البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - ج3

- الشيخ أياد المنصوري المزيد...
584 /
256

لا النحو الثاني‏ (1)، و هو ما يدل عليه كلام السيد الشهيد (قدس) حيث قال: «و ثمرة هذا البحث تظهر فيما إذا وقعت الحصة غير المقدورة من الفعل الواجب صدفة و بدون اختيار المكلف» (2)، فهذه العبارة صريحة في أن المراد بغير المقدور هو ما كان كذلك بسب عجز المكلف مع افتراض كون الفعل ممكن الوقوع في حد ذاته، و كذلك ما ورد في كلمات السيد الخوئي (قدس) حيث قال: «فإن قلت: ما هى الفائدة في الاطلاق المزبور و ايجاب الجامع بين المقدور و غيره مع أنّ المكلف لا يمكنه أن ينبعث إلا نحو المقدور؟ قلت: فائدته: اجتزاء المكلف بما صدر منه بغير اختياره بعد حصول الغرض القائم بمطلق الوجود المنكشف بالاطلاق بعد فرض امكان تعلق التكليف بالجامع كما عرفت» (3).

تحقيق الحال في هذه المسألة:

اعلم أن متعلق التكليف، تارة يكون حصّة معيّنة، و فرداً معيّناً، كالصلاة في مكان مخصوص بالنسبة إلى قيد المكان دون سائر القيود الأخرى‏ (4)، و أخرى يكون الطبيعي الجامع بين حصص عديدة، كالصلاة من حيث كونها في المسجد، أو في البيت، أو في غيرهما، و هذا، تارة يكون بنحو الإطلاق الشمولي، بحيث يكون المطلوب من المكلّف جميع حصص الجامع، كوجوب إكرام العالم؛ فإن إطلاق الأمر بالإكرام بالنسبة إلى‏

____________

(1) الظاهر عدم وقوع النزاع في النحو الثاني من غير المقدور، و هذا ما قد يظهر من كلمات السيد الخوئي حيث قال في المحاضرات، ج 2، ص 147:) إن استحالة تعلق الطلب بالجامع و اعتباره، إنما تقوم على أساس أحد أمرين: الأول: أن لا يكون للجامع ملاك يدعو المولى الى اعتباره. الثاني: أن تكون الحصة غير المقدورة مستحيلة الوقوع في الخارج. و أما في غير هذين الموردين، فلا مانع من اعتباره على ذمة المكلف أصلًا».

(2) الحلقة الثالثة، ص 311

(3) أجود التقريرات، ج 1، ص 101

(4) لأن الواجب قد يكون مقيداً بقيد ما و لكنه مطلق بلحاظ القيود الأخرى، فسوف يكون المأمور به بلحاظ القيد المقيّد به حصّة خاصّة من الصلاة، و بلحاظ القيود الأخرى طبيعي الصلاة، كما لو فرض وجوب صلاة ركعتين في مسجد معيّن بنذر أو شبهه من دون تقيده بزمان معيّن، فمن حيث المكان هو فرد و حصة خاصة، و من حيث الزمان هو الطبيعي.

257

العالم شمولي و إن كان إطلاقه بالنسبة إلى نفس متعلقه- و هو الإكرام- بدلياً. و أخرى يكون بنحو الإطلاق البدلي، كالأمر بالصلاة، حيث إنّ المطلوب من المكلّف طبيعي الصلاة بنحو صرف الوجود، أي: فرداً واحداً من أفراد تلك الطبيعة.

و لا إشكال في انطباق القاعدة المذكورة على النحو الأوّل إذا فرض كون تلك الحصّة غير مقدورة، و هذا ما تقدّم البحث عنه في استحالة التكليف بغير المقدور، كما أنه لا إشكال في انطباقها أيضاً على الجامع الذي يكون بجميع حصصه غير مقدور، من دون فرق بين أن يكون الاطلاق بالنسبة إليه شمولياً أو بدلياً، كما لا إشكال في انطباقها أيضاً على التكليف بالجامع بنحو الإطلاق الشمولي إذا كانت بعض حصصه غير مقدورة (1)، و إنّما وقع الخلاف في النحو الأخير، و هو ما إذا تعلق التكليف بالجامع بنحو الإطلاق البدلي، و كانت بعض حصصه غير مقدورة للمكلف.

وقوع الخلاف في المسألة على قولين:

قوله (قدس) ص 310: «و أما تعلقه بالجامع على نحو الاطلاق البدلي ... الخ».

وقع الخلاف في امكان تعلق التكليف بالجامع بين المقدور و غير المقدور و عدم امكان ذلك على قولين:

القول الأول: اختصاص التكليف بالحصّة المقدورة

و هو ما التزم به المحقق النائيني (قدس)، فقد ذهب إلى أنّ التكليف إذا تعلق بهذا الجامع، و فرض أن بعض حصصه غير مقدورة للمكلّف، فلا محالة من اختصاصه بالمقدور منه‏ (2)،

____________

(1) يمكن أن يقال: إنّ ذكر هذا الفرض هنا لا معنى له؛ إذ ليس هو إلّا مصداقاً من مصاديق البحث في استحالة التكليف بغير المقدور، و إن كانت بعض حصص الجامع مقدورة؛ و ذلك لأنّ مثل هذا التكليف، يرجع في حقيقته إلى تكاليف متعددة بعدد أفراد ذلك المطلق؛ لأنّ كل فرد من أفراد المطلق يكون بنفسه معروضاً للوجوب، لا أنه مصداق لما هو معروض الوجوب، غاية الأمر أنه قد جاء بخطاب واحد، و هذا بخلاف الاطلاق البدلي؛ فإنّ الفرد فيه ليس معروضاً بنفسه للوجوب، بل هو مصداق لما هو معروض الوجوب، و إذا كان الأمر كذلك، رجع البحث بالنسبة للأفراد غير المقدورة إلى البحث في استحالة التكليف بغير المقدور، و لم يكن بحثاً جديداً

(2) سواء كان ذلك المقدور حصة خاصة و فرداً واحداً من الجامع، كما لو فرض وجود فردين فقط لذلك الجامع، و كان أحدهما مقدوراً و الآخر غير مقدور، أم كان المقدور منه مجموعة من الحصص و الأفراد، كما لو فرض وجود عدة أفراد و حصص لذلك الجامع، و كان بعضها مقدوراً و البعض الآخر غير مقدور، ففي مثل هذه الحالة يبقى التكليف متعلقاً بالجامع بين الحصص المقدورة خاصة، و لكنه لا يتعلق بالجامع بين المقدور منها و غير المقدور

258

و لا يمكن أن يكون للمتعلق إطلاق للحصّة غير المقدورة و الدليل على ذلك أنّ المناط الذي حكم العقل على أساسه باستحالة التكليف بغير المقدور يجعل من شمول التكليف للحصّة غير المقدورة أمراً مستحيلًا؛ و ذلك لأن التكليف جعل بداعي البعث و التحريك المولوي، و لا يعقل التحريك نحو الحصة غير المقدورة للمكلّف، وعليه، فلا معنى لبعثه نحوها، و هذا يكشف عن عدم تعلق التكليف بتلك الحصّة، و هذا بدوره يوجب اختصاصه بالحصّة المقدورة للمكلّف؛ لأنّ مثل هذه الحصّة- بنظر المولى و بلحاظ تكليفه- ليست حصّة من الجامع أساساً، فلا يتعلق بها التكليف‏ (1).

القول الثاني: شمول التكليف بالجامع للحصّة غير المقدورة

ذهب المحقق الثاني (الكركي) إلى شمول التكليف بالجامع للحصة غير المقدورة منه، و وافقه على ذلك جماعة من المحققين الأعلام‏ (2)، و استدل لذلك بأنّه لا مانع من أن يتعلق التكليف بالجامع بين المقدور و غير المقدور؛ لأن قاعدة استحالة التكليف بغير المقدور لا تنطبق في المقام؛ و ذلك لأنّ مجرّد كون بعض حصص الجامع غير مقدورة للمكلّف، لا تجعل منه غير مقدور؛ لأن الجامع بين المقدور و غير المقدور مقدور؛ لأنه يمكن للمكلّف أن يحققه بالحصّة المقدورة، و التكليف إنما تعلّق بالجامع بما هو جامع، فالتحريك المولوي سوف يكون نحو الجامع و ليس نحو الفرد حتى يقال بعدم إمكان تعلقه، فإنّ الانبعاث من المكلّف في هذه الحالة ممكن و لا محذور فيه، فيعقل تعلق‏

____________

(1) قال المحقق النائيني في فوائد الأصول، ج 1، ص 143: «يعتبر- عقلًا- في متعلق التكليف القدرة عليه؛ ليتمكن المكلف من امتثال الأمر على وجه يصدر الفعل عنه حسناً، و من المعلوم: إن صدور الفعل حسناً من فاعله يتوقف على الإرادة و الاختيار؛ إذ الأفعال الغير الاختيارية لا تتصف بالحسن و القبح الفاعلي و إن اتصفت بالحسن و القبح الفعلي، فلا بد من خروج ما لا يكون بإرادة و اختيار عن متعلق التكليف عقلًا، و لا يمكن أن يعمه سعة دائرة الأمر»

(2) كالسيد الخوئي، حيث قال في المحاضرات، ج 2، ص 147: «إن الجامع بين المقدور و غيره مقدور، فلا مانع من تعلقه به».

259

التكليف به بنحو يكون له إطلاق بدلي‏ (1) يشمل الحصّة غير المقدورة، و هذا هو الصحيح‏ (2).

ثمرة هذا البحث:

قوله (قدس) ص 311: «و ثمرة هذا البحث تظهر فيما ... الخ».

إنّ ثمرة هذا البحث و الخلاف المتقدّم فيه، تظهر في الحكم بالإجزاء و عدمه فيما لو صدرت الحصّة غير المقدورة من الفعل الواجب صدفةً و بدون اختيار المكلّف‏ (3)؛ و ذلك لأنّ إجزاء غير الواجب عن الواجب يحتاج إلى دليل خاص؛ لأنّ مقتضى الأصل اللفظي لكل دليل أنّه لا يجزي عن الواجب غيره، و هو ما يعرف بقاعدة عدم الإجزاء، فدليل: (أقيموا الصلاة) يقتضي أنّ غير الصلاة لا يجزي عن الصلاة؛ لأنّ الواجب المأمور به هو الصلاة، و غيرها ليس مصداقاً لذلك الواجب كما هو واضح، ففي حالة صدور الحصّة غير المقدورة من المكلّف صدفةً و بدون اختيار، وقع البحث في أنّ ما

صدر منه هل يعد

____________

(1) الظاهر أنّ هذا البيان يتجه بلحاظ الاطلاق البدلي على القول بعدم سريان الوجوب من الجامع إلى الأفراد و الحصص و لو بنحو مشروط، و لا يتجه بلحاظ الاطلاق الشمولي؛ لما ذكرناه سابقاً من انحلال الوجوب فيه إلى وجوبات متعددة بعدد الأفراد و الحصص، و معه لا يصلح أن يكون قولًا في قبال قول المحقق النائيني؛ إذ أنه بلحاظ ما تعلّق به التكليف لا يوجد شي‏ء اسمه الجامع في مورد الاطلاق الشمولي لكي يقال بأنّ الجامع بين المقدور و غير المقدور مقدور؛ لأنّ التكليف فيه متعلّق بالفرد لا بالجامع، بخلاف مورد الاطلاق البدلي؛ فإنّ التكليف فيه متعلّق بالجامع بما هو جامع لا بالفرد، و لأجل ذلك صحّ أن يقال بأنّ الجامع بين المقدور و غير المقدور مقدور

(2) الظاهر من كلمات الفريقين في هذه المسألة، أنّ منشأ الخلاف فيها ناتج من أنّ التكليف بالجامع هل هو تكليف بالفرد على نحو يسري ذلك التكليف من الجامع إلى الفرد، أم هو تكليف بالجامع بما هو جامع من دون أن يسري ذلك التكليف إلى الفرد على نحو يكون الفرد مجرد مصداق لما هو معروض التكليف و ليس هو بنفسه معروضاً للتكليف، وعليه فيصح على الأول القول بأنّ التكليف بالجامع بين المقدور و غير المقدور مستحيل؛ لأنه من التكليف بغير المقدور، لا لأنّ الجامع بما هو جامع غير مقدور لكي يقال بأنه مقدور و لو عن طريق الأفراد المقدورة، بل لأنّ التكليف بالجامع يسري إلى الفرد، فإذا كان الفرد غير مقدور، فسوف يكون من التكليف بغير المقدور، و هو مستحيل، كما أنّه يصح على الثاني القول بأنّ التكليف بالجامع بين المقدور و غير المقدور ممكن باعتبار أنّ الجامع بما هو جامع مقدور للمكلف و إن كانت بعض حصصه غير مقدورة له، فتأمل جيداً

(3) هذه الثمرة ذكرها السيد الخوئي في أجود التقريرات، ج 1، ص 101، و قد نقلنا كلامه سابقاً.

260

مصداقاً للواجب حتى يحكم بالإجزاء و عدم وجوب الإعادة، أم أنّ ما صدر منه ليس مصداقاً للواجب فيجب عليه الإعادة؟

فعلى قول المحقق النائيني القائل باستحالة تعلق التكليف بالجامع بين المقدور و غير المقدور- الأمر الذي يوجب اختصاص التكليف بالحصّة المقدورة- لا يحكم بالإجزاء في مثل هذه الحالة؛ لأنّ ما وقع منه ليس مصداقاً للواجب؛ إذ لا أمر بها بحسب الفرض، و يكون حاله في تلك الحالة كمن كان مأموراً بالصلاة فتصدّق، و من المعلوم: أنّ إجزاء غير الواجب عن الواجب بحاجة إلى دليل خاص، فيجب عليه الإعادة إذن.

و أمّا على قول المحقق الثاني القائل بإمكان تعلق الوجوب بالجامع بين المقدور و غير المقدور، فنتمسك بإطلاق دليل الواجب لإثبات شموله للحصّة غير المقدورة، باعتبار أنها من أفراد الجامع الذي تعلّق به التكليف، فيكون ما أتى به المكلّف مصداقاً و فرداً من أفراد الواجب، فيحكم بإجزائه عنه و عدم وجوب الإعادة.

261

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

262

الدليل العقلي التزاحم و الترتب‏

1- شرطية القدرة بالمعنى الأعم‏

2- إطلاق الواجب لحالة المزاحمة

3- التقييد بعدم المانع الشرعي‏

263

التزاحم و الترتب‏

تمهيد في نقطتين:

الأولى: في بيان معنى التزاحم و الفرق بينه و بين التعارض‏

المقصود بالتزاحم في المقام، هو: التنافي بين الحكمين في مقام الامتثال نتيجة لضيق قدرة المكلف عن امتثالهما معاً، و يفترق باب التعارض عن باب التزاحم، في ان باب التعارض يرجع إلى التنافي بين مدلولي الدليلين، أي: التنافي بين الجعلين بحيث لا يمكن جمعهما في مرحلة الجعل و التشريع لاستلزامه التناقض و اجتماع الإرادة و الكراهة في نفس الآمر بالنسبة إلى متعلق واحد، أو لزوم التكليف بما لا يطاق لتضاد المتعلقين ذاتاً مع اتحادهما في الحكم، كما إذا أوجب القيام دائماً و أوجب القعود كذلك، أو لتلازم المتعلقين تلازماً دائمياً مع اختلافهما في الحكم، كما إذا أوجب استقبال المشرق و حرم استدبار المغرب، أو غير ذلك مما لا يمكن فيه الجمع بين الحكمين ثبوتاً لتعاندهما في مقام تشريع الأحكام على موضوعاتها المقدرة وجوداتها، بحيث يلزم من الجمع بينهما إما اجتماع الإرادة و الكراهة في موضوع واحد، و اما لزوم التكليف بما لا يطاق، كل ذلك في مقام الجعل و التشريع.

