بداية الوصول في شرح كفاية الأصول‏ - ج6

- الشيخ محمد طاهر آل راضي المزيد...
404 /
51

[الجواب عنه بمنع الصغرى اذا اريد بالضرر العقوبة]

و الصواب في الجواب: هو منع الصغرى، أما العقوبة فلضرورة عدم الملازمة بين الظن بالتكليف و الظن بالعقوبة على مخالفته، لعدم الملازمة بينه و العقوبة على مخالفته، و إنما الملازمة بين خصوص معصيته و استحقاق العقوبة عليها، لا بين مطلق المخالفة و العقوبة بنفسها، و مجرد الظن به بدون دليل على اعتباره لا يتنجز به، كي يكون مخالفته عصيانه (1).

____________

ضرر محتمل فضلا عن ان يكون مظنونا من حيث انه امر جبلّي له فهو يستقل به «و لو لم يستقل العقل بالتحسين و التقبيح» العقليين، و هذا ملاك لاستقلال العقل بلزوم دفع الضرر المظنون في قبال ملاكه بالتحسين و التقبيح، و اذا كان العاقل ممن يرى قاعدة التحسين و التقبيح العقليين فيكون التزامه بدفع الضر المظنون لانه من جبليات العقلاء مثل التزامه بفعل ما استقل العقل بحسنة و ترك ما استقل بقبحه، و الى هذا اشار بقوله: «مثل الالتزام» هذا هو الخبر ليكون أي يكون التزامه بدفع الضرر المظنون مثل الالتزام منه «بفعل ما استقل بحسنه اذا قيل باستقلاله».

و قد اشار الى ان الملاك في وجوب دفع الضرر المظنون هو الطريق الثاني دون قاعدة التحسين و التقبيح، لان قاعدة وجوب دفع الضرر المظنون مما اطبق عليها العقلاء كلهم، مع ان قاعدة التحسين و التقبيح مما وقع الخلاف فيها، فلا بد و ان يكون الملاك فيها غير ما فيه الاختلاف بقوله: «و لذا اطبق العقلاء عليه مع خلافهم في استقلاله» أي في استقلال العقل «بالتحسين و التقبيح».

(1) قد عرفت ان الصغرى هي ان الظن بالتكليف يستلزم الظن بالضرر لانه مستلزم للظن بالعقوبة و الظن بالمفسدة.

و حاصل الجواب: ان الظن بالتكليف لا يستلزم الظن بالعقوبة فلا ظن بالضرر من جهة العقوبة، و يستلزم الظن بالمفسدة و لكنه ليس ظنا بالضرر، فمن ناحية العقوبة الظن بالتكليف لا يستلزم الظن بها عند المخالفة فلا ظن بالضرر، و من ناحية

52

.....

____________

المفسدة يستلزم الظن بالتكليف الظن في الوقوع فيها عند المخالفة و لكنه ليس ظنا بالضرر.

اما في العقوبة فلا ملازمة بين الظن بالتكليف و الظن بالعقوبة لان المفروض انه لم تقم حجة من الشارع على اعتبار الظن، و انما يراد اثبات الحجية للظن بهذه القاعدة، فمع الغض عن هذه القاعدة فهو مما لم يقم على اعتباره حجة، و لا اشكال ان الحاكم باستحقاق العقاب هو العقل، و العقل انما يحكم باستحقاق العقاب على مخالفة التكليف الواصل اما بالقطع او بقيام الحجة المعتبرة عليه، و حيث لم يصل التكليف بالقطع لان المفروض انه ظن بالتكليف و لم تقم حجة معتبرة على اعتبار الظن فالتكليف على فرضه لا يكون و اصلا، و ما لم يكن التكليف و اصلا فلا تكون مخالفته مما تقتضي استحقاق العقاب.

و من الواضح ان قاعدة قبح العقاب بلا بيان المراد منها هو البيان الواصل لا مطلق البيان و ان كان لم يصل، فمع حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان و اصل لا يعقل ان يرى الملازمة بين الظن بالتكليف المفروض عدم وصوله من غير جهة وجوب دفع الضرر المحتمل و الظن بالعقاب، مع انه يشترط في البيان الوصول، و لا يكتفى بالبيان الواقعي و ان لم يصل فليس في مخالفة التكليف و ان كان مظنونا ظن بالعقوبة، و لا ملازمة بين الظن بالتكليف و الظن بالعقوبة، و اما وصول التكليف بقاعدة وجوب دفع الضرر المظنون فهو دور واضح، لان كونه ضررا مظنونا يتوقف على وصوله، فاذا كان وصوله متوقفا على كونه ضررا مظنونا لزم الدور.

و على كل فقد اتضح ان الملازمة بين عصيان التكليف- و هو مخالفة التكليف الواصل بالحجة المعتبرة- و بين استحقاق العقاب، و لا ملازمة بين مطلق مخالفة التكليف- و ان لم يصل- و استحقاق العقاب، فلا ملازمة بين الظن بالتكليف المفروض عدم قيام الحجة المعتبرة عليه، و بين الظن بالعقوبة على مخالفته، و لذا قال (قدس سره): «اما العقوبة» أي كون الظن بالتكليف مما يستلزم الظن بالعقوبة «ف»

53

إلا أن يقال: إن العقل و إن لم يستقل بتنجزه بمجرده، بحيث يحكم باستحقاق العقوبة على مخالفته، إلا أنه لا يستقل أيضا بعدم استحقاقها معه، فيحتمل العقوبة حينئذ على المخالفة، و دعوى استقلاله بدفع الضرر المشكوك كالمظنون قريبة جدا (1)، لا سيما إذا كان هو العقوبة

____________

ممنوع «لضرورة عدم الملازمة بين الظن بالتكليف» غير الواصل بحجة معتبرة «و الظن بالعقوبة على مخالفته لعدم الملازمة بينه» أي بين مطلق الظن بالتكليف و ان لم يصل «و العقوبة على مخالفته و انما الملازمة بين خصوص معصيته» و هي مخالفة التكليف الواصل بحجة معتبرة «و» بين «استحقاق العقوبة عليها لا بين مطلق المخالفة» للتكليف و ان لم يصل «و العقوبة بنفسها» أي ليس بين نفس المخالفة مطلقا و بين نفس العقوبة ملازمة «و» ان من الواضح ان «مجرد الظن به» أي بالتكليف «بدون دليل على اعتباره» أي على اعتبار هذا الظن بالتكليف لا يكون ذلك التكليف و اصلا بمجرد قيام هذا الظن عليه الذي لا دليل على اعتباره، فلا يكون ذلك التكليف بهذا الظن و اصلا «و لا يتنجز به» أي و لا يتنجز بهذا الظن التكليف «كي يكون مخالفته» أي مخالفة هذا التكليف المظنون «عصيانه» أي عصيانا لذلك التكليف، و انما العصيان هي المخالفة للتكليف الواصل بالقطع او بحجة شرعيّة.

(1) توضيحه يتوقف على بيان امرين:

الاول: ان العقل كما يستقل بوجوب دفع الضرر المظنون كذلك يستقل ايضا بدفع الضرر المحتمل أي المشكوك، فدفع الضرر المشكوك كدفع الضرر المظنون لازم بحكم العقل كما مرّت الاشارة اليه.

الثاني: ان العقل قد يستقل بالحكم على الشي‏ء وجودا و عدما، كما هو حكمه عند العدلية بقبح الظلم و بأنّ ما لا ظلم فيه لا قبح فيه، و لذا حكموا بقبح مخالفة المولى في ترك حكمه الواصل الى المكلف، لانه ظلم من العبد لمولاه و خروج منه عن‏

54

.....

____________

رسم العبودية و زي الرقيّة، و بعدم قبح المخالفة عند عدم وصول التكليف لان مخالفة العبد لتكليف المولى غير الواصل ليس ظلما منه لمولاه، و لا خروجا منه عن رسم العبودية و زي الرقيّة، بل حكموا بقبح عقاب المولى لعبده على مخالفة تكليفه غير الواصل بحجة معتبرة، و لذا قالوا بقبح العقاب بلا بيان و اصل، لانه ظلم من المولى لعبده لعدم وصول تكليفه اليه بالحجة المعتبرة، و على هذا فالعدلية يحكمون باستقلال العقل على عدم استحقاق العقاب في مخالفة التكليف المظنون فضلا عن المشكوك حيث لا تقوم حجة معتبرة على وصوله.

و قد يستقل العقل بعدم صحة قاعدة التحسين و التقبيح العقليين كما يدعيه الاشعري المنكر للحسن و القبح العقليين، فلا يرى عقل الاشعري بأسا في صحة العقاب على البيان الواقعي غير الواصل، و على هذا فالاشعري لا بد و ان يرى لزوم الاتيان بالحكم المظنون لملازمته للظن بالعقوبة بناء على رأيه و يجب دفع الضرر المظنون.

و قد يكون العقل غير مستقل بالحكم على الشي‏ء لا وجودا و لا عدما، كعقل من لم تتم عنده قاعدة الحسن و القبح العقليين، و لم يقل بمقالة الاشعري في صحة عقاب من لم يصل اليه التكليف، فعقل هذا القسم الثالث لا استقلال له باستحقاق العقوبة على مخالفة التكليف المظنون غير الواصل، و لا استقلال له ايضا بعدم استحقاق العقوبة على مخالفته، فهو شاك في صحة العقوبة على مخالفة و عدم صحتها.

و لازم هذا القسم الثالث هو لزوم اتيان التكليف المظنون، لانه و ان كان لا يقطع بالملازمة بين الظن بالتكليف و الظن بالعقوبة، لانه لا استقلال للعقل عنده باستحقاق العقوبة على مخالفة التكليف غير الواصل حتى تتحقق الملازمة بين الظن بالتكليف و الظن بالعقوبة- الّا انه حيث يحتمل صحة العقوبة على مخالفته فهو شاك في الضرر، و هي العقوبة، و دفع الضرر المشكوك كالضرر المظنون واجب، فلازم الظن بالتكليف الشك في العقوبة و العقوبة ضرر، و دفع الضرر المشكوك واجب، فهو

55

الاخروية، كما لا يخفى (1).

و أما المفسدة فلانها و إن كان الظن بالتكليف يوجب الظن بالوقوع فيها لو خالفه، إلا أنها ليست بضرر على كل حال، ضرورة أن كل ما يوجب قبح الفعل من المفاسد لا يلزم أن يكون من الضرر على فاعله،

____________

لا يقول بلزوم الإتيان بالتكليف المظنون للملازمة بين الظنين، و لكنه يقول بلزوم اتيانه من حيث الملازمة بين الظن بالتكليف و الشك في العقوبة.

فظهر مما ذكرنا: ان ما في المتن- في الّا ان يقال- مبني على هذا الرأي الاخير، و لذا قال (قدس سره): «الّا ان يقال ان العقل و ان لم يستقل بتنجزه» أي بتنجز التكليف الواقعي غير الواصل «بمجرده» أي بمجرد بيانه واقعا من دون وصوله «بحيث يحكم باستحقاق العقوبة على مخالفته» و ان لم يصل «إلّا انه» كما لا يستقل باستحقاق العقوبة عليه كذلك «لا يستقل ايضا بعدم استحقاقها» أي بعدم استحقاق العقوبة «معه» أي مع كون التكليف مظنونا غير و اصل. و قد عرفت انه على هذا و ان كان لا ملازمة بين الظن بالتكليف و الظن بالعقوبة، الّا انه تتحقق الملازمة بين الظن بالتكليف و الشك في العقوبة على مخالفته، و لذا فرع عليه بقوله: «فيحتمل العقوبة حينئذ على المخالفة».

و اذا تمت هذه الصغرى و هي ان الظن بالتكليف مستلزم لاحتمال العقوبة يضم اليها الكبرى و هي لزوم دفع الضرر المشكوك كلزوم دفع الضرر المظنون، و لذا عقبه بقوله: «و دعوى استقلاله» أي دعوى استقلال العقل «بدفع الضرر المشكوك ك» استقلاله بدفع الضرر «المظنون قريبة جدا».

(1) وجه هذا التخصيص المشعر بالتأكيد هو ان العقوبة الدنيوية مهما كانت فهي اخف مئونة من العقوبة الاخروية لانها غضب اللّه عزّ و جل، نعوذ بلطفه من غضبه و برحمته من نقمته و هو أرحم الراحمين.

56

[منع الصغرى اذا اريد بالضرر المفسدة]

بل ربما يوجب حزازة و منقصة في الفعل، بحيث يذم عليه فاعله بلا ضرر عليه أصلا، كما لا يخفى (1).

____________

(1) قد مرّ دعوى ان الظن بالتكليف له ملازمان: الظن بالعقوبة و الظن بالمفسدة من جهة تبعية الاحكام للمصالح و المفاسد، و قد عرفت الحال في الملازم الاول.

و اما الملازم الثاني و هو كون الظن بالتكليف يلازمه الظن بالوقوع في المفسدة في مخالفته- فشرع في الجواب عنه بقوله: «و اما المفسدة».

و يتلخص ما في المتن في اجوبة ثلاثة عنه:

الاول: مبني على تسليم تبعية الاحكام للمصالح و المفاسد في المأمور به و المنهي عنه، فلا محالة يستلزم الظن بالتكليف الظن في الوقوع في المفسدة عند المخالفة.

الا انا ننكر كون كل وقوع في المفسدة ضررا، فالظن بالتكليف و ان استلزم الظن بالوقوع في المفسدة إلّا انه لا يستلزم الظن بالضرر حتى تأتي الكبرى و هي لزوم دفع الضرر المظنون، و انما لا يستلزم ذلك لان الاحكام و ان كانت تابعة للمصالح و المفاسد في متعلقاتها إلّا ان المصالح و المفاسد فيها مصالح نوعية و مفاسد نوعية لا شخصية، و قد عرفت ان الوجه في لزوم دفع الضرر المظنون هو كونه من الجبليات لكل ذي عقل و شعور، و ان كل ذي عقل و شعور يفرّ بجبلّته من الضرر المظنون، و من الواضح ان الفرار الذي يكون عن جبلّة هو الفرار عن الضرر الشخصي دون الضرر النوعي، فالمرتكب للمفسدة القطعيّة النوعية لا يكون مرتكبا لما يفرّ العقلاء بجبلتهم عنه حتى يكون من صغريات لزوم دفع الضرر، و انما يكون مرتكبا للقبيح.

و بعبارة اخرى: ان حسن الفعل و قبحه الذي يكون مناطا للاحكام مربوط بما فيه المصلحة النوعية و المفسدة النوعية، فالمخالف للحكم الواقعي الواصل بالعلم- الذي هو عصيان قطعا و يستحق العقاب عليه جزما- قد ارتكب قبيحا و لكنه لم يرتكب ضررا، و لا ملازمة بين ارتكاب القبيح و ارتكاب المضرّ.

57

.....

