بداية الوصول في شرح كفاية الأصول‏ - ج6

- الشيخ محمد طاهر آل راضي المزيد...
404 /
301

.....

____________

و الحاصل: ان مصلحة التكليف الواقعية لما اقتضت جعله و اقتضت ايضا فعليته و ايصاله و لو بجعل الاحتياط في مقام الشك فيه، و المؤاخذة من آثار التكليف العامة للتكليف الفعلي واقعيا كان او ظاهريا أو ثابتا بجعل الاحتياط في مورده، فيكون رفع المؤاخذة برفع موضوعها في عدم جعل الاحتياط في مورد الشك مما بيد الشارع، لامكان رفعها برفع موضوعها لا برفعها بنفسها، و ليس هذا من قبيل وساطة الامر الشرعي لترتب الاثر العقلي حتى يقال: ان الامر الشرعي ان كان من قبيل الامارة يصح كونه واسطة لترتيب الاثر العقلي، و ان كان من قبيل الاصل فلا يترتب عليه الاثر العقلي، لما سيأتي في عدم حجية الاصل في ترتيب الآثار العقلية، و لما كانت البراءة و رفع الحكم في المقام من الاصول فلا يترتب عليه رفع الآثار العقلية.

فانه يقال: ان ارتفاع الأثر في المقام ليس من باب كون الاصل واسطة لترتبه حتى يأتي التوهم المذكور، فان الأثر العقلي تارة يكون من الآثار المختصة بالتكليف الواقعي كانتزاع الشرطية مما هو شرط واقعا، أو من الآثار الخارجية المترتبة على وجود الشي‏ء واقعا ككون زيد البالغ سن العشرين مما تنبت له لحية خارجا، و في مثل هذين الأثرين يأتي الفرق فيها بين الاصل و الامارة على ما سيأتي تفصيله في باب الاستصحاب.

و اخرى يكون الأثر من آثار التكليف الاعم من التكليف الواقعي و الظاهري بمرتبته الفعلية، كمثل المؤاخذة فانها من آثار التكليف سواء كان واقعيا او ظاهريا، و مثل هذا الاثر العقلي لا يكون ثبوت موضوعه الذي هو التكليف بالاصل من اثبات الاصل للأثر العقلي، و لا ارتفاعه برفع التكليف بالاصل من ترتيب عدم الأثر العقلي بالاصل، و لا يفرق في مثل هذا بين الامارة و الاصل، فان ثبوت التكليف سواء كان بالامارة أو بالاصل مما يصح المؤاخذة على تركه و ثبوت عدمه سواء كان بالامارة او بالاصل مما يترتب عليه عدم صحة المؤاخذة.

302

.....

____________

و الحاصل: ان الأثر الاعم للتكليف واقعيا كان او ظاهريا يثبت بثبوت موضوعه و يرتفع بارتفاع موضوعه، و ليس هو من ترتيب الأثر العقلي و عدمه بالاصل حتى يفرق فيه بين الامارة و الاصل، و الى ما ذكرنا أشار بقوله: «فانه يقال انها» أي المؤاخذة «و ان لم تكن بنفسها أثرا شرعيا إلّا انها» لما كانت «مما يترتب عليه» أي على التكليف «بتوسيط ما هو أثره و باقتضائه من ايجاب الاحتياط شرعا» لما عرفت من ان ايجاب الاحتياط من آثار مصلحة التكليف المقتضية لجعله و لإيصاله و لو بجعل الاحتياط في مورده، فايجاب الاحتياط من آثار التكليف بما له من المصلحة المقتضية لإيصاله، و حينئذ «فالدليل» الدال على ايجاب الاحتياط مثبتا لموضوع المؤاخذة، و الدليل الدال «على رفعه» أي على رفع التكليف ظاهرا في مورد الشك «دليل» واضح «على عدم ايجابه» أي على عدم ايجاب الاحتياط في مورد الشك «المستتبع ل» ارتفاع حق المؤاخذة و «عدم استحقاق العقوبة على مخالفته» أي على مخالفة التكليف المشكوك، فهي من باب رفع الشي‏ء برفع موضوعه لا لرفعه بنفسه، فالمؤاخذة لما كانت من الآثار العامة و كان موضوعها بيد الشارع رفعها برفع موضوعها و اثباتها باثبات موضوعها، و ليس هو من باب اثبات الاصل للأثر العقلي كما عرفت.

فتحصل مما ذكرنا: ان الأثر العقلي العام مما بيد الشارع رفعه و وضعه برفع موضوعه و وضع موضوعه، لا لتعلق الرفع و الوضع بنفس الأثر العقلي.

و لا يخفى انه قد اتضح مما ذكرنا: ان الرفع في المقام من قبيل الدفع، فالمراد من الرفع ظاهرا بحسب لسان الحديث هو الدفع لبا، لان الرفع لغة هو ازالة الموجود و محو أثر المقتضي الموجود، و الدفع منع المقتضي عن تأثيره، و لما كانت البراءة في المقام مانعة عن تأثير المصلحة لايجاب الاحتياط في مورد الشك فالبراءة مانعة عن التأثير لا رافعة لأثر المقتضي الموجود، فان المصلحة الواقعية لم تؤثر أثرا فعليا قد ارتفع بالبراءة، بل البراءة منعت عن تأثيرها لايجاب الاحتياط في مورد الشك، فهي‏

303

.....

____________

مانعة عن تأثير المقتضي أثره لا رافعة لأثره الموجود، و لذا كان المراد من الرفع في الحديث هو الدفع لبا.

و ما يقال: من ان الرفع لأثر المقتضي بعد تاثيره هو دفع لتأثيره ايضا فالرفع دفع و رفع، فلذا صح اطلاق الرفع في مقام الدفع على الدفع و كان اطلاقا صحيحا من غير حاجة الى عناية.

ففيه أولا: ان اشتمال الرفع على الدفع انما هو بحسب الخارج لا بحسب المفهوم، فان لازم رفع اثر المقتضي المؤثر هو ايجاد المانع عن استمرار تاثيره.

و ثانيا: انه لو كان كذلك بحسب المفهوم فانه ايضا لا يصحح الاطلاق من دون عناية، لان الرفع موضوع لمعنى لازمه الدفع لا يوجب كون الموضوع له فيه امرا عاما يكون الدفع احد مصاديقه حتى يصح استعماله فيه من دون عناية.

و ثالثا: ان استعمال اللفظ الموضوع لمعنى عام في احد مصاديقه انما يكون من غير عناية فيما اذا استعمل في المعنى الجامع، و كان اطلاقه على المحمول عليه باعتبار فرديته لذلك، و اما استعمال المعنى العام في خصوص الخاص بخصوصه فهو ايضا مما يحتاج الى عناية ايضا.

هذا كله في الاشكال في المؤاخذة من ناحية كونها أثرا عقليا.

و اما الاشكال بالنحو الثاني من جهة ان المؤاخذة ليست من آثار التكليف الواقعي او الظاهري و ان لم يصل، بل هي من آثار التكليف الواصل، و المفروض في البراءة عدم وصول البيان، فما لم يصل البيان لا مؤاخذة، فلا حاجة لرفعها حتى تكون مرفوعة برفع عدم ايجاب الاحتياط.

و الجواب عنه يظهر ايضا مما ذكره المصنف في الجواب عن الاشكال بالنحو الاول، و هو ان المؤاخذة و ان كانت من آثار التكليف الواصل، و لم ترفع المؤاخذة في المقام برفع التكليف المجهول واقعا حتى يقال انها ليست من آثار التكليف الواقعي و ان كان مجهولا حتى نحتاج الى رفع برفع موضوعها، بل المؤاخذة لما كانت من آثار التكليف‏

304

لا يقال: لا يكاد يكون إيجابه مستتبعا لاستحقاقها على مخالفة التكليف المجهول، بل على مخالفته نفسه، كما هو قضية إيجاب غيره (1).

____________

العامة للواقعي الظاهري و من الآثار الثابتة لايجاب الاحتياط ايضا و كانت مصلحة التكليف الداعية لجعله المقتضية لثبوته واقعا و لإيصاله و لو بالاحتياط، كان للتكليف اقتضاء الثبوت و التاثير لايجاب الاحتياط بداعي ايصال التكليف الواقعي، و قد عرفت ايضا ان الرفع في المقام رفع بلسان الدليل و دفع لبا كان رفع الاحتياط في مقام وجود المقتضي له الموجب لثبوت المؤاخذة لو جعل الاحتياط في مقام الشك رفعا للمؤاخذة برفع موضوعها، و هو ايجاب الاحتياط بجعل المانع عن تأثير المقتضي لايجاب الاحتياط، فالرفع في المقام رفع لأثر التكليف الواقعي الذي ترتفع برفعه المؤاخذة.

و بعبارة اخرى: انه لو لا البراءة لأثر المقتضي لايجاب الاحتياط فجعل الشارع للمانع عن هذا التأثير رفع للأثر، و لما كان بهذا الرفع- الذي هو دفع لبا- ترتفع المؤاخذة كان رفعا للمؤاخذة بهذا الاعتبار.

و الحاصل: ان الامر في مقام الشك في الحكم الواقعي دائر بين جعل الاحتياط الموضوع للمؤاخذة لثبوت المقتضي له، و بين جعل عدم الاحتياط لمصلحة مانعة عن تأثير المقتضي المستلزم لرفع المؤاخذة، و لما جعل الشارع عدم الاحتياط كان قد جعل ما به يرتفع موضوع المؤاخذة و صح نسبة رفع المؤاخذة الى الشارع بهذا الاعتبار، و ان كانت المؤاخذة عقلا من آثار التكليف المنجز بوصوله، لان الشارع لو لم يجعل عدم الاحتياط في المقام لجعل الاحتياط، فصح ان يقال ان الشارع رفع المؤاخذة في المقام بايجاده المانع عما يقتضي ثبوت ما هو موضوع المؤاخذة.

(1) توضيحه: ان رفع المؤاخذة على التكليف الواقعي على ما مر منه انما كان تبعا لرفع ايجاب الاحتياط، لأن ايجاب الاحتياط من آثار التكليف الواقعي بداعي ايصاله‏

305

.....

____________

و المحافظة عليه، و هذا انما يتم حيث لا يكون ايجاب الاحتياط ايجابا نفسيا، بل يكون اما مقدميا أو إرشاديا.

و اما اذا كان نفسيا فان العقاب انما يكون على تركه لا على ترك التكليف المحتمل، مضافا الى انه اذا كان نفسيا لا يكون منجزا للواقع، فان منجز الواقع ما كان بداعي الواقع لا بداعي نفسه.

و اما ان ايجاب الاحتياط لو كان موجودا لكان نفسيا لا مقدميا و لا إرشاديا ...

اما انه ليس بوجوب مقدمي فلان وجوب المقدمة تابع لوجوب ذيها و مترشح منه، فلا يعقل ان يكون وجوب المقدمة منجزا و وجوب ذي المقدمة غير منجز و يكون المنجز له هو ايجاب مقدمته.

و اما عدم كونه ارشاديا فلوضوح ان الارشاد الى العقاب على التكليف الواقعي لا يمكن، لعدم العقاب على التكليف غير المنجز، و الارشاد الى غيره لا يكون لازمه وضع المؤاخذة حتى تكون مرفوعة برفع الايجاب الاحتياطي.

فايجاب الاحتياط لا يعقل ان يكون وجوبه وجوبا مقدميا، لعدم امكان كونه منجزا مع كون ذي المقدمة وجوبا غير منجز، لان تنجزه يكون معلولا بلا علة، و لا وجوبا ارشاديا لعدم صحة إرشاده الى العقاب الذي هو المهم في وضع المؤاخذة على التكليف لترتفع برفعه، فيتعين ان يكون وجوبه وجوبا نفسيا لو كان، و حينئذ يكون رفعه مستلزما لرفع المؤاخذة عليه لا على التكليف الواقعي الذي هو المهم في المقام اثباته بدليل رفع المؤاخذة.

فتحصل مما ذكرنا: ان الوجوب اما نفسي أو مقدمي أو إرشادي، و حيث ينتفي الاثنان يتعين الثالث و هو الوجوب النفسي، و الى هذا اشار بقوله: «لا يقال لا يكاد يكون ايجابه» أي ايجاب الاحتياط «مستتبعا لاستحقاقها» أي لاستحقاق المؤاخذة «على مخالفة التكليف المجهول» لانه انما يكون حيث يكون وجوب الاحتياط مقدميا أو ارشاديا، و قد عرفت عدم امكان ذلك فيتعين ان يكون وجوبا نفسيا، و هو

306

فإنه يقال: هذا إذا لم يكن إيجابه طريقيا، و إلا فهو موجب لاستحقاق العقوبة على المجهول، كما هو الحال في غيره من الايجاب و التحريم الطريقيين، ضرورة أنه كما يصح أن يحتج بهما صح أن يحتج به، و يقال: لم أقدمت مع إيجابه؟ و يخرج به عن العقاب بلا بيان و المؤاخذة بلا برهان، كما يخرج بهما (1).

____________

مستتبع لاستحقاق العقاب على نفسه لا على التكليف الواقعي، و لذا قال (قدس سره):

«بل على مخالفة نفسه كما هو قضية ايجاب غيره» من الواجبات النفسية، و يكون حينئذ اجنبيا عما هو المهم اثباته.

(1) حاصله: ان وجوب الاحتياط في المقام الذي هو بداعي تنجز الواقع و ايصاله وجوب رابع، غير الوجوب النفسي و المقدمي و الارشادي، و هو المسمى بالوجوب الطريقي، لان المصلحة اذا اقتضت التكليف الواقعي كانت مقتضية لايصاله اما بنفسه او بايجاب الاحتياط، فايجاب الاحتياط من آثار التكليف الواقعي، لانه بداعي ايصاله، و ليس وجوبه مقدميا و لا إرشاديا و لا وجوبا نفسيا منبعثا عن مصلحة في ذات وجوب الاحتياط. نعم يصح ان يكون وجوبا نفسيا لمصلحة في غيره، و قد مر في باب الواجب النفسي ان النفسية لا تلازم كون المصلحة الداعية اليه في ذات الواجب.

و على كل، فهذا وجوب اما في قبال النفسي، او فرد من افراده، و لكنه بداعي المصلحة في غيره، و لذا لا يترتب على مخالفته شي‏ء غير مخالفة الواقع، و لا يكون العقاب عليه الا عقابا على الواقع، و يصح ان يحتج به المولى على عبده في مخالفته له اذا كان مخالفة للواقع.

و بالجملة: ان ايجاب الاحتياط الطريقي حاله حال التكليف الواقعي، لانه به يصل الواقع لو كان كما يصل بوصوله بنفسه، و به يصح الاحتجاج و هو موجب لاستحقاق العقاب على مخالفة التكليف المجهول، كما يصح العقاب على مخالفة

307

و قد انقدح بذلك، أن رفع التكليف المجهول كان منة على الامة، حيث كان له تعالى وضعه بما هو قضيته من إيجاب الاحتياط، فرفعه (1)،

____________

التكليف لو كان و اصلا بنفسه، و هذا الامر جار في كل ايجاب و تحريم طريقي، فثبت ان المؤاخذة عليه هي المؤاخذة على التكليف الواقعي، و حينئذ يكون رفعها برفع ايجاب الاحتياط، و الى هذا اشار بقوله: «ضرورة انه كما يصح ان يحتج بهما» أي بالايجاب و التحريم لو كانا و اصلين كذلك «صح ان يحتج به» أي صح ان يحتج بايجاب الاحتياط «و يقال لم اقدمت» على مخالفة التكليف «مع ايجابه» أي مع ايجاب الاحتياط، و يكون ايجاب الاحتياط بيانا «و» لذلك به «يخرج عن العقاب بلا بيان و المؤاخذة بلا برهان كما يخرج بهما» أي كما يخرج بوصول التكليف الايجابي و التحريمي عن العقاب بلا بيان و المؤاخذة بلا برهان.