و هذا بخلاف باب التزاحم، فإنه لم يكن بين الحكمين المتزاحمين منافرة و تعاند في مقام الجعل و التشريع، بل كان بينهما تمام الملاءمة و الموافقة، و انما نشأ التعاند في مقام فعلية الحكمين و تحقق موضوعهما خارجاً، كالمزاحمة بين انقاذ الغريقين، أو بين حرمة المقدمة و وجوب ذيها، كما لو توقف انقاذ الغريق على التصرّف في ملك الغير، أو غير ذلك من أقسام التزاحم الأخرى‏ (1).

____________

(1) قسم المحقق النائيني التزاحم إلى خمسة أقسام، فقال في فوائد الأصول، ج 1، ص 335: «قد عرفت ان اقسام التزاحم خمسة: الأول: تضاد المتعلقين لاجتماعهما في زمان واحد، كالغريقين. الثاني: قصور قدرة المكلف عن الجمع بينهما من دون أن يكون بينهما مضادة، لاختلاف زمانهما، كالقيام في الركعة الأولى أو الثانية. الثالث: تلازم المتعلقين، كاستقبال القبلة و استدبار الجدى. الرابع: مقدمية أحد المتعلقين للآخر، كالتصرف في أرض الغير لإنجاء مؤمن. الخامس: اتحاد المتعلقين في الوجود، كالصلاة في الأرض المغصوبة».

264

فلا محذور في تشريع انقاذ كل غريق، أو تشريع حرمة التصرف في ملك الغير، و وجوب انجاء المؤمن من الهلكة؛ إذ لا ربط لأحد الحكمين بالآخر؛ لأنّ موضوع أحدهما غير موضوع الآخر، و قد شرع كل منهما على موضوعه المقدر وجوده من دون أن يستلزم ذلك التشريع اجتماع الإرادة و الكراهة في شي‏ء واحد، أو التكليف بما لا يطاق، بل اتفق التزاحم في مقام الفعلية، كما إذا اتفق أنه صار التصرف في ملك الغير مقدمة لإنجاء المؤمن، أو اتفق عدم التمكن من انقاذ كل من الغريقين في آن واحد، فإن هذا الاتفاق لا يضر بذلك التشريع و الجعل أصلًا (1).

الثانية: في بيان معنى الترتب و موضوع البحث في المسألة

الترتب بشكل كلي، هو: عبارة عن الطولية بين أمرين، أو شيئين على نحو يكون وجود أحدهما منوطاً بوجود الآخر، أو بعدم وجوده. من قبيل الترتب بين وجود الابن و وجود الأب، أو الترتب بين وجود المعلول و عدم وجود المانع مع توفر المقتضي و الشرط، أو الترتب بين وجوب التيمم و وجوب الوضوء؛ فإنّ وجوب التيمم في طول عدم وجوب الوضوء، كما لو فرض فقدان الماء، أو عدم التمكن منه، أو غير ذلك مما يوجب سقوط وجوب الوضوء، فوجود شي‏ء في طول وجود شي‏ء آخر، أو في طول عدم وجوده، يعني: أنّ بينهما ترتّب. و منه يعلم أنه لا ترتب بين الأمرين العرضيين الذين‏

____________

(1) و قد أضاف المحقق النائيني وجهاً آخر للتفريق بين باب التزاحم و باب التعارض، حيث قال في كتاب الصلاة ج 1، ص 372 ما نصّه: «ثم إن من لوازم باب التزاحم، هو أن تقديم أحد المتزاحمين على الآخر لأحد موجباته، إنما يكون في صورة العلم بالحكم و الموضوع؛ لأن التزاحم إنما يقع عند ذلك، و إلا فالوجود الواقعي للحكم مما لا أثر له في باب التزاحم، بل لا بد من وجوده العلمي، مثلًا: لو لم يعلم بأن هناك غريقا آخر، لا يمكن أن يزاحم الوجود الواقعي ل- «أنقد الغريق» للغريق الذي علم به حكماً و موضوعاً، بل اللازم عليه فعلًا هو إنقاذ ما علم كونه غريقاً ليس إلا، و هذا بخلاف باب التعارض، لما عرفت من أن التعارض إنما يكون بين الوجود الواقعي و في عالم الإرادة الآمرية، و التشريع، من دون أن يكون لعلم المكلف و جهله دخل في ذلك».

265

يكونان في مرتبة واحدة، كوجود زيد و وجود عمر؛ إذ لا طولية بينهما، إذ يمكن وجودهما في عرض واحد.

و أما المقصود بالترتب في المقام، و الذي يبحث عنه في علم الأصول في باب التزاحم، فهو: عبارة عن: الطولية بين حكمين شرعيين على نحو يكون ثبوت أحدهما منوطاً بعدم الاشتغال بامتثال الواجب الآخر، بحيث يكون عدم الاشتغال به قيداً دخيلًا في فعلية الواجب الآخر. كالترتب بين أحد الواجبين المتزاحمين و الواجب الآخر، كترتب وجوب الصلاة في المسجد على عدم الاشتغال بإزالة النجاسة عنه، أو ترتب وجوب انقاذ أحد الغريقين على عدم الاشتغال بانقاذ الغريق الآخر.

ثم إن الترتب بين حكمين شرعيين و تقييد أحدهما بعدم الاشتغال بالآخر، تارة يعلم من قبل نفس الشارع، بحيث يثبت عن طريق الجعل الشرعي تقييد أحد الحكمين بعدم الاشتغال بامتثال متعلق الحكم الآخر (1)، و أخرى مما يفرضه حكم العقل لأجل تصحيح الأمرين بالضدين.

و النحو الأول من الترتب لا علاقة له ببحث التزاحم المبحوث عنه في المقام اطلاقاً، و الترتب الذي وقع محلًا للبحث في باب التزاحم من جهة إمكانه أو عدم إمكانه هو الترتب الذي يفرضه حكم العقل من أجل تصحيح الأمرين بالضدين و اخراجهما من‏

____________

(1) و هناك ترتب و طولية بين الحكمين الشرعيين، و لكنّه نوع آخر من الترتب غير الترتب المبحوث عنه في المقام؛ و ذلك من قبيل ترتب وجوب التيمم على عدم فعلية وجوب الوضوء، كما في حالة فقدان الماء، أو عدم التمكن منه لمرض، أو غيره. و هذا النحو من الترتب يختلف عن الترتب محل البحث، من جهة أن هذا النحو من الترتب يفترض فيه تقييد أحد التكليفين بعدم فعلية التكليف الآخر، بينما الترتب محل البحث يفرض فيه تقييد أحد التكليفين بعدم الاشتغال بامتثال التكليف الآخر مع فرض فعليته.

ثم أنّه ليس المقصود بالترتب الذي قلنا أنّه يعلم من الشارع هذا النحو من الترتب، و إن كان طريق العلم به منحصر بالشارع أيضاً، بل المقصود هو الترتب بمعنى: تقييد أحد التكليفين بعدم الاشتغال بالآخر، لا تقييده بعدم فعليته، و إن أمكن التمثيل له بنفس المثال المتقدم، و لكن على نحو يكون وجوب التيمم مقيداً بعصيان وجوب الوضوء، بحيث لم يبق من الوقت ما يسع المكلف معه الوضوء فيحكم بوجوب التيمم، إلا أنّ هذا النحو من الترتب و إن كان كالترتب الذي يفرضه حكم العقل لكنّه لم ينشأ من التزاحم بين الوجوبين، بينما الترتب الذي يفرضه حكم العقل، هو ما نشأ من التزاحم بين التكليفين في مقام الامتثال.

266

العرضية إلى الطولية.

فموضوع الترتّب المبحوث عنه في المقام، هو: عبارة عن: التزاحم الحاصل من ضيق قدرة المكلّف عن الجمع بين المتزاحمين في مقام الامتثال بسبب التضاد بين متعلقي الحكمين، كما في مورد الأمرين بالضدين، كالأمر بالصلاة و الأمر بالانقاذ إذا اتفق تحقق موضوعيهما في آن واحد.

و منه يتضح أنّ مبحث الترتب بمعنى حكم العقل بتقييد أحد الحكمين بعدم الاشتغال بالآخر، مرتبط تماماً بمبحث التزاحم، ففي المورد الذي لا يتحقق فيه ملاك التزاحم- و هو التضاد بين الحكمين في مقام الامتثال- لا مجال للترتب بينهما بالمعنى المذكور فانتبه، و لا تغفل.

267

1- شرطية القدرة بالمعنى الأعم‏

قوله (قدس) ص 312: «تقدم أن العقل يحكم بتقييد ... الخ».

كان الكلام فيما تقدم حول إمكان تعلق التكليف بغير المقدور، و قد انتهينا فيه إلى أنّ العقل يحكم باستحالة ذلك، الأمر الذي يعني حكم العقل بتقييد التكليف بالقدرة على متعلقه؛ و ذلك لاستحالة التحريك المولوي نحو غير المقدور (1).

و الكلام هنا في أنّ العقل هل يحكم بتقييد التكليف بتقييد زائد- و الذي هو: عبارة عن: عدم الابتلاء بضدّه- مضافاً إلى التقييد المتقدم، أم أنه لا يحكم بأكثر مما ذكر؟

و بعبارة أخرى: إنّ استحالة التكليف بغير المقدور، هل تختص بالتكليف الذي لا يكون متعلقه مقدوراً للمكلّف من جهة المانع التكويني فقط، أم أنها تشمل أيضاً التكليف‏

____________

(1) وجه المناسبة و الارتباط بين بحث التكليف بغير المقدور و بحث التزاحم، هو: أنّ التزاحم بين واجبين يرجع في حقيقته إلى ايجاب الجمع بين الضدين، و هو غير مقدور للمكلّف قطعاً؛ و ذلك لضيق قدرة المكلّف عن امتثالهما معاً في آن واحد، فيكون من التكليف بغير المقدور و هو مستحيل.

إن قلت: إذا كان الأمر كذلك، فما هو الداعي لإفراد باب التزاحم ببحث مستقل مع أنه قد تقدّم البحث في استحالة التكليف بغير المقدور؟

كان الجواب: إنّ باب التزاحم و إن كان يشترك مع باب التكليف بغير المقدور في أنّ منشأهما ضيق قدرة المكلف و عجزه، إلا أنّه يفترق عنه في نقطة أساسية و مهمة، و هي: أنّ موضوع البحث بالنسبة إلى التكليف بغير المقدور، عبارة عن: متعلق واحد لحكم واحد لا يقدر المكلف على امتثاله، بينما موضوع البحث بالنسبة إلى التزاحم، هو: عبارة عن: متعلقين لحكمين لا يقدر المكلّف على الجمع بينهما بامتثال واحد.

و يترتب على هذا الفارق، أنّ مورد التزاحم قد يمكن اخراجه من باب التكليف بغير المقدور عن طريق تحويل الأمرين بالضدين من العرضية إلى الطولية عن طريق الترتب، فوقع البحث بين الأصوليين في إمكان ذلك و عدمه، و لأجله أفرد ببحث مستقل.

268

الذي لا يكون متعلقه مقدوراً من جهة المانع الشرعي كالأمر بضدّه؟

التمييز بين ثلاثة أنحاء من العجز المقابل للقدرة:

اعلم أن العجز عن امتثال التكليف- المقابل للقدرة على امتثاله- يتصور على أنحاء ثلاثة:

الاول: العجز التكويني‏

قد يكون الإنسان أحياناً عاجزاً من الناحية التكوينية عن القيام بفعل من الأفعال، فالمشلول- مثلًا- عاجز عن القيام بأي فعل من الأفعال التي تتطلب منه القيام و الوقوف، و إن كان من الناحية التكوينية قادراً على الأفعال التي لا تتطلب منه القيام و الوقوف.

و القدرة التي تقابل العجز بهذا المعنى، هي: القدرة التكوينية على الفعل، و هو ما كنّا نقصده بالقدرة على متعلق التكليف في البحث عن استحالة التكليف بغير المقدور، و الذي يعني: اشتراط كون المكلّف قادراً من الناحية التكوينية على الإتيان بمتعلق التكليف لكي يصح الأمر به، فمن يعجز تكويناً عن القيام- كالمشلول مثلًا- لا يعقل تكليفه بما يشترط فيه القيام كالصلاة من قيام، فالقدرة المقابلة لهذا النحو من العجز، نسميها بالقدرة التكوينية، و هي ما حكم العقل باشتراطها في كل تكليف و تقييده بها، و حكم العقل بهذا المقدار من التقييد، ممّا لا إشكال و لا خلاف فيه كما تقدم‏ (1).

الثاني: العجز بسبب الاشتغال بامتثال التكليف بالضد

إذا كان الإنسان مشتغلًا فعلًا بفعل من الأفعال فإنه لا يمكنه في نفس الوقت الإتيان‏

____________

(1) و لم يخالف في ذلك إلا الأشعرية، حيث ذهبوا إلى جواز التكليف بما لا يطاق، و على رأسهم أبو الحسن الأشعري، حسب ما نقله عنه الآمدي في الاحكام، ج 1، ص 133 حيث قال:) اختلف قول أبي الحسن الأشعري في جواز التكليف بما لا يطاق نفياً و إثباتاً، و ذلك كالجمع بين الضدين، و قلب الأجناس، و إيجاد القديم و إعدامه، و نحوه، و ميله في أكثر أقواله إلى الجواز».

و قال أيضاً في ص 137 من نفس الكتاب:) و أمّا الطرف الثاني: و هو بيان جواز التكليف بالمستحيل لغيره، فقد احتج الأصحاب عليه بالنص و المعقول: أمّا النص، فقوله تعالى: (ربنا و لا تحملنا ما لا طاقة لنا به)، سألوا دفع التكليف بما لا يطاق. و لو كان ذلك ممتنعاً، لكان مندفعاً بنفسه، و لم يكن إلى سؤال دفعه عنهم حاجة».

269

بفعل آخر هو بحاجة إلى تمام القدرة التي كان يتطلبها القيام بالفعل الذي كان مشتغلًا به‏ (1)، فمن كان مشتغلًا فعلًا برفع ثقل معين بيديه على نحو لا يمكنه استعمالهما بأي عمل آخر، يكون عاجزاً عن الإتيان بالفعل الآخر و إن كان قادراً عليه لو لا اشتغاله بذلك الفعل كما لو فرض أن المكلف كان قادراً تكويناً على الصلاة، و لكنه كان مشتغلًا فعلًا بإنقاذ غريق قد أمر بانقاذه. و لا إشكال هنا- بل لا خلاف أيضاً- في استحالة التكليف الفعلي بالصلاة؛ و ذلك لعدم قدرة المكلف على الإتيان بمتعلقها، و يكون حال هذا النحو من العجز حال النحو الأول.

الثالث: العجز الناشئ من مجرّد التكليف بالضد

كما أنّ الإنسان قد يكون في كثير من الأحيان قادراً من الناحية التكوينية- و بقطع النظر عن أي شي‏ء آخر- على الاتيان بفعل من الأفعال، و لكن، و بسبب تكليفه بفعل آخر على نحو لا يمكنه الجمع بين الفعلين في آن واحد يكون عاجزاً عن ذلك الفعل؛ لأنه لا يملك إلّا قدرة واحدة، فإمّا أن يصرفها إلى هذا الفعل، و إمّا أن يصرفها إلى ذلك الفعل الآخر، كما لو فرض أن المكلف كان قادراً تكويناً على الصلاة و لكنه كان مأموراً فعلًا بإنقاذ غريق بحيث لو اشتغل بإنقاذه لفاتته الصلاة في ذلك الوقت لأجل التضاد بين عمليتي الإنقاذ و الصلاة و عدم قدرة المكلّف على الجمع بينهما؛ لأنه لا يملك إلّا قدرة واحدة، فإمّا أن يصرفها لعملية الإنقاذ، و إمّا أن يصرفها لعملية الصلاة، فيكون المكلف عاجزاً عن الجمع بين الامتثالين في آن واحد لأنهما ضدان، و يستحيل الجمع بين الضدين كما هو واضح.

