البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - ج3

- الشيخ أياد المنصوري المزيد...
584 /
206

الأوّل: الدليل الشرعي سواء كان لفظياً أم غير لفظي.

و الثاني: الدليل العقلي.

و بعد ان انتهينا من بحث الدليل الشرعي بقسميه اللفظي و غير اللفظي حان الآن البحث عن القسم الآخر من الأدلة المحرزة، و الذي هو عبارة عن الدليل العقلي.

تمهيد يقع في ثلاث نقاط:

قبل التعرض لما ذكره السيد الشهيد الصدر (قدس) في المقام، لا بد من تمهيد نبين من خلاله طبيعة الدليل العقلي المبحوث عنه في المقام، و موضوعه الذي يتناوله علم الأصول بالبحث بمقدار ما يحقق الغرض الأصولي، و الفرق بينه و بين الدليل الشرعي، و على هذا فالتمهيد يقع في ثلاث نقاط:

الأولى: طبيعة الدليل العقلي محل البحث‏

المراد بالدليل العقلي في المقام، هو: إذعان عقلي بأمر واقعي يوجب الإذعان بالحكم الشرعي، نتيجةً لوجود ملازمة بين ذلك الأمر الواقعي و الحكم الشرعي، فدليلية ما يسمى بالدليل العقلي، عبارة عن نفس ذلك الإذعان و الإدراك المتعلق بقضية يوجد ملازمة بينها و بين الحكم الشرعي، فيلزم من ذلك الإذعان بتلك القضية، الإذعان بالحكم الشرعي، لا أن الإذعان بتلك القضية دال و الحكم الشرعي مدلول؛ فإنّ الدليل العقلي بالمعنى المتقدم ليس فيه ما يعرف بالدال و المدلول كما هو الحال في الدليل الشرعي؛ حيث إنّ ما يصدر من الشارع مما له دلالة على الحكم الشرعي يسمى دالًا، و الحكم الشرعي يسمى مدلولًا (1).

و الوجه في ذلك، هو: أن العلاقة بين الدال و المدلول، هي بمثابة العلاقة بين مقام الإثبات و مقام الثبوت؛ فإن الدال يعبر عن مقام الإثبات، و المدلول يعبر عن مقام الثبوت،

____________

(1) و هذا ما أشار إليه الشيخ الأصفهانى في نهاية الدراية، ج 1، ص 294، حيث قال: «نعم، بين الدليل العقلي و الدليل الشرعي فرق، و هو: إنّ دليلية الكتاب و السنة مثلًا بملاحظة دلالتهما على الحكم الشرعي، بخلاف الدليل العقلي؛ فإنّ مفاده الابتدائي أمر واقعي، أو جعلي، يكون الإذعان به موجباً للإذعان بالحكم الشرعي».

207

على نحو يكون مقام الإثبات كاشفاً عن مقام الثبوت، و يكون أحدهما غير الآخر، و هذا المعنى لا يمكن تصوره بالنسبة إلى الدليل العقلي؛ فإنّ مقام الإثبات فيه هو عين مقام الثبوت، لا أن أحدهما غير الآخر؛ فإنّ الإذعان و الادراك العقلي هو عين انكشاف الواقع، الذي هو عبارة عن القضية التي يفترض وجود الملازمة بينها و بين الحكم الشرعيّ، و من المعلوم أنّ انكشاف اللازم في رتبة انكشاف الملزوم و في عرض واحد، وعليه، فلا يوجد ما هو كاشف و ما هو منكشف في المقام، و هذا بخلاف الدليل الشرعي، فإنّ ما يصدر من الشارع من أقوال أو أفعال، يكون هو الكاشف، و الحكم الشرعي المدلول لها يكون هو المنكشف، و من الواضح: أن الأول غير الثاني.

ثم إنّ الدليل العقلي، تارة: يكون برهانياً، و تكون دلالته قائمة على أساس الملازمة بين قضيتين يمثل الحكم الشرعي أو ما يرتبط به احداهما، و تارة أخرى: يكون استقرائياً، و تكون دلالته قائمة على أساس الاستقراء و حساب الاحتمالات.

و الدليل العقلي المبحوث عنه في المقام، هو خصوص الأول دون الثاني؛ لأن البحث إنما هو في ما يكون بنفسه دليلًا محرزاً على الحكم الشرعي، لا ما يكون دليلًا على الدليل على الحكم الشرعي كما هو الحال غالباً في الدليل العقلي الاستقرائي.

الثانية: موضوع البحث الأصولي بالنسبة إلى الدليل العقلي في المقام‏

إن موضوع البحث الأصولي بالنسبة إلى الدليل العقلي في المقام، هو: القضايا العقلية التي تقع في طريق الاستنباط، و البحث فيها يكون بمقدار ما يرتبط منها بعملية استنباط الحكم الشرعي بصورة مباشرة أو غير مباشرة؛ فإنّ هذا هو غرض الأصولي كما هو واضح، وعليه، سوف ينحصر البحث في الدليل العقلي بالعلاقات و الملازمات الواقعية بين الحكم الشرعي من جهة، و ما يرتبط به من جهة أخرى، فيبحث في طبيعة العلاقة بينه و بين موضوع حكمه، و ما يترتب على ذلك من تأثير في عملية الاستنباط، و ما يمكن أخذه من قيود في ذلك الموضوع، و ما لا يمكن أخذه فيه، كالبحث عن أخذ العلم بالحكم في موضوع الحكم، و يبحث أيضاً في طبيعة العلاقة بينه و بين متعلقه من حيث ما يمكن أخذه من قيود فيه و ما لا يمكن أخذه، كالبحث عن إمكان أخذ قصد

القربة في‏

208

متعلق الأمر و عدم إمكان ذلك، و ما يجب أخذه فيه من قيود و ما لا يجب، كالبحث عن اشتراط القدرة في متعلق التكليف و عدم اشتراطها، كما يبحث في طبيعة العلاقة بينه و بين مقدمته من حيث وجوبها شرعاً و عدم وجوبها، كالبحث عن الوجوب الغيري لمقدمة الواجب، و من حيث مسئولية المكلف تجاهها و عدم مسئوليته، كالبحث عن مدى مسئولية المكلف تجاه مقدمات الوجوب و الواجب، كما يبحث في طبيعة العلاقة بينه و بين حكم شرعي آخر، سواء كان ذلك الحكم الآخر حكماً تكليفياً أم وضعياً، من حيث اقتضاؤه له و عدمه، كالبحث عن اقتضاء الأمر للنهي عن ضده، و اقتضاء النهي للفساد، و غيرهما، أو من حيث إمكان اجتماعه معه و عدم إمكانه، كالبحث عن اجتماع الأمر و النهي، كما يبحث في طبيعة العلاقة بينه و بين حكم العقل، كالبحث في الملازمة بينه و بين حكم العقل بالحسن و القبح، و غير ذلك من البحوث العقلية الأخرى، و التي سوف يتم التعرض لها خلال البحث.

الثالثة: الفرق بين الدليل العقلي و الدليل الشرعي‏

ثم إن الفرق بين الدليل العقلي و الدليل الشرعي بالمصطلح الأصولي، ليس هو في منهج الاستدلال و صورته؛ لأنه في كليهما يعتمد على القياس المنطقي المعبر عنه بقياس الاستنباط، و إنما الفرق بينهما بلحاظ مقدمتي ذلك القياس، و خصوصاً الكبرى منهما، فإن كانت تلك الكبرى شرعية، سمي الدليل حينئذ بالدليل الشرعي، و إن كانت عقلية، سمي الدليل حينئذ بالدليل العقلي، و لتوضيح هذا الفرق، تأمل في القياسين التاليين:

الأول: ما يصدر من الشارع بصيغة (افعل)، دليل شرعي على الوجوب. «كبرى»

و «أدع عند رؤية الهلال» قد صدر من الشارع. «صغرى»

إذن: «أدع عند رؤية الهلال»، دليل شرعي على وجوب الدعاء عند رؤية الهلال.

فلو لاحظنا الكبرى في القياس المتقدم و تأملنا فيها، لوجدنا أنها ليست قضية عقلية قطعاً و لا دخل للعقل فيها؛ إذ لا ملازمة عقلية بين ما يصدر من الشارع بصيغة افعل و بين كونه دليلًا على كون المراد به هو الوجوب، بل الحاكم بذلك هو الشارع لا غير،

و بذلك يكون هذا الدليل دليلًا شرعياً على الحكم الشرعي.

209

الثاني: ايجاب شي‏ء شرعاً، يستلزم الايجاب الشرعي لمقدمته. «كبرى»

و: الوضوء مقدمة للصلاة الواجبة شرعاً. «صغرى»

إذن: الوضوء واجب شرعاً.

فلو لاحظنا الكبرى في القياس المتقدم و تأملنا فيها، لوجدنا أنها قضية عقلية قطعاً، و لا دخل للشارع فيها؛ لأنها متقومة بالملازمة بين شيئين، و الحاكم بهذه الملازمة هو العقل لا غير، و بذلك يكون هذا الدليل دليلًا عقلياً على الحكم الشرعي‏ (1).

في تعريف الدليل العقلي و بيان بعض التقسيمات المرتبطة به:

و بعد أن انتهينا من بيان التمهيد ضمن النقاط الثلاث المتقدمة، يقع البحث أولًا: في تعريف الدليل العقلي الذي يشكل أحد قسمي الدليل المحرز الذي يعتمد عليه الفقيه في عملية استنباط الحكم الشرعي، و ثانياً: في بيان بعض التقسيمات المرتبطة به، وعليه، فالبحث يقع في مقامين:

المقام الأول: في تعريف الدليل العقلي بالمصطلح الأصولي‏

قوله (قدس) ص 298: «الدليل العقلي كل قضية ... الخ».

عرف السيد الشهيد (قدس) الدليل العقلي بأنه: «كل قضية يدركها العقل و يمكن أن يستنبط منها حكم شرعي» (2)، فقوله (قدس): «كل قضية يدركها العقل»، يدخل فيه كل‏

____________

(1) نعم، الصغرى لهذه الكبرى تكون شرعية، و لكن هذا لا يخرج الدليل عن كونه عقلياً؛ لأن المناط في ذلك هو: ملاحظة كبرى الدليل لا صغراه كما هو واضح، غاية الأمر، سوف يكون من قسم الدليل العقلي غير المستقل، كما سيأتي توضيح ذلك لاحقاً

(2) و قد عرفه الشيخ محمد تقي في هداية المسترشدين، ص 431 بأنه: «كل حكم عقلى يستنبط منه حكم شرعى»، و عرفه الشيخ الأنصاري في فرائد الأصول، ج 3، ص 11 بأنه: «حكم عقلي يتوصل به إلى حكم شرعي»، و الظاهر أن عدول السيد الشهيد عن مثل هذا التعريف إلى ما ذكرناه في المتن، كان لأجل السببين التاليين:

الأول: إن التعبير بالحكم العقلي ليس مناسباً؛ و ذلك لأن دور العقل هو الإدراك لا الحكم.

الثاني: إن التعبير بالتوصل به إلى الحكم الشرعي يوحي بأن المراد بالدليل العقلي خصوص القضايا العقلية التي يتوصل بها فعلًا إلى حكم شرعي، و الحال أن المراد بالدليل العقلي كل قضية عقلية من شأنها أن يستنبط منها حكم شرعي، و بقطع النظر عن عالم التطبيق الفعلي و الخارجي، سواء تحقق الاستنباط منها بالفعل و خارجاً أم لا، و هذا ما قد أشار له السيد الشهيد سابقاً في تعريفه لعلم الأصول، و أشار له هنا بقوله: «و يمكن أن يستنبط منها ...».

210

القضايا العقلية المدركة، كإدراك العقل لاستحالة اجتماع النقيضين و ارتفاعهما، و لاستحالة اجتماع الضدين، و لضرورة وجود المعلول بعد وجود علته، و لاستحالة التكليف بغير المقدور، و للملازمة بين وجوب الشي‏ء و وجوب مقدمته، و لحسن الأفعال و قبحها، و غير ذلك من مدركات العقل، سواء ما كان منها من مدركات العقل النظري، أم ما كان منها من مدركات العقل العملي.

و من المعلوم: أن بعض هذه القضايا مما لا يقع في طريق استنباط الحكم الشرعي، فقوله المتقدم يكون بمنزلة الجنس في التعريف، فاحتيج لإخراج القضايا التي يدركها العقل و لا تقع في طريق الاستنباط إلى قيد يخرجها عن التعريف، فأردف قوله السابق بقوله: «و يمكن أن يستنبط منها حكم شرعي»، فخرجت بهذا القيد القضايا العقلية التي لا يمكن أن يستنبط منها حكم شرعي كإدراك العقل لقضية استحالة اجتماع النقيضين، و غيرها من القضايا الأخرى، فيكون القول الثاني بمنزلة الفصل في التعريف المتقدم، فتبيّن من خلال ذلك أن الدليل العقلي بالمصطلح الأصولي أخص مطلقاً من القضايا العقلية (1).

المقام الثاني: في بيان بعض التقسيمات المرتبطة بالدليل العقلي‏

التقسيمات المرتبطة بالدليل العقلي، بعضها يرتبط بجهة البحث و طبيعته، و البعض الآخر يرتبط بنفس الدليل العقلي، و فيما يلي نستعرض أهم تلك التقسيمات ضمن النقاط التالية:

النقطة الأولى: تقسيم البحث في الدليل العقلي إلى صغروي و كبروي‏

قوله (قدس) ص 298: «و البحث عن القضايا العقلية، تارة يقع ... الخ».

بعد أن عرفنا أن الدليل العقلي عبارة عن: القضايا التي يدركها العقل و يمكن أن يستنبط منها حكم شرعي، يقع البحث تارة: في أن العقل هل له قابلية إدراك تلك‏

____________

(1) كما إنه يخرج بهذا القيد الأدلة العقلية التي تساق أحياناً للبرهنة على بعض المسائل الأصولية.

211

القضايا أم لا؟ بمعنى إنه هل يدرك أو لا يدرك؟ ثم إنه إذا أدرك تلك القضايا، فهل يكون إدراكه على نحو الجزم و اليقين أم على نحو الظن و الاحتمال؟ و هذا ما يعبّر عنه بالبحث الصغروي في الدليل العقلي.

و تارة أخرى: يقع البحث في أن ما أدركه العقل من تلك القضايا هل هو حجة أم لا؟ و هذا ما يعبّر عنه بالبحث الكبروي.

و معنى ذلك: إن البحث في الدليل العقلي، تارة: يكون صغروياً، و أخرى: يكون كبروياً، فيقع البحث الصغروي في مدى ادراك العقل للملازمة بين وجوب شي‏ء و وجوب مقدمته، و مدى ادراكه للملازمة بين الأمر بالشي‏ء و النهي عن ضده، و مدى ادراكه لاستحالة التكليف بغير المقدور، و هكذا.

فموضوع البحث الصغروي في الدليل العقلي بشكل كلي، هو: عبارة عن: الملازمة العقلية بين الحكم الشرعي من جهة، و بين أمر آخر يعتبر طرفاً في تلك الملازمة من جهة أخرى، سواء كان ذلك الطرف الآخر للملازمة حكماً عقلياً، أم شرعياً، أم أمراً آخر غيرهما، و لا يخفى إن بحث الملازمات العقلية لا يقتصر على بحث غير المستقلات العقلية فقط، بل يشمل المستقلات العقلية أيضاً؛ لأننا نحتاج فيها أيضاً إلى البحث عن الملازمة بين حكم العقل و حكم الشارع.

و البحث عن تلك الملازمات، هو: عبارة عن: إثبات الكبريات العقلية التي تقع في طريق استنباط الأحكام الشرعية عند ضمها إلى صغرياتها، سواء كانت تلك الصغريات عقلية أيضاً أم كانت شرعية، و القياس المتألف من تلك الكبريات و صغرياتها، و الذي يكون نتيجته حكماً شرعياً، هو ما نقصده بالدليل العقلي على الحكم الشرعي، فنقول مثلًا:

النهي عن العبادة يقتضي بطلانها. «كبرى»

صوم يوم العيد قد نهي عنه. «صغرى»

فصوم يوم العيد باطل. «النتيجة»

و الكبرى المتقدمة في هذا القياس و نظائره، هي التي تقع موضوعاً في البحث الصغروي في الدليل العقلي.

