بداية الوصول في شرح كفاية الأصول‏ - ج6

- الشيخ محمد طاهر آل راضي المزيد...
404 /
101

و قد ظهر بذلك أن العلم الاجمالي بالتكاليف ربما ينحل ببركة جريان الاصول المثبتة و تلك الضميمة، فلا موجب حينئذ للاحتياط عقلا و لا شرعا أصلا، كما لا يخفى (1).

كما ظهر أنه لو لم ينحل بذلك، كان خصوص موارد الاصول النافية مطلقا- و لو من مظنونات عدم التكليف- محلا للاحتياط فعلا، و يرفع اليد عنه فيها كلا أو بعضا، بمقدار رفع الاختلال أو رفع العسر- على ما عرفت- لا محتملات التكليف مطلقا (2).

____________

(1) هذا الاستظهار تفريع على ما ذكره: من ان ما يحصل من العلم و العلمي و الاصول المثبتة ربما يكون بمقدار المعلوم بالاجمال، و ربما يكون بمقدار لا يكون معه مجال لاستكشاف اهتمام الشارع، فانه يترتب على الاول انحلال العلم الاجمالي، و يترتب على الثاني عدم وجوب الاحتياط شرعا في الباقي، و لذا قال (قدس سره):

«فلا موجب حينئذ للاحتياط عقلا» و ذلك فيما اذا انحل العلم الاجمالي «و لا شرعا» و ذلك فيما اذا لم يجب الاحتياط شرعا بواسطة حصول ما يفي باهتمام الشارع.

(2) توضيحه: ان المشهور بعد تمامية مقدمات الانسداد كلها، و هي العلم الاجمالي، و انسداد باب العلم و العلمي، و عدم جواز الاهمال، و عدم وجوب الاحتياط، و عدم جواز الرجوع الى الاصول مطلقا نافية او مثبتة، فالنتيجة عندهم هو حجية مطلق الظن لانه ارجح المحتملات.

و الشيخ الاعظم حيث يرى جواز التفكيك بين حرمة المخالفة و وجوب الموافقة اورد عليهم بان نتيجة مقدمات الانسداد بعد تماميتها هو التبعيض في الاحتياط في جميع موارد احتمال التكليف، سواء المظنونات و المشكوكات و الموهومات لا الاخذ بخصوص المظنونات، لانه اذا لم يمكن الاحتياط التام فلا وجه لرفع اليد عنه مطلقا، و الاخذ بخصوص المظنونات.

102

.....

____________

و يظهر منه انه لا فرق عنده بين موارد الاصول المثبتة و النافية، لعدم جواز الرجوع الى الاصول عنده مطلقا، و انه يرى التبعيض في الاحتياط مطلقا فيما عدا ما يلزم منه الاختلال او العسر.

و على ما ذكره المصنف من جريان الاصول المثبتة، و انه لا مانع من اجرائها كما مرّ، فلا تكون نتيجة مقدمات الانسداد هو حجية مطلق الظن و لو في موارد الاصول المثبتة كما يراه المشهور، و لا تكون النتيجة عنده هو التبعيض في الاحتياط ايضا كما يراه الشيخ (قدس سره) و ذلك لجريان الاصول المثبتة ايضا.

فعلى فرض الالتزام بان نتيجة الانسداد هو التبعيض في الاحتياط لا حجية مطلق الظن لامكان التفكيك في العلم الاجمالي، و ان العلم الاجمالي مع الرخصة في بعض اطرافه يكون باقيا على تنجيزه في الاطراف، و لازمه الاحتياط في الباقي، و هو المراد من تبعيض الاحتياط، و لكن لازمه الاحتياط في خصوص الاصول النافية مطلقا و لو كانت من مظنونات عدم التكليف، لان لازم الانسداد هو التبعيض في الاحتياط دون حجية مطلق الظن كما يراه المشهور، لكن لازمه الاحتياط في خصوص الاصول النافية لا ما يعم الاصول المثبتة، لعدم الوجه في الاحتياط فيها لما عرفت من عدم المانع من اجرائها، فلا وجه لتبعيض الاحتياط مطلقا حتى في موارد الاصول المثبتة كما يراه الشيخ، لما عرفت من عدم المانع من اجراء الاصول المثبتة، فلا وجه للاحتياط في مواردها، و لذا قال (قدس سره): «كما ظهر انه لو لم ينحل» العلم الاجمالي «بذلك» أي بما علم تفصيلا او بواسطة العلمي و الاصول المثبتة «كان» اللازم هو «خصوص موارد الاصول النافية» لا ما يعم الاصول المثبتة «مطلقا و لو» كانت موارد الاصول النافية «من مظنونات عدم التكليف» فانها تكون «محلا للاحتياط فعلا و» انما «يرفع اليد عنه» أي عن الاحتياط «فيها» أي في خصوص موارد الاصول النافية و لو كانت من مظنونات عدم التكليف «كلا» بناء على الانحلال «او بعضا» بناء على عدم الانحلال، فانه يكون رفع اليد عن‏

103

[الرجوع الى فتوى العالم الانفتاحي‏]

و أما الرجوع إلى فتوى العالم فلا يكاد يحرز، ضرورة أنه لا يجوز إلا للجاهل لا للفاضل الذي يرى خطأ من يدعي انفتاح باب العلم أو العلمي، فهل يكون رجوعه إليه بنظره إلا من قبيل رجوع الفاضل إلى الجاهل (1)؟

____________

الاحتياط بناء على عدم الانحلال «بمقدار رفع الاختلال او رفع العسر على ما عرفت» من الكلام في خصوص ادلة العسر و «لا» وجه للاحتياط في «محتملات التكليف مطلقا» و لو في موارد الاصول المثبتة.

(1) الراجع الى الغير اما ان يكون مجتهدا او غير مجتهد، و غير المجتهد خارج عن موضوع دليل الانسداد، لان المفروض قيام ذلك عند المجتهد، لان الكلام في الاحكام الكلية في موارد الشبهة الحكميّة الموكول امرها الى المجتهد.

و اما المجتهد الذي يرى انسداد باب العلم كما هو المفروض، فاما ان يرجع الى من يرى الانسداد، فحكم الراجع هو حكم المرجوع اليه لعدم اختلاف حكم الامثال.

و اما ان يكون المجتهد المرجوع اليه ممن يرى الانفتاح فلا يجوز ان يرجع اليه من يعتقد خطأه في بنائه على الانفتاح، فانه من رجوع العالم الى الجاهل بحسب نظر المجتهد الراجع الى غيره، لان المفروض كون الراجع يعتقد الانسداد و المرجوع اليه يرى الانفتاح، و من الواضح ان المعتقد بالانسداد خطأ من يرى الانفتاح، و الى هذا اشار بقوله: «فلا يكاد يجوز» أي لا يكاد يجوز رجوع العالم الذي يرى الانسداد الى فتوى عالم غيره، لانه إن كان انسداديا فحالهما سواء، و ان كان انفتاحيا فلا يجوز ايضا «ضرورة انه لا يجوز» الرجوع «الا للجاهل لا للفاضل» كما هو المفروض، فان المفروض كون الراجع هو المجتهد الذي يرى الانسداد «الذي» لازمه ان «يرى خطأ من يدعي انفتاح باب العلم او العلمي فهل يكون رجوعه اليه بنظره الّا من قبيل رجوع الفاضل الى الجاهل».

104

[المقدمة الخامسة: قبح ترجيح المرجوح على الراجح‏]

و أما المقدمة الخامسة: فلاستقلال العقل بها، و أنه لا يجوز التنزل- بعد عدم التمكن من الاطاعة العلمية أو عدم وجوبها- إلا إلى الاطاعة الظنية دون الشكية أو الوهمية، لبداهة مرجوحيتهما بالاضافة إليها، و قبح ترجيح المرجوح على الراجح (1).

____________

و المراد من الجاهل هو المخطئ للواقع، و حيث كان الراجع انسداديا فهو يرى ان من لا يرى الانسداد قد أخطأ الواقع، فهو جاهل بالواقع بحسب نظره، فلا يجوز رجوعه اليه لانه من رجوع العالم الى الجاهل.

(1) توضيحه: انه بعد ان ثبت بحسب المقدمة الثالثة عدم جواز الاهمال و لزوم التعرض للامتثال، و بحسب المقدمة الرابعة حرمة الامتثال بالاحتياط فيما يلزم منه الاختلال، و عدم وجوب الامتثال بالاحتياط فيما يلزم منه العسر، و عدم جواز الرجوع الى الاصول- فيدور الامر بعد لزوم التعرض للامتثال بين الامتثال بالاطاعة الظنية بالاخذ بالمظنونات، و بين الامتثال بالاطاعة الشكية، او الاطاعة الوهمية.

و لا اشكال بعد البلوغ الى هذا الحد من استقلال العقل بلزوم الاطاعة الظنية و الاخذ بالظن لرجحانه عليهما، فانه حيث يدور الامر بين الراجح و المرجوح فالعقل حاكم بقبح ترجيح المرجوح على الراجح، و لا يمكن الجمع بين الامتثال بالاخذ بالظن و بالشك و بالوهم، لان معناه الاحتياط التام المحرم او غير الواجب، و لا اشكال في رجحان الظن على الشك و الوهم، فالعقل مستقل بلزوم الاخذ بخصوص الظن دون الشك و الوهم، للزوم ترجيح الراجح على المرجوح، فان ترجيح المرجوح على الراجح قبيح، و لذا قال (قدس سره): «و اما المقدمة الخامسة» التي كانت نتيجتها هو الاخذ بالظن لقبح ترجيح المرجوح على الراجح فلا اشكال فيها «لاستقلال العقل بها و انه لا يجوز التنزل» عند العقل «بعد عدم التمكن من الاطاعة العلمية» بالجمع بين جميع المحتملات لحرمته شرعا، حيث يلزم منه الاختلال «او عدم وجوبها» أي الاطاعة العلمية لادلة العسر «الا الى الاطاعة

105

[عدم تمامية المقدمة الاولى و الرابعة]

لكنك عرفت عدم وصول النوبة إلى الاطاعة الاحتمالية، مع دوران الامر بين الظنية و الشكية أو الوهمية، من جهة ما أوردناه على المقدمة الاولى من انحلال العلم الاجمالي بما في أخبار الكتب المعتبرة، و قضيته الاحتياط بالالتزام عملا بما فيها من التكاليف، و لا بأس به حيث لا يلزم منه عسر فضلا عما يوجب اختلال النظام. و ما أوردناه على المقدمة الرابعة من جواز الرجوع إلى الاصول مطلقا، و لو كانت نافية، لوجود المقتضي و فقد المانع لو كان التكليف في موارد الاصول المثبتة و ما علم منه تفصيلا، أو نهض عليه دليل معتبر بمقدار المعلوم بالاجمال، و إلا فإلى الاصول المثبتة وحدها، و حينئذ كان خصوص موارد الاصول النافية محلا لحكومة العقل، و ترجيح مظنونات التكليف فيها على غيرها، و لو بعد استكشاف وجوب الاحتياط في الجملة شرعا، بعد عدم وجوب الاحتياط التام شرعا أو عقلا- على ما عرفت تفصيله- هذا هو التحقيق على ما يساعد عليه النظر الدقيق، فافهم و تدبر جيدا (1).

____________

الظنيّة» لرجحانها «دون» الاطاعة «الشكية أو الوهميّة لبداهة مرجوحيتهما بالاضافة اليها» أي الاطاعة الظنيّة «و قبح ترجيح المرجوح على الراجح» مما لا اشكال فيه.

(1) توضيحه: ان المقدمة الخامسة الموجبة لحجية الظن مطلقا على المشهور انما تتحقق بعد تمامية المقدمات الاربع، و لا اشكال عند المصنف في تحققها لو تمت المقدمات الاربع، لان قبح ترجيح المرجوح على الراجح مما لا اشكال فيه، و كون الظن ارجح من الشك و الوهم ايضا لا اشكال فيه، الّا انه قد مرّ عدم تمامية المقدمة الاولى.

و لا يخفى ايضا انه قد مرّ منه (قدس سره) المناقشة في المقدمة الثانية- و هي انسداد باب العلم و العلمي- بانفتاح باب العلمي، بما مرّ من الادلة على حجية خبر الثقة، و لم يشر الى المناقشة فيها كما اشار الى المناقشة في المقدمة الاولى و الرابعة، و لعله‏

106

.....

____________

حيث اراد المناقشة في هذا الدليل الرابع الذي هو دليل الانسداد بما هو دليل الانسداد، و لا يكون دليلا كذلك الّا بعد تسليم الانسداد، لذا أعرض عن الاشارة الى المناقشة في المقدمة الثانية، و اشار الى المناقشة في خصوص المقدمة الاولى و الرابعة.

اما المناقشة في المقدمة الاولى فقد اشار اليها بقوله: «من جهة ما اوردناه على المقدمة الاولى ... الى آخره».

و حاصله: ان العلم الاجمالي بالتكاليف الواقعيّة الفعلية منحلّ بالعلم الاجمالي بوجودها في ضمن الاخبار التي بأيدينا الموجودة في الكتب المعتبرة و ربما في غيرها، و لازمه الاحتياط في خصوص الاخبار بالاخذ بكل خبر يدل على حكم الزامي، و لا يلزم من هذا الاحتياط عسر فضلا عن اختلال في النظام، و الى هذا اشار بقوله:

«من انحلال العلم الاجمالي بما في اخبار الكتب المعتبرة ... الى آخر كلامه».

و قد اشار الى المناقشة في المقدمة الرابعة بقوله: «و ما اوردناه على المقدمة الرابعة ... الى آخره».

و حاصله: ان المقدمة الخامسة انما يأتي دورها بعد بطلان شقوق المقدمة الرابعة كلها، و انحصار الامر بدورانه بين الاطاعة الظنية او الشكية أو الوهمية، فتتعيّن الاطاعة الظنية بحكم المقدمة الخامسة، الّا ان الشقوق التي ابطلوها في المقدمة الرابعة هي ثلاثة: عدم الاحتياط المخل و الموجب للعسر، و عدم جواز الرجوع الى الاصول مطلقا مثبتة او نافية، و عدم جواز الرجوع الى فتوى الغير.

و قد عرفت المناقشة منه في حكومة دليل العسر، و لكنه حيث كانت المناقشة فيه مبنائية لذا أعرض عن الاشارة اليه، و قد مرّ منه المناقشة في عدم جواز الرجوع الى الاصول المثبتة بنقض ما ذكروه مانعا عن اجرائها، و بعد اجرائها و انضمامها الى ما علم قطعا كالاحكام المدلول عليها بالخبر المتواتر و المحفوف بالقرائن القطعية و الاجماعات المحصّلة و ما قام عليه علمي مقطوع بحجيته كالخبر الواحد الصحيح‏

107

.....

