البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - ج3

- الشيخ أياد المنصوري المزيد...
584 /
406

الاتجاه الثاني: الالتزام بإرجاع التخيير الشرعي إلى التخيير العقلي‏

قوله (قدس) ص 367: «الاتجاه الثاني: ارجاع التخيير الشرعي .... الخ».

و أما الاتجاه الثاني في تفسير و تحليل حقيقة و واقع الوجوب في موارد التخيير، فقد ذهب أصحابه إلى إرجاع التخيير الشرعي إلى التخيير العقلي، و الالتزام بأن الوجوب يتعلق بالجامع دائماً من دون فرق بين التخيير الشرعي و التخيير العقلي و لو كان ذلك الجامع عبارة عن: عنوان (أحدها) في موارد التخيير الشرعي‏ (1)، و استدلوا لذلك ببرهانين:

الأول: استحالة الوجوبات المشروطة فيتعين هذا؛ و ذلك لأن الوجوب إما أن يفرض تعلقه بالجامع بين البدائل، و إما أن يفرض تعلقه بنفس البدائل مباشرة، و حيث إن المطلوب أحد البدائل لا جميعها، فلا بد من افتراض تعلقه بكل واحد منها على نحو مشروط، و بما أن الافتراض الثاني يلزم منه لوازم فاسدة لا تتناسب مع الوجوب التخييري كما أشرنا إلى ذلك في الرد على الاتجاه الأول، فيتعين الافتراض الأول، و هو: تعلقه بالجامع كما هو الحال في موارد التخيير العقلي، و هذا يعني: رجوع التخيير الشرعي إلى التخيير العقلي.

الثاني: إن الوجوب التخييري في موارد التخيير الشرعي كالوجوب التخييري في موارد التخيير العقلي من حيث إنه ناشئ من ملاك و غرض واحد، فهو وجوب واحد في كلا الموردين يقتضي امتثالًا واحداً و عقاباً واحداً، فلو فرض أن كل واحد من البدائل يكون بعنوانه الخاص متعلقاً للوجوب، للزم صدور الواحد- و هو: الملاك- من الكثير- و هي: تلك البدائل- حيث إن كل واحد منها بعنوانه يكون محققاً لذلك الملاك بحسب‏

____________

(1) و هذا الوجه هو الذي يظهر من كلمات السيد الخوئي، حيث جاء عنه في محاضرات في أصول الفقه، ج 4، ص 39 ما نصه:) الذي ينبغي أن يقال في هذه المسألة تحفظاً على ظواهر الأدلة، هو: أن الواجب أحد الفعلين أو الأفعال لا بعينه، و تطبيقه على كل منهما في الخارج بيد المكلف، كما هو الحال في موارد الواجبات التعيينية، غاية الأمر أن متعلق الوجوب في الواجبات التعيينية، الطبيعة المتأصلة و الجامع الحقيقي، و في الواجبات التخييرية الطبيعة المنتزعة و الجامع العنواني، فهذا هو نقطة انطلاق الفرق بينهما».

407

الفرض، و صدور الواحد بما هو واحد من الكثير بما هو كثير مستحيل، فلا بدّ من افتراض جامع بين تلك البدائل يكون هو علّة تحصيل ذلك الملاك‏ (1)، و هذا يعني: أن الوجوب يتعلق بالجامع بين البدائل لا بنفس البدائل مباشرة، و يكون حاله في ذلك حال الوجوب في موارد التخيير العقلي من حيث تعلقه بالجامع‏ (2).

الاتجاه الثالث: تعلق الوجوب بالجامع مع استلزامه للوجوبات المشروطة

قوله (قدس) ص 367: «الاتجاه الثالث: التسليم بأن الوجوب في موارد .... الخ».

و أما الاتجاه الثالث في تفسير الوجوب التخييري، فقد ذهب أصحابه إلى أن الوجوب في موارد التخيير يتعلق بالجامع دائماً من دون فرق بين التخيير الشرعي و التخيير العقلي، و لكن، مع الالتزام بسراية هذا الوجوب من الجامع إلى الحصص و الأفراد المحققة لذلك الجامع، على نحو يكون مستلزماً للوجوبات المشروطة للحصص، بحيث يكون وجوب كل حصة و فرد مشروطاً بترك الحصص و الأفراد الأخرى.

____________

(1) هذا النحو من التقريب ذكره المحقق النائيني رداً على من قال برجوع التخيير إلى الوجوبات المشروطة حيث قال في فوائد الأصول، ج 1، ص 232:) انه لا يتوقف الواجب التخييري على ان يكون لكل من الافراد ملاك يخصه، بل يمكن ان يكون هناك ملاك واحد قائم بكل من الافراد، غايته انه يحتاج الى جامع بينها حتى لا يصدر الواحد من المتعدد».

(2) إن قلت: إذا كان الأمر كذلك فلما ذا لم يدخل نفس الجامع في عهدة المكلف كما كان يفعل ذلك في موارد التخيير العقلي؟

كان الجواب: إن أفراد و بدائل الجامع، تارة تكون واضحة عرفاً لدى المكلف بعد فرض تعلق الوجوب به، كما في جامع و طبيعي الصلاة إذا تعلق الوجوب به كما في قوله:) أقم الصلاة»، حيث إن له أفراداً مكانية و زمانية عديدة بعدد الآنات و الأوقات التي يسوغ للمكلف أداء الواجب بها، و توجه المكلف إلى هذه البدائل يكفي فيه نفس توجه المكلف إلى الجامع الذي يجمع بينها، فيؤمر بالجامع.

و تارة أخرى: لا يكون كذلك، و لا يعرف كون هذا بديلًا لذاك إلا بالجعل الشرعي و تصدى الشارع لذكرها؛ لعدم وضوح الجامع الذي يجمعها لدى المكلف العرفي، فيأمر الشارع بها على نحو التخيير باعتبارها محققة للجامع الذي تعلق غرضه به لا بعنوانها الخاص. و هنا، لو كان العرف يتمكن من التوجه إلى البدائل المذكورة في الكفارة في المثال المتقدم سابقاً، و أن الذي يجمعها جميعاً هو عنوان) الكفارة»، لاكتفى الشارع بالقول:) إن من أفطر يوماً عامداً من شهر رمضان وجبت عليه الكفارة» من دون حاجة إلى ذكر البدائل.

408

فالوجوب المتعلق بجامع الصلاة سوف ينحل إلى وجوبات عديدة للحصص و الأفراد يكون وجوب كل حصة أو فرد منها مشروطاً بترك الحصص و الأفراد الأخرى.

و هذه الوجوبات المشروطة للحصص بمجموعها، لما كانت ترجع في روحها إلى نفس الوجوب المتعلق بالجامع بحيث يكون منشأها جميعاً ملاكاً و غرضاً واحداً فليس من ناحيتها إلّا عقاب واحد في فرض ترك الجميع، وعليه، فلا يرد المحذور الذي أوردناه على الاتجاه الأول.

الفرق بين هذا الاتجاه و سابقيه:

قوله (قدس) ص 367: «و الفرق بين هذا الاتجاه و سابقه .... الخ».

إنّ هذا الاتجاه و إن كان يشترك في النتيجة مع الاتجاه الأول القائل بالوجوبات المشروطة للحصص، و لكنه يختلف معه في أن الوجوب متعلق أولًا و ابتداءً بالجامع، الأمر الذي يعني: أن هذا الوجوب ناشئ من ملاك و غرض واحد متعلق بالجامع، بينما الاتجاه الأول يلتزم بتعدد الوجوب بعدد البدائل، الأمر الذي يعني: تعدد الملاكات؛ لأن كل وجوب لا بد له من ملاك و يكون متعلق الوجوب وفقاً لذلك الاتجاه هو البديل مباشرة لا الجامع بين البدائل، و لأجل ذلك لزم من ذلك الاتجاه تعدد العقاب في فرض ترك جميع البدائل و لم يلزم وفقاً لهذا الاتجاه إلّا عقاب واحد في الفرض المتقدم.

و هذا الاتجاه و إن كان يشترك أيضاً مع الاتجاه الثاني في كون الوجوب متعلقاً بالجامع ابتداءً، و لكنه يختلف معه في أن الوجوب وفقاً للاتجاه الثاني يقف على الجامع و لا يسري إلى الحصّة أو الفرد، بينما وفقاً لهذا الاتجاه فإن الوجوب لا يقف على الجامع بل يسري منه إلى الحصص و الأفراد بنحو مشروط، الأمر الذي يعني: أن الحصة أو الفرد لا يكون معروضاً للوجوب وفقاً للاتجاه الثاني، بل هي مصداق لمعروض الوجوب الذي هو الجامع و فرد منه، بينما تكون الحصة و الفرد معروضاً بنفسها للوجوب وفقاً لهذا الاتجاه لا أنها مصداق لمعروض الوجوب، فالوجوب بالنسبة إلى الحصة في موارد التخيير وفقاً للاتجاه الثاني يكون كالنوعية بالنسبة إلى أفراد الإنسان، فإن زيداً أو بكراً أو عمراً مصداق لمعروض النوعيّة لا أنه معروض لها، فلا يصح القول بأن زيداً نوع، بل الإنسان نوع و زيد مصداقه.

409

و كذلك الحال في الوجوب بالنسبة إلى الحصّة في موارد التخيير؛ فإنه وفقاً للاتجاه الثاني لا يصح القول بأن هذه الحصة بعنوانها واجبة، بل هي مصداق لما هو الواجب، و ليس الأمر كذلك بالنسبة إلى الاتجاه الثالث؛ فإن الحصة بنفسها واجبة لا أنها مصداق للواجب فحسب.

الاعتراض على الاتجاه الثالث:

قوله (قدس) ص 368: «و قد يعترض على الاتجاه الثالث ... الخ».

ثم إنّه قد يعترض على هذا الاتجاه بالقول أن الوجوب لما كان فعلًا اختيارياً للشارع فهو يجعله حيثما أراد فإذا جعله على الجامع، فلا يعقل أن يسري بنفسه إلى غير الجامع.

وعليه، فإن القول باستلزام تعلق الوجوب بالجامع للوجوبات المشروطة للحصص و الأفراد مستحيل و غير معقول؛ لأنه ينافي كونه أمراً اختيارياً للمولى، و إن أريد به أن الشارع بعد أن يجعل الوجوب على الجامع يجعل وجوبات أخرى مشروطة على الحصص و الأفراد، فهذا مما لا موجب له، فيكون لغواً، وعليه، فلا يصح هذا الاتجاه.

تحقيق الحال في هذا الاعتراض:

قوله (قدس) ص 368: «و يمكن أن يجاب على ذلك ... الخ».

و يمكن أن يجاب على الاعتراض المذكور بأن القول باستلزام تعلق الوجوب بالجامع للوجوبات المشروطة على النحو المذكور، إن أريد به الاستلزام في مرحلة جعل الحكم و الوجوب على نحو يلزم من جعل الوجوب على الجامع جعولات شرعية متعددة بعدد الحصص و بنحو مشروط، كان للاعتراض المذكور وجه، وعليه، يبطل الاتجاه الثالث.

و إن أريد به الاستلزام في مرحلة مبادئ الحكم على نحو يلزم من حب الجامع أنحاء من الحب المشروط للحصص، فلا يرد الاعتراض المذكور بكلا شقيه؛ لأن المبادئ من الأمور التكوينية لا من الأمور الاعتبارية، و لا مانع من دعوى الملازمة بين حب الجامع و حب الحصص المحققة لذلك الجامع و لو بنحو مشروط، كما أنه لا يلزم اللغوية؛ لأنها إنما تلزم من الفعل الاختياري الذي لا موجب له، و الحال أنّ الكلام هنا عن المبادئ التكوينية للحكم، فلا معنى لافتراض اللغوية في المقام؛ إذ لا موضوع لها كما أشرنا إلى‏

410

ذلك قبل قليل، و هذه الملازمة و إن لم يمكن إقامة البرهان عليها، و لكنها مطابقة للوجدان؛ فإنه يقضي بأن من أحب شيئاً أحبّ أفراده. وعليه، فلا وجه للاعتراض المتقدم‏ (1).

ثمرة البحث في التخيير في الواجب:

قوله (قدس) ص 368: «و هذا التحليل للوجوب التخييري له ثمرات .... الخ».

و هذا البحث باعتباره من البحوث التحليلية لا من البحوث التركيبية، حيث يبحث عن تحليل واقع الوجوب التخييري و كيفية تعلقه بعد افتراض ثبوت الوجوب و تعلقه بشي‏ء، فقد يتصور البعض أن الحكم الشرعي ما دام معلوماً و واضحاً فلا يهمنا معرفة كونه متعلقاً بالجامع أو بالحصص على نحو مشروط أو غير ذلك من الوجوه التي ذكرت، الأمر الذي يعني: اهتمام الأصولي بالقضايا التي من شأنها أن تقع في طريق استنباط الحكم الشرعي، و هي ليست إلّا القضايا التركيبيّة.

و لكن مثل هذا التصوّر خاطئ، و قد أشرنا إلى بطلانه في بداية البحث في الدليل العقلي و تقسيمنا للقضايا العقلية إلى تحليلية و تركيبيّة، و بيّنا هناك أنّ البحوث التحليلية مما يساهم أيضاً بشكل أو بآخر في عملية الاستنباط من خلال وقوع نتائجها كوسيلة لإثبات قضية عقلية تركيبيّة و البرهنة عليها أو مساهمتها في تحديد كيفية تحديد القاعدة الأصولية.

ظهور الثمرة لهذا البحث في موردين:

و هذا البحث و إن كان بحثاً تحليلياً، و لكنه لا يخلو من ثمرة، و هذا التحليل للوجوب التخييري و تفسيره بهذا الاتجاه أو ذاك له ثمرات عديدة تظهر في موارد مختلفة أهمها

____________

(1) على الرغم من تصدي السيد الشهيد للجواب على الاعتراض المذكور على الاتجاه الثالث، إلا أنه لم يصرح بالتزامه بهذا الاتجاه أو الاتجاه الثاني المتقدم، حيث ذكره من دون أن يتعرض لمناقشته، و لكن الذي يظهر من تقريرات بحثه إمكانية جميع هذه الاتجاهات حتى الاتجاه الأول منها بعد مناقشته لما يورد عليها، فقد قال في بحوث في علم الأصول ج 2، ص 416 بعد طرحه للنظريات المذكورة ما نصه:) و هكذا يتضح أن تصوير الواجب التخييري لا ينحصر في صيغة و فرضية واحدة، بل يمكن أن تكون بنحو الوجوبين التعيينيين المشروطين كما إذا كان هناك ملاكان تعينيّان متضادان، أو بنحو وجوب واحد متعلق بالجامع الحقيقي أو الانتزاعي بين الفعلين فيما إذا كان هناك ملاك واحد يحصل بكل منهما».

411

الموردان التاليان:

المورد الأول: و هي تظهر في مسألة اجتماع الأمر و النهي‏

قوله (قدس) ص 368: «منها ما سوف يظهر في مسألة .... الخ».

