بداية الوصول في شرح كفاية الأصول‏ - ج6

- الشيخ محمد طاهر آل راضي المزيد...
404 /
151

.....

____________

و ينبغي- قبل الشروع في ما يرد عليه- بيان الفرق بين كلام الفصول هنا، و الدليل العقلي المتقدم الاول الذي اقاموه على حجية الخبر.

و حاصل الفرق بينهما هو: ان الدليل هو وجود العلم الاجمالي الاول بالتكاليف الواقعية، و العلم الاجمالي الثاني هو وجود معظم تلك التكاليف في ضمن الاخبار التي بأيدينا من دون ضم اعتبار الشارع لبعض الاخبار أو لجلّها، فحينئذ يمكن ان يدعى عدم انحلال العلم الاجمالي الاول بالعلم الثاني، كما مرّ دعوى ذلك من ان العلم بوجود تكاليف فيما بأيدينا من الاخبار لا يحلّ العلم الاجمالي الاول، لبقاء العلم الاجمالي الاول بعد الاخذ بما في الاخبار، بدعوى انه بعد ذلك لنا علم اجمالي بتكاليف واقعية في ضمن غير الاخبار من الاجماعات المنقولة و الشهرات.

فاتضح مما ذكرنا: انه يمكن ان يدعى ان العلم بالتكاليف في مقامين لا يقتضي الانحلال.

و اما في المقام فانه لا بد من الانحلال لضم اعتبار الشارع للامارات الخاصة المؤدّية الى الاحكام الواقعيّة، فيدور الامر مدار العلم الاجمالي الثاني في المقام لانحلال العلم الاجمالي الاول به، لان الاحكام الواقعية الفعلية هي الموجود في ضمن الامارات التي اعتبرها الشارع، فيدور الامر مدار هذا العلم الاجمالي الثاني.

هذا غاية ما يمكن ان يدعى في تقريب ما اراده الفصول: من ان الانحلال موجب لحجية الظن بخصوص الطريق، لان الاحكام الواقعية التي لم تقم عليها امارة تكون خارجة عن دائرة العلم الاجمالي الثاني، و الظن باعتبار الطريق لا يلازم الظن بالحكم الواقعي الذي هو مؤدّاه، لان الظنون نوعية لا شخصية حتى تكون ملازمة بين الظن بالطريق و الظن بكون مؤدّاه هو الواقع.

و منه يتضح خروج الحكم الواقعي الذي يظن بانه قد قام عليه طريق معتبر، لانه لا يوجب إلّا ظنا بدخوله في دائرة العلم الاجمالي الثاني، و لا بد من القطع بكونه داخلا في دائرة العلم الاجمالي، و لا يفيد الظن بدخوله في دائرة العلم الاجمالي‏

152

.....

____________

المنجز، فلذلك تنحصر الحجية بخصوص الظن بالطريق بكونه من الظنون الخاصة المعتبرة عند الشارع.

و الجواب عنه: هو ان غاية ما يقتضيه هذا الانحلال هو منجزية العلم الاجمالي الثاني، و قد مرّ- فيما سبق- من ان العلم الاجمالي اذا لم تجب موافقته لا تحرم مخالفته، لمحالية التفكيك بين وجوب الموافقة القطعية و حرمة المخالفة القطعية، و متى لم تجب الموافقة القطعية لا تحرم المخالفة القطعية.

و حيث لا يجب الاحتياط في دائرة هذا العلم الاجمالي لفرض لزوم العسر المرفوع اما عقلا او بأدلة رفع الحرج، فلا يكون هذا العلم الاجمالي منجزا في دائرته، و لزوم الامتثال مستند الى الاجماع القائم على لزوم التعرّض لامتثال احكام المولى و عدم جواز اهمالها، و لما كان هذا هو الموجب للتعرّض للامتثال، و لا فرق في براءة الذمة عقلا عن هذا الوجوب المستفاد من الاجماع بين الظن بالطريق المعتبر او الظن بالحكم الواقعي، و لذلك كانت نتيجة الانسداد هي الاعم من دون اختصاص لها بواحد من الظنين.

و قد اشار الى ان هذا العلم الاجمالي يوجب الانحلال و اختصاص الاحكام الواقعية المنجزة بخصوص ما أدّت اليه الطرق، و خروج الاحكام الواقعية التي لم يؤدّ اليها طريق لو كان هذا العلم منجزا بقوله: «غايته» أي غاية هذا الاحتمال الرابع هو «ان العلم الاجمالي بنصب طرق وافية» الذي هو العلم الاجمالي الثاني «يوجب انحلال العلم» الاجمالي الاول المتعلق «بالتكاليف الواقعية الى» الثاني و هو «العلم بما هو مضامين الطرق المنصوبة من التكاليف الفعلية و» هذا «الانحلال و ان كان يوجب عدم تنجز ما لم يؤدّ اليه الطريق من التكاليف الواقعية» لكونه على هذا الفرض من الانحلال يكون خارجا عن دائرة العلم الاجمالي المنجز «الّا انه» انما يتمّ و تكون النتيجة منحصرة في خصوص الظن بالطريق فيما «اذا كان رعاية العلم بالنصب لازما» بان يكون الموجب للامتثال هو تنجز هذا العلم الاجمالي.

153

.....

____________

و اما اذا لم يكن منجزا و لا تجب رعايته لعدم امكان التفكيك، فلا يكون موجبا لتلك النتيجة التي ادعاها في الفصول من الاختصاص «و الفرض عدم اللزوم» لرعاية هذا العلم الاجمالي لأدلة العسر «بل عدم الجواز» فيما اذا كان الاحتياط موجبا للاختلال.

«و عليه» أي و على هذا الفرض من عدم تنجز العلم الاجمالي في لزوم الموافقة القطعية فلا يكون موجبا لتنجز حرمة مخالفتها و «يكون» على هذا «التكاليف الواقعية» الاولية غير منحلة الى هذا العلم الثاني، بل يكون حالها «كما اذا لم يكن علم بالنصب» في عدم الانحلال «و لا بد حينئذ من عناية اخرى» للزوم امتثالها و التعرض ل «لزوم رعاية الواقعيات بنحو من الاطاعة و عدم اهمالها رأسا» و هذا هو الموجب لرعاية امتثالها.

و اذا كان هذا هو الموجب، و حيث فرض عدم امكان الاحتياط في مقام امتثالها فلا بد من التنزّل الى ما هو مبرئ للذمة في امتثالها، و هو اعم من الاتيان بمؤدى الطريق المظنون اعتباره، او بما هو المظنون انه حكم واقعي.

و لما كان العلم الاجمالي الاول غير منحل الى الثاني و هو الذي يجب رعاية التعرّض لامتثاله بنحو من انحاء الامتثال لا لمنجزيّته، بل للاجماع و الضرورة القائمين على عدم جواز اهمال الاحكام الواقعية، فلا بد و ان الظن بالواقع مع التنزّل اليه و الاكتفاء به اولى من الظن بالطريق، لانه اتيان للحكم المظنون، بخلاف الظن بالطريق فانه اتيان لما يبرئ الذمة و ان لم يكن مؤداه حكما واقعيا، و اذا لم يكن اولى فلا اقل من المساواة.

و الى هذا اشار بقوله: «و لا شبهة ان الظن بالواقع لو لم يكن اولى» من الظن بالطريق «حينئذ لكونه» أي الظن بالواقع «اقرب في التوسل به الى ما به الاهتمام من فعل الواجب و ترك الحرام» و هو لزوم التعرض لاتيان الاحكام الواقعية لانه ظن باتيان الاحكام الواقعية دون الظن بالطريق فانه يوجب البراءة دون الظن باتيان‏

154

و هو بلا شبهة يكفي و لو لم يكن هناك ظن بالطريق، فافهم فإنه دقيق (1).

ثانيهما: ما اختص به بعض المحققين، قال: لا ريب في كوننا مكلفين بالاحكام الشرعية، و لم يسقط عنا التكليف بالاحكام الشرعية، و أن الواجب علينا أولا هو تحصيل العلم بتفريغ الذمة في حكم المكلف، بأن يقطع معه بحكمه بتفريغ ذمتنا عما كلفنا به، و سقوط تكليفنا عنا، سواء حصل العلم معه بأداء الواقع أو لا، حسبما مر تفصيل القول فيه، فحينئذ نقول: ان صحّ لنا تحصيل العلم بتفريغ ذمتنا في حكم الشارع فلا اشكال في وجوبه و حصول البراءة به، و ان انسد علينا سبيل العلم كان الواجب علينا تحصيل الظن بالبراءة في حكمه، اذ هو الاقرب الى العلم به، فيتعين الاخذ به عند التنزل من العلم في حكم العقل بعد انسداد سبيل العلم و القطع ببقاء التكليف دون ما يحصل معه الظن بأداء الواقع‏

____________

الحكم الواقعي، فالاتيان بالواقع المظنون اقرب «من الظن بالطريق»، و لو لم يكن اولى «فلا اقل من كونه» أي الظن بالواقع «مساويا» للظن بالطريق «فيما يهمّ العقل من» لزوم «تحصيل الأمن من العقوبة».

(1) حاصله الاشارة الى الايراد السابق، و هو انه على فرض تسليم المقدمتين و اقتضائهما الانحلال الّا ان النتيجة لا تقتضي الاختصاص بخصوص الظن بالطريق، بل تشمل الظن بالواقع الذي يظن بانه قد قام عليه طريق معتبر و ان لم نعرفه بعينه.

و من الواضح ان الظن بالحكم الواقعي حيث انه انما يحصل من الامارات التي بأيدينا فلا بد و ان يكون الظن به ملازما للظن بان له طريقا معتبرا، و قد عرفت انه لا يلزم معرفة الطريق بعينه ... فتكون النتيجة هو الاتيان بمؤدى ما قام عليه الطريق المعتبر كما هو واضح.

155

[الوجه الثاني على اختصاص النتيجة بالظن بالطريق‏]

كما يدعيه القائل باصالة حجية الظن .. انتهى موضع الحاجة من كلامه زيد في علو مقامه (1).

____________

(1) هذا هو الدليل الثاني الذي اختص به المحقق صاحب الهداية (1) في كون نتيجة الانسداد هي حجية الظن بالطريق دون الظن بالواقع، و هو مركب من مقدمات ثلاث:

الاولى: ان لنا احكاما واقعية فعلية لا بد من فراغ ذمتنا عنها، و لم يسقط بالانسداد لزوم فراغ ذمتنا عنها، بل هي باقية على فعليتها.

و الى هذه المقدمة اشار بقوله: «لا ريب في كوننا مكلفين بالاحكام الشرعية و لم يسقط عنا التكليف بالاحكام الشرعية».

الثانية: ان طريق فراغ الذمة امران: العلم بادائها، و حكم المكلّف- أي الشارع- بتفريغ الذمة عن ادائها.

و المهمّ هو الثاني، لان العلم بتفريغ الذمة بحيث لا يتطرقه احتمال عدم اداء الواقع، بحيث لا نحتاج الى اصل أو قاعدة تقتضي فراغ الذمة كالتمسك بالظهور و امثالها نادر جدا، فالمهمّ هو الثاني، و الثاني لازم جعل الطريق من الشارع، فانه اذا جعل لنا طريقا الى الواقع فسلكناه فلا بد من فراغ ذمتنا بسلوكه عند الشارع، و الّا فلا فائدة من سلوكه، فلازم جعل الطريق من الشارع المكلّف بالاحكام هو حكمه بفراغ ذمتنا اذا سلكنا الطريق الذي جعله، سواء علمنا بان مؤدى هذا الطريق هو الحكم الواقعي ام لا، فان الشارع الجاعل للاحكام الواقعية اذا جعل لنا طريقا اليها فلا بد من حكمه بفراغ ذمة من سلك ذلك الطريق، لان لازم قوله هذا طريقي الى احراز احكامي هو حكمه بان من سلك طريقه فقد فرغت ذمته من تكاليفه الواقعية التي جعل لها طريقا منه، و هذا واضح لا خفاء فيه، فملازمة حكم المكلّف- أي‏

____________

(1) هداية المسترشدين، ص 391.

156

.....

____________

الشارع- ببراءة ذمة من سلك طريقه المجعول الى احكامه لجعله للطريق هي ملازمة الزوجية للاربعة.

و الى هذه اشار بقوله: «و ان الواجب علينا اولا هو تحصيل العلم بتفريغ الذمة في حكم المكلّف» أي الشارع «بان يقطع» العبد «معه بحكمه» أي الشارع «بتفريغ ذمتنا عمّا كلّفنا به و سقوط تكليفنا عنا» و ذلك يكون بإتياننا مؤدّى ما علمنا انه طريق شرعي قد جعله الشارع طريقا لاحكامه «سواء حصل» لنا «العلم معه» أي مع الاتيان بمؤدّاه بإتياننا «الواقع اولا حسبما مرّ تفصيل القول فيه» لما عرفت من الملازمة بين جعل الطريق و حكم الشارع بفراغ ذمة من سلكه.

الثالثة: انه ان قلنا بالانفتاح و معرفة الطرق المجعولة، فحينئذ يصح لنا العلم بتفريغ ذمتنا في حكم الشارع لإتياننا بمؤدى الطرق المجعولة، و يجب علينا تحصيل هذا الفراغ لذمتنا المشغولة بالاحكام و به تحصل البراءة قطعا عمّا كلفنا به من الاحكام، و ان انسد علينا سبيل العلم بمعرفة الطرق الشرعية المجعولة كان الواجب علينا تحصيل الظن بالبراءة في حكم الشارع، لانه بعد عدم امكان تحصيل اليقين بفراغ الذمة و عدم وجوب الاحتياط بل حرمته في بعض الاحيان فلا بد من التنزل من تحصيل اليقين بالفراغ الى الظن بالفراغ، و ذلك يكون باتيان مؤدّى ما ظننا انه هو الطريق المجعول فيتعيّن الاخذ به، و تكون نتيجة الانسداد هي حجة الظن بالطريق دون الظن بالواقع، لانه باتيان ما ظننا انه هو الواقع من دون ان يكون مؤدى طريق مظنون الاعتبار لا يحصل لنا الظن ببراءة الذمة بحكم الشارع.

و الى هذه المقدمة الثالثة اشار بقوله: «فحينئذ نقول ان صح لنا تحصيل العلم بتفريغ ذمتنا ... الى آخر كلامه زيد في علو مقامه».

