البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - ج3

- الشيخ أياد المنصوري المزيد...
584 /
356

حينه، و وجوب الاغتسال على المجنب قبل طلوع الفجر لكي يتمكن من الصوم عند طلوع الفجر، كما أن افتراض عدم وجوب المقدمات المفوتة من هذا القبيل يؤدي إلى إلغاء الواجب بالمرة، و هو ما ينافي وجوبه قطعاً (1).

و من هنا، وقع البحث عند الأصوليين في تفسير ذلك و توجيهه، و في تحديد الضوابط التي على أساسها يلزم المكلف بإيجاد المقدمات المفوتة.

الوجوه المذكورة في تفسير مسئولية المكلف تجاه المقدمات المفوتة:

قوله (قدس) ص 349: «و قد ذكرت في المقام عدة تفسيرات ... الخ».

ينبغي الإشارة إلى أن مشكلة المقدمات المفوتة للواجب، نشأت من افتراض أمرين تاليين:

الأول: إن مسئولية المكلف تجاه مقدمات الواجب، إنما تبدأ بعد أن يصبح الوجوب فعلياً.

الثاني: أنه لا فعلية للوجوب قبل زمان الواجب؛ لأن زمان الواجب من القيود الدخيلة في فعلية الوجوب.

و من المعلوم: أن مسئولية المكلف تجاه المقدمات المفوتة للواجب ليست استثناءً من الأمر الأول؛ لوضوح أن المسئوليّة فرع الفعلية، و مع عدم الفعلية لا مسئولية، فلن يبق إلا الأمر الثاني، و القول بأن زمان الواجب ليس من الضروري أن يكون دوماً دخيلًا في فعلية الوجوب على نحو يمكن أن يكون الوجوب فعلياً حتى قبل زمان الواجب، و معه، تصبح مسئولية المكلف تجاه المقدمات المفوتة على وفق القاعدة؛ لأنه إذا كان‏

____________

(1) قال المحقق النائيني في فوائد الأصول، ج 1، ص 201: «ثم لا يخفى عليك: إن عدم وجوب تحصيل القدرة في هذا القسم، إنما هو فيما إذا لم يتوقف الواجب على تهيئة مقدماته العقلية التى لها دخل في القدرة قبل الوقت دائماً أو غالباً، فلو توقف الواجب دائماً أو غالباً على تهيئة المقدمات قبل الوقت، بحيث يكون حصول المقدمات في الوقت لا يمكن، أو أمكن بضرب من الاتفاق، كان اللازم تهيئة المقدمات من قبل، لأن نفس كون الواجب كذلك يلازم الأمر بتحصيل المقدمات من قبل، و الا للغى الواجب بالمرة فيما إذا كان التوقف دائمياً، أو قل مورده فيما إذا كان غالبياً، ففى مثل هذا لا نحتاج الى قاعدة الامتناع بالاختيار، بل نفس الدليل الدال على وجوب الواجب يدل على وجوب تحصيل مقدماته من قبل بالملازمة و دليل الاقتضاء».

357

فعلياً حتى قبل مجي‏ء زمان الواجب، كان محرّكاً نحوها، و يكون المكلف مسئولًا عن تحصيلها قبل زمان الواجب، و كل التفسيرات التي سوف نستعرضها تقوم على أساس افتراض فعلية الوجوب قبل زمان الواجب، و فيما يلي أهم تلك التفسيرات:

التفسير الأول: الالتزام بانكار الوجوب المشروط

قوله (قدس) ص 349: «التفسير الأول: انكار الوجوب المشروط ... الخ».

و هو التفسير الذي تبناه الشيخ الأنصاري، و الذي يقوم على أساس الالتزام بأن كل وجوب فعلي حتى قبل أن تتحقق القيود و الشروط المأخوذة فيه بلسان الدليل، و إن كل تلك القيود أو الشروط إنما هي قيود و شروط للواجب و ليست قيوداً أو شروطاً للوجوب. فالاستطاعة- مثلًا- ليست قيداً في وجوب الحج، و إنما هي قيد في الحج الواجب، فالمطلوب من المكلف الحج المقيد بالاستطاعة، و الصلاة المقيدة بالزوال، و هكذا.

و إذا كان الوجوب فعلياً قبل تحقق القيود و الشروط، فسوف تبدأ محركيته نحو المقدمات التي يتوقف عليها ذلك الواجب حتى قبل مجي‏ء ظرف الواجب و زمانه، و تكون مسئولية المكلف تجاه المقدمات المفوتة على وفق القاعدة.

و من هنا، كان امتناع الوجوب المشروط يعني- من الناحية العملية-: إلزام المكلف بالمقدمات المفوتة للواجب من قبل نفس ذلك الوجوب، و هذه هي ثمرة البحث في إمكان الوجوب المشروط و أقسامه، و التي قد أشرنا إليها سابقاً.

تقييم السيد الشهيد (قدس) لهذا التفسير:

قوله (قدس) ص 349: «و قد تقدم أن الصحيح امكان ... الخ».

و لما كان التفسير المتقدم يقوم- كما هو واضح- على فكرة إنكار الوجوب المشروط و القول بامتناعه، كانت صحته متوقفة على صحة القول بامتناع الوجوب المشروط، و حيث تقدم في البحوث السابقة أنه لا دليل على هذا الامتناع المدعى، و أن الصحيح هو إمكان الوجوب المشروط، فلا وجه لصحة مثل هذا التفسير، و هذا اشكال مبنائي كما هو واضح حيث إننا ننكر أصل المبنى الذي يقوم عليه هذا التفسير و التوجه.

358

التفسير الثاني: الالتزام بامكان الواجب المعلق‏

قوله (قدس) ص 349: «التفسير الثاني: و هو يعترف بامكان الوجوب ... الخ».

و أما التفسير الثاني، فهو: التفسير الذي تبنّاه صاحب الفصول، و تبعه عليه صاحب الكفاية، و الذي يقوم على أساس افتراض إمكان الوجوب المعلق مع الالتزام بإمكان الوجوب المشروط أيضاً.

و حيث تقدم أن فكرة الوجوب المعلق تقوم على أساس افتراض تقدم بداية زمان الوجوب على زمان الواجب، بمعنى: فعلية الوجوب حتى قبل مجي‏ء زمان الواجب، فهذا يعني: أن ذلك الوجوب يكون محركاً نحو مقدمات الواجب حتى قبل أن يأتي زمان الواجب، و تكون مسئولية المكلف تجاه المقدمات المفوتة على وفق القاعدة.

وعليه، ففي كل مورد قام الدليل على لزوم تحصيل المقدمة المفوتة للواجب من قبل وجوب ذي المقدمة، استكشفنا أن ذلك الوجوب معلق، بمعنى: أن الوجوب فعلي و سابق على زمان الواجب، و في كل مورد قام الدليل فيه على أن الوجوب معلق و سابق على زمان الواجب، حكمنا فيه بمسئولية المكلف تجاه مقدمات الواجب حتى قبل مجي‏ء زمان الواجب و إن كانت تلك المقدمات من المقدمات المفوتة.

و هذه هي ثمرة البحث في إمكان الواجب المعلق و امتناعه و التي قد أشرنا لها في حينها عند البحث المذكور (1).

تقييم السيد الشهيد (قدس) لهذا التفسير:

قوله (قدس) ص 350: «و هذه هي ثمرة البحث عن امكان الواجب المعلق ... الخ».

و تمامية التفسير المتقدم و عدم تماميته، تعتمد على تمامية الفكرة التي يقوم عليها: و هي: إمكان الواجب المعلق أو امتناعه.

و قد تقدم في بحث سابق: إن فكرة إمكان الواجب المعلق أو امتناعه تتوقف أساساً على‏

____________

(1) قال المحقق الخراساني في كفاية الأصول، ص 105: «أنه لا إشكال في الموارد التي يجب في الشريعة الإتيان بالمقدمة قبل زمان الواجب، كالغسل في الليل في شهر رمضان و غيره مما وجب عليه الصوم في الغد؛ إذ يكشف به بطريق الإن عن سبق وجوب الواجب، و إنما المتأخر هو زمان إتيانه، و لا محذور فيه أصلًا».

359

إمكان الشرط المتأخر أو امتناعه، وعليه، فإن قلنا بإمكان الشرط المتأخر، و بالتالي إمكان الواجب المعلق، صح التفسير المتقدم، و إن قلنا بعدم إمكان الشرط المتأخر، و بالتالي عدم إمكان الواجب المعلق، فلا يكون هذا التفسير صحيحاً.

التفسير الثالث: التمييز بين القدرة العقلية و القدرة الشرعية

قوله (قدس) ص 350: «التفسير الثالث: إن القدرة المأخوذة قيداً ... الخ».

و التفسير الثالث يقوم على أساس التمييز بين القدرة العقلية و القدرة الشرعية من حيث أخذ كل منهما في الوجوب بعد الفراغ عن أن القدرة على الإتيان بمتعلق الوجوب مأخوذة قيداً في الوجوب. و معنى كون القدرة المأخوذة في الوجوب عقلية، هو: أن الملاك ثابت في حق القادر و العاجز على السواء، و معنى كونها شرعية، هو: اختصاص الملاك بالقادر و عدم ثبوته في حق العاجز. و قد أشرنا إلى ذلك في بحث سابق.

وعليه، فلو كانت القدرة المأخوذة قيداً في الوجوب عقلية، فهذا يعني: أنها غير دخيلة في ملاك الحكم، الأمر الذي يعني: ثبوت الملاك في حق القادر و العاجز على حد سواء، فالمكلف إذا ترك المقدمة المفوتة و لم يبادر إليها قبل زمان الواجب، كان معجزاً لنفسه عن تحصيل الملاك الذي فرض ثبوته في حقه، و هذا لا يجوز عقلًا؛ لأنه من التعجيز الذي لا يكون مبرراً لرفع المسئولية عن المكلف و تفويت الملاك بالتعجيز كتفويت التكليف بالتعجيز من حيث الإدانة و المسئولية.

و أما لو كانت القدرة المأخوذة قيداً في الوجوب قدرة شرعية، بمعنى: كون ثبوت الملاك و عدمه منوط بالقدرة و عدمها، الأمر الذي يعني: أنه لا ملاك في حق العاجز و اختصاصه بالقادر فقط، ففي هذه الحالة، لو ترك المكلف المقدمة المفوتة و أدى ذلك إلى عجزه عن الإتيان بالواجب في زمانه، فلا ثبوت للملاك في حقه. و لا محذور من أن يحول المكلف دون فعلية الملاك و ثبوته في حقه، وعليه، فلا مانع من أن يترك المكلف المقدمة المفوتة في هذه الحالة و إن أدى ذلك إلى عجزه عن الإتيان بالواجب في حينه.

و بناءً على ذلك، ففي كل حالة يثبت فيها كون المكلف مسئولًا عن تحصيل‏

المقدمات المفوتة للواجب، نستكشف أن دخل القدرة في التكليف عقلي و ليس شرعياً،

360

الأمر الذي يعني: أن القدرة في زمان الواجب غير دخيلة في الملاك و في كل حالة دلّ فيها الدليل على أن القدرة غير دخيلة في الملاك، ثبت لزوم تحصيل المقدمات المفوتة، و لكن هذا الأخير بحاجة إلى دليل خاص يثبت من خلاله أن القدرة غير دخيلة في الملاك، و لا يكفي فيها الدليل العام للواجب؛ لأن دليل الواجب له مدلول مطابقي و هو: الوجوب، و مدلول التزامي و هو: الملاك، و بعد سقوط المدلول المطابقي بحق العاجز؛ لأنه مقيد بالقدرة لاستحالة تكليف العاجز و توجيه الخطاب إليه، فلا طريق لإثبات كون الملاك ثابتاً في حق العاجز أو لا عن طريق نفس دليل الواجب؛ لأنه مدلول التزامي، و بعد سقوط الإطلاق في الدلالة المطابقية يسقط في الدلالة الالتزامية أيضاً؛ و ذلك لتبعية الدلالة الالتزامية للمطابقية في الحجيّة. و معه، لا يمكن أن نثبت من خلال نفس الدليل العام كون الملاك ثابتاً في حالتي القدرة و العجز معاً إلّا إذا دل الدليل الخاص على ذلك، و مع عدم الدليل الخاص على ثبوت الملاك في حق العاجز و القادر على السواء، فلا دليل على لزوم المقدّمات المفوتة للواجب.

361

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

362

الدليل العقلي أخذ القطع بالحكم في موضوع الحكم‏

363

أخذ القطع بالحكم في موضوع الحكم‏ (1)

تمهيد في نقاط:

الأولى: في بيان طبيعة علاقة الحكم بموضوعه‏

تقدم في الحلقة السابقة: أن للحكم الشرعي علاقة وثيقة بموضوعه، و طبيعة تلك العلاقة بين الحكم و موضوعه، هي بمثابة علاقة المعلول بعلته‏ (2)، بحيث يكون الحكم الشرعي بمثابة المعلول، و الموضوع الذي يترتب عليه ذلك الحكم بمثابة العلة له. و من هنا قلنا: إن فعلية الحكم تابعة لفعلية موضوعه، ففعلية وجوب الحج تابعة لفعلية موضوعه، و هو: المكلف المستطيع، و فعلية وجوب صلاة الظهر تابعة لفعلية موضوعه، و هو: المكلف الذي تحقق عنده الزوال، و هكذا، فكل حكم متوقف في فعليته على فعلية موضوعه.

الثانية: في معنى أخذ القطع بالحكم في موضوع الحكم‏

إنّ معنى أخذ القطع بالحكم الشرعي في موضوع الحكم الشرعي، هو: كون القطع بحكم شرعي دخيلًا في موضوع الحكم الشرعي على نحو يكون الحكم الشرعي متوقفاً على القطع بالحكم الشرعي، فمع عدم القطع بالحكم الشرعي لا يثبت الحكم الشرعي‏

____________

(1) اعلم أنّ أخذ القطع موضوعاً لحكم شرعي هو الذي يعرف في الاصطلاح الأصولي بالقطع الموضوعي الذي يقابل القطع الطريقي، و القطع الموضوعي تارة يفترض فيه أخذ القطع بموضوع خارجي في موضوع الحكم الشرعي، كأخذ القطع بالخمرية موضوعاً لحرمة شربه، و أخرى يفترض فيه أخذ القطع بحكم شرعي موضوعاً للحكم الشرعي، و النحو الثاني هو مورد بحثنا في المقام دون الأول‏

(2) قال المحقق النائيني في فوائد الأصول، ج 1، ص 146: «فنسبة الموضوع إلى الحكم نسبة العلة إلى المعلول». و قال المحقق العراقي في نهاية الافكار، ج 3، ص 166: «إن نسبة الموضوع إلى الحكم نسبة العلة إلى المعلول».

364

لعدم تحقق موضوعه.

الثالثة: في أنحاء أخذ القطع بالحكم في موضوع الحكم‏

قوله (قدس) ص 352: «قد يفترض تارة أخذ القطع بالحكم ... الخ».

إن أخذ القطع بحكم شرعي معيّن في موضوع الحكم الشرعي يفترض على أربعة أنحاء:

الأول: أخذ القطع بالحكم في موضوع شخص ذلك الحكم، على نحو يكون الحكم المقطوع به- الذي هو الموضوع- هو نفس الحكم المترتب عليه، كما لو قال المولى: «إذا قطعت بوجوب الصلاة وجبت عليك تلك الصلاة بنفس ذلك الوجوب».

الثاني: أخذ القطع بالحكم في موضوع حكم مضاد له، على نحو يكون الحكم المقطوع به ضداً للحكم المترتب عليه، كما لو قال المولى: «إذا قطعت بوجوب الصلاة حرمت عليك تلك الصلاة»؛ فإنّ وجوب الصلاة و حرمة عين هذه الصلاة ضدّان.

