بداية الوصول في شرح كفاية الأصول‏ - ج6

- الشيخ محمد طاهر آل راضي المزيد...
404 /
201

و المأمور التعدي عنه، و مع ذلك يحصل الظن أو خصوص الاطمئنان من القياس، و لا يجوز الشارع العمل به (1)؟ فإن المنع عن العمل بما يقتضيه‏

____________

و كذلك بناء على مسلك التبعيض في الاحتياط في الانسداد، فانه لا اشكال في خروج الظن القياسي عنه، فان مسلك التبعيض في الاحتياط في الانسداد معناه عدم حجية الظن في الانسداد، لان العمل على طبق الظنون المثبتة ليس عملا بها، بل هو عمل بالاحتياط، و في الظنون النافية لا موجب للعمل على طبقها حتى يكون في النهي عن الظن القياسي النافي للتكليف اشكال.

فاتضح: ان الاشكال بخروج الظن القياسي يختص بتقرير الحكومة.

(1) تقرير الاشكال في النهي عن الظن القياسي بناء على الحكومة:

ان مقدمات الانسداد- بناء على الحكومة- تستلزم عقلا حجية الظن، لاستلزام تلك المقدمات عقلا قبح ترك الاطاعة الظنيّة و تقديم الوهمية و الشكية عليها، و معنى قبح ترك الاطاعة الظنية عقلا هو حجية الظن عقلا.

و النهي عن الظن القياسي:

اما ان يرجع الى كون الظن ليس بما هو ظن حجة فهو خلف، لان المفروض كون الظن بما هو ظن حجة، و الحاصل من القياس ظن كسائر الظنون العادية، ان قلنا ان مطلق الظن حجة، او ان الحاصل منه مرتبة الظن القوي ان قلنا بان خصوص الظن القوي هو الحجة.

و اما ان يرجع النهي عن الظن القياسي مع تسليم كون الظن بما هو ظن حجة الى جواز انفكاك المعلول عن علته التامة، فالرجحان و ان كان هو العلة لحجية الظن إلّا انه ينفك المعلول عن علته التامة، و هذا محال واضح، لان انفكاك المعلول عن علته التامة من المحالات المسلمة برهانا بل وجدانا.

202

العقل من الظن، أو خصوص الاطمئنان لو فرض ممكنا، جرى في غير القياس، فلا يكون العقل مستقلا، إذ لعله نهى عن أمارة مثل ما نهى عن القياس و اختفى علينا، و لا دافع لهذا الاحتمال إلا قبح ذلك على الشارع، إذ احتمال صدور ممكن بالذات عن الحكيم لا يرتفع إلا

____________

و اما ان يرجع الى جواز ارتكاب الشارع للقبيح، لانه اذا كان الظن بما هو ظن حجة و المعلول لا ينفك عن علته التامة فالمقدمات المذكورة تستلزم عقلا قبح ترك الاطاعة الظنية، فالنهي عن اتباعها و تركها الى غيرها قبيح.

فالظن حيث يكون بما هو ظن حجة، و كونه ظنا راجحا على غيره من الشك و الوهم هو العلة التامة لقبح ترك اتباعه- فترك اتباعه من المأمور قبيح و من الامر به قبيح ايضا، و مع ذلك نلتزم بنهي الشارع عنه، فمعنى هذا هو الالتزام بجواز ارتكاب الشارع للقبيح.

هذا حاصل الاشكال في النهي عن الظن القياسي بناء على الحكومة، و هو انه اما ان يستلزم الخلف او جواز انفكاك المعلول عن علته التامة، او جواز ارتكاب الشارع للقبيح.

و لا يخفى ان عبارة الرسائل غير واضحة في ترتيب هذا الاشكال.

فان المتحصّل من صدر العبارة هو ان الانسداد بناء على الحكومة هو حكم العقل بكون الظن في حال الانسداد منزلة العلم في حال الانفتاح، و ان الاطاعة الظنية في حال الانسداد كالاطاعة العلمية هي المناط التام لحجيتها. فيمكن ان يكون هذا اشارة الى الامرين و هو ان النهي عن الظن القياسي في الانسداد بعد ان كان الظن هو المناط التام اما خلف او التزام بتخلف المعلول عن علته التامة.

و قوله (قدس سره): «و يقبح على الآمر و المامور التعدي عنه» اشارة الى الامر الثالث و هو الالتزام بجواز ارتكاب الشارع للقبيح.

203

بقبحه (1)، و هذا من أفراد ما اشتهر من أن الدليل العقلي لا يقبل التخصيص ... انتهى موضع الحاجة من كلامه، زيد في علو مقامه (2).

____________

(1) لا يخفى ان هذا دفع دخل مرتبط بالامر الثالث، و هو جواز ارتكاب الشارع للقبيح.

و توضيحه: انه لا ينبغي ان يتوهم عدم قبح النهي عن الظن القياسي، بدعوى ان حكومة العقل بحجيته معلقة على عدم النهي عنه، فمع النهي عنه لا حكومة للعقل بحجيته فلا قبح في النهي عنه، لان القبيح هو المنع عن حجية ما حكم العقل بحجيته، و مع كونها معلقة على عدم النهي لا حكومة للعقل فيه فلا قبح في النهي عنه.

و حاصل الدفع لهذا التوهم: ان حكم العقل بحجيته غير معلقة على عدم النهي عنه، فانها لو كانت معلقة على عدم النهي فلا فرق بين وصول النهي و بين احتماله، فان احتمال المانع كوجود المانع، فانه لا بد من احراز عدم المانع في تأثير المقتضي، و من الواضح ان احتمال المنع بالنسبة الى ساير الظنون موجود، لاحتمال ان الشارع قد نهى عنها و لكن اختفى علينا نهيه، و لا يدفع هذا الاحتمال إلّا بان العقل مستقل بالحجية، و معه لا وجه لمنع الشارع لانه قبيح و لا يصدر من الشارع القبيح، فالنهي عن الظن و ان كان ممكنا بالذات إلّا انه محال في المقام لأنه قبيح وقوعه، و لا يصدر القبيح من الشارع، و لذا قال (قدس سره): «لو فرض ممكنا جرى في غير القياس الى آخر عبارته».

فالعقل في حال الانسداد مستقل بحجية الظن، و ان الاطاعة الظنية كالعلمية في حال الانفتاح يقبح التعدي عنها و تركها على المأمور و الآمر معا، و ان محالية صدور القبيح من الشارع كما يدفع احتمال النهي كذلك يدفع النهي المقطوع به.

(2) لا يخفى ان احكام العقل الكلية انما هي لكون علتها كلية، فالتخصيص لها مرجعه الى انفكاك المعلول عن علته، و هذا بظاهره يرتبط بالمحال الثاني و هو لزوم‏

204

و أنت خبير بأنه لا وقع لهذا الاشكال، بعد وضوح كون حكم العقل بذلك معلقا على عدم نصب الشارع طريقا و اصلا، و عدم حكمه به فيما كان هناك منصوب و لو كان أصلا، بداهة أن من مقدمات حكمه عدم وجود علم و لا علمي، فلا موضوع لحكمه مع أحدهما (1)، و النهي عن‏

____________

انفكاك المعلول عن علته، الّا ان يتكلّف له بان يقال ان العقل يرى محالية الخلف كليا، و لا فرق عنده بين خلف و خلف، فالنهي في المقام اذا كان خلفا فهو كغيره محال، فلا يعقل ان يجوز في المقام، و كذلك ارتكاب الشارع للقبيح بعد ان كان محالا عند العقل ايضا فهو محال، و لا فرق بين ارتكاب قبيح و قبيح فيعم المحالات الثلاثة.

(1) المتحصّل من عبارة المتن في المقام جوابان عن هذا الاشكال: جواب حلّي، و جواب نقضي.

و الاول هو الجواب الحلّي الذي اشار اليه بقوله: «بانه لا وقع لهذا الاشكال بعد وضوح كون حكم العقل بذلك» أي ان الاطاعة الظنية كالاطاعة العلمية في حال الانسداد، و انه يقبح تركها عند العقل .. قد كان حكما عند العقل «معلّقا الى آخر الجملة».

و توضيحه: ان حكم العقل مستقلا في حال الانسداد بكون الاطاعة بمنزلة الاطاعة العلمية انما هو بعد تمامية مقدمات الانسداد، التي من جملتها انسداد باب العلم و العلمي، فلو فرض انفتاح باب العلم و العلمي في جميع ابواب الفقه لما وصلت النوبة الى الانسداد، و لما حكم العقل بقبح ترك الاطاعة الظنيّة، و لو فرض انفتاح باب العلم و العلمي في باب مخصوص و مسألة خاصة من الفقه لما كان في ذلك الباب او في تلك المسألة مجال، لحكم العقل بقبح ترك الاطاعة الظنيّة، لعدم موضوع حكمه و هو الانسداد، و بعد كون النهي عن الظن القياسي قد وصل بالقطع سنة و اجماعا، ففي هذا بالخصوص قد انفتح باب العلم و العلمي، فلا مجال لتوهّم‏

205

ظن حاصل من سبب ليس إلا كنصب شي‏ء (1)، بل هو يستلزمه فيما كان‏

____________

شمول الحكم المعلّق على الانسداد لمثله بعد كونه مما انفتح فيه باب العلم و العلمي، و هو خارج عن الحكم الانسدادي تخصّصا لا تخصيصا لعدم موضوع الانسداد فيه.

و الحاصل: انه اذا وصل طريق من الشارع في باب مخصوص او مسألة خاصة، سواء كان ذلك الطريق الواصل في ذلك الباب او تلك المسألة امارة أو اصلا، كما لو علمنا علما قطعيّا بحجية خبر الثقة في باب الطهارة مثلا أو بحجية اصالة الطهارة في خصوص ما شك في طهارته او نجاسته شكا بدويا، فانه لا مجال فيهما لجريان الانسداد و حجية الظن عند العقل في هذين الموردين بعد فرض انفتاح باب العلمي فيهما.

و قد اشار الى عدم الفرق في الطريق الواصل بين كونه امارة أو اصلا بقوله:

«و لو كان اصلا».

و أشار الى ان ما وصل فيه الطريق الشرعي هو من الانفتاح الخارج موضوعا و تخصصا عن الانسداد و احكامه بقوله: «بداهة ان من مقدمات حكمه» أي من مقدمات حكم العقل بكون الاطاعة الظنية كالاطاعة العلمية في حال الانسداد هو «عدم وجود علم و لا علمي فلا موضوع لحكمه مع احدهما» لارتفاع موضوع حكم العقل بوجود العلم و العلمي، لانه فرض الانفتاح لا الانسداد.

(1) هذا هو الجواب الثاني و مرجعه الى النقض، و توضيحه: ان نهي الشارع عن اتباع طريق خاص حاصل من سبب خاص، كالنهي عن الظن الحاصل بسبب القياس هو حكم من الشارع كسائر احكامه الثابتة بأوامره، لوضوح ان النهي عن شي‏ء شرعا كالامر بشي‏ء شرعا، و من البديهي انه لم يستشكل احد فيما لو وصل بالقطع حكم خاص من الشارع في باب مخصوص او مسألة مخصوصة مع فرض الانسداد و البناء على الحكومة، و لم يتوهم احد ان جعل الشارع لحكم خاص في‏

206

في مورده أصل شرعي (1)، فلا يكون نهيه عنه رفعا لحكمه عن موضوعه، بل به يرتفع موضوعه، و ليس حال النهي عن سبب مفيد للظن إلا

____________

مورد مناف للانسداد على الحكومة، و لا سبب لعدم توهم ذلك إلّا ان وصول الحكم من الشارع في ذلك المورد موجب لخروج ذلك المورد عن موضوع الانسداد لانفتاح باب العلم و العلمي فيه.

و بعد ما عرفت ان نهي الشارع عن اتباع طريق لحكمه بحكم من الاحكام الثبوتية فانه ايضا حكم من احكام الشارع، غايته ان نهيه حكم زجري و امره حكم طلبي ثبوتي، و ليس هذا بفارق قطعا، و هذا هو مراده من قوله: «و النهي عن ظن حاصل الى آخر الجملة».

(1) حاصله: انه اذا كان من المسلم انه لا اشكال في الحكم الثبوتي الواصل من الشارع في مورد من الموارد مع الانسداد و البناء على الحكومة، فينبغي ان لا يستشكل في النهي عن اتباع الظن القياسي في المقام، لان لازم نهي الشارع عن اتباعه هو جعل الشارع في مورد الظن القياسي حكما آخر غيره، و لا بد و ان يكون ذلك الحكم اصلا من الاصول، لانه بعد فرض الانفتاح في النهي عن الظن عن القياس، و لا يعقل ان يكون في مورد الظن القياسي ظن آخر لمحالية قيام ظنين عند شخص في آن واحد يتعلق احدهما بشي‏ء و يتعلق الآخر بضد ذلك الشي‏ء او نقيضه، فلا بد و ان يكون الحكم المجعول في مورد النهي عن الظن القياسي اصلا من الاصول يكون هو المرجع دون الظن القياسي، و قد عرفت ان الحكم الثبوتي الواصل في مورد من الموارد لا مجال لتوهم الاشكال فيه، فلا ينبغي الاشكال في النهي عن الظن القياسي في المقام، لان لازم وصول النهي عنه وصول حكم من الشارع في مورده و هو ما لم يتوهم الاشكال فيه، و الى هذا اشار بقوله: «بل هو يستلزمه» أي ان النهي عن الظن القياسي يستلزم وصول الحكم الثبوتي في مورده، و ذلك «فيما كان‏

207

كالامر بما لا يفيده، و كما لا حكومة معه للعقل لا حكومة له معه، و كما لا يصح بلحاظ حكمه الاشكال فيه، لا يصح الاشكال فيه بلحاظه (1).

____________

في مورده» أي في مورد الظن القياسي «اصل شرعي» فان هذا الاصل الشرعي حكم ثبوتي قد وصل بالقطع.

(1) هذا عودة من المصنف لاستعراض الجوابين:

اما الجواب الاول فقد اشار اليه بقوله: «فلا يكون نهيه عنه» أي لا يكون نهي الشارع عن الظن القياسي في حال الانسداد تخصيصا للحكم الانسدادي و «رفعا لحكمه» أي رفعا للحكم الانسدادي «عن موضوعه» بان يكون نهي الشارع عن الظن القياسي مع فرض شمول الانسداد له فيكون تخصيصا و رفعا للحكم مع ثبوت موضوع ذلك الحكم، «بل» هو من باب التخصيص و ارتفاع الحكم بارتفاع موضوعه حقيقة، لما عرفت من ان وصول النهي بالقطع مما يوجب الانفتاح الرافع لموضوع الانسداد حقيقة، و لذا كان «به يرتفع موضوعه» أي بوصول النهي يرتفع موضوع الانسداد حقيقة فلا يكون رفعا للحكم مع ثبوت الموضوع، بل يكون رفعا للحكم برفع الموضوع حقيقة.

