بداية الوصول في شرح كفاية الأصول‏ - ج6

- الشيخ محمد طاهر آل راضي المزيد...
404 /
251

دل على وجوب التفقه (1) و طلب العلم من الآيات و الروايات على‏

____________

و ثانيا: بان التدبّر في الرواية يقتضي كون اللام في المعرفة عهدية، و المراد بها معرفة اللّه خاصة او مع انبيائه و اوصيائه، لان المعرفة حيث يراد بها العموم تكون شاملة لمعرفة الصلوات الخمس، و لا وجه لان تكون معرفة الصلوات الخمس افضل من نفس الصلوات الخمس، مضافا الى القطع بكون بعض ما شك في وجوب معرفته هو اقل فضلا من الصلوات الخمس، فلا وجه لان يراد بالمعرفة في الخبر الاطلاق الشامل لكل ما شك في وجوب معرفته.

(1) هذا هو الدليل الثالث و المراد مما دلّ على وجوب التفقه هو آية النفر المتقدّمة في مبحث خبر الواحد، و هي قوله تعالى: فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ‏ (1).

و وجه الاستدلال بهذه الآية او بغيرها من الروايات الدالة على وجوب التفقه على وجوب المعرفة المطلقة الشاملة لكل ما شك في وجوب معرفته هو ان المعرفة من جملة التفقه، و حيث وجب التفقه فتجب المعرفة لانها من التفقه في الدين، فكل ما شك من الدين في وجوب معرفته تجب معرفته لانها من التفقه في الدّين.

و الجواب عنه: ان البيان في الآية مسوق لبيان وجوب التفقه لا لبيان ما يجب التفقه فيه حتى يكون لها اطلاق من هذه الجهة، و انما يكون لها اطلاق ينفع في المقام حيث تكون مسوقة لبيان ما يجب التفقه فيه، لا لبيان وجوب التفقه.

و بعبارة اخرى: ان هنا أمرين: وجوب معرفة ما اوجبه اللّه و حرمة، و وجوب المعرفة نفسها في كل ما شك في وجوب معرفته، و الآية مسوقة لبيان الامر الاول و وجوب التفقه لمعرفة ما هو الواجب.

____________

(1) التوبة: الآية 122.

252

وجوب معرفته بالعموم (1)، ضرورة أن المراد من (ليعبدون) هو خصوص عبادة اللّه و معرفته، و النبوي إنما هو بصدد بيان فضيلة الصلوات لا بيان حكم المعرفة، فلا إطلاق فيه أصلا، و مثل آية النفر،

____________

و الحاصل: ان التفقه لمعرفة الواجب نفسه غير التفقه لنفس وجوب المعرفة، فهاتان جهتان، و سوق الآية للبيان من الجهة الاولى لا يقتضي لها اطلاقا من الجهة الثانية، و الذي ينفع في المقام هي الجهة الثانية، و لم تسق الآية للبيان من ناحيتها حتى يكون لها اطلاق.

و من الواضح اشتراط الدلالة الاطلاقية باحراز البيان، و كثيرا ما يكون الدليل له اطلاق من جهة و لا يكون له اطلاق من جهة اخرى، لسوق البيان فيه في خصوص جهة دون جهة اخرى.

(1) هذا هو الدليل الرابع و هو ما دلّ على وجوب طلب العلم.

و وجه الاستدلال بذلك على نحو آية التفقه و هو كون المعرفة من العلم، فما دلّ على وجوب طلب العلم يدلّ على وجوب المعرفة.

و الجواب عنه ايضا مثل الجواب عن آية التفقه، بانه لا اطلاق للدليل الذي يساق من جهة طلب العلم من جهة لزوم معرفة ما يجب طلب العلم به.

و بعبارة اخرى: ان المراد مما دلّ على وجوب طلب العلم هو معرفة نفس ما اوجبه اللّه و ما حرّمه و ذات المعارف الالهية و الاخلاق التي بها يصل العبد الى رضاه تبارك و تعالى، و هذا غير نفس وجوب المعرفة بذاتها بما هي معرفة، و أدلة طلب العلم لها اطلاق من تلك الناحية لا من هذه الناحية، فلا اطلاق في ادلة وجوب طلب العلم ليتمسك به في مقام الشك في وجوب معرفة ما شك في وجوب معرفته بما هي معرفة.

و الحاصل: ان الظاهر ان العلم المسوق الاطلاق له هو العلم الطريقي لا الموضوعي، و المعرفة هي العلم، فالعلم فيها موضوعي لا طريقي.

253

إنما هو بصدد بيان الطريق المتوسل به إلى التفقه الواجب، لا بيان ما يجب فقهه و معرفته، كما لا يخفى، و كذا ما دل على وجوب طلب العلم إنما هو بصدد الحث على طلبه، لا بصدد بيان ما يجب العلم به (1).

ثم إنه لا يجوز الاكتفاء بالظن فيما يجب معرفته عقلا أو شرعا، حيث أنه ليس بمعرفة قطعا، فلا بد من تحصيل العلم لو أمكن (2)، و مع العجز

____________

(1) شروع في الاشارة الى الاجوبة عن الادلة المذكورة، فاشار الى الجواب عن الآية الاولى بقوله: «ان المراد من‏ لِيَعْبُدُونِ‏ هو خصوص عبادة اللّه و معرفته» لان النون نون الوقاية، و لازمها كون الواجب هو خصوص معرفة اللّه، فلا اطلاق فيها يشمل غيرها مما شك في وجوب معرفته.

و اشار الى الجواب عن الحديث النبوي بقوله: «و النبوي ... الى آخر الجملة» و قد مرّ بيانه.

و اشار الى الجواب عن آية التفقه بقوله: «و مثل آية النفر انما هو بصدد بيان الطريق ... الى آخر الجملة» و قد مر ايضا تفصيله.

و اشار الى الجواب عما دل على وجوب طلب العلم بقوله: «انما هو بصدد الحث ... الى آخره» و قد مر ايضا توضيحه.

(2) لا يخفى ان ما تقدم من الكلام كان في عدم كفاية الظن في اصول الدين، و الآن يشرع في الدليل على عدم الكفاية، و قوله: «ثم انه لا يجوز الاكتفاء بالظن» ...

شروع في الدليل على عدم الكفاية.

و حاصله: ان العقل و النقل دلا على لزوم المعرفة و هي العلم، و لذلك لا يجوز الاكتفاء بالظن فيما وجب معرفته و العلم به عقلا كمعرفته تبارك و تعالى، لأن العلم هو الهيئة النورانية التي تتجوهر بصورتها النفس المجردة من الظلمة، و هو التصديق و الاذعان النفسي، و هو حقيقة الايمان الموجب للخلود في نعيم الآخرة، و هو المعرفة التي اوجبها العقل، و من الواضح ان الظن لكونه مشوبا باحتمال الخلاف لا يكون‏

254

عنه كان معذورا إن كان عن قصور لغفلة أو لغموضة المطلب مع قلة الاستعداد، كما هو المشاهد في كثير من النساء بل الرجال (1)، بخلاف‏

____________

مجردا عن الظلمة و لا خالصا عن الجهل و لم يحضر عنده حضورا خالصا عن العدم، فان معنى احتمال الخلاف هو احتمال العدم، و العدم ظلمة و جهل، و المعرفة هي الحضور النوري الذي لا جهل فيه و لا ظلمانية، و لا يقال لمن ظن بشي‏ء انه قد عرفه، بل يقال لمن علم به قد عرفه، فالظن ليس بمعرفة.

و حيث قد وجبت المعرفة فلا يجوز الاكتفاء بالظن لانه ليس بمعرفة، و لذا قال (قدس سره): «حيث انه» أي الظن «ليس بمعرفة قطعا فلا بد من تحصيل العلم» لانه هو حقيقة المعرفة.

(1) الكلام في مقامين: الاول: في كون الجاهل قاصرا او مقصرا و وجود كلا الفردين.

الثاني: في معذورية الجاهل القاصر عقلا، و عدم معذورية المقصر عقلا.

اما المقام الاول: فلا شبهة في اختلاف الاستعدادات في طبائع البشر، فان من المشاهد بالوجدان ان من الناس من لا استعداد له لإدراك أي معنى غامض، و لا تنفع أي محاولة في ايصال ادراكه اليه، و هو المستضعف المشار اليه في القرآن الكريم و في الروايات عن آل البيت (عليهم السّلام)، و من الناس من يكون له استعداد و لكنه يكون غافلا بحيث لم يخطر بباله و لو بنحو الاحتمال ما يحتمل لزوم الفحص عنه و احتمال الضرر في تركه، و هؤلاء هم الجاهل القاصر.

و اما الجاهل المقصر فهو غيرهم ممن له استعداد لادراك الغامض من الامور و لا يكون غافلا، بل يكون ملتفتا الى ما يلزمه بالفحص لاحتمال الضرر في تركه.

فاتضح مما ذكرنا الفرق بين الجاهل القاصر و المقصر، و ان الاول ما لا استعداد له أو ما كان غافلا اصلا، و الثاني ما له الاستعداد و لا يكون غافلا من رأس، و اتضح أيضا وجود كلا الفردين بشهادة الوجدان في عدم الاستعداد في كثير من الرجال و النساء.

255

ما إذا كان عن تقصير في الاجتهاد (1)، و لو لاجل حبّ طريقة الآباء و الاجداد و اتباع سيرة السلف، فإنه كالجبلّي للخلف، و قلما عنه تخلّف (2) و المراد من المجاهدة في قوله تعالى:

وَ الَّذِينَ جاهَدُوا فِينا

____________

و اما المقام الثاني: فمعذورية القاصر عقلا ترجع الى التكليف بايجاد المعلول مع فرض عدم علته و هو محال بيّن، و اما رجوع تكليفه الى ذلك فلان من الواضح ان الاستعداد للادراك من اجزاء علة الادراك، فتكليف من لا استعداد له لادراك المعرفة بالمعرفة مع فرض عدم استعداده لإدراكها من التكليف بايجاد المعلول مع فرض عدم علّته، و لذا كان من المسلّمات معذورية القاصر عقلا.

و قد اشار الى معذورية القاصر بقوله: «و مع العجز عنه كان معذورا ان كان عن قصور» فانه مع فرض العجز عن الشي‏ء لا يعقل التكليف بالشي‏ء، لرجوعه الى التكليف بالمعلول مع فرض عدم علته، ثم اشار الى ان العجز عن قصور اما للغفلة او لعدم الاستعداد بقوله: «لغفلة او لغموضة المطلب مع قلة الاستعداد»، ثم اشار الى وجود القاصر بقوله: «كما هو المشاهد في كثير من النساء بل الرجال».

(1) قد اتضح مما ذكرنا في معذورية القاصر عدم معذورية المقصّر لفرض تمامية العلة فيه فلا يكون من التكليف بالمعلول مع فرض عدم العلة، لان الجاهل المقصّر هو من له الاستعداد لإدراك المطلب و ان كان غامضا و لفرض عدم الغفلة ايضا، فيرجع تركه للمعرفة الى تقصيره مع قدرته و عدم غفلته، فلذا لم يكن معذورا لا عقلا و لا شرعا، و الى هذا اشار بقوله: «بخلاف ما اذا كان عن تقصير في الاجتهاد» لرجوع الترك منه الى عدم الفعل مع القدرة على الفعل.

(2) لا يخفى ان الجاهل المقصّر قسمان: هو من لم يبحث و لم يجتهد فلم يصل، و من بحث و اجتهد و لكنه لم يصل ايضا، و ربما اعتقد بحسب ما وصل اليه بخلاف الحق.

256

لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا

هو المجاهدة مع النفس، بتخليتها عن الرذائل و تحليتها بالفضائل، و هي التي كانت أكبر من الجهاد، لا النظر و الاجتهاد، و إلّا لادّى إلى الهداية، مع أنه يؤدي إلى الجهالة و الضلالة، إلا إذا كانت هناك منه- تعالى- عناية، فإنه غالبا بصدد إثبات أن ما وجد آباءه عليه هو الحق، لا بصدد الحق، فيكون مقصّرا مع اجتهاده، و مؤاخذا إذا أخطأ على قطعه و اعتقاده (1).

____________

و لا اشكال في كون الاول مقصّرا، و لكن الاشكال في الثاني لدعوى كونه من القاصر دون المقصّر، لان عدم وصوله مع بحثه و اجتهاده يرجع الى عدم قدرته، فاشار الى الجواب عنه بقوله: «و لو لاجل حب طريقة الآباء و الاجداد».

و حاصله: ان البحث عن الحق على نحوين: لانه تارة: يكون بحثا عن الحق لاجل الحق، و هذا هو الذي يكون- بحيث لم يصل- معذورا و بحكم الجاهل القاصر، و اخرى لا يكون بحثا عن الحق للحق، بل يكون بحثه لاجل ان يصبغ طريقة آبائه و اجداده بصبغة الحق على كل حال، فلا يكون بحثه بحثا عن الحق لاجل الحق بل يكون بحثه ناشئا عن تعصب لطريقة آبائه في اعطائها صبغة الحقية على كل حال، و هذا يرجع الى باب تمويه النفس على النفس، و لو رجع هذا الباحث الى انصافه لوجد نفسه شاكا غير معتقد، و حيث فرض استعداده و قدرته على الوصول الى الحق كان غير معذور في ترك معرفته، و الى ما ذكرنا اشار بقوله: «و لو لاجل حبّ طريقة الآباء ... الى آخر الجملة».

(1) ظاهر المتن انه جواب عن سؤال مقدّر في المقام، و حاصله: انه لقائل ان يقول:

ان قوله تعالى: وَ الَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا (1) يدل على ان المجاهدة في‏

____________

(1) العنكبوت: الآية 69.