الثالث: أخذ القطع بالحكم في موضوع مثله، على نحو يكون الحكم المقطوع به مثلًا للحكم المترتب عليه، كما لو قال المولى: «إذا قطعت بوجوب الصلاة وجبت عليك الصلاة» بحيث يكون الوجوب الثاني وجوباً آخر غير الوجوب المقطوع به.

الرابع: أخذ القطع بالحكم في موضوع حكم مخالف، على نحو يكون الحكم المقطوع به مخالفاً للحكم المترتب عليه، كما لو قال المولى: «إذا قطعت بوجوب الصلاة وجب عليك التصدق» أو قال: «إن قطعت بوجوب الصلاة حرم عليك السفر»، أو غير ذلك من ترتيب حكم على القطع بحكم آخر مخالف له.

و قد وقع البحث بين الأصوليين في إمكان كل فرض من هذه الافتراضات الأربعة أو عدم إمكانه، و لا شكّ عند الأصوليين في إمكان الفرض الأخير منها، و لكن وقع الكلام في الافتراضات الثلاثة الأولى:

وقوع الكلام في الافتراضات الثلاثة الأولى:

و قد وقع البحث عن الأصوليين في مدى إمكان الافتراضات الثلاثة الأولى و عدم إمكانها، و فيما يلي يقع البحث في كل فرض من تلك الافتراضات.

365

أخذ العلم بالحكم في موضوع نفس الحكم:

قوله (قدس) ص 352: «أما الافتراض الأول فقد يبرهن ... الخ».

وقع البحث بين الأصوليين في مدى إمكان أخذ العلم بالحكم الشرعي في موضوع نفسه أو عدم إمكان ذلك، كما لو قيل- مثلًا- «إذا علمت بوجوب الصلاة وجبت عليك الصلاة بنفس ذلك الوجوب»، الأمر الذي يعني: اختصاص وجوب الصلاة بالعالمين بها؛ لأن العلم بوجوبها قد أخذ في موضوعها بحسب الفرض؛ إذ قد يتعلق غرض المولى سبحانه و تعالى بتخصيص الحكم بالعالم، و قد يتعلق غرضه بشموله للعالم و الجاهل على حدّ سواء، و معنى تخصيصه بالعالم، هو أخذ العلم بالحكم في موضوع نفسه.

استحالة أخذ العلم بالحكم في موضوع نفس الحكم لاستلزامه الدور:

قوله (قدس) ص 352: «فقد يبرهن على استحالته بأدائه للدور ... الخ».

ذهب بعض المحققين من الأصوليين إلى أنّ أخذ العلم بالحكم في موضوع نفسه مستحيل؛ لأنه يؤدي إلى الدور، و ذلك بتوقف كل من الحكم و العلم به على الآخر. و قد قرّب الدور كالتالي:

إن العلم بالحكم الشرعي باعتباره موضوعاً لنفس ذلك الحكم الشرعي، سوف يؤدي إلى توقف الحكم الشرعي على العلم بالحكم الشرعي من باب توقف الحكم على موضوعه بحسب طبيعة علاقة الحكم و موضوعه، و أنها بمثابة علاقة المعلول بعلته. و حيث إن العلم بالحكم الشرعي يتوقف على الحكم الشرعي من باب توقف كل علم على ثبوت معلومه وفقاً للقاعدة القائلة بأن العلم بالشي‏ء فرع ثبوت ذلك الشي‏ء، فتَوَقف كل من: الحكم الشرعي و العلم بالحكم الشرعي على الآخر. و هذا هو الدور (1).

____________

(1) قال المحقق النائيني في فوائد الأصول، ج 1، ص 146: «و اما التقييد في مرحلة فعلية الحكم فلا يعقل، للزوم الدور. و ذلك لأن فعلية الحكم انما يكون بوجود موضوعه، كما اوضحناه في محله، فنسبة الموضوع الى الحكم نسبة العلة الى المعلول، و لا يعقل تقدم الحكم على موضوعه، و الا يلزم عدم موضوعية ما فرض كونه موضوعاً، و ذلك واضح.

و من المعلوم: إن العلم بالشي‏ء يتوقف على ثبوت الشي‏ء في الموطن الذى تعلق العلم به؛ إذ العلم لا بد له من متعلق، و رتبة المتعلق سابقة على العلم ليمكن تعلق العلم به، فلو فرض ان العلم بالحكم أخذ قيد للموضوع، فلا بد من ثبوت الموضوع بماله من القيود في المرتبة السابقة على الحكم، لما عرفت من لزوم تقدم الموضوع على الحكم، ففعلية الحكم تتوقف على وجود الموضوع، فلو فرض أن العلم بالحكم أخذ قيداً في الموضوع، يلزم توقف الموضوع على الحكم؛ لأن من أجزاء الموضوع العلم بالحكم، فلا بد من وجود الحكم ليلتئم الموضوع بما له من الأجزاء، و هذا كما ترى يلزم منه الدور المصرح».

و قال المحقق الخراساني في كفاية الأصول ص 266: «لا يكاد يمكن أن يؤخذ القطع بحكم في موضوع نفس هذا الحكم؛ للزوم الدور، و لا مثله؛ للزوم اجتماع المثلين، و لا ضده؛ للزوم اجتماع الضدين، نعم، يصح أخذ القطع بمرتبة من الحكم في مرتبة أخرى منه، أو مثله، أو ضده».

366

و لتطبيق هذا الدور على المثال المتقدم نقول:

إن وجوب الصلاة يتوقف على العلم بوجوب الصلاة؛ من باب توقف كل حكم على موضوعه، و العلم بوجوب الصلاة متوقف على وجوب الصلاة؛ من باب أن العلم بالشي‏ء فرع ثبوت ذلك الشي‏ء، فتَوَقف وجوب الصلاة على العلم بوجوب الصلاة، و تَوَقف العلم بوجوب الصلاة على وجوب الصلاة، و هو دور واضح.

إذن: يستحيل أخذ العلم بالحكم في موضوع نفس الحكم.

الجواب على الدور المتقدم:

قوله (قدس) ص 352: «و قد يجاب بأنه لا دور ... الخ».

و قد يجاب على الدور الذي صُوِّر في المقام؛ و ذلك لأن تصوير الدور المتقدم كان يعتمد على قضيتين:

الأولى: توقف الحكم على موضوعه.

الثانية: توقف العلم بالشي‏ء على ثبوت ذلك الشي‏ء.

و القضية الأولى و إن كانت مسلمة و ثابتة وفقاً لطبيعة العلاقة بين الحكم و موضوعه، و التي هي بمثابة العلاقة بين المعلول و علته، و لكن القضية الثانية ليست صحيحة؛ و ذلك لعدم توقف العلم بالشي‏ء على ثبوت ذلك الشي‏ء، و إلّا لكان كل علم مصيباً، و الحال أن العلم قد يصيب الواقع و قد يخطئ و يكون من الجهل المركب الذي كثيراً ما يحصل. و بناءً

على ذلك فلا دور في المقام؛ لأن الحكم الشرعي و إن كان متوقفاً على العلم به من باب توقف كل حكم على موضوعه، و لكن العلم بالحكم الشرعي لا يتوقف على ثبوت الحكم‏

367

الشرعي. و بناءً على ذلك، فبإمكان المولى تخصيص الحكم بالعالم به عن طريق أخذ العلم بالحكم في موضوع نفس الحكم، كأن يقول مثلًا: «إن علمت بوجوب الصلاة وجبت عليك الصلاة»، و لا محذور في ذلك.

تحقيق الحال في المسأله المطروحة:

قوله (قدس) ص 352: «و تحقيق الحال في ذلك أن القطع ... الخ».

إن تحقيق الحال في المسألة المطروحة للبحث، يقتضي التفريق بين قضيتين؛ لأن أخذ القطع بالحكم في موضوع شخص ذلك الحكم يتصور على نحوين:

الأول: أن يؤخذ القطع بالحكم جزءاً في الموضوع، و يكون الجزء الآخر منه عبارة عن: نفس الحكم المقطوع به، بحيث يكون لثبوت الحكم المقطوع به دخالة في الموضوع أيضاً، بمعنى: أخذ القطع بالحكم بما هو مصيب في الموضوع، فلا القطع بالحكم بقطع النظر عن ثبوت الحكم المقطوع يكفي لتحقق الموضوع، و لا ثبوت الحكم المقطوع بقطع النظر عن القطع به يكفي لتحقق الموضوع، بل الموضوع، هو: القطع بالحكم بشرط ثبوت الحكم المقطوع به في الواقع، بمعنى كون القطع مصيباً للواقع.

الثاني: أن يؤخذ القطع بالحكم تمام الموضوع، بحيث لا يكون لثبوت الحكم المقطوع به أي دخالة في الموضوع. فمتى ما تحقق القطع بالحكم تحقق الموضوع، سواء كان المقطوع به ثابتاً في الواقع أم لا، بمعنى: أخذ القطع بالحكم لا بما هو مصيب للواقع.

ففي الحالة الأولى تعتبر الاستحالة واضحة؛ و ذلك لوضوح الدور فيها؛ و ذلك لصدق توقف العلم بالحكم الشرعي على الحكم الشرعي؛ لأن العلم بالحكم الشرعي بما هو مصيب للواقع يتوقف على ثبوت الحكم الشرعي واقعاً، و إلّا للزم الخلف؛ لأنه لو لم يكن الحكم الشرعي ثابتاً في الواقع لما كان القطع بالحكم الشرعي مصيباً، و المفروض أنه أخذ بما هو مصيب للواقع موضوعاً في الحكم الشرعي، و وفقاً لطبيعة العلاقة بين‏

الحكم و موضوعه، فإن الحكم الشرعي يتوقف على العلم بالحكم الشرعي، فيلزم توقف الحكم على نفسه.

368

و بعبارة أخرى: إن الحكم الشرعي متوقف على موضوعه وفقاً لطبيعة العلاقة بين الحكم و موضوعه، و العلم بالحكم الشرعي الذي هو موضوع لذلك الحكم الشرعي متوقف على الحكم الشرعي، فيلزم توقف موضوع الحكم الشرعي على نفس الحكم الشرعي؛ لأنه لو لا ثبوت الحكم الشرعي لما تحقق الموضوع بمجرد العلم بالحكم الشرعي؛ لأنه جزؤه بحسب الفرض، فتَوَقف الموضوع على حكمه، و تَوَقف الحكم على موضوعه، و هذا هو توقف الشي‏ء على نفسه، الذي هو ملاك الدور المستحيل.

و أما في الحالة الثانية فلا يجري الدور بالتقريب المذكور، و ينطبق عليه الجواب المتقدم عن الاستحالة التي برهن عليها سابقاً؛ و ذلك لأن العلم بالحكم الشرعي في هذه الحالة لا يتوقف على الحكم الشرعي، لأنه لم يؤخذ بما هو مصيب بل أخذ العلم تمام الموضوع بقطع النظر عن ثبوت المقطوع به أو عدم ثبوته، فالحكم الشرعي و إن كان متوقفاً على موضوعه و هو العلم بالحكم الشرعي، و لكن الأخير غير متوقف على الحكم الشرعي، بل يتحقق الموضوع بقطع النظر عن ثبوت الحكم الشرعي أو عدم ثبوته، فلا يجري الدور بالتقريب المتقدم في هذه الحالة.

وجهان آخران لاثبات استحالة أخذ العلم بالحكم في موضوع نفسه:

قوله (قدس) ص 353: «و قد برهن على استحالته بوجوه ... الخ».

و لكن، و على الرغم من عدم جريان الدور بالتقريب المتقدم على هذه الحالة، فقد قيل أيضاً باستحالتها، و قد برهن على هذه الاستحالة بوجهين:

الوجه الأول: لزوم إناطة الحكم المقطوع بنفس القطع و هو مستحيل‏

بتقريب: إن أخذ العلم بالحكم في موضوع نفس الحكم يلزم منه إناطة الحكم المقطوع بنفس القطع، بمعنى: أن القطع هو الذي أثبت و أوجد مقطوعه، أو: أن العلم هو الذي ولَّد معلومه؛ لأن المقطوع به- و هو الحكم الشرعي- متوقف بحسب الفرض على القطع به؛ لتوقف الحكم على موضوعه، فحيث لا قطع بالحكم الشرعي لا ثبوت للحكم‏

الشرعي، فيدور ثبوت الحكم الشرعي و عدمه مدار القطع و عدمه، و هذا أمر يستحيل أن يصدّق به القاطع؛ لأن القطع كاشف عمّا تعلق به لا أنه موجد له، الأمر الذي يجعل‏

369

القاطع دائماً يرى أن مقطوعه ثابت بقطع النظر عن قطعه، و إنما بقطعه قد كشف عن ثبوت مقطوعه. فالذي يتعلق علمه بشي‏ء، يفترض ثبوت ذلك الشي‏ء أولًا ثم يتعلق به علمه، لا أنه بعلمه يوجد ذلك الشي‏ء، فالعلم بمثابة النور الذي تسلطه على منطقة مظلمة ثم ينكشف لك ما فيها من أشياء، هذه الأشياء التي هي ثابتة بقطع النظر عن تسليط النور عليها، هكذا يرى العالم أن علمه قد كشف له عن المعلوم لا أن علمه كان سبباً في إيجاد ذلك المعلوم‏ (1).

الوجه الثاني: لزوم الدور في مرحلة وصول التكليف‏

و أما الوجه الثاني لاثبات استحالة أخذ العلم بالحكم في موضوع نفسه، فحاصله: إن أخذ العلم بالحكم الشرعي في موضوع نفسه يلزم منه الدور في مرحلة وصول التكليف و العلم به؛ و ذلك لأن الحكم الشرعي إذا كان متوقفاً على موضوعه وفقاً لطبيعة علاقة الحكم بموضوعه، فإنّ العلم بثبوت الحكم الشرعي يتوقف قطعاً على العلم بموضوعه، فمن لم يعلم بتحقق موضوع الحكم الشرعي لا يكون عالماً بثبوت الحكم الشرعي، فإن الذي لا يعلم بأن الذي أمامه خمر لا يحصل له العلم بحرمة شربه حتى لو كان عالماً بحرمة شرب الخمر.

و في المقام، فحيث أن موضوع الحكم هو العلم بالحكم الشرعي بحسب الفرض، فإن العلم بالحكم الشرعي يتوقف قطعاً على العلم بالحكم الشرعي؛ لأنه موضوعه، و العلم بالعلم بالشي‏ء هو نفس العلم بذلك الشي‏ء؛ لأن العلم لا يتعلق به العلم بعلم زائد على نفس ذلك العلم؛ لأنه معلوم بالعلم الحضوري؛ لحضوره لدى النفس مباشرة، فمن علم بوجود زيد- مثلًا- لا يحتاج- لكي يعلم بعلمه بوجوده- إلى غير العلم بوجوده؛ لأن العلم حاضر لدى النفس بصورة مباشرة.

وعليه، فإن أُخذ العلم بالحكم الشرعي في موضوع نفسه سوف يلزم منه الدور في مرحلة وصول التكليف؛ لأنه سوف يتوقف العلم بالحكم الشرعي على العلم بالحكم الشرعي. و هذا من توقف الشي‏ء على نفسه، و هو مستحيل‏ (2).