____________

و منه يتبيّن الحال في محل الكلام، فان الظن بالتكليف- بعد ان كانت التكاليف تابعة للمصالح و المفاسد النوعية- لا يكون ملازمة بين مخالفة التكليف فيها و الظن بالضرر، و لذا قال (قدس سره): «و اما المفسدة فلانها» بناء على تبعية الاحكام للمصالح و المفاسد في متعلقاتها «و ان كان الظن بالتكليف يوجب الظن بالوقوع فيها لو خالفه» أي الوقوع في المفسدة لو خالف التكليف، فالملازمة المسلمة هي الملازمة بين الظن بالتكليف و بين الوقوع في المفسدة عند المخالفة للتكليف «إلّا انها ليست بضرر على كل حال» أي الوقوع في المفسدة النوعية التي هي مناط التكليف ليس وقوعا في الضرر، لما عرفت من ان الضرر الذي يجب دفعه هو الضرر الشخصي لا النوعي، و قد عرفت ايضا انه لا ملازمة بين فعل الفاعل للقبيح و بين فعله لما هو ضرر عليه، و لذا قال: «ضرورة ان كلما يوجب قبح الفعل من المفاسد لا يلزم ان يكون من الضرر على فاعله» كما مرّ بيانه واضحا في المخالفة القطعية للتكليف القطعي الواصل، فالعاصي و ان كان قد ارتكب قبيحا يستحق عليه العقاب قطعا، الّا انه لا يكون مرتكبا لما هو ضرر عليه، و لذا قال: «بل ربما يوجب حزازة و منقصة في الفعل بحيث يذم عليه فاعله بلا ضرر عليه اصلا».

و لا يخفى انه لما كان الغالب في مناطات الاحكام هي المصالح و المفاسد النوعية، و الّا فقد يكون المناط هو المصلحة و المفسدة الشخصيّة- اشار الى ذلك بقوله: «ربما».

و يكون المتحصّل من هذا الجواب هو نفي الايجاب الكلي، و هو كون كل ظن بالتكليف مستلزما للظن بالضرر من ناحية الوقوع في المفسدة، و قد اشار الى هذا ايضا في صدر كلامه بقوله: «ليست بضرر على كل حال».

لا يقال: ان المصنف قد اعترف بان الظن بالتكليف ملازم للظن بالوقوع في المفسدة، و المفسدة حينئذ كانت شخصية فيجب دفعها بملاك فرار كل ذي شعور من الضرر، و ان كانت نوعية فيجب دفعها بملاك قاعدة الحسن و القبح.

58

و أما تفويت المصلحة، فلا شبهة في أنه ليس فيه مضرّة، بل ربما يكون في استيفائها المضرة (1)، كما في الاحسان‏

____________

فانه يقال: ان المفسدة حيث لم يتحقق كونها شخصية فلا يجب دفعها بملاك فرار كل ذي شعور من الضرر، فلم يبق إلّا احتمال كونها نوعية، و لا بد حينئذ من انكار انطباق قاعدة الحسن و القبح عليها، و انه لا بناء من العقلاء على ذم مرتكب الضرر اذا كان ارتكابه لاجل جلب منفعة، و كيف ذلك و نرى العقلاء يرتكبون المضار المحققة اذا كان ارتكابها لاجل جلب منفعة.

و مما ذكرنا يعلم ان المفسدة اذا كانت شخصية فلا يجب دفعها ايضا بملاك فرار كل ذي شعور من الضرر، فانه انما يكون ذلك اذا لم يكن في ارتكابها جلب منفعة.

(1) هذا هو الجواب الثاني، و حاصله: انا لا نسلم ان كل ظن بالتكليف يستلزم الظن بالوقوع بالمفسدة، فان التكليف اما وجوبي او تحريمي، و التكليف التحريمي هو المعلول للمفسدة، و اما التكليف الوجوبي فهو معلول للمصلحة، فمخالفة التكليف التحريمي المظنون يستلزم الظن بالوقوع في المفسدة، و اما مخالفة التكليف الوجوبي المظنون انما يستلزم الظن بتفويت المصلحة، و فوت المصلحة فوت المصلحة لا وقوع في المفسدة، و الّا لرجع كل وجوب الى التحريم و هو واضح الفساد.

فلو سلّمنا ان بعض الظن بالتكليف يستلزم الظن بالوقوع في المفسدة و ان المفسدة مضرة، و لكن لا نسلّم ان كل ظن بالتكليف يستلزم ذلك، و انما يختص هذا التلازم في الظن بالتكليف التحريمي دون الوجوبي، فان اللازم في مخالفة التكليف الوجوبي هو الظن بفوت المصلحة دون الوقوع في المفسدة. و لا يخفى ان مرجع هذا الجواب الى نفي الايجاب الكلي.

و الحاصل: إنّا لو سلّمنا هذه الملازمة فانما نسلمها في الظن بالتكليف التحريمي دون الظن بالتكليف الوجوبي، و لذا قال: «و اما تفويت المصلحة فلا شبهة ... الى آخر الجملة».

59

بالمال (1).

هذا مع منع كون الاحكام تابعة للمصالح و المفاسد في المأمور بها و المنهي عنها، بل إنما هي تابعة لمصالح فيها، كما حققناه في بعض فوائدنا.

و بالجملة: ليست المفسدة و لا المنفعة الفائتة اللتان في الافعال و أنيط بهما الاحكام بمضرة (2)، و ليس مناط حكم العقل بقبح ما فيه المفسدة أو

____________

(1) كما في الزكاة فمن الواضح ان الزكاة من الاحكام الوجوبية، و هي وجوب اعطاء من ملك النصاب عشر ما فيه النصاب الى الغير.

و لا إشكال ان في هذا الحكم مصلحة عائدة الى الغير، و ليس في ترك المصلحة العائدة الى الغير مضرة على التارك، بل في الاعطاء نقص مالي على المعطي و هو ضرر عليه.

فاتضح ان مخالفة الحكم الايجابي المنبعث عن المصالح هو تفويت للمصلحة النوعيّة، و ربما يكون في اطاعته ضرر شخصي على المطيع كما عرفت في المثال، و لذا قال (قدس سره): «و اما تفويت المصلحة» بمخالفة الحكم الايجابي المنبعث عن المصلحة اللزومية «فلا شبهة في انه ليس بمضرة» و انما هو دائما تفويت المصلحة «بل ربما يكون» كما في مثل المثال «في استيفائها» أي في استيفاء المصلحة بالاطاعة «المضرة» على المطيع «كما في الاحسان بالمال» في اعطاء ماله الى الغير.

و قد عرفت ان الغرض من هذا الجواب هو رفع الايجاب الكلي و انه ليس في كل ظن بالحكم ظن بالمضرة من ناحية الوقوع في المفسدة.

(2) و هذا هو الجواب الثالث، و حاصله: ان كون الظن بالحكم مستلزما للظن بالضرر في مخالفته مع تسليمه انما هو بناء على تبعية الاحكام للمصالح و المفاسد في المتعلق للحكم، و اما لو قلنا بتبعية الاحكام للمصالح في نفس الحكم كما هو واضح في مثل الاوامر الامتحانية فلا يكون الظن بالحكم مستلزما للظن بالضرر في مخالفته من ناحية الوقوع في المفسدة، اذ على هذا ليس في المتعلق مفسدة او مصلحة حتى يكون‏

60

حسن ما فيه المصلحة من الافعال- على القول باستقلاله بذلك- هو كونه ذا ضرر وارد على فاعله أو نفع عائد إليه، و لعمري هذا أوضح من أن يخفى، فلا مجال لقاعدة دفع الضرر المظنون هاهنا أصلا (1)، و لا استقلال‏

____________

مخالفة التكليف مستلزمة للوقوع في ذلك، بل الاحكام على هذا تكون تابعة للمصلحة في نفس الحكم بها، و قد استوفيت بنفس الحكم المشرع من قبل الشارع، و المتعلق خال عما هو السبب في هذا الحكم.

و لا يخفى ان الغاية من هذا الجواب ايضا دفع الايجاب الكلي، فان المصنف لا يلتزم بان الاحكام كلها من هذا القبيل، بل في بعض الاحكام يقول بالامرين معا، فانه يلتزم بوجود المصلحة و المفسدة في المتعلق مع التزامه بالمصلحة ايضا في نفس الحكم.

و لا يخفى ان قوله: «و بالجملة» ... الى قوله «اصلا» هو تلخيص لما مرّ.

(1) حاصله: انه بناء على مذهب العدلية من استقلال العقل و عدم تردّده في حكمه باستحقاق العقاب على المعصية و فعل ما فيه المفسدة و تقبيح فاعلها، و حكمه بحسن الاطاعة و فعل ما فيه المصلحة و مدح فاعلها، مع بنائهم ايضا على تبعية الاحكام للمصالح و المفاسد في متعلقاتها، لا يستلزم الملازمة بين الظن بالتكليف و الظن بالضرر الشخصي على الفاعل في مقام مخالفته لما ظنه فيكون من الضرر المظنون الذي يجب دفعه، لان العدلية الملتزمين بهذين الامرين ملتزمون بان المصالح و المفاسد نوعيّة، و قد عرفت ان قاعدة لزوم دفع الضرر المظنون منوطة بالضرر الشخصي دون النوعي.

و الحاصل: ان حكم العقل باستحقاق العقاب و الثواب و الذم و المدح منوط بقاعدة الحسن و القبح العقليين الذي مناطهما الظلم و العدل، و ان المخالفة و العصيان ظلم في مقام العبودية و الامتثال، و الاطاعة عدل في مقام العبودية، و لا ربط له بقاعدة دفع الضرر.

61

للعقل بقبح فعل ما فيه احتمال المفسدة أو ترك ما فيه احتمال المصلحة (1)،

____________

و قد عرفت ايضا انه لا تردّد للعقل عندهم في حكمه بان ذلك في التكليف الواصل دون التكليف الذي لم يصل بحجة شرعية و لا تردّد لهم في ذلك.

و اما من ناحية تبعية الاحكام للمصالح و المفاسد حتى يكون مورد قاعدة دفع الضرر من هذه الجهة فقد عرفت ايضا انهم يقولون بتبعيّة الاحكام للمصالح و المفاسد النوعية دون الشخصية فلا ملازمة ايضا.

و قد اشار الى كلا هذين الامرين بقوله: «و ليس مناط حكم العقل بقبح ما فيه المفسدة أو حسن ما فيه المصلحة».

و اشار الى ابتنائه على مذهب العدلية في المقامين بقوله: «على القول باستقلاله بذلك».

و اشار الى ان المصالح و المفاسد عندهم التي هي مناطات الاحكام نوعيّة لا شخصية بقوله: «هو كونه ذا ضرر وارد على فاعله» أي ليس مناط حكم العقل بقبح المفسدة و حسن المصلحة هو المفسدة و المصلحة الشخصيّة حتى يكون الظن بالتكليف ملازما للظن بالضرر في المخالفة من ناحية علل الاحكام، لانها نوعيّة لا شخصيّة، و لذا قال (قدس سره): «فلا مجال لقاعدة دفع الضرر المظنون هاهنا اصلا» لا من ناحية الظن بالعقوبة لان المفروض ان التكليف غير واصل، و لا من ناحية المفسدة لانها نوعية لا شخصية.

(1) يشير بهذا الى ما عن شيخ الطائفة في العدّة من دعوى استقلال العقل بقبح فعل ما فيه احتمال المفسدة، و ان الاقدام على ما لا يؤمن مفسدته كالاقدام على ما علم مفسدته، و هذا مناط آخر للزوم اتباع الظن بالتكليف، فان الظن بالتكليف و ان كان لا يستلزم الظن بالمفسدة إلّا انه يلازم احتمال المفسدة، و لو لاحتمال كون المفسدة شخصية، و العقل مستقل بقبح فعل محتمل المفسدة، فعلى هذه القاعدة يلزم اتيان التكليف المظنون، لانه لا اشكال في استلزامه لاحتمال المفسدة، و ان كان لا يلازم‏

62

.....

____________

الظن بها، و لكن احتمالها كاف في الحكم بقبح الفعل الذي هو مخالفة التكليف المظنون.

فالمتحصّل من هذه القاعدة: هو لزوم الاتيان لحكم العقل بقبح المخالفة لا من جهة وجوب دفع الضرر، بل حكم العقل بالقبح هو بنفسه مدرك للزوم ترك مخالفة التكليف المظنون، و بناء على كون ترك المصلحة هو مفسدة ايضا يكون مخالفة ما فيه احتمال المصلحة داخلا في هذه القاعدة ايضا.

و لا يخفى ان ظاهر كلام الشيخ ان المراد من المفسدة ليست هي العقوبة حتى يعود الجواب الذي تقدم، بل المراد منه هو ظاهره و هو المفسدة، و لكن مدرك ترك المفسدة هو حكم العقل بقبح فعل ما فيه احتمال المفسدة، لان الشيخ في العدّة استدل على لزوم ترك محتمل المفسدة بانه كالذي علم مفسدته بقبح اخبار المخبر عمّا لا يعلم كذبه كقبح الاخبار بما علم كذبه.

و فيه اولا: منع هذه الدعوى، و انه لا استقلال للعقل بقبح فعل ما فيه احتمال المفسدة، و قياسه المقام بالاخبار و ان ما لم يعلم كذبه كالذي علم كذبه قياس مع الفارق، لان قبح الاخبار عما لم يعلم كذبه انما هو من ناحية القبح المخبري لا القبح الخبري، فان المدار في القبح في الاخبار هو الاخبار عما لا يعتقد صدقه، و لما كان المخبر عما لم يعلم كذبه لا يعتقد صدقه فلذا كان قبيحا، و السبب في كون المناط هو عدم اعتقاد الصدق دون الكذب المخبري هو ان المناط للمدح و الذم عندهم الامور الاختيارية، و مطابقة الواقع و عدم مطابقته ليست من الامور الاختيارية، بخلاف الاخبار عما يعتقد و ما لا يعتقد فانه من الامور الاختيارية للمخبر، فلذا كان المناط في القبح في مقام الاخبار هو المخبري دون الخبري، بل العقل انما يستقل بقبح ما علم مفسدته لا ما احتمل مفسدته، و عمل العقلاء بما هم عقلاء في الاقدام على ما فيه احتمال المفسدة خير شاهد على منع هذه الدعوى.

63

فافهم (1).

[الوجه الثاني:]

الثاني: إنه لو لم يؤخذ بالظن لزم ترجيح المرجوح على الراجح و هو قبيح (2).

____________

و ثانيا: منع كون ترك المصلحة من المفسدة، فهو على تقدير تماميته يتم في الظن بالتكليف التحريمي دون الوجوبي.

و ثالثا: بناء على تماميّة هذه الدعوى لا اختصاص لها بالظن بالتكليف بل تشمل ايضا الشك بالتكليف.