و الى ما ذكرناه اخيرا من عدم الفائدة باتيان ما يحصل الظن منه باتيان الواقع اشار بقوله: «دون ما يحصل معه الظن باداء الواقع كما يدعيه القائل باصالة حجية

157

[المناقشة في كلام المحقق صاحب حاشية المعالم (قده)]

و فيه أولا: إن الحاكم على الاستقلال في باب تفريغ الذمة بالاطاعة و الامتثال إنما هو العقل، و ليس للشارع في هذا الباب حكم مولوي يتبعه حكم العقل، و لو حكم في هذا الباب كان بتبع حكمه إرشادا إليه، و قد عرفت استقلاله بكون الواقع بما هو مفرغ، و أن القطع به حقيقة أو تعبدا مؤمن جزما، و أن المؤمن في حال الانسداد هو الظن بما كان القطع به مؤمنا حال الانفتاح، فيكون الظن بالواقع أيضا مؤمنا حال الانسداد (1).

____________

الظن» في الانسداد مطلقا سواء باتيان مؤدى الطريق المظنون او باتيان ما ظن انه هو الواقع.

(1) هذا هو الجواب الاول عن دعوى شيخ المحققين من اختصاص نتيجة الانسداد بحجية الظن بالطريق دون الاعم منه و من الظن بالواقع، و هو المناقشة في المقدمة الثانية، و انه يجب علينا تحصيل الفراغ لذمتنا بحكم المكلّف أي الشارع.

و حاصله: انه ليس للشارع حكم بتفريغ الذمة، و ان الحاكم بتفريغ الذمة مطلقا هو العقل كما انه هو الحاكم بشغل الذمة، و لا يعقل ان يكون للشارع حكم مولوي بما هو مولى و شارع في مقام براءة ذمة العبد باطاعته لما أمره به و نهاه عنه، لما حقق في مقامه من ان حكم الشارع في باب الاطاعة و العصيان ارشادي لا مولوي، و لو كانت اوامر الاطاعة مولوية لادّى ذلك الى التسلسل او الى الترجيح من دون مرجح، لوضوح ان اوامر الاطاعة لو كانت مولوية لكانت بما هي صادرة من المولى تحتاج الى اطاعة أيضا و هلم جرا ... فيجي‏ء التسلسل، او نقول بان احدها بخصوصه مولوي و الباقي ارشادي فيلزم الترجيح من دون مرجح.

فاتضح انه ليس للشارع بما هو شارع حكم ببراءة الذمة، بل هو من احكام العقل المنتزعة باتيان ما امر المولى باتيانه، و الى هذا اشار بقوله: «و ليس للشارع في هذا الباب» أي في باب تفريغ الذمة و الحكم باتيان ما شغلت الذمة به «حكم مولوي» من الشارع بما هو مولى و شارع و مكلّف للعبد باحكامه بحيث يكون «يتبعه‏

158

و ثانيا: سلمنا ذلك، لكن حكمه بتفريغ الذمة- فيما إذا أتى المكلف بمؤدى الطريق المنصوب- ليس إلا بدعوى أن النصب يستلزمه، مع أن دعوى أن التكليف بالواقع يستلزم حكمه بالتفريغ فيما إذا أتى به أولى، كما لا يخفى، فيكون الظن به ظنا بالحكم بالتفريغ أيضا (1).

____________

حكم العقل» بتفريغ الذمة «و لو حكم» الشارع في هذا الباب بتفريغ الذمة «كان يتبع حكمه» أي كان حكمه يتبع حكم العقل و كان «ارشادا» منه «اليه» أي الى حكم العقل.

ثم اشار المصنف الى ما مرّ منه من البرهان على عموم النتيجة في باب الانسداد لما يشمل الظن بالواقع و الظن بالطريق، بعد كون العقل هو الحاكم المستقل في هذا الباب، و انه يرى ان الحال في الانسداد على طبق الحال في الانفتاح، فكما في الانفتاح يكون القطع بالاتيان بالواقع حقيقة او تعبدا مبرئا للذمة كذلك الحال في الانسداد، و لازمه كون الظن باتيان الواقع مبرئا للذمة في الانسداد، كما ان الظن بالاتيان بمؤدى الطريق المظنون اعتباره ايضا مبرئ للذمة، غاية الامر انه تعبد لا حقيقة، و ذلك بقوله: «و ان المؤمن في حال الانسداد هو الظن بما كان القطع به مؤمنا في حال الانفتاح ... الى آخر الجملة».

(1) هذا هو الجواب الثاني، و حاصله: انه سلّمنا ان الحاكم ببراءة الذمة و فراغها هو الشارع المكلّف دون العقل مستقلا، و ان السبب في حكم الشارع ببراءة ذمة من سلك الطريق الذي جعله طريقا لاحكامه ليس هو إلّا ان لازم نصب الطريق ذلك، لان اتيان العبد بمؤدى الطريق المجعول هو كل ما يستطيعه العبد في مقام امتثاله للحكم الواقعي المنجز عليه، و بهذا المناط نقول انه لا بد من حكم الشارع ايضا ببراءة ذمة من اتى بالواقع ايضا، لانه كل ما يستطيعه العبد في الاتيان بالحكم الواقعي المنجز عليه.

و الى هذا اشار بقوله: «مع ان دعوى ان التكليف بالواقع» الفعلي المنجز «يستلزم» ايضا «حكمه» أي حكم الشارع بالتفريغ للذمة ايضا «فيما اذا اتى»

159

إن قلت: كيف يستلزمه الظن بالواقع؟ مع أنه ربما يقطع بعدم حكمه به معه، كما إذا كان من القياس، و هذا بخلاف الظن بالطريق، فإنه يستلزمه و لو كان من القياس (1).

____________

العبد «به» أي بالواقع، بل حكم الشارع بتفريغ الذمة في مقام الاتيان بالواقع «اولى» لان المفروض في كلامه (قدس سره) كون الغاية من الطرق المجعولة هي المحافظة على الواقع و لاجل الاتيان بالواقع، و لازم ذلك كون الاتيان بالواقع أولى في حكم الشارع بتفريغ ذمة العبد من إتيانه بمؤدّى الطريق، لان المفروض انه اتيان للواقع التي كان غاية جعل الطريق هو الايصال اليه، و لما كان المفروض الانسداد و ان المدار على الظن بفراغ الذمة «فيكون» النتيجة «ان الظن به» أي بالواقع «ظنا بالحكم» من الشارع «بالتفريغ ايضا».

(1) حاصله: ايجاد الفرق بين الظن بالواقع و الظن بالطريق، و ان الظن بالواقع لا يستلزم حكم الشارع بالفراغ، بخلاف الظن بالطريق فانه ملازم لحكم الشارع بالفراغ، فكيف يكون الظن بالواقع اولى في الحكم بالمفروغية من الظن بالطريق.

و حاصل هذا الفرق هو: ان الظن بالواقع ربما يكون حاصلا من القياس، و من الواضح ان لازم نهي الشارع عن العمل بالقياس هو عدم حكمه بمفروغية الذمة في اتباع القياس بما يؤدّي اليه من الحكم الواقعي، و لا يشمل النهي عن القياس للقياس المؤدّى الى حجية طريق، لان المفروض اداؤه الى حجية طريق شرعي، لا ان الظن القياسي هو طريق شرعي، و فرق واضح بين كون الظن القياسي طريقا الى حكم شرعي و بين كونه قائما على حجية طريق شرعي، و من الواضح ايضا ان النهي عن القياس لو كان شاملا للظن بالطريق لما حصل من القياس ظن بحجية طريق شرعي.

فاتضح ان ادلة النهي عن القياس لا تشمل القياس المؤدّي الى حجية طريق شرعي، و مع عدم شمول ادلة النهي لذلك يكون فرق بين الظن القياسي المتعلق بحجية طريق، و بين الظن القياسي المتعلق بحكم شرعي، و يكون الظن المتعلق بحجية

160

قلت: الظن بالواقع أيضا يستلزم الظن بحكمه بالتفريغ، و لا ينافي القطع بعدم حجيته لدى الشارع، و عدم كون المكلف معذورا- إذا عمل به فيهما- فيما أخطأ، بل كان مستحقا للعقاب- و لو فيما أصاب- لو بنى على حجيته و الاقتصار عليه لتجرّيه، فافهم (1).

____________

طريق شرعي مستلزما لحكم الشارع بفراغ الذمة، دون الظن القياسي المتعلق بحكم شرعي فانه يكون مشمولا لادلة النهي عن القياس، التي قد عرفت ان لازمها عدم حكم الشارع بمفروغية الذمة في الاكتفاء بالحكم الشرعي الحاصل من القياس، و لذا قال (قدس سره): «ان قلت كيف يستلزم الظن بالواقع» الظن بحكم الشارع بالمفروغية «مع انه» أي المكلف «ربما يقطع بعدم حكمه» أي بعدم حكم الشارع «به» أي بالفراغ «معه» أي مع الاتيان بالحكم المظنون انه حكم واقعي «كما اذا كان» الظن بالحكم الواقعي حاصلا «من القياس و هذا بخلاف الظن بالطريق» الذي أدّى الى طريقيّة القياس «فانه يستلزمه» أي يستلزم حكم الشارع بالفراغ «و لو كان» الظن بحجية الطريق كان حاصلا «من القياس».

(1) حاصل الجواب: ان الظن بالواقع الحاصل من القياس ايضا يستلزم الظن بحكم الشارع بمفرغية الذمة، لان النهي عن الظن القياسي ظاهر في كونه نهيا طريقيا عن القياس، لعلم الشارع بخطإ القياس غالبا، لا لموضوعية في القياس موجبة لمفسدة في متعلق الظن الحاصل من القياس، و على هذا فاذا حصل ظن بالواقع من القياس فلازمه الظن بكون القياس في هذه الحالة غير مظنون الخطأ، بل مظنون الاصابة، و لازمه الظن بفراغ الذمة في هذه الحالة في حكم الشارع، لفرض كونه ظنا بالمفرّغية في حال الانسداد.

فلا فرق بين الظن القياسي المتعلق بحكم واقعي او بحجية طريق شرعي في كون كلّ منهما في حال الانسداد مستلزما للظن بحكم الشارع بالمفرّغية.

161

.....

____________

و الحاصل: ان النهي عن القياس- بناء على الطريقيّة- لا ينافي الظن بالمفرّغية، لانه ظن فعلي بالاصابة، و انما ينافي الحكم بالمفرّغية على تقدير الخطأ و التخلف عن الواقع، و مع الظن بالواقع- فعلا- فلا بد من الظن بالاصابة فعلا.

و بعبارة اخرى: ان المنافي للظن بالفراغ هو القطع بعدم الفراغ، و القطع بعدم الفراغ انما يكون في فرض الخطأ و التخلف، و معنى عدم الحجية لشي‏ء- بناء على الطريقيّة- ليس هي عدم الاصابة واقعا، بل هي عدم المعذّرية عند الخطأ.

و دعوى عدم شمول ادلة النهي عن القياس للقائس المؤدي الى حجية طريق شرعي واضحة الفساد، فانه اذا كان النهي عن القياس طريقيا فلا فرق بين كونه مؤديا الى حكم شرعي او الى طريق شرعي، و اذا كان الظن القياسي القائم على طريق شرعي مستلزما للظن بالفراغ على الفرض، فلا بد و ان يكون الظن القياسي المؤدّي الى حكم شرعي ايضا كذلك، فهما على حد سواء.

و من الواضح ايضا ان القياس القائم على طريق لا يكون سلوكه موجبا للظن بالمعذّر الجعلي، لفرض كونه قياسا منهيا عنه، و لا يكون موجبا للظن بالمعذّر عند الشارع، و ان كان مستلزما للظن بالفراغ لاحتمال الخطأ غير المعذور فيه عند الشارع.

فاتضح عدم الفرق بين الظن بالواقع الحاصل من القياس و بين الظن بالطريق الحاصل من القياس، و هما سواء في استلزام الظن بحكم الشارع بالفراغ، و لا فرق بينهما اصلا و ان سلوك الظن القياسي غير معذّر على فرض الخطأ و التخلّف، و انه من التجري حيث ان مخالفة النهي الطريقي كمخالفة الامر الطريقي خروج عن زي الرقية و مراسم العبودية.

و قد اشار الى هذا بقوله: «و لا ينافي القطع بعدم حجيته» أي إن الظن الحاصل من القياس مستلزم للظن بالبراءة و ان قطعنا بعدم حجيته لدى الشارع، لان الملازمة هي بين الظن بكونه حكما واقعيا و الظن بالبراءة باتيانه، و لا منافاة بينه و بين القطع بعدم حجية هذا الظن، فان القطع بعدم الحجية ينافي القطع بالبراءة دون الظن‏

162

و ثالثا: سلمنا أن الظن بالواقع لا يستلزم الظن به، لكن قضيته ليس إلا التنزل إلى الظن بأنه مؤدى طريق معتبر، لا خصوص الظن بالطريق، و قد عرفت أن الظن بالواقع لا يكاد ينفك عن الظن بأنه مؤدى الطريق غالبا (1).

____________

بالبراءة، فان البراءة بعد ان كانت معلقة باتيان الواقع و ان النهي عن اتباع القياس طريقي لا موضوعي، و المفروض ان ما يؤتى به مظنون الواقعية، فلا بد و ان يكون مظنون البراءة ايضا، و ايضا لا ينافي الظن بالبراءة عدم معذورية العامل بالقياس لو أخطأ الواقع، بل نلتزم ايضا بان العامل بالقياس يستحق العقاب و ان اصاب قياسه الواقع، اذا كان العامل قد بنى على حجية القياس تشريعا، لانه من التصرف في سلطان المولى، و ايضا نلتزم بان اقتصار العامل على الظن القياسي المنهي عن اتباعه من التجري، و لا يلازم ذلك كله عدم الظن بالبراءة.

و المتحصّل مما ذكر هو انه لا فرق بين الظن القياسي القائم على الطريق، و بين الظن القياسي القائم على الواقع، في كون كل منهما لازمه الظن ببراءة الذمة، و لا فرق بينهما من هذه الجهة اصلا، و ان التزمنا باستحقاق العقاب و لو مع الاصابة بناء على التجري.

نعم، لو قلنا في التجري بان العقاب على الفعل المتجرى به لما امكن القول بالظن بالبراءة، لان الفعل المتجرى به يكون معنونا بعنوان محرم ثانوي، و مع تعنونه بالعنوان المحرم لا يعقل ان يكون مظنون البراءة بحكم الشارع، بل يكون مقطوع الحرمة و العقاب فيما اذا كان توصليا، لعدم امكان كون ما يقع محرما مبرئا للذمة المشغولة بالوجوب مثلا، و مع كونه عباديا لا يتأتى فيه قصد القربة لفرض احتمال كونه مبغوضا و مبعّدا، فلا يعقل ان يقصد به التقرب على نحو الظن، و لعله الى هذا اشار بقوله: «فافهم».