____________

(1) و قد التزم السيد الشهيد بصحة هذا الوجه، حيث قال في بحوث في علم الأصول، ج 4، ص 102، بعد ذكره لهذا الوجه:) و هذا وجه فني صحيح»

(2) و قد التزم السيد الشهيد بصحة هذا الوجه أيضاً، حيث قال في بحوث في علم الأصول، ج 4، ص 104، بعد ذكره لهذا الوجه:) و هذا وجه صحيح أيضاً». و قال أيضاً:) و هكذا يتبرهن استحالة الأخذ بالحكم في موضوع شخص ذلك الحكم».

370

الطريق الذي يسلكه المولى لإيصال غرضه من حيث الإطلاق و التقييد:

قوله (قدس) ص 354: «إلّا أن كل هذا إنما يرد إذا أخذ العلم بالمجعول ... الخ».

قد ذكرنا فيما سبق أن غرض المولى سبحانه و تعالى قد يتعلق بتقييد الحكم بالعالم به، و قد يتعلق بتعميمه للعالم و الجاهل على حدّ سواء، و قد يقال بأنه يكفي لإيصال غرضه بالنحو الثاني إطلاق الخطاب و عدم تقييده، و أما إيصال غرضه إذا كان بالنحو الأول، فيبدو أنه مستحيل بناءً على الوجوه التي ذكرت للاستحالة. و السؤال الذي يطرح نفسه في المقام، هو: كيف يتوصل المولى إلى تخصيص الحكم بالعالم به إذا كان غرضه قد تعلق بذلك فعلًا إذا فرض كون التقييد بالعالم به مستحيلًا؟

و يوجد مسلكان و طريقان للتخلص من هذه المشكلة.

الطريق الأول: أخذ العلم بالجعل قيداً في المجعول‏

قوله (قدس) ص 354: «فبإمكان المولى أن يتوصل إلى المقصود ... الخ».

و هذا الطريق هو الذي سلكه السيد الشهيد (قدس)، حيث إن كل البراهين التي ذكرت لإثبات استحالة أخذ العلم بالحكم في موضوع نفس الحكم إنما تتجه لو أريد من الحكم الذي تعلق به العلم، الحكم بمعنى المجعول، أي: أخذ العلم بالمجعول قيداً في موضوع نفس المجعول، و أما لو أريد من الحكم الذي تعلق به العلم و جعل موضوعاً و قيداً للمجعول هو: الجعل، فلا يلزم من ذلك كل ما ادعي لزومه؛ إذ لا محذور في أخذ العلم بالجعل في موضوع المجعول.

و بهذه الطريقة يتوصل المولى إلى غرضه إذا فرض تعلقه بالعالم خاصة، فيؤخذ

العلم بالجعل قيداً في نفس المجعول، كأن يقول: «إذا علمت بجعل الشارع لوجوب الصلاة وجبت عليك الصلاة وجوباً فعلياً»، فلا يلزم من ذلك توقف الشي‏ء على نفسه، لا في مرحلة جعل التكليف و لا في مرحلة وصول التكليف، كما لا يلزم إناطة المقطوع به بالقطع؛ و ذلك لأن الحكم بمعنى المجعول متوقف على العلم بالجعل، بينما العلم‏

371

بالجعل لا يتوقف على ثبوت المجعول، فلم يتوقف أحدهما على الآخر، و إنما توقف أحدهما على غير ما توقف عليه الآخر.

الطريق الثاني: الالتزام بما يسمى ب- (نظرية متمم الجعل) (1)

قوله (قدس) ص 354: «و قد حلّ (رحمه الله) ذلك بافتراض جعل ثان ... الخ».

و هذا الطريق هو الذي سلكه المحقق النائيني (قدس)؛ لأنه لم يأخذ الطريق الأول بعين الاعتبار، و المحقق المذكور قد وقع في حيرة من ناحيتين:

الأولى: و هي التي أشرنا إليها في بداية البحث، و هي: كيف يمكن للمولى أن يتوصل إلى غرضه إذا كان متعلقاً بالعالم إذا كان التقييد مستحيلًا؟

و الثانية: كيف يتوصل إلى غرضه إذا كان مراده مطلقاً، بحيث تعلق غرضه بمطلق المكلف، الأعم من العالم و الجاهل؟ لأنّه بناءً على مبنى المحقق النائيني في التقابل بين الإطلاق و التقييد الثبوتيين، و أنه من تقابل الملكة و العدم، فسوف يستحيل الإطلاق أيضاً؛ لأن الإطلاق- بناءً على هذا المبنى- هو عدم التقييد في مورد يمكن فيه التقييد، وعليه، فإذا استحال التقييد استحال الإطلاق أيضاً، و هذا يعني: أن الجعل الشرعي المتكفل به الخطاب الشرعي يبقى مهملًا بلا تقييد و لا إطلاق؛ لاستحالتهما معاً، فكيف يرفع هذا الإهمال و يتعين في المطلق تارة و في التقييد تارة أخرى؟

و لحل هاتين المشكلتين في المقام، و في غيره من الموارد الأخرى التي لا يمكن فيها

التقييد بحسب اعتقاده، فقد التزم المحقق النائيني (قدس) بما يسمى بنظرية متمم الجعل، التي تفترض الإتيان بجعل آخر ثان يتكفل ببيان المراد من الجعل الأول المهمل في نفسه من حيث التقييد و الإطلاق‏ (2).

____________

(1) و هو ما قال به المحقق النائيني كما جاء عنه في فوائد الأصول، ج 1، ص 162 حيث قال: «ثم ان متمم الجعل تارة: ينتج نتيجة الاطلاق، و أخرى: ينتج نتيجة التقييد. فالأول: كمسألة اشتراك الأحكام بالنسبة إلى العالم و الجاهل، حيث حكى تواتر الأخبار على الاشتراك. و الثانى: كمسألة قصد الامتثال في موارد اعتباره»

(2) قال المحقق النائيني كما جاء عنه في فوائد الأصول، ج 3، ص 114: «و لا يخفى: أن متمم الجعل على أقسام: فان ما دل على وجوب قصد التعبد في العبادات يكون من متممات الجعل، و ما دل على وجوب السير للحج قبل الموسم يكون من متممات الجعل، و ما دل على وجوب الغسل على المستحاضة قبل الفجر في اليوم الذي يجب صومه من متممات الجعل، و غير ذلك من الموارد التى لا بد فيها من متمم الجعل، و هي كثيرة في أبواب متفرقة و ليست بملاك واحد، بل لكل ملاك يخصه، و إن كان يجمعها قصور الجعل الأولي عن أن يستوفي جميع ما يعتبر استيفاؤه في عالم التشريع».

372

فإذا كان غرض المولى سبحانه و تعالى قد تعلق بتقييد الحكم بالعالم به، أتى بجعل ثانٍ مفاده: إثبات نفي الحكم الشرعي للعالم بالجعل الأول، كأن يقول في الجعل الأول: «أقم الصلاة»، و يقول في الجعل الثاني: «إذا علمت بجعل الشارع لوجوب الصلاة وجبت عليك الصلاة»، فمن حصل له العلم بقول الشارع: «أقم الصلاة»، سوف تجب عليه الصلاة بالوجوب المجعول بالجعل الثاني، و بهذا تتحقق نتيجة التقييد.

و أما إذا كان غرضه قد تعلق بعموم المكلف سواء كان عالماً أم جاهلًا، أتى بجعل ثان مفاده إثبات نفس الحكم الشرعي على المكلف مطلقاً، من حيث علمه بالجعل الأول أو جهله به، كأن يقول في الجعل الأول: «أقم الصلاة»، و يقول في الجعل الثاني: «تجب الصلاة على المكلف مطلقاً عالماً كان أم جاهلًا»، و بهذا تتحقق نتيجة الإطلاق.

و لقد عبّرنا بنتيجة التقييد و نتيجة الإطلاق و لم نعبّر بنفس التقييد و الإطلاق، لأن كلًا من التقييد و الإطلاق لم يتحقق بالجعل الأول؛ لأنه مهمل بحسب الفرض، و إنما عوّض عن تقييده و إطلاقه بالجعل الثاني على الوجه الذي ذكرناه و بيّناه، و لا يلزم من التعويض بالجعل الثاني محذور التقييد و هو الدور، و لا محذور الإطلاق باعتباره مستحيلًا لاستحالة التقييد كما مرّ، و الوجه في عدم لزوم المحذور الأول، هو: أن العلم بالحكم في الجعل الأول قد أخذ قيداً في الحكم في الجعل الثاني و لم يؤخذ قيداً في نفسه، فلا دور.

كما أن الوجه في عدم لزومه للمحذور الثاني- أي: استحالة الإطلاق- لأن الإطلاق‏

لم يكن في نفس الجعل الأول حتى يقال باستحالته لاستحالة التقييد، و إنما أفيد بواسطة الجعل الثاني كما مرّ بيانه‏ (1).

____________

(1) قال المحقق النائيني في فوائد الأصول، ج 1، ص 160: «و الفرق بين استكشاف نتيجة الاطلاق في المقام و استكشاف الاطلاق في سائر المقامات، هو: أن من عدم ذكر القيد في سائر المقامات يستكشف أن مراده من الأمر هو الاطلاق، و هذا بخلاف المقام؛ فإن من عدم ذكر متمم الجعل لا يستكشف أن مراده من الأمر هو الاطلاق، لما عرفت: من أنه لا يمكن أن يكون مراده من الأمر هو الاطلاق، بل من عدم ذكر متمم الجعل يستكشف أنه ليس له مراد آخر سوى ما تعلق به الأمر».

373

و نظراً إلى أن الجعلين كان منشأهما غرضاً واحداً و ملاكاً واحداً، كان التقييد في الثاني في قوّة التقييد في الأول، و لهذا عبّر عن الثاني بمتمم الجعل الأول.

تحقيق الحال في هذا الطريق:

قوله (قدس) ص 355: «و يرد عليه أنه إن أراد ... الخ».

إن تقييد الحكم في الجعل الثاني بالعلم بالحكم في الجعل الأول، تارة يراد به تقييده بالعلم بالجعل الأول، و أخرى يراد به تقييده بفعلية المجعول في الجعل الأول؛ لأنه يمكن تصويره على نحوين:

الأول: تقييد الحكم في الجعل الثاني بالعلم بالجعل الأول، كأن يقول الخطاب المتكفل للجعل الثاني: «إذا علمت بجعل الشارع لوجوب الصلاة وجبت عليك الصلاة وجوباً فعلياً».

الثاني: تقييد الحكم في الجعل الثاني بالعلم بفعلية المجعول في الجعل الأول، كأن يقول: «إذا علمت بفعلية وجوب الصلاة في الجعل الأول وجبت عليك وجوباً فعلياً بهذا الجعل».

فإن أريد النحو الأول من التقييد، فهذا و إن كان ممكناً و مؤدياً للغرض، و لكن لا داعي إلى هذا التطويل و افتراض وجود جعلين من هذا القبيل؛ و ذلك لأن المولى بإمكانه أن يحقق هذا الغرض بصورة مباشرة و بنفس الجعل الأول، كأن يقول: «إذا علمت بجعل وجوب الصلاة وجبت عليك الصلاة وجوباً فعلياً» (1). أو يقول: «تجب‏

عليك الصلاة إن علمت بجعلها».

و إن أريد النحو الثاني من التقييد فهو غير معقول؛ لأنه قد ربط فعلية المجعول بالجعل الثاني بالعلم بفعلية المجعول بالجعل الأول، و فعلية المجعول بالجعل الأول إما

____________

(1) لعلّ قائلًا يقول: إنّ تقييد المجعول بالعلم بالجعل بجعلٍ واحد لا يمكن تصوره؛ إذ أن المجعول في هذه الحالة تابع لنفس الجعل، فإن كان المقصود العلم بجعل وجوب الصلاة- مثلًا- من نفس هذا الجعل، و بالتالي يثبت المجعول، فهذا الجعل لم يتكفل إيجاب الصلاة بقطع النظر عن حصول العلم بجعلها أو الجهل به، و إنما تكفل إيجاب الصلاة على من علم بوجوبها، فتأمل.

374

أن تكون متوقفة على العلم به أو لا، فإن كانت متوقفة على العلم به، فهذا يعني: أخذ العلم بالحكم في موضوع نفسه و الالتزام بتقييد الحكم المجعول بالجعل الأول بالعالم به، فإن أخذنا بطريق تقييد الحكم المجعول بالعلم بالجعل، فلا داعي إلى افتراض الجعل الثاني.

هذا بالإضافة إلى أنّه خلف الفرض؛ لأننا فرضناه مهملًا، و إن لم نأخذ بهذا الطريق بعين الاعتبار، و قلنا بالاستحالة، فقد عاد المحذور من جديد؛ لأنه من توقف الشي‏ء على العلم به.

و إن لم تكن فعلية المجعول بالجعل الأول متوقفة على العلم به، فهذا يعني: افتراضه مطلقاً من حيث العلم به و عدمه؛ لأن القول بثبوت المجعول بدون توقف على القيد المذكور هو معنى الإطلاق، و هذا خلف الفرض؛ لأننا فرضناه مهملًا من حيث الإطلاق و التقييد نتيجة للالتزام باستحالة التقييد الذي يؤدي إلى استحالة الإطلاق بحسب الفرض.

ثمرة البحث في أخذ القطع بالحكم في موضوع نفس الحكم:

قوله (قدس) ص 356: «و ثمرة هذا البحث تظهر ... الخ».

و ثمرة هذا البحث تظهر في مدى إمكان التمسك بإطلاق دليل الحكم، أي: الخطابات الشرعية المتكفلة ببيان الأحكام لنفي دخل قيد العلم في موضوعه أو عدم إمكان ذلك كغيرها من القيود المحتملة التي يمكن نفيها بالإطلاق؛ فإنه إن بني في هذه المسألة على إمكان التقييد- أي: تقييد الحكم بالعالم به- و عدم استحالته أمكن الإطلاق أيضاً على جميع الوجوه المذكورة في التقابل بين الإطلاق و التقييد الثبوتيين، سواء كان التقابل بينهما من تقابل الملكة و العدم، أو من تقابل التناقض، أو من تقابل الضدين.

و إذا أمكن كل من التقييد و الإطلاق، كان الإطلاق و عدم التقييد بالعلم دليلًا على عدم دخالة قيد العلم في موضوع الحكم، و بالتالي شمول الحكم للعالم و الجاهل على حد سواء، و يكون حال العلم في هذه الحالة كغيره من القيود الممكنة التي يحتمل دخالتها في موضوع الحكم فتنفى بالإطلاق.

و إن بني في هذه المسألة على استحالة التقييد، فلا يمكن التمسك بإطلاق الدليل لنفي دخالة قيد العلم في الموضوع، سواء قلنا بأن التقابل بين الإطلاق و التقييد الثبوتيين‏

375

من تقابل الملكة و العدم، أم قلنا أنه من تقابل التناقض، أم قلنا إنه من تقابل الضدين اللذين لا ثالث لهما؛ فإنه لو أخذنا بمسلك المحقق النائيني (قدس) القائل بأن التقابل بينهما من الملكة و العدم و بنينا على استحالة التقييد، سوف يكون الإطلاق مستحيلًا أيضاً، و معه، لا يمكن التمسك بإطلاق الخطاب و الدليل لاكتشاف أمر مستحيل؛ فإن الإطلاق الإثباتي إنما يكشف عن الإطلاق الثبوتي فيما لو كان الإطلاق الثبوتي ممكناً.