(1) لا يخفى ان من جملة الاشكالات على هذا الحديث فيما كان المرفوع هي المؤاخذة على التكليف المجهول هو ان الحديث وارد مورد المنة على أمته (صلى اللّه عليه و آله و سلم) دون غيرها من الامم، و لا منة في رفع المؤاخذة على التكليف المجهول، لوضوح ان المفروض فيه عدم وصوله و عدم قيام البيان عليه، و العقل يحكم بقبح العقاب بلا بيان، و مع حكم العقل بذلك لا منة في رفع العقوبة على التكليف المجهول.

و الجواب عنه قد ظهر مما مر من انه بعد ان كانت المصلحة مقتضية لإيصاله بايجاب الاحتياط، فالأمر فيه دائر بين جعل الاحتياط إيصالا للتكليف الواقعي، و بين رفع الاحتياط لمصلحة المنة، و به ترتفع المؤاخذة لرفع موضوعها، فلا يكون الرفع في المقام من غير منة بعد ان كانت المصلحة التكليفية تدعو الى ايجاب الاحتياط، و من هذا ظهر وجه الانقداح ايضا، و لذا قال (قدس سره): «و قد انقدح بذلك» أي بما مر من الكلام «ان رفع التكليف المجهول» برفع ايجاب الاحتياط بعد ان كانت مصلحة التكليف تدعو الى ايجابه «كان منة على الامة حيث كان له تعالى وضعه» أي وضع التكليف المجهول و ايصاله و تنجيزه «بما هو قضيته من ايجاب الاحتياط»

308

فافهم (1).

ثم لا يخفى عدم الحاجة إلى تقدير المؤاخذة و لا غيرها من الآثار الشرعية في (ما لا يعلمون) (2)، فإن ما لا يعلم من التكليف مطلقا كان في‏

____________

فان ايجاب الاحتياط وضعا للتكليف الواقعي و إيصالا له و تنجيزا له بنحو من أنحاء الوضع و الايصال و التنجيز، و لما كان له تعالى ذلك بايجاب الاحتياط «فرفعه» كان منه منة على عبادة و انه بينه.

(1) لعله اشارة الى انه رفع بلسان الدليل و هو دفع واقعا كما مر بيانه، او انه رفع للتكليف واقعا باعتبار ثبوته في غير أمة محمد (صلى اللّه عليه و آله و سلم) فرفعه عنهم حقيقة، فيكون رفعا في لسان الدليل و رفعا واقعا ايضا.

(2) توضيحه: ان الرفع في غير فقرة (ما لا يعلمون) قد كان في ظاهر الحديث واقعا على نفس الفعل، فان ما اضطر الى ارتكابه و ما اكره عليه و ما لا يطيقه المكلف هو نفس الفعل لا حكم الفعل، و مثلها سائر الفقرات، فان الذي وقع الخطأ و النسيان فيه هو نفس الفعل ايضا، و كذلك الطيرة و الحسد فان الطيرة هي الخوف من نفس الشي‏ء الذي يتطير منه كنعيب الغراب و امثاله، و الحسد انما هو حب زوال نفس نعمة الغير، و كذلك الوسوسة فانها نفس التفكير فيما يؤثر الوسوسة، فالرفع فيها ايضا قد وقع على نفس الشي‏ء لا على حكمه، لوضوح انه لا وجه معقول للاضطرار الى نفس الحكم، و لا وجه للإكراه على نفس الحكم، فان معنى الاضطرار الى الشي‏ء هو الاضطرار الى ايجاد ما لم يوجد، و الحكم في هذه الاشياء قد وجد مضافا الى انه ليس مما يوجده المكلف او لا يوجده بل الموجد له الشارع، فلا وجه لان يكون المكلف ممن اضطر الى ايجاده.

فاتضح مما ذكرنا: ان المراد بالموصول في فقرات الحديث المبارك هو الفعل، و حيث ان الفعل لم يتسلط عليه رفع لوقوعه في الخارج، فلا بد و ان يكون اضافة الرفع اليه باعتبار كون المرفوع غيره، اما خصوص المؤاخذة او جميع الآثار أو الاثر

309

الشبهة الحكمية أو الموضوعية بنفسه قابل للرفع و الوضع شرعا، و إن كان في غيره لا بد من تقدير الآثار أو المجاز في إسناد الرفع إليه، فإنه ليس ما اضطروا أو ما استكرهوا ... إلى آخر التسعة بمرفوع حقيقة (1).

____________

الظاهر في كل واحدة منها فيختلف حاله بنسبة الفقرات المذكورة، فالمرفوع في ما اضطر اليه بحسب المناسبة هو حرمة شربه أو اكله، و المرفوع في المكره عليه ان كان من المحرمات هي حرمته ايضا، و ان كان من المعاملات هو صحته او لزومه على المكلف، كما لو اكره على البيع او على الطلاق و هكذا في بقية الفقرات، و على كل فإسناد الرفع الى الفعل لا بد و ان يكون اما بنحو المجاز في الاسناد، او بنحو التقدير و تسليط الرفع اما على المؤاخذة أو على جميع الآثار او على الاثر الظاهر لكل واحدة منها.

اما في فقرة (ما لا يعلمون) فان كان المراد بالموصول فيها هو الفعل فحاله حال الفقرات الأخر، من توقف صحة الرفع فيها اما على المجاز في الاسناد او على التقدير، و اما اذا كان المراد منها هو الحكم فلا حاجة الى مجاز و لا الى تقدير لصحة اسناد الرفع اليه حقيقة فانه بنفسه مما يرفع و يوضع، و لذا قال (قدس سره): «ثم لا يخفى عدم الحاجة الى تقدير المؤاخذة» بناء على تصحيح تسلط الرفع بنحو التقدير لا بنحو المجاز في الاسناد بلحاظها، فان المصحح فيها كان هو المجاز في الاسناد لا بد و ان يكون لحاظ المؤاخذة او جميع الآثار أو الاثر الظاهر.

و على كل، فبناء على التقدير لا وجه الى تقدير المؤاخذة «و لا غيرها من الآثار الشرعية» جميعها او الظاهرة منها «في» خصوص «فقرة ما لا يعلمون».

(1) لا يخفى ان لكون (ما لا يعلمون) شاملا للشبهة الحكمية و الشبهة الموضوعية مسالك:

الاول: ان المراد من الموصول في (ما لا يعلمون) هو الفعل لوحدة السياق، لكنه بما هو حرام او واجب لا بعنوانه الاولي بل بما هو واجب أو حرام، فانه لو كان‏

310

.....

____________

المراد منه هو الفعل بعنوانه الاولي لاختص بالشبهة الموضوعية، لان عدم العلم اللاحق للفعل بعنوانه الاولي هو الجهل به من حيث كونه خمرا أو خلا، فان العنوان الاولي للفعل هو عنوان ذاته و هو الخمرية و الخلية، فاذا كان عدم العلم من ناحية عدم معرفة كونه خلا أو خمرا كان فقرة (ما لا يعلمون) مختصا بالشبهة الموضوعية، لكون السبب في الشك فيها هو عدم العلم بانطباق ما هو الحرام و الحلال عليه، لا كون السبب فيه هو الشك في اصل الحكم بعد معرفة الفعل بعنوانه الذي هو له كما في الشبهة الحكمية، فان التتن بعنوان كونه تتنا معلوم، و لكن الشك فيه من جهة انه هل هو بما هو تتن حرام واقعا او حلال واقعا؟، و لكنه لما كان الحديث واردا مورد المنة، و كما ان المنة في رفع المؤاخذة أو الآثار الآخر في الشك من ناحية الشبهة الموضوعية، كذلك المنة متحققة في رفعها من جهة الشك من حيث الشبهة الحكمية ايضا، و لذلك لا بد لاجل التعميم ان يكون المراد الفعل بما هو حرام أو حلال، و هو عنوان ثانوي للفعل، فان عنوان كونه حلالا او حراما يلحق الفعل بعد عنوانه الاولى، و لما كان الشك في الفعل من جهة كونه حراما او حلالا له سببان:

السبب فيه من جهة عنوانه الاولي و حيثية انطباق ما هو الحرام او الحلال عليه، كالمشكوك فيه من جهة كونه خمرا أو خلا و هي الشبهة الموضوعية، فانه يصدق عليه انه مشكوك فيه من جهة كونه حراما او حلالا، و السبب الثاني للشك فيه من ناحية كونه حراما او حلالا هو الشك فيه من ناحية حكمه الواقعي و انه هل هو حرام واقعا او حلال واقعا؟ كالتتن- مثلا- فانه يصدق عليه ايضا انه مشكوك فيه من ناحية كونه حراما او حلالا، و لذلك اذا اريد من الموصول الفعل لكنه بما هو واجب او حرام كان عاما لكلا الشبهتين.

الثاني: ان يكون المراد من الموصول في فقرة (ما لا يعلمون) هو الفعل ايضا و لكن التعميم من جهة عدم العلم، و ان عدم العلم و الجهل من ناحية الحرمة و الحلية

311

.....

____________

مطلقا، سواء كانتا من ناحية الجهل بالعنوان الاولي، أو من ناحية الجهل بأصل التكليف فيه.

و الفرق بينه و بين الاول ان التعميم و الاطلاق في الاول للشبهتين من ناحية الموصوف و هو الفعل بما هو حرام او حلال، فيكون عدم العلم و صفا للفعل المطلق من ناحية كونه حلالا او حراما، بخلاف الثاني فان الاطلاق و التعميم فيه من ناحية الوصف، و هو عدم العلم المطلق من حيث الحرمة و الحلية الذي يكون السبب فيهما تارة الجهل بالعنوان الاولي، و اخرى الشك في اصل التكليف.

و يرد عليهما: ان كونه واردا مورد المنة لا يقتضي مخالفة الظهور، و المدعي لاختصاص الفقرة بالشبهة الموضوعية يدعي ان الظاهر من (ما لا يعلمون) بعد ان يكون المراد منه الفعل هو الفعل الذي لا يعلم حرمته و حليته من حيث كونه فعلا لا عدم العلم به من ناحية عدم العلم بحكمه، فان الظاهر من (ما لا يعلمون) هو الفعل الذي لا يعلمونه لا الفعل الذي لا يعلمون حكمه.

و بعبارة اخرى: ان الظاهر منه عدم العلم به من ناحية ذاته و كونه فعلا من الافعال المباحة و المحرمة، لا عدم العلم به من ناحية وصفه و هو الشك فيه من ناحية اصل التكليف العارض له، و لذلك كان (ما لا يعلمون) مختصا عنده بالشبهة الموضوعية، و في هذا الرفع بهذا المقدار ايضا منة، غايته انها اخص من المنة العامة للشبهتين.

الثالث: ان يكون المراد من الموصول في الفقرات جميعا ليس هو الفعل و لا الحكم، بل المراد منه هو الشي‏ء، و الموضوع المتلبس بهذه العناوين الموجودة في الفقرات جميعها، فان المراد من الموصول في ما اضطروا اليه و ما اكرهوا عليه و ما لا يطيقون هو الشي‏ء الذي صار مضطرا اليه و مكرها عليه و كان مما لا يطاق، و لا وجه لان يراد به خصوص عنوان الفعل، فانه تخصيص لا وجه له بعد ان كان (ما) من المبهمات التي ينبغي ان يشار بها الى اعم المفاهيم و هو الشي‏ء مثلا، و لا يختص‏

312

.....

____________

بعنوان من العناوين الخاصة الا لدلالة بالخصوص تدل عليه و المفروض عدمها، و كون منطبق عنوان ما اضطروا اليه و ما اكرهوا عليه و ما لا يطيقون هو الفعل لا يوجب ان يكون المراد به خصوص عنوان الفعل، و حينئذ اذا كان المراد من (ما لا يعلمون) هو الشي‏ء الذي لا يعلم به كان عاما للشبهتين، فان الشي‏ء الذي لا يعلم به، تارة يكون هو الفعل بعنوانه الاولي، و اخرى يكون هو الحكم.

و لا يرد عليه ما اورد على الاولين، فانه انما يرد حيث يكون المراد منه هو الفعل فيختص بالشبهة الموضوعية، لان الظاهر من عدم العلم هو عدم العلم بالفعل كما مر بيانه، اما اذا كان المراد به الشي‏ء- مثلا- فان ظاهر عدم العلم بالشي‏ء محفوظ سواء كان منطبقه الفعل او الحكم.

الرابع: ما اختاره المصنف من ان المراد بالموصول في الفقرة هو الحكم، و يكون شموله لكلتا الشبهتين واضحا، فان الحكم في الشبهة الموضوعية غير معلوم و في الشبهة الحكمية غير معلوم، لان الاطلاق في الموصول المراد به الحكم يعم باطلاقه التكليف المشكوك فيه من ناحية عنوان الفعل، و التكليف المشكوك فيه من ناحية الشك فيه من أصله، و لذا قال (قدس سره): «فان ما لا يعلم من التكليف مطلقا» سواء «كان» التكليف غير المعلوم «في الشبهة الحكمية او» كان التكليف غير المعلوم في الشبهة «الموضوعية».

و قد ظهر مما مر: انه لا حاجة الى التقدير فيه لانه «بنفسه قابل للرفع و الوضع شرعا و ان كان في غيره لا بد من تقدير الآثار او المجاز في اسناد الرفع اليه» أي و ان كان في غير (ما لا يعلمون) من الفقرات الباقية لا بد اما من المجاز او التقدير بلحاظ خصوص المؤاخذة او جميع الآثار أو الاثر الظاهر.

ثم اشار الى السبب في لزوم احد الامرين من التقدير او المجاز حيث لم يكن المرفوع فيها هو الحكم بقوله: «فانه ليس ما اضطروا أو ما استكرهوا الى آخر التسعة بمرفوع حقيقة» لان المراد من الموصول فيها هو ما لا يصح تسلط الرفع عليه حقيقة،

313

نعم لو كان المراد من الموصول في (ما لا يعلمون) ما اشتبه حاله و لم يعلم عنوانه، لكان أحد الامرين مما لا بد منه أيضا (1).

ثم لا وجه لتقدير خصوص المؤاخذة بعد وضوح أن المقدر في غير واحد غيرها، فلا محيص عن أن يكون المقدر هو الاثر الظاهر في كل منها، أو تمام آثارها التي تقتضي المنة رفعها، كما أن ما يكون بلحاظه الاسناد إليها مجازا، هو هذا، كما لا يخفى.

فالخبر الدال على رفع كل أثر تكليفي أو وضعي كان في رفعه منة على الامة، كما استشهد الامام (عليه السّلام) بمثل هذا الخبر في رفع ما استكره عليه من الطلاق و الصدقة و العتاق (2)، ثم لا يذهب عليك أن المرفوع فيما

____________

لوضوح كون الفعل و هو اكل الميتة في المخمصة اضطرارا و في غير المخمصة اكراها لم يرفع، بل هو قد وقع من المضطر اليه و المكره عليه، فلا بد و ان يكون اسناد الرفع اليه في قوله رفع ما اضطروا اليه و ما استكرهوا عليه إما باعتبار المجاز في الاسناد، و ان رفع الحكم في ذلك هو رفع له ادعاء او يكون الرفع مسندا الى المحذوف المقدر، و هو احد الاحتمالات الثلاثة من المؤاخذة، أو جميع الآثار، أو الاثر الظاهر.