257

ثم لا استقلال للعقل بوجوب تحصيل الظن مع اليأس عن تحصيل العلم، فيما يجب تحصيله عقلا لو أمكن، لو لم نقل باستقلاله بعدم وجوبه، بل بعدم جوازه، لما أشرنا إليه من أن الامور الاعتقادية مع عدم القطع بها أمكن الاعتقاد بما هو واقعها و الانقياد لها، فلا إلجاء فيها

____________

اللّه تستلزم الهداية، و نفس البحث من الباحث هي المجاهدة في اللّه، فكيف يمكن ان يبحث باحث و لم يصل؟

و قد اجاب عنه أولا: بان المراد من المجاهدة في الآية ليست البحث و الاجتهاد، بل المراد منها هي الجهاد و لكنه للنفس بقمعها عن رذايل الشهوات، و تخليتها عن اتباع الهوى و ارغامها على فضائل العبادات و تحليتها بحلية الهدى، فهي اجنبية عن المقام، و اليه اشار بقوله: «هو المجاهدة مع النفس ... الى آخر الجملة» أي ان المراد من الذين جاهدوا هم اهل المجاهدة مع النفس لا اهل البحث و الاجتهاد.

و ثانيا: ما يظهر من طي كلماته، و هو انه لو سلّمنا ان المراد من المجاهدة هي البحث و الاجتهاد، و لكنها لا تستلزم اهداء هذا المقصّر، لان المجاهدة في اللّه هي البحث عن الحق لاجل الحق لا البحث لاعطاء طريقة اهله صبغة الحق على كل حال، و اليه اشار بقوله: «فانه غالبا بصدد اثبات ان ما وجد آباءه عليه هو الحق لا بصدد الحق» و مثل هذا الباحث يكون مقصّرا غير معذورا، و لذا قال (قدس سره):

«فيكون مقصّرا ... الى آخر الجملة».

و قد ظهر انه بناء على ان المراد بالمجاهدة هي جهاد النفس لا ما يشمل لزوم اعطاء الهداية للباحث، و لو فيما اذا كان باحثا عن الحق لاجل الحق، و عليه فالفرق بين الباحث لاجل الحق و الباحث لحبّ طريقة الآباء، هو ان الاول اذا لم يصل الى الحق كان معذورا و له حكم الجاهل القاصر، و الثاني لا يكون معذورا و يستحق العقاب.

258

أصلا إلى التنزل إلى الظن فيما انسد فيه باب العلم، بخلاف الفروع العملية، كما لا يخفى (1).

____________

(1) هذا هو الدليل الثاني على ان العاجز عن المعرفة في الاصول لا استقلال للعقل بلزوم التنزل الى الظن، و قد مرت الاشارة اليه فيما سبق.

و حاصله: ان من مقدمات الانسداد العلم الاجمالي بالتكليف، و عدم امكان الامتثال الاجمالي و لو بنحو الاحتياط، و على هذا نقول: ان متعلق التكليف في اصول الدين ان كان هو العلم بها بنحو ان يكون العلم جزء متعلق التكليف فالعلم الاجمالي بالتكليف مفقود، لانه مع تعذر احد جزأي متعلق التكليف لا تكليف، و ان كان متعلق التكليف هو التدين بالواقع من دون تقيده بالعلم فلا انسداد ايضا، لامكان الامتثال بالتدين بالواقع على ما هو عليه فيما اذا لم يتأت العلم به تفصيلا.

و الحاصل: انه لو فرضنا ان العقل يحكم بلزوم التنزل الى الظن مع الانسداد حتى في اصول الدين، إلّا انه لما كان التكليف في الاصول هو المعرفة و عقد القلب، و بعد الانسداد و العجز عن المعرفة بالعنوان الخاص بعينه تفصيلا لا انسداد و لا عجز عن عقد القلب على الواقع اجمالا بما له من عنوانه الخاص واقعا، فلا وجه للتنزل الى الظن، اذ لا احتمال للخطإ مع عقد القلب اجمالا، بخلاف عقد القلب مع الظن على عنوان خاص تفصيلا فانه محتمل للخطإ، و مع امكان الامتثال على نحو لا يحتمل الخطأ لا وجه لحكم العقل للتنزل لما يحتمل الخطأ.

و بعبارة اخرى: انه مع انفتاح باب الامتثال و لو بنحو الاجمال لا انسداد حتى يكون مجال للتنزل الى الظن، فان موضوعه هو الانسداد، و لا مجال له مع الانفتاح.

و الحاصل: انه قد اتضح مما ذكرنا امران:

الاول: ان حكم العقل بلزوم تحصيل الظن و وجوبه منوط بالانسداد، فحيث لا انسداد لا يجب بحكم العقل لزوم تحصيل الظن، و الى هذا اشار بقوله: «ثم‏

259

.....

____________

لا استقلال للعقل بوجوب تحصيل الظن مع اليأس عن تحصيل العلم فيما يجب تحصيله» أي فيما يجب تحصيل العلم به «عقلا لو امكن» تحصيل العلم به.

و من الواضح ان عدم استقلال العقل بالوجوب اعم من استقلاله بعدم الوجوب، كما ان استقلاله بعدم الوجوب اعم من استقلاله بالحرمة، و لذا نفى أولا استقلال العقل بوجوب تحصيل الظن في صدر عبارته، ثم في ذيلها حكم باستقلال العقل بعدم الوجوب بقوله: «لو لم نقل باستقلاله بعدم وجوبه».

ثم ترقّى الى حكم العقل بعدم جواز التنزّل الى الظن مع امكان عقد القلب على الواقع اجمالا، مشيرا اليه بقوله: «بل بعدم جوازه» و هذا هو الامر الثاني الذي ظهر مما ذكرنا، و هو ان انفتاح باب المعرفة بنحو الاجمال فيما يجب تحصيل العلم به كاصول الدين يقتضي بعدم جواز التنزل الى الظن عقلا، لاحتمال الخطا في الظن في عقد القلب على المظنون بخصوصه، دون عقد القلب بنحو الاجمال على الواقع بما له من عنوانه الخاص واقعا، فانه لا احتمال للخطإ فيه، و مضافا الى احتمال الخطأ ان عقد القلب على المظنون بخصوصه فيما لو أخطأ الظن يكون من التشريع و ادخال ما ليس من الدين في الدين، بخلاف عقد القلب على الواقع اجمالا فانه لا تشريع فيه، و لذا قال (قدس سره): «بل بعدم جوازه» أي ان العقل مستقل بعدم جواز التنزل الى الظن «لما اشرنا اليه من ان الامور الاعتقادية مع عدم القطع بها» بعنوانها الخاص تفصيلا لا ينسد باب العلم بها، لأنها مما «امكن الاعتقاد» بها اجمالا «بما هو واقعها و الانقياد لها» بما لها من عنوانها الواقعي «فلا إلجاء فيها اصلا الى التنزل الى الظن فيما انسد فيه باب العلم» بها بعنوانها الخاص تفصيلا لانفتاح باب الاعتقاد بها اجمالا، و لما كان المطلوب في الفروع هو العمل، فحيث لا يجب الاحتياط أو لا يجوز فلا بد من التنزل الى الظن و العمل على وفق المظنون، و لذا قال (قدس سره): «بخلاف الفروع العملية».

260

و كذلك لا دلالة من النقل على وجوبه، فيما يجب معرفته مع الامكان شرعا، بل الادلة الدالة على النهي عن اتباع الظن دليل على عدم جوازه أيضا (1).

و قد انقدح من مطاوي ما ذكرنا، أن القاصر يكون في الاعتقاديات للغفلة، أو عدم الاستعداد للاجتهاد فيها، لعدم وضوح الامر فيها بمثابة لا يكون الجهل بها إلا عن تقصير، كما لا يخفى، فيكون معذورا عقلا (2).

____________

(1) لا يخفى انه كان الكلام في حكم العقل فيما لو انسد باب العلم تفصيلا بالعنوان الخاص الواقعي في الاصول الاعتقادية، و قد انتهينا الى حكم العقل بعدم جواز التنزل الى الظن فيه ... فأراد ان يشير الى ان النقل ايضا لا يدل على وجوب الظن في الاصول الاعتقادية، بل النقل ايضا يدل على عدم جواز الظن فيها، و هي الآيات الدالة على النهي عن اتباع الظن، فان القدر المتيقن منها هو النهي عن اتباع الظن في الاصول الاعتقادية، و لذا قال (قدس سره): «بل الادلة الدالة على النهي عن اتباع الظن» كقوله تعالى: وَ لا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ‏ (1) وَ إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً (2) فانهما و امثالهما «دليل على عدم جوازه» أي على عدم جواز الظن في الاصول الاعتقادية لما تقدم من انه هو القدر المتيقن من هذا النهي.

(2) لا يخفى ان وجه العودة من المصنف للتعرض لوجود الجاهل القاصر، و ان القصور يكون اما عن غفلة رأسا عما يوجب احتمال الضرر في ترك الفحص، او عن عدم الاستعداد لادراك ما هو غامض من الامور هو التمهيد لما يشير اليه بعد هذا من دعوى انكار وجود الجاهل القاصر.

و على كل، فوجه الانقداح هو ما مر من شهادة الوجدان و العيان، بل و دلالة الآيات و الروايات على وجود الجاهل القاصر ككثير من الرجال و النساء، و قد أشار

____________

(1) الاسراء: الآية 36.

(2) النجم: الآية 28.

261

و لا يصغى إلى ما ربما قيل: بعدم وجود القاصر فيها، لكنه إنما يكون معذورا غير معاقب على عدم معرفة الحق، إذا لم يكن يعانده، بل كان ينقاد له على إجماله لو احتمله. هذا بعض الكلام مما يناسب المقام (1)،

____________

الى القصور عن غفلة بقوله: «ان القاصر يكون في الاعتقاديات للغفلة» و اشار الى القصور لعدم الاستعداد بقوله: «او عدم الاستعداد للاجتهاد فيها لعدم وضوح الامر بمثابة» يكون الجهل بها مسببا عن عدم الاستعداد لادراكها و هو الجاهل القاصر، و ليس الجهل عنده مع الاستعداد حتى «لا يكون الجهل بها الا عن تقصير» كما في الجاهل المقصّر، فان جهله بالاصول لما كان مع الاستعداد و عدم الغفلة فلا يكون جهله الا عن تقصير منه، و لذا لم يكن معذورا، بخلاف الجاهل القاصر فانه معذور بحكم العقل، و لذا قال (قدس سره): «فيكون معذورا عقلا».

(1) لا يخفى انه انكر بعضهم وجود الجاهل القاصر خارجا، و لو كانت براهينه على انكاره لا يهتدى الى الخدشة فيها لكانت من الشبهة في مقابل الوجدان و العيان، لما عرفت من وجود الجاهل القاصر خارجا وجدانا و عيانا ... فكيف؟

و ما ذكره من الادلة على عدم وجود القاصر ظاهر الخدشة، فلا ينبغي ان يصغى الى هذا الانكار و هذه الدعوى.

و على كل، فقد ادعي عدم وجود القاصر، و ان المقصّر على نوعين: نوع معذور غير معاقب و هو الذي يعقد قلبه على الواقع اجمالا حيث يحتمله، و نوع غير معذور و معاقب و هو الذي مع احتماله لا يعقد قلبه على الواقع مع تركه للفحص عنه.

و ما استدل به لهذه الدعوى امور اهمها: قوله تعالى: وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ‏ (1) سواء كان المراد منها هي المعرفة او العبادة، لوضوح كان الجاهل بالحق لا عبادة له للحق.

____________

(1) الذاريات: الآية 56.

262

و أما بيان حكم الجاهل من حيث الكفر و الاسلام، فهو مع عدم مناسبته خارج عن وضع الرسالة (1).

____________

و حاصل الاستدلال بهذه الآية الكريمة هو دلالتها على كون الغاية للوجود لكل فرد من الجن و الانس هي المعرفة و العبادة المستلزمة للمعرفة، و لما كانت هذه الغاية غاية لأصل خلقة كل فرد من الجن و الانس فما لا يمكن تحقق الغاية فيه لا يعقل ان يكون موجودا، لان الموجود الممكن مرتبط بعلته الغائية كارتباطه بعلته الفاعلية، و من الواضح ايضا ان من لا استعداد له- و هو القاصر- لا يمكن تحقق هذه الغاية فيه، و قد عرفت ان ما لا يمكن تحقق الغاية فيه لا يعقل ان يكون موجودا، فالقاصر لا يعقل ان يكون موجودا.

و الجواب عنه حلا و نقضا: أما حلا فلانه لا ظهور في الآية لكون المعرفة و العبادة غاية لخلقة كل فرد فرد، بل الظاهر منها انها غاية لخلق جنس الجن و الانس.

و اما نقضا فبخلقة الصبيان الذين يموتون قبل البلوغ، و المجانين الذين يستمر جنونهم قبل البلوغ الى ما بعد البلوغ حتى الموت، فانه لا اشكال في عدم امكان تحقق المعرفة منهم مع انهم مخلوقون، و لو كانت هذه الغاية غاية لخلقة كل فرد فرد لما خلقوا، فلا بد و ان تكون الغاية غاية للنوع لا للفرد.

(1) لما فرغ من بيان حكم الجاهل من حيث العقاب و عدمه بمعذورية الجاهل القاصر و عدم استحقاقه للعقاب، و بعدم معذورية الجاهل المقصر و استحقاقه للعقاب ...

اشار الى ان التعرض لحكم الجاهل و المعتقد من ناحية ما يترتب عليهما من الآثار الشرعية كالطهارة و النجاسة، و مثل صحة الزواج- دواما- و عدمه، و غيرهما من الآثار للكفر و الاسلام لا مناسبة للبحث عنه في اصول الفقه، و انما يبحث عنه في الفقه، و من الواضح ان موضوع هذا الكتاب هو البحث عن اصول الفقه لا عن الفقه.

و من الواضح ايضا: ان الجهل باللّه تعالى و بصفاته و بنبوة النبي (صلى اللّه عليه و آله و سلم) كفر و ان كان الجهل عن قصور، فلا ينافي المعذورية عن العقاب و التخليد في النار ترتيب آثار

263

الثاني: الظن الذي لم يقم على حجيته دليل، هل يجبر به ضعف السند أو الدلالة بحيث صار حجة ما لولاه لما كان بحجة، أو يوهن به ما لولاه على خلافه لكان حجة، أو يرجح به أحد المتعارضين، بحيث لولاه على وفقه لما كان ترجيح لاحدهما، أو كان للآخر منهما، أم لا (1)؟

____________

الكفر من حيث الطهارة و امثالها من الآثار الشرعية الدنيوية، لان الكفر هو عدم الاعتقاد باللّه و النبي و ان كان عن قصور، و الاسلام هو الاعتقاد بهما، و اما الامامة على الوجه الصحيح فلا ريب ان عدم الاعتقاد بها ليس من الكفر الموجب للآثار، و ان كان موجبا للعقاب و التخليد، هذا على نحو الاجمال و تفصيله في الفقه.