و إن أخذنا بالمسلك القائل بأن التقابل بين الإطلاق و التقييد من تقابل التناقض أو الضدين اللذين لا ثالث لهما، و قلنا أيضاً باستحالة التقييد، فسوف يكون الإطلاق في هذه الحالة ضرورياً، و لكن، مع ذلك لا يمكن التمسك بإطلاق الدليل لنفي دخالة قيد العلم في موضوع الحكم؛ لأنه غاية ما يكشفه إطلاق الخطاب هو إطلاق مدلوله و هو الحكم، و هذا معلوم بالضرورة و لا يحتاج في اثباته إلى التمسك باطلاق الخطاب، و لكن هذا الإطلاق في الحكم لا يعني الإطلاق في ملاك الحكم و أن غرض المولى قد تعلق بالعالم بالحكم و الجاهل به على حدّ سواء؛ لأنّ الإطلاق في هذه الحالة كان ضرورياً و قهرياً بسبب استحالة التقييد، و لا ينفي كون غرض المولى قد تعلق بالمقيد و هو المكلف العالم بالحكم، وعليه، سوف يقع الشك في إطلاق الملاك و ضيقه من حيث تعلق غرض المولى بمطلق المكلف أم تعلق غرضه بخصوص العالم، و لا يمكن في هذه الحالة استكشاف إطلاق الملاك لا بإطلاق الحكم المدلول للدليل و الخطاب الشرعي، و لا بإطلاق نفس الدليل و الخطاب.

أما الأول، فلأن إطلاق الحكم إنما يكشف عن إطلاق الملاك و الغرض فيما لو أمكن للمولى أن يقيد ذلك الملاك و الغرض و لم يقيده، و الحال أن التقييد مستحيل.

و أما الثاني، فلما قلنا من: أن مفاد الدليل هو الحكم لا الملاك، و إطلاق الحكم لا يعني دوماً إطلاق الملاك؛ لما ذكرناه سابقاً.

أخذ العلم بالحكم في موضوع ضدّه:

قوله (قدس) ص 357: «و أما الافتراض الثاني فهو مستحيل ... الخ».

من المسائل التي وقعت مورداً للبحث بين الأصوليين من حيث إمكانها أو عدم إمكانها، هي: مسألة أخذ العلم بالحكم في موضوع ضدّه، كأن يقول- مثلًا-: «إذا علمت بوجوب الصلاة حرمت عليك الصلاة»، على نحو تكون حرمة الصلاة منوطة بالعلم بوجوبها.

376

و هذا النحو من أخذ العلم بالحكم في موضوع الحكم مستحيل؛ و ذلك لأنه مما يلزم منه اجتماع حكمين متضادين على موضوع واحد، إما واقعاً لو فرض كونه القاطع مصيباً في قطعه، و إما بنظره و اعتقاده لو فرض كونه مخطئاً في ذلك القطع؛ لأن القاطع يرى مقطوعه ثابتاً فيمتنع عليه أن يصدق بذلك. فمن علم بوجوب الصلاة لا يمكنه أن يصدق بحرمتها بأي درجة من درجات التصديق، و ما يمتنع تصديق المكلف به يمتنع على المولى سبحانه و تعالى جعله؛ لأنه يلزم منه اللغوية؛ إذ لا قيمة لمثل هذا الجعل، و في حالة كون القطع مصيباً للواقع يلزم اجتماع الضدين حقيقةً، و هو مستحيل، فكيف يمكن أن يصدق به القاطع؟!

و هذا الافتراض في حقيقته نحو من أنحاء الردع عن العمل بالقطع؛ إذ لا فرق بين أن يردعه عن ذلك مباشرة كأن يقول له: «إذا قطعت بوجوب الصلاة فلا تجب عليك الصلاة»، و بين أن يقول له: «إذا قطعت بوجوب الصلاة حرمت عليك الصلاة»، بأن يجعل على القاطع حكمٌ مضاد لما قطع به. و من الواضح أنّ استحالة هذا النحو من الجعل هي تعبير آخر عن استحالة الردع عن العمل بالقطع‏ (1).

أخذ العلم بالحكم في موضوع مثله:

قوله (قدس) ص 358: «و أما الافتراض الثالث فقد يطبق عليه ... الخ».

و أما أخذ العلم بالحكم في موضوع مثله، كما لو قال: «إذا علمت بوجوب الصلاة وجبت عليك الصلاة بوجوب آخر»، على نحو يكون الوجوب المجعول غير الوجوب المعلوم لكنه مثله، فقد يقال باستحالته أيضاً، و يطبق عليه نفس المحذور المتقدم، و لكن، باستبدال محذور اجتماع الضدين بمحذور اجتماع المثلين؛ فإن اجتماع المثلين كاجتماع الضدين في الاستحالة (2).

____________

(1) و هذا التقريب للاستحالة هو ما ذكره السيد الشهيد بحسب ما جاء عنه في بحوث في علم الأصول، ج 4، ص 99

(2) و قد أجاب السيد الشهيد عن محذور اجتماع المثلين بقوله: «إنّ الكلام إذا كان بلحاظ عالم الجعل، فالمتعيّن الالتزام بالشق الأول، و هو تعدد الحكم، و لا يلزم محذور اجتماع المثلين؛ لأنه إنما يكون في الصفات الحقيقية الخارجية لا الأمور الاعتبارية، و إن كان الملحوظ عالم الملاك و مبادئ الحكم من الحب و البغض و الإرادة و الكراهة، فالمتعيّن الالتزام بالشق الثاني و هو التوحيد و التأكد، و لا ينشأ محذور من ناحية الطولية بين الحكمين؛ إذ يكفي في دفعه أن يقال: إن التأخر و التقدم بين الحكمين في المقام من التقدم و التأخر بالطبع لا بالعليّة؛ لوضوح أن الحكم الأول ليس علّة للحكم الثاني، و توحد المتأخر بالطبع مع المتقدم بالطبع لا محذور فيه كما هو الحال بين الجزء و الكل و الجنس و النوع». راجع: بحوث في علم الأصول، ج 4، ص 101.

377

الجواب على محذور اجتماع المثلين:

قوله (قدس) ص 358: «و قد يجاب على ذلك بأن محذور اجتماع ... الخ».

و قد يجاب على محذور اجتماع المثلين بما حاصله: إن اجتماع المثلين و إن كان يلزم من الفرض المذكور، و لكن لا محذور فيه؛ لأن مثل هذا المحذور سوف يرتفع بتأكد الحكمين و توحدهما، أ لا ترى أنه لو كان عندنا شخص فقير و كان عادلًا أيضاً و جاء: «أكرم الفقير» و: «أكرم العادل»، فإنّ هذين الحكمين سوف يتأكدان بالنسبة لذلك الشخص لأنه فقير و عادل، فسوف يتأكد وجوب إكرامه؛ لأنه وجب إكرامه بملاك الفقر بمقتضى الخطاب الأول، و بملاك العدالة بمقتضى الخطاب الثاني، فكذلك القول بالنسبة إلى أخذ العلم بالحكم في موضوع مثله، فإن من علم بوجوب الصلاة سوف تجب عليه نتيجة للعلم بها، و يتأكد وجوبها عليه بالوجوب الآخر المجعول بحق من علم بوجوبها (1).

____________

(1) هذا ما أجاب به السيد الخوئي كما جاء عنه في مصباح الأصول ج 2، ص 45 حيث قال: «و أما أخذ القطع بحكم في موضوع حكم آخر مثله، كما إذا قال المولى: إذا قطعت بوجوب الصلاة تجب عليك الصلاة بوجوب آخر، فالصحيح إمكانه، و يرجع إلى التأكد؛ و ذلك لأن الحكمين إذا كان بين موضوعيهما عموم من وجه، كان ملاك الحكم في مورد الاجتماع أقوى منه في مورد الافتراق، و يوجب التأكد. و لا يلزم اجتماع المثلين أصلًا، كما إذا قال المولى: اكرم كل عالم، ثم قال: اكرم كل عادل، فلا محالة يكون وجوب الإكرام في عالم عادل آكد منه في عالم غير عادل أو عادل غير عالم، و ليس هناك اجتماع المثلين؛ لتعدد موضوع الحكمين في مقام الجعل. و كذا الحال لو كانت النسبة بين الموضوعين هي العموم المطلق، فيكون الحكم في مورد الاجتماع آكد منه في مورد الافتراق، كما إذا تعلق النذر بواجب مثلًا، فإنه موجب للتأكد لا اجتماع المثلين، و المقام من هذا القبيل بلحاظ الموضوعين، فإن النسبة بين الصلاة بما هي، و الصلاة بما هي مقطوعة الوجوب هي العموم المطلق، فيكون الحكم في مورد الاجتماع آكد منه في مورد الافتراق، و من قبيل العموم من وجه بلحاظ الوجوب و القطع به؛ إذ قد لا يتعلق القطع بوجوب الصلاة مع كونها واجبة في الواقع، و القطع المتعلق بوجوبها قد يكون مخالفاً للواقع، و قد يجتمع وجوب الصلاة واقعاً مع تعلق القطع به، و يكون الملاك فيه أقوى، فيكون الوجوب بنحو آكد».

378

تقييم الجواب المذكور:

قوله (قدس) ص 358: «و لكن هذا الجواب ليس صحيحاً ... الخ».

و الجواب المذكور ليس صحيحاً، فإنّ قياس ما نحن فيه على مسألة: «أكرم الفقير» و: «أكرم العالم» بالنسبة إلى الفقير العالم قياس مع الفارق؛ حيث إن الحكمين- و اللذين هما عبارة عن: وجوب الإكرام في هذه المسألة- أحدهما في عرض الآخر، و لا يرتبط ثبوت أحدهما بالآخر، و لم يكن بينهما طولية كما هو واضح بخلاف الحكمين المفروضين في مسألتنا المطروحة للبحث؛ فإن أحدهما- و هو وجوب الصلاة المجعول بحق من علم بوجوبها- في طول الآخر- و هو: وجوب الصلاة المعلوم- لا في عرضه، و من المعلوم: أن التأكد و التوحد إنما يكون في مثلين لا طولية بينهما كما في المثال لا في المقام؛ حيث إن أحدهما متأخر رتبةً عن الآخر لترتبه بحسب الفرض على القطع به فلا يرتفع محذور اجتماع المثلين بالتأكد (1).

____________

(1) هذا الجواب هو نظير الجواب الذي ذكره المحقق العراقي رداً على من التزم بأن اتصاف الجزء بالوجوب النفسي لا يمنع من اتصافه بالوجوب الغيري و لا يلزم منه اجتماع المثلين بدعوى أن ذلك يوجب التأكد، فرد على ذلك قائلًا: «يستحيل اتصاف الأجزاء بالوجوبين لكونه من اجتماع المثلين الذي هو في الاستحالة كاجتماع الضدين، و فى مثله لا مجال لتوهم التأكد أيضاً؛ لأنه إنما يصح إذا كان الحكمان في عرض واحد و مرتبة فاردة، لا في مثل المقام الذى كان أحد الحكمين معلولًا للآخر و في مرتبة متأخرة عنه؛ فإن تأخر أحد الحكمين حينئذ رتبة يمنع عن التأكد كما هو ظاهر». راجع: نهاية الأفكار، ج 2، ص 376.

379

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

380

الدليل العقلي الواجب التوصلي و التعبدي‏

381

الواجب التوصلي و التعبدي‏

تمهيد في عدة نقاط:

الأولى: في بيان المقصود بالواجب التوصلي و التعبدي‏

قوله (قدس) ص 359: «لا شك في وجود واجبات لا يخرج ... الخ».

من ضمن التقسيمات العديدة للواجب الشرعي، هو: تقسيمه إلى التعبدي و التوصلي. و يقصد بالواجب التعبدي كل واجب شرعي لا يخرج المكلف عن عهدته و لا يتحقق الامتثال بالإتيان به إلا إذا أتي به بقصد القربة و الامتثال، على نحوٍ يكون الداعي إلى الإتيان به هو التقرب به إلى الله تعالى و امتثال أمره، من قبيل الصوم، و الصلاة، و الحج، و غير ذلك.

و يقصد بالواجب التوصلي كل واجب شرعي يخرج المكلف عن عهدته و يتحقق الامتثال به بمجرّد الإتيان بالفعل و وقوعه من المكلف خارجاً حتى لو لم يكن الداعي لذلك الفعل قصد القربة بل كان شيئاً آخر، و ذلك من قبيل: تطهير الثوب المتنجس، أو دفن الميت، أو غيرهما (1).

____________

(1) قال الآخوند الخراساني في كفاية الأصول، ص 72: «الوجوب التوصلي، هو ما كان الغرض منه يحصل بمجرد حصول الواجب، و يسقط بمجرد وجوده، بخلاف التعبدي، فإن الغرض منه لا يكاد يحصل بذلك، بل لا بد في سقوطه و حصول غرضه من الاتيان به متقرباً به منه تعالى».

و هذا المعنى للواجب التوصلي و إن كان هو الشائع و هو المراد من تقسيم الواجب إلى التوصلي و التعبدي، إلّا أنّ هذا المعنى يختص بأحد أقسام الواجب التوصلي لا بمطلق أقسامه، فقد قال السيد الخوئي في محاضرات في أصول الفقه، ج 2، ص 153: «إن الواجب التوصلي على أنواع: منها: ما يسقط عن ذمة المكلف بصرف وجوده في الخارج، سواء أ كان بفعل نفسه أم كان بفعل غيره، و سواء أ كان في ضمن فرد مباح أم كان في ضمن فرد محرم. و منها: ما لا يسقط إلا بفعل المكلف نفسه. و منها: ما لا يسقط إلا في ضمن فرد مباح فلا يسقط في ضمن فرد حرام. نعم، يشترك الجميع في نقطة واحدة، و هي: عدم اعتبار قصد القربة في صحتها. و من هنا يظهر: أنه لا أصل لما اشتهر في الألسنة: من أن الواجب التوصلي ما يسقط عن المكلف و يحصل الغرض منه بمجرد وجوده و تحققه في الخارج». و قد أشار السيد الشهيد إلى هذه الأقسام في تقريرات بحثه حيث قال في بحوث في علم الأصول، ج 2، ص 63: «و مصطلح التوصلية يمكن أن يطلق على معان عديدة يقابل كل واحد منها معنى للتعبدية».

382

الثانية: في بيان مناط تقسيم الواجب إلى تعبدي و توصلي‏

اتضح من خلال تعريف الواجب التوصلي و التعبدي: أن المناط في تقسيم الواجب إلى هذين القسمين هو الداعي و القصد الذي لأجله يأتي المكلف بهذا الفعل أو ذاك، فإن كان الداعي و القصد هو التقرب إلى الله تعالى بهذا الفعل و امتثال أمره كان تعبدياً، و إن كان غير ذلك كان توصلياً، و لكن هذا لا يعني أن الأمر متروك إلى المكلف إن شاء قصد القربة و الامتثال و إن شاء لم يقصد ذلك بل قصد غيره و إن كان هذا ممكناً بالنسبة إلى الواجبات التوصلية كما هو واضح؛ إذ ليس المقصود بيان كيفية وقوع الواجب تعبدياً أو توصلياً، بل المقصود ملاحظة ما ورد في الشريعة، من أن بعض الواجبات مشروطة و متقوّمة بقصد القربة و الامتثال و هي: التي سميت بالتعبدية، و البعض الآخر غير مشروط بذلك و هي: التي سميت بالتوصليّة، على نحو يكون قصد القربة دخيلًا في الأولى و غير دخيل في الثانية.