وقع الخلاف في بعض الموارد التي يصعب التمييز فيها بين كون المتعلق فيها واحداً لكي يقال بعدم جواز الاجتماع أو كونه متعدداً لكي يقال بالجواز نتيجة لطرو بعض الخصوصيات على متعلق كل من الأمر و النهي من قبيل تعلق الأمر بالطبيعة على نحو التخيير العقلي و تعلق النهي بحصة منها كالأمر بالصلاة و النهي عن الصلاة في الحمام مثلًا فإن قلنا في بحث الوجوب التخييري إن الوجوب المتعلق بالجامع يستبطن و يستلزم الوجوبات المشروطة و لو بلحاظ مرحلة المبادئ فقط كما هو الاتجاه الثالث من الاتجاهات المتقدمة امتنع تعلق الأمر بالطبيعة على نحو التخيير العقلي و تعلق النهي بحصة من حصصها؛ لأن تلك الحصة سوف تكون مأموراً بها- بناءً على السريان و الاستلزام المتقدم- و منهياً عنها في آنٍ واحد، و من المعلوم أنّه يمتنع اجتماع الأمر و النهي على متعلق واحد في آن واحد و إن أخذنا بالاتجاه الثاني و التزمنا بوقوف الوجوب على الجامع و عدم سريانه إلى الحصص و الأفراد فلا مانع من تعلق الأمر بطبيعة الصلاة و تعلق النهي عن حصة خاصة منها لأن المتعلق فيهما ليس واحداً و إنما هو متعدد فالأمر تعلق بالجامع و النهي تعلق بالحصة و لا محذور في ذلك و لا يلزم اجتماع الأمر و النهي على متعلق واحد و سوف يأتي تفصيل ذلك في البحث عن مسألة اجتماع الأمر و النهي.

المورد الثاني: الشك في الواجب بين كونه تعينياً أو تخييرياً

قوله (قدس) ص 369: «و منها ما قد يقال من أنه .... الخ».

و أما المورد الثاني الذي تظهر فيه الثمرة، فهو: الشك في الواجب بين كونه تعينياً لا يجزي عنه غيره و بين كونه تخييرياً له بدائل عديدة، كما لو دار عند المكلف أمر إطعام ستين مسكيناً بين كونه واجباً تعينياً قد وجب عليه بنذر مثلًا، و بين كونه واجباً تخييرياً وجب عليه بكفارة، ففي هذه الحالة لو فرض أن المكلف صام شهرين متتابعين و شك‏

412

في وجوب الإطعام عليه على النحو المتقدم، فإن كان وجوبه تعيينياً فلا بدّ له من الإطعام، و إن كان وجوبه تخييرياً فقد سقط الوجوب بالصوم شهرين متتابعين.

فهنا، على القول برجوع التخيير الشرعي إلى التخيير العقلي و تعلق الوجوب بالجامع كما هو الاتجاه الثاني، سوف يكون المقام من دوران الأمر بين التعيين و التخيير، أي: بين كون الإطعام واجباً تعينياً و بين كونه أحد أفراد الجامع بينه و بين الصوم شهرين متتابعين.

فإن قيل في الدوران المذكور بجريان البراءة، جرت البراءة هنا عن التعيين و ثبت التخيير الذي تكون نتيجته البراءة عن وجوب الإطعام عليه، و إن قيل بعدم جريان البراءة و جريان أصالة الاشتغال، وجب عليه الإطعام.

و أما على القول برجوع التخيير الشرعي إلى الوجوبات المشروطة للبدائل كما هو الحال في الاتجاه الأول، يكن المورد من دوران الأمر بين إطلاق الوجوب على تقدير كونه تعينياً و اشتراطه بعدم الإتيان ببديله على تقدير كونه تخييرياً، فيحصل الشك في وجوب الإطعام من حيث كونه مطلقاً من حيث الإتيان بالصوم شهرين متتابعين، و من حيث كونه مشروطاً و مقيداً بعدم الإتيان بالصوم شهرين متتابعين، و هذا شك في الوجوب الزائد بلا إشكال؛ حيث إن من صام شهرين متتابعين في مثل هذا الفرض يشك في وجوب إطعام ستين مسكيناً زائداً على ما أتى به. فتجري حينئذ البراءة بلا إشكال.

413

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

414

الدليل العقلي الوجوب الغيري لمقدمات الواجب‏

415

الوجوب الغيري لمقدمات الواجب‏

في بيان المقصود بالوجوب المبحوث عنه في المقام:

اتضح مما تقدم سابقاً عند البحث عن مسئولية المكلف تجاه المقدمات، أن المكلف مسئول عقلًا عن تحصيل المقدمات الوجودية التي يتوقف عليها إيجاد الواجب. و هذه المسئولية تنشأ من قبل نفس الوجوب المتعلق بذلك الواجب بعد أن يصبح ذلك الوجوب فعلياً بفعلية موضوعه و القيود المأخوذة فيه، أي: فعلية المقدمات الوجوبية؛ لأن الوجوب إذا صار فعلياً، فسوف يحرّك نحو تلك المقدمات تبعاً لتحريكه نحو الواجب.

فوجوب الصلاة إذا أصبح فعلياً بفعلية الزوال، فسوف يحرّك المكلف نحو الوضوء باعتباره مقدمة للصلاة الواجبة تبعاً لتحريكه نحو نفس الصلاة المقيدة بالوضوء.

و هذه المسئولية في حدودها العقلية متفق عليها؛ باعتبارها من شئون حكم العقل بلزوم الامتثال، و في حدود هذا المقدار لا يوجد شي‏ء اسمه الوجوب لكي تتصف به المقدمة غير وجوب ذي المقدمة، و إنما الموجود ليس هو إلّا المسئولية تجاه تلك المقدمة، و الوجوب حكم شرعي لا يحكم به إلا الشارع، و لا معنى لأن يحكم العقل بوجوب هذا الشي‏ء أو ذاك. نعم، قد يستكشف العقل أحياناً حكم الشارع عن طريق الملازمة.

فليس المقصود من الوجوب الغيري لمقدمات الواجب هو المسئولية المتقدمة تجاه مقدمات الواجب‏ (1)، بل المقصود شي‏ء آخر، و هو: الوجوب الشرعي المتعلق بالمقدمة على نحو يكون لنا وجوبان شرعيان، أحدهما: متعلق بذي المقدمة، و آخر: متعلق‏

____________

(1) قال المحقق النائيني في فوائد الأصول، ج 1، ص 262:) ليس الوجوب المبحوث عنه في المقام بمعنى اللابدية العقلية؛ فان ذلك مما لا سبيل الى إنكاره؛ إذ هو معنى المقدمية كما هو واضح».

416

بالمقدمة.

و ليس المقصود به الوجوب الشرعي المتعلق بالمقدمة مع قطع النظر عن مقدميتها، كما لو فرض تعلق الوجوب الشرعي بشي‏ء و فرض في نفس الوقت كونه مقدمة لواجب آخر.

وعليه، فالمقصود بالوجوب الغيري لمقدمات الواجب، هو: الوجوب الشرعي للمقدمة، الذي ينشأ من نفس إيجاب ذي المقدمة، بحيث يتعلق بالمقدمة لأجل مقدميتها للواجب الشرعي، لا غير (1).

و قد وقع الكلام بين الأصوليين في مدى اتصاف المقدمة بالوجوب الشرعي نتيجة لتعلق الوجوب بذيها و عدم اتصافها بذلك، فمن ذهب إلى الأول قال بالوجوب الغيري، و من ذهب إلى الثاني قال بعدم الوجوب الغيري لمقدمات الواجب بعد الفراغ عن مسئولية المكلف تجاه تلك المقدمات.

و قد ذهب المشهور إلى الأول، تمسكاً بأن إيجاب شي‏ء يستلزم عقلًا إيجاب مقدمته شرعاً، فتتصف المقدمة بالوجوب الشرعي نتيجة لإيمانه بالملازمة العقلية بين جعل الشارع لوجوب ذي المقدمة و جعله لوجوب المقدمة. فطرفا الملازمة العقلية عبارة عن: وجوبين شرعيين، أحدهما: وجوب ذي المقدمة، و الآخر: وجوب المقدمة على نحو يكون الوجوب الأول مستلزماً للوجوب الثاني.

نعم، يكون وجوب المقدمة حينئذٍ وجوباً تبعياً، أي: إنه ينشأ بتبعية إيجاب ذي المقدمة. و قد فسرت هذه التبعية بأحد تفسيرين تاليين:

الأول: إنّ وجوب المقدمة معلول لوجوب ذي المقدمة على نحو يكون الملاك مقتضياً لإيجاب ذي المقدمة، و من إيجاب ذي المقدمة يترشح وجوب آخر يتعلق‏

____________

(1) قال الميرزا القمي في قوانين الأصول، ص 101:) الوجوب المتنازع فيه، هو: الوجوب الشرعي؛ لأن الوجوب العقلي بمعنى توقف الواجب عليه و أنه لا بد منها في الامتثال مما لا ريب فيه لذي مسكة، و المراد من الوجوب الشرعي هو الأصلي الذي حصل من اللفظ، و ثبت من الخطاب قصداً، و بالجملة النزاع في أن الخطاب بالكون على السطح هل هو تكليف واحد و خطاب بشي‏ء واحد أو تكليفان و خطاب بأمور أحدها الكون و الثاني نصب السلم».

417

بالمقدمة على نحو ترشح المعلول من علته، و يكون بالشكل التالي:

الملاك «إيجاب ذي المقدمة نفسياً «إيجاب المقدمة غيرياً.

الثاني: إنّ الوجوبين معاً معلولان للملاك القائم بذي المقدمة على نحو يكون الملاك علة لشيئين: أحدهما: إيجابه لذي المقدمة إيجاباً نفسياً، و الآخر: إيجابه للمقدمة إيجاباً غيرياً لأجل مقدميتها، و يكون بالشكل التالي:

الملاك‏

إيجاب ذي المقدمة نفسياً إيجاب المقدمة غيرياً

و سواء فسرنا التبعية بالمعنى الأول، أم فسرناها بالمعنى الثاني، فالتلازم بين الوجوبين محفوظ؛ لأن مجرد افتراض وجوب المقدمة معلولًا يكفي لانحفاظ التلازم، فإن كان معلولًا بصورة مباشرة لإيجاب ذي المقدمة فواضح، و إن كان معلولًا للملاك المقتضي لإيجاب ذي المقدمة، فلا يعقل ثبوت أحد المعلولين و انتفاء الآخر إذا فرض كونهما معلولين لعلّة واحدة.

وقوع البحث في الوجوب الغيري في عدة نقاط:

بعد أن تبين المقصود بالوجوب الغيري المبحوث عنه في المقام و أنه الوجوب الشرعي المتعلق بالمقدمة نتيجة لتعلق الوجوب الشرعي بذي المقدمة، يقع البحث في عدة نقاط:

النقطة الأولى: في تعريفه و بيان الفرق بينه و بين الواجب النفسي‏

قوله (قدس) ص 370: «و يعرّف هؤلاء القائلون بالملازمة الواجب الغيري ... الخ».

ثم إن الذين يؤمنون بالوجوب الغيري لمقدمات الواجب- و هم القائلون بالملازمة بين إيجاب شي‏ء و إيجاب مقدمته شرعاً- قد قسّموا الواجبات الشرعية إلى قسمين: أحدهما: الواجب النفسي، و الآخر: الواجب الغيري.

فالصلاة، و الصيام، و الحج، و غيرها، واجبات نفسية. و الوضوء، و الغسل، وطي‏

المسافة إلى الميقات، واجبات غيرية. و قد عرفوا الواجب الغيري بأنه: كل واجب شرعي‏

418

وجب لغيره أو وجب لواجب آخر. و الواجب النفسي: ما وجب لنفسه أو لا لواجب آخر.

و قد لوحظ على هذا التعريف للواجب الغيري و التفريق بينه و بين الواجب النفسي، أن كل ما كان من الواجبات النفسية كالصلاة و الصيام و الحج فهي إنّما وجبت لما يترتب عليها من المصالح و الفوائد الكامنة في تلك الأفعال، و هذه الواجبات مغايرة وجوداً لتلك المصالح و الفوائد، فيصدق عليها أنها وجبت لغيرها، الأمر الذي يعني: أن كل هذه الواجبات تصبح غيريّة و لا يبقى في نطاق الواجب النفسي إلّا ما كانت مصلحته ذاتية له، كالإيمان بالله سبحانه و تعالى؛ فإنه لم يجب لمصلحة خارجة عن حقيقته، بل المصلحة هي نفس الإيمان بالله سبحانه.

و قد أجيب على الملاحظة المذكورة من قبل هؤلاء: بأن الصلاة و الحج و الصيام و غيرها من الواجبات النفسية و إن كانت قد وجبت من أجل المصلحة المترتبة عليها، إلّا أن هذا لا يصيّرها واجبات غيريّة، و لا يدرجها في تعريف الواجب الغيري؛ لأنه ليس المراد من الواجب الغيري كل واجب وجب لغيره مهما كان ذلك الغير، بل المراد به ما وجب لواجب آخر. و من النفسي ما وجب لا لواجب آخر.

وعليه، فلا يكون الواجب الغيري بهذا التعريف شاملًا للصلاة و أمثالها؛ فإن المصلحة التي لأجلها وجبت الصلاة ليست بنفسها متعلقاً للواجب، وعليه، فلا يصدق على الصلاة أنها وجبت لواجب آخر.

فإن قلت: إن إيجاب الصلاة من قبل الشارع إن كان لأجل تلك المصلحة، فكيف لا تكون تلك المصلحة واجبة، فهي الغاية لتلك الصلاة الواجبة و غاية الواجب واجبة؟

كان الجواب: إنّ للحكم الشرعي في مقام الثبوت ثلاثة مراحل أو عناصر: أحدها: الملاك، و ثانيها: الإرادة، و ثالثها: الجعل أو الاعتبار. و نحن عند ما نتكلم عن الإيجاب إنما نتكلم عن العنصر الثالث من عناصر الحكم في مقام الثبوت لا العنصرين الأول و الثاني منه. و من المعلوم: إن غاية الواجب يجب أن تشارك الواجب بدرجة أقوى إنما هو في عالم الحب و الإرادة؛ باعتبار أن حب ذلك الواجب إنما هو لأجل تلك الغاية، فلا بد من افتراض كون الغاية محبوبة أيضاً. و لا يلزم من ذلك أن تكون تلك الغاية

مشاركة للواجب في عالم الجعل و الاعتبار؛ و ذلك لأنّ أمر الجعل بيد المولى سبحانه و دوره‏

419

تحديد مركز حق الطاعة للمولى، فقد يجعل نفس الشي‏ء الذي يحبّه و يريده في عهدة المكلف، و قد يجعل شيئاً آخر يعلم المولى أنه يحقق مراده في عهدته كما مرّت الإشارة إلى ذلك في بداية الحلقة.

وعليه، فالمصلحة التي من أجلها أوجب الشارع الصلاة و إن كانت هي مركز الحب الأصيل للمولى، و لكنه جعل نفس الصلاة التي يعلم المولى أنّه يحقق مراده في عهدة المكلف دون نفس المصلحة، فتكون الصلاة هي الواجب دون المصلحة في عالم الجعل و الاعتبار (1).

و على هذا، فما يجعله الشارع من إيجاب على فعل ابتداءً و يدخله في عهدة المكلف و يحدده مركزاً لحق طاعته يكون هو الواجب دون المصلحة التي أوجب الشارع ذلك الفعل لأجلها، فجعل الشارع الإيجاب على الصلاة ابتداءً، و تحديدها مركزاً لحق الطاعة، و إدخالها في عهدته، و عدم إدخال نفس المصلحة في العهدة، يجعل الصلاة واجباً نفسياً لا غيرياً؛ لأن الصلاة لم تجب لواجب آخر و إن وجبت لأجل المصلحة المرتبة عليها و خلافاً لذلك الوضوء؛ فإنه إنما وجب من أجل الصلاة الواجبة، فينطبق عليه تعريف الواجب الغيري.

