البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - ج3

- الشيخ أياد المنصوري المزيد...
584 /
306

تعالى: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ، و أمّا المراد بالمجعول، فهو: عبارة عن: فعلية الحكم و ثبوته في حق هذا المكلّف أو ذاك، فثبوت وجوب الحج على زيد المستطيع فعلًا هو ما نسميه بالمجعول.

الثالثة: في بيان محل النزاع في المسألة

إنّ النزاع و الخلاف في المسألة المطروحة للبحث- و هي مسألة الوجوب المشروط- يدور حول مدى إمكان جعل الوجوب مشروطاً بشروط معيّنة أو عدم إمكان ذلك، بعد الفراغ عن أخذ الشارع لجملة من الشروط في خطاباته الشرعية المبيّنة لأحكامه و التي ظاهرها كونها شروطاً للوجوب، فالاستطاعة في المثال السابق تكون شرطاً للوجوب على القول بإمكان الوجوب المشروط، و شرطاً للواجب على القول بعدم إمكان الوجوب المشروط، و معنى الوجوب المشروط: أنه لا وجوب مع عدم تحقق شرطه، فلا وجوب للحج مع عدم تحقق الاستطاعة على القول بأنها من شروط الوجوب بناءً على إمكان الوجوب المشروط، و وجوب الحج ثابت حتى مع عدم تحقق الاستطاعة على القول بامتناع الوجوب المشروط و أنها من شروط الواجب لا الوجوب.

إمكان الوجوب المشروط و عدم إمكانه:

وقع الخلاف بين الأصوليين في مدى إمكان الوجوب المشروط أو عدم إمكانه على قولين:

القول الأول: عدم إمكان الوجوب المشروط

و هو ما تبنّاه الشيخ الأنصاري (قدس)، بدعوى: أن الوجوب المشروط غير معقول أساساً؛ و ذلك لأن الوجوب- كغيره من الأحكام الشرعية- فعل المولى، و من المعلوم أنّ المولى يجعل الحكم قبل أن تتحقق الشروط خارجاً، فهو أوجب الحج على المكلّف المستطيع قبل أن يكون هناك مكلّف مستطيع فعلًا، و هكذا في بقية الأحكام الشرعية الأخرى، و معه، كيف يعقل أن يكون الوجوب مشروطاً بالنحو الذي يعني أنّه لا وجوب قبل تحقق تلك الشروط (1)؟

____________

(1) راجع: مطارح الانظار، بحث مقدمة الواجب، ص 45- 46.

307

القول الثاني: إمكان الوجوب المشروط

قوله (قدس) ص 329: «للوجوب ثلاث مراحل، و هي: الملاك ... الخ».

و هذا هو القول الصحيح، و توضيحه، و بيانه، و إبطال ما ذهب إليه الشيخ الأنصاري، يتم من خلال النقاط التالية:

النقطة الأولى: المراحل التي يمر بها جعل الوجوب‏

قد تقدم في الحلقة السابقة و كذلك في هذه الحلقة: أن للوجوب ثلاث مراحل:

الأولى: مرحلة الملاك الذي يقتضي جعل الحكم بالوجوب على طبقه، و هي عبارة عن: المصلحة في الفعل.

الثانية: مرحلة الإرادة و الشوق، و التي تتحقق نتيجة لإدراك المصلحة في الفعل.

الثالثة: مرحلة جعل الحكم و تشريعه على المكلفين تبعاً للملاك و الإرادة.

و في كل مرحلة من هذه المراحل الثلاث التي يمر بها الحكم، قد تؤخذ قيود و شروط معينة، بحيث لا مصلحة في الفعل المعيّن إلّا بوجود هذا الشرط أو ذاك القيد، و لا إرادة لذلك الفعل إلّا بلحاظ هذا الشرط أو ذاك، و كذلك لا جعل لهذا الحكم إلّا بلحاظ هذا الشرط أو ذاك. فلا مصلحة في فعل الحج من المكلف إلا إذا كان مستطيعاً، و لا إرادة من قبل المولى لذلك الفعل إلّا إذا كان مستطيعاً، و لا جعل لوجوب الحج على المستطيع إلّا بلحاظ كونه مستطيعاً، فإنّ الحكم بجميع مراحله قد تؤخذ فيه قيود معيّنة؛ إذ لا يوجد ما يمنع من ذلك.

النقطة الثانية: الشروط تارة تكون شروطاً للاتصاف و أخرى شروطاً للترتب‏

إنّ تلك القيود أو الشروط، تارة: تكون على نحو لا يتصف الفعل بالمصلحة إلّا بوجودها و تحققها، و أخرى: تكون على نحو لا علاقة لها باتصاف الفعل بالمصلحة، لكنها دخيلة في استيفاء المصلحة، على نحو لا يمكن للمكلف استيفاء المصلحة المفترضة في الفعل إلا بوجودها.

و يسمى النحو الأول من الشروط شروط الاتصاف، بينما يسمى النحو الثاني منها شروط الترتب، فلو أخذنا مثالًا لذلك و هو استعمال الدواء للمريض و قلنا: إنه واجب،

308

فإننا نجد أن المصلحة القائمة بذلك الفعل هي عبارة عن: حاجة الجسم إلى الدواء لأجل استرجاع وضعه الطبيعي، و هذه الحاجة المفترضة منوطة بالمرض؛ لأن الإنسان الصحيح لا حاجة له لشرب الدواء و استعماله، و بدون المرض لا يتصف الدواء بكونه واجداً للمصلحة، بل ربما كان ضرراً و مفسدة كما هو واضح، و يعبّر عن المرض حينئذٍ بأنه شرط في اتصاف شرب الدواء بالمصلحة و الملاك، و كل شرط من هذا القبيل يسمى بشرط الاتصاف.

ثم إن استعمال الدواء، تارة: نفترضه مطلقاً بحيث يمكن استيفاء المصلحة الموجودة فيه بلا شرط أو قيد، و أخرى: نفترضه مقيداً بقيد معين بحيث لا يمكن استيفاء تلك المصلحة إلا بهذا الشرط أو القيد، كما لو فرض أن مصلحة الدواء لا تستوفى مثلًا إلّا بأن يأخذه المريض و يتناوله بعد الطعام لا مطلقاً، فسوف يكون تناول الطعام شرطاً أيضاً، و لكنه لا دخل له في اتصاف الدواء بالمصلحة؛ فإن شرب الدواء واجد للمصلحة بمجرد أن يتحقق المرض، و لكنه شرط في استيفاء تلك المصلحة و ترتّبها (1). فالطبيب عند ما يأمر المريض بأن يشرب الدواء بعد تناول الطعام، يريد أن يقول بذلك: إن المصلحة القائمة بهذا الفعل لا يمكن استيفاؤها بأية حصة من حصصه كيفما كانت، و إنما تستوفى فقط بحصّة خاصة هي: تلك الحصة التي يكون استعمال الدواء أو شربه فيها بعد تناول الطعام، و كل ما كان من هذا القبيل من الشروط، فإنه يطلق عليه شرط

____________

(1) و نفس هذا المعنى قد ذكره المحقق النائيني في فوائد الأصول، ج 1، ص 184 حيث قال:) ثم إنّ القيود ربما يكون لها دخل في أصل مصلحة الوجوب بحيث لا يتم ملاك الأمر إلا بعد تحقق القيد. و قد تكون لها دخل في مصلحة الواجب، بمعنى: ان فعل الواجب لا يمكن أن يستوفى المصلحة القائمة به إلا بعد تحقق القيد الكذائي و إن لم يكن ذلك القيد له دخل في مصلحة الوجوب، و هذان الوجهان يتطرقان في جميع القيود الاختيارية و غيرها. مثلًا: الزمان الخاص يمكن ان يكون له دخل في مصلحة الوجوب، و يمكن ان لا يكون له دخل في ذلك بل له دخل في مصلحة الواجب، و لا ملازمة بين الامرين».

و أيضاً ذكره المحقق العراقي في المقالات، ج 1، ص 309 حيث قال:) ان المصلحة القائمة بشي‏ء، تارة: تقوم بوجود العمل على الاطلاق، و أخرى: تقوم به مقيداً بشي‏ء آخر. و في الأخير: تارة: يكون القيد سبباً لاتصاف الخصوصية القائمة بالعمل بكونه مصلحة، و أخرى: موجباً لوجودها فارغاً عن الاتصاف بكونه مصلحة».

309

الترتب تمييزاً له عن شرط الاتصاف، و شرب الدواء- سواء كان مطلوباً تشريعاً من قبل الآمر و هو الطبيب بحسب الفرض، أو مطلوباً تكويناً من قبل نفس الشخص المريض- له كلا هذين النحوين من الشروط.

النقطة الثالثة: دخالة شروط الاتصاف في الملاك دون شروط الترتب‏

من خلال ما تقدم، يتبيّن: الفرق بين شروط الاتصاف و شروط الترتب؛ حيث إنّ الأولى شروط في الملاك، و الثانية ليست كذلك؛ إذ الملاك و المصلحة في شرب الدواء ثابت حتى قبل أن يتناول المريض الطعام، و نفس هذا الاختلاف بينهما ينعكس في المرحلة الثانية من مراحل الحكم؛ حيث إن شروط الاتصاف تكون شروطاً لنفس الإرادة، و أما شروط الترتب فلا تكون شروطاً في الإرادة، بل هي شروط للمراد من دون فرق في ذلك بين الإرادة التشريعية للآمر أو الطبيب و بين الإرادة التكوينية لنفس المريض، فالإنسان لا تنقدح في نفسه إرادة شرب الدواء إلّا إذا اعتقد بأنه مريض حقاً، و لا تنقدح كذلك في نفس الأمر إلا إذا افترض أو اعتقد بأنّ مأموره مريض حقاً، و هذه الإرادة لشرب الدواء- سواء كانت من قبل نفس المريض أو من قبل الأمر و هو الطبيب- فعلية قبل أن يتناول المريض الطعام، و لهذا، فإن المريض قد يتناول الطعام لا لشي‏ء إلّا حرصاً منه على أن يشرب الدواء بعده وفقاً لتعليمات الطبيب.

فالمريض الذي يريد أن يشرب الدواء، له إرادة فعلية هي التي تحركه لتناول الطعام، و هذا يكشف عن أن تناول الطعام ليس قيداً للإرادة بحيث لا إرادة إلّا بعد تناول الطعام، بل هو قيد للمراد، بمعنى: أن الإرادة الفعلية للمكلف متعلقة بحصة خاصة من حصص شرب الدواء، و هي: تلك الحصة المقيدة بكونها بعد تناول الطعام، و لأجل فعلية تلك الإرادة كانت محرّكة نحو إيجاد القيد و هو تناول الطعام.

النقطة الرابعة: الفرق بين شروط الاتصاف في مرحلة الملاك و مرحلة الارادة

إننا و إن انتهينا إلى أن شروط الاتصاف كما أنها شروط للحكم في مرحلة الملاك كذلك هي شروط له في مرحلة الإرادة، لكن الفرق في المرحلتين، هو: أن الإرادة ليست منوطة بالوجود الخارجي و الفعلي لتلك الشروط، بل يكفي فيها وجودها التقديري‏

310

و اللحاظي، و هذا بخلاف دخلها في الملاك؛ فإنها بوجودها الخارجي و الفعلي دخيلة في اتصاف الفعل بالمصلحة.

و الوجه في ذلك، هو: أن الإرادة معلولة دائماً لإدراك المصلحة و لحاظ ما له دخل في اتصاف الفعل بها لا لواقع تلك المصلحة مباشرة، فمتى ما اعتقد الإنسان بأنه مريض و أدرك أن في شرب الدواء مصلحة، انقدحت في نفسه إرادة شرب الدواء و إن لم يكن اعتقاده مطابقاً للواقع- أي: حتى لو لم يكن مريضاً واقعاً- و أما إذا لم يعتقد بذلك، فلا تنقدح في نفسه إرادة شرب الدواء حتى لو كان مريضاً حقاً، فما أكثر المصالح التي لا تؤثر في إرادة الإنسان بسبب عدم إدراكه لتلك الصالح أو لحاظه لها. و أما اتصاف شرب الدواء بكونه واجداً للمصلحة، فهو منوط بوجود و تحقق المرض خارجاً، سواء علم به ذلك المريض أو لم يعلم، و نتيجة ذلك، هي: أن شروط الاتصاف بوجودها الخارجي دخيلة في الملاك، و بوجودها اللحاظي و التقديري دخيلة في الإرادة، فلا مصلحة في شرب الدواء إلّا إذا كان الإنسان مريضاً حقاً، و لا إرادة في شرب الدواء إلّا إذا لاحظ الإنسان المرض و افترضه في نفسه أو فيمن يتولى توجيهه.

النقطة الخامسة: الفرق بين شروط الاتصاف و شروط الترتب في مرحلة الجعل‏

إن الفارق المتقدم بين شروط الاتصاف في مرحلة الملاك و شروط الاتصاف في مرحلة الإرادة، من حيث كونها بوجودها الخارجي دخيلة في الأولى و بوجودها اللحاظي و التقديري دخيلة في الثانية، نجده أيضاً بين شروط الاتصاف و شروط الترتب في المرحلة الثالثة من الحكم و هي مرحلة جعل الحكم؛ فإن جعل الحكم عبارة عن إنشائه على موضوعه المقدّر و المفترض الوجود، فكل شروط الاتصاف تؤخذ مقدرة و مفترضة الوجود في موضوع الحكم، و تعتبر شروطاً للوجوب المجعول، و أما شروط الترتب، فتكون مأخوذة قيوداً للواجب.