212

و أما موضوع البحث الكبروي في الدليل العقلي، فهو: عبارة عن: حجية ذلك الدليل و مدى جواز التعويل عليه في اثبات الأحكام الشرعية التي يتم استنباطها منه، فالنتيجة التي تم التوصل إليها من خلال القياس السابق، و التي قام عليها الدليل العقلي، تقع صغرى لقياس آخر كبراه حجية العقل، فنقول مثلًا:

كل ما قام الدليل العقلي على بطلانه شرعاً فهو حجة. «كبرى»

و قد قام الدليل العقلي على بطلان صوم يوم العيد شرعاً. «صغرى»

إذن: بطلان صوم يوم العيد مما قامت عليه الحجة. «النتيجة»

فالكبرى المتقدمة في هذا القياس و أمثاله، هي التي تقع موضوعاً في البحث الكبروي في الدليل العقلي من حيث كونه حجة أو لا.

مدى أصولية البحث الكبروي في الدليل العقلي:

قوله (قدس) ص 298: «و لا شك في أنّ البحث الكبروي ... الخ».

إن البحث الكبروي في الدليل العقلي، و الذي هو عبارة عن: حجية الدليل العقلي، أو الإدراك العقلي، لا شك في كونه من المباحث الأصولية؛ لانطباق ضابطة المسألة الأصولية عليه، و هي: ما تقع نتيجتها في طريق إثبات حكم شرعي كلي فرعي، و من المعلوم: أن البحث عن الحجية مما تقع نتيجته في طريق استنباط الحكم الشرعي الكلي الفرعي؛ فبعد أن أدرك العقل الحكم الشرعي نتيجة لإدراكه للملازمة بينه و بين شي‏ء آخر، فبضمه إلى كبرى حجية العقل، تكون النتيجة إثبات ذلك الحكم الشرعي الكلي الفرعي، و لو لا تلك الكبرى، أعني: حجية العقل، لما أمكننا أن نستنبط الحكم الشرعي.

مدى أصولية البحث الصغروي في الدليل العقلي:

قوله (قدس) ص 298: «و أما البحث الصغروي ... الخ».

قلنا: إنّ البحث الصغروي عبارة عن: مدى إدراك العقل للملازمة بين حكم الشرع‏

و شي‏ء آخر، سواء كان ذلك الشي‏ء الآخر حكماً عقلياً، أم حكماً شرعياً، أم غيرهما، و عبرنا عنه ببحث الملازمات العقلية مطلقاً، أو إدراك العقل لاستحالة ثبوت شي‏ء أو ضرورته، كاستحالة التكليف بغير المقدور، أو إجزاء الأمر الاضطراري عن الأمر الأولي مثلًا على‏

213

القول بإدراك العقل لنكتة تقتضي الإجزاء، و هذه القضايا بقسميها، تارة: تكون من العناصر المشتركة في العملية الاستنباطية، أي: لا تختص بباب من أبواب الفقه دون باب، و أخرى: تشكل عنصراً خاصاً لا يدخل في جميع العمليات الاستنباطية في علم الفقه، بل يختص بمورده فقط، و يستنبط منه حكم شرعي خاص بهذا المورد.

و من خلال تعريف علم الأصول بأنه العلم بالعناصر المشتركة التي تقع في طريق استنباط جعل شرعي، و معرفتنا بموضوعه، و الذي هو عبارة عن: كل ما يترقب أن يكون دليلًا و عنصراً مشتركاً في العملية الاستنباطية، يتضح أن ما هو داخل في المسائل الأصولية، هو: خصوص العناصر المشتركة، لا العناصر الخاصة، و البحث الأصولي يدور دائماً حول دليليّة و حجية تلك العناصر المشتركة.

و بناء على ما تقدم، نخرج بهذه النتيجة، و هي: إنّ كل قضية عقلية يدركها العقل و تعتبر عنصراً مشتركاً في عملية الاستنباط، يكون البحث عنها أصولياً، و تكون داخلة في مسائل علم الأصول، فيدخل في ذلك البحث عن كل الملازمات العقلية، كالملازمة بين وجوب شي‏ء و وجوب مقدمته، و الملازمة بين الأمر بالشي‏ء و النهي عن ضده، و الملازمة بين حكم العقل و حكم الشارع، و كذلك البحث عن استحالة التكليف بغير المقدور، أو ضرورة ثبوت شي‏ء؛ حيث إن كل هذه القضايا تشكل عناصر مشتركة.

و أما القضايا العقلية التي تشكل عناصر خاصة، فلا يكون البحث عنها أصولياً، بل يبحث عنها في العلوم الخاصة بها، و نحن نأخذها مسلمة من ذلك العلم، و البحث عنها في علم الأصول أحياناً إنما هو بحث استطرادي، لأجل بيان مدى صحتها أو عدم صحتها، فمثلًا: إدراك العقل لحسن الصدق و قبح الكذب‏ (1)، لا شك أنه يقع في طريق‏

____________

(1) هذا هو المقصود من العنصر الخاص في المثال المذكور، و ليس هو حكم العقل بحرمة الكذب كما ورد في كلمات الاستاذ الفاضل سماحة الشيخ الإيرواني حفظه الله في شرحه للحلقة الثالثة، ج 2، ص 198، حيث قال: «و بعضها الآخر لا يشكل عنصراً مشتركاً، بل يختص باستنباط حكم شرعي واحد، كحكم العقل بحرمة الكذب»؛ فإنّ حكم العقل بحرمة الكذب ليس هو نفس القضية العقلية، بل هو مستنبط منها، و إنما القضية العقلية التي يستنبط منها هذا الحكم، و التي تعتبر عنصراً خاصاً، هي: عبارة عن: حكم العقل بقبح الكذب، و التي تقع صغرى لكبرى الملازمة بين حكم العقل و حكم الشرع.

214

استنباط حكم شرعي كوجوب الصدق و حرمة الكذب بناءً على ثبوت الملازمة بين حكم العقل و حكم الشرع، و لكن إدراكه لحسن الصدق و قبح الكذب مثلًا، لا يستنبط منه إلا حكم شرعي مختص بهذا المورد، و لا يدخل في استنباط أحكام شرعية أخرى، بخلاف إدراك العقل للملازمة بين إيجاب شي‏ء و إيجاب مقدمته؛ فإنه يمكن استنباط حكم شرعي منه في كل مورد أوجبه الشارع و كان له مقدمة متوقفاً عليها، سواء كان الذي أوجبه الشارع هو الصلاة، أم الحج، أم غير ذلك؛ فإننا- بهذه الملازمة- نستطيع أن نثبت وجوب المقدمة مهما كانت طبيعة تلك المقدمة، و مهما كان ذلك الشي‏ء الذي أوجبه الشارع، و في أي باب من أبواب الفقه.

النقطة الثانية: تقسيم القضايا العقلية إلى تعليقية و فعلية

قوله (قدس) ص 298: «ثم أنّ القضايا العقلية التي يتناولها ... الخ».

إن القضايا العقلية التي يتناولها علم الأصول في البحث و التحقيق، و التي تشكل عناصر مشتركة في عملية الاستنباط، إما أن تكون قضايا تعليقية، أي: شرطية، و إما أن تكون قضايا فعلية ناجزة لا تعليق فيها على شي‏ء.

و الأولى: هي عبارة عن: حكم العقل بالملازمة بين حكم الشارع و بين شي‏ء آخر، فحيث أن الملازمة تحتاج إلى طرفين يلزم من أحدهما الآخر، فتكون مرجعها إلى قضايا شرطية، فمثلًا نقول: إن حكم العقل بالملازمة بين وجوب شي‏ء و وجوب مقدمته، مرجعه إلى القضية التالية: إذا وجب شي‏ء وجبت مقدمته، و إدراك العقل للملازمة بين قبح الكذب و حرمته، مرجعه إلى القضية التالية: إذا قبح الكذب حرم، فكل الملازمات العقلية التي أشرنا إليها في البحث الصغروي، مرجعها إلى قضايا شرطية تعليقية، يكون الجزاء في جميعها عبارة عن الحكم الشرعي المراد استنباطه من تلك الملازمة، فمثلًا:

في المثال الأوّل يكون الجزاء عبارة عن وجوب المقدمة، و هو الحكم المستنبط من تلك الملازمة، و في الثاني: حرمة الكذب، و هو الحكم الشرعي المستنبط من تلك القضية، و التي هي عبارة عن الملازمة بين حكم العقل و حكم الشرع، فأحد طرفي الملازمة عبارة عن حكم العقل، و هو إدراكه لقبح الكذب مثلًا، و الآخر: هو حكم الشرع الذي هو عبارة

215

عن حرمة الكذب.

و أمّا الثانية، و هي القضايا العقلية الفعلية، فهي ما سنتكلم عنه في النقطة التالية.

النقطة الثالثة: تقسيم القضايا العقلية الفعلية إلى تركيبية و تحليلية

قوله (قدس) ص 299: «و القضايا الفعلية إما أن تكون تحليلية ... الخ».

أما القضايا العقلية الفعلية، فهي تنقسم من حيث طبيعة البحث الأصولي فيها إلى قسمين:

الأول: القضايا التركيبية، و التي هي عبارة عن: القضايا التي يبحث فيها عن استحالة ثبوت شي‏ء لشي‏ء أو ضرورته، بعد تصور ذلك الشي‏ء و الفراغ عن معناه و حقيقته.

الثاني: القضايا التحليلية، و هي التي يبحث فيها عن: تحليل ظاهرة من الظواهر التي وردت في الشريعة، أو الفقه، بمعنى: أنّ القضية بموضوعها و محمولها ثابتة و لا بحث فيها من هذه الناحية، و إنما يقع البحث فيها عن تفسير كيفية ثبوت ذلك المحمول لذلك الموضوع، و بيان طبيعة العلاقة بينهما.

و طبيعة البحث الأصولي في القسم الأول من هذه القضايا، يختلف عنه في القسم الثاني منها؛ ففي القسم الأول ينصب البحث على مدى ثبوت المحمول- و هو: الاستحالة أو الضرورة في المقام- للموضوع المعيّن أو عدم ثبوته، بينما ينصب في القسم الثاني على تفسير و تحليل كيفية ثبوت المحمول المعيّن لذلك الموضوع المعيّن بعد الفراغ عن أصل ثبوته له، فمسألة تكليف العاجز مثلًا، يبحث فيها أصولياً عن مدى استحالة ذلك أو عدم استحالته، و لأجل ذلك اعتبرت من القضايا التركيبية، حيث إن نتيجة البحث فيها سوف ينتهي إلى قضية مركبة من موضوع و محمول، فإما أن ننتهي إلى قضية مفادها: أنّ تكليف العاجز مستحيل، أو ننتهي إلى قضية مفادها: أنّ تكليف العاجز ممكن أو ليس‏

بمستحيل، و على كلا التقديرين، سوف ينتهي البحث إلى قضية مركبة من موضوع و محمول، و مثل هذه القضية قضية فعلية ناجزة لا يوجد فيها أي تعليق سوى افتراض وجود الموضوع، و الذي هو عبارة عن: تكليف العاجز، أو التكليف بغير المقدور، حتى نحكم عليه بالاستحالة أو عدمها.

216

و من هنا يتضح وجه تسميتها بالقضية التركيبية؛ حيث إننا سوف نحكم على ذلك الموضوع المعيّن بحكم معيّن، فتتركب القضية من موضوع و محمول، و المحمول عبارة عن: الاستحالة من حيث كونها ثابتة أم لا.

و هذا بخلاف القضايا التحليلية، فليس البحث فيها عن ثبوت المحمول للموضوع، بل هو في تحليلها، و تفسيرها، و كيفية ثبوت ذلك المحمول لذلك الموضوع؛ لأن محمولها مفروغ عن ثبوته في الشريعة، فالوجوب التخييري للعتق مثلًا- و المستفاد من قوله: «اعتق، أو أطعم، أو صم» و الذي هو محمول في القضية القائلة: إن العتق واجب وجوباً تخييرياً- ثابت في الشريعة، فيقع البحث عن تحليل ذلك الوجوب التخييري و تفسيره. كما أن جعل حكم على موضوع كما في قوله: «الخمر نجس»، أو: «الخمر حرام شربه» ثابت في الشريعة أيضاً، فالكلام يقع حول بيان و تفسير علاقة الحكم بموضوعه.

فالقضايا التركيبية هي عبارة عن: استحالة ثبوت شي‏ء لشي‏ء، أو عدم استحالته، بعد الفراغ عن حقيقته، و تصور معناه، و تحديده، و من أمثلة ذلك: ما يقع البحث عنه تباعاً في القضايا العقلية، من قبيل القضايا العقلية التالية:

1- التكليف بغير المقدور.

2- أخذ العلم بالحكم في موضوع نفسه.

3- أخذ قصد امتثال الأمر في متعلق نفس الأمر.

4- الأمر بالضدين في وقت واحد.

5- اجتماع الأمر مع النهي.

ففي كل هذه القضايا و الموضوعات و غيرها، يبحث عن ثبوت الاستحالة لها و عدمه.

أما القضايا التحليلية، فهي من قبيل:

1- تحليل و بيان حقيقة الوجوب التخييري.

2- تحليل و بيان حقيقة علاقة الحكم بموضوعه.

فمثلًا: البحث عن الوجوب التخييري بالنسبة إلى العتق، أو الإطعام، أو الصيام على نحو التخيير بين هذه الثلاثة، كما في كفارة الإفطار عمداً، يكون بحثاً تحليلياً و تفسيرياً، من حيث بيان و تحقيق أنّ الوجوب هل يتعلق بالجامع بين هذه الأفراد أم أنه يتعلق‏

217

بنفس هذه الأفراد بصورة مباشرة؟ فقد يقال بأن الوجوب في موارد التخيير كالمثال المتقدم يتعلق بالجامع و لو كان ذلك الجامع عبارة عن عنوان: أحدها مثلًا، فيكون كل من العتق، و الإطعام، و الصيام، مصداقاً لمتعلق الوجوب، و ليس هو بنفسه معروضاً للوجوب، بل معروض الوجوب أوّلًا و بالذات هو الجامع بين هذه البدائل، و كل واحد من بين هذه الثلاثة يحقق الجامع، فالجامع يصدق على كل واحد من الثلاثة كصدق الإنسان على أفراده، فهناك وجوب واحد تعلق بالجامع، و هذا ما يقصد من القول برجوع الوجوب في موارد التخيير الشرعي إلى التخيير العقلي؛ فحيث إن الوجوب في موارد التخيير العقلي يكون متعلقاً بالجامع، فكذلك في موارد التخيير الشرعي.

فمثلًا: لو قال المولى: «صلّ الظهر»، فالمكلف مخير عقلًا في تحقيق متعلق الأمر- و هو الصلاة- بأي فرد من أفراد الصلاة، فللصلاة أفراد زمانية، فإن الصلاة في الآن الأوّل فرد، و في الآن الثاني فرد آخر، و هكذا، و كذلك لها أفراد مكانية، فالصلاة من حيث كونها في المسجد فرد، و من حيث كونها في البيت فرد آخر، و كذلك لها أفراد من حيث الخصوصيات الأخرى، فمن حيث كونها باللباس الأبيض فرد، و كونها باللباس الأسود فرد آخر، و هكذا، و حيث أن المكلف مأمور بإيجاد جامع و طبيعة الصلاة، فهو مخير عقلًا في إتيان تلك الطبيعة بأي فرد من أفرادها، و بقطع النظر عن شكل الخصوصية.

و قد يقال في مقابل ذلك بأن الوجوب في موارد التخيير الشرعي متعلق بالبدائل مباشرة، و حيث أن المطلوب فرد واحد على نحو البدل، فيكون كل وجوب مشروطاً بعدم البدائل الأخرى، فقول الشارع: «اعتق أو أطعم أو صم»، يصبح في حقيقته على هذا القول بمثابة قوله: «اعتق إن لم تطعم أو تصم، و صم إن لم تعتق أو تطعم، و أطعم إن لم تعتق أو

تصم».

و على كل حال، فالبحث الأصولي في الوجوب التخييري، يقع في تحديد، و تفسير، و تحليل هذه الظاهرة الثابتة في الفقه، هل هي على النحو الأوّل، أم على النحو الثاني، أم غير ذلك؟ فهذا بحث تحليلي و تفسيري لتلك الظاهرة.