و حينئذٍ، تكون الضابطة للتمييز بين الواجب الغيري و الواجب النفسي، هي: إن كان‏

الواجب الشرعي قد وجب لواجب آخر، كان واجباً غيرياً، و إن لم يكن قد وجب‏

____________

(1) إن قيل: إذا كانت الصلاة و أمثالها واجبة لأجل المصالح الكامنة في متعلقاتها على نحو يكون المطلوب الأصلي هو نفس تلك المصلحة، فما الداعي إلى إدخال الصلاة في عهدة المكلف دون نفس المصلحة؟

كان الجواب: إنّ المصلحة التي وجبت لأجلها الصلاة أو غيرها، ليس من السهل تحديدها للمكلف بالنحو الذي يفهم منها أمراً محدداً و واضحاً مفهوماً و مصداقاً. فلو فرض أن مصلحة الصلاة هي عروج المؤمن إلى الله تعالى، فإن مثل هذا العنوان و لأجل عدم وضوح إيجاده خارجاً بالنسبة للمكلف، لا يمكن أن يجعل الوجوب عليه و يدخله المولى في عهدة المكلف؛ لعدم وجود ضابطة محددة له، الأمر الذي يجعل كل مكلف يختار الطريق الذي يعتقد من خلاله أنه يحقق هذا العروج. فهنا- و لأجل الحفاظ على هذا الهدف و الغرض- يدخل المولى في عهدة المكلف أمراً محدداً يفهمه المكلف مفهوماً و تطبيقاً مع علمه بأنه سوف يؤدي و لو غالباً إلى الوصول إلى الهدف، فيوجبه كالصلاة مثلًا. و هناك وجوه أخرى ذكرها السيد الشهيد في بحوث في علم الأصول ج 2، ص 222، فراجع.

420

لواجب آخر، كان نفسياً و إن كان قد وجب لغيره لا لنفسه كما وضّحنا.

النقطة الثانية: في بيان خصائص الوجوب الغيري‏

قوله (قدس) ص 373: «و لا شك لدى الجميع في أن الوجوب الغيري ... الخ».

اتفق جميع الأصوليين على أن الوجوب الغيري للمقدّمة على تقدير ثبوته فهو لا يتمتع بجملة من الخصائص التي يتمتع بها الوجوب النفسي و لمعرفة حقيقة الاختلاف بين الوجوب النفسي و الوجوب الغيري لا بد أولًا من الإشارة إلى أهم الخصائص التي يتمتع بها الوجوب النفسي.

خصائص الوجوب النفسي:

يتمتّع الوجوب النفسي بجملة من الخصائص، و هي أربعة:

أولًا: إن الوجوب النفسي صالح للتحريك نحو متعلقه بصورة مستقلة و منفصلة عن أي وجوب آخر. فالوجوب النفسي للصلاة صالح لتحريك المكلف نحو متعلقه و هو فعل الصلاة بصورة مستقلة و منفصلة عن تحريك وجوب الحج نحو متعلقه أو تحريك وجوب الصوم نحو متعلقه.

ثانياً: إن امتثال الوجوب النفسي يستتبع ثواباً بما هو امتثال له.

ثالثاً: إن مخالفة الوجوب النفسي تقع موضوعاً مستقلًا لاستحقاق العقاب.

رابعاً: إنّ ملاك الوجوب النفسي عبارة عن: المصلحة الكامنة في متعلق ذلك الوجوب.

خصائص الوجوب الغيري:

و بالتأمل في حقيقة الوجوب الغيري و منشئه، نجد أنه لا يتمتع بأية واحدة من هذه الصفات و الخصائص التي يتمتع بها الوجوب النفسي، فهو- أي الوجوب الغيري-:

أولًا: ليس صالحاً للتحريك المولوي نحو متعلقه بصورة منفصلة و مستقلة عن تحريك نفس الوجوب النفسي الذي نشأ عنه، فالمكلف الذي لا يكون بصدد التحرّك عن الوجوب النفسي المتعلق بالحج- مثلًا- لا يمكنه أن يتحرك عن الأمر الغيري المتعلق‏

بطي‏

421

المسافة بروحية الطاعة و الإخلاص للمولى؛ و ذلك لأن الأمر الغيري المتعلق بطي المسافة ليس منفصلًا و مستقلًا عن الأمر الشرعي المتعلق بالحج، بل هو معلول له بحسب الفرض، الأمر الذي يعني: أنّه لا أمر شرعي متعلق بطي المسافة بقطع النظر عن الأمر الشرعي المتعلق بالحج، و إرادة العبد لطي المسافة- لكي تكون انقياداً- لا بد من افتراض أمر شرعي متعلق بها حتى تكون إرادة العبد المنقاد التكوينية متطابقة مع إرادة المولى التشريعية.

و من المعلوم: إن إرادة المولى التشريعيّة للمقدمة إنما هي في إطار إرادته التشريعية المتعلقة بذي المقدمة و تابعة لها و من أجل التوصل بها إليه، فمع عدم التحرك عن إرادته التشريعية المتعلقة بذي المقدمة لا يمكن التحرك عن إرادته التشريعية المتعلقة بالمقدمة؛ إذ لا وجود لها بدون تلك الإرادة، فلا بد أن تكون إرادة العبد المنقاد لتلك المقدمة في إطار امتثال ذي المقدمة.

ثانياً: إن امتثال الوجوب الغيري بما هو امتثال له و بقطع النظر عن امتثال الواجب النفسي لا يستتبع ثواباً؛ و ذلك لأن استحقاق الثواب على الفعل المأتي به إنما هو لأجل قصد امتثال الأمر الشرعي المتعلق به. و قصد امتثال الأمر الشرعي المتعلق به فرع صلاحية ذلك الأمر للتحريك المولوي، و إلا، فلا يمكن قصد امتثاله.

وعليه، فالمكلف الذي أتى بالمقدمة، فإن كان إتيانه بها بداعي امتثال الوجوب النفسي المتعلق بذي المقدمة، كان عمله منذ البداية امتثالًا للوجوب النفسي، و يكون استحقاقه للثواب حينئذٍ بما هو شروع في امتثال الوجوب النفسي لا بما هو امتثال للوجوب الغيري المتعلق بالمقدمة.

و إن كان إتيانه بها بداعي امتثال الأمر الغيري المتعلق بها و بقطع النظر عن الأمر النفسي المتعلق بذي المقدمة بحيث كان منصرفاً عن امتثال الأمر النفسي المتعلق بذي المقدمة فهذا مما لا يمكنه تحقيقه؛ لأن قصد امتثال الأمر فرع صلاحية ذلك الأمر للتحريك المولوي. وعليه، فلا يمكنه قصد امتثال الوجوب الغيري بما هو امتثال له؛ لعدم صلاحيته للتحريك المولوي، و مع عدم إمكان قصد امتثاله بما هو امتثال له، فلا

يكون الإتيان بمتعلقه بما هو كذلك موجباً لاستحقاق الثواب.

ثالثاً: إن مخالفة المكلف للوجوب الغيري بتركه للمقدمة التي يتوقف عليها امتثال‏

422

الواجب النفسي لا تقع موضوعاً مستقلًا لحكم العقل لاستحقاق العقاب مضافاً إلى ما يستحقه من عقاب نتيجة لتركه للوجوب النفسي و مخالفته. فليس هناك إلّا عقاباً واحداً يستحقه المكلف نتيجةً لمخالفته للوجوب النفسي.

و الوجه في ذلك، هو: أن حكم العقل باستحقاق العقاب على مخالفة الواجب إنما هو بلحاظ ما يعبّر عنه الواجب من مبادئ و ملاكات تفوت بسبب تلك المخالفة، و حيث إن الواجب الغيري ليس له مبادئ و ملاكات مستقلة عن مبادئ و ملاكات الواجب النفسي، فلا موجب لاستحقاق العقاب على مخالفة الواجب الغيري مضافاً إلى استحقاقه العقاب على مخالفة نفس الواجب النفسي، فلا معنى لافتراض تعدد استحقاق العقاب‏ (1).

رابعاً: إن ملاك الوجوب الغيري هو المقدمية، بمعنى: أن الذي اقتضى إيجاب تلك المقدمة هو كونها مقدمة لواجب آخر ليس إلّا.

و الوجه في ذلك، هو: أن ما وقع مقدّمة كذلك إما أن يكون في نفسه و بقطع النظر عن مقدميته واجداً للمصلحة المقتضية للإيجاب، و إما أن لا يكون كذلك. فعلى الأول كان واجباً نفسياً لا غيرياً، و على الثاني، فلا يوجد ما يقتضي إيجابه إلّا غيرياً لكونه مقدمة الواجب الآخر، و هذا يعني: أن ملاك الوجوب الغيري ليس هو إلّا المقدميّة، و هذا يفرض بطبيعة الحال تعلقه بواقع المقدّمة، أي: تعلقه بالشي‏ء بالمقدار الذي يكون ذو المقدمة متوقفاً عليه، الأمر الذي يعني: أن أي شي‏ء آخر لا دخل له في حصول ذي المقدمة لا يكون داخلًا في متعلق الوجوب الغيري، لا من قبيل قصد القربى و لا من‏

غيره.

و من هنا، كان قصد التوصل بالمقدمة إلى امتثال أمر المولى و التقرب بها نحوه خارجاً عن دائرة الواجب الغيري، و ذلك لأن حصول الواجب النفسي و امتثاله ليس‏

____________

(1) بل يمكن القول: إنه لا معنى لافتراض المخالفة أصلًا بلحاظ الوجوب الغيري مضافاً إلى مخالفته للوجوب النفسي؛ و ذلك لأن عنوان المخالفة لا يصدق إلا في حالة افتراض قابلية الوجوب للتحريك و البعث نحو متعلقه، و حيث أثبتنا في الخصوصية الأولى أن الوجوب الغيري لا يصلح للتحريك و البعث بصورة مستقلة و منفصلة عن الوجوب النفسي، فلا معنى لافتراض المخالفة بلحاظه و بقطع النظر عن الوجوب النفسي. وعليه، فلا يصدق على المكلف التارك للمقدمة إلّا مخالفة الوجوب النفسي المتعلق بذي المقدمة، فلا عقاب إلا على مخالفة الوجوب النفسي.

423

متوقفاً إلّا على المقدمة بما هي مقدمة، و المفروض عدم دخل قصد القربى في مقدميتها، فطيّ المسافة إلى الميقات باعتباره مقدمة يتوقف عليها امتثال الوجوب النفسي المتعلق بالحج بمجرده و بدون فعل أي شي‏ء آخر معه يحقق الواجب الغيري و مهما كان الداعي وراء إيجاده، و لذا لو سافر الشخص إلى الميقات بقصد السياحة و النزهة أو التجارة و كان مستطيعاً بحسب الفرض‏ (1) و لكن لم يكن قاصداً لامتثال وجوب الحج ثم بدا له أن يحج، أجزأه ذلك و لا يشترط أن يعود إلى بلده ثم يسافر بقصد الحج، و هذا هو معنى ما يقال من أن الواجبات الغيرية توصليّة (2).

النقطة الثالثة: مقدمات غير الواجب‏

قوله (قدس) ص 375: «كما تتصف مقدمات الواجب بالوجوب الغيري ... الخ».

إن ما هو مقدمة، تارة يفرض كونه مقدمة لواجب، و تارة يفرض كونه مقدمة لمستحب، و تارة ثالثة يفرض كونه مقدمة لحرام، و تارة رابعة يفرض كونه مقدمة

لمكروه. و طبيعة البحث في الوجوب الغيري المتعلق بالمقدمة على تقدير القول به تقتضي افتراض كون المقدمة مقدمة لواجب.

و بقي الكلام عمّا يفرض كونه مقدمة لمستحب أو حرام أو مكروه.

____________

(1) فرضنا أنه كان مستطيعاً للتنبيه على أنّه لو لم يكن كذلك و سافر بقصد السياحة أو التجارة، فإما أن تحصل له الاستطاعة بعد السفر أو لا تحصل له تلك الاستطاعة، و على كلا التقديرين لا يكون السفر وطي المسافة مقدمة، فلا يكون متصفاً بالوجوب الغيري حتى يقال باشتراطه أو عدم اشتراطه بقصد القربى، فإن مثل هذا الكلام من قبيل السالبة بانتفاء الموضوع، و عدم كونه مقدمة على التقدير الثاني واضح؛ لعدم وجوب الحج عليه مع عدم الاستطاعة، و أما على التقدير الأول فكذلك؛ لعدم توقف امتثال وجوب الحج بالنسبة إليه على السفر، لأنه في الميقات بحسب الفرض‏

(2) قد يوهم القول بأن الواجبات الغيرية توصلية عدم اشتراط قصد القربى فيما وجب بالوجوب الغيري لأجل كونه مقدمة، و هذا مما يتنافى مع بعض الواجبات الغيرية، من قبيل: الوضوء و الغسل التي ثبت اشتراطها بقصد القربة مع كونها واجبات غيرية، و هذا التوهم و التنافي لا معنى له بعد بيان المراد من كون الواجبات الغيرية توصلية بأنها تتعلق بالمقدمة بالمقدار الذي يكون دخيلًا في حصول ذي المقدمة بمعنى: أن الغرض منها هو التوصل بها إلى ذي المقدمة، الأمر الذي لا يتنافى مع كون المقدمة أحياناً الوضوء المقصود به القربى لا مطلق الوضوء على نحو يكون قصد القربة دخيلًا في مقدمية المقدّمة، و هذا ما سوف نشير إليه تفصيلًا في نهاية البحث تحت عنوان: مشاكل تطبيقية.

424

أولًا: الكلام في مقدمة المستحب‏

إن القائلين بالملازمة بين الجعلين الشرعيين المتعلق أحدهما نفسياً بذي المقدّمة و تعلق الآخر غيرياً بالمقدمة، لا يختلف الحال عندهم بالنسبة إلى الجعل الشرعي المتعلق بذي المقدمة، بين كون مفاده الوجوب، و بين كون مفاده الاستحباب. فعلى كليهما يلزم تعلق جعل شرعي غيري بالمقدمة بناءً على الملازمة المذكورة، فإن كانت المقدمة مقدمة لواجب، اتصفت تلك المقدمة بالوجوب الغيري، و إن كانت مقدمة لمستحب، اتصفت بالاستحباب الغيري؛ لنفس السبب الموجب لاتصاف مقدمة الواجب بالوجوب الغيري كما سيأتي بيانه عند تحقيق حال الملازمة المدعاة.

ثانياً: الكلام في مقدمة الحرام‏

قوله (قدس) ص 375: «و أما مقدمة الحرام فهي على قسمين ... الخ».

أنّ ما يتصف بكونه مقدّمة للحرام على قسمين:

الأول: ما لا ينفك عنه الحرام، بحيث متى ما حصل تحقق الحرام قطعاً، و يعتبر بمثابة العلة التامة أو الجزء الأخير من العلة التامة للحرام، من قبيل: إلقاء الورقة في النار، الذي يترتب عليه حصول الاحتراق.

و تسمى المقدمة من هذا النحو من المقدمات بمقدمة الحرام المنحصرة (1).

الثاني: ما ينفك عنه الحرام بحيث يفترض إمكان وجوده مع عدم تحقق الحرام، و يسمى بالمقدمة غير المنحصرة، فهو مقدمة باعتبار أن الحرام متوقف في وجوده عليه، و غير منحصرة باعتبار أنه لا يلزم من وجوده دوماً وجود الحرام، من قبيل: صناعة بعض‏

____________

(1) الفرق بين مقدمة الواجب و مقدمة الحرام المنحصرة، هو: أن مقدمة الواجب مما يتوقف حصول الواجب عليها، و بدونها لا يمكن أن يتحقق الواجب على نحو يمكن افتراض تحقق المقدمة و عدم تحقق الواجب، بينما مقدمة الحرام فهي و إن كان الحرام متوقفاً في تحققه عليها كما هو الحال في توقف تحقق الواجب على مقدمته، و لكن لا يمكن افتراض تحقق مقدمة الحرام و عدم تحقق نفس الحرام، و إلا لكانت المقدمة غير منحصرة.