(1) لعله اشارة الى ما تقدم منه من الاستدلال على العقوبة المحتملة من ناحية لزوم دفع الضرر المشكوك، و حيث ان احتمال المفسدة احتمال الضرر ايضا فيمكن ان يكون لزوم اتباع الظن بالحكم من ناحية لزوم دفع الضرر المشكوك لاستلزام الظن بالحكم احتمال المفسدة.

و لا يخفى انه يتمّ في الحكم التحريمي و ان لازمه الاحتياط في مقام الشك بالتكليف ايضا.

(2) هذا هو الدليل العقلي الثاني الذي اقيم على حجية مطلق الظن بالحكم.

و حاصله: هو انه مركب من مقدمتين: الاولى: انه اذا أدّى الظن الى شي‏ء فيكون ما أدى اليه الظن هو الراجح، لان حقيقة الظن هو رجحان احد الطرفين بخصوصه على الطرف الآخر، فاذا ظننت- مثلا- بوجود زيد في الدار فمعناه كون وجوده في الدار ارجح من عدم وجوده فيها، فاذا قام الظن على حكم فالاخذ به أخذ بما هو المظنون و هو الراجح، و عدم الاخذ بما قام عليه الظن معناه الاخذ بالطرف الموهوم المرجوح، فانه اذا أدّى الظن الى وجوب الجمعة- مثلا- فاتيان الفرض بنحو ما ذكر في ترتيب الاتيان بصلاة الجمعة اخذ بالراجح، و اتيان الفرض بنحو ما يأتي بالظهر في ساير الايام اخذ بالمرجوح، و لذا كانت هذه المقدمة هي عبارة عن القضية المتصلة التي اشار اليها في المتن، و هي «انه لو لم يؤخذ بالظن لزم‏

64

و فيه: إنه لا يكاد يلزم منه ذلك إلا فيما إذا كان الاخذ بالظن أو

[المناقشة في الوجه الثاني‏]

بطرفه لازما، مع عدم إمكان الجمع بينهما عقلا، أو عدم وجوبه شرعا، ليدور الامر بين ترجيحه و ترجيح طرفه، و لا يكاد يدور الامر بينهما إلا بمقدمات دليل الانسداد، و إلا كان اللازم هو الرجوع إلى العلم أو العلمي أو الاحتياط أو البراءة أو غيرهما على حسب اختلاف الاشخاص أو الاحوال في اختلاف المقدمات، على ما ستطلع على حقيقة الحال (1).

____________

ترجيح المرجوح على الراجح» لان عدم الاخذ بما قام عليه معناه الاخذ بعدم هذا الظن، و هو الاخذ بالطرف المقابل لهذا الظن و هو المرجوح.

و المقدمة الثانية: هو ان ترجيح المرجوح على الراجح قبيح فترك الاخذ بالظن قبيح، و من الواضح عدم صحة العمل القبيح، فترك ما قام عليه الظن عمل غير صحيح، و الى هذه المقدمة اشار بقوله: «و هو قبيح».

(1) لما كانت المقدمة الثانية مسلّمة و هي قبح ترجيح المرجوح على الراجح و عدم صحته فهي ليست محلا للمناقشة فانحصرت المناقشة في المقدمة الاولى.

و حاصل الاشكال و المناقشة فيها: ان المفروض هو كون هذا الدليل غير دليل الانسداد، و الذي هو رابع الادلة التي اقيمت على حجية الظن كما سيأتي بيانه ان شاء اللّه تعالى، و على هذا فنقول:

لا نسلّم انه لو لم يؤخذ بما قام عليه الظن يلزم ترجيح المرجوح على الراجح، لان المقام اما ان يكون مقام الفتوى من المجتهد، فنقول ان المجتهد اذا قام ظنه على حكم و لم يفت على طبق ظنه لا يلزم منه ترجيح المرجوح على الراجح، لان الاطراف للمجتهد ثلاثة الفتوى على طبق ظنه، و التوقف عن الفتوى رأسا، و الفتوى على خلاف ظنه.

65

.....

____________

و من الواضح ان توقفه عن الفتوى رأسا احوط له، فلا ينحصر امره بالفتوى على خلاف ظنه اذا لم يفت على طبق ظنه حتى يكون ذلك من ترجيح المرجوح على الراجح.

نعم في مقام انحصار الفتوى به و لا يسعه الافتاء بالاحتياط يكون حاله حال الفرض الثاني، و هو حال المجتهد في مقام علمه فيما اذا قام ظنه على حكم.

و على كل ففي مقام الفتوى لا يلزم من عدم الاخذ بالظن ترجيح المرجوح مطلقا كما هو ظاهر هذا الدليل.

و اما الكلام في المقام الثاني، و هو عمل المجتهد فيما اذا قام ظنه على شي‏ء فنقول: انما يكون الاخذ بخلاف ما قام عليه الظن من الاخذ بالمرجوح حيث تنضم الى هذه المقدمة بقية مقدمات الانسداد الآتية و هي:

قيام العلم الاجمالي بثبوت تكاليف فعلية، فانه لو لم يعلم اجمالا بثبوت تكاليف فعلية لا يكون الاخذ بخلاف ما قام عليه الظن مرجوحا، لوضوح عدم لزوم امتثال غير التكاليف الفعلية.

و انسداد باب العلم و العلمي، لانه لو لم ينسد عليه باب العلم و العلمي، بان كان باب العلم و العلمي مفتوحا، فالاخذ بالطريق العلمي المنصوب من الشارع فيما اذا قام على خلاف ما قام عليه ظنه لا يكون ذلك من ترجيح المرجوح، فاذا قام الخبر الذي ثبتت من الشارع حجيته على وجوب الظهر- مثلا- و ظن المجتهد ان الحكم هو الجمعة، فالعمل منه على طبق الخبر الذي ثبتت حجيّته لا يكون من الاخذ بالمرجوح و هو واضح، بل الاخذ بما قام عليه الظن مع فرض عدم ثبوت حجيّته من الشارع بالخصوص هو من الاخذ بالمرجوح، لصحة العقاب على ترك ما قام الخبر الثابت حجيّته عليه.

66

.....

____________

و انه لا يجوز لنا الاهمال و عدم التعرض لامتثال شي‏ء من الاحكام، فانه لو كان الاهمال جائزا لما لزمنا الاخذ بما قام عليه الظن بالتكليف، فان الاخذ بما هو جائز شرعا لا يعقل ان يكون قبيحا.

و انه لا يجب علينا الاحتياط، و لا يجوز لنا الرجوع الى الاصول، فانه لو امكن الاحتياط و وجب لا يكون ترك الاخذ بما قام عليه الظن الى الاخذ بالاحتياط من المرجوح، بل ترك الراجح الى ما هو ارجح منه و الزم، بل هو بالنسبة الى الاحتياط من المرجوح.

و كذا لو جاز شرعا الرجوع الى الاصول لا يكون الاخذ بخلاف ما أدّى اليه الظن- اذا كان هو مؤدى الاصول- من القبيح، لما عرفت من ان الأخذ بما يجوز شرعا ليس من القبيح.

نعم لو تمت هذه المقدمات يكون مجال لما ذكر، و هو انه لو لم يؤخذ بالظن لزم ترجيح المرجوح على الراجح و هو قبيح.

فاتضح ان هذه بعض مقدمات دليل الانسداد و ليست دليلا براسها، و المفروض كونها دليلا براسها.

و بعبارة اخرى: انه انما يتعين الاخذ بما قام عليه الظن في مقام يدور الامر بين الاخذ به او الاخذ بطرفه و هو الموهوم و المرجوح، و انما يكون ذلك فيما اذا كان لنا علم اجمالي باحكام فعلية، و انسداد باب العلم و العلمي، و علمنا بعدم جواز الاهمال، و لا يجب الاحتياط اما لعدم امكانه كما في الدوران بين محذورين، او كان مخلا بالنظام، او كان خارجا عن الطاقة، او كان ممكنا و لكنه قام الدليل الشرعي على عدم وجوبه.

و حينئذ يدور الامر بين العمل بالظن او بطرفه فيتعيّن العمل بالظن، و هذه هي مقدمات الانسداد، و بعضها ما ذكر دليلا برأسه و هو انه لو لم يؤخذ بالظن للزم ترجيح المرجوح على الراجح و هو قبيح، و لذا قال (قدس سره): «و لا يكاد يدور

67

الثالث: ما عن السيد الطباطبائي (قدس سره): من إنه لا ريب في وجود واجبات و محرمات كثيرة بين المشتبهات، و مقتضى ذلك وجوب الاحتياط بالاتيان بكل ما يحتمل الوجوب و لو موهوما، و ترك ما يحتمل الحرمة كذلك، و لكن مقتضى قاعدة نفي الحرج عدم وجوب ذلك كله، لانه عسر اكيد و حرج شديد، فمقتضى الجمع بين قاعدتي الاحتياط و انتفاء الحرج العمل بالاحتياط في المظنونات دون المشكوكات‏

____________

بينهما» أي بين الاخذ بالظن او بطرفه المرجوح «إلّا بمقدمات الانسداد» و تماميتها «و الّا» أي و ان لم تتم مقدمات الانسداد باختلال احدها كما عرفت «كان اللازم هو» عدم الرجوع الى الظن، بل اللازم «الرجوع الى العلم و العلمي» كما لو انفتح باب العلم و العلمي و لم ينسد بابهما «او» الرجوع الى «الاحتياط» فيما اذا انسد بابهما و لكن امكن الاحتياط، فانه يجب الرجوع اليه «او» كان الاحتياط غير واجب و لكن يجوز الرجوع الى الاصول مثل «البراءة او غيرهما» كالاستصحاب او الرجوع الى الغير و الاخذ بفتواه، فمع احد هذه الامور لا يتعين العمل بالظن.

و لما كان تمامية مقدمات الانسداد و عدم تماميتها يختلف بحسب الآراء او الاحوال اشار الى ذلك بقوله: «على حسب اختلاف الاشخاص» بان كان بعضهم مثلا يرى حجية خصوص الخبر المعدّل بعدلين في جميع طبقاته، و مثله قليل بين الاخبار التي بأيدينا و لا يكون وافيا بمعظم الفقه، فعند هذا البعض باب العلمي منسد، و اما باب العلم فهو منسد عند الاكثر، لعدم وفاء المتواتر من الاخبار و المحصّل من الاجماعات بمعظم الفقه، و لكن من يرى حجية خبر الثقة فانه عنده باب العلمي منفتح.

او لأجل اختلاف الاحوال كما في مورد الدماء و الفروج، فان المشهور على الاحتياط فيه.

68

[الوجه الثالث: كلام السيد المجاهد الطباطبائي (قده) و الجواب عنه‏]

و الموهومات، لان الجمع على غير هذا الوجه بإخراج بعض المظنونات و إدخال بعض المشكوكات و الموهومات باطل إجماعا (1).

و لا يخفى ما فيه من القدح و الفساد، فإنه بعض مقدمات دليل الانسداد، و لا يكاد ينتج بدون سائر مقدماته، و معه لا يكون دليلا آخر، بل ذاك الدليل (2).

____________

(1) و هو السيد محمد الحجة نجل صاحب الرياض (قدس سرهما) ... و هو مركب من مقدمتين:

الاولى: العلم الاجمالي بوجود واجبات و محرمات فعليّة كثيرة.

الثانية: ان القاعدة الاولى في العلم الاجمالي هو الاحتياط باتيان جميع الاطراف المشتبهة في مورد الوجوب و ترك جميع الاطراف في مورد الحرمة، الّا ان الاحتياط كذلك لا يجب لانه منفي بقاعدة الحرج، فالجمع بين العلم الاجمالي بالاحكام الفعلية، و بين قاعدة الاحتياط و قاعدة نفي الحرج يقتضي العمل بالمظنون دون المشكوك و الموهوم، لان العلم الاجمالي بفعلية الاحكام تقتضي الامتثال، و بعد رفع الاحتياط بقاعدة الحرج يدور الامر في الامتثال للاحكام الفعلية بين العمل بالظن فيها او الشك او الوهم، و لا اشكال انه حيث يدور الامر بين الاخذ بالمظنونات او المشكوكات و الموهومات يتعيّن الاخذ بالمظنون، لان الاخذ بالمشكوك و الموهوم و ترك المظنون مما قام الاجماع على بطلانه، فيتعيّن العمل بالظن ... هذا حاصل ما في المتن و العبارة واضحة.

(2) حاصله: ان هذا الدليل المفروض فيه انه دليل في قبال الدليل الرابع الذي هو الانسداد.

و من الواضح انه لو اقتصرنا على هاتين المقدمتين لا تنتج وجوب العمل بالظن و حجيته، لانه لو انفتح باب العلم و العلمي مثلا فلا يتعيّن الرجوع الى ما قام عليه الظن.

69

[الوجه الرابع: دليل الانسداد]

الرابع: دليل الانسداد، و هو مؤلف من مقدمات، يستقل العقل مع تحققها بكفاية الاطاعة الظنية حكومة أو كشفا على ما تعرف، و لا يكاد يستقل بها بدونها، و هي خمس.

أولها: إنه يعلم إجمالا بثبوت تكاليف كثيرة فعلية في الشريعة.

ثانيها: إنه قد انسد علينا باب العلم و العلمي إلى كثير منها.

ثالثها: إنه لا يجوز لنا إهمالها و عدم التعرض لامتثالها أصلا.

رابعها: إنه لا يجب علينا الاحتياط في أطراف علمنا، بل لا يجوز في الجملة، كما لا يجوز الرجوع إلى الاصل في المسألة، من استصحاب و تخيير و براءة و احتياط، و لا إلى فتوى العالم بحكمها (1).

____________

و ان ضممنا اليهما المقدمات الآخر كان هو دليل الانسداد لا دليلا آخر في قباله كما هو المفروض.

و على كل فالمقدمتان المذكورتان هما بعض مقدمات دليل الانسداد، و لا بد من ضمّ المقدمات الآخر اليهما لينتج لزوم العمل بالظن.

و الحاصل: ان هذا الدليل باطل لوجهين: الاول: انه لو اقتصرنا عليهما لا يكون نتيجتهما هو لزوم العمل بالظن، لانهما بعض مقدمات الانسداد، بل لا بد من ضمّ بقية مقدمات الانسداد اليهما، و الى هذا اشار بقوله: «فانه بعض مقدمات دليل الانسداد ... الى آخر الجملة».

الثاني: انه مع ضمّ بقية مقدمات الانسداد اليهما لا يكون دليلا آخر في قبال دليل الانسداد كما هو المفروض فيه، فانه قد ذكر بما أنّه دليل آخر في قبال دليل الانسداد، و الى هذا اشار بقوله: «و معه لا يكون دليلا آخر بل ذاك الدليل» أي بل يكون هو دليل الانسداد بعينه.

(1) قوله: (قدس سره): «الرابع دليل الانسداد ... الخ» لا يخفى ان كلامه من هنا الى قوله: «و هي خمس» يتضمن امرين:

70

.....