(1) حاصله: انه لو قلنا بوحدة السياق و ان المرفوع في (ما لا يعلمون) لا بد ان يكون على نحو المرفوع في الفقرات الأخر، فيكون المرفوع في (ما لا يعلمون) هو الفعل الذي «اشتبه حاله و لم يعلم عنوانه» من ناحية كونه حراما او حلالا «لكان احد الامرين» من المجاز في الاسناد و التقدير «مما لا بد منه» فيما لا يعلمون «ايضا» لان الفعل فيما لا يعلمون مثل فيما اضطروا اليه ليس بمرفوع حقيقة ... و كيف يكون مرفوعا و الحال ان عدم العلم بالفعل من جهة كونه حراما او حلالا متحقق خارجا؟

(2) أي بعد البناء على وحدة السياق و ان الحال في فقرة (ما لا يعلمون) على نحوه في غيرها من الفقرات، و ان يكون المراد به الفعل- مثلا- و لا بد فيه اما من التقدير أو المجاز في الاسناد بلحاظ المقدر، و لكنه لا وجه لتقدير خصوص المؤاخذة في خصوص‏

314

.....

____________

فقرة (ما لا يعلمون) مع وضوح ان المقدر في غيرها من الفقرات او الذي كان المجاز في الاسناد بلحاظه هو غير المؤاخذة.

و توضيح ذلك: انه بناء على التقدير أو المجاز بلحاظ المقدر، اما ان يكون المقدر خصوص المؤاخذة، أو الاثر الظاهر لكل واحد مما يناسبه، او ان المقدر جميع الآثار، و المختار للمصنف هو الاخير لوجهين اشار اليهما في المتن:

الاول: انه لا وجه لتقدير المؤاخذة في فقرة (ما لا يعلمون) مع ان المقدر في بقية الفقرات غير المؤاخذة، لاقتضاء ورود الحديث: أي حديث الرفع في مورد المنة رفع جميع الآثار، أو لا اقل من رفع الاثر الظاهر لكل بما يناسبه، و لا وجه لان يختص بخصوص رفع المؤاخذة، فان المنة كما تقتضي رفعها تقتضي رفع غيرها مما يكون في رفعه منة من اللّه على الامة.

الثاني: استشهاد الامام على رفع غير المؤاخذة في رفع الآثار المترتبة على الاكراه و عدم الطاقة و ما أخطئوا فيه يدل عليه الخبر المروي في المحاسن بسند صحيح عن ابي الحسن (عليه السّلام): (في الرجل يستحلف على اليمين فحلف بالطلاق و العتاق و صدقه ما يملك، أ يلزمه ذلك؟ فقال (عليه السّلام): لا، قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلم): وضع عن امتي ما اكرهوا عليه و ما لا يطيقون و ما أخطئوا الخبر) (1).

و توضيح دلالة الخبر ان الامام يسأل عن الحلف بالطلاق و العتاق و صدقه ما يملك حيث يحلف المستحلف فيحلف كاذبا، فهل يلزمه ما حلف عليه فيتحقق طلاق زوجته و عتق عبده و صدقه ما يملكه؟ و لما كان مورد ورود الخبر هو الحلف مكرها لان حلفه لتحليف العشارين له، فهو مكره على الحلف لان يتخلص منهم فيحلف لهم الرجل كاذبا، فيجيب الامام بانه لا يلزم الرجل الحالف كاذبا هذه الامور التي حلف بها، و من الواضح ان لزومها من آثار الحلف الكاذب، و يستشهد الامام‏

____________

(1) المحاسن، ص 339 (ط. طهران- 1371).

315

[المرفوع في غير ما لا يعلمون‏]

اضطر إليه و غيره، مما أخذ بعنوانه الثانوي، إنما هو الآثار المترتبة عليه بعنوانه الاولي، ضرورة أن الظاهر أن هذه العناوين صارت موجبة للرفع، و الموضوع للاثر مستدع لوضعه، فكيف يكون موجبا لرفعه (1)؟

____________

(عليه السّلام) على عدم لزومها له بالحديث في رفع الاكراه لها، و من الواضح انها من الآثار الوضعية التي المهم فيها لزومها و عدم لزومها، و ليست من التكاليف التي المهم فيها هو رفع المؤاخذة عليها، و من الواضح ايضا انه لا يتوهم احد رفع خصوص هذه الثلاثة: أي الطلاق و العتاق و صدقه ما يملك في مورد الاكراه و عدم الطاقة و الخطأ، فيتعين ان يكون المرفوع جميع الآثار و ان تنزلنا عن جميع الآثار، فلا بد و ان يكون المرفوع هو الاثر الظاهر لكل بما يناسبه لا خصوص المؤاخذة.

و قد اشار الى الوجه الاول بقوله: «التي يقتضي المنة رفعها»، و الى الوجه الثاني اشار بقوله: «فالخبر دل على رفع كل اثر تكليفي» كان المهم فيه هو رفع المؤاخذة «او وضعي» كان المهم فيه رفع غير المؤاخذة و قد «كان في رفعه منة على الامة»، نعم لو اكره او اضطر الى فعل و لم يكن في رفعه منة لم يكن مرفوعا بهذا الحديث، لانه وارد مورد المنة، كما لو اكره على الصلاة مثلا في ما لا يوكل لحمه، فحيث لا بد من اعادة الصلاة لا يكون الحديث شاملا لانه خلاف المنة، و لذا قيده بقوله: و قد «كان في رفعه منة».

(1) توضيحه: ان الشي‏ء تارة تكون له آثار بعنوانه الاولي كالحرمة المترتبة على شرب الخمر، و الخمر هو العنوان الاولي الذاتي للمائع الخاص المسكر، و اخرى تكون له آثار بواسطة عنوانه الثانوي العارض الطارئ عليه كاعادة الصلاة في الثوب النجس في حال نسيانه، و ثالثة يكون الاثر مترتبا على الشي‏ء بأي عنوان كان أوليا أو ثانويا كالضمان المترتب على الاتلاف لمال الغير سواء كان في مورد العلم أو الخطأ أو النسيان.

316

.....

____________

و لا يخفى ايضا ان عنوان (ما لا يعلمون) و عنوان (ما اضطروا) و ساير عناوين الفقرات المذكورة هي من العناوين الثانوية الطارئة على الشي‏ء، لوضوح كون الخمر- مثلا- هي العنوان الاولي المترتب عليه بهذا العنوان حرمة الشرب، و على الخمر بما لها من هذا العنوان يعرض الاضطرار و الاكراه و عدم العلم، فاتضح انها عناوين ثانوية تعرض على الشي‏ء بما له من العنوان الاولي.

اذا عرفت هذا، تعرف ان هذه العناوين الثانوية التي بواسطة عروضها على الشي‏ء بعنوانه الاولي هي التي أوجبت رفع الاثر، فلا بد و ان يكون المرفوع بها غير الآثار التي كانت العناوين الثانوية موضوعا لها، بل المرفوع بها الآثار التي كان الموضوع لها هو العنوان الاولي، فان الخمرية- مثلا- المترتبة على الخمر هي المرفوعة بالاضطرار او بالاكراه و بعدم العلم، دون الأثر المترتب على هذه الاشياء بعناوينها الثانوية، فمن نذر إن نسى أو أخطأ فشرب الخمر تصدق بشي‏ء لا يكون حديث الرفع مقتضيا لرفعه، فان الظاهر منها ان المنظور فيها آثار عنوان ذلك العنوان غير عنوان نفسها، فعنوان (ما اضطروا اليه) لا ينظر الى رفع الاثر المترتب على نفس الاضطرار، و ليس غير العنوان الثانوي العنوان الاولي، فلذلك تكون رافعة لآثار الشي‏ء الثابتة له بعنوانه الاولي، فلو قلنا بان حديث رفع النسيان دال على رفع أثر الجزء أو الشرط المنسي لا يكون دالا على رفع الاثر المترتب على نفس النسيان، فلا يكون رافعا لإعادة الصلاة الثابتة لمن صلى في النجس نسيانا.

و الحاصل: ان الآثار المترتبة على الشي‏ء بعنوانه الثانوي معناه كون العنوان الثانوي موجبا لوضع ذلك الاثر، و ان ما كان نفس العنوان الثانوي موجبا لوضعه لا يكون هو ايضا موجبا لرفعه، لاستحالة ان يكون الشي‏ء الواحد بما هو واحد موجبا لأثرين متناقضين، و قد اشار الى ما ذكرنا بقوله: «ثم لا يذهب عليك ان المرفوع فيما اضطر اليه و غيره» كعنوان ما استكرهوا عليه و ما لا يعلمون «مما اخذ بعنوانه الثانوي» كما عرفت من ان هذه العناوين عناوين ثانوية، و على كل،

317

لا يقال كيف؟ و إيجاب الاحتياط فيما لا يعلم و إيجاب التحفظ في الخطأ و النسيان، يكون أثرا لهذه العناوين بعينها و باقتضاء نفسها (1).

____________

ف «انما» المرفوع بها «هو الآثار المترتبة عليه» أي على الشي‏ء «بعنوانه الاولي»، و اشار الى الوجه في ذلك و هو الذي ذكرناه أخيرا بقوله: «ضرورة ان الظاهر ان هذه العناوين» الثانوية هي التي «صارت موجبة للرفع و» الآثار المترتبة على نفس هذه العناوين الثانوية تكون هذه العناوين الثانوية هي «الموضوع» لثبوت «الاثر» المترتب عليها، و ما هو الموضوع للاثر هو «مستدع لوضعه» أي لوضع الاثر «فكيف يكون» هو «موجبا لرفعه» فانه من تأثير الشي‏ء الواحد اثرين متناقضين.

(1) توضيحه: ان ما ذكر هو ان المرفوع في هذا الحديث هي آثار العناوين الاولية لا آثار هذه العناوين الثانوية بنفسها، فالمرفوع بما اضطروا اليه اثر الخمر و هو الحرمة لا اثر الاضطرار، و لكن هذا مناف لما بنى عليه الاستدلال في إفادة هذا الحديث للبراءة، و انه يدل على رفع استحقاق العقاب في مخالفة التكليف المجهول، لان صحة الرفع شرعا كان برفع ايجاب الاحتياط في ما لا يعلمون، و برفع ايجاب التحفظ في ما أخطئوا فيه، و برفعه ايضا في مورد النسيان، و الموضوع لايجاب الاحتياط هو عدم العلم، و الموضوع لايجاب التحفظ هو الخطأ و النسيان، فالمرفوع بالحديث هو اثر عدم العلم و اثر الخطأ و النسيان، و هذا مناف لما مر من ان حديث الرفع لا يرفع آثار هذه التسعة و انما يرفع آثار العناوين الاولية، و انه منة منه على هذه الامة المرحومة رفع ايجاب الاحتياط فيما لا يعلم و ايجاب التحفظ في مورد الخطأ و النسيان، و من الواضح ان السبب في الاحتياط في مورد عدم العلم هو نفس عنوان عدم العلم، و السبب في ايجاب التحفظ هو نفس عنوان الخطأ أو النسيان، اذ لا معنى لجعل الاحتياط في مورد العلم، و لا معنى لجعل ايجاب التحفظ في غير الخطا و النسيان، فايجاب الاحتياط و ايجاب التحفظ آثار لنفس هذه العناوين الثانوية و هي المرفوعة بهذا الحديث، و على هذا فتكون دعوى كون المرفوع فيه هي خصوص آثار العناوين‏

318

فإنه يقال: بل إنما تكون باقتضاء الواقع في موردها، ضرورة أن الاهتمام به يوجب إيجابهما، لئلا يفوت على المكلف، كما لا يخفى (1).

____________

الاولية منافية لنفس مورد الرفع في هذا الحديث، فان المرفوع فيه هي آثار العناوين الثانوية، و إلّا لما تم الاستدلال على البراءة في المقام بهذا الحديث، و الى هذا اشار بقوله: «لا يقال كيف» يكون المرفوع بهذا الحديث هي خصوص الآثار للعناوين الاولية «و» الحال ان «ايجاب الاحتياط فيما لا يعلم و ايجاب التحفظ في» مورد «الخطأ و النسيان يكون اثرا لهذه العناوين» الثانوية «بعينها» لوضوح عدم معنى جعل الاحتياط في مورد العلم، و جعل التحفظ في غير مورد الخطأ و النسيان، و ان من الواضح ان ايجاب الاحتياط و ايجاب التحفظ لو كانا لكانا «باقتضاء نفسها» أي باقتضاء نفس هذه العناوين، و كل ما كان له اقتضاء لشي‏ء كان ذلك الشي‏ء من آثاره، لوضوح كون المقتضى من آثار مقتضيه.

(1) حاصل الجواب عنه ما عرفت من ان ايجاب الاحتياط و ايجاب التحفظ من آثار التكليف الواقعي باعتبار مصلحته، فان المصلحة كما تدعو الى التكليف به تدعوا ايضا الى ايصاله و الى التحفظ عليه، لئلا تفوت في مقام عدم العلم بالتكليف و بعروض الخطأ و النسيان الحاصلين غالبا من التساهل. نعم مورد جعل الاحتياط و ايجاب التحفظ هو حال عدم العلم و الخطأ و النسيان، و لكنه ليس من آثارها، و الى هذا اشار بقوله: «فانه يقال» انهما ليسا من آثار هذه العناوين الثانوية «بل انما يكون» ايجاب الاحتياط و ايجاب التحفظ «باقتضاء» من «الواقع» الذي هو التكليف باعتبار مصلحته، و لكن الجعل للاحتياط و للتحفظ يكون «في موردها» أي في مورد عدم العلم و مورد يمكن وقوع الخطا و النسيان فيه.

ثم اشار الى الدليل على انهما من مقتضيات الواقع دون هذه العناوين الثانوية بقوله: «ضرورة ان الاهتمام به» أي بالتكلف لما فيه من المصلحة الملزمة هو الذي‏

319

[حديث الحجب‏]

و منها: حديث الحجب، و قد انقدح تقريب الاستدلال به مما ذكرنا في حديث الرفع (1)، إلا أنه ربما يشكل بمنع ظهوره في وضع ما لا يعلم من التكليف، بدعوى ظهوره في خصوص ما تعلقت عنايته تعالى بمنع اطلاع العباد عليه، لعدم أمر رسله بتبليغه، حيث إنه بدونه لما صح إسناد الحجب إليه تعالى (2).

____________

يوجب «ايجابهما» أي ايجاب الاحتياط و ايجاب التحفظ «لئلا يفوت على المكلف».

(1) و هو قوله (عليه السّلام): (ما حجب اللّه علمه عن العباد فهو موضوع عنهم) (1).

و تقريب الاستدلال بها على نحو ما مرّ في حديث الرفع، و الكلام فيه يمكن ان يأتي من ساير الجهات التي مرّت في حديث الرفع ايضا، عدا وحدة السياق فانه لا سياق في هذا الحديث يقتضي كون الموضوع عن العباد و المرفوع عنهم هو الفعل دون الحكم.