و هكذا بالنسبة إلى البحث عن علاقة الحكم بموضوعه؛ فبعد أن ثبت شرعاً جعل الشارع أحكامه على موضوعات، و أخذ في تلك الموضوعات مجموعة من الشرائط و القيود، كقوله: «إذا زالت الشمس فصلّ» أو: «إذا استطعت فحج» أو: «إذا رأيت هلال رمضان فصم»

218

و غيرها، فحيث إن الزوال، أو الاستطاعة، أو رؤية الهلال موضوع للحكم الشرعي- الذي هو: وجوب الصلاة، أو وجوب الحج، أو وجوب الصيام- فيبحث في علم الأصول عن طبيعة العلاقة بين الحكم و موضوعه، و هل هي من علاقة السبب و المسبب، أي: العلّة و المعلول، فيكون الموضوع بمثابة العلّة للحكم و هو معلول له، فيكون الحكم متوقفاً على تحقّق موضوعه توقف كل معلول على علّته، أم هي علاقة من سنخ آخر؟

و معرفة حقيقة علاقة الحكم بموضوعه، له مدخلية في إثبات قضية تركيبة، من قبيل: استحالة أخذ العلم بالحكم في موضوع نفسه كما سيتضح ذلك لاحقاً.

النقطة الرابعة: تقسيم الدليل العقلي إلى مستقل و غير مستقل‏

قوله (قدس) ص 299: «و القضايا الشرطية، إما أن يكون الشرط ... الخ‏».

ثم إن القضايا العقلية الشرطية تنقسم باعتبار شرطها إلى قسمين:

الأول: الدليل العقلي المستقل.

الثاني: الدليل العقلي غير المستقل.

و يقصد بالأول: كل قضية عقليّة شرطيّة يكون شرطها مقدمة (1) غير شرعيّة بل عقليّة،

____________

(1) ينبغي الالتفات إلى أنّ المقصود بالمقدمة هنا هو الصغرى التي تنطبق عليها الكبرى العقلية، و ليس المقصود بها مقدمة الواجب، فالصغرى للكبرى القائلة بأن ايجاب شي‏ء يستلزم إيجاب مقدمته، هي عبارة عن: إيجاب الشارع لذلك الشي‏ء، من دون فرق بين أن تكون مقدمة ذلك الواجب شرعية كالوضوء بالنسبة للصلاة، أو عقلية كالسفر بالنسبة للحج، و لأجل ذلك يمكن استبدال المثال المتقدم في المتن و الذي سيأتي لا حقاً بالمثال التالي:

إيجاب شي‏ء يستلزم إيجاب مقدمته.) كبرى»

السفر إلى الميقات مقدمة للحج الواجب شرعاً.) صغرى»

فالسفر إلى الميقات واجب شرعاً.) النتيجة»

أو: المثال التالي:

النهي عن شي‏ء يستلزم بطلانه.) كبرى»

صوم يوم العيد منهي عنه شرعاً.) صغرى»

صوم يوم العيد باطل.) النتيجة»

فالصغرى شرعية في كلا المثالين المتقدمين، و هي في الأول عبارة عن: ايجاب الشارع للحج، و في الثاني عبارة عن: نهي الشارع عن صوم يوم العيد.

219

و يقصد بالثاني: كل قضية عقلية شرطية يكون شرطها- أي: صغراها- مقدّمة شرعية، و هو ما يتوقف استنباط الحكم الشرعي منه إلى مقدّمة شرعية، فيكون شرط القضيّة العقليّة مقدمة شرعيّة، فمثلًا: الملازمة بين إيجاب شي‏ء و إيجاب مقدمته، لا يمكن استنباط وجوب المقدمة منها إلا بضم مقدمة شرعيّة إليها، و هي: أمر الشارع بالشي‏ء الذي يتوقف على تلك المقدمة، كالصلاة المتوقفة على الوضوء، فبضم تلك المقدمة الشرعية و هي الصغرى إلى كبرى الملازمة بين إيجاب شي‏ء و إيجاب مقدمته، ينتج وجوب مقدمته، فاستنباط وجوب المقدمة اعتمد على صغرى شرعيّة كالتالي:

إيجاب شي‏ء يستلزم إيجاب مقدمته. «كبرى»

الصلاة قد أوجبها الشارع. «صغرى»

فمقدمة الصلاة واجبة شرعاً. «النتيجة» (1)

فسمي هذا الدليل بالدليل العقلي، باعتبار أن كبراه التي هي المناط في الدليل العقلي- كما أشرنا إلى ذلك سابقاً- عقليّة، و سمي غير مستقل، باعتبار عدم استقلال العقل في استنباط الحكم الشرعي من تلك الكبرى، بل هي محتاجة في مقام الاستنباط إلى ضم مقدمة شرعية، و التي هي عبارة عن: إيجاب الشارع للصلاة المقيدة بالوضوء في المثال المتقدم، و يطلق على هذا القسم في كلمات الأصوليين (غير المستقلات العقلية).

و أما القسم الأول، و هو الدليل العقلي المستقل، فصغراه مقدمة غير شرعيّة، بل عقليّة أيضاً، فهو دليل عقلي باعتبار أن كبراه عقلية، و مستقل باعتبار أن صغراه عقلية أيضاً، فيستقل العقل في مقام استنباط الحكم الشرعي منه، بلا حاجة إلى ضميمة شرعيّة، بل كلتا مقدمتيه-

____________

(1) ثم نأخذ هذه النتيجة لنضعها كبرى لقياس آخر لنستنبط منه وجوب هذه المقدمة أو تلك فنقول:

مقدمة الصلاة واجبة شرعاً.) كبرى»

الوضوء مقدمة للصلاة الواجبة.) صغرى»

فالوضوء واجب شرعاً.) النتيجة»

كما أنّه من الممكن دمج هذين القياسين في قياس واحد و نحصل على نفس النتيجة، فنقول:

ايجاب شي‏ء يقتضي ايجاب مقدمته شرعاً.) كبرى»

الوضوء مقدمة للصلاة الواجبة.) صغرى»

فالوضوء واجب شرعاً.) النتيجة»

220

الصغرى و الكبرى- عقليتان، و هذا النحو يطلق عليه في كلمات الكثير من الأصوليين (المستقلات العقلية)، و التي هي عبارة عن قضية واحدة، و هي: إدراك العقل للحسن و القبح، التي يستنبط منها الحكم الشرعي بضمها إلى كبرى (ما حكم العقل بحسنه حكم الشرع بوجوبه) (1)، فمثلًا يقال:

كل ما حكم العقل بحسنه حكم الشارع بوجوبه. «كبرى»

و قد حكم العقل بحسن الصدق. «صغرى»

فالصدق واجب شرعاً. «النتيجة»

و بعبارة مختصرة: إن الدليل العقلي على الحكم الشرعي، حيث إنه عبارة عن: قضايا عقلية بضمها إلى صغرياتها يتم استنباط الحكم الشرعي منها، فهذه الصغريات، إن كان مصدرها الشارع، سمي الدليل العقلي بغير المستقل، و إن كان مصدرها العقل، كنفس الكبريات، سمي الدليل العقلي بالمستقل.

شمول الدليل العقلي المستقل لبعض القضايا التركيبية:

قوله (قدس) ص 300: «و كذلك تعتبر القضايا العقلية الفعلية ... الخ‏».

كنا قد قسمنا الدليل العقلي إلى مستقل و غير مستقل، و قلنا: إن أمكن استنباط الحكم الشرعي من القضية العقلية بلا حاجة إلى ضميمة شرعية بل كانت الضميمة و المقدمة عقلية، سمي بالمستقل، و إن احتاجت إلى مقدمة شرعية، سمي بغير المستقل، وعليه، فالمناط في الاستقلالية و عدمها هي نوع الصغرى المنضمة إلى الكبرى العقلية، فإن كانت شرعية، كان الدليل العقلي غير مستقل، و إن كانت عقلية، كان الدليل مستقلًا.

و الآن نريد أن نوسع من اطلاق الدليل العقلي المستقل ليشمل كل ما لا يحتاج في مقام‏

____________

(1) لقد عدلنا عن التعبير عن هذه الكبرى من القول:) كل ما حكم به العقل حكم به الشرع»، إلى قول:) كل ما حكم العقل بحسنه حكم الشارع بوجوبه»، للتنبيه على أنّ حكم العقل من سنخ و حكم الشرع من سنخ آخر؛ فإنّ الذي يحكم به العقل هو غير ما يحكم به الشرع؛ فالأول يحكم بحسن الأشياء و قبحها، بينما الثاني يحكم بوجوب الأشياء و حرمتها، و لو أخذنا التعبير الأول بمعناه الحرفي، لكان مفاده: أنّ ما حكم العقل بحسنه حكم الشارع بحسنه أيضاً، و من المعلوم: أنّ هذا المعنى غير مقصود من القاعدة قطعاً، و إلّا، لما كان للنزاع بين الأصوليين في هذه القاعدة أيّ معنى يذكر كما هو واضح.

221

استنباط الحكم الشرعي منه إلى مقدمة شرعية، سواء احتاج إلى مقدمة أخرى و كانت عقلية كما في الاصطلاح و التقسيم الأول، أم لم يحتج أصلًا، كما هو الحال في القضايا العقلية التركيبية؛ حيث لا تحتاج في مقام استنباط الحكم الشرعي منها إلى أي مقدمة، لا شرعية، و لا عقلية؛ لأن القضايا العقلية التركيبية ليست إلا عبارة عن استحالة ثبوت شي‏ء لشي‏ء، و هذه الاستحالة بنفسها تنفي أنواعاً خاصة من الأحكام، فنفي الحكم بهذه الاستحالة لا يتوقف على شي‏ء أصلًا.

فالقضية العقلية التركيبية القائلة بأن تكليف العاجز مستحيل، أو باستحالة التكليف بغير المقدور، يتم من خلالها البرهنة على نفي التكليف عن العاجز و غير القادر، و كذلك القضية العقلية القائلة بأن أخذ العلم بالحكم في موضوع نفس الحكم مستحيل، يتم من خلالها البرهنة على نفي اختصاص الحكم بالعالم به.

لكن هذا مبني على أن نفي الحكم كثبوته مما يطلب استنباطه من القاعدة الأصولية، فلا بد من تعميم الحكم الوارد في تعريف الدليل العقلي إلى ما يشمل عدم الحكم أيضاً.

فائدة البحث الأصولي في القضايا التحليلية:

قوله (قدس) ص 300: «و أما القضايا الفعلية التحليلية، فهي تقع ... الخ‏».

قد يقال: إنه لا فائدة في البحث عن القضايا العقلية الفعلية التحليلية؛ لأن مفادها تحليل واقعة من الوقائع، أو تفسير ظاهرة من الظواهر التي وردت في الشريعة، فسواء

عرفنا كيفية علاقة الحكم بموضوعه و أنه بنحو علاقة المعلول بعلته أو بنحو آخر، أم لم نعرف ذلك، و سواء عرفنا حقيقة الوجوب التخييري للعتق مثلًا في قوله: «اعتق أو صم» و أنه بنحو الوجوب الواحد المتعلق بالجامع بينهما، أو أنه عبارة عن وجوبين مشروط كل منهما بترك الآخر، أم لم نعرف ذلك؛ فإن معرفة ذلك مما لا يقع في طريق استنباط الحكم الشرعي؛ لأن البحث في القضايا العقلية التحليلية ينصب على الحكم الشرعي بعد فرض ثبوته، و مع ثبوت الحكم الشرعي، لا مجال للاستنباط؛ لأن الهدف منه هو اثبات الحكم الشرعي، و من المعلوم أن الدليل العقلي يبحث فيه عن القضايا العقلية التي تقع في طريق استنباط الحكم الشرعي.

و لكن الصحيح إن البحث عن القضايا العقلية التحليلية، و معرفة حقيقة من الحقائق‏

222

التي وردت في الشريعة، و تحليلها، و تفسيرها تفسيراً صحيحاً، مما يؤثر في عملية استنباط الحكم الشرعي و إن كان بصورة غير مباشرة؛ لأنها قد تقع في طريق الاستنباط، و ذلك بأحد وجهين:

الأول: كون القضية التحليلية المبحوث عنها، قد تقع نتيجتها مقدمة لقضية عقلية تركيبية، و تكون بنفسها إحدى مقدمات الاستدلال و البرهنة على قضية تركيبية، و لا إشكال في وقوع القضية التركيبية في طريق الاستنباط.

الثاني: كون القضية العقلية التحليلية المبحوث عنها، قد تساعد نتيجتها في تحديد كيفية تطبيق بعض الأصول العملية على مواردها، و هذا مما يؤثر في استنباط نوع الحكم الشرعي.

أما الوجه الأول، فمثاله: إن البحث عن علاقة الحكم بموضوعه، و تحليل حقيقة الأحكام الشرعية المجعولة على نهج القضايا الحقيقية، في كون الموضوع مأخوذاً فيها مفترض و مقدّر الوجود- أي: على تقدير و افتراض وجود الموضوع يترتب الحكم الشرعي- فمعرفة أن الموضوع بالنسبة إلى الحكم بمثابة العلة و المعلول، يؤثر في الاستدلال و البرهان على قضية تركيبية، كقضية استحالة أخذ العلم بالحكم في موضوع نفس الحكم؛ فإن هذه الاستحالة، لا طريق لإثباتها إلا بضميمة كون الموضوع بمثابة العلة للحكم، و هذه إحدى مقدمات برهان تلك الاستحالة؛ لأن أخذ العلم بالحكم في موضوع نفس الحكم، يعني: كون العلم بالحكم علة لنفس ذلك الحكم طبقاً لطبيعة

علاقة الحكم بموضوعه، و أنها بمثابة علاقة المعلول بعلته، مع أن العلم بالحكم فرع ثبوت الحكم، فلو كان العلم بالحكم متوقفاً على نفس الحكم من باب توقف كل علم على معلومه، و كان الحكم متوقفاً على العلم به من باب توقف كل حكم على موضوعه، لنتج توقّف الحكم على نفسه، و هذا دور واضح، فتكون النتيجة التي يتم التوصّل إليها عن طريق معرفة علاقة الحكم بموضوعه، و أنها من علاقة المعلول بعلّته، بناءً على افتراض الدور المتقدم، هي عبارة عن: استحالة أخذ العلم بالحكم في موضوع نفس ذلك الحكم، و التي ينتج عنها نفي اختصاص الحكم بالعالم به، و أن الحكم الشرعي مطلق من هذه الناحية، فهذه هي نتيجة البحث و ثمرته بالنسبة إلى تحليل و تفسير علاقة الحكم بموضوعه، و منه يظهر مدى تأثير البحث عن القضايا التحليلية في عمليّة الاستنباط.

223

و أما الوجه الثاني، فمثاله: ما لو أخذنا ظاهرة الوجوب التخييري، و بحثناها بحثاً تحليلياً، و قلنا: إنه عبارة عن وجوب واحد منصب على الجامع بين البدائل المذكورة في لسان الدليل، و ما تلك البدائل بعناوينها إلا مصاديق لما هو معروض الوجوب و هو الجامع، أو قلنا: مرجعه إلى وجوبات مشروطة بعدد البدائل بحيث يكون كل واحد منها واجباً وجوباً مشروطاً بترك سائر البدائل الأخرى؛ فإن تفسيره بأحد هذين النحوين سوف يؤثر تأثيراً واضحاً في تحديد كيفيّة تطبيق و إجراء الأصل العملي عند الشك بين التعيين و التخيير، كما لو شككنا في وجوب الصوم مثلًا، و ترددنا بين كونه واجباً بالوجوب التعييني، بحيث لا يجزي عنه غيره في مقام الامتثال، و بين كونه واجباً بالوجوب التخييري، بحيث يكون له عدل آخر كالإطعام مثلًا، فلو أن مكلّفاً ما قد أطعم عدداً من المساكين بالنحو الذي يعتبر مجزياً عن وجوب الإطعام من دون فرق بين كونه تعيينياً أو تخييرياً، و شكّ مع ذلك في وجوب الصوم عليه، من جهة كونه تعيينياً فيجب عليه أن يصوم في هذه الحالة، أم كونه تخييرياً فلا يجب عليه الصوم بعد الإطعام المذكور، فيقع البحث في هذه الحالة في تحديد نوع الأصل العملي الجاري بالنسبة إلى وجوب الصوم المشكوك، و هل هو البراءة أم الاشتغال؟ بعد الفراغ عن أن موضوع البراءة هو الشك في التكليف الزائد، و موضوع الاشتغال هو الشك في الامتثال.