(1) هذا هو الايراد الثالث على المحقق (قدس سره)، و حاصله: انه لو تنزّلنا و سلّمنا جميع ما ادعاه صاحب الحاشية من مقدماته الثلاث، لما كانت النتيجة في الانسداد

163

عدم مساعدة مقدمات الانسداد على الدلالة على كون الظن طريقا منصوبا شرعا

فصل لا يخفى عدم مساعدة مقدمات الانسداد على الدلالة على كون الظن طريقا منصوبا شرعا، ضرورة أنه معها لا يجب عقلا على الشارع أن‏

____________

تختص بحجية الظن بالطريق، بل تعمّ الظن بالحكم الذي ظن بانه مؤدى طريق معتبر، فانها و ان خرج عنها الظن بالواقع الذي لا يظن بقيام طريق معتبر عليه، لكنه لا بد من القول بشمول النتيجة للحكم الذي ظن بكونه مؤدّى طريق معتبر، فان ما ذكره من المقدمات الثلاث كلها تقتضي شمول النتيجة له، و مع شمول النتيجة له لا بد من شمولها للظن بالواقع، لان الظن بالواقع فيما بايدينا غالبا ملازم للظن بقيام طريق معتبر عليه، و اما شمول النتيجة للحكم الذي ظن بقيام طريق معتبر عليه، فلوضوح انه مع الاتيان بهذا المظنون يظن بالبراءة بحكم الشارع، لفرض كونه مما قام عليه الدليل المعتبر، و قد عرفت فيما مرّ ان هناك ملازمة غالبا بين الظن بالحكم الذي نعرفه مما بأيدينا من مظانه، و بين كونه مؤدى طريق معتبر.

و الى هذا اشار بقوله: «و ثالثا سلمنا ان الظن بالواقع لا يستلزم الظن به» أي لا يستلزم الظن ببراءة الذمة في حكم الشارع «لكن قضيته» أي قضية المقدمات التي ذكرها المحقق لا تقتضي الاقتصار على خصوص الظن بالطريق، بل تقتضي «التنزل الى» حجية «الظن» بالحكم الذي ظن «بانه مؤدّى طريق معتبر لا خصوص الظن بالطريق».

و اذا عمّمنا النتيجة الى هذا فلا بد من تعميمها للظن بالواقع، لانك قد عرفت ان الظن بالحكم الواقعي فيما بأيدينا يلازم الظن بانه مؤدى طريق معتبر، و لذا قال:

«و قد عرفت ان الظن بالواقع لا يكاد ينفك عن الظن بانه مؤدّى الطريق» المعتبر «غالبا».

و قد ظهر من جميع ما ذكرنا انه لا بد من عموم النتيجة للظن بالطريق، و للظن بالواقع و لو من طريق الملازمة الغالبة.

164

[الكشف و الحكومة]

ينصب طريقا، لجواز اجتزائه بما استقل به العقل في هذا الحال (1)، و لا مجال لاستكشاف نصب الشارع من حكم العقل، لقاعدة الملازمة،

____________

(1) هذه المسألة من المسائل المهمّة في باب الانسداد، فانه لو كانت نتيجة الانسداد هي حجية الظن شرعا كان لازمها الاهمال و لو من بعض الجهات، إلّا ان يقوم دليل على كلّيتها.

و ان كانت نتيجة الانسداد هي حجية الظن عقلا من دون دخل للشارع في حجيّته اصلا- كانت النتيجة غير مهملة من الجهات الثلاث سببا و موردا و مرتبة، لوضوح انه لا اهمال في القضية العقلية.

و على كلّ فهل نتيجة المقدمات الخمس في الانسداد هي حجية الظن عقلا او انها كاشفة عن حجيته شرعا، و لو بالامضاء شرعا لما حكم به العقل من باب الملازمة بين ما يحكم به العقل و ما يحكم به الشرع؟

و مختار المصنف الاول، و ان نتيجة مقدمات الانسداد هو حكم العقل مستقلا بحجية الظن من دون دخل للشارع في ذلك اصلا و لو من باب الملازمة.

و توضيحه: ان الشارع انما يلزمه جعل الطريق حيث لا يكون هناك حكم من العقل بحجية طريق خاص، فانه مع تعيين العقل للطريق لا يجب على الشارع ان ينصب ذلك الطريق و لا غيره، اما غيره فلوضوح انه مع انحصاره و تعيينه عند العقل لا يمكن ان ينصّب غيره، و الّا لزم الخلف و عدم كونه الطريق المنحصر بحكم العقل، و اما نصب الشارع لذلك الطريق فهو بديهي الفساد ايضا، لعدم الحاجة اليه بعد حكم العقل به و تعيينه.

و اما امضاء الشارع لما حكم به العقل لقاعدة الملازمة بين ما حكم به العقل و ما حكم به الشرع، فانما هو حيث يكون المورد قابلا للحكم الشرعي، و اما اذا كان غير قابل للحكم الشرعي فلا وجه لقاعدة الملازمة بعد تسليمها و صحتها، و سيظهر عدم كون المورد قابلا للحكم الشرعي، فلا مجال لقاعدة الملازمة ايضا.

165

.....

____________

فهنا مقامات ثلاثة:

الاول: ان مقدمات الانسداد لا تستلزم حجية الظن شرعا.

الثاني: ان حجية الظن الانسدادي ليست من موارد قاعدة الملازمة ليكون الجعل الشرعي امضائيا.

الثالث: ان العقل حاكم بكون الظن في حال الانسداد حجة، و انه مما ينحصر به الحجية في المقام.

اما المقام الاول فلان المقدمات الخمس: و هي العلم الاجمالي بوجود تكاليف فعلية، و ان هذا العلم الاجمالي غير منجز لعدم امكان التفكيك بين وجوب الموافقة القطعية و حرمة المخالفة القطعيّة، فهذا العلم الاجمالي لا اثر له و لا يقتضي اطاعة علمية و لا ظنيّة.

و اما المقدمة الثانية فمن الواضح عدم ارتباطها بحجية الظن شرعا، لانها انسداد باب العلم و العلمي، و من البديهي عدم اقتضاء انسداد باب العلم و العلمي لحجية الظن شرعا.

و اما المقدمة الثالثة و هي عدم جواز الاهمال فغاية ما تقتضيه لزوم التعرّض لامتثال تلك الاحكام بنحو من الانحاء، فان المعلوم بالاجماع او بالضرورة من الدين هو عدم جواز الاهمال لامتثال تلك الاحكام الفعلية، و لا بيان من الاجماع و لا من الضرورة بتعيين كون الامتثال بنحو الظن او بغيره.

و اما المقدمة الرابعة فمهمّتها حرمة الاحتياط المخلّ بالنظام، و عدم وجوب الاحتياط الموجب للعسر، و عدم جواز الرجوع الى الاصول او الى الغير، و نتيجتها دوران حال الامتثال بين الاطاعة الظنية و الشكيّة و الوهميّة.

فهذه المقدمات الاربع لا تستلزم حجية الظن شرعا.

و اما المقدمة الخامسة فهي تقتضي حجية الظن عقلا، لان الامتثال الوهميّ و الشكيّ من ترجيح المرجوح على الراجح و هو قبيح.

166

ضرورة أنها إنما تكون في مورد قابل للحكم الشرعي، و المورد هاهنا غير قابل له، فإن الاطاعة الظنية التي يستقل العقل بكفايتها في حال الانسداد إنما هي بمعنى عدم جواز مؤاخذة الشارع بأزيد منها، و عدم جواز اقتصار المكلف بدونها، و مؤاخذة الشارع غير قابلة لحكمه، و هو واضح. و اقتصار المكلف بما دونها، لما كان بنفسه موجبا للعقاب مطلقا، أو فيما أصاب الظن، كما أنها بنفسها موجبة للثواب أخطأ أو أصاب،

____________

فاتضح مما بيناه: ان العقل ينتهي الى حجية الظن في باب الانسداد و انحصار طريق الامتثال به، و مع استقلال العقل في المقام بحجية الظن في هذا الحال و تعيينه لهذا الطريق الخاص لا وجه لاستكشاف نصب الشارع للظن في المقام و اعتبار الحجية له من الشارع.

و قد اشار الى عدم اقتضاء المقدمات لجعل الظن شرعا بقوله: «لا يخفى عدم مساعدة مقدمات الانسداد ... الى آخر الجملة».

و اشار الى أن نتيجتها حكم العقل بحجية الظن عند الانسداد بقوله: «ضرورة انه معها» أي من البديهي انه مع اقتضاء المقدمات لحجية الظن عقلا «لا يجب عقلا على الشارع ان ينصب طريقا» الى امتثال احكامه.

نعم، لو لم يكن العقل حاكما و معيّنا للظن و ان الحجيّة في حال الانسداد منحصرة به لكان لا بد للشارع من نصب طريق لاحكامه الفعلية، و حيث لا طريق اليها، اما مع حكم العقل و تعيينه للطريق فللشارع ان يعتمد على ما حكم به العقل و يجتزئ به، و لذا قال: «لجواز اجتزائه» أي الشارع «بما استقل به العقل» من الحكم بتعيين الظن «في هذا الحال» أي في حال الانسداد.

167

[امتناع تعلق الامر المولوي بالاطاعة الظنية]

من دون حاجة إلى أمر بها أو نهي عن مخالفتها، كان حكم الشارع فيه مولويا بلا ملاك يوجبه، كما لا يخفى (1)، و لا بأس به إرشاديا، كما هو

____________

(1) لما فرغ من كون نتيجة المقدمات هي حكم العقل بتعيين الظن حجة في الانسداد ..

اراد ان يبيّن انه لا وجه لجعل الشارع للظن لا إمضاء و لا استقلالا.

اما إمضاء فالوجه في دعوى ذلك هي قاعدة الملازمة بين ما حكم به العقل و ما حكم به الشرع، و لكنها دعوى فاسدة، فانه مضافا الى ما سيأتي من عدم صحة هذه القاعدة انه لو قلنا بها فلا مجال في المقام، و توضيح ذلك يحتاج الى بيان امرين:

الاول: ان امر الشارع مولويا بشي‏ء او نهيه عن شي‏ء مولويا يتوقف على شيئين:

الاول: كون المأمور به من افعال العبد. الثاني: ان يكون امره هو الداعي لان يحصل للعبد الداعي الى اتيان متعلق الامر او النهي المولويين، و لذا قالوا: ان طلب المولى انما هو بداعي جعل الداعي.

فاذا عرفت هذا- نقول: ان المتحصّل من مقدمات الانسداد امور:

الاول: هو قبح مؤاخذة الشارع للعبد فيما اذا اقتصر العبد على الاطاعة الظنيّة، لعدم وجوب الاحتياط، و دوران الامر بين الاطاعة الظنية و الشكية و الوهمية و ان الظنية هي الراجحة و الشكية و الوهمية مرجوحة، و من القبيح ترجيح المرجوح على الراجح، و لذا حكم العقل بانحصار امتثال العبد في الاطاعة الظنيّة، و لازم ذلك انه ليس للشارع مؤاخذة العبد فيما اذا اقتصر على الاطاعة الظنيّة.

و من الواضح ان مؤاخذة الشارع من افعال الشارع لا من افعال العبد حتى يمكن ان يكون فيها مجال للحكم المولوي، و قد عرفت انه لا بد في الحكم المولوي من كونه من افعال العبد.

الثاني: انه لا يجوز عقلا للعبد ان يقتصر على الاطاعة الشكية او الاطاعة الوهميّة، بان يأتي بالمشكوك او الموهوم من الاحكام و ترك الحكم المظنون لانهما من المرجوح القبيح عند العقل ارتكابه، فاذا فعل ذلك فهو اما مستحق للعقاب و ان‏

168

.....

____________

اخطأ الظن الواقع- بناء على استحقاق المتجري للعقاب- و هو المشار اليه بقوله «مطلقا»، او في خصوص ما اذا أصاب الظن- بناء على عدم استحقاق المتجرى للعقاب- و ان صحة العقاب تنحصر في مخالفة الواقع، و هو المشار اليه بقوله: «او فيما أصاب الظن».

الثالث: ان اتباع الظن موجب للثواب مطلقا أخطأ الظن الواقع أو اصابه، فانه بعد انحصار الطريق عند العقل به فيكون اتباعه إما انقيادا او اطاعة حقيقة.

و لا يخفى ان الثاني و هو اقتصار العبد على الاطاعة الشكية او الوهمية و ترك الاطاعة الظنيّة، و الثالث و هو الاطاعة الظنيّة، و ان كانا من افعال العبد إلّا انه مع ذلك لا مجال فيهما للحكم المولوي، لان الحكم في الثاني هو نهي العبد عن الاقتصار على الاطاعة الوهمية و الشكية، و في الثالث هو امر العبد بالاطاعة الظنيّة، و قد عرفت ان العقل قد استقل بالحكم في الثاني بعدم الجواز، و انه لا يجوز عند العقل اقتصار العبد على الاطاعة الوهمية و الشكية، و قد استقل ايضا بالحكم في الثالث بلزوم اتباع العبد لما ظن انه هو الحكم اللزومي، فاذا كان العقل قد نهي نهيا لازما في الثاني و امر امرا لازما في الثالث فاي داع لحكم الشارع مولويا، بل لا يعقل حكمه فيهما مولويا، لما عرفت من أنّ الغرض من الحكم المولوي هو جعل الداعي للعبد، و مع وجود الداعي عند العبد بحكم من العقل بذلك، فلا يكون مجال لجعل الداعي ايضا من الشارع، و من الواضح ايضا ان الامر المولوي من غير غرض محال من الشارع، فلا مجال لامر المولى مولويا في المقامين.

و منه يتبيّن: ان امر المولى مولويا في المقامين استقلالا محال ايضا، لان الاستقلالية للشارع معناها كونه هو الآمر وحده، و قد عرفت حكم العقل بذلك، فاذا لم يصح من الشارع الامر المولوي بنحو الامضاء لحكم العقل فعدم صحته بنحو الاستقلال بطريق أولى.

169

.....

____________

و قد اشار المصنف الى الاول بقوله: «انما هي بمعنى عدم جواز مؤاخذة الشارع بأزيد منها» أي بأزيد من الاطاعة الظنيّة.

و الى الثاني بقوله: «و عدم جواز اقتصار المكلف بدونها» أي بدون الاطاعة الظنيّة بان يقتصر على الوهمية و الشكية.

و قد اشار الى خروج المؤاخذة عن القابلية للحكم المولوي بقوله: «و مؤاخذة الشارع» حيث انها من افعاله فهي «غير قابلة لحكمه» مولويا.