و بعبارة مختصرة: إن مقدمة الحرام المنحصرة علة للوقوع في الحرام، بينما مقدمة الواجب ليس كذلك.

425

المواد الكيمياوية، فإنه مقدمة لقتل الناس المحرّم، و لكن لا يلزم من صناعته دوماً وجود الحرام؛ و ذلك فيما إذا استعمل لقتل الحشرات المضرّة.

ثم إنّه لا إشكال في اتصاف القسم الأول من المقدمات بالحرمة الغيرية بناءً على دعوى الملازمة؛ و ذلك لنفس الملاك الذي لأجله اتصفت مقدمات الواجب بالوجوب الغيري؛ لأن المطلوب في المحرمات ترك الحرام و هو يتوقف بحسب الفرض على ترك تلك المقدمة على نحو لو لم يتركها لوقع في الحرام قطعاً (1).

و أما بالنسبة للقسم الثاني منهما، فلا موجب لاتصافه بالحرمة الغيريّة؛ و ذلك لعدم توقف ترك الحرام على تركها؛ لأنها لا يلزم من فعلها الوقوع في الحرام دوماً كما وضّحنا؛ ذلك لإمكان وجودها مع ترك الحرام في نفس الوقت.

ثالثاً: الكلام في مقدمة المكروه‏

قوله (قدس) ص 376: «و مقدمات المكروه كمقدمات الحرام ... الخ».

أما بالنسبة إلى مقدمات المكروه، فهي كمقدمات الحرام من حيث انقسامها إلى القسمين المتقدمين، و من حيث اتصاف القسم الأول منهما بالكراهة الغيريّة دون القسم الثاني.

فما يلزم من وجوده الوقوع في المكروه حتماً محكومٌ بالكراهة الغيرية، و ما لا يلزم من وجوده الوقوع في المكروه بحيث يمكن فرض وجوده مع عدم الوقوع في المكروه فلا موجب لاتصافه بالكراهة الغيريّة.

النقطة الرابعة: الثمرة الفقهية للنزاع في الوجوب الغيري‏

قوله (قدس) ص 376: «و مسألة الملازمة بين وجوب شي‏ء و وجوب مقدمته ... الخ».

ذكرنا مراراً و تكراراً إن الخلاف و النزاع في مسألة معيّنة من مسائل علم الأصول إثباتاً أو

____________

(1) يمكن أن يقال: إذا كان المقصود من مقدمة الحرام هو توقف الوقوع في الحرام عليها بنحو لو تحققت المقدمة تحقق الحرام قطعاً، فهذا من قبيل المتلازمين في الوجود. و من المعلوم: أن المتلازمين وجوداً لا يقتضي أن يكونا متلازمين حكماً، و لا علاقة للنهي الغيري بذلك، و إن كان المقصود أن ترك الحرام يتوقف على ترك المقدمة من باب أن ترك الحرام واجب فيجب ترك المقدمة، فهذا نفس الكلام في مقدمة الواجب و ليس شيئاً جديداً. مع أن ترك الحرام لم يتصف بالوجوب الشرعي بعنوانه، فلا يكون مورداً للملازمة بين إيجاب شي‏ء و إيجاب مقدمته على القول بها إلّا على القول برجوع النهي إلى طلب الترك.

426

نفياً إذا لم ينته إلى ثمرة عمليّة فقهية (1) يختلف الحال فيها بين القولين أو الأقوال، فإن مثل هذا النزاع لا معنى له و لا طائل تحته، الأمر الذي يحتم بطبيعة الحال البحث عن الثمرة المترتبة على النزاع و الخلاف في هذه المسألة أو تلك.

و مسألتنا المطروحة للبحث، و التي وقع النزاع فيها من حيث ثبوت الملازمة بين وجوب شي‏ء و وجوب مقدمته شرعاً أو عدم ثبوت تلك الملازمة، لا بد و أن ينتهي البحث فيها إلى ثمرة عملية فقهية تكون النتيجة فيها على القول بثبوت تلك الملازمة غير النتيجة على القول بعدم ثبوت تلك الملازمة، و لكن، على الرغم من كون هذه المسألة من المسائل الأصوليّة العريقة التي وقعت مورداً للنزاع بين الأصوليين قديماً و حديثاً، إلا أن الباحثين فيها قد وقعوا في شي‏ء من الحيرة في تصوير ثمرتها الفقهية و كيفية بيانها.

و قد يبدو لأول نظرة إن الثمرة الفقهية المترتبة على هذا النزاع هو إثبات الوجوب الغيري للمقدمة على القول بالملازمة و عدم إثباته على القول بعدم الملازمة؛ باعتبار أن الوجوب الغيري حكم شرعي يتم استنباطه على أساس الملازمة المذكورة.

و لكن الصحيح عدم صواب هذه النظرة و عدم صلاحيّة ما ذكر لأن يكون ثمرة فقهية، و الوجه في ذلك، هو: أن الحكم الشرعي المراد استنباطه اعتماداً على القواعد الأصوليّة، إنما هو الحكم الشرعي الذي يتصف بقابلية التحريك المولوي، و الذي تقع مخالفته موضوعاً مستقلًا لحكم العقل باستحقاق العقاب لا مطلق الحكم الشرعي و إن لم يكن كذلك.

و قد تبيّن من خلال ما استعرضناه من خصائص الوجوب الغيري، أنه على تقدير ثبوته ليس له صلاحية التحريك المولوي، و لا تقع مخالفته بما هي مخالفة له موضوعاً لاستحقاق العقاب، و معه لا يصلح أن يكون بنفسه بما هو وجوب غيري ثمرة لهذه المسألة الأصولية.

____________

(1) سواء كان ذلك بصورة مباشرة أم كان بصورة غير مباشرة عن طريق مساهمتها في تنقيح مسألة أصولية أخرى تنتهي إلى ثمرة فقهية.

427

التصوير الصحيح للثمرة الفقهية لهذا النزاع:

قوله (قدس) ص 377: «و أفضل ما يمكن أن يقال بهذا الصدد تصوير الثمرة ... الخ».

إن أفضل ما يمكن أن يقال في مقام تصوير الثمرة الفقهية للنزاع في ثبوت الوجوب الغيري و عدم ثبوته هو ما يلي:

أولًا: قد يتفق أحياناً أن يصبح واجب معين علة تامة للوقوع في الحرام، على نحو يلزم من وجود ذلك الواجب وجود الحرام، كما لو فرض أنه يلزم من إنقاذ الغريق الواجب إتلاف مال الغير المحرّم، فلو فرض في هذه الحالة كون الواجب أهم ملاكاً من الحرام‏ (1)، فحينئذٍ، تارة ننكر الملازمة بين حرمة شي‏ء و حرمة مقدمته غيرياً، و أخرى نلتزم بثبوت هذه الملازمة.

فعلى الأول يكون الفرض المذكور من حالات التزاحم بين ترك الحرام- و هو: إتلاف مال الغير- و فعل الواجب- و هو: إنقاذ الغريق- و معه يرجع إلى قانون علاج التزاحم، و هو تقديم الأهم ملاكاً- و هو: الإنقاذ بحسب الفرض- و تسقط الحرمة عن تلك الحصة من إتلاف مال الغير. و لا يسوغ هنا تطبيق قواعد التعارض؛ لعدم تحقق ملاك التعارض و هو التنافي بين الجعلين كما هو واضح.

و أما على الثاني، فحيث إن دليل حرمة إتلاف مال الغير يقتضي تعلق الحرمة الغيريّة

بمقدمته‏ (2) و هو الإنقاذ بحسب الفرض، فسوف يقع التعارض بين دليل حرمة الإتلاف‏

____________

(1) أما لو كان الحرام أهم ملاكاً من الواجب، فإن الوجوب سوف يسقط حتماً، و معه لا مجال لافتراض وجود ثمرة لهذا النزاع؛ لأنه إن أنكرنا الملازمة فالأمر واضح جداً؛ إذ لا وجوب للإنقاذ بسبب سقوطه لأجل تقديم الأهم ملاكاً و هو الحرمة، و معه لا يتصف الإتلاف بالوجوب الغيري، و لا يتصف الإنقاذ بالحرمة الغيرية لفرض عدم الملازمة. و إن قلنا بالملازمة فلا وجوب للإنقاذ حتى يلزم منه وجوب الإتلاف غيرياً ليكون منافياً للحرمة النفسيّة ليبحث في كونه من حالات التزاحم أو التعارض، و لا يوجد ما يحول دون اتصاف الإنقاذ بالحرمة الغيرية بعد افتراض سقوط الوجوب‏

(2) قد يقال: إنه حتى على القول بثبوت الملازمة فلا خروج للمورد المذكور عن باب التزاحم و دخوله في باب التعارض؛ و ذلك لعدم اتصاف الإنقاذ بالحرمة الغيرية؛ لأنها معلولة بحسب الفرض للحرمة النفسية المتعلقة بالإتلاف، و الحال أنها ساقطة في الفرض المذكور؛ لتقديم الوجوب عليها لكونه أهم ملاكاً منها، وعليه، فلا يصح المورد المذكور لجعله ثمرة فقهية للبحث في الوجوب الغيري، فتأمل و دقق في المطلب.

428

باعتباره يقتضي- بناءً على ثبوت الملازمة- حرمة الإنقاذ غيرياً، و دليل وجوب الإنقاذ؛ لأنه من اجتماع الوجوب و الحرمة على فعل واحد و هو الإنقاذ و هذا مستحيل، فيكون التنافي بين الجعلين، و قد تقدّم سابقاً بأنه كلما كان التنافي بين الجعلين، دخل الدليلان في باب التعارض، و يكون المرجع في علاج ذلك هو تطبيق قواعد باب التعارض بدلًا من قواعد باب التزاحم‏ (1).

ثانياً: المورد الثاني الذي يمكن تصوير الثمرة الفقهيّة للنزاع في الوجوب الغيري من خلاله، هو: فيما إذا اتفق عكس ما فرضناه في المورد الأول، بحيث اتفق أن أصبح الواجب متوقفاً على مقدمة محرمة، كما لو توقف إنقاذ الغريق الواجب على اجتياز الأرض المغصوبة على نحو لا يمكن معه إيجاد الواجب و ترك الحرام معاً، و افترضنا أيضاً أن الواجب أهم من الحرام. ففي هذه الحالة، تارة نفترض أن المكلف اجتاز أرض الغير لأجل إنقاذ الغريق و لكنه تراجع عن ذلك و ترك الإنقاذ باختياره، و أخرى نفترض أنه اجتاز الأرض المغصوبة و أنقذ الغريق.

و لا شكّ في سقوط الحرمة و عدم ارتكابه المحرم في الصورة الثانية؛ و ذلك رعاية للواجب الأهم، و لا يفرق الحال في ذلك سواء قلنا بثبوت الملازمة أم أنكرنا ذلك، و سواء قلنا باختصاص الملازمة بالحصة الموصلة من المقدمة أم عممنا الملازمة لمطلق المقدمة

و إن لم تكن موصلة (2).

____________

(1) هذا للإشارة و التنبيه منه- (قدس سره)- إلى أن الأصل في الفرض المذكور لو خلي و نفسه و بقطع النظر عن النزاع في ثبوت الملازمة و عدمها لكان من باب التزاحم و أن دخول المورد المذكور في باب التعارض كان نتيجة الالتزام بثبوت الملازمة المدعاة و لأجلها خرج المورد من التزاحم إلى التعارض و لو لم يكن مقصوده ما أردناه لما كان معنى للقول بأن المتعارضين تطبق عليها قواعد التعارض بدلًا من قانون باب التزاحم‏

(2) لا يتوهم أن المراد بالمقدمة الموصلة ما يتمكّن معها المكلف من ايجاد الواجب، و المقدمة غير الموصلة لا يتمكن معها من ايجاد الواجب؛ فإن هذا التوهم لا أساس له؛ لأنه لا معنى لفرضها مقدمة للواجب إذا كانت مما لا يتمكن معها المكلف من ايجاد الواجب؛ لأن فرض مقدميتها للواجب، يعني: توقف الواجب عليها.

فإنّ المقصود بالمقدمة الموصلة، هي: المقدمة التي يقع معها الواجب فعلًا بحيث يوجدها و يوجد الواجب أيضاً. و المقصود بغير الموصلة هي: المقدمة التي لا يقع معها الواجب فعلًا كما لو أوجد المقدمة و لم يوجد الواجب معها مع تمكنه بحسب الفرض من إيجاده.

وعليه، فالمناط في تقسيم المقدمة إلى موصلة و غير موصلة، هو: اتيان المكلف للواجب بعد اتيانه بمقدمته أو عدم اتيانه بها. فإنّ الذين آمنوا بثبوت الملازمة، قد ذهب بعضهم إلى اختصاصها بالحصة الموصلة من المقدمة، بينما ذهب البعض الآخر إلى تعميمها لمطلق المقدمة حتى لو لم تكن موصلة، و سوف نشير إلى ذلك لاحقاً.

429

و الوجه في ذلك واضح؛ إذ أنه بعد سقوط الحرمة لأجل تقديم الوجوب، فعلى القول بعدم الملازمة لا وجوب غيرياً متعلق بالمقدمة، و على القول بالملازمة يتعلق بها الوجوب الغيري و لا يكون منافياً لحرمتها؛ لأنها قد سقطت فعلًا، فلا ثمرة في هذا المورد بناءً على هذه الصورة.

و أما بالنسبة للصورة الأولى، و هي: ما إذا فرض اجتياز الأرض المغصوبة و عدم إنقاذه للغريق، فهنا: تارة نقول بالملازمة، و أخرى ننكرها. و لا إشكال في كونه قد ارتكب حراماً على القول الثاني؛ لعدم وجود ما يوجب سقوط الحرمة على هذا الفرض و إن كان الواجب أهم ملاكاً من الحرام؛ لأن سقوطها مشروط بالاشتغال بالأهم، و الحال أنه لم يشتغل، و أما على القول بالملازمة، فهنا، تارة نقول باختصاص الملازمة بالحصة الموصلة، و أخرى بشمولها لمطلق المقدمة. فعلى الأول يكون المكلف قد ارتكب حراماً لعدم وجود ما يحول دون اتصاف تلك المقدمة بالحرمة بعد فرض حرمتها في نفسها لأنها غصب، و الحال أنه لم يتعلق بها الوجوب الغيري الذي يحول دون اتصافها بالحرمة لاختصاصه بالحصة الموصلة من المقدمة، و هذه غير موصلة بحسب الفرض، و أما على الثاني- أي: شمول الملازمة لمطلق المقدمة- فلا يكون المكلف مرتكباً للحرام؛ و ذلك‏

لسقوط الحرمة في هذا الفرض لأجل تعلق الوجوب الغيري بها، و هذا الوجوب يحول دون اتصافها بالحرمة.

النقطة الخامسة: شمول الوجوب الغيري‏

قوله (قدس) ص 378: «قام القائلون بالملازمة بعدة تقسيمات للمقدمة ... الخ».

يقع الكلام في هذه النقطة في أنّ الوجوب الغيري المتعلق بالمقدّمة على القول بالملازمة بين وجوب الشي‏ء و وجوب مقدمته هل يشمل كل أقسام المقدمة، أو هو

430

مختص ببعضها دون البعض الآخر؟ حيث إن هناك عدة تقسيمات للمقدمة كما سوف يتضح من خلال البحث.

أهم التقسيمات التي تذكر عادة للمقدمة:

و فيما يلي نستعرض أهم ما يذكر عادة من تلك التقسيمات للمقدمة، لمعرفة حقيقة الحال فيها من حيث الشمول و الاختصاص على تقدير القول بالملازمة بين وجوب شي‏ء و وجوب مقدمته.