و على كلّ، فالحكم الذي لم يعلم به اما للجهل به من أصله كالتتن المجهول حكمه واقعا كما في الشبهة الحكمية، او للجهل بانطباقه بالفعل على المائع المجهول كونه خمرا أو خلا كما في الشبهة الموضوعية- يصدق عليه انه مما حجب اللّه العلم به عن العباد فهو موضوع عنهم، فالمراد من الموصول و هو ما في قوله (عليه السّلام): (ما حجب اللّه علمه) اما الحكم المطلق الشامل للشبهتين، او الفعل المجهول حكمه تارة للجهل به نفسه، و اخرى للجهل بانطباقه و هو شامل ايضا للشبهتين.

و الحاصل: ان كيفية الاستدلال به على نحو ما مرّ في حديث الرفع، و لذا قال:

«و قد انقدح ... الى آخر الجملة».

(2) حاصله: ان الاشكال المختص بهذا الحديث في دلالته على البراءة هو ظهور الحجب المسند اليه تعالى في ان المحجوب هو التكليف الذي منع اللّه الاطلاع عليه،

____________

(1) التوحيد: ص 413.

320

.....

____________

اما بعدم تبليغه له لانبيائه و اوصيائه وسائط التبليغ، أو انه اطلعهم عليه و منعهم من اظهاره، و من الواضح ان مورد الشك الذي هو المهم من محل الكلام في المقام هو الشك في التكليف المبلغ الذي اريد اظهاره و اطلاع العباد عليه، و لكنه اختفى لإخفاء المخفين له دون التكليف الذي اراد اللّه اخفاءه و حجبه، فيكون لسان هذا الحديث لسان الحديث الوارد عن امير المؤمنين (عليه السّلام): (ان اللّه حدّد حدودا فلا تعتدوها و فرض فرائض فلا تعصوها و سكت عن اشياء لم يسكت عنها نسيانا لها فلا تتكلفوها رحمة من اللّه لكم) (1) فان التكاليف التي سكت اللّه عنها ليست هي مورد الكلام في المقام، و مثلها التكاليف التي حجب اللّه العلم عنها فانها ايضا ليست مورد الكلام، بل مورد الكلام التكاليف التي ما سكت عنها و اظهرها و لكنها اختفت باخفاء الظالمين و كتمانهم لها، و الى هذا اشار بقوله: «إلّا انه ربما يشكل» في دلالة هذا الحديث على البراءة فيما هو محل الكلام في المقام «بمنع ظهوره في وضع ما لا يعلم من التكليف» الذي لم يحجب اللّه العلم عنه و اظهره على لسان مصادر التبليغ و لكنه اختفى لإخفاء الظالمين «بدعوى ظهوره» أي بدعوى ظهور الحديث المزبور «في خصوص» التكليف الذي لم يرد اظهاره و هو «ما تعلقت عنايته تعالى بمنع اطلاع العباد عليه» لمصلحة في اخفائه عنهم، و قد اقتضت تلك المصلحة «لعدم امر رسله بتبليغه».

ثم اشار الى وجه هذا الظهور بقوله: «حيث انه بدونه لما صحّ اسناد الحجب اليه تعالى» أي لما كان الظاهر من هذا الحديث كون الحاجب عن العلم به هو اللّه، فلذلك كان مختصّا بالتكليف الذي لم يرد اظهاره و منع من اطلاع العباد عليه.

و من الواضح: ان التكليف الذي اختفى لإخفاء المخفين له لم يكن السبب في حجب العلم به هو اللّه، بل كان السبب في حجبه هو إخفاء الظالمين، فنسبة الحجب‏

____________

(1) نهج البلاغة، الحكم 102.

321

.....

____________

اليه تعالى توجب ظهور الحديث في التكليف الذي لم يرد اظهاره، و ليس مثل هذا التكليف محل الكلام في المقام، بل محل الكلام هو التكليف الذي لم يستند الحجب فيه الى اللّه و كان مستندا الى اخفاء الظالمين، فالحديث بظاهره اجنبي عمّا هو محل البحث.

ثم لا يخفى ان قوله (قدس سره): «ربما» يمكن ان يكون اشارة الى منع هذه الدعوى، و ان اسناد الحجب اليه لا ظهور فيه بلزوم اختصاص الحديث بما هو خارج عن محل الكلام، لانه تعالى هو الذي اليه تنتهي سلسلة العلل و المعلولات، فالتكاليف التي خفيت باخفاء الظالمين لها بسوء باختيارهم و ارادتهم لإخفائها يصح نسبة حجبها اليه تعالى ايضا، لان المفيض للصور بعد تمامية عللها من جانب الممكنات هو اللّه تعالى، فانه هو الذي يتوفى الانفس عند موتها و ان كانت بالقتل ظلما بعد حصول تمام ما هو العلة للموت من القاتل، و مثله الحجب الذي تمت علته من جانب الظالمين يصح نسبته اليه تعالى ايضا.

هذا مضافا الى ان الظاهر من الموصول هو التكليف الذي له حظّه من الوجود اللائق لماهية التكليف، فالمحجوب تكليف موجود اما إنشاء في طريقه الى الفعلية او فعليا ايضا، لان من الواضح ان انشاء التكليف الذي لم يرد اللّه اظهاره اصلا لغو لا يصدر منه، فالتكليف المنشأ هو التكليف الذي يمكن ان يقع في شأن الفعليّة التامة بوصوله تماما، و على هذا فلا يكون المحجوب هو التكليف في مرحلة الاقتضاء و المصلحة، فان وجوده في تلك المرحلة من باب وجود المقتضى بوجود مقتضيه، لا بوجود يخصّه في نظام الوجود، و الظاهر من الحديث ان المحجوب ما له وجود يخصّه بحيث لو لم يحجب لتعلق العلم به بوجوده لا بمصلحته، لان تعلق العلم به في دور مصلحته لا يصحح اطلاق التكليف عليه الّا بنحو من العناية.

إلّا انه مع ذلك كله فان المنصرف من الحديث هو غير التكليف الذي خفي باخفاء الظالمين، فان التكليف الذي خفي باخفاء الظالمين يصدق عليه مما لم يحجب اللّه‏

322

[حديث الحل‏]

و منها: قوله (عليه السّلام): كل شي‏ء لك حلال حتى تعرف انه حرام بعينه .. الحديث، حيث دلّ على حليّة ما لم يعلم حرمته مطلقا و لو كان من جهة عدم الدليل على حرمته (1) و بعدم الفصل‏

____________

علمه عن العباد. و اما انتهاء سلسلة الممكنات اليه لا يمنع من الانصراف الى خصوص ما كان الحجب مستندا اليه تبارك و تعالى، و اما كون انشاء التكليف الذي لا يبلغ الفعلية لغوا فهو غير صحيح، لانه لا يلزم ان يبلغ الى الفعلية في زمان مخصوص، و يكفي ان يبلغ الى الفعلية في عصر الحجة (عليه السّلام) فيكون من التكاليف المخزونة.

و يحتمل ان يكون قوله «ربما» اشارة الى انه ليس المهم في المقام الكلام في خصوص الشك في الحكم لإخفاء الظالمين، بل مورد البراءة: تارة يكون فقد النص لإخفاء الظالمين، و اخرى يكون اجمال النص، و ثالثة تعارض النصين، و رابعة يكون لعدم وجوده في عصر الحجج (ص) حتى يقع موردا للسؤال و الجواب كالتتن و امثاله. و نسبة الحجب اليه تعالى في الاحتمالات الثلاثة ما عدا الاول ظاهرة.

(1) توضيح دلالة هذه الرواية على البراءة في الشبهة الحكمية: ان الغاية و هي قوله:

(حتى تعرف انه حرام بعينه) هي غاية للمحمول، و هو حلال في قوله: (كل شي‏ء لك حلال)، فيكون معناها ان كل شي‏ء بما له من العنوان سواء كان غير حرام واقعا او حراما واقعا هو فعلا حلال حتى تعرف انه حرام، فالمستفاد منها جعل حلية ظاهرية الى زمان العلم بالواقع بما هو عليه من عدم الحرمة او الحرمة الواقعية.

و يحتمل ان تكون الغاية غاية للموضوع و هو الشي‏ء، فيكون تقدير الرواية: كل شي‏ء حتى تعرف انه حرام بعينه لك حلال.

و قد يقال: لا ينبغي ان تكون الغاية غاية للموضوع و هو الشي‏ء، لان كون الغاية قيدا يدل على انتهاء أمد المقيّد بها، و اذا كان الموضوع الذي هو الشي‏ء هو المقيّد بها فمعناه انتهاء امده الى زمان معرفة انه حرام، و انتهاء أمد المقيّد اما بانتهاء امد ذاته أو بانتهاء امد وصفه، و لا معنى لانتهاء امد ذاته أو بما له من عنوانه الذاتي له، لان‏

323

.....

____________

انتهاء امد ذاته إما بانتهاء وجوده او بانتهاء عنوانه الذاتي له، و من الواضح ان المائع المشكوك و التتن المشكوك حكمه لا ينتهي امد وجوده و لا امد خمريته او تتنيّته بمعرفة انه حرام، فلا بد و ان يكون الانتهاء فيه بانتهاء امده بوصفه، و اذا كان المراد انتهاءه بوصفه فهو يرجع الى كونه قيدا للمحمول لا للموضوع، و على كل فالغاية قيد و غاية للمحمول في الرواية و هي الحليّة، و لكن الكلام في المستفاد منها.

و يظهر من المصنف هنا استفادة دلالتها على البراءة في الشبهة الحكمية و الموضوعيّة، و سيأتي منه في الاستصحاب استفادة الاستصحاب منها، و يأتي بيان ذلك في مقامه ان شاء اللّه تعالى، و اما استفادة دلالتها على الشبهة الحكمية الذي هو المهم المبحوث عنه في المقام هو ان المراد من الشي‏ء الذي قد جعلت الحلية في ظرف عدم حصول الغاية هو الشي‏ء الذي لم يعلم حرمته بدلالة الغاية على ذلك، و هي قوله: (حتى تعرف انه حرام بعينه)، فان قوله: (حتى تعرف انه حرام) يدل على ان الشي‏ء الذي هو حلال هو الذي لم يعرف انه حرام، و تستمر حليّته الى ان يعرف انه حرام، و بضميمة ان لهذا اطلاقا يشمل عدم العلم بالحرمة فيما كان عدم العلم بها لاشتباه ما هو حرام بما هو حلال، بان يكون هناك حرام و حلال و لم يعلم حال هذا المشكوك المشتبه انه من الحرام او الحلال و هو الشبهة المصداقية، و ما كان عدم العلم بالحرمة لعدم الاحاطة بواقعية الشي‏ء و انه هل هو حرام واقعا او حلال واقعا و هي الشبهة الحكمية، فاطلاق عدم العلم من كلتا هاتين الجهتين يوجب شمول الرواية للشبهتين الموضوعيّة و الحكميّة، و الى هذا اشار بقوله: «حيث دلّ» قوله (عليه السّلام):

كل شي‏ء حلال «على حليّة ما لم يعلم حرمته مطلقا و لو كان» عدم العلم «من جهة عدم الدليل على حرمته» الذي هو منشأ الشك في الشبهة الحكمية، كما ان منشأ الشك في الشبهة المصداقية هو اشتباه ما هو حرام بما هو حلال كما مرّ بيانه.

324

قطعا بين إباحته و عدم وجوب الاحتياط فيه و بين عدم وجوب الاحتياط في الشبهة الوجوبية، يتم المطلوب مع إمكان أن يقال:

ترك ما احتمل وجوبه مما لم يعرف حرمته، فهو حلال (1)،

____________

(1) هذا جواب سؤال في المقام، و هو انه لو سلّمنا دلالة الرواية على الشبهة الحكمية، و لكنها انما تدل على الشبهة الحكمية التحريمية: أي التي كان الشك فيها من جهة كون الشي‏ء حلالا أو حراما، و لا دلالة للرواية على الشبهة الحكمية الوجوبية التي كان الشك فيها من جهة كون الشي‏ء حلالا أو واجبا، فتكون الرواية دالة على بعض ما هو المهمّ في المقام ... فاشار الى الجواب عنه، و قد اجاب بجوابين:

الاول: عدم الفصل بين عدم وجوب الاحتياط في الشبهة التحريمية، و بين عدم وجوب الاحتياط في الشبهة الوجوبيّة، فاذا وجد الدليل على عدم الاحتياط في الشبهة التحريمية كان دليلا ايضا على عدم الاحتياط في الشبهة الوجوبية، لما عرفت من عدم الفصل بينهما، و بقوله: «قطعا» يشير الى انه قول بعدم الفصل، لا انه من عدم القول بالفصل، و قد اشار الى هذا الجواب بقوله: «و بعدم الفصل قطعا بين اباحته» أي اباحة مشكوك الحرمة «و عدم وجوب الاحتياط فيه» أي في مشكوك الحرمة و الحليّة «و بين عدم الاحتياط في الشبهة الوجوبية» المشكوك فيها وجوب الشي‏ء و اباحته أي عدم وجوبه «يتم المطلوب» أي بعدم الفصل بين الشبهتين التحريمية و الوجوبية يتم المطلوب.

الجواب الثاني: ما أشار اليه بقوله: «مع امكان ... الى آخره» و حاصله: ان نفس هذه الرواية الدالة على الحلية في الشبهة التحريمية تدل ايضا على الحليّة في الشبهة الوجوبية، لان ما احتمل وجوبه فلا بد و ان يكون تركه محتمل الحرمة ايضا، لوضوح كون ترك الواجب حراما، فكل شي‏ء قد احتمل وجوب فعله فقد احتمل ايضا حرمة تركه، فالرواية الدالة على الترخيص في محتمل الحرمة تشمل ترك الواجب لانه محتمل الحرمة، و لازم جعل الترخيص لتركه جعل الترخيص لفعله‏

325

تأمل (1).

____________

ايضا، لان معنى جعل الترخيص هو ارخاء العنان فعلا و تركا، فجعل الترخيص في ترك الواجب لازمه عدم لزوم فعله.

فالحاصل: ان شمول الرواية لترك الواجب الذي هو محتمل الحرمة لازمه عدم لزوم فعل ما احتمل وجوبه، و كونه مباحا من ناحية لزوم الفعل المحتمل لزومه و وجوبه، و ذلك فما دلّ على الحليّة في الحرام المشكوك يدل على الحليّة ايضا في الوجوب المشكوك، و هذا هو مراده من قوله: «مع امكان ان يقال» ان ما دل على الحلية في الفعل المشكوك و حرمته يدل على الحلية في المشكوك وجوبه، لان «ترك ما احتمل وجوبه مما لم يعرف حرمته فهو حلال».

(1) يمكن ان يكون أمره بالتأمل اشارة الى الخدشة في جوابه الثاني، من دلالة الاباحة في مشكوك الحرمة على الاباحة في مشكوك الوجوب، لان ترك الواجب حرام لما مرّ غير مرة من عدم انحلال التكليف الى تكليفين، فان الحرمة التي هي في قبال الوجوب هي ما كانت عن المفسدة الملزمة، لا ما كانت عن ترك المصلحة الملزمة، فترك الواجب حرام لانه ترك المصلحة الملزمة لا لمفسدة في نفس ترك الفعل، و مثله ترك الحرام فانه واجب لانه ترك المفسدة الملزمة لا لان في الترك مصلحة ملزمة وراء مفسدة الفعل، فلا يكون ما دلّ على الحلّ في الشبهة التحريمية شاملا لترك الواجب، لعدم الشك من ناحية المفسدة الملزمة فيه، بل من ناحية ترك المصلحة الملزمة.

