغير و التبدل في الظهورات؛ حيث إنّ التغيّر و التبدّل في الظهورات لا يقتصر فيه على الأوضاع اللغوية، و نقلها من معناها إلى معنى آخر، بل يشمل الظهورات السياقية التركيبية غير الوضعية أيضاً، و من الواضح أن الاصطلاح الأول لا ينطبق إلا على المجال الأول دون المجال الثاني للتغير و التبدل. راجع: بحوث في علم الأصول، ج 4، ص 293.

166

مخصوصة، و يفهم هو و غيره منها تلك المعاني عند اطلاقها، و يجد أنّها على ما هي عليه من الثبات و الاستقرار، فيتخيّل أن هذه الألفاظ كانت موضوعة لتلك المعاني حتى في الفترة السابقة على زمانه، و هذا يوحي- و لو خطأً بالنسبة للأفراد الاعتياديين- بفكرة عدم تغيّر تلك الظواهر، و تطابقها على مرّ الزمن، فإن التطور البطي‏ء في اللغة، و الثبات النسبي فيها، قد لا يشعر به الإنسان، و يتصوّر- خطأً- أنّ اللغة في ثبات و استقرار، و هذا إيحاء عام قد استقرّ لأجله البناء العقلائي على الغاء احتمال التغيّر و التبدّل في الظهور كلما شك فيه، باعتباره حالة استثنائية نادرة تنفى بذلك الأصل.

الدليل على أصالة عدم النقل:

ثمّ أنه يمكن أن يستدل على حجية أصالة عدم النقل بدليلين:

الأول: السيرة العقلائية

قوله (قدس) ص 279: «و لكنه على أي حال ايحاء عام استقر ... إلخ».

تبيّن مما تقدم أنّ السيرة العقلائية كانت قائمة على البناء على عدم النقل عند الشك فيه أو احتماله، و حيث إنّ هذه السيرة كانت على مرأى و مسمع من المعصوم (ع)، فلو لم يكن الشارع موافقاً على ذلك البناء العقلائي، لكان عليه أن يردع عنه، و بما أنّه لم يردع عنه، يثبت امضاء الشارع لذلك البناء العقلائي، و تثبت شرعاً حجّية أصالة عدم النقل، أو أصالة الثبات في اللغة.

إن قلت: إنّ هذا الأصل بني على تخيّل الثبات و الاستقرار في اللغة، و الحال أنّه تخيّل خاطئ كما اعترفتم بذلك، باعتبار أنّ اللغة قابلة للتغير و التبدّل كغيرها من الظواهر الاجتماعية الأخرى، فكيف يمكن للشارع أن يمضي ذلك الإيحاء و التخيّل الخاطئ؟

كان الجواب: إن معنى إمضاء الشارع لذلك البناء العقلائي، لا يعني أن الشارع قد صوّب ما عليه العقلاء من ذلك الإيحاء الخاطئ، فإن ذلك غير معقول، بل المراد من ذلك أن الشارع من الناحية التشريعية قد جعل احتمال تطابق الظهور في عصر السماع مع الظهور في عصر صدور النص حجّة، ما لم تقم قرينة على خلافه.

و بعبارة أُخرى: إن امضاء الشارع إنّما يكون لأصل الارتكاز العقلائي، و بناء العقلاء

167

على عدم النقل في حالة الشك فيه، لا لمنشإ ذلك الارتكاز و هو الإيحاء الخاطئ بفكرة عدم التغيّر و التبدّل، و موافقة الشارع للعقلاء المكتشفة من إمضائه، إنّما تكون بحدود البناء على عدم النقل عند الشك فيه، بمعنى: أنّ احتمال النقل و التغيّر و التبدّل لا عبرة به بنظر الشارع، و هذا معنى: حجّية أصالة عدم النقل شرعاً.

الثاني: السيرة المتشرعيّة

قوله (قدس) ص 279: «و لا شك أيضاً في أن المتشرعة ... إلخ».

و كذلك يمكن الاستدلال على أصالة عدم النقل أو أصالة الثبات في اللغة بسيرة المتشرعة من قبل أصحاب الأئمة (ع) المعاصرين لهم؛ حيث كانوا يعملون بالنصوص الأوّلية من القرآن الكريم، و الروايات الصادرة عن المعصومين السابقين لهم زماناً، على وفق ما يستظهرون منها في زمانهم، و يعتمدون على ذلك الظهور، و يبنون عليه، حتى في‏

حالة الشك في النقل، مع العلم بأنّ تلك الفترة التي تفصلهم عن زمان صدور تلك الآيات و الروايات، و التي تقرب من قرنين و نصف من الزمان، مليئة بالحوادث، و المتغيّرات، و مختلف المؤثرات و التجديدات الاجتماعية، و الفكرية التي قد توجب تغيّراً و تبدّلًا في الظهور.

مورد جريان أصالة عدم النقل في اللغة:

قوله (قدس) ص 280: «و لكن أصالة عدم النقل لا تجري فيما ... إلخ».

بعد أن ثبتت حجّية أصالة عدم النقل شرعاً بالسيرة، سواء كانت بمظهرها العقلائي، أم بمظهرها المتشرعي، بقي علينا أن نعرف الموارد التي تجري فيها أصالة عدم النقل، و الموارد التي لا تجري فيها تلك الأصالة؛ و ذلك لأنّ النقل من حيث العلم به و الشك فيه له عدة صور.

لا بد من الكلام في أربع صور:

إننا تارة نعلم بأصل النقل، و أُخرى نشك في ذلك، و على الأوّل، تارة نعلم بأصل النقل و نعلم أيضاً بتاريخه، و أُخرى نعلم بأصل النقل و لكن نشك في تاريخه بين التقدّم و التأخر، و على الثاني- أي: الشك في أصل النقل- تارة لا نعلم بوجود ظروف معيّنة و مؤثرات من‏

168

الممكن أن تكون سبباً في تغيّر مدلول الكلمة، و أُخرى نعلم بوجود مثل تلك الظروف التي من شأنها أن تكون سبباً للتغير و التبدّل من دون أن نعلم بأن مثل هذه الظروف هل أوجبت النقل فعلًا أم لا؟ فهذه أربع صور:

الصورة الأولى: العلم بأصل النقل و العلم بتاريخه‏

لا شكّ في عدم جريان أصالة عدم النقل في هذه الصورة، بل يكون الحديث عن مثل هذه الصورة من قبيل السالبة بانتفاء الموضوع؛ لأنّه مع العلم بالنقل و بتاريخه لا معنى لأصالة عدم النقل كما هو واضح، لأنّ موضوعها الشك في النقل و هو منتف بحسب الفرض.

الصورة الثانية: العلم بأصل النقل و الشك في تاريخه من حيث التقدّم و التأخر

أمّا بالنسبة لهذه الصورة، فالصحيح فيها عدم جريان أصالة عدم النقل أيضاً؛ و ذلك لأنّ‏

الدليل على تلك الأصالة كما قلنا، هو: عبارة عن بناء العقلاء أو المتشرعة على عدم النقل، و في حالة العلم بأصل النقل و الشك في تاريخه، كما لو افترضنا أن لفظ الصلاة كان بمعنى: الدعاء لا بمعنى: تلك الأفعال المخصوصة، و علمنا فرضاً أنّه قد نقل إلى تلك الأفعال المخصوصة، و لكن لا نعلم بأنّ هذا النقل قد حصل في زمن الإمام الباقر (ع)، أم أنّه حصل في زمان الإمام الكاظم (ع)، فلا يوجد بناء عقلائي على العمل بعدم النقل في الفترة المشكوكة المحصورة بين زمان الإمام الباقر (ع) و الإمام الكاظم (ع) (1).

و النكتة في ما ذكرناه، هي: أنّ البناءات العقلائية عموماً، تقوم على أساس حيثيات كشف نوعية، و ليست هي من باب التعبّد، فعند ما يبني العقلاء على أصالة عدم النقل في مورد

____________

(1) اعلم إنّه في هذه الحالة توجد ثلاث فترات:

الأولى: فترة ما قبل زمان الامام الباقر، و هي التي نعلم بعدم حصول النقل فيها؛ لأنّ النقل المعلوم حصوله مردد- بحسب الفرض- بين أن يكون في زمان الامام الباقر، أو في زمان الامام الكاظم.

الثانية: الفترة المحصورة بين زمان الامام الباقر و زمان الامام الكاظم (عليهما السلام)، و هذه هي الفترة المشكوكة؛ لاحتمال أن يكون النقل حصل في زمان الامام الباقر، و لاحتمال أن يكون حصل في زمان الامام الكاظم.

الثالثة: فترة ما بعد زمان الامام الكاظم، و هي الفترة المتيقن فيها حصول النقل؛ لأنّه إن كان حصل في زمان الامام الباقر، فواضح، و إن كان حصل في زمان الامام الكاظم، فما بعده يكون حصول النقل معلوماً و هو واضح أيضاً.

169

معين، فذلك إنّما يكون لأجل استبعاد وقوع التغيّر في اللغة، و أن النقل حالة استثنائية نادرة بحسب نظرهم، فإذا فرض وقوع ذلك الأمر المستبعد، أو حصول تلك الحالة النادرة، فلا يوجد عند العقلاء ما يبرّر نفي احتمال تقدّم زمان النقل أو التغيّر و التبدّل؛ لأنّ المستبعد ليس هو إلّا أصل النقل و التغير و قد تحقق فعلًا، و أما بالنسبة إلى زمانه من حيث كونه متقدّماً أو متأخراً، فلا يوجد أيّ استبعاد فيه؛ إذ كونه حاصلًا في زمان الإمام الباقر (ع)، أو كونه حاصلًا في زمان الإمام الكاظم (ع)، على حدّ سواء بنظر العقلاء (1).

الصورة الثالثة: الشكّ في أصل النقل مع عدم العلم بوجود ما يقتضيه‏

و أما بالنسبة إلى هذه الصورة، فلا شك أيضاً في جريان أصالة عدم النقل و البناء على‏

عدمه في؛ لأنّها هي المورد المتيقن من جريان السيرة و انعقادها على ذلك، سواء كانت السيرة العقلائية، أم كانت السيرة المتشرعية، و قد تقدّم توضيح ذلك.

الصورة الرابعة: الشك في أصل النقل مع العلم بوجود ما يقتضيه‏

و أمّا في الصورة الرابعة، و هي: حالة الشك في أصل النقل مع العلم بوجود ما يمكن أن يكون سبباً و مقتضياً لتحقق النقل، كما لو شاع عند المتشرعة استعمال لفظ الصلاة في المعنى الشرعي- أي: في الأفعال المخصوصة المعهودة- لا في معناها اللغوي- و هو: الدعاء- نتيجة لكثرة ابتلاء المتشرعة بذلك، و دخول الصلاة بهذا المعنى كعبادة في أوضاعهم و حياتهم الاجتماعية اليومية، و احتمل أن هذا الشيوع بلغ مرتبة نقل بسببها اللفظ من معناه اللغوي العام إلى ذلك المعنى المخصوص، ففي مثل هذه الحالة أيضاً لا تجري أصالة عدم النقل؛ لعدم الجزم بوجود سيرة عقلائية قائمة على العمل بعدم النقل في حالة الشك في النقل مع العلم بوجود مقتض للنقل كما في حالتنا المفروضة، و من الواضح: أنّ السيرة العقلائية لا إطلاق فيها حتى يتمسك باطلاقها لمثل هذه الحالة، بعد كونها دليلًا لبياً صامتاً لا بدّ من الاقتصار فيه على القدر المتيقن، و ليس هو إلّا حالة الشك في أصل النقل مع عدم العلم بوجود المقتضي للنقل. و أمّا السيرة المتشرعية، فهي قاصرة أيضاً عن الشمول لهذه الحالة؛ لعدم الجزم بشمول تلك السيرة للعمل بالظهور

____________

(1) قال المحقق الخراساني في كفاية الأصول، ص 22:) و أصالة عدم النقل إنما كانت معتبرة فيما إذا شك في أصل النقل، لا في تأخره، فتأمل».

170

و البناء على عدم النقل حتى في هذه الحالة.

خلاصة الكلام في مورد جريان أصالة عدم النقل:

فتلخص مما تقدّم: إن مورد جريان أصالة عدم النقل، هو: الشك في النقل مع عدم توفّر الدواعي للنقل، و أمّا الموارد التي لا تجري فيها أصالة عدم النقل، فهي عبارة عن موردين:

الأوّل: فيما إذا علم بأصل النقل و شك في تاريخه من حيث التقدّم و التأخر.

الثاني: فيما إذا شكّ في أصل النقل و لكن علم بوجود ظروف لو خلّيت و طبعها لأمكن أن تكون سبباً للنقل.

التفصيلات في حجّية الظهور:

قوله (قدس) ص 281: «توجد عدة أقوال تتجه إلى التفصيل ... الخ».

بعد أن ثبت بالسيرة العقلائية حجّية الظهور، و بعد أن تبيّن أن موضوع الحجّية هو الظهور التصديقي الموضوعي في عصر الصدور، يقع البحث في تحديد دائرة الحجّية و هل هي شاملة لكل أقسام الظهور؟ أم أنها مختصة ببعض أقسامه دون البعض الآخر؟

و في المقام ذكرت عدّة اقوال، تتجه إلى التفصيل بين بعض أقسام الظهور و البعض الآخر، أو بين بعض المكلفين و البعض الآخر، و أحد هذه الأقوال قد تقدم الحديث عنه في الحلقة السابقة (1)، و نقتصر هنا على ذكر اثنين فقط من تلك الأقوال:

____________

(1) و ذلك القول، هو: ما عرف عن الإخباريين، من التفصيل بين ظواهر القرآن و ظواهر غيره، حيث قالوا بحجية الظهور في الثاني دون الأوّل، و هو ما استعرضه السيد الشهيد في الحلقة الثانية- الطبعة الخامسة- ص 303، و كذلك أشار إليه المحقق العراقي في نهاية الأفكار، ج 2، ص 91 حيث قال: و أما الموضع الثاني، و هو: حجية ظواهر الكتاب، فقد خالف فيه بعض الاخباريين، و استدلوا على المنع بوجوه:

منها: إن الكتاب وارد في مقام الإعجاز، فلا تكون ظواهره كسائر الظواهر التي يعرف المراد منه كل أحد، بل يختص فهم المراد منها بمن خوطب به و هو النبي (ص)، و الاوصياء، فلا يجوز الاخذ حينئذ بشي‏ء من ظواهره لاستفادة الاحكام الشرعية الا بمعونة ما ورد عن الائمة من التفسير.