و قد اشار الى الجواب الثاني بقوله: «و ليس حال النهي عن سبب مفيد للظن» كالنهي عن القياس المفيد للظن «الا كالامر» من الشارع في باب مخصوص او مسألة مخصوصة «بما لا يفيده» أي بما لا يفيد الظن، و قد عرفت عدم الاشكال فيما لو وصل بالقطع حكم من الشارع في مورد خاص، مع فرض الانسداد و البناء على الحكومة و لو كان ذلك الحكم على طبق اصل من الاصول، و من الواضح ان الحكم لاصل لا يوجب الظن، بل لا اشكال في اتباع ذلك الحكم الثابت بالاصل و لو كان هناك ظن على خلافه، و قد عرفت ان نهي الشارع عن اتباع ظن حاصل من سبب خاص كأمره بحكم ثبوتي في مورد خاص «و» انه «كما لا حكومة معه للعقل» أي كما لا حكومة للعقل في مورد الحكم الثبوتي كذلك «لا حكومة له» أي للعقل‏

208

نعم، لا بأس بالاشكال فيه في نفسه، كما أشكل فيه برأسه بملاحظة توهم استلزام النصب لمحاذير، تقدم الكلام في تقريرها و ما هو التحقيق في جوابها في جعل الطرق. غاية الامر تلك المحاذير- التي تكون فيما اذا أخطأ الطريق المنصوب- كانت في الطريق المنهي عنه في مورد الاصابة، و لكن من الواضح أنه لا دخل لذلك في الاشكال على دليل الانسداد بخروج القياس، ضرورة أنه بعد الفراغ عن صحة النهي عنه في الجملة، قد أشكل في عموم النهي لحال الانسداد بملاحظة حكم العقل، و قد عرفت أنه بمكان من الفساد (1) و استلزام إمكان المنع عنه، لاحتمال المنع‏

____________

«معه» أي مع الحكم الزجري الذي هو النهي عن ظن خاص بسبب خاص «و كما لا يصح بلحاظ حكمه» أي بلحاظ حكم العقل في الانسداد «الاشكال فيه» أي الاشكال في الحكم الثبوتي كذلك «لا يصح الاشكال فيه» أي في الحكم الزجري و هو النهي عن الظن القياسي «بلحاظه» أي بلحاظ الانسداد.

و الحاصل: ان الامر بما لا يفيد الظن في حال الانسداد هو كالنهي عما يفيد الظن في حال الانسداد، فانه بعد فرض استقلال العقل بلزوم الاطاعة الظنية في حال الانسداد، فالامر بالاطاعة الشكية أو الوهمية في مورد من الموارد حاله حال النهي عن الاطاعة الظنية الحاصلة من سبب خاص.

و كما انه يجاب في الاول بانه لا وجه لاستقلال العقل بلزوم الاطاعة الظنية مع انفتاح الباب و وصول الحكم من الشارع و لو كانت اطاعة شكية او وهمية، كذلك يجاب عن الثاني بانه مع وصول نهي الشارع ينفتح الباب ايضا، فلا مجال لاستقلال العقل بلزوم الاطاعة الظنية و لو كانت بهذا الظن المنهي عنه.

(1) توضيح هذا الاشكال انه قد عرفت في مورد النهي عن الظن القياسي انه لا بد و ان يكون المجعول من الشارع اصلا من الاصول لفرض الانفتاح في ذلك المورد، و لا مانع مع فرض الانفتاح من الرجوع الى الاصول، و لا يكون المجعول في مورده‏

209

.....

____________

ظنا، لعدم امكان ان يقوم ظنان في آن واحد لشخص واحد متعلقان بمتناقضين او متضادين، و لكن جعل الاصل في مورد الظن القياسي يستلزم اجتماع الضدين، او التصويب فيما لو كان الحكم الواقعي موافقا لما قام عليه الظن القياسي، و هذا هو الاشكال الذي مر التعرض له في جعل الامارة، غاية الامر ان لزوم اجتماع الضدين هناك فيما أخطأت الامارة، بان قامت الامارة على الوجوب مثلا و كان الحكم هو الحرمة او بالعكس، و في المقام لزوم اجتماع الضدين هو فيما اذا اصاب الظن القياسي الحكم الواقعي، فالنهي عن الظن القياسي المستلزم لجعل حكم في مورده يستلزم اجتماع الضدين فيما اذا اصاب الظن القياسي، فانه اذا اصاب الظن القياسي الواقع يكون الحكم الواقعي على خلاف حكم الاصل في مورد الظن القياسي، فيلزم اجتماع الضدين، او التصويب فيما اذا قلنا بانه عنه قيام الاصل يرتفع الحكم الواقعي.

و لكنه لا يخفى ان الاشكال في المقام الذي هو محل الكلام هو امكان النهي عن الظن القياسي بما هو نهي عن الظن القياسي في حال الانسداد، لا لان النهي عنه يستلزم محذور اجتماع الحكم الواقعي و الظاهري، بل الاشكال في المقام في النهي عن الظن القياسي بعد الفراغ عن عدم المحذور في جعل الحكم الظاهري.

و يدل على ذلك ايضا ان الاشكال مختص بالحكومة دون الكشف، مع ان محذور الاجتماع موجود على الكشف ايضا.

و قد اشار الى نفس الاشكال بلزوم اجتماع الحكم الظاهري و الواقعي في مورد النهي عن الظن القياسي بقوله: «بملاحظة توهم استلزام النصب لمحاذير الى آخر الجملة».

و اشار الى الفرق بين هذا الاشكال في المقام و بينه في الامارة بان محذور الاجتماع هنا في ما اذا اصاب الظن القياسي الواقع، و في الامارة فيما اذا اخطأت الامارة الواقع بقوله: «غاية الامر تلك المحاذير الى آخر الجملة».

و المراد من قوله: «في مورد الاصابة» هو مورد اصابة الظن القياسي الواقع.

210

عن أمارة أخرى و قد اختفى علينا، و إن كان موجبا لعدم استقلال العقل، إلا أنه إنما يكون بالاضافة إلى تلك الامارة، لو كان غيرها مما لا يحتمل فيه المنع بمقدار الكفاية، و إلا فلا مجال لاحتمال المنع فيها مع فرض استقلال العقل، ضرورة عدم استقلاله بحكم مع احتمال وجود مانعة، على ما يأتي تحقيقه في الظن المانع و الممنوع (1). و قياس حكم‏

____________

و قد اشار الى ان هذا الاشكال لا ربط له بما هو المهم من الاشكال في المقام بقوله: «و لكن من الواضح الى آخر الجملة».

قوله: «و قد عرفت انه بمكان من الفساد» أي قد عرفت ان الاشكال في المقام في عدم معقولية النهي عن الظن القياسي- بناء على الحكومة- بمكان من الفساد، لما مر من الجوابين عنه.

(1) بعد ان فرغ من الجواب عن الاشكال في النهي عن الظن القياسي، تعرض لعبارة الرسائل في تقرير الاشكال، و قد مر ان العبارة يدل صدرها على شي‏ء و ذيلها يدل على شي‏ء آخر، و سيأتي التعرض لصدرها، و اما ذيلها فقد تعرض له بقوله:

«و استلزام امكان المنع ...».

و حاصله: ان المتحصل من عبارة الذيل، هو انه لو كان منع الشارع عن الظن القياسي ممكنا من الشارع الحكيم و لا قبح فيه، بدعوى كون حكومة العقل في حجية الظن معلقة على عدم المنع من الشارع، فيكون المنع من الشارع بما هو منع لا مانع منه، و بعد تحقق المنع من الشارع عن الظن القياسي لا حكومة للعقل بحيث يشمل الظن القياسي.

و حاصل ما تضمنه ذيل عبارة الرسائل في دفع هذه الدعوى في انه لو كان المنع بما هو منع ممكنا، و ان حجية الظن عند العقل معلقة على عدم المنع لما امكن حكم العقل بحجية سائر الظنون الأخرى غير الظن القياسي، لانه اذا كان المنع من الشارع ممكنا فلا مانع من وقوعه، و كل ما لا مانع من وقوعه فهو محتمل الوقوع، فاحتمال‏

211

.....

____________

المنع عن ساير الظنون موجود، لاحتمال كون الشارع قد منع عنها و لم يصل منعه الينا، فلا يكون للعقل حكومة في حجية ساير الظنون، لان حكومة العقل بالنسبة الى الحجية فيها من قبيل المقتضي، و مع احتمال المانع لا وجه لتأثير المقتضي فيها.

و حاصل ما اورده المصنف على هذا الذيل هو: انا نقول بان امكان المنع يستلزم احتمال المنع، و ان المنع لا قبح فيه، و حكومة العقل معلقة على عدم هذا المانع، و النافي لاحتمال المنع في ساير الظنون- غير الظن القياسي- ليس هو القبح كما هو صريح عبارة الذيل، بل النافي له هو اهتمام الشارع المحرز بموجب المقدمة الثالثة في الانسداد، فانه في الظنون التي هي بمقدار الكفاية الوافية بمعظم الاحكام او بمقدار العلم الاجمالي لا نحتمل المنع بعد اهتمام الشارع بامتثال احكامه المنحصر في الظن، و هذا هو النافي لاحتمال المنع بالنسبة الى الظنون التي هي بمقدار الكفاية، و لذا كان في الظن الخارج عن المعظم او عن مقدار المعلوم بالاجمال لا حكومة للعقل بالنسبة اليه، لاحتمال منع الشارع عنه.

و قد اشار الى ان امكان المنع يلازم احتمال المنع بقوله: «و استلزام امكان المنع عنه» أي عن الظن «لاحتمال المنع» لوضوح ان كل ما لا مانع عن تحققه فهو محتمل التحقق، فنحتمل ان يكون الشارع قد نهى «عن امارة اخرى» غير الظن القياسي «و قد اختفى علينا» منعه عنها.

و اشار الى انه مع منع الشارع لا حكومة للعقل، فحكومته معلقة على عدم المنع، و لازم ذلك هو عدم استقلاله مع احتمال المنع بقوله: «و ان كان موجبا لعدم استقلال العقل».

و قد اشار الى ان احتمال المنع انما يكون بالنسبة الى الظن الخارج عن قدر الكفاية، و في هذا الظن لا استقلال للعقل لاحتمال المنع، و اما في الظنون التي هي بمقدار الكفاية فلا نحتمل المنع عنها من الشارع، و الرافع للاحتمال فيها هو اهتمام الشارع و انحصار طريق الامتثال فيها بالظن، لا ما ذكر في الذيل من رفع الاحتمال‏

212

العقل بكون الظن مناطا للاطاعة في هذا الحال على حكمه بكون العلم مناطا لها في حال الانفتاح، لا يكاد يخفى على أحد فساده، لوضوح أنه مع الفارق، ضرورة أن حكمه في العلم على نحو التنجز، و فيه على نحو التعليق (1).

____________

برفع الامكان بقوله: «إلّا انه» أي إلّا ان عدم استقلال العقل بالحجية لاحتمال المنع «انما يكون بالاضافة الى تلك الامارة» الخارجة عن مقدار الكفاية، و ذلك فيما «لو كان غيرها» من الظنون التي هي «مما لا يحتمل فيه المنع» لانها «بمقدار الكفاية».

و اشار الى ان الرافع لاحتمال المنع في الظنون التي هي بمقدار الكفاية هو استقلال العقل بعدم المنع عنها للاهتمام و انحصار الامتثال في الظن بقوله: «و إلّا فلا مجال لاحتمال المنع فيها» أي في الظنون التي هي بمقدار الكفاية «مع فرض استقلال العقل».

و اشار الى ان حكم العقل من قبيل المقتضي و مع احتمال المانع لا تاثير له بقوله:

«ضرورة عدم استقلاله» أي ضرورة عدم استقلال العقل «بحكم مع احتمال وجود مانعة» فانه لا تأثير للمقتضي الا مع احراز عدم تحقق المانع، و مع احتمال المانع لا احراز لعدم المانع، فلا يستقل العقل بحكمه المعلق على عدم المانع مع احتمال وجود المانع عن حكمه.

(1) هذا هو التعرض للصدر، و قد عرفت ان صدر عبارة الرسائل هي قياس الاطاعة الظنية في حال الانسداد- على الحكومة- بالاطاعة العلمية في حال الانفتاح، و انه كما ليس للشارع التصرف في الاطاعة العلمية، كذلك ليس له التصرف في حال الانسداد- على الحكومة- بالاطاعة الظنية.

و حاصل مؤاخذة المصنف له: هو ان القياس مع الفارق، فان حكم العقل بالاطاعة العلمية غير معلق على شي‏ء، لان العلم علة تامة في آثاره، فحكم العقل‏

213

ثم لا يكاد ينقضي تعجبي لم خصصوا الاشكال بالنهي عن القياس، مع جريانه في الامر بطريق غير مفيد للظن، بداهة انتفاء حكمه في مورد الطريق قطعا، مع أنه لا يظن بأحد أن يستشكل بذلك، و ليس إلا لاجل أن حكمه به معلق على عدم النصب، و معه لا حكم له، كما هو كذلك مع النهي عن بعض أفراد الظن، فتدبر جيدا (1).

____________

فيه منجز على كل حال، و لا يعقل التعليق فيه بعد ان كان علة تامة، بخلاف حكم العقل في حال الانسداد بالنسبة الى الاطاعة الظنية، فانه معلق على عدم انفتاح باب العلم او العلمي، و بعد وصول النهي عن القياس ينفتح باب العلم فلا موضوع لحكم العقل.

و قد اشار الى صدر عبارة الرسائل بقوله: «و قياس حكم العقل بكون الظن مناطا للاطاعة في هذا الحال» أي في حال الانسداد بناء على الحكومة «على حكمه» أي على حكم العقل «بكون العلم مناطا لها» أي للاطاعة العلمية «في حال الانفتاح» فكما لا تصرف للشارع في الاطاعة العلمية في حال الانفتاح، كذلك لا تصرف له في الاطاعة الظنية في حال الانسداد، لان الظن في حال الانسداد على الحكومة بمنزلة العلم في حال الانفتاح.

