بداية الوصول في شرح كفاية الأصول‏ - ج6

- الشيخ محمد طاهر آل راضي المزيد...
404 /
351

.....

____________

و توضيح ذلك: ان قاعدة وجوب دفع الضرر المحتمل ليست قاعدة عقلية برأسها عند من يقول بها، بل هي من متفرعات قاعدة التحسين و التقبيح العقليين، بدعوى ان دفع الضرر المحتمل حسن و ارتكاب محتمل الضرر قبيح، و كون مورد احتمال التكليف من مصاديق ما هو القبيح عقلا غير مسلّم، و مع فرض تسليمه فلا نسلّم ان احتمال التكليف مما يستلزم احتمال الضرر، فهذه الدعوى غير مسلّمة كبرى و صغرى.

اما الكبرى و هي دعوى وجوب دفع الضرر المحتمل عند العقلاء، ففيه:

اولا: انه ليس كل ضرر معلوم فضلا عن ان يكون محتملا مما يجب دفعه عند العقلاء، بل الضرر الذي عملهم على دفعه هو الضرر الذي لا يكون هناك داع لارتكابه يكون ذلك الداعي اهم في نظر المرتكب للضرر المعلوم، و يدل على ذلك انا نرى العقلاء بما هم عقلاء يرتكبون المضار المعلومة و يتحملون المشاق لدواع في نظرهم اهم من المضار و من المشاق، فليس كل ضرر قبيحا حتى يكون واجبا دفعه عند العقلاء، و لا عند الشرع ايضا فانا لم نجد الشارع قد نهى عن ارتكاب المضار المحتملة، و لا يتوهّم ان الروايات الناهية عن الاقتحام في المهلكة تدل على ذلك، لوضوح ان المراد من المهلكة فيها هي العقاب الاخروي، مضافا الى انه لو كانت المهلكة مما تشمل الضرر الدنيوي فليس كل ضرر مهلكة دنيويّة، و هو واضح.

و ثانيا: انا لا نسلّم ان دفع الضرر المقطوع به فضلا عن المحتمل من القواعد العقلائية التي للعقلاء حكم فيها بوجوب دفعه، بل هي من الامور الطبيعية، و ان كل ذي شعور يفرّ بطبعه عن اقتحام الضرر، و اذا كان الفرار من الضرر من طبع كل ذي شعور فلا داعي للعقلاء في الحكم بوجوب دفعه، فان الضرر ان لم يترتب عليه داع اهم منه في نظر المقتحم فبالطبع لا يقتحم فيه، و ان ترتب عليه غرض اهم منه فلا مانع من ارتكابه و يكون الضرر مندكا في جانب الغرض المترتب عليه، و قد اشار الى المناقشة الاولى في الكبرى بقوله: «و اما ضرر غير العقوبة فهو و ان كان محتملا»

352

احتمال الحرمة أو الوجوب لا يلازم احتمال المضرة، و إن كان ملازما لاحتمال المفسدة أو ترك المصلحة، لوضوح أن المصالح و المفاسد التي تكون مناطات الاحكام، و قد استقل العقل بحسن الافعال التي تكون ذات المصالح و قبح ما كان ذات المفاسد، ليست براجعة إلى المنافع و المضار، و كثيرا ما يكون محتمل التكليف مأمون الضرر، نعم ربما تكون المنفعة أو المضرة مناطا للحكم شرعا و عقلا (1).

____________

فسلّم اولا الصغرى و هو كون احتمال التكليف المجهول المستلزم لاحتمال الوقوع في المفسدة او ترك المصلحة من الضرر المحتمل، الّا انه لم يسلّم وجوب دفع كل ضرر، و لذا قال: «إلّا ان المتيقن منه» و هو الضرر المعلوم «فضلا عن محتمله ليس بواجب الدفع شرعا» لما عرفت من انه لم يرد فيه نهي من الشارع «و لا عقلا ضرورة عدم القبح» عند العقلاء بما هم عقلاء «في تحمل بعض المضار» اذا كان ذلك «ببعض الدواعي» للمرتكب له تكون عنده اهم من تحمل الضرر، و حيث كان عمل العقلاء بما هم عقلاء على ارتكابه فلا بد ان لا يكون ذلك قبيحا «عقلا» و إلّا لما كان عملهم على ارتكابه بما هم عقلاء.

(1) لما اشار الى المناقشة في الكبرى اشار بقوله هذا الى المناقشة في الصغرى، و حاصله: انا لو سلّمنا الكبرى لكنا لا نسلّم الصغرى، و هي ان احتمال الحرمة و الوجوب مما يستلزم احتمال الضرر، و انما المسلّم هو استلزامه لاحتمال الوقوع في المفسدة و ترك المصلحة، و لا يخفى ان الضرر في هذه القاعدة الذي يجب دفعه المراد منه هو الضرر الشخصي دون النوعي، فالضرر النوعي ليس من مصاديق هذه القاعدة، و من الواضح ايضا ان جلّ التكاليف مصالحها و مفاسدها نوعية كالزكاة و الخمس و حرمة الربا، و ان كان بعض التكاليف مصالحها و مفاسدها شخصية كالصلاة و كحرمة أكل الميتة، لان معراجيّة المؤمن بها من المصالح الشخصيّة، و الظاهر ان مفسدة اكل الميتة من المفاسد الشخصية ايضا، لكن جلّ التكاليف‏

353

.....

____________

مناطاتها المصالح و المفاسد النوعية، و المصالح و المفاسد النوعية ليست من المضار و المنافع المشمولة لقاعدة وجوب دفع الضرر المحتمل، لما عرفت من ان المراد بها المنافع و المضار الشخصية.

و الحاصل: ان الاحكام و ان قلنا انها تابعة للمصالح و المفاسد في متعلقاتها، و العقل بحكم بحسن الافعال ذات المصالح و قبح الافعال ذات المفاسد، لبداهة ان الشارع لا يكلف إلّا بايجاد الحسن و ترك القبيح فتكاليفه تابعة لحسن الفعل و قبحه، الّا ان المصالح النوعية الحسنة و المفاسد النوعية القبيحة ليست مما تشملها قاعدة وجوب دفع الضرر، لان المراد بها المنافع و المضار الشخصية دون النوعية. نعم ربما يوجد بعض التكاليف مناطاتها المصالح و المفاسد الشخصية، لان المنافع و المضار فيها شخصية كما مرّ مثاله و لكنها قليلة، و هي التي يكون احتمال التكليف فيها مستلزما لاحتمال النفع و احتمال الضرر دون جلّ التكاليف.

و الى ما ذكرنا اشار بقوله: «مع ان احتمال الحرمة او الوجوب لا يلازم احتمال المضرة»، فالصغرى غير مسلمة ايضا «و ان كان» احتمالها «ملازما لاحتمال المفسدة او ترك المصلحة لوضوح ان المصالح و المفاسد التي تكون» هي «مناطات الاحكام» الشرعية «و» هي المناطات ايضا لحكم العقل بالحسن و القبح فيها لانه «قد استقل العقل بحسن الافعال التي تكون ذات المصالح و قبح ما كان» منها «ذات المفاسد» إلّا ان هذه المصالح و المفاسد «ليست براجعة الى المنافع و المضار» الشخصية التي هي المناط في وجوب دفع الضرر المحتمل «و» لذلك «كثيرا ما يكون محتمل التكليف مامون الضرر» الشخصي، كما اذا علم بان مصلحته و مفسدته نوعية لا شخصية «نعم ربما» يكون المفسدة و المصلحة في التكليف شخصية و حينئذ «يكون المنفعة او المضرة مناطا للحكم شرعا و» حيث كان مما لا بد و ان يكون التكليف حسنا عقلا فالمنفعة و المضرة تكون مناطا للحكم «عقلا» ايضا.

354

إن قلت: نعم، و لكن العقل يستقل بقبح الاقدام على ما لا تؤمن مفسدته، و أنه كالاقدام على ما علم مفسدته، كما استدل به شيخ الطائفة (قدس سره)، على أن الاشياء على الحظر أو الوقف (1).

____________

(1) توضيحه انه قد تقدم الاستدلال بقاعدة وجوب دفع الضرر المحتمل، و لكن الظاهر من شيخ الطائفة دعوى استقلال العقل بقبح الاقدام على محتمل المفسدة، فيكون- على هذا- احتمال المفسدة موضوعا لحكم العقل بالقبح.

و الحاصل: ان ما تقدم كان مبنيا على ان محتمل الحرمة و الوجوب محتمل الضرر، و قد عرفت الايراد عليه سواء كان المراد من الضرر هو العقوبة الاخروية او الدنيوية، و مبنى الاستدلال في ان قلت هو كون حكم العقل بقبح الاقدام على محتمل المفسدة، لا من ناحية احتمال الضرر، بل هو بنفسه مما يحكم العقل بقبح الاقدام عليه، و على هذا المبنى قال الشيخ (قدس سره) بان الاشياء على الحظر أي حكمها المنع او الوقف حتى يتبيّن أمرها.

و الحاصل: ان الظاهر من كلامه (قدس سره) ان هناك حكمين للعقل مستقلين:

حكم بالقبح على نفس الاقدام في محتمل المفسدة بعنوان كونه محتمل المفسدة، و حكم بالقبح على الاقدام على معلوم المفسدة، و ان الظاهر منه ايضا دعوى استقلال العقل بقبح الاقدام على ما لا يؤمن مفسدته هي الاعم من المفسدة النوعية و الشخصية، و الّا لو كانت هي خصوص المفسدة الشخصية لما صح ان يكون نقضا في المقام لما مرّ من ان جلّ التكاليف مصالحها و مفاسدها نوعية، فلا يكون من مصاديق هذه القاعدة الشك في محتمل الوجوب و الحرمة كما عرفت، و لا يخفى انه قد مر الكلام في هذه الدعوى في مباحث الظن ايضا، و قد اشار الى ما ذكرنا بقوله: «ان قلت نعم و لكن العقل يستقل بقبح الاقدام» أي يستقل بالقبح على نفس الاقدام «على ما لا يؤمن من مفسدته» و ان ظاهره انها قاعدة في قبال قاعدة القبح على معلوم المفسدة، و لذا قال: «و انه كالاقدام على ما علم مفسدته كما استدل به» أي كما استدل باستقلال‏

355

قلت: استقلاله بذلك ممنوع، و السند شهادة الوجدان و مراجعة ديدن العقلاء من أهل الملل و الاديان، حيث إنهم لا يحترزون مما لا تؤمن مفسدته، و لا يعاملون معه معاملة ما علم مفسدته (1)، كيف؟

و قد أذن الشارع بالاقدام عليه، و لا يكاد يأذن بارتكاب القبيح (2)،

____________

العقل بقبح نفس الاقدام «شيخ الطائفة (قدس سره) على ان الاشياء على الحظر او الوقف» فلا وجه للحكم بالبراءة و الاباحة في محتمل الوجوب و الحرمة لاستلزام احتمالها لاحتمال المفسدة و ترك المصلحة، و العقل مستقل بقبح الاقدام على ذلك:

أي بعنوان احتمال المفسدة و احتمال ترك المصلحة، لا لان احتمال المفسدة ترك المصلحة من جهة احتمال الضرر حتى يكون الاستدلال عليه بقاعدة وجوب دفع الضرر المحتمل، بل هو لان نفس احتمال المفسدة مورد حكم العقل بقبح الاقدام عليها، و لذلك قال ان الأشياء كلها على الحظر او الوقف دون الترخيص، فلا مجال للبراءة بعد حكم العقل بقبح الاقدام على محتمل المفسدة.

(1) لا يخفى ان المصنف قد ناقش في الكبرى و انكر نفس استقلال العقل بقبح نفس الاقدام، و سنده شهادة الوجدان من حال العقلاء و اهل الاديان، انهم لا يعاملون مع محتمل المفسدة كمعاملتهم مع معلوم المفسدة: أي لا يعاملون محتمل الوجوب و الحرمة معاملة مقطوع الوجوب و الحرمة، و اليه اشار بقوله: «حيث انهم لا يحترزون ... الى آخر الجملة».