____________

الاعلائي ينحل العلم الاجمالي و وجوب الاحتياط المستكشف بمقتضى المقدمة الثالثة، فلا مانع من اجراء الاصول النافية.

و على فرض عدم الانحلال و بقاء العلم بوجوب الاحتياط فيما عدا ذلك فاللازم حجية الظن في خصوص موارد الاصول النافية.

و لما كان نتيجة الانسداد عنده هو حجية الظن حكومة لا كشفا كما سيأتي التعرض له في فصل يخصّه ارسله هنا ارسالا.

و الى ما ذكرناه اشار بقوله: «و ما اوردناه على المقدمة الرابعة من جواز الرجوع الى الاصول مطلقا و لو كانت نافية لوجود المقتضي» من ناحية صدر الرواية «و فقد المانع» من ناحية ذيلها.

و لا يخفى ان هذا مشترك بين الاصول المثبتة و النافية.

ثم اشار الى ما يخص الاصول النافية لانحلال العلم الاجمالي بقوله: «لو كان التكليف في موارد الاصول المثبتة و ما علم منه تفصيلا» بمثل الخبر المتواتر «او نهض عليه دليل معتبر بمقدار المعلوم بالاجمال» او كان بمقدار لا يستكشف معه وجوب الاحتياط، و انما لم يشر اليه لوضوحه «و الّا» أي و ان لم ينحل العلم الاجمالي بهذا المقدار او استكشف وجوب الاحتياط فيما عدا ذلك فلا وجه للرجوع الى الاصول النافية، و يختص الرجوع الى الاصول بالاصول المثبتة، و لذا قال «فإلى الاصول المثبتة وحدها» دون النافية «و حينئذ» أي و حين ما يكون الرجوع مختصا بالاصول المثبتة وحدها لفرض وجود العلم الاجمالي، و عدم جواز الاهمال في موارد الاصول النافية فتكون نتيجة المقدمات هو حجية الظن حكومة في خصوص موارد الاصول النافية، و لذا قال: «كان خصوص موارد الاصول النافية محلا لحكومة العقل و ترجيح مظنونات التكليف فيها على غيرها» من المشكوكات و الموهومات و لو لغير العلم الاجمالي بان لا نقول بتأثيره، و لكن حيث احرزنا اهتمام الشارع و عدم جواز الاهمال لاحكامه كانت النتيجة حكم العقل بلزوم الاخذ

108

[الظن بالطريق و الظن بالواقع‏]

فصل هل قضية المقدمات على تقدير سلامتها هي حجية الظن بالواقع، أو بالطريق، أو بهما؟ أقوال (1):

____________

بالمظنونات في خصوص موارد الاصول النافية، و لذا قال: «و لو بعد استكشاف وجوب الاحتياط في الجملة شرعا» بمقتضى المقدمة الثالثة «بعد عدم وجوب الاحتياط التام شرعا» بموجب ادلة العسر «او عقلا» فيما يوجب اختلال النظام «على ما» مر «و عرفت تفصيله».

(1) لا يخفى انه وقع الخلاف في ان نتيجة مقدمات الانسداد على فرض تماميتها، هل هي حجية الظن بالواقع دون الظن بالطريق؟ فيما اذا لم يوجب الظن بالطريق الظن بالواقع، و إلّا فلا تترتب الثمرة فيما اذا حصل من الظن بالطريق الظن بان مؤداه هو الواقع ايضا، و هو واضح. و الى هذا ذهب جماعة من المحققين.

او ان نتيجة الانسداد هو خصوص الظن بالطريق؟ فلو ظن بالواقع من طريق غير مظنون الحجية عند الشارع كالظن بالحكم من الشهرة فلا تقتضي مقدمات الانسداد حجية مثل هذا الظن، و الى هذا ذهب صاحب الفصول تبعا لاخيه المحقق الشيخ محمد تقي صاحب الحاشية.

او ان المقدمات المذكورة للانسداد تقتضي حجية الظن بالاعم من الواقع او بالطريق؟ فالظن المتعلق بحكم من طريق غير مظنون الحجية مبرئ اتيانه للذمة، كما ان الظن بالطريق و ان لم يوجب الظن بان مؤداه هو الواقع ايضا اتيان ما قام عليه مبرئ للذمة، و الى هذا ذهب الشيخ الاعظم، و اختاره المصنف و جملة من المحققين المتأخرين ايضا.

و الى هذا اشار بقوله: «هل قضية المقدمات» أي مقدمات الانسداد «على تقدير سلامتها» و الغض عما مر من المناقشات من انحلال العلم الاجمالي بالعلم الاجمالي في خصوص ما بأيدينا من الاخبار، و عدم انسداد باب العلمي بقيام الادلة

109

[مختار المصنف (قده) حجية الظن بالاعم من الواقع و بالطريق‏]

و التحقيق أن يقال: إنه لا شبهة في أن هم العقل في كل حال إنما هو تحصيل الأمن من تبعة التكاليف المعلومة، من العقوبة على مخالفتها، كما لا شبهة في استقلاله في تعيين ما هو المؤمن منها، و في أن كلما كان القطع به مؤمنا في حال الانفتاح كان الظن به مؤمنا حال الانسداد جزما، و إن المؤمن في حال الانفتاح هو القطع بإتيان المكلف به الواقعي بما هو كذلك، لا بما هو معلوم و مؤدى الطريق و متعلق العلم، و هو طريق شرعا و عقلا، أو بإتيانه الجعلي، و ذلك لان العقل قد استقل بأن الاتيان بالمكلف به الحقيقي بما هو هو، لا بما هو مؤدى الطريق مبرئ للذمة قطعا. كيف؟ و قد عرفت أن القطع بنفسه طريق لا يكاد تناله يد الجعل إحداثا و إمضاء، إثباتا و نفيا، و لا يخفى أن قضية ذلك هو التنزل إلى الظن بكل واحد من الواقع و الطريق (1)، و لا منشأ لتوهم الاختصاص‏

____________

القطعية على حجية خبر الثقة، فانه لو قلنا بتماميتها مطلقا في الاصول النافية و المثبتة، او قلنا بتماميتها في خصوص موارد الاصول النافية، فهل تقتضي «هي حجية» خصوص «الظن بالواقع» دون الظن بالطريق، فيما اذا لم يحصل الظن بكون مؤداه هو الواقع «او» انها تقتضي خصوص حجية الظن «بالطريق» دون الظن بالواقع الذي لم يقم عليه مظنون الطريقية «او» انها تقتضي حجية الظن «بهما» معا «اقول» قد عرفت القائلين بها.

(1) قد عرفت ان مختار المصنف هو حجية الظن بالاعم من الظن بالواقع و الظن بالطريق، فهو يقول بان النتيجة تقتضي حجية الظن بهما معا.

و قد استدل على مختاره بدليل أشار الى مقدماته في طي عبارته:

الاولى: انه بعد ان كان لنا تكاليف فعلية معلومة بالاجمال فهمّ العقل هو تحصيل المؤمن من العقاب في اطاعة تلك التكاليف، و انما كان همّ العقل ذلك لحكم العقل باستحقاق العقاب لو لم يطع العبد مولاه، و بعدم استحقاقه العقاب لو اطاعه، و لما

110

.....

____________

كان المدار على استحقاق العقاب و عدمه فالعقل يحكم بأن المهم للعبد هو ان يحصل على ما يأمن به من العقاب، و ليس السبب في حكم العقل بلزوم اطاعة العبد هو لاجل لزوم تحصيل العبد للمصالح و اجتنابه عن المفاسد الداعية لحكم المولى عليه بالايجاب و التحريم، لما سبق من ان غالب الاحكام مصالحها و مفاسدها نوعية لا شخصية، و لا ملزم من العقل بوجوب تحصيل الامور النوعية على الشخص كما مر بيانه مفصلا، بل المهم عند العقل ما عرفت من لزوم تحصيل المؤمن من العقاب.

و قد أشار الى هذه المقدمة بقوله: «انه لا شبهة في ان هم العقل ... الى آخر الجملة».

الثانية: انه كما ان العقل حاكم بالاستقلال بلزوم تحصيل الأمن من تبعة العقاب كذلك هو الحاكم بالاستقلال ايضا في تعيين ما هو المؤمن للعبد من العقاب.

و الحاصل: ان العقل هو الحاكم المستقل مفهوما و مصداقا بالنسبة الى الاطاعة، فكما انه هو المرجع في مفهوم الاطاعة كما عرفته في المقدمة الاولى، كذلك هو المرجع في مصداق الاطاعة، فهو المعين لما يحصل به الأمن من العقوبة، كما انه هو الحاكم في لزوم تحصيل الأمن من العقوبة.

و بعبارة اخرى: ان المرجع في الاطاعة و كيفيتها هو العقل و لا تصرف للشارع في ذلك.

و الى هذه المقدمة اشار بقوله: «كما لا شبهة في استقلاله في تعيين ما هو المؤمن منها» أي من العقوبة.

الثالثة: ان نتيجة مقدمات الانسداد هو كون الظن في حال الانسداد له ما للعلم في حال الانفتاح، لما عرفت في المقدمة الرابعة و الخامسة انه بعد عدم التمكن من الاطاعة العلمية فالعقل يحكم بالتنزل الى الاطاعة الظنية.

و من الواضح ايضا ان العقل في حال الانفتاح كما يرى ان القطع باتيان المكلف به واقعا مؤمن من العقاب، كذلك يرى ايضا ان الاتيان بالواقع الجعلي مؤمن من‏

111

.....

____________

العقاب ايضا، و المراد من الواقع الجعلي هو الاتيان بما قام عليه الطريق المجعول، و لا يخفى ان القطع طريق عقلي الى تحصيل الاطاعة، و الطريق المجعول طريق جعلي الى تحصيلها ايضا، فالقطع و الطرق المجعولة كلاهما طريقان الى التكليف.

و بعبارة اخرى: ان الكلام في القطع الطريقي في حال الانفتاح و في الطرق القائمة مقام القطع الطريقي، و ما لم ينكشف الخلاف فالعقل مستقل ببراءة الذمة باتيان ما قطع به او باتيان ما قام الطريق المجعول عليه، و لما كان المفروض الطريقية فيهما الى الواقع فلا يكون التكليف الواقعي مقيدا بالقطع أو بالطريق، بل المدار على الاتيان بالتكليف واقعا، و قد تقدم ايضا انه لا اشكال عند اصابتهما الواقع من براءة الذمة، و عند مخالفتهما للواقع فالقاعدة الاولى تقتضي الاعادة في الوقت و القضاء في خارجه، إلّا ان يدل دليل من الشارع على غير ذلك.

و من هنا يتضح ان المكلف به هو التكليف الحقيقي و ان الاتيان به انما كان مبرئا للذمة، لانه اتيان بما هو المكلف به واقعا و انه امتثال للتكليف الواقعي بما هو تكليف واقعي من دون تقييد له بقطع او طريق.

اذا عرفت هذه المقدمات- تعرف ان نتيجة الانسداد هو حجية الظن المتعلق بالاعم من الواقع و الطريق، لانه اذا كان همّ العقل هو تحصيل المؤمن من العقاب، و ان تعيين المؤمن هو بيد العقل ايضا، و كان المؤمن من العقاب في حال الانفتاح هو الاتيان اما بما تعلق به العلم او بما قام عليه الطريق المجعول قطعا، و كان للظن في حال الانسداد ما للقطع في حال الانفتاح، فلا بد و ان يكون الظن في حال الانسداد ان كان متعلقه الحكم كان الاتيان بما تعلق به الظن مبرئا للذمة، و ان كان متعلقه الطريق كان الاتيان بما قام عليه الطريق مبرئا للذمة ايضا، لانه كما ان الاتيان بما تعلق به القطع مبرئ للذمة في حال الانفتاح، كذلك الاتيان بما قام القطع على حجيته مبرئ للذمة ايضا في حال الانفتاح. و لما كان الظن في حال الانسداد كالقطع في حال الانفتاح‏

112

.....

____________

فلا بد و ان يكون الاتيان بما تعلق به الظن من الحكم الواقعي مبرئا للذمة، و الاتيان بما تعلق به الظن بحجيته مبرئا للذمة ايضا.

فلا فرق في حال الانسداد بين قيام الظن على الحكم او قيامه على طريق الحكم، و لذا كان مختار المصنف هو حجية الظن بالواقع و بالطريق معا، لا خصوص الظن بالواقع، و لا خصوص الظن بالطريق، لان الظن في حال الانسداد طريق كالقطع الطريقي في حال الانفتاح، و الاتيان بما تعلق القطع به او بما تعلق بحجيته مبرئ للذمة، فالاتيان بما تعلق الظن به أو بما تعلق بحجيته مبرئ للذمة ايضا.

و قد اشار الى هذه المقدمة بقوله: «ان كلما كان القطع به مؤمنا في حال الانفتاح كان الظن به مؤمنا حال الانسداد جزما».

ثم اشار الى القطع المؤمن في حال الانفتاح بقوله: «و ان المؤمن في حال الانفتاح هو القطع باتيان المكلف به الواقعي بما هو كذلك» أي بما هو اتيان للواقع و كان القطع طريقا اليه «لا بما هو معلوم و مؤدى الطريق» بان يكون الواقع مقيدا بقيام القطع عليه، و إلّا كان القطع موضوعيا في جميع الاحكام و هو خلف، فليس الواقع مقيدا بالعلم «و» اتيانه اتيان له بما هو هو تكليف واقعي لا بما هو «متعلق العلم و» العلم «هو طريق» الى الواقع «شرعا و عقلا».

اما شرعا فلأنه ليس للشارع بما هو شارع طريق آخر غير العلم.

و اما عقلا فلما عرفت من حجيته عند العقل ذاتا لا بجعل جاعل «او باتيانه الجعلي» هذا معطوف على اتيان المكلف به الواقعي: أي ان في حال الانفتاح كما يحكم العقل ببراءة الذمة باتيان المكلف به الواقعي كذلك يحكم ببراءتها باتيان ما قام عليه الطريق المقطوع بجعل طريقيته من الشارع، و هو المراد باتيانه الجعلي: أي باتيان المكلف به تعبدا او جعلا بسبب اعتبار الشارع للطريق المؤدى اليه، فهو واقع جعلا و تنزيلا «و ذلك لان» الفرض لما كان فرض الطريقية فان «العقل قد استقل بان الاتيان بالمكلف به الحقيقي بما هو هو لا بما هو مؤدى الطريق مبرئ للذمة قطعا»

113

[وجه القول باختصاص النتيجة بالظن بالواقع‏]

بالظن بالواقع إلا توهم أنه قضية اختصاص المقدمات بالفروع، لعدم انسداد باب العلم في الاصول، و عدم إلجاء في التنزل إلى الظن فيها (1)،

____________

و «كيف» لا يستقل العقل بذلك «و قد عرفت ان القطع الطريقي بنفسه» ك «طريق لا يكاد تناله يد الجعل احداثا و إمضاء اثباتا و نفيا» كما مرّ مفصلا في بحث القطع.