و اشار الى المناقشة فيه بقوله (قدس سره): «لا يكاد يخفى على احد فساده» و هذه الجملة هي الخبر للمبتدا المتقدم، و هو قوله: و قياس حكم العقل.

و حاصلها: انه قياس في غير محله «لوضوح انه» قياس «مع الفارق ضرورة ان حكمه» أي حكم العقل «في العلم على نحو التنجز» غير المعلق على شي‏ء «و فيه» أي و في الانسداد حكم العقل «على نحو التعليق» و لا وجه لقياس ما كان الحكم فيه على نحو التعليق بما كان فيه على نحو التنجز و عدم التعليق.

(1) هذه عودة من المصنف الى الاشارة الى جوابه الثاني المتقدم عن الاشكال في النهي عن القياس، في انه اذا لم يكن للشارع النهي عن ظن خاص في حال‏

214

.....

____________

الانسداد، لم يكن له- أيضا- الامر بطريق خاص غير مفيد للظن في حال الانسداد، لانهما يشتركان في كون لازم كل منهما ترك الاطاعة الظنية، فلما ذا خصصوا الاشكال بالنهي عن القياس و لم يذكروه في الامر بالطريق الخاص؟

و لا فرق بين النهي و الامر في الاشكال المذكور، و لا سبب في عدم اشكالهم في الامر بطريق خاص، إلّا انه مع امر الشارع به ينفتح الباب فلا موضوع للانسداد و لحكم العقل بعد ان كان معلقا على موضوع يرتفع بأمر الشارع، و قد عرفت ان حال نهي الشارع عن طريق كأمره، فانه بوصول نهيه ينفتح الباب فلا يبقى موضوع لحكم العقل، و لذا قال (قدس سره): «لا يكاد ينقضي تعجبي انه لم خصصوا الاشكال بالنهي عن القياس مع جريانه» أي جريان الاشكال الذي ذكروه في النهي «في الامر بطريق مفيد للظن» لانهما يشتركان في ترك الاطاعة الظنية.

ثم اشار الى انتفاء حكم العقل في مورد الامر بالطريق لاجل الانفتاح بقوله:

«بداهة انتفاء حكمه» أي العقل «في مورد الطريق» أي في مورد الامر بالطريق «قطعا» و أضاف اليه الاشارة الى انه لا يظن باحد من الفقهاء ان يستشكل في مقام امر الشارع بطريق غير مفيد للظن في حال الانسداد بقوله: «مع انه لا يظن باحد ان يستشكل بذلك» ثم الى ان السبب في عدم الاشكال في مقام الامر بطريق غير مفيد للظن ليس هو إلّا لاجل كون حكم العقل معلقا على عدم الانفتاح، و بوصول امر الشارع يحصل الانفتاح بقوله: «و ليس إلّا لاجل ان حكمه» أي حكم العقل «به» أي بحجية الظن في حال الانسداد هو «معلق على عدم النصب، و معه» أي و مع النصب «لا حكم له» أي لا حكم للعقل لارتفاع موضوع حكمه.

ثم اشار الى ان حال النهي كحال الامر بقوله: «كما هو كذلك مع النهي عن بعض افراد الظن» و هو الظن الحاصل من القياس، فانه بوصول النهي عنه ينفتح الباب فلا موضوع لحكم العقل.

215

[الوجوه المذكورة لدفع الاشكال و مناقشة المصنف (قده) فيها]

و قد انقدح بذلك أنه لا وقع للجواب عن الاشكال: تارة بأن المنع عن القياس لاجل كونه غالب المخالفة، و أخرى بأن العمل به يكون ذا مفسدة غالبة على مصلحة الواقع الثابتة عند الاصابة (1)، و ذلك لبداهة

____________

(1) بعد فراغه عن جواب الاشكال- بما مر- حلا و نقضا تعرض لذكر اجوبة اربعة ذكروها عن الاشكال، و لم يرتضها المصنف، فاشار اليها و الى المناقشة فيها، و بقوله: «تارة ... و اخرى» أشار الى جوابين منها اجاب بهما الشيخ في الرسائل.

و توضيح الاول: ان الاشكال هو ان مقدمات الانسداد على الحكومة تستلزم قبح ترك الاطاعة الظنية من الآمر و المأمور، و كما ان تركها من المأمور قبيح كذلك النهي عنها من الآمر قبيح، فالنهي عن الظن القياسي من الآمر قبيح.

و حاصل الجواب عنه: ان ترك الاطاعة الظنية انما كان قبيحا لان الظن اقرب الى اصابة الواقع من الشك و الوهم، فاذا كان الشارع المطلع على الواقعيات قد علم ان الظن القياسي غالب المخالفة للواقع فلا يكون في النهي عنه قبح على الشارع، لان مناط القبح هو كونه اقرب، و لما كان كثير المخالفة للواقع لم يكن اقرب من الوهم، بل هو اقرب منه في مورده، و الى هذا اشار بقوله: «تارة بان المنع عن القياس لاجل كونه غالب المخالفة» أي للواقع و مع كونه غالب المخالفة للواقع، لا يكون النهي عنه من الشارع المطلع قبيحا.

الثاني: ما اشار اليه بقوله: «و اخرى» و توضيحه: انه قد عرفت ان السبب في حكم العقل بقبح ترك الاطاعة الظنية في حال الانسداد آمرا و مامورا انما هو لكون الظن اقرب من غيره لادراك مصلحة الواقع، فالعمل بما يقتضيه الظن لا غاية فيه عند العقل الا الايصال لمصلحة الواقع، فاذا كان في العمل بظن خاص حاصل من سبب خاص مفسدة غالبة على مصلحة الواقع فلا يقبح عند العقل ترك العمل بهذا الظن الخاص، فلا يكون نهي الشارع عن الظن القياسي في حال الانسداد قبيحا اذا كان قد اطلع على ان في العمل على طبقه مفسدة غالبة على مصلحة الواقع.

216

أنه إنما يشكل بخروجه بعد الفراغ عن صحة المنع عنه في نفسه، بملاحظة حكم العقل بحجية الظن، و لا يكاد يجدي صحته كذلك في الذب عن الاشكال في صحته بهذا اللحاظ، فافهم فإنه لا يخلو عن دقة (1).

____________

و الى هذا اشار بقوله: «و اخرى بان العمل به» أي بالظن القياسي «يكون ذا مفسدة غالبة على مصلحة الواقع الثابتة عند الاصابة» فالعمل على الظن القياسي ان لم يصب الواقع كان ذا مفسدة لا غير، و ان اصاب الواقع لا فائدة في المصلحة التي اصابها لان مفسدة العمل على طبقه غالبة على المصلحة الواقعية التي أصابها.

(1) لا يخفى ان المصنف ناقش في هذين بمناقشة واحدة تجمعها، و منها يظهر ايضا وجه الانقداح.

و توضيح ذلك: ان الاشكال في النهي عن الظن القياسي في حال الانسداد، تارة: لكون الظن في حال الانسداد كالعلم في حال الانفتاح، و كما انه يقبح النهي من الشارع عن العلم و عن الاطاعة العلمية في حال الانفتاح، كذلك يقبح النهي منه عن الظن و عن الاطاعة الظنية في حال الانسداد، فالاشكال يكون من حيث كونه نهيا عن الظن في حال الانسداد.

و اخرى: يكون الاشكال في النهي عن الظن القياسي في حال الانسداد لكون الظن اقرب الى الواقع من غيره، فنهي الشارع عن ما هو اقرب قبيح، و من الواضح ان الاشكال في القبح من ناحية كونه اقرب من غيره غير الاشكال في القبح من ناحية كونه بمنزلة العلم.

و هذان الجوابان انما يتمان حيث يكون الاشكال في النهي عن الظن القياسي من الناحية الثانية دون الاولى، فانه حينئذ يصح ان يجاب عنه: تارة بكونه غير قريب الى الواقع بل غالب المخالفة، و اخرى بانه ذو مفسدة غالبة على الواقع فلا فائدة في قربه الى اصابة الواقع.

217

.....

____________

اما اذا كان الاشكال في النهي عن الظن القياسي من جهة القبح من الناحية الاولى فالجوابان اجنبيان عن ذلك، و فرض الاشكال في النهي عن الظن القياسي انما هو من الناحية الاولى، و انه بعد الفراغ عن ان الظن الحاصل من سبب خاص يصح النهي عنه في حال الانفتاح اذا كان غالب المخالفة او اذا كان في العمل على طبقه مفسدة، و لكن الاشكال في صحة النهي عنه في حال الانسداد من ناحية انه في هذه الحال هو كالعلم، فالاشكال انما هو في قبح النهي عنه في المقام من هذه الجهة، فلا يصح الجواب عنها بانه لا قبح في النهي عنه لكونه غالب المخالفة، او لان في العمل على طبقه مفسدة، فانه لا يدفع الاشكال في قبح النهي من ناحية ان الظن في حال الانسداد هو كالعلم يقبح من الشارع التصرف فيه.

و الى هذا اشار بقوله (قدس سره): «و ذلك» أي ان السبب في عدم دفع هذين الجوابين عن الاشكال في الظن القياسي في المقام هو «انه انما يشكل» في المقام «بخروجه» أي بخروج الظن القياسي عن ساير الظنون في الانسداد لأجل النهي عنه «بعد الفراغ عن صحة المنع عنه في نفسه» أي في مثل حال الانفتاح «بملاحظة حكم العقل بحجية الظن» في حال الانسداد: أي ان الاشكال بملاحظة حال الانسداد و حكم العقل بان الظن حجة في هذا الحال و ان له ما للعلم في الانفتاح، فهو اشكال من ناحية القبح في التصرف في الظن في الانسداد، لانه كالعلم لا من ناحية القبح لكون الظن اقرب من غيره.

ثم اشار الى ان الجواب عن القبح من ناحية القرب بالجوابين المذكورين لا ينفع في دفع الاشكال في القبح من ناحية كونه كالعلم بقوله: «و لا يكاد يجدي صحته كذلك» أي لا يكاد يجدي صحة النهي عن الظن القياسي من ناحية القرب في حال الانفتاح «في الذب عن الاشكال» أي في دفع الاشكال «في صحته» أي في صحة النهي عنه «بهذا اللحاظ» أي بلحاظ كون الظن في الانسداد بمنزلة العلم لانهما

218

و أما ما قيل في جوابه، من منع عموم المنع عنه بحال الانسداد، أو منع حصول الظن منه بعد انكشاف حاله، و أن ما يفسده أكثر مما يصلحه (1)، ففي غاية الفساد، فإنه مضافا إلى كون كل واحد من المنعين‏

____________

جهتان، و لا ربط للاشكال من ناحية القرب بالاشكال من ناحية كون الظن في الانسداد كالعلم في الانفتاح.

(1) يشير بكلامه هذا الى جوابين آخرين عن الاشكال المذكور.

و حاصل الاول: ان ادلة النهي عن الظن القياسي لا تشمل الظن القياسي في حال الانسداد، فالمنع عنه يختص بحال الانفتاح، و الظن في حال الانسداد حجة مطلقا و ان حصل من القياس، و الى هذا اشار بقوله: «من منع عموم المنع عنه» أي عن الظن الانسدادي بحيث يكون المنع عنه شاملا له بلحاظ كل احواله و لو كان «ب» لحاظ «حال الانسداد» أي لا عموم للادلة المانعة عن الظن القياسي بحيث تشمل حاله في الانسداد.

و حاصل الثاني: انه لا وقع للاشكال المذكور، لانه لا يحصل من القياس ظن حتى يستشكل في النهي عنه، فان الائمة (عليهم السّلام) كشفوا حال القياس و بينوا ما يترتب عليه من الفساد، بحيث كان ما يصلحه القياس من حيث اصابته النادرة لا يعتني بها بالنسبة الى ما يترتب عليه من الفساد في محق الدين و انه يأتي بدين جديد، لكثرة خطئه- مثلا- او لعدم وجود ضابط له فيختلف القائسون انفسهم في حكم مسألة واحدة، لاختلاف الجهات التي اقتضت القياس عندهم.

و على كل، فمفاسد القياس كثيرة، و بعد الاطلاع عليها لا يحصل للفقيه ظن منه حتى يستشكل بالنهي عنه في حال الانسداد، و ما اشد التباين بين هذين الجوابين، و على كل فقد اشار اليه بقوله: «او منع حصول الظن منه» أي نمنع حصول الظن من القياس «بعد انكشاف حاله» أي حال القياس «و ان ما يفسده اكثر مما

219

غير سديد- لدعوى الاجماع على عموم المنع مع إطلاق أدلته و عموم علته، و شهادة الوجدان بحصول الظن منه في بعض الاحيان- لا يكاد يكون في دفع الاشكال بالقطع بخروج الظن الناشئ منه بمفيد، غاية الامر أنه لا إشكال مع فرض أحد المنعين، لكنه غير فرض الاشكال، فتدبر جيدا (1).

____________

يصلحه» فلا يحصل من القياس ظن حتى يتأتى الاشكال في صحة المنع عنه في حال الانسداد.

(1) لا يخفى انه قد اجاب عن كل واحد منهما بجواب يخصه، و اجاب عنهما معا بجواب واحد يشملهما.

اما الجواب الذي يخص الاول فهو: ان ادلة المنع اللفظية لها اطلاق واضح يشمل الظن في حال الانسداد، فان قوله (عليه السّلام): (ان السنة اذا قيست محق الدين) (1) له ظهور في ان ذات القياس ما حق للدين، و ما بالذات لا يختلف حاله في الانفتاح او الانسداد، و مثله قوله (عليه السّلام): (ان دين اللّه لا يصاب بالعقول) (2) الظاهر في ان العقل لا يهتدي الى علل الاحكام، و القياس ليس هو إلّا دعوى ادراك علة الحكم و تسريتها من المقيس عليه الى المقيس، و هذا ايضا لا خصوصية له بحال الانفتاح، هذا مع ان دعوى الاجماع على عموم المنع عن الظن القياسي لحال الانسداد مما لا ريب فيها.

و قد اشار الى دعوى الاجماع على عموم المنع بقوله: «لدعوى الاجماع على عموم المنع» عن الظن القياسي بحيث يشمل كل احواله حتى حال الانسداد، ثم‏

____________

(1) الوسائل ج 18، 25/ 10 باب 6 من أبواب صفات القاضي.