و هذه الحالة تسمى بحالة الأمرين بالضدين، و التي وقعت مورداً للبحث عند الأصوليين من حيث وجود المصحح لجعلهما و عدمه‏ (2).

____________

(1) هذا القيد لاخراج حالة ما لو كان المكلف مشتغلًا بفعل معيّن و كان بامكانه أن يؤدي غيره معه في نفس الوقت بحيث تكون قدرته كافية لأن تسع كلا الفعلين في آن واحد، ففي هذه الحالة، لا محذور في أن يتوجّه إليه الأمر بفعل معيّن مع اشتغاله بغيره‏

(2) و على أعتاب هذا البحث ولدت فكرة الترتب و ارتبطت ببحث التزاحم، و ذلك لأجل تصحيح الأمرين بالضدين و اخراجهما من العرضية إلى الطولية، فوقع البحث عند الأصوليين في مدى صلاحية الترتّب لذلك أو عدم صلاحيته.

270

لا خلاف في استحالة تعلق الأمر بالجمع بين الضدين:

من المعروف: أنّه لا خلاف في استحالة تعلق الأمر بالجمع بين الضدين على نحو يكون المطلوب من المكلف إيجاد كلا الضدين في آن واحد؛ و ذلك لعدم قدرة المكلف على الجمع بينهما في آن واحد، فيكون من التكليف بغير المقدور، و هو مستحيل، وعليه، فلا يمكن أن يؤمر المكلف بالصلاة إذا كان مأموراً فعلًا بانقاذ الغريق على نحو يكون المطلوب منه فعلًا الجمع بينهما بامتثالهما في آن واحد؛ و ذلك لأنّ المكلّف في هذه الحالة و إن كان قادراً فعلًا على الصلاة قدرة تكوينية؛ إذ بإمكانه من الناحية التكوينية أن يأتي بمتعلق الأمر بالصلاة و إن كان مأموراً فعلًا بإنقاذ الغريق، فيستطيع من الناحية التكوينية أن يترك الإنقاذ و يصلّي، و إن كان عاصياً من جهة تركه للإنقاذ، و لكن الممتنع- و الذي لا يقدر عليه المكلّف- هو: الجمع بين الصلاة و بين إنقاذ الغريق، وعليه، فلا يمكن أن يكلّف بالجمع بين التكليفين؛ لأنه ليس للمكلّف إلا قدرة واحدة، فإن صرفها في امتثال أحد التكليفين عجز عن امتثال التكليف الآخر في نفس ذلك الوقت‏ (1).

و على هذا، فكما لا يمكن أن يؤمر بالصلاة- مثلًا- مَنْ كان عاجزاً تكويناً عن أدائها لمرض أو غير ذلك، فكذلك لا يمكن أن يؤمر بالصلاة مَنْ كان مكلّفاً فعلًا بإنقاذ غريقٍ تفوت بإنقاذه الصلاة و إن كان قادراً عليها تكويناً.

حكم العقل بتقييد التكليف بعدم الابتلاء بضده:

قوله (قدس) ص 313: «و ذلك يعني وجود قيد آخر ... الخ».

و من خلال ما تقدّم، يتضح: أن العقل كما يحكم بتقييد التكليف بالقدرة التكوينية على متعلقه بمعنى: أن لا يكون عاجزاً تكويناً عن إيتائه، كذلك يحكم- و مضافاً إلى ذلك- بتقييد التكليف بأن لا يكون المكلف مبتلى بالأمر بالضد الآخر على نحو يكون مأموراً

بالجمع بين‏

____________

(1) و إن كان متمكناً من امتثاله في وقت لاحق، إلا أنّه سوف يخرج حينئذ من باب التزاحم و طلب الجمع بين الضدين؛ و ذلك لأنّ المناط في التزاحم، هو: ضيق قدرة المكلف عن امتثالهما في زمان واحد لأجل المضادّة بين متعلقيهما في مقام الامتثال، و هذا لا يكون إلا مع فرض وحدة الزمان، و إلا- فمع تعدده- لا مضادة بينهما كما هو واضح.

271

الضدين، و هذا يعني: وجود قيدين و شرطين في كل تكليفٍ حتى يصح الأمر به، و هما:

الأوّل: أن لا يكون المكلّف عاجزاً عجزاً تكوينياً عن أداء التكليف، و هذا ما يسمى بالقدرة التكوينية.

الثاني: أن لا يكون المكلف قد ابتلي بالأمر بضد التكليف على نحو يكون المطلوب منه الجمع بين الضدين.

و إن شئت قلت: إن القيد مجموع أمرين هما: القدرة التكوينية، و عدم الابتلاء بالأمر بالضد. و هذا ما يسمى بالقدرة التكوينية بالمعنى الأعم.

تفسيران مختلفان لعدم الابتلاء بالضد:

قوله (قدس) ص 313: «و انما الاشكال في معنى عدم الابتلاء ... الخ».

لا إشكال في حكم العقل بتقييد كل تكليف بعدم الابتلاء بالأمر بضده، و لكن وقع الخلاف في تفسير عدم الابتلاء الذي يتعيّن عقلًا أخذه شرطاً في التكليف على النحو الذي لا يلزم منه أن يكون المطلوب من المكلف الجمع بين الضدين، فإن ذلك له تفسيران:

الأول: أن لا يكون مأموراً فعلًا بالضد، سواء اشتغل بهذا الأمر أو لم يشتغل.

الثاني: أن لا يكون مشغولًا بامتثال الأمر بالضد.

فعلى التفسير الأول، يمتنع الأمر بالضد لمجرّد كون المكلّف مأموراً بضده الآخر و إن لم يكن بصدد امتثاله، فمن كان مأموراً بالإنقاذ، لا يمكن- على هذا الفرض- أن يؤمر بالصلاة و إن لم يكن بصدد امتثال الأمر بالإنقاذ.

و على التفسير الثاني، فإنه لا يكفي مجرّد الأمر بالضد لعدم إمكان الأمر بالضد الآخر ما لم يكن المكلف مشتغلًا فعلًا بامتثاله. و على هذا، فمن كان مأموراً بالإنقاذ و بنى على العصيان و عدم الامتثال، أمكن أن يتوجه إليه الأمر بالصلاة ما دام لم يشتغل بضده- و هو: الانقاذ بحسب الفرض- و هذا ما يسمى بثبوت الأمرين بالضدين على نحو الترتب، بمعنى: أن كلًا من الأمر بالصلاة و الأمر بالإنقاذ يتوجهان إلى المكلّف، لكن لا مطلقاً، بل‏

بتقييد أحدهما- على الأقل- بعدم الاشتغال بالضد الآخر، و هذا هو معنى الترتب‏

272

المبحوث عنه في المقام‏ (1).

استحالة الأمرين بالضدين و لو على وجه الترتب أو إمكانهما:

قوله (قدس) ص 314: «و قد ذهب صاحب الكفاية ... الخ».

لا إشكال و لا خلاف في أن الاستحالة التي حكم بها العقل بالنسبة إلى التكليف بغير المقدور تنطبق على النحوين الأول و الثاني من أنحاء العجز المتقدمة؛ لوضوح عدم قدرة المكلف في كلا النحوين على الاتيان بالفعل، و لكن، قد وقع الخلاف في انطباقها على النحو الثالث؛ من حيث صلاحية الأمر بنفسه و بقطع النظر عن امتثاله لجعل المكلف عاجزاً عن الاتيان بالفعل الآخر، الأمر الذي يحول دون إمكان الأمر به من جهة، و لزومه طلب الجمع بين الضدين من جهة أخرى، أو عدم صلاحيته- بقطع النظر عن امتثاله- لذلك، الأمر الذي يعني: عدم وجود ما يحول دون إمكان الأمر به. و الأول يعني استحالة الأمرين بالضدين و لو على وجه الترتب، و الثاني يعني: إمكانهما، و قد اختلف العلماء في ذلك.

وقوع الخلاف بين العلماء في الاستحالة المتقدمة و عدمها على قولين:

وقع الخلاف بين العلماء في استحالة الأمرين بالضدين على نحو يكون مجرد الأمر بأحدهما و إن لم يشتغل بامتثاله مانعاً دون إمكان الأمر بالضد الآخر (2)، أو إمكانهما على‏

____________

(1) الظاهر أنّ المقصود بعدم الاشتغال هو البناء و العزم على العصيان لا مجرّد عدم الاشتغال مطلقاً و لو في آنٍ ما؛ و ذلك لأنّ عدم الاشتغال و لو آناً ما حاصل قطعاً؛ لأنّ الاشتغال مسبوق قطعاً بالتكليف آناً ما، فلو كان هذا هو المقصود، فإنه يعني: صيرورة كلا التكليفين فعلياً في الآن الأول من آنات التكليف، فيكون المطلوب كلا الضدّين في عرض واحد، و الحال أن الغرض من هذا القيد هو اخراج التكليفين من العرضية إلى الطولية، فلا بدّ من افتراض عدم فعلية المهم بلحاظ شرط القدرة بمعناها الأعم، و هو لا يكون إلا بتفسير عدم الاشتغال بالبناء و العزم على العصيان.

نعم، لو كان المقصود بهذا القيد هو كون الاشتغال بالأهم موجباً لسقوط المهم عن الفعلية بعد فرض فعليته، لا أنّه لا يصير فعلياً إلا بعدم الاشتغال بالأهم، لم يبق وجه لما ذكرناه، إلا أنّ عباراتهم لا تساعد كثيراً على هذا المعنى، فتأمل جيداً.

(2) ثم أنه لا فرق في افتراض الأمرين بالضدين- كالصلاة و إنقاذ الغريق- بين أن يكون ذلك بخطاب واحد، كما لو قال:) صلّ و أنقذ الغريق»، و اتفق تضادهما في مقام الامتثال، و بين أن يكون ذلك بخطابين يستدعيان بمجموعهما الجمع بين الضدين، كما لو قال:) صلّ»، و قال بخطاب آخر:) أنقذ الغريق».

273

نحو يكون الأمر بأحدهما مقيداً بعدم الاشتغال بامتثال الأمر بالآخر، و يسمى هذا النحو من التقييد المفترض بالترتب، فقد اختلف العلماء في ذلك على قولين:

الأول: استحالة الأمرين بالضدين و لو على وجه الترتب‏

و هذا القول هو الذي ذهب إليه صاحب الكفاية، مستدلًا له بأن المحذور الذي يلزم من الأمرين بالضدين- و الذي هو: عبارة عن: استحالة طلب الضدين لعدم قدرة المكلف على امتثالهما معاً- لا يمكن دفعه بمجرد الالتزام بالترتب و تقييد أحدهما بعدم امتثال الآخر؛ و ذلك أنّ المكلّف إذا كان بصدد عصيان أحد التكليفين، فإنه سوف يصبح كل من هذين التكليفين فعلياً بحقه و بالتالي، الرجوع إلى نفس المحذور الذي أردنا دفعه عن طريق الالتزام بالترتب.

و توضيح ذلك: لو فرض أنّ المكلف كان مأموراً بإنقاذ الغريق، و فرض أيضاً توجّه التكليف بالصلاة إليه على نحو الترتب، بمعنى: أن الأمر بالصلاة مقيد بعدم امتثال الأمر بالإنقاذ، فإنه في هذه الحالة، لو كان المكلّف بصدد عصيان الأمر بالإنقاذ و عدم امتثاله، فسوف يصبح كل من التكليفين فعلياً في حقّه، و هذا مستحيل؛ لأنه من طلب الضدين، أمّا بالنسبة لفعلية التكليف بالإنقاذ، فلأنّ فعليته غير مشروطة بعدم الاشتغال بامتثال الأمر بالصلاة بحسب الفرض، و مجرّد كونه بصدد عصيانه لا يوجب سقوطه عن الفعلية (1). و أمّا بالنسبة إلى الأمر بالصلاة، فإنّه و إن كانت فعليته مشروطة بحيث لا يكون فعلياً إلّا بعد تحقق ذلك الشرط، و لكن حيث إنها مشروطة بحسب الفرض بعدم امتثال الأمر بالإنقاذ، و هو- أي: الشرط- قد تحقق فعلًا، فسوف يصبح فعلياً أيضاً؛ لفرض القدرة التكوينية على الفعل من جهة، و عدم الابتلاء بامتثال ضدّه الآخر من جهة أخرى.

و بهذا، يتبرهن أنّ الأمرين بالضدين بنحو تقييد أحدهما بعدم الاشتغال بضدّه الآخر- و هو المسمى بالترتب- لا يصحّح الأمر بهما، وعليه، فإنّ التكليف بأحد الضدين يكون بنفسه أي: بثبوته و بقطع النظر عن امتثاله أو عدم امتثاله- يكون نافياً للتكليف بالضد

____________

(1) سيأتي في بحث لاحق أن العصيان ليس من مسقطات الحكم بمعنى الفعلية و إن كان مثل ذلك الحكم لا فاعلية له.

274

الآخر (1). و بهذا يصل الكلام إلى القول الثاني.

الثاني: إمكان الأمرين بالضدين على وجه الترتب‏

قوله (قدس) ص 314: «و ذهب المحقق النائيني ... الخ».

و هو ما ذهب إليه المحقق النائيني و غيره أيضاً (2)، من أنّه يكفي لتصحيح الأمرين بالضدين تقييد أحدهما بعدم الاشتغال بالضد الآخر، أي: الأمر بهما على نحو الترتب، و اخراجهما من العرضية إلى الطولية، و لا يلزم من ذلك ما ذهب إليه صاحب الكفاية من لزوم فعلية كلا التكليفين إذا كان المكلّف بصدد العصيان و عدم الامتثال، و هذا الوجه هو الصحيح.

بيان امكان الأمرين بالضدين على وجه الترتب من خلال ثلاث نقاط:

و الصحيح: إمكان الأمرين بالضدين على وجه الترتب، و ذلك يتضح من خلال النقاط التالية:

النقطة الأولى: إن التضاد بين تكليفين، إذا أريد تصويره، فإمّا أن يكون بلحاظ عالم المبادئ، باعتبار أن المبدأ في أحدهما ينافي المبدأ في الآخر، كالتضاد بين الوجوب و الحرمة، حيث إن مبدأ الوجوب هو المصلحة في الفعل، و مبدأ الحرمة هو المفسدة فيه،

فيكونان متضادين بلحاظ المبادئ، و إمّا أن يكون بلحاظ عالم الجعل و الاعتبار، و إمّا بلحاظ عالم الامتثال. و لا يخلو الحال في كل تكليفين أدعي التضاد بينهما من رجوع هذا التضاد إلى أحد هذه العوالم الثلاثة.

و من الواضح: أنّ التضاد بين الإنقاذ و الصلاة- مثلًا- لا يمكن أن يفترض رجوعه إلى‏

____________

(1) قال المحقق الخراساني في كفاية الأصول، ص 134:) قلت: ما هو ملاك استحالة طلب الضدين في عرض واحد آت في طلبهما كذلك؛ فإنه و إن لم يكن في مرتبة طلب الأهم اجتماع طلبهما، إلا أنه كان في مرتبة الأمر بغيره اجتماعهما؛ بداهة فعلية الأمر بالأهم في هذه المرتبة، و عدم سقوطه بعد بمجرد المعصية فيما بعد ما لم يعص، أو العزم عليها مع فعلية الأمر بغيره أيضاً؛ لتحقق ما هو شرط فعليته فرضاً»

(2) راجع: فوائد الأصول، ج 1، ص 351، و كذلك ذهب إليه المحقق العراقي، حيث التزم بصحة الترتب و عدم المحذور فيه، فقال في نهاية الأفكار ج 1، ص 375:) بأن مقتضى اناطة أمر المهم بعصيان الأهم قهراً وقوع أمره حسب الاناطة المزبورة في رتبة متأخرة عن العصيان المتأخر عن الأمر بالأهم، و معه يرتفع لا محالة محذور المطاردة بين الأمرين».