و يمكن ان يكون اشارة الى ما ذكره من القول بعدم الفصل، فان القول بعدم الفصل الذي اشار اليه هو عدم الفصل بين القول بالبراءة في الشبهة التحريمية و الشبهة الوجوبية: أي ان كل من قال بالبراءة في مشكوك الحرمة يقول بها في مشكوك الوجوب، و مرجع هذا الى دعوى قيام الاجماع على التلازم بين القول بالاباحة في الشبهة التحريمية و الاباحة في الشبهة الوجوبية، فيكون الدليل الدال على الحليّة في‏

326

.....

____________

الشبهة التحريمية دليلا عليها في الشبهة الوجوبيّة، لان الدليل على الملزوم دليل على اللازم.

و لكنه لا يخفى ان الاجماع المدعى ان قام على ملازمة واقعية بين القول بالحليّة في الشبهة التحريمية و القول بها في الشبهة الوجوبية كان موجبا لان يكون الدليل على حليّة الشبهة التحريمية دليلا على الشبهة الوجوبية، و اما اذا كان الاجماع المدعى و القول بعدم الفصل انما هو لقيام الدليل الخاص او العام على حليّة الشبهتين عند من يقول بالحلية في الشبهة التحريمية، فلا يكون الدليل في الشبهة التحريمية دليلا في الشبهة الوجوبية، لانه ليس هناك تلازم بين الشبهتين ليكون الدليل على الملزوم دليلا على اللازم.

و يمكن ان يكون اشارة الى اصل دعوى دلالة الرواية على الشبهة الحكميّة حتى التحريمية فضلا عن الوجوبية، لانه قد ورد بلسان هذه الرواية روايات اخرى صريحة في الشبهة الموضوعيّة صدرا و ذيلا و موردا، كمثل ما رواه في الكافي عن عبد اللّه بن سليمان عن ابي جعفر (عليه السّلام) بعد السؤال منه عن الجبن، (فقال (عليه السّلام) ساخبرك عن الجبن و غيره، كل ما كان فيه حلال و حرام فهو لك حلال حتى تعرف الحرام بعينه فتدعه) (1) فان صدر هذه الرواية مما يدل على الاختصاص بالشبهة الموضوعية، لان قوله: (فيه حلال و حرام) يدل على ان الشي‏ء فيه حرام و حلال، فالمشكوك منقسم الى الحرام و الحلال بالفعل، و انقسامه بالفعل الى الحرام و الحلال لازمه كون الشك فيه ناشئا من عدم العلم بانطباق ما هو حرام أو ما هو حلال على المشكوك، فهو صريح في الشك في الانطباق، و من الواضح ان ما كان الشك فيه من جهة الانطباق هو الشبهة الموضوعية دون الشبهة الحكمية، لان الشبهة الحكمية هي التي كان الشك فيها في اصل الحكم واقعا و انه الحلّ او الحرمة. و اما ذيلها فلقوله: (بعينه) و سيأتي بيانه.

____________

(1) الكافي ج 6: ص 339.

327

.....

____________

و اما موردا فلان موردها الجبن المشكوك كونه من الميتة او من غيرها، و هو ظاهر في كون الشك فيه من الشك في الشبهة الموضوعيّة، و مثل هذه الرواية روايات اخرى صريحة ايضا في الاختصاص بالشبهة الموضوعيّة.

و اما الرواية التي ذكرها المصنف و هي الرواية الوحيدة التي ليس في صدرها تقسيم الى الحلال و الحرام فهي ما رواه في الكافي بسنده عن مسعدة بن صدقة عن ابي عبد اللّه (عليه السّلام): (قال سمعته (عليه السّلام) يقول: كل شي‏ء هو لك حلال حتى تعرف انه حرام بعينه فتدعه من قبل نفسك، و ذلك مثل الثوب يكون قد اشتريته و هو سرقة، أو المملوك عندك و لعله حر قد باع نفسه او خدع فبيع أو قهر او امرأة تحتك و هي اختك او رضيعتك، و الاشياء كلها على هذا حتى يستبين لك غير ذلك او تقوم به البينة) و هذه الرواية و ان لم يكن في صدرها تقسيم الى الحرام و الحلال، لكن قوله (بعينه) فيه ظهور في ان الشك قد نشأ من ناحية كون المشكوك هل هو عين الحرام او عين الحلال؟ أي ان سبب الشك هو عدم العلم بكونه عينا و مصداقا للحرام و الحلال، لا من ناحية الشك في اصل الحرمة او الحلية واقعا، لانه لو كان الشك من هذه الجهة لما كان لقوله: (بعينه) خصوصية، و لكان امد الحليّة ينتهي بمحض معرفة انه حلال او حرام واقعا، و لا مزية و لا خصوصية للفظة (بعينه)، بل تكون فضلة في الكلام، و مهما امكن ان يكون اللفظ قد ذكر لخصوصية فيه اولى من ان يكون قد ذكر لا للخصوصية، و كون لفظة (بعينه) لها خصوصية في الذكر يقتضي ان يكون الشك ناشئا من حيث العينية لما هو الحرام و الحلال المعلومين، و لازم ذلك ظهور الرواية في الشبهة الموضوعية دون الحكمية.

مضافا الى قوله: (مثل الثوب ...) الى آخر الامثلة التي كلها من مورد الشبهة الموضوعيّة، مضافا الى ذيلها و هو قوله (عليه السّلام): (و الاشياء كلها على هذا حتى تستبين او تقوم به البينة) فان مورد قيام البينة هي الشبهة الموضوعية دون الحكمية، لانها مما

328

[حديث السعة]

و منها: قوله (عليه السّلام) الناس في سعة ما لا يعلمون فهم في سعة ما لم يعلم، أو ما دام لم يعلم وجوبه أو حرمته (1)، و من الواضح أنه لو كان‏

____________

يقوم لها بيان الشارع دون البيّنة، و على كل فلم يوجد في روايات قاعدة الحلّ رواية مطلقة مجردة عن قرينة تقتضي اختصاصها بالشبهة الموضوعيّة، و اللّه العالم.

(1) لا بد من بيان معنى هذه الرواية بحسب ما تقتضيه القواعد العربية قبل الكلام من ناحية دلالتها على البراءة، و حاصل معناها ان الناس داخلون في سعة ما لا يعلمونه، بان تكون لفظه (سعة) مضافة الى لفظة (ما) التي هي اما موصولة او موصوفة، و على الاول فالمعنى الناس في سعة الذي لا يعلمونه، و على الثاني فالمعنى الناس في سعة الشي‏ء غير المعلوم، و لا بد من هذه الاضافة لان عدم اضافة لفظ السعة يوجب كون جملة ما لا يعلمون اجنبية، و تكون جملة ابتدائية من غير خبر حيث تكون لفظة (ما) اما موصولة او موصوفة.

نعم، لو كانت لفظة (ما) مصدرية لامكن عدم اضافة لفظة السعة، الّا ان كونها مصدرية غير صحيح، لان (ما) المصدرية الداخلة على الفعل المضارع لا بد و ان يكون مساوقا للفعل الماضي، و ذلك حيث تدخل عليه (لم) دون (لا) و المفروض كون لفظ الرواية ما لا يعلمون لا ما لم يعلموا، فالظاهر هو اضافة لفظ السعة الى (ما) التي هي اما موصولة او موصوفة.

فالمتحصّل من الرواية هو كون الناس مشمولين لسعة ما لا يعلمون، و لا شبهة في شمولها للشبهة الحكميّة، لاطلاق ما لا يعلمون الشامل لعدم العلم لعدم البيان، كما انه شامل لعدم العلم من جهة عدم العلم بالانطباق، و لا اشكال في شمولها للشبهة التحريمية و الوجوبية، لوضوح اطلاق عدم العلم من حيث الجهتين ايضا.

و حاصلها بما لها من الاطلاق: هو ان الناس لا ضيق عليهم من جهة عدم العلم سواء كان الذي لا يعلمونه الحكم الكلي المشكوك ثبوته واقعا، أو كان الذي‏

329

الاحتياط واجبا لما كانوا في سعة أصلا، فيعارض به ما دل على وجوبه، كما لا يخفى (1).

____________

لا يعلمون هو عدم العلم بانطباقه، و سواء كان الحكم الذي لا يعلمونه حكما تحريميا او وجوبيا، و قد اشار الى ما ذكرنا بقوله: «فهم في سعة ما لم يعلم».

و لا يخفى ان المصنف في عبارته جعل بدل لفظة (لا) لفظة (لم) فصح ان تكون (ما) مصدرية ايضا، و لذا فمراده من قوله فهم في سعة ما لم يعلم هو كون (ما) اما موصولة أو موصوفة لإشارته الى كونها مصدرية بقوله: «او ما دام لم يعلم»، و اشار الى الاطلاق فيها الشامل للشبهة الحكمية الوجوبية و التحريمية بقوله: «وجوبه او حرمته».

(1) لما كان لسان هذه الرواية لسان السعة من جهة التكليف غير المعلوم، و أدلة الاحتياط الآتية- بناء على دلالتها على وجوب الاحتياط- لسانها لسان الضيق من جهة التكليف المجهول كان المهمّ في هذه الرواية هو الكلام من ناحية معارضتها لأدلة الاحتياط.

و توضيحه: انه اذا كان المراد من مما لم يعلم هو التكليف المجهول و كان لسان ادلة الاحتياط اثبات الوجوب الطريقي لاجل المحافظة على الواقع كان بين الدليلين تعارض، لان لسان دليل السعة هو كون الواقع ليس فيه ضيق حال عدم العلم به، فلا ضيق على الناس من جهته و انه ما لم يعلم الناس به هم في سعة من جانب فعله و تركه، فاحتماله لا يوجب ضيقا و ان كان احتمال تكليف لزومي، و لسان ادلة الاحتياط هو كون احتمال التكليف اللزومي في حال عدم العلم به موجبا للاحتياط و الضيق من جهته، فالناس ليسوا في سعة من جانب فعله و تركه.

و تعارض هذين الدليلين حيث يكون لسانهما ذلك واضحا، فان الاول مفاده كون الناس في سعة من ناحية التكليف المحتمل، و مفاد الثاني كون الناس في ضيق من ناحية التكليف المحتمل، و هما متعارضان لا ورود لأحدهما على الآخر، لان‏

330

لا يقال: قد علم به وجوب الاحتياط (1).

____________

الموضوع في كل منهما هو احتمال التكليف حال الجهل به، لكن احدهما يدل على السعة من جانبه و الآخر يدل على الضيق من جانبه، هذا اذا كان الموضوع في دليل البراءة هو التكليف المحتمل، و اما اذا كان الموضوع فيها هو التكليف الذي لم تقم حجة على تنجيزه، فدليل الاحتياط و ان كان طريقيا يكون واردا عليه، لان الموضوع في البراءة اذا كان هو التكليف غير المنجّز يكون دليل الاحتياط رافعا لموضوعه، لانه منجّز للواقع و حجة عليه فيرتفع به الموضوع في البراءة حقيقة، لان موضوعه التكليف غير المنجّز و الذي لم تقم حجة عليه منجّزة له، و من الواضح ان ادلة الاحتياط منجّزة للواقع و حجة عليه.

و لكن المصنف لما كان يرى ان الموضوع فيهما هو التكليف المجهول المحتمل على السواء فيهما، و ليس الموضوع في البراءة هو التكليف غير المنجّز بعدم قيام حجة عليه اصلا، لذا اشار الى كونهما متعارضين و لا تكون ادلة الاحتياط واردة على دليل السعة، و لذلك اشار الى تعارضهما بقوله: «و من الواضح انه لو كان الاحتياط واجبا لما كانوا في سعة اصلا» حيث يكون الموضوع في البراءة ما أشار اليه في عبارته السابقة و هو ما لم يعلم وجوبه او حرمته، و ليس الموضوع فيها التكليف غير المنجّز، و على هذا «فيعارض به» أي فيعارض بما دلّ على السعة و عدم الضيق «ما دل على وجوبه» أي وجوب الاحتياط، لانها تدل على ان الناس ليسوا في سعة من ناحية التكليف المجهول.

(1) حاصله: ان دليل السعة محصله ان الناس في سعة حيث لم يعلموا، اما اذا علموا فليسوا في سعة، و ادلة الاحتياط توجب العلم بوجوب الاحتياط، فتكون واردة على دليل السعة و لا معارضة بينهما، لان دليل السعة موضوعه عدم العلم و ادلة الاحتياط توجب العلم، فيرتفع به موضوع دليل السعة حقيقة، و كل دليل رفع موضوع الآخر حقيقة يكون واردا عليه لا معارضا له، و الى هذا اشار بقوله: «لا

331

فإنه يقال: لم يعلم الوجوب أو الحرمة بعد (1)، فكيف يقع في ضيق الاحتياط من أجله (2)؟ نعم لو كان الاحتياط واجبا نفسيا كان وقوعهم‏

____________

يقال قد علم به» أي قد علم بدليل الاحتياط «وجوب الاحتياط» فيكون واردا على دليل السعة لتقيّد موضوعه بعدم العلم.

(1) بيانه ما عرفت من ان موضوع دليل السعة هو عدم العلم بالتكليف لا عدم العلم بالمنجّز له، و دليل الاحتياط- بناء على الطريقية- منجّز للتكليف الواقعي لا انه موجب للعلم به، فان الواقع بعد على جهالته و انما كان دليل الاحتياط منجّزا له، فدليل السعة و دليل الاحتياط متعارضان، لان المستفاد من دليل السعة عدم تنجز الحكم الواقعي في حال الجهل به، و المستفاد من دليل الاحتياط تنجز الواقع به، و الواقع بعد باق على جهالته و لم يعلم به حتى يرتفع موضوع دليل السعة به، و لذا قال (قدس سره): «لم يعلم الوجوب و الحرمة بعد» أي عند قيام دليل الاحتياط لم يعلم الوجوب و الحرمة الواقعيين به، و هما باقيان بعد على الجهالة فلا يرتفع بدليل الاحتياط موضوع دليل السعة ليكون واردا عليه.

(2) توضيحه: ان دليل السعة بعد ان كان موضوعه هو التكليف المجهول و عدم العلم بالواقع، فهو يدل على انه ما لم يعلم التكليف فالناس في سعة من جانبه، و انما يكونون في ضيق من جهته فيما اذا علم به، و قد عرفت ان دليل الاحتياط لا يوجب العلم بالواقع و انما ينجّزه و الواقع بعد على الجهالة و ان قام دليل الاحتياط على تنجزه، ففي حال قيام دليل الاحتياط موضوع دليل السعة موجود و هو عدم العلم بالواقع، و مع قيام موضوعه فمحصله نفي الضيق من جانب الواقع، فلا ينبغي ان يقع الناس في ضيق الاحتياط من اجل التكليف الواقعي المجهول مع قيام الاحتياط الطريقي عليه، لان دليل السعة قد نفى الضيق من جانبه حيث يكون مجهولا و يكون المتحصّل من الدليلين هو تعارضهما، لان دليل السعة ينفي الضيق من جانب الواقع و دليل الاحتياط يقتضي الضيق بالوقوع في كلفة امتثال الواقع.

332

في ضيقه بعد العلم بوجوبه (1)، لكنه عرفت أن وجوبه كان طريقيا، لاجل أن لا يقعوا في مخالفة الواجب أو الحرام أحيانا (2)،

____________

و بعبارة اخرى: ان الناس لا يقعون في ضيق الواقع بحيث يرتفع موضوع دليل السعة إلّا اذا علم به، اما مع عدم العلم به فلا يقع الناس في ضيق الواقع و ان قام دليل الاحتياط الطريقي على تنجزه، فان غاية ما يقتضيه هو الضيق من جانب الواقع لا العلم به حتى يرتفع به موضوع دليل السعة، و لذا قال (قدس سره): «فكيف يقع في ضيق الاحتياط من اجله» أي من اجل الوجوب او الحرمة مع عدم العلم بالوجوب او الحرمة، و دليل السعة ينفي الضيق ما دام لم يعلم بالوجوب او الحرمة، و غاية ذلك هو وقوع المعارضة بينهما كما عرفت.