(2) ورد في الوسائل ج 18، 27/ 18 باب 6 من ابواب صفات القاضي: (ان دين اللّه لا يصاب بالمقاييس) و مثله في الوافي ج 1، ص 57 (ط. حجر) و كذلك في الكافي ج 1، ص 56 حديث 7.

220

.....

____________

اشار الى اطلاق ادلة المنع عنه اللفظية بقوله: «مع اطلاق أدلته» أي مع اطلاق ادلة المنع.

عنه بقوله (عليه السّلام): (السنة اذا قيست محق الدين)، ثم اشار الى ان العلة المنصوصة في الادلة الموجبة للمنع عنه موجودة في كلا الحالين بقوله: «و عموم علته» كمثل قوله:

(ان دين اللّه لا يصاب بالعقول).

و اما الجواب الذي يخص الثاني فهو: ان منع حصول الظن من القياس و لو في بعض الاحيان مكابرة واضحة، فان الوجدان خير شاهد بانه ربما يحصل من القياس ظن، و اليه اشار بقوله: «و شهادة الوجدان الى آخر الجملة».

و اما الجواب الذي يشمل كلا الجوابين المذكورين فهو: ان الاشكال في المنع عن الظن القياسي مع فرض القطع بدلالة الادلة المانعة عنه الشاملة لحال الانسداد فالجواب عنه بان ادلة المنع لا تشمل حال القياس خروج عن الفرض اولا، و تسليم للاشكال على الفرض ثانيا.

و مثله الجواب عنه بعدم حصول الظن من القياس، فانه خروج عن الفرض و تسليم للاشكال لو فرض حصول الظن منه.

نعم، لو فرض عدم عموم ادلة المنع او فرض عدم حصول الظن منه لما كان للاشكال المذكور مجال، و لكنهما لا يكونان جوابا عن الاشكال لو فرضنا عموم ادلة المنع للانسداد، او فرضنا حصول الظن من القياس، بل لازمهما تسليم الاشكال و قد اشار الى ما ذكرنا بقوله: «لا يكاد يكون» ما ذكر من الجوابين «في دفع الاشكال ب» فرض «القطع بخروج الظن الناشئ منه» أي من القياس «بمفيد» أي لا يكاد يكون ما ذكر من الجوابين بمفيد في دفع الاشكال مع فرض القطع بخروج الظن الناشئ من القياس في حال الانسداد، الذي لازم هذا القطع هو فرض شمول ادلة المنع له و حصوله من القياس.

221

[الظن المانع و الممنوع‏]

فصل إذا قام ظن على عدم حجية ظن بالخصوص، فالتحقيق أن يقال بعد تصور المنع عن بعض الظنون في حال الانسداد: إنه لا استقلال للعقل بحجية ظن احتمل المنع عنه، فضلا عما إذا ظن، كما أشرنا إليه في الفصل السابق، فلا بد من الاقتصار على ظن قطع بعدم المنع عنه بالخصوص، فإن كفى، و إلا فبضميمة ما لم يظن المنع عنه (1) و إن‏

____________

ثم اشار الى انه مع فرض عدم شمول ادلة المنع لحال الانسداد، او مع فرض عدم حصول الظن من القياس لا يتأتى الاشكال بقوله: «غاية الامر انه لا إشكال مع فرض احد المنعين» لوضوح انه لو فرض عدم شمول ادلة المنع له فيكون الظن القياسي في حال الانسداد حجة، و مع حجيته لا مجال للاشكال بانه لا يعقل النهي عنه، و كذلك لو فرض عدم حصول الظن من القياس، فانه ايضا لا مجال للاشكال في المنع عنه، فانه حيث لا ظن لا وقع للاشكال بانه لا يصح المنع عن الظن.

ثم اشار الى انهما لا يصحان جوابا عن الاشكال مع فرض عموم المنع و حصول الظن بقوله: «لكنه غير فرض الاشكال».

(1) تحرير البحث في هذا الفصل هو انه مع الانسداد اذا قام ظن على عدم حجية ظن من الظنون فلا ريب في تنافي هذين الظنين، لعدم معقولية حجية الظن المانع و حجية الظن الممنوع، فانه اذا قام خبر الثقة- مثلا- على عدم حجية الظن الحاصل من الشهرة، و قامت الشهرة على وجوب صلاة الجمعة- مثلا- فلا يعقل الجمع بين حجية خبر الثقة على عدم حجية الشهرة و حجية الشهرة الدالة على وجوب صلاة الجمعة، بل اما ان يكون المانع هو الحجة دون الممنوع، او الممنوع هو الحجة دون المانع، او تساقطهما.

و قد يقرر الاشكال بوجهين: الاول: ان حجية الظن المانع و حجية الظن الممنوع كليهما معا محال، لان لازم حجية الظن المانع عدم العمل على طبق مؤدى الظن‏

222

.....

____________

الممنوع، و لازم حجية الظن الممنوع هو لزوم العمل على طبق مؤداه، فاما ان يكون احدهما حجة دون الآخر و لا بد من المرجح له، و إلّا كان من الترجيح بلا مرجح، و إلّا فلا مناص عن التساقط.

و بتقرير الاشكال بهذا الوجه يرتبط الوجه الاول الذي سنذكره لبيان وجه الترجيح للظن المانع.

الوجه الثاني في تقرير الاشكال: هو ان حجية الظن مع احتمال المنع عنه غير معقول، لان حجية الشي‏ء لا بد و ان تكون مقطوعا بها، فاحتمال المنع عنها مناف لما لا بد منه في الحجية فضلا عن الظن بعدم الحجية، و فرض قيام الظن المانع فرض قيام الظن على عدم حجية الظن الممنوع، فاما ان يكون الظن الممنوع حجة فلا يكون الظن المانع حجة، و اما ان يكون الظن المانع حجة فلا يكون الظن الممنوع حجة، فشمول دليل الانسداد لهما معا محال.

و لعله بالتقرير على هذا النحو الثاني يرتبط ما أجاب به المصنف و هو الوجه الثاني الذي سنذكره.

و على كل حال فهناك وجوه لترجيح الظن المانع دون الممنوع، و لازمها حجية الظن المانع دون الممنوع و عدم التساقط ايضا، اذ لا وجه للتساقط مع وجود المرجح لاحدهما، و بعد وجود المرجح لخصوص الظن المانع ينتفي التساقط كما ينتفي ايضا الظن الممنوع لمرجوحيته:

الاول: ان الملاك في الظن المانع تام دون الممنوع، و تقريب التمامية فيه دون الممنوع هو ان حجية الظن مطلقا معلقة على عدم وصول المنع عنه من الشارع، و الظن المانع يكون منعا و اصلا بالنسبة الى الظن الممنوع، بخلاف الظن الممنوع فانه لا يصلح ان يكون مانعا عن الظن المانع، لان الظن الممنوع لا يدل على عدم حجية الظن المانع، و انما حجيته تنافي حجية الظن المانع، فالانسداد مقتض بلا مانع بالنسبة الى حجية المانع، بخلافه بالنسبة للظن الممنوع فانه مقتض مقترن بالمانع.

223

.....

____________

و الحاصل: ان الاقتضاء تام بالنسبة الى الظن المانع، لان الظن الممنوع لا يمنع عن حجيته و انما يزاحمها، و اما بالنسبة الى الممنوع فانه حيث كان الظن المانع و اصلا فالاقتضاء بالنسبة اليه قد اقترن بالمانع، فحجية الظن الممنوع تتوقف على عدم حجية الظن المانع، و حجية الظن المانع لا تتوقف على عدم حجية الظن الممنوع، فالظن الممنوع بعد ان كانت حجيته متوقفة على عدم حجية الظن المانع لا يعقل ان يكون مانعا عن حجية الظن المانع، و اما الظن المانع فلا تتوقف حجيته على عدم الظن الممنوع، فلا مانع من ان يكون مانعا عن حجية الظن الممنوع.

و بعبارة اخرى: ان شمول الحجية للظن المانع تقتضي انتفاء ملاك الحجية في الظن الممنوع، لوضوح انه بعد ان كانت دلالة الظن المانع هي عدم حجية الظن الممنوع فمعنى شمول الحجية لما كانت دلالته كذلك هو انتفاء حجية الممنوع، بخلاف شمول الحجية للظن الممنوع فانها ليس معناها انتفاء حجية الظن المانع، لفرض كون دلالة الظن الممنوع هي وجوب الصلاة لا عدم حجية الظن المانع.

نعم، كون الظن الممنوع حجية يزاحم حجية الظن المانع لا انه يرفع حجيته، و اذا كان هناك فردان احدهما شمول الحجية له غير موقوف على عدم حجية الآخر، بخلاف الفرد الآخر فان شمول الحجية له تكون موقوفة على عدم شمول الحجية للفرد الآخر، فلا بد و ان يكون الحجة هو الفرد الذي لا تكون حجيته موقوفة على شي‏ء، دون الثاني لان حجيته موقوفة على عدم شمول الحجية للفرد الاول، فشمول الحجية بالنسبة الى الفرد الاول و هو الظن المانع لا مانع عنها، بخلافها بالنسبة الى الظن الممنوع فانها مقترنة بالمانع، فتختص الحجية بالظن المانع دون الممنوع، و هذا هو مراد من قال: ان الظن المانع و الممنوع بالنسبة الى دليل الانسداد من قبيل دوران الامر بين التخصيص و التخصص، و التخصص اولى.

و مثله مراد من قال: ان الظن المانع و الممنوع من قبيل الاصل السببي و المسببي، و الاصل السببي هو الحجة دون الاصل المسببي.

224

.....

____________

و الحاصل: ان تقدم الظن المانع من قبيل التخصص و الممنوع من قبيل التخصيص، و كلما دار الامر بين التخصص و التخصيص فالتخصص اولى، او ان الظن المانع من قبيل الاصل السببي و الظن الممنوع من قبيل الاصل المسببي، و اذا كان الدليل شاملا للاصل السببي فيخرج الاصل المسببي عن ان يكون مشمولا للدليل.

الوجه الثاني ما اشار اليه الماتن بقوله: «فالتحقيق»، و حاصله: ان الموجب لاختصاص الحجية بالظن المانع دون الممنوع هو ما تقدم في المسألة السابقة: من ان حجية الظن معلقة على عدم احتمال المانع عن الحجية، و انه لا استقلال للعقل بحجية ظن احتمل المنع عنه فضلا عن ان يظن بالمنع عنه، فمع وجود الظن المانع عن حجية الظن الممنوع لا استقلال للعقل بحجيته، فالانسداد غير موجب لحجية الظن الممنوع حتى يكون مزاحما لحجية الظن المانع، لان احتمال المنع عن حجية الظن كاف في عدم اقتضاء مقدمات الانسداد لحجيته فضلا عن الظن بالمنع عن حجيته.

و بعبارة اخرى: قد مر انه لا مانع من المنع شرعا عن بعض الظنون في حال الانسداد، و لازم هذا هو اختصاص استقلال العقل بحجية الظن الذي لا يحتمل المنع عنه، و هو الظن الذي يقطع بعدم المنع عنه، فان وفى بمعظم الفقه و إلّا فيتنزل الى الظن الذي لا يكون المنع عنه مظنونا.

فاتضح مما ذكرنا: ان الظن الممنوع ليس بحجة قطعا، لفرض وجود الظن بالمنع عنه و مقدمات الانسداد قاصرة عن شمول حجيتها له، و الى هذا اشار بقوله:

«فالتحقيق ان يقال بعد تصور المنع» من الشارع «عن بعض الظنون في حال الانسداد» فلازمه كون استقلال العقل بحجية الظن موقوفة على احراز عدم المنع من الشارع، و لازم هذا «انه لا استقلال للعقل بحجية ظن احتمل المنع عنه فضلا عما اذا ظن» المنع عنه كما هو المفروض في الظن الممنوع من قيام الظن المانع على المنع عنه «كما اشرنا اليه في الفصل السابق» من كون لازم امكان المنع احتمال المنع في غير ما قطع بعدم المنع عنه.

225

احتمل، مع قطع النظر عن مقدمات الانسداد، و إن انسد باب هذا الاحتمال معها، كما لا يخفى، و ذلك ضرورة أنه لا احتمال مع الاستقلال حسب الفرض (1).

____________

«ف» اتضح انه «لا بد» في حال الانسداد «من الاقتصار على ظن قطع بعدم المنع عنه بالخصوص فان كفى» بالمعظم «و إلّا ف» يتنزل الى «ضميمته ما لم يظن بالمنع عنه».

فتبين من هذا ان الظن الممنوع لا اقتضاء لحجيته لفرض قيام الظن بالمنع عنه.

(1) هذا دفع لما يمكن ان يتوهم: من ان الظن لا بد من ان يكون مقطوع الحجية، فكيف يمكن ان يكون الظن الذي لا يظن بالمنع عنه حجة؟ فان ظاهر هذا هو كون الظن المحتمل المنع عنه حجة، و قد صرح ان الظن الذي يحتمل المنع عنه ليس بحجة و لا استقلال للعقل بحجيته.

فدفع هذا التوهم بان احتمال المنع عنه انما هو مع الغض عن دليل الانسداد، و إلّا فبملاحظة دليل الانسداد و عدم كفاية ما يقطع بالمنع عنه للوفاء بالمعظم يقطع بعدم المنع عن هذا الظن بالفعل و ان احتمل المنع عنه مع الغض عن الانسداد، لان لازم تنجز الاحكام و عدم اهمالها و لزوم امتثالها لها و انحصار الامتثال بالظن مع عدم كفاية ما يقطع بعدم المنع عنه يحصل القطع بعدم المنع فعلا عن هذا الظن الذي يحتمل المنع عنه في غير حال الانسداد، و لذا قال بعد قوله: «فبضميمة ما لم يظن» ب «المنع عنه و ان احتمل» المنع عنه «مع قطع النظر عن مقدمات الانسداد» أي لا ينبغي ان يتوهم أن هذا الذي لا يظن المنع عنه و ان احتمل المنع عنه هو محتمل المنع بملاحظة حال الانسداد، بل هو محتمل المنع مع قطع النظر عن حال الانسداد، لما عرفت من انه بملاحظة حال الانسداد يكون مما قطع بعدم المنع عنه، و لذا قال (قدس سره): «و ان انسد باب هذا الاحتمال» أي باب احتمال المنع «معها» أي مع ملاحظة حال الانسداد، فانه مع ملاحظتها يكون مما قطع بعدم المنع عنه.

226

و منه انقدح أنه لا تتفاوت الحال لو قيل بكون النتيجة هي حجية الظن في الاصول أو في الفروع أو فيهما، فافهم (1).