و قد اشار الى نهي العقل في الثاني بقوله: «و اقتصار المكلف بما دونها» أي بما دون الاطاعة الظنية من الاطاعة الشكية او الوهمية «لما كان» منهيا عنه عقلا و «موجبا للعقاب مطلقا» على التجري «او فيما اصاب الظن» بناء على اختصاص استحقاق العقاب بالمخالفة الواقعية.

و اشار الى امر العقل في الثالث بقوله: «كما انها» أي الاطاعة الظنية «موجبة» بحكم العقل «للثواب أخطأ» الظن «او اصاب».

و من الواضح ان معنى حكم العقل باقتضائها للثواب مطلقا هو معنى امر العقل بها «من دون حاجة الى امر بها» مولويا «او نهي عن مخالفتها» كذلك.

فان العقل في حال الانسداد اذا حكم بان الاطاعة الظنية هي الموجبة للثواب مطلقا دون غيرها من الاطاعة الشكية أو الوهمية، فان هذا الحكم منه متفرع عن حكمه بان الاطاعة الظنية هي التي ينحصر بها الامتثال، و ان على العبد الامتثال بها لا بغيرها، و مع حكمه هكذا فيكون للعبد داع من قبل هذا الحكم العقلي للامتثال الظني، و مع وجود الداعي من العقل فلا فائدة في الامر بالظن مولويا، لانه لداعي جعل الداعي، و لا ملاك للامر المولوي غير هذا، و قد عرفت ان الامر المولوي بلا داع غير معقول، و انحصار الداعي فيه بجعل الداعي، و مع كون العقل جاعلا للداعي فلا يبقى مجال لجعل الداعي مولويا.

170

شأنه في حكمه بوجوب الاطاعة و حرمة المعصية (1). و صحة نصبه الطريق و جعله في كل حال بملاك يوجب نصبه و حكمة داعية إليه، لا تنافي‏

____________

و الى هذا اشار بقوله: «كان حكم الشارع فيه» أي في الظن بالامر به «مولويا بلا ملاك يوجبه» فان الملاك فيه هو جعل الداعي و قد أمر العقل به، و جعل الداعي من قبله بموجب ادراكه للعبد بان يطيع بالاطاعة الظنيّة فلا مجال حينئذ لامر المولى بهذا الداعي.

ثم لا يخفى ان جملة «كان حكم الشارع فيه» هي جواب «لما كان»، و هي بمنزلة الخبر ايضا للمبتدا المتقدم و هو «اقتصار المكلف بما دونها».

(1) لا يخفى انه كلما كان للعقل استقلال في حكم من الاحكام و ورد من الشارع حكم على وفق امر العقل و حكمه، فلا بد و ان يكون الداعي لامر المولى هو الارشاد الى حكم العقل، لعدم المجال لكون امره بذلك مولويا، لما عرفت من ان الغرض من الامر المولوي هو جعل الداعي، و مع امر العقل و جعله للداعي لا يبقى مجال لجعل الداعي من المولى، و هذا احد الاسباب في ما اشتهر من ان اوامر الاطاعة ارشادية كقوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ‏ (1) وَ أَطِيعُوا اللَّهَ وَ رَسُولَهُ‏ (2) لعدم معقولية كونها مولوية، لادراك العقل لزوم اطاعة امر المولى و حرمة معصيته، و مع ادراكه لزوم الاطاعة و حرمة المعصية يكون قد جعل الداعي للعبد الى الاطاعة و يكون قد نهى عن المعصية، فلا مجال لامر المولى مولويا بوجوب اطاعته و حرمة معصيته، و لا بد ان يكون الداعي له هو الارشاد الى ما حكم به العقل، و لذا قال (قدس سره): «و لا بأس به» أي و لا باس بكون الامر باتباع الظن في حال الانسداد «ارشاديا كما هو شانه في حكمه» أي الشارع «بوجوب الاطاعة و حرمة المعصية» كذلك، و لا يخفى ان الاطاعة الظنية في حال الانسداد احد مصاديق حرمة المعصية.

____________

(1) النساء: الآية 1.

(2) الانفال: الآية 46.

171

استقلال العقل بلزوم الاطاعة بنحو حال الانسداد، كما يحكم بلزومها بنحو آخر حال الانفتاح، من دون استكشاف حكم الشارع بلزومها مولويا، لما عرفت.

فانقدح بذلك عدم صحة تقرير المقدمات إلا على نحو الحكومة دون الكشف (1)، و عليها فلا إهمال في النتيجة أصلا، سببا و موردا و مرتبة،

____________

(1) يحتمل في تفسير هذا السؤال و الجواب وجهان:

الاول: ان يكون المراد منه هو ان أمر المولى بطريق خاص و نصبه له، تارة يكون على نحو الطريقية بان يكون الغرض منه محض الطريقية الى امتثال احكامه، و على هذا لا يصح امر المولى بطريق قد ادرك طريقيته العقل كما مر.

و اخرى يكون الداعي الى نصب الشارع للطريق هو الموضوعيّة، و لازمه هو السببيّة و كون مؤدّى الطريق هو الحكم الفعلي، غايته انه بلسان انه هو الحكم الواقعي، و قد دعت الى هذا الحكم الذي هو مؤدّى الطريق المنصوب من قبل الشارع مصلحة خاصة به و حكمة داعية اليه، و على هذا لا امتناع عقلا من نصب الطريق من الشارع و جعله و الامر به مولويا، لعدم ادراك العقل لهذا الطريق حتى يكون مغنيا عن الامر المولوي به من الشارع.

و لا يخفى ايضا انه للشارع هذا النصب و يصح منه، و ان حكم العقل بلزوم الاطاعة العلمية لهذا الطريق في حال الانفتاح و الاطاعة الظنية في حال الانسداد.

و الجواب عنه: ان الكلام في امر الشارع مولويا على نحو الطريقية بطريق كان الداعي له هو كونه طريقا، اما صحة جعله لطريق على نحو الموضوعية فهو خروج عمّا هو مفروض الكلام.

و من الواضح ان الاطاعة الظنية في حال الانسداد انما هي لانها طريق، و امر العقل بها انما هو على نحو الطريقية، و ليس للشارع الامر بها مولويا على هذا النحو، اما انه يصح له ان يجعل طريقا بنحو الموضوعية فهو خروج عن هذا الفرض.

172

.....

____________

و لا منافاة له لاستقلال العقل بلزوم الاطاعة الظنية بنحو الطريقيّة في حال الانسداد، كما انه لا منافاة لجعل طريق بنحو الموضوعية في حال الانفتاح لحكم العقل بلزوم الاطاعة العلمية، و ان امر المولى في الاطاعة الظنية في حال الانسداد و الاطاعة العلمية في حال الانفتاح لا بد و ان يكون ارشاديا لا مولويّا.

الوجه الثاني: ان هذا السؤال سببه ما مرّ منا من لغوية جعل الطريق من الشارع مع حكم العقل و ادراكه لطريق الامتثال، و اذا كان لغوا كان ممتنعا على الشارع، لعدم امكان الالتزام باللغوية في اوامره.

و لازم ما ذكر من ادراك العقل طريق الامتثال في حال الانسداد و هو الاطاعة الظنية، و في حال الانفتاح و هو الاطاعة العلمية- انه يمتنع على الشارع نصب الطريق في كلا الحالين، و من الواضح انه يصح للشارع نصب طريق خاص غير الطريق الذي ادركه العقل لاجل حكمة تدعو الى ذلك الطريق، كما انه قد وقع منه ذلك في حال الانفتاح، فانه قد اعتبر الخبر الصحيح طريقا مع امكان الوصول الى الشارع و معرفة الحكم الواقعي، و اذا صحّ منه جعل الطريق غير الطريق الذي ادركه العقل في حال الانفتاح يصح منه جعل الطريق في حال الانسداد غير الطريق الذي ادركه العقل، فحينئذ يصح للشارع في كل حال انسدادا او انفتاحا جعل طريق خاص له غير الطريق الذي ادركه العقل لحكمة و مصلحة تدعو الى جعله لم يدركها العقل و لم يتوصل اليها.

و الجواب عنه: انه لا منافاة لهذا لما مرّ منّا، فان الذي مرّ هو انه لا يصح امر المولى مولويا بالطريق الذي ادرك طريقيّته العقل، و لم يظهر منّا امتناع نصب الطريق مطلقا على الشارع، و ان كان ذلك غير الطريق الذي يدرك العقل طريقيّته، فلا منافاة بين صحة نصب الشارع طريقا له على كل حال غير الطريق الذي يدرك العقل طريقيّته، و لا مانع من أمر الشارع مولويا بطريقه الخاص، و انما الذي منعناه هو امره مولويا في مورد كان العقل مستقلا بطريقيّته.

173

[عدم الاهمال في النتيجة على الحكومة]

لعدم تطرق الاهمال و الاجمال في حكم العقل، كما لا يخفى (1).

____________

و قد أشار الى السؤال بقوله: «و صحة نصب الطريق و جعله في كل حال ... الى آخر الجملة».

و أشار الى الجواب بقوله: «لا تنافي استقلال العقل بلزوم الاطاعة» الظنية «بنحو حال الانسداد ... الى آخر الجملة».

(1) قد عرفت في صدر المسألة ان نتيجة دليل الانسداد مختلفة من حيث الكشف و الحكومة، و انه على القول بالحكومة لا اهمال في النتيجة سببا و موردا و مرتبة، لان معنى الحكومة هي كون العقل حاكما بحجية الظن في حال الانسداد، فهي قضية موضوعها الظن و محمولها حجيّته.

و حيث فرض ان العقل هو الحاكم بالحجيّة للظن فلا بد من تمامية هذه القضية عند العقل موضوعا و محمولا، لوضوح لزوم تبيّن القضية العقلية عند العقل من جميع الجهات، فلا بد من معرفة الظن بحدوده من حيث الاسباب، كالظن الحاصل من الخبر او الاجماع المنقول او الشهرة، و من حيث المورد ككونه في الدماء و الفروج و الاموال، و غيرها من موارد الاحكام كفعل الصلاة و الزكاة و حرمة الخمر و امثالها من الافعال الواجبة او المحرمة، و من حيث المرتبة كالظن القوي و الضعيف، و سيأتي تفصيلها.

و اما على الكشف فسيأتي ان النتيجة تارة هي الاهمال من بعض هذه الجهات، و اخرى الاهمال في جميع هذه الجهات الثلاث، و لا اهمال بناء على الحكومة اصلا، و لذا قال (قدس سره): «و عليها» أي و على الحكومة «فلا اهمال في النتيجة اصلا سببا» ككون الظن من خبر او اجماع او شهرة «و موردا» ككونه في الدماء و الفروج و الاموال و في غيرها من ساير الافعال الواجبة كتفاصيل الصلاة مثلا، او المحرمة كالتجسيم او التصوير «و مرتبة» كالظن القوي الاطميناني و الظن الضعيف.

174

أما بحسب الاسباب فلا تفاوت بنظره فيها (1).

و أما بحسب الموارد، فيمكن أن يقال بعدم استقلاله بكفاية الاطاعة الظنية، إلا فيما ليس للشارع مزيد اهتمام فيه بفعل الواجب و ترك‏

____________

ثم أشار الى انها حيث كانت قضية عقلية فلا بد من معرفة الموضوع فيها بحدوده، فلا يعقل ان يحكم العقل حكما قد استقل فيه على موضوع مهمل عنده او مجمل، و لذا قال: «لعدم تطرق الاهمال و الاجمال في حكم العقل كما لا يخفى».

(1) لما ذكر انه على الحكومة لا اهمال في النتيجة لا سببا و لا موردا و لا مرتبة ... اراد ان يشير الى ما هو المتعين عند العقل في هذه الجهات الثلاث.

و حاصله: ان النتيجة على الحكومة هي حجية الظن كليا من حيث الاسباب، فان المقدمة الرابعة و الخامسة الناتج منها تعيين الظن على الشك و الوهم، و لزوم الاطاعة الظنيّة لانها راجحة، و قبح ترجيح غيرها عليها.

و من الواضح ايضا ان الظن الذي يلزم اتباعه في حال الانسداد هو الظن الشخصي، و ما يكون راجحا بذاته في مقام وجوده من بين المحتملات، فتعيينه لكونه راجحا بذاته على غيره، و اذا كان تعيينه لرجحانه في ذاته فلا فرق بين كونه حاصلا من خبر أو اجماع منقول أو شهرة.

و على كل فالعقل لا يرى فرقا من حيث اسباب الظن بعد ان كان المدار عنده على الرجحان، و لذا قال (قدس سره): «اما بحسب الاسباب» الموجبة للظن «فلا تفاوت بنظره» أي لا تفاوت بنظر العقل «فيها» أي في الاسباب الموجبة له، فان المدار عنده على حصول الرجحان، و ان الظن لكونه راجحا هو الحجة، فلا فرق عنده بعد حصول الرجحان في الاسباب الموجبة لذلك الرجحان.

فالنتيجة من حيث الاسباب على الحكومة كلية، هي حجية الظن مطلقا من دون تفاوت بين اسبابه.

175

الحرام، و استقلاله بوجوب الاحتياط فيما فيه مزيد الاهتمام، كما في الفروج و الدماء بل و سائر حقوق الناس مما لا يلزم من الاحتياط فيها العسر (1).

____________

(1) حاصله: ان النتيجة من حيث الموارد معينة ايضا، و لكنها ليست كلية، بل هي حجية الظن في غير ما علم مزيد اهتمام من الشارع فيه في لزوم الاحتياط و التحفظ على الواقعيات كموارد الفروج و الدماء و حقوق الناس، و لذا قال (قدس سره):

«و اما بحسب الموارد فيمكن ان يقال بعدم استقلاله» أي العقل لا يستقل «بكفاية الاطاعة الظنية الا فيما ليس للشارع مزيد اهتمام فيه» كغير موارد الفروج و الدماء و حقوق الناس من سائر الموارد الأخر من الاحكام المنجزة «بفعل الواجب و ترك الحرام» فان من الواضح ان اهتمام الشارع باحكامه اللزومية مقول بالتشكيك، فان اهتمامه بالفروج لانه منها الولد و في الدماء و حقوق الناس لانه بهما يحفظ النظام اشد من اهتمامه في احكامه اللزومية في بقية الموارد الأخر، ففي الموارد التي علم بمزيد اهتمام الشارع فيها يستقل العقل بوجوب الاحتياط، و لذا قال: «و استقلاله بوجوب الاحتياط فيما فيه مزيد اهتمام ... الى آخر الجملة».

و حاصله: ان حكم العقل في المقام معيّن و هو الاكتفاء بالاطاعة الظنية فيما ليس للشارع مزيد اهتمام، و لزوم الاحتياط فيما علم للشارع مزيد اهتمام فيه.