(1) حاصله: ان ما مر من وقوع المعارضة بين دليل السعة و دليل الاحتياط مبني على ان لسان دليل الاحتياط هو الوجوب الطريقي لداعي تنجيز الواقع، و اما لو كان المستفاد من دليل الاحتياط هو الوجوب النفسي لمصلحة فيه نفسه لا لداعي مصلحة الواقع و تنجيزه بالاحتياط، فان دليل الاحتياط يكون واردا على دليل السعة، لان الاحتياط يكون تكليفا واقعيا معلوما فهو كسائر التكاليف المعلومة، و مع العلم به يرتفع موضوع السعة لما مر من ان موضوعه عدم العلم، فلا بد من وقوع الناس في ضيق دليل الاحتياط لحصول العلم بالتكليف به، لفرض كون المستفاد من دليل الاحتياط هو الوجوب النفسي، و الى هذا اشار بقوله: «نعم لو كان الاحتياط واجبا نفسيا كان» واردا على دليل السعة لا معارضا، لوضوح «وقوعهم في ضيقه» أي في ضيق الاحتياط «بعد» قيام الدليل عليه الذي حصل منه «العلم بوجوبه» أي بوجوب الاحتياط.

(2) حاصله: ان الظاهر من لسان دليل الاحتياط هو الوجوب الطريقي و انه بداعي تنجز الواقع لا ان وجوبه نفسي، كما هو الظاهر جليا من ادلة الاحتياط الآتية المعللة لوجوب الاحتياط بأنه مما يأمن به المكلف من الوقوع في هلكة مخالفة الواقع، و لو كان‏

333

فافهم (1).

[مرسلة الصدوق‏]

و منها: قوله (عليه السّلام): (كل شي‏ء مطلق حتى يرد فيه نهي) و دلالته يتوقف على عدم صدق الورود إلا بعد العلم أو ما بحكمه، بالنهي عنه و إن صدر عن الشارع و وصل غير واحد (2)، مع أنه ممنوع لوضوح صدقه‏

____________

وجوبه نفسيا لما كان لهذا التعليل موقع، لان الاحتياط انما وجب لمصلحة في نفسه لا لان يأمن به من الوقوع في هلكة مخالفة الواقع، و لذا قال (قدس سره): «لكنه قد عرفت ان وجوبه» أي وجوب الاحتياط «كان طريقيا لاجل ان لا يقعوا في مخالفة الواجب و الحرام احيانا» و ذلك فيما اذا كان الحكم واقعا هو الوجوب او الحرمة.

(1) لعله اشارة الى انه بناء على استفادة الوجوب النفسي من ادلة الاحتياط يكون واردا على دليل السعة، لكنه من ناحية العلم بنفس وجوب الاحتياط النفسي، و محل الكلام هو وروده على دليل السعة من ناحية التكليف الواقعي، و وروده على دليل السعة من ناحية وجوبه النفسي لا ربط له بما هو المدعى من وروده على دليل السعة من ناحية التكليف الواقعي المجهول، فالناس انما وقعوا في ضيق وجوب الاحتياط النفسي و لم يقعوا في ضيق التكليف المجهول، و لا يعقل ان يكون وجوب الاحتياط النفسي منجزا للواقع لو كان للزوم اجتماع منجزين على منجز واحد الراجع الى اجتماع تكليفين فعليين منجزين على شي‏ء واحد، لان الواقع يكون منجزا بالوجوب الاحتياطي النفسي، و يكون منجزا بوجوبه الواقعي الذي فرض كون الاحتياط منجزا له، فمع كون الاحتياط واجبا نفسيا لا بد من بقاء الواقع على حاله، و ان كان لا فائدة في شمول دليل السعة له لفرض وقوع الناس في ضيق امتثاله من ناحية وجوب الاحتياط النفسي.

(2) توضيح الكلام في هذه الرواية الواردة عن الصادق (عليه السّلام) و هي قوله: (كل شي‏ء مطلق حتى يرد فيه نهي) (1) بحيث تكون دليلا على البراءة تتوقف على كون‏

____________

(1) الفقيه، ج 1، ص 317.

334

.....

____________

المراد من الورود فيها هو الوصول، و ان يكون الظاهر من قوله: (مطلق) هو الاباحة الشرعيّة، فيكون المتحصّل منها بعد تمامية هذين الامرين: ان كل شي‏ء هو مباح بالاباحة الشرعية الى ان يصل فيه النهي، و من الواضح دلالتها حينئذ على البراءة في الشبهة الحكمية التحريمية.

اما اذا كان المراد من الورود هو صدور النهي من الشارع فلا تكون الرواية دليلا على الاباحة الشرعية في الشبهة الحكمية التحريمية، بل يكون المراد منها هو الاباحة بمعنى اللاحرج المقابلة للحظر، فيكون المتحصّل منها هو كون الاشياء باقية على اللاحرجية و عدم الحظر الى ان يصدر من الشارع فيها نهي، و لا تكون نافعة في المقام، لان المفروض فيه هو كون الشك في التحريم الصادر من الشارع لو كان، و انما اختفى لإخفاء الظالمين، فلا يكون ما دلّ على اللاحرجية من حيث الشك في أصل الصدور دليلا على الاباحة الشرعية المجعولة في مقام الشك في الصادر غير الواصل لإخفاء الظالمين.

و توضيح ما ذكرنا يتوقف على بيان امرين: الاول: ان الاباحة لها معنيان:

الاول: الاباحة قبل صدور التكاليف المقابلة لاصالة الحظر و هي التي بمعنى اللاحرجية، و هي بهذا المعنى ليست مجعولا شرعيا، لان المفروض فيها كونها قبل صدور التكاليف، و المجعول الشرعي من التكاليف الشرعية.

المعنى الثاني: هي الاباحة الشرعيّة، و هي الاباحة المجعولة من قبل الشارع في مقام الشك، و هي تارة تكون لا اقتضائية و هي إباحة واقعية ناشئة من عدم وجود ما يقتضي طلب الفعل، و عدم ما يقتضي طلب الترك، و هي حكم واقعي لا ظاهري.

و اخرى اباحة ظاهريّة ناشئة من الاقتضاء لمصلحة اقتضتها، كالمنّة على الأمّة دعت الشارع لجعلها في مقام الشك، و هي حكم ظاهري.

و من الواضح ان الورود اذا كان بمعنى الصدور لا يعقل ان يكون غاية للاباحة الشرعية الواقعيّة لفرض كونها ناشئة عن عدم الاقتضاء للنهي، فجعل ورود النهي‏

335

.....

____________

غاية لها خلف، لان النهي لا يكون إلّا لما فيه اقتضاء النهي، و لا غاية للاباحة الظاهرية لان الاباحة الظاهرية لا بد و ان يكون غايتها هو العلم بالحكم لا صدور الحكم واقعا، فتعيّن ان يكون المراد من الاطلاق هو الاباحة اللاحرجية المقابلة للحظر، لا الاباحة الشرعية الواقعية و لا الاباحة الشرعية الظاهرية.

الثاني: ان الورود يستعمل تارة بمعنى الصدور و هو ورود الشي‏ء في نفسه، و يصح قطعا ان يقال للحكم الصادر من الشارع انه حكم ورد من الشارع، و برهانه انه يصح أن يقال ان الحكم ورد من الشارع و اختفى.

و اخرى يستعمل بمعنى الوصول و هو ورود الشي‏ء على الشي‏ء، كقوله تعالى‏ وَ لَمَّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ‏ (1) و بهذا المعنى يقال ورد الحكم على المكلّف: أي وصل اليه، و هذا ما ذكروه في معنى الورود.

و الذي اظنه ان الورود ليس بمشترك لفظي في هذين المعنيين، بل هو موضوع للبلوغ و الوصول، و لكن يراد تارة من وصول الحكم بلوغه الى تحققه و خروجه من العدم الى الوجود، و لما كان الحكم مما لا بد له من المتعلق فيكون وصوله الى متعلقه مما به يتم وجوده و تحققه، و بهذا المعنى يكون الوصول مساوقا للصدور حيث كان المتعلق بالنسبة الى الحكم كالمحل بالنسبة الى الحال صار الورود يتعدى اليه بفي، فيقال ورد في هذا الشي‏ء حكم من نهي أو امر، و على كل فالمراد بالورود حينئذ وصول الحكم الى متعلقه، و لذلك كان الوصول بهذا المعنى مساوقا للصدور.

و اخرى يكون المراد من الورود وصول الشي‏ء الى الشي‏ء، و بهذا المعنى يقال ورد الحكم على المكلّفين، و كأنّه اخذ ايضا في معنى الورود الذي يراد منه وصول الشي‏ء الى الشي‏ء ما يساوق الاستعلاء، و لذلك كان يتعدى بعلى، فيقال ورد الحكم على المكلف، و يقال ورد علينا ضيوف، و يقال وردنا على البلد الفلاني، و ربما

____________

(1) القصص: الآية 23.

336

.....

____________

لا يلاحظ فيه هذا المعنى، و يراد منه محض وصول الشي‏ء للشي‏ء، فيقال وردنا البلد الفلاني، و بهذا اللحاظ جاء قوله تعالى: وَ لَمَّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ‏، و لعله لما كان موسى (عليه السّلام) في ذلك الوقت لم يكن نبيا قد كلمه اللّه و كان شعيب هو النبي الحال في مدين ناسب ان لا يكون لورود موسى استعلاء على المحل الذي فيه نبي مرسل، مع ان موسى في ذلك الحين لم يكن بمرسل و لم يكلمه اللّه بعد برسالته، فلذلك لم يلحظ ما في الورود من الاستعلاء، و ان يكون الغرض منه محض وصوله الى مدين.

و على كل، فقد اتضح من جميع ما ذكرنا انه اذا اريد من الورود في هذه الرواية ما يساوق الصدور فلا يكون غاية الا للاطلاق الذي هو بمعنى الاباحة اللاحرجيّة المقابلة لاصالة الحظر، و على هذا فتكون الرواية اذا اريد منها ذلك غير مرتبطة بما هو المهم المبحوث منه في المقام و هو جعل الاباحة الشرعية للشي‏ء المشكوك حكمه لإخفاء المخفين، و اذا اريد من الورود الوصول الى المكلفين صحّ ان يكون غاية للاطلاق الذي هو بمعنى الاباحة الشرعية، و لا يخفى انه يتعيّن ايضا ان تكون الاباحة هي الاباحة الظاهرية لانها هي التي ينتهي امد جعلها بالعلم بالنهي و وصوله دون الاباحة الواقعيّة كما مرّ بيانه، و على هذا المعنى الاخير تكون مربوطة بالمقام و دليلا على جعل الاباحة الظاهرية لمشكوك الحرمة.

ثم لا يخفى ان كونها دليلا في المقام لا يكفي فيه إمكان كون المراد من الورود هو وصول الشي‏ء الى الشي‏ء، بل لا بد له من ظهور في هذا المعنى، و اذا لم يكن له ظهور فيه كانت الرواية المشتملة على لفظ الورود- غير الظاهر في المعنى النافع في ما هو المهم- من المجملات.

و بعبارة اخرى: انه يكفي النافي لدلالتها في المقام عدم ظهورها في المعنى الثاني، و لا يحتاج الى كونها ظاهرة في المعنى الاول، لكفاية الاجمال فيها و ترددها بين المعنيين لئلا تكون حجة في الاباحة الشرعية لمشكوك الحرمة، و لذا قال (قدس سره):

«و دلالته تتوقف» أي دلالة قوله (عليه السّلام): (كل شي‏ء مطلق حتى يرد فيه نهي) على‏

337

على صدوره عنه (1) سيما بعد بلوغه إلى غير واحد، و قد خفي على من لم يعلم بصدوره (2).

____________

الاباحة الشرعية لمشكوك الحرمة تتوقف «على» ظهوره في المعنى الثاني، و لا يكون ذلك الا في «عدم صدق الورود» بحسب ظهوره على ما يساوق الصدور، و لا يكون له ظهور «الا» في وصول الشي‏ء الى الشي‏ء، و حيث كان الورود مسندا الى النهي فلا يكون للنهي وصول الا «بعد العلم» به «أو ما بحكمه» من وصوله بالعلمي بان يصل العلمي «بالنهي عنه»، و اذا كان للورود في الرواية ظهور فعلي في هذا المعنى فلا يكون الورود فيها صادقا على الورود المساوق للصدور، فالحكم «و ان صدر من الشارع و وصل» الى «غير واحد» إلّا انه لا يصدق عليه لفظ الورود في الرواية لظهور الورود فيها في معنى وصول الشي‏ء للشي‏ء فلا يصدق على الورود المساوق للصدور.

(1) أي دعوى ظهور الورود في الرواية في المعنى الثاني، و انه لا ظهور له فيما يساوق الصدور ممنوعة.

ثم اشار الى وجه المنع و هو امكان ان يكون المراد من الورود فيها ما يساوق الصدور بقوله: «لوضوح» قابلية «صدقه» أي صدق الورود فيها «على صدوره» أي على صدور النهي «عنه» أي عن الشارع، و مع امكان صدقه على ما يساوق الصدور لا يكون له ظهور فيما هو المهم من جعل الاباحة الشرعية لمشكوك الحرمة.

(2) توضيحه: انه يمكن ان يقال: ان مشكوك الحرمة في المقام مما يحتمل صدور الحرمة فيه اصلا، فتكون الرواية و ان اريد من الورود فيها ما يساوق الصدور تكون نافعة لدلالتها على انها من المباحات و ان كانت اباحتها لا حرجية، فاشار الى الجواب بقوله: «سيما ... الى آخره» حاصله: انه يكون التمسك لذلك بالرواية من التمسك بالعام في الشبهة المصداقية، لاحتمال ان يكون هذا المشكوك قد ورد فيه نهي‏

338

لا يقال: نعم، و لكن بضميمة أصالة العدم صحّ الاستدلال به و تم (1).

____________

و وصل الى غير واحد، و اختفى على من لا علم له بصدوره، لانه اذا كان قد صدر فلا يكون الشي‏ء مما لم يرد فيه، و مع احتمال انه قد صدر و اختفى فالتمسك بعدم الورود المساوق لعدم الصدور من التمسك بالعام في الشبهة المصداقية، و لذا قال (قدس سره): «سيما» أي و بالاخصّ لا يمكن التمسك بهذه الرواية فيما اذا كان الورود فيها بما يساوق الصدور في مشكوك الحرمة الذي كان مورد الشك فيه الاختفاء بعد الصدور، لاحتمال ان يكون الحكم المشكوك فيها قد صدر و «بعد بلوغه الى غير واحد» اخفاه المخفون «و» اذا كان «قد خفى على» خصوص «من لم يعلم بصدوره» كان التمسك بالرواية لاثبات اباحته مع انه يحتمل صدوره و اختفاؤه علينا بالخصوص من التمسك بالعام في الشبهة المصداقية، لان مضمون الرواية هو دلالتها على اطلاق الشي‏ء الذي لم يصدر فيه نهي، فلا بد من احراز انه لم يصدر فيه، و مع احتمال انه قد صدر فيه نهي و اختفى فلا يجوز التمسك بها لاحتمال كونه من مصاديق ما ورد فيه النهي، و يكون حال التمسك بها حال التمسك باكرم العادل في اثبات الاكرام لمن شك في عدالته.