____________

ثم اشار الى سبب عدم احتمال المنع عنه بملاحظة حال الانسداد بقوله: «و ذلك ضرورة انه لا احتمال» للمنع عن هذا الظن بالفعل مع عدم كفاية ما قطع بعدم المنع عنه مع تنجز الاحكام او انحصار امتثالها بالظن، فانه «مع» هذه الامور يحصل «الاستقلال» للعقل بحجية هذا الظن فعلا «حسب الفرض» من تنجز الاحكام و عدم الوفاء من دون ضم هذا الظن و انحصار الامتثال بالظن.

(1) لا يخفى ان الوجه الثالث لحجية خصوص الظن المانع دون الممنوع، هو انه بناء على كون نتيجة دليل الانسداد هو حجية الظن بالاصول دون الظن بالفروع، فالظن القائم على عدم حجية الظن بوجوب صلاة الجمعة مثلا هو الحجة دون الظن القائم على وجوب الجمعة، لان حجية الظن الانسدادي مما تختص بالظن المانع لانه من الظنون الاصولية دون الظن بالممنوع، لانه من الظن بالفرع الخارج عما تقتضيه الحجية في الانسداد.

و فيه- قبل التعرض لما ذكره المصنف من الايراد عليه- ان الظن الممنوع قد يكون من الاصول ايضا كما لو قام الظن المانع على عدم حجية الظن الحاصل من الشهرة فيكون هذا الجواب اخص من المدعى.

و أما ما أشار اليه المصنف فحاصله: انه بعد ما عرفت من ان العقل لا يستقل بحجية الظن الذي يحتمل المنع عنه، فسواء قلنا بكون النتيجة هي حجية خصوص الظن بالاصول او خصوص الظن بالحكم او هما معا، فان لازم الكل هو عدم حجية الظن الممنوع، لانه فيما اذا قلنا بان النتيجة هي خصوص الظن بالحكم، فالظن المانع و ان كان غير حجة بمقتضى دليل الانسداد لانه من الظنون الاصولية، إلّا انه لا ريب في ان الظن بالحكم يكون مما احتمل المنع عنه، فالظن الممنوع لا يكون داخلا في الظن الذي هو حجة في الانسداد، لانه يختص بالظن الذي يقطع بعدم المنع عنه،

227

[الظن بالفاظ الآية او الرواية]

فصل لا فرق في نتيجة دليل الانسداد، بين الظن بالحكم من أمارة عليه، و بين الظن به من أمارة متعلقة بألفاظ الآية أو الرواية، كقول اللغوي فيما يورث الظن بمراد الشارع من لفظه، و هو واضح (1)، و لا يخفى أن‏

____________

فكون الظن المانع حجة في الانسداد او غير حجة لا يتفاوت حاله بالنسبة الى انه يوجب كون الظن الممنوع مما احتمل المنع عنه، و قد عرفت ان استقلال العقل بحجية الظن في الانسداد معلقة على عدم احتمال المنع، و مع احتمال المنع لا حكم للعقل بحجية الظن.

فاتضح: انه لا يتفاوت الحال حتى لو قلنا بان النتيجة هي خصوص الظن بالفروع دون الظن بالاصول، و اما لو قلنا بحجيتهما معا فكون الظن الممنوع مما قامت الحجة بحسب الانسداد على عدم حجيته مما لا ريب فيه، لفرض كون الظن المانع حجة كالظن الممنوع، لفرض حجية الظن بالاصول و الفروع معا، و الموجب لاختصاص الحجية بالظن المانع هو ما ذكرناه من كون الظن الممنوع مما ظن بالمنع عنه، و لا استقلال للعقل بحجية ظن احتمل المنع عنه فضلا عما ظن بالمنع عنه، و لذا قال (قدس سره): «و منه انقدح»، ان وجه الانقداح هو اختصاص حكم العقل في حال الانسداد بحجية الظن الذي لا يحتمل المنع عنه، فانه منه يتضح «انه لا تتفاوت الحال لو قيل بكون النتيجة» في الانسداد «هي حجية» خصوص «الظن في الاصول او» قيل بكون النتيجة هي خصوص الظن «في الفروع او» قيل بكون النتيجة هي الحجية «فيهما» أي الظن بالاصول و الفروع معا، فانه على كل حال يكون الظن الممنوع غير حجة لاحتمال المنع عنه.

(1) حاصله: ان نتيجة دليل الانسداد هي حجية الظن بالحكم الشرعي، لان الظن بما هو ظن ارجح من الوهم و الشك، فالانسداد يقتضي حجية الظن الشخصي بالحكم سواء كان الظن بالحكم قد حصل من أمارة قائمة على الحكم، او كان الظن بالحكم‏

228

.....

____________

قد تعلق اولا و بالذات بالفاظ آية او بألفاظ رواية كانت مسلمة الحجية من حيث السند و لكن دلالتها كانت غير معلومة، لان الفاظ الآية او الرواية غير واضحة الدلالة، فحصل الظن من قول اللغوي في تفسير الفاظهما، فان هذا الظن و ان تعلق اولا و بالذات بألفاظ الرواية او الآية إلّا انه ينتهي الى الظن بالحكم الكلي الذي قد تضمناه، و لما كان المدار في الانسداد على الظن بالحكم فلا فرق بين الظن به بلا واسطة او مع الواسطة.

ثم ان هذا لا ربط له بكون قول اللغوي حجة بالخصوص اولا، لان الظن الحاصل من قوله حجة في الانسداد لانه ظن، لا لانه قد حصل من قول اللغوي، فان قول اللغوي و ان قلنا بعدم حجيته بالخصوص إلّا انه بعد ان حصل الظن منه فالظن الحاصل منه لانه ظن بالحكم في حال الانسداد حجة و ان كان قول اللغوي ليس بحجة، و لا مدخل لحجية قول اللغوي و عدم حجيته بذلك.

و الى هذا اشار بقوله: «لا فرق في نتيجة دليل الانسداد» بعد ان كانت هي حجية الظن بالحكم بما هو ظن بالحكم الكلي «بين الظن بالحكم» الحاصل «من امارة» تقوم «عليه» بلا واسطة «و بين الظن به» مع الواسطة بان يحصل الظن بالحكم الكلي «من امارة متعلقة» اولا و بالذات «بالفاظ الآية او الرواية كقول اللغوي» فان متعلق تفسيره هو الفاظ الآية او الرواية، و لكن حيث كان ذلك الظن ينتهي الى الظن بالحكم الكلي فهو حجة، لكونه بالنتيجة كان ظنا بالحكم الكلي و ان كان مع الواسطة، فقول اللغوي «فيما يورث الظن بمراد الشارع من لفظه» في الآية او الرواية المنتهى الى الظن بالحكم الشرعي حجة لكونه ظنا بالحكم و هو واضح.

229

اعتبار ما يورثه لا يختص ظاهرا بما إذا كان مما ينسد فيه باب العلم، فقول أهل اللغة حجة فيما يورث الظن بالحكم مع الانسداد، و لو انفتح باب العلم باللغة في غير المورد (1).

نعم لا يكاد يترتب عليه أثر آخر من تعيين المراد في وصية أو إقرار أو غيرهما من الموضوعات الخارجية، إلا فيما يثبت فيه حجية مطلق الظن‏

____________

(1) بعد ما عرفت من ان الظن الحاصل من قول اللغوي انما كان حجة في الانسداد لانه ظن بالحكم الكلي، لا لحجية قول اللغوي بالخصوص، بل هو حجة مع القول بان قول اللغوي ليس بحجة يتضح لك انه لا حاجة الى ترتيب الانسداد في اللغة، لان ترتيب مقدمات الانسداد في اللغة انما تنفع في اثبات حجية قول اللغوي، لا فيما كان الظن بما هو ظن حجة، فلو فرضنا انفتاح باب العلم باللغة في جميع الموارد عدا تلك الالفاظ الواردة في الآية او الرواية لكان الظن الحاصل من قول اللغوي حجة فيهما، حيث يكون انسداد في الاحكام، و لذا قال (قدس سره): «و لا يخفى ان اعتبار ما يورثه» قول اللغوي من الظن «لا يختص ظاهرا» بحجية قول اللغوي حتى يتوقف حجية الظن الحاصل من قوله على حجية الظن الحاصل من قوله على حجية قوله فتحتاج في الانسداد الى اثبات انسداد خاص به، فيكون الظن الحاصل من قوله حجة مختصا «بما اذا كان» قول اللغوي «مما ينسد فيه باب العلم» بالخصوص، و لما لم يكن كذلك، بل كان الظن الحاصل من قوله حجة لانه ظن في حال الانسداد بالاحكام «ف» لذلك كان «قول اهل اللغة حجة فيما يورث الظن بالحكم مع الانسداد» في الاحكام «و لو انفتح باب العلم باللغة في غير المورد» مما يتعلق بالفاظ الآية او الرواية، فانه من الواضح انه لو كان الامر مرتبطا بحجية قول اللغوي لما كان الظن الحاصل من قوله حجة في فرض انفتاح باب العلم باللغة.

230

[حجية الظن الحاصل من قول الرجالي‏]

بالخصوص، أو ذاك المخصوص (1)، و مثله الظن الحاصل بحكم شرعي كلي من الظن بموضوع خارجي، كالظن بأن راوي الخبر هو زرارة بن أعين مثلا، لا آخر (2).

____________

(1) لا يخفى ان الانسداد المفروض انما هو في الاحكام الكلية، فالظن المتعلق بكلي الحكم الاقراري او بكلي الحكم بالوصايا- مثلا- هو الذي يكون قول اللغوي حجة فيه فيما اذا أورث الظن بالفاظ رواية مؤداها حكم كلي فيهما.

اما في مصداق الحكم الكلي كما لو شك في تعيين مراد المقر في اقراره او مراد الموصي في وصيته، فلا يكون الظن الحاصل من قول اللغوي حجة فيه، لوضوح ان المتحصل منهما ليس حكما كليا، و الذي يكون قول اللغوي حجة فيه من جهة الانسداد هو الحكم الكلي دون الحكم الجزئي لانه لا انسداد فيه، فلا يكون قول اللغوي الموجب للظن فيه حجة.

نعم، اذا ثبت بدليل خاص حجية مطلق الظن، او ثبت بالدليل الخاص حجية الظن في خصوص الاقرار او الوصية- مثلا- يكون حينئذ الظن الحاصل من قول اللغوي المتعلق بالفاظ المقر او ألفاظ الموصي حجة، و الى هذا اشار بقوله: «نعم لا يكاد يترتب عليه» أي على قول اللغوي «اثر آخر» غير المتعلق بالحكم الكلي فيما اذا كان متعلقا بغيره من الحكم الجزئي، كما لو لم يظهر الحال «من تعيين المراد في وصية» لموص «او اقرار» لمقر «او» في «غيرهما من الموضوعات الخارجية» فحصل الظن من قول اللغوي في الفاظ الوصية او الاقرار، فان هذا الظن ليس بحجة، و لا يكون الظن الحاصل من قول اللغوي حجة في الموضوعات الخارجية «الا فيما يثبت فيه حجية مطلق الظن» بدليل يدل عليه «بالخصوص او» ثبت بالدليل الخاص حجية الظن في «ذاك الموضوع المخصوص».

(2) هذا معطوف على قول اللغوي المتعلق بالحكم الكلي، فقد عرفت حجية الظن الحاصل منه في حال الانسداد، و مثله في الحجية هو الظن الحاصل من التمييز بين‏

231

فانقدح أن الظنون الرجالية مجدية في حال الانسداد، و لو لم يقم دليل على اعتبار قول الرجالي (1)، لا من باب الشهادة و لا من باب الرواية (2).

____________

المشتركات في الرجال في كون الراوي للرواية الفلانية هو زرارة بن اعين الثقة دون زرارة بن لطيفة المجهول، فان هذا الظن الحاصل من قولهم مما ينتهي الى الظن بالحكم الكلي لكنه مع الواسطة، و قد عرفت عدم الفرق بين الظن المتعلق بالحكم بلا واسطة او به مع الواسطة، فشأن هذا الظن شأن قول اللغوي في انه في حال الانسداد حجة، و هو مثله ايضا في انه ينتهي الى الظن بالحكم الكلي مع الواسطة، فلا فرق بين ظن متعلق بالفاظ الرواية و بين ظن متعلق بموضوع خارجي في كون كل منهما ينتهي الى الظن بالحكم الكلي، و لذا قال (قدس سره): «و مثله» أي و مثل الظن الحاصل بالحكم الكلي من قول اللغوي في الحجية هو «الظن الحاصل بحكم شرعي كلي» قد حصل «من الظن بموضوع خارجي كالظن بان راوي الخبر هو زرارة بن اعين مثلا» الثقة دون زرارة «الآخر» غير الثقة.

(1) وجه الانقداح واضح، فان الظن الحاصل من قول اللغوي انما كان حجة لا لكون قول اللغوي حجة، بل لحجية الظن المتعلق بالحكم الكلي في حال الانسداد، و لما كان قول اللغوي موجبا للظن كان قول اللغوي حجة بهذا المعنى، مع القول بعدم حجية قول اللغوي في نفسه، فالظن الحاصل من اقوال الرجال المتعلق بالحكم الكلي في حال الانسداد حجة من هذا الطريق، لا من جهة حجية الظن الرجالي في نفسه، بل مع القول بعدم حجية الظنون الرجالية مع ذلك تكون نافعة و مجدية في حال الانسداد، لانها مما تنتهي الى الظن بالحكم الكلي، و الى هذا اشار بقوله: «فانقدح ان الظنون الرجالية مجدية الى آخر الجملة».

(2) الفرق بين باب الشهادة و باب الرواية هو اشتراط التعدد في باب الشهادة، بان يكون الشاهد اكثر من واحد، بخلاف باب الرواية فانه لا يشترط التعدد فيها، فيكفي في باب الرواية الراوي الواحد.

232

تنبيه: لا يبعد استقلال العقل بلزوم تقليل الاحتمالات المتطرقة إلى مثل السند أو الدلالة أو جهة الصدور، مهما أمكن في الرواية، و عدم الاقتصار على الظن الحاصل منها بلا سد بابه فيه بالحجة من علم أو علمي، و ذلك لعدم جواز التنزل في صورة الانسداد إلى الضعيف مع التمكن من القوي أو ما بحكمه عقلا، فتأمل جيدا (1).