و منها: الأخبار الكثيرة الدالة على عدم جواز الأخذ بظواهر الكتاب؛ معللًا في بعضها بأن الآية يكون أولها في شي‏ء، و آخرها في شي‏ء، و أنه كلام متصل ينصرف إلى وجوه.

و منها: العلم الاجمالي بتقييد و تخصيص الكثير من عمومات الكتاب، الموجب لسقوط ظواهرها عن الحجية.

171

القول الأوّل: التفصيل بين المقصود بالإفهام و غيره‏

قوله (قدس) ص 281: «القول الأول: التفصيل بين المقصود ... إلخ».

و هو ما اختاره المحقق القمي، من التفصيل بين مَنْ قُصد إفهامه و مَنْ لم يُقصد إفهامه، فيكون الظهور حجّة بالنسبة إلى الأوّل دون الثاني‏ (1)، و المراد بمن قصد إفهامه، هو:

الشخص الذي ألقي إليه الكلام لأجل إفهامه خاصّة، في مقابل الشخص الذي ليس مقصوداً بالكلام، سواء كان من السامعين للكلام أم لا.

و قد قيل في مقام توجيه هذا التفصيل: أن احتمال القرينة المتصلة على خلاف الظاهر، يجعل الظهور التصديقي- الذي هو موضوع الحجّية- مشكوكاً، و غير محرز، لأنّ الظهور التصديقي منوط بعدم القرينة المتصلة على الخلاف، فإن وجد ما كان نافياً لهذا الاحتمال، كأصالة عدم القرينة، تم تنقيح موضوع الحجّية، و إن لم يوجد ذلك، بقي الظهور مشكوكاً و غير محرز، فلا يكون حجّة، و في المقام، حيث إنّ الشخص المقصود بالكلام و الإفهام يكون احتمال القرينة المتصلة على الخلاف بالنسبة إليه ليس له إلّا منشأ واحد، و هو: احتمال غفلته عن تلك القرينة، بحيث يحتمل أنّه أثناء كلام المتكلّم قد غفل و لو للحظة، و يحتمل أن المتكلّم في أثناء هذه اللحظة التي غفل فيها قد جاء بقرينة على خلاف ظاهر كلامه، ففي مثل هذه الحالة، سوف يشك في الظهور لأجل شكّه في القرينة المتصلة نتيجة لاحتمال غفلته عنها، فيرجع إلى أصل عقلائي يسمّى بأصالة عدم الغفلة، لنفي احتمال القرينة المتصلة، و يتنقح بذلك موضوع أصالة الظهور، و يكون ذلك الظهور حجّة.

و أما بالنسبة للشخص غير المقصود بالإفهام، فاحتمال القرينة المتصلة بالنسبة إليه لا ينحصر منشأه بذلك، بل يحتمل القرينة المتصلة لأجل احتمال أن المتكلّم و المخاطب قد اتفقا على قرينة تم التواطؤ عليها في مرحلة سابقة على هذا الكلام بينه و بين من قصد افهامه، و مثل‏

____________

(1) راجع: قوانين الأصول، ص 450، و من جملة ما قاله بهذا الخصوص:) ثم إن هذا الكلام إذا نقل إلى غير المشافهين المشاركين لهم في التكليف بمقتضاه فإن كان نقله بمعناه بمعنى أن مراده الواقعي صار يقيناً لهم و علموا أنه أراد ذلك لا غير فلا كلام فيه أيضاً و إن كان نقله بلفظه بمعنى أنه حصل لهم العلم بأن هذا هو لفظ الشارع فالإشكال حينئذ في أن الظن الحاصل لهم من هذا اللفظ القطعي الصدور حجة عليهم أم لا».

172

هذا الاحتمال للقرينة، يؤدي إلى عدم احراز الظهور التصديقي، و من الواضح أنّه لا يوجد هنا ما يتم به نفي مثل ذلك الاحتمال حتى يتم تنقيح موضوع أصالة الظهور، فيبقى موضوع الحجّية مشكوكاً، و معه، لا تثبت الحجّية في حق من لم يكن مقصوداً بالإفهام.

اعتراضان على التفصيل المتقدم:

قوله (قدس) ص 281: «و قد اعترض على ذلك ... إلخ».

و يوجد في مقام الرد على هذا التفصيل اعتراضان:

الاعتراض الأوّل: لا فرق بين المقصود بالإفهام و غيره في الرجوع إلى أصالة عدم القرينة

و هو اعتراض أكثر الأصوليين، كالمحقق النائيني و السيد الخوئي (قدس سرهما)،

و خلاصته: إن أصالة عدم القرينة أصل عقلائي قائم برأسه، و هو غير أصالة عدم الغفلة، يجري في كل حالة شككنا فيها بالقرينة المتصلة، و ليس مردّها إلى أصالة عدم الغفلة حتى يقال بعدم امكان جريانها في حالة احتمال القرينة لأجل احتمال تواطؤ المتكلّم و المخاطب على قرينة لم يطلع عليها غير المقصود بالإفهام، و إذا كان الأمر كذلك، فكل من المقصود بالإفهام و غير المقصود بالإفهام يستطيع الرجوع إلى أصالة عدم القرينة لنفي القرينة المحتملة في كل مورد شكّ فيه في القرينة المتصلة، سواء كان ذلك لأجل احتمال الغفلة أم غير ذلك، وعليه، فلا وجه للتفصيل في حجّية الظهور بين المقصود بالإفهام و غيره، بل الظهور حجّة بالنسبة إليهما معاً، حتى في حالة احتمال القرينة المتصلة، بعد امكان رجوعهما معاً إلى أصالة عدم القرينة لنفي ذلك الاحتمال‏ (1).

مناقشة السيد الشهيد (قدس) للاعتراض الأول:

قوله (قدس) ص 282: «و التحقيق: أن هذا المقدار ... إلخ».

إن هذا المقدار المذكور من البيان في هذا الاعتراض، لا يكفي لرد الوجه الذي اعتمد عليه المفصّل في التفصيل بين المقصود بالإفهام و غيره، إلّا بالالتزام بأن أصالة عدم القرينة من الأصول التعبدية الصرفة، فحينئذ، يمكن أن يقال بالرجوع إلى هذا الأصل في كل مورد شك فيه بالقرينة لنفي تلك القرينة، و لكن الصحيح أن أصالة عدم القرينة بل الأصول‏

____________

(1) راجع فوائد الأصول، المجلد الثاني (ج 3)، ص 138.

173

العقلائية جميعاً تستند إلى حيثيات كشف نوعية؛ لأنّ العقلاء لا يعملون إلّا بالطرق الظنّية و الكاشفة، و من الواضح أن أصالة عدم القرينة لا كاشفية لها عن عدم القرينة إلّا من ناحية أصالة عدم الغفلة كما تقدّم ذلك، وعليه، فلو احتملنا القرينة المتصلة لأجل احتمال غفلة السامع عنها، رجعنا إلى أصالة عدم القرينة لنفي هذا الاحتمال، لوجود ما يكشف عن ذلك، و هو: أن الغفلة خلاف العادة و ظهور الحال، و أمّا احتمال القرينة المتصلة الناشئ من سائر المناشئ الأخرى غير الغفلة كاحتمال التواطؤ بين المخاطب و المتكلّم على قرينة لم يظهرها المتكلّم في كلامه لغرض علم المخاطب بها، فهنا، لا يمكن نفي هذا الاحتمال بأصالة عدم القرينة، إلّا إذا وجد ما يكشف عن عدم هذا

الاحتمال، فالقول بأنّ غير المقصود بالإفهام يمكنه الرجوع إلى أصالة عدم القرينة لنفي احتمال القرينة مع عدم ابراز الحيثية الكاشفة عن ذلك، لا يكفي لرد تفصيل المفصّل المتقدّم.

الاعتراض الثاني: مناشئ الشك بالنسبة لغير المقصود بالإفهام لا تصلح للتفصيل المتقدم‏

و هو الاعتراض الصحيح الذي اختاره السيّد الشهيد (قدس) لابطال التفصيل المتقدّم بين المقصود بالإفهام و غيره، و بيانه يتوقف على استعراض مناشئ الشك بالنسبة لغير المقصود بالإفهام في مراد المتكلّم، و احتمال ارادته خلاف الظاهر، لنرى أن أي شي‏ء منها لا يصلح ملاكاً للتفصيل المتقدّم، و هذا ما سنتناوله في العنوان التالي مباشرة.

مناشئ الشك في القرينة بالنسبة لغير المقصود بالإفهام:

قوله (قدس) ص 282: «إن شك الشخص غير المقصود بالإفهام ... إلخ».

إن شك الشخص غير المقصود بالإفهام في إرادة المتكلّم للمعنى الظاهر، و احتمال إرادته خلاف ذلك، ينشأ من أحد أمور خمسة:

المنشأ الأوّل: احتمال كون المتكلّم متعمداً للإجمال، و متستراً بمقصوده، و غير مريد لتفهيمه بكلامه، فأخلّ بذكر القرينة تعمداً لأجل الإخفاء على السامع، بمعنى: أن المتكلّم يريد خلاف ما هو ظاهر كلامه، و لكن لم ينصب قرينة على ذلك؛ تعمداً للإجمال و تستراً على مقصوده.

و هذا الاحتمال يختص بالسامع غير المقصود بالإفهام، و لا يجري بشأن المقصود

174

بالإفهام؛ لأنه لا معنى لأنّ يكون مقصوداً بالإفهام من قبل المتكلم، و يكون المتكلم متستراً بمقصوده، فهذا من التناقض.

المنشأ الثاني: احتمال كون المتكلّم قد اعتمد على قرينة منفصلة لبيان إرادته لما هو خلاف الظاهر من كلامه.

و هذا الاحتمال نسبته إلى المقصود بالإفهام و غيره على حدٍّ سواء؛ لأنّ احتمال القرينة المنفصلة، كما يكون في حق المخاطب و المقصود بالإفهام، كذلك يكون في حق غيره أيضاً.

المنشأ الثالث: احتمال كون المتكلّم قد اعتمد على قرينة متصلة لبيان إرادته لخلاف الظاهر، و لكن السامع قد غفل عنها.

و هذا الاحتمال أيضاً نسبته إلى المقصود بالإفهام و غيره على حدٍّ سواء؛ إذ كما يحتمل أن يكون المقصود بالإفهام قد غفل عن تلك القرينة، كذلك يحتمل أن يكون غير المقصود بالإفهام، السامع لذلك الكلام، قد غفل عنها أيضاً (1).

المنشأ الرابع: احتمال أن يكون المتكلّم و المخاطب قد اتفقا على قرينة ذات دلالة خاصّة، لا يفهمها غير المقصود بالإفهام، كأن اتفقا على رمز معين، أو اصطلاح خاص بينهما، و اعتمد المتكلم في كلامه على تلك القرينة الخاصّة المتفق عليها بينه و بين المخاطب المقصود بالإفهام.

المنشأ الخامس: احتمال أن يكون المتكلّم قد اعتمد على قرينة متصلة لبيان إرادته لخلاف الظاهر، و لكن لم تتمثل بلفظ، بل كانت قرينة حالية، كأن تكون مستفادة من لحن الخطاب، أو قسمات وجه المتكلّم، أو غير ذلك مما لا يعد لفظاً، و قد التفت إليها السامع، و لكن لم ينقلها إلينا لأجل عدم كونها لفظاً.

و هذا الاحتمال لا يجري في شأن السامع للكلام و المحيط بالمشهد، سواء كان مقصوداً

____________

(1) لا يتوهم هنا و يقال: إنه إذا كان الشخص سامعاً للكلام فكيف لا يكون مقصوداً بالإفهام؟ فإن مثل هذا التوهم باطل؛ و ذلك لأنّ السامع للكلام أعم من كونه مقصوداً بالإفهام من قبل المتكلم أو غير مقصود بالإفهام؛ و ذلك لأنّ قصد الإفهام و التفهيم بيد نفس المتكلم، و أما الاستماع إلى كلامه من قبل شخص آخر، فقد يكون خارجاً عن إرادة المتكلم و اختياره، كما لو كان يوجه كلامه إلى شخص معيّن و مرّ شخص آخر فسمعه مع إنه غير مقصود به أصلًا.

175

بالإفهام أم غير مقصود بذلك.

حيثيات الكشف النافية للقرينة موجودة على المناشئ الخمسة:

قوله (قدس) ص 284: «و حجية الظهور في حق غير السامع ... إلخ».

و بعد أن اتضحت المناشئ الخمسة للشك في القرينة بالنسبة للشخص غير المقصود بالإفهام، نقول:

لكي يكون الظهور حجّة بالنسبة لغير السامع ممّن لم يقصد افهامه، فلا بدّ من ابراز حيثيات كشف مبرّرة عند العقلاء لنفي تلك الاحتمالات الخمسة بشأنه، و لا يكفي مجرّد القول برجوعه إلى أصالة عدم القرينة من دون ابراز تلك الحيثيات، و هذه الحيثيات موجودة فعلًا في كل واحد من تلك الاحتمالات الخمسة، كما يتضح ذلك من خلال البيان التالي:

أولًا: حيثية الكشف النافية للقرينة على المنشأ الأول‏

أمّا بالنسبة للحيثية الكاشفة عن عدم ارادة خلاف الظاهر على المنشأ الأوّل، فهي عبارة عن: أن ظاهر حال كل متكلّم عاقل ملتفت، هو: أن يكون في مقام تفهيم مراده بكلامه، فيتم التمسك بهذا الظهور الحالي لنفي احتمال القرينة الناشئ من تعمّد الاجمال، أو التستر على المقصود بالنسبة إلى كل من المقصود بالإفهام و غيره على حدٍّ سواء؛ لأنّ كلًا منهما يكون موضوع الحجية بالنسبة اليه منوطاً بعدم القرينة المتصلة على الخلاف، و كل منهما يقطع بعدمها، و إنّما احتمل إرادة خلاف الظاهر لاحتمال كون المتكلم متستراً بمقصوده، و هو منفي بالظهور الحالي، فيتم تطبيق أصالة الظهور مباشرة بدون حاجة إلى الرجوع إلى أصالة عدم القرينة؛ لعدم وجود شك في القرينة بحسب هذا الفرض.