و من المعلوم: أن تحديد ذلك، و كونه من الشك في التكليف الزائد لكي تجري أصالة البراءة، أو كونه من الشك في الامتثال لكي تجري أصالة الاشتغال، يرتبط ارتباطاً مباشراً بتحليل حقيقة الوجوب التخييري، من حيث كونه وجوباً واحداً متعلّقاً بالجامع، أو كونه عبارة عن: وجوبات مشروطة بعدم امتثاله للبدائل الأخرى، فعلى الأوّل، يكون المقام من دوران أمر الواجب بين التعيين و التخيير بلا اشكال، و الذي قد يقال فيه بجريان أصالة الاشتغال، و بالتالي يجب على المكلف أن يصوم و إن تحقق منه الإطعام، و أما على الثاني- و هو كون الوجوب التخييري عبارة عن: وجوبات مشروطة- فالشك في وجوب الصوم من حيث كونه تعيينياً أو تخييرياً، يرجع إلى كونه وجوباً مطلقاً- على تقدير كونه تعيينياً- أو كونه مشروطاً بعدم الإطعام- على تقدير كونه تخييرياً- فإن كان الثاني، فقد سقط وجوب الصيام، لعدم تحقّق شرطه، و هو عدم الإتيان بالإطعام؛ لأن‏

224

المكلّف بحسب الفرض قد أتى بالإطعام، و على الأول، لا بدّ له من الإتيان بالصيام و إن كان قد أتى بالإطعام، فيكون الشك في الصيام شكاً في التكليف الزائد؛ لأنه عبارة عن الشك في وجوبه أو عدم وجوبه، و هذا مجرى للبراءة بلا إشكال.

و بهذا، يتّضح كيف أثّرت القضية التحليلية في كيفية إجراء الأصل العملي عند الشك.

و بهذا الاعتبار، تكون القضايا العقليّة التحليليّة واقعة في طريق استنباط الحكم الشرعي، فتكون مورداً للبحث التحليلي في علم الأصول.

الترابط و التفاعل بين القضايا العقلية:

قوله (قدس) ص 301: «و سوف نلاحظ أنّ القضايا العقلية متفاعلة ... الخ‏».

لا شك و لا إشكال في أن القضايا العقلية متفاعلة و مترابطة فيما بينها، و سوف نلاحظ من خلال البحوث المقبلة مدى الترابط و التفاعل بين تلك القضايا؛ فقد تساهم قضية تحليلية ما في البرهنة على قضية تركيبية ما، و بالعكس؛ فقد يقع البحث عن قضية تركيبيّة، و نحتاج ابتداءً إلى البحث عن قضية تحليلية لكونها تشكّل مقدّمة للاستدلال على تلك القضية التركيبية، و قد يكون البحث بحثاً تحليلياً و ينتهي إلى قضيّة تركيبيّة،

و هكذا.

كما أن القضايا التحليلية متفاعلة فيما بينها أيضاً، فقد يقع البحث عن قضيّة تحليليّة معيّنة، و لكن معرفة حقيقة تلك القضيّة و تفسيرها يحتاج إلى البحث عن قضيّة تحليليّة أخرى تساهم في إعطاء التفسير الصحيح، و سوف نبيّن على نحو الاختصار كيفيّة هذا التفاعل و الترابط، و نترك التفاصيل إلى محلّها عند البحث عن تلك القضايا.

1- قضية تحليلية تساهم في تكوين قضية تركيبيّة

قد بيّنا في النقطة السابقة كيف أن البحث التحليلي عن علاقة الحكم بموضوعه، و كونه بمنزلة المعلول بالنسبة إلى علته، قد ساهم في تكوين قضية تركيبية، و هي: عبارة عن: استحالة أخذ العلم بالحكم في موضوع نفس ذلك الحكم، و الآن، نطرح مثالًا آخر للقضية التحليلية التي تساهم في تكوين قضية تركيبية، و هي: عبارة عن: تحليل واقع‏

225

الوجوب التخييري؛ فقد يدعي البعض أن الوجوب التخييري مرجعه إلى وجوبات مشروطة بعدد البدائل، بمعنى: أن وجوب الصيام مثلًا مشروط بترك الإطعام، و وجوب الإطعام مشروط بترك الصيام، فيدعي البعض الآخر استحالة ذلك، بدعوى أنه يؤدي إلى طلب الضدين معاً في حالة ترك المكلّف لهما معاً، و بالتالي، يكون المكلف مستحقاً لعقابين، مع انه لا خلاف في أن ترك الواجب التخييري يعد معصية واحدة، و موجباً لعقوبة واحدة، كما انه لو افترضنا أن المكلف قد أتى بهما معاً في زمان واحد مثلًا لما كان ممتثلًا؛ لعدم فعليتهما في هذه الحالة؛ و ذلك لانتفاء شرط كل واحد منهما- و هو: ترك الآخر- فيصل الأصولي إلى نتيجة، و هي: استحالة التكليفين المشروط كل منهما بعدم الآخر، و هذه قضية تركيبية كما هو واضح.

2- قضيّة تحليليّة تساهم في إعطاء التفسير الصحيح لقضيّة تحليليّة أخرى‏

وقع الخلاف بين الأصوليين في تفسير حقيقة الوجوب المشروط، فقد ذهب الشيخ الأنصاري إلى أن المشروط هو الواجب و ليس الوجوب، و كلّ الشروط و القيود المأخوذة في مقام الجعل تعود إلى المادة دون الهيئة، و أنكر بذلك الوجوب المشروط بهذا المعنى، و قال: إن الوجوب مطلق و لا يمكن أن يكون مشروطاً، فتفسيره للوجوب‏

المشروط بهذا التفسير، و بالتالي الذهاب إلى استحالته، يساهم في إعطاء التفسير الصحيح بنظره لحقيقة الوجوب التخييري.

و بهذا، ننتهي من المقدّمة في الدليل العقلي، و يقع الكلام الآن في ضمن مرحلتين:

الأولى: استعراض القضايا العقلية التي تشكّل عناصر مشتركة في عمليّة الاستنباط.

الثانية: حجيّة الدليل العقلي.

و سوف يقع البحث أولًا في تلك القضايا التي تشكّل عناصر مشتركة، و بعدها يتم التعرّض إلى حجّية الدليل العقلي.

226

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

227

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

228

الدليل العقلي التكليف بغير المقدور

1 استحالة التكليف بغير المقدور

2 حالات ارتفاع القدرة

3 الجامع بين المقدور و غير المقدور

229

التكليف بغير المقدور

تمهيد في أربع نقاط:

أول القضايا العقليّة التي وقع البحث عنها في الدليل العقلي، هي: قاعدة التكليف بغير المقدور، وجهة البحث فيها، هي: إنّه هل يمكن للشارع أن يكلّف بتكليف‏ (1) لا يقدر المكلّف على الإتيان بمتعلقه، أو لا يمكن له ذلك؟

و هذه القاعدة من القضايا العقليّة الفعليّة التركيبيّة؛ إذ يبحث فيها عن استحالة أو إمكان التكليف بغير المقدور بعد الفراغ عن تصوّر معناه و تحديده، و قبل البحث في بيان الاستحالة أو عدمها لا بد من تمهيد في أربع نقاط:

النقطة الأولى: في بيان أنّ محل البحث هو القدرة بالمعنى الأخص‏

إنّ عجز المكلّف عن الاتيان بمتعلّق التكليف، و عدم القدرة على امتثاله، تارة يكون لمانع تكويني، و أخرى يكون لمانع شرعي.

و مثال الأول: ما لو أمر المولى بالصلاة من قيام و كان المكلّف عاجزاً فعلًا عن القيام، و مثال الثاني: ما لو أمر المولى عبده بالصلاة و كان مشتغلًا فعلًا بأداء واجب آخر على نحو لو لم يكن مشتغلًا به لكان قادراً على الصلاة، ففي كلتا هاتين الحالتين، يصبح المكلّف عاجزاً عن الصلاة المأمور بها، فوقع البحث من حيث إمكان توجّه الأمر

____________

(1) قال الشيخ الطوسي في الاقتصاد، ص 61: «التكليف عبارة عن إرادة المريد من غيره ما فيه كلفة و مشقة، و يقال في الأمر بما فيه كلفة و مشقة أنه تكليف، من حيث كان الأمر لا يكون أمراً إلا بإرادة المأمور به و الرتبة معتبرة في التكليف كاعتبارها في الأمر. يدل على ذلك أن من أراد من الغير ما يلحقه فيه مشقة سمي مكلفاً له، و متى أراد من الغير ما لا يلحقه فيه مشقة لم يسم بذلك، و لذلك لم يكن الواحد منا إذا أراد من الله تعالى الفعل مكلفاً له، و إذا أراد الله تعالى منا الفعل الذي فيه مشقة، كان مكلفاً، سواء كان ذلك الفعل واجباً، أو ندباً».

230

بالصلاة إلى مثل هذا المكلّف و عدم إمكانه.

و يطلق على المعنى الأول للقدرة- المقابل للعجز من النحو الأول- القدرة بالمعنى الأخص، و يطلق على المعنى الثاني للقدرة- المقابل للعجز من النحو الثاني- القدرة بالمعنى الأعم، و ما هو مورد البحث في ما نحن فيه القدرة بالمعنى الأخص، أي: عدم القدرة الناشئ من العجز التكويني بالمعنى المتقدم.

النقطة الثانية: في بيان المراد بكون التكليف غير مقدور

إن المراد بكون التكليف غير مقدور للمكلف، هو: عجز المكلف و عدم قدرته على إيجاد متعلّقه و تحقيقه خارجاً، سواء كان ذلك لأجل كونه ممتنع الوقوع و لا يمكن عقلًا للمكلّف إيجاده خارجاً، أم لأجل كونه ضروري الوقوع باعتبار أن إيجاد ما هو موجود غير مقدور للمكلف؛ لأنه من باب تحصيل الحاصل، أم لأجل كونه ممكن الوقوع و لكنّه خارج عن اختياره، كنبع الماء في جوف الأرض، أم لأجل كونه ممكن الوقوع و لكنّه خارج عن اختياره لعارض، كالمرض مثلًا، أو غير ذلك‏ (1)؛ فإن متعلق التكليف إذا كان راجعاً لأحد هذه الأمور الأربعة، فهو غير مقدور للمكلف، و فرض تعلق التكليف بأحدها يكون من التكليف بغير المقدور (2).

____________

(1) ينبغي الالتفات إلى أن الزمان الذي يلحظ فيه التكليف لكي يوصف بأنه مقدور للمكلف أو غير مقدور، إنما هو خصوص زمان فعلية التكليف من جميع الجهات، مع قطع النظر عن القدرة و عدمها، لا مطلق الزمان؛ لأنه قد يكون غير مقدور للمكلف قبل زمان الفعلية، و لكنه مقدور له في زمان الفعلية، أو بالعكس.

و إلى هذا المعنى أشار الشيخ الطوسي في عدة الأصول، ج 2، ص 95 بقوله: «إن الفعل الذى أمر به لا يحتاج إلى تقدم القدرة في حال الأمر؛ لأنها لو وجدت في تلك الحال و عدمت في حال الحاجة إلى الفعل، لم يحسن أمره».

و قال الشيخ محمد تقي في هداية المسترشدين، ص 208: «إن المعتبر من القدرة و الاختيار- بناء على عدم جواز التكليف بما لا يطاق مطلقاً- هو ما كان مقارناً للفعل»

(2) نعم، بلحاظ الغرض الذي يترتب على هذا البحث، و ثمرته المترقبة، فإن الظاهر اختصاص البحث بالصورة الرابعة من الصور المتقدمة للعجز و عدم القدرة؛ و ذلك لعدم ترتب أي ثمرة بالنسبة للصور الثلاث الأخرى.

231

النقطة الثالثة: في بيان مراتب التكليف‏

قوله (قدس) ص 303: «في التكليف مراتب متعددة و هي ... الخ».

ذكرنا سابقاً أن التكليف- من الوجوب أو الحرمة- له مراتب أربعة و هي:

1- مرتبة الملاك: و يعبّر عنها أيضاً بمرتبة الاقتضاء، بمعنى: ما يقتضي تشريع الحكم و التكليف بالفعل الفلاني، كالمصلحة في الوجوب، و المفسدة في الحرمة، و هي أول مبادئ الحكم.

2- مرتبة الإرادة: و هي تعلّق إرادة المولى و شوقه و حبّه الناشئ من تلك المصلحة الكامنة بالفعل، فيريد الفعل لأجل تلك المصلحة على نحو يريد إيجادها و تحصيلها.

3- مرتبة الجعل و الاعتبار: و هي عبارة عن اعتبار ذلك الفعل الواجد للمصلحة في عهدة المكلّف و في ذمّته كاعتبار وجوب الصلاة مثلًا.

و هذا الاعتبار، تارة يكون الهدف منه مجرّد إظهار و إبراز المبادئ في ذلك الفعل، فيكون بمثابة الإخبار بأنّ هذا الفعل- كالصلاة مثلًا- مشتمل على المصلحة، و أنّ تلك المصلحة مرادة من قبل المولى.

و تارة أخرى، يكون الهدف منه خلق الداعي عند المكلّف؛ لكي ينبعث و يتحرّك نحو الفعل، فيكون اعتبار وجوب الصلاة- مثلًا- بداعي البعث و التحريك.

4- مرتبة الإدانة: و هي مرتبة تنجز التكليف، و مسئولية المكلّف تجاهه، و أنه يستحق العقاب على مخالفته.

النقطة الرابعة: في بيان المراد بالتكليف المبحوث عنه في المقام‏

إنّ المراد بالتكليف الوارد في المسألة التي يبحث عنها في المقام- أي: التكليف بغير المقدور- هو: التكليف بمعنى الجعل، أي: التكليف بمرتبته الثالثة من المراتب المتقدمة، من حيث امكان تعلّق الجعل الشرعي بغير المقدور و عدمه، و بالتالي معرفة مدى شمول الخطابات الشرعية لغير القادر أو عدم شمولها؛ باعتبار أنّ الكاشف عن الجعل الشرعي هو الخطاب الشرعي، فإذا كان الجعل الشرعي مختصاً بالقادر بسبب استحالة شموله للعاجز، فلا محالة من اختصاص الخطاب بالقادر.

232

ثم إنّ البحث في التكليف بغير المقدور يقع في ثلاثة جهات:

الأولى: استحالة التكليف بغير المقدور.

الثانية: حالات ارتفاع القدرة و اسباب زوالها.

الثالثة: التكليف بالجامع بين المقدور و غير المقدور.

و سوف يقع البحث في هذه الجهات تباعاً إن شاء الله تعالى.

233

1- استحالة التكليف بغير المقدور

وقوع الكلام بلحاظ مراتب التكليف الأربعة:

لا شك في أن المقصود باستحالة التكليف بغير المقدور هو كون القدرة شرطاً في التكليف، لكن، حيث إن التكليف له مراتب أربعة قد تقدم بيانها، فلا بد من استعراضها جميعاً لتحديد محل اشتراط القدرة في التكليف، و أنه بأي مرتبة من هذه المراتب، وعليه، فالبحث يقع في أربعة موارد:

المورد الأول: شرطية القدرة في مرتبة الإدانة

قوله (قدس) ص 303: «و لا شك في أنّ القدرة شرط في مرحلة الادانة ... الخ».

إن الإدانة تعني: المسئولية، و تنجز التكليف على المكلف، و دخوله في عهدته، و بالتالي استحقاق العقاب على مخالفته، و معنى شرطية القدرة في هذه المرتبة، هو: عدم استحقاق المكلف للإدانة و العقاب على مخالفة التكليف إذا كان متعلقه غير مقدور له، و معنى عدم شرطيتها، هو: استحقاق المكلف للإدانة و العقاب على المخالفة، حتى لو كان متعلق التكليف غير مقدور للمكلف.