____________

و بعبارة اخرى: ان اول حد في باب الشهادة هو الاثنان و لكنه لا يشترط فيما يزيد على الاثنين، و أول الحد في باب الرواية هو الواحد و هو ايضا لا يشترط من حيث ما يزيد على الواحد.

(1) توضيحه: ان الملاك لحجية الظن في حال الانسداد لانه ارجح، فتجب الاطاعة الظنية لانها ارجح من الوهمية و الشكية، و بهذا المناط يترجح الظن القوي على الظن الضعيف، فمهما امكن تحصيل الظن القوي لا يتنزل عنه الى الظن الضعيف، لان القوي ارجح من الضعيف، و ترجيح المرجوح على الراجح قبيح و لا بد من الاخذ بالراجح اذا امكن.

و لا يخفى ايضا ان في الخبر جهات ثلاث: الصدور و هي حيثية سند الرواية، و الدلالة و هي حيثية ظهور الرواية، و جهة الصدور و هي كون الحكم صادر البيان الواقع في الرواية.

و لا يخفى ان حصول الجهات الثلاث بالعلم موجب لخروج الرواية عن فرض الانسداد لانه يكون من باب الانفتاح حقيقة، و مثله حصول الجهات الثلاث بالعلمي فانه موجب للخروج ايضا عن الانسداد لانه انفتاح حكما، ففرض الانسداد يقتضي الكلام في امكان حصول بعض هذه الجهات الثلاث بالعلم أو العلمي لا كلها، فمع امكان تحصيل العلم أو العلمي في بعض الجهات هل يجب تحصيله أو لا؟

233

.....

____________

و بعد ما عرفت من تعدد الجهات في الخبر فاحتمال الخلاف في الحكم الذي هو مؤدى الخبر يتعدد ايضا، لاحتمال كونه غير صادر و احتمال كونه غير ظاهر و احتمال كونه غير صادر لبيان الواقع بان يكون لتقية او غيرها.

و من الواضح: انه قيام العلم أو العلمي على جهة واحدة او جهتين منها موجب لقوة الظن بالحكم، و قد عرفت لزوم تحصيل الظن القوي مهما امكن، فاذا امكن تقليل احتمال الخلاف في الخبر في جهة واحدة أو جهتين فالعقل يحكم بلزوم ذلك لاقتضائه قوة الظن بالحكم، فاذا احتملنا تحصيل علم او علمي يقوم على جهة واحدة او جهتين في الرواية يجب الفحص عن ذلك ليقوي الظن بالحكم، فيلزم سد باب الاحتمال مهما امكن.

و قد اشار (قدس سره) الى لزوم تقليل الاحتمالات بقوله: «لا يبعد استقلال العقل بلزوم تقليل الاحتمالات» و اشار الى الجهات الثلاث في الرواية بقوله:

«المتطرقة الى مثل السند او الدلالة او جهة الصدور» و اشار الى عدم صحة الاقتصار على الظن الضعيف حيث يمكن تحصيل الظن القوي بقوله: «و عدم الاقتصار على الظن الحاصل منها» أي من الرواية «بلا سد بابه» أي بلا سد باب الاحتمال «فيه» تذكير الضمير في (فيه) يقتضي عدم رجوعه الى الرواية، و هو اما ان يرجع الى استقلال العقل، او يرجع الى الانسداد و ان لم يتقدم للفظه ذكر، لكنه هو موضوع الكلام في هذا التنبيه و هذه الفصول، و على كل فلا بد من سد باب الاحتمال مهما امكن «بالحجة من علم او علمي».

ثم اشار الى العلة في ذلك، و هو مناط الأرجحية في الظن القوي على الظن الضعيف بقوله: «و ذلك لعدم جواز التنزل في صورة الانسداد الى الظن الضعيف مع التمكن من القوي» حقيقة بواسطة تقليل الاحتمال بالعلم «او» في «ما بحكمه» أي بحكم العلم و هو العلمي، و قد عرفت لزوم ذلك «عقلا».

234

[الظن بمقام التكليف و الظن بمقام الإتيان به‏]

فصل إنما الثابت بمقدمات دليل الانسداد في الاحكام هو حجية الظن فيها، لا حجيته في تطبيق المأتي به في الخارج معها، فيتبع مثلا في وجوب صلاة الجمعة يومها، لا في إتيانها، بل لا بد من علم أو علمي بإتيانها، كما لا يخفى (1).

____________

(1) توضيحه: ان لنا مقامين: مقام التكليف، و مقام الاتيان به، و من الواضح ان مجرى دليل الانسداد المقتضي لحجية الظن هو مقام التكليف و الحكم الكلي، لان مقدمات الانسداد المنتجة لحجية الظن هي العلم بالتكاليف الكلية، و انسداد باب العلم و العلمي فيها الى آخر المقدمات المذكورة مفصلا.

و اما المقام الثاني و هو إتيان التكليف و تطبيقه على الفعل الخارجي فهو خارج عن مجرى دليل الانسداد، فانه لا علم اجمالي فيه و لا انسداد لباب العلم فيه، فلا وجه لدعوى حجية الظن الانسدادي فيه.

و لكنه يمكن ان يدعى ان وجه التوهم لكفاية الظن في مقام الإتيان و التطبيق هو ان جل التكاليف ثابتة بالظن دون العلم، فاشتراط العلم بالتطبيق لا يفيد العلم بامتثال الحكم الواقعي، لان الحكم بعد ان كان ثبوته بالظن، و النتيجة بالضرورة تابعة لأخس المقدمات، فسواء علم باتيان التكليف في الخارج او ظن باتيانه فالنتيجة دائما هي الظن باتيان الحكم الواقعي، فلا وجه لاشتراط العلم بالإتيان و انطباقه على الخارج، نعم في ما اذا علم بالاتيان للتكليف المظنون يكون الظن باتيان الواقع اقوى مما اذا كان الإتيان به بنحو الظن.

و يرد عليه أولا: انه لا بد من اتباع الاقوى مهما امكن.

و ثانيا: ان حجية الظن عقلا على الحكومة في الانسداد او شرعا بناء على الكشف هو كون الظن منجزا للواقع لو اصاب و معذرا لو أخطأ، و لا بد على فرض‏

235

نعم ربما يجري نظير مقدمات الانسداد في الاحكام في بعض الموضوعات الخارجية، من انسداد باب العلم به غالبا، و اهتمام الشارع به بحيث علم بعدم الرضا بمخالفته الواقع بإجراء الاصول فيه مهما أمكن، و عدم وجوب الاحتياط شرعا (1)

____________

الاصابة من الاتيان بالتكليف الواقعي، و مع الاكتفاء بالظن في مقام الاتيان لا يحرز الاتيان بالتكليف الواقعي على فرض الاصابة.

و بعبارة اخرى: انه لا بد من احراز المؤمن عن عهدة التكليف الثابت و لو بالظن، و مع الاتيان به ظنا لا يحرز المؤمن عن عهدته، لاحتمال عدم اتيان ما هو الواقع مع احتمال كون الظن بالتكليف قد اصاب الواقع، بل لا بد اما من العلم او من العلمي كالبينة او مثل قاعدة التجاوز او الفراغ، و لذا قال (قدس سره): «انما الثابت بمقدمات دليل الانسداد في الاحكام هو حجية الظن فيها» أي في الاحكام لانها هي المجرى لمقدمات الانسداد، و «لا» تقتضي مقدمات الانسداد «حجيته» أي حجية الظن «في» مقام «تطبيق المأتي به في الخارج معها» أي مع الاحكام فانه مقام آخر غير مقام الظن بالاحكام.

ثم فرع عليه بقوله: «فيتبع مثلا في وجوب صلاة الجمعة يومها» أي انما يتبع الظن الانسداد في اتيانه لوجوب صلاة الجمعة في يوم الجمعة، و «لا» يتبع في مقام «اتيانها» أي اتيان صلاة الجمعة خارجا، بان يكتفي المكلف باتيان صلاة الجمعة ظنا «بل لا بد من علم او علمي باتيانها» أي لا بد في مقام امتثالها من علم المكلف بالاتيان بها، أو قيام علمي بالخصوص على اتيانها، كما لو شك المكلف باتيانها و قامت عنده البينة باتيانها، او شك في اتيان اجزائها او شرائطها و احرزها بقاعدة التجاوز او الفراغ.

(1) قد عرفت ان محل الانسداد و حجية الظن هو الاحكام الكلية دون غيرها لا في مقام التطبيق، و من موارده هو الاحتمال الناشئ من الموضوعات الخارجية، فانه‏

236

أو عدم إمكانه عقلا، كما في موارد الضرر المردد أمره بين الوجوب و الحرمة مثلا، فلا محيص عن اتباع الظن حينئذ أيضا (1)،

____________

- مثلا- بعد قيام الظن بالتكليف الكلي و لو بالانسداد باشتراط مأكولية اللحم او الطهارة في لباس المصلي، فعلمنا ان احد الثوبين من غير مأكول اللحم او علمنا بنجاسة احدهما، و لكنا ظننا بان احدهما بخصوصه هو من المأكول او انه هو الطاهر فلا مجال لحجية الظن في هذا المقام، بل لا بد من الرجوع فيه الى الاصول، فان احرزت طهارة احدهما- مثلا- بان كان احدهما مستصحب النجاسة و الآخر مستصحب الطهارة فهو المرجع، و إلّا فلا بد من تركهما معا و الصلاة في غيرهما.

نعم، فيما لو علمنا باهتمام الشارع في مورد من الموارد بالخصوص بحيث احرزنا انه لا يرضى بالترك للامتثال فيما اذا اقتضت الاصول ذلك، فمع احراز الاهتمام كذلك و انسداد باب العلم و العلمي فلا بد حينئذ من الرجوع الى الظن، فيكون هذا الانسداد في الموضوع الخارجي الذي له حكم جزئي نظير الانسداد في الحكم الكلي، و يكون الظن هو المتبع فيه كالظن في مقام الانسداد في الاحكام الكلية.

و الحاصل: انه في هذا المورد الخاص يجري انسداد مختص به، و مقدماته هو العلم بلزوم امتثال هذا الحكم للعلم باهتمام الشارع فيه، و انسداد باب العلم و العلمي في مقام امتثاله، و عدم وجوب الاحتياط شرعا في مقام الامتثال، او عدم امكان الاحتياط فيه، و سيأتي بيان مثاله و عدم جواز الرجوع فيه الى الاصول، فحينئذ يتعين الظن في مقام امتثاله، و قد اشار الى انه نظير الانسداد في الاحكام الكلية بقوله: «ربما يجري نظير مقدمات الانسداد الى آخر الجملة» و اشار الى مقدمات الانسداد في مورد هذا الموضوع الخارجي بقوله: «من انسداد باب العلم به غالبا و اهتمام الشارع به الى آخر الجملة».

(1) قد أشار الى مثاله في المتن و هو موارد الضرر، و قد نقل عنه (قدس سره) مثال آخر غير موارد الضرر، و هو ما اذا ضاق الوقت بحيث لا يسع إلّا صلاة واحدة في احد

237

.....

____________

الثوبين المردد امرهما بين الماكولية و غير الماكولية، بان علم ان احدهما من غير المأكول، و من الواضح اهتمام الشارع بالصلاة بحيث لا يجوز تركها بحال، و من الواضح ايضا لزوم كون الساتر من المأكول، و قد انسد باب العلم و العلمي بمعرفة غير المأكول فلا يجوز الرجوع الى البراءة عن وجوب الصلاة المشترطة بالساتر بعد تردده بين المأكول و غير المأكول، فيتعين الرجوع الى الظن في تمييز الساتر غير المأكول من الساتر المأكول، فان حصل الظن بان احدهما من الساتر المأكول عمل بموجبه، و إلّا فيصلي عريانا او يتخير بين الصلاة عريانا و الصلاة في احد الثوبين.

و لا يخفى انه كان مثالا لعدم امكان الاحتياط عقلا بفرض ضيق الوقت الا عن صلاة واحدة.

و اما ما ذكره مثالا في الكتاب و هو موارد الضرر ..

فتوضيحه: ان ما يوجب استعماله الضرر حرام واقعا، فاحتمل المكلف ان في استعمال الماء في الوضوء او الغسل ضرر، فيدور امر استعمال الماء في الغسل او الوضوء بين كونه واجبا واقعا لاشتراط الصلاة بالطهارة اما وضوءا او غسلا فيما اذا لم يكن مضرا، و بين كونه حراما واقعا فيما اذا كان مضرا واقعا، و من الواضح ان ما يدور امره بين الوجوب و الحرمة لا يمكن الاحتياط فيه عقلا، و قد انسد باب العلم و العلمي بمعرفة كونه مضرا او غير مضر، و من الواضح اهتمام الشارع بالصلاة و لا يجوز تركها بحال، فلا مناص حينئذ من اتباع الظن لو امكن حصوله في كون استعمال الماء مضرا او غير مضر، فان حصل الظن بكونه مضرا ترك الطهارة المائية و صار فرضه الطهارة الترابية، و ان حصل الظن بعدم الضرر استعمل الماء في الطهارة الوضوئية او الغسلية، و الى هذا اشار بقوله: «كما في موارد الضرر المردد أمره بين الوجوب» لكونه شرطا في الوضوء أو الغسل «و الحرمة مثلا» لكونه مضرا واقعا «فلا محيص عن اتباع الظن حينئذ ايضا» كما يتبع في مورد الانسداد في الاحكام الكلية.

238

فافهم (1).

[خاتمة: و فيها امران:]

خاتمة: يذكر فيها أمران استطرادا: الاول: هل الظن كما يتبع عند الانسداد عقلا في الفروع العملية، المطلوب فيها أولا العمل بالجوارح، يتبع في الاصول الاعتقادية المطلوب فيها عمل الجوانح من الاعتقاد به و عقد القلب عليه و تحمله و الانقياد له، أو لا؟ الظاهر لا (2)، فإن الامر

____________

(1) لعله اشارة الى ان المتحصل من الاخبار هو كون الموضوع لجواز الاستعمال و عدمه هو خوف الضرر العقلائي و ان لم يكن بالغا درجة الظن، بل و لو كان وهما و لكنه كان عقلائيا، كما لو حصل الاحتمال للضرر من قول الطبيب العارف و لكنه لم يحصل من قوله الظن، فان هذا الاحتمال عقلائي و ان لم يكن بالغا مرتبة الظن، فاذا كان المدار على خوف الضرر العقلائي و هو امر وجداني اما ان يحصل او لا يحصل، فلا يدور الامر في موارد الضرر بين الوجوب و الحرمة، بل الفرض اما ان يكون هو وجوب استعمال الماء للوضوء أو الغسل حيث لا يحصل خوف من استعمال الماء، و اما ان يكون الفرض الطهارة الترابية حيث يحصل خوف من استعمال الماء، و حصول الخوف و عدمه امر وجداني لا واقعي، بخلاف ما اذا كان الموضوع هو الضرر الواقعي فانه يمكن فيه الدوران بين الوجوب و الحرمة واقعا لانه امر واقعي.