التقسيم الأول: تقسيم المقدمة إلى داخلية و خارجية

قوله (قدس) ص 379: «التقسيم الأول: تقسيم المقدمة إلى داخلية ... الخ».

و أول التقسيمات للمقدمة هو: تقسيمها إلى مقدمة داخلية و مقدمة خارجية. و يقصد بالمقدمة الداخلية كل ما كان جزءاً في الواجب المأمور به و داخلًا في حقيقته و ماهيته، كالسجود، و الركوع، و التشهد، و غيرها من الأجزاء الأخرى بالنسبة إلى الصلاة، أو غير ذلك من المركبات الأخرى المأمور بها، حيث إنّ كل جزء من هذه الأجزاء ينطبق عليه عنوان (المقدمة) حسب ما يدّعى.

و يقصد بالمقدمة الخارجية ما يتوقف عليه الواجب من أشياء أخرى من غير الأجزاء خارجة عن حقيقة الواجب و ماهيته، كالوضوء بالنسبة إلى الصلاة، أو السفر بالنسبة إلى الحج.

وقوع الخلاف في المقدمة الداخلية على قولين:

قوله (قدس) ص 379: «و قد وقع البحث بينهم في أن الوجوب ... الخ».

و قد وقع البحث بين الأصوليين في أن الوجوب الغيري على تقدير القول به هل هو مختص بالمقدمات الخارجيّة أم يشمل حتى المقدّمات الداخليّة (1)؟ و قد وقع الخلاف في ذلك على قولين:

____________

(1) الواضح من طبيعة النزاع عدم الإشكال في تعلق الوجوب الغيري على القول به بالمقدمة الخارجية، و إنما الخلاف بالنسبة إلى المقدمة الداخلية للواجب، أي: في تعلق الوجوب الغيري في كل جزء من أجزاء الواجب و عدم تعلقه.

431

الأول: القول بالشمول للمقدمة الداخلية

قوله (قدس) ص 379: «فقد يقال بالتعميم ... الخ».

انطلق أصحاب هذا القول لإثبات الشمول و نفي الاختصاص، من أن الملاك الذي على أساسه يتم القول بالوجوب الغيري واحد في كلا هذين القسمين. و معه، لا يصح الالتزام بتعلق الوجوب الغيري بقسم دون آخر. و من المعلوم أن الملاك ليس هو إلا التوقف، و إلا، فلا معنى للملازمة المذكورة.

فلولا توقف الحج- مثلًا- على السفر لما كانت هناك ملازمة بين وجوب الحج و وجوب السفر، فإذا كان الأمر كذلك، فالواجب كما يتوقف على مقدماته الخارجية كذلك هو متوقف على مقدماته الداخلية- أي: أجزائه- إذ لا يمكن أن يوجد المركب ما لم توجد أجزاؤه.

وعليه، فإذا التزمنا بتعلق الوجوب الغيري بالمقدمة الخارجية، فلا بدّ و أن نلتزم أيضاً بتعلقه بالمقدمة الداخلية لوحدة الملاك فيهما. و كما يتصف الوضوء بالوجوب الغيري، كذلك يتصف السجود أو الركوع أو غيرهما بذلك.

الثاني: القول باختصاص الوجوب الغيري بالمقدمة الخارجيّة

قوله (قدس) ص 379: «و يقال في مقابل ذلك بالاختصاص ... الخ».

و في مقابل القول الأول، هناك من ذهب إلى اختصاص الوجوب الغيري بالمقدمة الخارجية و نفي شموله للمقدمة الداخلية. و استدل على ذلك بأن الجزء لا يمكن أن‏

يتصف بالوجوب الغيري، و ذلك لجهتين:

الأولى: عدم وجود المقتضي لاتصاف الجزء بالوجوب الغيري ( (1)

) قوله (قدس) ص 379: «إما لعدم المقتضي له ... الخ».

و محصل الجهة الأولى لعدم إمكان اتصاف الجزء بالوجوب الغيري، هو: إن المقتضي للاتصاف بالوجوب الغيري، هو عبارة عن: التوقف و المقدمية، فما لم يفرض كون‏

____________

(1) هذا هو الظاهر من كلمات صاحب الكفاية، ص 103، حيث قال: «الأجزاء عين الكل، و لا مغايرة بينهما ليكون لها وجود غير وجود الكل حتى يجب غيرياً، فلا اثنينية في المقام».

432

الشي‏ء مقدمة على نحو يكون وجوده مغايراً لوجود ذي المقدمة فلا معنى للقول باتصافه بالوجوب الغيري. و هذا المعنى لا ينطبق على الجزء؛ لأن التوقف و المقدمية يستبطن المغايرة بين ما هو متوقف و ما هو متوقف عليه، و المركب ليس متوقفاً في وجوده على وجود أجزائه، و إلا، كان من توقف الشي‏ء على نفسه؛ لأن المركب ليس له وجود منحاز عن وجود أجزائه، و لا هو متفرع عليها، بل ليس هو إلا نفس تلك الأجزاء. فليس وجود الصلاة إلا نفس وجود الركوع و السجود و التشهد و بقية الأجزاء الأخرى، فإن الجزء ليس مغايراً للمركب في الوجود الخارجي، فلا توقف و لا مقدمية أصلًا، فلا معنى لاتصافه بالوجوب الغيري‏ (1).

الثانية: وجود المانع من اتصاف الجزء بالوجوب الغيري‏

قوله (قدس) ص 379: «أو لوجود المانع ... الخ».

لو غضضنا النظر عما ذكرناه في الجهة الأولى المتقدمة، و سلمنا بوجود المقتضي للاتصاف بالوجوب الغيري من التوقف و المقدمية و المغايرة بين وجود المركب و وجود اجزائه، فمع هذا لا يتصف الجزء بالوجوب الغيري؛ و ذلك لوجود المانع الذي يحول دون اتصافه بذلك، و هو: اتصاف الجزء بالوجوب النفسي الضمني؛ فإن الوجوب إذا

تعلق بالمركب من أجزاء، فإنه سوف ينحل الى وجوبات ضمنية بعدد ما للمركب من أجزاء، فكل جزء يتصف نتيجة لذلك بالوجوب النفسي الضمني، فلو أتصف أيضاً بالوجوب الغيري للزم اجتماع المثلين على موضوع واحد، و هو مستحيل؛ فإن اجتماع المثلين كاجتماع الضدين في الاستحالة.

فإن قيل: اجتماع المثلين ليس محذوراً فإنه يمكن افتراض تأكدهما و توحدهما في وجوب واحد.

كان الجواب: إنّ التأكد و التوحد يعقل فيما لو كان كل منهما يثبت في عرض الآخر

____________

(1) إن قيل: أ لا يكفي التغاير الاعتباري بين المركب و أجزائه؛ فإن المركب عبارة عن: الأجزاء بشرط الاجتماع، و الأجزاء هي عبارة عن: الأجزاء لا بشرط الاجتماع، فيكون أحدهما غير الآخر.

كان الجواب: إن المناط في التوقف و المقدمية هو التغاير في الوجود، و النحو المذكور من التغاير ليس هو مناط المقدمية؛ لأن الوجود واحد.

433

و فرض اجتماعهما على موضوع واحد، و هذا المعنى يستحيل فرضه في المقام؛ لأن الوجوب الغيري إذا فرض كونه معلولًا للوجوب النفسي كما تقدم، فيستحيل أن يتحد مع الوجوب النفسي وجودا (1)؛ لاستحالة الوحدة بين العلة و المعلول في الوجود (2).

فإن قيل: أ لا يكفي تعدد الجهة و العنوان لجواز اجتماع المثلين؛ فهو متصف بالوجوب النفسي من جهة أن الجزء عين الكل، و متصف بالوجوب الغيري من جهة أن الجزء مقدمة للكل؟

كان الجواب: إن الجهة، تارة يفترض كونها حيثية تقييدية فتكون داخلة في موضوع الحكم و موجبة لتغايره عن الموضوع الآخر، و أخرى يفترض كونها حيثية تعليلية فتكون خارجة عن الموضوع و إنما هي علة لثبوت الحكم لذلك الموضوع، فلو كانت من الأولى أمكن القول بجواز اجتماع المثلين؛ لأنها توجب التغاير، و أما لو كانت من الثانية فلا يمكن ذلك؛ لأن الحيثية التعليلية لا توجب التغاير، و الجهة في المقام حيثية تعليلية لا تقييدية؛ لأن كونه مقدمة، يعني أنه علة للاتصاف بالوجوب الغيري لا أنه موضوع له.

التقسيم الثاني: تقسيم المقدمة الى مقدمة وجوب و مقدمة واجب‏

قوله (قدس) ص 380: «التقسيم الثاني: تقسيم المقدمة إلى مقدمة واجب ... الخ».

تقدم في البحوث السابقة إن المقدمة تارة تكون مقدمة وجوبية و أخرى تكون مقدمة وجودية، و الأولى هي مقدمة الوجوب، و الثانية هي مقدمة الواجب.

و قد تقدم أن المكلف غير مسئول عقلًا عن تحصيل مقدمات الوجوب؛ و ذلك لانه لا وجوب قبل تحققها؛ و ذلك لتوقف الوجوب عليها على النحو الذي يفترض أنه لا وجوب مع عدم تحققها، و حيث إن الوجوب الغيري للمقدمة تابع و متفرع على الوجوب النفسي‏

____________

(1) إن قيل: إن ما هو علة للوجوب الغيري هو الوجوب النفسي الاستقلالي المتعلق بالمركب لا الوجوب النفسي الضمني المتعلق بالجزء، فلا يلزم من القول باتحادهما الاتحاد بين العلة و المعلول في الوجود.

كان الجواب: إن الوجوب النفسي الضمني المتعلق بالجزء هو نفس الوجوب النفسي المتعلق بالمركب، لا أنه غيره كي يقال بعدم لزوم الاتحاد بين العلة و المعلول فتأمل جيداً

(2) هذا الجواب للمحقق العراقي فقد جاء عنه في المقالات ج 1، ص 294 قوله:) و توهم التأكد في مثل المقام غلط؛ إذ الوجوب الغيري معلول الوجوب النفسي و متأخر عنه بمقدار تخلل الفاء الحاصل بين العلة و المعلول، و هذا الفاء مانع عن اتحاد وجودهما و لو بالتأكد».

434

المتعلق بذي المقدمة، فهذا يعني: أنه لا وجوب غيري مع عدم الوجوب النفسي.

وعليه، فلا يعقل تعلق الوجوب الغيري بمقدمة الوجوب، لا قبل تحققها و لا بعد تحققها و تحقق الوجوب النفسي؛ لأن الوجوب الغيري إما أن يفترض كونه معلولًا للوجوب النفسي، و إما أن يفترض كونه معلولًا لنفس علة الوجوب النفسي، و على كلا التقديرين لا يعقل ثبوت الوجوب الغيري إلا في فرض ثبوت الوجوب النفسي؛ لأنه إن كان معلولًا له فواضح، و إن كان معلولًا لنفس علة الوجوب النفسي، فهذا يعني: أن ثبوته منوط بثبوت علة الوجوب النفسي، و من الواضح أنّ فرض ثبوت علة الوجوب النفسي هو فرض ثبوت الوجوب النفسي؛ لاستحالة التفكيك بين العلة و المعلول، و مع عدم ثبوت الوجوب النفسي فلا ثبوت للوجوب الغيري؛ لأنّ فرض عدم ثبوت الوجوب النفسي يعني عدم وجود علته، و مع عدم وجودها فلا وجود للوجوب الغيري؛ لأنّها علّة له بحسب الفرض، و أما بعد تحققها- أي: مقدمة الوجوب- فهو و إن كان يعني ثبوت الوجوب النفسي، لكن لا معنى لإيجابها بعد فرض تحققها و وجودها خارجاً.

و من خلال ذلك، يتبين أنه لا شمول للوجوب الغيري لمقدمات الوجوب، و إنما هو مختص بمقدمات الواجب.

التقسيم الثالث: تقسيم المقدمة الى شرعية و عقلية و علميّة

قوله (قدس) ص 380: «التقسيم الثالث: تقسيم المقدمة إلى شرعية ... الخ».

قد مر عليك تقسيم مقدمة الواجب الى عقلية و شرعية، و قلنا: إن المقدمة الشرعية هي ما

أخذها الشارع قيداً في الواجب، و المقدمة العقلية هي: ما يتوقف عليها ذات الواجب تكويناً على نحو لا يمكن فرض وجود الواجب و تحققه خارجاً بدونها، و هناك قسم آخر من المقدمات يطلق عليها المقدمات العلمية، و هي: تلك المقدمات التي يتوقف عليها تحصيل العلم بالإتيان بالواجب لا إيجاد الواجب، كالبدء بغسل اليد في الوضوء بما فوق المرفق قليلًا حتى يحصل العلم و اليقين بغسل المرفق الذي هو واجب الغسل في الوضوء، و كالجمع بين أطراف العلم الاجمالي حتى يحصل اليقين بامتثال الواجب لأنه بحسب الفرض لا يخلو من أحدها.

435

و لا إشكال و لا نزاع بين الأصوليين في عدم تعلق الوجوب الغيري بالمقدمة العلمية؛ لأن موضوع البحث أساساً هو المقدمة التي يتوقف عليها وجود الواجب و تحققه خارجاً، و هذه المقدمة مما لا يتوقف عليها نفس وجود الواجب، و إنما الذي يتوقف عليها هو احراز الاتيان بالواجب لا غير، فلا وجود لملاك الوجوب الغيري بالنسبة الى المقدمة العلمية.

كما إنه لا إشكال بتعلقه بالمقدمة العقلية للواجب على القول بالملازمة؛ و ذلك لوجود المقتضي و فقدان المانع، فهي مقدمة لكونها مما يتوقف عليها الواجب، و مغايرة له وجوداً من جهة، و لم تتصف بوجوب آخر يحول دون اتصافها بالوجوب الغيري من جهة أخرى، و هذا هو المورد المتيقن من الملازمة بين ايجاب الشي‏ء و إيجاب مقدمته على تقدير القول بها.

و أما بالنسبة الى المقدمة الشرعية، فهي التي وقعت مورداً للنزاع و الخلاف بين الأصوليين، و قد انقسموا في ذلك الى قولين.

الأول: دعوى عدم شمول الوجوب الغيري للمقدمة الشرعية

قوله (قدس) ص 381: «و لا شك في أن الوجوب الغيري لا يتعلق ... الخ».

ذهب بعض الأصوليين كالمحقق النائيني (قدس) الى عدم شمول الوجوب الغيري للمقدمة الشرعية للواجب و اختصاصه بالمقدمة العقلية؛ و ذلك لوجود المانع الذي يحول دون اتصافها بالوجوب الغيري. و المانع هو عبارة عن: اتصافها بالوجوب النفسي الضمني،

فهي كالجزء من هذه الناحية، فكما أن جزء الواجب يتصف بالوجوب النفسي الضمني على أساس انحلال الوجوب النفسي المتعلق بالمركب الى وجوبات نفسية ضمنية بعدد أجزاء ذلك المركب، فكذلك المقدمة الشرعية تتصف بالوجوب النفسي الضمني على أساس انبساط الأمر النفسي المتعلق بالواجب على تلك المقدمة؛ و ذلك لأن مقدميتها للواجب إنما جاءت بسبب أخذ الشارع لها في الواجب النفسي، الأمر الذي يقتضي انبساط الأمر و الوجوب عليها، و إذا كان الأمر كذلك، فلا يمكن اتصافها بالوجوب الغيري؛ للزوم اجتماع المثلين، و هو مستحيل.