و ينبغي ان لا يخفى ان المناقشة هنا تنحصر في الكبرى، لوضوح ان مورد احتمال الحرمة او الوجوب مما لا ريب في كونه مورد احتمال المفسدة و ترك المصلحة.

(2) حاصله: دليل آخر إنّي على عدم صحة الدعوى المذكورة، و ان العقل غير مستقل بقبح نفس الاقدام على ما لا يؤمن مفسدته، و هي انه لا يعقل ان يرخص الشارع في فعل ما هو قبيح عقلا، و قد عرفت مما سبق دلالة الروايات على اذن‏

356

فتأمل (1).

[اصالة الاحتياط]

[أدلّة المحدثين على الاحتياط:]

و احتج للقول بوجوب الاحتياط فيما لم تقم فيه حجة، بالادلة الثلاثة:

[1- الاستدلال بالكتاب‏]

أما الكتاب: فبالآيات الناهية عن القول بغير العلم، و عن الالقاء في التهلكة، و الآمرة بالتقوى.

و الجواب: إن القول بالاباحة شرعا و بالأمن من العقوبة عقلا، ليس قولا بغير علم، لما دلّ على الاباحة من النقل و على البراءة من حكم‏

____________

الشارع في ارتكاب ما هو محتمل الحرمة او الوجوب، فاذن الشارع كاشف عن عدم قبح ذلك عند العقل.

(1) لعله اشارة الى ان الشيخ انما استدل بهذه الدعوى لبيان حال الاشياء قبل ان يرد فيها من الشرع شي‏ء، لا في قبال ما ورد فيها من الشرع شي‏ء.

و بعبارة اخرى: هو كأصل عقلي يلزم بالاحتياط و التوقف حيث لا يصدر من الشارع اذن في الترخيص و عدم الاحتياط.

او يكون اشارة الى ما ذكرناه من المناقشة في الصغرى، و انه لو سلّمنا استقلال العقل بقبح نفس الاقدام إلّا انه على المفسدة الشخصية دون النوعية.

و يمكن ان يكون اشارة الى المناقشة في الدليل، و هو ان الشارع لا يعقل ان يأذن و يرخص في فعل ما هو قبيح عقلا، و قد مرّ دلالة الروايات على جواز ارتكاب محتمل الحرمة و ترك محتمل الوجوب فيستكشف من ذلك عدم قبحه عقلا، و حاصل المناقشة انه لعل الوجه في ترخيص الشارع هو انه قد زاحم ذلك مصلحة اهم من المفسدة في محتمل الحرمة و أهم من ترك المصلحة في محتمل الوجوب، كمصلحة التسهيل على الامة، فالشارع لم ياذن في ارتكاب القبح بل أذن في ارتكاب ما فيه المصلحة الغالبة، فلا يكون اذن الشارع دليلا إنيّا على ان ارتكاب محتمل الحرمة ليس بقبيح، و اللّه العالم.

357

العقل، و معهما لا مهلكة في اقتحام الشبهة أصلا، و لا فيه مخالفة التقوى، كما لا يخفى (1).

____________

(1) استدل القائلون بالاحتياط في الشبهة الحكمية التحريمية بالكتاب و الاخبار و العقل:

اما من الكتاب: فبالآيات الدالة على النهي عن اتباع غير العلم، و بالآيات الناهية عن إلقاء النفس في التهلكة، و بالآيات الآمرة بالتقوى.

و بيان الاستدلال بالطائفة الاولى، و هي الآيات الناهية عن اتباع غير العلم، ان هذه الآيات قد دلّت على النهي عن القول بغير العلم، و القول بالبراءة و الأمن من العقوبة او بالاباحة الشرعية في مورد احتمال الحرمة الواقعية من القول بغير العلم، فمرجع الاستدلال الى صغرى و كبرى.

اما الصغرى فهي ان القول بالبراءة و عدم استحقاق العقوبة او بالاباحة الشرعية من القول بغير العلم، لوضوح انه مع احتمال الحرمة لا علم بعدم الحرمة و عدم استحقاق العقوبة، و الاباحة من لوازم عدم الحرمة، فلا ينبغي القول بهما الّا في مقام العلم بعدم الحرمة، فالقول بهما مع احتمال الحرمة من القول بغير العلم.

و اما الكبرى فهي ما دلّ من الآيات على حرمة القول بغير العلم.

و الجواب عنها، أولا: بان عدم استحقاق العقوبة و الأمن منها و الاباحة كما انهما من لوازم عدم الحرمة الواقعية، كذلك هما من لوازم الحكم بعدم الحرمة ظاهرا، و قد عرفت دلالة الادلة شرعا و عقلا على عدم الحرمة ظاهرا.

و ثانيا: ان استحقاق العقاب و عدم الأمن منه ليس من آثار الحرمة الواقعية، بل هو من آثار الحرمة المعلومة كما مرّ بيانه، و كذلك الاباحة فان الاباحة الواقعية هي من لوازم عدم الحرمة الواقعية، و اما الاباحة الظاهرية فموردها محتمل الحرمة.

و ثالثا: انه يرد ما ذكروه من القول بغير العلم على القول بالاباحة و بالأمن في الشبهة التحريمية على القائلين بالأمن و بالاباحة في مورد الشبهة الوجوبية، مع ان‏

358

.....

____________

جلّ القائلين بالاحتياط في الشبهة التحريمية يقولون بالترخيص و الأمن في الشبهة الوجوبيّة، مع ان نفس القول بوجوب الاحتياط في الشبهة التحريمية هو ايضا من القول بغير العلم.

و رابعا: انه بعد دلالة الادلة عقلا و شرعا على الأمن من استحقاق العقاب و على الاباحة الشرعية لا يكون القول بها من القول بغير العلم.

الطائفة الثانية هي الآيات الناهية عن الإلقاء في التهلكة كقوله تعالى: وَ لا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ (1) و طريق الاستدلال بها ان الظاهر من هذه الطائفة هو ما يعم التهلكة المعلومة و التهلكة المحتملة، لان الظاهر من الالقاء في التهلكة هو التعرّض للتهلكة، و لا ريب في اقتحام التهلكة المحتملة من التعرّض للتهلكة، و لا ريب ايضا ان محتمل الحرمة محتمل التهلكة، فالاقتحام فيه اقتحام في التهلكة المحتملة و هو من التعرّض للتهلكة و قد دلّت هذه الطائفة على النهي عنه.

و الجواب عنه اولا: منع كون محتمل الحرمة من محتمل التهلكة اذا كان المراد من التهلكة هي العقاب الاخروي، لما دلّ من الادلة نقلا و عقلا على عدم العقاب في محتمل الحرمة، فتكون تلك الادلة رافعة للموضوع في هذه الادلة الناهية عن الالقاء في التهلكة، لوضوح ان موضوع النهي فيها هو التعرّض للتهلكة، و بعد قيام الدليل على عدم العقاب في محتمل الحرمة، فتكون التهلكة فيه مقطوعا بعدمها لا محتملة، فلا موضوع لها.

و ثانيا: انه لا يعقل ان يكون المراد من التهلكة في هذه الآيات الناهية عنها هو العقاب، لان المستفاد منها حكم لموضوع، و الحكم فيها هو النهي و الموضوع له هو التهلكة، و من الواضح انه لا بد من فرض تحقق الموضوع ليلحقه الحكم، و لما كان الموضوع لهذا النهي هو التهلكة فلا بد من فرض تحقق التهلكة لان تكون منهيا عنها،

____________

(1) البقرة: الآية 195.

359

.....

____________

و على هذا فلا يعقل ان يكون المراد بالتهلكة هو العقاب، لان النهي اللاحق للتهلكة اما ان يكون نفسيا او طريقيا او ارشاديا، و لا يعقل ان يكون نفسيا و لا طريقيا و لا ارشاديا اذا كان المراد من التهلكة هي العقاب، لان لازم كون النهي نفسيا فيها تحقق عقابين على مرتكب محتمل الحرمة، العقاب على مخالفة النهي النفسي، و العقاب المفروض كونه موضوعا لهذا النهي، و لا يصح الالتزام بعقابين لمرتكب محتمل الحرمة.

و لا يعقل ان يكون النهي طريقيا ايضا، لان معنى كونه طريقيا كونه منجزا لما قام عليه، و فرض تحقق العقاب الذي هو الموضوع فرض تنجزه ايضا، و من الواضح ان المنجّز لا ينجّز، فمع كون فرض العقاب منجزا لا يعقل ان يكون النهي الطريقي منجزا له ايضا.

و كذلك فيما اذا كان النهي ارشاديا فان لازم فرض تحقق الموضوع و كون النهي ارشادا اليه هو كون العقاب منجزا بغير هذه الآيات لتكون هذه الآيات مرشدة الى تنجزه، لان تنجزه بنفس هذه الآيات غير معقول لعدم معقولية كون الارشاد فيه ارشادا الى نفسه، و كونه هو المنجّز لازم كون ارشاده ارشادا الى نفسه.

هذا كله اذا كان المراد من التهلكة في هذه الآيات هي العقاب الاخروي، و اما اذا كان المراد من التهلكة فيها هي التهلكة الدنيوية: أي المفسدة، فالجواب عنها ما مرّ في الجواب عن قاعدة وجوب دفع الضرر المحتمل، فيما اذا كان المراد هو ضرر غير العقوبة الاخروية من المفسدة او ترك المصلحة فراجع.

و يظهر من المصنف ان مبنى استدلال القائلين بدلالة هذه الآيات على النهي عن الاقتحام في محتمل الحرمة هي التهلكة الاخروية و العقاب الاخروي، لعدم اشارته الى الجواب عنها فيما اذا كان المراد بها هي التهلكة الدنيوية.

360

.....

____________

و اما الآيات الآمرة بالتقوى فالوجه في الاستدلال بها هو ان هذه الطائفة من الآيات كقوله تعالى: اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ‏ (1) و قوله تعالى: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ‏ (2) و قوله تعالى: وَ جاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ‏ (3) قد دلّت على الامر بالتقوى للّه حق التقوى و بمقدار المستطاع منها و بالجهاد حق الجهاد، فهي تدل على لزوم التورّع في اوامر اللّه، و من الواضح ان الاقتحام في محتمل الحرمة مناف للتورّع، و ليس من التقوى للّه حق تقاته و لا الجهاد له- عزّ و جلّ- بقدر المستطاع.

و الجواب عنه اولا: ان الظاهر من الامر في هذه الآيات الآمرة بالتقوى هو الامر الاستحبابي، لوضوح شمول التقوى الى محتمل الوجوب و الكراهة و الاستحباب، و لذا استدل بها الشهيد في الذكرى على استحباب اعادة ما ادى من الصلاة اذا احتمل انه اخلّ بشي‏ء من اجزائها او شرائطها.

و ثانيا: ان المراد من التقوى المأمور بها، اما هي التورّع عن العقاب المقطوع و المحتمل، و على هذا فلا تكون شاملة للمقام، لان مورد الشبهة التحريمة العقاب فيها مقطوع العدم بواسطة ما دلّ على عدم العقاب فيها شرعا و عقلا، و ينحصر مورد العقاب المحتمل في المنجّز بالعلم الاجمالي في مقام الارتكاب لاحد اطرافه، و في المنجّز بالخبر الواحد فيما اذا قلنا بالطريقية فيه.

و اما ان يكون المراد بها هو التورع عن محتمل الوجوب و الحرمة، و لا بد و ان يكون الامر استحبابا لما عرفت من شموله للمكروه و المستحب، و قد اشار (قدس سره) الى هذه الطوائف الثلاث بقوله: «اما الكتاب فبالآيات الناهية عن القول بغير العلم» كقوله تعالى: وَ لا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ‏ (4) «و» بالآيات الناهية «عن الالقاء في التهلكة» كقوله تعالى: وَ لا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ (5) و بالآيات «الآمرة بالتقوى» كقوله تعالى: اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ‏ (6)

____________

(1) آل عمران: الآية 102.