ثانياً: حيثية الكشف النافية للقرينة على المنشأ الثاني‏

و أمّا بالنسبة للحيثية الكاشفة عن عدم القرينة على المنشأ الثاني، فهي عبارة عن: ظهور حال كل متكلّم في كونه في مقام بيان تمام مراده بشخص كلامه لا بمجموع كلماته، فإذا انتهى من شخص كلامه، انعقد لكلامه ظهور في إرادة المعنى المتحصّل من شخص هذا الكلام، فلو جاء بقرينة منفصلة بعد ذلك على خلاف ذلك الظهور، لحصل التعارض بين ظهور القرينة و ظهور ذي القرينة، و هذا يعني: أن وجود القرينة المنفصلة فضلًا عن احتمالها

176

لا يحول دون تحقق الظهور، و إذا انعقد الظهور، تم موضوع الحجّية، و كان ذلك الظهور حجّة، فيكون الظهور بالنسبة لغير المقصود بالإفهام في هذه الحالة محرزاً بالوجدان، حاله حال المقصود بالافهام بالنسبة إلى احتمال القرينة المنفصلة.

ثالثاً: حيثية الكشف النافية للقرينة على المنشأ الثالث‏

و أمّا بالنسبة للحيثية الكاشفة عن عدم القرينة على المنشأ الثالث، فهي عبارة عن: كون الغفلة خلاف العادة و الظهور الحالي للسامع بكونه ملتفتاً، و متوجهاً، و صاغياً إلى الكلام الذي يستمع إليه، فيتم نفي القرينة في هذه الحالة بأصالة عدم الغفلة، من دون فرق بين المقصود بالإفهام و غير المقصود بالإفهام، و معه، يتم احراز الظهور بالنسبة إلى كل واحد منهما، و يكون ذلك الظهور حجّة في حق كل واحد منهما.

رابعاً: حيثية الكشف النافية للقرينة على المنشأ الرابع‏

و أمّا الحيثية الكاشفة عن عدم القرينة على المنشأ الرابع الذي يبتني عليه التفصيل المتقدّم، فهي عبارة عن: أنّ ظاهر حال كل متكلّم عرفي حينما يتكلّم بقصد التفهيم، هو: أنه يعتمد على الأدوات العرفية في التفهيم، و الجري على وفق الأساليب العامّة في التعبير عن مراده و مقصوده، و بهذا الظهور الحالي يتم نفي احتمال القرينة الناشئ من احتمال كون المتكلم و المخاطب قد اتفقا على قرينة خاصّة، كرمز معيّن، أو اصطلاح خاص بينهما؛ فإنّ ذلك على خلاف الظهور الحالي المتقدّم، و مع نفي احتمال القرينة بهذا الظهور الحالي، يتنقح موضوع الحجّية، و يكون ذلك الظهور حجّة بالنسبة لمن لم يقصد إفهامه بذلك الكلام.

خامساً: حيثية الكشف النافية للقرينة على المنشأ الخامس‏

و أمّا الحيثية الكاشفة عن عدم القرينة على المنشأ الخامس، فهي عبارة عن: الشهادة الضمنية للناقل للكلام بأنّه قد نقل إلينا كل ما له دخل من القرائن الخاصّة في فهم المراد، و من دون حذف أي شي‏ء منها، و بهذه الشهادة الضمنية يتم نفي احتمال القرينة الناشئ من عدم نقل الناقل لها لكونها متمثلة بلحن الخطاب، أو قسمات وجه المتكلّم، و معه، يتم احراز موضوع الحجّية، و يكون ذلك الظهور حجّة حتى بالنسبة لمن لم يكن مخاطباً و سامعاً

177

للكلام مباشرة، كما هو الحال بالنسبة إلى الروايات الواصلة إلينا عن طريق الثقات، باعتبار عدم حضورنا مجلس التخاطب.

و من خلال جميع ما سبق، تبيّن بطلان القول الأوّل من التفصيل في حجّية الظهور بين المقصود بالإفهام و غيره، و ثبت كون الظهور حجّة بالنسبة للمقصود بالإفهام و غير المقصود

بالإفهام من دون فرق بينهما (1).

القول الثاني: التفصيل بين من يحصل له ظن فعلي بالخلاف و غيره‏

قوله (قدس) ص 284: «القول الثاني: و توضيحه أن ظهور الكلام ... إلخ».

و هذا القول يتجه إلى التفصيل في حجّية الظهور بين بعض أقسام الظهور و البعض الآخر منها، فقد ذهب أصحاب هذا القول إلى عدم حجّية الظهور الذي يحصل معه الظن بخلافه، و حجّية الظهور الذي لا يحصل معه الظن بالخلاف، بل تشدّد البعض، و اشترط حصول الظن بالوفاق، و لا يكفي مجرّد عدم حصول الظن بالخلاف في حجّية الظهور.

إن الظهور باعتباره أمارة ظنية عقلائية كاشفة عن المراد، فهو يقتضي بطبعه حصول الظن على الأقل بأنّ المعنى الظاهر هو المراد للمتكلّم، فإذا لم يحصل مانع يمنع عن تأثير المقتضي لأثره، من قبيل: أن توجد أمارة ظنية على خلاف ذلك الظهور، كقياس أو غير ذلك، أثر الظهور فيما يقتضيه، و حصل الظن الفعلي بالمراد على وفق ذلك الظهور، و أمّا لو حصلت أمارة ظنية على خلاف ذلك الظهور، كما لو أبتلي الظهور بقياس على خلافه، فسوف يقع التزاحم بين أمارية الظهور و كشفه عن كون الظهور هو المراد، و بين‏

____________

(1) و هذا ما ذهب إليه المحقق العراقي حيث قال: «و اما دعوى اختصاص حجية الظهور لدى العقلاء بما لو أحرز كون المتكلم في مقام تفهيم مرامه لكل أحد لا لشخص خاص و الا فلا يفيد لغيره الظن بالمراد و لو نوعا فمدفوعة بمنع الاختصاص، بل الظاهر هو كفاية مجرد كون المتكلم في مقام تفهيم مرامه و لو لشخص خاص في الاخذ بظهور كلامه كما يكشف عنه الزام العقلاء المتكلم بما هو ظاهر كلامه عند سماع كلامه الملقى إلى غيره، و لذا ترى انه لو وقع كتاب شخص إلى شخص بيد ثالث لا يتأمل ذاك الثالث في استخراج مراده من كتابه و ترتيب الأثر عليه و لذلك جرى ديدن الأصحاب (رضوان الله تعالى عليهم) على الاخذ بظواهر الاخبار الصادرة عن المعصومين في جواب السائلين و استفادة الأحكام الشرعية منها مع كون المقصود بالافهام فيها هم السائلون فتأمل». راجع: نهاية الأفكار، ج 3، ص 91.

178

أماريّة القياس المخالف و كشفه عن عدم إرادة الظاهر، و هنا: تارة تمنع تلك الأمارة الظنية على الخلاف عن حصول الظن الفعلي بالوفاق خاصّة من دون أن تكون موجبة للظن الفعلي بالخلاف، و أُخرى تمنع عن حصول الظن الفعلي بالوفاق، و توجب أيضاً حصول الظن الفعلي بالخلاف، فالصور في المقام ثلاثة:

الأولى: حصول الظن الفعلي بالوفاق.

الثانية: عدم حصول الظن الفعلي بالوفاق مع عدم حصول الظن الفعلي بالخلاف أيضاً.

الثالثة: حصول الظن الفعلي بالخلاف.

و قد فصّل في حجّية الظهور و عدمه بين هذه الصور الثلاث، فقيل بعدم حجّية الظهور في الصورة الثالثة، و حجّيته في الصورتين: الأولى و الثانية، و ذهب البعض إلى أكثر من ذلك، و قال بحجّية الظهور في الصورة الأولى خاصّة، و عدم حجّيته في الصورتين الثانية و الثالثة.

الوجه المدّعى للتفصيل المتقدم:

قوله (قدس) ص 285: «و يمكن تبرير هذا القول بأن حجية ... إلخ».

و الوجه في التفصيل المتقدم، هو: أن حجّية الظهور حجّية عقلائية قائمة على أساس حيثية الكشف النوعي في الظهور، بمعنى: كون الظهور كاشفاً عن مراد المتكلم، و ليس العمل بالظهور قائماً على أساس التعبّد المحض و هذا ما ذكرناه مراراً، و على هذا، فلا معنى لثبوت الحجّية في الموارد التي لا يكون للظهور فيها تأثير في الكشف و الظن الفعلي بالمراد على وفقه، كما في الصورتين: الثانية و الثالثة، أو على الأقل في الصورة الثالثة.

اعتراض الأعلام على هذا التفصيل:

قوله (قدس) ص 285: «و قد اعترض الأعلام على هذا التفصيل ... إلخ».

هذا، و قد اعترض الأعلام على هذا التفصيل بما حاصله: إن دليل حجّية الظهور هو السيرة العقلائية، و بناء العقلاء على العمل بالظهور، و اعتباره كاشفاً عن مراد المتكلم، و لو راجعنا العقلاء و نظرنا إلى عملهم، لا نجدهم يفرقون في مجال عملهم بالظهور بين حالات الظن الفعلي بالوفاق و غيرها، بل نجدهم يعملون بالظهور في جميع الحالات، سواء حصل‏

179

لهم ظن فعلي بالوفاق أم لا، و هذا بدوره يكشف عن الحجّية المطلقة عند الشارع؛ لأنّ الشارع قد أمضى ما عليه العقلاء.

مناقشة هذا الاعتراض:

قوله (قدس) ص 286: «و هذا الاعتراض من الأعلام قد يبدو غير صحيح ... إلخ».

و قد نوقش في الاعتراض السابق بما حاصله: إن دعوى أنّ العقلاء لا يفرقون في مجال عملهم بالظهور بين الحالات التي يحصل فيها الظن الفعلي بالوفاق و الحالات التي لا يحصل فيها ذلك، يبدو أنّها غير صحيحة على اطلاقها؛ لأننا لو رجعنا إلى العقلاء، لوجدنا أنهم لا يعملون بالظهور في حالات حصول الظن بخلافه و عدم حصول الظن الفعلي بالوفاق، فإننا نجد أن التاجر إذا أراد تحديد سعر سلعة معيّنة، لا يعمل بظهور كلام تاجر آخر إذا حصل له ظن فعلي بإرادة خلاف الظاهر، و كذلك المشتري، إذا اراد أن يعرف وزن سلعة معيّنة، فإنّه لا يعتمد على كلام البائع في تحديد وزنها إذا ظن بأنّه لا يريد ما هو ظاهر كلامه بل يريد غير ذلك. و إذا كان الأمر كذلك فكيف يمكن أن يقال: إنّ العقلاء يعملون بالظهور مطلقاً سواء حصل لهم الظن الفعلي بالوفاق أم لم يحصل لهم ذلك؟

تعميق المحقق النائيني (قدس) لأصل الاعتراض:

قوله (قدس) ص 286: «و من هنا عمّق المحقق النائيني ... إلخ».

و نتيجة لما تقدّم من المناقشة على الاعتراض المتقدّم، حاول المحقق النائيني تعميق اعتراض الأعلام على التفصيل المتقدّم بأكثر مما ذكر، و ذلك بالتمييز بين مجالين بالنسبة لعمل العقلاء بالظهور (1).

أحدهما: عملهم بالظهور في مجال تحصيل أغراضهم الشخصية و التكوينية.

و الآخر: عملهم بالظهور في مجال أغراضهم التشريعية و تنظيم علاقات الآمرين‏

____________

(1) قال في فوائد الأصول، المجلد الثاني (ج 3)، ص 145: «فرق بين ما إذا تعلق الغرض باستخراج واقع مراد المتكلم من ظاهر كلامه، فهذا لا يكون إلا بعد الوثوق بأنّ الظاهر هو المراد وعليه بناء العقلاء، و بين ما إذا كان الغرض الإلزام و الالتزام بالظواهر في مقام الحجة و الاحتجاج». فأشار في الشق الأول من كلامه إلى المجال الأول، و في الشق الثاني إلى المجال الثاني.

180

بالمأمورين.

فإن هناك فرقاً بين عملهم بالظهور في المجال الأوّل، و عملهم به في المجال الثاني، ففي‏

المجال الأوّل لا يعملون بالظهور لمجرّد اقتضائه للكشف النوعي ما لم يحصل الكشف الفعلي و الظن بالوفاق، بمعنى: أن المعتبر عندهم في هذا المجال هو الكشف الشخصي، بحيث يحصل لهم الظن الفعلي بمراد المتكلّم، و أما في المجال الثاني، فهم يكتفون بمجرّد الكشف النوعي الاقتضائي للظهور في مقام التنجيز و التعذير، و إن لم يحصل لهم ظن فعلي بالوفاق، بل حتى لو حصل لهم ظن فعلي بالخلاف، فالعبرة عندهم في هذا المجال بالكشف النوعي لا الكشف الشخصي.

و ما ذكر من أمثلة في المناقشة المتقدمة، فهو داخل في المجال الأوّل لا الثاني.

تعليق السيد الشهيد (قدس) على محاولة المحقق النائيني (قدس):

قوله (قدس) ص 287: «و هذا الكلام و إن كان صحيحاً ... إلخ».

هذا و قد علّق السيد الشهيد (قدس) على ما قام به المحقق النائيني (قدس) من تعميق لاعتراض الأعلام عن طريق التمييز بين العمل بالظهور في مجال الأغراض الشخصية و التكوينية للعقلاء، و بين العمل بالظهور في مجال الأغراض التشريعية لهم، بأن قال: إنّ ما ذكره المحقق النائيني (قدس) و إن كان صحيحاً في نفسه، و لكنّه لم يبرز لنا نكتة الفرق بين المجالين، و لم يبيّن لنا لما ذا يكتفى بمجرّد الكشف النوعي و إن لم يحصل الظن الشخصي في المجال الثاني و لا يكتفى بذلك- بل لا بدّ من حصول الظن الشخصي الفعلي- في المجال الأوّل؟ كما أنّه لا يستطيع أن يحل الشبهة التي استند إليها المفصّل في تفصيله المتقدّم بين الظهور الذي يحصل معه الظن الفعلي بالوفاق و الظهور الذي لا يحصل معه ذلك، و القول بحجّية الأوّل دون الثاني‏ (1).