436

تقييم السيد الشهيد (قدس) لهذه الدعوى:

قوله (قدس) ص 381: «و نرد على هذه الدعوى بما تقدم من ..... الخ».

إنّ الدعوى التي تمّ على أساسها انكار المحقق النائيني (قدس) لاتصاف المقدمة الشرعية بالوجوب الغيري، تقوم على افتراض وجود المانع الذي يحول دون اتصافها بذلك، و الذي هو عبارة عن: اتصافها بالوجوب النفسي الضمني؛ بدعوى أن أخذها من قبل الشارع في الواجب النفسي يقتضي انبساط الأمر و الوجوب عليها، و لكن الصحيح هو: عدم تماميّة هذه الدعوى، لأنّ مجرّد أخذها من قبل الشارع قيداً في الواجب لا يعني بالضرورة انبساط الأمر و الوجوب المتعلق بالواجب عليها؛ و ذلك لأن أخذ شي‏ء معيّن قيداً في الواجب يعني: تحصيص الواجب به و جعله حصة خاصة من حصص الفعل، و هي الفعل المقيّد بذلك القيد، و في هذه الحالة، سوف ينبسط الأمر و الوجوب على التقييد لا على نفس القيد؛ إذ أن المأمور به في مثل تلك الحالات هو الفعل المقيد بذلك القيد، و يكون القيد علة لتحقيق التقييد، و هذا هو المعنى الذي ذكرناه سابقاً، من أن التقييد داخل و القيد خارج عن نطاق الأمر، و بهذا يكون تقييد الفعل بمقدمته الشرعية واجباً نفسياً ضمنياً لا القيد نفسه؛ لأنّه لم يتعلّق به الأمر النفسي كما هو واضح، و معه لا يوجد ما يمنع من اتصاف المقدمة الشرعيّة- أي: نفس القيد- بالوجوب الغيري على القول بالملازمة، و يكون حالها في ذلك حال المقدمة العقلية من دون فرق بينهما من‏

هذه الناحية (1).

فإن قيل: إنّ التقييد أمر منتزع من نفس القيد، فالأمر به أمر بالقيد؛ لأنه لا معنى لافتراض تعلق الأمر بالمنتزع من دون تعلقه بمنشإ انتزاعه.

كان الجواب: إنّ القيد و إن كان دخيلًا في حصول التقييد لأنه طرف له، حيث إن التقييد نسبة بين الفعل و القيد فأحد طرفيها الفعل و الطرف الآخر هو القيد، و لكن هذا لا

____________

(1) أقول: إن هذا التصوير ينفي وجود المقدمة الشرعية أصلًا بالمعنى الذي يعني توقف الواجب المأمور به على المقدمة؛ فإن المأمور به هنا بحسب الفرض هو الفعل المقيد بذلك القيد و يكون القيد حينئذ مقدمة عقلية للمقيد؛ لأن المقيد بقيد ما يتوقف تكويناً على وجود ذلك القيد، و يتحول النزاع حينئذ الى تحديد المأمور به و هل هو ذات الفعل الذي يجعله الشارع متوقف على المقدمة أو الفعل المقيد بذلك القيد.

437

يعني: أن التقييد عين القيد، بل هو مغاير وجوداً للقيد.

فالتقييد بما هو معنى حرفي و نسبة بين طرفين، له حظ من الوجود و الواقعيّة مغاير لوجود طرفية. و التقييد هو متعلق الوجوب النفسي الضمني لا القيد، و ليس من الضروري- إذا تعلق الأمر بالتقييد- أن يكون متعلقاً أيضاً بالقيد؛ لأن أحدهما غير الآخر وجوداً. وعليه، فالمقدمة الشرعية تتصف بالوجوب الغيري كالمقدمة العقلية إذا تمت الملازمة المذكورة.

تحقيق الحال في دعوى الملازمة بين إيجاب شي‏ء و إيجاب مقدمته:

قوله (قدس) ص 382: «و الصحيح انكار الوجوب الغيري في مرحلة .... الخ».

ذكرنا سابقاً إن الملازمة المبحوث عنها في المقام، هي: الملازمة بين جعلين شرعيين بحيث يلزم من أحدهما الآخر، على نحو يلزم من الجعل الشرعي بوجوب ذي المقدمة جعل شرعي بوجوب المقدمة وجوباً غيرياً بعد الفراغ عن لابدية الاتيان بالمقدمة و عن مسئولية المكلف عن ايجادها عقلًا نتيجة لتوقف الواجب عليها.

و تحقيق الحال في الملازمة المذكورة، يقتضي منا التمييز بين مرحلتين من مراحل الحكم، و هما: مرحلة الملاك و الارادة، و مرحلة الجعل و الاعتبار. فالقائلين بالوجوب الغيري إنما يعنون بذلك الملازمة بين وجوب ذي المقدمة و وجوب المقدمة في مرحلة

الجعل و الاعتبار، فالوجوب الغيري حكم شرعي، و المعبر عنه هو: الجعل الشرعي ليس إلا، و لبيان الحال في هذه الملازمة لا بد من الوقوف على الأدلة التي لأجلها قال بعض الأصوليين بالملازمة.

أدلة القائلين بالملازمة:

الذي يظهر من كلمات القائلين بالملازمة استدلالهم بدليلين‏ (1):

____________

(1) قال الفاضل التوني في الوافية، ص 219:) و قد وقع الخلاف في أن وجوب الشي‏ء هل يستلزم وجوب مقدمته، أي: ما يتوقف عليه ذلك الشي‏ء، أو لا؟ فقيل بالتلازم مطلقاً. و قيل لا مطلقاً. و قيل به إذا كانت المقدمة سبباً لا غير. و قيل به إذا كانت شرطاً شرعياً لا غير. و الأول مذهب أكثر القدماء و المحققين، و لكن أدلتهم المنقولة مما لا يمكن التعويل عليها؛ لضعفها، كما يقال على تقدير عدم وجوب المقدمة يكون تركها جائزاً، فإذا تركت، فإن بقي التكليف بذي المقدمة حينئذ، كان تكليفاً بما لا يطاق، و إلا، فيلزم خروج الواجب عن كونه واجباً، و هو محال، و هذا الدليل عمدة أدلتهم، وعليه يدور أكثر أدلتهم».

438

الدليل الأول: كل ما صح في الإرادة التكوينية صح في الإرادة التشريعيّة

لا إشكال في وجود الملازمة بين الإرادة التكوينية لذي المقدمة و الإرادة التكوينية للمقدمة، فمن أراد شيئاً تكويناً أراد مقدماته؛ و ذلك لأنه يأتي بالمقدمات و يتحرك تكويناً نحوها لاجل تحقيق مراده، و الاتيان بالمقدمات أمر اختياري، و الفعل الصادر بالاختيار ما لم تتعلق به الإرادة لم يوجد، و هذا جار أيضاً بلحاظ الإرادة التشريعية، و هذا يعني: الملازمة بين الإرادة التشريعية المتعلقة بذي المقدمة و الإرادة التشريعية المتعلقة بالمقدمة، على نحو يلزم من وجود الأولى وجود الثانية، وعليه، فإيجاب شي‏ء يستلزم ايجاب مقدمته غيرياً (1).

الدليل الثاني: كل ما ليس بواجب لا يجوز تركه و مقدمة الواجب لا يجوز تركها

و يتألف من مقدمتين:

الأولى: كل ما ليس بواجب يجوز تركه. و هذا أمر واضح.

الثانية: و مقدمة الواجب لا يجوز تركها، و إلا، فلو جاز تركها للزم الخلف، و لَما كان الواجب متوقفاً في وجوده عليها، و هو مناف لكونها مقدمة.

و من مجموع هاتين المقدمين، ينتج: إن مقدمة الواجب واجبة التحصيل. و هذا هو معنى الملازمة بين وجوب شي‏ء و وجوب مقدمته.

تحقيق الحال في الدليلين المقدمتين:

من خلال ما ذكرناه سابقاً، يتضح أن النزاع في ثبوت الوجوب الغيري و عدم ثبوته ينبغي أن ينحصر في مرحلة الجعل و الايجاب، و لا علاقة لهذا النزاع في مرحلة الإرادة و الملاك؛ لما قلناه: من أن المعبر عن الوجوب الغيري على تقدير القول به هو مرحلة الجعل و الاعتبار، فإن الوجوب حكم شرعي لا يكشف عنه إلا الجعل الشرعي.

____________

(1) قال المحقق النائيني في فوائد الأصول، ج 1، ص 284:) لا ينبغي الاشكال في وجوب المقدمة بالمعنى المتقدم؛ لوضوح أنه لا يكاد يتخلف إرادة المقدمة عند إرادة ذيها بعد الالتفات إلى كون الشي‏ء مقدمة و أنه لا يمكن التوصل إلى المطلوب إلا بها».

439

فإذا اتضح ذلك، يتبين عدم تمامية الدليلين المذكورين لإثبات الوجوب الغيري؛ و ذلك لأن غاية ما يمكن اثباته من خلال الدليلين المذكورين هو الملازمة في مرحلة الإرادة، و هي مرحلة غير المرحلة التي يعبر عنها الوجوب الغيري المتنازع فيه، فبالنسبة الى الدليل الأول، الأمر واضح جداً، فهو صريح في اثبات الملازمة في هذه المرحلة. و أما بالنسبة الى الدليل الثاني، فإن غاية ما يثبته هو مسئولية المكلف تجاه المقدمة لا أكثر. و هذه المسئولية ثابتة بحكم العقل، و هي غير الوجوب الغيري المبحوث عنه في المقام قطعاً.

وعليه، فلا دليل على الملازمة بين ايجاب شي‏ء و ايجاب مقدمته غيرياً. فالصحيح إذن: إنكار الوجوب الغيري في مرحلة الجعل و الايجاب، ليس فقط لعدم الدليل عليه، بل لقيام الدليل على عدمه كما سيأتي.

قيام الدليل على نفي الوجوب الغيري:

قوله (قدس) ص 382: «فلأنّ الوجوب الغيري إن أريد به .... الخ».

إنّ عدم قيام الدليل على الملازمة بين إيجاب شي‏ء و إيجاب مقدمته غيرياً و إن كان وحده كافياً لانكار الوجوب الغيري، و لكن، مع ذلك، يمكن إقامة الدليل على عدمه، و ذلك بالبيان التالي:

إنّ الوجوب الغيري، إما أن يراد به الوجوب المترشح بصورة قهرية من الوجوب النفسي، و إما أن يراد به الوجوب المجعول بصورة اختيارية من قبل المولى مضافاً الى جعله للوجوب النفسي.

فإن أريد به الأول، فهو غير معقول؛ لأن الوجوب ليس إلا الجعل و الاعتبار، و هو فعل اختياري للجاعل، و لا يمكن افتراض ترشحه بصورة قهرية (1) عن إرادة الفاعل المختار؛

____________

(1) هذا ما جاء عن السيد الخوئي في كتاب الصوم، ج 1، ص 221 حيث قال: «و حديث ترشح وجوب المقدمة من ذيها، المستلزم لتأخر وجوبها عن وجوبه كلام مشهور لا أساس له من الصحة؛ إذ كيف يعقل ترشح الوجوب من وجوب؟! و أن يكون فعل اختياري معلولًا لفعل اختياري آخر؟! و هل وجوب ذي المقدمة بنفسه مشرع كي يكون علة لوجوب المقدمة و يكون وجوبها مترشحاً من وجوبه؟ كل ذلك لا يكون، بل الوجوب الغيري كالوجوب النفسي، كل منهما فعل اختياري لنفس الفاعل- أعني: المولى الذي بيده الحكم- لا أن الأول معلول للثاني كي يكون فعلًا لفعل الفاعل و معلولًا لمعلوله، بل كل منهما بحاله فعله مستقلًا».

440

لأنّ ذلك ينافي الاختيار كما هو واضح، و إن أريد به الثاني، فلا بد من افتراض وجود مبرر و مصحح لجعل الوجوب الغيري على المقدمة، حاله في ذلك حال أي وجوب آخر يحتاج في جعله إلى مبرّر، و المصحح للجعل لأي وجوب لا يخلو من أحد أمرين:

الأول: ابراز الملاك و الكشف عن أن ما تعلق به الوجوب واجد للملاك و المصلحة.

الثاني: تحديد مركز حق الطاعة للمولى و بيان ما يكون معياراً للإدانة و العقاب و المدح و الثواب.

و من المعلوم: عدم وجود كلا الأمرين بالنسبة الى الوجوب الغيري، أما الأول، فلأن الملاك مُبرَز بنفس جعل الوجوب النفسي المتعلق بذي المقدمة، و أما الثاني، فإن الوجوب الغيري لا يصلح للتحريك المولوي، فلا يستتبع الادانة و العقاب كما مرت الاشارة الى ذلك سابقاً، وعليه، فالوجوب الغيري لا مصحح لجعله، فيلغو جعله.

وعليه، فلا ملازمة بين ايجاب شي‏ء و ايجاب مقدمته غيرياً في مرحلة الجعل و الايجاب‏ (1).

التسليم بوجود الملازمة في مرحلة الإرادة:

قوله (قدس) ص 383: «و أما الثاني فمن أجل التلازم بين حب .... الخ».

على الرغم من إنكار الملازمة في مرحلة الجعل و الاعتبار لعدم الدليل عليها من ناحية، و لقيام الدليل على عدمها من ناحية ثانية، إلا أنّ هذا لا يمنع من التسليم بوجود الملازمة في مرحلة الإرادة و الشوق المولوي؛ و ذلك للتلازم بين حب الشي‏ء و حب مقدماته، و هذا التلازم لا برهان عليه، و إنما نؤمن به لشهادة الوجدان على ذلك، و لأجله صح افتراض الحب في الواجبات النفسية التي عرفنا أنها إنما وجبت لأجل المصالح المترتبة عليها على النحو الذي يجعلها مقدمات لتلك المصالح، حيث إنها محبوبة للمولى بما هي مقدمات لتلك المصالح و الفوائد المترتبة عليها، و إلا، فلو أنكرنا الملازمة بين حب الشي‏ء و حب مقدماته، لما أمكننا التسليم بمحبوبية تلك الواجبات النفسية.

____________

(1) الوجوب الغيري الشرعي للمقدمة مما أنكره أيضاً السيد الخوئي حيث قال في كتاب الصوم، ج 2، ص 360: «و لا نقول بوجوب المقدمة إلا عقلًا لا شرعاً كما هو محرّر في الأصول».

441

و خلاصة القول: أنه لا ملازمة بين وجوب شي‏ء و وجوب مقدمته في مرحلة الجعل و الايجاب، مع التسليم بهذه الملازمة في مرحلة الإرادة، الأمر الذي يعني: إنكار الوجوب الغيري بمعناه المعبّر عن الجعل الشرعي مع الالتزام بالشوق الغيري‏ (1).

حدود الواجب الغيري:

وقوع البحث في هذه المسألة في عدة نقاط:

قوله (قدس) ص 383: «و في حالة التسليم بالواجب الغيري .... الخ».

ثم إنه بعد التسليم بالملازمة بين وجوب الشي‏ء و وجوب مقدماته، سواء كان ذلك في مرحلتي الجعل و الحب معاً، أم كان في إحدى المرحلتين على الأقل و هي مرحلة الحب و الارادة (2)، يقع الكلام في تحديد و تشخيص متعلق الوجوب الغيري، من حيث كونه‏

خصوص الحصة الموصلة من المقدمة و هي تلك التي يترتب عليها ذو المقدمة فعلًا بحيث يصدر من المكلف بعد اتيانه بالمقدمة، أم كونه طبيعي المقدمة و بقطع النظر عن كونها موصلة أو غير موصلة، و البحث في هذه المسألة يقع في عدة نقاط:

الأولى: في بيان الفرق بين المقدمة الموصلة و المقدمة غير الموصلة

قوله (قدس) ص 384: «أن متعلق الوجوب الغيري هل هو الحصة الموصلة .... الخ».