(2) الامر الاول في هذه الخاتمة هو: انه قد مر حكم العقل في الفروع بلزوم التنزل الى الظن حيث ينسد باب العلم فيها، فهل العقل يحكم في الاصول الاعتقادية بلزوم التنزل الى الظن فيها فيما اذا انسد باب العلم بها كما حكم في الفروع أو لا؟

و ينبغي بيان امرين توضيحا لعبارة المتن:

الاول: ان المطلوب في الفروع هو العمل الجارحي: أي الفعل الذي تقوم به الجوارح، و هي الاعضاء كاليد و الرجل و اللسان كما في الصلاة و الحج و امثالهما، او ما يتعلق بأمر خارجي كالزكاة فان المطلوب فيها اعطاء المال.

239

.....

____________

و اما في الاصول الاعتقادية فالمطلوب فيها هو العمل الذي تقوم به الجوانح كالعلم بها و عقد القلب عليها و تحملها: أي جعلها من محمولات القلب و البناء على الانقياد لها.

لا يقال: ان الفروع ايضا لها عمل تقوم به الجوانح كما تقوم بفعلها الجوارح و هو الالتزام بها.

فانه يقال، اولا: انه قد مر في باب القطع عدم وجوب الالتزام بها، و ان المطلوب فيها ليس إلّا العمل الاعضائي دون العمل القلبي.

و ثانيا: و على فرضه فنقول: ان الفرق بين الفروع و الاصول الاعتقادية هو ان المسلم في الفروع هو طلب العمل الجارحي، و اما العمل الجانحي ففيه خلاف، و على فرض القول به فهو مطلوب ثان غير العمل الجارحي، و اما في الاصول الاعتقادية فالمطلوب فيها ليس إلّا العمل الجانحي من العلم و عقد القلب و امثالها دون العمل الجارحي.

الامر الثاني: ان عقد القلب امر غير العلم و التصديق بالشي‏ء، كما مر بيانه في مبحث اتحاد الطلب و الارادة، و يدل عليه- مضافا الى شهادة الوجدان بان عقد القلب و البناء القلبي غير العلم و التصديق- قوله تعالى حاكيا عن الكفار بالنسبة الى رسالة النبي (صلى اللّه عليه و آله و سلم) وَ جَحَدُوا بِها وَ اسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ‏ (1) بناء على ان المراد من الجحود بها هو البناء القلبي على عدم التصديق بها، و ان كانوا قد صدقوا بها واقعا دون الجحود اللساني.

و قد اشار بقوله: «هل الظن كما يتبع عند الانسداد عقلا في الفروع العملية» التي هي «المطلوب فيها اولا العمل بالجوارح» و في قوله اولا اشارة الى ان الفروع‏

____________

(1) النمل: الآية 14.

240

الاعتقادي و إن انسد باب القطع به، إلا أن باب الاعتقاد إجمالا- بما هو واقعه و الانقياد له و تحمله- غير منسد، بخلاف العمل بالجوارح، فإنه لا يكاد يعلم مطابقته مع ما هو واقعه إلا بالاحتياط، و المفروض عدم وجوبه شرعا، أو عدم جوازه عقلا، و لا أقرب من العمل على وفق الظن.

و بالجملة: لا موجب مع انسداد باب العلم في الاعتقاديات لترتيب الاعمال الجوانحية على الظن فيها، مع إمكان ترتيبها على ما هو الواقع فيها، فلا يتحمل إلا لما هو الواقع، و لا ينقاد إلا له، لا لما هو مظنونه، و هذا بخلاف العمليات، فإنه لا محيص عن العمل بالظن فيها مع مقدمات الانسداد (1).

____________

اما المطلوب فيها هو العمل الجارحي لا غير أو ان العمل الجانحي مطلوب ثانوي فيها، بخلاف الاصول الاعتقادية فان المطلوب هو العمل الجانحي لا غير.

و على كل، فهل الظن كما يتبع عند الانسداد عقلا في الفروع «يتبع» ايضا عند الانسداد «في الاصول الاعتقادية» التي كان «المطلوب فيها هو عمل الجوانح» لا غير «من الاعتقادية» أي بالاصل الاعتقادي «و عقد القلب عليه و تحمله» أي جعله حملا للقلب يحتفظ به و البناء على «الانقياد له، اولا» أي أو لا يتبع الظن في الاصول الاعتقادية اذا انسد باب العلم فيها.

(1) توضيحه: انه في الامر الاعتقادي عملان للجوانح: الاول العلم به الذي هو التصديق، و الثاني و هو مما يترتب على العلم و التصديق و هو عقد القلب على ما علم و صدق به، و من الواضح في غير الانسدادي- أي في الانفتاح- حصول الامرين معا العلم بالشي‏ء بعنوانه الخاص به، و عقد القلب عليه بذلك العنوان الخاص به، و اما في حال الانسداد فلا مجال للامر الاول و هو العلم لفرض انسداد باب العلم، و لا سبيل لحكم العقل بالتنزل الى الظن حيث ينسد باب العلم، لان العقل انما حكم‏

241

.....

____________

بلزوم التنزل الى الظن في الفروع لان المطلوب فيها العمل الخارجي بامتثالها و عدم جواز اهمالها، و حيث لا يجب الاحتياط فيتعين العمل بالظن لانه ارجح من الوهم و الشك، و ليس في الاصول الاعتقادية عمل خارجي يلزم امتثاله حتى يحكم العقل بلزوم التنزل الى العمل بالظن فيها، فلا سبيل الى العقل في الحكم بلزوم التنزل الى الظن في الاصول الاعتقادية.

و بعبارة اخرى: ان متعلق الامر في الفروع هو الواقع، و العلم طريق اليه لان يمتثل المكلف و يأتي بمتعلق الامر خارجا، و اما في اصول الدين فمتعلق الامر نفس العلم به و ليس العلم فيها طريقا للامتثال، و لما كان العلم في الفروع طريقا للامتثال فاذا تمت مقدمات الانسداد يحكم العقل بلزوم الامتثال الظني بدلا عن الامتثال العلمي، و في الاصول ليس العلم طريقا للامتثال حتى يصح للعقل الحكم بالتنزل الى الامتثال الظني، بل نفس العلم و المعرفة متعلق الامر فلا مجال لحكم العقل بالتنزل الى الظن، لعدم تمامية مقدمات الانسداد، فان المقدمة الاولى- و هي العلم الاجمالي بتعلق الامر بالواقع- مفقودة، لما عرفت من ان متعلق الامر في الاصول ليس هو الواقع، بل العلم بالواقع.

و اما الامر الثاني و هو الذي يترتب على الاول من عقد القلب فلم ينسد الباب فيه حتى يكون مجال لحكم العقل بالتنزل الى عقد القلب على الظن، حيث لا مجال لعقد القلب على العلم، لوضوح امكان عقد القلب في حال الانسداد اجمالا عليه، بان يعقد قلبه على ما هو الواقع بما له من العنوان الواقعي و ان لم يعلم تفصيلا بعنوانه الواقعي.

و الفرق بين حال الانفتاح و الانسداد هو ان عقد القلب في الانفتاح على الواقع بعنوانه تفصيلا، و في الانسداد عقد القلب عليه بما له من العنوان اجمالا، فلا انسداد هنا حتى يلزم التنزل الى الظن و عقد القلب على المظنون بعنوانه التفصيلي، بل لا وجه له لاحتمال الخطا في عقد القلب على المظنون بعنوانه، بخلاف عقد القلب‏

242

.....

____________

على الواقع بما له من العنوان الواقعي اجمالا فانه لا مجال لاحتمال الخطأ فيه، ففي باب الانسداد فيه حيث لا مجال لعقد القلب عليه بعنوانه التفصيلي فالعقل يحكم بلزوم عقد القلب اجمالا و لا تصل النوبة الى الظن.

و قد اشار الى الانفتاح في عقد القلب بقوله: «فان الامر الاعتقادي و ان انسد باب القطع به إلّا ان باب الاعتقاد اجمالا بما هو واقعه و الانقياد له و تحمله» بما هو عليه من عنوانه الواقعي «غير منسد»، و اذا لم يكن الباب منسدا فلا مجال للتنزل الى عقد القلب على ما يعينه بظنه، لعدم الموضوع لحكم العقل حيث لا انسداد.

و قد اشار الى الفرق بين الفروع و الاصول، و انه انما يحكم العقل في الفروع بلزوم التنزل الى اتباع الظن و العمل على طبقه لان المطلوب في الفروع هو العمل و الامتثال خارجا، بخلاف الاصول الاعتقادية فانه لم يطلب فيها الامتثال و العمل خارجا بقوله: «بخلاف العمل بالجوارح» و هو مقام الفروع فان المطلوب فيها هو العمل، و امتثال المطلوب فيها واقعا منحصر في العلم و الاحتياط، و المفروض انسداد باب العلم، و اما الاحتياط فقد اشار الى عدم وجوبه بقوله: «فانه لا يكاد يعلم مطابقته» أي مطابقة العمل «مع ما هو واقعه إلّا بالاحتياط و المفروض عدم وجوبه شرعا» لادلة نفي العسر «او عدم جوازه عقلا» فيما اوجب الاختلال بالنظام، و حيث لا بد من الامتثال عملا «و لا اقرب من العمل على وفق الظن» فلا مناص من لزوم اتباع الظن و العمل على طبقه عقلا.

و قوله «و بالجملة الى آخره» هو بيان لما اشار اليه اولا من انفتاح باب العلم في مقام عقد القلب، لإمكان عقد القلب بنحو الاجمال، فلا انسداد حتى يكون مجال لحكم العقل بالتنزل الى الظن في حال الانسداد، و الى هذا اشار بقوله: «مع امكان ترتيبها» أي مع امكان ترتيب عقد القلب في حال عدم العلم «على ما هو الواقع فيها» اجمالا.

243

نعم، يجب تحصيل العلم في بعض الاعتقادات لو أمكن، من باب وجوب المعرفة لنفسها، كمعرفة الواجب تعالى و صفاته أداء لشكر بعض نعمائه (1)،

____________

و اشار الى الفرق بين الفروع و الاصول في ان المطلوب في الفروع هو العمل خارجا دون الاصول الاعتقادية فانه لا عمل خارجي مطلوب فيها، فلذا كان مجال في حال الانسداد الى حكم العقل بلزوم اتباع الظن في الفروع دون الاصول بقوله:

«و هذا بخلاف العمليات» التي هي مقام الفروع «فانه لا محيص عن العمل بالظن فيها مع» الانسداد و تمامية «مقدمات الانسداد فيها».

(1) الكلام في مقامات ثلاثة: وجوب معرفة اللّه عزّ و جل، و صفاته تعالى شانه، و وجوب معرفة انبيائه و رسله، و وجوب معرفة الأئمة و هم الاوصياء للانبياء و خلفائهم في الامة على الانبياء و عليهم افضل الصلاة و السلام.

اما الكلام في المقام الاول: و هو وجوب معرفة ذاته و صفاته جل و علا، فقد استدل المصنف على وجوب ذلك عقلا بقاعدة وجوب اداء شكر المنعم عقلا، و الكلام في مرحلتين: مرحلة دلالة القاعدة على وجوب المعرفة، و الثانية كون المعرفة بنفسها شكرا للمنعم، لا انها مقدمة لشكر المنعم.

اما دلالة القاعدة على وجوب المعرفة فلأجل قاعدة الحسن و القبح العقلية المقتضية لحسن العدل و قبح الظلم، لانه من الواضح ان شكر المنعم من اظهر مصاديق العدل فيجب الشكر لانه عدل من العبد لمولاه، و ترك شكره من ظلم العبد لمولاه، فشكر المنعم عليه لمن انعم عليه عدل منه اليه فيجب عقلا، و ترك شكره ظلم منه اليه فيحرم عقلا، فاذا ثبت وجوب شكر المنعم عقلا نقول: انه من الجلي البديهي انه لا يتأتى شكر المنعم الا بمعرفته فتجب معرفته اداء لشكره.

و اما المرحلة الثانية فهي ان معرفته ليست مقدمة لشكره حتى يكون وجوبها مقدميا، بل المعرفة بنفسها هي المرتبة الاولى للشكر الواجب، فهي واجب نفسي لما تقرر في محله من ان للشكر مراتب ثلاث: علم، و حال، و عمل، و المعرفة للمنعم‏

244

و معرفة أنبيائه، فإنهم وسائط نعمه و آلائه (1)، بل و كذا معرفة الامام (عليه السّلام) على وجه صحيح، فالعقل يستقل بوجوب معرفة النبي و وصيه لذلك (2)،

____________

هي مرتبة الشكر له علما، و التخضع و الخشوع قلبا للمنعم هي مرتبة الشكر له حالا، و عبادته هي مرتبة الشكر له عملا، فمعرفة المنعم وجوبها وجوب نفسي لانها اول مراتب الشكر له.

و قد اشار الى كونها واجبا نفسيا بقوله: «وجوب المعرفة لنفسها»، و اشار الى كون وجوبها لقاعدة وجوب شكر المنعم بقوله: «اداء لشكر بعض نعمائه».

(1) الظاهر من المتن ان وجوب معرفة الانبياء لانها ايضا هي من مصاديق قاعدة وجوب شكر المنعم لانهم وسائط نعم اللّه الى عباده، لان فيض اللّه و فضله يمر من الاعلى الى الادنى، فالاعلى مجرى الآلاء و النعم الى الادنى، فنعمته تعالى على عباده تنسب اليه بما يليق لمقام وجوبه و غناه، و تنسب الى الوسائط بما تنسب مقام امكانهم و فقرهم، فإليه جل و علا تنسب اولا، و الى الوسائط تنسب ثانيا، و من الواضح وجوب شكر كل منعم و لو كان منعما بالواسطة، و قد عرفت ان معرفة المنعم تجب بالوجوب النفسي، لانها بنفسها مصداق للشكر الواجب عقلا، فمعرفة الانبياء تجب لان من له دخالة في النعمة فهو منعم ايضا، و أول مراتب شكر المنعم معرفته، و لذا قال (قدس سره): «و معرفة انبيائه» أي و تجب معرفة انبيائه «فانهم وسائط نعمه» و وسيط النعمة منعم، و أول مرتبة شكر المنعم معرفته.