____________

الاول: كون دليل الانسداد عقليا و اليه اشار بقوله: «و هو مؤلف من مقدمات يستقل العقل مع تحققها بكفاية الاطاعة الظنية» و الوجه في كونه عقليا مع ان بعض مقدماته شرعية- كما سيأتي بيانها- هو ان المقدمات الاربع: و هي العلم الاجمالي بالتكاليف، و انسداد باب العلم و العلمي اليها، و عدم جواز الاهمال، و عدم وجوب الاحتياط مع عدم جواز الرجوع الى الاصول هي مقدم لقضية شرطيّة، و التالي لها هي المقدمة الخامسة، و هو عدم جواز الرجوع الى الشك و الوهم، فيتعين الرجوع الى الظن.

و من الواضح ان استلزام المقدّم للتالي عقلي، و ان كان بعض اجزاء المقدم شرعيا ككون مقدمة الواجب عقلية باعتبار استلزام وجوب ذي المقدمة لوجوب ذيها، فان الوجوب و ان كان شرعيا الّا ان استلزامه لوجوب مقدمته عقلي لا شرعي، و ليست عقلية هذا الدليل باعتبار كونه قياسا مستلزما للنتيجة، فان كل قياس يستلزم نتيجته، و لكنه لا يقتضي كون المسألة عقلية، فان كون الامر دالا على الوجوب ايضا هو مركب من قياس نتيجته دلالة الامر على الوجوب، إلّا انه لا يقتضي كون هذه المسألة عقليّة، بل السبب في كون الانسداد عقليا هو استلزام المقدمات الاربع لانحصار الامتثال بالظن و هو عقلي.

و بعبارة اخرى: ان القياس المشتمل على المقدمتين هو هكذا، الظن قد انحصر به امتثال التكاليف، و كلما انحصر به امتثال التكليف يلزم العمل على طبقه، فالظن يلزم العمل على طبقه، و ليست عقلية دليل الانسداد لكون العمل بالظن نتيجة هذا القياس، بل عقليّته انما هي لكون المقدمات الاربع تستلزم عقلا انحصار الامتثال بالظن، التي هي المقدمة الخامسة، و هذا الاستلزام عقلي لا تكون نتيجة القياس هو لزوم العمل على طبق الظن.

و مما ذكرنا يتضح انه لا فرق في كون دليل الانسداد عقليا على الحكومة و على الكشف، فان عقليته بعد ان كانت لاستلزام المقدمات الاربع انحصار الامتثال به‏

71

.....

____________

- فلا فرق بعد هذا الاستلزام العقلي ان تكون النتيجة هو كون الظن حجة عقلا كالقطع، او انه مجعول شرعا، فان عقليته انما هي لاستلزام المقدمات- عقلا- للانحصار به.

و اما كون الظن بعد الانحصار به يكون حجة عقلا او حجة شرعا فلا ربط له بكون دليل الانسداد من الادلة العقليّة، و لذا قال (قدس سره): «حكومة او كشفا ... و لا يكاد يستقل» العقل «بها» أي بكفاية الاطاعة الظنية «بدونها» أي بدون المقدمات.

الامر الثاني: ما اشار اليه بقوله: «و هي خمس» فانه قد اختلف فيها هل هي اربع او خمس؟ و يظهر من الشيخ الاعظم انها اربع، و مختار المصنف انها خمس، و لذا قال و هي خمس.

و توضيح الحال: ان الشيخ ذكرها اربع، و حذف المقدمة الاولى و هي العلم الاجمالي بثبوت تكاليف فعلية، و جعل المقدمة الاولى هي انسداد باب العلم و العلمي، و لم يذكر الوجه في اسقاطه للعلم الاجمالي، و يحتمل ان يكون الداعي له وجهان:

الاول: وضوحه، و لا يخفى انه لا وجه لاسقاطه لوضوحه، فان بعض المقدمات ايضا واضحة كمثل عدم جواز الاهمال، و مثل قبح ترجيح المرجوح على الراجح.

الثاني: ان اسقاطها لعدم الحاجة اليها، و لا يخفى ايضا ان عدم الحاجة اليها، اما لعدم ربط لها واقعا فيما هو الغرض في المقام.

ففيه: انه كيف يمكن ان يكون لا دخل لها فيما هو الغرض مع ان جملة من المقدمات الباقية لو لا العلم الاجمالي بثبوت التكاليف لكانت من باب السالبة بانتفاء الموضوع، فان مثل انسداد باب العلم و العلمي لو لا العلم الاجمالي لكان لا موضوع له إلّا بنحو السالبة بانتفاء الموضوع، لوضوح انه لو لم تكن هناك تكاليف لكان عدم وجود العلم و العلمي بها من باب انه لا وجود للتكاليف، لا ان التكاليف‏

72

.....

____________

موجودة و الطريق اليها منسد، و مثل عدم وجوب الاحتياط ايضا كذلك فانه يكون عدم وجوب الاحتياط لعدم التكاليف لا لعدم امكانه او حرجيته مع وجود التكاليف.

و اما لإغناء المقدمة الثالثة عنه، بدعوى انه اذا اقام الاجماع او الضرورة على عدم جواز الاهمال فلا حاجة الى العلم الاجمالي بثبوت التكاليف، فانه لا يجوز الاهمال و لو كانت التكاليف محتملة غير معلومة اجمالا.

و فيه: ان القدر المتيقن من الاجماع او الضرورة هو عدم جواز الاهمال في حال وجود العلم الاجمالي، فان وجود العلم الاجمالي بالتكاليف متحقق قطعا، و لا نقطع بقيام الاجماع او الضرورة على عدم جواز الاهمال فيما لو لم يكن لنا علم اجمالي بثبوت التكاليف.

و قد توهم العكس، و هو كون المقدمات اربعا لإغناء العلم الاجمالي و هي المقدمة الاولى عن المقدمة الثالثة و هي عدم جواز الاهمال.

بدعوى ان العلم الاجمالي بثبوت تكاليف فعليّة يغني عن عدم جواز الاهمال، لان العلم الاجمالي بالتكليف الفعلي يستدعي لزوم الامتثال عقلا، لوضوح حكم العقل باستحقاق العقاب على عدم امتثال التكاليف البالغة درجة الفعليّة، و مع حكم العقل بتنجز التكاليف الفعلية و لزوم امتثالها لا حاجة الى دعوى عدم جواز الاهمال، فان مرجعه الى لزوم الامتثال.

و فيه اولا: ان مراتب الحكم عند المصنف أربع، ثالثها مرتبة الفعليّة و رابعها مرتبة التنجز، و عدم جواز الاهمال هو مرتبة التنجز و بلوغ الحكم الى مرتبة لا يجوز اهماله و يستحق العقاب على ترك التعرض له مطلقا بنحو انحاء الامتثال، فالمقدمة الاولى هي العلم الاجمالي بتكاليف بالغة مرتبة الفعلية، و المقدمة الثالثة هي بلوغها مرتبة التنجز بحيث يستحق العقاب على عدم التعرّض لامتثالها اصلا، و يستحق الثواب بالتعرّض لامتثالها بنحو الظن حيث لا يمكن الاحتياط او لا يجب.

73

.....

____________

و ثانيا: لو قلنا بمساوقة مرتبة التنجز لمرتبة الفعلية، او بان مرتبة التنجز ليست من مراتب الحكم بل هي امر انتزاعي يتنزع من بلوغ الحكم للمرتبة الفعلية، و انه اذا بلغ الحكم مرتبة الفعليّة يحكم العقل بلزوم اطاعته و حرمة مخالفته و منها ينتزع التنجز.

و لكنه مع ذلك نقول بلزوم المقدمة الثالثة لان مقدمات الانسداد لا بد و ان تكون مطردة على جميع المحتملات، و حيث ان كون التكاليف فعلية في المقام لا تستوجب التنجز على جميع الآراء، لانه من يقول بعدم امكان التفكيك بين عدم وجوب الموافقة القطعية و بين عدم حرمة المخالفة القطعية، فالتكاليف على هذا الرأي و ان كانت فعلية إلّا انها لا تكون منجزة لعدم امكان الامتثال التفصيلي او لحرجيّته، فالموافقة القطعية غير واجبة قطعا اما لعدم امكانها او لحرجيتها، و اذا لم تجب الموافقة القطعية لا تحرم المخالفة القطعية، فلا يكون العلم الاجمالي بثبوت التكاليف الفعلية موجبا لتنجزها، فنحتاج الى تنجزها و هو انما يثبت بواسطة المقدمة الثالثة و هي قيام الاجماع او الضرورة على عدم جواز الاهمال.

و قد يقال: بانه لا داعي الى الجوابين المذكورين، فان الحاجة الى المقدمة الثالثة انما هو لان محض العلم الاجمالي بتكاليف لا علم بعناوينها مع انسداد باب العلم و العلمي اليها يوجب عدم فعليتها، لان الفعلية لا تكون إلّا بالوصول، و حيث لا وصول لها لانسداد باب العلم و العلمي فلا فعلية لها، فلا بد من المقدمة الثالثة لانه بها تتم فعلية العلم الاجمالي المنسد باب العلم و العلمي بسبب قيام الضرورة و الاجماع على عدم جواز الاهمال، و اللّه العالم.

و قد تبيّن مما ذكرنا: ان المقدمات خمس لا أربع كما ادعي، و لذا قال (قدس سره): «و هي خمس» كما ذكرها (قدس سره).

قوله (قدس سره): «بل لا يجوز في الجملة ... الخ» و ذلك فيما كان الاحتياط موجبا لاختلال النظام.

74

خامسها: إنه كان ترجيح المرجوح على الراجح قبيحا، فيستقل العقل حينئذ بلزوم الاطاعة الظنية لتلك التكاليف المعلومة، و إلا لزم- بعد انسداد باب العلم و العلمي بها- إما إهمالها، و إما لزوم الاحتياط في أطرافها، و إما الرجوع إلى الاصل الجاري في كل مسألة، مع قطع النظر عن العلم بها، أو التقليد فيها، أو الاكتفاء بالاطاعة الشكية أو الوهمية مع التمكن من الظنية و الفرض بطلان كل واحد منها (1):

____________

قوله: «كما لا يجوز الرجوع الى الاصل ... الخ» اما لعدم جريانها في اطراف العلم الاجمالي او لانها متعارضة في بعض الاحوال، أو لأن المثبت منها للحكم قليل و النافي منها باطل لانه مساوق للاهمال الذي علم عدم جوازه.

قوله (قدس سره): «و لا الى فتوى العالم ... الخ»: لا يخفى ان دليل الانسداد المقام لحجية مطلق الظن هو في مورد الشبهات الحكمية و الاحكام الكلية التي هي وظيفة المجتهد العالم، و من الواضح ان العالم لا يجوز له الرجوع الى غيره مضافا الى ان العالم غيره اما ان يكون انسداديا فحكم الامثال سواء، و اما ان يكون انفتاحيا فلا يجوز رجوع العالم الذي يرى الانسداد اليه.

(1) ظاهر صدر عبارة المتن كون هذه هي المقدمة الخامسة، و لا يخفى ان ذيل عبارته (قدس سره) تقتضي ان قبح ترجيح المرجوح على الراجح هو دليل هذه المقدمة الخامسة، و هو اقتضاء المقدمات المذكورة لانحصار الامتثال بالاطاعة الظنية، لان بطلان الاكتفاء بالإطاعة الشكيّة و الوهميّة مع التمكن من الاطاعة الظنيّة انما هو لانه من ترجيح المرجوح على الراجح و هو قبيح.

و الاولى كون نفس قبح الترجيح هو المقدمة، لانه بعد تمامية هذه المقدمات الخمس تكون النتيجة هي التنزل الى الاطاعة الظنية، و كون هذه دليل المقدمة الخامسة، و ان المقدمات الاربع تقتضي الاطاعة الظنيّة، و دليل ذلك هو قبح الترجيح‏

75

[المقدمة الاولى: انحلال العلم الاجمالي الكبير بما في الاخبار]

أما المقدمة الاولى: فهي و إن كانت بديهية إلا أنه قد عرفت انحلال العلم الاجمالي بما في الاخبار الصادرة عن الائمة الطاهرين (عليهم السّلام) التي تكون فيما بأيدينا، من الروايات في الكتب المعتبرة، و معه لا موجب للاحتياط إلا في خصوص ما في الروايات (1)، و هو غير مستلزم للعسر

____________

- فلا يخلو من شي‏ء، لان الدليل على الشي‏ء من مقدمات الاذعان به، فقبح الترجيح مع ضمّ المقدمات الاربع تقتضي الاطاعة الظنيّة.

(1) قد تقدّم في الدليل الاول الذي اقيم على حجية الخبر ان العلم الاجمالي بوجود تكاليف فعلية لا ريب فيه، و لكنه منحل بالعلم الاجمالي بصدور اخبار فيما بأيدينا من الاخبار مشتملة على الاحكام الواقعية وافية بمعظم الفقه فهذا العلم الاجمالي المدعى في المقام منحل بالعلم الاجمالي الثاني في خصوص الاخبار الموجودة في الكتب الاربعة و غيرها من الكتب كالوسائل، فلا اثر لهذا العلم الاجمالي بوجود تكاليف فعليّة بعد الانحلال بالعلم الاجمالي الثاني، فاللازم الاحتياط في مورد العلم الاجمالي الثاني بالاخذ بكل خبر دل على ثبوت حكم و جواز العمل بالخبر النافي كما مرّ الكلام فيه.

و الى هذا اشار بقوله: «اما المقدمة الاولى» و هي العلم الاجمالي بثبوت تكاليف فعلية «بديهية» لا ريب فيها و لكنه لا اثر لهذا العلم الاجمالي لانحلاله، و لذا قال: «الّا انه قد عرفت انحلال العلم الاجمالي» الاول «بما» علمنا به اجمالا ايضا من الاحكام الواقعية «في الاخبار الصادرة عن الأئمة الطاهرين (عليهم السّلام) التي تكون» تلك الاخبار الصادرة عنهم (عليهم السّلام) هي «في» ضمن «ما بأيدينا من» مجموع «الروايات» الموجودة «في الكتب المعتبرة» كالكتب الاربعة و غيرها «و معه» أي و مع هذا العلم الاجمالي الثاني «لا موجب للاحتياط الا في خصوص ما» بأيدينا من «الروايات».

76

فضلا عما يوجب الاختلال، و لا إجماع على عدم وجوبه (1)، و لو سلم الاجماع على عدم وجوبه لو لم يكن هناك انحلال (2).

____________

(1) قد عرفت في المقدمة الرابعة دعوى عدم وجوب الاحتياط في العلم الاجمالي الاول و هو العلم بثبوت تكاليف فعلية اما لعسره المرفوع بأدلّة الحرج، و اما لدعوى قيام الاجماع على عدم وجوبه، بل ربما يدعى حرمته لاستلزامه اختلال النظام، و هذه الدعوى لا تصح في الاحتياط فيما بأيدينا من الاخبار، فانه لا يستلزم عسرا فضلا عن ان يكون مستلزما لاختلال النظام، و ايضا لا اجماع على عدم وجوبه.