و لا اشكال في حكم العقل بكون القدرة شرطاً في التكليف في هذه المرحلة، و أن الإدانة لا تثبت إلا مع القدرة على التكليف، بحيث يكون بمقدور المكلف أن يمتثل أمر المولى فيخالفه، و من المعلوم: إن المخالفة لا تصدق إلا في حالة دخول مورد الأمر في حق الطاعة للمولى حتى تعدّ مخالفته خروجاً عن هذا الحق، و من الواضح أن الفعل إذا لم يكن تحت قدرة المكلّف و اختياره، لا يحكم العقل بدخوله في حقّ الطاعة للمولى، بل لا حق طاعة إلا مع القدرة على التكليف، و مع عدم حقّ الطاعة لا تثبت المخالفة،

234

و مع عدمها لا عقاب، و لا إدانة، و لا مسئوليّة، فالإدانة إذن فرع المسئوليّة، و المسئوليّة فرع ثبوت حقّ الطاعة، و مع عدم القدرة على الفعل فلا حق طاعة، فلا مسئوليّة، فلا إدانة، و هذا مما لا خلاف فيه، فالقدرة إذن شرطٌ في مرحلة الإدانة و المسئوليّة، و يقبح على المولى عقلًا معاقبة المكلّف على مخالفة تكليف غير مقدور له و خارجٌ عن اختياره.

المورد الثاني: شرطية القدرة في مرتبة الملاك‏

قوله (قدس) ص 303: «كما أنّ مرتبتي الملاك و الشوق ... الخ‏».

تقدم في بحوث سابقة أن الأحكام الشرعية تابعة لملاكات كامنة في متعلّقاتها المأمور بها أو المنهي عنها، و أن تلك الملاكات هي عبارة عن المصالح و المفاسد في متعلّقات تلك الأحكام، فإيجاب الصلاة مثلًا يكشف عن وجود مصلحة في فعل الصلاة و إن كانت هذه المصلحة عائدة إلى نفس المكلّف، و تحريم شرب الخمر يكشف عن مفسدة فيه و إضرار بالمكلّف نفسه، و لذلك نجد الشارع يأمر بالفعل في الحالة الأولى و ينهى عنه في الحالة الثانية، فملاك الوجوب عبارة عن المصلحة الكامنة في الفعل، و ملاك الحرمة عبارة عن المفسدة الكامنة فيه‏ (1).

فيقع الكلام في شرطيّة القدرة في الملاك و عدمها، و معنى شرطيّة القدرة في الملاك في الوجوب مثلًا، هو: كون القدرة على متعلق الحكم شرطاً في اتصاف الفعل بالمصلحة المقتضية للإيجاب، بحيث لولاها لما اتصف الفعل بالمصلحة، و لا كان واجداً للملاك، و معنى عدم شرطيتها، هو: كون الفعل متصفاً بالمصلحة المقتضية و واجداً

____________

(1) ينبغي الالتفات إلى أنّ ما نقصده بالملاك ليس هو مطلق المصالح و المفاسد الكامنة في الأفعال؛ فإنّ مجرّد وجود المصلحة في الفعل المعيّن لا يعني بالضرورة كونها مقتضية لجعل حكم بالوجوب على طبقها؛ لأنّ هذا مشروط بعدم وجود مزاحم لتلك المصلحة، من مفسدة مساوية لتلك المصلحة أو غالبة عليها، و كذلك الحال في طرف المفسدة، بل المقصود بكون المصلحة ملاكاً للوجوب كونها مقتضية لجعل الحكم بالوجوب على طبقها بعد الكسر و الانكسار، و غلبة تلك المصلحة على المفسدة بنظر المولى؛ فإن أغلب الأفعال مما يجتمع فيه المصلحة و المفسدة كما هو واضح، و الكلام نفسه ينطبق على ملاك الحرمة، و الذي هو عبارة عن المفسدة الغالبة.

235

للملاك و إن لم يكن مقدوراً للمكلف، و من المعلوم: أنه لا دخل للعقل في تحديد ذلك لا إيجاباً و لا سلباً (1) فبالإمكان أن يكون الفعل واجداً للمصلحة و متّصفاً بكونه ذا مصلحة إذا كان المكلّف قادراً عليه، فتكون القدرة شرطاً في الملاك، و من الممكن أيضاً أن يكون الفعل واجداً للملاك، سواء كان مقدوراً للمكلّف أم لا، و كلا الأمرين ممكن من الناحية النظرية و الثبوتية، وعليه، فليس من الضروري أن تكون القدرة شرطاً في الملاك، بل يمكن الأول، كما يمكن الثاني، فالفعل قد يكون اتّصافه بالمصلحة فيما إذا صدر من مكلّف قادر على الفعل، و يمكن أن يكون متّصفاً بالمصلحة حتى لو صدر من العاجز.

القدرة الشرعية و القدرة العقلية:

إذا كانت القدرة شرطاً في اتّصاف الفعل بالمصلحة و وجود الملاك على نحو ينتفي الملاك بانتفائها، سميّت حينئذ بالقدرة الشرعيّة، و يقال حينئذ بأنّ دخل القدرة في التكليف شرعي، و أما إذا كانت بحيث لو صدر الفعل من العاجز كان واجداً للمصلحة و الملاك أيضاً، سميّت حينئذ بالقدرة العقليّة (2)، و يقال في هذه الحالة بأنّ دخل القدرة في التكليف عقلي.

و هذا لا يعني أن التكليف ثابت في حق العاجز في الصورة الثانية دون الأولى، بل التكليف منتفٍ عن العاجز في الحالتين كما سوف يتبيّن ذلك إن شاء الله، غاية الأمر، أن انتفاءه في الصورة الأولى إنما هو لعدم الملاك رأساً، و يكون من قبيل السالبة بانتفاء الموضوع؛ فإنّ انتفاء التكليف عن المكلّف العاجز في هذه الصورة إنّما هو لعدم موضوعه؛ لأنّه بحسب الفرض المكلّف القادر، و في الصورة الثانية لمانع في البين مع فرض تحقق موضوعه؛ لأنه بحسب الفرض المكلّف الأعم من كونه قادراً أو عاجزاً، و المانع هو عبارة عن: عجز المكلّف عن استيفاء الملاك مع ثبوته في حقه.

فالانتفاء في الصورة الأولى شرعي قبل أن يكون عقلياً؛ لأن الشارع قد أخذ القدرة

شرطاً في الملاك، و في المقام هو غير قادر، فلا ملاك، فلا تكليف، و في الثانية عقلي؛ لأنه عاجز

____________

(1) و الوجه في ذلك هو: إن تحديد كون الفعل واجداً للمصلحة المقتضية لجعل الحكم على طبقها أو لا، إنما هو بنظر نفس جاعل الحكم، فقد يعتبر شيئاً معيناً دخيلًا في ذلك و قد لا يعتبره بحسب ما يراه هو.

(2) و يترتب على هذا الفرق بين القدرة الشرعية و القدرة العقلية، أن القدرة إذا أخذت بلسان الدليل كقيد أو شرط، استكشفنا أنها دخيلة في ملاك الحكم.

236

تكويناً عن استيفاء الملاك، بحيث لو فرض إتيانه بالفعل، لكان مستوفياً للملاك، بخلاف الصورة الأولى‏ (1).

و هذه المرتبة- و هي مرتبة الملاك- ليست هي المقصودة من البحث في المقام.

المورد الثالث: شرطية القدرة في مرتبة الإرادة

المقصود من الإرادة هو: الحب و الشوق المولوي الناشئ من إدراك المولى لمصلحة في الفعل، و معنى شرطية القدرة في الإرادة هو: إن المولى لا يتعلق حبه و شوقه بصدور الفعل من العاجز عن اتيانه، و معنى عدم شرطيّتها هو: إن المولى قد تعلق حبه و شوقه بصدور الفعل من العاجز أيضاً فضلًا عن القادر.

و هنا أيضاً لا دور للعقل في تحديد ذلك سلباً أو إيجاباً؛ إذ إن كلا الفرضين مما لا محذور فيه ثبوتاً؛ فإنه من الممكن أن يتعلق شوق المولى و حبه بصدور الفعل حتى من العاجز، كما أنه من الممكن أن ينحصر شوقه و إرادته بصدوره عن القادر دون العاجز، بحيث لا شوق مولوي لصدوره من العاجز؛ إذ لا محذور في أن تتعلّق الإرادة بالمستحيل ذاتاً، فكيف بما هو مستحيل بالعرض.

و هذه المرتبة أيضاً ليست هي مورد البحث في القاعدة المذكورة.

المورد الرابع: شرطية القدرة في مرتبة الجعل و الاعتبار

قوله (قدس) ص 304: «و أمّا في مرحلة جعل الحكم فإذا لوحظت ... الخ».

و المهم في هذا البحث هو هذه المرحلة بالخصوص، فهل يمكن للمولى أن يجعل و يعتبر التكليف في عهدة المكلّف مع عدم قدرته على الإتيان بمتعلّقه أو لا يمكن له ذلك؟ و الجواب عن هذا السؤال يتّضح من خلال بيان الغرض من الاعتبار و الجعل؛ لأن الاعتبار-

الجعل- يمكن أن يكون الغرض منه أحد أمرين تاليين:

____________

(1) إن قلت: إذا كان التكليف منتف عن العاجز في كلتا الحالتين، فلم يبق أي أثر لأخذ القدرة شرطاً في الملاك أو عدم أخذها كذلك؟

كان الجواب: إن تقييد الحكم بالقدرة الشرعية و دخالتها في موضوعه يظهر في حالتين: الأولى: إن ارتفاع القدرة الشرعية مساوق لارتفاع ملاك الحكم، وعليه بني عدم تقديم الأهم لو كان كل منهما مقيداً بالقدرة شرعاً. الثانية: تقديم غير المشروط بالقدرة شرعاً على المشروط بها في مورد التزاحم.

237

الأول: مجرّد الكشف عن المبادئ، من ملاكٍ و إرادة، و أنها ثابتة في حقّ الجميع حتى مع علم المولى- الجاعل- بأنها لا تتحقّق من العاجز، بحيث يلحظ الاعتبار بما هو اعتبار دون أن يكون وراءه داعٍ آخر.

و في هذه الصورة، لا مانع من أن يعتبر المولى الوجوب- مثلًا- حتى في حقّ العاجز؛ لأن الاعتبار بهذا المعنى سهل المئونة، فلا يوجد أي مانع عقلي أو غيره يمنع من شمول هذا الاعتبار للعاجز أيضاً؛ لأنه مجرّد اعتبار للوجوب، و هو بيد المعتبر، و لا ربط لهذا الاعتبار بفعل المكلّف حتى يقال إنّ عجزه مانع من الاعتبار بالنسبة إليه.

و بعبارة أخرى: إن الاعتبار- بهذا المعنى- ليس هو إلا مجرّد إخبار من قبل الشارع بأن مبادئ الحكم- من ملاك و إرادة- ثابتة في حقّ الجميع، و هذا لا دخل له في قدرة المكلّف و عجزه.

الثاني: البعث و التحريك المولوي، بمعنى: أن يكون الحكم قد جعل بداعي البعث و التحريك و ليس لمجرّد إبراز المبادئ كما كان في الأمر الأول، بل الهدف و الداعي من هذا الإبراز و الإظهار و الجعل، هو خلق الداعي لدى المكلّف لكي ينبعث و يتحرّك نحو متعلّق التكليف لإيجاده فعلًا، و من المعلوم: أن جعله بهذا الداعي إنما هو لأجل أن ينبعث المكلّف و يتحرّك، و المكلّف لا ينبعث و لا يتحرّك إلا بعد ثبوت الإدانة على المخالفة، و الإدانة لا تثبت إلا بعد ثبوت المسئوليّة تجاه التكليف، و من لم يكن مسئولًا تجاه التكليف لا يمكنه أن يتحرّك و ينبعث عنه؛ لأنه لا إدانة مع عدم المسئوليّة، فلا محركيّة، و من المعلوم: أن العاجز لا إدانة بحقّه؛ لعدم المسئوليّة، فلا محركيّة، وعليه، فلا معنى للتحريك؛ لأن الانبعاث و التحرّك يلازم البعث و التحريك، فمع عدم الانبعاث، يصبح جعل الحكم بداعي البعث و التحريك لغواً، و ما يلزم من جعله اللغويّة يمتنع جعله.

و بهذا، يمتنع جعل الحكم بداعي البعث و التحريك المولوي في حقّ العاجز؛ و ذلك لعدم تحقق الانبعاث الناشئ من عدم الإدانة و عدم المسئوليّة، ففي صورة العجز لا مسئوليّة، فلا إدانة، فلا محركيّة، و مع عدم التحرك و الانبعاث، لا معنى لخلق الداعي‏

لديه؛ لأنه لغو.

238

و بهذا، يتّضح أن القدرة ليست شرطاً في الجعل و الاعتبار في الصورة الأولى، و هذا بخلاف الصورة الثانية؛ فإن القدرة شرط في الجعل و الاعتبار.

مفاد الخطابات الشرعية هو جعل الحكم بداعي البعث و التحريك:

قوله (قدس) ص 304: «و حيث إنّ مفاد الدليل عرفاً ... الخ‏».

و لكي نعرف أن القدرة شرط في هذه المرحلة أو لا. ينبغي لنا معرفة مفاد الدليل، و هل هو الجعل بداعي البعث و التحريك، أو هو مجرّد إبراز و إظهار أن المبادئ ثابتة في حق الجميع؟ فعلى الأول تثبت الاستحالة، و على الثاني لا تثبت.

و حيث إن الظاهر من الدليل عرفاً (1) هو: إن مفاده جعل الحكم بداعي البعث و التحريك، و حيث لا تحريك للعاجز، فسوف يختص التكليف المجعول بهذا الداعي بالقادر دون العاجز، فالخطابات الشرعية المبرزة لأحكامه تعالى تكشف عن كونها مجعولة بداعي البعث و التحريك، و الهدف منها ليس هو مجرّد إبراز المبادئ و الاعتبار بما هو اعتبار، بل إيجاد الداعي عند المكلّف لتحقيق هذه المبادئ من ملاك و إرادة.

البرهان على استحالة التكليف بغير المقدور:

و بعد استظهار كون مفاد الدليل عرفاً هو جعله بداعي البعث و التحريك، يكون البرهان على الاستحالة كالآتي:

إن الغاية من جعل التكليف بهذا الداعي هو حصول الانبعاث و التحرّك من قبل المكلّف، فإذا امتنع حصوله، امتنع جعله بهذا الداعي، و العاجز لا يمكنه الانبعاث و التحرّك، فلا معنى لإيجاد الداعي عنده؛ لأنه لا فائدة منه إلا الانبعاث، و هو ممتنع، فيمتنع جعله بهذا الداعي؛ لأنه لغو، و اللغو قبيح، فيقبح تكليف العاجز، و القبح مستحيل على ساحته تعالى المقدّسة، فيستحيل التكليف بغير المقدور.

و بهذا، يتبرهن القول باستحالة التكليف بغير المقدور، و يتّضح المراد من التكليف‏

الوارد في هذه القاعدة، من أنه بمعنى: جعل التكليف بداعي البعث و التحريك.

____________

(1) و يكفي دليلًا لهذا الاستظهار ملاحظة الخطابات الشرعية المتكفلة لبيان التكاليف؛ حيث إنها جاءت بصيغة الطلب و لم تأت بصيغة الإخبار عن مجرّد إرادة المولى و حبه لتلك الأفعال.

239

ثمرة اشتراط القدرة في مرحلة الإدانة:

قوله (قدس) ص 305: «و ثمرة دخل القدرة في الادانة ... الخ».

أما ثمرة اشتراط القدرة في مرحلة الإدانة، فواضحة؛ حيث إن المكلّف لا يدان عند مخالفته لتكليف خارج عن قدرته و اختياره، و إنما يدان عند مخالفته تكليفاً غير خارج عن قدرته و اختياره.

ثمرة اشتراط القدرة في مرحلة الجعل:

قوله (قدس) ص 305: «و أمّا ثمرة دخلها في جعل الحكم ... الخ».