275

عالم المبادئ؛ إذ لا محذور في افتراض مصلحة ملزمة و شوق أكيد في كل من الإنقاذ و الصلاة في نفس الوقت، و كذلك لا يمكن أن يفترض رجوعه إلى عالم الجعل و الاعتبار؛ لأن الاعتبار المحض و المجرّد عن أي شي‏ء سهل المئونة، فلن يبقى إلّا أن يفترض رجوعه إلى عالم الامتثال؛ باعتبار أنّ كلًا من التكليفين بقدر ما يحرّك نحو امتثال نفسه، فإنه يبعّد عن امتثال الآخر. فالأمر بالإنقاذ، حيث إنّه يدعو المكلّف و يحرّكه نحو امتثال نفس الإنقاذ، فهو بالمقدار نفسه سوف يكون مبعداً عن امتثال الأمر بالصلاة، نظير من يقف على نقطة في وسط الخط المستقيم المحصور بين نقطتين هما: (أ) و (ب)، فهو بقدر ما يتحرك نحو النقطة (أ) و يقترب منها، تراه قد ابتعد بنفس المقدار عن النقطة (ب)، و من هنا جاءت استحالة طلب الضدين و إيجاب الجمع بينهما.

النقطة الثانية: إن الترتب يعني على الأقل تقييد أحد الضدين بعدم امتثال التكليف بالضد الآخر أو بالبناء على عصيانه، و في هذه الحالة، يكون وجوبه مشروطاً بعدم الاشتغال بالضد الآخر، و إذا كان الأمر كذلك، استحال أن يكون هذا الوجوب المشروط منافياً بفاعليته و محركيته للتكليف بالضد الآخر؛ لأنّه بحسب الفرض مقيّد بعدم امتثاله ذلك الضد، بمعنى: أنّه لا فاعلية و لا محركية له إلّا إذا تحقق شرطه و هو عدم امتثال الضد الآخر؛ لأن عدم امتثال التكليف بالضد الآخر يمثل مقدّمة وجوب للتكليف بضدِّه، و هذا يعني: أن هذا الوجوب مقيد بذلك القيد، و هو العدم، و مع عدم تحقق القيد فلا محركية و لا فاعلية، و إذا كان الأمر كذلك، فلا يعقل أن يكون هذا الوجوب محركاً نحو تلك المقدّمة؛ لأنه لا يحصل إلّا بعد حصولها، و هذا يعني: عدم المنافاة في عالم المحركيّة و الفاعلية بين هذا الوجوب المشروط و بين التكليف بالضد الآخر، الأمر الذي يعني: أنّ عدم امتثال الضد الآخر لا يمكن بأي حالٍ من الأحوال أن يكون مستنداً إلى الأمر بضد التكليف الآخر، و بهذا يتبرهن عدم المنافاة بين هذين التكليفين في عالم‏

المحركية و الامتثال.

النقطة الثالثة: كان الكلام في النقطة السابقة حول أن وجوب أحد الضدين إذا كان مقيداً بعدم امتثال الضد الآخر، و قد تبيّن أن هذا النحو من التقييد لا يصلح لأن يكون مانعاً عن امتثال الضد الآخر، و يقع الكلام في هذه النقطة عن التكليف بالضد الآخر، إذ

276

لا يخلو الحال فيه بين أن يكون هو أيضاً بدوره مقيّداً بعدم امتثال التكليف بضدّه، فيكون كل من التكليفين مقيداً بعدم امتثال ضده الآخر، و بين أن يكون مطلقاً من هذه الناحية، فيكون التقييد من جانبٍ واحدٍ فقط. فعلى الأوّل يستحيل أن يكون هذا الوجوب منافياً للتكليف المشروط الذي يقابله؛ و ذلك بنفس البيان السابق.

و على الثاني- أي: مع كون التكليف بالضد الآخر مطلقاً و ليس مقيداً- يستحيل أن يكون التكليف المطلق منافياً في فاعليته و محركيته للتكليف بالضد الآخر المشروط بحسب الفرض؛ لأنه و إن كان بإطلاقه مانعاً عن التكليف المشروط لأنه مطلوب على كل حال سواء امتثل المكلّف التكليف بالضد الآخر أم لا فيصلح أن يستند إليه عدم امتثال الواجب الآخر، و لكن هذا لا يعني أنّه يدعو إلى عدم امتثاله و بقطع النظر عن امتثال نفسه، بمعنى: أنّه يبعّد عن امتثال الضد الآخر بالنحو الذي يقرّب نحو نفسه لا مطلقاً؛ إذ بقطع النظر عن دعوته لامتثال نفسه لا يكون مبعداً عن امتثال الضد الآخر بأي حالٍ من الأحوال، و عند امتثاله لنفسه، سوف ينفي شرط الوجوب المشروط، و الذي هو عدم امتثال الضد الآخر له بحسب الفرض، الأمر الذي يعني نفيه للوجوب المشروط بنفي موضوعه، فيكون نافياً لأصل الوجوب المشروط بهذا النحو، لا أنه ينفيه مع حفظ أصل الوجوب المشروط و حفظ شرطه، و هذا النحو من النفي لا يأباه الوجوب المشروط؛ لأنه إنما يأبى نفي امتثاله مع حفظ شرطه و نفسه؛ و ذلك لأنّ المشروط لا يدعو إلى الحفاظ على شرطه الذي هو يقتضي وجوده؛ لأنّ المشروط بشي‏ء معين يكون حيادياً من حيث وجود الشرط و عدمه، غاية الأمر، إن تحقق الشرط تحقق المشروط، و إلّا، فلا، و المشروط لا يأبى أن لا يتحقق مع عدم تحقق شرطه، نعم، هو يأبى ذلك لو

تحقّق شرطه‏ (1).

____________

(1) قال المحقق النائيني في فوائد الأصول، ج 1، ص 352:) فخطاب الأهم يقتضى طرد موضوع المهم و رفعه، و أما خطاب المهم، فهو إنما يكون متعرضاً لحال متعلقه و لا تعرض له لحال موضوعه؛ لأن الحكم لا يتكفل حال موضوعه من وضع أو رفع، بل هو حكم على تقدير وجوده و مشروط به، و لا يخرج عن هذا الاشتراط إلى الاطلاق و لو بعد تحقق موضوعه؛ لما عرفت: من أن الواجب المشروط لا يصير مطلقاً بعد تحقق شرطه، فلسان خطاب المهم هو: إنه إن وجد موضوعي و تحقق خارجاً فيجب فعل متعلقي، و لسان خطاب الأهم هو: إنه ينبغى أن لا يوجد موضوع خطاب المهم و أن لا يتحقق، و هذان اللسانان كما ترى ليس بينهما مطاردة و مخالفة، و ليسا في رتبة واحدة، بل خطاب الأهم يكون مقدماً في الرتبة على خطاب المهم؛ لأن خطاب الأهم واقع في الرتبة السابقة على موضوع خطاب المهم السابق عليه، فهو متقدم عليه برتبتين أو ثلاث، و لا يمكن أن ينزل خطاب الأهم عن درجته و يساوى خطاب المهم في الرتبة، و كذا لا يمكن أن يصعد خطاب المهم من درجته و يساوى خطاب الأهم، بل كل منهما يقتضى مرتبة لا يقتضيها الآخر، و مع هذا الاختلاف في الرتبة كيف يعقل أن يكونا في عرض واحد؟».

277

و من خلال هذه المقدّمات الثلاث، يتبرهن أنّ الأمرين بالضدين، إذا كان أحدهما على الأقل مشروطاً بعدم امتثال الأمر بالتكليف بالضد الآخر، فإن ذلك يكفى في إمكان ثبوتهما معاً من دون أي تناف بينهما، و هذا يعني: أن الترتب وحده يكون كافياً لتصحيح الأمرين بالضدين‏ (1).

حكم العقل بأنّ كل وجوب مشروط بشرطين‏ (2):

قوله (قدس) ص 317: «و هكذا نعرف أن العقل يحكم ... الخ».

بعد أن تبيّن من خلال ما تقدم إمكان الأمرين بالضدين على وجه الترتب، و إن مجرّد الأمر لوحده و بقطع النظر عن اشتغال المكلف بامتثاله لا يحول و لا يمنع من توجه الأمر

____________

(1) يمكن أن يقال: إنّ التقريب المذكور و إن كان صالحاً لرفع غائلة التضاد بين التكليفين و اخراجهما من العرضية إلى الطولية، و لكن هذا لا يعالج مشكلة العرضية و لزوم طلب الضدين في جميع مراحل حصولها؛ فإنّ مثل هذا المحذور يمكن تصوّره في مرحلتين:

الأولى: مرحلة جعل و تشريع الحكمين.

الثانية: مرحلة فعلية الحكمين.

و التقييد المذكور إنّما يعالج المشكلة في إطار المرحلة الأولى، و لا يصلح لمعالجتها في إطار المرحلة الثانية؛ فإنّ التكليفين بلحاظ هذه المرحلة يمكن تصوّر فعليتهما معاً في عرض واحد؛ و ذلك فيما لو بنى المكلّف على عصيان الأمر بالأهم و عدم الاشتغال به، فيكون المطلوب الجمع بين الضدّين مع فرض عرضيتهما في هذه المرحلة، فيعود المحذور من جديد؛ لأنّ مجرّد عصيان الأمر بالأهم لا يحول دون فعليته، و هذا المعنى هو الذي كان ينظر إليه صاحب الكفاية عند ما قال بأنّ الترتّب لا يصلح لتصحيح الأمرين بالضدّين‏

(2) ينبغي الالتفات إلى أن هناك نحوين من الشروط بالنسبة إلى كل تكليف، يطلق على أحدهما الشروط الخاصّة، و هي تختلف من تكليف إلى آخر بحسب اشتراطها من قبل الشارع، و يطلق على الآخر الشروط العامة، و هي لا تختص بتكليف دون آخر، و إنما تعم كل التكاليف مهما كان نوعها، و ما نحن فيه من الشروط العامّة.

278

بضده الآخر، و إن الذي يحول دون ذلك، إنما هو اشتغال المكلف بامتثال ذلك الأمر، يتضح- بمقتضى حكم العقل- إن كل وجوب مشروط بشرطين:

أولهما: أن يكون المكلف قادراً تكويناً على امتثاله، بمعنى: أن لا يكون عاجزاً عجزاً تكوينياً عن امتثاله، كما لو كان الواجب يتطلب من المكلف القيام و كان مشلولًا، أو كان يتطلب منه الاستعانة بيديه و كان مقطوع اليدين، و هكذا.

ثانيهما: أن لا يكون المكلف قد ابتلي بالتكليف بالضد الآخر، بمعنى: عدم الاشتغال بامتثاله، كما لو فرض كون المكلف مشتغلًا بامتثال الأمر بإزالة النجاسة عن المسجد؛ فإنه في هذه الحالة سوف يمتنع توجه الأمر بالصلاة إليه، و إنما يصح توجه الأمر إليه بالصلاة في حالة عدم اشتغاله بامتثال الأمر بالإزالة.

و ما دام العقل قد حكم باشتراط الوجوب بهذين الشرطين، فإنّ الوجوب سوف يسقط إذا اختل أحد هذين الشرطين، و معه، سوف يمتنع توجه الأمر إلى المكلّف إذا اختل أحد هذين الشرطين، فلا يصح توجه الأمر بالصلاة من قيام إلى المكلف إذا كان عاجزاً عجزاً تكوينياً عن القيام، كما لو كان مشلولًا، كما لا يصح توجه الأمر بالصلاة إليه إذا كان مشتغلًا بامتثال واجب آخر كإزالة النجاسة عن المسجد مثلًا.

أما إذا كان قادراً قدرة تكوينية على الإتيان بمتعلق الأمر، و لم يكن مشتغلًا فعلًا بامتثال واجب آخر، فإنه يصح توجه الأمر إليه، و هذا هو معنى حكم العقل باشتراط

الوجوب بالقدرة التكوينية و عدم الابتلاء بالاشتغال بامتثال التكليف بالضد الآخر للواجب، و يطلق على مجموع هذين الشرطين القدرة التكوينية بالمعنى الأعم.

خصوصيات التكليف بالضد الآخر الذي يشترط عدم الابتلاء بامتثاله:

قوله (قدس) ص 317: «و لكن لا أي تكليف أخر، بل التكليف ... الخ».

نحن و إن انتهينا في ما سبق إلى أن العقل يحكم بأن كل تكليف مشروط بعدم الاشتغال بامتثال التكليف بالضد الآخر، و لكن هذا لا يعني أن الاشتغال بامتثال التكليف بالضد الآخر مطلقاً- و مهما كانت طبيعة ذلك التكليف و بقطع النظر عن خصوصياته- يصح أن يكون مانعاً من الأمر بالتكليف الآخر، فليس كل تكليف يمنع الاشتغال بامتثاله‏

279

من توجه الأمر بالتكليف الآخر المضاد له، و إنّما هو خصوص التكليف الذي لا يقل في ملاكه أهمية عن ذلك التكليف، سواء تساويا في الأهمية من حيث الملاك، أو كان التكليف المبتلى بالاشتغال بامتثاله أهم ملاكاً من التكليف الآخر، ففي هاتين الصورتين فقط يكون الاشتغال بامتثال التكليف بالضد الآخر مانعاً من توجه الأمر إليه بالتكليف، و أمّا إذا فرض كون التكليف بالضد الآخر أقل أهمية من ناحية الملاك من التكليف الآخر، فلا يكون الاشتغال بامتثاله مبرراً شرعاً لرفع اليد عن الوجوب الأهم ملاكاً منه، بل سوف يكون الوجوب الأهم ملاكاً مطلقاً من حيث الاشتغال بذلك الأمر أو عدم الاشتغال به، و سوف يتوجه إلى المكلف على أي حال، و هذا ما تفرضه أهميته المفترضة (1).

الصيغة العامة للتقييد المذكور:

قوله (قدس) ص 317: «و من هنا نصل إلى صيغة عامة ... الخ».

و بناءً على ما تقدم من بيان خصوصية التكليف الذي يكون مانعاً بامتثاله من توجه‏

تكليف آخر، يمكن لنا أن نصل إلى صيغة عامة للتقييد يفرضها العقل بلحاظ كل تكليف، و هي: أن كل تكليف مقيدٌ عقلًا بعدم الاشتغال بامتثال واجب آخر لا يقل عنه أهمية، لا مجرّد الاشتغال بامتثال أي واجب آخر حتى لو كان أقل أهمية منه.

الترتب تارة يكون من جانب واحد و أخرى من جانبين:

قوله (قدس) ص 317: «و على هذا الأساس إذا وقع ... الخ».

و نتيجة لما تقدّم من كون القيد هو عبارة عن عدم الاشتغال بامتثال خصوص الواجب الآخر الذي لا يقل أهمية من حيث الملاك عن ضدّه الآخر لا مجرد الاشتغال بامتثال أي واجب آخر حتى لو كان أقل أهمية منه، يتضح: أن أحد الواجبين قد يكون مطلقاً و الآخر مقيداً بحسب أهمية الملاك في كل منهما، فحينئذٍ، لمعرفة أنّ أياً من هذين‏

____________

(1) و هذا هو الوجه الذي يبتني عليه استحقاق المكلّف للعقاب و الإدانة عند عدم الاشتغال بامتثال الواجب الأهم، حتى لو اشتغل بالواجب المهم، و كان بإمكان المكلّف أن يتجنّب مثل هذه الادانة و تكلّف مشقّة الاشتغال بالمهم لو اشتغل بامتثال الأهم.

280

الوجوبين يكون وجوبه مطلقاً على نحوٍ يكون متوجها إلى المكلف سواء اشتغل بالتكليف بالضد الآخر أم لا، و أنّ أياً منهما يكون وجوبه مقيداً بحيث يتوجه إلى المكلف في حالة عدم الاشتغال بالتكليف بالضد الآخر و يسقط إذا كان مشتغلًا فعلًا بالتكليف بالضد الآخر، لا بدّ من معرفة النسبة بين الملاكين، و معرفة أنّ أي الملاكين أهم عند الشارع من الآخر؛ لأن الأمر المتقدم- أي الإطلاق و التقييد- مرتبط بذلك كما تقدم بيانه.