و مما ذكرنا تبيّن: انه لا يصح ان يقال ان العلم الاجمالي الثاني انما يحل العلم الاجمالي الاول بشرط كونه مؤثرا، و مع عدم وجوب الاحتياط في الاخبار التي هي اطراف العلم الاجمالي الثاني لا يكون مؤثرا، و مع عدم تأثيره لا يكون حالا للعلم الاجمالي الاول و هو العلم بثبوت تكاليف فعليّة.

و انما لا يصح لما عرفت من تأثير العلم الاجمالي الثاني، لان الاحتياط في اطرافه لا يستلزم عسرا و لا اختلالا في النظام، و لا اجماع ايضا على عدم وجوبه.

(2) حاصله: انه لو سلّمنا الاجماع على عدم وجوب الاحتياط في اطراف العلم الاجمالي الاول فيما لو قلنا بعدم انحلاله بالعلم الاجمالي الثاني، لكنّا لا نسلّمه لانحلاله بالعلم الثاني، و في قوله و لو سلّم الاجماع تمريض لدعوى الاجماع.

و لعل الوجه فيه، انه لو قلنا بعدم انحلال العلم الاجمالي الاول بالعلم الاجمالي الثاني فالدليل على عدم وجوب الاحتياط ينبغي ان يكون دليل العسر لو تمّ، و على حرمته هو لزوم اختلال النظام منه.

و اما دعوى الاجماع على عدم وجوبه فلا تصح الّا على سبيل الفرض، لما تقدم من ان المشهور على انفتاح باب العلمي و قيام الحجة الشرعية القطعية عندهم على حجية الخبر بالخصوص، و مع هذا لا يصح دعوى الاجماع الّا على سبيل الفرض و التقدير، أي ان العلماء لو كانوا غير انفتاحيين و كانوا من القائلين بالانسداد لقالوا

77

[المقدمة الثانية: انسداد باب العلم و انفتاح باب العلمي‏]

و أما المقدمة الثانية: أما بالنسبة إلى العلم، فهي بالنسبة إلى أمثال زماننا بيّنة وجدانية، يعرف الانسداد كل من تعرض للاستنباط و الاجتهاد.

و أما بالنسبة إلى العلمي، فالظاهر أنها غير ثابتة، لما عرفت من نهوض الادلة على حجية خبر (1) يوثق بصدقه، و هو بحمد اللّه واف‏

____________

بعدم وجوب الاحتياط و لقام الاجماع منهم على عدم وجوبه. و فيه ايضا انه لو كانوا انسداديين و قالوا بعدم وجوب الاحتياط لما كان ذلك اجماعا، لاحتمال كون المدرك لعدم وجوب الاحتياط عندهم على الفرض هو لزوم العسر او اختلال النظام، و مع احتمال المدرك لا تصح دعوى الاجماع.

(1) قد عرفت ان المقدمة الثانية هي دعوى انسداد باب العلم و العلمي، و نحن نسلّم انسداد باب العلم في زماننا، و لا نسلّم انسداد باب العلمي، و السبب في تسليمنا لانسداد باب العلم هو انه بعد العلم الاجمالي بثبوت تكاليف فعلية لا ينحل هذا العلم الاجمالي بالعلم التفصيلي بمقدار من الاحكام الواقعية بحيث تكون وافية بمعظم الفقه، فان الاخبار المتواترة و الاجماعات المحصلة القطعية قليلة جدا لا تفي بانحلال العلم الاجمالي الى علم تفصيلي بمقدار يفي بمعظم الفقه و شك بدوي يكون مجرى للاصول، و هذا واضح لكل من تعرّض لاستنباط الاحكام من ادلتها، فباب العلم الذي به ينحلّ العلم الاجمالي مما لا ريب في انسداده، و لكنّا لا نسلّم انسداد باب العلمي و هو الحجة الشرعية المقطوع جعلها من الشارع طريقا منجزا لو اصاب و معذرا لو خالف، لما تقدم من دلالة الآيات و الاخبار المتواترة اجمالا و قيام السيرة على حجية الخبر الموثوق، و به مع ضميمة ما قام التواتر عليه من الاحكام و الاجماعات المحصّلة ينحل العلم الاجمالي الى علم تفصيلي بالحجة الشرعية المعذرة و المنجزة الوافية بمعظم الفقه، و الى شك بدوي في غيره، فالمقدمة الثانية غير تامة لانفتاح باب العلمي و انسداد باب العلم.

78

بمعظم الفقه، لا سيما بضميمة ما علم تفصيلا منها، كما لا يخفى (1).

[المقدمة الثالثة: عدم جواز إهمال الاحكام‏]

و أما الثالثة: فهي قطعية (2)، و لو لم نقل بكون العلم الاجمالي منجزا

____________

و قد اشار الى تسليم انسداد باب العلم بقوله: «اما بالنسبة الى العلم فهي بالنسبة الى زماننا بيّنة وجدانيّة ... الى آخر الجملة» و الى عدم انسداد باب العلمي بقوله: «و اما بالنسبة الى العلمي فالظاهر انها غير ثابتة ... الى آخر الجملة».

(1) ظاهره هو حجية الخبر الموثوق المضمون، و بينه و بين حجية خبر الثقة عموم من وجه، لاجتماعهما في خبر الثقة المضمون، و صدق الاول بدون الثاني في الخبر الضعيف من ناحية الراوي الموثوق من ناحية مضمونه بقيام الظن على وفقه، و صدق الثاني بدون الاول في خبر الثقة الذي لا يكون مضمونه موثوقا لقيام الظن على خلافه، و قد تقدم منه ما ظاهره القول بحجيّة خبر الثقة كقوله في السيرة «دعوى استقرار سيرة العقلاء من ذوي الاديان و غيرهم على العمل بخبر الثقة».

و لعل مراده من قوله يوثق بصدقه أي يوثق بصدق المخبر بالخبر فيرجع الى خبر الثقة و اللّه العالم.

(2) المقدمة الثالثة هي انه لا يجوز اهمال التكاليف المعلومة اجمالا، و لا يجوز عدم التعرّض لامتثالها.

و بعبارة اخرى: انه من المعلوم بالضرورة او بالاجماع اهتمام الشارع بالتعرّض لامتثال احكامه المعلومة اجمالا بنحو من الامتثال.

و لا يخفى ان الكلام في هذه المقدمة انما هو بعد تسليم المقدمتين المتقدمتين، لوضوح انه لو انحل العلم الاجمالي الاول بالعلم الاجمالي الثاني فيكون الاهتمام و لزوم التعرّض و عدم جواز الاهمال انما هو في ما بأيدينا من الاخبار، و لو قلنا بالانفتاح و العلم بوجود الحجة الشرعية المجعولة بالخصوص تفصيلا كخبر الثقة فينحل العلم الاجمالي بالعلم التفصيلي بالحجة و الشك البدوي في غيره، فلا يكون لنا علم‏

79

مطلقا (1) أو فيما جاز، أو وجب الاقتحام في بعض أطرافه، كما في المقام حسب ما يأتي، و ذلك لان إهمال معظم الاحكام و عدم الاجتناب كثيرا

____________

اجمالي حتى يدعى قيام الضرورة او الاجماع على عدم جواز اهماله و لزوم التعرّض لامتثاله بنحو من الانحاء.

و الحاصل: انه بعد تمامية المقدمتين الاوليين لا اشكال في هذه المقدمة الثالثة، و هي قيام الضرورة و الاجماع على عدم جواز الاهمال و على لزوم التعرّض لامتثال الاحكام المعلومة اجمالا بنحو من الانحاء، و قد اشار الى هذا بقوله: «فهي قطعيّة».

و اشار الى قيام الضرورة و الاجماع عليها بقوله في ذيل عبارته «و ذلك لان اهمال معظم الاحكام» و ذلك اما ب «عدم الاجتناب كثيرا عن الحرام» او بترك الامتثال لما هو الواجب «مما يقطع بانه مرغوب عنه شرعا» و هذا هو معنى قيام الضرورة على عدم جواز الاهمال شرعا.

و الى الاجماع اشار بقوله: «و مما يلزم تركه اجماعا».

(1) لا يخفى انه قد مرّ في باب القطع الكلام في كون العلم الاجمالي هل هو علة تامة للتنجز، او انه بنحو الاقتضاء فقط، او بالتفصيل بين حرمة المخالفة القطعية و وجوب الموافقة القطعيّة بكونه علة تامة في الاولى و مقتضيا بالنسبة الى الثانية؟

و قيل بالعلية التامة بالنسبة الى الاولى و هي حرمة المخالفة القطعية، و بعدم الاقتضاء فضلا عن العلية بالنسبة الى الثانية و هي وجوب الموافقة القطعية.

و ربما نسب الى بعض القول بعدم الاقتضاء و عدم العلية ايضا بالنسبة الى كلا المقامين، و سيأتي ان شاء اللّه تعالى التعرض لهذا البحث ايضا في باب البراءة و الاشتغال.

و على كلّ فلو قلنا- فرضا- بالمقالة الاخيرة و هو عدم كون العلم اجمالي مقتضيا و لا منجزا مطلقا بالنسبة الى حرمة المخالفة و الى وجوب الموافقة- فانا نقول في هذا العلم الاجمالي في المقام بالتكاليف بلزوم التعرّض لامتثال الاحكام المعلومة اجمالا

80

عن الحرام، مما يقطع بأنه مرغوب عنه شرعا و مما يلزم تركه إجماعا (1).

إن قلت: إذا لم يكن العلم بها منجزا لها للزوم الاقتحام في بعض الاطراف- كما أشير إليه- فهل كان العقاب على المخالفة في سائر

____________

بنحو من الأنحاء لقيام الضرورة و الاجماع على عدم جواز اهمالها بالمرة، و لذا قال:

«فهي قطعية و لو لم نقل بكون العلم الاجمالي منجزا مطلقا».

(1) توضيحه: انه قد مرّ في باب القطع انه يظهر من المصنف القول بكون العلم الاجمالي مقتضيا بالنسبة الى كلا الامرين من حرمة المخالفة و وجوب الموافقة، و سيأتي منه في باب البراءة و الاشتغال القول بكونه علة تامة بالنسبة الى كلا الامرين.

الّا انه سيأتي ان كون العلم الاجمالي منجزا تاما مشروطا بعدم الرخصة في احد اطرافه: اما جوازا كما في مورد الشبهة غير المحصورة الكثيرة، او الخارج بعض اطرافها عن محل الابتلاء و ان كانت الاطراف قليلة، كما لو علمنا بنجاسة احد إناءين كان أحدهما في بلد و الآخر في بلد بعيد.

او وجوبا كما لو وجب الاقتحام في احد الاطراف بسب الاضطرار الى احد الاطراف مخيرا، كما لو علمنا بنجاسة احد الإناءين من الماء و حصل عطش مهلك اضطررنا معه الى شرب احدهما مخيرا، فان مع اهمية حفظ النفس يجب الشرب لاحدهما، او في مثل مقامنا لو كان الاحتياط موجبا لاختلال النظام، فانه يجب ارتكاب بعض الاطراف بمقدار يحفظ به النظام.

و على كل فمع جواز الاقتحام في بعض الاطراف او وجوبه لا يكون العلم الاجمالي منجزا، و لكنه مع ذلك حيث علم اهتمام الشارع و عدم جواز الاهمال لامتثال احكامه رأسا، و انه يجب التعرّض لامتثالها بنحو من الانحاء و ان كان العلم الاجمالي في المقام غير منجز لوجوب الاقتحام في بعض اطرافه او جواز الاقتحام فيها، و الى هذا اشار بقوله: «او فيما جاز او وجب الاقتحام في بعض اطرافه كما في المقام» للزوم اختلال النظام من الاحتياط التام في اطراف العلم الاجمالي بالتكاليف.

81

الاطراف- حينئذ- على تقدير المصادفة إلا عقابا بلا بيان؟ و المؤاخذة عليها إلا مؤاخذة بلا برهان (1)؟!

____________

(1) حاصله: ان المتحصّل من هذه المقدمة الثالثة هو كون العلم الاجمالي منجزا و لو كان الاقتحام في بعض الاطراف جائزا او واجبا، و سيأتي في باب البراءة و الاشتغال عدم امكان التفكيك بين حرمة المخالفة القطعية و وجوب الموافقة القطعية، بمعنى انه اذا لم تجب الموافقة القطعية لا يعقل ان تحرم المخالفة القطعية، لان الرخصة في ارتكاب بعض الاطراف و لو صادف المخالفة للتكليف المستلزمة هذه الرخصة عدم العقاب على المخالفة عند المصادفة تنافي حرمة المخالفة في الاطراف الأخر و العقاب على المخالفة فيها.

و بعبارة اخرى: انه من المعلوم ان الرخصة في مخالفة التكليف المعلوم تنافي العقاب على مخالفته، فهو محال و المحال لا بد و ان يكون مقطوعا بعدمه، و في مورد الترخيص في بعض اطراف العلم الاجمالي و لزوم الموافقة في اطرافه الأخر و حرمة المخالفة فيها يرجع الى جواز مخالفته لو كان في مورد الترخيص، و الى العقاب على مخالفته لو كان في غيرها و هو محال، فاذا لم تجب الموافقة القطعية بالاحتياط في جميع الاطراف، بان يرخص في ارتكاب بعض الاطراف، لا يعقل ان يحرم ارتكاب الاطراف الأخر.

و الحاصل: ان العلم اما ان يكون منجزا فيجب الاحتياط في جميع الاطراف، و اذا جاز ارتكاب بعض الاطراف فلا يعقل ان يكون العلم الاجمالي منجزا بالنسبة الى الاطراف الأخر، و اذا لم يكن العلم الاجمالي منجزا بالنسبة اليها فلا يصح العقاب على المخالفة فيها، و يكون العقاب على الاقتحام فيها من العقاب بلا بيان، لان عدم كون العلم الاجمالي منجزا معناه عدم تأثيره، و اذا لم يكن العلم الاجمالي مؤثرا فلا يصح العقاب على مخالفته، لان العقاب انما يصح على البيان المؤثر، اما البيان غير المؤثر فهو بحكم عدم البيان فلا يصح العقاب على مخالفته، و الى هذا اشار

82

قلت: هذا إنما يلزم، لو لم يعلم بإيجاب الاحتياط، و قد علم به بنحو اللّم، حيث علم اهتمام الشارع بمراعاة تكاليفه، بحيث ينافيه عدم إيجابه الاحتياط الموجب للزوم المراعاة، و لو كان بالالتزام ببعض المحتملات (1)، مع صحة دعوى الاجماع على عدم جواز الاهمال في هذا

____________

بقوله: «اذا لم يكن العلم بها» أي العلم الاجمالي بها اذا لم يكن «منجزا لها للزوم الاقتحام في بعض الاطراف كما اشير اليه» و ذلك فيما اذا قلنا بوجوب الاقتحام في بعض الاطراف، و حرمة الاحتياط في جميع الاطراف للزوم اختلال النظام- فلا تحرم المخالفة في الاطراف الأخر.