(2) التغابن: الآية 16.

(3) الحج: الآية 78.

(4) الاسراء: الآية 36.

(5) البقرة: الآية 195.

(6) آل عمران: الآية 102.

361

.....

____________

و قد عرفت كيفية الاستدلال بها.

و اشار الى الجواب عنها بقوله: «ان القول بالاباحة شرعا و بالأمن من العقوبة عقلا ليس قولا بغير علم» و بهذا اشار الى الجواب الرابع عنها كما مر، و حاصله ما اشار اليه بقوله: «لما دل على الاباحة من النقل و على البراءة» و الأمن من العقوبة «من حكم العقل» فلا يكون القول بالاباحة و بالبراءة من استحقاق العقاب من القول بغير علم بعد قيام الدليل النقلي و العقلي عليهما.

و اشار الى الجواب عن آيات التهلكة بقوله: «و معهما» أي و مع دلالة النقل و حكم العقل على الاباحة و الأمن من العقوبة يكون محتمل الحرمة من المقطوع بعدم التهلكة فيه لا من محتمل التهلكة، و هذا هو الجواب الاول المتقدم عنها، الذي كان المبنى فيه على ان المراد من التهلكة هي العقوبة، و اشار الى الجواب عن الآيات الآمرة بالتقوى بقوله: «و لا فيه مخالفة التقوى» أي و مع دلالة النقل و حكم العقل على الاباحة و بالأمن من العقوبة في محتمل الحرمة لا يكون التورع عن ارتكابهما من مخالفة التقوى المأمور بها في هذه الآيات، لان استدلالهم بها على ذلك لازمه كون المراد من الامر بالتقوى هو الامر بالتورع عن محتمل العقاب، لاختصاصه على هذا بمحتمل الحرمة او الوجوب، و الجواب عنه ما اشار اليه من انه بعد دلالة النقل و العقل لا يكون من محتمل العقاب.

اما لو كان المراد بمخالفة التقوى مخالفة مطلق التكاليف المحتملة من الحرمة و الوجوب و الاستحباب و الكراهة فالامر فيها استحبابي قطعا، و مع كون الامر فيها استحبابيا لا دلالة فيه على لزوم الاحتياط او لزوم التوقف، اذ لا يعقل ان يكون الامر بالتورع عن محتمل الكراهة او الاستحباب امرا لزوميا كما لا يخفى.

362

[2 لاستدلال بالاخبار:]

[1- اخبار الوقوف‏]

و أما الاخبار: فبما دل على وجوب التوقف عند الشبهة، معللا في بعضها بأن الوقوف عند الشبهة خير من الاقتحام في المهلكة، من الاخبار الكثيرة الدالة عليه مطابقة أو التزاما (1)،

[2- اخبار الاحتياط]

و بما دل على وجوب الاحتياط

____________

(1) قد عرفت انهم استدلوا بالكتاب، و قد مرت الاشارة الى استدلالهم به و جوابه، و بالسنة و هي الاخبار التي اشار اليها، و هي على طوائف و بألسنة مختلفة يجمعهما الامر بالتوقف عند الشبهة اما بالمطابقة او الالتزام، و الامر بوجوب الاحتياط في الشبهات.

فما دل على وجوب التوقف عند الشبهة مطابقة الاخبار التي ورد التعليل فيها، بان الوقوف عند الشبهة خير من الاقتحام في المهلكة.

منها ذيل مقبولة عمر بن حنظلة المسئول فيها عن المختلفين في حكمهم في مقام فصل الخصومة، فاجاب الامام (عليه السّلام): بلزوم الاخذ بارجحهما، و ذكر المرجحات، ثم سأل السائل عن الحكم فيما اذا تساويا من كل جهة، فقال له (عليه السّلام): (اذا كان كذلك فارجه حتى تلقى امامك، فان الوقوف عند الشبهات خير عن الاقتحام في الهلكات) (1).

و منها رواية زرارة عن ابي جعفر (عليه السّلام): (حق اللّه على العباد ان يقولوا ما يعلمون و يقفوا عند ما لا يعلمون) (2).

و منها موثقة سعد بن زياد عن جعفر (عليه السّلام) عن آبائه (عليهم السّلام) عن النبي (صلى اللّه عليه و آله و سلم) انه قال: (لا تجامعوا في النكاح على الشبهة وقفوا عند الشبهة)- الى ان قال- (فان الوقوف عند الشبهة خير من الاقتحام في الهلكة) (3).

____________

(1) الكافي، ج 1، ص 68.

(2) الكافي، ج 1، ص 43.

(3) الوسائل، ج 18، ص 116.

363

من الاخبار الواردة بألسنة مختلفة (1).

____________

هذه بعض من الاخبار الدالة على التوقف بالمطابقة، و فيها ما ورد فيه التعليل بان الوقوف عند الشبهة خير من الاقتحام في المهلكة.

و اما ما دلّ على التوقف التزاما فالاخبار الدالة على وجوب الردّ اليهم (عليهم السّلام) و بالكف و التثبت من دون ذكر فيها للامر بالتوقف فانها مما تدلّ بالالتزام على لزوم التوقف، كموثقة حمزة بن الطيار (انه عرض على ابي عبد اللّه بعض خطب ابيه (عليه السّلام) حتى اذا بلغ موضعا منها قال له (عليه السّلام) كف و اسكت، ثم قال ابو عبد اللّه (عليه السّلام) انه لا يسعكم فيما نزل بكم مما لا تعلمون الّا الكف عنه و التثبت و الرد الى أئمة الهدى (عليهم السّلام) حتى يحملوكم فيه الى القصد و يجلوا عنكم فيه العمى و يعرفوكم فيه الحق، قال اللّه تعالى: فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ)* (1) و مثلها اخبار أخر، فان الاخبار الدالة بالمطابقة على وجوب الكفّ و التثبّت و الردّ اليهم (عليهم السّلام) تدلّ بالالتزام على لزوم التوقف. و الى ما ذكر من الاخبار اشار بقوله: «الدالة عليه» أي على التوقف «مطابقة او التزاما».

(1) الاخبار الدالة على الاحتياط وردت بألسنة مختلفة ايضا، بعضها دال على الاحتياط مطابقة، و منها الصحيح الوارد عن ابي الحسن الرضا (عليه السّلام) قال: (قال امير المؤمنين (عليه السّلام) لكميل بن زياد: اخوك دينك فاحتط لدينك بما شئت) (2).

و منها ما عن خط الشهيد (قدس سره) عن ابي عبد اللّه (عليه السّلام) يقول في آخر الحديث: (... و خذ الاحتياط في جميع امورك) (3).

و منها المرسل عن الشهيد ايضا و هو قوله (عليه السّلام) (لك ان تنظر الحزم و تأخذ بالحائطة لدينك) (4) فهذه الاخبار و امثالها تدل على الاحتياط لزوما بالمطابقة لدلالة

____________

(1) الكافي، ج 1، ص 50.

(2) الوسائل، ج 18، ص 123.

(3) الوسائل، ج 18، ص 127.

(4) عوالي اللآلي، ج 1، ص 395.

364

.....

____________

هيئة الامر منها على الوجوب و المادة على الاحتياط.

و بعضها دال على الاحتياط التزاما، فمنها اخبار التثليث الذي ورد التثليث في بعضها تعليلا لطرح الشاذ النادر لانه مما فيه الريب، قال الامام (عليه السّلام) فيها: (انما الامور ثلاثة: امر بين رشده فيتبع، و امر بيّن غيّه فيجتنب، و امر مشكل يردّ حكمه الى اللّه و رسوله، قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلم): حلال بيّن و حرام بيّن و شبهات بين ذلك، فمن ترك الشبهات نجا من المحرمات، و من اخذ بالشبهات وقع في المحرمات و هلك من حيث لا يعلم) (1) فانها و ان لم يرد فيها لفظ الامر بالاحتياط إلّا انها لما وردت معلّلة للامر بطرح الشاذ النادر تكون دالة بالالتزام على الاحتياط، لوضوح ان الامر بالطرح معناه العمل في مورد الشبهة بما هو مقتضى الاحتياط فيها، فلسانها ليس لسان التوقف و عدم العمل بل مؤدّاها العمل بالاحتياط، و لذلك تكون دالة بالالتزام على الاحتياط، و اما على لزومه فلأن أمره (عليه السّلام) بطرح الشاذ النادر ظاهره لزوم الطّرح، و الى ما ذكرنا من دلالة الاخبار على الاحتياط مطابقة أو التزاما اشار بقوله:

«الواردة بألسنة مختلفة» و طريق الاستدلال بها:

اما باخبار التوقف فلدلالتها على الهلكة في الشبهة فتكون رافعة لحكم العقل بقبح العقاب بلا بيان لانها هي البيان له، و اما على اخبار الاباحة أو الرفع لما لا يعلمون فلانها بعد دلالتها على الهلكة في مورد الشبهة تكون علما بالهلكة فيرتفع بها ايضا موضوع الاباحة المجعولة فيما لا يعلم و الرفع المجعول لما لا يعلم.

و اما اخبار الاحتياط فهي اما ان يكون الوجوب فيها نفسيا او طريقيا، و على كلا الامرين فالامر بوجوب الاحتياط في مورد الشبهة يكون معلوما و مبيّنا، فيكون رافعا لقاعدة القبح بلا بيان، لكونه بيانا و رافعا لما لا يعلم لانه من العلم.

____________

(1) الكافي، ج 1، ص 68.

365

و الجواب: إنه لا مهلكة في الشبهة البدوية، مع دلالة النقل و حكم العقل بالبراءة كما عرفت (1).

____________

(1) اشار اولا الى الجواب عن اخبار التوقف، و حاصله: انها لا بد و ان لا يكون المراد بها ما يشمل الشبهة البدوية، و يكون المراد مورد الشبهة الذي كان العقاب فيها منجزا كمورد الشبهة في ارتكاب احد اطراف العلم الاجمالي، فيما اذا كان المراد من الهلكة فيها هو العقاب، و الوجه في ذلك انها لما كانت الهلكة فيها مفروضة و معنى فرضها هو كونها منجزة و لا منجز لها في الشبهة البدوية، لعدم معقولية ان تكون هذه الاخبار هي المنجزة لها، لفرض كون الهلكة فيها مفروضة، و لازم فرضها هو كون المنجز لها غير هذه الاخبار، لوضوح ان ما دل على لزوم التوقف في العقاب المفروض تنجزه لا يعقل ان يكون نفس ما دل على فرض تحققه هو المحقق له، لان لازم كون التوقف المفروض تحقق الهلكة فيه هو تقدم فرض تحققه عليه، و لازم كونه هو المحقق له هو تأخر تحققه عنه.

و اما تحققه بغير هذه الاخبار فلانه ليس هناك غيرها إلّا اخبار الاحتياط، و سيأتي الكلام فيها، مضافا الى انها لو كانت غير هذه الاخبار لما كانت هذه الاخبار هي الدليل على ان الحكم في المشتبه هو لزوم التوقف، و كان الدليل عليه هي اخبار الاحتياط او غيرها من الادلة لو كانت، هذا أولا.

و ثانيا: انه بعد ان كان الموضوع فيها هو المهلكة، فادلة البراءة و الاباحة تكون رافعة لموضوع هذه الاخبار، لوضوح ان الحكم في هذه الاخبار الذي هو التوقف لا يثبت موضوع نفسه و هو الهلكة، و الأدلة الدالة على انه لا هلكة في مورد الشبهة البدوية من العقل و من النقل تكون رافعة للموضوع فيها، و انما تكون هذه الاخبار رافعة لموضوع ما دل على البراءة عقلا و على الاباحة شرعا حيث تكون الهلكة فيها التي هي الموضوع فيها مدلولا عليها بغير هذه الاخبار و المفروض عدم ذلك، و الى هذا اشار بقوله: «انه لا مهلكة في الشبهة البدوية مع دلالة النقل» على الاباحة

366

و ما دل على وجوب الاحتياط لو سلم (1)، و إن كان واردا على حكم العقل، فإنه كفى بيانا على العقوبة على مخالفة التكليف المجهول (2).