و قد اشار الى عدم المناسبة في البحث عن الكفر و الاسلام من ناحية الآثار الشرعية الدنيوية في المقام بقوله: «و اما بيان حكم الجاهل» غير المعتقد باللّه و لا بالنبي (صلى اللّه عليه و آله و سلم) «من حيث الكفر» الذي هو عدم الاعتقاد و ان كان عن قصور «و الاسلام» الذي هو الاعتقاد من ناحية الآثار الدنيوية الشرعية «فهو مع عدم مناسبته» لان البحث عنه في الفقه لا في اصول الفقه و وضع الرسالة لأصول الفقه «خارج عن وضع الرسالة» الظاهر ان وجه خروجه عن وضع الرسالة مع عدم المناسبة هو كون وضع الرسالة مبنيا على الاختصار.

(1) لا يخفى ان الظن الذي لم يقم على اعتباره دليل، تارة لا يقوم دليل على النهي عنه كالشهرة فان الظن الحاصل منها لم يقم على اعتباره دليل، و لكنه لم يقم دليل على النهي عنه و عدم اعتباره.

و اخرى مضافا الى عدم اعتباره يقوم دليل على النهي عنه، و على عدم اعتباره شرعا كالقياس.

و الكلام الآن في الاول، و هو مراده من قوله: «الظن الذي لم يقم على حجيّته دليل» لما سيأتي من كلامه على الظن الذي قام الدليل على النهي عنه، و الغرض من الكلام فيه هو الكلام من جهات متعددة: جبره للخبر الضعيف من ناحية سنده،

264

.....

____________

و جبره له من ناحية ضعف دلالته، و وهنه للخبر المستكمل لشروط الحجية سندا و دلالة تارة من ناحية سنده، و اخرى من ناحية دلالته و ظهوره، بحيث يكون الخبر تام الحجية من حيث السند و الظهور لو لا قيام هذا الظن على خلافه من ناحية سنده او من ناحية ظهوره و دلالته.

و الترجيح بهذا الظن الذي لم يقم على اعتباره دليل لاحد المتعارضين على الآخر، بان يكون المتعارضان متكافئين في الحجة لو لا هذا الظن المرجح لاحدهما بالخصوص على الآخر او يكون المعارض الآخر اقوى في الحجية من المعارض الذي وافقه هذا الظن، بحيث لو لا هذا الظن لكان الترجيح في جانب المعارض له.

و قد اشار الى هذه الجهات بقوله: «هل يجبر به ضعف السند او الدلالة» أي هل يجبر بالظن الذي لم يقم على اعتباره دليل و لم يكن منهيا عنه الخبر الضعيف من حيث سنده او من حيث دلالته، و معنى جابرية هذا الظن للخبر هو جعل هذا الظن لهذا الخبر غير الحجة من ناحية سنده او من ناحية دلالته حجة من ناحية سنده او دلالته، فلو لا هذا الظن لم يكن هذا الخبر حجة، و بناء على جبره بهذا الظن يكون حجة اما سندا أو دلالة، و هذا هو مراده من قوله: «بحيث صار حجة ما لو لاه لما كان حجة» أي معنى الجابرية صيرورة هذا الخبر الضعيف غير الحجة حجة بواسطة موافقة هذا الظن له، بحيث لو لا هذا الظن لما كان هذا الخبر حجة.

و قد اشار الى وهن الخبر المستكمل لشرائط الحجية لو لا قيام هذا الظن على خلافه بقوله: «او يوهن به» أي و هل يوهن بهذا الظن «ما لو لاه» أي الخبر الذي لو لا قيام هذا الظن «على خلافه لكان» ذلك الخبر «حجة» فهل يوجب هذا الظن القائم على خلاف الخبر المستكمل لشرائط الحجية عدم حجيته ام لا يوجب ذلك و يكون الخبر المستكمل لشرائط الحجية حجة و ان قام هذا الظن- الذي لم يقم على اعتباره دليل- على خلافه؟

265

و مجمل القول في ذلك: إن العبرة في حصول الجبران أو الرجحان بموافقته، هو الدخول بذلك تحت دليل الحجية، أو المرجحية الراجعة إلى دليل الحجية، كما أن العبرة في الوهن إنما هو الخروج بالمخالفة عن تحت دليل الحجية (1)، فلا يبعد جبر ضعف السند في الخبر بالظن بصدوره‏

____________

و اشار الى الترجيح به بقوله: «او يرجح به» أي بهذا الظن «احد المتعارضين بحيث لولاه» أي بحيث لو لا قيام هذا الظن «على وفقه لما كان ترجيح لاحدهما» و هو الذي وافقه الظن من المتعارضين فيما اذا كانا متكافئين لو لا هذا الظن «او» يرجح بهذا الظن المرجوح لو لا موافقة هذا الظن له بحيث «كان» الترجيح «للآخر منهما» لو لا هذا الظن «ام لا» يرجح به و يكون المتعارضان بحالهما لو كانا متكافئين، و يتقدم الراجح لو لا هذا الظن على المرجوح الذي وافقه الظن فلا يكون لموافقة الظن له اثر

(1) أوّل ما يذكر هو ميزان الجبر و الترجيح و الوهن بهذا الظن للخبر، ثم بعد ذلك يذكر ما يحصل به الجبر و الترجيح و الوهن و ما لا يحصل به، فالعبرة في حصول الجبر بهذا الظن للخبر الضعيف هو دخول هذا الخبر الضعيف بواسطة هذا الظن تحت عنوان الحجية، بان يكون هذا الخبر الضعيف بسبب هذا الظن قد صار حجة و مشمولا لدليل حجية الخبر بعد ان لم يكن حجة و لا مشمولا لدليل الحجية، و العبرة في الترجيح بهذا الظن هو كون الخبر الذي وافقه الظن داخلا في الحجية، و خروج الخبر المعارض عن الحجية لمرجوحيته بواسطة قيام هذا الظن على خلافه، و لو لا موافقة هذا الظن لهما لما كان الخبر الضعيف داخلا في الحجية، و لما ترجح المعارض الذي وافقه الظن على معارضه الذي خالفه هذا الظن، حيث ان المتعارضين اذا لم يترجح احدهما لا يكونان معا حجة لتنافيهما، و لا يعقل حجية المتنافيين معا بالفعل، و لا يترجّح احدهما بخصوصه دون الآخر، لانه من الترجيح من غير مرجح، فلو لا

266

أو بصحة مضمونه، و دخوله بذلك تحت ما دل على حجية ما يوثق به، فراجع أدلة اعتبارها (1). و عدم جبر ضعف الدلالة بالظن بالمراد

____________

هذا الظن لما ترجح احدهما على الآخر، و المترجح بهذا الظن يكون هو الداخل تحت الحجية دون المرجوح، و إلّا لما كان للترجيح اثر.

و قد اشار الى ما ذكرنا بقوله: «ان العبرة في حصول الجبران او الرجحان بموافقته» أي ان العبرة في حصول الجبر بهذا الظن و حصول الترجيح به للخبر الذي وافقه هذا الظن «هو الدخول» للخبر الضعيف غير الحجة «بذلك» بواسطة موافقة هذا الظن له «تحت دليل الحجية او» دخول المعارض الذي وافقه الظن تحت «المرجحية الراجعة الى دليل الحجية» و شمولها له دون المعارض الذي خالفه هذا الظن.

و مما ذكرنا يظهر العبرة في الوهن بهذا الظن للخبر الذي خالفه، فان معنى وهن الخبر به هو خروجه بواسطة قيام هذا الوهن على خلافه عن دليل حجية الخبر، و اليه اشار بقوله: «كما ان العبرة في الوهن» بهذا الظن للخبر «انما هو الخروج» لهذا الخبر «ب» سبب «المخالفة» لهذا الظن «عن تحت دليل الحجية».

(1) توضيحه في بيان امور: الاول: انه قد تقدم ان الكلام في هذا الظن من جهات ثلاث: الجبر به، و الوهن به، و الترجيح به، و الكلام الآن في الجبر به.

الثاني: ان عدم دخول الخبر تحت دليل الحجية، تارة لضعف سنده بأن لا يكون من ناحية سنده مشمولا لدليل الحجية، و اخرى لضعف دلالته بان لا يكون له ظهور حتى يؤخذ بظهوره، و الكلام الآن في الجبر من ناحية السند.

الثالث: ان الذي يظهر من المصنف مما مر ان المدار عنده في حجية الخبر و شمول دليلها له هو الاعم من كون الخبر اما رواته عدول، او كونه موثوق الصدور، او موثوق المضمون بان يوثق بصدقه و مطابقته للواقع، و انما ذكر خصوص الموثوق بصدوره و الموثوق بصحة مضمونه لوضوح ان الكلام في مقام الجبر بالظن، و الجبر كما سيأتي انما هو لاقتضاء الظن و ان كان غير معتبر لدخول الخبر في عنوان دليل‏

267

.....

____________

الحجية، و من البديهي ان قيام الظن و موافقته للخبر الذي رواته غير عدول لا تجعلهم عدولا و لذلك ذكر خصوص موثوق الصدور و موثوق المضمون، لانهما هما اللذان يمكن ان يكون الظن موجبا لدخول الخبر غير الموثوق صدورا او مضمونا في الموثوق صدورا او مضمونا، بان يكون الخبر اما موثوقا بصدوره او موثوقا بصدق مضمونه و صحته في مطابقته للواقع.

و قد اشار اليهما بقوله: «فلا يبعد جبر ضعف السند في الخبر بالظن بصدوره او بصحة مضمونه» و يتحصّل من هذه العبارة اقسام للخبر من حيث الوثوق بصدوره او بصحة مضمونه:

الخبر الموثوق الصدور الموثوق المضمون، و لا اشكال في شمول دليل الحجية له.

و مثله الخبر الموثوق الصدور و ان لم يكن موثوقا بصحة مضمونه على ان لا يكون موثوقا بعدم صحة مضمونه.

الثالث الخبر الذي يكون موثوقا بصحة مضمونه و ان لم يكن موثوقا بصدوره، و هذا ايضا حجة لدخوله تحت قوله او بصحة مضمونه.

الرابع: الخبر الذي لا يوثق بصدوره و لا بصحة مضمونه، و هذا غير مشمول لدليل الحجية.

الخامس: الخبر الذي يوثق بصدوره و لكنه يوثق ايضا بعدم صحة مضمونه، فانه ايضا غير حجة لاشتراط وثوق الصدور بان لا يوثق فعلا بعدم صحة مضمونه و بكذبه.

اذا عرفت هذا فنقول: ان الخبر الضعيف و هو الذي لا يكون موثوقا بصدوره و لا موثوقا بصحة مضمونه لو خلّي و ذاته اذا قام الظن غير المعتبر على صدوره او على صحة مضمونه، فانه و ان لم يكن هذا الظن حجة بذاته إلّا انه يكون موجبا لدخول الخبر غير الحجة بطبعه في عنوان ما هو حجّة، لوضوح ان هذا الظن اوجب‏

268

لاختصاص دليل الحجية بحجية الظهور في تعيين المراد، و الظن من أمارة خارجية به لا يوجب ظهور اللفظ فيه كما هو ظاهر (1)، إلا فيما أوجب‏

____________

كون هذا الخبر اما موثوقا بصدوره، او موثوقا بصحة مضمونه، و قد عرفت حجية الخبر الموثوق بصدوره او بصحة مضمونه.

و قد اتضح مما ذكرنا: ان الخبر الموثوق بعدم صحة مضمونه لا يعقل ان يقوم الظن على صحة مضمونه، و اتضح ايضا ان الخبر الموثوق عدم صدوره ايضا لا يعقل ان يقوم الظن على صدوره فانهما خلف واضح، و اما الخبر الموثوق بعدم صدوره فيمكن ان يقوم الظن على صحة مضمونه، و لكنه لا يدخله في دليل حجية الخبر بعد ان كان موثوقا بعدم الصدور، نعم لو بنينا على حجية الوثوق بالمضمون كان مضمونه حجة، لا لانه مضمون خبر بل لكونه موثوق المطابقة.

و قد اشار الى السبب في جبر الخبر الضعيف سندا من جهة صدوره او مضمونه بقيام الظن على صدوره او على صحة مضمونه بقوله: «و دخوله بذلك» أي ان السبب في هذا الجبر بهذا الظن و ان لم يكن معتبرا هو انه يجعل الخبر غير الموثوق صدورا لو خلي و طبعه بواسطة قيام هذا الظن على صدوره يكون الخبر موثوق الصدور، فيدخل تحت دليل الحجية لما عرفت من كون موثوق الصدور حجة، و كذلك اذا قام هذا الظن على صحة مضمونه يكون حجة لكون الخبر الموثوق المضمون حجة، فيوجب هذا الظن دخول هذا الخبر الضعيف سندا «تحت ما دل على حجية ما يوثق به».

و الحاصل: انه لا منافاة بين ان لا يكون هذا الظن بنفسه معتبرا، و بين كونه موجبا لتحقق ما هو موضوع الحجية في الخبر.

(1) توضيحه: انه لا يخفى ان حجية الظهور هو كون اللفظ قالبا للمعنى بحسب المتفاهم العرفي، و الضعف من جهة الظهور هو كون اللفظ لا ظهور له بحسب المتفاهم، و من الواضح ان قيام الظن على كون المراد من هذا اللفظ هو معنى من‏

269

القطع و لو إجمالا باحتفافه بما كان موجبا لظهوره فيه لو لا عروض انتفائه (1)، و عدم وهن السند بالظن بعدم صدوره، و كذا عدم وهن‏

____________

المعاني لا يجعل اللفظ ظاهرا فيه بحسب المتفاهم العرفي، و لذا يصح ان يقال ان هذا اللفظ بما هو غير ظاهر في هذا المعنى بحسب المتفاهم العرفي، و مع ذلك نظن بان هذا المعنى هو المراد منه، و لو كان هذا الظن موجبا للظهور لما صحّ تسليم عدم الظهور مع تحقق الظن، و ان من البديهي ان ما لا قالبيّة له لا يكون قالبا اذا ظن بانه يراد منه معنى بخصوصه، و لذا قال (قدس سره): «و عدم جبر ضعف الدلالة بالظن بالمراد» فانه مع فرض عدم الظهور للفظ لا يكون له ظهور بقيام الظن على ارادة معنى بخصوصه من اللفظ، و انما لا يكون هذا الظن جابرا لضعف الدلالة «لاختصاص دليل الحجيّة بحجية الظهور» الذي هو قالبية اللفظ للمعنى «في» مقام «تعيين المراد» من اللفظ «و» من الواضح ان «الظن من امارة خارجية به» أي بالمراد «لا يوجب ظهور اللفظ فيه» أي في المعنى لعدم اقتضاء هذا الظن كون اللفظ قالبا للمعنى «كما هو ظاهر».