و لعل السبب في اختلاف حكم العقل بالنسبة الى الموارد هو ان المنجزّ للاحكام على ما مرّ في بيان مقدمات الانسداد هو الاجماع و الضرورة على عدم جواز الاهمال، و ان للشارع اهتماما باحكامه و لا بد من التعرّض للامتثال فيها.

و لا اشكال ان لمزيد اهتمام الشارع أثرا غير الأثر فيما ليس للشارع فيه هذا الاهتمام، و الّا كان لغوا.

و حيث المفروض انه لا مانع من الاحتياط في هذه الموارد، لانه بمقدار لا يلزم منه اختلال و لا عسر فلا بد و ان يكون اثر هذا الاهتمام الاحتياط، فان العقل بعد ان علم بالاهتمام الشديد في هذه الموارد، و انه لا بد و ان يكون لمزيد الاهتمام اثر و الّا كان‏

176

و أما بحسب المرتبة، فكذلك لا يستقل إلا بلزوم التنزل إلى مرتبة الاطمئنان من الظن، إلا على تقدير عدم كفايتها في دفع محذور العسر (1).

و أما على تقرير الكشف، فلو قيل بكون النتيجة هو نصب الطريق الواصل بنفسه، فلا إهمال فيها أيضا بحسب الاسباب، بل يستكشف حينئذ أن الكل حجة لو لم يكن بينها ما هو المتيقن، و إلا فلا مجال لاستكشاف حجيّة غيره، و لا بحسب الموارد، بل يحكم بحجيته في‏

____________

اهتماما لغوا، و حيث ان الامر يدور بين الاطاعة الظنيّة و الاحتياط، فلا بد و ان يكون اثر هذا الاهتمام هو الاحتياط في هذه الموارد، بمقدار لا يلزم من الاحتياط فيها اختلال نظام او عسر و حرج.

(1) لا يخفى ان مرتبة الظن مختلفة من حيث الضعف و القوة، فمرتبة الظن الاطميناني اقوى من ساير مراتب الظن، و بحكم المقدمة الخامسة الموجبة لترجيح الاطاعة الظنية على الشكية و الوهمية لقبح ترجيح المرجوح يستقل العقل بلزوم تعيين الظن الاطميناني من بين ساير مراتب الظن، و الّا لزم ترجيح المرجوح على الراجح، فيما اذا كانت الظنون الاطمينانية وافية بمعظم الاحكام.

نعم فيما اذا لم تكن وافية، و كان يلزم من الاحتياط في غيرها العسر، فالعقل يستقل ايضا في هذا الفرض بكفاية الاطاعة الظنية و ان لم تكن بالغة مرتبة الاطمئنان، و لذا قال (قدس سره): «اما بحسب المرتبة فكذلك» أي ان حالها حال الموارد في ان حكم العقل منها معين و النتيجة فيه خاصة لا كلّية، فان العقل بالنسبة الى المرتبة «لا يستقل الّا بكفاية مرتبة الاطمئنان من الظن».

ثم اشار الى انه إذا لم تكن هذه المرتبة وافية و كان يلزم من الاحتياط العسر فالعقل يستقل ايضا بكفاية الاطاعة الظنية و ان لم تكن اطمئنانية بقوله: «الا على تقدير عدم كفايتها» أي عدم كفاية مرتبة الاطمئنان «في دفع محذور العسر».

177

[التفصيل في اهمال النتيجة و تعيينها على الكشف‏]

جميعها، و إلا لزم عدم وصول الحجة، و لو لاجل التردد في مواردها، كما لا يخفى (1).

____________

(1) لا يخفى انه انما كانت وجوه الكشف في المقام هذه الثلاثة، لان الاحتمالات في اصل نصب الطريق لا تزيد على هذه الثلاثة، لان المنصوب اما الطريق الواصل بنفسه، او الطريق الواصل و لو بطريقه، او الطريق و لو لم يصل.

اما نصب الطريق الواصل بنفسه، فالمراد منه هو كون مقدمات الانسداد دالة على جعل الشارع للظن من غير حاجة الى انسداد آخر صغير لتعيين خصوصية فيه.

و اما نصب الطريق الواصل و لو بطريقه، و المراد منه ان نتيجة الانسداد تكشف عن جعل الشارع للظن و لو باعمال انسداد آخر غير هذا الانسداد لتعيين خصوصية فيه، فيكون هذا الانسداد كاشفا عن جعل الظن، و بإعمال انسداد آخر يتعيّن الخصوصية الماخوذة فيه على فرض امكان تحققها.

و اما نصب الطريق و ان لم يصل سيأتي بيانه.

اما الاول: و هو كون نتيجة الانسداد كاشفة عن نصب الطريق الواصل بنفسه فملاك اعتبار الوصول هو ان السبب في جعل الطريق هو رفع تحيّر المكلّف، فمصلحة جعل الطريق اذا كانت هي رفع تحيّر المكلف فلا فائدة في نصب الطريق غير الواصل فليس للطريق مرتبة سوى هذه المرتبة، و لا بد و ان يكون جعله ملازما لوصوله، و اذا علم المولى بعدم وصول الطريق فلا يعقل ان يجعله طريقا، لوضوح ان الطريق غير الواصل لا يرفع تحيّرا اصلا.

و اما اعتبار كونه و اصلا بنفسه فسيأتي بيانه في الوجه الثاني، و على هذا الوجه فمقدمات الانسداد بعد ان كانت كاشفة عن جعل الظن طريقا شرعا، و كان الظن هو الواصل بحسب مقدمات الانسداد من دون حاجة الى اعمال انسداد آخر لتعيين خصوصية فيه، فالنتيجة هي التعيين من حيث السبب، و هي حجية كل ظن من أي سبب كان سواء كان من خبر او اجماع او شهرة، لان المفروض ان الحجة هو

178

.....

____________

الطريق الواصل بنفسه و الظن هو الواصل بنفسه بحسب مقدمات الانسداد الكبير، فلا فرق بين الظن الحاصل من الخبر و الظن الحاصل من الاجماع او غيره.

نعم اذا كان- مثلا- الخبر الصحيح الاعلائي وافيا بمعظم الفقه، فلا بد من تعيّنه للحجية، و يكون هو الحجة دون غيره من الظنون لاجل كونه هو القدر المتيقن، و انما كان قدرا متيقنا لقيام الاجماع على حجيّته لو كان مطلق الظن الحاصل من خبر الثقة حجة، فهو بناء على جعل الظن يكون قدرا متيقنا لانه إمّا هو الحجة بخصوصه، او انه احد افراد الحجة.

و لا يخفى انه حيث يتحقق هذا القدر المتيقن فهو حجة في المقام دون غيره، و النتيجة عليه تكون معينة و لكنها ليست كلية، بل خاصة و هي خصوص الظن الحاصل من الخبر الصحيح الاعلائي، بخلاف ما اذا لم يكن هذا القدر المتيقن متحققا او غير واف، فلا فرق بين ظن و ظن، و النتيجة معينة ايضا و لكنها كلية، و هي حجية الظن من أي سبب حصل، و لذا قال (قدس سره): «فلا اهمال فيها ايضا» أي حال الكشف بناء على كون المجعول هو الطريق الواصل بنفسه حال الحكومة «بحسب الاسباب» و لا فرق بين سبب و سبب «بل يستكشف حينئذ ان الكل حجة».

ثم اشار الى ان النتيجة انما تكون كلية لا خاصة حيث لا يكون في البين قدر متيقن بقوله: «لو لم يكن بينها» أي بين الظنون «ما هو المتيقن» و هو الخبر الصحيح الاعلائي مثلا «و الّا» أي و اذا كان بين الظنون هذا القدر المتيقن موجودا و واصلا ففيه تنحصر الحجية و تكون النتيجة خاصة به «فلا مجال لاستكشاف حجيّة غيره» من الظنون و لا تكون النتيجة على هذا كلية و ان كانت معيّنة غير مهملة.

و اما النتيجة بحسب الموارد فهي كلية معيّنة ايضا، و هي حجية الظن في كل مورد من موارد الفقه، و لا فرق بين مورد و مورد، لانه بعد ان كانت احكام جميع الموارد منجزة و كان الشارع قد جعل طريقا اليها و هو الظن الواصل، و المفروض وصول‏

179

.....

____________

الظن في جميع الموارد، و لا فرق بينها من حيث الوصول، فلا وجه للاحتياط في موارد علم بمزيد اهتمام الشارع فيها و لا اثر له، و الّا للزم على الشارع ايصال الاحتياط، لما عرفت من ان الطريق المنصوب لا بد من وصوله، و لم يصل الاحتياط من الشارع، لان المفروض ان نتيجة مقدمات الانسداد هو جعل الشارع للظن، فالاحتياط لم يصل بحسب ما تقضي به مقدمات الانسداد، و انما الواصل هو الظن لا غير، فلو لم يكن الظن في جميع الموارد حجة للزم الخلف، بناء على لزوم الوصول في الطريق المنصوب.

و لا وجه لاتكال الشارع على العقل، لان المفروض ان نتيجة المقدمات هو الكشف عن جعل الشارع، و بهذا يختلف الحال بين الكشف على هذا الوجه، و الحكومة التي قد عرفت انه لا بد من الاحتياط في الموارد التي علم بمزيد اهتمام الشارع فيها.

و الحاصل: ان نتيجة الانسداد على الحكومة هي حكم العقل بحجية الظن، و العقل لا يحكم بحجية الظن في الموارد التي علم بمزيد اهتمام الشارع فيها حيث لا يلزم من الاحتياط فيها اختلال نظام و لا عسر، بخلافه على الكشف و ان المجعول من الشارع هو الطريق الواصل بنفسه، فان اختصاص حجيته بخصوص الموارد التي لم يكن للشارع مزيد اهتمام فيها يستلزم الخلف بعد فرض وصول الظن في جميع الموارد، فاحتمال عدم حجية الظن فيما علم اهتمام للشارع فيه ينافي كون الشارع قد جعل الطريق الواصل بنفسه حجة، و الّا لأوصل الاحتياط بعد فرض كون نتيجة الانسداد هي جعل الطريق الواصل بنفسه، و المفروض وصول الظن و عدم وصول الاحتياط.

و قد اشار الى ان النتيجة بحسب الموارد لا اهمال فيها و هي كلّية بقوله:

«و لا بحسب الموارد» أي و لا اهمال في النتيجة بحسب الموارد «بل» معينة و كلية

180

و دعوى الاجماع على التعميم بحسبها في مثل هذه المسألة المستحدثة مجازفة جدا (1).

____________

و «يحكم بحجيته» أي حجية الظن «في جميعها» أي في جميع الموارد من دون فرق بين مورد و مورد.

ثم اشار الى الوجه في ذلك بقوله: «و الّا لزم عدم» ال «وصول» و هو الخلف بناء على كون المجعول هو الطريق الواصل بنفسه «و لو» كان عدم الوصول «لاجل التردد في موردها» فانه بعد ان كان لا بد من الوصول فالتردد في الوصول، كعدم الوصول، و هو واضح.

(1) ادعى الشيخ الاعظم في رسائله ان السبب في التعميم بحسب الموارد- بناء على الكشف- هو قيام الاجماع على عدم الفرق في الطريق المجعول بين مورد و مورد.

و لم يرتض المصنف دعوى التعميم لاجل الاجماع، و انما السبب في التعميم ما اشار اليه دون الاجماع، لوضوح انه لا وجه لدعوى الاجماع في هذه المسألة لوجهين:

الاول: ما اشار اليه من ان هذه المسألة و هي الانسداد مستحدثة، لوضوح انه لا انسداد في عصر الائمة و لا بعده من العصور المتاخمة، و لذا لم يتعرّض احد من القدماء لدليل الانسداد، و لذا قال (قدس سره): «و دعوى» كون «الاجماع» هو الدليل «على التعميم بحسبها» أي بحسب الموارد «في مثل هذه المسألة المستحدثة مجازفة جدا».

الثاني: انه لو كان اجماع على التعميم بحسب الموارد فلا وجه للاحتياط على الحكومة، الّا ان يقال ان الاجماع تعليقي: أي حيث يقال بالكشف و الوصول فالاجماع قائم على التعميم بحسب الموارد.

181

و أما بحسب المرتبة، ففيها إهمال، لأجل احتمال حجية خصوص الاطمئناني منه إذا كان وافيا، فلا بد من الاقتصار عليه (1)، و لو قيل بأن‏

____________

(1) توضيحه: انه لما كانت الظنون الاطمئنانية كغيرها من الظنون الأخر واصلة، و كانت ايضا وافية بمعظم الفقه، و المتحصل من الانسداد هو الكشف عن جعل الظن الواصل، و ليس هناك دليل لفظي له اطلاق يدل على جعل مطلق الظن، فمقدمات الانسداد تكشف عن اعتبار الظن شرعا، و لا تعيين فيها يقتضي التعميم، كما انه لا دلالة فيها على التخصيص بخصوص الاطمئناني، و ما هو الشرط في الحجية هو الوصول، و ان كان موجودا فيها جميعا، إلّا انه حيث يحتمل اختصاص المجعول بخصوص الاطمئناني من الظن لقوته، و يحتمل التعميم و لو لاجل مصلحة التسهيل كانت النتيجة هي الاهمال من حيث المرتبة، و لا بد في الاهمال من الاقتصار على المتيقن و هو خصوص الاطمئناني من الظن، لفرض وصوله له كغيره و كونه وافيا ايضا بمعظم الفقه.

و ينبغي ان لا يخفى ان احتمال الخصوصية و هي مرتبة الاطمئنان انما كان معتنى بها دون احتمال الخصوصية من حيث الاسباب و الموارد، هو انه لما كان المفروض ان المجعول هو الظن الواصل، و اخذ الخصوصية من حيث الاسباب و الموارد خارج عن حقيقة الظن و لا تصل بوصول الظن، فلا بد لها من موصل، و حيث انها لا موصل لها و ليس إلّا نفس الظن، فأخذ الخصوصية من حيث الاسباب و الموارد يستلزم الخلف، بناء على ان المجعول هو الطريق الواصل، بخلاف الخصوصية من حيث المرتبة فانها داخلة في حقيقة الظن و هي القوة و الضعف، فان مرتبة الاطمئنان هي المرتبة القوية من الظن، و غير مرتبة الاطمئنان هي المرتبة الضعيفة من الظن، و المفروض وصول الظنون الاطمئنانية الوافية بمعظم الفقه، فاحتمال اخذ هذه الخصوصية لا يستلزم الخلف، لعدم احتياجها الى موصل، بل المفروض وصولها، و حيث انه لا اطلاق لفظي في المقام فلا بد من الاقتصار على القدر المتيقن و هو المرتبة

182

النتيجة هو نصب الطريق الواصل و لو بطريقه (1)، فلا إهمال فيها بحسب الاسباب، لو لم يكن فيها تفاوت أصلا، أو لم يكن بينها إلا واحد، و إلا

____________

القوية من الظن، و لذلك كانت النتيجة هي الاهمال من حيث المرتبة و لا مناص من الاقتصار على المتيقن، و لذا قال (قدس سره): «و اما بحسب المرتبة ففيها اهمال لاجل احتمال حجية خصوص الاطمئناني منه» أي من الظن «اذا كان وافيا» بمعظم الفقه «فلا بد من الاقتصار عليه» أي على خصوص الظن الاطمئناني لانه القدر المتيقن لحجيته على كل حال، اما لحجية مطلق الظن الشامل له او لحجيته بالخصوص.