و إذا دققنا في المرحلة الثالثة و ميزنا فيها بين الجعل و المجعول كما تقدم توضيحه، نجد أن الجعل باعتباره أمراً نفسانياً، فهو منوط و مرتبط بالوجود التقديري و اللحاظي لشروط الاتصاف لا بالوجود الخارجي و الفعلي لتلك الشروط، كما كان الحال في مرحلة الإرادة تماماً بالنسبة لهذه الشروط، و لهذا نجد أنه كثيراً ما يتحقق الجعل من قبل‏

311

المولى قبل أن توجد شروط الاتصاف خارجاً، نعم، فعلية المجعول بذلك الجعل تكون منوطة بالوجود الخارجي و الفعلي لتلك الشروط بحيث لا يكون المجعول فعلياً إلّا إذا تحققت كل القيود و الشروط التي أخذها الشارع و لاحظ وجودها في مرحلة الجعل.

و أما شروط الترتب، فتؤخذ قيوداً في الواجب نتيجةً لأخذها قيوداً في المراد.

و بهذا، يتضح أن الجعل منوط بشروط الاتصاف بوجودها اللحاظي و التقديري، و المجعول منوط بوجودها الخارجي و الفعلي، و أنه لا ثبوت له قبل وجودها خارجاً؛ لأنه مشروط بها في عالم الجعل.

و بهذا، نكون قد أثبتنا إمكان الوجوب المشروط و معقوليته، و به يندفع ما ذهب إليه الشيخ الأنصاري من القول بأن الوجوب المشروط غير معقول؛ فإنه ناتج من عدم التمييز بين الجعل و المجعول، و بعد التمييز بينهما و الالتفات إلى إناطة الجعل بالوجود اللحاظي و التقديري للشرط و إناطة المجعول بالوجود الخارجي له، يتضح معقولية الوجوب المشروط و إمكانه‏ (1).

ثمرة البحث في إمكان الوجوب المشروط و امتناعه:

قوله (قدس) ص 333: «و أما ثمرة البحث عن إمكان ... الخ».

ذكرنا أكثر من مرّة: أن البحث في هذه المسألة أو تلك لكي يكون منتجاً، فلا بد أن ينتهي إلى ثمرة عملية، بحيث يختلف الحال فيها بين القول بثبوت القضية أو القول بعدم ثبوتها، و بناءً على ذلك، فإن الالتزام بإمكان الوجوب المشروط أو الالتزام بامتناعه لا بد- لكي يكون منتجاً- أن ينتهي إلى ثمرة معيّنة.

و ثمرة ذلك تظهر في تفسير مسئولية المكلف تجاه المقدمات المفوتة للواجب، و بيان الضابطة التي على أساسها يلزم المكلف فيها بإيجاد تلك المقدمات، من قبيل وجوب الاغتسال على الجنب قبل طلوع الفجر لكي يتمكن من الصوم، و وجوب السفر إلى الميقات قبل مجي‏ء يوم عرفة لكي يتمكن من الحج في يوم عرفة، فإنّ المكلف إذا لم يبادر إلى‏

____________

(1) قال السيد الشهيد في بحوث في علم الأصول، ج 2، ص 195:) و قد اتضح مما ذكرنا إمكان الواجب المشروط ثبوتاً على مستوى المراحل الثلاث للحكم».

312

إيجاد تلك المقدمات قبل وقت الواجب، سوف يفوته الواجب.

و مقتضى القاعدة الأصولية: أن المكلف غير مسئول عن تحصيل تلك المقدمات إلّا بعد أن يصبح الوجوب فعلياً، و فعلية وجوب الصوم- مثلًا- منوطة بطلوع الفجر، و الذي يعني أنه لا فعلية لذلك الوجوب إلا حين طلوع الفجر، فكيف أصبح المكلّف مسئولًا عن تحصيل مقدّمة الواجب- أعني: لزوم الاتيان بها قبل طلوع الفجر- قبل أن يصبح وجوب الصوم فعلياً؟

و هنا، عقد الأصوليون بحثاً في تفسير مسئولية المكلف تجاه المقدمات المفوتة، من قبيل المقدمة المشار إليها سلفاً، و كان أحد الوجوه التي تذكر في هذا المجال، هو: عبارة عن: إنكار الوجوب المشروط و افتراض أن كل وجوب فعلي حتى قبل تحقق القيود و الشروط المأخوذة فيه في لسان الدليل، فوجوب الصوم فعلي حتى قبل طلوع الفجر، و معه تصبح مسئولية المكلف تجاه مقدمات الواجب واضحة و على مقتضى القاعدة؛ لأن مشكلة المقدمات المفوتة إنما أثيرت على أساس أنه لا مسئولية للمكلف تجاه مقدمات الواجب قبل زمان فعلية الوجوب، و الذي هو في المثال المتقدم عبارة عن طلوع الفجر؛ لأنه من شروط الوجوب.

فإذا أنكرنا الوجوب المشروط رأساً و افترضنا أن زمان فعلية الوجوب يبدأ قبل طلوع الفجر، فسوف ترتفع المشكلة من أساسها، و تكون مسئولية المكلف تجاه مقدمات الواجب على وفق القاعدة و ليس على خلافها. و أمّا إذا التزمنا بإمكان الوجوب المشروط، فلا فعلية للوجوب قبل تحقق الشروط خارجاً، فلا فعلية لوجوب الصوم قبل طلوع الفجر، و حينئذٍ، سوف تكون المشكلة مستحكمة و لا بدّ من البحث عن حلّ آخر لها نتمكن من خلاله تفسير و توجيه مسئولية المكلف تجاه هكذا مقدّمات، فهذه هي ثمرة البحث عن إمكان الوجوب المشروط و امتناعه.

313

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

314

الدليل العقلي المسئولية تجاه القيود و المقدمات‏

315

المسئولية تجاه القيود و المقدمات‏

إن الواجبات الشرعية- من قبيل الصوم، و الصلاة، و الحج، و غيرها من الواجبات التي أمر بها الشارع و ثبت جعلها على المكلف عموماً- تمر بمرحلتين:

الأولى: مرحلة المجعول و فعلية التكليف و ثبوته في عهدة هذا المكلف أو ذاك. و ذلك بعد أن يصبح التكليف فعلياً في حق المكلف بسبب فعلية موضوعه و ما أخذ فيه من قيود و تحققها خارجاً، كفعلية وجوب الحج على زيد إذا فرض كونه مستطيعاً، و هكذا.

الثانية: مرحلة امتثال التكليف و إيجاد متعلقه خارجاً و هذه المرحلة تبدأ بعد المرحلة الأولى، فوجوب الحج بعد أن يصبح فعلياً على زيد بفعلية الاستطاعة خارجاً، فإنه يقتضي منه أن يتحرك لإيجاد متعلقه و هو فعل الحج.

المقدمات الدخيلة في الواجب قسمان‏ (1):

قوله (قدس) ص 334: «تنقسم المقدمات الدخيلة في الواجب ... الخ».

و في كل مرحلة من المرحلتين السابقتين، قد يكون هناك بعض القيود و المقدمات التي تتوقف عليها كل مرحلة منهما، وعليه، فالمقدمات الدخيلة في الواجب الشرعي يمكن تقسيمها إلى قسمين:

الأول: المقدمات الوجوبية

قوله (قدس) ص 334: «الأول: المقدمات التي تتوقف عليها فعلية ... الخ».

المقدمات الوجوبية هي: عبارة عن: تلك المقدمات الدخيلة في المرحلة الأولى،

____________

(1) و قد قسمها السيد الشهيد إلى ثلاثة أقسام؛ باعتبار أنّ المقدمات الوجودية تنقسم بدورها إلى شرعية و عقلية، فتكون الأقسام ثلاثة، و لكن حيث إنّ المناط في التقسيم هو ملاحظة كون المقدمة مقدمة للوجوب أم مقدمة للواجب، جعلنا التقسيم ثنائياً لا ثلاثياً.

316

و التي تتوقف عليها فعلية الوجوب، و بدون تحققها خارجاً لا يصبح الوجوب فعلياً، الأمر الذي يعني: عدم وصول التكليف إلى المرحلة الثانية التي أشرنا إليها. و هذه المقدمات لا تكون كذلك إلّا بأخذها من قبل الشارع بلسان الدليل مقدرة الوجود في مقام جعل الحكم على نهج القضية الحقيقية، و الوجه في ذلك هو: أن الوجوب باعتباره حكماً شرعياً مجعولًا من قبل الشارع، فهو تابعٌ لجعله من حيث دخالة هذا القيد فيه أو ذاك، فما لم يقيّد في مقام الجعل بشي‏ء معيّن و محدد، لا يكون ذلك الشي‏ء دخيلًا في فعليته؛ لأن فعلية الحكم تابعة لفعلية الملاك الذي اقتضى جعل ذلك الحكم، و من المعلوم: أن اتصاف الفعل بالمصلحة التي هي الملاك للوجوب من حيث كونه بهذا القيد أو ذاك، لا سبيل لمعرفته إلا من قبل الشارع نفسه؛ لأنه هو الذي يجعل الحكم على طبق ما يراه من مصلحة في هذا الفعل أو ذاك.

و تسمى هذه المقدمات بالمقدمات الوجوبية؛ تبعاً لتوقف الوجوب في مرحلة الفعلية عليها، من قبيل: الاستطاعة بالنسبة إلى وجوب الحج؛ فإن فعلية وجوب الحج تتوقف على الاستطاعة و تحققها خارجاً بالنسبة إلى هذا المكلف أو ذاك.

الثاني: المقدمات الوجودية

و أمّا المقدمات الوجودية فهي: عبارة عن: تلك المقدمات التي تتوقف عليها المرحلة الثانية من المرحلتين السابقتين، أي: التي يتوقف عليها امتثال التكليف و إيجاد متعلقه خارجاً من قبل المكلف بالنحو الذي لو لم يأت بها لما تمكّن من امتثال التكليف، و تسمى مثل هذه المقدمات بالمقدمات الوجودية (1) لكونها ممّا يتوقف عليها وجود الواجب و تحققه خارجاً.

المقدمات الوجودية قسمان:

و هذه المقدمات يمكن تقسيمها بلحاظ منشأ التوقّف و سببه إلى قسمين:

____________

(1) و قد قال المحقق النائيني في فوائد الأصول، ج 1، ص 183 في مقام التفريق بينهما ما نصّه:) الفرق بين المقدمة الوجوبية و المقدمة الوجودية، حيث ان المقدمة الوجوبية ما كانت واقعة فوق دائرة الطلب، و تؤخذ مفروضة الوجود في المرتبة السابقة على الطلب، و لا يمكن وقوعها بعد ذلك تحت دائرة الطلب بحيث يلزم تحصيلها، للزوم الخلف كما لا يخفى، و هذا بخلاف المقدمة الوجودية، فانها واقعة تحت دائرة الطلب و يلزم تحصيلها».

317

الأول: المقدمات الوجودية الشرعيّة

قوله (قدس) ص 334: «الثاني: المقدمات التي ... بسبب أخذ الشارع لها ... الخ».

المقدمات الوجودية الشرعية هي: تلك المقدمات التي يتوقف عليها امتثال الأمر الشرعي و إيجاد متعلقه خارجاً بسبب أخذها من قبل الشارع نفسه، بحيث لو لم يأخذها الشارع لما كان الواجب متوقفاً في وجوده عليها، فهي وجودية لكونها مما يتوقف عليها وجود الواجب، و شرعية لكونها مأخوذة من قبل الشارع، و ذلك من قبيل: الطهارة بالنسبة إلى الصلاة؛ فإن إيجاد الصلاة بما هي صلاة خارجاً لا يتوقف تكويناً على الطهارة، و إنّما حصل ذلك التوقف بسبب أخذ الشارع للطهارة قيداً في الصلاة المأمور بها.

الثاني: المقدمات الوجودية العقليّة

قوله (قدس) ص 334: «الثالث: المقدمات التي ... بدون أخذها قيداً من قبل ... الخ».

و أمّا المقدمات الوجودية العقلية فهي: تلك المقدمات التي يتوقف عليها امتثال الأمر الشرعي و إيجاد متعلقه خارجاً، لا بسبب أخذها قيداً من قبل الشارع، و إنّما بسبب توقف الواجب تكويناً عليها بحيث لا يتحقق الواجب بدون تحققها، فيحكم العقل نتيجة لذلك بمقدميتها، و من هنا سميت بالمقدمات الوجودية العقلية تمييزاً لها عن القسم الأول، مع اشتراكهما في توقف وجود الواجب عليهما، و ذلك من قبيل: قطع المسافة إلى الميقات بالنسبة للحج الواجب على الشخص البعيد عن الميقات، و نصب السلّم بالنسبة إلى مَنْ وجب عليه المكث في الطابق الأعلى من هذه البناية أو تلك.

الفرق بين هذين القسمين من المقدمات الوجوديّة:

قوله (قدس) ص 335: «و بالمقارنة بين هذين القسمين من المقدمات ... الخ».

و يوجد بين النحوين المتقدمين من المقدمات الوجوديّة فرقان أساسيان:

الأول: إن توقف الواجب عليها في النحو الأول هو بسبب أخذها قيداً من قبل الشارع، و أما في النحو الثاني، فهو بسبب توقف الواجب تكويناً عليها.

الثاني: إن متعلق الأمر في المقدمة الوجودية الشرعية، هو: عبارة عن: الفعل المقيّد بتلك المقدمة، و المقيد عبارة عن ذات الفعل مع تقييده بتلك المقدمة، فتكون المقدمة

318

المذكورة مقدمة عقلية لحصول التقييد، فمتعلق الأمر بالنسبة إلى الصلاة مع الطهارة، هو: عبارة عن: الصلاة المقيدة بالطهارة لا مجرد فعل الصلاة، و يكون الوضوء حينئذٍ مقدمة عقلية لتقييد الصلاة بالطهارة؛ حيث إن تقييد الصلاة بالطهارة يتوقف تكويناً على الوضوء؛ إذ لولاه لما تمكنا من إيجاد الصلاة المقيدة بالطهارة.