(1) توضيحه: ان الظن الحاصل من أمارة خارجية، تارة يقوم على ان المراد من هذا اللفظ هو هذا المعنى، مع فرض كون هذا المعنى هو احد المحتملات في هذا اللفظ و لا ظهور له في خصوصه، كما لو وافق فتوى المشهور احد المحتملات في معانيه، فان الظن الحاصل من فتوى المشهور لا يجعل اللفظ غير الظاهر ظاهرا كما عرفت.

و اخرى يعلم اجمالا بان المشهور استندوا في فتواهم الى ظاهر هذا الخبر، و هذا ايضا على نحوين: الاول: ان لا يعلم بان ما استندوا اليه لو اطلعنا عليه لكان ظاهرا عندنا ايضا، و مثل هذا الاستناد ايضا لا يوجب كون اللفظ ظاهرا، لعدم حجية رأي على رأي آخر. الثاني: ان يعلم اجمالا ان المشهور استندوا الى هذا الخبر لانه كان محتفا بقرينة لو اطلعنا عليها لكان له ظهور عندنا ايضا، و مثل هذا الاستناد يوجب القطع بكون هذا الخبر داخلا في حجية الظهور و ان لم يكن ظاهرا بالفعل،

270

دلالته مع ظهوره (1)، إلا فيما كشف بنحو معتبر عن ثبوت خلل في سنده، أو وجود قرينة مانعة عن انعقاد ظهوره فيما فيه ظاهر لو لا تلك‏

____________

و الى هذا اشار بقوله: «الا فيما اوجب» الظن بان المراد واقعا من هذا اللفظ هو هذا المعنى كون اللفظ ظاهرا في هذا المعنى، للقطع اجمالا بان المشهور قد استندوا الى ما هو الظاهر، لاحتفاف الكلام بقرينة كانت موجبة لظهوره و قد سقطت عنه، فيكون هذا الظن موجبا «القطع و لو اجمالا باحتفافه» أي باحتفاف هذا الكلام «بما كان موجبا لظهوره فيه لو لا عروض انتفائه» أي لو لم ينتف هذا الموجب للظهور و لم يسقط لكان لهذا الكلام ظهور بالفعل.

و قد اتضح مما ذكرنا: ان متعلق الظن و القطع ليس شيئا واحدا حتى يقال بانه لا يعقل ان يتعلق الظن و القطع بشي‏ء واحد في زمان واحد، بل متعلق الظن هو كون المراد من هذا اللفظ واقعا هو هذا المعنى، و متعلق القطع هو احتفاف هذا الكلام بما يوجب الظهور.

و قد ظهر ايضا ان هذا الاستثناء ليس بمنقطع، لان المستثنى منه هو اللفظ الذي لا ظهور له بالفعل، فانه تارة لا يكون هذا الظن موجبا لان يكون له ظهور اجمالا، و اخرى يكون هذا الظن موجبا لظهوره اجمالا، بمعنى انه لو وجد تلك القرينة المحتفة به لكان له ظهور بالفعل، فان العلم بان له ظهورا بهذا النحو لا ينافي كونه ليس له ظهور بالفعل.

(1) لما فرغ من الكلام في جبر ضعف السند و الدلالة بهذا الظن الذي لم يقم على اعتباره دليل ... شرع في الكلام في حصول الوهن به للخبر و عدمه سندا و دلالة، و انه لا يوجب و هنا في سند الخبر و لا في دلالته في غير مورد الاستثناء كما سيظهر ان شاء اللّه تعالى.

و توضيحه ببيان امور: الاول: انك قد عرفت ان المتحصل من ادلة حجية الخبر هو الاعم من كون رواته ثقات، او كونه موثوقا بصدوره، او بصحة مضمونه.

271

.....

____________

الثاني: ان المراد من الظن الموهن القائم على خلاف مؤدى الخبر هو الظن الشخصي دون النوعي، لكون المراد من الظن الجابر هو الشخصي قطعا، لوضوح عدم كون الظن النوعي غير المعتبر موجبا لتحقق الموضوع في الخبر في جعل الخبر غير الموثوق صدورا أو مضمونا موثوقا صدورا او مضمونا، و الظن الموهن هو بعينه الظن الجابر، الّا ان الاول يقوم على خلاف مؤدّى الخبر، و الثاني يقوم على ما يوافق مؤدّاه، و وحدة السياق فيما هو محل الكلام في الجابرية و الموهنيّة تدل على ذلك.

الثالث: ان محل الكلام في وهنه بقيام الظن على خلافه و عدمه هو خبر الثقة دون الخبر الموثوق بصدوره او مضمونه، لعدم امكان ان يكون الموثوق بصدوره او بمضمونه مظنونا بعدم صدوره او بعدم مضمونه فانه خلف واضح.

نعم، الخبر الذي كان حجة لكون راويه ثقة يمكن ان يقوم الظن من امارة خارجية على خلافه.

اذا عرفت هذا فنقول: ان دليل حجية خبر الثقة سواء كان هو الاخبار أو بناء العقلاء ليس بمشروط بالظن اصلا، لا بان يقوم على وفقه و لا بان لا يقوم على خلافه، فخبر الثقة حجة و ان قام الظن على خلافه، و منه يتضح عدم وهن خبر الثقة بقيام هذا الظن على خلافه، و اتضح الفرق بين كون هذا الظن جابرا و موهنا، فان جابريته انما هي للخبر باعتبار ايجابه دخول الخبر في الموثوق صدورا او مضمونا، و عدم وهنه انما هو لكون مورد الوهن هو خبر الثقة غير المشروطة حجيته بشي‏ء من الظن اصلا، و سيشير فيما يأتي من كلامه بان مورد الوهن هو خبر الثقة في مقام التعليل لعدم الوهن بالظن في قوله: «لعدم اختصاص دليل اعتبار خبر الثقة».

و على كل، فقد ظهر عدم الوهن بهذا الظن، و اليه اشار بقوله: «و عدم وهن السند» في خبر الثقة «بالظن بعدم صدوره» الحاصل من امارة خارجية لم يقم على اعتبارها دليل.

272

القرينة (1)، لعدم اختصاص دليل اعتبار خبر الثقة و لا دليل اعتبار

____________

و اما عدم وهن دلالة ما له ظهور بقيام هذا الظن على خلافه فلانه لا يوجب خللا في ظهوره، لما ذكرناه ايضا و هو عدم اشتراط دليل حجية الظهور بان لا يقوم ظن على خلافه كما مر بيانه في مبحث الظواهر، فان بناء العقلاء قد استقر على الاخذ بالظهور و ان قام الظن الشخصي على خلافه، و لما لم تكن حجية الظهور مشروطة لم يكن قيام هذا الظن على خلاف الخبر التام ظهوره موجبا لخلل في حجية ظهوره، و لذا قال (قدس سره): «و كذا عدم وهن دلالته مع ظهوره» أي كما ان هذا الظن القائم على خلاف هذا الخبر لا يكون موجبا للوهن من جهة السند، كذلك لا يوجب الخلل و الوهن من ناحية ظهوره و دلالته.

(1) الكلام في هذا الاستثناء كالكلام في الاستثناء المتقدم، و حاصله: ان الظن الحاصل من امارة خارجية على خلاف الخبر التام سندا او ظهورا كمخالفة فتوى المشهور له و اعراضهم عنه لا توجب خللا في حجيته كما عرفت، و لا اعتبار لهذا الظن الحاصل من فتوى المشهور على خلاف مؤدى هذا الخبر التامة حجيته، الا فيما علمنا بان السبب لفتوى المشهور على خلافه و اعراضهم عن التمسك به هو انهم قد اطلعوا على خلل في رجال السند بحيث لو اطلعنا عليه لكان خللا عندنا، اما لو كان السبب في الاعراض احتمال كون الخلل خللا عندهم لا عندنا، او كان السبب للمشهور هو حسن ظن المتأخر منهم بمن تقدمهم، كحسن ظنهم بالشيخ و كان قد افتى على خلاف مؤدى هذا الخبر، او كان السبب للمشهور مخالفة هذا الخبر للاحتياط أو امثال هذه الاحتمالات، فلا يكون فتوى المشهور على خلافه و اعراضهم عنه موجبا للخلل في سنده.

نعم لو علمنا بان سبب الاعراض هو اطلاع المشهور- مثلا- على طعن في رجال هذا السند، بحيث لو اطلعنا على هذا الطعن لكان موجبا لخروجهم عن الوثاقة عندنا ايضا، فانه حينئذ يكون ذلك كاشفا عن وجود الخلل في السند، فان اعراض‏

273

الظهور بما إذا لم يكن ظن بعدم صدوره، أو ظن بعدم إرادة ظهوره (1).

____________

المشهور اذا كان كذلك يكون من اقوى الشهادات على الخلل الموجب لخروج هذا السند عن دليل الحجيّة، و الى هذا اشار بقوله: «الا فيما كشف بنحو معتبر عن ثبوت خلل في سنده».

و اما في اعراض المشهور الموجب للوهن في الدلالة فهو فيما اذا كشف ان السبب في الاعراض عن دلالة هذا الخبر هو اطلاعهم على قرينة قد احتفت به تكون مانعة عن انعقاد ظهوره، بحيث لو اطلعنا عليها لكانت ايضا قرينة عندنا على خلاف ظهوره و لما انعقد له ظهور عندنا ايضا، و فيما عدا ذلك لا يكون اعراض المشهور موجبا لخلل في الدلالة، و الى هذا اشار بقوله: «او وجود قرينة» أي فيما كان السبب في هذا الظن الحاصل من اعراض المشهور الكاشف لكون السبب في هذا الاعراض منهم هو وجود قرينة «مانعة عن انعقاد ظهوره فيما» كان «فيه ظاهرا لو لا تلك القرينة» أي ان تكون تلك القرينة موجبة لان لا يكون ظاهرا فيما هو فيه ظاهر فعلا.

(1) هذا تعليل لعدم كون الظن القائم على خلاف خبر الثقة موجبا للوهن فيه في غير مورد الاستثناء، و حاصل التعليل هو ما مرّ من عدم كون دليل حجية خبر الثقة مشروطا بعدم قيام الظن على خلافه، و مثله الظن القائم على خلاف الخبر التام الظهور فانه لا يوجب وهنا كما عرفت في غير مورد الاستثناء ايضا، لعدم اشتراط دليل حجية الظهور ايضا بعدم قيام الظن على خلافه، و لذا قال (قدس سره): «لعدم اختصاص دليل اعتبار خبر الثقة» الذي هو الممكن ان يقوم الظن على خلافه «و لا دليل اعتبار الظهور بما اذا لم يكن ظن بعدم صدوره او ظن بعدم ارادة ظهوره» و السبب في عدم الاختصاص هو عدم اشتراط دليل الحجية فيهما بعدم الظن على الخلاف كما مرّ بيانه.

274

[الترجيح بالظن غير المعتبر]

و أما الترجيح بالظن، فهو فرع دليل على الترجيح به، بعد سقوط الامارتين بالتعارض من البين، و عدم حجية واحد منهما بخصوصه و عنوانه، و إن بقي أحدهما بلا عنوان على حجيته، و لم يقم دليل بالخصوص على الترجيح به.

و إن ادعى شيخنا العلامة- أعلى اللّه مقامه- استفادته من الاخبار الدالة على الترجيح بالمرجحات الخاصة، على ما في تفصيله في التعادل و الترجيح (1) و مقدمات الانسداد في الاحكام إنما توجب حجية الظن‏

____________

(1) قد مرّ ان الكلام في هذا الظن غير المعتبر، تارة من جهة الجبر به، و ثانية من ناحية الوهن، و ثالثة في خصوص الترجيح. و لما فرغ من الكلام عليه في الجهتين شرع في الجهة الثالثة و هي الترجيح به.

و توضيحه في بيان امور: الاول: ان جعل الامارة تارة على مبنى الطريقية فيها و انها جعلت طريقا الى الواقع، و اخرى على الموضوعية و انها سبب لجعل الحكم على طبق ما قامت عليه.

الثاني: ان القاعدة الاوّليّة في الامارتين المتعارضتين- بناء على الطريقية- هو التساقط من ناحية الحجيّة الفعليّة و ان احدهما بلا عنوان معين له هو الحجة، اما تساقطهما فلانه لما كان الواقع الذي كانت الامارتان طريقا اليه واحدا و المفروض تنافيهما فيه، فلا وجه للاخذ باحدهما من باب كونه طريقا اليه من دون الآخر، لانه من الترجيح بلا مرجح، و اما كون احدهما بلا عنوان حجة فلأن احدهما هو الطريق- واقعا- الى الواقع، و حيث لم يعلم به بخصوصه فيبقى العلم بان احدهما هو الحجة، و لما يعلم عنوانه بخصوصه فيكون احدهما من دون عنوان هو الحجة.

و اما بناء على الموضوعيّة فالقاعدة الاولية تقتضي التخيير لعدم امكان حجيتهما، معا لاستلزام ذلك جعل حكمين متضادين بالفعل، و لما كان كل واحد منهما مقتضيا لجعل الحكم الفعلي المشتمل على المصلحة فتركهما معا ترك المصلحة القطعيّة، فلا بد

275

.....

____________

من الاخذ باحدهما لئلا تفوت المصلحتان معا كما سيأتي التعرّض لذلك مفصّلا في باب التعادل و التراجيح ان شاء اللّه تعالى.