____________

«و حكم العقل بالبراءة» لارتفاع الهلكة المفروضة كونها موضوعا لاخبار الوقف بواسطة ما دل على عدم الهلكة من النقل و العقل في الشبهة البدوية، و قد تقدم الكلام في هذا مفصلا، و لذا قال (قدس سره): «كما عرفت».

(1) لما اجاب عن اخبار التوقف تعرض للجواب عن اخبار الاحتياط.

و توضيحه: ان اخبار الاحتياط حيث لم يفرض فيها الهلكة، فيمكن ان يكون الامر فيها نفسيا و طريقيا و ارشاديا، و لكنه لا يخفى انه لو كان ارشاديا لما نفع المستدل به على لزوم الاحتياط، لان كونه ارشاديا لازمه ان يرشد الى ما هو المنجز من اللزوم، و لا معنى لكونه ارشاديا الزاميا الى غير ما هو منجز اللزوم، و المفروض دلالة نفس الاحتياط على اللزوم، و اليه يشير بقوله: «لو سلم» أي لو سلم دلالته على وجوب الاحتياط، و ذلك فيما لم يكن ارشاديا، فان معنى كونه ارشاديا هو كونه ارشاديا الى ما هو الواجب لا أنه هو الواجب، و سيأتي في ذيل العبارة بيان ما يشهد بارشاديته.

(2) لا يخفى انه بناء على تسليم دلالته على الوجوب فالمتعين كون وجوبه وجوبا طريقيا بداعي تنجيز الواقع، لان كون وجوبه نفسيا و ان كان ممكنا إلّا انه سيأتي ما ينفي وجوبه النفسي، و اذا كان دالا على الوجوب الطريقي بداعي تنجيز الواقع المجهول يكون واردا على قاعدة قبح العقاب بلا بيان، لان موضوعه اللابيان بنحو من الانحاء للمجهول، و مع كون الاحتياط طريقا الى تنجيزه يحصل البيان له بجعل الاحتياط منجزا له، لصحة العقاب عليه بعد جعل الاحتياط طريقا الى تنجيزه لو صادف كون مخالفة الاحتياط مخالفة للواقع لصحة الاحتجاج به على مخالفته، و اذا كان هناك بيان للتكليف المجهول يرتفع موضوع دليل حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان، و هذا هو معنى ورود أدلة الاحتياط على حكم العقل بالبراءة في التكليف‏

367

[كلام الشيخ (قده) و مناقشة المصنف (قده) فيه‏]

و لا يصغى إلى ما قيل من أن إيجاب الاحتياط إن كان مقدمة للتحرز عن عقاب الواقع المجهول فهو قبيح، و إن كان نفسيا فالعقاب على مخالفته لا على مخالفة الواقع (1)، و ذلك لما عرفت من أن إيجابه يكون طريقيا،

____________

المجهول، و اما بالنسبة الى الدليل النقلي على البراءة و على الاباحة في مورد التكليف المجهول فسيأتي انهما من المتعارضين، و اليه اشار بقوله: «و ان كان واردا على حكم العقل» لان موضوعه اللابيان، و الاحتياط المنجز للواقع بيان له، و ليس الورود إلّا ارتفاع الموضوع حقيقة بواسطة الدليل الوارد، و بهذا يفترق عن التخصيص، فان عدم الموضوع و خروج الخارج حقيقة بذاته و بطبعه لا بواسطة الدليل كخروج الجاهل عن موضوع اكرم العالم، فانه خارج بذاته لا بواسطة الدليل، بخلاف ارتفاع اللابيان فانه و ان كان ارتفاعا حقيقة لكنه بواسطة الدليل الذي هو البيان له، و لذا قال (قدس سره): «فانه كفى بيانا على العقوبة» أي ان دليل الاحتياط يكفي ان يكون بيانا يستحق المكلف العقاب بواسطته «على مخالفة التكليف المجهول» فيكون واردا عليه لارتفاع موضوعه بواسطته حقيقة.

(1) القائل هو الشيخ الانصاري (قدس سره) في رسائله، و حاصل ما قال: ان دليل الاحتياط لا يعقل ان يدل على الوجوب، و ما لم يدل على الوجوب لا ينفع الخصم الاستدلال به، و الوجوب المستفاد منه اما ان يكون وجوبا مقدميا للتحرز عن عقاب التكليف المجهول و هو غير معقول، لان فرض كونه تحرزا عن العقاب على التكليف المجهول لازمه فرض تحقق العقاب على التكليف المجهول من دون ملاحظة دليل الاحتياط، و قد عرفت ان العقاب على التكليف المجهول قبيح مع فرض عدم ملاحظة دليل الاحتياط، و لازم القبيح قبيح، فكون وجوب الاحتياط وجوبا مقدمة للتحرز عن العقاب على التكليف المجهول قبيح ايضا، و اليه اشار بقوله: «من ان ايجاب الاحتياط كان مقدمة للتحرز عن عقاب الواقع المجهول فهو قبيح» لان العقاب على التكليف المجهول قبيح، فكونه وجوبا للتحرز عما هو القبيح قبيح ايضا.

368

و هو عقلا مما يصح أن يحتج به على المؤاخذة في مخالفة الشبهة، كما هو الحال في أوامر الطرق و الامارات و الاصول العملية (1).

____________

و ان كان الاحتياط وجوبا نفسيا فهو خلف الفرض في المقام، لان المفروض كون عقاب الاحتياط عقابا على مخالفة الواقع عند المصادفة، و من الواضح ان لازم مخالفة الوجوب النفسي كون العقاب على مخالفته لا على مخالفة غيره، و هو التكليف الواقعي المجهول في المقام، مع ان فرض كون وجوبه نفسيا الالتزام بالعقاب عليه على كل حال سواء أصادف الواقع ام لا، و لازم ذلك أن يلتزم القائل بالوجوب النفسي في الاحتياط بعقابين لو خالف المكلف فلم يحتط و صادفت مخالفته مخالفة المجهول ايضا، مع انه خلاف ظاهر مادة الاحتياط، و الى ما ذكرنا اشار بقوله: «و ان كان نفسيا فالعقاب على مخالفته» أي على مخالفة نفس وجوب الاحتياط النفسي «لا على مخالفة الواقع».

(1) هذا هو السبب في عدم الاصغاء لهذا القول، و حاصله: ان الوجوب في الاحتياط لا ينحصر في ما ذكر من كونه اما وجوبه مقدمة للتحرز عن عقاب الواقع المجهول، او انه وجوب نفسي، بل يمكن ان يكون وجوبه وجوبا طريقيا بداعي تنجيز الواقع، و لا يرد عليه ما ذكره، لصحة تنجز الواقع بواسطة الاحتياط، و لا يستلزم فرض التنجز مع عدم ملاحظة دليل الاحتياط، و لا يستلزم العقاب على نفس مخالفته بل يكون العقاب في الايجاب الطريقي على مخالفة الواقع دون الطريق.

و على كل، فالاحتياط من الطرق لتنجيز الواقع كالأمارات، و اذا كان من الطرق المنجزة للواقع كان بحكم العقل مما يستحق العبد العقاب على مخالفته لو صادف الواقع، و ان لم يصادف الواقع فهو من التجري، ففي مورد الشبهة الحكمية يصح من المولى مؤاخذة العبد على مخالفة الشبهة بعد جعل الاحتياط له، و الى هذا اشار بقوله: «و ذلك لما عرفت» من ان السبب في عدم الاصغاء الى ما قيل هو ما عرفت «من» عدم الانحصار بما ذكر لوضوح «ان ايجابه» أي ايجاب الاحتياط بناء على‏

369

إلا أنها تعارض بما هو أخص و أظهر، ضرورة أن ما دل على حلية المشتبه أخص، بل هو في الدلالة على الحلية نص، و ما دل على الاحتياط غايته أنه ظاهر في وجوب الاحتياط (1)، مع أن هناك قرائن دالة

____________

تسليمه «يكون» ايجابا «طريقيا و هو» أي الايجاب الطريقي «عقلا مما يصح ان يحتج به» المولى «على» العبد في مقام «المؤاخذة» له «في مخالفة الشبهة» الحكمية لتنجز الواقع به، و الحال فيه «كما هو الحال في أوامر الطرق و الامارات» في كونها منجزة للواقع و يصح المؤاخذة بعد جعلها على مخالفة الواقع «و» كما هو الحال في «الاصول العلمية» كالاستصحاب المثبت للتكليف بناء على عدم جعل الحكم على طبق مؤدى الاستصحاب، فان حاله في تنجيز الواقع به و كون العقاب فيه منوطا بمخالفة الواقع حال الامارات من غير فرق، و انما يختلف الحال بينه و بين الطرق من هاتين الناحيتين بناء على جعل الحكم على طبقه.

(1) لا يخفى ان قوله: «إلّا انها تعارض» هو من متعلقات قوله في صدر عبارته:

«و ان كان واردا» و تقديره «ان ما دل على وجوب الاحتياط لو سلم» دلالته عليه «و ان كان واردا على حكم العقل» بالبراءة من العقاب «إلّا انها» أي ادلة الاحتياط «تعارض بما هو اخص منها و اظهر» و هو ما دل على حلية المشتبه.

و توضيحه يتوقف على بيان امرين: الاول: بيان معارضتها و انه ليس احدهما واردا على الآخر و رافعا لموضوعه: أي ان ادلة الاحتياط و ادلة البراءة النقلية من المتنافيين في الحكم في موضوع واحد هو الموضوع لكل واحد منهما، و يدل كل واحد منهما على حكم له ينافي ما دل عليه الآخر، و هذا هو ميزان التعارض التام بين الدليلين.

و الثاني: بيان الوجه في تقديم ادلة البراءة النقلية على ما دل على وجوب الاحتياط.

370

.....

____________

و توضيح الاول: ان الموضوع لادلة الاحتياط هو التكليف المجهول، كما انه هو الموضوع لدليل الرفع، و دليل الاحتياط يثبت فعلية هذا التكليف المجهول، و دليل الرفع ينفي فعليته، لان المستفاد من دليل الاحتياط- بناء على الطريقية فيه- هو فعلية التكليف المجهول و تنجيزه به، و المستفاد من دليل الرفع هو رفع فعلية التكليف غير المعلوم، فهما متعارضان.

لا يقال: ان موضوع دليل الاحتياط هو التكليف المجهول، و حكمه فعلية هذا التكليف و تنجيزه به، و الموضوع لدليل البراءة هو عدم العلم بالتكليف، و من الواضح أن قيام الحجة عليه بنحو من الانحاء من العلم به، فعلى هذا يكون دليل الاحتياط واردا على دليل الرفع لانه يصح ان يكون هو الحجة عليه، فهو من انحاء العلم به و به يرتفع موضوع دليل الرفع لان موضوعه عدم العلم و دليل الاحتياط من انحاء العلم بالتكليف.

فانه يقال: ان الظاهر من قوله (ما لا يعلمون) هو عدم العلم بالتكليف نفسه، لا عدم العلم بالحجة عليه و الوظيفة فيه، و من الواضح ان لسان دليل الاحتياط ليس لسان انه علم بالتكليف و ليس هو موجبا للعلم به حقيقة، و على كل فالظاهر مما لا يعلمون هو التكليف الذي لا يعلمونه لا التكليف الذي لا يعلمون الوظيفة فيه.