المقصود بالمقدمة الموصلة، هو: كل مقدمة واجب يتم التوصل بها فعلًا الى الواجب النفسي، على نحو يتحقق فعلًا من المكلف الاتيان بذي المقدمة بعد الاتيان بالمقدمة. كما

____________

(1) و هذا هو الذي انتهى إليه السيد الشهيد في تقريرات بحثه بحسب ما جاء عنه في بحوث في علم الأصول، ج 2، ص 282، حيث قال: «و هكذا اتضح عدم الملازمة بين الوجوب النفسي و الغيري بحسب مرحلة الجعل و الاعتبار. و أما بلحاظ عالم الشوق و الإرادة، فالصحيح فيه، هو: التلازم بين الحب النفسي و الحب الغيري»

(2) قد يوهم تعبيره: «في احدى المرحلتين على الأقل» شمول هذا التعبير لمرحلة الجعل أيضاً، و لكن هذا التوهم باطل؛ و ذلك لأن افتراض الملازمة في عالم الجعل و عدمها في عالم الحب و الإرادة غير معقول؛ لأن افتراض تعلق الوجوب الغيري بالمقدمة مع افتراض كونها غير محبوبة و لو غيرياً ليس بصحيح، فلا بد أن يكون مراد السيد الشهيد من العبارة المتقدمة خصوص عالم الحب و الإرادة دون عالم الجعل و الايجاب، و هذا ما أشار اليه في البحث عن الملازمة و تحقيق الحال فيها، و لأجل ذلك عدلنا إلى التعبير بالملازمة عن التعبير بالواجب الغيري.

442

لو توضأ المكلف للصلاة و صلّى فعلًا بعد الوضوء، أو سافر الى الميقات للحج و وقع منه الحج فعلًا.

و أما المقدمة غير الموصلة، فهي: تلك المقدمة التي يأتي بها المكلف و لم يتحقق منه فعلًا الاتيان بالواجب بعدها باختياره، كمن سافر الى الميقات لأجل الحج و لكنه لم يأت بالحج اختياراً.

و سميت الأولى بالموصلة؛ لأن المكلف توصل بها إلى الواجب النفسي فعلًا، و سميت الثانية بغير الموصلة؛ لأن المكلف رغم اتيانه بها لم يتوصل بها إلى الواجب النفسي.

و من ذلك يظهر أن المناط في تقسيم المقدمة الى موصلة و غير موصلة، هو: وقوع ذي المقدمة بعد الاتيان بالمقدمة أو عدم وقوعه، فإن فرض وقوعه بعدها، كانت المقدمة موصلة، و إلا، فهي غير موصلة (1).

الثانية: في بيان ما تبتني عليه هذه المسألة

قوله (قدس) ص 383: «قد يقال بأن المسألة مبنية على تعيين .... الخ».

إن البحث في كون الوجوب الغيري متعلقاً بخصوص الحصة الموصلة من المقدمة أو بطبيعي المقدمة و إن لم تكن موصلة، يبتني على تعيين الملاك و الغرض الذي من أجله وجبت المقدمة غيرياً أو تعلق بها الحب و الشوق الغيري على الأقل؛ و ذلك لأن الغرض لا يخلو من أحد أمرين تاليين:

الأول: التمكن من ذي المقدمة على نحو لو أتى المكلف بالمقدمة اصبح متمكناً من الاتيان بذي المقدمة بحيث لا يحول بينه و بين الاتيان بذي المقدمة سوى اختياره‏

____________

(1) ينبغي الالتفات إلى أنّ المناط في كون المقدمة موصلة أو غير موصلة و إن كان هو عبارة عن: وقوع ذي المقدمة و تحققه بعد الاتيان بالمقدمة أو عدم وقوعه كذلك، إلا أنّ ذلك لا يعني أنّ عدم وقوع ذي المقدمة بعد الاتيان بالمقدمة يوجب مطلقاً اتصاف المقدمة بكونها غير موصلة، بل إن الذي يوجب ذلك إنما هو خصوص عدم الوقوع و التحقق الذي يكون سببه اختيار المكلف نفسه.

وعليه، فلو فرض اتيان المكلف بالمقدمة بقصد التوصل بها إلى ذي المقدمة و لكن عرض له مانع خارج عن اختياره يحول دون تمكنه من الاتيان بذي المقدمة، فإن المقدمة في مثل هذه الحالة تدخل في نطاق المقدمة الموصلة و يشملها الوجوب الغيري حتى على القول باختصاصه بالمقدمة الموصلة.

443

و إرادته. فمن قطع المسافة الى الميقات يصبح متمكناً من الاتيان بالحج الواجب.

الثاني: حصول الواجب النفسي و تحققه خارجاً لا مجرد التمكن من اتيانه بحيث لو أتى بالمقدمة و لم يأت بالواجب النفسي لما كان الغرض متحققاً.

فإن كان الغرض هو الأول، فمن الطبيعي أن لا يحصل هذا الغرض بطبيعي المقدمة؛ لأن مجرد الاتيان بالمقدمة يجعله متمكناً من الاتيان بذي المقدمة، و لا يختص هذا الغرض بالحصة الموصلة، فيتعين- على ذلك- أن يكون الوجوب الغيري متعلقاً بطبيعي المقدمة تبعاً لغرضه القائم بحسب الفرض بطبيعي المقدمة.

و إن كان الغرض هو الثاني- أي: حصول الواجب النفسي لا مجرد التمكن منه- فسوف يختص هذا الغرض بالحصة الموصلة من المقدمة، و يثبت حينئذ اختصاص الوجوب الغيري بالمقدمة الموصلة تبعاً لغرضه.

و بهذا، يتبين أن المسألة مبتنية على تعيين و تحديد الملاك و الغرض الذي من أجله وجبت المقدمة غيرياً أو تعلق بها الحب و الشوق الغيري.

الثالثة: في بيان الأقوال في المسألة

قوله (قدس) ص 384: «و في المسألة قولان فقد ذهب .... الخ».

بعد أن تبين المقصود من المقدمة الموصلة و غير الموصلة، و اتضح الفرق بينهما، و المناط في تقسيم المقدمة الى هذين القسمين، و تبين أيضاً أن المسألة مبتنية على تعيين الملاك و الغرض من الواجب الغيري من حيث كونه مجرد التمكن من ذي المقدمة أو حصوله و تحققه فعلًا بعد المقدمة، يقع الكلام في هذه النقطة في بيان مقتضى التحقيق في هذه المسألة، من حيث اختصاص الوجوب الغيري بالمقدمة الموصلة أو شموله لغير الموصلة أيضاً ففي المسألة قولان سوف نستعرضهما مع بيان الدليل لكل قول منهما.

القول الأول: شمول الوجوب الغيري للمقدمة غير الموصلة

قوله (قدس) ص 384: «فقد ذهب صاحب الكفاية و جماعة إلى الأول .... الخ».

ذهب صاحب الكفاية و جماعة من الأصوليين إلى القول بأن متعلق الوجوب الغيري هو: طبيعي المقدمة لا خصوص الحصة الموصلة منها، الأمر الذي يعني: شمول ذلك الوجوب‏

444

للحصة غير الموصلة من المقدمة أيضاً.

دليل هذا القول:

قوله (قدس) ص 384: «و يمكن أن يبرهن على الأول .... الخ».

إن البرهان على أن الوجوب الغيري متعلق بطبيعي المقدمة لا خصوص الموصلة منها، هو: إن افتراض تعلق الوجوب الغيري بخصوص الحصة الموصلة إلى الواجب النفسي يلزم منه أن يكون الواجب النفسي قيداً في متعلق الوجوب الغيري؛ لأنه بحسب الفرض المقدمة بقيد الايصال إلى الواجب النفسي، فلو أتى بالمقدمة و لم يأت بالواجب النفسي، لم يكن قد أتى بمتعلق الوجوب الغيري؛ لأن المتعلق هو المقدمة بقيد الايصال الى الواجب النفسي.

فلو فرض تعلق الوجوب الغيري بالسفر إلى الميقات الذي يتحقق معه الحج فعلًا، فهذا يعني: أن تحقق الحج فعلًا قيد في متعلق الوجوب الغيري؛ إذ لو لم يكن قيداً لكان‏

الوجوب الغيري متعلقاً بذات السفر، و هو خلف كونه متعلقاً بالمقدمة الموصلة خاصة، فهذا هو معنى لزوم كون الواجب النفسي قيداً في متعلق الوجوب الغيري إذا فرض اختصاصه بالموصلة.

و من المعلوم: أن القيد مقدمة لحصول المقيد، و هذا يعني: كون الواجب النفسي مقدمة للواجب الغيري، و هو خلف الفرض؛ حيث إن الواجب الغيري هو المقدمة للواجب النفسي‏ (1).

و يتعين وفقاً لهذا البرهان كون الغرض من الواجب الغيري هو مجرد التمكن من ذي المقدمة و هو الواجب النفسي.

القول الثاني: اختصاص الوجوب الغيري بالمقدمة الموصلة

و القول باختصاص الوجوب الغيري بالحصة الموصلة من المقدمة هو ما ذهب إليه‏

____________

(1) و يلزم منه أيضاً اجتماع المثلين؛ و ذلك للزوم اتصافه بالوجوب الغيري لكونه مقدمة للواجب، فيلزم اجتماع الوجوب الغيري و الوجوب النفسي، و هو من اجتماع المثلين المستحيل، كما يلزم منه الدور؛ و ذلك لأنه سوف يلزم من وجوب الحصة الموصلة وجوب ذي المقدمة؛ لكون ذي المقدمة قيداً في متعلق الوجوب الغيري، مع أن وجوب المقدمة ناشئ من وجوب ذي المقدمة.

445

صاحب الفصول و جماعة من الأصوليين‏ (1).

دليل هذا القول:

قوله (قدس) ص 385: «و يمكن أن يبرهن على الثاني .... الخ».

إن القول بتعلق الوجوب الغيري بطبيعي المقدمة و نفي اختصاصه بالحصة الموصلة منها، يعني: افتراض كون الغرض من الواجب الغيري هو مجرد التمكن من ذي المقدمة- أي: الواجب النفسي- لا حصوله و تحققه فعلًا؛ لما ذكرناه سابقاً من ابتناء المسألة على تحديد و تعيين الغرض من حيث كونه هو مجرد التمكن أم هو حصول الواجب النفسي، و الحال أن الغرض من الوجوب الغيري ليس هو التمكن المذكور، بل حصول الواجب النفسي.

و الدليل على ذلك، هو: إن دعوى أن الغرض هو التمكن لا يخلو الحال فيها بين كون التمكن غرضاً نفسياً، أو غرضاً غيرياً.

فإن أريد به كونه غرضاً نفسياً، فهو باطل بالبداهة؛ فإن مجرد التمكن بما هو تمكن و بقطع النظر عن الواجب النفسي المتعلق بذي المقدمة لا معنى له، و لم يتعلق به غرض الشارع، مضافاً الى كونه خلف الفرض أيضاً؛ لأنه سوف يجعل المقدمة موصلة دائماً؛ لعدم انفكاكها عن التمكن الذي هو غرض نفسي، مع أننا نتكلم عن المقدمة التي تنفك خارجاً عن الغرض النفسي المتعلق بذي المقدمة.

و إن أريد به كونه غرضاً غيرياً، فلا بد و أن يفترض كونه طريقاً إلى غرض نفسي لا محالة؛ إذ وراء كل غرض غيري غرض نفسي، و إلا لما كان غرضاً غيرياً كما هو واضح، و ذلك الغرض النفسي الذي لا بد أن ينتهي إليه الغرض الغيري- و هو: التمكن- إما أن يكون متعلقاً بغير الواجب النفسي المفروض و كان متعلقاً بما هو مقدمة له، و إما أن يكون متعلقاً بحصول الواجب النفسي بصورة مباشرة، فإن كان الأول، لزم الخلف؛ لأن المفروض كون الغرض هو التمكن من الواجب النفسي لا غير، و إن كان الثاني، ثبت أن‏

____________

(1) منهم السيد الخوئي في كتاب الحج، ج 1، ص 347 حيث قال: «ان المتصف بالوجوب انما هو المقدمة الموصلة لا كل مقدمة».

446

الغرض من الواجب الغيري هو حصول الواجب النفسي، و إلا تسلسل الكلام حتى يعود إليه لا محالة.

و بهذا يثبت اختصاص الوجوب الغيري بالحصة الموصلة من المقدمة، و هذا هو الصحيح، و لكن هذا ليس بمعنى: أخذ الواجب النفسي قيداً في متعلق الوجوب الغيري كما توهمه أصحاب البرهان الأول، بل بمعنى: تعلق الوجوب الغيري بالمقدمة التي متى ما وجدت كان وجود الواجب بعدها مضموناً، على نحو يكون الايصال بتلك المقدمة إلى الواجب النفسي عنواناً مشيراً و معرفاً عن ذات المقدمة التي هي ملازمة مع تحقق ذي المقدمة خارجاً من دون أن يكون هناك تقييد أصلًا.

مشاكل تطبيقية:

قوله (قدس) ص 386 «استعرضنا فيما سبق أربع خصائص .... الخ»

تقدم فيما سبق في البحث عن خصائص الوجوب الغيري على القول به، إنه يمتاز

عن الوجوب النفسي بأربع خصائص و حالات، و تنص الثانية منها على أن امتثال الوجوب الغيري بما هو امتثال له لا يستتبع ثواباً مضافاً إلى ما يستتبعه امتثال الواجب النفسي من ثواب، و تنص الرابعة منها على أن الواجب الغيري توصلي، و أن متعلق الوجوب الغيري هو واقع المقدمة من دون دخالة لأي شي‏ء آخر فيها غير داخل في مقدميتها، من قبيل قصد القربة و الامتثال أو غير ذلك.

و كل واحدة من هاتين الخصوصيتين تواجه مشكلة تطبيقية بسبب ما ورد في الشريعة مما ظاهره أنه لا ينسجم معهما. و فيما يلي نقوم باستعراض هاتين المشكلتين، و نحاول ايجاد الحلول المناسبة لكل واحدة منهما بالنحو الذي لا يبقى معه أي تناف بين ما ثبت في الشريعة من جهة و بين ما ذكرناه من خصوصيات و حالات للوجوب الغيري.

المشكلة الأولى: منافاة الخصوصية الثانية لما دل على ترتب الثواب على المقدمات‏

قوله (قدس) ص 386: «و قد لوحظ أن ما ثبت من ترتب الثواب .... الخ».

دلت بعض الروايات على ترتب الثواب على جملة من المقدمات، و أن الواجب الذي تكون له مقدمات كثيرة أكثر ثواباً من الواجب الذي لا تكون له تلك المقدمات،

447

أو كانت مقدماته قليلة، من قبيل: ما يروى عن النبي (ص) من أن أفضل الأعمال أو العبادات أحمزها أو أشقها، الأمر الذي يعني: أن هذه الزيادة في الثواب إنما هي بلحاظ تلك المقدمات لا غير؛ لأنّ الواجب النفسي في الحالتين هو هو، فالصلاة بالنسبة لمن كانت قد توفرت لديه كل مستلزماتها، من: الماء للوضوء، و الساتر الطاهر، و المكان المباح، و غيرها من المستلزمات الأخرى، تكون أقل ثواباً من الصلاة التي يتوقف الوضوء لها على قطع مسافة معينة لاحضار الماء، ثم تدفئته فيما لو كان الجو بارداً- مثلًا- أو التي تتوقف على تطهير الساتر المتنجس، أو غير ذلك من المقدمات الأخرى. فلا شك في أن الصلاة في الحالة الثانية أكثر ثواباً منها في الحالة الأولى، و هذا يعني: ترتب الثواب على المقدمة، و هو ما ينافي الخصوصية الثانية القائلة بأن امتثال الوجوب الغيري المتعلق بالمقدمة لا يستتبع ثواباً.