فلو وقع التضاد بين واجبين كالصلاة و إنقاذ الغريق، بنحوٍ لا يمكن للمكلّف الجمع بينهما، بحيث لو اشتغل بالصلاة لما تمكن من إنقاذ الغريق، و لو اشتغل بإنقاذ الغريق لفاتته الصلاة، أو بين الصلاة و إزالة النجاسة عن المسجد بالنحو المتقدم أيضاً، فهنا: تارة نفترض أن الملاكين متساويان في الأهمية، بمعنى أن كلًا من الصلاة و إنقاذ الغريق، أو الصلاة و إزالة النجاسة عن المسجد كان بنفس الدرجة من الأهمية عند الشارع، و أخرى نفترض أن أحدهما أهم ملاكاً عند الشارع من الآخر، فإن كانا متساويين في الأهمية، كان الاشتغال بكل منهما مصداقاً لما حكم العقل بأخذ عدمه قيداً في التكليف، فلو اشتغل المكلف بالصلاة و ترك الإنقاذ أو ترك الإزالة، سقط عنه الأمر بالإنقاذ أو بالإزالة، و لو اشتغل بالإنقاذ أو بالإزالة و ترك الصلاة سقط عنه الأمر بالصلاة، و هذا

يعني: أن كلًا من وجوب الصلاة و وجوب الإنقاذ أو الإزالة مشروط بعدم الاشتغال بالآخر على نحو يكون الاشتغال بأحدهما مسقطاً للأمر بالآخر، و في هذه الحالة، يكون المكلف مخيراً عقلًا بالاشتغال بأيهما شاء، و يسمى هذا النحو من الترتب بالترتب من الجانبين، أي: ترتب كل من التكليفين على عدم الاشتغال بالآخر، و الذي يعني: أن الوجوب في كل منهما مقيد بعدم الاشتغال بالآخر.

و أما لو كان أحدهما أهم ملاكاً من الآخر، كان الاشتغال بالأهم مصداقاً لما حكم العقل بأخذ عدمه قيداً في وجوب التكليف، و الذي هو المهم بحسب الفرض، و لكن الاشتغال بالمهم و ترك الأهم لا يكون مصداقاً لما حكم العقل بأخذ عدمه قيداً في التكليف؛ و ذلك لما ذكرناه سابقاً من أن التكليف مشروط بعدم الاشتغال بضده الذي لا يقل عنه أهمية، و ليس مشروطاً بعدم الاشتغال بأي واجب آخر حتى لو كان أقل أهمية

281

منه، و في المقام، لو اشتغل بالأقل أهمية، فلا يكون مصداقاً لما حكم به العقل من التقييد المذكور، و هذا يعني أن وجوب الأهم مطلق و ليس مقيداً، بينما وجوب المهم هو المقيد، و هذا النحو من الترتب يسمى بالترتب من جانب واحد، و هو كون وجوب المهم مترتباً على عدم الاشتغال بالأهم، بينما وجوب الأهم ليس مترتباً على عدم الاشتغال بالمهم، بل هو ثابت مطلقاً، سواء اشتغل بالمهم أم لم يشتغل به.

فلو فرض أن إنقاذ الغريق أو إزالة النجاسة عن المسجد كان أهم ملاكاً من وجوب الصلاة، فهذا يعني: أن وجوب الإنقاذ أو الإزالة مطلق، و أن وجوب الصلاة هو المقيد بعدم الاشتغال بالإنقاذ أو الإزالة، و في هذه الحالة، ينبغي على المكلف الاشتغال بالأهم- و هو الإنقاذ أو الإزالة بحسب الفرض- لكي لا يبتلي بمعصية أحد الأمرين؛ لأنه باشتغاله بالإنقاذ أو الإزالة سوف يسقط وجوب الصلاة؛ لانتفاء قيده و هو عدم الاشتغال بالإنقاذ أو الإزالة؛ لفرض أنه اشتغل بأحدهما، و هذا بخلاف ما لو اشتغل بالصلاة و ترك الإنقاذ أو الإزالة؛ فإنه يعتبر عاصياً بالنسبة إليهما (1).

____________

(1) إن قلت: عرفنا أنّ المتزاحمين إذا كان أحدهما أهم ملاكاً من الآخر يكون التقديم له، بمعنى: تقييد المهم بعدم الاشتغال بالأهم، و لكن، كيف لنا معرفة الأهم منهما و الحال أنّ الملحوظ في ذلك هو نظر المولى؟

كان الجواب: إنّ افتراض كون هذا الملاك أهم من الملاك الآخر و إن كان الملحوظ فيه نظر المولى، و لكن هذا لا يعني عدم إمكان التعرّف عليه؛ فإنّه بمراجعة التشريعات الإلهية و الموارد التي وقعت محلًا لاهتمام الشريعة يمكن الوصول إلى ذلك؛ فإنّه لا يكاد يشك أحد في أنّ وجوب حفظ النفس المؤمنة أهم عند الشارع من فوات صلاة معيّنة فيما لو حصل التزاحم عند المكلّف بين الصلاة و انقاذ مؤمن يشرف على الهلاك بحيث تفوت بانقاذه الصلاة.

إن قلت: إنّ الرجوع إلى الأهمية في مقام ترجيح أحد المتزاحمين على الآخر، إنّما يتم في الموارد التي يمكن فيها تشخيص الأهم منهما، إلّا أنّ هذا لا يتيسر بلحاظ جميع الواجبات التي يحصل بينها التزاحم؛ فإنّ في بعضها قد لا يمكن معرفة ذلك، فما هو الملاك في الترجيح حينئذ؟

كان الجواب: إنّ الأصوليين قد ذكروا جملة من المرجحات في باب التزاحم عند حصوله لا تعود إلى المرجح الأول، و تلك المرجحات هي:

1- ترجيح ما لا بدل له على ما له البدل بنحو التخيير العقلي، كما في التزاحم بين الواجب الموسّع كالصلاة و الواجب المضيّق كإزالة النجاسة عن المسجد.

2- ترجيح ما لا يكون مشروطاً بالقدرة الشرعية المأخوذة في لسان الدليل كما في الحج على ما يكون مشروطاً بالقدرة العقلية.

3- ترجيح ما لا بدل له شرعاً على ما له البدل شرعاً، كما في مورد تزاحم الطهارة المائية و وجوب حفظ النفس من الهلاك كما لو فرض توقفه على شرب الماء الذي عنده مع عدم وجود غيره.

و ذكر المحقق النائيني أنّ هذه المرجحات لا ترجع إلى الترجيح بملاك الأهمية، فقد قال في فوائد الأصول، ج 1، ص 328:) و في هذه المرجحات الثلاثة لا يلاحظ مسألة الأهمية و المهمية».

282

ثمرات كون القدرة التكوينية بالمعنى الأعم شرطاً عاماً في التكليف:

قوله (قدس) ص 318: «و يترتب على ما ذكرناه من كون القدرة ... الخ».

و يترتب على ما ذكرناه- من كون القدرة التكوينية بالمعنى الأعم الشاملة لعدم الابتلاء بالاشتغال بالتكليف بالضد الآخر الذي لا يقل عنه أهمية شرطاً عاماً في كل تكليف بحكم العقل- عدة ثمرات مهمة:

الثمرة الأولى: دخول الواجبين المتضادين في باب التزاحم لا التعارض‏

قوله (قدس) ص 319: «منها: انه كلما وقع التضاد بين واجبين ... الخ».

و مما يترتب على الشرط المتقدم: أنه كلما وقع التضاد بين واجبين- كالإنقاذ و الصلاة

مثلًا- بسبب عجز المكلف و ضيق قدرته عن الجمع بينهما في مقام الامتثال على نحو لو امتثل أحدهما لفاته الآخر، دخل الواجبان المذكوران في باب التزاحم لا باب التعارض؛ و ذلك لأن التعارض هو التنافي بين الجعلين على نحو لا يمكن ثبوتهما معاً، و في المقام لا تعارض بين دليلي وجوب الصلاة و وجوب الإنقاذ؛ لأن مفاد كل من الدليلين جعل الحكم على موضوعه الكلي و ضمن قيوده المقدّرة الوجود، بناءً على كون الأحكام مجعولة على نهج القضايا الحقيقية (1)، و من ضمن تلك القيود المأخوذة في كل تكليف،

____________

(1) قال المحقق النائيني في فوائد الأصول، ج 1، ص 321: «و ليعلم أيضاً أن التزاحم إنما يتحقق بعد البناء على كون الأحكام مجعولة على نهج القضايا الحقيقية. و أما لو قلنا بجعلها على نهج القضايا الخارجية، فالتزاحم غير معقول، بل جميع ذلك يكون من التعارض؛ لأنه يرجع الى امتناع الجعل أيضاً كما لا يخفى وجهه».

و الظاهر أنّ الوجه في ذلك هو: أنّ افتراض كون الأحكام مجعولة على نهج القضايا الخارجية يعني افتراض تحقق كل ما هو دخيل في فعلية التكليف بحيث اقتضى الأمر به؛ إذ لا معنى للافتراض و التقدير في القضايا الخارجية، فيكون الأمر بكل من الضدّين مطلقاً و غير مقيّد في مقام الفعليّة بأيّ قيد، و معه، يكون التضاد بين التكليفين دائمياً لا اتفاقياً، فيمتنع جعلهما معاً، و هذا هو مناط التعارض.

283

هو القدرة التكوينية بالمعنى الأعم، و من الواضح عدم وجود أي تنافٍ بين جعل الشارع لوجوب الصلاة على تقدير كون المكلف قادراً بالقدرة التكوينية بالمعنى الأعم، و بين جعل وجوب الإنقاذ على نفس التقدير المذكور، و ما دام لا يوجد أي تنافٍ بين هذين الجعلين، فلا تعارض بين الدليلين، فلا مانع من أن يجعل المولى وجوب الصلاة المقيد بعدم الاشتغال بالإنقاذ، و يجعل أيضاً وجوب الإنقاذ المقيد بعدم الاشتغال بالصلاة إذا كانا متساويين في الأهمية، أو يجعل وجوب الصلاة المقيد بعدم الاشتغال بالإنقاذ، و يجعل وجوب الإنقاذ مطلقاً إذا كان أهم ملاكاً من وجوب الصلاة.

فإن قيل: كيف لا يوجد تعارض بين دليل: «صلّ» و دليل: «أنقذ الغريق»، و الحال أن الدليل الأول يقتضي بإطلاقه إيجاب الصلاة على المكلف سواء اشتغل بإنقاذ الغريق أو لم يشتغل، و الثاني يقتضي بإطلاقه إيجاب الإنقاذ سواء اشتغل بالصلاة أو لا، الأمر الذي يعني: أن الشارع يكون قد طلب من المكلف الجمع بين الضدين، و هو مستحيل؛

لأنه تكليف بغير المقدور، و هذا يعني: أن دليل «صلّ» يعارض دليل: «أنقذ الغريق»؟!

كان الجواب: إنّ هذا يتم لو التزمنا بالإطلاق في كلا الدليلين، و هذا الالتزام لا معنى له بعد حكم العقل بتقييد كل تكليف بالقدرة التكوينية بالمعنى الأعم، الأمر الذي يعني أن كلًا من الدليلين المذكورين لا إطلاق فيه بحد ذاته لحالة الاشتغال بضده الذي لا يقل عنه أهمية؛ لأنه مقيد عقلًا بعدم ذلك كما تقدم، وعليه، فإن كان الواجبان المشار إليهما متساويين في الأهمية، فلا إطلاق في كل منهما لحالة الاشتغال بالآخر؛ لأن كلًا منهما مقيد بعدم الاشتغال بالآخر، و إن كان أحدهما أهم من الآخر، فلا إطلاق بالنسبة إلى المهم؛ لأنه مقيد عقلًا بعدم الاشتغال بالأهم، نعم، وجوب الأهم يكون هو المطلق، و معه، لا يوجد إطلاقان ليقع التعارض بينهما، كما أنه لا تعارض بين المطلق و المقيّد بهذا النحو من التقييد كما هو واضح، و هذا معنى ما يقال من أنّ باب التزاحم مغاير لباب التعارض، و لا يدخل في ضمنه و لا تطبق عليه قواعده؛ فإن قواعد باب التزاحم غير قواعد باب التعارض؛ فإن لكل منهما قواعده الخاصّة به.

284

عدم انحصار باب التزاحم بالواجبات:

ثم إن التزاحم باعتباره ناشئاً من ضيق قدرة المكلّف عن الجمع بين التكليفين في مقام الامتثال، فهو لا يشترط أن يكون بين واجبين، بل هو شامل لكل تكليفين يعجز المكلّف عن الجمع بينهما في مقام الامتثال، فهو كما يكون بين واجبين يعجز المكلف عن الجمع بينهما كالصلاة و الإنقاذ مثلًا، فكذلك يكون بين واجب و حرام يعجز المكلف عن إيجاد الواجب منهما و ترك الحرام، كما لو فرض توقف إنقاذ الغريق الواجب على التصرّف في أرض الغير بدون إذنه، و الذي هو محرّم شرعاً، بحيث لا يمكن للمكلّف إتيان الواجب بدون الوقوع في الحرام.

الثمرة الثانية: إمكان فعلية كلا الوجوبين في المتزاحمين دون المتعارضين‏

قوله (قدس) ص 320: «و منها: ان القانون الذي تعالج به حالات التزاحم ... الخ».

و هذه الثمرة مترتبة على الثمرة الأولى التي اقتضت أن يدخل الواجبان المتضادان‏

بسبب عجز المكلف عن امتثالهما معاً في باب التزاحم دون باب التعارض، حيث أن قواعد العلاج في باب التزاحم تختلف عنها في باب التعارض؛ فإن القانون الذي تعالج به حالات التزاحم بين واجبين كالصلاة و الإنقاذ- مثلًا- هو تقديم الأهم ملاكاً على غيره؛ باعتبار أن وجوبه مطلق، و وجوب ذلك الغير مقيّد بعدم الاشتغال بالأهم، الأمر الذي يعني: أن الاشتغال بالأهم سوف ينفي موضوعه، و لم يؤخذ عدم الاشتغال بالمهم في موضوع وجوب الأهم، فلا يكون الاشتغال بالمهم نافياً لموضوع وجوب الأهم.

وعليه، فلا بد من تقديم الأهم ملاكاً حتى لا يتورط المكلف في العصيان لأي واحد من الأمرين، هذا إذا كان هناك ما هو أهم ملاكاً من الآخر، و أمّا إذا فرض تساوي الواجبين المتزاحمين في الأهمية، فهذا يعني: أن كلًا منهما مقيدٌ بعدم الاشتغال بالآخر، فعند الاشتغال بأحدهما سوف ينتفي موضوع الآخر، و المكلف في هذه الحالة مخيّر عقلًا في الاشتغال بأي منهما.

و في حالة ترك المكلّف لكلا الواجبين المتزاحمين، فإنه سوف يكون مستحقاً لعقابين؛ و ذلك لفعلية كلا الوجوبين بعد تحقق شرطهما معاً، سواء كان أحدهما أهم من الآخر، أم‏

285

كانا متساويين في الأهمية، و فعليتهما معاً في الفرض الثاني واضحة؛ لأن كلًا منهما قد تحقق شرطه، و هو عدم الاشتغال بالآخر، و أما على الفرض الأول، فإن المطلق- و هو الأهم- وجوبه فعلي على كل تقدير، و أمّا المهم، فقد أصبح فعلياً بترك الاشتغال بالأهم.

و أمّا لو فرض دخولهما في باب التعارض، فمن المستحيل أن يفترض فعليتهما معاً؛ و ذلك لأنّ فعلية أحدهما تنفي بالدلالة الالتزامية فعلية الآخر.

الثمرة الثالثة: التقديم في التزاحم لا يوجب السقوط رأساً بخلافه في التعارض‏

قوله (قدس) ص 321: «و منها: ان تقديم أحد الواجبين في حالات ... الخ».