و أما بالنسبة إلى المقدمة الوجودية العقليّة، فهي مقدمة لذات الفعل، فالمأمور به هنا هو ذات الفعل لا الفعل المقيّد بهذا القيد، ففي مثل وجوب الحج، فإن المأمور به هو ذات فعل الحج لا الحج المقيد بقطع المسافة (1).

وقوع البحث في هذه المسألة في مقامين:

قوله (قدس) ص 335: «و الكلام تارة يقع في تحديد ... الخ».

بعد أن تبيّن من خلال ما تقدّم: أن المقدمات الدخيلة في الواجب الشرعي، تارة تكون مقدمات وجوبية يتوقف عليها وجوب الواجب و فعليته، و أخرى مقدمات وجودية يتوقف عليها امتثال الواجب و إيجاده خارجاً، فسوف يقع الكلام مرة في تحديد مسئولية المكلف تجاه هذين القسمين من المقدمات، و أخرى في بيان الضابطة التي على أساسها يسير المولى ليجعل هذه المقدمة من القسم الأول و تلك من القسم الثاني، وعليه، فالبحث يقع في مقامين:

____________

(1) بناءً على هذا الفرق الذي ذكرناه، ليس من الدقة تقسيم المقدمة الوجودية إلى شرعية و عقلية، بل لا تكون إلا عقلية؛ لأن المقدمة الوجودية إذا كان المقصود بها تلك التي يتوقف عليها وجود الواجب خارجاً، فهي لا تكون إلّا عقلية؛ و ذلك لأنّ الواجب في المقدمة الشرعية هو الفعل المقيد بذلك القيد و ليس هو ذات الفعل مجرداً، و من الواضح- و كما ذكرنا- إن القيد مقدّمة عقلية للمقيد، وعليه، فالواجب في كلا القسمين مما هو متوقف تكويناً على ذلك القيد، و هذا يعني: أن المقدمة دائماً عقلية.

إن قلت: كيف يكون كذلك، و الحال أننا نعلم بأنّ بعض الواجبات مما يتوقف امتثالها على بعض المقدمات التي لو لم تؤخذ من قبل الشارع لما كان الواجب متوقفاً عليها؟

كان الجواب: إنّ هذا القول يستبطن نوع من التهافت؛ لأنّ فرض عدم توقف الواجب على تلك المقدمة لو لا أخذها من قبل الشارع يعني أنّ ما فرض واجباً في هذه الحالة هو الفعل المجرّد عن أيّ قيد، و الحال أنّ الواجب في مورد ما يسمى بالمقدمات الشرعية ليس هو الفعل المجرّد، بل هو الفعل المقيّد، و من المعلوم أنّ الفعل المقيّد بقيد مما يتوقف تكويناً على ذلك القيد، فيكون القيد مقدّمة عقليّة لا شرعيّة.

319

المقام الأول: في تحديد مسئولية المكلّف تجاه تلك المقدّمات‏

قوله (قدس) ص 335: «أما تحديد مسئولية المكلف تجاه ... الخ».

بعد أن تبيّن حقيقة المقدمات في كلا القسمين المتقدمين، و نحو دخالتها في كل مرحلة من المرحلتين المتقدمتين، يقع الكلام الآن في هذا المقام في تحديد المسئولية الملقاة على عاتق المكلف تجاه كل قسم من هذين القسمين المتقدمين، فيقع الكلام- أولًا- في تحديد مسئولية المكلف تجاه المقدمات الوجوبية، و ثانياً في مسئوليته تجاه المقدمات الوجودية.

أولًا: مسئولية المكلف تجاه المقدمات الوجوبية

ينبغي الالتفات إلى أنّ مجرد وجود الجعل الشرعي بوجوب فعل معيّن، لا يقتضي بنفسه من المكلف تحرّكاً نحو القيود و المقدمات الدخيلة في ذلك الواجب الشرعي، سواء كانت تلك القيود و المقدمات من المقدمات الوجوبية أم كانت من المقدمات الوجوديّة، و إنّما تبدأ مسئولية المكلف تجاه تلك المقدمات بعد أن يصبح الوجوب فعلياً؛ لأنه قبل ذلك لا تعلق له بهذا المكلّف أو ذاك إذا كان قد أخذ فيه قيود في مقام الجعل بلسان الدليل، الأمر الذي يعني: أنه لا مسئولية للمكلف تجاه أي مقدمة أو قيد من تلك القيود المأخوذة في لسان الدليل قبل أن يصبح الوجوب فعلياً، و من المعلوم: أن فعلية الوجوب إنما تتحقق بفعلية القيود و المقدمات التي أخذها الشارع بلسان الدليل قيوداً للوجوب، و إذا تحققت تلك القيود و المقدمات، و أصبح الوجوب فعلياً، فلا معنى حينئذٍ للتحريك نحوها؛ لأنها قد حصلت بحسب الفرض، و مع حصولها و تحققها لا معنى للتحريك نحوها كما هو واضح، فإذا قال الشارع: (لله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلًا)، فإن وجوب الحج المجعول بذلك الخطاب لا يصبح فعلياً إلّا إذا وجد بالفعل مكلّف مستطيع، و ما لم تتحقق الاستطاعة خارجاً بلحاظ هذا المكلّف أو ذاك، فلا يصبح وجوب الحج فعلياً، و ما لم يصبح فعلياً، فلا يوجد ما يقتضي المحركية نحو الاستطاعة؛ لأنّ المحرّك ليس هو إلّا فعلية وجوب الحج، و هذا لا يكون إلّا بفعلية الاستطاعة و تحققها خارجاً، و إذا تحققت، فلا موجب للتحريك نحوها، و بهذا، نكون قد أثبتنا عدم مسئولية المكلف تجاه المقدمات الوجوبيّة عموماً.

320

و بعبارة مختصرة: إن المسئولية الحاصلة من قبل نفس الوجوب فرع محركية ذلك الوجوب، و محركية ذلك فرع فعليته، و فعليته فرع فعلية مقدّماته و تحققها خارجاً، فمع عدم فعلية تلك المقدمات، لا فعلية للوجوب، فلا محركية و لا باعثية له، فلا مسئولية.

ثانياً: مسئولية المكلّف تجاه المقدمات الوجودية

قوله (قدس) ص 335: «و إنما يكون محركاً نحو المقدمات الوجودية ... الخ».

لقد تبيّن مما سبق: أنّ مسئولية المكلف تجاه الواجب الشرعي إنما تبدأ بعد أن يصبح الوجوب فعلياً، و إذا أصبح الوجوب فعلياً بفعلية مقدماته الوجوبية، كان ذلك الوجوب محركاً نحو إيجاد الواجب الشرعي؛ لأنه قد دخل في عهدته بحسب الفرض، فإذا فرض توقف امتثال الواجب الشرعي على هذه المقدمة أو تلك، فسوف يكون الوجوب محركاً نحو تلك المقدمات تبعاً لتحريكه نحو المتعلق- أي: الواجب الشرعي- و إذا لم يصبح الوجوب فعلياً، فلا تحريك له نحو المتعلق- و هو: الواجب الشرعي- الأمر الذي يعني: أنه لا تحريك له تجاه المقدمات التي يتوقف عليها امتثال الواجب الشرعي.

و بهذا، يتبرهن أن الوجوب إذا أصبح فعلياً كان المكلف مسئولًا عقلًا عن إيجاد المقدمات التي يتوقف عليها امتثال الواجب الشرعي تبعاً لمسئوليته عن إيجاد ذلك الواجب الشرعي و تحقيقه، وعليه، فإذا أصبح وجوب صلاة الظهر فعلياً بفعلية الزوال و تحققه خارجاً، كان ذلك محركاً للمكلف نحو إيجاد الواجب و هو بحسب الفرض الصلاة متطهراً و حيث إنّ تحقق الواجب و هو الصلاة متطهراً لا يتم إلّا بتحصيل الطهارة و تحقيقها، كان المكلف مسئولًا عقلًا عن إيجاد الطهارة لكي تقع صلاته عن طهارة، و يكون بذلك ممتثلًا للأمر الشرعي المتعلق بالصلاة متطهراً.

و بعبارة مختصرة: إنّ التكليف بعد أن يصبح فعلياً بفعلية مقدماته الوجوبيّة، سوف يحرّك المكلف نحو إيجاد متعلقه، الأمر الذي يعني: تحريكه نحو إيجاد المقدمات التي يتوقف عليها إيجاد ذلك المتعلق خارجاً، فإذا فرض كون المتعلق متوقفاً في وجوده على مقدمة معيّنة، كان ذلك الوجوب محرّكاً نحوها تبعاً لتحريكه نحو المتعلق.

و هذه المسئولية التي أثبتناها تجاه المقدمات الوجودية للواجب، لا فرق فيها بين كون‏

321

تلك المقدمات من المقدمات الشرعية الوجودية- كالوضوء بالنسبة للصلاة- و بين كونها من المقدمات العقلية الوجودية- كالسفر إلى الميقات بالنسبة لوجوب الحج-.

المقدمات المشتركة بين الوجوب و الواجب:

قوله (قدس) ص 336: «و إذا اتفق أنّ قيداً ما كان مقدمة وجوبية ... الخ».

تارة يفترض أن المقدمة مقدمة وجوبية فقط، كالاستطاعة بالنسبة لوجوب الحج- مثلًا- و أخرى نفترض أنها مقدمة وجودية فقط كالسفر إلى الميقات بالنسبة لوجوب الحج أيضاً، و تارة ثالثة نفترض أنها مقدمة مشتركة، بمعنى: كونها مقدمة وجوبية و وجودية بنفس الوقت، أي: أنها مقدمة وجوب و مقدمة واجب، من قبيل: شهر رمضان الذي يجب إيقاع الصوم فيه.

و الأمر بالنسبة إلى النحوين الأولين من المقدمات أصبح واضحاً من خلال ما قدمناه، و لكن الأمر بالنسبة إلى النحو الثالث منها قد لا يكون واضحاً عند البعض؛ من حيث كون المكلف غير مسئول عن تحصيلها؛ باعتبار كونها مقدمة وجوب، و من حيث كونه مسئولًا عنها؛ باعتبارها مقدمة واجب تبعاً لما أثبتناه سابقاً، و لكن الأمر فيها سوف يتضح من خلال التأمل في ما ذكرناه، من أن المسئولية تجاه القيود و المقدّمات إنّما تبدأ بعد أن يصبح الوجوب فعلياً، فلا مسئولية قبل ذلك، و حيث إن هذا النحو من المقدمات مما يتوقف عليه فعلية الوجوب، فلا مسئولية تجاهها قبل ذلك، و بعد أن تتحقق، يصبح الوجوب فعلياً و محرّكاً نحو إيجاد المتعلق و ما يتوقف عليه من مقدمات.

و حيث إن المقدمة قد حصلت و تحققت بحسب الفرض، فلا تحريك نحوها؛ لأنه لا معنى لتحصيل ما هو حاصل، فلن يبقى على المكلف إلّا إيجاد المتعلق و تقييده بذلك القيد، و هذا مما يكفي في تحقيقه إيقاع الفعل مقيداً بذلك القيد.

و مثاله: وجوب الصوم المقيد بكونه في شهر رمضان؛ فإنه لا فعلية لهذا الوجوب قبل حلول شهر رمضان، فيكون بذلك مقدمة وجوب، و حيث إن المطلوب إيقاع الصوم في هذا الشهر خاصة، كان مقدمة واجب، فبعد أن يصبح وجوب الصوم فعلياً بحلول شهر رمضان، لن يبقى على المكلف سوى إيقاع الصوم الواجب ضمن هذا الشهر، و بهذا

322

يكون قد حقق و امتثل الأمر بالصوم المقيد بكونه في شهر رمضان.

المقام الثاني: في تحديد الضابط لدى المولى في جعل المقدمة وجوبية

قوله (قدس) ص 336: «و أما تحديد الضابط الذي يسير عليه المولى ... الخ».

بعد أن اتضح جلياً الفرق بين المقدمات الوجوبيّة و المقدمات الوجودية، و عدم مسئولية المكلف تجاه الأولى و مسئوليته تجاه الثانية، بقي علينا أن نحدد الضابط الذي على أساسه يجعل المولى هذه المقدمة وجوبيّة و تلك شرعية وجوديّة (1) ما دام أخذهما معاً بيد الشارع وحده كما هو واضح؛ فإن أخذ الشارع لهما بهذا النحو أو ذاك لا بد و أن يكون وفقاً لضابطة و ليس أمراً اعتباطياً.

و بمراجعة بسيطة لما ذكرناه في البحث السابق من التمييز بين شروط الاتصاف و شروط الترتب، تتضح تلك الضابطة و المعيار الذي يعتمده المولى في ذلك؛ فإن كل ما كان من شروط الاتصاف في مرحلة الملاك، فسوف يأخذه المولى قيداً في الوجوب لا الواجب، و يكون بذلك مقدمة وجوبيّة.

و الوجه في ذلك، هو: أن شروط الاتصاف لما كانت دخيلة في فعلية الملاك و بدونها لا يتصف الفعل بكونه ذا مصلحة، فلا يكون المولى مهتماً بتحصيلها؛ إذ لا ملاك في الفعل بدونها، الأمر الذي يعني: أنّه لا وجوب فعلي متعلق بذلك الفعل، فلا موجب أصلًا للاهتمام بها، بينما لو جعله- شرط الاتصاف- قيداً في الواجب بحيث يصبح الوجوب فعلياً حتى قبل تحققه، لأصبح مقدمة وجودية، و لكان التكليف محركاً نحوه، الأمر الذي يعني: اهتمام المولى بتحصيله، و هذا ينافي كونه من شروط الاتصاف التي لا يهتم المولى بتحصيلها، فيتعيّن بذلك جعله مقدّمة وجوبية لا وجوديّة، أي: مقدمة وجوب لا مقدمة واجب.