و قد اشار الى ان هذه المقدمات تقتضي كون الظن في حال الانسداد حجة مطلقا سواء تعلق بالواقع او بالطريق بقوله: «و لا يخفى ان قضية ذلك» أي ان قضية المقدمات الثلاث المذكورة «هو التنزل الى الظن» المتعلق «بكل واحد من الواقع و الطريق».

(1) قد عرفت ان الاقوال في المسألة ثلاثة: التعميم كما هو مختار المصنف و قد مرّ بيان برهانه.

و اختصاص حجية الظن الانسدادي بخصوص الظن بالواقع دون الظن بالطريق.

و عمدة ما استدل به لهذا القول هو ان حجية الظن في حال الانسداد انما هو بمقدار ما تقتضيه مقدمات الانسداد من حجية الظن فيه، و لا تقتضي حجية الظن فيما قام عليه الظن إلّا بجريان مقدمات الانسداد في ذلك، فمقدمات الانسداد ان جرت في خصوص الاصول و الطرق كانت نتيجتها هي حجية الظن بالطرق دون الظن بالواقع، و ان جرت في خصوص الفروع كانت نتيجتها هي حجيّة الظن المتعلق بالواقع دون الطريق، و ان كانت جارية في كليهما كانت النتيجة حجية الظن بالاعم من الواقع و الطريق.

و لا ريب في عدم جريانها في خصوص الطرق، لان المقدمة الاولى منها هو العلم الاجمالي بالتكاليف لا بطرق التكاليف.

و المقدمة الثانية انسداد باب العلم بالتكليف و العلمي بالتكليف لا انسداد باب العلم بالطريق و العلمي بالطرق.

114

.....

____________

و من الواضح عدم جريان المقدمة الرابعة ايضا، لانه مع قلة الاصول و الطرق لا يلزم من الاحتياط فيها عسر مخل و لا حرج.

و من الواضح انفتاح باب العلم و العلمي في اغلب الطرق كالاصول العقلية مثل مقدمة الواجب، و عدم جواز اجتماع الامر و النهي، و مسألة الضد و النهي و الظواهر و ما يدل عليه الامر، و جملة اخرى من مسائل الاصول.

و مما ذكرنا يتضح عدم جريان مقدمات الانسداد في خصوص الطرق، و عدم جريانها في كليهما.

فيتعين جريانها في خصوص الاحكام و الفروع، و لازم ذلك اختصاص حجية الظن الانسدادي بخصوص الظن المتعلق بالفروع دون الاصول و الطرق.

و الى هذا اشار بقوله: «و لا منشأ لتوهم الاختصاص» لحجية الظن الانسدادي «بالظن بالواقع» دون الظن بالطرق «الّا توهم انه قضيته» أي ان الانسداد يقتضي حجية الظن المتعلق بالواقع دون الظن المتعلق بالطرق لاجل «اختصاص المقدمات» المتقدمة، و هي المقدمة الاولى و الثانية و الرابعة «بالفروع»، و كلما كان مجرى لمقدمات الانسداد كانت النتيجة حجية الظن الانسدادي بذلك المقام دون غيره.

ثم اشار الى عدم جريان المقدمة الثانية في الطرق بقوله: «لعدم انسداد باب العلم في الاصول» أي في الطرق لانها من الاصول.

و اشار الى عدم جريان المقدمة الرابعة بقوله: «و عدم إلجاء في التنزل الى الظن فيها» أي في الاصول، لان الإلجاء الى التنزل الى الظن مرتب على انسداد باب العلم و العلمي، فحيث لا انسداد لا تنزل.

115

و الغفلة عن أن جريانها في الفروع موجب لكفاية الظن بالطريق في مقام تحصيل الأمن من عقوبة التكاليف، و إن كان باب العلم في غالب الاصول مفتوحا، و ذلك لعدم التفاوت في نظر العقل في ذلك بين الظنين (1)،

____________

(1) توضيح الجواب: ان المقدمات المذكورة للبرهان على حجية الظن الانسدادي في الاعم من الفروع و الاصول: أي في الاعم من الظن بالواقع و بالطريق، كما ان لها مدخلا في النتيجة المختارة و هو حجية الظن بالاعم، كذلك يكون جوابا عن القولين الآخرين.

اما عن القول باختصاص حجية الظن بخصوص الفروع أي بخصوص الظن بالواقع دون الظن بالطريق.

فحاصل الجواب عنه هو: انه بعد ان بيّنا ان همّ العقل هو تحصيل المؤمن من العقاب، و انه هو المرجع ايضا في تعيينه، و ان الظن الانسدادي له ما للقطع في حال الانفتاح- يتضح ان مقدمات الانسداد و ان لم تجر في الاصول لانفتاح باب العلم فيها، إلّا انه لما كان المهم هو تحصيل المؤمن باي نحو كان، و ان غاية ما يلزم به العقل و يستقل به هو حصول الامتثال بنحو يأمن العبد من العقاب.

و لا اشكال ان الظن المتعلق بكون هذا الطريق من الطرق المجعولة للشارع بحيث لو قطعنا به لكان الاتيان بما يؤدي اليه الطريق موجبا للامتثال قطعا عند العقل، فلا بد و ان يكون الظن به في حال الانسداد موجبا للظن بالامتثال، و لما كان الظن في حال الانسداد هو كالقطع في حال الانفتاح، فلازم ذلك- عقلا- كون الاتيان بمؤدى الطريق المظنون موجبا لتحصيل المؤمن من العقاب في حال الانسداد.

و الحاصل: انا نسلم عدم الانسداد في الطرق، و لكن نقول ان نتيجة المقدمات المذكورة هو لزوم تحصيل المؤمن من العقاب، و هو يحصل في الاتيان بما قام عليه الطريق المظنون طريقيته دون مؤداه، فان مؤداه و ان لم يكن مظنونا إلّا ان نفس‏

116

[وجه القول باختصاص النتيجة بالظن بالطريق‏]

كما أن منشأ توهم الاختصاص بالظن بالطريق وجهان (1):

____________

الطريق لما كان مظنون الطريقية فلا بد و ان يكون الاتيان بمؤداه موجبا للأمن من العقوبة.

و لا فرق عند العقل في حكمه بالأمن من العقوبة بين الاتيان به او بالحكم الواقعي المتعلق بنفسه للظن.

و الى ما ذكرنا اشار بقوله: «و الغفلة عن ان جريانها» في خصوص «الفروع موجب لكفاية الظن المتعلق بالطريق في مقام تحصيل الأمن من عقوبة التكاليف» و هو كالظن المتعلق بنفس التكاليف في هذه النتيجة، و هي تحصيل الامن من العقوبة «و ان كان باب العلم في غالب الاصول مفتوحا و ذلك لعدم التفاوت في نظر العقل في ذلك» أي في تحصيل المؤمن من العقوبة «بين الظنين» أي بين الظن المتعلق بالواقع و الظن المتعلق بالطريق و ان كان باب العلم منفتحا في الطرق، لان مقدمات الانسداد لما كانت ملزمة بتحصيل المؤمن من العقوبة في تبعة التكاليف المعلومة بالاجمال، و هو منحصر فيما قام الظن به، و كان الظن المتعلق بالحكم و الظن المتعلق بالطريق سواء في تحصيل المؤمن الظني، كانت النتيجة هي الاعم و ان لم ينسد باب العلم في الطرق.

(1) لا يخفى انه لما كان مختاره (قدس سره) هو حجية الظن بالأعم، كان عليه نفي دعوى الاختصاص باحدهما، و قد ذكر دعوى اختصاص حجية الظن الانسدادي بخصوص الظن بالواقع و اجاب عنها.

اشار الى دعوى اختصاص الظن الانسدادي بخصوص الظن المتعلق بالطرق دون الظن المتعلق بالواقع، و قد ذكر لهذه الدعوى وجهين: الوجه الاول ما ذكره في الفصول تبعا لأخيه المحقق صاحب الحاشية، و الثاني ما اختص به صاحب الحاشية (قدس سره).

117

[أحدهما: ما أفاده بعض الفحول و تبعه في الفصول‏]

أحدهما: ما أفاده بعض الفحول و تبعه في الفصول، قال فيها: إنا كما نقطع بأنا مكلفون في زماننا هذا تكليفا فعليا بأحكام فرعية كثيرة، لا سبيل لنا بحكم العيان و شهادة الوجدان إلى تحصيل كثير منها بالقطع، و لا بطريق معين يقطع من السمع بحكم الشارع بقيامه، أو قيام طريقه مقام القطع (1) و لو

____________

(1) قد عرفت ان هذا الوجه- و هو الوجه الاول- مما اشترك به صاحب الحاشية و هو المعني بقوله بعض الفحول، و صاحب الفصول، و لذا قال: «و تبعه في الفصول»، و هو مؤلف من مقدمتين:

الاولى: هو انا نعلم اجمالا بتكاليف كثيرة واقعية فعلية لا طريق لنا الى معرفتها بالقطع بها، و لا سبيل لنا ايضا الى القطع بطريق خاص معين منصوب من الشارع لها، فان الفرض انسداد باب العلم و العلمي، فكما لا علم لنا بها كذلك لا علم لنا بالطريق الشرعي المنصوب لها، فإن المفروض عدم القطع بحجية خبر الثقة- مثلا- ليقوم خبر الثقة مقام القطع، فان مرجع اعتبار الشارع للطريق هو جعله قائما مقام القطع فيما للقطع من الاحكام من المنجزية و المعذرية، و ايضا لم يقم دليل قطعي على طريق يكون مؤداه حجية طريق شرعي الى الاحكام.

و بعبارة اخرى: ان الطريق المعين لخبر الثقة لم يثبت بنفسه، و لا بطريق يؤدي الى حجيته، فلم يثبت الطريق و لا طريق الطريق.

و توضيحه: ان الدليل تارة يقوم على حجية الطريق كأن يقوم الخبر المتواتر على حجية خبر الثقة، و اخرى يقوم الدليل على طريق يؤدي الى حجية الطريق، كأن يقوم الخبر المتواتر على حجية الشهرة مثلا، و الشهرة تقوم على حجية خبر الثقة، فيكون خبر الثقة ثابتا بطريقه لقيام الخبر المتواتر على حجية الشهرة القائمة على حجيته، فالاحكام الواقعية الفعلية لا قطع لنا بها، و لا قطع لنا بحجية الطريق الخاص لها، و لا قطع لنا بحجية طريق يؤدي الى حجية طريقها.

118

عند تعذره (1)، كذلك نقطع بأن الشارع قد جعل لنا إلى تلك الاحكام طريقا مخصوصا، و كلفنا تكليفا فعليا بالعمل بمؤدى طرق مخصوصة، و حيث أنه لا سبيل غالبا إلى تعيينها بالقطع، و لا بطريق يقطع من السمع بقيامه بالخصوص، أو قيام طريقه كذلك مقام القطع و لو بعد تعذره (2)،

____________

و الى هذا اشار بقوله: «لا سبيل لنا بحكم العيان و شهادة الوجدان الى تحصيل كثير منها» أي من تلك الاحكام المعلومة اجمالا «بالقطع» فان القطع بها انما يحصل بحصول الطرق الموجبة للعلم كالتواتر و الاحتفاف بالقرائن القطعية و الاجماعات المحصلة، و الوجدان شاهد بانه لا تواتر عندنا و لا اجماع و لا ما هو محتف بالقرائن القطعية في كثير من الاحكام «و» ايضا «لا» ثبوت لتلك الاحكام المعلومة بالاجمال «ب» واسطة ثبوت «طريق معين يقطع من السمع بحكم الشارع بقيامه» مقام القطع: أي ان التواتر- مثلا- لم يقم ايضا على حجية خبر الثقة ليكون خبر الثقة القائم على الحكم قائما مقام القطع المتعلق بالحكم، و لم يقم التواتر ايضا على حجية الشهرة- مثلا- القائمة على حجية خبر الثقة فيكون ثابتا بطريقه، و هو مراده من قوله: «او قيام طريقه» أي قيام طريق الطريق «مقام القطع».

(1) يشير بهذا الى ان جعل الطريق تارة نقول بامكانه و لو مع امكان تحصيل القطع، و اخرى نقول بامكانه بشرط تعذر القطع، كما مر تفصيله في اول مبحث الظن.

فحاصل هذه المقدمة هو انا نقطع اجمالا بانا مكلفون باحكام فعلية لا طريق لنا اليها مقطوع به، سواء كان الطريق هو القطع المتعلق بها أو المتعلق بطريقها الخاص الشرعي او بطريق طريقها.

(2) هذه هي المقدمة الثانية، و حاصلها: انه لنا علم اجمالي ثان يوجب انحلال العلم الاجمالي الاول، و هو انه كما نعلم اجمالا باحكام فعلية لا طريق لنا اليها، كذلك نعلم اجمالا ايضا بان لنا طرقا شرعية قد تضمنت الاحكام الواقعية، فان الشارع كما جعل الاحكام ايضا قد جعل طرقا موصلة لتلك الاحكام، و لازم هذا العلم‏

119

فلا ريب أن الوظيفة في مثل ذلك بحكم العقل إنما هو الرجوع في تعيين ذلك الطريق إلى الظن الفعلي الذي لا دليل على عدم حجيته، لانه أقرب إلى العلم، و إلى إصابة الواقع مما عداه (1).

____________

الاجمالي الثاني انحلال العلم الاجمالي الاول، فيكون الامر راجعا الى انا مكلفون بالاحكام الذي تضمنتها الطرق المجعولة الشرعية، لان العلم الاجمالي بعد انحلاله لا اثر له، و حيث فرض انحلاله بالعلم الاجمالي الثاني فالتكليف الفعلي الذي له الاثر هو الاتيان بما قامت الطرق عليه، و لا اثر للعلم الاجمالي بنفس التكاليف الواقعية المجردة عن الطرق، و من الواضح ان الطرق المنصوبة من الشارع المعلومة لنا اجمالا ايضا لا قطع لنا بها، و لا قطع لنا بطريقها و لا بطريق طريقها كما مر شرح ذلك في المقدمة الاولى.

و قد اشار الى هذا العلم الاجمالي الثاني بقوله: «كذلك نقطع بان الشارع قد جعل لنا الى تلك الاحكام» الواقعية «طريقا مخصوصا و كلفنا تكليفا فعليا بالعمل بمؤدى طرق مخصوصة» لان هذا العلم الاجمالي الثاني ينحل به العلم الاجمالي الاول، فيرجع تكليفنا الفعلي الى العمل بمؤدى الطرق.