و يترتب على ما ذكرناه من الثمرة المتقدمة- من أنّ القانون الذي تعالج به حالات التزاحم هو تقديم الأهم ملاكاً على غيره باعتبار أنه مطلق و أن غيره مشروط بعدم الاشتغال بالأهم- إن تقديم أحد الواجبين المتزاحمين بملاك الأهمية في الملاك، لا يعني سقوط الواجب الآخر- و هو المهم- بحسب الفرض رأساً، بل يبقى المهم واجباً

وجوباً منوطاً و مشروطاً بعدم الاشتغال بالواجب الأهم، و هذا ما يسمى بالوجوب الترتبي، حيث أنّ وجوب المهم مترتب على عدم الاشتغال بالأهم و في طوله، فلو فرض وقوع التزاحم عند المكلف بين إنقاذ الغريق و الصلاة في وقتها، و كان الإنقاذ أهم ملاكاً من الصلاة، فإنه في هذه الحالة و إن كان الإنقاذ مقدّماً على وجوب الصلاة باعتباره أهم ملاكاً منه، و لكن هذا لا يعني سقوط الأمر بالصلاة لمجرد تقديم الإنقاذ عليها، بل يبقى وجوب الصلاة منوطاً بعدم الاشتغال فعلًا بالإنقاذ، فمجرد التقديم لا ينفي وجوب الصلاة، بل لا بد من الاشتغال بالأهم- و هو الإنقاذ- حتى ينتفي الأمر بالصلاة.

و هذا النحو من الترتب لا يحتاج في إثباته إلى دليل خاص غير دليل الأمر بالصلاة، بل يكفي لإثباته نفس الدليل العام- و هو دليل الأمر بالصلاة- لأن مفاده وجوب الصلاة المشروط بعدم الاشتغال بالإنقاذ، و لا نعني بالوجوب الترتبي إلّا كونه منوطاً بعدم الاشتغال بواجب آخر لا يقل عنه أهمية.

فالوجوب الترتبي للصلاة ثابت و باقٍ ما لم يشتغل المكلف بالإنقاذ و إن كان الإنقاذ هو المقدّم لكونه الأهم ملاكاً من الصلاة بحسب الفرض. و هذا بخلاف باب التعارض؛

286

فإن تقديم أحد المتعارضين يوجب سقوط الآخر رأساً سواء اشتغل بامتثال ما وجب تقديمه أم لا (1).

و يترتب على هذه الثمرة، أنه لو تزاحمت عند المكلّف الصلاة مع واجب آخر أهم منها كإنقاذ الغريق، بحيث لو اشتغل بالإنقاذ لفاتته الصلاة في وقتها، و فرض أن المكلف قد اشتغل بالصلاة بدلًا من الإنقاذ، فإنّ صلاته في هذه الحالة تكون صحيحة؛ لأنه مأمور بها بالأمر الترتبي، و هو أمر ثابت فعلًا في حق من لم يشتغل فعلًا بامتثال الأهم- و هو الإنقاذ بحسب الفرض- نعم، يكون المكلف عاصياً من جهة الأمر بالإنقاذ، الذي هو مطلق بحسب الفرض لمكان أهميته، و هذه الثمرة إحدى نتائج تصحيح الأمرين بالضدين على وجه الترتب.

و أما لو أخذنا بوجهة نظر صاحب الكفاية الذي منع من توجه الأمرين بالضدين و لو على وجه الترتب، و ذهب إلى أن مجرد توجه الأمر بأحد الضدين يكون مانعاً من توجه الأمر بالضد الآخر، فسوف يصعب تصحيح الصلاة في الحالة المذكورة؛ إذ لا أمر بها؛ لفرض سقوط الأمر على هذا الوجه بمجرد توجه الأمر بالإنقاذ إلى المكلف، و من الواضح: أن الإتيان بفعل لا أمر به لا يقع صحيحاً و لا يعد امتثالًا؛ لأن الامتثال فرع الأمر كما هو واضح، فصحة هذه الصلاة فرع ثبوت الأمر بها، و لا أمر بها و لو على وجه‏

____________

(1) و الوجه في ذلك، هو: أنّ المتعارضين يعلم بعدم ثبوتهما معاً بحيث لا يمكن افتراض ثبوت هذا التكليف مع افتراض ثبوت الآخر، الأمر الذي يعني بالضرورة أنّ ثبوت أحدهما يقتضي نفي الآخر، فبتقديم أحدهما ينتفي التكليف الآخر لا محالة؛ لأنّ معنى التقديم، هو: أنّ الثابت هذا التكليف لا ذاك، و لا يوجد في البين إلا تكليف واحد، و هذا المعنى لا علاقة له- لا من قريب و لا من بعيد- بامتثال المكلّف لهذا التكليف أو عدم امتثاله.

و هذا بخلاف باب التزاحم؛ فإنّه يوجد عندنا تكليفان، غاية الأمر أنّ فعلية أحدهما- و هو المهم- منوطة بعدم الاشتغال بالآخر- و هو الأهم- و مجرّد افتراض أنّ هذا التكليف أو ذاك هو الأهم و تقديمه على غيره بمعنى عدم اشتراط فعليته بعدم الاشتغال بالمهم، لا يعني بأي وجه من الوجوه سقوط المهم؛ لأنه في ثبوته لم يكن منوطاً بعدم ثبوت الأهم، بل غاية ما في المقام أنّ فعليته منوطة بعدم الاشتغال بالأهم، فإذا لم يشتغل بالأهم و بنى على عصيانه، أصبح وجوب الأهم فعلياً، فسقوطه متوقف على الاشتغال بالأهم.

287

الترتب بحسب الفرض، فلا تقع صحيحة (1).

إن قيل: إن عدم صحة الامتثال مع عدم وجود الأمر، إنما هو فيما لو لم يكن هناك أمر أصلًا، لا فيما إذا سقط الأمر لمانع كما نحنُ فيه؛ فإنه يكفي في صحتها وفاؤها بالملاك.

كان الجواب: إنّ هذا يتم فيما لو أحرزنا بقاء الملاك بعد افتراض سقوط الأمر لمانع، و لكن، من أين لنا إحراز ذلك فيما نحن فيه؟ إذ الكاشف عن الملاك هو وجود الأمر؛ باعتبار أنه مدلول التزامي للأمر، فحيث سقط الأمر بحسب الفرض، فلا دليل‏ (2) على وجود الملاك، و لا كاشف عن بقائه، و لا مانع في المقام من افتراض سقوط الملاك مع سقوط الأمر.

____________

(1) و من تطبيقات هذه المسألة ما ذكره السيد الخوئي في كتاب الصوم، ج 1، ص 23، فيما لو قصد الملتفت إلى أن غداً من رمضان و هو مكلف به، صوماً آخر، من قضاء، أو كفارة، و نحوهما، سواء كان عالماً بتعين رمضان عليه أم جاهلًا بذلك، حيث قال: «و أما بالنسبة إلى الصوم الآخر الذي قصده، فالمشهور و المعروف هو عدم الصحة، بل قد ادعي الاجماع و التسالم على أن شهر رمضان لا يقبل صوماً غيره، و لكن، من المحتمل، بل المظنون، بل المقطوع به، و لا أقل من الاطمئنان، أن اكثر من ذهب إلى ذلك، إنما ذهبوا بناء منهم على امتناع الأمر بالضدين، فانه مأمور بالصيام من رمضان على الفرض فكيف يؤمر في عين الحال بصوم آخر مضاد له، سواء قلنا بأن الأمر بالشي‏ء يقتضي النهي عن ضده أم لا.

أما على الأول فواضح، و كذا على الثاني؛ اذ لا أقل من عدم الأمر كما ذكره شيخنا البهائي فتفسد العبادة من أجل عدم الأمر بها.

و لكن، بناء على ما سلكناه في الأصول، و سلكه من سبقنا من جواز الأمر بالضدين على سبيل الترتب- بأن يؤمر بأحدهما مطلقاً، و بالآخر على تقدير ترك الاول من غير أي محذور فيه حسبما فصلنا القول فيه في محله، و شيدنا تبعاً لشيخنا الاستاد (قده) أساسه و بنيانه- كان مقتضي القاعدة هو الحكم بالصحة في المقام: بأن يؤمر أولًا بصوم رمضان، ثم بغيره على تقدير تركه، فإن هذا ممكن في نفسه حتى على القول بأن الأمر بالشي‏ء يقتضي النهي عن ضده فضلًا عن عدمه؛ إذ هو نهي غيري لا يقتضي الفساد بوجه، و قد أشرنا في محله إلى أن إمكانه مساوق لوقوعه من غير حاجة إلى التماس دليل بالخصوص»

(2) قوله (قدس سره): «لا دليل على وجود الملاك»، للإشارة إلى أننا لا نقول بضرورة سقوط الملاك مع سقوط الأمر بسبب التضاد، فلربما كان الملاك باقياً و لكن هذا لا ينفع في تصحيح الصلاة؛ إذ لم يحرز وجود الملاك في هذه الحالة، و الذي هو المناط في التصحيح بحسب الفرض.

288

تحديد نوع الضد الذي أخذ عدم الاشتغال به قيداً في التكليف:

قوله (قدس) ص 322: «عرفنا أن الأمر بشي‏ء مقيد عقلًا ... الخ».

قد تبيّن من جميع ما تقدم، أنّ الأمر بشي‏ء مقيد عقلًا بعدم الاشتغال بضده الذي لا يقل عنه أهمية، بحيث يمتنع عقلًا توجه الأمر بذلك الشي‏ء إلى المكلف إذا كان مشتغلًا فعلًا بامتثال واجب آخر لا يقل عن ذلك أهمية، و السبب في ذلك يعود إلى ضيق قدرة المكلف عن امتثاله في الوقت الذي هو مشغولٌ فعلًا بامتثال غيره، و لا معنى لتوجه الأمر إليه إذا كان غير قادر على امتثاله، و يترتب على ذلك التقييد: أنّ وقوع التضاد بين واجبين بسبب عجز المكلف و عدم قدرته على الجمع بينهما، يؤدي إلى تزاحمها لا إلى التعارض بين دليليهما؛ لعدم التنافي بين جعليهما في مثل تلك الحالة، و هذا يعني: أن المناط في التزاحم بين تكليفين، هو عبارة عن: ضيق قدرة المكلف عن الجمع بينهما في‏

مقام الامتثال، و من هنا حكم العقل بأن كل تكليف مشروط بعدم الاشتغال بضدّه الذي لا يقل عنه أهميّة، و حيث أن التضاد بين التكليفين الناشئ من عجز المكلف عن الجمع بينهما في مقام الامتثال يمكن تصوره على ثلاثة أنحاء، فلا بد من تحديد المراد من الضد الذي أخذ عدم الاشتغال به قيداً في التكليف؛ لأنه ليس كل ضدّ قابل لأن يؤخذ عدم الاشتغال به قيداً في التكليف.

ثلاثة أنحاء للتضاد الذي يمكن تصوره في المقام:

إن للتضاد في المقام ثلاثة أنحاء:

النحو الأول: التضاد بين الفعل و الترك، أي: التضاد بين الشي‏ء و نقيضه، كالتضاد بين وجوب الصلاة و وجوب تركها أو حرمة فعلها؛ فإنّ المكلف عاجز عن الجمع بين هذين التكليفين في مقام الامتثال كما هو واضح.

النحو الثاني: التضاد بين أمرين وجوديين لا ثالث لهما، بحيث يلزم من عدم أحدهما وجود الآخر.

النحو الثالث: التضاد بين أمرين وجوديين لهما ثالث على نحو لا يلزم من عدم أحدهما وجود الآخر لاحتمال أن يوجد الضد الثالث، كالتضاد بين السواد و البياض؛

289

فإنه لا يلزم من عدم سواد الورقة كونها بيضاء؛ لاحتمال أن تكون صفراء مثلًا.

ففي جميع هذه الأنحاء الثلاثة من التضاد، نجد أن المكلّف عاجز عن الجمع بين الضدين، فهو عاجز عن الجمع بين الشي‏ء و نقيضه، كما أنه عاجز عن الجمع بين الضدين الذين لا ثالث لهما، كما أنه عاجز أيضاً عن الجمع بين الضدين اللذين لهما ثالث، فهل هذا يعني أن هذا العجز- و في جميع هذه الأنحاء- يكون موجباً لحصول التزاحم على نحو يكون كل من التكليفين مقيّداً بعدم الاشتغال بالآخر الذي لا يقل عنه أهميته، أم أن التزاحم بين التكليفين إنما يكون في بعضها دون البعض الآخر لعدم إمكان تصوره في ذلك البعض الآخر؟

ما هو الضد الذي أخذ عدم الاشتغال به قيداً في التكليف؟

قوله (قدس) ص 323: «و الجواب أننا نريد بذلك حالات ... الخ».

و الجواب: هو أن التزاحم الموجب لتقييد الأمر بأحد الضدين بعدم الاشتغال بضده الآخر، لا ينطبق على النحو الأول من التضاد أي: الضد العام، بمعنى: نقيض الشي‏ء على نحو يكون الأمر بأحد النقيضين مقيداً بعدم الاشتغال بنقيضه؛ فإنّ مثل هذا النحو من التقييد مستحيل؛ و ذلك لأن فرض عدم الاشتغال بالنقيض يساوق ثبوت نقيضه؛ لعدم خلو صفحة الوجود من أحد النقيضين، فيكون الأمر به حينئذٍ تحصيلًا لما هو حاصل، و هو محال.

و من هنا نعرف أن النقيضين- أي: الفعل و الترك- لا يمكن الأمر بكل منهما بحيث يؤمر بالفعل في عين الوقت الذي يؤمر فيه بالترك، لا مطلقاً، و لا مقيداً بعدم الاشتغال بالآخر، أما الأول، فلأنه تكليف بغير المقدور؛ إذ معناه طلب الجمع بين النقيضين، و هو مستحيل، و أما الثاني؛ فلأنه تحصيل للحاصل كما تقدم.

و يترتب على ذلك، أنه إذا دل الدليل على وجوب فعل، و دل الآخر على وجوب تركه أو حرمة فعله، كان الدليلان متعارضين؛ لأن التنافي حينئذٍ يكون بين الجعلين ذاتيهما لا مجرّد التنافي بينهما في مقام الامتثال كما هو واضح، حيث أن كلًا من الجعلين ينفي بالدلالة الالتزامية الجعل الآخر، و هذا هو ملاك التعارض.

290

كما أنه لا ينطبق على النحو الثاني من التضاد- أي: الضدين اللذين لا ثالث لهما- لنفس البرهان المتقدم في النقيضين، حيث إنّ عدم الاشتغال بأحدهما يساوق ثبوت الآخر و وجوده، و حالهما في ذلك حال النقيضين.

وعليه، ينحصر الضد الذي أخذ عدم الاشتغال به قيداً في التكليف بالنحو الأخير من التضاد، و هو الضد الخاص الذي له ثالث.

و خلاصة الأمر: أن التقييد المذكور لا يشمل الضد العام- أي: النقيض- و لا الضد الخاص من الضدين اللذين لا ثالث لهما، بل هو مختص بالضد الخاص من الضدين اللذين لهما ثالث في صفحة الوجود (1).

و يترتب على ذلك، أن عجز المكلّف عن الجمع بين واجبين، إنما يحقق التزاحم لا التعارض فيما إذا لم يكونا من قبيل النقيضين، و لا الضدين اللذين لا ثالث لهما، و إلّا، فلو كانا من هذا القبيل، لدخلت المسألة في باب التعارض.

ثبوت التزاحم و انتفاء التعارض منوط بإمكان الترتب:

قوله (قدس) ص 324: «و يمكننا أن نستنتج من ذلك أن ثبوت التزاحم ... الخ».

و بناءً على ما تقدم، يمكن أن نستنتج أنّ ثبوت التزاحم و انتفاء التعارض مرهون و منوط بإمكان الترتب، سواء من جانب واحد، أو من الجانبين، الذي يعني: كون أحد الأمرين أو كلاهما مشروط بعدم الاشتغال بمتعلق الآخر، وعليه، فكلما أمكن الترتب بين واجبين صحّ التزاحم بينهما، و كلما امتنع الترتب بينهما- كما في النقيضين أو الضدين اللذين لا ثالث لهما- امتنع التزاحم و وقع التعارض بين دليليهما.