لا يقال: كيف لا يكون الاحتياط علما مع انه لا ريب في ان العمل بالاحتياط موجب للعلم باصابة الواقع، و الذي يكون واردا على البراءة هو ما أوجب العلم باصابة الواقع او بما هو منزل منزلة الواقع، و الاحتياط أولى ان يكون واردا على البراءة من الامارة، لان الامارة منزلة منزلة الواقع، و الاحتياط موجب للعلم باصابة الواقع فانه نتيجة كالعلم الحقيقي بالتكليف.

فانه يقال: ليس المدار في الورود ان تكون نتيجة العمل موجبة للعلم باصابة الواقع، بل المدار في الورود رفع الشك بالتكليف الذي هو موضوع البراءة، و محل ذلك قبل العمل، و الاحتياط قبل العمل ليس علما بالتكليف حقيقة و لا كالامارة

371

.....

____________

منزلا منزلة العلم، و إلّا فالاطاعة في مورد العلم بالتكليف موجبة للعلم باصابة الواقع، و لا معنى لتوهم كونها واردة على شي‏ء. هذا بالنسبة الى دليل البراءة.

و اما بالنسبة الى دليل الحلية فالتعارض بين دليل الاحتياط و بينه واضح، لصراحة كون الغاية في دليل الحلية هي العلم بنفس التكليف، فان قوله: حتى تعرف الحرام بعينه صريح في لزوم معرفة التكليف بنفسه، لا معرفة الوظيفة فيه.

و اما الامر الثاني و هو الوجه في ترجيح ادلة البراءة و الاباحة النقليين على دليل الاحتياط، فتوضيحه: ان النسبة بين دليل الاحتياط و دليل الرفع و ان كان هو التعارض مطلقا، لإطلاق ادلة الاحتياط لما يشمل الشبهة بجميع افرادها، و اطلاق دليل الرفع لجميع افراد الشبهة ايضا، إلّا ان دليل الرفع اظهر لكونه نصا في رفع الفعلية للتكليف المجهول، و دليل الاحتياط ظاهر في جعل الوجوب الذي لازمه ظهوره في فعلية التكليف المجهول، و لا اشكال في تقديم النص على الظاهر، لوضوح ان دليل الرفع اذا لم يكن رافعا للفعلية لا تكون له دلالة معقولة على شي‏ء، بخلاف دليل الاحتياط فانه ان لم يكن دليلا على الوجوب كان دليلا على الاستحباب، لإمكان حمله على استحباب الاحتياط فيما اذا لم يؤخذ بما هو ظاهره من الدلالة على الوجوب، فدليل الرفع اظهر دلالة فيتقدم على ادلة الاحتياط.

و اما بالنسبة الى قاعدة الحل فهي متقدمة عليه ايضا لما ذكرنا في وجه تقديم دليل الرفع عليه من الأظهرية، و لانها اخص منه لانها مما تختص بالشبهة التحريمية، فهي اخص من دليل الاحتياط الشامل لها و للشبهة الوجوبية.

و قد اشار الى الامرين في قاعدة الحل بقوله: «إلّا انها» أي ان ادلة الاحتياط «تعارض بما هو اخص» منها «و اظهر» فاشار الى الاخصية بقوله: «ضرورة ان ما دل على حلية المشتبه اخص» لما عرفت من اختصاصها بالشبهة التحريمية، و اشار الى الأظهرية، بقوله: «بل هو في الدلالة على الحلية نص» أي ان دليل الحلية نص في الحلية، لان قوله: فهو لك حلال نص في ذلك، و لانه لو لم يرد منه الحلية لم يبق‏

372

[القرائن التي تقتضي كون الأمر بالاحتياط ارشاديا]

على أنه للارشاد، فيختلف إيجابا و استحبابا حسب اختلاف ما يرشد إليه. و يؤيده أنه لو لم يكن للارشاد يوجب تخصيصه لا محالة ببعض الشبهات إجماعا، مع أنه آب عن التخصيص قطعا، كيف لا يكون قوله قف عند الشبهة فإن الوقوف عند الشبهة خير من الاقتحام في الهلكة للارشاد؟ مع أن المهلكة ظاهرة في العقوبة، و لا عقوبة في الشبهة البدوية قبل إيجاب الوقوف و الاحتياط، فكيف يعلل إيجابه بأنه خير من الاقتحام في الهلكة (1)؟

____________

له معنى يسوغ حمله عليه «و» هو بخلاف دليل الاحتياط فان «ما دل على الاحتياط غايته انه ظاهر في وجوب الاحتياط» لظهور الهيئة في الامر به في الوجوب، و لانه لو لم يحمل على الوجوب لكان لحمله على الاستحباب مجال واضح، لكثرة ما يراد من هيئة الامر الاستحباب.

(1) لا يخفى ان لزوم كون الامر بالاحتياط للارشاد انه يختلف حاله بالنسبة الى ما يرشد اليه، فان كان المرشد اليه واجبا كان الارشاد الى الوجوب، و ان كان المرشد اليه استحبابا كان ارشادا الى الاستحباب، فوصف الامر الارشادي بالوجوب مرة و بالاستحباب اخرى انما هو باعتبار ما يرشد اليه، فان كان واجبا كان الارشاد اليه وجوبا ارشاديا، و ان كان مستحبا كان الارشاد استحبابيا، و اليه اشار بقوله:

«فيختلف ايجابا و استحبابا» أي يتحقق الامر الارشادي في مقام وصفه بالوجوب و الاستحباب «حسب اختلاف ما يرشد اليه».

و لا يخفى ايضا انه لو كان للارشاد لا يكون شاملا للشبهة البدوية كما اشرنا اليه سابقا، للزوم كونه مرشدا الى ما كان الأمر فيه فعليا من غير قبل ادلة الاحتياط، و لا امر فعلي في الشبهة البدوية.

و اما القرائن التي تقتضي كونه للارشاد امور:

373

.....

____________

منها: ما ورد في بعضها من التعليل الظاهر في كون الامر استحبابيا، كرواية النعمان بن بشير التي هي (قال سمعت رسول اللّه يقول: ان لكل ملك حمى و ان حمى اللّه حلاله و حرامه و المشتبهات بين ذلك، كما لو ان راعيا رعى الى جانب الحمى لم يثبت غنمه ان تقع في وسطه فدعوا المشتبهات) (1) فانه ظاهر في ان الامر بترك الشبهات لئلا يجرأ في ارتكاب المحرمات و ترك الواجبات، فهو ظاهر في الارشاد الى التورع و الاعتياد على ترك حمى اللّه.

و منها: ما ورد في بعض الاخبار ان في ارتكاب الشبهات عتابا، بعد قوله ان في فعل المحرمات عقابا، و لو كان الامر فيه للوجوب لكان مما عليه العقاب لا العتاب.

و منها: انه لو لم يكن الامر فيه للارشاد و كان للوجوب للزم تخصيصه بالشبهات الموضوعية لعدم وجوب الاحتياط فيها عند الكل، و بالشبهات الوجوبية لقول معظم العلماء من الاصوليين اجمع و جل الاخباريين بعدم وجوب الاحتياط فيها، مع ان سياق بعض ادلة الاحتياط آب عن التخصيص كروايات التثليث، لانها في مقام الحصر للامور في ثلاثة اشياء: أمر بين رشده، و امر بين غيه، و امر بين ذلك ...

و حلال بين، و حرام بين، و شبهات بين ذلك، و سياق الحصر آب عن التخصيص، فلا بد من حمله على الارشاد لئلا يلزم التخصيص، و الى هذا اشار بقوله: «و يؤيده انه لو لم يكن» الامر الاحتياطي «للارشاد يوجب تخصيصه لا محاله ببعض الشبهات اجماعا» كالشبهة الموضوعية و الوجوبية «مع انه آب عن التخصيص قطعا» كما عرفت.

و منها: ان اخبار الاحتياط و اخبار الوقوف عند الشبهة مرجعهما واحد و هو الكف عن الشبهة و تركها، و في اخبار الوقوف قرينة واضحة على ان المراد بما يكون الوقوف عنده لازما هو غير الشبهة البدوية، للتعليل فيها بفرض المهلكة فيها و ان الاقتحام‏

____________

(1) وسائل الشيعة ج 18: 122/ 12 باب 12 من أبواب صفات القاضي.

374

.....

____________

في الشبهة اقتحام في الهلكة، و قد عرفت انه لا مهلكة في الشبهة البدوية، و انما المهلكة في مثل الشبهة قبل الفحص و الشبهة المقرونة بالعلم الاجمالي لتنجز الامر فيها الموجب لكون الاقتحام فيها اقتحاما في المهلكة التي هي العقوبة، لان من الواضح ان الظاهر من المهلكة في قوله (عليه السّلام): (و قفوا عند الشبهة فان الوقوف عند الشبهة خير من الاقتحام في الهلكة) (1) هو العقاب، و حيث لا عقاب في الشبهة البدوية فلا بد من حمله على الارشاد لما فيه الهلكة، و هو غير الشبهة البدوية كما مر بيان ذلك مفصلا: من ان فرض الهلكة يقتضي الحمل على الارشاد.

و الى هذا اشار بقوله: «كيف لا يكون قوله قف عند الشبهة» و لا يخفى ان اسم يكون هو هذه الجملة كلها، و هي قوله قف عند الشبهة «فان الوقوف عند الشبهة خير من الاقتحام في الهلكة» و خبر يكون هو قوله «للارشاد» أي كيف لا يكون الامر في قف عند الشبهة للارشاد و قد علله بانه خير من الاقتحام في المهلكة «مع ان المهلكة ظاهرة في العقوبة و لا عقوبة في الشبهة البدوية قبل ايجاب الوقوف و الاحتياط» بتركها، لانه لا اشكال في العقاب في الشبهة البدوية قبل ايجاب الوقوف و الاحتياط فيها من العقاب بلا بيان، و قد عرفت ايضا انه لا يمكن ان تكون المهلكة فيها هي المهلكة الحاصلة بواسطة نفس ايجاب الوقوف و الاحتياط، لان الحكم لا يثبت موضوعه، و حيث لا هلكة في الشبهة البدوية «فكيف يعلل ايجابه» أي ايجاب الوقوف فيها «بانه خير من الاقتحام في الهلكة» فلا بد و ان يكون الامر فيها للارشاد الى ما فيه الهلكة و هو غير الشبهة البدوية كالشبهة قبل الفحص و الشبهة المقرونة بالعلم الاجمالي.

____________

(1) وسائل الشيعة ج 18: 116/ 15 باب 62 من أبواب صفات القاضي.

375

لا يقال: نعم، و لكنه يستكشف منه على نحو الإنّ إيجاب الاحتياط من قبل، ليصح به العقوبة على المخالفة (1).

____________

(1) حاصله: ان في قوله قف عند الشبهة و تعليله لذلك بفرض المهلكة في الاقتحام فيها امور ثلاثة:

ظهور قوله: (قف) في الامر المولوي الوجوبي دون الارشادي.

و اطلاقه الشامل للشبهة البدوية.

و التعليل لهذا الوجوب في الشبهة بان الاقتحام فيها من الاقتحام في الهلكة.