و اشار الى ان حال هذا العلم الاجمالي الثاني كالاول في عدم القطع به و لا بطريقه و لا بطريق طريقه بقوله: «و حيث انه لا سبيل غالبا الى تعيينها» أي تعيين تلك الطرق الخاصة «بالقطع و لا بطريق يقطع من السمع ... الى آخر الجملة».

(1) لا يخفى انه لازم المقدمتين المذكورتين هو كون نتيجة دليل الانسداد هي حجية الظن المتعلق بالطرق دون الظن المتعلق بالواقع، لان انحلال العلم الاجمالي الاول بالعلم الاجمالي الثاني يوجب عدم الاثر للعلم الاول، و يقتضي ايضا ان التكليف الفعلي هو العمل بمؤدى الطرق، فتكون مقدمات الانسداد هكذا:

- الاولى: هي العلم الاجمالي بانه لنا احكام فعلية في خصوص مؤديات الطرق.

120

[ايرادات المصنف (قده) على القول باختصاص النتيجة بالظن بالطريق‏]

و فيه: أولا- بعد تسليم العلم بنصب طرق خاصة باقية فيما بأيدينا من الطرق غير العلمية، و عدم وجود المتيقن بينها أصلا (1)- أن قضية

____________

- و الثانية: انسداد باب العلم و العلمي الى الطرق.

- و الثالثة: هي عدم جواز اهمال العمل بالطرق.

- و الرابعة: عدم امكان الاحتياط و الرجوع الى الاصول فيها و لا الى قول الغير.

- و الخامسة: لزوم العمل بالظن المتعلق بالطرق لعدم جواز ترجيح المرجوح على الراجح.

و لذا قال (قدس سره): «فلا ريب ان الوظيفة في مثل ذلك» أي انه لا اشكال بعد تمامية المقدمتين الموجبة لترتيب مقدمات الانسداد كما ذكرناها تكون الوظيفة «بحكم العقل» في حال الانسداد «انما هو» حجية الظن بالطريق، و لا بد من «الرجوع في تعيين ذلك الطريق الى الظن الفعلي» المتعلق به دون الظن المتعلق بالواقع، و هذا الظن في حال الانسداد هو «الذي لا دليل على حجيته» بالخصوص و انما يكون حجة لاجل حكم العقل في حال الانسداد بلزوم التنزل الى الظن «لانه اقرب الى العلم و الى اصابة الواقع مما عداه».

(1) لا يخفى ان المصنف قد اورد على الدليل المذكور ايرادات:

الاول: ما اشار اليه بقوله: «بعد تسليم العلم بنصب طرق خاصة» و حاصله:

ان الملاك في كون الدليل موجبا لحجية الظن بخصوص الطرق هو انحلال العلم الاجمالي الاول بالعلم الاجمالي الثاني، و نحن لا نسلم ان لنا علما اجماليا ثانيا يكون الشارع قد نصب طرقا خاصة منه للتكاليف الواقعية، فان الشارع ليس له طرق خاصة تأسيسية قد عبدنا بالرجوع اليها، و انما طرق الشارع هي الطرق العقلائية المتبعة عندهم في مقام عملهم، و اذا لم يكن للشارع طرق خاصة لا يكون لنا علم اجمالي ثان ينحل به العلم الاول.

121

.....

____________

و لا يسع صاحب الفصول ان يريد من الطرق الشرعية ما يعم الطرق الامضائية لفرضه انسداد باب العلم الى الطرق الشرعية، و الطرق الامضائية لم ينسد الطريق اليها لانها هي الطرق العقلائية الموجودة عند العقلاء المعروفة بتمامها.

الثاني: ما اشار اليه بقوله: «باقية فيما بأيدينا من الطرق غير العلمية» و حاصله: لو سلمنا العلم بنصب الشارع طرقا تأسيسية منه الى احكامه، لكنا لا نسلم العلم ببقائها في ضمن ما بأيدينا من الطرق غير العلمية، و لعلها ضاعت و لم تصل الينا كما ضاع غيرها من مهمات الامور التي اخبر بها الهداة (عليهم السّلام).

و على هذا فلا ينحل العلم الاجمالي الاول لعدم العلم الاجمالي بالفعل بالطرق المتضمنة لاحكام بقدر المعلوم بالاجمال الاول، لينحل بهذا العلم الثاني العلم الاول.

و هذا هو مراده من قوله: «باقية فيما بأيدينا من الطرق غير العلمية» أي لو سلمنا العلم بالطرق الخاصة الشرعية فلا نسلم العلم ببقائها الى زماننا فيما بأيدينا من الطرق حتى يحصل بها الانحلال.

الثالث: ما اشار اليه بقوله: «و عدم وجود المتيقن بينها»، و توضيحه:

انه لو اغمضنا النظر عما ذكرنا من انه لا يسع صاحب الفصول ان يريد من الطرق الخاصة الشرعية ما يعم الامضائية منها، و قلنا بارادته ما يعم الطرق الامضائية، و على هذا الفرض نقول ان العلم الاجمالي الثاني بوجود الطرق الشرعية منحل بالعلم التفصيلي بوجود القدر المتيقن من الطرق، فيجري الاصل النافي في غيرها مما يشك فيه بدوا، و اما القدر المتيقن الذي ينحل به العلم الاجمالي بالطرق فهو الخبر الواحد، لانه لا شبهة ان الطرق الشرعية هي طرق ظنية، و ان الغرض من جعلها هي الطريقية الى الاحكام الواقعية، و مما لا شبهة فيه ايضا ان الخبر من اقوى الظنون كما صرح به صاحب المعالم، بل ادعى جملة من الاكابر كونه من مراتب‏

122

ذلك هو الاحتياط في أطراف هذه الطرق المعلومة بالاجمال لا تعيينها بالظن (1).

____________

العلم لحصول الاطمئنان من ان خبر الثقة و الاطمئنان من مراتب العلم المتعارف، فانه يصح اطلاق العلم عرفا و الاعتقاد على مرتبة الاطمئنان.

و من الواضح ايضا ان ما يتضمنه الخبر من الاحكام واف بمقدار العلم الاجمالي الاول، فيكون لازم ما ذكره من الدليل على اختصاص حجية الظن بخصوص الطرق هو انحلال العلم الاجمالي الثاني بهذا الطريق الذي هو قدر متيقن، و حيث انه واف بمعظم الاحكام فلازمه- ايضا- الخلف و عدم الانسداد، فتأمل.

و على كل، فالعلم الاجمالي الاول اما باق، و لازمه حجية الظن بالواقع و الطريق كما ذكرنا لعدم انحلاله بالعلم الاجمالي الثاني، حيث ان العلم الاجمالي الثاني قد انحل بوجود القدر المتيقن، و مع انحلاله لا بد ان لا يكون حالا للعلم الاجمالي الاول و إلا لانتفى الانسداد، و اما ان لا يكون العلم الاجمالي الاول باقيا لانحلاله بالعلم الاجمالي الثاني المنحل بوجود المتيقن فلا انسداد ايضا.

(1) هذا هو الاول بحسب سوق عبارة المتن، لانه بعد حذف التسليم يكون تقدير العبارة «و فيه اولا ان قضية ... الى آخره» و لكنه بعد ما عرفت من الاجوبة الثلاثة التي اشار اليها في ضمن التسليم يكون هذا جوابا رابعا.

و حاصله: انه بعد تسليم العلم الاجمالي الثاني و انحلال العلم الاول و عدم انحلال العلم الاجمالي الثاني به، فالنتيجة تكون هو العلم الاجمالي بالتكليف الفعلي باتباع الطرق المعلومة اجمالا المجهولة تفصيلا.

و من الواضح ان القاعدة الاولى في العلم الاجمالي المنجز هي لزوم الاحتياط باتيان جميع اطراف ما تعلق به العلم الاجمالي دون العمل بالظن المتعلق بالطرق، لوضوح انه مع امكان الامتثال العلمي لا تصل النوبة الى الامتثال الظني، و الامتثال العلمي في خصوص الطرق المعلومة بالاجمال ممكن، و عليه فلا تكون نتيجة ما ذكره‏

123

لا يقال: الفرض هو عدم وجوب الاحتياط، بل عدم جوازه (1)، لان الفرض إنما هو عدم وجوب الاحتياط التام في أطراف الاحكام، مما يوجب العسر المخل بالنظام، لا الاحتياط في خصوص ما بأيدينا من الطرق (2). فإن قضية هذا الاحتياط هو جواز رفع اليد عنه في غير

____________

من البرهان هو اختصاص حجية الانسداد بالظن بالطريق لعدم وصول النوبة الى الظن، لامكان الاحتياط في الطرق المحتملة كونها مجعولات شرعية، و الى هذا اشار بقوله: «ان قضية ذلك هو الاحتياط في اطراف هذه الطرق ... الى آخر الجملة».

(1) و حاصله: انه من جملة المقدمات الخمس المذكورة هو عدم وجوب الاحتياط في اطراف المعلوم بالاجمال، و مع عدم وجوب الاحتياط و بقاء العلم الاجمالي اما على منجزيته للمقدمة الثالثة، او كشف المقدمة الثالثة عن لزوم التعرض للمعلوم بالاجمال و عدم جواز اهماله.

و على كل فحيث يكون لا بد من الامتثال و التعرض للاتيان بالمعلوم بالاجمال، مع ضم عدم وجوب الاحتياط كما هو فرض المقدمة الرابعة، فلا بد من التنزل الى الظن، و حيث كان العلم الاجمالي منحصرا في الطرق فلا بد من التنزل الى الظن بالطرق، و هذا هو مراده من قوله: «الفرض هو عدم وجوب الاحتياط بل عدم جوازه» أي ان المفروض جريان الانسداد الذي من جملة مقدماته عدم الاحتياط، اما جوازا لأدلة العسر و الحرج او لزوما لكونه مخلا بالنظام.

(2) هذا هو الجواب عن «لا يقال»، و حاصله: انا نقول: انما يكون الفرض في مقدمات الانسداد هو عدم الاحتياط حيث يكون المدار على العلم الاجمالي الاول، و هو العلم اجمالا بوجود تكاليف واقعية فعلية يجب التعرض لامتثالها.

و من الواضح ان الاحتياط في الاتيان بكل ما يحتمل كونه تكليفا موجب اما لاختلال النظام او للعسر و الحرج، و اما اذا كان معلومنا الاجمالي هو في خصوص الطرق فلا يلزم من امتثاله بالاحتياط في اطرافه عسر فضلا عن اختلال نظام.

124

[موارد رفع اليد عن الاحتياط في الطرق‏]

مواردها، و الرجوع إلى الاصل فيها و لو كان نافيا للتكليف (1)، و كذا

____________

و من الواضح انه حيث كان دليل الانسداد من الادلة العقلية فكل مقدماته هي بحسب ما يدركه العقل و يحكم به في مقام وضعها و في مقام ما تستلزمه من النتائج، فاذا كان متعلق العلم الاجمالي الذي لا بد من التعرض لامتثاله هو الاحكام يكون للمقدمة الرابعة محل واضح و يأتي دور المقدمة الخامسة بعدها، و اما اذا كان متعلق العلم الاجمالي هو خصوص الطرق فتكون مقدمات الانسداد اربعا و المقدمة الرابعة هي الاحتياط، و لا يأتي دور المقدمة الخامسة من لزوم التنزل الى الظن، و لذا قال (قدس سره): «لان الفرض» أي انه لا يكون الفرض في مقدمات الانسداد هو عدم وجوب الاحتياط او عدم جوازه و «انما» يكون الفرض «هو عدم وجوب الاحتياط التام» فيما اذا كانت المقدمة الاولى هي العلم الاجمالي بالتكاليف الواقعية الفعلية، فان الاحتياط التام «في اطراف الاحكام» المعلومة بالاجمال «مما يوجب العسر المخل بالنظام» او المرفوع بأدلة الحرج.

و اما اذا كانت المقدمة الاولى هي العلم الاجمالي بالتكليف باتباع الطرق فلا يكون الفرض في مقدمات الانسداد هو عدم وجوب الاحتياط التام في الاطراف لعدم لزوم العسر و الحرج فضلا عن اختلال النظام في الاحتياط التام في اطراف الطرق.

و الحاصل: ان فرض عدم وجوب الاحتياط انما هو في الاحكام «لا الاحتياط في خصوص ما بأيدينا من الطرق».

(1) توضيحه: انه اذا تم ما ذكره صاحب الفصول من دليله المركب من المقدمتين فالنتيجة هي الاحتياط في اطراف ما بأيدينا من الطرق، و لا يلزم منه اختلال في النظام و لا عسر و لا حرج، لان الاحتياط في الطرق يرفع اليد عنه في مقامات، و بعد رفع اليد عنه في هذه المقامات لا يبقى مجال لاحتمال الاختلال و لا العسر و الحرج. و اما تلك المقامات:

125

.....

____________

فالاول منها ما اشار اليه بقوله: «في غير مواردها» و المراد من قوله في غير مواردها هو موارد الطرق: أي يرفع اليد عن الاحتياط في الطرق في غير موارد الطرق الداخلة في اطراف العلم الاجمالي، فان العلم الاجمالي هو العلم اجمالا بنصب طرق خاصة شرعية، فالطرق التي علم بكونها غير مجعولة و لا ممضاة من الشارع تكون خارجة عن دائرة هذا العلم الاجمالي و غير داخلة في اطرافه فلا يجب الاحتياط فيها «و» لا مانع من «الرجوع الى الاصل فيها» أي في تلك الموارد و هي الطرق الخارجة عن دائرة العلم الاجمالي «و لو كان» الاصل «نافيا للتكليف» لوضوح ان ما كان خارجا عن دائرة المعلوم بالاجمال لا مانع من جريان الاصل النافي فيه.

و الحاصل: ان الحكم المحتمل كونه حكما واقعيا شرعيا فيما اذا لم يقم عليه طريق اصلا او قام عليه طريق علم عدم اعتباره شرعا لا مانع من جريان الاصل فيه، لعدم منافاة الاصل للمعلوم بالاجمال، و حيث لا علم اجمالي فالاصل النافي لا يلزم منه الترخيص المنافي للعلم الاجمالي.

و اما الاصل المثبت فلا اشكال في جواز جريانه فيه، لوضوح عدم منافاة الاصل المثبت للتكليف في اطراف العلم الاجمالي بالتكليف الا ما تقدم من دعوى المناقضة بين الصدر و الذيل، و هو:

اولا: مخصوص بالاصل الاستصحابي.

و ثانيا: قد تقدم عدم المناقضة، و عدم دلالة الذيل على نقض اليقين السابق باليقين الاجمالي اللاحق، و لهذا جعل الاصل النافي من الترقي، فقال و لو كان الاصل نافيا.