قد يقال: إنه لا ثمرة في اشتراط القدرة في التكليف أو عدم اشتراطها ما دام المكلّف لا يدان مطلقاً في حالة عجزه، سواء قلنا باشتراط القدرة في التكليف بهذه المرحلة أم لا، فما دام لا مسئوليّة و لا إدانة، و إن المكلّف لا يعاقب على كل حال، فلا ثمرة واضحة في هذا البحث؛ لأن المراد منها هو الإدانة و المسئوليّة، و هي منتفية عقلًا عن العاجز.

و لكن الصحيح: إن الثمرة ليست منحصرة في الإدانة و عدمها، بل تظهر حتى مع القول بعدم الإدانة في كلتا الحالتين، يمكن تصوير ثمرة تترتب على شرطيّة القدرة في هذه المرحلة، و ذلك بلحاظ وجوب القضاء و عدمه كما سيأتي.

ظهور الثمرة في حالتين:

و الثمرة تظهر بلحاظ وجوب القضاء و عدمه، و ذلك في حالتين:

الحالة الأولى: و هي مترتّبة بالشرطين التاليين:

1- أن يعجز المكلّف عن الإتيان بالواجب في وقته.

2- أن يكون المناط في وجوب القضاء هو فوت الملاك لا مطلق الفوت.

و الشرط الأول واضح؛ إذ مع فرض الإتيان بالواجب في وقته، يكون الكلام عن وجوب القضاء و عدمه من قبيل السالبة بانتفاء الموضوع.

و أما بالنسبة إلى الشرط الثاني؛ فلأنه لو كان المناط في وجوب القضاء و عدمه يدور مدار فوات الصلاة و عدمه، فالحكم بوجوب القضاء مع افتراض فوتها مما لا إشكال فيه،

سواء أقلنا باشتراط القدرة في التكليف أم أنكرنا ذلك، و لا دخل لذلك في وجوب‏

240

القضاء و عدمه.

هذا كله بالنسبة إلى الشروط التي ينبغي توفرها لظهور مثل هذه الثمرة.

و أما بالنسبة إلى كيفية ظهور هذه الثمرة، فنقول:

لو فرض أن المكلف قد دخل عليه وقت صلاة الصبح- مثلًا- و كان عاجزاً تكويناً عن الاتيان بها في وقتها، كما لو كان مشلولًا لا يستطيع القيام لأداء الصلاة (1) و بقي على تلك الحالة إلى أن طلعت عليه الشمس، ثم ارتفع عذره بحيث أصبح قادراً على الصلاة من قيام بعد أن خرج الوقت المقرر لإمكان إيقاع صلاة الصبح أداءً، فهل يجب عليه القضاء في هذه الحالة أم لا؟

فإن قلنا: إن المناط في وجوب القضاء و عدمه هو صدق فوت الصلاة و عدمه، فلا إشكال في وجوب القضاء عليه؛ لأنه بحسب الفرض قد فاتته الصلاة، و بهذا يتحقق موضوع وجوب القضاء، فيجب، من دون فرق بين القول باستحالة التكليف بغير المقدور أو القول بعدمها (2).

و إن قلنا: إن المناط في وجوب القضاء و عدمه ليس هو مطلق فوت الصلاة، بل خصوص فوت الملاك و عدمه، فحينئذ، إن كان عجزه قد فوّت عليه ملاكاً كان ثابتاً في‏

حقه حتى أثناء عجزه، وجب عليه القضاء، و إن كان عجزه سبباً في عدم ثبوت الملاك‏

____________

(1) ينبغي الالتفات إلى أنه في خصوص هذا المثال- أي: الصلاة- لا بد من افتراض أحد أمرين تاليين:

الأول: عدم تشريع الشارع لأي كيفية بديلة عن الصلاة من قيام في ما لو عجز المكلف عن القيام كالصلاة من جلوس أو غير ذلك، و إلا، كان الواجب عليه حينئذ الصلاة من جلوس، و معه يكون البحث عن وجوب القضاء و عدمه في ما لو ارتفع عذره بعد ذلك مرتبطاً بمدى إجزاء الأمر الاضطراري عن الأمر الواقعي و عدمه، و لا علاقة له بمسألة اشتراط القدرة في التكليف و عدمه.

الثاني: أن يفرض أن المكلف كان عاجزاً عن الاتيان بالصلاة بجميع كيفياتها المشرعة ترتيباً، بحيث كان عاجزاً عن الصلاة من قيام، و كذلك عن الصلاة من جلوس، أو مضطجعاً، و هكذا

(2) الظاهر أنّ هذا الفرض مبني على استفادة وجوب القضاء من نفس دليل الواجب الأصلي و من دون حاجة إلى دليل خاص بتقريب أنّ الأمر بالواجب المؤقت بوقت معيّن كالصلاة مثلًا ينحل إلى أمرين: أحدهما متعلق بنفس الواجب و ثانيهما متعلق بايقاعها في ذلك الوقت فإذا فات الأمر الثاني و لو بالعصيان بقي الأمر الأول على حاله فيلزمه الاتيان بالواجب خارج الوقت و هو معنى القضاء.

241

في حقه أثناء العجز، فلا يجب عليه القضاء؛ و ذلك لعدم تحقق موضوعه؛ لأن عجزه لم يفوّت عليه ملاكاً كان ثابتاً في حقه، بل حال دون تحقق هذا الملاك و ثبوته في حقه، فينتفي موضوع وجوب القضاء الذي هو فوت الملاك بحسب الفرض.

و بعبارة أخرى: إن المكلف العاجز تكويناً عن الاتيان بالواجب في وقته، إن كان ملاك ذلك الواجب لا زال ثابتاً في حقه حتى في أثناء عجزه، وجب عليه القضاء؛ لتحقق موضوعه، و إن لم يكن ثابتاً في حقه أثناء عجزه، فلا يجب القضاء؛ لعدم موضوعه.

إن قلت: كيف لنا أن نعرف أن العجز قد فوّت عليه ملاكاً كان ثابتاً في حقه، أم أنّه أصبح حائلًا دون وجود مثل هذا الملاك لكي نحكم بوجوب القضاء في الأول دون الثاني؟

كان الجواب: إن الملاك باعتباره مدلولًا التزامياً للخطاب الشرعي، فمعرفة بقاء الملاك في حق العاجز أو عدم بقائه، يرتبط ببقاء الخطاب في حق العاجز أو سقوطه. و توضيح ذلك:

إننا نكتشف من قول الشارع: «أقم الصلاة»، أن هناك مصلحة اقتضت إيجاب الصلاة؛ نتيجة لتبعية الأحكام للمصالح و المفاسد الكامنة في متعلقاتها، و هذه المصلحة في فعل الصلاة هي المعبر عنها بالملاك، فما دام الخطاب باقياً و متوجهاً إلى المكلف، فالملاك باق و ثابت في حقه أيضاً، و حينئذٍ: إن قلنا بأن التكليف بغير المقدور ممكن- بمعنى: أنه لا مانع من توجه الخطاب السابق إلى العاجز أيضاً- فعندها يتم التمسك بإطلاق الخطاب و إثبات شموله للقادر و العاجز على حدّ سواء، و حيث أن الملاك مدلول التزامي للخطاب، أمكن إثبات الملاك في حق العاجز الذي عجز عن الاتيان بالواجب في وقته، و بالتالي، الحكم عليه بوجوب القضاء؛ لأن العجز قد فوّت عليه ملاكاً هو ثابت في حقه، فيجب استيفاؤه عن طريق إيجاب القضاء.

و إن قلنا باستحالة التكليف بغير المقدور، و عدم إمكان توجه الخطاب إلى العاجز، فسوف يكون الخطاب متوجهاً إلى القادر خاصة؛ لأن هذه الاستحالة سوف تقيد إطلاق‏

الخطاب، و تثبت اختصاصه بالقادر دون العاجز، و لا فرق في التقييد بين أن يكون بقرينة

242

لفظية، و بين أن يكون بقرينة عقلية كما في المقام، حيث إن الاستحالة العقلية تشكل قرينة قطعية على تقييد هذا الخطاب، و هذا يعني: أن المدلول المطابقي لهذا الخطاب بعد أن كان شاملًا للقادر و العاجز، أصبح- بفضل هذا التقييد- مختصاً بالقادر، و هذا يعني سقوط المدلول المطابقي عن الحجيّة بلحاظ المكلّف العاجز.

إذن، بناءً على القول باستحالة التكليف بغير المقدور، سوف يسقط إطلاق الخطاب بالنسبة للعاجز، و بالتالي، تسقط دلالته الالتزامية على الملاك، فلم يبق ما يكون كاشفاً عن بقاء الملاك‏ (1) في حق العاجز، و بالتالي، لا دليل على وجوب القضاء (2).

الحالة الثانية: ذكرنا أن ثمرة البحث عن استحالة التكليف بغير المقدور و عدمه تظهر في حالتين، و قد تقدم الكلام عن الحالة الأولى، و حان الآن الكلام عن الحالة الثانية، و بيان هذه الثمرة كالتالي:

لو فرضنا أنّ فعلًا ما- كالصلاة مثلًا- كان خارجاً عن اختيار المكلف، بحيث لم يكن‏

بمقدوره- من جهة الاختيار- أن يصلي، و لكنه صدر منه ذلك الفعل بدون اختيار منه و على‏

____________

(1) و هذا لا يعني أننا قد أثبتنا بذلك عدم وجود الملاك في هذا الفعل، بل غاية ما قلناه، هو: عدم الدليل على بقاء الملاك، و هذا يكفي للقول بعدم وجوب القضاء في هذه الحالة؛ لأنّ وجوب القضاء حسب هذا الفرض، بحاجة إلى دليل نثبت من خلاله تحقق موضوعه، و هو فوت الملاك بحسب الفرض‏

(2) ثم إنه ينبغي الالتفات، إلى أنه لو التزمنا بأن القدرة إذا كانت دخيلة في الملاك فلا بد من أخذها بلسان الدليل، بحيث إذا لم تؤخذ كذلك استكشفنا عدم دخلها في الملاك، فلا وجه لمثل هذه الثمرة كما هو واضح؛ لأنها إن كانت دخيلة في الملاك و قد أخذت بلسان الدليل، حكمنا بعدم وجوب القضاء، و إن كانت غير دخيلة في الملاك، حكمنا بوجوب القضاء من دون فرق بين القول بامكان التكليف بغير المقدور و شمول الخطاب للعاجز و القول باستحالة التكليف بغير المقدور و اختصاص الخطاب بالقادر.

و إلى هذا المعنى قد أشار المحقق النائيني في كتاب الصلاة، ج 1، ص 270 حيث قال: «و بالجملة: القدرة إذا أخذت في لسان الدليل يستكشف منها أمران: أحدهما: دخلها في الملاك. و ثانيهما: كونها عرفية، و أما إذا لم تؤخذ في لسان الدليل، فلا إشكال في اعتبارها عقلًا من جهة قبح تكليف العاجز، من دون أن يكون لها دخل في الملاك، بل مع تمامية الملاك ربما يكون الشخص عاجزاً فيسقط عنه التكليف، لكن لا لسقوط ملاكه، بل لعجزه، كما في جميع موارد التزاحم».

نعم، لو لم نلتزم بذلك، و افترضنا عدم لزوم أخذ القدرة في لسان الدليل حتى لو كانت دخيلة في الملاك، كان للثمرة المذكورة مجال.

243

سبيل الصدفة (1)، ففي هذه الحالة، سوف يرتبط وجوب القضاء و عدمه بمسألة كون القدرة شرطاً في التكليف و عدم كونها كذلك؛ و ذلك لأنّ وجوب القضاء و عدمه يبتني على مسألة تحقق الامتثال و عدمه؛ إذ لا معنى لوجوب القضاء مع تحقق الامتثال كما هو واضح، و من المعلوم: أن تحقق الامتثال في ما أتى به المكلف يتوقف على كون المأتي به مأموراً به شرعاً؛ لأنّ معنى الامتثال هو مطابقة المأتي به للمأمور به، الأمر الذي يعني افتراض وجود أمر بذلك الفعل لكي يصدق على ما أتى به المكلّف بأنه امتثال لذلك الأمر.

وعليه، فإن قلنا بعدم اشتراط التكليف بالقدرة، و إنه لا محذور في توجه الخطاب للعاجز، فلا مانع حينئذٍ من التمسك باطلاق الخطاب ك- «أقيموا الصلاة»، و شموله للمكلف العاجز، و اثبات أن الوجوب ثابت بمبادئه بالنسبة إلى هذا المكلف، الأمر الذي يعني أنّ ما أتى به المكلف كان مصداقاً للواجب المأمور به، وعليه، فلا معنى لوجوب القضاء؛ و ذلك لتحقق الاستيفاء و حصوله بما صدر من المكلف صدفة.

و إن قلنا باشتراط التكليف بالقدرة، فلا اطلاق في شمول الخطاب لهذا المكلف، و معه لا دليل على كون ما أتى به مسقطاً لوجوب القضاء و نافياً له‏ (2)؛ و ذلك لعدم احراز

____________

(1) إن قلت: إذا فرض أنّ التكليف غير مقدور للمكلّف، فكيف يفرض في نفس الوقت صدوره منه، فإنّ هذا من التناقض؛ لأنّ فرض صدوره منه، يعني كونه مقدوراً له لا محالة؟

كان الجواب: إنّ المراد بغير المقدور في مورد البحث، الأعم من كونه ممتنع الوقوع في نفسه و بحسب طبعه الأولي، و من كونه غير مقدور بالعرض، كما لو فرض كون المكلّف مريضاً مرضاً يعجّزه عن الاتيان بالفعل، مع كون الفعل ممكن الوقوع في نفسه، أو فرض كونه خارج عن اختياره لمانع غير المرض، و المقصود بغير المقدور في مورد الثمرة المذكورة، هو ما كان من النحو الثاني لا الأول‏

(2) إن قلت: إنّ القدرة إذا كانت شرطاً في التكليف، فهذا يعني كونها دخيلة في الملاك، و إلا، فلو لم يكن كذلك فلا معنى لكونها شرطاً في التكليف؛ لأنّ كلما يكون من شروط التكليف فهو داخل في الملاك، و إذا كان الأمر كذلك، فلا ملاك في حق العاجز لكي يفرض فوته بسبب العجز، وعليه، يكون الكلام عن وجوب القضاء و عدمه سالبة بانتفاء الموضوع.

كان الجواب: إنّ الشروط التي تعتبر في التكليف تارة تكون من نحو الشروط التي يفترض أنه لا ملاك بدونها، و أخرى من نحو الشروط التي يفرضها العقل لمانع من التكليف بدونها، من دون أن يكون لها دخلًا في الملاك، و النحو الأول من الشروط يختلف باختلاف التكاليف بينما النحو الثاني منها يعم كل التكاليف، و من هنا قسموا شرائط التكليف إلى شرائط خاصة و شرائط عامة، و بناءً على ذلك، فإنّ القدرة التي يحكم العقل بكونها شرطاً في التكليف، إنّما هي القدرة بلحاظ مرحلة الخطاب و عدم امكان توجهه إلى العاجز، و التي يطلق عليها القدرة العقلية، لا القدرة بلحاظ مرحلة الملاك، و التي يطلق عليها القدرة الشرعية، وعليه، فكون القدرة شرطاً في التكليف، لا يعني بالضرورة كونها دخيلة في الملاك، فقد يكون الملاك ثابتاً في حق العاجز، و قد لا يكون ثابتاً في حقه، و معه، سوف يحصل الشك في أنّ العجز هل فوّت على المكلّف ملاكاً كان ثابتاً في حقه أم لا؟ الأمر الذي يؤدي إلى الشك في وجوب القضاء و عدمه، فيرجع في ذلك إلى الأدلّة الخاصّة، من دليل محرز، أو أصل عملي.

244

كونه مصداقاً للواجب، و عندها فلا دليل على تحقق الامتثال به، وعليه، فلا بد في معرفة الحكم بوجوب القضاء و عدمه من الاعتماد على قاعدة أخرى من دليل محرز، أو أصل عملي.

245

2- حالات ارتفاع القدرة

تمهيد:

قوله (قدس) ص 306: «ثم إن القدرة التي هي شرط ... الخ».