و على هذا «فهل كان العقاب» صحيحا «على المخالفة في ساير الاطراف حينئذ على تقدير المصادفة» و ما كان «الّا عقابا بلا بيان و» ليست «المؤاخذة عليها الّا مؤاخذة بلا برهان».

(1) حاصله: ان المنجز للعلم الاجمالي بالنسبة الى الاطراف الأخر غير ما يجب الاقتحام فيه من الاطراف ليس لاقتضاء العلم الاجمالي بذاته للتنجيز فيها، بل المنجّز له سبب آخر غير ذاته، و هو العلم باهتمام الشارع في لزوم التعرّض للامتثال بنحو من الانحاء و لو بالأخذ بأحوطها، و هو الاخذ بالمظنونات التي هي من بعض اطراف هذا العلم الاجمالي، فالعلم بهذا الاهتمام يكون كاشفا بنحو اللّم، لان الاهتمام هو العلة لتنجيز هذا العلم الاجمالي في بعض الاطراف، و كشف العلّة عن المعلول هو الكشف اللمّي، كما ان كشف المعلول عن العلة هو الكشف الإنّي.

و على كل فتنجيز العلم الاجمالي في المقام للاحتياط في بعض الاطراف انما هو للعلم بالاهتمام لا لاقتضاء العلم الاجمالي بذاته لذلك، فالعلم بالاهتمام سبب للتنجز في المقام، كما ان العلم الاجمالي بذاته هو العلة للتنجز في غير هذا المقام، و جواز العقاب و صحة المؤاخذة منوطان بتنجز العلم الاجمالي سواء كان هو علة له أو كان سبب آخر علة له و هو العلم بالاهتمام، فلا يكون العقاب على المخالفة في‏

83

الحال، و أنه مرغوب عنه شرعا قطعا (1)، و أما مع استكشافه (2) فلا يكون المؤاخذة و العقاب حينئذ بلا بيان و بلا برهان، كما حققناه في البحث و غيره.

____________

الاطراف الأخر مع كون العلم الاجمالي منجزا بالنسبة اليها من العقاب بلا بيان و من المؤاخذة بلا برهان، و لذا قال (قدس سره): «قلت هذا» أي العقاب بلا بيان و المؤاخذة بلا برهان على المخالفة في الاطراف الأخر «انما يلزم لو لم يعلم بايجاب الاحتياط» بتنجيز العلم الاجمالي فيها «و» الحال «قد علم به بنحو اللّم حيث علم اهتمام الشارع بمراعاة تكاليفه» و هو العلة لتنجيز العلم الاجمالي في المقام «بحيث ينافيه عدم ايجابه الاحتياط الموجب للزوم المراعاة» و التعرّض للامتثال «و لو كان بالالتزام ببعض المحتملات» و هي المظنونات.

(1) قد مرّ ان المحرز لاهتمام الشارع امران: قيام الضرورة عليه، و صحة دعوى الاجماع عليه، و قد اشار الى الثاني بقوله: «مع صحة دعوى الاجماع» أي صحة دعوى الاجماع على اهتمام الشارع و عدم جواز الاهمال، و الى الاول بقوله:

«و انه مرغوب عنه شرعا» أي ان الضرورة قائمة بان الاهمال مرغوب عنه شرعا.

(2) هذا معطوف على صدر عبارته و هي قوله: «انما يلزم».

و حاصله: انه انما يلزم ما ذكرتموه من كون العقاب بلا بيان و المؤاخذة بلا برهان في مخالفة العلم الاجمالي في اطرافه الأخر اذا لم نعلم بتنجزه فيها بسبب العلم باهتمام الشارع.

و اما مع استكشاف لزوم الاحتياط في اطراف العلم الاجمالي الأخر لوجود العلم بما يدل على تنجزه فيها، فلا يكون العقاب على المخالفة في هذه الاطراف الأخر التي هي غير ما يجب الاقتحام فيه من الاطراف التي يكون الاحتياط فيها موجبا لاختلال النظام من العقاب بلا بيان و من المؤاخذة بلا برهان.

ثم لا يخفى ان ظاهر سوق عبارة المتن هي ما ذكرناه من كون الاهتمام سببا لمنجزية العلم الاجمالي في ما عدا ما لا يجوز او لا يجب فيه الاحتياط.

84

و أما المقدمة الرابعة: فهي بالنسبة إلى عدم وجوب الاحتياط التام بلا كلام، فيما يوجب عسره اختلال النظام، و أما فيما لا يوجب، فمحل نظر بل منع، لعدم حكومة قاعدة نفي العسر و الحرج على قاعدة الاحتياط، و ذلك لما حققناه في معنى ما دلّ على نفي الضرر و العسر، من أن التوفيق بين دليلهما و دليل التكليف أو الوضع المتعلقين بما يعمهما، هو نفيهما عنهما بلسان نفيهما، فلا يكون له حكومة على الاحتياط العسر إذا كان بحكم العقل، لعدم العسر في متعلق التكليف، و إنما هو في الجمع بين محتملاته احتياطا.

____________

و يمكن ان يكون غرضه هو كون نفس الاهتمام من الشارع بلزوم التعرّض لامتثال احكامه في الباقي هو المنجز لها من دون حاجة الى منجّزية العلم الاجمالي، فانه كما يمكن ان يكون العلم الاجمالي من وجوه البيان التي تتنجز بها الاحكام، كذلك نفس العلم بالاهتمام من وجوه البيان الموجب لتنجّز الاحكام بحيث لا تجري معه قاعدة قبح العقاب بلا بيان، فان عبارة المتن لا تأبى عن حملها على هذا المعنى، و الضمير في قوله: عدم ايجابه الاحتياط يرجع الى العلم بالاهتمام: أي ان العلم بالاهتمام من الشارع هو بحيث ينافيه عدم ايجاب الاحتياط.

و لا يخفى ان ما ذكر من كون الترخيص في بعض الاطراف موجبا لعدم تنجز العلم الاجمالي انما هو اذا كان الترخيص في الارتكاب بمقدار المعلوم بالاجمال، و اما اذا كان الترخيص بمقدار اقل من العلم الاجمالي فالعلم الاجمالي باق على تنجيزه، كما لو علمنا بنجاسة اكثر من إناء واحد و وجب شرب اناء واحد من اطراف الشبهة، فان العلم الاجمالي بنجاسة ما هو الاكثر من الواحد باقية منجزة، فلا تغفل.

85

[المقدمة الرابعة: عدم وجوب الاحتياط التام‏]

نعم، لو كان معناه نفي الحكم الناشئ من قبله العسر كما قيل لكانت قاعدة نفيه محكمة على قاعدة الاحتياط، لان العسر حينئذ يكون من قبل التكاليف المجهولة، فتكون منفية بنفيه (1).

____________

(1) لا يخفى ان المقدمة الرابعة هي عدم وجوب الاحتياط بل عدم جوازه في الجملة، و مستند عدم الجواز هو لزوم الاختلال في النظام من الاحتياط، فالعسر الموجب لاختلال النظام الذي يستلزمه الاحتياط في اطراف العلم الاجمالي بالتكاليف لا شك في حرمته، و اما العسر الذي يستلزمه الاحتياط في اطراف العلم غير الموجب لاختلال النظام، فالمبنى في عدم وجوبه هو حكومة ادلة العسر و الحرج على ادلة التكاليف الواقعية، كقوله تعالى: وَ ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ‏ (1).

و لا يخفى ان حكومة دليل الحرج انما هو على ما فهمه الشيخ من دليل الحرج لا على ما استفاده المصنف منه، فانه بناء على ما استفاده من دليل الحرج لا يكون حاكما في المقام على ادلة التكاليف الواقعية.

و توضيح ذلك: ان الحرج المنفي في مثل قوله عزّ و جل: وَ ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ‏ هل المراد منه نفي الحكم الذي يكون سببا للحرج كالتكليف المعلوم بالاجمال الذي يستلزم امتثاله بالجمع بين اطرافه الوقوع في الحرج، فان الحرج مسبب عن الحكم، لان الحكم يقتضي الامتثال و امتثاله مستلزم للحرج، فالحكم يكون موصوفا بالحرج بالواسطة، فمدلول الآية بالمطابقة هو رفع الحرج الذي يستلزمه الحكم، و حيث لا معنى لرفع الحرج بنفسه فلا بد و ان يكون المراد منه نفي الحكم، اما باطلاق الحرج عليه مجازا من باب اطلاق الصفة و ارادة الموصوف، و اما ان يكون مبنيا على الحذف بان يكون المراد ما جعل عليكم في الدين من حكم يستلزم الحرج، و هذا المعنى هو الذي استفاده الشيخ من دليل الحرج، و عليه فتكون‏

____________

(1) الحج: الآية 78.

86

.....

____________

ادلة الحرج حاكمة على ادلة التكاليف في المقام، لانها حيث كانت معلومة بالاجمال فامتثالها المستلزم للجمع بين جميع الاطراف مسبب عن اقتضاء تلك التكاليف المجهولة بعناوينها المفصّلة المعلومة بما هي احكام فعلية يجب امتثالها، و لما كان امتثالها كذلك حرجيا فادلة نفي الحرج تكون رافعة لفعلية تلك الاحكام.

او ان المراد من دليل الحرج هو رفع الحكم بلسان رفع الموضوع، فالمرفوع هو الحرج، و عليه فالمرفوع هو الحكم الذي يكون بذاته حرجيا دون الحكم الذي يستلزم امتثاله الحرج، لان الحكم تارة يكون بذاته حرجيا كالغسل- مثلا- بالماء البارد في اليوم الشديد البرد، و اخرى لا يكون الحكم بذاته حرجيا و لكن العلم بامتثاله يستلزم حرجا كما في المقام، فان الاحكام الواقعية ليست بذاتها حرجية و لكنها لما كانت غير معلومة بالتفصيل فالاتيان بجميع المحتملات لاجل حصول العلم بامتثالها هو المستلزم للحرج، و المستفاد من دليل الحرج هو رفع الحكم الذي يكون بذاته حرجيا بان يكون المراد بالحرج المنفي هو الحكم كناية او ادعاء بادعاء انه مصداق للحرج، فالمرفوع نفس الحكم الذي يكون بذاته حرجيا دون الحكم الذي يستلزم العلم بامتثاله الوقوع في الحرج.

و يؤيّد هذه الدعوى ان الظاهر كون الحرجية من صفات نفس الحكم بلا واسطة و انها وصف له بحال نفسه لا انها وصف له بحال متعلق متعلقه، فانه على الاول الحرجية ليست من صفات ذات الحكم بل هي من صفات العلم بالامتثال المتعلق بالحكم.

و قد رتّب المصنف على هذه الاستفادة- المخالفة لما استفاده الشيخ- ثمرتين:

أحدهما: ما في المقام من انه بناء على ان المرفوع هو الحكم الذي يكون بذاته حرجيّا لا تكون ادلة الحرج حاكمة على التكاليف الواقعية في المقام، لان التكاليف الواقعية بذاتها ليست بحرجية، و انما العلم بامتثالها المستلزم للاحتياط باتيان الاطراف المحتملة هو الموجب للوقوع في الحرج، و لا يستفاد من ادلة الحرج هذا المعنى بل‏

87

.....

____________

المستفاد منها هو رفع الحكم الذي يكون بذاته حرجيا، فهي اجنبية- بناء على هذا- عن الحرج الذي يستلزمه العلم بالامتثال، فلا حكومة لها في المقام على ادلة التكاليف الواقعيّة، و بعد حرمة الاحتياط المستلزم لاختلال النظام و العلم باهتمام الشارع بلزوم التعرض لامتثال احكامه فلا بد من الاحتياط في الاطراف الباقية بعد الاقتحام فيما يوجب الاحتياط فيه الاختلال.

و قد اشار الى عدم وجوب الاحتياط فيما يوجب الاختلال في النظام، و انه مما لا شك فيه لان ما يوجب الاختلال مما يقطع بحرمته فضلا عن عدم وجوبه، فلا كلام في رفع الاحتياط الموجب للاختلال بقوله: «و اما المقدمة الرابعة فهي بالنسبة الى عدم وجوب الاحتياط التام بلا كلام في» خصوص «ما يوجب عسره اختلال النظام».

و اشار الى عدم حكومة ادلة العسر على التكاليف الواقعية في المقام في الاحتياط الحرجي في بقية المحتملات الذي لا يوجب الاختلال في النظام بقوله: «و اما فيما لا يوجب» ذلك «فمحل نظر بل منع لعدم حكومة قاعدة نفي العسر و» نفي «الحرج» كمثل قوله تعالى‏ وَ ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ‏ «على قاعدة الاحتياط» في المقام «و ذلك لما حققناه» في مبحث قاعدة لا حرج و لا ضرر «في معنى ما دل على نفي الضرر كقوله (صلى اللّه عليه و آله و سلم): (لا ضرر و لا ضرار) (1) «و» قاعدة نفي «العسر» و الحرج كالآية المتقدمة «من ان التوفيق بين دليلهما» أي بين دليل لا ضرر و لا حرج «و دليل التكليف» كدليل وجوب الوضوء «او الوضع» كرفع السلطنة على التصرف في ما يملك اذا كان ذلك مضرا بالغير، كما في قضية سمرة بن جندب، فان النبي (صلى اللّه عليه و آله و سلم) منع سمرة من التصرّف في نخيلة حيث كان تصرفه مستلزما لضرر الانصاري، و قال للانصاري اقلعها و ارم بها وجهه، فان مقتضى التوفيق بين‏

____________

(1) الكافي، ج 5، ص 294.

88

.....

____________

ادلة التكليف و الوضع «المتعلقين بما يعمّهما» أي بما يعمّ الحرج و الضرر، اذ ليس كل وضوء- مثلا- حرجيا، و لا كل سلطنة على التصرف ضررية، و دليل نفي الضرر و الحرج «هو نفيهما» أي نفي التكليف و الوضع «عنهما» أي عن مورد الضرر و الحرج «بلسان نفيهما» أي بلسان نفي الضرر و الحرج كناية او ادّعاءً عن التكليف و الوضع الذي يكونان بذاتهما حرجيين، و ان الحرجية وصف لهما بحال نفسهما لا بحال متعلقهما.