126

فيما إذا نهض الكل على نفيه (1)، و كذا فيما إذ تعارض فردان من بعض الاطراف فيه نفيا و إثباتا مع ثبوت المرجح للنافي، بل مع عدم رجحان المثبت في خصوص الخبر منها، و مطلقا في غيره بناء على عدم ثبوت الترجيح على تقدير الاعتبار في غير الاخبار (2)، و كذا لو

____________

(1) هذا هو المقام الثاني مما يجوز رفع اليد عن الاحتياط فيه، و هو الحكم المحتمل الذي قامت جملة من الطرق التي يعلم اجمالا بحجية احدها شرعا على نفي ذلك الحكم المحتمل، فانه في مثل هذا لا مجال للاحتياط فيه، لان محل الاحتياط ما احتمل العقاب على ترك التعرض لامتثاله، و بعد قيام الحجة الشرعية المعلومة اجمالا على نفي هذا التكليف لا مجال لاحتمال العقاب حتى يكون من موارد الاحتياط، و هذا مراده من قوله: «و كذا» أي كما لا يجب الاحتياط في المقام السابق كذلك لا يجب الاحتياط في هذا المقام، و هو «فيما اذا نهض الكل على نفيه» أي نهض ما علم اجمالا بحجيته شرعا على نفي ذلك التكليف المحتمل.

و لا يخفى انه لا مجال في هذا المقام للاصول اصلا نافية او مثبتة.

اما النافية فلوجود الامارة المقدمة على الاصول، فلا مجال للرجوع الى الاصل المنوط بالشك، لانه مع قيام الامارة لا شك بمقتضى حكومة الامارة على الاصول، فلا مجال للاصل، مضافا الى لزوم اجتماع المثلين.

و اما الاصول المثبتة فائضا لا وجه للرجوع اليها لقيام الامارة على نفي التكليف، و الامارة الشرعية مما ينقض بها اليقين السابق و هي بيان ايضا، فلا وجه للرجوع الى الاصول المثبتة ايضا، و لذا لم يتعرض للرجوع الى الاصل في هذا المقام. و يشترك هذا المقام مع المقام الاول في عدم الاحتياط.

(2) هذا هو المقام الثالث مما يجوز رفع اليد عن الاحتياط فيه، و هو المورد الذي تعارض فيه فردان من الامارة و كانا من نوع واحد كالخبرين او الاجماعين المنقولين، اما في الخبرين فغالبا و اما في غير الخبرين كالاجماعين فمطلقا.

127

.....

____________

و توضيح ذلك: انه اذا تعارض خبران فان كان بينهما عموم و خصوص من وجه فالقاعدة الاولية تقتضي تساقطهما و الرجوع الى غيرهما من الادلة الأخر او الاصول.

و اما بحسب القاعدة الثانية الواردة في الاخبار من جواز التمييز بالاخذ باحدها، فان اختصت القاعدة الثانية من التخيير بخصوص ما اذا كان الخبران متنافيين بنحو التباين سلبا و ايجابا فلا مانع من عدم الاحتياط في الخبرين المتعارضين بنحو العموم و الخصوص من وجه، لتساقطهما في الحجية الفعلية بالتعارض فيخرجان بذلك عن دائرة العلم الاجمالي.

و اذا شملت القاعدة الثانية و هي التخيير في الاخبار المتعارضة ما كان بينها عموم و خصوص من وجه فلا مانع من عدم الاحتياط ايضا، لجواز اختيار الخبر النافي فيكون هو الحجة الفعلية على نفي التكليف، و مع قيام الحجة الفعلية على نفي التكليف فلا مانع من رفع اليد عن الاحتياط كما هو واضح.

و اما اذا كان الخبران متعارضين بنحو التباين، فتارة لا يكون لاحدهما مزية على الآخر بان يتساوى الخبر النافي للتكليف و الخبر المثبت للتكليف في المزية و لا يكون لاحدهما مزية على الآخر اصلا، فالقاعدة الاولى في التعارض و ان كان تقضي التساقط و لكن القاعدة الثانية قد دلت على التخيير بينهما، و لما كان التخيير جائزا فيهما فلا مانع من رفع اليد عن الاحتياط ايضا في ذلك، لامكان اختيار الخبر النافي، و مع اختياره يكون هو الحجة الفعلية، فلا مانع من عدم الاحتياط فيما اذا كانت الحجة الفعلية نافية للتكليف.

و اخرى تكون المزية للخبر النافي فيكون جواز رفع اليد عن الاحتياط على هذا الفرض اوضح، لاختصاص الحجة الفعلية بالخبر النافي بناء على لزوم الترجيح لما له المزية، و قد فرض كون المزية للخبر النافي فهو الحجة الفعلية دون الخبر المثبت، و بناء على عدم لزوم الترجيح لذي المزية و القول بالتخيير مطلقا فانه ايضا لا مانع من رفع‏

128

.....

____________

اليد عن الاحتياط لامكان اختيار الخبر النافي للتكليف لو قلنا بالانفتاح و حجية الخبر كما عرفت.

و ثالثة: تكون المزية للخبر المثبت للتكليف، و قلنا بلزوم الاخذ بما له المزية، ففي مثل هذا الفرد لا وجه لرفع اليد عن الاحتياط، لدخول الحجة الفعلية في اطراف المعلوم بالاجمال الذي قلنا بلزوم الاحتياط فيه، و ليس بمشمول لادلة التخيير حتى يمكن ان يختار الخبر النافي لفرض لزوم الترجيح و الاخذ بما له المزية، و قد فرضناها في الخبر المثبت دون النافي.

و الحاصل: انه في هذا الفرض بالخصوص لا وجه لرفع اليد عن الاحتياط، فانه لو قلنا بانفتاح باب العلمي فمثل هذا الخبر حجة شرعية خاصة على التكليف، ففي باب الانسداد و لزوم الاخذ بما احتمل كونه طريقا شرعيا يكون هذا الخبر داخلا في دائرة العلم الاجمالي، فلا بد من الاحتياط في مورده بالاخذ به، هذا كله فيما اذا تعارض فردان من نوع واحد و كان النوع هو الخبر.

و مما ذكرنا ظهر: ان التعارض في خصوص الخبرين يقتضي عدم الاحتياط غالبا، اذ في جميع الصور عدا الصورة الاخيرة لا يجب الاحتياط.

نعم في الاخيرة لا بد من الاحتياط و لذا كان في الخبرين غالبا.

و اما اذا تعارض فردان من نوع واحد و كانا من نوع غير الخبر، كما لو تعارض اجماعان منقولان فلا مانع من رفع اليد عن الاحتياط فيهما مطلقا، و لو كانت المزية للاجماع المثبت للتكليف بناء على ان لزوم الاخذ بذي المزية انما يختص بخصوص الاخبار المتعارضة دون كل متعارضين. و ان لم يكونا من نوع الخبر فلا اثر للمزية في احد الاجماعين، و القاعدة فيهما اما التساقط بالتعارض بناء على اختصاص ادلة التخيير في المتعارضين بخصوص الاخبار ايضا، او شمول ادلة التخيير لهما ايضا.

و قد عرفت انه لا مانع من رفع اليد عن الاحتياط في المتعارضين نفيا و اثباتا، اما لخروجهما عن دائرة العلم الاجمالي بالتساقط و عدم الحجية الفعلية فيهما، او

129

.....

____________

لدخولهما فيما هو حجة فعلا لدلالة الادلة الخاصة على التخيير بينهما و عدم سقوطهما رأسا، و لكن لما كان احدهما نافيا للتكليف و يجوز الاخذ به فلا مانع من جواز رفع اليد عن الاحتياط في مثل ذلك.

فاتضح ان الامارتين المتعارضتين من غير نوع الخبر كالاجماعين المنقولين او الشهرتين لا مانع من رفع اليد عن الاحتياط في موردهما مطلقا، سواء كان لاحدهما مزية او لا، و سواء كانت المزية في طرف المثبت للتكليف او النافي له.

و قد أشار الى ما ذكرنا بقوله: «و كذا فيما اذا تعارض فردان من بعض الاطراف فيه» أي في التكليف الشخصي، و في تعبيره بالفردين من بعض الاطراف يشير الى كونهما من نوع واحد «نفيا و اثباتا» بان كان احدهما مثبتا للتكليف و الثاني نافيا له.

و اشار الى صورة ما اذا كانت المزية الموجبة للترجيح في الخبر النافي بقوله: «مع ثبوت المرجح للنافي» و اما تقييد ذلك بخصوص الخبر فيدل عليه ما يأتي من قوله في ذيل هذه الجملة: «في خصوص الخبر منها».

و اشار الى صورة ما اذا لم يكن لاحدهما مزية او كانت المزية في كل واحد منهما بقوله: «بل مع عدم رجحان المثبت» للتكليف.

و منه يفهم الصورة الثالثة و هي ما كان المزية في خصوص الخبر المثبت للتكليف، فانه مورد عدم جواز رفع اليد عن الاحتياط فيه.

ثم اشار الى ان هذا التقييد مختص بخصوص ما اذا كان المتعارضان فردين من نوع الخبر دون غيره بقوله: «في خصوص الخبر منها» أي ان هذا في خصوص الفردين المتعارضين من نوع الخبر.

ثم اشار الى جواز رفع اليد عن الاحتياط مطلقا في الفردين المتعارضين من نوع غير الخبر من دون التقييد المذكور في المتعارضين من الخبر بقوله: «و مطلقا في غيره»

130

تعارض اثنان منها في الوجوب و التحريم (1)، فإن المرجع في جميع ما ذكر من موارد التعارض هو الاصل الجاري فيها و لو كان نافيا، لعدم‏

____________

أي في الفردين المتعارضين من غير نوع الخبر كالاجماعين المنقولين يجوز رفع اليد عن الاحتياط فيهما مطلقا و ان كانت المزية في الاجماع المنقول المثبت للتكليف.

ثم اشار الى مدرك الاطلاق في المتعارضين من غير نوع الخبر بقوله: «بناء على عدم ثبوت الترجيح على تقدير الاعتبار» بادلة الترجيح و دلالتها على لزومه، كما سيأتي الكلام فيه في باب التعارض ان شاء اللّه تعالى «في غير الاخبار» المتعارضة فلا أثر للمزية في احدها اذا لم يكن المتعارض من نوع الخبر.

و لا يخفى ان هذا الكلام كله في مسألة جواز رفع اليد عن الاحتياط و عدمه في هذا المقام الثالث، و اما الكلام في جريان الاصول نافية او مثبتة فيه فسيأتي التعرض له من المصنف في المقام الرابع.

(1) هذا هو المقام الرابع و هو ما اذا تعارض فردان من الامارة سواء كانا من نوع واحد او من نوعين، كما لو تعارض خبر و اجماع منقول، او اجماع و شهرة، و الحال في هذا المقام كما لو تعارض فردان من نوع واحد من غير نوع الخبر في عدم وجوب الاحتياط مطلقا، و لو كان ذو المزية هو المثبت للتكليف بناء على اختصاص الترجيح لذي المزية بخصوص الخبرين المتعارضين.

و اما في التخيير بينهما فان قلنا باختصاصه ايضا بالخبرين المتعارضين فالامارتان في هذا المقام يسقطان بالمعارضة و يخرجان عن دائرة العلم الاجمالي، و ان قلنا بشمول التخيير لهما فالحكم ايضا جواز رفع اليد عن الاحتياط في موردهما، لامكان اختيار الامارة النافية.

و على كل فلا مانع من جواز رفع اليد عن الاحتياط في هذا المقام، و لذا عطفه في المتن على المتعارضين من نوع واحد من غير الخبر بقوله: «و كذا لو تعارض اثنان منها» أي اثنان من نوعي الامارة كخبر و اجماع «في الوجوب و التحريم».

131

نهوض طريق معتبر و لا ما هو من أطراف العلم به على خلافه (1)،

____________

و من الواضح انه لو تعارضت الامارتان في الوجوب و التحريم فلا مجال للاحتياط لعدم امكانه، حيث ان المكلف لا يخلو عن الفعل أو الترك، و كل واحد منهما اما واجب او حرام، فانه اذا كان الحكم هو الوجوب فالترك حرام، و ان كان هو الحرمة فالفعل حرام، فالاحتياط في هذا المورد غير ممكن عقلا، لبداهة انه لا يعقل ان يفعل المكلف ما يعلم بانه قد اصاب الواقع قطعا، و انما خص الوجوب و التحريم لان مورد الاحتياط مورد احتمال احدهما، لانهما من الحكم اللزومي، و لا ريب في اختصاص الاحتياط بمورد احتمال الحكم اللزومي دون مطلق الحكم.

(1) قد عرفت ان مورد التعارض الذي يجوز رفع اليد عن الاحتياط فيه هو الخبران المتساويان، او ما كان الخبر النافي ارجح، و الامارتان من غير نوع الخبر كالاجماعين المنقولين، و الامارتين من نوعين كخبر و اجماع.

و لما ذكر حال الاحتياط بالنسبة الى هذه الموارد- أراد ان يشير الى حال جريان الاصول في هذه الموارد المتعارضة.

و حاصل ما افاده انه لا مانع من جريان الاصول فيها، لان المانع من جريان الاصول في اطراف العلم الاجمالي اما المانع من ناحية الثبوت، او المانع من ناحية الاثبات.

اما المانع من ناحية الثبوت عند المصنف فهو قبح الاذن و الترخيص فيما يلزم منه مخالفة عملية للمعلوم بالاجمال، كما لو علمنا بنجاسة احد الإناءين و اقتضت الاصول طهارتهما معا بأن كانا مسبوقين بالطهارة، فانه يلزم من جريان الاصول مخالفة عملية للمعلوم بالاجمال.

اما لو كانت الاصول تقتضي نجاستهما كما لو كان الاناءان متيقني النجاسة، و علمنا بطهارة احدهما فلا مانع من جريانهما لعدم المخالفة العملية، لان المراد من‏

132

.....

____________

المخالفة العملية هي المخالفة للحكم الالزامي، و الطهارة ليست حكما الزاميا، بخلاف النجاسة لاقتضائها لزوم اجتناب النجس.

و لما كانت الحجتان في هذه الموارد متعارضتين فلا مانع من الاذن و الترخيص حتى فيما يلزم منه مخالفة عملية، لان المخالفة العملية القبيحة هي المخالفة الفعلية المعلومة بالاجمال، و حيث فرضنا تعارض الحجتين فلا حجة فعلية حتى يكون الاذن و الترخيص في مخالفتها قبيحا.