و اما بناء على القاعدة الثانوية المستفادة من الادلة الخاصة في خصوص مورد التعارض فمجمل القول فيها: ان الامارتين المتعارضتين اذا كانتا من غير الاخبار كالاجماعين المنقولين المتعارضين فالمدار على القاعدة الاولية المذكورة، و اما اذا كانتا خبرين فسيأتي في باب التعارض ان المستفاد من الاخبار الخاصة المسماة بأدلة العلاج هل هو التخيير مطلقا، أو الاخذ بالمرجحات المنصوصة، و الّا فالتخيير أو الاخذ بكل ما له مزية و ان لم تكن منصوصة و الّا فالتخيير بدعوى ان المنصوصات من باب المثال؟

الثالث: انه لما كان المختار للمصنف هي الطريقية لم يتعرّض للموضوعيّة في المتن في هذا المقام.

الرابع: انه قد ذكر لترجيح احد المتعارضين بهذا الظن وجوه، اشار المصنف الى ثلاثة منها و هي كلها غير مرضية له.

الاول: قيام الدليل على الترجيح به، بدعوى ان المستفاد من ادلة العلاج الخاصة هو الترجيح لكل ذي مزية و ان لم تكن من المنصوصات، و من الواضح ان المعارض الذي وافقه هذا الظن له المزية على المعارض الآخر، و لما لم يستفد المصنف ذلك لم يكن هذا الوجه صحيحا عنده، و اليه اشار بقوله: «و لم يقم دليل بالخصوص على الترجيح به» أي بهذا الظن «و ان ادّعى شيخنا العلامة اعلى اللّه مقامه استفادته» أي استفادة الدليل على الترجيح به، و هو ما استفاده «من الاخبار الدالة على الترجيح بالمرجحات الخاصة» بدعوى ان المرجحات الخاصة لا خصوصية لها و انها من باب المثال، و ان المدار على كل مزية مرجحة و ان لم تكن منصوصة، بعد ان اشار المصنف في صدر عبارته الى ان الترجيح بهذا الظن انما هو بقيام الدليل على الترجيح بقوله: «و اما الترجيح بالظن فهو فرع دليل على الترجيح‏

276

بالحكم أو بالحجة، لا الترجيح به ما لم توجب الظن بأحدهما (1)، و مقدماته في خصوص الترجيح لو جرت إنما توجب حجيّة الظن في تعيين‏

____________

به» ثم اشار الى القاعدة الاولية في المقام بناء على الطريقيّة بقوله: «بعد سقوط الامارتين بالتعارض ... الى آخر الجملة».

(1) هذا هو الوجه الثاني الذي اشار اليه للترجيح بهذا الظن، و حاصله: انه لو كانت الامارتان المتعارضتان في فرض الانسداد في كلي الاحكام، فان هذا الظن يكون مرجحا لما وافقه من الامارتين، لان نتيجة الانسداد هي حجية الظن فيما قام عليه، و قد قام هذا الظن على الترجيح لاحدى الامارتين فيكون الترجيح به مما قام الدليل عليه.

و فيه أولا: ان الكلام في الترجيح بهذا الظن سواء على الانفتاح أو الانسداد، فالترجيح به في خصوص الانسداد اخص من المدعى.

و ثانيا: ان المتحصّل من دليل الانسداد هو حجية الظن القائم على الحكم او على الطريق، دون الظن القائم على الترجيح لاحدى الامارتين المتعارضتين.

نعم، لو اوجب هذا الظن الظن الشخصي بالحكم المطابق لاحدى الامارتين او الظن الشخصي بحجية احدى الامارتين كان موجبا للترجيح، و الى هذا اشار بقوله:

«و مقدمات الانسداد في الاحكام انما توجب» خصوص «حجية الظن بالحكم او بالحجة لا» حجية الظن في مقام «الترجيح به ما لم توجب الظن» الشخصي «باحدهما» و لازم هذا كون الكلام في الترجيح بالظن الاعم من النوعي و الشخصي، لان المزية التي هي المدار في الترجيح كما تحصل بالظن الشخصي تحصل بالظن النوعي ايضا، و لما كانت نتيجة الانسداد هي حجية خصوص الظن الشخصي لذا كان الظن النوعي تارة يوجب الظن الشخصي، و اخرى لا يوجبه، ففيما كان الظن النوعي الموافق لاحدى الامارتين قد يوجب الظن الشخصي و قد لا يوجبه لذا كان هذا الظن ان استلزم الظن الشخصي كان مرجّحا و الّا فلا.

277

المرجح، لا أنه مرجح إلا إذا ظن أنه- أيضا- مرجّح، فتأمل جيدا، هذا فيما لم يقم على المنع عن العمل به بخصوصه دليل (1).

____________

(1) هذا هو الوجه الثالث للترجيح بهذا الظن، و حاصله: جريان انسداد في خصوص الترجيح بهذا الظن، و بيانه هو العلم الاجمالي بوجود مرجحات من قبل الشارع، و باب العلم و العلمي منسدّ اليها، و الاهمال رأسا غير جائز للعلم بعدم رضاء الشارع به، و الاحتياط غير ممكن لان الاخذ بكل ما احتمل كونه مرجحا يؤدّي غالبا الى احتمال المرجّح لكلا المتعارضين فيعود المحذور من التعارض ايضا، و الرجوع الى الاصل الذي هو الاستصحاب لا يجوز لانه في المقام هو استصحاب عدم المرجح، و بعد العلم الاجمالي بوجود المرجّح لا يجوز العمل بهذا الاستصحاب كما تقدم بيانه مرارا، فيدور الامر بين الاخذ بالظن بالترجيح و الاخذ بالترجيح الموهوم أو المشكوك، و ترجيح المرجوح الذي هو الوهم و الشك على الظن الذي هو الراجح قبيح، فتكون نتيجة هذا الانسداد حجية الظن القائم على الترجيح.

و فيه اولا: انه لا علم بوجود المرجح اجمالا من الشارع عدا المرجحات المنصوصة فيما ورد عنه.

و ثانيا: انه بعد تسليم هذا الانسداد فنتيجته هو حجية الظن الشخصي في تعيين المرجّح لا كون نفس الظن مرجحا، الّا اذا استلزم الظن الشخصي بالمرجح كون الظن بنفسه مرجحا من المرجحات.

و بعبارة اخرى: ان لازم هذه المقدمات هو حجية الظن القائم على كون ضبط الراوي أو ورعه أو امثال ذلك من المرجحات لا كون الظن بنفسه من المرجحات فيما اذا وافق احد المتعارضين. نعم لو حصل الظن بكون الظن بنفسه من المرجحات لصح الترجيح به، و اليه اشار بقوله: «و مقدماته» أي و مقدمات الانسداد «في خصوص الترجيح لو جرت» و اغمضنا عن عدم العلم الاجمالي الذي هو اول المقدمات المذكورة، أو ناقشنا بامكان الاحتياط و لم نسلّم عدم امكانه، فالنتيجة

278

[الجبر و الوهن و الترجيح بمثل القياس‏]

و أما ما قام الدليل على المنع عنه كذلك كالقياس، فلا يكاد يكون به جبر أو وهن أو ترجيح، فيما لا يكون لغيره أيضا، و كذا فيما يكون به أحدهما، لوضوح أن الظن القياسي إذا كان على خلاف ما لولاه لكان حجة- بعد المنع عنه- لا يوجب خروجه عن تحت دليل الحجية، و إذا كان على وفق ما لولاه لما كان حجة لا يوجب دخوله تحت دليل الحجية، و هكذا لا يوجب ترجيح أحد المتعارضين، و ذلك لدلالة دليل المنع على إلغائه الشارع رأسا، و عدم جواز استعماله في الشرعيات قطعا، و دخله في واحد منها نحو استعمال له فيها، كما لا يخفى، فتأمل جيدا (1).

____________

الحاصلة منها «انما توجب» حجية الظن في تعيين المرجح كما لو ظنّنا بان الاضبطيّة و الأورعيّة مرجح «لا انه» أي لا ان الظن بنفسه «مرجح الّا اذا ظن انه ايضا» هو «المرجح» أي الّا اذا حصل لنا ظن ايضا بان الظن بنفسه مرجح من المرجحات.

(1) لما فرغ من الكلام في الظن الذي لم يقم على اعتباره دليل، و قد عرفت انه خصوص الظن غير المعتبر الذي لم يرد نهي عنه، و انما كان عدم اعتباره لعدم الدليل على اعتباره ... شرع في الكلام على الظن الذي قام الدليل على النهي عنه و عدم جواز العمل به، كالظن الحاصل من القياس، فهل يكون جابرا أو موهنا أو مرجحا، ام لا يكون جابرا و لا موهنا و لا مرجحا؟

و حاصله: ان الظن الحاصل من القياس، تارة يكون في مقام لا يكون فيه الظن غير المنهي عنه جابرا و لا مرجحا و لا موهنا، و في مثله لا يكون للظن المنهي عنه احد هذه الامور الثلاثة بطريق اولى، لان لازم كون الظن غير المنهي عنه لا اثر له هو سقوط الظن غير المعتبر شرعا من رأس، و مع سقوطه مع كونه غير منهي عنه فسقوط المنهي عنه اولى، لكونه غير معتبر و منهيا عنه ايضا، و الى هذا اشار بقوله:

«فلا يكاد يكون به» أي فلا يكاد يكون بالظن المنهي عنه جبر أو وهن او ترجيح فيما لا يكون» الجبر و الوهن و الترجيح «لغيره» و هو الظن غير المنهي عنه.

279

.....

____________

و اخرى يكون الظن المنهي عنه في مقام يكون الظن غير المنهي عنه جابرا أو موهنا أو مرجحا، و في هذا المقام ايضا لا يكون الظن المنهي عنه جابرا و لا موهنا و لا مرجحا، لان معنى النهي عنه هو كونه في نظر الشارع بحكم العدم، و ما كان عند الشارع بحكم العدم لا يعقل ان يكون له اثر عند الشارع.

هذا مضافا الى ان الجبر و الوهن و الترجيح به هو اعمال له و اتباع له فيما قام عليه، و هو مناف لما دلّ على النهي عنه و حرمة اتباعه و اعماله.

فتحصل مما ذكرنا: ان الظن القياسي الموافق للخبر الضعيف غير الحجة سندا لا يدخله في موضوع ما هو الحجة من الخبر و هو الموثوق بصدوره او بصحة مضمونه، لان الوثوق المعتبر حجيته هو الحاصل من غير القياس، لان الوثوق الحاصل منه بحكم العدم عند الشارع و منهي عنه ايضا، و مثله فيما لو قام الظن القياسي على خلاف ما كان من الخبر حجة، فان قيامه على خلافه لا يخرجه عمّا هو موضوع الحجيّة، لان كون الظن موهنا انما هو فيما اذا كان الموضوع في حجية الخبر هو الخبر الذي لم يقم الظن على خلافه، فحيث يكون الموضوع مقيدا بعدم قيام الظن على الخلاف يكون الظن القائم على خلاف الخبر موجبا لخروجه عن موضوع الحجية في الخبر، و لكن شرطية عدم قيام الظن على خلاف الخبر شرعا بضم النهي عن الظن القياسي، يكون المتحصّل هو ان الظن المشروط عدم قيامه على الخلاف هو غير الظن المنهي عنه، لانه بحكم العدم شرعا و محرم اعماله ايضا، فلا يكون الظن القياسي موهنا لحجيّة ما هو الحجة.

و مما ذكرنا ظهر حال الترجيح به لاحد المتعارضين، فانه بعد ان كان بحكم العدم و محرما اعماله و اتباعه لا يصح الترجيح به شرعا، و قد اشار الى عدم حصول الجبر و الوهن به بقوله: «و كذا فيما يكون به» أي في مقام يكون للظن غير المنهي عنه «احدهما» من الجبر أو الوهن لا يكون للظن المنهي عنه ذلك، فلا يكون جابرا و لا موهنا، و قد علّله بقوله: «لوضوح ان الظن القياسي اذا كان على خلاف ما

280

.....

____________

لولاه لكان حجة» أي اذا قام هذا الظن القياسي على خلاف الخبر الذي هو حجة، و هو المراد من قوله ما لولاه لكان حجة: أي الخبر الذي لو لا هذا الظن لكان تام الحجيّة، فقيامه على خلافه لا يضر بحجيّته «بعد المنع عنه» شرعا الموجب لكونه بحكم العدم شرعا و حرمة اتباعه و اعماله عنده، و لذلك «لا يوجب» هذا الظن «خروجه» أي خروج الخبر «عن تحت دليل الحجية و اذا كان» الظن القياسي على وفق الخبر الضعيف، و هو مراده من قوله: «ما لولاه لما كان حجة لا يوجب» موافقة هذا الظن له «دخوله تحت دليل الحجيّة» بعد ان كان الخبر ليس بحجة، فموافقة هذا الظن له لا يصيره حجة بعد ان كان هذا الظن بحكم العدم شرعا و محرما اعماله و اتباعه، و اشار الى عدم الترجيح به بقوله: «و هكذا لا يوجب» موافقة هذا الظن «ترجيح احد المتعارضين» و هو الذي وافقه الظن القياسي على معارضه.

ثم اشار الى التعليل الشامل للامور الثلاثة الجبر و الوهن و الترجيح به، و انه لا يحصل به جبر و لا وهن و لا ترجيح بقوله: «و ذلك لدلالة دليل المنع» عنه «على الغائه» عند «الشارع رأسا» و ما كان ملغى و بحكم العدم شرعا لا يعقل ان يكون له اثر عند الشارع «و» ايضا النهي عنه يدل على «عدم جواز استعماله في الشرعيات» و حرمة اتباعه فيها «قطعا و» من الواضح ان «دخله في واحد منها» أي و دخله في الجبر و الوهن و الترجيح به هو «نحو استعمال له فيها كما لا يخفى»

281

المقصد السابع في الاصول العملية

282

.....