و على هذا «فلا يكون له» أي لدليل نفي الحرج في المقام «حكومة على الاحتياط العسر» غير المخل بالنظام فيما «اذا كان» الاحتياط «بحكم العقل» لاجل العلم بالامتثال بعد قيام الضرورة و الاجماع على اهتمام الشارع في لزوم امتثال احكامه في الجمع بين المحتملات في غير ما يوجب الاختلال، و ذلك «لعدم العسر في» نفس «متعلق التكليف» كمثل الوضوء بالماء البارد في شدة البرد «و انما هو» أي العسر «في الجمع بين محتملاته احتياطا» لاجل العلم بحصول الامتثال، فان التكليف الواقعي بذاته لا عسر فيه، و انما العسر في الاحتياط الحاكم به العقل لاجل احراز الامتثال و هو خارج عن ذات التكليف الواقعي.

ثم اشار الى ان حكومة ادلة العسر في المقام على التكاليف الواقعية انما تتم على ما استفاده الشيخ بقوله: «نعم لو كان معناه» أي معنى دليل العسر «هو نفي الحكم الناشئ من قبله العسر» برفع السبب بلسان رفع مسببه «كما قيل لكانت قاعدة نفيه» أي نفي العسر على هذه الاستفادة «محكمة على قاعدة الاحتياط» لحكومتها عليها «لان العسر حينئذ يكون من قبل التكاليف المجهولة فتكون منفية بنفيه» لان المستفاد منها رفع السبب الموجب للعسر، و الحكم المجهول هو السبب الذي اقتضى الاحتياط المستلزم للعسر، فيكون الحكم منفيا بلسان نفي مسببه و هو الاحتياط الموجب للعسر.

89

[تعريض المصنف للشيخ الاعظم بانه لا موجب الاحتياط في بقية الاطراف‏]

و لا يخفى أنه على هذا لا وجه لدعوى استقلال العقل بوجوب الاحتياط في بعض الاطراف بعد رفع اليد عن الاحتياط في تمامها، بل لا بد من دعوى وجوبه شرعا، كما أشرنا إليه في بيان المقدمة الثالثة، فافهم و تأمل جيدا (1).

____________

(1) يشير بهذا الى الردّ على الشيخ، و توضيحه: ان الشيخ بعد قوله بحكومة ادلة نفي الحرج على التكاليف الواقعيّة فيما يوجب امتثالها العسر غير الموجب للاختلال ادعى استقلال العقل بالحكم بلزوم الاحتياط في بقية الاطراف التي لا يوجب اتيانها اختلال النظام و لا الحرج، و مرجع دعوى استقلال العقل بذلك هو منجزية العلم الاجمالي بوجوب الاحتياط في الاطراف الباقية، و قد عرفت ان العلم الاجمالي يسقط عن قابليته للتنجيز بعد الترخيص في بعض اطرافه، لعدم امكان التفكيك بين عدم حرمة المخالفة القطعية و عدم وجوب الموافقة القطعية، و لا بد ان يكون الموجب لوجوب الاحتياط في الاطراف الباقية هو العلم باهتمام الشارع دون العلم الاجمالي، لعدم امكان التفكيك، و الى هذا اشار بقوله: «و لا يخفى انه على هذا» أي على مبنى حكومة ادلة نفي الحرج على التكاليف الواقعية و رفع اثر العلم الاجمالي في التنجيز الموجب للاحتياط في تمام الاطراف «لا وجه لدعوى استقلال العقل بوجوب الاحتياط في بعض الاطراف» و هي الاطراف الباقية غير الموجبة للحرج «بعد رفع اليد عن» تأثير العلم الاجمالي في لزوم «الاحتياط في تمامها» أي تمام الاطراف، و السبب في عدم وجه هذه الدعوى هو ما عرفت من عدم امكان التفكيك المقتضية لسقوط العلم الاجمالي عن التأثير رأسا.

ثم اشار الى ان الاحتياط في بقية الاطراف لا بد و ان يكون مستنده ما تقدم في المقدمة الثالثة من قيام الضرورة و الاجماع على عدم جواز الاهمال بقوله: «بل لا بد من دعوى وجوبه شرعا ... الى آخر الجملة».

90

[الرجوع الى الاصول و تفصيل الكلام فيها]

و أما الرجوع إلى الاصول، فبالنسبة إلى الاصول المثبتة من احتياط أو استصحاب مثبت للتكليف، فلا مانع عن إجرائها عقلا مع حكم العقل و عموم النقل. هذا، و لو قيل بعدم جريان الاستصحاب في أطراف العلم الاجمالي لاستلزام شمول دليله لها التناقض في مدلوله، بداهة تناقض حرمة النقض في كل منها بمقتضى (لا تنقض) لوجوبه في البعض، كما هو قضية (و لكن تنقضه بيقين آخر) (1) و ذلك لانه إنما يلزم فيما إذا

____________

(1) لا يخفى ان المقدمة الرابعة بعد تمامية المقدمة الثالثة- و هي عدم جواز الاهمال- فانه حيث علم عدم جواز الاهمال و انه لا بد للمكلف من التعرّض لما يخرج به عن اهمال التكاليف المعلومة اجمالا، و حينئذ تأتي هذه المقدمة الرابعة، فان ما يخرج به المكلف عن الاهمال اما العمل بالاحتياط و قد مرّ الكلام فيه، و اما بالرجوع الى الاصول و هذا الشق هو محل الكلام و سيأتي الكلام في غيره.

و المدعى عدم جواز الرجوع الى الاصول سواء كانت نافية للتكليف كالبراءة و الاستصحاب النافي و التخيير، او مثبتة للتكليف كالاحتياط و الاستصحاب المثبت للتكليف.

اما الاصول النافية فلازمه الاهمال و عدم العمل نتيجة، و قد عرفت عدم جواز الاهمال بحكم المقدمة الثالثة و سيأتي تعرّض المصنف لها و الجواب عن ذلك.

و اما المثبتة للتكليف و هما الاحتياط و الاستصحاب المثبت، و قد استدل على عدم جواز الرجوع اليهما بوجهين: احدهما: عام لهما، و الثاني: يختص بخصوص الاستصحاب.

فالوجه الاول- العام لهما- هو ما مرّ من ان الرجوع الى الاحتياط و الاستصحاب المثبت للتكليف في اطراف العلم الاجمالي يلزم منه العسر المخل و الحرج المرفوع بادلة العسر.

91

.....

____________

و فيه مضافا الى ما مرّ من الكلام في خصوص الاحتياط المستلزم للحرج ان المفروض في هذا الشق هو الرجوع الى الاصل الاحتياطي و الاستصحاب المثبتين للتكاليف في ما لا يلزم فيه عسر مخل بالنظام او موجب للحرج، و الّا لم يكن هذا الشق شقا مقابلا للاحتياط.

و الوجه الثاني- المختصّ بخصوص الاستصحاب- و هو الذي اشار اليه بقوله:

«و لو قيل بعدم جريان الاستصحاب في اطراف العلم الاجمالي لاستلزام شمول دليله ... الى آخره».

لا يخفى ان المانع من جريان الاستصحاب بل ساير الاصول في اطراف العلم الاجمالي في غير المقام، كما لو علمنا- مثلا- بنجاسة احد الإناءين المسبوقين بالعلم بالطهارة او طهارة احد الإناءين المسبوقين بالعلم بنجاستهما- سيأتي الكلام فيه في بابه على تفصيل بين ما يلزم من جريان الاصول مخالفة عملية كالاول، و بين ما لا يلزم من جريانها مخالفة عملية كالثاني، و معنى لزوم المخالفة العملية و عدم لزومها انه لو عملنا على وفق الاصول تلزم المخالفة العملية كالاول، و هو ما لو علمنا بنجاسة احد الإناءين و كان العلم السابق طهارتهما فان اجراء الاصول في الاطراف معناه طهارة الإناءين، فلو عملنا بالطهارة في كليهما تلزم المخالفة العملية لما علمنا بالاجمال و هو نجاسة احد الإناءين، فانه عند ملاقاتهما معا يعلم بنجاسة الملاقي قطعا، بخلاف الثاني فانه لو علمنا بنجاسة الإناءين سابقا ثم علمنا بطهارة احدهما، فان جريان الاصول معناه نجاسة الإناءين معا، و لا يلزم من ذلك مخالفة عملية، لان معنى نجاستهما معا تركهما معا و لا يلزم من تركهما معا مخالفة عملية.

و اما الكلام في جريان خصوص الاستصحاب في اطراف العلم الاجمالي في المقام و عدمه فقد اشار المصنف الى الوجه الذي ذكر مانعا في المقام، و هو لزوم التناقض بين صدر الدليل و ذيله الدال على حجية الاستصحاب.

92

.....

____________

و لا يخفى ان هذا لو تم لمنع من جريان الاستصحاب في اطراف العلم الاجمالي مطلقا سواء في المقام و في غيره، و سواء كان الاستصحاب مثبتا للتكليف كما لو علمنا بطهارة احد الإناءين المسبوقين بالعلم بنجاسة كليهما، او نافيا للتكليف كما اذا علمنا بنجاسة احد الإناءين المسبوقين بالعلم بطهارتهما، فان اليقين السابق فيهما هو عدم نجاستهما، و سواء ألزم من جريان الاستصحاب مخالفة عملية ام لا، لان ملخص هذا الدليل هو ان دليل الاستصحاب لا يشمل الاستصحاب الجاري في اطراف العلم الاجمالي مطلقا، و هو قوله (عليه السّلام): (لا ينقض اليقين بالشك و لكن ينقضه بيقين آخر) (1) لان لازم شموله لاطراف العلم الاجمالي هو المناقضة بين صدر الرواية و ذيلها، لان اطلاق صدر الرواية يشمل الشك المقرون بالعلم الاجمالي، و اطلاق ذيلها يشمل اليقين الموجود في العلم الاجمالي، فان الصدر يدل على حرمة نقض اليقين بالشك و لو كان الشك مقترنا بالعلم الاجمالي، و الذيل يدل باطلاقه على جواز نقض اليقين السابق باليقين اللاحق و لو كان ذلك اليقين هو اليقين الاجمالي.

فان لم يكن الذيل قرينة على الصدر الذي لازمه دلالة الرواية على كون اليقين السابق- الذي هو الموضوع في الاستصحاب- محددا باليقين الاجمالي اللاحق، و عليه لا يكون اليقين السابق الذي هو احد ركني الاستصحاب متحققا في مورد العلم الاجمالي، لان اليقين السابق فيه ملحوق باليقين الناقض، فلا اقل من معارضة الذيل و الصدر، و لازمه الاجمال في الرواية فلا يكون لها ظهور في الشمول لمورد العلم الاجمالي.

و قبل الشروع في الجواب عنه في المقام نقول: قد تقدّم من المصنف المناقشة في هذه الدعوى، و ان اليقين في الذيل ليس له اطلاق يشمل اليقين الاجمالي، لان المستفاد

____________

(1) تهذيب الاحكام، ج 1، ص 8.

93

.....

____________

من الرواية هو كون اليقين اللاحق مثل اليقين السابق، و ان المتحصل منها هو نقض اليقين السابق بيقين مثله لاحق له، فيما اذا كان اليقين السابق تفصيليا فلا ينقضه الا اليقين اللاحق التفصيلي، و لا يكون اليقين الاجمالي اللاحق ناقضا له.

نعم لو كان اليقين السابق اجماليا ثم تعقبه يقين اجمالي متعلق بما تعلق به الاول كان ناقضا له، كما لو علمنا بنجاسة احد الإناءين ثم شككنا في بقاء النجس المعلوم بالاجمال فيجري الاستصحاب، و معناه بقاء ذلك النجس بالاجمال، لكنه لو علمنا بطهارة ما كان نجسا بالاجمال كان هذا العلم ناقضا له.

و الحاصل: ان المستفاد من الرواية هو كون اليقين في الذيل مؤكدا لا محددا و مقيدا، و انها تدل على ان حكم اليقين السابق لا يرتفع بالشك، و انما يرتفع فيما اذا ارتفع اليقين السابق و حلّ محلّه يقين متعلق بنقيض ما تعلق به اليقين الاول، و على هذا فالرواية تشمل الاستصحاب الجاري في مورد العلم الاجمالي.

و قد اشار المصنف الى المناقشة في اصل هذه الدعوى بنسبتها الى القيل فقال (قدس سره): «و لو قيل» أي انا لا نجيب عن هذه الدعوى في المقام بالمناقشة في اصل هذه الدعوى، بل نجيب عنها في المقام على فرض تسليمها بما سيشير اليه من الجواب الآتي عنها في خصوص المقام.

ثم اشار الى نفس الدعوى بقوله: «بعدم جريان الاستصحاب في اطراف العلم الاجمالي لاستلزام شمول دليله» أي دليل الاستصحاب و هو الرواية المتقدمة «لها» أي للاستصحابات المثبتة للتكاليف في اطراف العلم الاجمالي «التناقض في مدلوله» أي في مدلول دليل الاستصحاب «بداهة» لزوم ال «تناقض» بين «حرمة النقض في كل منها» المستفاد من صدر الرواية «بمقتضى لا تنقض» في قوله في صدرها لا تنقض اليقين بالشك الشامل باطلاقه للشك المقترن بالعلم الاجمالي، و بين وجوب النقض لليقين السابق باليقين الاجمالي المستفاد هذا الوجوب من اطلاق ذيل الرواية، فحرمة النقض الدال عليها الصدر مناقضة

94

كان الشك في أطرافه فعليا. و أما إذا لم يكن كذلك، بل لم يكن الشك فعلا إلا في بعض أطرافه، و كان بعض أطرافه الأخر غير ملتفت إليه فعلا أصلا، كما هو حال المجتهد في مقام استنباط الاحكام، كما لا يخفى، فلا يكاد يلزم ذلك، فإن قضية (لا تنقض) ليس حينئذ إلا حرمة النقض في خصوص الطرف المشكوك، و ليس فيه علم بالانتقاض كي يلزم التناقض في مدلول دليله من شموله له (1)،

____________

«لوجوبه في البعض» أي لوجوب النقض في البعض «كما هو قضية» ذيل الرواية و هو قوله: «و لكن تنقضه بيقين آخر».

(1) هذا هو الجواب عن هذه الدعوى في المقام بعد تسليمها في غيره.

و حاصله: ان المتحصّل من هذه الدعوى هو عدم جريان الاستصحاب و ان كان مثبتا للتكليف في اطراف العلم الاجمالي في المقام بوجود تكاليف فعلية كما هو المفروض، لانه كما لنا علم اجمالي بوجود تكاليف فعلية في مجموعة ابواب الفقه، كذلك لنا علم اجمالي آخر و هو انه نعلم اجمالا بان بعض هذه الاستصحابات المثبتة غير صحيح، فلنا علم اجمالي بفساد بعض هذه الاستصحابات، و ان بعضها يجب نقضه لفساده.

و مع هذا اليقين الاجمالي بفساد بعضها لا وجه لجريانها كلها في المقام، لما عرفت من اشتراط جريان الاستصحاب بغير مور العلم الاجمالي، و كما لا يجري استصحاب النجاسة في كلا الإناءين بعد العلم الاجمالي بطهارة احدها للعلم الاجمالي بفساد احد الاستصحابين، كذلك لا تجري الاستصحابات المثبتة للتكاليف في مجموع ابواب الفقه للعلم الاجمالي بفساد بعضها.