و يقتضي المحافظة على هذه الامور الثلاثة ان يكون هناك امر فعلي منجز في الشبهة البدوية غير هذا الامر الدال عليه اخبار الوقوف و الاحتياط، و على فرض رفع اليد عن الامر الاول و هو الظهور في الايجاب المولوي، لظاهر التعليل بان الوقوف عند الشبهة خير من الاقتحام في الهلكة، بان نقول بان الامر فيه للارشاد، فلا بد من المحافظة على الامرين الآخرين، اما الاطلاق فلانه لا وجه لرفع اليد عن الاطلاق من دون وصول المقيد له، و اما التعليل فهو كنص في ان مورد الشبهة من الاقتحام في الهلكة، و مع المحافظة على هذين الظهورين، و هما الاطلاق الشامل للشبهة البدوية، و التعليل بان الاقتحام فيها من الاقتحام في الهلكة لا مناص من الالتزام بذلك، و هو ان هناك امرا فعليا بالاحتياط منجزا فيها، و هو غير هذا الامر الاحتياطي، فيستكشف بطريق الإن و هو الانتقال من المعلول الى العلة و من اللازم الى الملزوم تحقق الامر الفعلي المنجز في الشبهة البدوية، و ان هناك امرا بالاحتياط فيها غير هذه الاوامر لتصح العقوبة على مخالفتها، و اليه اشار بقوله: «نعم و لكنه يستكشف عنه» أي عن هذا الامر بالوقوف «على نحو الإنّ» لاجل المحافظة على الامور الثلاثة، او الأمرين الاخيرين- المتقدم ذكرها- انه قد صدر من الشارع «ايجاب الاحتياط فيها من قبل» أي من قبل هذه الاخبار الدالة على الاحتياط

376

فإنه يقال: إن مجرد إيجابه واقعا ما لم يعلم لا يصحح العقوبة، و لا يخرجها عن أنها بلا بيان و لا برهان، فلا محيص عن اختصاص مثله بما يتنجز فيه المشتبه لو كان كالشبهة قبل الفحص مطلقا، أو الشبهة المقرونة بالعلم الاجمالي، فتأمل جيدا (1).

____________

و الوقوف، فهو احتياط سابق غير هذا الوقوف و الاحتياط «ليصح به» أي ليصح بواسطة الامر الاحتياطي السابق «العقوبة على المخالفة» في الشبهة البدوية.

(1) توضيحه: انه لا يعقل كون الامر الواقعي غير الواصل فعليا منجزا لملازمة الفعلية المنجزة للوصول، فمع عدم الوصول و بقاء الامر الواقعي على حده غير الواصل لا يعقل ان يكون فعليا منجزا، و من الواضح ان العقاب لا يصح إلّا على الفعلي المنجز.

اذا عرفت هذا فنقول: الامر الاحتياطي الآخر المدعي استكشافه ان كان غير و اصل فلا يكون مستند الصحة العقوبة على المخالفة في الشبهة البدوية، و ان كان و اصلا فحاله حال هذه الاخبار اذا لم يكن فيه اشارة الى انه قد صدر ليكون مصححا للعقوبة على الشبهة البدوية، و لم نجد في اخبار الاحتياط ما فيه هذه الدلالة، فلا بد من حمل هذه الاوامر الاحتياطية و الاوامر الدالة على وجوب الوقوف على ما كان الامر في مورد الشبهة فعليا منجزا، و ذلك في مثل الشبهة المقرونة بالعلم الاجمالي، فان العقاب فيها يكون مفروضا، و مثله العقاب في الشبهة البدوية قبل الفحص، و اليه اشار بقوله: «فانه يقال ان مجرد ايجابه» أي ان مجرد ايجاب الاحتياط «واقعا ما لم» يكن و اصلا و «يعلم» به «لا يصحح العقوبة» على المخالفة في الشبهة البدوية بعد الفحص «و لا يخرجها عن انها» من العقاب «بلا بيان و لا برهان» و هو قبيح غير معقول من الشارع «فلا محيص عن اختصاص مثله» أي مثل ما ورد من الاحتياط و الوقوف «بما يتنجز فيه المشتبه لو كان» و ذلك «كالشبهة

377

[الاستدلال بالعقل على الاحتياط: بالعلم الاجمالي‏]

و أما العقل: فلاستقلاله بلزوم فعل ما احتمل وجوبه و ترك ما احتمل حرمته، حيث علم إجمالا بوجود واجبات و محرمات كثيرة فيما اشتبه وجوبه أو حرمته، مما لم يكن هناك حجة على حكمه، تفريغا للذمة بعد اشتغالها، و لا خلاف في لزوم الاحتياط في أطراف العلم الاجمالي إلا من بعض الاصحاب (1).

____________

قبل الفحص مطلقا» و ان كانت بدوية وجوبية او تحريمية «او الشبهة المقرونة بالعلم الاجمالي».

(1) لا يخفى ان هذا العلم الاجمالي في المقام و ان كان يمكن ادعاؤه في الواجبات و المحرمات كما اشار اليه المصنف، الّا انه لما كان محل البحث و النزاع بين الاصوليين و الاخباريين هو الشبهة التحريمية دون الوجوبية- لانهم يقولون في الشبهة الوجوبية بالبراءة كالاصوليين- فينبغي حصره في المحرمات، لانها هي محل النزاع.

و على كل، فحاصل الدعوى ان العقل مستقل بلزوم الاحتياط في موارد الشبهة لما ثبت من منجزية التكاليف الواقعية بالعلم الاجمالي كالعلم التفصيلي، و من الواضح انا نعلم اجمالا بوجود احكام واقعية في ضمن الشبهات التي لم تقم حجة على الحكم الواقعي فيها، و اثر هذا العلم الاجمالي هو الاحتياط فيها لتحصيل العلم اليقيني بفراغ الذمة التي اشتغلت بالتكاليف الواقعيّة المنجّزة بهذا العلم الاجمالي، فان تنجيز العلم الاجمالي لها و تأثيره في لزوم تفريغ الذمة بالاحتياط في الشبهة لانها من اطرافه من المسلّم عند جلّ الاصحاب، و ان خالف فيه بعضهم، و هو لا يضر لان المفروض ان القائلين بالبراءة فيها ممن يرى منجزيّة العلم الاجمالي و تأثيره.

و قد اشار الى هذا العلم الاجمالي بقوله: «حيث علم اجمالا ... الى آخر الجملة» و اشار الى ان أثر هذا العلم الاجمالي هو الاحتياط في الشبهة لانها من اطرافه بقوله: «و لا خلاف في لزوم الاحتياط ... الى آخر الجملة».

378

[الجواب الاول عن العلم الاجمالى‏]

و الجواب: إن العقل و إن استقل بذلك، إلا أنه إذا لم ينحل العلم الاجمالي إلى علم تفصيلي و شك بدوي، و قد انحل هاهنا، فإنه كما علم بوجود تكاليف إجمالا، كذلك علم إجمالا بثبوت طرق و أصول معتبرة مثبتة تكاليف بمقدار تلك التكاليف المعلومة أو أزيد، و حينئذ لا علم بتكاليف أخر غير التكاليف الفعلية في الموارد المثبتة من الطرق و الاصول العملية (1).

____________

(1) هذا هو الجواب الاول، و سيأتي منه جواب ثان حاصله: دعوى ان العلم الاجمالي مقيد من أصله بوجود الاحكام الواقعية في ضمن ما قامت عليه الطرق، و في غيرها من موارد الشبهة لا علم اجمالي لنا اصلا و انما هو احتمال محض.

و حاصل هذا الجواب الاول المبني على كون الشبهة من اطراف المعلوم بالاجمال، و المتحصّل من مجموع كلامه في المقام هو: ان هذا العلم الاجمالي منحلّ لاحتمال انطباقه من الاول على الاحكام الثابتة بالامارات و بالاصول العملية المثبتة للتكاليف.

و توضيح ذلك: ان انحلال العلم الاجمالي، تارة يكون انحلالا تفصيلا حقيقة، و ذلك فيما اذا انحلّ الى علم تفصيلي و شك بدوي، كما اذا علمنا اجمالا بوجود اناء نجس لزيد قطعا في ضمن اناءين او اكثر، و كان الاناء الآخر محتمل النجاسة و ذلك فيما اذا علمنا اجمالا بالنجس و كان اناء زيد هو المتيقن، ثم علمنا تفصيلا باناء زيد النجس، فان العلم الاجمالي ينحلّ الى علم تفصيلي و شك بدوي.

و اخرى: يكون الانحلال تفصيليا و لكنه يكون حكما لا حقيقة- كما في المثال المذكور- الّا ان البيّنة تقوم على ان هذا الاناء المعيّن هو اناء زيد النجس، فان العلم الاجمالي و ان انحلّ تفصيلا الّا انه حكما لا حقيقة، لبداهة عدم حصول العلم بالبينة، و لكنه لما كانت حجيتها باعتبار ان ما تقوم عليه هو الواقع، و كان قيامها بنحو ان يكون ذلك المعلوم بالاجمال الذي هو اناء زيد هو هذا الاناء الخاص، كان العلم‏

379

.....

____________

الاجمالي منحلا تفصيلا الى ما هو الواقع تعبدا لا حقيقة، فهو انحلال تفصيلي حكمي لا حقيقي، اما كونه تفصيليا فلفرض كون البينة كانت بنحو التعيين لما هو المعلوم بالاجمال، و اما كونه حكميا فلانه تعبدي لا حقيقي لعدم حصول العلم بها و انما الحاصل بها هو الظن.

و ثالثة: ان يكون انحلال العلم الاجمالي لاجل احتمال الانطباق، و ذلك كما اذا علمنا بنجاسة احد الإناءين من دون عنوان كونه لزيد، و تقوم البيّنة على ان هذا الاناء المعيّن نجس فقط من دون كونه هو الاناء المعلوم بالاجمال، فان العلم الاجمالي ينحل بقيام هذه البيّنة لاحتمال انطباق النجس المعلوم بالاجمال عليه، فانّا و ان احتملنا ايضا ان يكون المعلوم بالاجمال غيره لاحتمال ان يكون هو الاناء الآخر، الّا انه لما كانت منجزية العلم الاجمالي مشروطة بان يكون منجزا على أي تقدير، و مع احتمال انطباقه على ما قامت عليه البينة لا يكون منجزا على أي تقدير، لانه في فرض انطباقه على ما قامت عليه البيّنة لا يعقل ان يكون مؤثرا بما هو علم اجمالي، للزوم اجتماع بعثين فعليّين على واحد، احدهما من ناحية البيّنة و الثاني من ناحية العلم الاجمالي، و البعث الفعلي المنجز فيما قامت عليه البينة هو البعث الآتي من جانب البيّنة، لان النجس الواقعي- بما هو واقعي- غير معلوم لا يعقل ان يكون منجزا لقيام التنجيز بالوصول، و بما هو معلوم بالاجمال غير معقول ان يكون منجزا ايضا، لما عرفت من لزوم اجتماع بعثين فعليين على واحد، و اذا لم يكن العلم منجزا في جميع الاطراف و على أي تقدير لا يكون مؤثرا في الطرف الآخر المقابل لما قامت عليه البينة، فمع احتمال الانطباق لا علم بتكليف فعلي في غير ما قامت عليه البيّنة، و حيث كان مشكوكا فهو مجرى للاصل.

و قد اتضح مما ذكرنا: ان هذا الانحلال ليس انحلالا تفصيليا لا حقيقة و لا حكما، أما كونه ليس بحقيقي فواضح لعدم العلم، و اما انه ليس بانحلال تفصيلي حكما، فلوضوح ان البيّنة لم تقم على ان هذا الاناء النجس هو المعلوم بالاجمال لتكون‏

380

.....

____________

تفصيليتها باعتبار حكايتها عن نفس المعلوم بالاجمال، و حكميّتها باعتبار كونها تعبدية لا علمية حقيقة.

فاذا عرفت هذه المقدمة، نقول: ان انحلال المعلوم بالاجمال من التكاليف الواقعية بالطرق و الاصول المثبتة للتكاليف هو من قبيل الثالثة و هو الانحلال لاحتمال الانطباق، لوضوح كونه ليس بانحلال تفصيلي حقيقة لعدم حصول العلم من الطرق و الاصول المثبتة، و ليس بانحلال تفصيلي حكمي ايضا، لان المجعول في الامارات اما هو محض حجيتها و انها منجزة لو اصابت و معذرة لو اخطأت من دون جعل الحكم الطريقي فيها، و سيأتي الكلام فيه من المصنف، و ان الانحلال فيه لاجل احتمال الانطباق ايضا، بل هو اولى بالانحلال باحتمال الانطباق من الانحلال باحتمال الانطباق بناء على جعل الحكم الطريقي، و ان كان في دعوى هذه الاولوية من المصنف نظر سننبّه عليه ان شاء اللّه تعالى. و اما ان يكون المجعول فيها هو الحكم الطريقي بلسان ان مؤدّاها حكم واقعي، فلان لسان الجعل فيها و ان كان هو كون مؤدّاها حكما واقعيا، الّا انه لا دلالة فيها على انه لا حكم واقعي غير ما قامت عليه الامارة.