____________

283

المقصد السابع في الاصول العملية و هي التي ينتهي إليها المجتهد بعد الفحص و اليأس عن الظفر بدليل، مما دل عليه حكم العقل أو عموم النقل (1)، و المهم منها

____________

(1) لا يخفى انه قد تقدم في أوّل الجزء الاول: ان علم الاصول هو عبارة عن القواعد التي تقع في طريق الاستنباط، و القواعد التي ينتهي اليها المجتهد بعد الفحص و اليأس عن الدليل الدال على ان مؤدّاه هو الحكم الواقعي، و بعد الكلام فيما سبق عمّا يقع في طريق الاستنباط ... شرع في الكلام عن القواعد التي ينتهي اليها في مقام العمل، و هي التي اطلق عليها اسم الاصول العمليّة.

و الكلام فيها من جهات: الاولى: في تسميتها بالاصول العمليّة او بالدليل الفقاهتي كما في رسائل الشيخ الاعظم (قدس سره).

و توضيح ذلك: ان الدليل المعتبر شرعا، تارة يكون اعتباره بلسان انه دليل على الحكم الواقعي، و يطلق عليه مرة الدليل مجردا، و ثانية: انه الدليل الاجتهادي، و ثالثة الامارة، و ان كان يظهر من الشيخ في الرسائل بان ما كان منه دليلا في الاحكام يسمى بالدليل الاجتهادي، و ما كان في الموضوعات يسمى بالامارة.

و اخرى يكون اعتباره لا لانه دليل على الحكم الواقعي، بل لانه هو المرجع في حال الشك سواء كان له بذاته حكاية عن الواقع ناقصة كالاستصحاب بناء على انه مما يفيد الظن، أو لا كالبراءة مثلا، و هذا هو المسمى بالاصول العمليّة المبحوث عنه في هذا المقصد السابع، و انما سمّى بالاصول لان الاصل لغة ما يبتنى عليه الشي‏ء، و هذا مما يبتنى عليه في حال الشك، و بالعمليّة لانها هي التي يكون العمل على طبقها في حال الشك.

لا يقال: ان هذا موجود في الأمارة ايضا، فانها مما يبتنى عليها في حال الشك و العمل على طبقها ايضا في حاله.

284

.....

____________

و الجواب عنه أولا: ان هذا و ان كان موجودا في الامارة الّا انه لما كان المهمّ هو معرفة الحكم الواقعي و كانت الامارة لسان اعتبارها انها الموصلة اليه، كان تسميتها بالدليل و بالامارة على الحكم الواقعي اولى من تسميتها لكونها يبنى عليها في مقام الشك، او لان العمل يكون على طبقها في حال الشك، و بقى هذا السبب للاصول لانها لم يكن اعتبارها لجهة ايصالها اليه، و لا يلزم في المناسبات الاسمية اختصاص السبب بالمسمى بحيث لا يمكن تحققه في غيره.

و ثانيا: ان تسمية الشي‏ء انما هي بعد تمييز ماهيته عن بقية الماهيات، و بعد امتياز هذه عمّا يقع في طريق الاستنباط، و انها هي التي ينتهي اليها في مقام العمل بعد الفحص و اليأس سميت بالاصول العملية، فالمسمى بالاصل العملي هو المرجع بعد الفحص و اليأس، و من الواضح ان الذي يبنى عليه بعد الفحص و اليأس مما لا يعم الامارة، و كذلك كونه مرجعا للعمل بعد الفحص و اليأس فانه ايضا مما يختص بها و لا يعم الامارات.

و اما السبب في تسميتها بالدليل الفقاهتي و الامارة بالاجتهادي، فلما اشار اليه الشيخ في الرسائل انه مأخوذ من تعريف الاجتهاد، فانهم بعد ان عرفوا الاجتهاد و بانه استفراغ الوسع لتحصيل الفقيه الظن بالحكم، و كانت الامارة مما تفيد الظن بالحكم للفقيه اختصت باسم الامارة عليه، و الدليل الاجتهادي للفقيه على ذلك، و الاصل لما لم يكن مما يفيد الظن بالحكم الواقعي، و كان مرجعا للفقيه بالخصوص لانه في مقام الشبهة الحكمية المختصة به ناسب ان يسمى بالدليل الفقاهتي.

الجهة الثانية ان توصيف هذه القواعد المسماة بالاصول العمليّة بانها هي التي ينتهي اليها المجتهد بعد الفحص و اليأس انما هو لإدراجها في المسائل الاصولية، و اخراج القواعد الفقهية عنها.

اما وجه ادراجها بهذا العنوان في مسائل الاصول، فلانها لما كانت من القواعد المختصة بالمجتهد لان موردها الشبهة الحكمية، فان المجتهد هو الذي يشك في اصل‏

285

أربعة (1)، فإن مثل قاعدة الطهارة فيما اشتبه طهارته بالشبهة الحكمية، و إن كان مما ينتهي إليه فيما لا حجة على طهارته و لا على نجاسته، إلا أن البحث عنها ليس بمهم، حيث إنها ثابتة بلا كلام، من دون حاجة إلى نقض و إبرام، بخلاف الاربعة، و هي: البراءة و الاحتياط، و التخيير و الاستصحاب: فإنها محل الخلاف بين الاصحاب، و يحتاج تنقيح مجاريها و توضيح ما هو حكم العقل أو مقتضى عموم‏

____________

الحكم بعد الفحص عن الدليل، و هو الذي يشك في المكلّف به، و هو الذي يكون عنده الدوران بين المحذورين، و هو الذي يعتبر يقينه السابق و شكه اللاحق في الحكم الكلي، و لما كانت عامة لجميع ابواب الفقه كانت مما ينبغي ان يبحث عنها في الامور العامة التي يبنى عليها العمل في جميع الفقه، فلذلك كانت من مسائل الاصول دون الفقه.

و اما اخراج القواعد الفقهية عنها كقاعدة ما لا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده، و قاعدة الزموهم بما الزموا به انفسهم، فلأنها ليست مرجعا بعد الفحص و اليأس، بل هي قواعد مجعولة ابتدائية في مواردها، مضافا الى ما سيذكره في الجواب عن قاعدة الطهارة في كونها ليست عامة، و انما هي قواعد مختصة بأبواب خاصة، لو تمّ هذا الجواب عنده.

(1) هذه الجهة الثالثة، و لا يخفى ان حصر الاصول في هذه الاربعة استقرائي، لإمكان ان يكون في مقام الشك في اصل التكليف لا يرجع الى البراءة، بل يكون المرجع الاحتياط أو التخيير، و كذلك في مقام اليقين السابق و الشك اللاحق المرجع البراءة لا الاستصحاب.

و اما طريق الحصر في هذه الاربعة فعقلي كما تقدم بيانه في أوّل هذا الكتاب، و على كل فالاصول الاربعة هي: البراءة و الاحتياط و التخيير و الاستصحاب.

286

النقل فيها إلى مزيد بحث و بيان و مئونة حجة و برهان هذا مع جريانها في كل الابواب، و اختصاص تلك القاعدة ببعضها (1)،

____________

(1) هذه الجهة الرابعة، و حاصلها: ان التعريف المذكور للاصول العملية بانها التي ينتهي اليها المجتهد بعد الفحص و اليأس مما ينطبق على قاعدة الطهارة الجارية في الشبهة الحكمية، كما لو شككنا في طهارة حيوان متولد من نجس العين و طاهر العين، فان المرجع في الحكم بطهارته قاعدة الطهارة و هي مما تختص بالمجتهد لانها من الشبهة الحكمية، و الرجوع اليها لا يكون إلّا بعد الفحص و اليأس، فانه لو وجد نص دال على طهارته او نجاسته كان هو المرجع دون قاعدة الطهارة، فما الوجه في اخراجها من الاصول العملية و ادراجها في القواعد الفقهية؟ و الى هذا الاشكال اشار بقوله:

«فان مثل قاعدة الطهارة ... الى آخر الجملة» و قد أجاب عنها بجوابين:

الاول: ان البحث انما يكون في الامور غير المسلمة عند الكل، لوضوح انه لا وجه للبحث عما هو مسلم عند الكل، و لما كانت هذه الاصول الاربعة غير مسلمة عند الكل اختصت بالإفراد لأجل البحث، بخلاف قاعدة الطهارة فانها من الامور المسلمة عند الكل، و لذا لم تدرج في هذه الاصول المبحوث عنها، و مرجع هذا الجواب الى تسليم كونها من الاصول العملية و ليست من مسائل الفقه، و انما لم تدرج لانه لا مجال للبحث عنها لتسليمها، و اليه اشار بقوله: «إلّا ان البحث عنها ليس بمهم حيث انها ثابتة بلا كلام ... بخلاف الاربعة ... الى آخر الجملة».

الثاني: ان السبب في كونها ليست من الاصول العملية هو عدم عمومها لجميع ابواب الفقه لاختصاصها بباب الطهارة، بخلاف هذه الاربعة فانها عامة لجميع ابواب الفقه، و اليه اشار بقوله: «هذا مع جريانها» أي جريان الاصول الاربعة المذكورة «في كل الابواب» الفقهية «و اختصاص تلك القاعدة» أي قاعدة الطهارة «ببعضها» أي ببعض ابواب الفقه.

287

فافهم (1).

[اصالة البراءة]

فصل لو شك في وجوب شي‏ء أو حرمته، و لم تنهض عليه حجة جاز شرعا و عقلا ترك الاول و فعل الثاني، و كان مأمونا من عقوبة مخالفته، كان عدم نهوض الحجة لاجل فقدان النصّ أو إجماله، و احتماله الكراهة أو الاستحباب، أو تعارضه فيما لم يثبت بينهما ترجيح، بناء على التوقّف في مسألة تعارض النصين فيما لم يكن ترجيح في البين.

و أما بناء على التخيير- كما هو المشهور- فلا مجال لاصالة البراءة و غيرها، لمكان وجود الحجة المعتبرة، و هو أحد النصين فيها (2) كما لا يخفى.

____________

(1) الظاهر انه يشير الى ما يرد على الوجه الثاني، من ان كون المسألة عامة لجميع الابواب ليس هو الملاك في كونها اصوليّة، بل الملاك في كونها اصولية هو كونها مما تختص بالمجتهد و انه هو الذي ينتهي اليها، و ان الانتهاء اليها يكون بعد الفحص و اليأس، و هذا الملاك موجود في قاعدة الطهارة.

و لعله يشير الى المناقشة في الجواب الاول ايضا، و هو ان الملاك في البحث عن هذه الاصول معرفتها لا كونها مسلّمة او غير مسلّمة، فكونها مسلّمة عند الكل لا يقتضي خروجها، مضافا الى ما يقال من انها غير مسلمة الجريان عند الكل.

(2) لا يخفى ان الشيخ (قدس سره) قسّم الشك في المقام الى اقسام:

أولا: الى الشك في التكليف، تارة مع العلم بنوع التكليف و الشك في المكلف به، و اخرى مع عدم العلم به و الشك في اصل التكليف.

و ثانيا: باعتبار كون المشكوك، تارة هو الوجوب، و اخرى التحريم.

و ثالثا: باعتبار كون الشبهة تكليفية تارة، و اخرى موضوعيّة.

و رابعا: باعتبار كون الشبهة الحكمية ناشئة من جهة فقد النص مرة، و اخرى من جهة اجمال النص، و ثالثة من جهة تعارض النصين.

288

.....

____________

و المختار للمصنف هو صحة التقسيم من الناحية الاولى فقط، و اليه اشار بقوله:

«لو شك في وجوب شي‏ء او حرمته و لم تنهض عليه حجة»، و بقوله: «و لم تنهض عليه حجة» اشار الى التقسيم من ناحية العلم بالنوع و الشك في المكلف به، فان العلم الاجمالي حجة، فالشك في الوجوب و الحرمة تارة فيما لم تنهض حجة و هو مورد الكلام فعلا، و اخرى فيما نهضت حجة على نوع التكليف و هو العلم الاجمالي به و شك في المكلف به، و سيأتي الكلام فيه ان شاء اللّه تعالى.

و اما التقسيم من ناحية كون المشكوك وجوبا او حرمة فلا فرق فيه من ناحية صحة جريان البراءة و عدمها الذي هو المهمّ في البحث فعلا على ما هو الصحيح، و ان خالف بعض الاخباريين في خصوص ما شك في حرمته.

و مثله التقسيم من جهة كون الشبهة تكليفية او موضوعية، لأن الشبهة الموضوعية داخلة في الفقه و خارجة عما يبحث عنه في الاصول.

و كذلك التقسيم من ناحية منشأ الشبهة، لان المدار على عدم قيام الحجة الفعلية سواء كان ذلك للفقد او للاجمال او للتعارض.

ثم اشار الى ما هو الصحيح المختار له و لعامة الاصوليين بقوله: «جاز شرعا» لاجل البراءة الشرعية كقوله: رفع ما لا يعلمون «و عقلا» لقاعدة قبح العقاب بلا بيان و هي البراءة العقلية «ترك الاول» و هو عدم الاتيان بما شك في وجوبه «و فعل الثاني» و هو الاتيان بما شك في حرمته «و كان» المكلف «مأمونا» من جهة «عقوبة مخالفته» للتكليف المشكوك فلا عقاب عليه في مخالفته للوجوب المشكوك بترك اتيانه، و لا في مخالفته للتحريم المشكوك باتيانه.

ثم اشار الى انه لا وجه لعقد البحث في فصول متعددة لاجل فقدان النصّ، و لاجل اجماله تارة من ناحية الوجوب و الاباحة أو الحرمة و الاباحة، و اخرى مع احتمال الكراهة و الاستحباب، و ثالثة لاجل تعارض النصين كما فعله الشيخ الاعظم في الرسائل بقوله: «كان عدم نهوض الحجة لاجل فقدان النص او» لاجل‏

289

.....

____________

«اجماله» و بقوله: «و احتماله» أي احتمال المجتهد الباحث «للكراهة او الاستحباب» اشار الى ما ذكرنا من ان الطرف المشكوك الوجوب و الحرمة تارة هو الاباحة فقط، و اخرى بضمّ الكراهة في مورد كون المشكوك هو الحرمة، و بضمّ الاستحباب في مورد كون المشكوك هو الوجوب «او» كان عدم نهوض الحجة لاجل «تعارضه» أي تعارض النص.

ثم اشار الى ان الجواز المذكور تركا و فعلا في مقام تعارض النصين مشروط بشيئين:

الاول: ان لا يكون احد النصين ارجح من الآخر، فان الحجة القائمة الفعلية تكون هي النص الراجح.