(1) حاصله: انه اذا كان الورود هو ما يساوق الصدور انما لا يجوز التمسك بهذه الرواية لاثبات الاباحة في المشكوك، لان المشكوك مما يحتمل صدور النهي فيه و موضوع الاباحة فيها هو الذي لم يصدر نهي عنه، فلا بد من احراز ان هذا المشكوك مما لم يصدر نهي فيه، و مع عدم احراز الموضوع لا يجوز التمسك بالحكم، لوضوح ان التمسك بالحكم انما يكون بعد احراز موضوعه، الّا ان هذا فيما لو اردنا التمسك بالرواية من دون ضم ضميمة اليها يحرز بها ما هو الموضوع في هذه الرواية.

و بعبارة اخرى: انه لا اشكال في صحة التمسك بهذه الرواية مع احراز الموضوع فيها، و هو كون المشكوك مما احرز عدم صدور الحكم فيه، و بواسطة الاستصحاب الذي هو من الاصول المحرزة يحرز كون المشكوك مما لم يصدر فيه نهي، لوضوح كون‏

339

فإنه يقال: و إن تم الاستدلال به بضميمتها، و يحكم بإباحة مجهول الحرمة و إطلاقه، إلا أنه لا بعنوان أنه مجهول الحرمة شرعا، بل بعنوان أنه مما لم يرد عنه النهي واقعا (1).

____________

كل صدور هو مسبوق بعدم الصدور، فعدم الصدور السابق على زمان صدور الحكم في مقام الشك في الصدور يستصحب هذا العدم، و يحرز به ان المشكوك مما لم يصدر فيه نهي، فبواسطة استصحاب عدم الصدور يتحقق الموضوع في هذه الرواية، و مع تحقق موضوعها يتم الاستدلال بقوله (عليه السّلام): (كل شي‏ء مطلق حتى يرد فيه نهي) لاثبات الاباحة لهذا المشكوك، و الى هذا اشار بقوله: «نعم) أي انه لا يصح الاستدلال ابتداء بقوله (عليه السّلام): كل شي‏ء مطلق حتى يرد فيه نهي «و لكن بضميمة» المحرز للموضوع فيها و هي «اصالة العدم صح الاستدلال به» أي بقوله كل شي‏ء مطلق حتى يرد فيه نهي «و تمّ» المطلوب من اثبات الاباحة للمشكوك حرمته.

(1) توضيحه: ما عرفت من ان الاطلاق حيث يكون الورود بمعنى ما يساوق الصدور فالمراد منه هو الاباحة اللاحرجية العقلائية، دون الاباحة الشرعيّة الظاهرية المجعولة لمشكوك الحرمة التي كان المهمّ في المقام اثباتها، و من الواضح ان الاباحة اللّاحرجيّة هي اباحة واقعيّة لا ظاهرية، و اصالة العدم و ان كانت محرزة لعدم الورود الذي هو الموضوع للاباحة، الّا ان هذه الاباحة اباحة واقعيّة لا ظاهريّة، و الفرض في المقام اثبات اباحة ظاهرية لمشكوك الحرمة، فما يحرزه الاستصحاب من الموضوع محموله الاباحة الواقعية، و ما نحن بصدد اثباته و البحث عنه هو ما كان المحمول فيه هو الاباحة الظاهرية.

و بعبارة اخرى: ان الفرض اثبات الاباحة شرعا لمجهول الحرمة بما هو مجهول الحرمة، لا اثبات اباحة لعنوان ما لم يصدر فيه نهي، و الفرق بين الاباحتين واضح، فان الاولى ظاهرية و الثانية واقعيّة، فما هو المهمّ في البحث لا يثبت موضوعه باصالة العدم، و ما يثبت موضوعه باصالة العدم ليس هو المبحوث عنه في المقام، فان المهمّ‏

340

لا يقال: نعم، و لكنه لا يتفاوت فيما هو المهمّ من الحكم بالاباحة في مجهول الحرمة، كان بهذا العنوان أو بذاك العنوان (1).

____________

بالبحث هو الاباحة الظاهرية دون الاباحة الواقعيّة، و الى هذا اشار بقوله: «و ان تم الاستدلال به» أي بقوله كل شي‏ء مطلق حتى يرد فيه نهي «بضميمتها» أي بضميمة اصالة العدم لإحرازها للموضوع و هو عدم صدور البيان، و بعد احرازها للموضوع فيه يصح التمسك بقوله كل شي‏ء مطلق «و يحكم باباحة مجهول الحرمة و اطلاقه» هذا عطف تفسير للاباحة، فان المراد من الاطلاق في الرواية هو الاباحة و اذا احرز باصالة العدم موضوع الاطلاق فلا بد من ترتيب الاطلاق عليه الذي هو الاباحة، «إلّا انه لا بعنوان انه مجهول الحرمة شرعا» أي ان هذا الاطلاق و الاباحة التي احرز موضوعها باصالة العدم ليست هي الاباحة الظاهرية الشرعية المجعولة للشي‏ء بعنوان انه مشكوك الحرمة بما هو مشكوك الحرمة «بل» هي اباحة واقعيّة ثبتت للشي‏ء «بعنوان انه مما لم يرد عنه النهي واقعا» و ليس محل البحث هو اثبات اباحة واقعية للشي‏ء، بل محل البحث اثبات اباحة ظاهرية للشي‏ء بعنوان انه مشكوك الحرمة.

(1) حاصله: ان البحث في المقام و ان كان عن الاباحة الظاهرية للمشكوك، و الثابت بواسطة الاستصحاب هو الاباحة الواقعية دون الظاهرية، الّا ان الغرض من البحث عن اثبات الاباحة الظاهرية هو رفع العقاب، و رفع العقاب يثبت بالاباحة الواقعية ايضا.

و بعبارة اخرى: ان المهمّ الاولي هو اثبات الاباحة لرفع العقاب عن مجهول الحرمة سواء كان ذلك للاباحة الواقعية الثابتة له بعنوان انه لم يصدر فيه نهي، او للاباحة الظاهرية الثابتة له بعنوان انه مشكوك الحرمة، الى هذا اشار بقوله: «نعم» أي انا نسلّم ان الثابت بضميمة اصالة العدم هو الاباحة الواقعية لمجهول الحرمة «و لكنه لا يتفاوت فيما هو المهم من الحكم بالاباحة» لرفع استحقاق العقاب «في‏

341

فإنه يقال: حيث أنه بذاك العنوان لاختصّ بما لم يعلم ورود النهي عنه أصلا، و لا يكاد يعمّ ما إذا ورد النهي عنه في زمان، و إباحة في آخر، و اشتبها من حيث التقدّم و التأخر (1).

____________

مجهول الحرمة» سواء «كان» اثبات ذلك له بهذا «العنوان» الذي هو عنوان لم يصدر فيه نهي الذي محموله هو الاباحة الواقعية «او» كان «بذاك العنوان» و هو الاباحة الظاهرية الثابتة له بعنوان انه مشكوك الحرمة.

(1) توضيحه: ان اصالة العدم لا تجري في الحادثين المشكوك تقدم كل واحد منهما على الآخر و تأخره عنه كما سيأتي بيانه مفصلا في باب الاستصحاب ان شاء اللّه تعالى، ففيما اذا ورد نهي عن شي‏ء و وردت اباحة فيه ايضا و لم يعلم المتقدم منهما و المتأخر، فان كان المتقدم النهي و المتأخر الاباحة كان مباحا بالفعل، و ان كان المتقدم الاباحة و المتأخر النهي كان منهيا عنه بالفعل، فهو في هذا الحال مشكوك الحرمة للشك في تقدم النهي و تأخره، و في مثل هذا لا تجري اصالة العدم، فلا يحرز موضوع الاباحة فيما اذا كان الثابت بالرواية هو الاباحة الواقعية التي موضوعها عدم الصدور للنهي، اما اذا كان الورود بمعنى الوصول الذي هو الموضوع للاباحة الظاهرية الثابتة لمشكوك الحرمة فانه يصح التمسك بها في هذا الفرض الذي كان الشك فيه للتقدم و التأخر.

فالمتحصل من هذا الجواب: هو ان الاباحة الواقعية اخصّ من المدعى، و الى هذا اشار بقوله: «فانه يقال حيث انه بذاك العنوان» و هو عنوان عدم الصدور المستلزم للاباحة الواقعيّة تكون اخصّ من المدعى، فانه لو كان كذلك «لاختص» مورد الرواية «بما لم يعلم ورود النهي عنه اصلا» لجريان اصالة العدم المثبتة لموضوع الاباحة في الرواية «و لا يكاد يعم ما اذا ورد النهي عنه في زمان و» وردت «اباحة» له «في» زمان «آخر و اشتبها من حيث التقدم و التأخر» لما سيأتي من عدم جريان اصالة العدم في مشكوك التقدم و التأخر.

342

لا يقال: هذا لو لا عدم الفصل بين أفراد ما اشتبهت حرمته (1).

فإنه يقال: و إن لم يكن بينها الفصل، إلا أنه إنما يجدي فيما كان المثبت للحكم بالاباحة في بعضها الدليل، لا الاصل (2)، فافهم (3).

____________

(1) حاصله: انه ايضا لا يهمّ ذلك ايضا فيما هو المهمّ، فان اصالة العدم و ان كان لا تجري إلّا ان هناك اجماعا على تساوي افراد مجهول الحرمة، سواء ورد فيه نهي و اباحة و شك في المتقدم منهما، او كان اصل ورود الحرمة فيه غير معلوم، و العبارة واضحة.

(2) حاصله: ان اصالة العدم فيما اذا جرت لا داعي لان تكون مثبتة لموضوع كل شي‏ء مطلق لان يرفع به العقاب، بل هي تكون دالة على انه لا مانع من ارتكاب مجهول الحرمة و لا عقاب عليه، فيكون المثبت لما هو الغرض المهمّ من عدم العقاب هو الاصل دون الدليل الذي هو الرواية المذكورة، و سيأتي في باب الاستصحاب اثبات ان الاستصحاب اذا جرى فلا مجال لغيره من القواعد الأخر كالبراءة و قاعدة الحلّ، و مع كون الدليل في المقام حقيقة هو الاصل أي اصالة العدم لا مجال لدعوى عدم الفصل في افراد المشتبه، لان عدم الفصل فيه انما هو فيما كان الدليل على عدم المانع من ارتكاب المشتبه هو دليل الحلّ و قاعدته دون الاستصحاب، و الى هذا اشار بقوله: «فانه يقال و ان لم يكن بينها الفصل» و ان الاباحة اذا ثبتت لافراد المشتبه تثبت لجميع افراده «إلّا انه انما يجدي» عدم الفصل «فيما كان المثبت للحكم بالاباحة في بعضها» أي في بعض الافراد هو «الدليل» كقوله كل شي‏ء مطلق «لا الاصل» الذي هو اصالة العدم، لان عدم الفصل انما هو بين افراد المشتبه الذي ثبت اباحته بعنوان كونه مشكوك الحرمة لا بعنوان انه لم يصدر فيه نهي.

(3) يمكن ان يكون اشارة الى ما ذكره سابقا: من ان اصالة العدم تثبت موضوع الاباحة الواقعية، و الحال ان الموضوع للاباحة الواقعية هو الذي لم يصدر فيه نهي واقعا، و اما اثبات عدم صدور النهي بالاستصحاب فلازمه كون الثابت به اباحة

343

.....

____________

ظاهرية ايضا كما سيأتي بيانه في ان الاستصحاب احد موارد الحكم الظاهري، إلّا ان اثبات الموضوع بالاستصحاب لا ينافي كون الحكم واقعيا لا ظاهريا، كما يثبت باستصحاب الخمر ثبوت الخمر فيثبت لها الحكم الواقعي للخمر الواقعية، و المقام من هذا القبيل.

و يمكن ان يكون اشارة الى ان المشكوك تقدمه و تأخره كما لا مجرى للاستصحاب فيه كذلك لا مجرى فيه ايضا لكل شي‏ء مطلق فيما اذا كان المراد به عدم الصدور، لان المفروض ان حكم الاطلاق فيه لما لم يصدر فيه بيان و لو باصالة العدم لا لما صدر فيه بيان و اباحة و لم يعلم المتقدم من المتأخر.

و يحتمل ان يكون اشارة الى ان اصالة العدم في المقام هي الاستصحاب للعدم الازلي، و جريان الاستصحاب به في العدم الازلي محل كلام.

و يمكن ان يقال ايضا ان هناك ما يدل على ان المراد بالرواية هي البراءة فيما هو المهم في المقام: أي ان المراد من الورود هو الوصول، بان نقول ان المراد بقوله مطلق اذا لم يكن هو الاباحة الظاهرية حيث لا وصول للنهي، فلا بد ان يكون المراد من الاطلاق هو إمّا عدم الحكم و عليه فيكون المتحصّل من الرواية انه لا حكم قبل ورود النهي، و هذا من الامور التي لا مجال للشك فيها، فان كل شي‏ء قبل ورود الحكم فيه لا حكم له، و اما ان يراد من الاطلاق هو انه لا عقاب قبل ورود النهي و هكذا كالسابق، فان السبب للعقاب هو الورود، و حيث لا ورود للحكم من الشارع لا عقاب عليه عند الشارع، هذا مضافا الى ان الظاهر ان الرواية قد جاءت من الشارع بما هو شارع، و الحكم بالاباحة على الاحتمالين الأولين عقلي لا شرعي، فالظاهر من الرواية هو بيان الاباحة الشرعية التي تكون من الشارع بما هو شارع، و عليه فيتعيّن ان يكون المراد من الورود هو الوصول، و اللّه العالم.

344

[الاستدلال بالاجماع على البراءة]

و أما الاجماع فقد نقل على البراءة، إلا أنه موهون، و لو قيل باعتبار الاجماع المنقول في الجملة، فإن تحصيله في مثل هذه المسألة مما للعقل إليه سبيل، و من واضح النقل عليه دليل، بعيد جدا (1).

[الاستدلال بالعقل على البراءة]

و أما العقل: فإنه قد استقل بقبح العقوبة و المؤاخذة على مخالفة التكليف المجهول، بعد الفحص و اليأس عن الظفر بما كان حجة عليه،

____________

(1) حاصله: ان الاجماع المدعى في المقام على البراءة في الشبهة الحكمية هو الاجماع المنقول، و لا يخفى انه لا بد و ان يكون اجماعا بمسلك لا يضره خلاف المخالف، او يكون تحصيله لمن حصّله بنحو التقدير و التعليق، بدعوى ان المخالفين في المقام القائلين بالاحتياط انما قالوا لقيام الدليل عندهم على الاحتياط، و الّا فهم يقولون بالبراءة فيما اذا لم يقم دليل على الاحتياط، فمن لا تكون ادلة الاحتياط ثابتة عنده ينتفع بهذا الاجماع و لو كان من البعض تعليقيّا، و على كل فقد ناقش المصنف فيه من وجهين:

الاول: عدم حجيّة الاجماع المنقول كما تقدم ذكره في فصل الاجماع، و اليه اشار بقوله: «و لو قيل باعتبار الاجماع المنقول ... الى آخر الجملة».