و أما ما كان منها من شروط الترتب التي لا دخل لها في الملاك و إنما تكون دخيلة

____________

(1) ينبغي الالتفات إلى أن البحث في هذه النقطة بالنسبة إلى ما يتعلّق بالمقدمات الوجودية، إنما هو بخصوص المقدمات الوجودية الشرعية، و لا يشمل المقدمات الوجودية العقلية؛ لما ذكرناه سابقاً من الفرق بين هذين القسمين، من أن المتعلق في الأولى هو الفعل المقيد بتلك المقدمة، و في الثانية هو ذات الفعل، الأمر الذي يعني: أن المقدمات الوجوبية و الوجودية الشرعية تشتركان في أن أخذهما بيد الشارع.

323

في استيفاء الملاك و تحصيله، فهنا ينبغي التفصيل بين نحوين منها:

الأول: أن يكون ذلك القيد أو تلك المقدمة داخلًا تحت اختيار المكلف و قدرته، كالوضوء بالنسبة إلى الصلاة، ففي هذه الحالة سوف يأخذه المولى قيداً للواجب؛ لأنه مما يهتم بتحصيله؛ إذ لولاه لما تمّ استيفاء ذلك الملاك و تلك المصلحة في ذلك الفعل.

الثاني: أن لا يكون ذلك القيد أو تلك المقدمة داخلًا تحت اختيار المكلف و قدرته، بل كان أمره خارجاً عن اختيار المكلف، كتقييد الصوم الواجب بكونه في شهر رمضان خاصة دون غيره من الشهور الأخرى؛ فإن جعل هذا الشهر أو ذاك رمضاناً ليس بقدرة المكلف كما هو واضح.

و في هذه الحالة يتعين أخذه قيداً للوجوب أيضاً إضافة إلى أخذه قيداً للواجب؛ لأنه لا يمكن الاقتصار على مجرد تقييد الواجب به؛ إذ على هذا الفرض يلزم على المكلف تحصيله لأنه يفترض كون الوجوب فعلياً حتى قبل حصوله كما هو الشأن في كل القيود التي تؤخذ قيوداً للواجب خاصّة، و مع كون الوجوب فعلياً بدونه فإنه يقتضي تحريك المكلف نحوه، و الحال أنه غير مقدور للمكلف، فيلزم التكليف بغير المقدور و هو مستحيل، فيتعين إضافة إلى أخذه قيداً في الواجب أخذه قيداً في الوجوب كذلك‏ (1).

و بهذا، نستطيع أن نخرج بضابطة محددة واضحة المعالم، و هي: إن كل ما كان من شروط الاتصاف، أو كان من شروط الترتب و لم يكن مقدوراً للمكلّف، يتعين أخذه قيداً في الوجوب، و كل ما كان من شروط الترتب و كان مقدوراً للمكلف، يتعين أخذه قيداً في الواجب.

____________

(1) قال المحقق النائيني في فوائد الأصول، ج 1، ص 187: «و قد عرفت: ان كل قيد غير اختياري لا بد ان يؤخذ مفروض الوجود و يقع فوق دائرة الطلب، و يكون التكليف بالنسبة إليه مشروطاً لا محالة، و إلا يلزم تكليف العاجز».

324

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

325

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

326

الدليل العقلي القيود المتأخرة زماناً عن المقيّد

327

القيود المتأخرة زماناً عن المقيّد

تمهيد في نقطتين:

الأولى: في أنحاء القيود من حيث نسبتها زماناً إلى المقيّد بها

قوله (قدس) ص 338: «القيد سواء كان قيداً للحكم ... الخ».

لو نسبنا القيد إلى المقيد به من الناحية الزمانية، لوجدنا أنه يتصور على ثلاثة أنحاء:

الأول: القيد المتقدم زماناً على المقيد به، على نحو يكون زمان القيد هو الآن الأول و زمان المقيد بذلك القيد هو الآن الثاني.

الثاني: القيد المقارن زماناً لزمان المقيد به، على نحو يكون وقوع القيد و المقيد في زمان واحد.

الثالث: القيد المتأخر زماناً عن زمان المقيد به، على نحو يكون وقوع المقيد بذلك القيد متقدم زماناً على زمان حصول القيد، كأن يحصل المقيد بذلك القيد في الآن الأول، ثم يحصل القيد في الآن الثاني.

الثانية: في بيان أن المقيّد تارة يكون الوجوب و أخرى الواجب‏

ثم إن المقيد بتلك القيود بجميع أنحائها المتقدمة، تارة يكون هو الوجوب، و أخرى يكون هو الواجب، تبعاً لما ذكرناه من تصنيف و تقسيم القيود إلى قيود للوجوب و قيود للواجب، فتكون لدينا في المقام ست صور بالنسبة للأنحاء الثلاثة المتقدمة في النقطة الأولى:

1- القيود المتقدمة زماناً على المقيّد:

و هذا النحو من القيود له صورتان: الأولى: قيد الوجوب المتقدم زماناً على زمان الوجوب، من قبيل هلال شهر رمضان‏

328

الذي هو قيد لوجوب الصيام؛ فإن هلال شهر رمضان يبدأ عند الغروب، مع أن وجوب الصوم يبدأ عن طلوع الفجر.

الثانية: قيد الواجب المتقدم زماناً على زمان الواجب، من قبيل الوضوء بالنسبة إلى الصلاة؛ فإن زمان الوضوء متقدم على زمان الواجب و هو الصلاة؛ فإن المكلف يتوضأ ثم يصلي لكي تقع صلاته عن وضوء، هذا إذا فرض أن القيد هو نفس الوضوء بما هو مجموع الغسلات و المسحات لا ما إذا فرض كونه الحالة المستمرة المسببة عنه و هي الطهارة المعنوية الحاصلة بسبب فعل الوضوء؛ فإنه سوف يكون من القيد المقارن لا المتقدم كما هو واضح.

2- القيود المقارنة زماناً للمقيّد:

و هذا النحو من القيود له صورتان أيضاً:

الأولى: قيد الوجوب المقارن زماناً لزمان الوجوب، من قبيل الزوال بالنسبة لوجوب صلاة الظهر؛ فإن زمان القيد- و هو الزوال- هو بنفسه زمان وجوب الصلاة؛ حيث إنه يبدأ عند الزوال مباشرة.

الثانية: قيد الواجب المقارن زماناً لزمان الواجب، من قبيل الاستقبال بالنسبة إلى الصلاة؛ فإن الاستقبال المطلوب إنّما هو ما كان مقارناً للصلاة لا قبلها.

3- القيود المتأخرة زماناً عن المقيّد:

و هذا النحو من القيود له صورتان أيضاً:

الأولى: قيد الوجوب المتأخر زماناً عن زمان الوجوب، و قد مثل له بقيدية إجازة المالك لنفوذ بيع الفضولي بناءً على القول بأن الإجازة كاشفة عن صحة البيع من حين العقد (1)؛ فإن زمان العقد و حصول النقل و الانتقال متقدم زماناً عن قيده و هو إجازة المالك؛ فإنها متأخرة بحسب الفرض عن حصول العقد في الفضولي.

الثانية: قيد الواجب المتأخر زماناً عن زمان الواجب، و قد مثل له- بناءً على ما ذهب‏

____________

(1) بعد الالتزام بأن اجازة المالك المتأخرة عن العقد في الفضولي مصححة لذلك العقد، وقع الخلاف في كون الإجازة كاشفة عن الصحة من حين العقد أم أنها ناقلة له من حينها.

329

إليه بعض الفقهاء- بغسل المستحاضة في الليل، الدخيل في صحة صيام النهار السابق له؛ فإن صحة صوم المستحاضة في نهار يوم السبت- مثلًا- مشروط باغتسالها عند غروب ليل الأحد على ما ذهب إليه بعض الفقهاء.

و بهذا يكون مجموع الصور ستة كما ذكرنا قبل قليل.

وقوع النزاع في القيود المتأخرة زماناً عن المقيّد:

قوله (قدس) ص 339: «و من هنا وقع البحث في امكان الشرط المتأخر ... الخ».

ثم إنه لا إشكال عند الأصوليين بالنسبة إلى النحو الأول من الأنحاء الثلاثة المتقدمة بصورتيه، و كذلك بالنسبة إلى النحو الثاني بصورتيه، و إنما وقع النزاع بينهم في النحو الثالث بصورتيه من حيث إمكان ذلك و عدمه، و يطلق عليه في كلماتهم ببحث (الشرط المتأخر) و قد وقع الخلاف في ذلك على قولين:

الأول: استحالة الشرط المتأخر و امتناعه.

الثاني: إمكان الشرط المتأخر بل وقوعه.

و فيما يلي يقع الكلام في هذين القولين تباعاً إن شاء الله تعالى.

القول الأول: استحالة الشرط المتأخر و امتناعه‏

قوله (قدس) ص 339: «و منشأ الاستشكال هو أنّ الشرط ... الخ».

استند أصحاب القول باستحالة الشرط المتأخر و امتناعه، إلى أن الشرط أو القيد بالنسبة إلى المشروط به أو المقيد به إنما هو بمثابة العلّة أو جزء العلة بالنسبة إلى المشروط أو المقيد، فالمشروط معلول للشرط، و بدونه لا يكون مشروطاً؛ لأن المشروط متوقف على ما شرط به و إلا لخرج عن كونه مشروطاً، و إذا كان الأمر كذلك، فافتراض تأخر الشرط زماناً عن المشروط، يعني: افتراض تأخر العلة زماناً عن المعلول، و لا يعقل أن تتأخر العلة أو أحد أجزائها زماناً عن المعلول؛ لأنه سوف يلزم تأثير المعدوم في الموجود؛ حيث إن الشرط المتأخر يكون معدوماً في زمان المشروط به؛ لأنه بحسب الفرض قد حصل في زمان سابق على زمان الشرط، فكيف يعقل أن يكون مؤثراً- مع فرض عدمه- في المشروط السابق في زمانه عليه؟! و بهذا، يبرهن على استحالة الشرط

330

المتأخر و امتناعه‏ (1).

القول الثاني: إمكان الشرط المتأخر و عدم امتناعه‏

قوله (قدس) ص 339: «و قد أجيب على هذا البرهان ... الخ».

من الواضح: أن القول بإمكان شي‏ء معيّن مقابل القول باستحالته لا يستدعي من أصحابه إقامة البرهان على ذلك القول، بل يكفيهم أن يبطلوا الأدلة و البراهين التي تساق لإثبات الاستحالة.

و في المقام، يكفي أصحاب القول بإمكان الشرط المتأخر إبطال البرهان الذي أقامه القائلون باستحالة الشرط المتأخر، و الذي كان عبارة عن: أن القول بالشرط المتأخر يلزم منه تأثير المعدوم في الموجود، و هذا اللازم باطل، فلا بدّ من القول باستحالة الشرط المتأخر.

و قد أجيب عن هذا البرهان من قبل القائلين بإمكان الشرط المتأخر، بأن الشرط المتأخر إما أن يكون شرطاً للواجب، و إما أن يكون شرطاً للوجوب، و على كلا التقديرين لا يلزم تأثير المعدوم في الموجود.

بتقريب: إن افتراض لزوم تأثير المعدوم في الموجود، و الذي يلزم من القول بالشرط المتأخر، يبتني على أساس أنّ علاقة المشروط بشرطه من قبيل علاقة المعلول بعلته على نحو يكون الشرط علّة أو جزء العلة للمشروط، و الحال أن الأمر ليس كذلك قطعاً، سواء كان الشرط شرطاً للواجب أم كان شرطاً للوجوب.

أما فيما يتعلق بالشرط المتأخر للواجب، فلأن كون الشرط قيداً أو شرطاً للواجب مرجعه إلى تحصيص الفعل بحصة خاصة بحيث يكون المأمور به حصة خاصة من حصص الفعل لا ذات الفعل، كالصلاة متطهرا؛ فإنها حصة من حصص الصلاة كما هو واضح، و ليس القيد أو الشرط علة أو جزء العلة للفعل، ففائدة الشرط أو القيد في‏

____________

(1) قال المحقق النائيني في فوائد الأصول، ج 1، ص 272: «إن إشكال الشرط المتأخر انما هو لزوم الخلف و المناقضة، و تقدم المعلول على علته، و تأثير المعدوم في الموجود». و انظر أيضاً: كفاية الأصول، ص 118، أصول المظفر، ج 1، ص 248.

331

الواجب ليس هي إلّا التحصيص، و من المعلوم: أن التحصيص كما يمكن أن يكون بأمر مقارن أو متقدّم، كذلك يمكن أن يكون بأمرٍ متأخر.

و أما فيما يتعلق بالشرط المتأخر للحكم و للوجوب، فلأن الحكم تارة يراد به الجعل و أخرى يراد به المجعول، أما الأول، فهو منوط بتلك القيود و الشروط بوجودها اللحاظي و التقديري لا بوجودها الخارجي، و وجودها اللحاظي أو التقديري مقارن للجعل لا متأخر عنه‏ (1)، و أما الثاني- أي: المجعول- فهو و إن كان منوطاً بالوجود الخارجي لتلك القيود أو الشروط، و لكن وجود المجعول في هذه الحالة ليس وجوداً حقيقياً خارجياً مستقلًا عن وجود الجعل؛ فإنّ ما يطلق عليه المجعول ليس أكثر من أن يكون أمراً منتزعاً من انطباق الجعل على موضوعه عند ما تتحقق القيود و الشروط المأخوذة في ذلك الجعل خارجاً، فالمجعول ليس إلا مجرد وجود افتراضي و اعتباري، بمعنى: أن الشارع يفترض و يعتبر وجود المجعول و ثبوته في عهدة المكلف إذا تحقق الشرط خارجاً، وعليه، فلا محذور في إناطته بأمر متأخر، لأن معناه على ذلك: اعتبار الوجوب في عهدة المكلف في هذا الآن إذا تحقق القيد أو الشرط في الآن الثاني، و هذا مما لا محذور فيه‏ (2).