و الثاني: كونه مبنيا على التوقف في النصين المتعارضين، اما بناء على التخيير في المتعارضين فلا وجه للجواز المذكور لقيام الحجة الفعلية و هو وجوب العمل باحدهما بقوله: «فيما لم يثبت بينهما ترجيح» و به اشار الى الشرط الاول، و الى الثاني اشار بقوله: «بناء على التوقف في مسألة تعارض النصين فيما لم يكن ترجيح في البين».

ثم اشار الى الوجه في عدم الرجوع الى البراءة بناء على التخيير بقوله: «و اما بناء على التخيير كما هو المشهور» في النصين المتعارضين «فلا مجال لاصالة البراءة» التي هي الجواز المذكور «و» لا مجال ل «غيرها» ايضا كالاحتياط كما هو رأي بعض الاخباريين، ثم اشار الى السبب في عدم صحة الرجوع الى البراءة و لا الى غيرها بقوله: «لمكان وجود الحجة المعتبرة و هو احد النصين فيها» أي في مسألة تعارض النصين، و مع وجود النصّ الشرعي على الحكم الشرعي لا وجه للرجوع الى الاصول، لما عرفت من انها مشروطة بعدم الدليل.

290

[الاستدلال بالكتاب على البراءة]

و قد استدل على ذلك بالادلة الاربعة: اما الكتاب فبآيات اظهرها قوله تعالى:

وَ ما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا

(1) و فيه: إن نفي‏

____________

(1) اما كونها اظهر فلأن هذه الآية المباركة بعد تمامية مقدماتها يكون لها ظهور واضح على البراءة في مقام الشك في اصل التكليف.

و اما المقدمات التي يبتني عليها الاستدلال بها للبراءة فثلاث:

الاولى: كون المراد من العذاب المنفي فيما هو ما يعمّ العذاب الاخروي، لانه لو كان المراد منه هو العذاب الدنيوي الواقع في الامم السابقة تكون اجنبية عما نحن فيه، لانه كان ذلك لعدم تصديق الامم المبعوث لها الانبياء و تكذيبهم لهم و جرأتهم على ايذائهم أو قتلهم، لا لمخالفتهم للتكاليف الفرعية مع وصول بيانها لهم.

الثانية: ان المراد من الرسول هو الاعم من الرسول الظاهري و هم الانبياء و الرسول الباطني و هو البيان، فانه لو كان المراد بها خصوص الرسول الظاهري ايضا تكون اجنبية عن المقام، لان مدلولها يكون هو ان نفي العذاب و ان كان اخرويا منوط بالرسول الظاهري، و هذا المعنى اجنبي عما هو المطلوب اثباته بها في البراءة، من كون نفي العذاب منوطا بعدم وصول البيان، فالاستدلال بها للبراءة يتوقف على كون المراد من الرسول البيان، و انما كني به عن البيان لملازمة البيان للرسول غالبا، لان البيان من اللّه لأحكامه انما يكون على لسان رسله و من طريقهم.

الثالثة: ان يكون المراد من نفي العذاب هو نفي استحقاق العذاب لا نفي فعلية العذاب، لان المبحوث عنه في البراءة هو نفي استحقاق العقاب عند عدم البيان، و لا ملازمة بين الاستحقاق و الفعلية، لوضوح ان اللّه تعالى فضله ربما لا يعاقب من استحق العقاب، فاذا كانت الآية المباركة في مقام رفع استحقاق العقاب عند عدم البيان- المكنى عنه بالرسول- كانت مربوطة بمحل الكلام و دالة على البراءة الشرعيّة عند عدم البيان الواصل، و اذا كان المنفي فيها فعلية العقاب لا تنفع دليلا في ما نحن فيه، لاحتمال كون من لم يصله البيان مستحقا للعقاب بمجرد احتماله لذلك و قد

291

التعذيب قبل إتمام الحجة ببعث الرسل لعله كان منة منه تعالى على عباده، مع استحقاقهم لذلك (1)، و لو سلم اعتراف الخصم بالملازمة بين‏

____________

رفع اللّه عنه بفضله و منّته فعلية العقاب، فلا تصلح دليلا لمن كانت دعواه عدم استحقاق العقاب عند عدم البيان.

فاتضح: ان الاستدلال بها يتوقف على هذه المقدمات الثلاث، و بعد تماميتها تدل على البراءة الشرعية فيما لو شك في وجوب شي‏ء او حرمته بعد الفحص و اليأس من البيان.

(1) لم يشر المصنف الى المناقشة في المقدمة الاولى بكون السياق ظاهرا في نفي العذاب الدنيوي الذي حدث في الأمم السابقة، و منه يظهر المناقشة في المقدمة الثانية بان ظاهرها كون المراد من الرسول هو الرسول الظاهري و هم الانبياء لتكون اجنبية باحد هذين الظهورين عن المقام، بل يمكن دعوى ان احتمال كون المراد من الرسول هو خصوص الرسول الظاهري كاف في عدم صحة الاستدلال بها لإجمالها.

و على كل، فقد اشار الى المناقشة في المقدمة الثالثة فقط، و هو كون الآية المباركة اما ظاهرة في نفي فعلية العذاب، أو لا أقل من اجمالها من ناحية كون المنفي فيها هو الاستحقاق او الفعليّة، و الاستدلال انما يتم فيها على البراءة حيث يكون لها ظهور في نفي الاستحقاق فيكفي الاجمال من هذه الناحية في عدم تمامية الاستدلال بها، و في مثل هذا يقال اذا جاء الاحتمال بطل الاستدلال، لان معنى الاحتمال في المقام هو الاجمال، و قد عرفت ان الاستدلال بها يتوقف على ظهورها في نفي الاستحقاق.

و يظهر من المصنف دعوى اجمال الآية من ناحية المرفوع و المنفي فيها، و انها لا ظهور لها في نفي الاستحقاق لاحتمال كون المرفوع فيها هو الفعليّة، و مع هذا الاحتمال لا ظهور لها في نفي الاستحقاق حتى يصح الاستدلال، لانه قال (قدس سره): «و فيه» أي و في الاستدلال بهذه الآية المتوقف على ظهورها في رفع الاستحقاق «ان نفي التعذيب» أي نفي فعلية التعذيب «قبل اتمام الحجة» المكنى‏

292

الاستحقاق و الفعلية (1)، لما صح الاستدلال بها إلا جدلا، مع وضوح منعه، ضرورة أن ما شك في وجوبه أو حرمته ليس عنده بأعظم مما علم‏

____________

عنه «ببعث الرسل لعله كان منّة منه تعالى» و في تعبيره بلفظ لعل دلالة على احتمال كون المنفي هي الفعليّة، و على كل فيحتمل كون المنفي هي فعلية التعذيب قبل البيان منة منه تعالى «على عباده مع استحقاقهم لذلك» أي العقاب، و على هذا فلا دلالة لها على ما هو المدعى في المقام من عدم الاستحقاق عند عدم البيان.

و يحتمل ان يشير المصنف بقوله: «لعله كان منّة منه تعالى» الى ان احتمال ورودها مورد المنة هو الموجب لاحتمال كونها في مقام رفع الفعليّة، لان رفع العقاب حيث لا استحقاق فيه لا يكون فيه منّة، و انما تكون المنّة في رفع الفعلية مع الاستحقاق، و حيث يحتمل كون ورودها مورد المنّة لذا كان المحتمل ايضا ان تكون في مقام رفع الفعليّة دون الاستحقاق.

لا يقال: لا يحتمل ورودها مورد المنّة حتى يكون رفع الفعلية محتملا لتصريحها برفع العقاب قبل اتمام الحجة ببعث الرسل، و حيث لا تتم الحجة لا بد و ان يكون المرفوع هو الاستحقاق لعدم احتمال كون احتمال البيان منجزا.

فانه يقال: ليست المنّة المحتملة لدعوى كون الاحتمال بنفسه منجزا، بل المنّة انما هي في مورد الاحتمال حيث يمكنه تعالى ان يجعل الاحتياط في هذا المقام، فتكون المنّة في رفع الاحتياط في مورد امكان جعله، فيكون المراد من الآية بناء على ارادة نفي الفعلية فيها انا رفعنا فعلية العقاب عنهم في مورد عدم البيان، لانه يمكننا جعل الاحتياط في هذا المقام فلم نجعله منّة منّا على عبادنا، فما لم يصل البيان منّا اليهم ففعلية العذاب عنهم مرفوعة منّة منّا عليهم، لامكان ان نجعل الاحتياط في هذا المقام فلم نجعله لاجل المنّة، و كانت فعلية عذابنا لهم منوطة بوصول البيان.

(1) توضيحه: ان الشيخ (قدس سره) في رسائله قال في كلامه على دلالة هذه الآية المباركة: انها و ان كانت غير ظاهرة في نفي الاستحقاق حتى تكون دليلا لنا على‏

293

.....

____________

البراءة، إلّا انه مع ذلك يصح الاستدلال بها في قبال الاخباريين المدعين الاحتياط في مقام الشك في اصل التكليف، لانهم معترفون بالملازمة بين نفي الفعلية في المقام و بين نفي الاستحقاق، فالآية لو كانت ظاهرة في نفي الفعلية لدلت بالملازمة على نفي الاستحقاق، و حينئذ تكون دليلا على البراءة.

و قبل الشروع في الجوابين اللذين اشار اليهما المصنف عن صحة الاستدلال بها في قبال الاخباريين- نقول: ان توهم الملازمة بين الفعلية و بين الاستحقاق في المقام منشؤه اما ما يظهر من ادلة الاخباريين على الاستحقاق بما دلّ على الفعليّة ظاهرا مثل روايات التثليث الدالة على ان اقتحام الشبهة موجب للوقوع في الهلكة، بدعوى ان المراد من الهلكة هي العقاب، فمدلول الروايات على هذا ان اقتحام الشبهة يترتب عليه الهلكة الفعليّة، فلو لم يكن تلازم عندهم بين الفعلية و الاستحقاق لما صح الاستدلال بما يدل على الفعلية على الاستحقاق.

و فيه اولا: ان استدلال الاخباريين على الاستحقاق بفعلية العقاب في مورد الشبهة لا يدل على الملازمة مطلقا بينهما، لوضوح ان فعلية العقاب لا بد و ان تكون مسبوقة باستحقاقه، بخلاف نفي الفعلية فانه لا يقتضي نفي الاستحقاق، لان وجود الاخص و لو موردا يستلزم وجود الاعم، بخلاف نفي الاخص فانه لا يستلزم نفي الاعم، و فعلية العقاب اخص من الاستحقاق اذ قد يكون استحقاق و لا فعلية، و لكنه لا يعقل ان تكون فعلية للعقاب من دون استحقاق، فاستدلالهم بها من جهة الاحتياط لا يستلزم قولهم بالملازمة حتى في مورد نفي الفعلية.

و ثانيا: ما سيأتي من ان لازم الملازمة عدم الاثر للتوبة و للشفاعة، و اما ان يكون منشأ الملازمة الذي اعترف بها الاخباريون هي دعوى الاجماع في خصوص المقام، على ان نفي الفعلية فيه يستلزم نفي الاستحقاق: أي قيام الاجماع في مورد عدم البيان الواصل على ان نفي الفعلية فيه تلازم نفي الاستحقاق. و لا وجه لدعوى الاجماع في المقام، فان العقاب الفعلي امر تكويني و استحقاقه امر عقلي، و لا وجه‏

294

بحكمه، و ليس حال الوعيد بالعذاب فيه إلا كالوعيد به فيه (1)،

____________

للاجماع على الملازمة شرعا بين امرين احدهما تكويني و الآخر عقلي، لان الاجماع انما يصح قيامه على مجعول تشريعي و لا مجعول تشريعي في المقام، فلا ينبغي ان يقول الاخباريون بهذا الاجماع ليكون كاشفا عن اعترافهم بهذه الملازمة، و على كل فلم يظهر الوجه واضحا في دعوى اعترافهم بهذه الملازمة.

(1) حاصل الجواب الاول عن صحة الاستدلال بها في قبال الاخباريين مع انه لا ملازمة واقعا بين نفي الفعلية و نفي الاستحقاق ان الاستدلال بها لا يصح الّا على نحو الجدل، و المراد بالاستدلال الجدلي هو الاستدلال بما هو غير صحيح عند المستدل، و لكنه حيث انه يعترف به خصمه فيستدل به كإلزام به، و المهمّ لنا في المقام ليس هو مجرد إلزام الاخباريين، بل ما يكون لنا دليل و حجة واقعا في مقام عملنا على البراءة في مقام الشك في اصل التكليف فلا تكون الآية حجة لنا واقعا على البراءة، و الى ما ذكرنا اشار بقوله: «لما صح الاستدلال بها» أي بهذه الآية «الّا جدلا» لا واقعا.

الجواب الثاني: انا نمنع اصل صحة نسبة الملازمة عند الاخباريين، فانه لا يعقل ان يقول الاخباريون بالملازمة بين استحقاق العقاب و فعليته، اذ لا يعقل ان يكون الاقتحام في مورد الشك اعظم من الاقتحام مع القطع بالحكم، فان من ترك الواجب المقطوع بوجوبه او فعل الحرام المقطوع بحرمته لا ملازمة فيه بين استحقاق المقتحم و فعلية العقاب، و الّا للزم ارتفاع أثر التوبة و لزم الالتزام بانه لا تنفع في رفع السيّئة فعل أي حسنة، مع ان الاخبار متواترة بان التوبة و فعل بعض الحسنات كزيارة سيد الشهداء مثلا يرفعان أثر الذنوب مهما كانت، هذا مضافا الى ان لازم دعوى الملازمة المذكورة انكار الشفاعة من اهلها، و انكار الرحمة التي وسعت كل شي‏ء، فلا يعقل ان يقول الاخباريون و منهم اعظم علمائنا الاعلام بالملازمة بين الاستحقاق و الفعلية ليكون نفي الفعلية مستلزما لنفي الاستحقاق، و اليه اشار بقوله: «مع وضوح‏

295

فافهم (1).