(1) لا يخفى ان الملاك في كون الطريق المجعول هو الواصل و لو بطريقه: أي اعم من كونه واصلا بنفسه او بطريقه، بان يقوم طريق آخر غير هذه المقدمات على خصوصية اخرى في الظن.

و توضيح ذلك: ان المراد- كلّية- من كون الطريق المجعول واصلا و لو بطريقه هو ان اللازم في الطريق المنصوب من الشارع لتنجز احكامه به هو الطريق الواصل، فلا مانع من ان يجعل الشارع طريقا خاصا و يوصله بطريقين: طريق دال على ذات الطريق، و طريق آخر دال على خصوصية ذلك الطريق، و في المقام فان مقدمات الانسداد الكبير أوصلت ذات الظن، و حيث نحتمل ان يكون الشارع قد اخذ خصوصية اخرى فيه فلا مانع من اجراء دليل انسداد صغير لتعيين تلك الخصوصية.

و لا يخفى ان هذا لا مانع منه في غير دليل الانسداد، و اما في الانسداد فقد يقال انه لا مجال له.

و لا ينبغي ان تكون النتيجة فيه هو الطريق الواصل و لو بطريقه، لان الطريق الآخر هو الانسداد الصغير، و هو يتوقف على العلم الاجمالي بالخصوصية حتى تنضم اليه المقدمات الأخر لتعيينها، و حيث لا علم اجمالي بأخذ خصوصية في الظن‏

183

فلا بد من الاقتصار على متيقن الاعتبار منها أو مظنونه، بإجراء مقدمات دليل الانسداد حينئذ مرة أو مرات في تعيين الطريق المنصوب، حتى ينتهي إلى ظن واحد أو إلى ظنون متعددة لا تفاوت بينها، فيحكم بحجية كلها، أو متفاوتة يكون بعضها الوافي متيقن الاعتبار، فيقتصر عليه (1).

____________

فلا مجال لجريان انسداد آخر لتعيينه، و لذا كان الاحتمال الاول بناء على الكشف اولى في المقام.

(1) لا يخفى انه بناء على هذا الاحتمال الثاني و هو نصب الطريق الواصل و لو بطريقه و ان للشارع ان يبين مجعوله بطريقين، فلا مانع من اجراء انسداد آخر لتعيين الخصوصية المحتملة بعد تعيين اصل الظن بالانسداد الكبير.

و على هذا نقول ان الظنون الموجودة ان لم يكن بينها تفاوت اصلا، بان يكون الظن الحاصل من الخبر كالظن الحاصل من الشهرة القدمائية- مثلا- او الاجماع المنقول في لسان الاكابر، أي ان الظن الحاصل من الخبر- مثلا- لا يكون متيقن الاعتبار بالنسبة الى الظن الحاصل من الشهرة القدمائية و لا من الاجماع المنقول في لسان الاكابر، و على هذا فلا مجال لاجراء انسداد آخر، لعدم وجود خصوصية محتملة على الفرض، و حينئذ فالنتيجة هي التعيين من حيث الاسباب و هي كلية ايضا، و يكون كل الظن حجة.

و مثله في عدم المجال لاجراء انسداد آخر فيما اذا لم يكن لنا الا واحد من الظن، بان لا يحصل لنا ظن الا من الخبر- مثلا- و هو واضح في عدم احتمال الخصوصية حينئذ حتى نحتاج لاجراء انسداد آخر.

و اما اذا كانت لنا ظنون متعددة متفاوتة، فتارة يكون بعضها متيقن الاعتبار كالخبر الصحيح الاعلائي- مثلا- بالنسبة الى الشهرة غير القدمائية او بالنسبة الى الاجماع المنقول على لسان غير الاكابر، و كان وافيا بمعظم الفقه، فيكون هو الحجة دون غيره.

184

و أما بحسب الموارد و المرتبة، فكما إذا كانت النتيجة هي الطريق الواصل بنفسه، فتدبر جيدا (1).

____________

و اخرى لا يكون بينها ما هو متيقن الاعتبار، و حيث فرضنا التفاوت فلا بد و ان يكون بينها ما هو مظنون الاعتبار بخصوصه دون غيره، فلا بد من تعيين ذلك المظنون الاعتبار بخصوصه باجراء مقدمات الانسداد مرة او مرات حتى ننتهي الى ارجح الظنون في الاعتبار، و يكون هو المتعين للحجية دون غيره من الظنون.

و على كل، فلا اهمال في النتيجة من حيث الاسباب، و لذا قال (قدس سره):

«فلا اهمال فيها» أي لا اهمال في النتيجة «بحسب الاسباب لو لم يكن بينها تفاوت اصلا» لما عرفت من عدم امكان اجراء دليل الانسداد الصغير مرة اخرى لتعيين الخصوصية، لفرض عدم الخصوصية، و مثله ما اشار اليه بقوله: «او لم يكن بينها الا واحد» بان تكون الظنون كلها من نوع واحد و صنف واحد، كما اذا لم يكن هناك الا خبر الثقة مثلا.

ثم اشار الى ما فيه التفاوت فاشار اولا الى ما كان التفاوت بتيقن الاعتبار بقوله:

«و إلّا فلا بد من الاقتصار على متيقن الاعتبار منها».

ثم اشار الى ما كان التفاوت بظن الاعتبار بان يكون بينها ما هو مظنون الاعتبار بقوله: «او مظنونه» أي مظنون الاعتبار، و حيث كانت متفاوتة بظن الاعتبار و عدمه و يحتمل اعتبار الخصوصية الموجبة لظن الاعتبار و لا تتعين الا «باجراء مقدمات دليل الانسداد حينئذ مرة او مرات في تعيين الطريق المنصوب» بما هو مظنون الاعتبار «حتى ينتهي اما الى ظن واحد» يكون هو مظنون الاعتبار بخصوصه «او» ينتهي «الى ظنون متعددة لا تفاوت بينها» من حيث ظن الاعتبار بان تكون كلها مظنونة الاعتبار «فيحكم بحجية كلها».

(1) قد عرفت انه على الاحتمال الاول و هو كون الطريق المنصوب هو الواصل بنفسه لا اهمال في النتيجة من حيث الموارد، و نتيجتها كلية، و هي حجية الظن في جميع‏

185

و لو قيل بأن النتيجة هو الطريق و لو لم يصل أصلا، فالاهمال فيها يكون من الجهات (1)، و لا محيص حينئذ إلا من الاحتياط في الطريق‏

____________

الموارد لتنجز الاحكام الملزمة في جميع الموارد، و لا خصوصية لمورد دون مورد، و الحال مثله على هذا الاحتمال الثاني و هو واضح، لفرض تنجز الاحكام في موارد اهتمام الشارع و غيرها و فرض وصول الظن و لو بطريقه فيها ايضا، فلا مجال لاحتمال اختصاص حجية الظن بخصوص الموارد التي لم يعلم اهتمام الشارع فيها، و لا مجال لتوهم ان الانسداد قد تكون نتيجته الاحتياط، لوضوح ان جريان الانسداد الصغير لتعيين الخصوصية المأخوذة في الظن الواصل أصله بالانسداد الكبير، و منه تعرف ان النتيجة من حيث المرتبة هي الاهمال من حيث التعميم للظن الضعيف او التخصيص بخصوص الاطمئناني منه، لان التفاوت بين الظنين ليس امرا خارجا عن حقيقة الظن، فاذا كان الظن القوي- أي الاطمئناني- وافيا بمعظم الفقه يكون هو القدر المتيقن.

لا يقال: ان النتيجة انتهت الى التعيين، و هي حجية خصوص الظن الاطمئناني، فكيف يقول هنا و في الاول و هو الطريق الواصل بنفسه ان النتيجة هي الاهمال؟

فانه يقال: ان المراد من الاهمال هو عدم وصول التعيين من الشارع، و انما الأخذ بالظن القوي لاجل كونه قدرا متيقنا.

و قد اتضح مما ذكرنا: ان الحال في الطريق الواصل و لو بطريقه من حيث الموارد و المرتبة كالحال في الاحتمال الاول، و هو كون المجعول الظن الواصل بنفسه من حيث التعيين في الموارد و حجيّة الظن في جميعها و من حيث الاهمال في المرتبة، و لذا قال:

«و اما بحسب الموارد و المرتبة فكما اذا كانت النتيجة هي الطريق الواصل بنفسه» في ان النتيجة في الموارد معينة و كلية، و في المرتبة مهملة.

(1) هذا هو الاحتمال الثالث- بناء على الكشف- و هو كون المجعول و المنصوب شرعا هو الطريق و لو لم يصل، و الملاك فيه هو ان جعل الطريق هو حكم كسائر

186

بمراعاة اطراف الاحتمال لو لم يكن بينها متيقن الاعتبار (1)، لو لم يلزم منه محذور، و إلا لزم التنزل إلى حكومة العقل بالاستقلال، فتأمل فإن‏

____________

الاحكام له مراتب متعددة من الانشاء و الفعلية و التنجز، فكما يمكن ان يكون ساير الاحكام انشائية غير واصلة، فكذلك جعل الطريق فانه يمكن ان يكون منشأ و غير واصل.

و على كل، فعلى هذا الاحتمال فالنتيجة هي الاهمال سببا و مرتبة و موردا، لوضوح ان مقدمات الانسداد لم ينتج منها الا الكشف عن كون الظن مجعولا طريقا شرعا، و حيث لا يلزم وصول المجعول و كان الظن مختلفا من حيث الاسباب نوعا كالظن من الخبر باصنافه أو الاجماع المنقول او الشهرة، بل يحتمل اخذ خصوصية من احد الخصوصيات فيه، ككونه حاصلا من الخبر مثلا، او خصوص خبر العادل منه، او اعم منه باعتبار خصوصية كونه خبر ثقة، و لا مجال لاجراء دليل الانسداد مرة اخرى لتعيينها، لفرض عدم لزوم الوصول حتى يكون دليل الانسداد الصغير معيّنا للخصوصيّة.

فاتضح: ان النتيجة بناء على هذا الاحتمال الثالث هي الاهمال من حيث السبب، و مثله الحال بحسب المرتبة لتفاوت الظنون من حيث القوة و الضعف.

و اما بحسب المورد فكذلك ايضا لاحتمال اعتباره في خصوص ما علم عدم مزيد الاهتمام فيه، و اما في المورد الذي علم مزيد اهتمام الشارع فيه كالفروج و الدماء و حقوق الناس فالاحتياط هو الطريق دون الظن، و لذا قال (قدس سره): «فالاهمال فيها» أي تكون النتيجة- بناء على كون المجعول هو الطريق و لو لم يصل- هو الاهمال «من الجهات» المذكورة كلها سببا و مرتبة و موردا.

(1) لا يخفى ان مراده من الاحتياط في الطريق كما سيشير اليه في جوابه عن التعميم المنسوب الى شريف العلماء، هو الاتيان بما تدل الطرق المثبتة عليه دون الطرق النافية، فمراده من الاحتياط في الطريق بمراعاة اطراف الاحتمال هو العمل على وفق المثبتات من الطرق دون النافيات منها.

187

المقام من مزال الاقدام (1).

وهم و دفع: لعلك تقول: إن القدر المتيقن الوافي لو كان في البين لما كان مجال لدليل الانسداد، ضرورة أنه من مقدماته انسداد باب العلمي أيضا (2).

____________

(1) المراد من المحذور هو لزوم الاختلال او لزوم العسر: أي انه اذا لزم من الاحتياط محذور الاختلال في النظام او العسر يسقط حينئذ اعتبار الظن المكتشف بمقدمات الانسداد، و لا بد من الرجوع الى الحكومة، و السبب في ذلك انه اذا كانت النتيجة هي الاهمال- بناء على ان المجعول هو الطريق و لو لم يصل- و كان اللازم منه هو الرجوع الى الاحتياط، و كان اللازم منه على الفرض احد المحذورين فلا فائدة في اجراء دليل الانسداد مرة اخرى، لان النتيجة هي جعل الطريق و لو لم يصل، الذي قد عرفت ان لازمه الاهمال، و انه لا بد من الاحتياط، و كان الاحتياط على الفرض مستلزما للمحذور، فلا فائدة في الكشف، لوضوح انه بناء عليه لا فائدة في جعل الظن و لو لم يصل، فلا فائدة في اعتبار الشارع لهذا الطريق الذي لم يصل، و حيث علم باهتمام الشارع بامتثال احكامه فلا بد من الرجوع الى حكم العقل مستقلا و تعيينه للطريق الذي يعيّنه لامتثال أحكام الشارع، و الى هذا اشار بقوله: «و الّا» أي و اذا لزم من الاحتياط محذور الاختلال او العسر فيسقط الكشف لعد فائدة في جعل الشارع حينئذ و «لزم التنزل» حينئذ «الى حكومة العقل بالاستقلال».

(2) لا يخفى ان هنا توهمين قد ذكرهما الشيخ الاعظم في رسائله في جملة ما ورد على القول بالكشف.

الاول: ان فرض وجود القدر المتيقن من الطريق المجعول شرعا الوافي بمعظم الفقه ينافي الانسداد، فان من مقدمات الانسداد انسداد باب العلم و العلمي: أي عدم وجود الطريق العلمي للامتثال، ففرض امكان تحقق القدر المتيقن من الطريق مع القول بان نتيجة الانسداد هي الكشف لازمه امكان وجود الطريق المجعول قطعا

188

لكنك غفلت عن أن المراد ما إذا كان اليقين بالاعتبار من قبله، لاجل اليقين بأنه لو كان شي‏ء حجة شرعا كان هذا الشي‏ء حجة قطعا (1)،

____________

الذي هو الطريق العلمي، و مع تحقق الطريق العلمي الوافي بمعظم الفقه لا وجه لفرض الانسداد.