و بعبارة اخرى: ان الانحلال التفصيلي انما هو فيما اذا دلّ الدليل الحال للعلم الاجمالي على كون مؤدى الدليل الحال هو المعلوم بالاجمال و نفيه عن غير ما قام عليه الدليل الحال، و من الواضح ان لسان الجعل في الامارة لا يدل على اكثر من كون مؤدّاها حكما واقعيا، و ليس لها دلالة على ان الحكم المعلوم بالاجمال هو ما قامت عليه الامارة و لا على نفيه عن غيرها، فيكون حالها بالنسبة الى الحكم الواقعي المعلوم بالاجمال حال البيّنة القائمة على نجاسة اناء معين بالنسبة الى العلم الاجمالي بنجاسة احد الإناءين، و قد عرفت ان الانحلال فيها لاحتمال الانطباق لا حقيقة لا حكما، و الامارات بالنسبة الى الاحكام الواقعية المعلومة بالاجمال كذلك، فانه لا دلالة للسان الجعل فيها بان المعلوم بالاجمال هو مؤدّى الامارة، بل‏

381

.....

____________

غاية دلالته هو ان المؤدّى فيها حكم واقعي، فليس للسان الجعل دلالة على نفي الحكم الواقعي المعلوم بالاجمال في غيرها، بخلاف الانحلال بالنحو الثاني المتقدّم، و هو فيما اذا علمنا بنجاسة اناء زيد و قامت البينة على ان إناء زيد هو هذا الاناء المعيّن فانه انحلال تفصيلي حكمي، لان لسان البيّنة كون هذا الإناء هو اناء زيد هذا بنحو المطابقة، و تدل بالالتزام على نفي اناء زيد عن غير هذا الاناء، و لذا كان انحلالا تفصيليا حكميّا لعدم حصول العلم من البيّنة، و الّا لكان انحلالا تفصيليا حقيقيا.

و لا يخفى ان ظاهر المصنف في صدر عبارته انه من الانحلال التفصيلي الحكمي، و لكنه صرّح في ذيل عبارته بانه من الانحلال لاحتمال الانطباق.

و على كلّ، فقد اتضح: ان العلم الاجمالي المدّعى في المقام لا يقتضي الاحتياط في موارد الشبهة التي لم تقم حجة على الحكم فيها، لانه منحلّ بقيام الطرق و الامارات و الاصول المثبتة للتكاليف، لاحتمال انطباق المعلوم بالاجمال على مؤدّى الامارة، و مع احتمال الانطباق لا يكون العلم منجزا في غير مورد الطرق و الامارات، و يكون من الشك البدوي الذي هو مجرى الاصول النافية للتكليف، و لذا قال (قدس سره): «و الجواب ان العقل و ان استقل بذلك» أي بلزوم الاحتياط في اطراف العلم الاجمالي «إلّا انه اذا لم ينحل العلم الاجمالي الى علم تفصيلي و شك بدوي».

و الظاهر ان مراده من العلم التفصيلي هو العلم التفصيلي بالاحكام التي قامت عليها الطرق المحتمل انطباق الاحكام الواقعية المعلومة بالاجمال عليها، و الى شك بدوي في غيرها و هو كمورد الشبهة التحريمية «و قد انحل هاهنا» كذلك «فانه كما علم بوجود تكاليف» واقعية «اجمالا كذلك علم اجمالا بثبوت طرق و اصول معتبرة مثبتة لتكاليف» ب «مقدار تلك التكاليف المعلومة او ازيد» و قوله بمقدار تلك التكاليف او ازيد لاجل انه لو كان الثابت بالامارات مقدارا من التكاليف اقل‏

382

إن قلت: نعم، لكنه إذا لم يكن العلم بها مسبوقا بالعلم بالواجبات (1).

____________

من المقدار المعلوم بالاجمال لبقى العلم الاجمالي منجزا بالنسبة الى تلك التكاليف الزائدة على ما قامت عليه الطرق، و لذا قال (قدس سره): «و حينئذ» أي و حين ثبوت تكاليف في الامارات بمقدار المعلوم بالاجمال «لا» يبقى لنا «علم بتكاليف آخر غير التكاليف الفعلية في الموارد المثبتة من الطرق و الاصول العملية» المثبتة للتكاليف، و قد عرفت ان الوجه في الانحلال هو احتمال الانطباق.

(1) توضيحه: ان العلم التفصيلي بحكم في بعض اطراف العلم الاجمالي على اقسام: لانه تارة يكون العلم التفصيلي متحدا مع العلم الاجمالي عنوانا، كما اذا علم اجمالا بنجاسة اناء زيد ثم علم تفصيلا او حكما بان هذا الاناء المعيّن هو اناء زيد، و لا ريب في انحلال العلم الاجمالي بهذا العلم التفصيلي الحقيقي أو الحكمي.

و اخرى: يكون العلم التفصيلي قد تعلّق بعنوان غير العنوان الذي تعلّق به العلم الاجمالي و كان حادثا بعد العلم الاجمالي، كما اذا علم بحرمة احد الإناءين لخمريته ثم بعد علم تفصيلا بحدوث غصبيّة لاحد الإناءين المعيّن، بمعنى ان يعلم ان هذا الاناء الخاص بعينه غصب. و لا ريب ايضا ان هذا العلم التفصيلي بحرمة الغصب في الاناء المعيّن لا يحلّ العلم الاجمالي بحرمة احد الإناءين لانه خمر، لان الاثر في الخمر حرمة شربه، و الاثر في الغصب حرمة التصرف باعتبار انه تصرّف في سلطان الغير.

و مما ذكرنا يظهر العلم بمحالية الانطباق، و ان الحرمة من حيث كونه خمرا لا يعقل ان تنطبق على الحرمة من حيث كونه غصبا، لاختلاف الاثر في كل منهما، و للعلم بمحالية انطباق المعلوم بالاجمال على المعلوم بالتفصيل.

و ثالثة: لا يكون حادثا بل كان مقارنا للعلم الاجمالي، كما اذا كان مقارنا للعلم الاجمالي بالخمرية العلم التفصيلي بالغصبية، فانه ايضا لا يحلّ العلم الاجمالي لما عرفت من اختلاف آثارهما و محالية الانطباق فيهما.

383

.....

____________

لا يقال: ان المعلوم بالاجمال و هو خمرية احد الإناءين ثم العلم التفصيلي الحادث بغصبية احد الإناءين و ان كان لا يحلّ العلم الاجمالي بالخمرية لمحالية الانطباق، إلّا انه يحلّ العلم الاجمالي بالخمرية، لان الاناء الذي هو الخمر لا يملك لخمريته، و مع تنجز العلم التفصيلي بالغصبيّة لا اثر للعلم الاجمالي بخمريته لانه يجب الاجتناب عنه و عدم التصرّف فيه باي نحو من انحاء التصرّف فلا اثر فيه للعلم الاجمالي، و يبقى الطرف الثاني مشكوك الخمريّة فينفى بالاصل.

فانه يقال اولا: ان كون المعلوم بالاجمال هو الخمرية من باب المثال، فلو كان العلم الاجمالي هو النجاسة دون الخمريّة لأثر.

و ثانيا: ان العلم الاجمالي انما لا يؤثر حيث لا يبقى له مع العلم التفصيلي اثر اصلا، و العلم الاجمالي بالخمرية و ان كان لا يؤثر من ناحية لزوم الاجتناب من ناحية حرمة التصرّف في مال الغير، لكنه يؤثر من ناحية حرمة مباشرته لانه نجس و وجوب غسل اليد منه.

و ثالثا: ان ملكيّته و ان انتفت لخمريته لكن بالامارة حق الاختصاص منه لا ينتفي لإمكان معالجته و عوده خلا.

و رابعة: ان يكون الفرق بين العلم الاجمالي و العلم التفصيلي هو السبق و الحدوث فقط، كما اذا علم بحرمة احد الإناءين و لو من دون عنوان، ثم علم بحرمة الاناء المعين لحرمة حادثة كالربا مثلا، و في هذا الفرض ايضا لا ينحلّ العلم الاجمالي بهذا العلم التفصيلي، لوضوح انه مع فرض سبق العلم الاجمالي يكون تأثيره سابقا ايضا، و مع سبق تأثيره بلزوم الاجتناب في اطرافه لا يكون العلم التفصيلي بالحرمة الحادثة موجبا لانحلاله.

اذا عرفت هذا فنقول: ان الامارات بالنسبة الى العلم الاجمالي بالتكاليف الواقعية من قبيل القسم الاخير، لوضوح تأخر الامارات عن العلم الاجمالي، فلا تكون الامارات موجبة لانحلال العلم الاجمالي في المقام، و الى هذا اشار بقوله:

384

قلت: إنما يضر السبق إذا كان المعلوم اللاحق حادثا، و أما إذا لم يكن كذلك بل مما ينطبق عليه ما علم أولا، فلا محالة قد انحل العلم الاجمالي إلى التفصيلي و الشك البدوي (1).

____________

«ان قلت نعم» انا نسلّم ان العلم الاجمالي ينحل بالعلم التفصيلي و لو كان انحلالا حكميا علميا لا علما «لكنه» فيما «اذا لم يكن العلم» التفصيلي بالاحكام التي هي مؤدى الامارات «مسبوقا بالعلم» الاجمالي «بالواجبات» او المحرمات، فانه اذا كان كذلك لا يكون العلم التفصيلي حالا للعلم الاجمالي، و الامارات بالنسبة الى العلم الاجمالي بالاحكام كذلك لتأخرها عن العلم الاجمالي.

(1) و توضيح الجواب: انه فرق بين تأخر الحكم التفصيلي عن العلم الاجمالي، و بين تأخر الجعل فيه عن العلم الاجمالي، فان تأخر الجعل لا يضر اذا كان متعلق العلم التفصيلي مما يمكن انطباق المعلوم بالاجمال عليه، و المتأخر في الامارة هو جعلها، و اما الحكم فيها بعد ان كان بلسان انه هو الواقع فلا مانع من انطباق المعلوم بالاجمال عليها، و ذلك فيما اذا صادفته بان اصابت الواقع.

و الحاصل: ان الامارة لها دلالة ذاتية غير محتاجة الى الجعل و الاعتبار، و هي دلالتها على ان مؤدّاها هو الواقع، و الجعل انما يتعلق بان ما قامت عليه قد اعتبره الشارع حكما واقعيا، فاعتبار هذا الحكم الذي هو مؤدى الامارة متأخر عن العلم الاجمالي، لا ان الحكم الذي قامت عليه الامارة هو حكم متأخر عن الحكم المعلوم بالاجمال، و ليس هذا كقيام البيّنة على ان هذا الاناء الخاص المعين حرام لاجل الرّبا بعد العلم بحرمته و لو بلا عنوان، الذي هو القسم الرابع المشار اليه في ان قلت، و انما لا تكون هذه الحرمة الحادثة حالّة للعلم الاجمالي لمحالية الانطباق بعد ان كان المفروض فيها كونها حكما حادثا غير الحكم المعلوم بالاجمال، و اما تأخر الاعتبار بعد ان كان مدلول الامارة ان مؤدّاها هو الواقع فلا يمنع عن احتمال الانطباق و هو واضح، فالمضر هو حدوث الحكم كالعلم بحرمة الاناء المعيّن بحرمة حادثة غير الحرمة

385

إن قلت: إنما يوجب العلم بقيام الطرق المثبتة له بمقدار المعلوم بالاجمال ذلك إذا كان قضية قيام الطريق على تكليف موجبا لثبوته فعلا، و أما بناء على أن قضية حجيته و اعتباره شرعا ليس إلا ترتيب ما للطريق المعتبر عقلا، و هو تنجز ما أصابه و العذر عما أخطأ عنه، فلا انحلال لما علم بالاجمال أولا، كما لا يخفى (1).