تحقيق الحال في مسألة الشرط المتأخر:

قوله (قدس) ص 340: «و التحقيق أن هذا الجواب وحده ليس كافياً ... الخ».

ذكرنا فيما سبق: أن إثبات إمكان الشرط المتأخر و نفي القول بالاستحالة، إنما يتم فيما لو تمكنا من الجواب على البرهان الذي أقامه أصحاب القول الأول لإثبات الاستحالة، و المتأمل في الجواب المتقدم الذي أجاب به أصحاب القول الثاني، يجد أنه‏

____________

(1) هذا ما أجاب به المحقق الخراساني حيث قال في كفاية الأصول، ص 93: «و التحقيق في رفع هذا الاشكال أن يقال: إن الموارد التي توهم انخرام القاعدة فيها، لا يخلو إما يكون المتقدم أو المتأخر شرطاً للتكليف، أو الوضع، أو المأمور به. أما الاول: فكون أحدهما شرطاً له، ليس إلا أن للحاظه دخلًا في تكليف الامر، كالشرط المقارن بعينه، فكما أن اشتراطه بما يقارنه ليس إلا أن لتصوره دخلًا في أمره بحيث لولاه لما كاد يحصل له الداعي إلى الأمر، كذلك المتقدم أو المتأخر».

(2) هذا ما أجاب به السيد الشهيد في تقريرات بحثه، راجع: بحوث في علم الأصول، ج 2، ص 181.

332

ليس كافياً لإبطال البرهان الذي أقامه أصحاب القول الأول‏ (1)؛ لأن غاية ما اعتمد عليه هذا الجواب، هو: أن المشروط أو المقيد في المقام هو من الأمور الاعتبارية و ليس من الأمور التكوينية، و أن ما اعتمد عليه برهان الاستحالة يختص بالأمور التكوينية (2)، و الحال أن دخالة الشرط في المشروط- سواء كان ذلك المشروط هو الواجب أم كان هو الوجوب- من الأمور التكوينية أيضاً؛ إذ أن كون الشرط شرطاً للوجوب أو الواجب ليس جزافاً، و إنما هو تابع لضابط معيّن و محدد تم تحديده و الإشارة إليه في بحث سابق، و مفاده: أن كل ما كان من شروط الاتصاف يؤخذ قيداً في الوجوب، و ما كان من شروط الترتب يؤخذ قيداً في الواجب، فما كان من شروط الوجوب يكون دخيلًا في اتصاف الفعل بالمصلحة، و ما كان من شروط الواجب يكون دخيلًا في ترتب تلك المصلحة و استيفائها.

و من الواضح: أن اتصاف الفعل المعيّن بكونه واجداً للمصلحة أمر تكويني لا اعتباري؛ إذ ليس معنى اشتراط وجوب الحج بالاستطاعة: أن الشارع اعتبر في فعل الحج مصلحة إذا كان المكلف مستطيعاً، بل معناه: أن فعل الحج واجد للمصلحة حقيقة و تكويناً إذا كان المكلف مستطيعاً، و من هنا، قلنا: إن الأحكام تابعة للمصالح و المفاسد، و إلا لكان الأمر بهذا الفعل أو ذاك عبثياً؛ إذ مجرد اعتبار المصلحة في الفعل لا يصيّره ذا مصلحة حقيقةً.

____________

(1) اعلم: إنّ إشكال استحالة الشرط المتأخر للوجوب له ثلاثة مواقع، فتارة يفرض بلحاظ عالم الجعل، و أخرى يفرض بلحاظ عالم المجعول، و ثالثة يفرض بلحاظ عالم الملاك، و الأجوبة المتقدمة إنما كانت صالحة لحل المشكلة بلحاظ عالم الجعل و عالم المجعول، و لكنها ليس صالحة لحلها بلحاظ عالم الملاك؛ لوضوح أنّ اتصاف الفعل بالمصلحة- المعبّر عنه بالملاك- هو من الأمور التكوينية و ليس من الأمور الاعتبارية

(2) قال المحقق النائيني في فوائد الأصول، ج 1، ص 280: «و أما توهم أن امتناع الشرط المتأخر إنما يكون في التكوينيات دون الاعتباريات و الشرعيات التى أمرها بيد المعتبر و الشارع، حيث إن له أن يعتبر كون الشي‏ء المتأخر شرطاً لأمر متقدم، ففساده أيضاً غني عن البيان؛ لأنه ليس المراد من الاعتبار مجرد لقلقة اللسان، بل للاعتباريات واقع، غايته أن واقعها عين اعتبارها، و بعد اعتبار شي‏ء شرطاً لشي‏ء و أخذه مفروض الوجود في ترتب الحكم عليه كما هو الشأن في كل شرط، كيف يمكن تقدم الحكم على شرطه؟ و هل هذا إلا خلاف ما اعتبره؟».

333

و كذلك الحال بالنسبة إلى ترتب المصلحة و استيفائها، فإنها أيضاً أمر تكويني، و كل ما يكون دخيلًا فيها فهو دخيل في أمر تكويني لا اعتباري، و من هنا، فلا يعقل أن يكون الأمر المتأخر- كغسل الاستحاضة في ليلة الأحد- مؤثراً في ترتب و استيفاء مصلحة الصوم في نهار يوم السبت إذا فرض أخذه قيداً في الواجب، و كذلك لا يعقل أن يكون مؤثراً في اتصاف الصوم من المستحاضة بكونه ذا مصلحة إذا فرض أخذه قيداً للوجوب؛ لأنّه من تأثير المعدوم- و هو الشرط- في الموجود- و هو المشروط- سواء كان المشروط هو اتصاف الفعل بالمصلحة إذا كان المشروط هو الوجوب، أو كان هو ترتب المصلحة و استيفاؤها إذا كان المشروط هو الواجب؛ فإنه في كليهما يكون موجوداً بحسب الفرض في الآن الذي يفرض فيه كون المؤثر فيه معدوماً.

و الجواب الذي اعتمد عليه أصحاب القول الثاني، إنما نظر إلى دخالة الشرط في الوجوب أو الواجب بحسب عالم الجعل فقط، و غفلوا عما يكشف عنه ذلك الجعل بذلك النحو من دخالة الشرط في اتصاف الفعل بالمصلحة أو دخالته في ترتب المصلحة و استيفائها، و اللذين هما من الأمور التكوينية و ليسا مجرد أمرين اعتباريين كما توهم‏ (1).

و من هنا، و نتيجةً لما قلناه، قد يقال باستحالة الشرط المتأخر سواء كان للواجب أم للوجوب‏ (2).

لزوم تأويل الموارد التي يظهر كونها من الشرط المتأخر:

قوله (قدس) ص 341: «و يلزم بتأويل الموارد التي توهم ... الخ».

ثمّ إنّه بناءً على استحالة الشرط المتأخر للبرهان الذي تقدم بيانه، لا بد من تأويل ما

____________

(1) هذا ما أشار إليه السيد الشهيد في بحوث في علم الأصول، ج 2، ص 181، حيث قال: «و أما بلحاظ عالم الملاك، فقد يتصور صعوبة دفع الاشكال فيه؛ باعتبار أن شرط الوجوب يكون مؤثراً في اتصاف الفعل بأنه ذو ملاك و مصلحة، و هو أمر تكويني خارجي يكون المؤثر فيه الشرط بوجوده الخارجي لا اللحاظي، فيلزم محذور تأثير المتأخر في المتقدم»

(2) و لكن، على الرغم من التزام السيد الشهيد بدخالة الشرط في الملاك بالنحو المتقدم، حاول التخلص من مشكلة لزوم تأثير المتأخر بالمتقدم بلحاظ عالم الملاك بأحد نحوين. راجع: بحوث في علم الأصول: ج 2، ص 181- 182.

334

يظهر كونه من الشرط المتأخر في بعض الموارد الفقهية، و ذلك بتحويل الشرط فيها من كونه شرطاً متأخراً إلى كونه شرطاً مقارناً، فيقال مثلًا بالنسبة إلى نفوذ عقد الفضولي على نحو الكشف إذا أجاز المالك بعد ذلك، بأنّ الشرط في ذلك ليس هو إجازة المالك المتأخرة فعلًا على المشروط، بل هو عبارة عن: كون العقد ملحوقاً بالإجازة، و يقال بالنسبة إلى صحة صوم المستحاضة يوم السبت المشروط باغتسالها ليلة الأحد، أن الشرط هو كون الصوم ملحوقاً بالغسل، لا نفس الغسل، و اللحوق صفة فعلية قائمة بالأمر السابق فتكون مقارنة له‏ (1).

ثمرة البحث في الشرط المتأخر إمكاناً و امتناعاً:

ظهور الثمرة من ناحيتين:

قوله (قدس) ص 341: «و ثمرة البحث في الشرط المتأخر ... الخ».

و هذا البحث- كغيره من البحوث الأخرى- لا بد- لكي يكون منتجاً- و أن ينتهي إلى نتيجة يختلف الحال فيها بين القول بإمكان الشرط المتأخر و القول بامتناعه و استحالته، و تظهر ثمرة هذا البحث من ناحيتين:

الأولى: في إمكان الواجب المعلق و امتناعه‏

قوله (قدس) ص 341: «فقد تقدم في الحلقة السابقة إن امكان ... الخ».

الناحية الأولى التي تظهر فيها ثمرة البحث في الشرط المتأخر، هي: عبارة عن: إمكان الواجب المعلّق و امتناعه، فإن إمكان الواجب المعلّق أو امتناعه منوط بإمكان الشرط المتأخر أو امتناعه؛ باعتبار أن الوجوب في الواجب المعلّق يكون فعلياً بينما الواجب فيه يكون استقبالياً، بمعنى: تقدم زمان الوجوب على زمان الواجب على نحو يكون الواجب فيه معلقاً و منوطاً بمجي‏ء وقته و ظرفه، كالصوم الواجب الذي يبدأ زمانه من طلوع الفجر بينما زمان وجوبه هو ثبوت هلال شهر رمضان عند الغروب، و حيث أن زمان الواجب،

____________

(1) هذا ما ذهب إليه صاحب الفصول و تبعه عليه بعض الأعلام وفقاً لما ذكره المحقق العراقي في نهاية الأفكار، ج 1، ص 281 حيث قال: «فلو ورد دليل يقتضي بظاهره اناطة شي‏ء بأمر متأخر، لا مجال للاستيحاش و صرف الدليل عن ظاهره إلى شرطية التعقب بالأمر المتأخر بجعل التعقب نفسه- الذي هو من الامور المقارنة- شرطاً كما عن بعض الأعلام تبعاً للفصول».

335

أي: طلوع الفجر في المثال المتقدم هو قيد في الواجب، و بما أنه غير مقدور للمكلف و خارج عن اختياره، فلا بد أن يفرض كونه قيداً للوجوب أيضاً، فإذا فرض كون الوجوب فعلياً قبل طلوع الفجر مع كونه شرطاً في فعليته- و هي الفكرة التي يبتني عليها الواجب المعلق- كان طلوع الفجر شرطاً متأخراً للوجوب، و هذا يعني: أن فكرة الواجب المعلق و إمكانه ترتبط بفكرة الشرط المتأخر و إمكانه، فإن أمكن الشرط المتأخر، أمكن تصوير الواجب المعلق، و إن استحال الشرط المتأخر، استحال الواجب المعلق أيضاً؛ لأنه إذا فرض أن طلوع الفجر ليس شرطاً متأخراً لوجوب الصوم، فلا بدّ على الأقل من كونه مقارناً، الأمر الذي يعني: أن زمان فعلية وجوب الصوم هو طلوع الفجر لا الغروب، و هو نفس زمان الواجب، فلا يكون من الواجب المعلق؛ لأنه يعتمد أساساً على فكرة تقدم زمان الوجوب و فعليته على زمان الواجب، كما مرّ بيانه في الحلقة السابقة.

الثانية: فيما لو دل الدليل على شرطية شي‏ء و تردد بين كونه متأخراً أو متقدماً

قوله (قدس) ص 341: «و تظهر من ناحية أخرى فيما إذا دل الدليل ... الخ».

و أما الناحية الثانية التي تظهر فيها ثمرة البحث في الشرط المتأخر، فهي: فيما لو دلّ الدليل على شرطية شي‏ء و ترددنا بين كون هذا الشرط من الشرط المتأخر أو من الشرط المتقدم أو المقارن؛ فإنه على القول باستحالة الشرط المتأخر، لا بدّ من حمله على كونه من الشرط المتقدم أو المقارن، و أما على القول بإمكان الشرط المتأخر، فالمتبع حينئذٍ هو ظاهر الدليل، فإن كان ظاهره كون الشرط من الشرط المتأخر تعيّن حمله عليه، و إن كان ظاهره كونه من الشرط المتقدم أو المقارن تعيّن حمله عليه أيضاً؛ إذ لا محذور في الحمل على أي منهما إذا دلّ الدليل عليه.