الثاني: ان الدليل على حجية القدر المتيقن و هو الخبر الصحيح الاعلائي هو الاجماع القائم على الملازمة بين حجية مطلق الظن و حجية الخبر الصحيح الاعلائي، و فرض تحقق الخبر الصحيح الاعلائي الوافي يرجع الى كون الدليل على حجيته هو الاجماع القائم على حجيته، فيكون الدليل على حجية هذا الخبر الاعلائي مستندا الى الاجماع و هو دليل شرعي لا عقلي، و الحال ان الفرض كون الدليل على الحجية هو الانسداد، و هو دليل عقلي لا شرعي و ان كانت نتيجته هي الكشف عن جعل الظن شرعا، لوضوح كون الدليل على حجية الخبر الاعلائي هو الاجماع القائم على حجيته دون الانسداد.

و عبارة المصنف في مقام بيان الوهم و ان كانت ظاهرة في الوهم الاول، الّا انه يمكن ان تكون شاملة لكلا التوهمين، فان قوله: «ان القدر المتيقن الوافي لو كان في البين لما كان مجال لدليل الانسداد ... الى آخر الجملة» يمكن ان يكون عدم المجال لدليل الانسداد من جهة منافاة وجود القدر المتيقن لدليل الانسداد و هو الوهم الاول، و لاجل ان الدليل على هذا القدر المتيقن لما كان هو الاجماع و هو دليل شرعي فلا مجال لدعوى كون الدال على حجية الظن هو الانسداد و هو دليل عقلي، يؤيد احتمال كون المصنف ارادهما معا في عبارته هو تعرضه لدفعهما معا في عبارته في مقام الجواب.

(1) هذا هو الجواب عن التوهم الاول، و حاصله: انه لا يعقل ان يكون ما هو مبني على دليل الانسداد منافيا لدليل الانسداد.

189

.....

____________

و توضيحه: ان هذا القدر المتيقن انما يكون حجة بواسطة دليل الانسداد القائم الكاشف عن جعل الظن في الجملة، فانه لو لا دلالة دليل الانسداد على كون الظن حجة في الجملة لما نفع الاجماع القائم على انه اذا كان مطلق الظن حجة فالخبر الاعلائي حجة قطعا اما لحجيّته بخصوصه او لحجيّته في ضمن العام، فلا تكون حجية هذا القدر المتيقن الحاصلة بالفعل بواسطة الانسداد منافية لدليل الانسداد .. و كيف تكون منافية مع ان هذا القدر المتيقن انما كان حجة بالفعل لاجل قيام الانسداد على حجية الظن في الجملة؟!

و الحاصل: ان الاجماع هو حجة على الخبر الاعلائي على فرض وجود الحجة على الظن في الجملة، و لما كان دليل الانسداد هو الحجة بالفعل على حجية الظن في الجملة كان هو الدليل بالفعل ايضا على حجية هذا القدر المتيقن، فلا يعقل ان يكون فرض القدر المتيقن منافيا له، و لذا قال (قدس سره): «لكنك غفلت» فانه انما يكون فرض القدر المتيقن منافيا للانسداد حيث تكون الدلالة عليه غير مستندة الى الانسداد، اما اذا كانت حجيته بالفعل مستندة الى الانسداد في الحقيقة لا يكون فرضه منافيا له، فقد غفلت ايها المتوهم «عن ان المراد» من فرض القدر المتيقن هو «ما اذا لو كان اليقين بالاعتبار» لهذا القدر المتيقن قد جاء «من قبله» أي من قبل دليل الانسداد «لأجل» أن «اليقين» بحجيّته هو تعليقي، فان محصله هو القطع «بانه لو كان شي‏ء» من الظن «حجة شرعا» ل «كان هذا الشي‏ء» و هو الخبر الاعلائي «حجة قطعا» و دليل الانسداد حيث كان هو الدليل على حجية الظن في الجملة، فتكون حجية هذا القدر المتيقن- و هو الخبر الاعلائي- مستندة بالفعل اليه حقيقة، فلا يعقل ان يكون فرض تحققه منافيا له.

190

بداهة أن الدليل على أحد المتلازمين إنما هو الدليل على الآخر، لا الدليل على الملازمة (1).

____________

(1) هذا راجع الى الجواب عن التوهم الثاني، و حاصله: انه اذا قام دليل على الملازمة بين شيئين فلا يكون دليلا على تحقق احد المتلازمين، لامكان قيام الملازمة بين المحالين، و لذا قالوا ان صدق الشرطية لا يلازم صدق طرفيها، بل تصدق مع العلم بكذب الطرفين، و هو واضح.

و اما اذا قام دليل على وجود احد المتلازمين المفروض تلازمهما فانه لا بد و ان يكون دليلا على وجود الملازم الآخر، لفرض تلازمهما في الوجود، و المقام من هذا القبيل، فان الاجماع الذي هو الدليل الشرعي قائم على الملازمة بين حجية الظن في الجملة و حجية الخبر الاعلائي، و دليل الانسداد قائم على تحقق احد المتلازمين و هو حجية الظن في الجملة، فيكون هو الدليل على الخبر الاعلائي بالفعل دون الاجماع الذي هو دليل الملازمة، و لذا قال (قدس سره): «بداهة ان الدليل على احد المتلازمين» مثل الانسداد القائم على حجية الظن في الجملة «انما هو الدليل على الآخر» بالفعل و هو الخبر الاعلائي الذي هو القدر المتيقن، فالانسداد هو الدليل على القدر المتيقن بالفعل «لا الدليل» الدال «على الملازمة» بين حجية القدر المتيقن و حجية الظن.

و لا يخفى انه كما يمكن ان تكون عبارة المتن جوابا عن التوهم الثاني، كذلك يمكن ان تكون تتمة للجواب عن التوهّم الاول، لما عرفت من ان ظاهر المتن هو التعرّض للتوهّم الاول لا غير، فهي و ان صلحت لأن تكون جوابا عن التوهّم الثاني الّا ان الظاهر كما عرفت عدم تعرّض المصنف له، فيكون ظاهر المتن كونها تتمة للجواب عن التوهّم الاول، و يكون المراد منها على نحو يربطها بالجواب عنه، هو ان فرض القدر المتيقن انما يكون منافيا لدليل الانسداد حيث يتوهم ان الدليل الدال على‏

191

ثم لا يخفى أن الظن باعتبار الظن بالخصوص، يوجب اليقين باعتباره من باب دليل الانسداد على تقرير الكشف بناء على كون النتيجة هو الطريق الواصل بنفسه، فإنه حينئذ يقطع بكونه حجة، كان غيره حجة أولا، و احتمال عدم حجيته بالخصوص لا ينافي القطع بحجيته بملاحظة الانسداد، ضرورة أنه على الفرض لا يحتمل أن يكون غيره حجة بلا نصب قرينة، و لكنه من المحتمل أن يكون هو الحجة دون غيره، لما فيه من خصوصية الظن بالاعتبار، و بالجملة الامر يدور بين حجية الكل و حجيته، فيكون مقطوع الاعتبار.

و من هنا ظهر حال القوة، و لعل نظر من رجح بها إلى هذا الفرض، و كان منع شيخنا العلامة- أعلى اللّه مقامه- عن الترجيح بهما، بناء

____________

هذا القدر المتيقن هو غير دليل الانسداد، و ليس هنا ما يمكن ان يتوهم كونه دليلا عليه الا الاجماع القائم على الملازمة بين حجيته و حجية الظن في الجملة.

و من الواضح ان دليل الملازمة لا يكون دليلا على تحقق اللازم، و انما الدليل على تحقق احد المتلازمين هو الدليل على تحقق الملازم الآخر، فالدليل الدال على حجية الظن في الجملة- الذي هو دليل الانسداد- هو الدليل بالفعل على حجية هذا القدر المتيقن، لا الدليل القائم على الملازمة فان غاية ما يدل عليه هو انه لو كان الظن حجة لكان هذا القدر المتيقن حجة، و لكن الدليل الدال على حجية الظن في الجملة يدل بالفعل على حجية هذا القدر المتيقن لانه ملازم له دون الدليل الدال على صرف الملازمة.

فاتضح ان دليل الانسداد هو الدليل بالفعل على حجية القدر المتيقن، و اذا كان الانسداد هو الدليل على حجيّته فكيف يكون فرض هذا القدر المتيقن منافيا للانسداد؟!

192

[التوفيق بين كلام الشيخ الاعظم (قده) و الفاضل النراقي (قده)]

على كون النتيجة هو الطريق الواصل و لو بطريقه، أو الطريق و لو لم يصل أصلا، و بذلك ربما يوفق بين كلمات الاعلام في المقام (1)،

____________

(1) توضيح الغرض من هذا الكلام هو الخلاف بين الشيخ الاعظم و الفاضل النراقي و غيره، فان الفاضل النراقي يرى ان قوة الظن ككونه مظنون الاعتبار- مثلا- من المرجحات بناء على الكشف.

و قد اورد عليه الشيخ في رسائله بما يرجع الى ان فرض الحاجة الى الترجيح به فرض الاهمال و ان نتيجة الانسداد هي الظن في الجملة، و لا بد ايضا من الدليل على كون ظن الاعتبار مرجحا، اذ كون الظن المتعلق بالحكم حجة لا يستلزم حجية قوة الظن في مقام الترجيح، و على هذا فلا يصح الترجيح بها لانه ترجيح بغير ما هو الحجة، و لا يصح الترجيح شرعا الا بالحجة.

و اراد المصنف ان يجعل النزاع بينهما لفظيا، بان يكون مراد النراقي من الترجيح للقوى هو تعيينه للحجيّة و ان ظن الاعتبار- مثلا- انما هو من دون ملاحظة دليل الانسداد، و اما مع ملاحظته فمظنون الاعتبار هو مقطوع الاعتبار.

و توضيحه: انه قد عرفت ان الاحتمالات- بناء على الكشف في الطريق المنصوب- ثلاثة، الطريق الواصل بنفسه من دون حاجة الى اجراء دليل الانسداد مرة اخرى، فاذا قلنا به فالانسداد كشف عن حجية الظن الواصل بنفسه، و مظنون الاعتبار طريق ظني و اصل بنفسه، فان كان مطلق الظن الواصل حجة فهو حجة، و يحتمل ان يكون هو الحجة بالخصوص لاختصاصه بخصوصية كونه مظنون الاعتبار فيما اذا كان وافيا بمعظم الفقه، فلا بد و ان يكون حجة قطعا في حال الانسداد مع القول بالكشف، و كون الطريق المنصوب هو الواصل بنفسه فهو مظنون الاعتبار مع الغض عن الانسداد، و اما مع ملاحظته فهو مقطوع الاعتبار لانه طريق مجعول قطعا إمّا لجعل مطلق الظن أو لجعله بخصوصه.

193

.....

____________

نعم، لو قلنا بالاحتمالين الآخرين و هو كون نتيجة دليل الانسداد هي حجية الطريق الواصل و لو بطريقه، فلا يكون مظنون الاعتبار مقطوعا باعتباره، لان المفروض ان تعيين مظنون الاعتبار انما هو باجراء دليل الانسداد مرة اخرى لتعيين الخصوصية، فيكون اجراء دليل الانسداد مرة اخرى هو المعيّن دون ظن الاعتبار مثلا، و كذلك لو قلنا بان النتيجة هي حجية الطريق و ان لم يصل، فانه من الواضح يكون ظن الاعتبار لا اثر له لما عرفت من انه بناء عليه يكون اللازم هو مراعاة الاحتياط في الطرق، فلا وجه للترجيح بالقوة ككونه مظنون الاعتبار، و يكون مراد النراقي بالترجيح بالقوة هو تعيين القوي للحجية بناء منه على ان نتيجة الانسداد- على الكشف- هي نصب الطريق الواصل بنفسه.

و يكون مراد الشيخ المانع من الترجيح بالقوة مبنيا على كون النتيجة على الكشف هي اما الطريق الواصل و لو بطريقه او الطريق و ان لم يصل، فقد عرفت انه بناء على ذلك لا يتعين القوي من الظنون لاجل قوته، بل تعيينه اما بانسداد آخر أو لا يتعين اصلا، و يكون المرجع هو الاحتياط.

و قد اشار الى ان مظنون الاعتبار يكون مقطوع الاعتبار- بناء على كون نتيجة الانسداد على الكشف هي الطريق الواصل بنفسه- بقوله: «ان الظن باعتبار الظن بالخصوص يوجب اليقين باعتباره ... الى آخر الجملة».

ثم اشار الى ان كونه مظنون الاعتبار بالذات لا ينافي كونه مقطوع الاعتبار بناء على نصب الطريق الواصل بنفسه على الكشف بقوله: «و احتمال عدم حجيته» فان لازم الظن بشي‏ء احتمال عدمه ايضا، فلازم كونه مظنون الاعتبار هو كونه مما يحتمل عدم اعتباره ايضا ... فكيف يكون مظنون الاعتبار مقطوع الاعتبار؟! و هي منافاة واضحة.

ثم اشار الى رفع هذه المنافاة بقوله: «لا ينافي القطع بحجيته بملاحظة الانسداد» فانه محتمل عدم الحجية مع الغض عن دليل الانسداد، و اما بملاحظة الانسداد فهو

194

و عليك بالتأمل التام (1).

____________

مقطوع الحجية، و لا منافاة بين كون شي‏ء محتمل الحجيّة بذاته، و مقطوع الحجية بملاحظة شي‏ء آخر.

ثم اشار الى الوجه في كونه مقطوع الحجيّة بملاحظة الانسداد بقوله: «ضرورة انه على الفرض» من كونه مظنون الاعتبار «لا يحتمل ان يكون غيره» مما هو غير مظنون الاعتبار «حجة» دون مظنون الاعتبار مع فرض كون النتيجة هو الطريق الواصل بنفسه، و مظنون الاعتبار قد وصل بنفسه فلا يعقل ان يكون الحجة غيره «بلا نصب قرينة» من الشارع على تعيين على ذلك الظن، فمظنون الاعتبار اما ان يكون هو الحجة دون غيره للخصوصية الموجودة فيه دون غيره و هي كونه مظنون الاعتبار، و اما ان يكون احد مصاديق الحجة فيما اذا كان المجعول هو الظن المطلق، و لذا قال (قدس سره): «و لكنه من المحتمل ان يكون هو الحجة دون غيره لما فيه من خصوصية الظن بالاعتبار ... الى آخر الجملة».

ثم اشار الى انه من المحتمل ان يكون مراد من قال بالترجيح بالقوة هو ما ذكره، لبناء القائل على ان النتيجة هو نصب الطريق الواصل بنفسه بقوله: «و لعل نظر من رجح ب» القوة «الى هذا الفرض».