____________

(1) لكن، يمكن أن يقال بأن ما ذكره المحقق النائيني من أن العقلاء و إن كانوا لا يكتفون بالظن النوعي في مجال أغراضهم الشخصية و التكوينية و لكنهم يكتفون بذلك في مجال الأغراض التشريعية، يكفي لحل الشبهة التي استند إليها المفصّل و إن لم يبرز لنا نكتة الفرق بين المجالين، و ذلك لأنّ المفصّل قد استند في هذا التفصيل إلى دعوى أن العقلاء لا يعملون بالظهور في فرض عدم تأثير الظهور في الكشف الظني الفعلي، و هذا يعني: إنكاره لوجود سيرة عقلائية قائمة على العمل بالظهور اعتماداً علي الكشف النوعي من دون أن يحصل الظن الفعلي على وفق الظهور. و المحقق النائيني، عند ما أجاب بالتمييز بين مجالين في عمل العقلاء بالظهور، أراد أن يثبت بذلك أن سيرة العقلاء قائمة فعلًا على العمل بالظهور بمجرّد اقتضائه للكشف النوعي في مجال أغراضهم التشريعية، و إن كانوا لا يكتفون بذلك في مجال تحصيل الأغراض الشخصية، و إن المفصل إنّما قصر نظره على المجال الأوّل من عمل العقلاء بالظهور من دون أن يلاحظ عملهم في المجال الثاني.

181

اعتراض السيّد الشهيد (قدس) على التفصيل المتقدّم:

قوله (قدس) ص 287: «فالتحقيق الذي يفي بذلك أن يقال ... الخ».

إن التفصيل في حجّية الظهور بين الظهور الذي يحصل بموجبة الظن الفعلي بالوفاق و الظهور الذي لا يحصل معه ذلك، أو الذي يحصل معه ظن فعلي بالخلاف، لا مبرّر له أصلًا، و ما ذكر في تبرير ذلك، من أن حجّية الظهور تقوم على أساس كاشفية الظهور و ليست حكماً تعبدياً، و إن كان صحيحاً، و لكن ما فرّعه على ذلك، من أنّه لا معنى لثبوت الحجّية في فرض عدم تأثير الظهور في الكشف الظني الفعلي على وفقه، ليس صحيحاً، و توضيح ذلك:

إنّنا إذا أردنا أن نعرف المناط في حجّية الظهور، و هل هو الكشف الفعلي الشخصي أو هو مجرّد الكشف النوعي؟ لا بدّ لنا من أن نرجع في تشخيص ذلك إلى جاعل تلك الحجّية للظهور، و هو: الشارع، و من الواضح أن ملاك حجّية الظهور الذي اقتضى العمل على وفقه، هو عبارة عن: كون الظهور كاشفاً عن مراد المتكلّم، و هذا مسلّم و لا نقاش فيه، و لكن هذا الكشف الذي جعل ملاكاً لحجّية الظهور، هل هو الكشف عند المكلّف العامل بالظهور، بحيث أنه متى ما حصل له الكشف عن المراد عن طريق الظهور، كان ذلك الظهور حجّة بالنسبة إليه، و إن لم يحصل له الكشف عن ذلك، لم يكن ذلك الظهور حجّة، أو أنّ الملاك في ذلك هو الكشف بنظر المولى، بمعنى: إنّ المولى عند ما يرى أنّ ظاهر كلامه كاشف ظنّي عن مراده، يجعل ذلك الظهور حجّة؟

و الصحيح: إن ملاك حجّية الظهور هو الكشف بنظر المولى، و ليس الكشف لدى المكلّف العامل بالظهور؛ لأنّ المولى هو الذي من شأنه أن يحدّد الطريق الذي يستطيع من خلاله حفظ أغراضه التشريعية، و ليس ذلك من شأن المكلّف نفسه، فالمولى حينما يلحظ ظواهر كلامه‏

182

الذي صدر منه، فتارة يلحظها بنظرة تفصيلية، بمعنى أنه يلحظ ظاهر كلامه الأوّل، و يرى أنّه‏

مراد له أو غير مراد، و يلحظ ظاهر كلامه الثاني، و يرى أيضاً إنّه مراد له أو غير مراد، و يلحظ ظاهر كلامه الثالث، و يرى أنّه مراد له أو غير مراد، و هكذا، بحيث ينظر إلى كل ظاهر من ظواهر كلامه بنظرة تفصيلية، فهنا يستطيع أن يميز بصورة جازمة و قاطعة بين ما هو مراد له من الظاهر، و ما هو غير مراد له، فيجد مثلًا أن الظاهر من كلامه الأوّل هو المراد له، و الظاهر من كلامه الثاني غير مراد له، بل المراد ما كان خلاف ظاهره، و هكذا، لأنّه أعرف بمراده.

و تارة أخرى يلحظ ظواهر كلامه بنظرة اجماليّة من دون أن ينظر إلى هذا الظاهر بالخصوص أو إلى ذلك الظاهر بالخصوص، بل ينظر إليها بمجموعها، فإن وجد أن الغالب فيها هو إرادة المعنى الظاهر، و أن أغلب الظواهر مطابق للواقع، فإنّه سوف يجعل تلك الغلبة كاشفاً ظنّياً عنده عن إرادة المعنى الظاهر في كل كلام صدر منه، و هذا الكاشف الظني عند المولى عن إرادة المعنى الظاهر هو الملاك في جعل الحجّية للظهور؛ و ذلك لأنّ الظهور أمارة ظنّية على المراد الواقعي، و الحجّية المجعولة لتلك الامارة حكم ظاهري يُراد به حفظ الاغراض الواقعية الأكثر أهمّية من غيرها، و قد تقدّم أن الأحكام الظاهرية المجعولة في باب الأمارات تكون بلحاظ أهمّية الاحتمال و غلبة مصادفته للواقع‏ (1)، و حيث إنّ الغالب من تلك الظواهر مطابق للواقع فهذا يعني أنّ احتمال مصادفة تلك الظواهر للواقع أقوى من احتمال مخالفتها له، فتجعل الحجّية للظهور وفقاً لقوة احتمال المصادفة و غلبتها (2).

____________

(1) و ليس دقيقاً ما عبر به الشيخ الايرواني حفظه الله في شرح الحلقة الثالثة، في الجزء الثاني، ص 179، حيث قال: «إن حجية الظهور أمارة و ليست أصلًا؛ لأن الحجية تثبت للظهور من جهة قوة كاشفيته عن المراد، و قد تقدم أن كل حكم ظاهري ينشأ من قوة الكاشفية هو أمارة، و ليس أصلًا».

و الوجه في عدم دقة ذلك، هو: أن الامارة عبارة عن الظهور، و أما نفس الحجية، فلا يطلق عليها أنها أمارة كما هو واضح. فالتعبير الدقيق هو أن يقال: إنّ الأحكام الظاهرية المجعولة في مورد إن كان جعلها في ذلك المورد لأجل قوة كاشفيتها، و غلبة مصادفتها للواقع، سمي ذلك المورد أمارة، و الحجية حكم مجعول لتلك الأمارة، لا أنها بنفسها هي أمارة.

و يؤيد ما ذكرناه قول السيد الشهيد في القسم الأول من الحلقة الثالثة، ص 32: «و يسمى الطريق بالامارة، و يسمى الحكم الظاهري بالحجية، من قبيل حجية خبر الثقة».

(2) و لتوضيح ذلك أكثر، نفترض أن ما صدر من المولى فيما كان له ظاهر عبارة عن خمسة أقوال:

الأوّل: قوله: «اقم الصلاة»، الثاني: قوله: «أدع عند رؤية الهلال»، الثالث: قوله: «اكرم العالم»، الرابع: قوله: «لا تشرب الخمر»، الخامس: قوله: «لله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلًا».

فقوله الأوّل ظاهر في وجوب الصلاة، و يمكن أن يريد به الاستحباب، و الثاني ظاهر في وجوب الدعاء، و يمكن أن يريد به الاستحباب، و الثالث ظاهر في وجوب اكرام مطلق العالم، و يمكن أن يريد به وجوب اكرام خصوص العادل، و الرابع ظاهر في حرمة شرب الخمر، و يمكن أن يريد به الكراهة، و الخامس ظاهر في وجوب الحج، و يمكن أن يريد به الاستحباب.

فلو لاحظ المولى ظواهر كلامه في اقواله المتقدّمة بنظرة تفصيلية، كان له أن يحدّد لنا بصورة جازمة ما هو المراد من الظاهر منها و ما ليس بمراد؛ لانّه عالم بمراده، فيرى مثلًا أن قوله الأوّل ظاهر في الوجوب و هو المراد له فعلًا، و يرى أن قوله الثاني ظاهر في الوجوب أيضاً، و لكن لم يكن مراده الوجوب، بل كان مراده استحباب الدعاء عند رؤية الهلال، و يرى أن قوله الثالث ظاهر في وجوب اكرام مطلق العالم، و لكن ذلك ليس بمراد له، و إنّما مراده وجوب اكرام خصوص العالم العادل، و يرى أن قوله الرابع ظاهر في الحرمة، و هي مرادة له، و إن قوله الخامس ظاهر في الوجوب، و هو مراد له، و هكذا.

كما أنه لو لاحظها بنظرة اجمالية، لوجد أن أغلب تلك الظواهر مرادة له، فيجعل الحجّية لظاهر كل كلام قد صدر منه؛ حفظاً لما هو الأهم من أغراضه الواقعية، بملاك تلك الغلبة و قوة احتمال المصادفة للواقع؛ لأنّ حفظ ثلاثة أغراض واقعية- و هي بحسب المثال المتقدم عبارة عن: الغرض الأوّل، و الغرض الرابع، و الغرض الخامس- أهم عند المولى من حفظ غرضين واقعين، و هما: الغرض الثاني، و الغرض الثالث، بحيث يؤدي حفظهما إلى ضياع ثلاثة أغراض واقعية.

183

و من الواضح: أنّ قوة الاحتمال التي تؤثر في اهتمام المولى، و التي توجب الحكم على طبقها، إنّما هي قوّة احتماله لا قوّة احتمال المكلّف، و هذا يعني، أن الحجّية المجعولة للظهور، إنّما تناط بحيثية الكشف الملحوظة لدى المولى، لا بالظن و الكشف الفعلي لدى المكلّف، و من الواضح: أن تلك الحيثية الملحوظة لدى المولى ليست هي إلّا الظهور بما هو ظهور، حصل معه ظن فعلي بالوفاق لدى المكلف العامل بالظهور، أم لم يحصل ذلك، بل حتى لو حصل الظن الفعلي بالخلاف، فكلما كان كلام المولى ظاهراً في إرادة معنى معيّن، كان حجّة من دون أن يشترط مع ذلك شي‏ء آخر، كحصول الظن الفعلي بالوفاق، أو عدم حصول الظن الفعلي بالخلاف.

و بهذا يبطل التفصيل المتقدّم في حجّية الظهور، و على هذا الأساس أيضاً، اختلف عمل العقلاء بالظهور في مجال أغراضهم الشخصية و التكوينية عن مجال أغراضهم التشريعية، حيث إنّهم لا يعملون بمجرّد الظهور لو لم يحصل لهم ظن فعلي على وفقه في المجال الأوّل، و يكتفون بمجرّد الظهور و إن لم يحصل معه ظن فعلي على وفقه في‏

184

المجال الثاني؛ لأنّ المناط في العمل بالظهور في المجال الأوّل، هو: كاشفيته عن المراد لدى نفس العامل به، فمن الطبيعي أن يكون منوطاً بحصول الظن الفعلي له، و هذا بخلاف المجال الثاني؛ فإنّ المناط في العمل بالظهور، هو: كاشفيته لدى نفس الآمر، الموجبة لشدّة اهتمامه، و التي تدعو إلى جعل الحجّية.

فالصحيح إذن هو أن الظهور حجة مطلقاً، من دون فرق بين ظواهر القرآن و غيره، و لا بين من قصد إفهامه و غيره، و لا بين من حصل له الظن الفعلي بالوفاق و غيره.

الخلط بين الظهور و الحجّية:

قوله (قدس) ص 288: «اتضح مما تقدم أن مرتبة الظهور ... الخ».

الغرض من عقد هذا البحث، هو: بيان دور القرينة المنفصلة بالنسبة إلى الظهور التصديقي الذي يكون موضوعاً للحجّية، و مدى تأثيرها على ذلك، و هذا، و إن كان قد تقدّم التعرّض له بنحو الاختصار عند البحث عن تشخيص موضوع الحجّية، و لكن نريد هنا أن نبيّن ما ورد في كلمات المحقق النائيني (قدس) الذي يكون بظاهره خلطاً بين الظهور و الحجّية (1)، و قبل التعرّض إلى ذلك، و بيان وجه الخلط في كلماته، لا بدّ من الرجوع قليلًا إلى أقسام الدلالة، و مدى تأثير القرينة المتصلة أو المنفصلة على كل واحد من تلك الأقسام، فنقول:

إن للكلام الصادر من أي متكلّم عاقل ملتفت جاد ثلاثة أقسام من الدلالة و الظهور:

1- مرتبة الظهور التصوري و الدلالة التصورية، و هي عبارة عن خطور المعنى في ذهن السامع عند سماعه للفظ، و هذه المرتبة من الظهور متقوّمة بالوضع بشرط العلم به؛ لأنّ الوضع لوحده لا يكفي لتحقق ذلك الانسباق و الظهور ما لم يكن السامع عالماً بالوضع كما هو واضح، و هذا يعني: أنّه لا يوجد أي أثر و لا دور للقرينة المتصلة أو المنفصلة على هذه المرتبة من الظهور، فيبقى الظهور محفوظاً حتى في حالة قيام القرينة المتصلة على الخلاف فضلًا عن احتمالها.

2- مرتبة الظهور التصديقي بلحاظ الدلالة التصديقية الأولى، الكاشف عن المراد الاستعمالي، و أنّ المتكلم كان قاصداً لإخطار تلك المعاني في الذهن، و هذه المرتبة

____________

(1) راجع: فوائد الأصول، المجلد الثالث (ج 4)، ص 716.

185

متقوّمة بعدم القرينة المتصلة؛ لأنّها تعتمد على ظاهر حال المتكلم في إرادة المعنى الحقيقي من اللفظ، فإذا نصب قرينة على خلاف ذلك، كان اللفظ ظاهراً في إرادة المعنى المجازي دون الحقيقي.