الثالثة: في بيان الهدف من وراء التقسيم السابق‏

اتضح من خلال النقطتين السابقتين: أن الهدف من وراء تقسيم الواجب إلى هذين القسمين هو التعرّف على كيفية تحقق الامتثال و الخروج من عهدة التكليف، و إنه في التعبدي لا يتحقق بمجرّد الإتيان بالفعل الواجب و بأي داع كان، بل لا بدّ من الاتيان به بقصد القربة و الامتثال، بينما في التوصلي يكفي فيه مجرد الإتيان بالفعل و وقوعه خارجاً من المكلف سواء كان الداعي من الاتيان به قصد القربة و الامتثال أم لا (1)، و من هنا، كان تشخيص و تحديد الواجب من حيث كونه تعبدياً أم توصلياً في غاية الأهمية

____________

(1) قال المحقق العراقي في نهاية الافكار، ج 1، ص 326: «و إن تمام الفرق بين التوصلي و التعبدي إنما كان من جهة مدخلية حيث القرب في سقوط الأمر و سقوط الغرض في العبادات، و عدم مدخليته في التوصليات، من جهة سقوط أمرها و حصول الغرض فيها بمحض حصول العمل و تحققه كيفما اتفق و لو لا عن داع قربي، كما هو واضح».

383

بالنسبة للمكلف الذي يهدف إلى امتثال أوامر المولى سبحانه و تعالى.

الرابعة: في بيان الغرض من عقد البحث في ما نحن فيه‏

قد يقال: إنه لا غرض واضح من وراء عقد هذا البحث ما دمنا قد عرفنا مدخلية قصد القربة و الامتثال في تحقق الامتثال و الخروج من عهدة المكلف في الواجبات التعبدية، و عدم مدخلية ذلك في الواجبات التوصلية، و بالرجوع إلى الشريعة المقدسة و الوقوف على أدلة الواجبات الشرعية، نستطيع التمييز بين الواجب التعبدي منها و الواجب التوصلي، فما اشترط فيه قصد القربة كان من الأول، و ما لم يشترط فيه ذلك كان من الثاني.

و لكن الأمر ليس بهذه الدرجة من السهولة و الوضوح، و إن كان الأمر بالنسبة إلى بعض الواجبات واضحاً من حيث كونه من هذا القسم أو ذاك، و لكن، ليست كل الواجبات بهذه الدرجة من الوضوح، فنحتاج في مقام استعلام و استكشاف حالها إلى الوقوف على مركز الفرق بين هذين القسمين، و بيان كيفية جعل الشارع هذا النوع من الواجب تعبدياً و ذاك النوع توصلياً، و الطريقة المتبعة في ذلك- لكي يتسنى لنا عند الشك في كون الواجب تعبدياً أم توصلياً- هي: الرجوع إلى تلك الضابطة و اعتمادها في إدخال هذا الواجب في هذا القسم أو ذاك؛ لما يترتب على ذلك من معرفة كيفية تحقق الامتثال، فإن معرفة مركز الفرق بينهما و منشئه له الأثر البالغ في ذلك، و لأجل ذلك عقد هذا البحث في تحليل الفرق الحقيقي و الجوهري بينهما، و بيان مركز الاختلاف بينهما، من حيث كونه راجعاً إلى عالم الحكم و الوجوب، أو كونه راجعاً إلى عالم الملاك‏ (1).

وقوع الخلاف في تحليل الفرق بين الواجب التوصلي و التعبدي‏

قوله (قدس) ص 359: «و الكلام يقع في تحليل الفرق بين القسمين ... الخ».

لا إشكال في وجود الفرق بين الواجب التعبدي و الواجب التوصلي كما اتضح مما سبق‏

____________

(1) وعليه، فإن كان الاختلاف بينهما راجعاً إلى النحو الأول كان المرجع في تحديد الموقف عند الشك في التعبدية و التوصلية هو الأصول اللفظية كالإطلاق و العموم؛ لأن الشك في الواجب بين كونه تعبدياً أو توصلياً يرجع في هذه الحالة إلى الشك في تقييده أو إطلاقه فنتمسك باطلاق الدليل لنفي القيد و هو قصد الامتثال فتثبت التوصلية، و إن كان الاختلاف بينهما راجعاً إلى النحو الثاني كان المرجع في تحديد الموقف عند الشك هو الأصول العملية من البراءة أو الاشتغال.

384

و بالنحو الذي بيّناه، و لكن هذا لوحده لا يحقق الغرض المطلوب من البحث كما أشرنا سلفاً، و لأجل ذلك وقع الكلام في تحليل الفرق بين هذين القسمين بالنحو الذي يتم من خلاله الوقوف على منشأ و مركز الاختلاف بينهما (1)، حيث إنه يدور بين الأمرين التاليين:

الأول: الاختلاف بين القسمين مردّه إلى عالم جعل الحكم‏

قوله (قدس) ص 359: «فهل الاختلاف بينهما مردّه إلى عالم الحكم .... الخ».

و حاصل هذا الأمر، هو: أن يكون مردّ الاختلاف بين الواجب التوصلي و الواجب التعبدي إلى عالم جعل الحكم و الوجوب؛ بحيث يكون قصد القربة و الامتثال‏ (2) مأخوذاً قيداً أو جزءاً في متعلق الوجوب في التعبدي و لا يكون مأخوذاً كذلك في التوصلي، و يكون قصد القربة و الامتثال في هذه الحالة كغيره من القيود الأخرى من حيث أخذها في متعلق الوجوب تارة و عدم أخذها فيه تارة أخرى.

الثاني: الاختلاف بين القسمين مردّه إلى عالم الملاك‏

قوله (قدس) ص 359: «أو أنّ مرد الاختلاف إلى عالم الملاك .... الخ».

و حاصله: أن يكون الاختلاف بينهما مردّه إلى عالم الملاك دون عالم جعل الحكم‏

____________

(1) قد يتصور البعض أن مصب البحث هو بيان حقيقة الفرق بين التعبدي و التوصلي، و هذا تصور خاطئ؛ إذ أن حقيقة الفرق بينهما واضحة و لم يقع بين الأصوليين مورداً للاختلاف، فالواجب في التعبدي مشروط بقصد القربة و في التوصلي غير مشروط بذلك، و المطلوب في الأول الفعل المقيد بقصد القربة و في الثاني ذات الفعل، بل أن مصب البحث هو بيان الضابطة التي يتم من خلالها جعل هذا النوع من الواجبات في قسم الواجبات التعبدية، و ذاك النوع في قسم الواجبات التوصلية؛ فإنّ هذا هو الأمر المهم الذي يرتبط بتحقق الامتثال و عدمه‏

(2) ينبغي الالتفات إلى أنّ قصد التقرّب بالفعل المأمور به يتصوّر على عدة وجوه:

منها: قصد امتثال الأمر المتعلق بذلك الفعل، بمعنى: التحرّك نحو الفعل بداعي كونه مأموراً به شرعاً.

و منها: قصد المصلحة و الملاك، بمعنى: التحرك نحو الفعل لأجل كونه واجداً للملاك و المصلحة.

و منها: قصد المحبوبية، بمعنى: التحرك نحو الفعل لأجل كونه محبوباً للشارع.

و منها: قصد كون الفعل حسناً.

و منها: قصد كونه سبحانه و تعالى أهلًا للعبادة.

و الملحوظ في البحث في المقام هو الوجه الأول، و هو قصد امتثال الأمر.

385

و الوجوب، على نحو لا يكون هناك أي فرق بين الواجب التعبدي و التوصلي في عالم جعل الحكم و الوجوب من حيث عدم أخذ قصد القربة قيداً أو جزءاً في متعلق الوجوب بلسان الدليل، بل الوجوب فيهما معاً متعلق بذات الفعل، خلافاً للصورة الأولى؛ حيث كان الوجوب في التعبدي متعلق بالفعل المقيد بقصد القربة، و في التوصلي بذات الفعل خاصة.

نعم، الاختلاف بينهما إنما يكون في عالم الملاك من حيث إن الوجوب في التعبدي ناشئ من ملاك لا يستوفى بمجرّد الإتيان بالفعل بدون قصد القربة، بل لا بدّ من ضم قصد القربة إليه، و في التوصلي ناشئ من ملاك يتم استيفاؤه بمجرّد الإتيان بالفعل و إن لم يكن بقصد القربة.

بيان منشأ الأمر الثاني من الأمرين المتقدمين:

قوله (قدس) ص 360: «و منشأ هذا الكلام هو احتمال استحالة ... الخ».

المتأمل في الأمرين المتقدمين لبيان منشأ الاختلاف بين الواجب التعبدي و الواجب التوصلي، يجد أن الأمر الأول منهما لا ينفي كون الاختلاف بينهما يعود في واقعه و حقيقته إلى عالم الملاك، بل إن الاختلاف بينهما في مرحلة جعل الحكم و الوجوب بهذا النحو يكشف قطعاً عن الاختلاف بينهما في عالم الملاك؛ فإن القيد إذا كان مأخوذاً في الواجب بلسان الدليل، فهو دخيل في ترتب المصلحة و استيفائها، و هو ما مرّت الإشارة إليه في التمييز بين شروط الاتصاف و شروط الترتب.

بينما نجد أنّ الأمر الثاني منهما ينفي كون الاختلاف بينهما في عالم جعل الحكم و الوجوب و يقصره على عالم الملاك، و من المعلوم: أن هذا النفي لا مبرّر له إلا إذا التزمنا بوجود مانع يحول دون ذلك، من قبيل: استحالة أخذ قصد امتثال الأمر في متعلق نفس الأمر، و إلّا، فما دام مأخوذاً في الملاك بهذا النحو فلما ذا لا يؤخذ أيضاً في عالم الجعل‏ (1)؟

____________

(1) قد يقال: إنّه إذا فرض استحالة أخذ قصد القربة و الامتثال في عالم الجعل و الوجوب، فمن أين حصل لنا العلم بأنّ بعض الواجبات تعبدية و بعضها توصلية و الحال أنّ الكاشف عن ذلك هو لسان الدليل؟ و مع هذه الاستحالة لا يوجد ما يكشف عن ذلك.

كان الجواب: إن الوقوف على أن بعض الواجبات تعبدية و بعضها توصلية إنما حصل بالدليل الخاص، و ليس بالضرورة أن يحصل العلم بذلك من نفس دليل الواجب، و بمقتضى ذلك الدليل الخاص، حصل لنا العلم بأنّ بعض الواجبات لا يخرج المكلف من عهدتها إلا إذا أتى بها بقصد القربة، و بعضها ليس كذلك، و من هنا، قسمت الواجبات إلى تعبدية و توصلية، و صنّفت بعض الواجبات بأنها تعبدية لدلالة الدليل الخاص على ذلك، من قبيل: الصلاة، و الصوم، و غيرهما مما يصنّف في كتب الفقه من الواجبات التعبدية، فمع الالتزام باستحالة أخذ قصد امتثال الأمر في متعلقه بلسان الدليل و عدم وجود الدليل الخاص بالنسبة لهذا الواجب أو ذاك، سوف يحصل الشك في كونه تعبدياً أم توصلياً، فوقع البحث بين الأصوليين في تحديد القاعدة أو الأصل الذي يرجع إليه في تحديد ذلك.

386

وعليه، فإن ثبتت هذه الاستحالة، تعيّن تفسير الاختلاف بينهما بالوجه الثاني، و إلا، تعين تفسيره بالوجه الأول‏ (1).

استحالة أخذ قصد امتثال الأمر في متعلق الأمر:

بعد أن تبيّن أن الرجوع إلى عالم جعل الحكم و الوجوب للتمييز بين كون الواجب تعبدياً أو توصلياً إنما يتم فيما لو لم يكن أخذ قصد القربة أو الامتثال في متعلق الأمر مستحيلًا، و إلا، فلو كان ذلك مستحيلًا لما أمكن الرجوع إلى ذلك العالم لمعرفة كون الواجب تعبدياً أو توصلياً؛ و ذلك لعدم الفرق بينهما في هذا العالم بحسب الفرض؛ و ذلك لأنّ دليل الواجب في كليهما يكون مطلقاً؛ لعدم إمكان تقييده بحسب الفرض، و قد نبهنا في بحث الاطلاق إلى أنّ اطلاق الدليل إنما يكون كاشفاً عن عدم اعتبار القيد فيما لو أمكن أخذ القيد و لم يؤخذ، و أما مع عدم إمكان ذلك فلا.

وعليه، فلا يمكن الرجوع إلى عالم جعل الحكم لتحديد كون الواجب تعبدياً أو توصلياً، و هذا من الأمور المهمة التي تترتب على القول باستحالة أخذ قصد امتثال الأمر في متعلّق‏

____________

(1) نبهنا فيما سبق إلى أن المقصود من وراء ذلك هو بيان و تحديد الطريق الذي نعتمده للتمييز بين الواجب التعبدي و الواجب التوصلي، و هل هو عالم جعل الحكم و الوجوب أو هو عالم الملاك فقط؟ فإن كان الأول، رجعنا إلى ذلك العالم، فإن وجدنا إنه قد أخذ فيه قصد القربة، كان الواجب تعبدياً، و إلّا، كان توصلياً.

و إن كان الثاني، فلا بدّ من معرفة طبيعة الملاك، و أنه هل يمكن أن يستوفى بمجرد الإتيان بالفعل أو لا بد إلى ضم قصد القربة إليه؟ فإن وجد الدليل الخاص المحدد لذلك، فالمتبع ما دلّ عليه الدليل من التعبدية أو التوصلية، و إن فقد الدليل الخاص على ذلك، رجعنا إلى مقتضى الأصل عند الشك في التعبدية و التوصلية.

387

نفس الأمر؛ إذ أنّه يجعل دليل الواجب حيادياً بالنسبة إلى تحديد ذلك الواجب من حيث كونه تعبدياً أو توصلياً، و من هنا، وقع البحث عند الأصوليين في هذه الاستحالة من حيث ثبوتها أو عدم ثبوتها.

و على كلّ حال، فقد برهن على هذه الاستحالة بعدّة وجوه نذكرها تباعاً إن شاء الله تعالى.

الوجوه المذكورة لإثبات استحالة أخذ قصد امتثال الأمر في متعلقه:

قوله (قدس) ص 360: «و قد برهن عليها بوجوه ... الخ».

برهن على استحالة أخذ قصد امتثال الأمر في متعلق الأمر بعدة وجوه:

الوجه الأول: لزوم الدور و التهافت‏

قوله (قدس) ص 360: «الأول: أن قصد امتثال الأمر ... الخ».

و حاصل هذا الوجه، هو: إنّ أخذ قصد امتثال الأمر في متعلق نفس الأمر يلزم منه الدور، وعليه، فمن المستحيل أن يكون قصد امتثال الأمر مأخوذاً قيداً في متعلق نفس الأمر أي في الواجب.

و تقريب الدور كالتالي:

إنّ قصد امتثال الأمر يقتضي وجود أمر في رتبة سابقة عليه حتى يقصد المكلف امتثاله و يكون القصد من إيقاع الفعل خارجاً هو امتثال الأمر المتعلق بذلك الفعل، و هذا يعني: أن قصد امتثال الأمر متأخر رتبةً عن نفس الأمر؛ و ذلك لتفرعه عليه كما مضى، فلو فرض أخذه قيداً أو جزءاً في الواجب- أي: في متعلق الأمر- لكان داخلًا في معروض ذلك الأمر و لو ضمناً؛ باعتبار أن متعلق الأمر و معروضه هو الفعل المقيد بقصد الامتثال بحسب الفرض، الأمر الذي يقتضي تقدم قصد امتثال الأمر على نفس الأمر من باب تقدم كل معروض على عارضه، فيلزم كون الشي‏ء الواحد متقدماً و متأخراً في آن واحد، و هذا هو ملاك الدور.

و بعبارة مختصرة: إنّ قصد امتثال الأمر متوقف على نفس الأمر؛ لأنه متفرّع عليه؛ إذ لا معنى لقصد امتثال أمر شرعي معيّن بدون افتراض وجود ذلك الأمر الشرعي المعيّن،

388

و الأمر متوقف على افتراض قصد امتثال الأمر؛ لأن الأمر عارض عليه؛ لأنّه مأخوذ في متعلق الأمر بحسب الفرض، و كل عارض يتوقف على افتراض وجود معروضه في رتبة سابقة، فيلزم توقف الشي‏ء على نفسه‏ (1).