و من تطبيقات هذه الثمرة العقد الفضولي، فقد دل الدليل على اشتراط رضا المالك و إجازته في نفوذه، فقد تردد الأمر بين كون ذلك الشرط متقدماً أم متأخراً، الأمر الذي أدى إلى الاختلاف في كون الإجازة كاشفة عن حصول النقل و الانتقال من حين العقد فتكون الإجازة شرطاً متأخراً، أم أن النقل و الانتقال يحصل من حين الإجازة فتكون الإجازة ناقلة و شرطاً مقارناً.

336

فهنا، لو قيل بامتناع الشرط المتأخر و استحالته، فلا بد من الالتزام بصحة عقد الفضولي على نحو النقل لا الكشف؛ لأن الالتزام بصحته على نحو الكشف يقتضي إما الحمل على الشرط المتأخر بمعناه الحقيقي، و إما الالتزام بالتأويل، و الأول غير معقول؛ لاستحالة الشرط المتأخر بحسب الفرض، و الثاني خلاف الظاهر، فلا مبرّر للذهاب إليه؛ لأن ظاهر الدليل كون نفس الرضا شرطاً لا كون العقد ملحوقاً به‏ (1).

و أما لو قيل بإمكان الشرط المتأخر، فكما يمكن القول بصحة عقد الفضولي على نحو النقل، كذلك يمكن القول بصحته على نحو الكشف، و يكون المتبع- حينئذٍ- ظاهر الدليل الدال على الشرطية و الأدلة الأخرى الدالة على الكشف أو النقل.

____________

(1) نعم، لو دلّ الدليل الخاص على صحة عقد الفضولي بنحو الكشف لا النقل، أمكن الالتزام بالتأويل حتى لو كان خلاف ظاهر الدليل، فكان الأولى تصوير الثمرة كالتالي: بعد أن دلّ الدليل على شرطية رضا المالك و إجازته في نفوذ عقد البيع في الفضولي، و تردد الأمر بين القول بصحته و نفوذه على نحو الكشف أو النقل، فإن قلنا باستحالة الشرط المتأخر، تعيّن القول بصحته على نحو النقل؛ لأن القول بصحته على نحو الكشف يقتضي الالتزام بالشرط المتأخر و هو مستحيل بحسب الفرض، و إن قلنا بإمكان الشرط المتأخر، يتعين القول بصحته على نحو الكشف؛ لأنه مقتضى ظاهر الدليل، و لا مبرّر للخروج عن هذا الظاهر و تأويله ما دام الالتزام به ممكناً كما هو الفرض.

337

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

338

الدليل العقلي زمان الوجوب و الواجب (الواجب المعلّق)

339

زمان الوجوب و الواجب‏ (1) (الواجب المعلّق)

تمهيد في نقطتين:

النقطة الأولى: في بيان أن كل ما هو زمان للواجب لا بدّ أن يكون زماناً للوجوب‏

إنّ الواجب هو: الفعل الذي يتعلق به الوجوب، و الذي يحكم العقل بلزوم صدوره من المكلّف امتثالًا لذلك الوجوب، وعليه، فلا بدّ من افتراض أن الزمان الذي يستغرقه الواجب هو زمان للوجوب أيضاً، بمعنى: عدم انتهاء زمان الوجوب مع فرض أن الواجب يستغرق وقتاً أطول، فلا يمكن افتراض انتهاء زمان وجوب الصلاة قبل الوقت الذي يحتاج له المكلف عادة لفعل الصلاة؛ لأن ذلك يعني وقوع جزء من الواجب من دون أن يكون هناك أمر به، الأمر الذي لا يصدق معه الامتثال؛ لأن الامتثال فرع وجود الأمر، و ما لم ينته المكلف من الاتيان بالمأمور به كاملًا لا يعد ممتثلًا، و هذا يعني: ضرورة أن يكون زمان الواجب زماناً للوجوب أيضاً بالمعنى الذي ذكرناه‏ (2).

النقطة الثانية: ثلاث صور في بيان النسبة بين زمان الوجوب و زمان الواجب‏

لو نسبنا زمان الوجوب إلى زمان الواجب، لحصلنا على ثلاث صور:

الصورة الأولى: تقدم زمان الوجوب بكامله على زمان الواجب‏

الصورة الأولى هي: أن يتقدم زمان الوجوب بكامله على زمان الواجب، على نحو

____________

(1) يعنون هذا البحث عند الأصحاب ببحث (الواجب المعلّق)، حيث ورد في كلمات بعض الأصوليين تقسيم الواجب إلى منجّز و معلّق كما في الفصول الغروية ص 79

(2). هذا ما أشار إليه ابن العلامة في إيضاح الفوائد، ج 1، ص 273 حيث قال: «أن التكليف بفعل في زمان لا يتسع له و لا يمكن إتمامه خارج ذلك الوقت محال عند الامامية و المعتزلة؛ لأنه من باب التكليف بما لا يطاق».

340

يفترض انتهاء زمان الوجوب بكامله قبل ابتداء زمان الواجب، كأن يبدأ زمان الوجوب الساعة التاسعة، و ينتهي الساعة العاشرة ثم يبدأ بعده زمان الواجب من الساعة العاشرة إلى الساعة الثانية عشرة.

لا إشكال في بطلان الصورة الأولى:

قوله (قدس) ص 343: «لا شك في أن زمان الوجوب لا يمكن ... الخ».

لا شكّ في أن زمان الوجوب لا يمكن أن يتقدم بكامله على زمان الواجب؛ لأن الوجوب يقتضي الإتيان بمتعلقه و هو الواجب و إلا فلا معنى له و الحال في هذه الصورة أن في زمان الوجوب لا واجب مرتقب؛ إذ ليس زمانه بحسب الفرض، كما أنه في وقت زمان الواجب لا وجوب متعلق به؛ لأن زمان الوجوب قد انتهى بحسب الفرض، و في هذه الحالة يصبح الامتثال ممتنعاً كما هو واضح؛ لأن المأتي به ليس مصداقاً للمأمور به؛ إذ أن المأتي به في زمان الوجوب ليس هو الواجب؛ لأنه قد وقع في غير زمانه، و المأتي به في زمان الواجب لا يوجد أمر به؛ لأن زمان الوجوب قد انتهى بحسب الفرض.

الثانية: أن يبدأ زمان الوجوب و الواجب معاً و ينتهيان معاً

و أما الصورة الثانية فهي: أن يبدأ زمان الوجوب و الواجب معاً و ينتهيان معاً أيضاً كأن يبدأن معاً الساعة العاشرة و ينتهيان الساعة الحادية عشرة- مثلًا-.

لا إشكال في إمكان الصورة الثانية و وقوعها:

لا إشكال في إمكان هذه الصورة و وقوعها، فهي الحالة الطبيعية في أغلب الواجبات فزمان وجوب صلاة الظهر- مثلًا- يبدأ من حين الزوال إلى وقت ما قبل الغروب بمقدار زمان صلاة العصر و زمان الواجب يبدأ أيضاً من الزوال و ينتهي إلى زمان ما قبل الغروب بمقدار صلاة العصر.

الثالثة: تقدم زمان الوجوب على زمان الواجب (الواجب المعلق)

و أما الصورة الثالثة فهي: أن يتقدم زمان الوجوب على زمان الواجب و لكن ينتهيان معاً على نحو يبدأ زمان الوجوب قبل زمان الواجب بوقت معيّن ثم يبدأ زمان الواجب و يكون زمان نهايتهما معاً واحداً، كأن يبدأ زمان الوجوب الساعة التاسعة و ينتهي الساعة

341

الحادية عشرة، و يبدأ زمان الواجب الساعة العاشرة و ينتهي أيضاً الساعة الحادية عشرة، و مثل لهذه الصورة بالصوم الواجب في شهر رمضان، و افترض أن زمان وجوب الصيام يبدأ من حين طلوع هلال شهر رمضان و هو الغروب، بينما زمان الواجب و هو الصوم، فإنه يبدأ بعد ذلك من حين طلوع الفجر، و يطلق على الواجب في هذه الصورة: الواجب المعلّق.

وقوع الخلاف في امكان الواجب المعلّق و امتناعه على قولين:

قوله (قدس) ص 343: «و لكن وقع الكلام في أنه هل يمكن ... الخ».

وقع الكلام بين الأصوليين في أنه هل يمكن أن يبدأ زمان الوجوب قبل زمان الواجب على نحو يكون الوجوب فعلياً و الواجب استقبالياً بحيث يكون منوطاً بمجي‏ء زمانه و الذي اصطلح عليه بالواجب المعلّق، و قد وقع الخلاف في إمكان ذلك و عدمه على قولين:

القول الأول: إمكان الواجب الواجب المعلّق‏

قوله (قدس) ص 343: «و قد ذهب جملة من الأصوليين كصاحب الفصول ... الخ».

ذهب جملة من الأصوليين و من بينهم صاحب الفصول‏ (1) إلى إمكان تقدم بداية زمان الوجوب على بداية زمان الواجب، و أطلقوا على هذا النحو من الوجوب بالوجوب المعلق؛ و ذلك تمييزاً له عن نحو آخر من الوجوب و هو الوجوب المشروط الذي يقابل المطلق، و الذي تقدم الكلام عن إمكانه و عدم إمكانه في بحث سابق، و قد انتهينا إلى إمكان الوجوب المشروط، خلافاً للشيخ الأنصاري الذي ذهب إلى عدم إمكانه.

و يشترك الوجوب المعلق مع الوجوب المشروط في أن كلا منهما ليس ناجزاً بتمام المعنى، و يختلفان فيما بينهما من حيث أن عدم كونه ناجزاً في المشروط ينشأ من إناطة الوجوب بشرط، كإناطة وجوب الحج بالاستطاعة، أو وجوب صلاة الظهر بالزوال، و في المعلق ينشأ من عدم مجي‏ء زمان الواجب، و مثاله: وجوب الصوم في شهر رمضان؛ فإن زمان الوجوب فيه يبدأ من ثبوت هلال شهر رمضان عند الغروب، بينما يبدأ زمان الواجب‏

____________

(1) راجع: الفصول الغروية، ص 79.

342

عند طلوع الفجر و سمي بالمعلق بلحاظ أن الواجب معلق على مجي‏ء وقته و زمانه‏ (1).

القول الثاني: امتناع الواجب المعلّق و عدم امكانه‏

و هناك من الأصوليين من ذهب إلى عدم إمكان تقدم بداية زمان الوجوب على بداية زمان الواجب أي عدم إمكان الواجب المعلق‏ (2).

الدليل على استحالة الواجب المعلّق‏ (3):

و استدلوا لذلك بأدلة ثلاثة:

الدليل الأول: لزوم اللغوية من افتراض الواجب المعلّق‏

قوله (قدس) ص 343: «فإن قيل إذا كان زمان الواجب ... الخ».

إن فكرة الواجب المعلّق تعتمد على أساس تقدم بداية زمان الوجوب على بداية زمان الواجب بحيث يكون الوجوب فعلياً و الواجب منوط بمجي‏ء وقته و زمانه، كوجوب الصيام في شهر رمضان الذي يفترض أن زمان وجوبه يبدأ من حين طلوع الهلال بينما زمان الواجب لا يبدأ إلا عند طلوع الفجر، الأمر الذي يعني: كون هذا

____________

(1) قال المحقق النائيني في فوائد الأصول، ج 1، ص 186: «و الفرق بين هذا- أي الواجب المشروط- و الواجب المعلق الذي قال به صاحب الفصول، هو ان الشرط في الواجب المعلق انما يكون شرط الواجب و مما يكون له دخل في مصلحته، من دون أن يكون الوجوب مشروطاً به و له دخل في ملاكه. و هذا بخلاف ذلك، فإن الشرط إنما يكون شرطاً للوجوب و له دخل في ملاكه»

(2) و منهم الشيخ محمد حسين الغروي الأصفهانى كما جاء عنه في نهاية الدراية في شرح الكفاية، ج 2، ص 592 حيث قال: «و مما ذكرنا يظهر أن الالتزام باشتراط التكليف بالزمان المتأخر بنحو الشرط المتأخر لا يجدى شيئاً، فإن فيه محذور استحالة الوجوب المعلق، لانفكاك زمان الواجب عن زمان الوجوب و محذور استحالة الشرط المتأخر». و كذلك المحقق النائيني في فوائد الأصول، ج 1، ص 186: «إن امتناع الواجب المعلق في الأحكام الشرعية التي تكون على نهج القضايا الحقيقية بمكان من الوضوح، بحيث لا مجال للتوهم فيه. نعم في القضايا الخارجية يكون للتوهم مجال، و ان كان الحق في ذلك أيضا امتناعه»

(3) هذه الأدلة التي سوف نستعرضها تحت هذا العنوان لم يعنونها السيد الشهيد بعنوان الأدلة فإنّ الأول منها استعرضه بقوله: فإن قيل، و الثاني و الثالث منها استعرضهما بعنوان: الاعتراض على إمكان الواجب المعلّق، و قد عمدنا إلى عنونتها بعنوان الأدلة لأجل وضع المنهجية المناسبة للبحث بالنحو التي تساهم في تسهيل المطلب المبحوث عنه في المقام.

343

الوجوب من فترة بدايته إلى فترة بداية زمان الواجب وجوباً معطلًا عن الامتثال في تلك الفترة؛ لأن الواجب المأمور به لم يأتِ زمانه بعد بحسب الفرض، وعليه، فلا قيمة لمثل هذا الوجوب ما دام وجوباً معطلًا عن الامتثال؛ لأن الغاية من جعل الوجوب هو امتثاله و الإتيان بمتعلقه و هو الواجب، فجعله بهذا النحو- و الحال هذه- يلزم منه اللغوية على المولى سبحانه و تعالى، و كل ما يلزم من جعله اللغوية استحال جعله.

تقييم السيّد الشهيد (قدس) لهذا الدليل:

قوله (قدس) ص 344: «كان الجواب أن فعلية الوجوب ... الخ».