الجواب على هذه المشكلة:

قوله (قدس) ص 386: «و الجواب أما فيما يتصل بالحالة الثانية .... الخ».

و الجواب على هذه المشكلة: أنه لا منافاة بين ما دل من الروايات على ترتب الثواب على المقدمة و بين ما ذكرناه سابقاً من أن امتثال الوجوب الغيري لا يستتبع ثواباً مضافاً الى الثواب الذي يستتبعه امتثال الوجوب النفسي المتعلق بذي المقدمة؛ و ذلك لأن الخصوصية الثانية لا تعني أكثر من عدم استتباع امتثال الوجوب الغيري بما هو امتثال له للثواب، و لا تنفي ترتب الثواب على المقدمة بما هي شروع في امتثال الوجوب النفسي، فإن المكلف قد يأتي بالمقدمة لا بقصد التوصل بها إلى امتثال الواجب النفسي، و قد يأتي بها بقصد الشروع في امتثال الواجب النفسي. و ما تنفيه الخصوصية الثانية هو ترتب الثواب على الأول لا ترتب الثواب على الثاني، و ما دلت عليه الروايات من ترتب الثواب على المقدمة ناظر الى الحالة الثانية، فلا منافاة.

و الوجه في ذلك، هو: إن دائرة الواجب النفسي الذي تكون مقدماته كثيرة أوسع من دائرة الواجب النفسي الذي لا تكون له تلك المقدمات، و نقطة الشروع في امتثال الواجب النفسي الأول أبعد منها في الثاني، فيكون الأول اكثر مشقة من الثاني. و هذا هو

448

معنى ما جاءت به الروايات من أن أفضل الاعمال و أكثرها ثواباً أكثرها مشقة.

و هذا من قبيل: أن يزورك شخصان متساويان في الأهمية، و لكن أحدهما أبعد مسافة عن بيتك من الآخر، فلا شك هنا في أنّ الأبعد منهما أكثر تفضلًا عليك من الآخر الأقرب إليك.

المشكلة الثانية: منافاة الخصوصية الرابعة لما دل على عبادية بعض المقدمات ( (1)

) لا شك في إنه قد ثبت في الشريعة عبادية بعض المقدمات، كالوضوء و الغسل و التيمم، و لزوم الاتيان بها بقصد القربة، فمن توضأ أو اغتسل أو تيمم من دون أن يقصد القربة بذلك الوضوء أو الغسل أو التيمم، فإنه لا يستطيع الصلاة بمثل هذا الوضوء أو الغسل أو التيمم، و الحال أنها مقدمات وجبت بالوجوب الغيري، و هذا ينافي الخصوصية

الرابعة للوجوب الغيري من أن الواجب الغيري توصلي.

الجواب على هذه المشكلة:

قوله (قدس) ص 386: «و أما فيما يتصل بالحالة الرابعة .... الخ».

و محصل الجواب على المشكلة السابقة، هو: إن القول بأن الواجب الغيري توصلي لا ينافي ما ثبت في الشريعة من عبادية بعض المقدمات كالوضوء و الغسل و التيمم و لزوم الاتيان بها بقصد القربة؛ و ذلك لأن توصلية الواجب الغيري لا تعني سوى عدم اعتبار قصد القربة في متعلق الوجوب الغيري بالنحو الذي يكون قصد القربة أمراً زائداً على المقدمة التي يتوقف عليها الواجب النفسي و خارجاً عنها، و لا تنفي اعتبار قصد القربة إذا فرض كونه داخلًا في المقدمة و جزءاً منها على نحو يكون الواجب النفسي متوقفاً على الفعل المقيد بقصد القربة (2)؛ و ذلك لأن المقدمة التي يتوقف عليها الواجب النفسي‏

____________

(1) هذه المشكلة و كيفية التخلص منها، قد أشار إليها الشيخ الأنصاري في مطارح الأنظار ص 71 و كذلك صاحب الكفاية في كفاية الأصول ص 111، فراجع‏

(2) و هذا المعنى يختص بالمقدمات الشرعية للواجب و لا يشمل المقدمات العقلية؛ لأنها مما يفرضه الواقع التكويني، و من المعلوم: عدم توقف الواجب تكويناً إلا على ذات الفعل، و هذا بخلاف المقدمات الشرعية؛ حيث أن التوقف بحسب جعل الشارع، فيمكن أن يكون التوقف على ذات الفعل، و يمكن أن يكون التوقف على الفعل المقيد بقصد القربة.

449

يمكن تصورها على نحوين:

الأول: أن تكون المقدمة هي ذات الفعل لا غير، كالسفر إلى الميقات بالنسبة للحج، فإن السفر بما هو سفر مقدمة للحج الواجب.

الثاني: أن تكون المقدمة هي الفعل المقيد بقصد القربة، كما هو الحال في الوضوء بالنسبة إلى الصلاة، فإن الوضوء بما هو وضوء ليس هو المقدمة للصلاة، بل الوضوء المقصود به القربة هو المقدمة.

و ما هو مناف للخصوصية الرابعة من خصوصيات الوجوب الغيري من اعتبار قصد القربة، إنما هو في النحو الأول من المقدمات؛ لأنها تنفي دخول أي شي‏ء آخر زائداً على ذات المقدمة في دائرة الواجب الغيري، و الخصوصية المتقدمة لا تنفي اعتبار قصد القربة اذا كان بالنحو الثاني من المقدمات؛ حيث إنه بهذا النحو داخل في مقدمية

المقدمة و ليس أمراً زائداً عليها.

وعليه، فإذا فرض كون المقدمة التي يتوقف عليها الواجب النفسي هي ذات الفعل، فلا يلزم أخذ قصد القربة في متعلق الوجوب الغيري؛ لأن متعلق الوجوب الغيري ليس هو إلا المقدار الذي يكون دخيلًا في مقدمية المقدمة، و الذي يتوقف عليه الواجب النفسي، و في هذه الحالة لا يتوقف الوجوب النفسي على أخذ قصد القربة في المقدمة؛ لأن المقدمة ليست هي إلا ذات الفعل.

و إذا فرض كون المقدمة التي يتوقف عليها الواجب النفسي هي الفعل المقيد بقصد القربة، كان متعلق الوجوب الغيري هو الفعل مع قصد القربة؛ و ذلك لأن قصد القربة في هذه الحالة ليس أمراً زائداً على ذات المقدمة، بل هو جزء منها و داخل في حقيقتها.

وعليه، فتوصلية الواجب الغيري إنما تنفي العبادية التي تكون خارجة عن ذات المقدمة التي يتوقف عليها امتثال الواجب النفسي، و لا تنفي العبادية التي هي جزء من تلك المقدمة، فلا منافاة بين ما ذكرناه سابقاً من كون الواجب الغيري توصليا، و بين ما ثبت في الشريعة من عبادية بعض المقدمات كالوضوء و الغسل و التيمم.

وعليه، ففي كل مورد قام الدليل الشرعي على عبادية مقدمة من المقدمات، استكشفنا انطباق ما ذكرناه عليه، و هو كون المقدمة ليست ذات الفعل، بل الفعل المقيد

450

بقصد القربة (1).

المشكلة الثالثة: منافاة العبادية للخصوصية الأولى‏

قوله (قدس) ص 387: «فإن قيل أ ليس قصد القربة ... الخ».

ثم إن هناك مشكلة أخرى تواجه افتراض عبادية المقدمة- حتى لو قلنا بعدم المنافاة

بين ما ذكرناه سابقاً من القول بأن الواجبات الغيرية توصلية و عبادية بعض المقدمات، بالتصوير المتقدم في الجواب عن المشكلة الثانية- و هي مشكلة المنافاة بين اعتبار قصد القربة في بعض المقدمات، و الخصوصية الأولى القاضية بعدم صلاحية الوجوب الغيري للتحريك المولوي؛ فإنّ قصد القربة معناه التحرك عن محرك مولوي لإيجاد الفعل، و الحال أنّ الوجوب الغيري لا يصلح للتحريك المولوي. و معه، لا يمكن للمكلف قصد القربة و الامتثال بالمقدمة، الأمر الذي يعني: عدم تمكن المكلف من امتثال الواجب النفسي المتوقف على هذا النحو من المقدمات.

الجواب على هذه المشكلة:

قوله (قدس) ص 387: «كان الجواب أن المحرّك المولوي نحوها .... الخ».

و الجواب على المشكلة المتقدمة يكمن في أن الوجوب الغيري المتعلق بالمقدمة و إن كان لا يصلح للتحريك المولوي، و لكن هذا لا يمنع من الاتيان بالمقدمة بقصد قربي. نعم، هو بحاجة إلى افتراض أمر مولوي محرك حتى يقصد التحرك عنه و امتثاله. و هنا يمكن افتراض أن المحرك المولوي نحو المقدمة هو نفس الوجوب النفسي المتعلق بذيها، لكن لا بنحو قصد الاتيان بالفعل بما هو فعل؛ فإن هذا غير صحيح؛ لأن الأمر النفسي لا يحرك إلا نحو متعلقه و ليس هو المقدمة، بل أن يتحرك عن الأمر النفسي‏

____________

(1) و بعبارة مختصرة: إن العبادية التي تنافي الخصوصية الرابعة، هي العبادية التي تفترض بعد تعلق الوجوب الغيري بالمقدمة، لا العبادية التي نفترضها قبل ذلك و التي تكون جزءاً من المقدمة و داخلة فيها.

و هذا الجواب، هو: الذي يظهر من كلمات صاحب الكفاية حيث قال فيها في ص 111:) التحقيق أن يقال: إن المقدمة فيها بنفسها مستحبة و عبادة، و غاياتها إنما تكون متوقفة على إحدى هذه العبادات، فلا بد أن يؤتى بها عبادة، و إلا فلم يؤت بما هو مقدمة لها، فقصد القربة فيها إنما هو لاجل كونها في نفسها أموراً عبادية و مستحبات نفسية».

451

المتعلق بذي المقدمة نحو المقدمة بقصد التوصل بها إلى ذي المقدمة، على نحو لو قيل له: «لما ذا أتيت بالمقدمة؟» لأجاب بأنه قد أتى بها بقصد التوصل من خلالها إلى امتثال الوجوب النفسي المتعلق بذي المقدمة، و هذا يكفي محركاً نحو المقدمة، فيقصد بها القربة و الامتثال.

كما إنه يمكن افتراض وجود أمر نفسي مولوي متعلق بالمقدمة بقطع النظر عن مقدميتها، فيتحرك عن نفس ذلك الأمر النفسي المتعلق بها فتقع منه عبادة و يتمكن من امتثال الواجب النفسي المتوقف على تلك المقدمة، كما هو الحال في الوضوء على القول باستحبابه النفسي‏ (1).

____________

(1) هذا الجواب بشقه الأخير، و هو: افتراض تعلق الأمر النفسي بالمقدمة بقطع النظر عن مقدميتها، لا ينسجم مع طبيعة المشكلة المطروحة في المقام؛ لأن منشأ المشكلة أساساً هو افتراض تعلق الأمر الغيري بالمقدمة العبادية بقطع النظر عن تعلق أمر نفسي آخر بها بقطع النظر عن مقدميتها أو لا، الأمر الذي يعني عدم تمكن المكلف من قصد القربة بهذه المقدمة لعدم وجود المحرك نحوها؛ لأن التحرك إما أن يكون من قبل الوجوب الغيري المتعلق بها، أو من قبل الوجوب النفسي المتعلق بذيها، و الأول غير صالح للتحريك، و الثاني لا يحرك إلا نحو متعلقه و ليس هو إلا ذي المقدمة، فما تعلق بها لا يصلح للتحريك، و ما لا يتعلق بها غير نافع، هذا هو أساس المشكلة المطروحة في المقام.

إذن، افتراض تعلق أمر نفسي بالمقدمة بقطع النظر عن مقدميتها لا يحل المشكلة؛ إذ ليس كل المقدمات من هذا القبيل كما هو واضح.

نعم، الشق الأول من الجواب يكون صالحاً لحل المشكلة و بلحاظ جميع المقدمات التي يفرض كونها عبادية، سواء قلنا بتعلق الأمر النفسي بها بقطع النظر عن مقدميتها أم أنكرنا ذلك.

نعم، لو كان الملحوظ في المشكلة خصوص ما ورد في الفقه من عبادية الوضوء و الغسل و التيمم دون سائر المقدمات الأخرى لعدم ثبوت عباديتها، لكان الجواب المتقدم تاماً بكلا شقيه.

452

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

453

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

454

الدليل العقلي دلالة الأوامر الاضطرارية و الظاهرية على الاجزاء

455

دلالة الأوامر الاضطرارية و الظاهرية على الاجزاء

تمهيد في عدة نقاط:

الأولى: في بيان المقصود بالأوامر الاضطرارية و الظاهرية

المقصود بالأوامر الاضطرارية، هو: تلك الأوامر التي تشرع للمكلف في حال الاضطرار، و ذلك فيما لو عجز عن أداء الواجب الأصلي المشترك بينه و بين غيره من المكلفين، كمن عجز عن أداء الصلاة من قيام و شرعت له الصلاة من جلوس، فالأمر بالصلاة من جلوس بالنسبة للمكلف الذي عجز عن الصلاة من قيام، هو المسمى بالأمر الاضطراري‏ (1).

و المقصود بالأوامر الظاهرية، هو: تلك الأوامر التي تشرع للمكلف في حالة الجهل و عدم العلم بالأحكام الواقعية و عدم وصولها إليه، كما لو دلت الأمارة على وجوب صلاة الظهر في ظهر يوم الجمعة، أو دلت على طهارة الثوب المعيّن، فالحكم بأن الواجب هو صلاة الظهر في يوم الجمعة، أو أن الثوب المعيّن طاهر حكم ظاهري.

فموضوع الأوامر الاضطرارية، هو: الواجبات الأصلية التي يعجز المكلف عن الاتيان بها، و موضوع الأوامر الظاهرية، هو: الواجبات الواقعية التي لم تصل الى المكلف‏ (2).

____________

(1) ثم أن الأوامر الاضطرارية لا تختص بحالة العجز التكويني بل تشمل أيضاً موارد التقية، كمن توضأ للصلاة بغير الطريقة المأمور بها بالأمر الأولي تقية و صلّى بذلك الوضوء اضطراراً ثم ارتفع العذر بزوال ظرف التقية

(2) اعلم أن الأمر قد يتعلق بشي‏ء مع قطع النظر عن طرو الطوارئ و العوارض من الجهل و الاضطرار و نحوهما، و قد يتعلق به بملاحظة الطوارئ و العوارض، فالأمر الذي تعلق بالشي‏ء بعنوانه و بقطع النظر عن العوارض الخارجية يسمى أمراً واقعياً، و أما الأمر الذي تعلق بالشي‏ء بملاحظة الطوارئ و العوارض، فتارة يكون الطارئ أو العارض عبارة عن: الجهل بالحكم الواقعي، و تارة أخرى يكون هو عبارة عن: العجز عن اتيان المأمور به بالأمر الواقعي، و ما تعلق بالشي‏ء بملاحظة طرو العجز عن الواقع يسمى أمراً اضطرارياً، و واقعياً ثانوياً، و ما تعلق بالشي‏ء مع طرو الجهل بالحكم الواقعي يسمى أمراً ظاهرياً، كموارد الأمارات و الأصول العملية.