تحقيق الحال في هذا الوجه:

قوله (قدس) ص 360: «و الجواب أن ما هو متأخر رتبة ... الخ».

و الجواب على الوجه المذكور، هو: أننا و إن كنّا لا ننكر أي واحد من التوقّفين المتقدمين، و لكن هذا ليس من توقف الشي‏ء على نفسه، و لا من كون الشي‏ء الواحد متقدماً و متأخراً في آنٍ واحد. وعليه، فلا دور في المقام؛ لأن ما هو متأخر بحسب الفرض- و هو: قصد امتثال الأمر- هو قصد الامتثال من المكلف خارجاً، و ما هو متقدم- و هو: قصد امتثال الأمر- هو عنوان قصد الامتثال و تصوره في الذهن من قبل جاعل الأمر، كتصوره لأي قيد آخر يأخذه في المتعلق، الأمر الذي يعني أن ما فرض تأخره شي‏ء و ما فرض تقدمه شي‏ء آخر و لا يوجد محذور في ذلك أصلًا، و توضيح ذلك:

إنّ الامتثال عبارة عن: الإتيان بالفعل الذي تعلق به الأمر، و هو دوماً من نتائج الأمر، و لا يمكن أن يكون متقدماً عليه. فلو فرض كون متعلق الأمر هو الفعل المقيد بقصد الامتثال، فسوف يتحقق امتثال هذا الأمر بالإتيان بالفعل بقصد الامتثال، فقصد الامتثال و إن كان متأخراً، لكن، بوجوده الخارجي الذي حققه المكلف لا بعنوانه و تصور مفهومه في ذهن المولى. و ما يكون متقدماً على الأمر- لو فرض أخذ قصد الامتثال قيداً أو جزءاً في المتعلق الواجب- هو عنوان ذلك المتعلق بما فيه قصد الامتثال و تصوره في ذهن المولى؛ باعتبار أن الشي‏ء ما لم يتصوره المولى لا يمكنه أن يأمر به، فيتصور الصلاة المقيدة بقصد الامتثال ثم يأمر بها، فقصد الامتثال بوجوده الخارجي الذي يوقعه المكلف يكون متأخراً عن الأمر، بل‏

____________

(1) هذا الوجه للاستحالة استظهره السيد الشهيد من عبائر صاحب الكفاية، حيث قال: «إن التقرب المعتبر في التعبدي، إن كان بمعنى: قصد الامتثال و الاتيان بالواجب بداعي أمره، كان مما يعتبر في الطاعة عقلًا، لا مما أخذ في نفس العبادة شرعاً؛ و ذلك لاستحالة أخذ ما لا يكاد يتأتى إلا من قبل الأمر بشي‏ء في متعلق ذاك الأمر مطلقاً شرطاً أو شطراً، فما لم تكن نفس الصلاة متعلقة للأمر، لا يكاد يمكن إتيانها بقصد امتثال أمرها». راجع: كفاية الأصول، ص 72.

389

هو من نتائجه دائماً، و بوجوده الذهني الذي يتصوره المولى ضمن تصوره لمتعلق الأمر يكون متقدماً، الأمر الذي يعني أن ما هو متقدم غير ما هو متأخر، فلا دور.

إن قلت: إن كون ما هو متقدم غير ما هو متأخر بالنحو الذي تقدم بيانه أمراً واضحاً، فكيف غفل عنه صاحب هذا البرهان؟

كان الجواب: إنّ ما ذكرناه و إن كان أمراً واضحاً لا ينبغي الغفلة عنه، و لكن هذا بالنسبة إلى مَن لم يشتبه عليه المتعلق بالموضوع و التفت إلى التمييز بينهما، فإن الموضوع غير المتعلّق؛ إذ المقصود بموضوع الحكم هو ما توقفت عليه فعلية الحكم و وجوبه، و هو المكلف المستطيع خارجاً، بينما المقصود بمتعلق الحكم هو الفعل الواجب الذي يأتي به المكلف امتثالًا للأمر المتعلق به، و الأول- أي: الموضوع- متقدم بوجوده الخارجي على الحكم من باب توقف فعلية الحكم على فعلية موضوعه، بينما المتعلق متأخر بوجوده الخارجي على الحكم؛ لأنه عبارة عن الفعل الذي يأتي المكلف به امتثالًا للأمر المتعلق به.

فلوجوب الحج موضوع، و هو: المكلف المستطيع، و متعلق و هو: فعل الحج.

فكأن صاحب هذا الوجه قد اشتبه عليه المتعلق بالموضوع، و تخيّل أن المقصود بأخذ قصد امتثال الأمر في متعلق نفس الأمر هو أخذه قيداً في موضوع الحكم، و حيث إنّ فعلية الحكم تابعة لفعلية موضوعه و تحققه خارجاً، فيلزم من ذلك كون قصد امتثال الأمر بوجوده الخارجي متقدماً على الأمر و الوجوب لما قلناه من أن فعلية الحكم تابعة لوجود موضوعه خارجاً، بينما وجود قصد امتثال الأمر و تحققه خارجاً من قبل المكلف متفرع على الوجوب؛ إذ لا بدّ من افتراض أمر في رتبة سابقة حتى يقصد امتثاله، فيلزم الدور.

و لكن، حيث ميزنا بين المتعلق و الموضوع، و بين الجعل و المجعول، و قلنا: إن المجعول تابع في فعليته لفعلية موضوعه و وجوده خارجاً لا لوجود المتعلق، و إن الجعل منوط بالوجود الذهني لكل من الموضوع و المتعلق لا بالوجود الخارجي لهما، فلا تنطوي علينا المغالطة المذكورة.

390

الوجه الثاني:

قوله (قدس) ص 362: «الثاني: إن قصد امتثال الأمر عبارة عن ... الخ».

و أما الوجه الثاني فقد قرب ببيانين:

البيان الأول: لزوم تحريك الأمر نحو محركية نفسه و هو مستحيل‏ (1)

قوله (قدس) ص 362: «فلو كان نفس القصد المذكور داخلًا ... الخ».

أما البيان الأول للوجه الثاني، فحاصله: إن الأمر و الوجوب- بعد أن يصبح فعلياً بفعلية موضوعه و تحقق قيوده المأخوذة فيه خارجاً- يحرك نحو إيجاد متعلقه، و حيث إن معنى قصد امتثال الأمر هو: التحرك عن ذلك الأمر نحو إيجاد متعلقه على نحو يقع الفعل الخارجي من المكلف و هو المتعلق نتيجة لتحريك الأمر نحوه، فلو فرض أن قصد امتثال الأمر داخل في المتعلق قيداً أو جزءاً، فسوف يلزم أن يكون الأمر محركاً نحوه؛ لتحريك الأمر نحو إيجاد متعلقه، و حيث إن قصد امتثال الأمر ليس هو إلا محركية الأمر كما ذكرنا، فسوف يلزم أن يكون الأمر محركاً نحو محركية نفس الأمر، و هذا أمر مستحيل؛ إذ لا يعقل أن يكون الأمر محركاً نحو محركية نفسه؛ لأنها حاصلة بحسب الفرض، فلا بد أن يكون محركاً نحو ذات الفعل لا غير.

البيان الثاني: عدم تمكن المكلف من قصد الامتثال بذات الفعل‏

قوله (قدس) ص 362: «و ببيان آخر أن المكلف لا يمكنه ... الخ».

و أما البيان الثاني للوجه الثاني، فحاصله: إن قصد امتثال الأمر لا يتحقق إلّا بالإتيان بما تعلق به الأمر، فإذا أتى المكلف بغير ما تعلق به الأمر، لم يتحقق منه قصد امتثال الأمر، فمن أمر بالصلاة و أتى بفعل غير الصلاة، لم يكن بذلك الفعل قد قصد امتثال الأمر بالصلاة، بل لا بدّ- لكي يتحقق ذلك- من الإتيان بالصلاة.

وعليه، فالمكلف لا يمكنه أن يقصد امتثال الأمر- أيّ أمر- إلّا بالإتيان بما تعلق به‏

____________

(1) هذا الوجه للاستحالة ذكره المحقق الأصفهاني في نهاية الدراية، ج 1، ص 325، حيث قال: «إن الانشاء حيث إنه بداعي جعل الداعي، فجعل الأمر داعياً يوجب عليّة الشي‏ء لعليّة نفسه، و كون الأمر محرّكاً إلى محركية نفسه».

391

ذلك الأمر، و بناءً على ذلك: فلو فرض أن قصد امتثال الأمر قد أخذ قيداً أو جزءاً في متعلق نفس الأمر، فهذا يعني: أن الأمر لم يتعلق بذات الفعل بل تعلق بالفعل المقيد بقصد الامتثال، الأمر الذي يعني: عدم قدرة المكلف على قصد الامتثال بذات الفعل؛ لأنه ليس هو تمام المتعلق بحسب الفرض، و من المعلوم: أن ما يصدر من المكلف خارجاً ليس هو إلا ذات الفعل، لا الفعل المقيد بقصد الامتثال و إنما قصد الامتثال أمر قلبي في نفس المكلف و ليس وجوداً خارجياً كوجود فعل الصلاة خارجاً (1).

تحقيق الحال في هذا الوجه ببيانيه:

قوله (قدس) ص 362: «و قد أجيب على ذلك بأن ... الخ».

و في مقام تحقيق الحال في الوجه الثاني ببيانيه نقول: إننا و إن كنّا نسلّم بأن الأمر لا يمكن أن يكون محركاً نحو محركية نفسه، و نسلّم أيضاً بأن قصد امتثال الأمر لا يمكن تحققه إلّا بالإتيان بما تعلق به الأمر، و لكن، أي واحد من الأمرين المذكورين لا يلزم من أخذ قصد امتثال الأمر في متعلق نفس الأمر؛ و ذلك لأن متعلق الأمر إذا كان مركباً من أجزاء، فسوف ينحل الأمر إلى عدة أمور ضمنية بعدد تلك الأجزاء، و يكون كل أمر من هذه الأمور محركاً نحو متعلقه.

فلو أخذنا الصلاة- مثلًا- فإن الأمر بها سوف ينحل إلى أمر ضمني بالركوع، و أمر ضمني آخر بالسجود، و أمر ضمني بقراءة الفاتحة و السورة، و هكذا. فلو فرض أخذ قصد الامتثال جزءاً منها أيضاً، لتعلق بهذا الجزء أمر ضمني كغيره من الأجزاء الأخرى، فلو أخذنا الصلاة بأجزائها المعلومة فعلًا واحداً، و أخذنا قصد الامتثال فيها، لانحل الأمر بالصلاة المقيدة بقصد الامتثال إلى أمرين ضمنيين لكل منهما محركية نحو متعلقه خاصة، الأول منهما: متعلق بذات الصلاة، فيحرك نحو فعل الصلاة، و الآخر: متعلق بقصد امتثال الأمر بذات الصلاة، أي: بقصد امتثال الأمر الأول منهما، فيحرك نحو

محركية الأمر

____________

(1) هذا النحو من البيان للاستحالة المذكورة ذكره المحقق النائيني في فوائد الأصول، ج 1، ص 150 حيث قال: «إن المكلف لا يتمكن من الامتثال؛ إذ ليس له فعل الصلاة بداعي أمرها؛ لأن الأمر لم يتعلق بنفس الصلاة فقط حسب الفرض، بل تعلق بها مع قصد امتثال الأمر، فالأمر قد تعلق بقصد امتثال الأمر و لو في ضمن تعلقه بالصلاة على هذا النحو».

392

بذات الصلاة، و من المعلوم: أنّ محركية الأمر بقصد امتثال الأمر المتعلق بفعل الصلاة هو غير محركية الأمر المتعلق بذات الصلاة، و يكون حال هذين الأمرين حال أي أمرين آخرين كان لكل منهما متعلقه الخاص به فيحرك كل منهما نحو متعلقه.

و بهذا يندفع كلا البيانين المتقدمين في الوجه الثاني المذكور للاستحالة؛ لأن الأمر الثاني سوف يحرك نحو محركية غيره- و هو الأمر الأول- لا محركية نفسه، فيندفع البيان الأول و يتمكن المكلف من قصد الامتثال بذات الفعل؛ لأنه متعلق الأمر الضمني الأول، و بهذا يندفع البيان الثاني أيضاً (1).

الوجه الثالث: لزوم أخذ الأمر في موضوع نفسه و هو محال‏

قوله (قدس) ص 363: «الثالث: إن قصد امتثال الأمر إذا أخذ ... الخ».

و أما الوجه الثالث للاستحالة، فمحصله: إن أخذ قصد امتثال الأمر قيداً أو جزءاً في متعلق الأمر- أي: الواجب- يلزم منه أخذ الأمر في موضوع نفسه، و هو محال.

و لبيان وجه اللزوم من ذلك، لا بد من الرجوع قليلًا إلى ما ذكرناه في الحلقة السابقة و في هذه الحلقة أيضاً، من أن المكلف مسئول عقلًا عن تحصيل مقدمات الواجب تبعاً لمسئوليته عن نفس الواجب، الأمر الذي يقتضي أن تكون تلك القيود و المقدمات داخلة تحت اختيار المكلف و قدرته، و إلا لزم التكليف بغير المقدور.

و حينئذٍ، لو فرض كون ذلك القيد أو تلك المقدمة غير مقدورة للمكلف و كانت خارجة عن اختياره، فلا بد من أخذها قيداً في الوجوب أيضاً؛ لكي لا يلزم التحريك نحوها فيكون من التكليف بغير المقدور، و بناءً على ذلك: فلو فرض أن قصد امتثال الأمر قد أخذ في‏

____________

(1) هذا ما أجاب به المحقق العراقي في نهاية الافكار، ج 1، ص 190 حيث قال: «نعم، إنما يرد هذا الإشكال بناءً على عدم انحلال الأمر بالمقيد إلى أمرين ضمنيين، و إلا فبناءً على انحلاله ذهناً يكون حاله حال الأمرين المستقلين، فكما أنه لا يرد هذا المحذور في صورة الالتزام بتعدد الأمر فأمكن تعلق أحد الأمرين بذات المقيد و الآخر بقيد الدعوة الراجع إلى داعويته لإتيان المقيد عن دعوة الأمر المتعلق به بلا كلام، كذلك بناءً على الانحلال؛ لأن لازم انحلال الأمر بالمقيد إنما هو تعلق أمر ضمنى بذات المقيد و تعلق أمر ضمني آخر إلى قيد الدعوة كما في صورة استقلال الأمرين، فكان الأمر المتعلق بالدعوة داعياً إلى ايجاد ذات المقيد عن داعى الأمر الضمنى المتعلق به، و معه لا يلزم محذور داعوية الأمر إلى دعوة شخصه، كما هو واضح».

393

متعلق نفس الأمر قيداً أو جزءاً، كان نفس الأمر من قيود الواجب؛ لأن قصد الامتثال مضاف إلى الأمر و متعلق به، و حيث إن الأمر قيد غير اختياري و ليس داخلًا تحت قدرة المكلف؛ لأنه فعل المولى و ليس فعلًا للمكلف، فلا بدّ من أخذه قيداً في الوجوب أيضاً، و هذا يعني: أخذ الأمر في موضوع نفس الأمر و هو محال‏ (1).

تحقيق الحال في هذا الوجه:

قوله (قدس) ص 363: «و قد يعترض عليه بأنّ القيد ... الخ».