ثم اشار الى ان منع الشيخ عن الترجيح بالقوة لعله بجعل الطريق الواصل و لو بطريقه او الطريق و لو لم يصل، و قد عرفت انه عليهما لا وجه للترجيح بالقوة بقوله:

«و كان منع شيخنا العلامة ... الى آخر الجملة».

(1) لعله يشير الى ان التامل التام في كلاميهما (قدس سرهما) يعطي غير ما ذكره من التوفيق بين كلاميهما، فان الشيخ انما منع عن الترجيح بالقوة، لقوله بان نتيجة الانسداد على الكشف هي تعميم حجية الظن لكل ظن سواء أ كان مظنون الاعتبار ام لا.

195

ثم لا يذهب عليك أن الترجيح بهما إنما هو على تقدير كفاية الراجح، و إلا فلا بد من التعدي إلى غيره بمقدار الكفاية (1)، فيختلف الحال باختلاف الانظار (2) بل الاحوال (3).

و أما تعميم النتيجة بأن قضية العلم الاجمالي بالطريق هو الاحتياط في أطرافه (4)، فهو لا يكاد يتم إلا على تقدير كون النتيجة هو نصب‏

____________

و النراقي حيث يرى ان النتيجة هي الاهمال و جعل الظن في الجملة لذا احتاج الى المرجحات.

(1) حاصله: ان الترجيح بالقوة- كظن الاعتبار مثلا- انما هو لتعيين الظن الذي يحصل به امتثال معظم الاحكام او يكون بمقدار المعلوم بالاجمال، فاذا لم يكن مظنون الاعتبار وافيا، فحيث المفروض ان الظن هو المتعين للامتثال دون الاحتياط، فلا بد من التعدي من مظنون الاعتبار الى غيره من الظنون الأخر، الى ان يحصل ما فيه الكفاية للوفاء بالمعظم او لمقدار المعلوم بالاجمال، و لذا قال: «فلا بد من التعدي» من مظنون الاعتبار «الى غيره» من الظنون «بمقدار» ما يحصل به «الكفاية» للوفاء اما بالمعظم او بمقدار المعلوم بالاجمال.

(2) لما كان الظن في المقام هو الظن الشخصي دون النوعي، و حصول الظن الشخصي للاشخاص مختلف، فانه قد يحصل لشخص ظن الاعتبار- مثلا- لجملة من الظنون بحيث تكون وافية، و بعضهم لا يحصل له ذلك المقدار، فيكون التعدي الى غير مظنون الاعتبار مختصا بالثاني دون الاول.

(3) فان الشخص الواحد ربما تكون حاله مختلفة من حيث احتمال الحكم الالزامي في مقام دون مقام.

(4) قد عرفت النتيجة من حيث التعيين و الاهمال على الكشف، و ينسب الى المحقق شريف العلماء تعميم النتيجة على الكشف بغير ما مرّ ذكره.

196

[المناقشة في تعميم النتيجة على الكشف‏]

الطريق و لو لم يصل أصلا (1)، مع أن التعميم بذلك لا يوجب العمل إلا على وفق المثبتات من الاطراف دون النافيات، إلا فيما إذا كان هناك‏

____________

و حاصل ما نسب اليه انه بعد ان كانت مقدمات الانسداد كاشفة عن جعل الطريق فيكون لنا علم اجمالي بان هناك طريقا مجعولا شرعيا لامتثال الاحكام، و مقتضى هذا العلم الاجمالي هو الاحتياط في اطرافه، و اطرافه هي الطرق، و لما كان الطريق هو الظن فلا بد من العمل بجميع الظنون، فتكون النتيجة معينة لا مهملة و هي الاحتياط في جميع الظنون.

و توضيحه: ان مقدمات الانسداد كشفت عن جعل الظن في الجملة، و لازمه ان لا يكون كل ظن حجة، و لكنه حيث لم يعلم من مقدمات الانسداد الا كون الظن في الجملة حجة، و عليه فلنا علم اجمالي بظن مجعول بين هذه الظنون، و مقتضى هذا العلم الاجمالي هو العمل بجميع الظنون احتياطا، لنعلم يقينا باتباع الظن المجعول قطعا فالنتيجة على كل حال عامة.

و الحاصل: ان مقدار كشف مقدمات الانسداد هو كون الظن في الجملة حجة لا كل ظن حجة، و لذا كان العلم الاجمالي بان هناك ظنا- في الجملة- مجعولا هو الموجب للاحتياط في العمل بجميع الظنون، و الى هذا اشار بقوله: «و اما تعميم النتيجة بان قضية العلم الاجمالي بالطريق هو الاحتياط في اطرافه» فتكون النتيجة معيّنة لا مهملة و هي الاحتياط بالعمل بجميع الظنون.

(1) اورد عليه المصنف ايرادين: و هذا هو الايراد الاول، و حاصله: انك قد عرفت ان الاحتمالات في الكشف نصب الطريق الواصل بنفسه، و عليه فالحاصل من الانسداد هو حجية جميع الظنون، فليس لنا علم اجمالي بجعل الطريق على وجه الاجمال حتى يكون مجال للاحتياط، و مثله بناء على كون المنصوب هو الطريق الواصل و لو بطريقه، فانه على هذا الاحتمال نستطيع تعيين الظن المجعول شرعا

197

ناف من جميع الاصناف، ضرورة أن الاحتياط فيها يقتضي رفع اليد عن الاحتياط في المسألة الفرعية إذا لزم، حيث لا ينافيه، كيف؟ و يجوز الاحتياط فيها مع قيام الحجة النافية، كما لا يخفى، فما ظنك بما لا يجب الاخذ بموجبه إلا من باب الاحتياط؟ فافهم (1).

____________

بخصوصه و لو باجراء الانسداد مرة او مرات، فالطريق المجعول يكون معلوما بالتفصيل لا بالاجمال، فلا مجال للاحتياط عليه ايضا.

نعم بناء على كون المجعول هو الطريق و لو لم يصل فاللازم هو الاحتياط كما مرّ.

فاتضح: ان التعميم بنحو الاحتياط لا يتم الّا على الوجه الثالث، و هو كون النتيجة هي الطريق و لو لم يصل، و لذا قال (قدس سره): «فهو لا يكاد يتم» أي التعميم بنحو الاحتياط لا يتم «الا على تقدير كون النتيجة» في الكشف «هو نصب الطريق و لو لم يصل» و اما بناء على كون النتيجة هو الطريق الواصل بنفسه او و لو بطريقه فلا وجه للاحتياط.

(1) هذا هو الايراد الثاني، و توضيحه: ان لازم الاحتياط في المقام هو العمل بخصوص الطرق المثبتة للتكاليف دون النافية للتكليف، لان العمل بالطريق المثبت للتكليف موصل اما الى الواقع فيما اذا كان الحكم الالزامي الواقعي على طبق الطريق المثبت للحكم، و اما لا مانع منه فيما اذا اخطأ الظن و لم يكن على طبقه حكم الزامي واقعي، فالعمل بالطرق المثبتة للتكاليف الالزامية على وفق الاحتياط و العمل بها اخذ باحوط الطرق الموصلة الى الواقع، و اما الطرق النافية للتكليف فلا وجه للاحتياط فيها لفرض كونها نافية للتكليف.

فظهر ان الاحتياط في الطرق لاجل العلم الاجمالي يختصّ بالطرق المثبتة دون النافية، ففي الطرق النافية للتكليف لا اثر لهذا العلم الاجمالي.

و قد تبيّن مما ذكرنا: ان المسائل التي يلزم الاحتياط فيها- مثلا- لاجل العلم بمزيد اهتمام الشارع بها كالفروج و الدماء و حقوق الناس، لا وجه للعمل فيها بالظن النافي‏

198

.....

____________

للتكليف حيث لا يجب العمل به، و لما لم يعلم حجيّته بالخصوص لفرض كون الاخذ به من باب العلم الاجمالي، و حيث نحتمل التكليف الالزامي الذي هو موقع اهتمام الشارع لو كان و لا مانع من الاحتياط فيه، حيث يكون الفرض فرض عدم لزوم العسر و الحرج و عدم الاختلال في النظام، بل لا بد من العمل به لعدم قيام الحجة الشرعية في قباله، لما عرفت من ان العمل بالطرق من باب العلم الاجمالي لا يقتضي حجية الظن النافي للتكليف، فلا يجوز رفع اليد عن الاحتياط فيها، لانه رفع يد عن تكليف منجز لو كان من دون قيام حجة على رفعه، فيجب الاحتياط في هذه المسائل الفرعيّة.

نعم لو قامت جميع الظنون على نفي التكليف لما وجب الاحتياط للعمل بوجود الحجة الشرعية في قبال الاحتياط، و ان كان لا مانع من الاحتياط بنحو الجواز دون الوجوب.

اما مع عدم قيام جميع الظنون على نفيه فلا يكون لنا علم بوجود الحجة على نفيه، و حيث يلزم فيه الامتثال فلا بد و ان يكون بنحو الاحتياط فيكون الاحتياط فيها واجبا.

فاتضح مما ذكرنا: ان التعميم لكل ظن بواسطة العلم الاجمالي لا يتمّ في كل ظن، بل يختص بخصوص الظنون المثبتة فتكون النتيجة خاصة لا عامة، و لذا قال (قدس سره): «مع ان التعميم بذلك» أي بواسطة العلم الاجمالي بظن مجعول في ضمن هذه الظنون «لا يوجب» التعميم و العمل بكل ظن، بل لا يوجب «العمل الا على وفق» خصوص «المثبتات من الاطراف» أي الظنون المثبتات للتكاليف «دون» الظنون «النافيات» للتكاليف، لما عرفت من عدم حجية الظن النافي في مقام العلم الاجمالي بحجية ظن من الظنون، و لا تكون الظنون النافية حجة «الا فيما اذا كان هناك ناف من جميع الاصناف» للعلم حينئذ بوجود الحجة القائمة على النفي، اما اذا لم يكن هناك ظن ناف من جميع الاصناف للظنون فلا يجوز رفع اليد

199

[اشكال خروج القياس عن عموم النتيجة]

فصل قد اشتهر الاشكال بالقطع بخروج القياس عن عموم نتيجة دليل الانسداد (1)

____________

عن الاحتياط فيما اذا كان لازما في المسألة الفرعيّة، لما عرفت من عدم حجة الظن النافي فيما اذا كان الموجب للاخذ بالظن هو العلم الاجمالي بحجية ظن من الظنون، و لذا قال (قدس سره): «ضرورة ان الاحتياط فيها» أي في الظنون لاجل العلم الاجمالي بحجية احدها «لا يقتضي رفع اليد عن الاحتياط في المسألة الفرعية اذا لزم» الاحتياط في المسألة الفرعيّة «حيث لا ينافيه» أي حيث لا ينافي هذا الاحتياط اللازم في المسألة الفرعية الظن النافي للعلم الاجمالي بحجية ظن من الظنون، لانه انما يقتضي الاحتياط في خصوص الظنون المثبتة دون النافية فيه، فيكون رفع يد عن الاحتياط اللازم في المسألة من دون حجة تنافيه.

ثم اشار الى ان الاحتياط في مورد الظن النافي للتكليف يجوز و لو كان الظن النافي حجة، فلا يتوهّم منافاة الاحتياط للظن النافي مطلقا بقوله: «كيف و يجوز الاحتياط فيها» أي في المسألة الفرعية «مع قيام الحجة النافية» للتكليف لان الاحتياط حسن على كل حال «فما ظنك بما لا يجب الاخذ بموجبه الا من باب الاحتياط» أي حيث يجوز الاحتياط مع قيام الحجة النافية فبالطريق الاولى انه يجوز الاحتياط في المسألة الفرعية فيما كان الاخذ بموجب الظن لاجل الاحتياط بحجية احد الظنون، الذي قد عرفت انه لا يقتضي الّا العمل على طبق الظنون المثبتة دون الظنون النافية للتكاليف.

(1) لا يخفى ان المستفاد من النصوص الدالة على المنع عن العمل بالقياس، و من الاجماعات الكثيرة على عدم جواز العمل بالقياس مما يقطع بالنهي عن العمل بالقياس مطلقا، سواء على الانفتاح او على الانسداد، فعلى تمامية الاشكال الآتي في خصوص الانسداد على الحكومة يكون من قبيل الشبهة في مقابل البديهة للعلم بخروج الظن الحاصل من القياس و لو قلنا بالحكومة في الانسداد.

200

بتقرير الحكومة (1)، و تقريره على ما في الرسائل أنه كيف يجامع حكم العقل بكون الظن كالعلم مناطا للاطاعة و المعصية، و يقبح على الآمر

____________

(1) السبب في اختصاص الاشكال بالحكومة دون مسلكي الكشف و التبعيض في الاحتياط، انه بناء على الكشف و ان نتيجة الانسداد هي جعل الشارع للظن في حال الانسداد، فلا مجال لتوهم الاشكال بخروج الظن القياسي عنه، فانه بعد ان كان الظن مجعولا شرعا فادلة خروج الظن القياسي عنه توجب اختصاص الظن الانسدادي المجعول شرعا بغير الظن الحاصل من القياس، لوضوح انه للجاعل ان يخرج عن جعله ما يشاء و يدخل فيه ما يشاء.

لا يقال: ان جعل الشارع للظن في الانسداد انما هو لاجل طريقيّته الراجحة على الشك و الوهم، فلا فرق بين الظن القياسي و غيره من حيث كون كل منهما طريقا راجحا على الشك و الوهم، فالاشكال على فرضه لا يختص بالحكومة بل يرد حتى على الكشف.

فانه يقال، اولا: انه لو كانت طريقيّة الظن و رجحانه هي العلة التامة لحجيته لما احتجنا الى جعل له من الشارع، و تكون نتيجة الانسداد هي الحكومة دون الكشف و هو خلف، لفرض كون الانسداد على الكشف لا يكتفى في حجية الظن عليه بأرجحية الظن بل لا بد من جعل الشارع له.

و الحاصل: ان طريقيّة الظن و أرجحيّته تكون من قبيل ما هو المقتضي للموضوع الذي له الجعل من الشارع، و اما حجيّته فعلّتها جعل الشارع.

و ثانيا: ان جعل الشارع للظن في حال الانسداد على الكشف بما هو طريق انما هو لكونه اقرب الطرق الى الواقع دون الشك و الوهم، و منع الشارع عن الظن القياسي يكون كاشفا عن عدم قرب هذا الظن الى الواقع، فلا مانع من النهي عن الظن القياسي بناء على الكشف اصلا.