3- مرتبة الظهور التصديقي بلحاظ الدلالة التصديقية الثانية، الكاشف عن المراد الجدّي، و أن المتكلّم كان مريداً جداً لما قصد اخطاره في ذهننا من معاني، و هذه المرتبة متقوّمة أيضاً بعدم القرينة المتصلة على الخلاف؛ لأنّها تعتمد على الظهور الحالي و السياقي للمتكلّم في أنّه بصدد إفادة مراده بشخص كلامه لا بمجموع كلماته حتى التي تصدر منه في المستقبل.

وعليه، فإذا كانت هناك قرينة متصلة في كلامه، فإنها سوف تدخل في شخص كلامه، و لا تكون منافية في هذه الحالة لذلك الظهور الحالي.

و أمّا بالنسبة للقرينة المنفصلة، فلا دخل لعدمها في أصل الظهور، و لا يكون الظهور متقوّماً بعدم القرينة المنفصلة، و لأجل ذلك كان الإتيان بالقرينة المنفصلة على الخلاف منافياً للظهور الحالي؛ إذ لو لا انعقاد الظهور التصديقي مع عدم القرينة المتصلة في إرادة ما يقتضيه ذلك الظهور، لما كان الإتيان بالقرينة المنفصلة على خلاف ذلك الظهور الحالي، نعم، عدم القرينة المنفصلة يكون شرطاً في استمرار حجّية ذلك الظهور الذي انعقد، فلو جاء بالقرينة المنفصلة، سقط ذلك الظهور عن الحجّية.

و من هنا، اتضح دور القرينة المنفصلة و محل شرطية عدمها فعدمها ليس شرطاً في أصل الظهور، و إنّما هو شرط في استمرار الحجّية لذلك الظهور.

و بذلك يتضح وجه الخلط في كلمات المحقق النائيني (قدس) بين الظهور و الحجّية؛ حيث إنه تصوّر أن القرينة المنفصلة تزعزع أصل الظهور، و يكون حالها حال القرينة المتصلة، و يكون عدم حجّية مثل ذلك الظهور من باب السالبة بانتفاء الموضوع، مع أن الصحيح: أنّ دور القرينة المنفصلة اسقاط الحجّية عن ذلك الظهور مع الالتزام بانعقاده و انحفاظه حتى مع مجي‏ء القرينة المنفصلة، فيكون عدم حجّية ذلك الظهور من باب السالبة بانتفاء المحمول.

و بعبارة أُخرى: إن دور القرينة المنفصلة، عبارة عن الكشف عن عدم ثبوت المحمول- و هو: الحجّية- للموضوع- و هو: الظهور-، لا أنها تحول دون تحقق الموضوع للحجّية كما توهم ذلك المحقق النائيني (قدس)، حيث افترض وجود ثلاث رتب من الظهور كلها سابقة على‏

186

الحجّية و هي:

الأولى: مرتبة الظهور التصوّري.

الثانية: مرتبة الظهور التصديقي على نحو يسوغ لنا التأكيد على أنّه قال كذا وفقاً لهذا الظهور، و هذه هي المعبر عنها بالدلالة التصديقية الأولى.

الثالثة: مرتبة الظهور التصديقي على نحو يسوغ لنا التأكيد على أنّه اراد كذا وفقاً لهذا الظهور. و هذه هي المعبر عنها بالدلالة التصديقية الثانية (1).

و الأولى غير متقومة بعدم القرينة مطلقاً، و هذا مما لا نختلف معه فيه.

و الثانية متقوّمة بعدم القرينة المتصلة، و هذا أيضاً لا نختلف معه فيه بهذا المقدار. و الثالثة متقوّمة بعدم القرينة مطلقاً متصلة كانت أو منفصلة، و هذا هو محل الخلاف بنينا و بينه كما بيّنا ذلك.

و ذهب إلى أن الحجّية حكم مترتب على المرتبة الثالثة من الظهور، و حيث إنّها متقوّمة عنده بعدم القرينة مطلقاً، فهذا يعني: أنه متى ما جاءتنا قرينة متصلة كانت أو منفصلة، هدمت المرتبة الثالثة من الظهور، و يرتفع بذلك موضوع الحجّية، و يكون الكلام عن حجّية مثل هذا الظهور من قبيل السالبة بانتفاء الموضوع.

و هذا هو وجه الخلط في كلمات المحقق النائيني (قدس) بين الحجّية و الظهور، فتوهّم أن القرينة المنفصلة تمنع من انعقاد الظهور، كما هو الحال في القرينة المتصلة، مع أن الحال ليس كذلك، بل دور القرينة المنفصلة اسقاط ذلك الظهور الذي انعقد للكلام عن الحجّية، بمعنى أن الظهور الذي هو موضوع للحجّية، يبقى محفوظاً حتى مع مجي‏ء القرينة المنفصلة على خلافه، غاية الأمر، لا يكون ذلك الظهور الأوّلي حجّة، بل إن الظهور الحجّة، هو ما كان على وفق تلك القرينة.

____________

(1) ينبغي الالتفات إلى أنّ المحقق النائيني عبّر عن المرتبة الثانية من الظهور بقوله:) على نحو يسوغ لنا التأكيد على أنه قال كذا»، و عن المرتبة الثالثة بقوله:) على نحو يسوغ لنا التأكيد على أنه أراد كذا»، و قد يتوهم البعض أنّ المعنى واحد في العبارتين، و لكن بالتأمل في العبارتين المذكورتين، سوف يرتفع مثل هذا التوهم؛ فإنّ المعنى المستفاد من قوله:) أنه قال كذا»، غير المعنى المستفاد من قوله:) أنه أراد كذا»؛ فإنّه أشار في الأولى إلى مرحلة الكلام و الاستعمال بينما أشار في الثانية إلى مرحلة الإرادة الجدية فانتبه.

187

تعليق السيد الشهيد (قدس) على كلام المحقق النائيني (قدس):

قوله (قدس) ص 290: «و هذا الكلام لا يمكن قبوله بظاهره ... الخ».

هذا، و قد علّق السيد الشهيد (قدس) على ما جاء في كلام المحقق النائيني (قدس) بما حاصله:

إن المستفاد من كلمات المحقّق النائيني (قدس) المتقدّمة عبارة عن أمرين:

الأوّل: إنّه جعل الظهور التصديقي موضوعاً لحجّية الظهور، و ليس الظهور التصوّري.

الثاني: إنّه اعتبر ذلك الظهور متقوّماً بعدم القرينة مطلقاً، سواء كانت متصلة، أم منفصلة.

و نحن لا خلاف لنا معه في الأمر الأوّل؛ لما تقدّم من أن موضوع الحجّية، هو: الظهور التصديقي و ليس التصوّري، و لكننا لا نقبل منه الأمر الثاني؛ فإنّ الظهور التصديقي للكلام في إرادة المعنى الحقيقي، ليس متقوّماً بعدم القرينة المنفصلة، بل هو متقوّم بعدم القرينة المتصلة فقط، و الوجه في ذلك، هو: أن الظهور التصديقي الكاشف عن المراد الجدّي، منشأه ظهور حال المتكلّم في التطابق بين المدلول التصوّري و المدلول التصديقي في مرحلة الدلالة التصديقية الأولى، و التطابق بين المدلول التصديقي الأوّل و المدلول التصديقي الثاني المعبّر عن المراد الجدّي للمتكلّم، بمعنى: أنّ ما خطر في ذهننا من معنى في مرحلة الدلالة التصوريّة للكلام، هل كان المتكلم قاصداً لإخطاره أم لا؟ و إذا كان قاصداً لإخطاره، فهل هو مريد له جداً، أم لا؟

و الجواب على ذلك هو: إنّ ظاهر حاله باعتباره متكلّماً ملتفتاً عاقلًا، كان قاصداً لإخطار ذلك المعنى في ذهننا، أي: كونه قاصداً لاستعمال تلك الالفاظ في معانيها، و هذا معنى: أصالة التطابق بين المدلول التصوّري للكلام و المدلول التصديقي بلحاظ الدلالة التصديقية الأولى، الكاشف عن المراد الاستعمالي، أو الارادة الاستعمالية، ثم بعد ذلك تقول: إنّ ما قصد إخطاره في ذهننا من معنى، هل كان مريداً له جدّاً؟ أو أنه كان هازلًا في ذلك؟

و الجواب: هو أن ظاهر حاله باعتباره متكلماً عاقلًا ملتفتاً جاداً هو أنه كان مريداً جداً لما قصد اخطاره في ذهننا، و هذا معنى أصالة التطابق بين المدلول التصديقي الأوّل و المدلول التصديقي الثاني المعبّر عن المراد الجدّي للمتكلّم.

فمن خلال أصالة التطابق الأولى، يتم التوصّل إلى المدلول التصديقي الأوّل، و من خلال أصالة التطابق الثانية، يتم التوصل إلى المدلول التصديقي الثاني، أي المراد الجدّي للمتكلّم،

188

و من الواضح: أن المنظور في هذين التطابقين هو شخص الكلام بكل ما يتضمنه من خصوصيات، فإذا انتهى المتكلم من كلامه، و اكتمل شخص الكلام، تحدّد بذلك مدلوله التصوّري، و وفقاً لأصالة التطابق الأولى يتحدّد المدلول التصديقي الأوّل، و المعنى المستعمل فيه اللفظ، و إذا تم تحديد المعنى المستعمل فيه اللفظ، تنجّز ظهور حال المتكلم في أن ما قاله في مرحلة الدلالة التصوّرية و الدلالة التصديقية الأولى هو المراد له جداً.

فإذا جاءت قرينة منفصلة على خلاف ذلك الظهور، كان ذلك تكذيباً لذلك الظهور الحالي للمتكلّم، لا أنّه يكون نافياً لموضوعه، و من هنا كان الاعتماد على القرائن المنفصلة خلاف الأصل العقلائي؛ لأنّ ذلك على خلاف الظهور الحالي، و إلّا، فلو كان الاعتماد على القرائن المنفصلة يوجب نفي الظهور التصديقي الذي يكون موضوعاً لحجّية الظهور، لما كان ذلك على خلاف الطبع العقلائي؛ إذ لا فرق في هذه الحالة بين القرينة المتصلة و القرينة المنفصلة ما دام كل منهما يمنع من انعقاد الظهور التصديقي، و حيث نرى الفرق واضحاً بين الاعتماد على القرائن المتصلة و بين الاعتماد على القرائن المنفصلة، من كون الأولى موافقة للطبع العقلائي و الثانية على خلاف الطبع العقلائي، فهذا دليل على أن القرينة المنفصلة لا تمنع من انعقاد الظهور، و إنّما تسقطه عن الحجّية (1).

____________

(1) إن قلت: إنه سواء قلنا بأن القرينة المنفصلة تحول دون انعقاد الظهور أم قلنا بأنها تسقطه عن الحجية فقط، فإنه على كلا التقديرين لا يصح الاستناد إلى ذلك الكلام، وعليه، فلا ثمرة عملية لهذا البحث أصلًا.

كان الجواب: إن هناك ثمرة عملية مهمة تترتب على هذا الخلاف، و هي تظهر عند احتمال القرينة المنفصلة؛ فإنه إن قلنا بأن القرينة المنفصلة تحول دون انعقاد الظهور، فلا يمكن الأخذ بذلك الكلام للكشف عن مراد المتكلم، لأن الكاشف عن ذلك ليس هو إلا الظهور، و لا ظهور في المقام بحسب الفرض. و إن قلنا بأنها تسقطه عن الحجية فقط كما هو الصحيح، أمكن الأخذ بذلك الكلام للكشف عن مراد المتكلم اعتماداً على ذلك الظهور، و كان ذلك الظهور حجة؛ لأن المسقط لحجيته هو وصول القرينة لا مجرد احتمالها كما هو واضح.

إن قلت: إن الأول يمكنه أن ينقح موضوع الحجية اعتماداً على أصالة عدم القرينة، و بالتالي يمكنه الأخذ بذلك الظهور، فلا يبقى فرق بين الحالتين.

كان الجواب: إنه قد تقدم خلال البحث أن أصالة عدم القرينة ليست أصلًا تعبدياً يجري في كل مورد شككنا فيه بالقرينة، بل إن موضوعه الشك في القرينة المتصلة الناشئ من احتمال الغفلة، مع ان النافي للقرينة المنفصلة عند احتمالها هو عبارة عن كاشفية نفس الظهور، كما تقدم ذلك في البحث عن تشخيص موضوع الحجية.

ثم أنه لو تأملت قليلًا، لوجدت إن هذا البحث متداخل مع البحث عن تشخيص موضوع الحجية، و السيد الشهيد قد ذكر فيه بحسب ما جاء عنه في بحوث في علم الأصول: ج 4، ص 267 ما نصه: «و الاختلاف بين هذه الفرضيات، ربما يتصور أنّه مجرد خلاف نظري لا اثر عملي له، إلا أنّه سوف يظهر من خلال البحث وجود مغزى عملي له».

و من جميع ذلك، يظهر عدم الدقة في ما ذكره الشيخ الايرواني حفظه الله في شرح الحلقة الثالثة في الجزء الثاني، ص 185 في الحاشية حيث قال: «و الظاهر أن هذا البحث لا ثمرة عملية له».

189

الظهور الحالي‏ (1):

قوله (قدس) ص 291: «و كما أن الظهور اللفظي حجة كذلك ... الخ».