و تحقيق الحال في الوجه الثالث للاستحالة بأن يقال: إن غاية ما يعتمد عليه هذا الوجه لإثبات استحالة أخذ قصد امتثال الأمر في متعلق نفس الأمر، هو: إن كل قيد من قيود الواجب إذا لم يكن اختيارياً و داخلًا تحت قدرة المكلف، فلا بد من أخذه قيداً في موضوع الوجوب أيضاً، و هذه القاعدة و إن كنا نلتزم بها و قد تمت الإشارة إليها سابقاً، و لكن بالتأمل في وجهها و منشئها، يتضح عدم صحة هذا البرهان في المقام؛ و ذلك لعدم لزوم أخذ الأمر في موضوع نفس الأمر من أخذ قصد امتثال الأمر في متعلق نفس الأمر

____________

(1) هذا الوجه للاستحالة ذكره المحقق النائيني في فوائد الأصول، ج 1، ص 149، حيث قال: «و أما الانقسامات اللاحقة للمتعلق المترتبة على الحكم، كقصد امتثال الأمر في الصلاة مثلًا، فامتناع أخذه في المتعلق إنما هو لأجل لزوم تقدم الشي‏ء على نفسه في جميع المراحل، أي: في مرحلة الانشاء، و مرحلة الفعلية، و مرحلة الامتثال. أما في مرحلة الانشاء، فالكلام فيه هو الكلام في أخذ العلم في تلك المرحلة، حيث قلنا: انه يلزم منه تقدم الشي‏ء على نفسه، فإن أخذ قصد امتثال الأمر في متعلق نفس ذلك الأمر يستلزم تصور الأمر قبل وجود نفسه، و كذا الحال عند أخذه في مقام الفعلية، فإن قصد امتثال الأمر يكون حينئذ على حذو سائر الشرائط و الأجزاء كالفاتحة، و من المعلوم: أن فعل المكلف إذا كان له تعلق بما هو خارج عن قدرته، فلا بد من أخذ ذلك مفروض الوجود ليتعلق به فعل المكلف و يرد عليه، كالأمر في قصد امتثال الأمر، فإن قصد الامتثال الذي هو فعل المكلف إنما يتعلق بالأمر، و هو من فعل الشارع خارج عن قدرة المكلف، فلا بد أن يكون موجوداً ليتعلق القصد به، كالفاتحة التى يتعلق بها القراءة التى هي فعل المكلف، و كالقبلة حيث يتعلق الأمر باستقبالها، فلا بد من وجود ما يستقبل ليتعلق الأمر بالاستقبال؛ إذ لا يعقل الأمر بالاستقبال فعلًا مع عدم وجود المستقبل إليه. و فى المقام لا بد من وجود الأمر ليتعلق الأمر بقصده، و المفروض أنه ليس هناك إلا أمر واحد تعلق بالقصد و تعلق القصد به، و هذا كما ترى يلزم منه وجود الأمر قبل نفسه كما لا يخفى. و بالجملة: قصد امتثال الأمر إذا أخذ قيداً في المتعلق في مرحلة فعلية الأمر بالصلاة فلا بد من وجود الأمر ليتعلق الأمر بقصد امتثاله، مع أنه ليس هناك إلا أمر واحد، فيلزم وجود الأمر قبل نفسه».

394

و إن أدّى ذلك إلى أن يصبح الأمر قيداً من قيود الواجب في هذه الحال مع كونه غير اختياري قطعاً.

و الوجه في عدم لزوم ذلك، هو: أن المنشأ لهذه القاعدة- كما بيّنا سابقاً- هو: لزوم التحريك نحو القيد إذا لم يؤخذ ذلك القيد في الوجوب أيضاً، و بالتالي، لزوم التكليف بغير المقدور، فهروباً من ذلك المحذور، كان لا بد من فرض أخذه قيداً في الوجوب حتى لا يكون الوجوب محركاً نحوه تبعاً لتحريكه نحو الواجب؛ لأنه لا محركية للوجوب قبل وجوده بعد أن أصبح من قيود ذلك الوجوب.

نعم، بعد افتراض وجود القيد و تحققه خارجاً، فسوف يصبح الوجوب فعلياً فيحرك نحو المقيد، و في هذه الحالة لا يحرك إلا نحو إيقاع ذات المقيد و تقييده بذلك القيد المفترض وجوده دون أن يحرك نحو نفس القيد؛ لأنّ المطلوب هو ايجاد الفعل المقيد بذلك القيد، و مع فرض وجود ذلك القيد، فلن يبقى أمام المكلف سوى أن يأتي بالفعل في ظرف ذلك القيد فيحصل التقييد و يتحقق الامتثال‏ (1).

و القاعدة المتقدمة لا تقتضي أكثر من افتراض وجود القيد عند توجه التكليف بالمقيد حتى لا يلزم التحريك نحو القيد و يقع في محذور التكليف بغير المقدور، فلو افترض أن قيداً غير اختياري قد أخذ في الواجب و كان مضمون الوجود، فلا مبرر لأخذه قيداً في الوجوب أيضاً في هذه الحالة؛ و ذلك لعدم لزوم التكليف بغير المقدور؛ لأنه مع فرض وجوده لا يكون الأمر محركاً نحوه كما هو واضح، الأمر الذي يعني: أنه ليس كل قيد يؤخذ في الواجب و لم يكن اختيارياً لا بد من أخذه قيداً في الوجوب أيضاً، و إنما هو في خصوص القيود التي لم تكن مضمونة الوجود، و أما إذا كان مضمون الوجود، فسوف لا يكون الوجوب محركاً نحوه لفرض وجوده، و إنما يحرك نحو التقييد و ذات المقيد فقط، و في مثل هذه الحالة لا داعي لفرض أخذه قيداً في الوجوب أيضاً.

و ما نحن فيه في المقام من هذا القبيل؛ فإن الأمر و إن كان يصبح قيداً في الواجب إذا

____________

(1) و هذا من قبيل الصوم في رمضان؛ حيث إنّ المطلوب من المكلف حصة خاصة من الصوم لا طبيعي الصوم، و تلك الحصة هي عبارة عن الصوم المقيد بكونه في رمضان. فمع حلول شهر رمضان لا يكون المطلوب من المكلف إلا إيجاد فعل الصوم، فيتقيد و يصبح حصة خاصة من الصوم و يتحقق الامتثال.

395

فرض أخذ قصد امتثال الأمر في متعلق نفس الأمر و هو غير داخل تحت قدرة المكلف، و لكنه مضمون الوجود بنفس جعل هذا الوجوب؛ لأن الأمر يتحقق بنفس الجعل الشرعي، و لا يكون الوجوب محركاً نحوه، فلا مبرر لافتراض أخذه قيداً في موضوع نفس الوجوب، وعليه، فلا يلزم من أخذ قصد امتثال الأمر في متعلق نفس الأمر أن يكون الأمر قد أخذ في موضوع نفسه.

هذا تمام الكلام في وجوه الاستحالة المذكورة و تحقيق الحال فيها، و قد تبيّن عدم تماميتها (1).

ثمرة البحث في الواجب التوصلي و التعبدي:

قوله (قدس) ص 364: «و ثمرة هذا البحث أن الاختلاف بين القسمين ... الخ».

و الثمرة المترتبة على الاختلاف في تفسير و تحليل الفرق بين الواجب التعبدي و الواجب التوصلي من حيث رجوع هذا الفرق إلى عالم الملاك أو عالم الحكم، تظهر عند الشك في كون الواجب تعبدياً أو توصلياً، و ذلك بلحاظين: أحدهما: لحاظ الأصل اللفظي، و الآخر: لحاظ الأصل العملي، فتترتب على هذا البحث ثمرتان:

الثمرة الأولى: في مدى إمكان نفي التعبديّة و إثبات التوصلية و عدمه‏ (2)

قوله (قدس) ص 364: «فبالإمكان عند الشك في كون الواجب ... الخ».

و حاصل الثمرة الأولى هو: أنه إذا شكّ المكلف في واجب من حيث كونه تعبدياً أو

____________

(1) و لكن، و على الرغم من ذلك، فإنّ السيد الشهيد قال في بحوث في علم الأصول ج 2، ص 79: «و التحقيق هو: استحالة أخذ قصد الأمر في متعلق نفسه؛ لوجوه يمكن أن نجعل بعضها تتميماً و تعميقاً لبعض الوجوه المتقدمة».

إلا أنّ هذا إنما هو بلحاظ خصوص قصد امتثال الأمر من الوجوه القربية، و أمّا بلحاظ الوجوه الأخرى، من قبيل: التقرب بالملاك، أو قصد المحبوبية، فقد قال في ج 2، ص 95: «و يمكن أن يقال: إن التقييد الثبوتي بقصد القربة ليس محالًا مطلقاً و من كل آمر، بل محال جعله من قبل من يلتفت و يعلم بالبراهين المتقدمة ... و الشارع و إن كان دقيقاً، إلا أنه في مقام المحاورة و التشريع يتبع نفس الطريقة العرفية التي يتعامل فيها مع قيد قصد القربة كما يتعامل مع سائر القيود في مقام المحاورة»

(2) هذه الثمرة بلحاظ الأصل اللفظي من حيث مدى إمكان التمسك بالإطلاق في متعلق الأمر لنفي التعبدية و اثبات التوصلية أو عدم إمكان ذلك.

396

توصلياً، فإنه على القول بأن مردّ الاختلاف بين هذين القسمين إلى عالم جعل الحكم و الوجوب، بحيث يأخذ المولى قصد امتثال الأمر قيداً أو جزءاً في متعلق الوجوب إذا أراد التعبدية و لا يأخذه كذلك إذا أراد التوصليّة، فإنه بالإمكان في هذه الحالة الرجوع إلى عالم جعل الحكم و الوجوب الذي يكشف عنه الخطاب الشرعي المتكفّل بذلك الواجب و يتمسك بإطلاقه لنفي دخالة قصد امتثال الأمر في متعلق الوجوب، فتنتفي التعبدية و تثبت التوصليّة تمسكاً بذلك الإطلاق، و يكون حال قصد امتثال الأمر حال كل القيود المحتملة التي يتم نفيها بالإطلاق. و يتحقق الامتثال من المكلّف نتيجة لذلك بمجرد الإتيان بالفعل و إن لم يأت به بداع قصد القربة و الامتثال.

و أما إذا قلنا بأن مرد الاختلاف بينهما إلى عالم الملاك دون عالم جعل الحكم بسبب استحالة أخذ قصد الامتثال قيداً أو جزءاً في متعلق الوجوب، فلا يمكن حينئذ التمسك بإطلاق دليل الواجب لنفي دخالة قصد الامتثال في الواجب و إثبات التوصلية؛ لأن معنى التوصلية- كما هو معلوم- هو: عدم دخالة قصد الامتثال في ملاك الحكم على نحو يتحقق ملاك الحكم و يستوفى بمجرد الإتيان بالفعل بأي داعٍ كان.

وعليه، فإثبات كون الواجب المعين توصلياً لا يتم إلّا بإثبات و إحراز عدم دخالة قصد الامتثال في ملاكه، و هذا مما لا طريق لإثباته؛ لأنه لا يوجد بأيدينا إلّا دليل الأمر و الوجوب، و هو لا يدل على عدم دخالة قصد الامتثال في ملاك الحكم، لا بصورة مباشرة و لا بصورة غير مباشرة.

أما الأول، فلأن مفاد الخطاب هو الأمر و الوجوب لا الملاك، و أما الثاني، فلأن الملاك و إن كان مدلولًا التزامياً لمفاد الدليل- و هو الوجوب- و إنّ إطلاق متعلق الأمر يكشف عن إطلاق الملاك، و لكن هذا فيما لو فرض إمكان تقييد المتعلق، و أما إذا كان ذلك التقييد مستحيلًا فلا يكون الإطلاق في متعلق الوجوب و عدم أخذ قصد الامتثال قيداً فيه كاشفاً عن إطلاق الملاك و عدم دخالة قصد الامتثال في الغرض، فعدم أخذه في هذه الحالة لا يدل على عدم دخله في الغرض و الملاك، وعليه، فلا طريق لنفي دخالة قصد الامتثال في ملاك الحكم و إثبات التوصلية.

و في هذه الحالة لا يحرز تحقق الامتثال بمجرد الإتيان بالفعل من دون قصد القربة،

397

نعم، بإمكان المكلف أن يقصد القربة و الامتثال بالفعل الذي يأتي به، و يكون بذلك محرزاً لتحقق الامتثال على كلا التقديرين، أي: سواء أ كان الواجب تعبدياً أم كان توصلياً.

الثمرة الثانية: تحديد نوع الأصل الجاري عند الشك في التعبدية و التوصلية (1)

قوله (قدس) ص 365: «و قد تذكر ثمرة أخرى في مجال الأصل العملي ... الخ».

و هناك ثمرة أخرى قد تترتب على هذا البحث، و هي تظهر في مجال تحديد نوع الأصل العملي الجاري عند الشك في التعبدية و عدم قيام الدليل المحرز (2) على كون الواجب تعبدياً مشروطاً بقصد القربة أو كونه توصلياً غير مشروط بذلك.

و حاصل هذه الثمرة، هو: إنه على القول بإمكان أخذ قصد امتثال الأمر في متعلق الأمر و عدم استحالة ذلك، فسوف يدخل المورد في كبرى دوران أمر الواجب بين الأقل و الأكثر، فهو توصلي على تقدير تعلق الوجوب بالأقل؛ لأنه ليس إلّا ذات الفعل بدون ضميمة قصد القربة إليه، و تعبدي على تقدير تعلق الوجوب بالأكثر؛ لأنه ذات الفعل مع قصد القربة و يكون الشك في هذه الحالة مرجعه إلى الشك في وجوب ضم قصد القربة إلى الفعل، و هو شك في وجوب زائد فيكون مجرى لأصالة البراءة. و تكون نتيجة

ذلك‏

____________

(1) هذه الثمرة بلحاظ الأصل العملي عند الشك في كون الواجب توصلياً أو تعبدياً مع فرض الاتيان بالفعل بدون داعي قصد القربة، فهل يتحقق الامتثال بذلك أم لا؟

(2) إن قلت: إن الشك في التعبدية و افتراض عدم قيام الدليل المحرز على كون الواجب تعبدياً أو توصلياً، إنما يتم على القول باستحالة أخذ قصد امتثال الأمر في متعلق نفس الأمر و لا يتم على القول بإمكان ذلك؛ لأنه حينئذٍ يرجع إلى دليل الأمر و يتمسك بإطلاقه لنفي التعبدية و إثبات التوصلية، و معه، فلا معنى لجعل هذه الثمرة في عرض الثمرة الأولى، و إنما هي من نتائجها على القول بالاستحالة و رجوع الفرق بين القسمين إلى عالم الملاك دون الحكم؛ حيث لا يمكن حينئذٍ إثبات التوصلية و نفي التعبديّة كما هو واضح و كما تقدمت الإشارة إلى ذلك في الثمرة الأولى.

كان الجواب: إن الشك في التعبدية و افتراض عدم قيام الدليل على نفيها، يتصور أيضاً حتى على القول بإمكان أخذ قصد امتثال الأمر في متعلق الأمر و كون الفرق بين القسمين راجعاً إلى عالم جعل الحكم؛ و ذلك فيما لو فرض عدم تمامية مقدمات الحكمة بالنسبة إلى متعلق الأمر، و بالتالي، عدم إمكان التمسك بالإطلاق في متعلق الأمر لنفي دخالة قصد القربة فيه، و هذا يعني: الشك في التعبدية و عدم قيام الدليل على نفيها.

398

كما لو كان الواجب توصلياً يتحقق الامتثال فيه بمجرد الإتيان بالفعل من دون ضم قصد القربة و الامتثال إليه.