بعد أن تبين من خلال البحث السابق أن القدرة شرط في مرحلتي الإدانة و التكليف، الأمر الذي يعني أنه لا إدانة مع العجز عن أداء التكليف و عدم القدرة على امتثاله، و بالتالي سقوط التكليف، يقع الكلام الآن في بيان و استعراض أهم الحالات الموجبة لارتفاع القدرة و زوالها؛ فإنّ المكلف قد يكون قادراً على امتثال التكليف حين توجهه إليه، و لكنه يعجز عن ذلك بسبب زوال القدرة فيما بعد، فهل حال هذا المكلف في هذه الصورة كحال من كان عاجزاً من أوّل الأمر- حين توجه التكليف- من حيث الإدانة و عدمها من ناحية، و من حيث توجّه الخطاب إليه و عدمه من ناحية ثانية، أم أن الأمر مختلف في الحالتين؟

و لأجل الوقوف على جواب هذا السؤال، كان لا بدّ من معرفة الأسباب الموجبة لزوال القدرة و ارتفاعها بعد فرض وجودها حين توجه التكليف‏ (1)؛ فإنّ الأمر يختلف باختلاف تلك الأسباب.

أسباب زوال القدرة:

إنّ من أهم أسباب زوال القدرة على الامتثال بعد فرض وجودها حين توجه التكليف، هي ما يلي:

____________

(1) المقصود بتوجه التكليف إلى المكلف، هو صيرورته فعلياً في حقه، و ذلك بفعلية موضوعه و ما أخذ فيه من قيود و شروط، و التي من ضمنها وجود الوقت الذي يمكن للمكلف معه أن يمتثل ذلك التكليف، و أما قبل ذلك، أو مع عدم الوقت الكافي لامتثال التكليف، فلا شي‏ء في عهدة المكلف لكي يجب امتثاله، و معه، لا معنى للعصيان كما هو واضح.

246

الأول: العصيان‏

السبب الأول من أسباب زوال القدرة على الامتثال بعد فرض وجودها حين توجه التكليف هو العصيان، و الذي هو عبارة عن: تعمّد مخالفة التكليف و عدم امتثاله، و هو في مقابل امتثال التكليف؛ فإنّه بعد أن يتوجه التكليف إلى المكلف، يحكم العقل بلزوم امتثاله و الخروج عن عهدته، فإن لم يمتثل المكلف التكليف و تعمّد مخالفته‏ (1)، كان عاصياً، و سوف يعجز المكلف بسبب العصيان عن امتثال التكليف بعد أن كان قادراً على امتثاله حين توجهه.

فالعصيان إذن من الأسباب الموجبة لارتفاع القدرة على الامتثال، و المناط في تحقق العصيان، هو: تعمد مخالفة التكليف و عدم امتثاله بعد فرض فعليته‏ (2) على نحو لم يبق من الوقت ما يمكن معه الاتيان بمتعلق التكليف، و هذا يختلف بحسب نوع التكليف، من حيث كونه مضيقاً و فورياً، أو موسعاً (3)، سواء كان له أمد ينتهي معه أم لا؛ فإن من التكاليف ما هو مضيق و فوري، بحيث يتعين امتثاله في أوّل زمان توجّه التكليف و حدوثه، كصوم شهر رمضان، فإنّ عصيانه يتحقق بمجرّد تعمّد عدم الصوم و لو في الآن الأوّل من آنات بدء التكليف و حدوثه، و منها ما هو موسع، بحيث يجوز للمكلف تأخير الامتثال إلى وقت آخر غير الوقت الذي بدأ به التكليف، كصلاة الظهر- مثلًا- فإن عصيانها لا يتحقق إلا بعد انتهاء تمام وقتها و انقضائه، فإن التكليف بها و إن كان موسعاً، و لكن لا مطلقاً، بل لهُ أمد ينتهي بما قبل الغروب بوقت لا يسع إلّا لصلاة العصر، فمن‏

____________

(1) ينبغي الالتفات إلى أنّه ليس مطلق مخالفة التكليف و عدم امتثاله يعد عصياناً، فلربّما حصلت المخالفة من دون تعمّد، فلا يكون ذلك عصياناً؛ فإنّ العصيان عبارة عن تعمّد المخالفة لا مطلق وقوع المخالفة

(2) و أمّا مع عدم فعليته، فلا موضوع للعصيان كما هو واضح، حتى لو فرض دخول الوقت و خروجه، كما لو استوعب النوم تمام الوقت‏

(3) اعلم أن الواجب المؤقت بوقت، تارة يكون مضيقاً و أخرى يكون موسعاً، و يقصد بالأول كون الوقت المضروب للفعل الواجب مساوياً للوقت الذي يستغرقه إيقاع ذلك الفعل، كالصوم، فإنه واجب من حين الفجر إلى الغروب، و يقصد بالثاني كون الوقت المضروب للفعل الواجب أوسع من الوقت الذي يستغرقه إيقاع ذلك الفعل الواجب، كصلاة الظهر مثلًا؛ فإن وقتها يمتد من حين الزوال إلى ما قبل الغروب بمقدار أداء صلاة العصر، و الحال أن زمان ايقاعها لا يستغرق إلا بعض هذا الوقت.

247

تعمّد تأخير صلاة الظهر بحيث لم يبق لهُ من الوقت ما يمكن معهُ الامتثال، كان عاصياً، و سوف تزول قدرته على الامتثال بسبب هذا العصيان عن أداء صلاة الظهر في وقتها لأجل فواته بسبب العصيان، نعم، هو قادر على الإتيان بها قضاءً، و لكن هذا ليس امتثالًا للأمر بصلاة الظهر، و إنّما هو امتثال للأمر بقضائها.

و من الواجبات الموسعة ما يمتد وقتها ما دام المكلف حيّاً، كمن وجب عليه صوم يوم ما بنذرٍ أو شبهه من دون أن يقيّده بوقت معيّن، فإن عصيان هذا التكليف لا يتحقق إلّا بالموت، أو بظهور أمارات الموت التي يعجز معها من أداء التكليف.

فالعصيان إذن من الأسباب الموجبة لزوال القدرة بعد حدوثها.

الثاني: تعجيز المكلف نفسه عن اداء التكليف‏

و أمّا السبب الثاني الموجب لزوال القدرة على الامتثال، فهو: أن يحول المكلف باختياره دون قدرته على امتثال التكليف، بأن يفعل فعلًا معيناً يكون معه عاجزاً عن أداء التكليف، كمن دخل عليه وقت الصلاة و كان قادراً على أن يصلي بالطهارة المائية و لكنه تعمّد إراقة الماء أو شربه قبل أن يتوضأ، مع عدم وجود غيره‏ (1)؛ فإنّه في هذه الحالة يصبح عاجزاً عن أداء الصلاة بالطهارة المائية بعد أن كان قادراً عليها حين توجه التكليف‏ (2).

إن قلت: إن المكلّف عاجز عن الوضوء و ليس عاجزاً عن الصلاة؛ إذ بإمكانه أن‏

____________

(1) أمّا بالنسبة للتعجيز قبل الوقت، كمن أراق الماء قبل وقت الصلاة، فهنا: تارة يفترض علمه بأنّه سوف لا يتمكن من الماء عند حلول الوقت، و أخرى لا يعلم بذلك، فعلى الأول، سوف يدخل المورد- من حيث الإدانة و عدمها- في بحث المقدمات المفوتة للواجب، و على الثاني، فمقتضى القاعدة هو عدم لزوم الإدانة؛ لأنها فرع المسئولية، و هي فرع دخول التكليف في العهدة، و هو فرع فعلية التكليف، و من المعلوم أنّه لا فعلية قبل الوقت‏

(2) و هذا الفرض ينبغي تقييده بما إذا كان في آخر الوقت، و بالنحو الذي لا يتمكن المكلّف معه من احضار ماء آخر مع بقاء الوقت، أو تقييده بكونه في أول الوقت مع استمرار عدم وجود الماء إلى آخر الوقت، و أمّا لو فرض إراقة الماء في أول الوقت بقصد التعجيز، و لكنه تمكّن بعد ذلك من الماء في آخر الوقت، فإنّه في مثل هذه الحالة تجب عليه الصلاة بالطهارة المائية، فإن لم يمتثل و الحال هذه، كان عاصياً، و رجع هذا الفرض إلى السبب الأول، و أمّا لو امتثل التكليف، فسوف يكون كمن تعمّد مخالفة التكليف في أول الوقت و لكنه رجع فامتثل في آخر الوقت، و معه، فلا موضوع حينئذ للعصيان.

248

يصلّي بالطهارة الترابية.

كان الجواب: إن الصلاة بالطهارة الترابية- على تقدير توجه الأمر لهُ بذلك في هذه الحالة- إنما هو امتثال لأمر جديد، و المكلف بلحاظ هذا الأمر قادر و ليس عاجزاً، و لكن المأمور به أولًا هو الصلاة بالطهارة المائية، و بعد إراقته للماء فقد عجّز نفسه عن الوضوء، و بالتالي، فهو عاجز عن الصلاة بالطهارة المائية التي هي الحصّة التي كان مأموراً بها، نعم، لو كان مأموراً بطبيعي الصلاة، الأعم من كونها بالطهارة المائية أو الترابية، بحيث تكون الطهارة الثانية في عرض الأولى لا في طولها، لكان ما قيل وجيهاً، و لكن الأمر ليس كذلك كما بيّنا.

الثالث: العجز الطارئ لسبب خارج عن الاختيار

و أما السبب الثالث، فهو: أن يطرأ على المكلف طارئ يحول بينه و بين القدرة على أداء التكليف، و يتسبب ذلك في زوال قدرته بعد أن كانت موجودة حين توجّه هذا التكليف إليه، كمن أخّر صلاته عن أوّل وقتها اعتماداً على سعته، ثم عرض له من دون اختياره ما لا يتمكن معه من أداء الصلاة، كالمرأة التي تؤخّر صلاة الظهر عن أوّل وقتها ثم يفاجئها الحيض، فإنها حينئذٍ لن تتمكن من أداء الصلاة؛ لأنها مشروطة بالطهارة، و كمن أخّر صلاته ثم فاجأه المرض بنحو لم يمكن معه الصلاة عن قيام، و هكذا.

فالمكلف في جميع هذه الحالات يكون عاجزاً عن الإتيان بالمأمور به و امتثاله بعد أن كان قادراً على ذلك حين توجّه التكليف.

ما يوجب الإدانة من الأسباب المتقدمة:

قوله (قدس) ص 307: «و واضح أن الإدانة ثابتة في حالات ... الخ».

عرفنا أن المكلّف يكون عاجزاً إذا تحقق أحد الأسباب الثلاثة المتقدمة الموجبة لزوال القدرة، و لكن هذا لا يعني بالضرورة أنّ جميع هذه الأسباب تستتبع عدم الإدانة- باعتبار أن القدرة شرط في مرحلة الإدانة و الحال أن المكلف غير قادر على أداء التكليف- و ذلك لأنّ الإدانة فرع المسئولية، و هي فرع دخول التكليف في العهدة و شمول حق الطاعة له، و من المعلوم: أنّ القدرة التي هي شرط في مرحلة الإدانة، هي القدرة بالمقدار الذي يمكن معه‏

249

دخول التكليف في العهدة و شمول حق الطاعة له، و بالتالي، ثبوت المسئولية على المكلف و يكفي لتحقق جميع ذلك كون المكلف قادراً حدوثاً على امتثال التكليف، فعدم هذا المقدار من القدرة هو الذي يصلح لنفي الإدانة و العقاب، و ليس مطلق عدم القدرة حتى لو كان في زمان متأخر عن توجه التكليف و حدوثه.

بناءً على هذا، فإن كان من بين هذه الأسباب ما يمكن معه للمكلّف القدرة على الامتثال حدوثاً و إن زالت عنه بقاءً و استمراراً، فلا وجه لسقوط الإدانة و العقاب، و إن كان منها ما لا يمكن للمكلّف معه الامتثال و لو حدوثاً، فلا عقاب و لا إدانة كما هو واضح.

لا إشكال في ثبوت الإدانة في حالات السببين الأول و الثاني:

وعليه، فإنّ الحالات التي ترجع إلى السببين الأول و الثاني- أي: حالات العصيان، و حالات التعجيز- لا إشكال في ثبوت الإدانة و العقاب فيها؛ و ذلك لعدم تحقق ملاك عدم الإدانة و هو عدم القدرة و لو حدوثاً؛ لأن المكلف في مثل هذه الحالات كان قادراً حدوثاً و لم يمتثل.

التفصيل في حالات السبب الثالث بالنسبة إلى ثبوت الادانة و عدمها:

و أمّا الحالات التي ترجع إلى السبب الثالث، فينبغي فيها التفصيل بين صورتين:

الأولى: أن لا يعلم المكلّف بأنه سيطرأ عليه المعجّز.

الثانية: أن يعلم المكلف بذلك و لكنه تماهل و لم يمتثل.

ففي الصورة الأولى لا إدانة و لا عقاب؛ لأن المعجّز كان خارجاً عن اختياره، و لم يعلم بحسب الفرض بأنه سوف يفاجئه، و أمّا في الصورة الثانية فالإدانة ثابتة كما كانت ثابتة في في الحالات التي ترجع إلى السببين الأولين؛ و الوجه في ذلك مع عدم كونه اختيارياً، هو: أن علم المكلّف بأنه سيفاجئه الطارئ، يجعله كحال من أخرّ صلاته عصياناً إلى أن انتهى وقتها و عجّز نفسه عن أدائها فيما بعد؛ لأن العاصي يعلم بأنّ وقت الصلاة ينتهي بأمد معيّن و مع ذلك لم يمتثل التكليف، و هذا يعلم بأنّه سيطرأ عليه الطارئ الذي يمنعه من الامتثال، و أن وقت صلاته سوف لا يمتد إلّا إلى الوقت الذي يعلم معه بطرو المعجّز، و لكنّه مع ذلك تماهل و لم يمتثل في ذلك الوقت الذي كان قادراً فيه على الامتثال، فكلاهما من هذه الناحية على حدٍّ سواء.

250

إن قلت: سلّمنا أنه في صورة العلم يكون مداناً بلا إشكال، و لكن، في الصورة الأولى، حيث إنّ القدرة الحدوثية كافية لإدخال التكليف في العهدة و ثبوت المسئوليّة، و هي موجودة في هذه الصورة، فالمفروض أن نقول بثبوت الإدانة أيضاً، فما هو الوجه في هذا التفصيل؟

كان الجواب: إن الملاك في ثبوت الإدانة عند مخالفة التكليف، هو: القدرة على الامتثال مع فرض لزوم الامتثال في هذا الوقت أو ذاك، و إلا، فلو كان قادراً على الامتثال مع عدم لزومه أصلًا في خصوص هذا الوقت، فلا إدانة، و هذا واضح، و المكلف الذي فاجأه المعجّز، إذا كان يعلم بطروّه، فإنّه سوف يكون ملزماً بامتثاله خلال الوقت الممتد من حين توجه التكليف و حدوثه إلى غاية طروّ المعجّز، و هو يعلم أنه ليس لديه غير هذا الوقت، فلو لم يمتثل، استحق العقاب و الإدانة، و هذا بخلاف من لم يعلم بطروّ المعجّز؛ فإنه لا يلزمه الامتثال في هذا الوقت و إن كان قادراً عليه، لأنه كان يعتقد بأن وقت صلاته يمتد من حين الزوال إلى ما قبل الغروب بمقدار العصر، و كان بإمكانه التأخير إلى آخر الوقت، وعليه، فلا يستحق العقاب و الإدانة (1).

الاضطرار بسوء الاختيار:

قوله ص 307: «و على ضوء ما تقدّم يقال عادةً ... الخ».

وقوع البحث في جهتين:

المقصود بالاضطرار بسوء الاختيار، هو: اضطرار المكلف إلى ترك امتثال التكليف، لعدم‏

____________

(1) إن قلت: إذا كان الأمر كذلك، فما هو الفرق بين هذه الصورة و صورة إراقة الماء بعد دخول الوقت و الحال إنّه لا يلزمه الامتثال في الوقت الذي أراق فيه الماء كما لو كان ذلك في أوّل الوقت؟

كان الجواب: إنّ الفرق بين صورة إراقة الماء و صورة عدم العلم بطرو المعجّز، يكمن في أنه في الصورة الأولى، حيث أنّ المكلّف يعلم بعدم وجود ماء غيره، فسوف يكون قد تعمّد مخالفة التكليف، فيكون عاصياً، فيستحق العقوبة بسبب عصيانه، و يكون حاله حال من تعمّد عدم الصلاة في أول الوقت مع علمه بأنه لا يقدر على الماء في آخر الوقت، بل حال من تعمّد عدم الامتثال إلى أن انتهى الوقت، غاية الأمر، أنّ الوقت المضروب للصلاة في الحالة الأولى أمده ينتهي بزمان الاراقة أو زمان العلم بعدم التمكن من الماء، و الفرق بين الحالتين، هو: أنّ النحو الأول من العصيان- أي: بالسبب الأول- يكون بعدم التحرك نحو امتثال التكليف مع توفر كل ما يمكن معه أداء التكليف، و أمّا النحو الثاني من العصيان، فإنه يكون بالتحرك نحو إعدام ما يمكن معه ايقاع التكليف أداءً، و على كليهما يستحق الادانة.