كان الكلام فيما سبق عن الظهور اللفظي، و الذي هو عبارة عمّا يظهر من اللفظ من معنى لدى السامع عند إطلاقه من قبل المتكلّم، و انتهينا إلى حجّيته، و نريد أن نعرف هنا إن حجّية الظهور التي ثبتت بالسيرة العقلائية الممضاة من قبل الشارع أو غيرها من الأدلّة الأخرى، هل هي مختصة بالظهور اللفظي؟ أم هي شاملة أيضاً حتى للظهور الحالي الذي لم يتجسّد بلفظ معيّن؟ لأنّ الظهور الحالي للإنسان العرفي، تارة يتجسّد في لفظ معيّن، كما إذا قال: «رأيت أسداً»، فتقول: ظاهر حاله إنّه يريد الإخبار حقيقة و جداً عن رؤية الحيوان المفترس، و أُخرى يكون ذلك الظهور الحالي مجرّداً عن أي لفظ و كلام، كأن يكون من قبيل الفعل، أو الحركة، أو الإشارة، أو السكوت أحياناً، بحيث يكون لذلك الحال مدلول عرفي ينسبق إليه ذهن الشخص الملاحظ لذلك الحال اجتماعياً، فهل إن مثل تلك الظواهر غير اللفظية حجّة أيضاً كالظواهر اللفظية، أم لا؟

و الجواب عن ذلك: هو أنّه لا فرق في حجّية الظهور بين الظهور اللفظي و الظهور الحالي الذي لم يتجسّد بلفظ، غاية الأمر، أنّ بعض الأدلّة التي ذكرت لإثبات حجّية الظهور اللفظي لا تجري هنا لاثبات حجّية الظهور غير اللفظي- أي: الظهور الحالي- فلا يمكن الاستدلال‏

____________

(1) ذكرنا سابقاً أن البحث عن الدليل الشرعي، سواء كان لفظياً أم غير لفظي، يقع في جهات ثلاث، و البحث الثالث منها كان عبارة عن البحث عن حجّية الدلالة، أو الظهور، و قد انتهينا من البحث عن حجّية الدلالة و الظهور في الدليل الشرعي اللفظي، و نريد هنا أن نبحث عن حجّية الدلالة أو الظهور في الدليل الشرعي غير اللفظي، و المعبّر عنه بالظهور الحالي، أو الظواهر غير اللفظية عموماً، كظهور فعل المعصوم في عدم الحرمة، و ظهور تركه لفعل ما في عدم الوجوب، و ظهور سكوته عن فعل في إمضائه و هكذا.

190

بسيرة المتشرعة لاثبات حجّية الظواهر غير اللفظية؛ فإنّ نكتة دليليّة السيرة المتشرعية عبارة عن قيامها فعلًا في عصر المعصومين على عمل معيّن، و في المقام لا يمكن إثبات قيام سيرة متشرعية في عصر المعصومين على العمل بظواهر الافعال أو الأحوال غير اللفظية، و الطريق الذي سلكناه لاثبات قيام تلك السيرة على العمل بالظواهر اللفظية، لا يمكن التمسّك به هنا؛ و ذلك لعدم شيوع و انتشار هذه الظواهر الحالية في حياة المتشرعة في مقام استنباط الأحكام الشرعية على وفقها حتى يمكن انتزاع تلك السيرة من خلال تلك الحالات المتعدّدة.

كما إنّه لا يمكن إثبات حجّية الظواهر غير اللفظية بالرجوع إلى الأدلّة اللفظية الآمرة بالتمسّك بالكتاب و الأحاديث الصادرة عن النبي (ص) و الأئمة (ع)؛ لعدم كون تلك الظواهر كتاباً، و لا حديثاً (1).

فالدليل الصحيح على حجّية الظواهر غير اللفظية، عبارة عن: التمسك بالسيرة العقلائية الممضاة من قبل الشارع، و لكن، بشرط أن لا يكون طريق امضاء تلك السيرة هو التمسك بالظهور الحالي للمعصوم في كونه بصدد المراقبة و التوجيه، و كذلك لا يمكن الرجوع في إثبات ذلك إلى نفس سكوته؛ و ذلك لأنّ الكلام في حجّية مثل هذا الظهور الحالي فكيف يمكن إثبات حجّيته بنفس الظهور الحالي؟ بل الطريق الصحيح لاستكشاف امضاء تلك السيرة، هو: الأساس العقلي، بملاك نقض الغرض خاصّة، بتقريب: أنّ السيرة العقلائية القائمة على عمل معيّن، إذا لم تكن موافقة للشارع، بحيث يكون للشارع رأياً مخالفاً لما قامت عليه السيرة، فإنّ هذا سوف يهدد أغراض الشارع، الأمر الذي يستدعي من الشارع أن يردع عن تلك السيرة؛ حفاظاً على غرضه، فعدم الردع عن ذلك، و الحال هذه، يعني: نقض الشارع لغرضه، و من غير المعقول أن يقوم الشارع بنقض غرضه بنفسه، مع قدرته على الحفاظ عليه، و بهذا الطريق يتم استكشاف الإمضاء من السكوت و عدم الردع، و قد تقدم تفصيل ذلك في الحلقة الثانية.

____________

(1) لكن، يمكن أن يعترض هنا و يقال: إن هذا الكلام يكون صحيحاً و تاماً لو ورد لفظ «الحديث» في الأدلّة الآمرة بالتمسّك، و لكن بعض الأحاديث الآمرة بالتمسك قد ورد فيها لفظ العترة أو السنّة و من الواضح أن التمسك بالسنّة أعم من التمسك بقول النبي أو فعله و كذلك التمسك بالعترة أعم من التمسك بأقوالهم أو أفعالهم.

191

الظهور التضمّني‏

(1):

قوله (قدس) ص 292: «إذا كان للكلام ظهور في مطلب ... الخ».

دلالة اللفظ على معنى معيّن، تارة تكون بالمطابقة، بحيث يكون المدلول هو تمام المعنى الموضوع له اللفظ و تسمّى حينئذ بالدلالة المطابقية، و أُخرى تكون بالالتزام، بحيث يكون المدلول من لوازم المعنى الموضوع له اللفظ و تسمّى بالدلالة الالتزامية، و ثالثة تكون بالتضمّن، بحيث يكون المدلول مما يتضمنه المعنى الموضوع له اللفظ، و تسمّى بالدلالة التضمّنية، فإذا سقطت الدلالة المطابقيّة عن الحجّية، فهل يتبعها سقوط الدلالتين الالتزامية و التضمّنية عن الحجّية أيضاً أو لا؟

و قد تقدّم الكلام عن تبعيّة الدلالة الالتزامية للمطابقية في الحجّية، و نريد أن نبحث هنا في تبعية الدلالة التضمّنية للدلالة المطابقية في الحجّية، بمعنى: أنّه إذا سقط المدلول المطابقي عن الحجّية، فهل يسقط المدلول التضمّني أيضاً تبعاً له أو لا؟ و لتوضيح ذلك نقول:

إن الكلام إذا كان ظاهراً في إفادة مطلب معيّن، فظهوره في إفادة ذلك المطلب بكامله يسمّى بالظهور الاستقلالي، و ظهوره في إفادة كل جزء جزء من أجزاء ذلك المطلب يسمّى بالظهور الضمني، و نعني بالظهور الاستقلالي: ما يدل عليه الكلام بالمطابقة، و بالظهور الضمني: ما يدل عليه الكلام بالتضمّن، و مثال ذلك أداة العموم في قولنا: «أكرم كل مَنْ في الدار»، فلو افترضنا أن الأفراد الموجودين فعلًا في تلك الدار كانوا عشرة فقط، فإن لأداة العموم «كل» في هذه الحالة ظهوران:

الأوّل: ظهورها في الشمول و الاستيعاب لكل الأفراد العشرة كمجموع؛ باعتبار دلالة «كل» على الاستيعاب و الشمول، و هذا هو الظهور الاستقلالي.

الثاني: ظهورها في الشمول لكل فرد فرد من الأفراد العشرة، و هذا هو الظهور الضمني؛ باعتبار أن كل واحد من هذه الأفراد داخل في ضمن تلك العشرة. فأداة العموم «كل» ظاهرة

____________

(1) هذا البحث يبحث تحت عنوان: حجّية العام في الباقي بعد التخصيص. راجع: فوائد الأصول، ج 1، ص 523.

192

في شمول وجوب الإكرام للفرد و الأوّل، و ظاهرة أيضاً في شموله للفرد الثاني، و ظاهرة أيضاً في شموله للفرد الثالث، و هكذا.

و لا شكّ هنا في حجّية كل ظواهر أداة العموم التضمّنية، و وجوب اكرام كل فرد من هؤلاء العشرة، و لكن، وقع الخلاف فيما لو ورد مخصص منفصل دلّ على عدم وجوب اكرام بعض تلك الأفراد العشرة، أي بعض أفراد العام، كما لو قال المولى: «لا تكرم الفاسق»، و افترضنا أن بعض العشرة الذين أمرنا بوجوب اكرامهم في المثال الأوّل كان فاسقاً، و لنفترض أنّه واحد منهم، و هو: زيد- مثلًا- ففي هذه الحالة، لا شكّ في سقوط حجّية بعض الظواهر التضمنية؛ و ذلك لمجي‏ء المخصّص، فبعد أن كانت «كل» ظاهرةً ضمناً بوجوب اكرام زيد باعتباره أحد العشرة الذين أمرنا باكرامهم، فإنه سوف يسقط ذلك الظهور عن الحجّية بفضل مجي‏ء مخصص يدل على حرمة اكرامه بعد كونه فاسقاً، و هذا ممّا لا اشكال فيه، و لكن وقع البحث في: أن الظواهر التضمنية الأخرى، و هي: ظهور «كل» في شمولها للفرد الأوّل، و شمولها للفرد الثاني، و الثالث، و هكذا إلى الفرد التاسع، هل تبقى على الحجّية؟ أو أنها تسقط أيضاً كما سقطت حجّية ظهورها في الشمول للفرد العاشر و هو زيد، الأمر الذي أوجب سقوط المدلول المطابقي، و هو: اكرام جميع العشرة عن الحجّية؟

فإن قيل بالأوّل، كان معنى ذلك أن الظهور التضمّني غير تابع للظهور الاستقلالي في الحجّية، و إن قيل بالثاني، كان معناه: أن الظهور التضمني تابع للظهور الاستقلالي في الحجّية، كتبعية الدلالة الالتزامية للدلالة المطابقية في الحجّية.

و مما يترتب على جواب السؤال السابق من أثر عملي، هو: أنّه على القول بعدم التبعية- أي: القول الأوّل- يمكن التمسك بالدليل العام، و هو: قوله: «اكرم كل مَنْ في الدار» لاثبات الحكم بوجوب الاكرام لكل فرد لم يشمله المخصص، و أمّا على القول الثاني، فلا يمكن التمسك بالعام لاثبات الحكم بالنسبة لمن لم يشمله المخصّص؛ و ذلك لسقوط الظواهر الضمنية جميعاً عن الحجّية، و معه، لا دليل على أن الحكم شامل لتمام الباقي أو غير شامل له.

و بعبارة أكثر انسجاماً مع ما عنون به هذا البحث عند الأصحاب: أن العام بعد التخصيص هل يبقى حجّة في تمام الباقي أو لا؟ أو أن العام بعد التخصيص هل هو حقيقة أو مجاز؟

193

في مسألة حجية الظواهر التضمنية قولان:

و يوجد في هذه المسألة قولان:

القول الأوّل: عدم حجّية العام في الباقي بعد التخصيص‏

قوله (قدس) ص 293: «و قد ذهب بعض الأصوليين إلى سقوط ... الخ».

و استدل لهذا القول بأن حجّية العام في تمام افراده إنّما هي باعتبار الظهور التصديقي بأنّ أداة العموم قد استعملت في معناها الحقيقي، و هو: الشمول و الاستيعاب، و بعد أن علم بعدم إرادة المعنى الحقيقي منها، و إنّما أريد منها المعنى المجازي بقرينة المخصص الذي أخرج بعض أفراد العام، لم يبق لدينا ما يمكن أن نتمسك به لإثبات شمول الحكم لجميع الباقي؛ لأنه في هذه الحالة لا فرق بين مجاز و مجاز، فكما يمكن أن يكون قد استعملها في تمام التسعة الباقية، فكذلك يمكن أن يكون قد استعملها في الثمانية أو السبعة، أو الستة، و هكذا، ما دامت كلها من الاستعمال المجازي‏ (1).

و توضيح ذلك: إن الطريق المتبع لاكتشاف المراد الجدي للمتكلم من ظاهر كلامه، هو: الانتقال من الدلالة التصورية للكلام إلى الدلالة التصديقية الأولى، و منها إلى الدلالة التصديقية الثانية؛ وفقاً لأصالة التطابق بين الدلالة التصورية و الدلالة التصديقية الأولى من جهة، و بين الدلالة التصديقية الأولى و الثانية من جهة أخرى. فلو قال المتكلّم مثلًا: «رأيت أسداً»، فالدلالة التصورية لذلك، هي عبارة عن: الصورة الذهنية للمعنى المتحصل من ذلك الكلام، و هي عبارة عن: رؤية الحيوان المفترس، و عن طريق هذه الدلالة- و وفقاً لأصالة التطابق الأولى- يتم الانتقال إلى الدلالة التصديقية الأولى، فنقول: إن المتكلم كان قاصداً لإخطار صورة الحيوان المفترس في ذهننا، تمسكاً بظهور حاله،

____________

(1) قال ابن الشهيد الثاني في المعالم، ص 117:) احتج منكر الحجية مطلقاً بوجهين: الأول: أن حقيقة اللفظ هي العموم و لم يُرد، و سائر ما تحته من المراتب مجازاته. و إذا لم تُرد الحقيقة، و تعددت المجازات، كان اللفظ مجملًا فيها، فلا يحمل على شي‏ء منها. و تمام الباقي أحد المجازات، فلا يحمل عليه، بل يبقى متردداً بين جميع مراتب الخصوص، فلا يكون حجة في شي‏ء منها. و من هذا يظهر حجة المفصل، فان المجازية عنده إنما تتحقق في المنفصل، للبناء على الخلاف في الأصل السابق. الثاني: أنه بالتخصيص خرج عن كونه ظاهراً، و ما لا يكون ظاهراً لا يكون حجة».