و اما المانع من ناحية الاثبات فهو دلالة الرواية بحسب ذيلها على ان العلم الاجمالي ناقض للعلم التفصيلي، و لكنه ايضا اليقين الاجمالي الناقض لليقين التفصيلي هو اليقين الاجمالي المنجز، و لما كان المعلوم بالاجمال من الحجتين هو الحجتين المتعارضتين فلا علم اجمالي منجز بوجود الحجة في هذه الموارد، و لا يقين اجمالي من غير ناحية الحجة لبداهة ان مورد جريان الاصل واحد اما اثباتا او نفيا، فليس هناك إلّا يقين واحد تفصيلي و شك لاحق.

فاتضح انه لا مانع ايضا من ناحية الاثبات من جريان الاصول في هذه الموارد.

و مما ذكرنا يظهر وجه الترقي في قوله: «و لو كان نافيا» أي و لو كان الاصل نافيا، لان الاصول المثبتة في موارد الحجتين المتعارضتين نفيا و اثباتا لا يلزم من جريانهما مخالفة عملية، لوضوح ان الحجة النافية للتكليف لا الزام فيها بعدم التكليف حتى يلزم من اجراء الاصول المثبتة بالنسبة اليها مخالفة عملية، بخلاف ما اذا كان الاصل نافيا، فانه يلزم من اجرائها مخالفة عملية للامارة المثبتة للتكليف الالزامي، و لكنه لما كانت الامارة المثبتة متعارضة بالامارة النافية فلا امارة فعلية يقبح الترخيص في مخالفتها، و لذا قال (قدس سره): «فان المرجع في جميع ما ذكر من موارد التعارض» الثلاثة المذكورة «هو الاصل» العملي «الجاري فيها» أي في مواردها «و لو كان» الاصل «نافيا» للتكليف «لعدم نهوض طريق معتبر» تفصيلي،

133

فافهم (1).

____________

لفرض كون المقام باب الانسداد، فالمفروض هو العلم الاجمالي بالطرق المعتبرة دون التفصيلي.

و ايضا لا مانع من جريان الاصول من ناحية العلم الاجمالي بالطرق المعتبر، لفرض التعارض في الموارد المذكورة، و العلم الاجمالي بالطريق المعتبر المانع من جريان الاصول هو الطريق المعتبر غير المبتلى بالمعارض، و لذا قال (قدس سره): «و لا ما هو من اطراف العلم به» أي من اطراف العلم بالطريق المعتبر «على خلافه» أي على خلاف الاصل الجاري، لما عرفت من ابتلائه بمعارض مثله في الاعتبار.

(1) لعله يشير الى ان من موارد التعارض المذكورة هو ما اذا كان الخبر النافي ارجح، فانه يكون هو الحجة الفعلية على خلاف الاصول المثبتة، و لكنه قد عرفت انه لا مانع من جهة الثبوت، لان المانع من ناحية الثبوت هو المخالفة العملية، و لا مخالفة عملية للامارة النافية، مضافا الى ان الخبر النافي الراجح ليس بحجة فعلية متعينة، لفرض انسداد باب العلم و العلمي. نعم هو داخل في دائرة الطرق التي ينبغي الاحتياط فيها، و لما كان نافيا للتكليف فليس له عمل حتى يحتاط فيه، و لا مخالفة عملية له لانه لا عمل له، فلا مانع ثبوتا من جريان الاصل المثبت.

نعم قد يتوهم المانع من جهة الاثبات و هي دلالة الرواية على ان اليقين الاجمالي المعتبر القائم على خلاف اليقين التفصيلي ينقض به اليقين التفصيلي، و الخبر النافي الراجح من دائرة الطرق المعلومة بالاجمال فينقض به الاصل المثبت للتكليف.

و لكنه توهم فاسد، فان الرواية انما تدل على نقض اليقين التفصيلي باليقين الاجمالي على خلافه، و الخبر النافي في الراجح في المقام غايته ان يكون من دائرة الطرق الشرعية المعلومة بالاجمال، و لكنه لا يوجب اليقين الاجمالي بالانتقاض، و حيث لم تتعين الطرق فلا يقين اجمالي ايضا بالطريق المعتبر الناقض لليقين التفصيلي، فلا مانع من جهة الخبر النافي لا ثبوتا و لا اثباتا، و اللّه العالم.

134

و كذا كل مورد لم يجر فيه الاصل المثبت، للعمل بانتقاض الحالة السابقة فيه إجمالا بسبب العلم به، أو بقيام أمارة معتبرة عليه في بعض أطرافه، بناء على عدم جريانه بذلك (1).

____________

(1) هذا هو المقام الخامس الذي لا مانع من رفع اليد عن الاحتياط فيه، و مراده من هذه الموارد التي لم تجر فيها الاصول المثبتة و لا النافية: هو ما اذا قامت امارات متعددة نافية لتكاليف متعددة علم اجمالا بكون احدها حكما واقعيا او طريقا خاصا شرعيا، فان الذي يظهر من المصنف في المقام هو عدم جريان الاصل المثبت للتكليف في هذه الموارد.

و الظاهر ان المانع من جريان الاصول في المقام هو المانع من ناحية الاثبات دون الثبوت، لعدم المخالفة العملية كما مرّت الاشارة اليه، و لكن هذه الموارد مشمولة للرواية الدالة على نقض اليقين التفصيلي باليقين الاجمالي، بناء على نقض اليقين الاجمالي لليقين التفصيلي، ففي هذه الموارد لا تجري الاصول المثبتة للتكليف، للعلم اجمالا بان بعض هذه الاصول المثبتة للتكليف قد ثبت على خلافها نفي التكليف بالامارة المعتبرة، و اما النافية فلا حاجة اليها لفرض نفي الامارة للتكليف، و لكن لا يجب الاحتياط فيها ايضا لما عرفت من ان كون الحكم الواقعي هو عدم التكليف او كون الطريق المعتبر نافيا للتكليف لا الزام فيه، فلا يكون العلم الاجمالي بالطرق الملزمين باتباعها مما يقتضي الاحتياط فيه، فالاصول المثبتة و ان كانت لا تجري إلّا ان العلم الاجمالي لا يقتضي الاحتياط ايضا، فلا مانع من رفع اليد عن الاحتياط في هذه الموارد، و لذا عطف هذا المقام الخامس على المقامات الاربعة المتقدمة، الذي قال في صدر عبارته- بعد ان اورد على صاحب الفصول بان برهانه لو تمّ لكانت النتيجة هي الاحتياط في الطرق لا العمل بالظن-: «فان قضية هذا الاحتياط هو جواز رفع اليد عنه في مقامات»، ثم عدّدها و عطف هذا المقام الخامس عليها، فقال: «و كذا» أي و مثل الموارد السابقة في عدم وجوب الاحتياط هو «كل مورد

135

و ثانيا: لو سلم أن قضيته لزوم التنزل إلى الظن، فتوهم أن الوظيفة حينئذ هو خصوص الظن بالطريق فاسد قطعا، و ذلك لعدم كونه أقرب‏

____________

لم يجر فيه الاصل المثبت للعلم بانتقاض الحالة السابقة فيه اجمالا بسبب العلم به» و ذلك كما لو علمنا بان بعض هذه الامارات النافية للتكاليف حكمها هو حكم واقعي «او» علمنا بكون بعضها امارة خاصة شرعية، فيكون ذلك علما «بقيام امارة معتبرة عليه» أي على الانتقاض «في بعض اطرافه» أي في بعض اطراف الاصل المثبت للتكليف.

ثم اشار الى ان ذلك مبني على القول بالمانع من ناحية الاثبات و هو دلالة الرواية على نقض اليقين التفصيلي باليقين الاجمالي بقوله: «بناء على عدم جريانه بذلك» أي بناء على عدم جريان الاصل بسبب العلم بالانتقاض اجمالا.

و لا يخفى انه يظهر من بعض اساتذتنا المحققين في المقام: ان مراد المصنف من الاصل المثبت الذي لم يجر و لا يجب في مورده الاحتياط هو الاصل المثبت في المقامات المتقدمة عدا المقام الثاني و هو ما نهض الكل على نفيه، و هذا بعيد جدا لما يظهر من المصنف من جريان الاصل المثبت في المقامات المتقدمة لدلالة الترقي في قوله: «و لو كان» الاصل «نافيا» على جريان الاصل المثبت، و لظهور قوله: «نهوض طريق معتبر و لا ما هو من اطراف العلم به على خلافه» على انه ليس في مورد الاصل مثبتا كان او نافيا طريق معتبر و لا علم اجمالي على خلاف الاصل، و تصريحه في هذا المقام بان السبب في عدم جريان الاصل المثبت هو العلم بانتقاض الحالة السابقة اجمالا بسبب العلم به، او بقيام امارة معتبرة على خلاف العلم التفصيلي في بعض اطراف المعلوم بالاجمال. و اللّه العالم.

136

[ايراد المصنف ثانيا على كلام الفصول‏]

إلى العلم و إصابة الواقع من الظن، بكونه مؤدى طريق معتبر من دون الظن بحجية طريق أصلا، و من الظن بالواقع، كما لا يخفى (1).

____________

(1) قد عرفت ان الايراد الاول هو ان لازم العلمين هو الاحتياط دون التنزل الى الظن، و بضمه الى ما اشار اليه من عدم العلم بنصب طرق خاصة شرعية، و من انه لو فرض العلم بذلك فلا علم ببقاء تلك الطرق الخاصة فعلا فيما بأيدينا من الطرق، و من انه على فرض العلم ببقائها فلها قدر متيقن يوجب انحلال العلم الاجمالي به، فتكون الايرادات المتقدمة أربعة.

و حاصل هذا الايراد الذي اشار اليه بقوله: «و ثانيا لو سلم ... الى آخره» أي على فرض تسليم ما مرّ و ان العلمين يوجبان التنزل الى الظن دون الاحتياط، و لكن لا نسلّم ان ما يوجبانه هو خصوص الظن بالطريق المعتبر دون الظن بالواقع و دون الظن بكونه مؤدى طريق معتبر، و لكن لم يقم الدليل المعتبر عليه.

و توضيح ذلك: انه تارة نظن بان حكم العصير العنبي هي الحرمة واقعا من دون أن نظن بان فيما بأيدينا من الطرق طريقا معتبرا يدل على الحرمة.

و اخرى: نظن بان العصير العنبي مما قام على حرمته دليل معتبر فيما بأيدينا، و لكن لا نعرفه بعينه.

و ثالثة: نظن بان الطريق القائم عليه- و هو خبر الثقة مثلا- هو طريق معتبر عند الشارع.

و ظاهر الفصول على ما فهمه المصنف منه ان لازم العلمين المذكورين في كلام الفصول هو كون النتيجة هي حجية خصوص الثالثة، و هي حجية الظن المتعلق بكون الطريق الكذائي طريقا معتبرا.

و لا اعتبار بالظن بكون حكم العصير- واقعا- هي الحرمة، و لا اعتبار ايضا بالظن بكون العصير مما قام على حرمته طريق معتبر و لكن لا نعرفه بعينه.

137

.....

____________

و لكنّا بعد تسليم المقدمتين و ان لازمهما التنزل الى الظن لا نسلم اختصاص الحجية بخصوص الثالثة، و هي الظن بالطريق دون الظنين المتقدمين، بل النتيجة تقتضي حجية الظن بحرمة العصير سواء تعلق الظن بكون الحرمة هي حكمه الواقعي او تعلق الظن بكون الحرمة مما قام عليها دليل معتبر لا نعرفه، او تعلق الظن بكون الدليل الدال على حرمة العصير هو طريقا معتبرا شرعا.

و البرهان على عدم الاختصاص بعد كون النتيجة هي التنزّل الى الظن، هو انه بعد تعذر العلم و العلمي المعلوم بعينه نتنزّل الى الظن، و لا نرى ان الظن بخصوص كون هذا الطريق طريقا معتبرا اقرب الى براءة الذمة من الظن بكونه حراما واقعا، و لا اقرب من الظن بكونه مؤدى طريق معتبر.

و قد اشار الى ما ذكرنا بقوله: «و ثانيا لو سلم ان قضيّته» أي لو سلّم ان قضية المقدمتين هي «لزوم التنزل الى الظن» دون الاحتياط، و لكن لا نسلّم ان لازم المقدمتين هي حجية خصوص الظن المتعلق بالطريق دون الظنين المذكورين «فتوهّم ان الوظيفة حينئذ» أي حين تسليم المقدمتين «هو» اقتضاؤهما حجية «خصوص الظن بالطريق» هو توهم «فاسد قطعا».

ثم اشار الى البرهان على فساد هذا التوهّم بقوله: «و ذلك لعدم كونه» أي لعدم كون خصوص الظن بالطريق «اقرب الى العلم و اصابة الواقع» الذي به تحصل براءة الذمة «من الظن بكونه» أي من الظن بكون حكم العصير هو «مؤدى طريق معتبر من دون الظن بحجية طريق اصلا و» ايضا ليس خصوص الظن بالطريق هو اقرب الى العلم و اصابة الواقع «من الظن بالواقع» و ان حكم العصير واقعا هي الحرمة.

138

[صرف التكاليف الى مؤديات الطرق أو تقييدها بها]

لا يقال: إنما لا يكون أقرب من الظن بالواقع، إذا لم يصرف التكليف الفعلي عنه إلى مؤديات الطرق و لو بنحو التقييد (1)، فإن‏

____________

(1) حاصله: ان لا بد من اختصاص النتيجة بعد التنزل الى الظن بخصوص الظن بالطريق دون الظن بالواقع و دون الظن بكونه مؤدّى طريق معتبر لم نعرفه، لان المقدمة الثانية و هي انا مكلفون باتباع خصوص الطرق الشرعية لكون مؤدياتها وافية بالتكاليف الواقعية المعلومة بالاجمال، كما هي قضية المقدمة الاولى تقتضي انحلال العلم الاجمالي الاول الكبير بالعلم الاجمالي الثاني الصغير، و لازم الانحلال هو انحصار التكليف الفعلي باتباع الطرق، و بعد الانحلال لا اثر للعلم الاجمالي الاول و هو انا نعلم اجمالا باحكام فعلية، فان العلم الاجمالي المنحل لا اثر له و انما الاثر للحال للعلم الاجمالي، و لما كان الحال للعلم الاجمالي الاول هو العلم الاجمالي بان التكليف الفعلي هو اتباع خصوص الطرق الذي هو العلم الاجمالي الثاني، فلا يكون للظن بالواقع اثر لأنّا غير مكلفين بامتثال الواقع حتى يكون الظن بالواقع قائما مقام العلم بالواقع.

و اما الظن بكونه مؤدّى طريق معتبر لم نعرفه لازمه عدم حصول الظن الفعلي بطريق اليه، و مرجعه الى عدم وصول طريقه الينا، و لازم ذلك خروجه عن دائرة المعلوم بالاجمال الثاني، و مع خروجه عنه لا اثر للظن المتعلق بما هو خارج عن المعلوم بالاجمال.