و توضيح الجواب عن هذه الدعوى: انه فرق بين الاستصحابين الجاريين في المثال، و بين جريان الاستصحابات المثبتة في مجموع ابواب الفقه في المقام، لوضوح كون استنباط الاحكام للمجتهد الناظر في الفقه امرا تدريجيا، و مع كون الحال‏

95

.....

____________

تدريجيا لا تكون الاستصحابات الجارية كلها فعلية في وقت واحد، كالاستصحابين الجاريين في نجاسة الإناءين الذي علم بطهارة احدهما، فان الشك في طهارة كل واحد من الطرفين فعلي فيجريان معا، و يحصل العلم الاجمالي بالفعل بفساد احدها للعلم بطهارة احد الإناءين.

و اما في المقام فليس كذلك لتدريجيّة الاستنباط، فان المجتهد الذي له علم بحكم كلي في احد ابواب الفقه كالصلاة او الزكاة ثم يشك في بقائه فانه يجري الاستصحاب فيه، و في حال شكه في هذا الحكم لا شك له فعلي في الحكم الكلي الآخر في الموارد الأخر من ابواب الفقه، ففي حال إجرائه للاستصحاب في باب الصلاة- مثلا- لا شك له بالفعل في أحكام الزكاة و غيرها من ابواب الفقه ليكون الاستصحاب في تلك الابواب جاريا بالفعل، فيحصل العلم الاجمالي بفساد احدها، و حيث لا شك بالفعل الا الشك في باب الصلاة- مثلا- فلا استصحاب جار بالفعل الا هذا الاستصحاب، و لم تكن الاستصحابات في الابواب الأخر جارية بالفعل، لعدم الشك بالفعل فيها، لان المجتهد بالفعل غير ملتفت اليها لا يقين و لا شك له فعلي بالنسبة اليها، فلا علم اجمالي له بالفعل بفساد احدها لعدم فعلية الاستصحابات فيها.

و من الواضح ان المراد باليقين الاجمالي الناقض لليقين السابق في الرواية- لو دلّت على ذلك- هو اليقين الاجمالي الفعلي المتوقف حصوله بالفعل على حصول الشك بالفعل في جميع الاطراف، ليجري الاستصحاب في جميعها بالفعل فيحصل العلم الاجمالي بفساد بعضها. و قد عرفت عدمه لتدريجيّة الاستنباط للمجتهد، و ان المجتهد في مقام الاستنباط غير ملتفت الّا الى اليقين و الشك في احد الاحكام الذي يريد استنباطه، فهو دائما لا علم اجمالي له بالفعل في فساد احد الاستصحابات لعدم فعليتها، و الاستصحاب جار عنده دائما في بعض الاطراف لا في جميع الاطراف من ابواب الفقه، ليحصل له العلم الاجمالي بالفساد الناقض بحسب دلالة ذيل الرواية.

96

.....

____________

و الى ما ذكرنا اشار بقوله: «و ذلك» أي و ما قلناه من جريان الاصول المثبتة في اطراف العلم الاجمالي صحيح، و لا يمنع منه ما قيل من دلالة الرواية على عدم جريان الاستصحابات فيما اذا علم اجمالا بفساد بعضها و عدم صحته، بان يكون اطلاق اليقين في ذيل الرواية شاملا لليقين الاجمالي، فيكون محددا لليقين السابق الذي دلّ عليه صدر الرواية، فيكون المستفاد منها ان اليقين السابق- الذي هو احد ركني الاستصحاب- مشروطة حرمة نقضه بان لا يلحقه يقين اجمالي بالخلاف كما عرفت تفصيله، و انما لا يمنع ما قيل «لانه انما يلزم فيما اذا كان الشك في جميع اطرافه فعليا» و فعليته في جميع الاطراف أي في جميع ابواب الفقه تتوقف على فعلية اليقين و الشك فيها لتجري الاستصحابات كلها، فيعلم- حينئذ- اجمالا بفساد بعضها «و اما اذا لم يكن» الحال «كذلك بل لم يكن الشك فعلا الا في بعض اطرافه» و هو المورد الذي يكون المجتهد بصدد استنباط الحكم فيه «و كان بعض اطرافه الأخر غير ملتفت اليه فعلا اصلا كما هو» المشاهد من «حال المجتهد في مقام استنباط الاحكام» فانه لا يقين و لا شك له فعلي الّا في ذلك المورد الذي هو بصدد استنباط الحكم فيه.

و حينئذ فلا يكون ما ذكروه مانعا بمانع لعدم فعلية اليقين و الشك في جميع الاطراف، فلا تكون الاستصحابات فعلية، فلا علم اجمالي بفساد بعضها «فلا يكاد يلزم ذلك» المانع الذي ذكروه «فان» المتحقق بالفعل عند المجتهد المستنبط للاحكام بالتدريج صدر الرواية لا غير من دون ذيلها و هي «قضية لا تنقض» اليقين بالشك و «ليس» للمجتهد «حينئذ الّا حرمة النقض في خصوص الطرف المشكوك» و هو الذي يكون استنباطه بالفعل «و ليس فيه» أي و ليس في ذلك المورد الذي هو محل استنباطه «علم بالانتقاض» لعدم تحقق موضوع الاستصحاب بالفعل في بقية الاطراف «كي يلزم التناقض في مدلول دليله» أي دليل الاستصحاب «من» جهة «شموله له» أي للمورد الذي يكون المجتهد بصدد الاستنباط فيه.

97

فافهم (1).

و منه قد انقدح ثبوت حكم العقل و عموم النقل بالنسبة إلى الاصول النافية أيضا، و أنه لا يلزم محذور لزوم التناقض من شمول الدليل لها لو لم يكن هناك مانع عقلا أو شرعا من إجرائها، و لا مانع كذلك لو كانت موارد الاصول المثبتة بضميمة ما علم تفصيلا، أو نهض عليه علمي‏

____________

(1) و لعله يشير الى ان علم المجتهد اجمالا لا بفساد بعض الاستصحابات لا يتوقف على فعلية تلك الاستصحابات، فان المجتهد الذي له علم اجمالي بتكاليف واقعية له علم اجمالي ايضا بفساد بعض الاستصحابات المثبتة للتكاليف في مواردها بادائها الى خلاف بعض التكاليف الواقعيّة، و هذا العلم حاصل له بالفعل و ان لم تكن الاستصحابات كلها فعليّة. و فرض غفلته عن ذلك مع كونه من القائلين بالانسداد الملتفت الى مقدمات الانسداد و ما قيل فيها فرض الخلف تقريبا.

فالاولى في ردّ هذه الدعوى ما سبق منه و ما يأتي في باب الاستصحاب: من عدم دلالة الرواية على نقض اليقين السابق باليقين الاجمالي اللاحق.

و يؤيد عدم صحة هذا الاشكال من دعوى شمول الرواية لليقين الاجمالي، انه لو شملت الرواية اليقين الاجمالي لما جرى استصحاب اصلا، للعلم الاجمالي بان احد الاستصحابات التي يجريها المكلف هي غير صحيحة و مخالفة للواقع، مثلا لو اجريت جملة كثيرة من الاستصحابات- مثلا- في الاناء الذي علم بنجاسته، فالشك في طهارته المستلزم لاستصحاب النجاسة في كل منها يعلم اجمالا بعدم صحة احد الاستصحابات الجارية في نجاسة كل واحد من الاناءات لطهارة احد الاناءات التي علم بنجاستها ثم شك في طهارتها.

و الحاصل: انه لو تم اشكال الشيخ لما جرى استصحاب اصلا، للعلم بالانتقاض في بعض ما يجري المكلف من الاستصحابات في مدّة عمره، و اللّه العالم.

98

بمقدار المعلوم إجمالا، بل بمقدار لم يكن معه مجال لاستكشاف إيجاب الاحتياط، و إن لم يكن بذاك المقدار (1)، و من الواضح أنه يختلف‏

____________

(1) لا يخفى ان المتحصّل من مجموع ما اشار اليه المصنف في المتن: ان المانع من الرجوع الى الاصول النافية و هي الاستصحاب النافي للتكليف و البراءة العقلية و النقلية و التخيير امور ثلاثة:

الاول: لزوم التناقض الذي مرّ بيانه في دليل الاستصحاب بالنسبة الى الاصول المثبتة، فانه عينا جار في الاستصحاب النافي ايضا حرفا حرفا، و قد عرفت انه لا وجه له.

و الى هذا اشار بقوله: «و انه لا يلزم محذور التناقض من شمول الدليل لها» أي للاصول النافية.

الثاني: لزوم القطع بالمخالفة العملية في اجراء الاصول النافية للقطع بوجود تكاليف واقعية في بعض مواردها، و سيأتي في بابه ان القطع بحصول المخالفة العملية مانع عقلي من اجراء الاصول، و بعد القطع بوجود تكاليف واقعية في بعض موارد الاصول النافية يحصل العلم بالمخالفة العملية لهذه التكاليف الواقعية المعلومة اجمالا فيتحقق هذا المانع العقلي.

الثالث: ما اشرنا اليه فيما سبق: من ان نتيجة اجراء الاصول النافية هو اهمال التكاليف الواقعية و عدم التعرّض لامتثالها، و قد تقدّم في المقدمة الثانية عدم جواز الاهمال للقطع باهتمام الشارع الكاشف عن ايجاب الاحتياط شرعا، و قد اشار اليها بقوله: «لو لم يكن هناك مانع عقلا او شرعا من اجرائها» أي من اجراء الاصول النافية.

و لما كان الجواب عنهما مشتركا اشار اليه بقوله: «و لا مانع ... الى آخر كلامه».

و حاصله: ان القطع بالمخالفة العملية و العلم بما لا يرضى به الشارع انما يكونان حيث لا ينحلّ العلم الاجمالي بالتكاليف الواقعيّة، فانه اذا انحلّ العلم الاجمالي لا تتحقق المخالفة العملية القطعية، و لا يكون إلّا المخالفة الاحتمالية التي لا مانع من‏

99

.....

____________

اجراء الاصول النافية فيها، و كذا العلم بما لا يرضى به الشارع من الاهمال، فانه مع حصول الامتثال لمقدار من التكاليف به يتحقق الاهتمام بأوامر الشارع، فلا مانع من اجراء الاصول النافية في الباقي، لعدم حصول الاهمال الذي لا يرضى به الشارع من اجرائها.

و الانحلال يتحقق بضمّ الاصول المثبتة للتكاليف الى ما قام عليه الدليل العملي المقطوع بحجيته و هو الخبر الصحيح الاعلائي مثلا، و هو الذي كل رجاله معدلون بعدلين الى ما هو معلوم قطعا، و هو ما قام عليه الخبر المتواتر او المحفوف بالقرائن القطعيّة و ما قام عليه الاجماعات المحصلة، فانه بضمّ هذه الامور كلها ينحلّ العلم الاجمالي لحصول مقدار من التكاليف بعضها تكاليف واقعية و بعضها مما يحتمل انطباق التكاليف المعلومة بالاجمال عليها، بحيث لا يبقى لنا علم اجمالي بوجود تكاليف واقعية في الباقي و انما يحتمل ذلك، و حينئذ لا يكون اجراء الاصول النافية موجبا للعلم بالمخالفة القطعية العملية للتكاليف المعلومة بالاجمال، و انما يحتمل المخالفة لا غير، و لا مانع من احتمال المخالفة، و انما المانع هو العلم بالمخالفة.

و منه يظهر انه لا مانع ايضا من جهة لزوم الاحتياط المستكشف من اهتمام الشارع، لوضوح انه بعد تحقق هذا المقدار من التكاليف يحصل به الامتثال للاحتياط المستكشف، بل ربما يقال بان ما يحصل به الامتثال للاحتياط هو اقل من المقدار الذي ينحل به العلم الاجمالي، و الى ما ذكرنا اشار بقوله: «و لا مانع كذلك» أي كما انه لا مانع من اجراء الاصول النافية من جهة لزوم التناقض، كذلك لا مانع من جهة المانع العقلي و هو لزوم المخالفة القطعيّة العملية «لو» انحل العلم الاجمالي بان «كانت موارد الاصول المثبتة بضميمة ما علم تفصيلا او نهض عليه علمي بمقدار المعلوم اجمالا».

و الى عدم المانع الشرعي و هو الاحتياط المستكشف من اهتمام الشارع اشار بقوله: «بل بمقدار» أي لو حصل من الاصول المثبتة و ضميمة مقدار من الاحكام‏

100

باختلاف الاشخاص و الاحوال (1).

____________

بحيث «لم يكن معه» أي مع حصول ذلك المقدار «مجال لاستكشاف ايجاب الاحتياط» في الباقي «و ان لم يكن» ذلك المقدار الحاصل بقدر ذلك المقدار الذي انحل به العلم الاجمالي بان يكون اقل منه.

فانه حيث فرض عدم تأثير العلم الاجمالي لسقوطه عن التأثير في بعض الاطراف، و هي التي يحصل من الاحتياط فيها الاختلال او العسر بناء على جريانه كما عرفت في المقدمة الرابعة، لعدم امكان التفكيك بين حرمة المخالفة و وجوب الموافقة، فمع الرخصة في بعض الاطراف لا مجال لتأثير العلم الاجمالي الاحتياط في الطرف الآخر، و ان المانع هو الاحتياط المستكشف من الاهتمام، فالمدار على هذا المانع الشرعي، و اذا قام العلم و العلمي و الاصول المثبتة على مقدار من التكاليف و ان كانت اقل مما ينحل به العلم الاجمالي لكنها كانت بحيث لا يحرز اهتمام الشارع فيما عداها، فلا مانع من اجراء الاصول النافية، و ان لم ينحل العلم الاجمالي بها، لانه حيث كان لا تأثير له فلا مخالفة عملية له، و المانع الشرعي قد انحل بها على الفرض، فلا بأس بان تكون اقل مما ينحل به العلم الاجمالي لو كان مؤثرا.

(1) اما الاختلاف بحسب الاشخاص فلاختلافهم فيما هو من العلم و العلمي و من الاصول المثبتة، اما في العلم فكالخبر المحفوف بالقرائن القطعية، فانهم قد يختلفون في مصداق ذلك، و كالاجماعات المحصّلة فانهم ايضا يختلفون في مصاديقها.

و اما العلمي فلاختلافهم في لزوم تعديل رجاله كلهم بعدلين او كفاية عدل واحد.

و اما في الاصول المثبتة فلاختلافهم في حصول اليقين و الشك لبعضهم دون بعض آخر.

و اما الاختلاف بحسب الاحوال فللفرق الواضح بين موارد الفروج و الدماء و غيرها من الموارد في استكشاف الاهتمام و عدمه.