إن هذا النحو من الاستدلال يعتمد أساساً على فكرة أن الغرض من جعل الوجوب في وقت معين ليس هو إلا امتثاله و الإتيان بمتعلقه، الأمر الذي يعني وفقاً لهذه الفكرة لغوية جعله في زمان لم يكن المكلف قادراً على امتثاله في هذا الزمان؛ باعتبار أن زمان الواجب متأخر عن زمان الوجوب، و لكن الأمر ليس كذلك؛ لأن فعلية الوجوب و كونه بهذا الزمان أو ذاك تابعة لفعلية الملاك، و معنى فعلية الملاك هو: اتصاف الفعل الذي تعلق به الوجوب بكونه ذا مصلحة، وعليه، فالمناط في زمان فعلية الوجوب هو الزمان الذي يتصف الفعل بكونه ذا مصلحة، فمتى ما اتصف الفعل بكونه ذا مصلحة استحق الوجوب الفعلي، و أما زمان الواجب فهو دخيل في ترتب تلك المصلحة و استيفائها، فقد يفترض ترتب المصلحة و استيفائها بنفس الزمان الذي اتصف الفعل بكونه ذا مصلحة مباشرة، و قد يفترض أن ترتب تلك المصلحة و استيفائها لا يتم إلا بعد زمان اتصاف الفعل بالمصلحة، و كلا هذين الفرضين لا محذور فيه، وعليه، فإذا افترضنا أن طلوع الفجر ليس من شروط الاتصاف، بل كان من شروط الترتب خاصة- و أن ما هو من شروط الاتصاف طلوع هلال شهر رمضان فقط كما هو مقتضى الواجب المعلق إذ لو فرض كون طلوع الفجر من شروط الاتصاف أيضاً لما كان الوجوب متقدماً زماناً على الواجب و لما كان مثل هذا الواجب معلقاً- فإنه على هذا الفرض سوف يتصف صوم النهار بكونه ذا مصلحة من حين طلوع الهلال، فيكون الوجوب فعلياً بفعلية ملاكه حتى لو كان زمان الواجب منوطاً بطلوع الفجر؛ لأن طلوع الفجر من شروط الترتب.

344

إن قلت: إن هذا و إن كان صحيحاً و تاماً و لكن لا يدفع محذور اللغوية؛ إذ بالإمكان القول بأن الفعل و إن كان متصفاً بالمصلحة قبل زمان الواجب، و لكن حيث إنه لا يقتضي امتثالًا له في ذلك الزمان، فلا داعي إلى جعل بدايته متقدمة زماناً على بداية زمان الواجب، بل بالإمكان جعل بداية زمان الوجوب نفس بداية زمان الواجب، و يكون قد حقق الغرض من ذلك.

كان الجواب: إن لفعلية الوجوب قبل زمان الواجب آثاراً عملية على الرغم من عدم التمكن من امتثاله في تلك الفترة، و من جملة تلك الآثار هو تهيئة المقدمات التي يتوقف عليها ذلك الواجب فيما لو لم يتمكن المكلف من الإتيان بها في زمان الواجب؛ و ذلك لأن الوجوب إذا أصبح فعلياً كان محرّكاً نحو تلك المقدمات، و كان المكلف مسئولًا عن تهيئتها تبعاً لتحريكه نحو الواجب، فإذا فرض أن زمان الواجب كان متأخراً و المكلف غير متمكن من التحرك نحوه في تلك الفترة، فهذا لا يسقط عنه المسئولية بالنسبة للمقدمات التي يتوقف عليها الواجب، و هذه الفائدة كافية لوحدها لرفع محذور اللغوية.

الدليل الثاني: لزوم انتفاء الوجوب من افتراض الواجب المعلّق‏ (1)

قوله (قدس) ص 344: «الأول: أن الوجوب حقيقته البعث ... الخ».

و هذا الدليل يتألف من مقدمتين:

الأولى: إن قابلية البعث تلازم قابلية الانبعاث، فحيث لا قابلية للانبعاث، فلا قابلية للبعث.

الثانية: لا وجوب مع عدم القابلية للبعث.

و نتيجة هاتين المقدمتين عدم إمكان تقدم زمان الوجوب على زمان الواجب‏ (2).

____________

(1) هذا الدليل هو عبارة عن الاعتراض الأول من الاعتراضين اللذين ذكرهما السيد الشهيد على امكان الواجب المعلّق‏

(2) هذا الدليل على استحالة الواجب المعلق نسبه المحقق الخراساني إلى بعض أهل النظر من معاصريه كإشكال على الواجب المعلق، حيث قال: «ثم إنه ربما حكي عن بعض أهل النظر من أهل العصر إشكال في الواجب المعلق، و هو أن الطلب و الايجاب، إنما يكون بإزاء الارادة المحركة للعضلات نحو المراد، فكما لا تكاد تكون الارادة منفكة عن المراد، فليكن الايجاب غير منفك عما يتعلق به، فكيف يتعلق بأمر استقبالي؟ فلا يكاد يصح الطلب و البعث فعلا نحو أمر متأخر». راجع: كفاية الأصول، ص 102.

345

توضيح ذلك:

إن حقيقة الوجوب هي عبارة عن البعث و التحريك نحو متعلقه، فحقيقة وجوب الصلاة هي البعث و التحريك نحو فعل الصلاة، و لكن لا بمعنى البعث و التحريك الفعلي و إلا لكان الانبعاث و الامتثال ملازماً له؛ لأن البعث ملازم للانبعاث، بل بمعنى البعث الشأني، أي: أنه حكم قابل للباعثية، و قابلية البعث تلازم قابلية الانبعاث، فإن الشي‏ء الذي لا توجد فيه قابلية البعث لا يمكن تصور قابلية الانبعاث عنه، فحيث لا قابلية للانبعاث في الفترة السابقة على زمان الواجب، فلا قابلية للبعث، و مع عدم القابلية للبعث فلا وجوب.

و بعبارة أخرى: إن الغرض من جعل الوجوب هو كونه قابلًا لبعث المكلف نحو إيجاد متعلقه و هو الواجب؛ إذ لا معنى لجعل الوجوب إلا هذا الغرض، فالوجوب متقوم بالبعث، و الحال أن المكلف- وفقاً لتصوير الواجب المعلق- غير قادر للانبعاث عن ذلك الوجوب؛ لفرض أن زمان الواجب لم يأتِ بعد، و مع عدم الانبعاث فلا بعث؛ إذ لا يمكن تصور بعث من دون انبعاث، و مع عدم البعث فلا وجوب، الأمر الذي يعني: أنه لا وجوب إلا في الزمان الذي يكون فيه المكلف قادراً على الانبعاث نحو متعلق الوجوب و ليس هو إلا زمان الواجب، فلا تقدم لزمان الوجوب على زمان الواجب، فلا واجب معلق.

تقييم السيد الشهيد (قدس) لهذا الدليل:

قوله (قدس) ص 345: «و يرد عليه أن الوجوب حقيقته ... الخ».

إن الركيزة التي يعتمد عليها هذا النحو من الاستدلال هي: عبارة عن: دعوى تقوم الوجوب بالبعث بالنحو الذي ينتفي معه الوجوب في الفترة التي لا يكون له القابلية على بعث المكلف نحو إيجاد متعلقه، و هذا الكلام لا دليل عليه؛ لأن الوجوب حقيقته في عالم جعل الحكم أمر اعتباري و ليس متقوماً بالبعث الفعلي أو البعث الشأني، نعم، لا وجوب مع عدم قابليته لأن يبعث المكلف نحو إيجاد متعلقه مطلقاً بالنحو الذي لا يتمكن المكلف من الانبعاث عنه دوماً و باستمرار، و لكن أين هذا مما نحن فيه، فالفرق واضح بين القول بأن الوجوب متقوم في كل آن آن بالبعث الشأني و بين القول بأنه لا وجوب مع عدم قدرة المكلف على إيجاد متعلقه على طول الزمان، فإن دليل الثاني‏

346

عبارة عن عدم صحة تحريك من ليس قادراً على التحرك، و أما الأول، فلا دليل عليه و إنما المستظهر من دليل جعل الوجوب هو جعله بداعي البعث و التحريك، بمعنى: إعداده لكي يكون محركاً شأنياً خلال فترة ثبوته، و لا دليل على أن المقصود جعله كذلك من بداية ثبوته، و ما نحن فيه له القابلية لبعث المكلف و تحريكه نحو المتعلق و لو في فترة زمان الواجب، و هذا كافٍ في جعله.

الدليل الثالث: لزوم محذور الشرط المتأخر من تصوير الواجب المعلّق‏ (1)

قوله (قدس) ص 345: «الثاني: أنّ طلوع الفجر إما أن يؤخذ قيداً ... الخ».

إن زمان الواجب كطلوع الفجر- مثلًا- إما أن يؤخذ قيداً في الواجب فقط من دون أن يؤخذ قيداً في الوجوب أيضاً و إما أن يؤخذ إضافة إلى أخذه قيداً في الواجب قيداً في الوجوب أيضاً بحيث يكون لوجوب الصوم في شهر رمضان شرطان: أحدهما ثبوت هلال شهر رمضان، و الثاني طلوع الفجر، و الشق الأول غير معقول؛ لأنه يلزم منه التكليف بغير المقدور و هو مستحيل؛ لأن طلوع الفجر أمر خارج عن قدرة المكلف و اختياره، و الحال أن الوجوب فعلي قبل طلوع الفجر على هذا الفرض، الأمر الذي يلزم كون الوجوب محركاً نحوه؛ لما تقدم من مسئولية المكلف تجاه مقدمات و قيود الواجب بعد أن يصبح الوجوب فعلياً، فيتعين الشق الثاني و هو كون طلوع الفجر شرطاً في الوجوب أيضاً، و حينئذٍ إما أن يكون شرطاً مقارناً، و إما أن يكون شرطاً متأخراً، فإن كان الأول، فهذا يعني أنّ زمان الوجوب هو طلوع الفجر، و هو نفسه زمان الواجب، و هذا معناه عدم تقدم بداية زمان الوجوب على زمان الواجب، و إن كان الثاني، فهذا يعني أن زمان الوجوب يبدأ من حين ثبوت الهلال و إن كان منوطاً أيضاً بطلوع الفجر، الأمر الذي يعني: تقدم زمان الوجوب على زمان الواجب، و يصح معه الواجب المعلق، و لكن يلزم منه محذور الشرط المتأخر، فإن قلنا بإمكان الشرط المتأخر أمكن الواجب المعلق أيضاً، و إن قلنا بامتناعه و عدم إمكانه، امتنع الواجب المعلق، و هذا ما نبهنا عليه في الحلقة

____________

(1) هذا الدليل هو عبارة عن الاعتراض الثاني من الاعتراضين اللذين ذكرهما السيد الشهيد على امكان الواجب المعلّق.

347

السابقة من أن إمكان الوجوب المعلق يتوقف على افتراض إمكان الشرط المتأخر (1).

و نفس الشي‏ء الذي قلناه بالنسبة إلى طلوع الفجر في الشقوق المذكورة نقوله بالنسبة إلى القدرة على الصيام عند طلوع الفجر حرفاً بحرف.

ثمرة البحث في إمكان الواجب المعلق أو امتناعه:

قوله (قدس) ص 346: «و أما ثمرة البحث في إمكان ... الخ».

إن ثمرة البحث في إمكان الواجب المعلق أو امتناعه تظهر بالنسبة إلى توجيه و تصحيح مسئولية المكلف تجاه المقدمات المفوتة للواجب، كاغتسال الجنب قبل الفجر الذي هو شرط في صحة صيامه، و كالسفر إلى الميقات قبل يوم عرفة، فإن عدم المبادرة إليهما قبل زمان الواجب يؤدي إلى فوات الواجب في زمانه كما هو واضح، و حيث إنّ مسئولية المكلف تجاه مقدمات الواجب لا تبدأ إلا بعد أن يصبح الوجوب فعلياً، و حيث إنّه ثبت فقهياً أن المكلف مسئول عن تحصيل مقدمات الواجب من قبيل الاغتسال قبل الفجر و السفر إلى الميقات قبل يوم عرفة، فإن قلنا إنه لا فعلية للوجوب قبل زمان الواجب، فلا مسئولية للمكلف تجاه تلك المقدمات، و الحال أنه قد ثبت فقهياً مسئولية المكلف تجاهها، فلا بدّ من بيان الوجه في تصحيح تلك المسئولية، و إن قلنا بإمكان تقدم بداية زمان الوجوب على زمان الواجب، كان المكلف مسئولًا عن تحصيل تلك المقدمات حتى قبل زمان الواجب، و هذا يعني أنّ القول بإمكان الواجب المعلق يصحح مسئولية المكلف تجاه المقدمات المفوتة للواجب‏ (2)، و أما على القول باستحالة الواجب المعلق و عدم إمكانه فلا بدّ من البحث عن وجه آخر يتم من خلاله تفسير مسئولية المكلف تجاه المقدمات المفوتة، و هذه هي ثمرة البحث في إمكان الواجب المعلق و امتناعه.

____________

(1) قال السيد الشهيد بحسب ما جاء عنه في بحوث في علم الأصول، ج 2، ص 202: «و هكذا يتضح امكان الواجب المعلّق و عدم لزوم محذور منه».

(2) و هذا ما ذهب إليه المحقق الخراساني، راجع: كفاية الأصول، ص 105.

348

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

349

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

350

الدليل العقلي المسئولية عن المقدمات قبل الوقت (المقدمات المفوتة للواجب)

351

المسئولية عن المقدمات قبل الوقت «المقدمات المفوتة للواجب» (1)

تمهيد:

قوله (قدس) ص 347: «اتضح مما تقدم أن المسئولية تجاه ... الخ».