و أما على القول باستحالة أخذ قصد امتثال الأمر في متعلق الأمر، و أن مردّ الفرق بين القسمين إلى عالم الملاك دون الحكم، فسوف يكون مجرى لأصالة الاشتغال؛ لأنه في هذه الحالة ليس من الشك في التكليف بشي‏ء؛ لأنه متعلق بذات الفعل و قد أتى به المكلف بحسب الفرض، و إنما هو الشك في تحقق الامتثال بذلك الفعل، و بالتالي، سقوط الواجب المفروغ عن ثبوته في عهدته بهذا الفعل أو عدم سقوطه، فإنّه يسقط على تقدير التوصليّة و لا يسقط على تقدير التعبدية، و هذا يقتضي أن يأتي المكلف بالفعل مع قصد القربة و الامتثال، و يتعامل مع الواجب في هذه الحالة كما لو كان تعبدياً (1).

____________

(1) يمكن التعبير عن هذه الثمرة بعبارة مختصرة، و هي: أنه عند الشك في التعبدية و عدم قيام الدليل على نفيها، فالأصل فيه التوصلية على القول بإمكان أخذ قصد امتثال الأمر في متعلق الأمر، و التعبدية على القول باستحالة ذلك؛ لأن هذه هي النتيجة التي تقتضيها أصالة الاشتغال على الثاني.

399

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

400

الدليل العقلي التخيير في الواجب‏

401

التخيير في الواجب‏

(1)

تمهيد في ثلاث نقاط:

النقطة الأولى: في بيان المقصود من التخيير في الواجب‏

إن المقصود بالتخيير في الواجب، هو: أن يكون لذلك الواجب الذي تعلق به الوجوب بدائل متعددة يتمكن المكلف من امتثال الواجب و إيجاده بإيجاد أحد تلك البدائل على نحو التخيير.

و هذا المعنى تارة ينشأ من تعلق الوجوب بعنوان عام كلي على نحو يكون المطلوب صرف وجود ذلك العنوان لا مطلق وجوده، كما لو قال المولى: «أكرم زيداً»، فإن الوجوب في هذه الحالة قد تعلق بعنوان عام و هو: «الإكرام»، و هو يحصل بهذه الحصة من الإكرام أو تلك، فالمكلف مخير في مقام امتثال هذا الأمر بإكرام زيد بأي نوع من أنواع الإكرام و أفراده.

و تارة أخرى ينشأ من تعلق الوجوب بنفس تلك البدائل على نحو الترديد، كما لو قال‏

____________

(1) ينبغي الالتفات إلى أمرين مهمين:

الأول: إنّ عنوان:) التخيير في الواجب» لا يرادف الواجب التخييري بالمصطلح الفقهي و الأصولي المقابل للواجب التعييني، بل هو أعم منه و من الواجب التعييني؛ و ذلك لأنّ الواجب الذي يكون التخيير فيه عقلياً هو من الواجب التعييني المقابل للواجب التخييري، و إلى هذا المعنى أشار الشيخ المظفر في أصول الفقه، ج 1، ص 84 حيث قال:) ثم إن أطراف الواجب التخييري إن كان بينها جامع يمكن التعبير عنه بلفظ واحد، فإنه يمكن أن يكون البعث في مقام الطلب نحو هذا الجامع، فإذا وقع الطلب كذلك، فإن التخيير حينئذ بين الأطراف يسمى عقلياً، و هو ليس من الواجب التخييري المبحوث عنه، فإن هذا يعد من الواجب التعييني».

الثاني: إنّ البحث في الواجب الكفائي المقابل للواجب العيني يشبه البحث في الواجب التخييري، غاية الأمر، أنّ التخيير في الواجب التخييري يكون بلحاظ المتعلق و المكلف به، و في الكفائي يكون بلحاظ الفاعل و المكلف.

402

المولى: «يجب عليك إما إطعام ستين مسكين، و إما صيام شهرين متتابعين، و إما عتق رقبة إذا أفطرت يوماً عمداً في شهر رمضان»، فالمكلف- في هذه الحالة- إذا أفطر يوماً، كان مخيراً بين الصوم و الإطعام و العتق، و يتحقق الامتثال من المكلف بالإتيان بأي فرد من هذه البدائل الثلاثة (1).

النقطة الثانية: في بيان أن التخيير تارة يكون عقلياً و أخرى يكون شرعياً

قوله (قدس) ص 366: «التخيير تارة يكون عقلياً .... الخ».

ثم إن التخيير في الواجب في مقام الامتثال، تارة يكون عقلياً و أخرى يكون شرعياً. و المقصود بالأول: كون الحاكم بالتخيير هو العقل، و هذا يكون عند ما يتعلق الوجوب بعنوان عام له أفراد و مصاديق تكون نسبتها إلى ذلك العنوان على حدّ سواء، و يكون‏

____________

(1) إنّ التخيير في الواجب لا ينحصر بالموردين المتقدمين، فإنّ له عدة موارد:

الأول: التخيير الناشئ من الأمر بالمطلق بنحو صرف الوجود و الاطلاق البدلي، و هذا ما أشرنا إليه في المتن في المثال الأول، و هذا النحو من التخيير يكون من التخيير العقلي لا الشرعي.

الثاني: الواجب التخييري بحسب الجعل الابتدائي الشرعي، أي: كان الخطاب من أول الأمر خطاباً تخييرياً ذا أفراد في مقابل الخطاب التعييني كخصال الكفارات، و هذا ما أشرنا إليه في المتن في المثال الثاني، و هذا النحو من التخيير يكون من التخيير الشرعي.

الثالث: التخيير الناشئ عن تزاحم الحكمين و تمانع الخطابين في مقام الامتثال إذا لم يكن أحد الحكمين أهم و أولى بالرعاية، و ذلك فيما لو تساوى ملاكا الحكمين المتزاحمين بالأهمية؛ فإنّ المكلف يكون مخيراً في مقام الامتثال بينهما، و هذا النحو من التخيير يكون من التخيير الشرعي بناءً على الالتزام بأنه بعد تمامية الملاك في كل منهما يستكشف العقل خطاباً شرعياً تخييرياً بأحدهما، و إلا كان من التخيير العقلي.

الرابع: التخيير الناشئ عن تعارض الحجتين و تنافي الطريقين، كتعارض فتوى المجتهدين المتساويين، و مؤدى الخبرين مع تساويهما في مرجحات باب التعارض بناءً على أنّ الحكم في المتعارضين في هذه الحالة هو التخيير و ليس التساقط اعتماداً على روايات التخيير، و بناءً على ذلك، يكون هذا النحو من التخيير تخييراً شرعياً.

الخامس: التخيير الناشئ من كون الواجب موسعاً، كما في صلاة الظهر مثلًا، فإن المكلف مخير بين الصلاة في الآن الأول، أو الصلاة في الآن الثاني، أو الصلاة في الآن الثالث، و هكذا. و قد وقع الخلاف في مثل هذا النحو من التخيير من حيث كونه شرعياً أو عقلياً.

إلى غير ذلك من الموارد الأخرى التي تذكر في أبواب الفقه.

403

المطلوب صرف وجود الفعل و بقطع النظر عن إيجاده بهذا الفرد أو ذاك‏ (1). و لأجل كون كل فرد يحقق ذلك العنوان الواجب، حكم العقل بتخيير المكلّف بين إيجاده بهذا الفرد أو ذاك، كما في المثال الأول المتقدم، و هو مثال الإكرام.

و المقصود بالثاني: كون الحاكم بالتخيير ابتداءً هو الشارع بحيث يتصدّى بنفسه لذكر البدائل بلسان الدليل، كما في المثال الثاني المتقدم. وعليه، فالمناط في كون التخيير شرعياً أو عقلياً هو ذكر البدائل في لسان الدليل الشرعي أو عدم ذكرها (2)، فإن كانت مذكورة متعلقاً للأمر في لسان الدليل على نحو الترديد كان التخيير شرعياً، و إذا لم يكن كذلك، بل كان يقتضيها نفس تعلق الأمر بعنوان عام له أفراد متعددة على نحو يكون المطلوب فيه صرف الوجود كان التخيير عقلياً.

و على هذا الأساس تم تقسيم الواجب إلى تعييني و تخييري، فكل ما كان التخيير فيه عقلياً يرجع إلى القسم الأول دون الثاني.

النقطة الثالثة: تعلق الوجوب بالجامع في موارد التخيير العقلي‏

ثم إنّ التخيير العقلي لما كان يفترض وجود أفراد و مصاديق عديدة لما تعلق به الوجوب تكون نسبتها إلى ذلك المتعلق على حدّ سواء، فهذا يقتضي أن يكون الوجوب في موارد التخيير العقلي متعلقاً بالجامع بين تلك الأفراد و بقطع النظر عن الخصوصية القائمة بالفرد، و إلّا، فلو لم يكن كذلك، لما كان المكلف في مقام الامتثال مخيراً عقلًا في امتثال ذلك الوجوب بهذا الفرد أو ذاك؛ لأن الامتثال يعني: مطابقة المأتي به للمأمور به.

____________

(1) قال المحقق النائيني في فوائد الأصول، ج 1، ص 140:) يعتبر في التخيير العقلي أن تكون أفراد التخيير مندرجة تحت حقيقة واحدة عرفية، كالانسان بالنسبة إلى أفراده، و لا يكفي في التخيير العقلي الاشتراك في الأثر مع تباين الأفراد بالهوية»

(2) و هناك من فرّق بين التخيير العقلي و التخيير الشرعي على أساس وحدة الغرض و تعدده؛ فإنّ الغرض في موارد التخيير إن كان قائماً بالجامع بين الأطراف على نحو لا تكون لخصوصية هذا الطرف أو ذاك أي دخالة لتحقق الغرض إلا بمقدار ما يحققه الفرد من كونه مصداقاً للجامع كان التخيير عقلياً حتى لو ذكرت تلك الأطراف و البدائل في لسان الدليل، و إن كان الغرض قائماً بخصوصية كل فرد من الأفراد مضافاً إلى ما يحققه الفرد من غرض قائم بالجامع كان التخيير شرعياً. و لمزيد من التفصيل راجع: كفاية الأصول، ص 140.

404

نعم، قد وقع الخلاف في سراية هذا الوجوب من الجامع إلى حصصه و أفراده و عدم سرايته و وقوفه على الجامع بحده.

تحليل واقع الوجوب في موارد التخيير و كيفية تعلقه:

قوله (قدس) ص 366: «و قد وقع الكلام في تحليل واقع ... الخ».

ثم إنه بعد أن تبيّن الفرق بين التخيير العقلي و التخيير الشرعي، وقع الكلام في تحليل واقع الوجوب في موارد التخيير الشرعي‏ (1)، من حيث تعلقه بالجامع بين تلك البدائل، أو تعلقه مباشرة بتلك البدائل على نحو مشروط بترك البدائل الأخرى، أو غير ذلك من الوجوه التي تذكر في مقام تفسير الواجب التخييري.

ثلاثة اتجاهات رئيسية في تفسير الواجب التخييري:

قوله (قدس) ص 366: «و في ذلك عدة اتجاهات .... الخ».

اعلم إنّه قد وقع الخلاف بين الأصوليين في بيان حقيقة و واقع الوجوب التخييري على عدة اتجاهات‏ (2)، نذكر منها ثلاثة اتجاهات رئيسية:

الاتجاه الأول: الالتزام بالوجوبات المشروطة

قوله (قدس) ص 366: «الاتجاه الأول: أن الوجوب في موارد .... الخ».

أما الاتجاه الأول، فقد ذهب أصحابه إلى التفصيل بين موارد التخيير العقلي و موارد التخيير الشرعي، من حيث إن الوجوب متعلق بالجامع في موارد التخيير العقلي و في كل واحد من البدائل في موارد التخيير الشرعي، و لكن مشروطاً بترك البدائل الأخرى، فيكون الفرد مصداقاً لمتعلق الوجوب و ليس بنفسه متعلقاً للوجوب في الأول، و يكون‏

____________

(1) قال المحقق النائيني في فوائد الأصول، ج 1، ص 232:) و قد يستشكل في تصوير الواجب التخييري، و إنه كيف يعقل تعلق إرادة الأمر بأحد الشيئين أو الأشياء من غير تعيين؟ مع عدم امكان تعلق إرادة الفاعل بذلك، لوضوح أن إرادة الفاعل المستتبعة لحركة العضلات لا تتعلق إلا بمعين محدود بحدوده الشخصية، و لا يعقل تعلقها بأحد الشيئين على وجه الابهام و الترديد، فإذا لم يعقل تعلق إرادة الفاعل على هذا الوجه، فكيف يعقل تعلق إرادة الأمر بذلك؟ و من هنا اختلفت الكلمات في كيفية الواجب التخييري»

(2) و قد أرجعها المحقق النائيني إلى أربعة حيث قال في فوائد الأصول، ج 1، ص 232:) و الوجوه العلمية التى ذكروها في المقام ترجع إلى أربعة».

405

بنفسه متعلقاً للوجوب في الثاني، كما أنّ الوجوب يكون واحداً في الأول و متعدداً بتعدد البدائل في الثاني.

ففي مثل قوله: «أقم الصلاة»، يكون الوجوب متعلقاً بجامع الصلاة بقطع النظر عن خصوصية الفرد التي تحقق ذلك الجامع، و في مثل قوله: «يجب إما الصيام و إما الإطعام و إما العتق» يكون الوجوب متعلقاً بكل واحد منها و لكن مشروطاً بترك البديلين الآخرين، و ينحل إلى ثلاثة وجوبات مشروطة، أحدها: يتعلق بالصيام بشرط ترك الإطعام و العتق، و الثاني: يتعلق الإطعام بشرط ترك الصوم و العتق، و الثالث: يتعلق بالعتق بشرط ترك الصوم و الإطعام‏ (1).

تحقيق الحال في هذا الاتجاه:

قوله (قدس) ص 366: «و قد يلاحظ عليه بأن الوجوبات .... الخ».

و قد يلاحظ على الاتجاه المذكور: إن الالتزام بكون الوجوب في موارد التخيير الشرعي يتعلق بكل واحد من البدائل على نحو مشروط بترك البدائل الأخرى يلزم منه:

أولًا: تعدد الوجوب بتعدد البدائل كما وضحنا سابقاً.

ثانياً: تعدد العقاب بترك الجميع؛ و ذلك لأن كل وجوب مشروط بحسب الفرض بترك البدائل الأخرى، فمع ترك البدائل جميعاً يصبح كل وجوب فعلي في حق المكلف، و من المعلوم: إن ترك الوجوب الفعلي يوجب استحقاق العقاب، و هذا يعني: تعدد العقاب بتعدد هذه الوجوبات الفعلية في الحالة المذكورة.

مع أن كلا الأمرين المتقدمين مما لا يناسب الوجوب التخييري كما هو واضح، أما الأول، فلأن الوجوب في موارد التخيير الشرعي واحد و ليس متعدداً، و أما الثاني، فلأن المكلف إذا ترك جميع البدائل لا يستحق إلّا عقاباً واحداً؛ لأنّه لم يخالف إلا وجوباً واحداً، و قد تقدم بيان ذلك في الحلقة السابقة فراجع.

____________

(1) و قد ذكر المحقق النائيني تقريباً لهذا الاتجاه فقال في فوائد الأصول، ج 1، ص 232:) و ذلك انما يكون إذا كان لكل من الصيام و العتق و الاطعام ملاك يخصه، و لكن لا يمكن الجمع بين الملاكات، و كان استيفاء واحد منها مانعاً عن استيفاء الباقي، فإذا كان كذلك، فلا بد من ايجاب الكل على نحو الواجب المشروط، إذ تخصيص الوجوب بأحدهما يكون بلا مرجح».