و الحاصل: ان لازم العلم الاجمالي هو كون التكليف الفعلي هو اتباع خصوص مؤديات الطرق، و لو بنحو تقييد المعلوم بالاجمال الاول بكونه مما لا بد ان يؤدّي اليه طريق، و مع هذا التقييد لا يكون للظن بالواقع اثر، و لا للظن بكونه مؤدّى طريق معتبر غير واصل الينا في ضمن هذه الطرق، و تختص حجية الظن بخصوص الظن بالطريق، و لذا قال: «لا يقال انما لا يكون» الظن بخصوص الطرق «اقرب من الظن بالواقع» اذا لم ينحل العلم الاجمالي الاول بالعلم الاجمالي الثاني، لانه‏

139

[دخل الامارة في الحكم- تصورا- على أنحاء أربعة]

الالتزام به بعيد (1)، إذ الصرف لو لم يكن تصويبا محالا، فلا أقل من كونه مجمعا على بطلانه، ضرورة أن القطع بالواقع يجدي في الاجزاء بما هو

____________

«اذا لم يصرف التكليف الفعلي عنه» أي عن التكليف الواقعي المجرد «الى» التكليف ب «مؤديات الطرق و لو بنحو التقييد» يكون الظن بالواقع مثل الظن بالطريق، و لا يكون الظن بالطريق اقرب الى اصابة الواقع ببراءة الذمة من الظن بالواقع.

اما اذا صرف التكليف الفعلي الاول الى التكليف الفعلي الثاني المقيّد بخصوص مؤديات الطرق فلا بد من انحصار اصابة الواقع ببراءة الذمة بخصوص الظن بالطرق.

(1) هذا هو الجواب عمّا ذكره في لا يقال، و توضيحه يتوقف على بيان امر ليتضح ما اورده عليه و هو ان دخل الامارة في الحكم- تصورا- على انحاء اربعة:

الاول: ان تكون الامارة دخيلة في الحكم في مراتبه الثلاث: الاقتضاء و الانشاء و الفعلية، و لا بد من تبعية الدخل في مرتبة التنجز لتبع مرتبة التنجز لمرتبة الفعلية، اذ التنجز ليس الا كون الحكم الفعلي بالغا مرتبة التنجز، و دخالة الامارة في الحكم بمراتبه الثلاث محال لاستلزامه الدور، لوضوح ان معنى دخالة الامارة في الحكم هو كون الامارة دخيلة في موضوع الحكم، فيكون موضوع الحكم هو قيام الامارة على الحكم.

و لا يخفى انه لازم هذا ان لا يكون هناك حكم واقعي قبل قيام الامارة، و ان ما قامت عليه الامارة هو الحكم الواقعي، و حيث ان الامارات متعددة و مختلفة فلا بد من تعدد الاحكام الواقعية بمقدار تعدد الامارات، و هذا مما يستلزم الدور، بتقريب ان الحكم اذا كانت الامارة دخيلة فيه بنحو الموضوعية فقبل قيام الامارة لا حكم، فيكون الحكم- بما هو حكم- متوقفا على الامارة، و حيث ان الامارة القائمة على الحكم لا بد لها من حكم تتعلق به و تقوم عليه، فيتوقف تعلق الامارة بالحكم على الحكم، و لازم هذا كون الحكم- بما هو حكم- موقوفا على قيام الامارة، لتوقف‏

140

.....

____________

الحكم على موضوعه، و توقف قيام الامارة على الحكم، لانها مما لا بد لها من متعلق، و المفروض ان المتعلق لها هو الحكم، فيكون الحكم متوقفا على الامارة المتوقفة عليه، و يكون قيام الامارة موقوفا على الحكم المتوقف على قيام الامارة.

و الى مثل هذا يرجع دعوى المصوّبة من انه لا حكم واقعا الا ما ادى اليه نظر المجتهد، و ان اللّه احكاما واقعية بعدد آراء المجتهدين.

و الفرق بينهما هو ان ما ذكرناه انه لا حكم واقعا قبل قيام الامارة و ان اللّه احكاما واقعية بعدد ما قامت عليه الامارات، و المصوّبة يقولون بمثله بالنسبة الى المجتهدين و ليس هذا بفارق.

و قد رفعوا الدور بان الحكم بوجوده الواقعي في مراحله الثلاث متوقف على الامارة، أي على الظن المتعلق بماهية الحكم، لبداهة ان الظن من موجودات عالم النفس فلا يعقل تعلقه بالموجود الخارج عن افق النفس، و الذي يوجد في افق النفس هو ماهية الحكم لا وجوده الخارج عن افق النفس، فالحكم الواقعي بمراحله الثلاث متوقف على الظن أي على الامارة المتعلقة بماهية الحكم، و الظن متوقف على ماهية الحكم لا على وجود الحكم خارجا، فاختلف الموقوف و الموقوف عليه، فان الموقوف أي الحكم بوجوده الخارجي موقوف على الظن المتعلق بماهية الحكم، و الظن او الامارة متوقفة على ماهية الحكم لا على الحكم بوجوده الخارجي، و مع اختلاف الموقوف و الموقوف عليه و لو بحسب نشأتي الوجود من النفسي و الخارجي يرتفع الدور، لان محاليّة الدور هي لزوم توقف الشي‏ء على نفسه، و اذا كان الحكم بوجوده الحكمي متوقفا على الظن المتعلق بماهية الحكم لا بوجوده الخارجي يكون الموقوف غير الموقوف عليه فلا يكون هناك توقف للشي‏ء على نفسه، لبداهة توقف الحكم بوجوده الخارجي على الظن أي الامارة المتعلقة بماهية الحكم لا بوجوده فلا دور، كما انه لا تقدم و لا تأخر طبعي، لبداهة ان المتأخر هو الحكم بوجوده الواقعي، و المتقدم هو ماهية الحكم لا وجوده فلا يكون المتأخر متقدما، لان المتقدم‏

141

.....

____________

الذي هو متعلق الظن هو ماهية الحكم و المتأخر هو وجود الحكم واقعا، فلا يلزم محذور تقدّم المتأخر و تأخير المتقدم.

و لكنه ينبغي ان لا يخفى ان دخالة الامارة واقعا في الحكم بنحو الموضوعية في جميع مراتبه، و ان لم يلزم منه الدور بحسب ما مرّ، من امكان دخالتها على نحو لا يستلزم الدور إلّا انه يستلزم المحال إما فرضا او امتثالا.

و ذلك لان دخالة الامارة في الحكم ان كانت دخالتها في وجود الحكم الواقعي بما له من الوجود المختص به، فمعناه كون الواجب واقعا هو الواجب الذي قامت عليه الامارة، و لازم ذلك الدور عروض الوجوب على الوجوب، و عروض الشي‏ء على نفسه محال لاستلزامه تقدم الموضوع طبعا- بما هو موضوع- و تأخره طبعا بما هو حكم عارض على الموضوع. مضافا الى الخلف بنحو آخر، و هو انه بعد ان كان المفروض دخالتها في وجود الحكم الواقعي فهذا فرض وجود للحكم الواقعي من دون الامارة، و قد فرضنا دخالتها فيه، فهذا فرض يلزم من وجوده عدمه.

و ان كانت دخالتها في الحكم الواقعي بنحو تركب موضوعه من مفهوم الامارة و مفهوم الحكم فيكون العارض هو وجود الحكم الواقعي على موضوعه، و هو ماهية الحكم و مفهومه لا وجوده، فلا يلزم عروض الشي‏ء على نفسه، فهو و ان كان لا يلزم منه عروض الشي‏ء على نفسه الّا أن لازمه عدم امكان امتثاله، لضرورة لزوم قيام الامارة على الحكم الذي قامت عليه الامارة، و لا ريب ان الامارة انما تقوم على الحكم لا على الحكم الذي قامت عليه الامارة، مضافا الى انه على الفرض ان موضوع الحكم الفعلي هو قيام الامارة على الحكم بمفهومه لا بوجوده الواقعي، و لما كانت الامارة تقوم على الحكم الواقعي فموضوع الحكم الفعلي لم يتحقق و هو قيام الامارة على الحكم بمفهومه لا بوجوده الواقعي.

142

.....

____________

و بعبارة اخرى: ان الظن المتعلق بماهية الحكم ان كانت هذه الماهية المتعلقة للظن قد تعلق الظن بها بما انها لها مطابق خارجي، فيلزم الخلف، لان المفروض ان الحكم بوجوده الخارجي متوقف على الظن المتعلق بماهيته.

و ان لم يكن لها مطابق خارجي فلا يعقل ان يتعلق الظن بهذه الماهية، لانه مع العلم بانه لا حكم واقعا كيف يتعلق الظن بماهية الحكم الذي علم انه لا مطابق له؟

فاتضح ان دخالة الامارة في الحكم بنحو الموضوعية محال اما فرضا او امتثالا، فالتصويب بمعنى انه لا حكم واقعا قبل قيام الامارة، و ان الحكم الواقعي هو ما قامت عليه الامارة محال اما فرضا او امتثالا.

الثاني: ان يكون دخالة الامارة في الحكم في مرحلة الفعلية فقط، بان يكون الحكم الواقعي في مرحلة الانشاء غير مأخوذ فيه شي‏ء اصلا سوى موضوعه المتعلق به كالصلاة و الصوم مثلا، و لكنه اذا قامت الامارة عليه يضمحل الحكم الواقعي الانشائي و ينشأ حكم على نحو ما قامت عليه الامارة سواء اصابت الامارة حتى لا يلزم التماثل أو أخطات الامارة حتى لا يلزم التضاد و التناقض.

و هذا ايضا إمّا محال او مما قام الاجماع على خلافه، لوضوح ان الموضوع للامارة هو الشك في الحكم الواقعي، فان كان حدوثا و بقاء فهو خلف، لان المفروض في هذا الامر الثاني هو اضمحلال الحكم الواقعي بقيام الامارة، و بعد قيام الامارة لا بقاء للحكم الواقعي، و مع العلم بعدم بقائه كيف يبقى الشك فيه؟ و مع ارتفاع الشك فيه لا موضوع للامارة، فيلزم من قيام الامارة على الحكم عدم الحكم، و ما يلزم من وجوده عدمه محال.

و ان كان موضوع الامارة هو الشك في الحكم الواقعي حدوثا لا بقاء فهو مما قام الاجماع على عدمه، لقيام الاجماع على انه هناك حكم واقعي أصابه من أصابه و أخطأه من أخطأه.

143

.....

____________

مضافا الى ان الحكم المفروض في مرحلة الانشاء هو الإنشاء للحكم بداعي جعل الداعي، فان بقى الحكم بعد قيام الامارة فلا اضمحلال، و هو خلاف المفروض من اضمحلال الحكم الواقعي بعد قيام الامارة، و ان لم يبق فلا يكون الحكم في مرحلة الانشاء هو الانشاء بداعي جعل الداعي، لان هذا الانشاء لا يكون فعليا حتى يكون داعيا بداعي جعل لداعي.

الثالث: ان يكون بنحو التقييد للحكم في مرحلة الفعلية مع بقاء الحكم الواقعي الانشائي على حاله غير مقيد بقيام الامارة

ففيه اولا: ان الحكم الفعلي ليس هو إلّا الحكم الانشائي الذي بلغ مرتبة الفعلية، فكيف يمكن تقييده في مرحلة الفعلية دون مرحلة الانشاء؟

و ثانيا: دعوى كون الحكم الواقعي الفعلي مقيدا بالامارة، بحيث يوجب صرف الحكم الواقعي الى الحكم المقيد بقيام الامارة مما قام الاجماع على عدمه، لوضوح انه من البديهي المسلّم ان القطع بالحكم الواقعي الفعلي مما يوجب تنجزه، و لو كان الحكم الفعلي مقيدا بالامارة لما كان العلم بالحكم الواقعي الفعلي موجبا لتنجزه، لانه لم يتعلق العلم بالحكم الفعلي المقيد بالامارة، بل تعلق بنفس الحكم، فلا يكون موجبا للتنجز مع قيام الاجماع على تنجزه بالعلم، فقيام الاجماع على تنجز الحكم بالعلم دليل على عدم تقييد الحكم الواقعي بالامارة.

و ثالثا: يرد عليه ما اورد على الاضمحلال، من كون موضوع الامارة هو الشك بالحكم الواقعي حدوثا و بقاء، و مع فرض صرف الاحكام الواقعية الفعلية الى تقيدها بالامارة يكون الحكم الذي قامت عليه الامارة مقطوعا لا مشكوكا، و بارتفاع الشك يرتفع موضوع الامارة فيلزم من وجود الشي‏ء عدمه.

و الحاصل: ان الامارة اذا قامت على الحكم الواقعي فان كان هناك حكم واقعي فانه يكون مقطوعا لا مشكوكا، و الّا يكون مقطوع العدم: أي اذا لم يكن هناك حكم واقعي و الامارة أخطأت فيكون عدم الحكم مقطوعا.

144

[الصرف و التقييد و ايرادات المصنف (قده) عليهما]

واقع، لا بما هو مؤدى طريق القطع، كما عرفت (1).

____________

الرابع: ان يكون الموجب للزوم اتباع ما قامت عليه الامارة أمرين:

الاول: اعتبار الشارع للامارة طريقا الى احكامه الواقعية.

الثاني: هو كونها مما تشتمل على مقدار من الاحكام الواقعية وافية بمعظم الفقه، و هذان الامران يوجبان انحلال العلم الاجمالي الاول بالعلم الثاني، لكون الامارات مما تشتمل على احكام واقعية وافية بمعظم الفقه، و ان الامارات التي تشتمل على ذلك مما اعتبرها الشارع، فيكون لازم هذين الامرين انحلال العلم الاجمالي الاول بالعلم الاجمالي الثاني، و لازمه اتباع ما قامت عليه الامارة المعتبرة، و حيث لا سبيل للعلم بالامارة لفرض الانسداد، فيتنزّل الى الظن بالامارة دون الظن بالحكم الواقعي، لعدم تنجز العلم الاجمالي الاول بسبب الانحلال.

اذا عرفت هذه المقدمة ... فاعلم انه لا اشكال في ان كلام الفصول بعيد جدا ان يكون مراده الاحتمال الاول، لصراحة كلامه بان لنا احكاما واقعية فعلية غير مقيدة بشي‏ء اصلا، فيدور امره بين الاحتمالات الثلاثة: الاضمحلال، و التقييد، و انحلال العلم الاول بالعلم الثاني.

و لما كانت الاحتمالات الثلاثة غير صحيحة ايضا، لما عرفت مما يرد على الاضمحلال و التقييد و لما سيأتي من الايراد عليهما، و لما سيأتي من الايراد على الثالث الذي هو رابع الاحتمالات .. و عليه فلا وجه لما ادعاه صاحب الفصول من كون نتيجة مقدمات الانسداد هو حجية الظن بالطريق دون الظن بالواقع.