[الاستدلال بالسنة على البراءة:]

و أما السنة: فبروايات‏

[حديث الرفع‏]

منها: حديث الرفع (2)، حيث عد (ما لا يعلمون) من التسعة المرفوعة فيه، فالالزام المجهول مما لا يعلمون، فهو مرفوع فعلا و إن كان ثابتا واقعا، فلا مؤاخذة عليه قطعا.

____________

منعه» أي مع وضوح منع اصل دعوى اعتراف الخصم بالملازمة من جهة «ان ما شك في وجوبه او حرمته ليس عنده» أي ليس عند من نسب اليه الاعتراف «باعظم مما علم بحكمه» و قطع به و عصى المكلف و اقتحم متعمدا عاصيا، فانه لا ينبغي لاحد ان يلتزم بالملازمة فيه بين الاستحقاق و الفعلية، فكيف يمكن ان يلتزم احد بالملازمة بينهما في مقام الاقتحام فيما شك في اصل التكليف فيه، و على كل فلو ثبت وعيد للمقتحم في الشبهة فلا يكون الّا كالوعيد على من اقتحم مع القطع بالحكم، و سيأتي في مقامه انه لم يثبت وعيد للمقتحم في الشبهة، و الى هذا اشار بقوله: «و ليس حال الوعيد بالعذاب فيه» أي في ما شك في وجوبه او حرمته «الّا كالوعيد به» أي بالعذاب «فيه» أي فيما علم بحكمه.

(1) لعله اشارة الى ان جوابه الثاني غاية ما يدل عليه انه لا ينبغي ان يقال بالملازمة، لا ان من نسب اليه القول بها لم يقل بها، و الصحيح في مقام ردّ دعوى النسبة هو نقل كلام من نسب اليه الملازمة بالتصريح بعدم الملازمة.

(2) المراد منه الحديث عن النبي (صلى اللّه عليه و آله و سلم) و هو قوله (صلى اللّه عليه و آله و سلم): (رفع عن امتي تسعة اشياء الخطا و النسيان و ما استكرهوا عليه و ما لا يعلمون و ما لا يطيقون و ما اضطروا اليه و الطيرة و الحسد و التفكر في الوسوسة في الخلق ما لم ينطق الانسان بشفته) (1).

و محل الاستدلال منه هي فقرة ما لا يعلمون، و بيان الاستدلال بها هو ان الاحتمالات في المراد من كلمة الموصول و هي (ما) كثيرة، اهمها ثلاثة:

____________

(1) التوحيد: ص 353 بتفاوت يسير.

296

.....

____________

الاول: ان يكون المراد منه هو الحكم المطلق الشامل للحكم الكلي ككلي الوجوب او التحريم المشكوكين، و الحكم الجزئي كحكم المائع المشكوك خمرا أو خلا.

فالمتحصل من قوله (صلى اللّه عليه و آله و سلم): (رفع ما لا يعلمون) هو رفع الحكم غير المعلوم، و باطلاقه يشمل الحكم الكلي و الجزئي، و في كون الحكم المرفوع جزئيا في المائع المشكوك كونه خمرا أو خلا اشكال، لوضوح كونه كليا لشموله لكل حكم شك فيه من جهة اشتباه عنوانه الذاتي ككونه خمرا أو خلا، فلا بد و ان يكون المراد من الحكم الكلي هو الحكم المشكوك فيه من ناحية الشبهة الحكميّة، كالحكم في التتن المشكوك حرمته، فان عنوانه الذاتي معلوم و هو كونه تتنا، و المجهول فيه حكمه الواقعي من ناحية حرمته و اباحته، فالشك فيه من ناحية حكمه لعدم بيان و اصل فيه يدل على حرمته او على حليته.

و المراد من الحكم الجزئي هو الشك في حكم الشي‏ء لاجل اشتباه عنوانه الموضوع للحكم المعلوم، فان الخمر معلوم حكمه و الخلّ معلوم حكمه، فاذا شك في مائع كونه خمرا أو خلا فالشك فيه من ناحية حكمه نشأ من جهة عدم معلومية ما هو موضوع الحكم، و هي المسماة بالشبهة الموضوعية.

الثاني: ان يكون المراد من الموصول هو الفعل الذي لا يعلم حكمه، سواء كان عدم معلوميّة حكمه لاجل الشك في اباحته و حرمته، أو لاجل الشك في عنوانه من حيث كونه خمرا أو خلا، و على هذا فيشمل الحديث الشبهة الحكمية و الموضوعية ايضا، فانه كما يصدق على المشكوك عنوان انه مجهول لعدم العلم بكونه خمرا أو خلا، كذلك يصدق على المعلوم العنوان كالتتن انه مجهول من جهة كونه مباحا أو حراما، غايته ان السبب في الجهل في الاول هو عدم العلم بعنوانه الاولي الذاتي السابق على الحكم و هو الخمرية و الخلية، و السبب في الجهل في الثاني هو عدم العلم بالعنوان الثانوي غير الذاتي المتأخر عن الحكم و هو كونه مباحا أو حراما، و لا مانع‏

297

[الاستشكال بدلالة الحديث بوجوه‏]

لا يقال: ليست المؤاخذة من الآثار الشرعية، كي ترتفع بارتفاع التكليف المجهول ظاهرا، فلا دلالة له على ارتفاعها (1).

____________

من ناحية هذا الفرق بعد ان كان عنوان ما لا يعلمون شاملا لكل شك في الحكم المتعلق بالفعل.

الثالث: ان يراد من الموصول هو خصوص الفعل المشكوك من ناحية عنوانه الاولي، و حينئذ لا يشمل الحديث الشبهة الحكمية و يختص بالشبهة الموضوعية.

و المختار للمصنف هو الاحتمال الاول من الاحتمالات الثلاثة، و اليه اشار بقوله: «فالالزام المجهول مما لا يعلمون» سواء كان الزاميا وجوبيا أو تحريميا «فهو مرفوع فعلا و ان كان ثابتا واقعا»، و في تعبيره بالالزام دلالة واضحة على ان المرفوع عنده هو الحكم، و في قوله فعلا دلالة ايضا على ان المرفوع هي رتبة الحكم الفعلية على ما اختاره في مراتب الحكم: من الاقتضائية و الإنشائية و الفعلية و التنجز، و لا يخفى ان لازم رفع الحكم بمرتبته الفعلية هو عدم المؤاخذة عليه لو كان حراما واقعا ففعله المكلف أو كان واجبا واقعا فتركه، و لذا فرع عليه بقوله: «فلا مؤاخذة عليه قطعا».

(1) قد استشكل في دلالة الحديث على كون المرفوع فيه هو الحكم بوجوه:

منها: ان الرفع يناسب كون المرفوع ثقيلا و لا ثقل في نفس الحكم، و انما الحكم سبب للثقل في نفس الفعل، و من الواضح ان السبب لا يوصف بمسببه، فلا يوصف سبب البياض بانه ابيض، و انما الموصوف بالابيض هو البياض نفسه او الجسم الابيض دون سبب البياض، فلا بد و ان يكون المرفوع هو الفعل لانه هو الموصوف بالثقل المناسب للرفع دون الحكم لانه سبب لما فيه الثقل، و اذا كان المراد منه الفعل فيضم اليه ما سيأتي من دعوى كون الظاهر من عدم العلم بالشي‏ء هو عدم العلم بنفسه و بعنوانه الاولي فيختص بالشبهة الموضوعية.

298

.....

____________

و الجواب عنه أولا: انه فرق بين مسبب السبب و بين آثار المسبب، فان السبب و ان كان لا يوصف و لا يحمل عليه مسببه و لكنه يوصف و يحمل عليه آثار السبب، فان من أوجد الماء فروى به العطاشى لا يوصف بانه ماء، و لكنه يوصف بانه روى العطاش، و كذلك من اوجد البياض لا يوصف بانه ابيض و لا يحمل عليه الابيض، و لكنه يحمل عليه آثار البياض، فيقال لمن أوجد البياض انه فرق البصر.

و ثانيا بان الحكم نفسه قد ورد وصفه بالثقل كما في قوله تعالى: سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (1) إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً (2) الخ. و من الواضح ان المراد من القول الثقيل هو الحكم بناشئة الليل.

و ثالثا: ان الحكم و الفعل من قبيل المتعلق و المتعلق به، و يوصف المتعلق بوصف متعلقه، فيقال الحكم سهل و الحكم صعب اذا كان متعلقه سهلا أو صعبا.

و منها: ان وحدة السياق في بعض فقرات الحديث تقضي بان المراد من الموصول هو الفعل دون الحكم، لان المراد من ما استكرهوا عليه و ما اضطروا اليه و ما لا يطيقون هو الفعل الذي اكرهوا عليه و الفعل الذي اضطروا الى ارتكابه و الفعل الذي لا يطيقون الاتيان به، و كذلك المراد من الخطأ فانه هو الفعل الذي كان خطأ، و كذلك النسيان فان المراد منه هو الفعل الذي وقع من الشخص نسيانا، و الظاهر من عدم العلم به هو عدم العلم بنفسه و بذاته، فينحصر في الشبهة التي كان الجهل فيها مستندا الى الجهل بعنوانها الذاتي الاولي، و هي مثل المائع غير المعلوم كونه خمرا أو خلا، و هذه الشبهة هي الشبهة الموضوعية دون الحكمية، فالمستفاد- على هذا- منه رفع الذي لا يعلم من حيث عنوان ذاته مثل المثال المذكور و هو خصوص الشبهة الموضوعية.

____________

(1) المزمل: الآية: 5.

(2) المزمل: الآية 6.

299

.....

____________

و الجواب عنه أولا: ان العنوان المنظور اليه في هذه الفقرات هو مفهوم ما استكرهوا عليه و مفهوم ما اضطروا اليه و هكذا، و انما يكون المراد منه الفعل باعتبار ان منطبق هذا العنوان في ما اضطروا و ما استكرهوا و امثالها منحصر في الفعل، لا أن المنظور اليه بدوا هو نفس الفعل، و كون منطبق هذه المفاهيم هو الفعل لا يكون من السياق الذي هو قرينة عرفية على ارادة مثله من مفهوم ما لا يعلمون بعد ان كان من الممكن انطباقه على الحكم العام لتكون المنة فيه اعم و اشمل.

و ثانيا: ان كون المراد من الموصول هو الفعل لا يجعله منحصر الدلالة في الشبهة الموضوعية، بعد ما عرفت من صدق ما لا يعلمون على الفعل المجهول من حيث عنوانه الاولي كما في الشبهة الموضوعية، و على الفعل المجهول من حيث عنوانه الثانوي و هو كونه مباحا أو حراما.

و دعوى ان الظاهر منه هو خصوص الفعل المجهول بعنوانه الاولي ممنوعة، بل الظاهر منه هو الفعل المجهول حكمه سواء كان السبب في الجهل بالحكم عدم العلم به من حيث معلومية كونه خمرا أو خلا، او عدم العلم به للجهل بنفس حكمه كالتتن.

و منها: ما اشار اليه بقوله: «لا يقال ليست المؤاخذة ... الى آخره» و توضيحه:

انه قد تقدم منه ان المهم في المقام هو رفع الاستحقاق في مخالفة التكليف المجهول، فالمصنف لما ذكر ان حديث الرفع دال على رفع فعلية التكليف فرع عليه برفع المؤاخذة بقوله: «فلا مؤاخذة عليه قطعا» و هذا الاشكال مربوط بهذه الجهة لا كما مر من الاشكالين، فانه منوط بمتعلق الرفع.

و على كل، فحاصل هذا الاشكال يمكن ان يكون بنحوين:

الاول: ما اشار اليه في المتن من ان الرفع انما يتعلق بالمجعول الشرعي و بالآثار الشرعية لانها مجعولة و لو بالواسطة، و المؤاخذة ليست من الآثار الشرعية للتكاليف الشرعية، لان المراد من المؤاخذة هو حق المؤاخذة، و حق المؤاخذة هي الطرف الثاني لاستحقاق العقاب، و الحاكم به العقل في مخالفة التكاليف، فهي من الآثار

300

فإنه يقال: إنها و إن لم تكن بنفسها أثرا شرعيا، إلا أنها مما يترتب عليه بتوسيط ما هو أثره و باقتضائه، من إيجاب الاحتياط شرعا، فالدليل على رفعه دليل على عدم إيجابه المستتبع لعدم استحقاقه العقوبة على مخالفته (1).

____________

العقلية، و ليست من المجعولات الشرعية حتى يكون امر رفعها و وضعها بيد الشارع، بل العقل في مخالفة التكليف يحكم باستحقاق العقاب على العبد و بحق المؤاخذة عليه للمولى، فلا تكون المؤاخذة من المرفوع برفع التكليف لانها ليست من الآثار الشرعية المجعولة للتكليف حتى يكون رفع التكليف رفعا لها، و الى هذا اشار بقوله: «لا يقال ليست المؤاخذة من الآثار الشرعية» و لو بالواسطة «كي ترتفع بارتفاع التكليف المجهول ظاهرا» و اذا لم تكن من الآثار الشرعية له فلا تكون مما يرفع برفعه.

و من الواضح ان رفع الشارع و وضعه بما هو شارع مما يختص بمجعولاته الشرعية، و قد عرفت ان المؤاخذة و عدمها من الآثار العقلية و ليست من الآثار الشرعية، فلا وجه لدعوى رفعها.

(1) توضيح هذا الجواب: ان رفع الشي‏ء تارة يكون برفعه بنفسه و هذا مما يختص بالمجعولات الشرعية، و اخرى يكون رفع الأثر برفع موضوع الاثر و هذا لا يختص بالآثار الشرعية بل يعم الآثار العقلية ايضا، و من الواضح ان المؤاخذة موضوعها التكليف المجعول شرعا في مرتبته الفعلية، فاذا رفع الشارع الحكم في مرتبته الفعلية فترتفع المؤاخذة لرفع موضوعها، لا لان الرفع قد تعلق بها، ففي الحقيقة انه بالنسبة الى المؤاخذة ارتفاع، فالشارع و ان لم يكن له رفع المؤاخذة بنفسها لانها اثر عقلي، إلّا انه لما كان ما هو الموضوع لها رفعه و وضعه بيده فيكون رفع المؤاخذة بواسطة رفع الشارع لما هو الموضوع له مما هو بيد الشارع، فالرفع يكون رفعا حقيقة لموضوعها و ارتفاعا بالنسبة اليها.