اتضحت من خلال البحوث السابقة ثلاثة أمور:

الأول: إن المكلف مسئول عقلًا عن تحصيل المقدمات التي يتوقف عليها امتثال الواجب تبعاً لمسئوليته عن نفس الواجب، فمن وجبت عليه الصلاة وجوباً فعلياً، وجب عليه الوضوء و الطهارة باعتبارها مقدمة يتوقف عليها إيجاد الواجب و هو الصلاة متطهراً.

الثاني: إن مسئولية المكلف تجاه مقدمات الواجب تبدأ من حين أن يصبح الوجوب فعلياً بفعلية موضوعه و فعلية المقدمات التي يتوقف عليها ذلك الوجوب، الأمر الذي يعني: أنه قبل فعلية الوجوب لا مسئولية للمكلف تجاه مقدمات الواجب لعدم مسئوليته تجاه نفس الواجب، فمن لم تجب عليه الصلاة وجوباً فعلياً، لا يجب عليه الوضوء للصلاة، و هذا يعني: أن المكلف غير مسئول عقلًا عن تحصيل مقدمات الواجب قبل وقت الوجوب.

الثالث: إن القيود و المقدمات التي يتوقف عليها إيجاد الواجب و امتثاله، تارة تكون‏

____________

(1) ينبغي الالتفات إلى أنّ البحث في المقدمات المفوتة للواجب و بيان كيفية تخريج مسئولية المكلف تجاهها، إنما جاء نتيجة لما ثبت في الفقه من وجوب تحصيلها قبل زمان الواجب مع أنّ مقتضى القاعدة الأصولية هو عدم مسئولية المكلّف تجاه مقدمات الواجب إلا بعد أن يصبح الوجوب فعلياً، و من هنا بحثوا بحثاً ثبوتياً في كيفية تخريج ذلك بالنحو الذي يمكن معه افتراض فعلية الوجوب قبل تحققها و قبل زمان الواجب.

352

مقدورة للمكلف، مثل الطهارة للصلاة، و أخرى تكون غير مقدورة و ليست داخلة تحت اختيار المكلف، مثل الوقت الذي يناط به الواجب.

ففي الحالة الأولى لا مانع من أن يكون ذلك القيد أو تلك المقدمة قيداً أو مقدمة للواجب فقط من دون أن يكون قيداً للوجوب أيضاً.

و أما في الحالة الثانية، فلا بدّ من أخذها- إضافة إلى كونها قيداً في الواجب- قيداً في الوجوب أيضاً. و الوجه في ذلك ما ذكرناه سابقاً، من: أن أخذها قيداً في الواجب فقط، يعني: أن الوجوب يكون فعلياً قبل تحققها، الأمر الذي يقتضي أن يكون ذلك الوجوب محركاً نحوها. فإذا كانت غير مقدورة لزم التكليف بغير المقدور و هو مستحيل، فلا بد من أخذها أيضاً قيداً في الوجوب بالنحو الذي لا يكون الوجوب فعلياً بدونها، و بعد تحققها و وجودها، فليس على المكلف إلا إيقاع الواجب مقيداً بها، فلا يلزم التكليف بغير المقدور.

المقدمات المفوتة للواجب:

المقدمات المفوتة للواجب، هي: تلك المقدمات التي لو لم يبادر المكلف إلى إيجادها قبل زمان الواجب لما كان متمكناً من الإتيان بالواجب في وقته، فكل مقدمة من هذا القبيل تسمى بالمقدمة المفوتة؛ لأجل فوات الواجب بسببها لو لم يبادر إليها المكلف قبل زمان الواجب، و هذا النحو من المقدمات يختص بالمقدمات المقدورة للمكلف كما هو واضح.

مقتضى القاعدة الأصولية بدواً هو عدم مسئولية المكلف تجاهها:

و مقتضى القاعدة الأصولية و وفقاً للأمور الثلاثة المتقدمة، هو: أن المكلف غير مسئول عقلًا عن تحصيل مقدمات الواجب إلا بعد أن يصبح الوجوب فعلياً، و حيث إنه لا فعلية للوجوب إلّا في زمان الواجب، و حيث إنه في زمان الواجب تصبح المقدمة غير مقدورة للمكلف بحسب الفرض و إلا لما كانت مقدمة مفوتة، فهذا يعني: أنها تصبح من مقدمات الوجوب أيضاً وفقاً لما قررناه سلفاً، الأمر الذي يعني أنه لا فعلية للوجوب بدونها، و المكلف غير مسئول عن تحصيل مقدمات الواجب، فلا مسئولية للمكلف تجاه المقدمات‏

353

المفوتة للواجب، و عدم مبادرة المكلف إليها يحول دون تحقق الوجوب و فعليته لا أنه يتورط في مخالفته، و لا محذور في ذلك. هذا هو مقتضى القواعد الأصولية المقررة في محلها (1).

المقدمات المفوتة للواجب على قسمين:

ثم إن المقدمات المفوتة للواجب- و التي لو لم يبادر إليها المكلف قبل زمان الواجب لما كان متمكناً من امتثال الواجب في حينه و وقته- يمكن تقسيمها إلى قسمين:

الأول: المقدمات التي يفوت الواجب بسببها في ظرف دون آخر

قوله (قدس) ص 347: «و مثال ذلك أن يعلم المكلف قبل الزوال ... الخ».

و هذا القسم من المقدمات، هي: تلك المقدمات التي يتفق أحياناً عدم قدرة المكلف على إيجادها في زمن الواجب و إن كان قادراً على إيجادها في زمنه في الأحيان‏

____________

(1) هذا بناءً على الالتزام بعدم فعلية الوجوب و التكليف قبل زمان الواجب في المعلق و قبل تحقق الشرط في الخارج في المشروط، و أما بناءً على الالتزام بفعلية التكليف فيهما قبل ذلك، فسوف يكون وجوب تلك المقدمات على وفق مقتضى القاعدة، و هذا ما أشار إليه المحقق العراقي في نهاية الافكار ج 1، ص 318، حيث قال: «و أما سائر القيود الوجودية للواجب، من المقدمات المفوتة التي لا يقدر على تحصيلها فيما بعد في زمان الواجب في المعلق و في ظرف حصول المنوط به و الشرط في المشروط، فلا اشكال فيها أيضاً في ثبوت الوجوب لها في الحال بحيث يجب على المكلف تحصيلها في الحال قبل حصول المنوط به و الشرط في الخارج. و هذا بناء على ما اخترناه سابقاً من فعلية الإرادة و التكليف في المعلق و المشروط قبل حصول المنوط به و الشرط في الخارج في غاية الوضوح، لأن مقتضى فعلية الوجوب و التكليف فيهما حينئذ هو ترشح الوجوب الغيرى إلى تلك المقدمات، فتصير حينئذ واجبة بالوجوب الغيرى المقدمي.

و أما بناء على القول بعدم فعلية الإرادة و التكليف بهما قبل حصول القيد في الخارج ففيه إشكال؛ من جهة أنه من المستحيل حينئذ ثبوت الوجوب الغيري لتلك المقدمات في الحال مع عدم فعلية الوجوب بالنسبة إلى ذيها، فعلى ذلك، لو قيل بوجوبها في الحال، فلا بد و أن يكون بوجوب نفسي و لو تهيئي لا غيري مقدمي، و هو ايضاً مما يحتاج إلى قيام دليل عليه بالخصوص، من إجماع، أو غيره يقتضي وجوب تحصيلها بوجوب نفسي تهيئي، و حينئذٍ، فإن قام في البين نص أو إجماع على وجوب تحصيل تلك المقدمات تعبداً فهو، و إلا، فمقتضى القاعدة بعد عدم فعلية الوجوب و التكليف بالنسبة إلى ذيها هو عدم وجوبها و إن كان أدى تركها في الحال إلى ترك الواجب في ظرفه عند حصول قيده و شرطه من جهة امتناع تحققه في ظرفه حينئذ بعد ترك تلك المقدمات في الحال».

354

الأخرى، و ذلك من قبيل: الوضوء- مثلًا- فقد يتفق أحياناً أن يكون الوضوء من المقدمات المفوتة للواجب بحيث لو لم يبادر المكلف إليها قبل زمان الواجب لما كان متمكناً منها في زمن الواجب، كما لو كان المكلف يعلم قبل الزوال بأنه إذا لم يتوضأ الآن فلن يكون قادراً على الوضوء بعد الزوال لأي سبب كان، ففي هذه الحالة، لا يكون المكلف مسئولًا عن تحصيل الوضوء قبل الزوال و إن كان متمكناً منه الآن و غير متمكن منه حين الزوال أو بعده، الأمر الذي لا يمكن معه الصلاة بوضوء حين الزوال.

و لا يكون المكلّف بذلك مخالفاً للتكليف بالصلاة بوضوء؛ لأنّ هذا التكليف ليس فعلياً قبل الزوال، و مع عدم فعليته لا يكون المكلف مسئولًا عن تحصيل مقدمات الواجب.

نعم، إذا تحقق الزوال أصبح ذلك التكليف فعلياً، و لكن لا مطلقاً، بل فيما إذا لم تكن فعليته منوطة بأمر آخر، و الحال إن فعلية وجوب الصلاة بعد الزوال منوطة بقدرة المكلف على الإتيان بمتعلقه و هو الصلاة بوضوء بحسب الفرض، و إلا كان تكليفاً بغير المقدور و هو مستحيل. و القدرة على الصلاة بوضوء متوقفة- بحسب الفرض- على أن يكون المكلف قد توضأ قبل الزوال، الأمر الذي يعني: أن الوضوء قبل الزوال أصبح دخيلًا في فعلية الوجوب، فيكون من مقدمات الوجوب.

و من المعلوم: أنّ المكلف غير مسئول عقلًا عن تحصيل مقدمات الوجوب؛ لأن المسئولية إنما تبدأ من حين يصبح الوجوب فعلياً، و الحال أنّه لا فعلية بدونها، فلا مسئولية، فبترك المكلف للوضوء سوف يحول دون اتصاف وجوب الصلاة بالفعلية بعد تحقق الزوال، و مع عدم الفعلية لا شي‏ء في عهدة المكلف حتى يكون قد تورط في مخالفته، غاية الأمر، أنّ المكلّف بتركه للوضوء قبل الزوال قد حال دون اتصاف وجوب الصلاة بالفعلية، و لا محذور في أن يحول المكلف دون اتصاف الوجوب بالفعلية، و لكن المحذور في أن لا يمتثل الوجوب بعد أن يصبح فعلياً (1).

____________

(1) هذا بحسب مقتضى القاعدة الأصولية، و لكن الأمر ليس كذلك من الناحية الفقهية، فقد تسالم الفقهاء على وجوب حفظ الماء قبل الوقت لمن يعلم أنه لا يجده بعد الوقت، بل قد أفتى البعض بلزوم تحصيل الماء قبل الوقت لو علم أنه لا يتمكن منه بعد الوقت.

355

الثاني: المقدمات التي يفوت الواجب بسببها في جميع الظروف و الحالات‏

قوله (قدس) ص 348: «و لكن يلاحظ أحياناً أن الواجب قد يتوقف ... الخ».

و أما القسم الثاني من المقدمات، فهي: تلك المقدمات التي لو لم يبادر إليها المكلف قبل وقت الواجب في جميع الظروف و الحالات، لفاته الواجب في حينه، و لما كان متمكناً من الإتيان بها في ظرف الواجب، فهي غير مقدورة للمكلف في ظرف الواجب دوماً و أبداً.

و مثالها: السفر قبل يوم عرفة، الذي يتوقف عليه الكون في عرفة في ذلك اليوم لمن وجب عليه الحج، فالبعيد الذي لم يسافر قبل يوم عرفة، لن يكون متمكناً من أداء الحج و الكون في عرفة في ذلك اليوم، و كذلك الاغتسال للجنب الذي يتوقف عليه صحة الصوم حين طلوع الفجر، فالجنب الذي لم يغتسل قبل طلوع الفجر، لن يكون متمكناً من الصوم حين طلوع الفجر (1).

و مقتضى القاعدة الأصولية، و ما قررناه سلفاً من خلال الأمور الثلاثة المتقدمة، هو: أن المكلف غير مسئول عن تحصيل مقدمات الواجب إلا بعد أن يصبح الوجوب فعلياً، و لا فعلية بحسب الفرض لوجوب الحج قبل يوم عرفة، أو وجوب الصوم قبل طلوع الفجر، فالمفروض أن لا يكون المكلف مسئولًا عن تحصيل المقدمات المفوتة و إن كانت من هذا القبيل.

و لكن الالتزام بعدم وجوب السفر قبل يوم عرفة و عدم وجوب الغسل للجنب قبل الفجر يجعل من وجوب الحج بالنسبة للبعيد، و وجوب الصوم بالنسبة للجنب معلقين على أمرين اختياريين، و هذا يتنافى مع وجوبهما مطلقاً كما هو واضح؛ حيث ثبت فقهياً وجوب الحج عند الاستطاعة على البعيد و القريب، و وجوب الصوم على المجنب و غيره، الأمر الذي يعني وجوب السفر قبل يوم عرفة لكي يدرك عرفة و يتمكن من الحج في‏

____________

(1) و منها: الحكم بوجوب حفظ الاستطاعة في أشهر الحج، مع أنها مقدمة وجوبية، بل أفتى البعض بلزوم حفظها مطلقاً و لو قبل أشهر الحج، فلا يجوز صرف المال مثلًا في غير الحج، و هكذا الحكم بلزوم تحصيل المقدمات الوجودية قبل وقت الحج، كالسير مع الرفقة و نحوه.

و منها: الحكم بلزوم التعلم على الصبي قبل بلوغه إذا علم بفوت الواجب بعد البلوغ لو تركه.