194

و من خلال ذلك، يتم الانتقال إلى المراد الجدي للمتكلم، حيث نقول: إن المتكلم ما دام قد قصد اخطار صورة الحيوان المفترس، فهو يريده جداً و حقيقةً. و في المقام نقول:

لو قال المولى: «أكرم كل من في الدار»، و افترضنا أنه كان فيها عشرة أفراد، فهنا، لا شك في أن المدلول التصوري لكلمة «كل» عبارة عن: الاستيعاب و الشمول لكل أفراد المدخول؛ باعتبار أن هذه الأداة موضوعة لذلك، و المدلول التصديقي للدلالة التصديقية الأولى، هو عبارة عن: قصد اخطار المعنى الحقيقي، و هو الاستيعاب و الشمول في الذهن، و أمّا المدلول التصديقي للدلالة التصديقية الثانية، أي: المراد الجدي للمتكلم، فهو عبارة عن وجوب إكرام جميع هؤلاء العشرة، فهذه هي الطريقة المتبعة لاستكشاف المراد الجدي للمتكلم قبل مجي‏ء المخصص المنفصل، و لو تأملت في ذلك، لوجدت أن النكتة التي تم على أساسها هذا الاكتشاف و الانتقال من الدلالة التصورية إلى الدلالة التصديقية الأولى، ثم إلى الدلالة التصديقية الثانية، هي عبارة عن: الظهور الحالي للمتكلم في أنه قد استعمل أداة العموم «كل» في معناها الحقيقي، و هو- بحسب الفرض- قد قال: «كل من في الدار»، و هو يدل تصوراً على الاستيعاب و الشمول باعتباره المعنى الحقيقي لأداة العموم، و مقتضى ظهور حاله كونه قاصداً لإخطار ذلك المعنى في الذهن، و إنه مريد له جداً و حقيقةً، فنقول: إن ظاهر كلامه أنه يريد إكرام كل فرد من الأفراد العشرة، و من الواضح: أن المسوّغ لذلك هو عبارة عن أنه قد استعمل كلمة «كل» في معناها الحقيقي و هو الاستيعاب و الشمول، و لو لا ذلك، لما أمكن لنا أن نقول أن ظاهر حاله أنه يريد إكرام كل العشرة؛ لأنّ هذا مبني على كونه قد استعمل كلمة «كل» في الاستيعاب و الشمول لكل أفراد المدخول، و إلا، فلو لم تكن كلمة «كل» مستعملة في معناها الحقيقي، بل كان قد أريد منها استيعاب بعض الأفراد دون البعض الآخر، لما أمكنك التوصل إلى تلك النتيجة؛ لأنّ ذلك الظهور الحالي الذي كان الاعتماد عليه في تشخيص ذلك- و هو عبارة عن: استعمال «كل» في معناها الحقيقي- قد علم بطلانه؛ فإننا فرضنا أنه استعمل «كل» و أراد منها استيعاب بعض الأفراد، أي أنه استعملها في غير ما وضعت له من معنى، فيكون استعماله لها استعمالًا مجازياً، كما هو الحال في ما لو ورد مخصص منفصل يقول: «لا تكرم الفاسق»، و افترضنا أن ثلاثة من‏

هؤلاء

195

العشرة هم فسّاق، ففي هذه الحالة، لا يسوغ لك أن تقول: إن ظاهر حاله أنه استعمل «كل» في السبعة فهو يريدها جداً؛ و ذلك لأنّ ما كنا نعتمد عليه من مسوّغ قبل مجي‏ء المخصص، كان عبارة عن ظهور حاله في استعمال «كل» استعمالًا حقيقياً، و الحال أن هذا المسوّغ قد علم بطلانه، بفضل مجي‏ء المخصص المنفصل حيث ثبت بمقتضاه أن المتكلم لا يريد اكرام كل من في الدار، و هذا يعني: أنه قد استعمل «كل» في غير الاستيعاب و الشمول، فلا يسوغ لك أن تقول: إنه استعمل «كل» في السبعة فهو يريدها جداً؛ لأنّ هذا لا دليل عليه، بل ربما يكون قد استعملها في الستة، أو في الخمسة، و كلها من الاستعمال المجازي، و من الواضح عدم الفرق بين مجاز و مجاز.

إن قلت: هذا و إن كان وجيهاً، لكن، لما ذا لا نأخذ بأقرب المجازات- و هو: السبعة بحسب الفرض- لأنه قد يقال: إذا دار الأمر بين مجاز و مجاز آخر يحمل اللفظ على أقربها.

كان الجواب: إن هذا قد يكون وجيهاً فيما لو كانت هناك أقربية موجبة لحمل اللفظ عليها، و لكنها مفقودة في المقام؛ لأنّ المراد بالأقربية الموجبة لترجيح إرادة أحد المعاني المجازية على غيرها عند الدوران، هي: الأقربية من حيث العلقة بين اللفظ و ذلك المعنى المجازي، و من الواضح أن استعمال «كل» في استيعاب السبعة مجازاً ليس بأقرب من استعمالها في استيعاب الستة، أو الخمسة، أو الأربعة، بل علاقة اللفظ بكل تلك المعاني على حد سواء، و لا يوجد من بينها ما هو أقرب إلى اللفظ من غيره.

و خلاصة القول: إن شمول كلمة «كل» لكل فرد من الأفراد العشرة، مبني على نكتة هي: كون المتكلم قد استعمل «كل» في معناها الحقيقي، و هو: الاستيعاب و الشمول، و بعد مجي‏ء المخصص المنفصل، علم ببطلان تلك النكتة، و معه، لا يمكن القول بشمول العام لتمام الباقي؛ و ذلك لعدم وجود الدليل عليه‏ (1)، و هذا معنى: عدم حجية العام في الباقي بعد ورود المخصص المنفصل.

____________

(1) إن قلت: إن الدليل هو نفس دليل العام و قد خرج منه مقدار ما دل عليه المخصص، و العام حجة ما لم تقم قرينة على خلافه، و ليس هو إلا مقدار ما أخرجه المخصص.

كان الجواب: إنه بناءً على دعوى لزوم المجازية بسبب التخصيص، سوف تسقط حجية العام في الباقي، بسبب إجمال الدليل بعد فرض تعدد مراتب المجاز، و من المعلوم أن الإجمال في الدلالة يسقط الدليل عن الحجية؛ إذ ليس المقصود بالدليل مجرد وجود الخطاب الشرعي ما لم تكن دلالته حجة.

196

القول الثاني: حجية العام في الباقي بعد التخصيص‏

قوله (قدس) ص 294: «و قد أجاب على ذلك جملة من المحققين ... الخ‏».

اتضح من خلال ما تقدم في كيفية الاستدلال على عدم حجية العام في تمام الباقي، إن هذا القول مبني على أن مجي‏ء المخصص المنفصل يقتضي رفع اليد عمّا هو مدلول الدلالة التصديقية الأولى الكاشفة عن المراد الاستعمالي، و إن المخصص المنفصل، يكشف عن إن المتكلم لم يكن قد استعمل «كل» في معناها الحقيقي، الذي هو الاستيعاب و الشمول، بل استعملها في المعنى المجازي.

و الصحيح‏ (1): عدم وجود أي مبرر لرفع اليد عما هو مدلول الدلالة التصديقية الأولى، و هو ظهور الكلام في أن المتكلم استعمل «كل» في معناها الحقيقي و هو الاستيعاب و الشمول؛ فإنّ هذا هو الذي يقتضيه ظهور حال المتكلم في أن ما قاله يريده، بمعنى: إنه استعمل اللفظ فيه، فحيث إن المدلول التصوري لكلمة «كل» هو الاستيعاب و الشمول، فالمدلول التصديقي لها في مرحلة الدلالة التصديقية الأولى، هو الاستيعاب و الشمول أيضاً، أي: إنه استعمل «كل» في معناها الحقيقي؛ و ذلك وفقاً لأصالة التطابق بين الدلالتين التصورية و التصديقية الأولى اعتماداً على الظهور الحالي للمتكلم، و مجي‏ء المخصص المنفصل، لا يكشف عن مخالفة المتكلم لذلك الظهور الحالي الذي يقتضي كون الاستعمال حقيقياً، بل غاية ما يمكن اكتشافه من خلال مجي‏ء هذا المخصص المنفصل، هو: عدم تعلّق الإرادة الجدّية للمتكلم بالنسبة إلى الأفراد الذين شملهم المخصص، و هم: الفسّاق بحسب الفرض المتقدم‏ (2).

____________

(1) من خلال الجواب على القول الأول، يتضح القول الثاني، و هو: حجية العام في الباقي، و كيفية الاستدلال عليه‏

(2) هذا ما أجاب به المحقق النائيني كما جاء عنه في فوائد الأصول ج 1 ص 517 حيث قال:) و أما تخصيص العام: فقد افيد في وجه عدم استلزامه للمجازية ان العام لم يستعمل إلا في العموم، غايته إن العموم ليس بمراد بالإرادة الجدية النفس الأمرية، فالتخصيص إنما يقتضى التفكيك بين الإرادة الاستعمالية و الإرادة الجدية، و الحقيقة و المجاز إنما تدور مدار الاستعمال، لا مدار الإرادة الواقعية، ففى مثل اكرم كل عالم لم تستعمل أداة العموم إلا في الاستغراق و استيعاب جميع أفراد العالم، غايته انه لم تتعلق الإرادة الجدية باكرام جميع الأفراد، بل تعلقت الإرادة بإكرام ما عدى الفاسق، و المصلحة اقتضت عدم بيان المراد النفس الأمرى متصلًا بالكلام فيما إذا كان المخصص منفصلًا، و يكون العام قد سيق لضرب القاعدة، ليكون عليه المعول قبل بيان المخصص و العثور عليه».

197

فبالإمكان إذن الحفاظ على ما هو مدلول الدلالة التصديقية الأولى، أي: كون استعماله ل- «كل» استعمالًا حقيقياً، و التصرف فيما هو مدلول الدلالة التصديقية الثانية، أي: المراد الجدّي للمتكلم، و الالتزام بأن الأفراد الذين شملهم المخصص غير داخلين في المراد الجدّي للمتكلم.

فالمخصص إنما يكشف عن مخالفة المتكلم لظهور حاله في أن كل ما قاله و أبرزه باللفظ فهو مراد له جداً؛ حيث إن مقتضى هذا الظهور- لو خلي و طبعه- هو: إن كل ما هو داخل في نطاق المعنى المستعمل فيه اللفظ، فهو مراد له جداً، فعند ما جاء المخصص المنفصل، كشف عن أن بعض الأفراد الداخلين في المعنى المستعمل في اللفظ غير مرادين له جداً، وعليه، فكل فرد كشف المخصص عن عدم تعلّق الإرادة الجدّية للمتكلم به، نرفع اليد عن الظهور التصديقي الثاني بالنسبة إليه، و كل فرد لم يوجد ما يكشف عن عدم تعلّق الإرادة الجدّية به، مع إن الظهور بطبعه الأولي يكشف عن تعلّق الإرادة الجدّية به، نتمسك فيه بذلك الظهور، و يتم إثبات حكم العام بالنسبة له‏ (1).

نظرة أولية للجواب المتقدم على القول الأول:

قوله (قدس) ص 295: «و في بادئ الأمر قد يخطر ... إلخ‏».

و في نظرة أولية للجواب المتقدم، فإنّه قد يلاحظ عليه و يقال: إن ما جاء به صاحب الكفاية (قدس) أو غيره من المحققين، من جواب ليس صحيحاً؛ فإنّه إن أراد بذلك الجواب إثبات حجّية العام في تمام الباقي، فمن الواضح أن هذا الجواب لا يصلح لذلك، لأنّ ما

____________

(1) قال الآخوند الخراساني في كفاية الأصول، ص 218، رداً على دعوى المجازية:) و التحقيق في الجواب أن يقال: إنه لا يلزم من التخصيص كون العام مجازاً، أما في التخصيص بالمتصل، فلما عرفت من أنه لا تخصيص أصلًا، و إن أدوات العموم قد استعملت فيه، و إن كان دائرته سعة و ضيقاً تختلف باختلاف ذوي الأدوات، فلفظة (كل) في مثل (كل رجل) و (كل رجل عالم) قد استعملت في العموم، و إن كان أفراد أحدهما بالإضافة إلى الآخر بل في نفسها في غاية القلة، و أما في المنفصل؛ فلأن إرادة الخصوص واقعاً لا تستلزم استعماله فيه و كون الخاص قرينة عليه، بل من الممكن قطعاً استعماله معه في العموم قاعدة، و كون الخاص مانعاً عن حجية ظهوره تحكيماً للنص، أو الاظهر على الظاهر، لا مصادماً لأصل ظهوره، و معه لا مجال للمصير إلى أنه قد استعمل فيه مجازاً، كي يلزم الاجمال».

198

جاء به مجرّد دعوى و لم يقم عليها دليلًا، فكما يمكن الالتزام بأن مجي‏ء المخصص المنفصل يقتضي رفع اليد عن ما هو مدلول الدلالة التصديقية الثانية الكاشفة عن المراد الجدّي للمتكلم بالنسبة إلى الأفراد الذين شملهم المخصص، فكذلك يمكن الالتزام بأن ذلك يوجب رفع اليد عما هو مدلول الدلالة التصديقية الأولى الكاشفة عن المراد الاستعمالي.

و إن أراد بذلك محاولة توجيه حجّية العام في تمام الباقي بعد الفراغ عن أصل الحجّية، فهذا خروج عن محل الكلام؛ فإنه كان في أن العام بعد ورود المخصص المنفصل هل يكون حجّة في تمام الباقي أم لا؟ و على هذا، فعليه إبراز ذلك الدليل الدال على الحجّية.

و خلاصة القول: إن صاحب الكفاية لم يصنع شيئاً سوى أنّه نقل التبعيض في الحجّية من مرحلة الدلالة التصديقية الأولى إلى مرحلة الدلالة التصديقية الثانية، وعليه، فإن كان الظهور التضمني غير تابع للظهور الاستقلالي في الحجّية- بمعنى: إن العام حجّة في تمام الباقي بعد التخصيص بالمنفصل- فليكن التبعيض في مرحلة الدلالة التصديقية الأولى، و إن كان تابعاً له في الحجّية، فلا معنى للتبعيض في مرحلة الدلالة التصديقية الثانية، و الالتزام بحجّية بقية الظواهر التضمنيّة.

توجيه السيد الشهيد (قدس) لجواب صاحب الكفاية:

قوله (قدس) ص 295: «و ردّنا على هذه الملاحظة ... إلخ‏».

إنّ ما ذكر من ملاحظة على ما ذكره صاحب الكفاية، و غيره من المحققين بشأن توجيه حجية العام في الباقي بعد التخصيص- من أنه لم يفعل شيئاً سوى نقل التبعيض في الحجّية من مرحلة الدلالة التصديقية الأولى إلى مرحلة الدلالة التصديقية الثانية- ليس في محلّه و يعبّر عن نظرة بسيطة و ساذجة لما كان يقصده من ذلك؛ فإنّ الذي قام به صاحب الكفاية، و هو: نقل التبعيض في الحجّية من مرحلة الدلالة التصديقية الأولى إلى مرحلة الدلالة التصديقية الثانية، كان ينظر فيه إلى نكتة مهمة، هي التي اقتضت ذلك، و لكن، قبل بيان تلك النكتة، لا بدّ من التمهيد لها، فنقول:

199

إن ظاهر حال كل متكلم عاقل ملتفت جاد، هو: إن كل ما يقوله في مرحلة الدلالة التصورية للكلام فهو يريده استعمالًا و جداً؛ وفقاً لأصالة التطابق بين المدلول التصوري و المدلول التصديقي الأول، و من بعدها أصالة التطابق بين المدلول التصديقي الأول و المدلول التصديقي الثاني، و منشأ هذين التطابقين، هو: الظهور الحالي للمتكلم؛ فوفقاً لأصالة التطابق الأولى، يتم استكشاف المراد الاستعمالي للمتكلم، و إنه قد استعمل اللفظ في معناه الحقيقي الموضوع له، و وفقاً لأصالة التطابق الثانية، يتم استكشاف المراد الجدي للمتكلم.