____________

(1) قال السيد الخوئي في كتاب الصلاة، ج 3، ص 333: «و أما الذي يدور أمره بين الوجود و العدم، كالنقيضين، أو الضدين اللذين لا ثالث لهما، فلا يعقل فيه الترتب؛ إذ فرض عدم أحدهما مساوق لفرض وجود الآخر، و معه، لا معنى لتعلق الأمر، فكما لا يمكن أن يقال:) افعل و إلا فلا تفعل»، أو:) تحرك و إلا فاسكن أو بالعكس»؛ لأن وجود أحدهما في ظرف عدم الآخر ضروري لا يصح تعلق التكليف به».

291

2- إطلاق الواجب لحالة المزاحمة

التزاحم بين واجبين يتصور على نحوين:

قوله (قدس) ص 324: «قد تكون المزاحمة قائمة بين ... الخ».

إن التزاحم بين واجبين يعجز المكلف عن امتثالهما معاً في آنٍ واحد، يمكن تصويره على نحوين:

الأول: أن يقع التزاحم بين واجبين- كوجوب الصلاة و وجوب إزالة النجاسة عن المسجد- على نحو يدور الأمر بين امتثال الأمر بالصلاة أو امتثال الأمر بالإزالة، بحيث لو اشتغل بالإزالة لما تمكن من امتثال الأمر بالصلاة أداءً، لا في هذا الوقت و لا في غيره، كما لو كان وقت الصلاة مضيقاً على نحو لو اشتغل المكلف بامتثال الأمر بإزالة النجاسة عن المسجد لفاتته الصلاة في ضمن وقتها المحدد لها، كما لو دخل المكلّف إلى المسجد في آخر وقت الصلاة بحيث لو اشتغل بغيرها لفاتته، و رأى في هذه الحالة نجاسة في المسجد، فإنه لو اشتغل بامتثال الأمر بالإزالة و قام بإزالة النجاسة عن المسجد لم يتمكن من أداء الصلاة في وقتها.

الثاني: أن يقع التزاحم بين واجبين- كوجوب الصلاة و وجوب الإزالة- على نحو لو اشتغل بامتثال الأمر بالإزالة لكان متمكناً من امتثال الأمر بالصلاة في الآن الثاني المتعقب لوقت إزالة النجاسة عن المسجد، كما لو كان وقت الصلاة موسعاً، كأن يكون المكلف قد دخل المسجد في أول وقت صلاة الصبح- و هو الفجر- و وجد نجاسة في المسجد، فإنه في هذه الحالة لو اشتغل بإزالة النجاسة عن المسجد لتمكن من أداء صلاة الصبح في الوقت اللاحق داخل الوقت، نعم، المزاحمة سوف تكون بين إزالة النجاسة و حصة خاصة من حصص الصلاة الواجبة، و هي الحصّة التي تكون في وقت الإزالة فقط، بمعنى: وقوع التزاحم بين أحد الواجبين- و هو الإزالة في المثال المتقدم- و بين حصة

292

معيّنة من حصص الواجب الآخر- و هو الصلاة-، ففي مثل هذه الحالة، يكون بإمكان المكلّف أن يزيل النجاسة عن المسجد فيكون ممتثلًا للأمر بالإزالة، ثم يصلي بعد ذلك فيكون ممتثلًا أيضاً للأمر بالصلاة، غاية الأمر، سوف يفوته أداء الصلاة في أول وقتها.

و نحنُ كنا نتكلم في البحوث السابقة عن النحو الأول من النحوين المتقدمين من التزاحم بين الواجبين.

وقوع الخلاف في النحو الثاني من التزاحم على قولين:

قوله (قدس) ص 325: «و أما الحالة الثانية فقد يقال أنه لا مزاحمة ... الخ».

و أما بالنسبة إلى النحو الثاني من النحوين المتقدمين للتزاحم، فقد وقع الخلاف فيه على قولين‏ (1):

الأول: القول بعدم التزاحم بينهما

و القول الأول هو: أنه لا مزاحمة بين الأمر بالصلاة و الأمر بالإزالة ما دام المكلّف متمكناً من امتثالهما معاً، بحيث يزيل النجاسة عن المسجد و يكون ممتثلًا للأمر بالإزالة، ثم يصلي و يكون ممتثلًا للأمر بالصلاة؛ فإنّ التزاحم بين واجبين إنّما يكون بملاك عدم قدرة المكلف على امتثالهما معاً على نحو يدور أمره بين امتثال هذا الواجب أو ذاك، وعليه، فما دام الجمع بين الامتثالين ممكناً- كما فيما نحنُ فيه- فلا تزاحم؛ فإن الأمر بالصلاة متعلق بطبيعي الصلاة، الجامع بين الحصة المزاحمة و غيرها من الحصص الأخرى، و المكلف في هذه الحالة قادر على إيجاد طبيعي الصلاة و لو بحصة أخرى غير الحصة المزاحمة للإزالة، و قادر على إيجاد الإزالة أيضاً، و هذا يعني: أن كلا الأمرين- أي: الأمر بالصلاة و الأمر بالإزالة- يلائم الآخر.

و يترتب على ذلك: أن المكلّف لو ترك الاشتغال بإزالة النجاسة عن المسجد و صلّى في ذلك الوقت، لكانت صلاته صحيحة؛ لأنّه قد أتى بفردٍ من أفراد الواجب المأمور به‏

____________

(1) و ينعكس هذا الخلاف بين الأصوليين في اشتراط وجود المندوحة و عدم اشتراطه في تحقق التزاحم، فمن اشترط عدم وجود المندوحة في التزاحم فلا مزاحمة عنده في المقام، و من لم يشترط ذلك فإنّه يذهب إلى القول بالتزاحم و لو بلحاظ الحصّة المزاحمة.

293

فعلًا، غاية الأمر، يكون عاصياً بسبب تأخيره لامتثال الأمر بالإزالة الذي يقتضي الفورية بحسب الفرض‏ (1).

الثاني: وقوع التزاحم بين أحد الواجبين و إطلاق الآخر للحصة المزاحمة

و في مقابل القول الأول، هناك من ذهب إلى القول بأنّ المكلّف و إن كان قادراً على امتثال كلا الواجبين في وقتين متعاقبين بحيث يتمكن من إزالة النجاسة عن المسجد أولًا ثم يذهب ليصلي ثانياً، و لكن هذا لا ينفي التزاحم بينهما؛ لأنّ الأمر بالصلاة مطلق، و هو شامل بإطلاقه للحصة المزاحمة للإزالة، الأمر الذي يعني: ضيق قدرة المكلف عن الجمع بين امتثال الإزالة و امتثال الأمر بالصلاة و لو بهذه الحصة المزاحمة للإزالة، و هذا هو ملاك التزاحم بين واجبين معينين، و هذا يعني: أن الأمر بالإزالة لا يتلاءم مع إطلاق الأمر بالصلاة للحصة المزاحمة للإزالة في وقتٍ واحد.

الصحيح في هذه المسألة:

قوله (قدس) ص 325: «و الصحيح أن يقال: إنّ لهذه المسألة ... الخ».

إنّ معرفة القول الصحيح في هذه المسألة، من حيث وقوع التزاحم بين واجبين أحدهما موسع- كالصلاة- و الآخر فوري و مضيق- كإزالة النجاسة عن المسجد عند ما يبتلي بها المكلف في أول وقت الصلاة- أو عدم وقوع التزاحم بينهما، يرتبط ارتباطاً وثيقاً بتحديد الموقف من مسألة سابقة قد تقدمت، و هي: مسألة إمكان التكليف بالجامع بين المقدور و غير المقدور أو عدم إمكانه، فيتوجه التكليف إلى خصوص الحصة المقدورة من ذلك الجامع و لا يشمل غير المقدور فيهما.

____________

(1) إن قلت: إنّ الأمر بالإزالة باق على حاله، و بإمكان المكلّف في مثل تلك الحالة أن يمتثله في الآن المتعقّب لفعل الصلاة؛ لفرض بقاء النجاسة، فلما ذا يفرض عصيانه لو اشتغل بالصلاة و ترك الإزالة في الآن الأول؟

كان الجواب: إنّ المكلّف- في الفرض المذكور- و إن كان متمكناً من امتثال الأمر بالإزالة في الآن الثاني المتعقب للصلاة، إلا أنّ هذا ليس امتثالًا لنفس الأمر الذي توجّه إليه في الآن الأول، و إنّما هو امتثال لأمر جديد؛ فإنّ الأمر في الواجبات الفورية يتعدد بتعدد الآنات ما دام موضوعه باقياً، فالمكلّف الذي اشتغل بالصلاة و ترك امتثال الأمر بالإزالة في ذلك الآن، يكون عاصياً بالنسبة إلى ذلك الأمر.

294

و الوجه في توقف مسألتنا المطروحة للبحث على تلك المسألة، هو: أنّ الحصة المزاحمة للإزالة، سوف تصبح غير مقدورة للمكلف بسبب المزاحمة، و حينئذٍ، فإن أخذنا في تلك المسألة بوجهة نظر المحقق النائيني القائل بامتناع التكليف بالجامع بين المقدور و غير المقدور، و أخذنا القدرة التكوينية بالمعنى الأعم المشتمل على عدم الاشتغال بامتثال واجب مزاحم لا يقل عنه أهمية، كان معنى ذلك: أن التكليف بجامع الصلاة على نحو يشمل الحصة المزاحمة للإزالة و غيرها من الحصص الأخرى ممتنع أيضاً؛ لأنّه من التكليف بالجامع بين المقدور و غير المقدور؛ إذ أن الحصة المزاحمة للإزالة تصبح غير مقدورة للمكلّف إذا اشتغل فعلًا بامتثال الأمر بالإزالة، و نتيجة لذلك، سوف يقع التزاحم بين الأمر بجامع الصلاة الشامل للحصة المزاحمة للإزالة و بين الأمر بالإزالة، و مقتضى ذلك، هو: الرجوع إلى قواعد علاج باب التزاحم، و هو تقديم الأهم ملاكاً على الأقل أهمية منهما، و حيث إن الأمر بالإزالة أهم ملاكاً عند الشارع من الصلاة لأنه يقتضي الفوريّة و ينحصر امتثاله بذلك الزمان- على نحوٍ يكون عاصياً لو أخره إلى الآن الثاني، و إن كان سيتوجّه إليه الأمر أيضاً في الآن الثاني، و هكذا- فسوف يكون مقدماً على الأمر بالصلاة، و هذا بخلاف الأمر بجامع الصلاة؛ فإن استيفاء الجامع و تحقيقه لا ينحصر بالحصة المزاحمة للإزالة و لا يكون عاصياً لو أوجده بالحصة الثانية في الآن الثاني المتحقق بعد الإزالة، فإنّ المكلّف مخير عقلًا في إيجاد الجامع بأي حصة من حصصه؛ لأنّ ذلك مقتضى الإطلاق البدلي في متعلق الأمر بالصلاة، و هذا يعني: أن الأمر بالجامع يكون منوطاً و مقيداً بعدم الابتلاء بالإزالة الواجبة.

و حينئذٍ، فإن فسرنا عدم الابتلاء بمجرد عدم الأمر كما هو مذهب صاحب الكفاية، كان معنى ذلك: أن الأمر بالإزالة بنفس وجوده و بقطع النظر عن امتثاله يكون مانعاً من توجه الأمر بالصلاة للحصة المزاحمة للإزالة، وعليه فلو ترك المكلّف الإزالة و صلّى في ذلك الوقت فلن تقع صلاته صحيحة؛ لأنها غير مأمور بها بحسب الفرض، فلا يعتبر ما أتى به المكلف امتثالًا؛ لأن الامتثال فرع الأمر، و هو منتفٍ في المقام.

و إن فسرنا عدم الابتلاء بعدم الاشتغال بامتثال الأمر لا مجرد عدم وجود الأمر بالمزاحم كما هو الصحيح كما تقدّم، كان معنى ذلك أنّ الأمر بالجامع الشامل للحصة

295

المزاحمة للإزالة ثابت على نحو الترتب، و منوط بعدم الاشتغال بالإزالة، فلو ترك المكلف امتثال الأمر بالإزالة و صلّى في ذلك الوقت، كانت صلاته صحيحة؛ لأنه مأمور بها بالأمر الترتبي.

و أما لو أخذنا بوجهة نظر المحقق الكركي القائل بإمكان التكليف بالجامع بين المقدور و غير المقدور، فلا تزاحم بين الأمر بالجامع و الأمر بالإزالة، وعليه، فلو ترك المكلّف الإزالة و صلى في ذلك الوقت، لوقعت صلاته صحيحة، سواء قلنا بالترتب، أم أنكرنا ذلك كما عليه صاحب الكفاية، أي: سواء فسرنا عدم الابتلاء بعدم الاشتغال بامتثال الواجب الآخر، أم فسرناه بمجرّد عدم الأمر.

296

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

297

3- التقييد بعدم المانع الشرعي‏

التزاحم بين واجبين بلحاظ المانع الشرعي يمكن تصويره على نحوين:

قوله (قدس) ص 326: «قلنا إن القانون المتّبع في ... الخ».

إنّ وقوع التزاحم بين واجبين شرعيين، يمكن تصويره- بلحاظ اشتراط أحدهما أو كلاهما بعدم المانع الشرعي أو عدم اشتراطه بذلك- على نحوين:

النحو الأول: أن يقع التزاحم بين واجبين شرعيين من دون أن يكون أحدهما أو كلًا منهما مشروطاً شرعاً بعدم وجود الحكم الشرعي الآخر على خلافه، كما هو الحال في مثل وجوب الصلاة و وجوب الإزالة؛ فإنّ الشارع لم يشترط بلسان الدليل في أحدهما أو في كل منهما عدم وجود الحكم الشرعي الآخر، فلم يقيّد وجوب الصلاة بعدم وجوب الإزالة، و لا العكس‏ (1).

____________

(1) إن قلت: إنّ تقييد التكليف بعدم الابتلاء بالأمر بضده، و الذي تقدم البحث عنه سابقاً، هو من التقييد بعدم المانع الشرعي؛ لأنّ الأمر بالضد من المانع الشرعي كما هو واضح؛ إذ لو لا أمر الشارع، لما عجز المكلف عن امتثال الواجب الآخر، و إذا كان الأمر كذلك، فما الداعي إلى تكرار هذا البحث في المقام من جديد؟

كان الجواب: إنّ الفرق بين هذا البحث و البحث السابق يكمن في جهتين:

الأولى: إنّ التقييد في البحث السابق كان مستفاداً من حكم العقل، بينما التقييد في هذا البحث مستفاد من لسان الدليل، سواء كان ذلك بنحو القرينة المتصلة، أم كان بنحو القرينة المنفصلة، و يترتب على هذا الفرق أنّ تطبيق القيد على هذا الواجب أو ذاك، بمعنى: تقييد هذا أو ذاك، يتوقف على تحديد الأهم من الملاكين في رتبة سابقة، لكي يتم تقييد المهم بعدم الابتلاء بضده، بينما تحديد المقيّد في هذا البحث معلوم من نفس لسان الدليل، فلا توجد أي مشكلة من ناحية تحديد المقيّد منهما لكي نبحث عن الأهم و المهم من التكليفين.

الثانية: إنّ التقييد بعدم الابتلاء بالأمر بضد التكليف، و إن كان يطلق عليه أحياناً التقييد بعدم المانع الشرعي، و لكن هذا الاطلاق إنما يصح فيما لو فسرنا عدم الابتلاء بعدم الأمر، و لا يصح لو فسرنا عدم الابتلاء بعدم الاشتغال؛ لأنه على هذا يكون من المانع التكويني و إن كان سببه شرعياً، و لذلك أطلق عليه السيد الشهيد القدرة التكوينية بالمعنى الأعم، و هذا بخلاف ما نحن فيه فإنّ نفس التكليف بوجوده- و بقطع النظر عن الاشتغال به- يكون مانعاً عن التكليف الآخر، و لأجل ذلك يكون مانعاً شرعياً، فيكون التقييد بعدمه من التقييد بعدم المانع الشرعي. و لأجل ما تقدم من الفرق بين المسألتين، تم البحث في كل منهما بشكل مستقل عن الأخرى.