251

قدرته على امتثاله، على نحو يكون سوء اختيار المكلف هو السبب في ذلك. كما لو فرض دخول وقت الصلاة على المكلف، و عمد باختياره إلى إراقة الماء الذي أمامه، مع عدم وجود غيره، الأمر الذي يعني عدم قدرته على الصلاة بالطهارة المائية (1)، فوقع البحث عند الأصوليين في هذه الحالة، من حيث استحقاقه للعقاب و عدمه تارة، و من حيث توجه الخطاب و عدمه تارة أخرى، وعليه، فإن البحث في هذه المسألة، تارة يكون بلحاظ مرحلة الإدانة و العقاب، و أخرى يكون بلحاظ مرحلة الخطاب الشرعي، فالبحث يقع في جهتين:

الأولى: الاضطرار بسوء الاختيار بلحاظ مرحلة الإدانة

حين توجه التكليف إلى المكلّف، فإنه تارة يكون مضطراً إلى عدم الامتثال من دون أن يكون له في ذلك أي اختيار، كمن اضطرّ إلى ترك صلاة الظهر بالطهارة المائية لأجل عدم القدرة على الماء، و أخرى يكون مضطراً إلى عدم الامتثال، بالنحو الذي يكون اضطراره هذا ناشئاً من سوء اختياره، كمن اختار أن يريق الماء الذي أمامه بعد توجّه التكليف بالصلاة إليه، فإنه أيضاً يكون مضطراً إلى تركها، و لكن هذا بسوء اختياره، و قد عرفنا من خلال ما تقدم، أنه في هذه الحالة يكون المكلّف مستحقاً للعقاب و الإدانة؛ لأنه كان متمكناً و قادراً على الامتثال و لم يمتثل بحسب الفرض، و من هنا، اشتهر على ألسنة المحققين من الأصوليين: «أن الاضطرار بسوء الاختيار لا ينافي الاختيار عقاباً» (2).

و مرادهم من ذلك: إنه كما يستحق المكلف العقاب على عدم امتثاله للتكليف فيما لو تركه اختياراً، فكذلك يستحق العقاب على مخالفته و إن كان مضطراً إلى ذلك، فيما لو كان ذلك الاضطرار ناشئاً بسبب سوء الاختيار؛ و ذلك لأنّ مثل هذا النحو من الاضطرار لا ينفي‏

القدرة بالقدر المعتبر شرطاً في الإدانة و العقاب، و هو القدرة الحدوثية كما بيّنا ذلك سابقاً.

____________

(1) و نظير هذه الحالة ما لو عمد باختياره إلى شرب دواء لم يكن محتاجاً إليه، يعلم بأنه سوف يضطرّه إلى النوم مباشرة و بلا فصل‏

(2) و هذا المقدار و إن كان هو المشهور بين المحققين من الأصوليين، و لكن هناك من ذهب إلى خلاف ذلك، و قال بأن الاضطرار بسوء الاختيار ينافي الاختيار عقاباً، و هذا ما أشار إليه السيد الخوئى في محاضرات في أصول الفقه، ج 2، ص 364 حيث قال: «و في مقابل هذا القول، ادعى جماعة منافاته للاختيار عقاباً و خطاباً، أما الخطاب، فهو واضح؛ لأنه لغو صرف، و أما العقاب؛ فلأنه عقاب على غير مقدور، و هو قبيح عقلًا».

252

و المراد بالاضطرار بسوء الاختيار، هو: ما نشأ من الاضطرار بسبب العصيان أو التعجيز (1) فإن كلًا منهما يجعل المكلّف عاجزاً و مضطراً إلى عدم الامتثال، و لكنه اضطرارٌ بسبب سوء اختيار المكلّف و ليس خارجاً عن اختياره كما هو واضح.

الثانية: الاضطرار بسوء الاختيار بلحاظ مرحلة الخطاب‏

وقع الخلاف بين الأصوليين في أن الاضطرار بسوء الاختيار هل ينافي الاختيار خطاباً أم لا؟

قد يقال بمنافاته له، بدعوى أنّ التكليف يسقط بطرو العجز مطلقاً، سواء كان هذا العجز بسوء الاختيار أم لا، و سواء كان منافياً للإدانة و العقاب أم لا؛ إذ ليس التكليف كالإدانة، فإن مجرّد كون التكليف مقدور حدوثاً لا يبرّر التكليف به مع عدم القدرة عليه؛ لأنه على كل حال هو تكليف بغير المقدور، و هو مستحيل عقلًا، و بناءً على ذلك، يكون العجز الناشئ بسبب العصيان أو التعجيز مسقطاً للتكليف أيضاً، وعليه.

و بناءً على هذا، فالفرق بين الاضطرار بسوء الاختيار و الاضطرار لا عن اختيار، ينحصر في الإدانة في الأول و عدمها في الثاني، و أما بالنسبة إلى التكليف و توجه الخطاب، فهو ساقط في كلتا الحالتين، و على هذا الأساس، أردفوا قولهم السابق: «إن الاضطرار بسوء الاختيار لا ينافي الاختيار عقاباً» بقولهم: «لكنّه ينافيه خطاباً»، فكما لا يمكن أن يتوجه الخطاب للعاجز لا بسوء اختياره، فكذلك لا يمكن أن يتوجه إليه و إن كان بسوء اختياره؛ لأن المانع في الحالتين واحد، و هو العجز و عدم القدرة ليس إلّا، و لا يعقل تكليف العاجز، وعليه، سوف يسقط التكليف مطلقاً (2).

____________

(1) أما العجز الطارئ، فإن كان المكلّف يعلم به و مع ذلك لم يمتثل التكليف قبل طروّه، فهو داخل في العصيان كما وضحنا ذلك، و إن كان لا يعلم به، فقد قلنا بعدم الإدانة في هذه الحالة

(2) قال المحقق النائيني في فوائد الأصول، ج 1، ص 197: «ان مناط حكم العقل باعتبار القدرة انما هو قبح تكليف العاجز، و هذا انما يكون إذا كان الشخص عاجزاً بنفسه و بذاته، بحيث لا يكون له إلى الفعل سبيل، كالطيران في الهواء، فإن التكليف بمثل هذا قبيح على المولى، كما يقبح العقاب منه عليه. و أما إذا لم يكن الشخص عاجزاً بنفسه و بذاته، بل هو عجز نفسه بسوء اختياره و سلب عنه القدرة، ففي مثل هذا لا يحكم العقل بقبح عقابه و إن قبح تكليفه بعد عجزه، و لا ملازمة بين قبح التكليف و قبح العقاب، فإن قبح التكليف لمن عجز نفسه انما هو لمكان لغوية التكليف؛ حيث لا يصلح أن يكون التكليف محركاً و باعثاً نحو الفعل، و هذا بخلاف العقاب؛ فإنه لا يقبح عقابه بعد ما كان الامتناع بسوء اختياره. و هذا معنى ما يقال: ان الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار، فإنه انما لا ينافيه عقاباً لا خطاباً».

253

الاضطرار بسوء الاختيار لا ينافي الاختيار لا عقاباً و لا خطاباً:

قوله (قدس) ص 308: «و الصحيح أنهم إن قصدوا ... الخ».

الصحيح: أن الاضطرار بسوء الاختيار، كما لا ينافي الاختيار عقاباً كذلك لا ينافيه خطاباً (1)؛ و ذلك لعدم الفرق بين ما هو شرط في الإدانة و ما هو شرط في التكليف، وعليه، فإن أراد القائلون بسقوط التكليف مجرد سقوط فاعليته و محركيته، فهذا صحيح‏ (2)؛ إذ لا معنى للمحركية مع العجز الفعلي، بقطع النظر عن كون هذا العجز ناشئاً من سوء الاختيار- كالعصيان و التعجيز- أو كونه ناشئاً لا عن ذلك.

و إن أرادوا بذلك سقوط فعليته، فلا دليل على ذلك؛ لأن الوجوب المجعول تابع في فعليته لفعلية موضوعه، و القدرة و إن كانت دخيلة في فعلية التكليف و الوجوب المجعول، إلا أنه لا دليل على أن زوالها بعد حدوثها يوجب سقوط التكليف عن الفعليّة، إلا إذا فرض كونه مشروطاً بالقدرة في كل آنٍ آنٍ بحيث يكون الوجوب فعلياً في الآن الأوّل إذا فرض وجود القدرة فيه و ليس فعلياً في الآن الثاني إذا فرض زوالها فيه، و حينئذٍ فحيث لا قدرة بقاءً، لا تكليف بقاءً و إن كان موجوداً حدوثاً، و أما لو فرض كونه مشروطاً بالقدرة بالقدر الذي يحقق الإدانة و المسئوليّة، فلا معنى لسقوطه بزوال‏

القدرة ما دام القدر المثبت للإدانة و المسئولية قد تحقق حدوثاً في أول الأمر، وعليه، فلا يكون الوجوب بفعليته منوطاً في بقائه ببقاء القدرة.

____________

(1) و هذا ما ذهب إليه أبو هاشم المعتزلي، و اختاره أيضاً المحقق القمي في القوانين كما عن السيد الخوئي حيث قال في المحاضرات، ج 2، ص 364: «فعن أبي هاشم المعتزلي: أن الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار عقاباً و خطاباً ... و يظهر اختيار هذا القول من المحقق القمي أيضاً»

(2) الظاهر من كلمات المحققين- كالمحقق النائيني الذي نقلنا كلامه فيما تقدم- أنّ هذا المعنى- أي: باعثية التكليف، و محركيته، و فاعليته- هو المراد و المقصود من منافاة الاضطرار بسوء الاختيار للاختيار في مرحلة الخطاب، و لم يكن نظرهم إلى مرحلة الفعلية التي هي منوطة بتحقق شروط التكليف و قيوده خارجاً، و لأجل ذلك فصلّوا بين العقاب و الخطاب، و لو لا التزامهم ببقاء التكليف على الفعلية لما قالوا بصحة العقاب و الإدانة مع التزامهم بسقوط التكليف، وعليه، فالتفصيل الذي ذكره السيد الشهيد بين الفعلية و الفاعلية رداً على المشهور لا وجه له، و لا يغيّر من الحال شيئاً، و يؤكد ذلك ما ذكره السيد الشهيد نفسه- كما سيأتي لا حقاً- من عدم وجود ثمرة عملية تترتب على هذا التفصيل.

254

و الصحيح: هو النحو الثاني من الاشتراط لا الأول؛ لأن اشتراط القدرة في التكليف لا يقتضي أكثر من ذلك، و البرهان عليه، هو: أن التكليف قد جعل بداعي البعث و التحريك، و الغرض منه خلق الداعي عند المكلّف لأن يتحرّك و ينبعث عن هذا التكليف، فإذا فرض عدم الإدانة و المسئوليّة، فلا تحريك مولوي، و أما مع فرض الإدانة و المسئولية، فيعقل التحريك المولوي، و هذا يعني: أن ما هو شرط من القدرة في مرحلة الإدانة هو بعينه يكون شرطاً في مرحلة التكليف، و حيث أنه يكفي في ثبوت الإدانة القدرة حدوثاً، فكذلك يكفي في ثبوت التكليف هذا المقدار من القدرة أيضاً.

و من هنا صح أن يقال: إنّ الاضطرار بسوء الاختيار لا ينافي الاختيار عقاباً و لا ينافيه خطاباً، بمعنى: أن إطلاق الخطاب ثابت في حق من عصى أو عجّز نفسه، و أن الوجوب المجعول ثابت في حقهما أيضاً، تبعاً لثبوت العقاب و الإدانة و عدم منافاته لهما.

لا أثر عملي من وراء القول بسقوط الخطاب أو عدم سقوطه:

قد يسأل سائل و يقول: إن الخلاف- لكي يكون مجدياً- لا بدّ من أثر عملي يترتب عليه، و إلّا كان بلا جدوى، وعليه، فما هو الأثر العملي المترتب على القول بسقوط الخطاب في حالة الاضطرار بسوء الاختيار أو القول بعدم سقوطه؟

و الجواب على ذلك، هو: الصحيح: إن هذا الخلاف لا ينتهي إلى أية ثمرة عملية، سواء قلنا بسقوط التكليف و عدم إطلاق الخطاب و شموله لحالة العجز أم قلنا بإطلاقه و شموله له؛ و ذلك لأن روح التكليف، و مبادئه- من ملاك و إرادة- محفوظة على كل حال، فعلى القول بإطلاق الخطاب و شموله واضح، و أما على القول بعدم إطلاقه، فإن المانع من سقوطه ليس هو من جهة عدم المبادئ، و إنما هو من جهة عدم إمكان توجهه إلى العاجز فحسب‏ (1).

و أما بالنسبة إلى فاعلية التكليف، فهي ساقطة على كل حال؛ لما قلناه سابقاً من أنّ فاعلية

التكليف ليست إلّا محركيته، و لا يعقل المحركيّة مع العجز الفعلي مهما كان سببه.

و أمّا بالنسبة إلى الإدانة، فقد تقدّم أنها ثابتة بلا إشكال.

____________

(1) و بناءً على ذلك، فما ذكر من ثمرة في بحث اشتراط القدرة في التكليف لا يترتب هنا؛ لأنها هناك كانت مبنيةً على فوات الملاك أو عدم فواته بسبب العجز، و لا إشكال هنا في فوات الملاك الذي كان ثابتاً في حقّه، فيجب عليه القضاء مطلقاً، سواء كان موضوع وجوب القضاء فوت الملاك، أو مطلق الفوت.

255

3- الجامع بين المقدور و غير المقدور

تمهيد في نقطتين:

الأولى: في بيان الغرض من عقد هذا البحث‏

إن الغرض من عقد هذا البحث، هو: معرفة أنّ قاعدة استحالة التكليف بغير المقدور- التي أثبتناها سابقاً- هل تنطبق على الموارد التي يتعلق بها التكليف بالجامع بنحو الإطلاق البدلي إذا كانت بعض حصص الجامع غير مقدورة، أم لا؟

و ذلك من قبيل: الأمر بالصلاة- مثلًا- إذا فرض أنّ بعض حصص الصلاة التي يتحقق الجامع من خلالها لم تكن مقدورة للمكلّف، كالصلاة في المسجد في حال كونه بعيداً بنحو لا يتمكن المكلّف عادة من الوصول إليه، ففي مثل هذه الحالة هل يتعلق التكليف بجامع الصلاة بالنحو الذي يكون شاملًا أيضاً لهذه الحصة غير المقدورة، أم أن التكليف سوف يختص بالحصة المقدورة من الجامع فقط، و لا يشمل الحصص غير المقدورة؟ فإنّ معرفة ذلك مما تترتب عليه ثمرة عملية سوف نذكرها في آخر البحث.

الثانية: في بيان محل النزاع في المقام‏

إن الفعل غير المقدور للمكلف، تارة يكون بسبب عجز المكلف عن الاتيان به مع كونه ممكن الوقوع بحسب طبعه، كالصلاة من قيام لمن كان عاجزاً عن القيام بسبب المرض؛ فإنّ الصلاة من قيام ممكنة الوقوع بحسب طبعها الأولي، و لكنها غير مقدورة للمكلف العاجز عن القيام، و تارة أخرى يكون غير مقدور بسبب كونه مستحيل الوقوع في الخارج.

و الظاهر من كلمات بعض الأصوليين، أن المقصود بحثه في المقام، و ما وقع محلًا للنزاع بينهم بالنحو الذي ينتظر أن يكون له ثمرة عملية، هو النحو الأول من غير المقدور