هذه هي الطريقة المتبعة لاستكشاف المراد الجدي للمتكلم، و بعد أن تبين ذلك، نعود إلى بيان تلك النكتة التي اقتضت نقل التبعيض في الحجية عند صاحب الكفاية و غيره من المحققين، من مرحلة الدلالة التصديقية الأولى إلى مرحلة الدلالة التصديقية الثانية، و تلك النكتة، هي: أن الظواهر التضمنية في مرحلة الدلالة التصديقية الأولى مترابطة جميعاً، و لها نكتة واحدة، فإمّا أن تثبت جميعاً، و إمّا أن تسقط جميعاً، و لا معنى للتبعيض في هذه المرحلة، و تلك النكتة، هي عبارة عن: الظهور الحالي للمتكلم في إنه قد استعمل «كل» في معناها الحقيقي و هو الاستيعاب و الشمول لكل فرد من أفراد المدخول، لوضوح أنه لو لا ذلك لما أمكن لنا القول بأن زيداً مثلًا داخل في المعنى المستعمل فيه اللفظ، و أن بكراً داخل أيضاً، و أن عمراً داخل أيضاً، و هكذا، و من الواضح إن ذلك الظهور الحالي في هذه المرحلة، غير قابل للانحلال بعدد الظواهر التضمنية؛ لأنّ ذلك الظهور هو المنشأ لاستكشاف المراد الاستعمالي للمتكلم، و أنّ المتكلم قد استعمل «كل» في معناها الحقيقي و هو الاستيعاب و الشمول، فإن كان الاستعمال حقيقياً، جاز لنا أن نقول إن هذا الفرد داخل في الاستعمال، و ذاك داخل، و هكذا، و إن لم يكن الاستعمال حقيقياً، بل كان مجازياً، لم يبق مسوغ لذلك؛ إذ لا يوجد لدينا ما يمكن الاستناد إليه لمعرفة إن هذا الفرد داخل في المعنى المستعمل فيه اللفظ أو غير داخل ما دام الاستعمال مجازياً؛ لعدم الفرق حينئذ بين أن يكون قد استعمله مجازاً في الثلاثة، أو في الأربعة، أو في الخمسة.

و أما بالنسبة إلى الظواهر التضمنية في مرحلة الدلالة التصديقية الثانية، فلكل منها نكتته الخاصة به، فإن علم بطلان إحداها، فلا موجب لرفع اليد عن الظواهر الأخرى.

200

و بعبارة أخرى: إن الظهور الحالي الذي يكون منشأً لأصالة التطابق الثانية و استكشاف المراد الجدي للمتكلم، ينحل بعدد تلك الظواهر التضمنية، فنقول- مثلًا-: إن زيداً داخل في المعنى المستعمل فيه اللفظ، فهو مراد له جداً، و إن بكراً داخل في المعنى المستعمل فيه اللفظ، فهو مراد له جداً، و هكذا، فإذا علم عن طريق المخصص أن زيداً غير مراد له جداً، فإن هذا يبطل الظهور الحالي الذي تم من خلاله استكشاف تعلق إرادته الجدية بزيد خاصّة، و لا يبطل الظهور الحالي الذي تم من خلاله استكشاف تعلق إرادته الجدية ببكر، أو غيره من الأفراد الأخرى.

و بهذا يثبت أن العام حجة في كل فرد لم يشمله المخصص، و هذا يعني: أن الظهور التضمني غير تابع للظهور الاستقلالي في الحجية (1).

____________

(1) لكن، يبقى هذا مجرد توجيه و تفسير لكيفية حجية العام في تمام الباقي، و لا يمكن اعتباره دليلًا على حجية العام في الباقي؛ لأننا بإمكاننا أن نطرح السؤال بصيغة أخرى غير الصيغة المطروحة في البحث، فبدلًا من أن نسأل عن أن العام بعد التخصيص هل هو حجة في الباقي أم لا؟ فإننا نسأل عن أن العام بعد التخصيص هل هو حقيقة أم مجاز؟ فصاحب القول الأول يدعي أنه مجاز، و صاحب الكفاية يدعي انه حقيقة، و كل منهما لم يبرز دليلًا على مدعاه.

نعم، كلام صاحب الكفاية يصلح أن يكون احتمالًا أمام الاحتمال الذي طرحه صاحب القول الأول، و ليس دليلًا لإثبات القول الثاني، و لا ينفع ما ذكره الشيخ الإيرواني (حفظه الله) في شرح الحلقة الثالثة الجزء الثاني، ص 190 حيث قال: «و يبقى من حقنا التساؤل: كيف يمكن للآخوند اثبات استعمال العام في العموم حتى بعد ورود المخصص المنفصل؟ و الجواب: انه تقدم في المبحث السابق، ان القرينة المنفصلة إذا وردت، فهي لا تزيل الظهور التصديقي الأول، أي: لا تزيل الظهور في كون العام مستعملًا في معناه الحقيقي و هو العموم، و إنما تزيل حجيته في العموم».

و الوجه في عدم فائدة ذلك، هو: أن ظهور الكلام في كون الاستعمال استعمالًا حقيقياً المعبر عنه بأصالة الحقيقة، لا قيمة له إذا لم يكن ذلك الظهور حجة، و هو يفترض أن القرينة المنفصلة قد أسقطت ذلك الظهور عن الحجية، فهي ليست إلا دعوى في مقابل تلك الدعوى.

نعم، يمكن أن يقال: إنه بعد تسليم انعقاد الظهور في كون الاستعمال استعمالًا حقيقياً، فهو حجة ما لم تقم قرينة على خلافه، و لا دليل على أن المخصص المنفصل قرينة على خلاف الظهور التصديقي الأول؛ لأنّ المتيقن منه كونه قرينة على خلاف الظهور التصديقي الثاني؛ لأنه إن كان قرينة على خلاف الظهور التصديقي الأول فهو قرينة على خلاف الظهور الثاني؛ لأنه مترتب عليه كما هو واضح، و إن كان قرينة على خلاف الظهور الثاني خاصة، فواضح.

و حينئذٍ، يكون الظهور في كون الاستعمال استعمالًا حقيقياً حجة، فيكون المخصص المنفصل كاشفاً عن عدم تعلق الإرادة الجدية بالأفراد الذين شملهم المخصص، و يبقى الباقي داخلًا تحت عموم العام، فيشملهم حكم ذلك العام، و هذا هو معنى حجية العام في الباقي.

201

عدم دخول المخصص المتصل في محل النزاع:

قوله (قدس) ص 297: «و من الجدير بالذكر، الإشارة ... الخ‏».

و مما ينبغي الالتفات إليه، هو: أن الخلاف في أن العام بعد التخصيص حجة في تمام الباقي أم لا، إنما هو في ما لو كان المخصص منفصلًا، و أما لو كان المخصص متصلًا، كما لو قال- مثلًا-: «اكرم كل من في الدار إلا زيداً»، و افترضنا انه كان في الدار عشرة أفراد من ضمنهم زيد، فهنا، لا اشكال في أن أداة العموم «كل» قد استعملت في معناها الحقيقي و هو الاستيعاب و الشمول لكل أفراد المدخول، و شبهة المجاز، غير واردة هنا اطلاقاً؛ و ذلك لأنّ مدخول الأداة ليس هو العشرة، حتى يقال: إنه لم يستعمل «كل» في العشرة، بل أن مدخول الأداة من الأول هو التسعة.

و الوجه في ذلك، هو: أن القيد المتصل يساهم في تعيين و تحديد دائرة المدخول، و أداة العموم وضعت لاستيعاب أفراد المدخول، فبعد تحديد المدخول بالتسعة أفراد و دخول «كل» عليه، تقوم باستيعاب كل أفراد المدخول، و هم: التسعة أفراد بحسب الفرض، و تكون «كل» قد استعملت في معناها الحقيقي؛ لأنّ مدخول الأداة ليس هو: «من في الدار»، بل هو: «من في الدار إلا زيد»، و ليس هم إلا تسعة أفراد (1).

الصيغة الأساسية التي تبتني عليها المسألة:

قوله (قدس) ص 297: «و على أي حال فبالنسبة إلى الصيغة ... الخ».

اتضح من جميع ما تقدم، إن الصيغة الأساسية التي تبتني عليها المسألة المطروحة في البحث، هي عبارة عن: أن عموم اللفظ لكل فرد من أفراد معناه، في مرحلة الدلالة التصديقية للكلام، إذا كان مترابطاً و يرجع إلى نكتة واحدة، و علم ببطلان تلك النكتة،

____________

(1) بل يمكن أن يقال: إن مورد القرينة المتصلة خارج تخصصاً، فلا معنى للبحث عن أن العام بعد التخصيص بالمتصل هل هو حجّة في الباقي أم لا؟ لأنه من قبيل السالبة بانتفاء الموضوع؛ إذ لا ظهور في العموم بقطع النظر عن القرينة المتصلة؛ لما ذكرناه سابقاً من أن القرينة المتصلة تهدم أصل الظهور، و أنه مشروط بعدمها، و في المقام، فإن ما يمكن أن يشار إليه من أفراد المدخول و يقال عنه: إنه باقٍ، هو كل المدخول ابتداءً، و ليس بعض المدخول.

202

سقط ذلك العموم عن الحجّية، كما هو الحال في الدلالة التصديقية الأولى المعبرة عن استعمال اللفظ في معناه الحقيقي بحسب الدعوى المتقدمة، فإن عموم اللفظ في مرحلة الإرادة الاستعمالية للمتكلم و شموله لكل فرد من أفراد معناه الموضوع له تبتني على نكتة واحدة و هي أن المتكلم قد استعمل ذلك اللفظ في معناه الحقيقي وفقاً لأصالة التطابق بين الدلالة التصورية و الدلالة التصديقية الأولى، فإذا بطلت تلك النكتة، و علمنا بأن المتكلم لم يستعمل ذلك اللفظ بمعناه الحقيقي، بل كان استعماله له مجازاً، فلا كاشف عن شمول اللفظ في هذه المرحلة لكل فرد من أفراد ذلك المعنى؛ لأننا افترضنا أن الشمول لكل الأفراد في مرحلة الاستعمال يرجع إلى شي‏ء واحد يكون بمنزلة العلّة له، فإذا علم عدمه، أو بطلانه، فلا محالة يسقط ذلك العموم عن الحجّية.

و أما إذا كان عموم اللفظ و شموله لهذا الفرد مستقلًا في نكتته عن عمومه و شموله لذاك الفرد الآخر، بحيث يكون لكل فرد من أفراد المعنى نكتته الخاصة به، كما هو الحال في الدلالة التصديقية الثانية المعبرة عن المراد الجدي للمتكلم طبقاً لما وجهنا به جواب صاحب الكفاية، فإن عموم اللفظ و شموله لكل فرد من أفراد المعنى في هذه المرحلة لم يكن بنكتة واحدة في جميع الأفراد، بل أن لكل فرد نكتته الخاصة به، و هي الإرادة الجدية لهذا الفرد أو ذاك، وفقاً لأصالة التطابق بين الدلالة التصديقية الأولى و الدلالة التصديقية الثانية التي يقتضي تطبيقها بلحاظ كل فرد من أفراد المعنى بشكل مستقل و منفصل عن تطبيقها بلحاظ الفرد الآخر منه و بقطع النظر عنه، و حينئذٍ فلا موجب لرفع اليد عن عموم اللفظ و شموله لبعض الأفراد لأجل سقوط نكتة الشمول في البعض الآخر منها.

و على أساس هذه الصيغة تم توجيه كل قول من القولين السابقين بالنسبة إلى حجية العام في الباقي بعد التخصيص أو عدم حجيته.

203

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

204

الأدلة المحرزة الدليل العقلي‏

205

الأدلة المحرزة 2- الدليل العقلي‏

إن الفقيه عند ما يريد أن يستنبط الحكم الشرعي لأية واقعة من الوقائع، لا بد له أن يعتمد على أحد نوعين من الأدلة:

أولهما: الأدلة التي يتم على أساسها تحديد و تشخيص الحكم الشرعي لتلك الواقعة، و تسمى الأدلة في هذه الحالة بالأدلة المحرزة؛ لأنها يحرز بها الحكم الشرعي.

و ثانيهما: الأدلة التي يتم على أساسها تحديد الوظيفة العملية عند الشك في الحكم الشرعي، من دون أن يكون لها أيّ نظر إلى تحديد و تشخيص الحكم الشرعي من حيث كونه وجوباً، أو حرمةً، أو غيرهما من الأحكام الأخرى، سواء كانت تكليفية، أم وضعية (1).

و يسمى هذا النوع من الأدلة بالأدلة العملية، أو الأصول العملية. و اعتماد الفقيه على هذا النوع من الأدلة، إنما يكون في حالة عدم عثوره على دليل من القسم الأوّل، فهناك طولية بين هذين النوعين من الأدلة، بحيث لا تصل النوبة إلى الأصل العملي إلا بعد فقدان الفقيه لدليل من النوع الأوّل.

ثم إن الأدلة من النوع الأول- و هي الأدلة المحرزة- تنقسم إلى قسمين:

____________

(1) فإنّ من قبيل أصالة الطهارة مثلًا عند ما يعتمد الفقيه عليها في اثبات طهارة مشكوك الطهارة و النجاسة، ليس فيها أيّ نظر إلى تشخيص الواقع و تحديده من حيث كون المشكوك المعيّن محكوماً بالطهارة، بل غاية ما يستفاد من هذا الأصل، هو: تحديد الموقف للمكلف من الناحية العملية، باعتبار أنّ المكلّف في مثل تلك الحالة يقع في حيرة من أمره من ناحية جواز استعمال المشكوك فيما يشترط فيه الطهارة أو عدم جوازه، فيأتي مثل هذا الأصل ليقول للمكلّف: تعامل مع هذا المشكوك كما لو كان طاهراً.