(2) الكلام في الامامة على الوجه الصحيح في مقامين:

الاول: في كونها كالنبوة مجرى للفيض، فالامام كالنبي من وسائط النعم و يجب معرفته لوجوب شكره، لعين ما مر في وجوب معرفة الانبياء اداء لوجوب شكرهم.

و توضيحه: ان قاعدة الامكان الاشرف القاضية بوجوب وجود الاعلى دائما ليكون مجرى للفيض و واسطة في بلوغ نعمه الى من هو دون الوجود الاعلى من‏

245

.....

____________

موجودات عالم خلقه، أو لأن الوجود الاعلى هو الغاية لخلق الوجود الادنى للزوم كون الغاية لفعل الخالق العالي هو الوجود الاعلى من خلقه.

و على كل، فهم اما مجرى فيض الوجود و وسائط النعم، او انهم الغاية له، فهم من علل الوجود الغائية للوجود الادنى، و على كل حال فلهم الدخالة في النعم، و ممن تنسب النعمة اليهم اما وساطة او غاية فتجب معرفتهم أداء لوجوب شكرهم كما مر في وجوب معرفة الانبياء.

المقام الثاني في كون الامامة من المناصب الالهية لانهم الطريق لتبليغ احكامه الواقعية، فلا بد و ان يكون المبلغ مضافا الى قداسته في نفسه ان يكون مامونا من الخطأ معصوما من الوقوع فيه، و لا يكون كذلك الا من كان وجودا عاليا قدسيا قد ارتفع عن الخطأ بحسب مقام ذاته، فارتفاع نفسه و علو مقامه مانع له عن ان ينسى او يغفل، فالطريق لتبليغ الاحكام الواقعية يجب ان يكون معصوما من الخطأ لئلا يكون من جهة التبليغ حجة للناس على اللّه، و لا بد و ان يكون له تعالى الحجة دائما على الناس، و لذا قالوا: ان من يقع في طريق التبليغ لا بد و ان يكون واجب العصمة، و لما كان هذا الوجود العالي المعصوم مما يعسر على الناس معرفته و الاهتداء اليه كان يجب على اللّه نصبه و تعيينه، فلذلك كانت الامامة من المناصب الالهية المحتاجة الى نص من رسله على اوصيائهم و الائمة من بعدهم.

لا يقال: إن كون الامامة من المناصب الالهية و طريقا لتبليغ احكامه الواقعية لازمه ان تكون ملغاة في الغيبة، اذ لا يصل الناس الى الامام حتى يمكن ان يبلغهم احكام اللّه الواقعية.

فانه يقال: ان المراد كون الامام ممن يمكن ان يبلغ لا انه يلزم ان يبلغ بالفعل.

و بعبارة اوضح: انه لما كان لا بد ان لا يكون للناس على اللّه الحجة فاللازم وجود الحجة، بحيث لو رجع الناس اليه لبلغهم، و احتجابه عنهم خوفا منهم، فالذي على اللّه ان يكون حجته موجودا بالفعل دائما، بحيث لو امن الناس و رجعوا

246

و لاحتمال الضرر في تركه (1)، و لا يجب عقلا معرفة غير ما ذكر، إلا ما وجب شرعا معرفته، كمعرفة الامام (عليه السّلام) على وجه آخر غير صحيح،

____________

اليه لبلغهم احكام اللّه الواقعية، و اما اذا لم يكن موجودا بالفعل فاذا رجع الناس اليه لا يجدونه فيكون لهم على الحجة.

و اما كون الامامة رئاسة دينية و دنيوية مما يحتاج النظام الصحيح اليها فهو طريق آخر لاثبات الامامة.

و على كل حال، فيجب معرفتهم بعد معرفة اللّه تعالى و انبيائه، لانهم طرق المعارف الالهية و الاحكام الواقعية، و لعله اشار الى كلا المقامين بقوله: «و كذا» أي و كما يجب معرفة النبي كذلك «تجب معرفة الامام (عليه السّلام) على وجه صحيح الى آخر الجملة».

(1) لا يخفى ان وجوب دفع الضرر المحتمل هو طريق ثان لوجوب المعرفة عقلا غير طريق وجوب اداء شكر المنعم، و هو يعم المعرفة له تبارك و تعالى و لانبيائه و لاوصيائه، و يؤيد ذلك تعقيبه له بقوله: «و لا يجب عقلا معرفة غير ما ذكر» و ما ذكر هو معرفة اللّه تعالى و معرفة انبيائه (ص) و معرفة اوصيائه (عليهم السّلام) التي هي معرفة الامام (عليه السّلام)، و لا وجه لاختصاص وجوب دفع الضرر المحتمل بخصوص معرفة الامام (عليه السّلام) لوضوح احتمال الضرر ايضا في ترك معرفته تعالى و معرفة انبيائه (ص).

و على كل حال، فقاعدة وجوب دفع الضرر المحتمل اما قاعدة عقلية بنفسها بناء على كون العقل هو الحاكم بوجوب دفع الضرر المحتمل، او كون دفع الضرر المحتمل من فطريات كل ذي شعور فلا يكون قاعدة عقلية، و لكنه من الفطري لكل ذي شعور الفرار من الضرر المحتمل، و سيأتي ان شاء اللّه تعالى الكلام فيها من حيث كونها قاعدة عقلية برأسها، او انها من الفطريات في مقام آخر.

و على كل حال، فدفع الضرر المحتمل في المقام اما واجب عقلا لقاعدة لزوم دفع الضرر المحتمل، او انه لازم طبعي لكل ذي شعور، فترك المعرفة محتمل للضرر

247

أو أمر آخر مما دل الشرع على وجوب معرفته (1)، و ما لا دلالة على وجوب معرفته بالخصوص، لا من العقل و لا من النقل، كان أصالة

____________

و لا مؤمن منه، و دفعه اما واجب عقلي او انه من طبع كل ذي شعور، و لا يخفى ان الضرر المحتمل في المقام هو العقاب بترك المعرفة.

و لا ينبغي ان يتوهم ان احتمال الضرر منفي بقاعدة قبح العقاب بلا بيان فانها لا مجرى لها في مثل المعرفة، اما لان موردها الشك في حكم من له البيان، و لا يكون ذلك الا بعد معرفة من له البيان، و لا محل لها في نفس معرفته.

أو لأن احتمال الضرر الذي لا مؤمن منه صالح لان يكون بيانا، فلا مجرى لقاعدة قبح العقاب بلا بيان على كل حال.

فاتضح مما ذكرنا: ان معرفة الواجب تعالى و معرفة انبيائه و اوصيائه يجب تحصيلها، اما لوجوب شكر المنعم، أو لأن في تركها احتمال الضرر و يلزم دفعه.

قوله: «و لا يجب عقلا معرفة غير ما ذكر الخ» أي ان غير معرفة اللّه تعالى و النبي و الامام على الوجه الصحيح لا تجب عقلا، لعدم منعم سواهم و لعدم احتمال الضرر في ترك معرفة غيرهم.

قوله (قدس سره): «الا ما وجب شرعا معرفته الخ» حاصله: ان المعرفة اما ان تجب عقلا كما في معرفة المنعمين ثلاثتهم، او يدل دليل شرعي على وجوب المعرفة في غيرهم.

(1) المراد من الامامة- على الوجه غير الصحيح- هي كونها ليست من المناصب الالهية الراجع امرها الى اللّه تعالى، بل هي من المناصب البشرية تحصل من اجتماع بعض المسلمين و اختيارهم رئيسا للمسلمين جميعا. و اما اجتماع المسلمين جميعا و مشاورتهم كلهم في اختيار الرئيس لهم فهو ممتنع، لامتناع اجتماعهم كلهم عادة، و امتناع اجتماعهم كلهم- ايضا- على رأي واحد، و لا وجه لترجيح رأي بعض على‏

248

البراءة من وجوب معرفته محكمة (1). و لا دلالة لمثل قوله تعالى:

____________

بعض بعد ان يكون لكل واحد منهم حق الرأي، و على كل فالامامة على الوجه غير الصحيح هي كونها من غير المناصب الالهية.

ثم لا يخفى ان قوله: «كمعرفة الامام على وجه آخر غير صحيح» يحتمل ان يكون متعلقا بقوله و لا يجب عقلا معرفة غير ما ذكر، و لكنه بعيد لانه خلاف سياق العبارة اولا، و لان قوله بعده «اوامر آخر مما دل الشرع على وجوب معرفته» يكون مستدركا، لانه مساوق لقوله «الا ما وجب شرعا معرفته» فلا وجه لإعادته، و الظاهر من السياق هو كونه متعلقا بقوله: «الا ما وجب شرعا معرفته» و يكون المعنى المراد منه هو ان معرفة الامام و ان كانت على الوجه غير الصحيح، إلّا انها مع ذلك قد دل الدليل الشرعي على وجوبها و هو الخبر المتواتر عن النبي (صلى اللّه عليه و آله و سلم): (من مات و لم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية) (1) و حينئذ يكون المراد من قوله: «أو امر آخر الى آخر الجملة» هو دلالة الدليل الشرعي على وجوب معرفة المعاد الجسماني فانه امر آخر غير الامامة.

(1) بعد بيانه لما دل العقل على وجوب معرفته، و ما دل النقل بالخصوص على وجوب معرفته، اشار الى ان الاصل فيما شك في وجوب معرفته هو البراءة عقلا لقبح العقاب بلا بيان، و نقلا لقوله (صلى اللّه عليه و آله و سلم): (رفع ما لا يعلمون)، و لا عموم و لا اطلاق يرجع اليه مقتض لوجوب معرفة كل ما شك في وجوب معرفته، و لذا قال (قدس سره): «كان اصالة البراءة من وجوب معرفته محكمة» و هو ما شك في وجوب معرفته و لم يدل دليل بالخصوص من العقل على وجوب معرفته كما دل على وجوب معرفة اللّه تعالى و انبيائه و اوصيائه، و لا من النقل على وجوب معرفته‏

____________

(1) الحدائق الناضرة ج 5، ص 176.

249

وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ‏

الآية (1)، و لا لقوله (صلى اللّه عليه و آله و سلم):

____________

كما دل الدليل الشرعي على وجوب معرفة الامامة، و لو فرض كونها من المناصب غير الالهية، و على وجوب معرفة المعاد الجسماني.

(1) لا يخفى انه قد استدل باطلاق ادلة اربعة على وجوب معرفة كل ما شك في وجوب معرفته، و لذلك اشار المصنف اليها و الى اجوبتها.

الدليل الاول: اطلاق الآية و هي قوله تعالى: وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ‏ (1).

و يتوقف الاستدلال بهذه الآية المباركة على كون المراد من قوله‏ لِيَعْبُدُونِ‏ هو ليعرفون، كما يظهر من اطباق المفسرين على ان المراد من ليعبدون هو ليعرفون، و انما عبر عن المعرفة بالعبادة لان العبادة هي لازم المعرفة او هي بنفسها عبادة.

و وجه الاستدلال بها على هذا هو دلالة الآية على ان الغاية للخلق هي المعرفة، و ما كان هو الغاية لأصل الخليقة فوجوبه على الخلق من اوضح الاشياء، فالمعرفة لما كانت هي الغاية فهي الواجبة، و حيث حذف متعلق المعرفة في الآية و لم تقيد المعرفة بشي‏ء فيها فلها اطلاق يشمل كل ما شك في وجوب معرفته.

و الجواب عنها: هو ان النون في قوله‏ لِيَعْبُدُونِ‏ هي نون الوقاية لا نون الجمع، لوضوح ان الفعل من الافعال الخمسة الذي يكون نصبه بحذف النون، فنون الجمع فيه محذوفة، و هذه النون الموجودة هي نون الوقاية، و نون الوقاية هي اللاحقة للفعل لتقيه من كسرة ياء المتكلم التي لا بد من كسر ما قبلها، و بعد اتصال ياء المتكلم بالفعل يكون المتحصل من الآية هي الدلالة على وجوب معرفته تبارك و تعالى فقط، و لا يكون لها اطلاق يشمل غير معرفته، فضلا عن ان يكون اطلاقها شاملا لكل ما شك في وجوب معرفته.

____________

(1) الذاريات: الآية 56.

250

(و ما أعلم شيئا بعد المعرفة أفضل من هذه الصلوات الخمس) (1) و لا لما

____________

و الحاصل: ان متعلق المعرفة في الآية المحذوف هو ياء المتكلم و المتكلم هو اللّه تبارك و تعالى، فالآية تدل على وجوب معرفته، و ليس المحذوف امرا غير معين ليكون مطلقا يشمل كل ما شك في وجوب معرفته، و قد عرفت ايضا انه انما عبر عن المعرفة بالعبادة لكونها لازم المعرفة أو انها هي بنفسها عبادة، و انما تكون العبادة من لوازم المعرفة او بنفسها عبادة حيث تكون المعرفة معرفة اللّه، و اما غير معرفة اللّه لو فرضنا القول بوجوبها فلا يلازمها العبادة، لوضوح عدم صحة عبادة كل ما وجب معرفته، بل خصوص معرفة اللّه هي عبادته او التي يلازمها عبادته، فلو كان المراد معرفة كل ما شك في وجوب معرفته لما حسن التعبير عنه بالعبادة.

(1) هذا هو الدليل الثاني و هو قوله (صلى اللّه عليه و آله و سلم): «ما أعلم شيئا بعد المعرفة افضل من هذه الصلوات الخمس) (1).

و وجه الاستدلال به هو دلالة هذا الحديث المبارك على كون المعرفة اعلى و افضل من الصلوات الخمس، لجعل افضلية الصلوات الخمس بعد المعرفة، و لا ريب في وجوب ما كان افضل من المسلم وجوبه، فالمعرفة واجبة لكونها افضل من الصلوات الخمس المسلم وجوبها، و حيث لم يقيد المعرفة بشي‏ء فيكون لها شمول و اطلاق او عموم بناء على افادة لام الجنس للعموم.

و الجواب عنها اولا: بان الرواية لم تسق لبيان وجوب المعرفة حتى يصح الاستدلال باطلاقها، و انما هي مسوقة لبيان فضل الصلوات الخمس.

و اما دعوى عمومها فقد عرفت في مبحث العام و الخاص عدم كون اللام من الفاظ العموم.

____________

(1) الكافي، ج 3، ص 264.