(1) لا يخفى ان مراده من الصرف المقابل للتقييد هو الاضمحلال، لما عرفت من إباء كلام الفصول عن الاحتمال الاول.

فعلى فرض ان يكون مراد الفصول بصرف التكاليف الواقعية الى اتباع الامارات الشرعيّة هو اضمحلال التكاليف الواقعية بعد جعل الامارات الشرعية- اورد عليه الماتن (قدس سره) ايرادين:

145

.....

____________

الاول: ما اشار اليه بقوله: «اذ الصرف لو لم يكن تصويبا»، و حاصله: ما عرفت من ان الاضمحلال ايضا محال للزومه الخلف، و انه يلزم من حجية الامارة عدم حجيتها لان موضوع الامارة هو الشك في الحكم الواقعي حدوثا و بقاء، فاذا كان قيام الامارة موجبا لاضمحلال الحكم الواقعي كان ذلك موجبا لرفع حجيتها، لارتفاع موضوع الامارة و هو الشك بالحكم الواقعي، لوضوح انه بناء على الاضمحلال بعد قيام الامارة نقطع بعدم الحكم الواقعي، و مع القطع بعدمه يرتفع الشك فيه، و لازم ارتفاع الشك فيه ارتفاع حجية الامارة لارتفاع حجيتها بارتفاع موضوعها، فيلزم من حجية الامارة عدم حجيتها.

الثاني: ما اشار اليه بقوله: «فلا أقل ... الى آخره» و حاصله: هو قيام الاجماع على عدم اضمحلال الحكم الواقعي بقيام الامارة، لان الاجماع قائم على انه في حال العلم بوجود الامارات المعتبرة انه لو قطعنا بالحكم الواقعي كان قطعنا مجديا في لزوم التعويل على ما قطعنا به، و ان الاتيان بما قطعنا به مجز موجب للتنجز عند الاصابة و للعذر عند الخطأ، و لو كان التكليف الواقعي مضمحلا لما كان القطع به موجبا للاجزاء، فقيام الاجماع على الاجزاء مع علمنا بجعل الامارة مما يدل بوضوح على عدم اضمحلال الاحكام الواقعية و انصرافها الى ما قامت عليه الامارة، فانه لو صحّ الاضمحلال لكان القطع بالحكم الواقعي لا اثر له، و انما الاثر يكون لخصوص القطع بكون الحكم مؤدى طريق معتبر، مع ان الاجماع قائم على الاجزاء فيما لو قطعنا بحكم واقعي مع القطع بانه لا طريق معتبر يؤدّى اليه.

و الى هذا اشار بقوله: «فلا اقل من كونه مجمعا على بطلانه»، و يدل على قيام الاجماع على بطلان الاضمحلال هو قيام ال «ضرورة» على «ان القطع بالواقع يجدي في الاجزاء» بالواقع «بما هو واقع» كان القطع طريقا اليه لا موضوعا فيه، و لذا قال: «لا بما هو مؤدى طريق القطع» ليكون القطع موضوعيا فيكون الاجزاء

146

و من هنا انقدح أن التقييد أيضا غير سديد (1)، مع أن الالتزام بذلك غير مفيد، فإن الظن بالواقع فيما ابتلي به من التكاليف لا يكاد ينفك عن‏

____________

مستند الى موضوعية القطع بالواقع لا الى الواقع، فلا يكون الاجماع منافيا للاضمحلال.

و الحاصل: ان الاجماع قائم على ان القطع بالواقع كاف و مجد في الاتيان بالواقع، و لو كان الحكم الواقعي مضمحلا لما اجدى القطع بالواقع، و كون القطع موضوعيا لازمه الاجزاء لو انكشف الخلاف.

و لكنك قد عرفت ان الاجماع قائم على الاجزاء مع فرض الالتفات الى الطريقية، و لذا لو انكشف الخلاف و جبت الاعادة في الوقت لخطأ الطريق.

(1) لا يخفى ان هذين الايرادين كما يردان على الاضمحلال يردان على التقييد ايضا، لوضوح انه على فرض التقييد ايضا يلزم من حجية الامارة عدم حجيتها، لاخذ الشك في الحكم الواقعي موضوعا في الامارة، و مع التقييد للاحكام الواقعية الفعلية بقيام الامارة لا اثر للحكم الواقعي من ناحية كون الامارة طريقا اليه، بل يكون الحكم الواقعي حقيقة هو مؤدّى الامارة، و مع القطع بكون المؤدّى للامارة هو الحكم الواقعي لا بد من ارتفاع الشك بالحكم الواقعي بقيام الامارة، لحصول القطع بالحكم الواقعي، و من الواضح عدم امكان كون الحكم الواقعي- الذي له الاثر واقعا- مشكوكا به و مقطوعا في آن واحد.

و ايضا قيام الاجماع على الاجزاء بالاتيان الواقع في حال تعلق القطع به بما هو طريق دليل على عدم تقييد الاحكام الواقعية بمؤدى الطريق، و إلّا لكان الاجزاء مستندا الى الاتيان بالحكم الواقعي بما هو مؤدى القطع لا بما هو حكم واقعي كان القطع طريقا اليه.

و الى هذا اشار بقوله: «و من هنا انقدح ان التقييد ايضا غير سديد».

147

الظن بأنه مؤدى طريق معتبر (1)، و الظن بالطريق ما لم يظن بإصابة الواقع غير مجد بناء على التقييد، لعدم استلزامه الظن بالواقع المقيد به بدونه (2).

____________

(1) هذا هو الايراد الثالث المختص بالتقييد، و حاصله: ان الالتزام بالتقييد لا يفيد في اختصاص نتيجة مقدمات الانسداد بخصوص الظن بالطريق، لان الظن بالطريق يلازم الظن بالواقع في التكاليف العامة البلوى، و وجه اختصاصه بالتقييد دون الاضمحلال انه بناء على الاضمحلال لا واقع حتى يكون بينه و بين الطريق ملازمة، بل لا يكون هناك شي‏ء سوى الحكم الذي قام عليه الطريق.

و اما وجه التلازم فهو ان التكاليف العامة البلوى عادة لا بد و ان يكون قد قامت عليها الطرق المنصوبة من الشارع المعتبرة عنده، لتوفّر الدواعي الى نقلها لكثرة الابتلاء بها، فلا بد و ان تكون هي معقد الاجماعات و مؤدى الاخبار الموثوقة الصحيحة، فالظن بحجية الخبر يلازم الظن بكون مؤدّاه هو الواقع، فلا تظهر نتيجة لاختصاص الحجية بالطريق، و لذا قال (قدس سره): «مع ان الالتزام بذلك» أي بالتقييد «غير مفيد» في كون النتيجة هي اختصاص الحجية بالطريق دون الواقع «فان الظن بالواقع فيما ابتلي به» المكلف «من التكاليف» العامة البلوى «لا يكاد ينفك عن الظن بانه مؤدى طريق معتبر».

(2) هذا ايضا ما يختص بالتقييد، و هو الايراد الرابع.

و حاصله: ان معنى التقييد هو التركيب من الواقع و الطريق، و لو بنحو ان يكون التقييد داخلا و القيد خارجا، فاذا كان الظن متعلقا بالطريق فلا بد و ان يكون متعلقا بطريق مقيد بكونه مؤدّيا الى الواقع، فانه لو تعلّق الظن بطريق غير مظنون الأداء الى الواقع، لا يكون ذلك متعلقا بما هو الحجة المنصوبة من الشارع، لفرض كونه منصوبا مقيدا بالواقع، فاذا ظننا بطريق انه من الطرق المجعولة فلا بد و ان نظن بكونه مؤدّيا للواقع لفرض تقييده بالواقع، و اذا ظننا بواقع هو مؤدى طريق معتبر قد جعله‏

148

.....

____________

الشارع طريقا اليه فقد حصل كلا جزأي المركب، لوضوح حصول الظن بحكم له طريق معتبر، اما معرفته بعينه فليس بداخل في المركب الذي هو الموضوع.

و لازم هذا هو عدم اختصاص النتيجة بناء على التقييد بالظن بالطريق، بل لا بد من شمولها للظن بالواقع الذي نظن بانه له طريق معتبر و ان لم نعرف طريقه بعينه.

و ما ذكره من كون الظن بحكم قد ظن بان له طريقا لم نعرفه فيه خارجا عن دائرة المعلوم بالاجمال، لعدم وصول الطريق فغير صحيح، لان الموضوع على الفرض هو الحكم الواقعي الذي له طريق معتبر، و عدم معرفته بعينه لازمه عدم وصوله تفصيلا لا عدم وصوله اجمالا، و هذا الوصول الاجمالي يتحقق به الموضوع و هو الحكم الواقعي الذي قام عليه طريق معتبر.

فاتضح انه بناء على التقييد لا تختص نتيجة الانسداد بخصوص الظن بالطريق، بل لا بد من شمولها- بناء على التقييد- للظن بالواقع الذي يظن بانه له طريق معتبر.

نعم هي لا تشمل الظن بالواقع الذي ظن بانه ليس له طريق معتبر.

و على كل فلا تختصّ النتيجة- بناء على التقييد- بخصوص الظن بالطريق كما هو مدعى الفصول، بل لا بد من شمولها للظن بالواقع الذي يظن بانه له طريق معتبر و ان لم نعرف طريقه بعينه، لان المجعول- بناء على التقييد- هو الطريق المتعلق بالواقع، فكما ان الظن يكون طريقا كافيا في براءة الذمة كذلك الظن بالواقع الذي له طريق معتبر كاف في براءة الذمة، و هذا كله لاجل التقييد الموجب للملازمة و عدم انفكاك الظنين و الى هذا اشار بقوله: «و الظن بالطريق ما لم يظن باصابة» الطريق «الواقع غير مجد بناء على التقييد» لفرض كون موضوع الحجية هو الطريق المؤدّى الى الواقع، فالظن بالطريق ما لم يظن بكونه مؤدّيا للواقع لا يكون من دائرة الظنون المتعلق بها العلم الاجمالي الثاني- بناء على التقييد- فان متعلق العلم الاجمالي الثاني هو انه لنا طرق مجعولة من الشارع الى الاحكام الواقعيّة، فالظن بالطريق غير المظنون كون مؤدّاه هو الواقع يكون خارجا عن دائرة هذا العلم الاجمالي، فكما ان‏

149

هذا مع عدم مساعدة نصب الطريق على الصرف و لا على التقييد (1)، غايته أن العلم الاجمالي بنصب طرق وافية يوجب انحلال العلم بالتكاليف الواقعية إلى العلم بما هو مضامين الطرق المنصوبة من التكاليف‏

____________

الظن بالطريق الداخل في هذه الدائرة هو الظن المتعلق بطريق يظن بانه يؤدي الى الواقع يكون حجة في حال الانسداد، فكذلك لا بد و ان يكون الظن بالواقع المظنون كونه له طريق معتبر يكون ايضا حجة في حال الانسداد لدخوله في دائرة هذا العلم الاجمالي.

نعم لا بد من خروج الظن الذي لا نظن بكون مؤدّاه هو الواقع عن دائرة هذا العلم الاجمالي و لذا قال (قدس سره): «لعدم استلزامه» أي لعدم استلزام الظن بالطريق الذي لا يظن بان مؤدّاه هو الواقع «الظن بالواقع المقيد به» أي الطريق «بدونه» أي بدون الظن بان مؤداه هو الواقع، لان المفروض انه جزء الموضوع بناء على التقييد.

و اذا كان الامر كذلك فلا اختصاص للظن بالطريق، بل لا بد من شموله للظن بالواقع الذي يظن بانه له طريق معتبر و ان لم نعرفه بعينه.

(1) هذا خامس الايرادات و هو مشترك الورود على الاضمحلال و على التقييد.

و حاصله: ما مر تحقيقه من وجود الاحكام الواقعية المشتركة بين من قامت عنده الطرق، و من لم تقم عنده الطرق، و هو الحكم المشترك بين العالم و الجاهل، و ان ادلة الطرق انما تساعد على كونها طريقا محضا الى الواقع من دون موضوعية لها اصلا.

و بعبارة اخرى: ان المختار للمصنف بحسب ما تساعده الادلة الدالة على الجعل هو الطريقية دون الموضوعية، و لازم الاضمحلال و التقييد هو الموضوعية، و هو واضح، و لذا قال: «هذا مع عدم مساعدة نصب الطريق على الصرف» أي الاضمحلال «و لا على التقييد» للاحكام الواقعية بالطرق القائمة عليها.

150

الفعلية، و الانحلال و إن كان يوجب عدم تنجز ما لم يؤد إليه الطريق من التكاليف الواقعية، إلا أنه إذا كان رعاية العلم بالنصب لازما، و الفرض عدم اللزوم، بل عدم الجواز. و عليه يكون التكاليف الواقعية، كما إذا لم يكن هناك علم بالنصب في كفاية الظن بها حال انسداد باب العلم، كما لا يخفى، و لا بد حينئذ من عناية أخرى في لزوم رعاية الواقعيات بنحو من الاطاعة، و عدم إهمالها رأسا كما أشرنا إليه، و لا شبهة في أن الظن بالواقع لو لم يكن أولى حينئذ لكونه أقرب في التوسل به إلى ما به الاهتمام من فعل الواجب و ترك الحرام، من الظن بالطريق، فلا أقل من كونه مساويا فيما يهم العقل من تحصيل الأمن من العقوبة في كل حال (1)، هذا مع ما عرفت من أنه عادة يلازم الظن بأنه مؤدى طريق،

____________

(1) قد عرفت ان كلام الفصول لا يجوز ان يحمل على ما يستلزم التصويب المحض و انه لا حكم واقعي الّا ما قامت عليه الامارة، لتصريحه بالعلم الاجمالي الاول و ان متعلقه هي الاحكام الواقعيّة.

و لكنه يحتمل ان يكون مرتبا على الاضمحلال او التقييد، و قد عرفت حالهما لو كان مراد الفصول ذلك.

و لا يخفى ان الانصاف انه ايضا بعيد عن مذاق الفصول، فالانصاف ان كلام الفصول لا يريد به الّا الاحتمال الرابع، و هو انه لنا علم اجمالي بتكاليف واقعية و لنا علم اجمالي ثان بطرق منصوبة من الشارع مؤدّية الى الاحكام الواقعية وافية بمعظم الفقه، فينحل العلم الاجمالي الاول بهذا العلم الاجمالي الثاني، و تكون النتيجة هي حجية خصوص الظن بالطريق كما مرّ بيان ذلك عند ذكر المقدمتين المذكورتين في كلامه المتقدم مبرهنا بهما على ما ادعاه من كون لازم ذلك هو اختصاص حجية الانسداد بالظن بالطرق دون الظن بالواقع.