الثاني: ان هذا الاجماع محتمل المدرك لاحتمال كون المدرك للقول بالبراءة هو الادلة الدالة على البراءة من الآيات و الاخبار و العقل دون الاجماع نفسه، و الى هذا اشار بما ذكره تعليلا لقوله: «انه موهون» و هو قوله: «فان تحصيله» أي تحصيل الاجماع بان يكون بما هو اجماع في هذه المسألة مما لا وجه لا دعائه، لانه محتمل المدرك، لان الحكم بالبراءة «في مثل هذه المسألة مما للعقل اليه سبيل» كقاعدة قبح العقاب بلا بيان «و من واضح النقل عليه دليل» كالآيات و الروايات، و مع وفور هذه المدارك فتحصيل الاجماع فيها «بعيد جدا».

345

فإنهما بدونهما عقاب بلا بيان و مؤاخذة بلا برهان، و هما قبيحان بشهادة الوجدان (1).

و لا يخفى أنه مع استقلاله بذلك، لا احتمال لضرر العقوبة في مخالفته، فلا يكون مجال هاهنا لقاعدة وجوب دفع الضرر المحتمل، كي‏

____________

(1) توضيحه: ان العقل يحكم بان العقاب على مخالفة التكليف المجهول مع فرض عدم وصول الحجة عليه عقاب بلا بيان و مؤاخذة بلا برهان، و هما قبيحان: أي ان العقاب بلا بيان و المؤاخذة بلا برهان قبيحان، و مع حكم العقل بقبح المؤاخذة و العقاب على التكليف المجهول مع عدم وصوله أو عدم وصول الحجة عليه يأمن المكلف من العقوبة على مخالفته، لوضوح انه مع حكم العقل بقبح العقاب عليه لا يعقل ان يعاقب المولى عبده على مخالفته، لبداهة محالية ان يرتكب العادل ما هو قبيح ارتكابه، و لعل السبب في حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان هو ان العقلاء قد تطابقت آراؤهم حفظا للنظام و ابقاء للنوع على مدح العدل و قبح الظلم، و انهم كما يحكمون بقبح مخالفة العبد لمولاه في التكليف الواصل الى العبد لانه من ظلم العبد مولاه، لان خروجه عن زي الرقية و رسم العبودية و طغيانه على مولاه ظلم منه لمولاه، فانهم يحكمون ايضا بان مخالفة العبد لتكليف مولاه غير الواصل اليه ليس من ظلم العبد لمولاه، و من الواضح انهم يحكمون ايضا ان العقاب من المولى لعبده حيث لا يكون العبد ظالما له يكون ظلما من المولى لعبده، و من البديهي ايضا قبح الظلم عند العقلاء، فاتضح استقلال العقل بقبح العقوبة و المؤاخذة على التكليف المجهول حيث لم يصل بنفسه و لا بقيام حجة عليه و عبارة المتن واضحة، و لعلّ مراده من شهادة الوجدان على ذلك هو شهادة الوجدان بحكم العقلاء على ان عقاب المولى على التكليف المجهول غير الواصل لا بنفسه و لا بالحجة عليه هو من مصاديق قاعدة القبح العقلي، الذي بنى العقلاء على ذم فاعله كما بنوا على الحسن العقلي و مدح فاعله، و على كل فقاعدة قبح العقاب بلا بيان من المسلمات عند العقلاء.

346

[دعوى صلاحية قاعدة وجوب دفع الضرر المحتمل للبيان و الجواب عنها]

يتوهم أنها تكون بيانا (1)، كما أنه مع احتماله لا حاجة إلى القاعدة، بل في صورة المصادفة استحق العقوبة على المخالفة و لو قيل بعدم وجوب‏

____________

(1) قد عرفت استقلال العقل بقبح العقاب بلا بيان، و لا يرتفع القبح الّا بالبيان الواصل ... و لذلك فقد ادعي ان قاعدة وجوب دفع الضرر المحتمل تصلح لان تكون بيانا، و مع صلاحيتها للبيان لا يكون مجال للتمسك بقاعدة قبح العقاب بلا بيان لارتفاع موضوعها، لان موضوعها هو عدم البيان، و مع فرض كون قاعدة وجوب دفع الضرر المحتمل بيانا لا يبقى وجه بصحة التمسك بها.

و الحاصل: ان العقلاء كما بنوا على قاعدة قبح العقاب بلا بيان كذلك قد بنوا على قاعدة وجوب دفع الضرر المحتمل، فالعقل كما يحكم بقبح العقاب بلا بيان يحكم ايضا بوجوب دفع الضرر المحتمل، و من الواضح ان العبد المحتمل للتكليف الالزامي المجهول يحتمل في ترك الاتيان به للضرر المترتب على تركه، و مع احتماله للضرر في تركه يلزمه العقل بوجوب الاتيان به دفعا للضرر المحتمل، و مع حكم العقل بوجوب اتيان التكليف المجهول المحتمل لا يصح التمسك لرفع استحقاق العقاب بقاعدة قبح العقاب بلا بيان، لبداهة كون حكم العقل بوجوب دفع الضرر المحتمل يصح ان يكون بيانا، و مع صحة كونه بيانا يرتفع موضوع قاعدة قبح العقاب بلا بيان.

و حاصل الجواب عن هذه الدعوى: هو ان الضرر المحتمل اما ان يكون هو الضرر الاخروي و هو العقاب في الآخرة، او يكون هو الضرر الدنيوي و الابتلاء بالمفاسد الدنيوية المترتبة على ترك التكاليف الالزامية، فان كان الاول و هو ان الضرر المحتمل احتمال العقاب في ترك الاتيان بالتكليف الالزامي المجهول.

فالجواب عنه: ان العقاب غير محتمل على التكليف المجهول، فلا مورد لقاعدة وجوب دفع الضرر المحتمل حتى تكون بيانا لقاعدة قبح العقاب، لوضوح كون موضوع وجوب دفع الضرر المحتمل هو احتمال العقاب، و مع استقلال العقل بقبح‏

347

.....

____________

العقاب بلا بيان لا يكون العقاب محتملا حتى يكون المورد من موارد قاعدة وجوب دفع الضرر المحتمل.

لا يقال: ان قاعدة قبح العقاب بلا بيان موضوعها عدم البيان، و العقل انما يحكم بقبح العقاب حيث يتمّ الموضوع و هو عدم البيان، و من الواضح ان البيان الذي عدمه موضوع لقاعدة قبح العقاب هو البيان الاعم من البيان للتكاليف بعناوينها الخاصة كوجوب الصلاة و حرمة الخمر، و من البيان لها و لو بالعناوين العامة و لو مثل قاعدة وجوب دفع الضرر المحتمل، لان المراد من البيان هو مطلق الحجة و ما يصح به الاحتجاج من المولى على عبده، و كما يصح الاحتجاج من المولى على عبده ببيان الوجوب و الحرمة له كذلك يصح الاحتجاج منه عليه ايضا في وصول البيان العام للعبد، فقاعدة قبح العقاب بلا بيان انما يتم موضوعها مع الغض عن قاعدة وجوب دفع الضرر، و اما مع ملاحظة قاعدة وجوب دفع الضرر فلا يبقى موضوع لقاعدة قبح العقاب بلا بيان، لان العقاب محتمل مع الغض عن قاعدة قبح العقاب، و قد عرفت انه مع وصول قاعدة وجوب دفع الضرر المحتمل لا يبقى مجال لقاعدة القبح.

فانا نقول: ان هذا توهّم باطل، لانه فيه- مضافا الى لزوم الدور من كون قاعدة وجوب دفع الضرر المحتمل بيانا لقاعدة قبح العقاب بلا بيان، لان قاعدة وجوب دفع الضرر المحتمل موضوعها احتمال الضرر: أي احتمال العقاب، و تحقق هذا الاحتمال يتوقف على عدم جريان قاعدة قبح العقاب بلا بيان، لانه مع جريانها يقطع بعدم العقاب، فلا يكون احتماله متحققا الذي هو الموضوع لقاعدة وجوب الدفع للضرر، و عدم جريان قاعدة القبح موقوف على جريان قاعدة وجوب الدفع للضرر، فيتوقف جريان قاعدة وجوب الدفع على نفسها، لان جريانها بتحقق موضوعها و هو الاحتمال للعقاب المتوقف على عدم جريان قاعدة القبح، المتوقف عدم جريانها على جريان قاعدة وجوب الدفع، فجريانها متوقف على عدم جريان قاعدة القبح المتوقف على جريانها، فجريانها يتوقف على جريانها و هو الدور- ان‏

348

دفع الضرر المحتمل (1).

____________

قاعدة وجوب دفع الضرر لا تصلح لان تكون بيانا لقاعدة القبح، لانها إمّا تكون قاعدة نفسية بمعنى ان وجوبها وجوب نفسي، فالعقاب يكون على مخالفتها لا على مخالفة الواقع، و على هذا لا تصلح لان تكون بيانا لقاعدة قبح العقاب الذي كان العقاب فيها عقابا على الواقع، فان ما يكون بيانا لها هو الحجة التي كان العقاب فيها عقابا على الواقع، و ذلك في فرض المصادفة، و ما كان العقاب فيه على كل تقدير لا يصلح بيانا لما كان العقاب فيه على فرض المصادفة.

و اما ان يكون وجوبها ارشاديا، و لازمها حكم العقل باستحقاق العقاب على مخالفة التكليف المجهول، و قد عرفت ان العقل مستقل بعدم استحقاق العقاب على مخالفة التكليف المجهول، فلا ينبغي توهم كون قاعدة وجوب دفع الضرر المحتمل بيانا لقاعدة قبح العقاب بلا بيان، فيما اذا كان المراد من الضرر المحتمل هو احتمال العقاب، و لذا قال (قدس سره): «و لا يخفى انه مع استقلاله» أي مع استقلال العقل «بذلك» أي بقبح العقاب بلا بيان «لا احتمال لضرر العقوبة في مخالفته» أي مخالفة التكليف المجهول، بل عدم العقاب على مخالفته مقطوع به، و اذا كان عدم العقاب مقطوعا به «فلا يكون مجال هاهنا» أي في مورد التكليف المجهول غير الواصل بنفسه و لا بحجة عليه كالخبر أو وجوب الاحتياط «لقاعدة وجوب دفع الضرر المحتمل كي يتوهم» انها تكون بيانا لقاعدة القبح المذكورة.

(1) حاصله: ان قاعدة وجوب دفع الضرر المحتمل عند من يقول بها قاعدة عقلائية بها يستحق الثواب و العقاب على ترك محتمل الضرر و فعله، و من الواضح ان العقاب على فعل محتمل الضرر انما هو العقاب على مخالفة الواقع، و لو كان السبب في استحقاق العقاب هو قاعدة وجوب دفع الضرر لكان العقاب للقاعدة لا على الواقع، فاذا احتملنا العقاب على مخالفة التكليف المجهول عند المصادفة فلا حاجة لقاعدة وجوب دفع الضرر المحتمل، اذ لا يترتب على مخالفة الواقع الا العقاب على‏

349

و أما ضرر غير العقوبة، فهو و إن كان محتملا، إلا أن المتيقن منه فضلا عن محتمله ليس بواجب الدفع شرعا و لا عقلا، ضرورة عدم القبح في تحمل بعض المضار ببعض الدواعي عقلا و جوازه شرعا (1)، مع أن‏

____________

مخالفته، و لا يعقل الالتزام بالعقاب على الواقع و على مخالفة القاعدة، و اذا لم يكن هناك الا العقاب على الواقع فلا داعي للقاعدة، لانه لو لم نقل بها لكان العقاب مترتبا على مخالفة الواقع عند المصادفة، و لذا قال (قدس سره): «لا» يبقى «حاجة الى القاعدة» أي قاعدة وجوب دفع الضرر المحتمل «بل في صورة المصادفة استحق العقوبة على المخالفة و لو قيل بعدم وجوب دفع الضرر المحتمل» و هذا دليل كما عرفت على عدم الحاجة اليها.

و يظهر من المصنف استفادته كون الوجوب في القاعدة وجوبا ارشاديا عقليا لا نفسيا، و اما مع كونه نفسيا فلا يكون العقاب فيها مبنيّا على صورة مصادفة المخالفة للواقع، بل العقاب يكون على مخالفتها سواء أ صادفت الواقع ام لا، و يكون هناك امران: استحقاق العقاب على مخالفة التكليف المجهول بما هو مجهول يكون العقاب فيه في صورة المصادفة للواقع، و قاعدة وجوب دفع الضرر المحتمل و العقاب فيها على مخالفتها نفسها لا على صورة مصادفة المخالفة للواقع، و لا ربط لاحدى القاعدتين بالاخرى، و مع فرض عدم الربط بينهما لا وجه لاحتمال الحاجة الى قاعدة وجوب الدفع للضرر المحتمل للعقاب على التكليف المجهول بعنوان كونه مجهولا، و لكن لازم كون الوجوب في القاعدة نفسيّا لازمه ان يكون عند المصادفة عقابان، و الالتزام به بعيد جدا.

(1) لا يخفى انه قد ذكرنا في صدر المسألة ان احتمال الضرر اما ان يراد منه احتمال العقاب على مخالفة التكليف المجهول، و ما مرّ من الكلام كله مبني على ذلك و هو فرض كون الضرر المحتمل هو ضرر العقاب.

350

.....

____________

و اما اذا كان المراد منه هو ضرر غير العقوبة كالمفسدة الملزمة و المصلحة الملزمة اللتين هما الملاك للوجوب و الحرمة، ففي مورد احتمال التكليف اللزوميّ لا مناص من احتمال ترك المصلحة الملزمة و احتمال الوقوع في المفسدة، فيما اذا لم يأت المكلف ما احتمل وجوبه أو أتى ما احتمل حرمته، و على هذا فقد ادعي ان قاعدة وجوب دفع الضرر المحتمل تكون بيانا لقاعدة قبح العقاب بلا بيان، و الوجه في ذلك هي ان موضوع قاعدة دفع الضرر المحتمل اذا لم يكن الضرر المحتمل هو العقاب، بل كان هو المفسدة او ترك المصلحة المحتمل تحققها في مقام احتمال التكليف المجهول بالضرورة، و من الواضح اذا كان الموضوع فيها ذلك لا يتوهم كون قاعدة قبح العقاب بلا بيان رافعة لموضوعها، لوضوح ان استحقاق العقاب على التكليف المجهول سواء كان قبيحا او حسنا لا يرتفع به احتمال الوقوع في المفسدة، و احتمال الابتلاء بترك المصلحة في ارتكاب ما احتمل حرمته و ترك ما احتمل وجوبه، فموضوع قاعدة وجوب دفع الضرر المحتمل متحقق على كل حال، و مع تحقق موضوع هذا القاعدة يحكم العقل بوجوب الدفع، و مع حكمه بوجوب الدفع تصلح القاعدة لان تكون بيانا لاستحقاق العقاب على التكليف المجهول بعنوان كونه محتمل الضرر، و مع صحة كونها بيانا لاستحقاق العقاب عليه يرتفع بها موضوع قاعدة قبح العقاب بلا بيان.

و الجواب عنه: ان المسلّم هو ان احتمال التكليف يستلزم احتمال الوقوع في المفسدة و احتمال الابتلاء بترك المصلحة، و لكنّا لا نسلّم اولا، ان كل احتمال للضرر يجب دفعه، و لو سلّمنا ذلك فلا نسلّم ثانيا ان احتمال الوقوع في المفسدة و ترك المصلحة مما يستلزم احتمال الضرر.

و على كل، فالقاعدة لا تصلح ان تكون بيانا رافعا لموضوع قاعدة قبح العقاب بلا بيان.