298

النحو الثاني: أن يقع التزاحم بين واجبين شرعيين على نحو يكون أحدهما أو كلًا منهما مشروطاً شرعاً بعدم وجود الحكم الآخر، كما لو وقع التزاحم بين وجوب الحج و وجوب الوفاء بالشرط على نحو لو التزم بوجوب الوفاء بالشرط لما تمكن من امتثال وجوب الحج؛ فإن وجوب الوفاء بالشرط مقيد شرعاً بعدم وجود حكم شرعي على خلافه.

و كلا هذين النحوين من التزاحم يؤدي إلى عجز المكلف عن امتثال الواجبين معاً، و سوف يقع التزاحم في مقام الامتثال بين الواجبين، سواء كانا من النحو الأول أم من النحو الثاني، و قد قلنا فيما سبق: إن القانون المتبع في علاج حالات التزاحم هو قانون الترجيح للأهم ملاكاً، بمعنى: أن يكون وجوبه مطلقاً و وجوب المهم هو المقيّد بعدم الاشتغال بالأهم.

و السؤال الذي يطرح نفسه في المقام، هو: هل أنّ هذا القانون يجري في كلا النحوين المتقدّمين من التزاحم، بحيث ينظر إلى الأهم ملاكاً منهما فيقدّم على صاحبه، أم أنّه يجري فقط في أحد النحوين دون الآخر؟

و الجواب على السؤال المتقدم، هو: إنّ الترجيح بملاك الأهمية، إنما يجري في خصوص الواجبين المتزاحمين من النحو الأول- أي: الواجبين اللذين لم يفرض فيهما تقييد زائد على ما استقل به العقل من اشتراط، و هو عدم الاشتغال بامتثال واجب آخر لا يقل عنه أهمية، و الذي عبّرنا عنه بالقدرة التكوينية بالمعنى الأعم- و أما في النحو الثاني من النحوين المتقدمين، فلا مجال‏ (1) لمثل هذا القانون، بل المتبع في مثل هذه الحالة،

____________

(1) بل يمكن أن يقال: إنّه لا موضوع أصلًا لمثل هذا القانون في المقام؛ لأنّ موضوعه و مورده هو وجود ملاكين و ملاحظة النسبة بينهما، و سوف يتبيّن أنه لا ملاك أصلًا للمشروط بعدم وجود حكم شرعي على خلافه فيما لو وجد ذلك الحكم الشرعي، فلن يوجد ملاكان فعليان حتى تلاحظ النسبة بينهما، بل لا يوجد إلا ملاك فعلي واحد هو ملاك التكليف غير المقيّد منهما، كما سوف يتضح من خلال البحث.

نعم، لو كان المقصود ملاحظة الملاك في كل تكليف منهما في نفسه و بقطع النظر عن تقييد التكليف بعدم وجود التكليف الآخر، لأمكن افتراض وجود ملاكين، فتلاحظ النسبة بينهما؛ فإنّ لوجوب الوفاء بالنذر في نفسه- و بقطع النظر عن وجود حكم شرعي على خلافه- ملاكاً يخصّه، كما أنّ لوجوب الحج- و بقطع النظر عن غيره- ملاكاً يخصّه، و معه، يمكن افتراض أهمية أحدهما من الآخر، إلّا أنه بعد فرض تقييد الشارع أحد التكليفين بعدم وجود التكليف الآخر، فإنّ مثل هذا التقييد يكشف عن أهمية غير المقيّد منهما، بل يكشف عن عدم فعلية الملاك في المقيّد منهما؛ لأنه مقيد بعدم وجود حكم شرعي على خلافه، فتأمل جيداً.

299

هو: تقديم غير المشروط على الحكم المشروط، و لا ينظر إلى أهمية الملاك فيهما (1).

و لبيان ذلك و توضيحه نقول: إذا فرض أن مفاد أحد الحكمين المتزاحمين كان مشروطاً من قبل الشارع- مضافاً إلى ما استقل به العقل من اشتراط و تقييد- بعدم المانع الشرعي، أي: بعدم وجود حكم شرعي آخر على خلافه، و فرض أيضاً وقوع التزاحم في مقام الامتثال بين هذا الواجب المشروط بذلك الشرط و بين الواجب الآخر الذي هو على خلاف ذلك الواجب المشروط، كما إذا اشترط على شخصٍ ما في ضمن عقد معيّن مثلًا زيارة الإمام الحسين (ع) في يوم عرفة من كل عام، ثم استطاع ذلك الشخص بعد ذلك استطاعة توجب عليه الحج في عام معيّن، فإنّ مقتضى وجوب الوفاء بالشرط هو لزوم الذهاب إلى زيارة الإمام الحسين (ع) في يوم عرفة في ذلك العام، و مقتضى وجوب الحج هو الذهاب إلى عرفة في ذلك العام، ففي هذه الحالة سوف يقع التزاحم بين وجوب الوفاء بالشرط و وجوب الحج لعدم تمكنه من امتثالهما معاً كما هو واضح.

و لكن، حيث إن وجوب الوفاء بالشرط مقيّد شرعاً بعدم وجود حكم شرعي على‏

____________

(1) قال المحقق النائيني في كتاب الصلاة، ج 2، ص 89: «أنه من المقرر في باب التزاحم أيضاً، أنه لو كان أحد المتزاحمين مشروطاً بالقدرة الشرعية و لم يكن الآخر مشروطاً بها قدم ما لا يكون مشروطاً بها على ما يكون مشروطاً بها؛ لأن غير المشروط يوجب سلب القدرة عن المشروط، و قابل للتعجيز المولوي، و المانع الشرعي كالمانع العقلي، و هذا بخلاف المشروط؛ فإنه غير صالح لسلب القدرة عن غير المشروط».

300

خلافه؛ بمقتضى أنّ: «شرط الله قبل شرطكم»، الذي يعني: أنه إذا حصل التزاحم بين شرطين: أحدهما: قد اشترطه الإنسان على نفسه، و الآخر: قد اشترطه الله، فشرط الله هو المقدم و وجوب الحج على المستطيع عند استطاعته هو شرط الله، بينما الذهاب إلى زيارة الإمام الحسين يوم عرفة هو شرط الإنسان نفسه، فوجوب الوفاء بالشرط- الذي يقتضي لو خلي و نفسه ذهاب ذلك الشخص في يوم عرفة إلى زيارة الإمام الحسين (ع)- سوف يكون مقيداً بعدم وجوب الحج على ذلك الإنسان في ذلك العام، و أمّا دليل وجوب الحج على المستطيع، فلم يقيّد شرعاً بعدم وجود حكم شرعي على خلافه، بل هو مطلق من هذه الناحية.

فهنا، سوف يقدّم وجوب الحج على وجوب الوفاء بالشرط، و لا ينظر إلى أهمية الملاك حتى لو فرض أن وجوب الوفاء بالشرط- بقطع النظر عن اشتراطه بعدم وجود حكم شرعي على خلافه- كان هو الأهم ملاكاً من وجوب الحج.

و الوجه في تقديم وجوب الحج على وجوب الوفاء بالشرط الذي يقتضي من المكلّف وجوب الذهاب إلى الحج في ذلك العام، هو: أن وجوب الحج باعتباره حكماً شرعياً على خلاف وجوب الوفاء بالشرط، فإنّه سوف يؤدي إلى نفي الموضوع لوجوب الوفاء بالشرط؛ لأنه مقيد بحسب الفرض بعدمه، فيكون وجوب الحج مانعاً شرعياً عن الإتيان بمتعلق الواجب الآخر و هو وجوب الوفاء بالشرط، وعليه، فلا موضوع لوجوب الوفاء بالشرط مع فعليّة وجوب الحج؛ لأنه بمجرّد وجوده- و بقطع النظر عن امتثاله أو عدم امتثاله- يعتبر حكماً شرعياً على الخلاف.

و أما الوجه في عدم النظر إلى النسبة بين الملاكين فيهما من حيث الأهمية؛ فهو أنّ أهمية أحد الوجوبين ملاكاً، إنما تكون مناطاً في التقديم فيما لو فرض وجود ملاكين فعليين كان أحدهما أهم من الآخر، و أمّا في المقام فلا فعلية إلّا لملاك واحد و هو ملاك وجوب الحج، و أمّا بالنسبة إلى وجوب الوفاء بالشرط فلا وجود له، لا حكماً، و لا ملاكاً (1)؛ لأنه مشروط بحسب الفرض بعدم وجود المانع الشرعي، و قد وجد ذلك المانع‏

____________

(1) قد يتصوّر البعض أن هناك تهافتاً بين قوله:) فلا فعلية للأول حكماً و لا ملاكاً» و قوله:) لا معنى لأخذ أهمية ملاك الأول بعين الاعتبار»؛ على أساس أن الأول ينفي الملاك، و الثاني يعترف بوجود الملاك، و لكن الصحيح عدم وجود أي تهافت بين القولين؛ إذ الأول ينفي الملاك الفعلي، و الثاني ينظر إلى الملاك الشأني الذي اقتضى جعل الحكم على طبقه، فإن لوجوب الوفاء بالشرط بقطع النظر عن فعلية وجوب الحج ملاكاً يمكن ملاحظة النسبة بينه و بين ملاك وجوب الحج، و أهمية الملاك إنما تلحظ بين ملاكين فعليين لا مطلقاً، و قد تقدمت منّا الإشارة إلى ذلك في بعض الحواشي المتقدمة فلاحظ.

301

و هو وجوب الحج بحسب الفرض، فمع فعلية وجوب الحج لا فعلية لوجوب الوفاء بالشرط، لا حكماً، و لا ملاكاً، و إذا كان الأمر كذلك، فلا معنى لأخذ أهمية ملاك وجوب الوفاء بالشرط بعين الاعتبار (1).

القدرة الشرعية و القدرة العقلية:

قوله (قدس) ص 328: «و قد يطلق على الحكم المقيد ... الخ».

لقد تبيّن مما تقدم: أنّ الواجب كما هو مشروطٌ عقلًا بعدم الاشتغال بامتثال واجب لا يقل عنه أهمية- أي: مشروط بالقدرة التكوينية بالمعنى الأعم- كذلك يمكن أن يكون أحياناً مضافاً إلى ذلك مشروطاً شرعاً بعدم وجود المانع الشرعي على خلافه، و يمكن أن لا يكون مشروطاً شرعاً بذلك، فيطلق على الواجب المقيّد شرعاً بعدم المانع الشرعي مضافاً إلى اشتراطه بالقدرة التكوينية بالمعنى الأعم، أنه مشروط بالقدرة الشرعيّة، و يطلق على الواجب الذي ليس مقيداً بأزيد مما استقل به العقل أنه مشروط بالقدرة العقليّة.

و الغرض من هذين الإطلاقين و الاصطلاحين، هو: الوقوف على ما يقال بأنه في حالات التزاحم بين واجبين أحدهما مقيد بعدم وجود حكم شرعي على خلافه- بمعنى: أنه مشروط بالقدرة الشرعية- و الآخر غير مقيد بذلك- بمعنى: أنه مشروط بالقدرة العقلية فقط (2)- يقدّم المشروط بالقدرة العقلية على المشروط بالقدرة الشرعيّة.

____________

(1) قال المحقق النائيني في فوائد الأصول، ج 1، ص 442:) فيعتبر في التكليف مضافاً الى قدرة الفاعل التى يحكم بها العقل، القدرة على الفعل التى يقتضيها الخطاب. و الفرد المزاحم للازالة أو للغصب فيما نحن فيه ليس مقدوراً عليه؛ لأن المانع الشرعي كالمانع العقلي، فلا تنطبق عليه الطبيعة المأمور بها بما أنها مأمور بها؛ لأن الانطباق من حيث السعة و الضيق يدور مدار سعة القدرة و ضيقها»

(2) قولنا:) فقط»، للتنبيه على أن المشروط بعدم المانع الشرعي هو أيضاً مشروط بالقدرة العقلية، و لكن بلحاظ الاشتراط الشرعي قيل: إنه مشروط بالقدرة الشرعية؛ للتمييز بينه و بين غيره مما ليس مشروطاً بذلك.

302

أما لو كانا معاً مشروطين بالقدرة العقليّة- بمعنى: غير مشروطين أو أحدهما بالقدرة الشرعيّة- جرى التقديم على أساس الترجيح بالأهميّة من ناحية الملاك- أي: تقديم الأهم ملاكاً منهما- كما تقدّم ذلك مفصلًا.

معنىً آخر للمشروط بالقدرة الشرعية و العقلية:

قوله (قدس) ص 328: «غير أنّ نفس مصطلح المشروط بالقدرة ... الخ».

ينبغي الالتفات إلى أن المشروط بالقدرة الشرعيّة و المشروط بالقدرة العقلية، قد يطلق و يراد منه معنى آخر غير المعنى الذي أشرنا إليه قبل قليل، فقد تقدم هذان الاصطلاحان أيضاً في بحث استحالة التكليف بغير المقدور في الحلقة السابقة، حيث أريد من المشروط بالقدرة الشرعية هناك اختصاص ملاك الحكم بالقادر و عدم ثبوته في حق العاجز، و يكون انتفاؤه عن العاجز شرعياً، و أريد من المشروط بالقدرة العقلية شمول ملاك الحكم و ثبوته في حق القادر و العاجز على حدٍّ سواء، فيكون انتفاء الحكم عن غير القادر في هذه الحالة عقلياً، فإذا فرض كون ملاك الحكم ثابتاً في حق القادر فقط بحيث لا ملاك في حق العاجز، قيل عنه: إنه مشروط بالقدرة الشرعية، و إذا فرض ثبوته في حق القادر و العاجز على حدٍّ سواء، قيل عنه: إنه مشروط بالقدرة العقلية.

303

الدليل العقلي قاعدة إمكان الوجوب المشروط

304

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

305

قاعدة إمكان الوجوب المشروط

تمهيد يقع في نقاط:

الأولى: في التمييز بين الوجوب و الواجب‏

الوجوب، عبارة عن: الحكم الشرعي الذي يجعل المولى متعلقه في عهدة المكلّف، و الذي هو عبارة عن: مدلول الخطابات الشرعية، كجعل الشارع لوجوب الحج على المكلّف المستطيع المستفاد من قوله تعالى: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا.

و أمّا الواجب، فهو عبارة عمّا تعلق به ذلك الوجوب من أفعال المكلفين و غيرها، و هو فعل الحج من المكلف المستطيع في المثال المتقدم.

و الأول: فعل الله سبحانه و تعالى، و الثاني: فعل المكلف، فالمقصود بالوجوب المشروط غير المقصود بالواجب المشروط (1).

الثانية: في التمييز بين الجعل و المجعول‏

تقدم في الحلقة السابقة أن الحكم الشرعي يمر بمرحلتين، هما: مرحلة الجعل، و مرحلة المجعول. و المراد بالجعل الشرعي هو: مفاد الخطابات الشرعية الصادرة من الشارع، فإنّ جعل الشارع لوجوب الحج على المستطيع هو مفاد قوله تعالى: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا، و جعل الشارع لوجوب الصلاة هو مفاد قوله‏

____________

(1) نعم، قد يطلق الواجب المشروط و يراد به أحياناً نفس الوجوب المشروط، فقد قال المحقق الخراساني في كفاية الأصول، ص 95:) ثم الظاهر أن الواجب المشروط كما أشرنا إليه، أن نفس الوجوب فيه مشروط بالشرط، بحيث لا وجوب حقيقة، و لا طلب واقعاً قبل حصول الشرط، كما هو ظاهر الخطاب التعليقي، ضرورة أن ظاهر خطاب) إن جاءك زيد فأكرمه»، كون الشرط من قيود الهيئة».