____________

المعلومة بالاجمال، لا فيما اذا كان الجعل حادثا و لكن الحكم كان مما يصح ان ينطبق عليه المعلوم بالاجمال، كما هو الحال في الامارة بالنسبة الى الاحكام المعلومة بالاجمال، و الى هذا اشار بقوله: «قلت انما يضر السبق» فيما «اذا كان المعلوم اللاحق حادثا» حكما لا جعلا «و اما اذا لم يكن كذلك بل» كان الحكم المتأخر العلم به لتأخر الجعل فيه «مما» يصح ان «ينطبق عليه ما علم اولا فلا محالة» يكون من الموارد التي «قد انحل العلم الاجمالي» فيها «الى» العلم «التفصيلي» لاحتمال الانطباق «و الشك البدوي».

(1) توضيحه: ان ملخص ما مرّ هو ان العلم التفصيلي بحكم يحتمل انطباق المعلوم بالاجمال عليه يوجب انحلال العلم الاجمالي، و هذا انما يتمّ حيث يكون المتحصّل من لسان الجعل في الامارة هو جعل الحكم الطريقي، فان مؤدّاها يكون حكما طريقيا، و يصح على هذا ان يقال بالانحلال لاحتمال انطباق الحكم الواقعي على هذا الحكم الطريقي.

و اما اذا قلنا بان المجعول في الامارة هو نفس حجيتها و كونها منجزة لو اصابت و معذرة لو خالفت فلا يكون هناك حكم مجعول اصلا، و على هذا فلا حكم معلوم تفصيلا حتى يحتمل الانطباق عليه، فكيف يقال بالانحلال لاحتمال الانطباق مع انه ليس هناك في الامارات حكم حتى ينطبق عليه المعلوم بالاجمال، فلا موضوع لاحتمال الانطباق لوضوح ان المعلوم بالاجمال هو الحكم، و المعلوم بالتفصيل هو نفس الحجية في الامارات من دون ان يكون هناك حكم، فاي شي‏ء ينطبق عليه‏

386

قلت: قضية الاعتبار شرعا- على اختلاف ألسنة أدلته- و إن كان ذلك على ما قوينا في البحث، إلا أن نهوض الحجة على ما ينطبق عليه المعلوم بالاجمال في بعض الاطراف يكون عقلا بحكم الانحلال، و صرف تنجزه إلى ما إذا كان في ذاك الطرف و العذر عما إذا كان في سائر الاطراف، مثلا إذا علم إجمالا بحرمة إناء زيد بين الإناءين و قامت البينة على أن هذا إناؤه، فلا ينبغي الشك في أنه كما إذا علم أنه إناؤه في عدم لزوم الاجتناب إلا عن خصوصه دون الآخر (1)، و لو لا ذلك لما كان يجدي‏

____________

الحكم الواقعي المعلوم بالاجمال؟ و الى هذا اشار بقوله: «ان قلت انما يوجب العلم بقيام الطرق المثبتة له» أي للتكاليف «بمقدار المعلوم بالاجمال ذلك» و هو الانحلال للعلم الاجمالي بالعلم التفصيلي باحكام يحتمل انطباق المعلوم بالاجمال عليها فيما «اذا كان قضية الطريق على تكليف موجبا لثبوته فعلا» و هذا انما يكون بناء على ان المجعول في الامارات هو الحكم الطريقي على مؤداها، «و اما بناء على ان قضية» أي بناء على ان قضية الجعل في الطريق هو جعل محض «حجيته و اعتباره شرعا» من دون ان يكون هناك حكم مجعول على طبقها اصلا بل «ليس» المجعول فيها «الّا ترتيب ما للطريق المعتبر عقلا» و هو القطع على الطريق الشرعي و هو الامارات بان يكون لها من الآثار ما للقطع من الآثار «و هو تنجز ما اصابة» الطريق «و العذر عما أخطأ عنه» الطريق، و على هذا فلا حكم في مورد الطرق و الامارات حتى يمكن ان ينطبق عليه المعلوم بالاجمال، و حيث لا حكم في الامارات معلوم بالتفصيل «فلا انحلال لما علم بالاجمال اولا كما لا يخفى».

(1) حاصله: انه لا يختلف الحال في انحلال العلم الاجمالي لاحتمال الانطباق سواء قلنا بان المجعول في الامارة هو الحكم الطريقي، او كان المجعول فيها هو نفس الحجية و الطريقيّة و انها منجزة لو اصابت و معذرة لو اخطأت كما هو المختار للمصنف، و تقدم تحقيقه في مبحث جعل الامارة من مباحث الظن، بل لو قلنا بان المجعول فيها

387

.....

____________

هو نفس الطريقية فانه اولى بالانحلال لاحتمال الانطباق، لان الامارة لو اصابت كان المنجّز بها نفس الحكم الواقعي من دون حاجة الى تكلف او تأويل اصلا، بخلاف ما لو كان المجعول هو الحكم الطريقي فانه حيث كان هناك حكم ظاهري مجعول فعلا على طبقها فلا بد من التأويل، بان يكون هذا الحكم الظاهري لبّا هو الحكم الواقعي، و اما على المختار فلا حكم ظاهري مجعول، بل ليس هناك عند الاصابة الانفس الحكم الواقعي، فاحتمال الانطباق على المختار اولى.

و الى ما ذكرنا اشار بقوله: «قلت قضية الاعتبار شرعا على اختلاف السنة ادلته» كقوله (عليه السّلام) في بعضها: (فعليك بهذا الجالس) (1) مشيرا الى زرارة، و قوله (عليه السّلام) في بعضها: (العمري و ابنه ثقتان فما حدثا فعني يحدثان) (2) «و ان كان ذلك» و هو كون المجعول في الامارة هو نفس الطريقية و ترتيب آثار القطع فيها و هو المنجزية و المعذرية «على ما قويناه في البحث» المتقدم «الّا ان» الحال لا يختلف فيما ذكرناه من الانحلال لان «نهوض الحجة على ما ينطبق عليه المعلوم بالاجمال في بعض الاطراف يكون عقلا بحكم الانحلال» فيما اذا كان المجعول هو الحكم الطريقي، بل قد عرفت انه اولى بذلك.

ثم اشار الى معنى الانحلال «و» هو ان معنى الانحلال للمعلوم بالاجمال الى العلم التفصيلي و الشك البدوي هو «صرف تنجزه الى ما إذا كان في ذلك الطرف» الذي قامت عليه الامارة، فيكون تنجّز العلم الاجمالي منصرفا الى هذا الطرف الذي اصابه الطريق كما لو كان معلوما حقيقة تفصيلا «و العذر» في مخالفته «عما اذا كان المعلوم بالاجمال في سائر الاطراف» التي هي غير الطرف الذي قامت عليه الامارة، ثم مثل لذلك توضيحا للامر بقوله: «مثلا اذا علم اجمالا بحرمة اناء زيد بين‏

____________

(1) البحار ج 2: ص 246. عن الكشي، ص 136.

(2) ورد في الكافي ج 1، ص 330 (... فما ادّيا اليك عني فعني يؤدّيان).

388

القول بأن قضية اعتبار الامارات هو كون المؤديات أحكاما شرعية فعلية، ضرورة أنها تكون كذلك بسبب حادث، و هو كونها مؤديات الامارات الشرعية (1).

____________

الإناءين و قامت البينة على ان هذا» الاناء المعيّن هو «إناؤه» فالبينة القائمة بهذا النحو صرف تنجز العلم الاجمالي الى خصوص الاناء الذي قامت البينة على انه اناء زيد و يجري الاصل النافي في الاناء الثاني «فلا ينبغي الشك في انه» أي لا ينبغي الشك في ان الحال في صرف تنجز العلم الاجمالي الى الاناء الخاص بواسطة قيام البينة «كما» هو الحال في صرف تنجز العلم الاجمالي بالانحلال بالعلم الحقيقي، و ذلك «كما اذا علم انه» أي كما اذا علم حقيقة ان هذا الاناء الخاص هو «اناؤه في عدم لزوم الاجتناب الا عن خصوصه» أي لا يلزم الاجتناب الا عن خصوص اناء زيد «دون» الاناء «الآخر» فاتضح أن حال البينة فيما قامت عليه حال العلم الحقيقي في صرف تنجز العلم الاجمالي في خصوص الطرف الذي قامت عليه.

(1) حاصله: ما اشرنا اليه من ان الانحلال باحتمال الانطباق- بناء على المختار من كون المجعول في الامارة هو نفس الحجية و الطريقية أي المنجزية و المعذرية- اولى من الانحلال باحتمال الانطباق فيما اذا قلنا بان المجعول في الامارة هو الحكم الطريقي، بل يمكن ان نقول انه بناء على جعل الحكم الطريقي لا يصح الانحلال و لو مع التكلف له، لان الحكم الطريقي المجعول بسبب الامارة، اما ان يكون حكما مماثلا للحكم الواقعي، و مع كونه حكما مماثلا له فهو حكم في قبال الحكم الواقعي، و لا يعقل انطباق المماثل على المماثل. و اما ان يكون المراد منه اعتبار كون هذا الحكم الطريقي هو الحكم الواقعي، فالفرق بين الحكم الطريقي الذي ادّت اليه الامارة و بين الحكم الواقعي هو الفرق بين الوجود الواقعي للشي‏ء و الوجود الاعتباري، و لا ريب في ان الوجود الاعتباري للشي‏ء غير وجوده الحقيقي، فلا يصح الانطباق ايضا.

389

.....

____________

و بعبارة اخرى: انه بناء على الحكم الطريقي الذي كانت الامارة سببا لجعله على طبق ما قامت عليه هو حكم حادث غير الحكم الواقعي و قد جاء بسبب قيام الامارة عليه، و لا يعقل انطباق حكم على حكم آخر لحدوثه و لازم حدوثه كونه غيره، و لا يعقل انطباق الشي‏ء على غير نفسه، و الى هذا اشار بقوله: «و لو لا ذلك» أي و لو لا القول بان المجعول هو نفس المنجزية و المعذرية لما صحّ الانحلال باحتمال الانطباق، لانه عليه تكون الامارة منجزة لنفس الحكم الواقعي لو اصابت و معذرة عنه لو أخطأت بخلافه بناء على ان المجعول هو الحكم الطريقي فانه لو كان هو المجعول «لما كان يجدي» في الانحلال، لان معنى ذلك هو «القول بان قضية اعتبار الامارات هو كون المؤديات احكاما شرعية فعلية» في قبال الاحكام الواقعية واقعا «ضرورة انها تكون كذلك» أي احكاما شرعية فعلية غير الاحكام الواقعية هو ان هذه الاحكام قد جعلت «بسبب حادث و هو كونها مؤديات الامارات الشرعية».

يمكن ان يقال: انه لا فرق في الانحلال بناء على جعل الحكم الطريقي المماثل، و اما ما ذكره من محاليّة الانطباق ... فجوابه ان القائل بالحكم الطريقي قائل بان الحكم الطريقي مجعول من اول الامر كالحكم الواقعي، و حيث انه كان مماثلا للحكم الواقعي فلا مانع من انشائه من اول الامر، لانه هو الذي تصل اليه الامارة، و ليس هو بمتأخر بل اعتباره متأخر، و الامارة كاشفة عنه و لسانها كذلك، فان قوله (عليه السّلام):

(ما حدثا عني فعني يحدثان) يدل على ذلك بوضوح، و على هذا فالعلم الاجمالي باحكام واقعية يلازمه العلم الاجمالي بجعل احكام مماثلة لها، و على هذا فالانطباق واضح.

و بعبارة اخرى: ان الحجّة على الحكم المماثل مجعول اعتبارها من اول الامر، و انما الظفر بها متأخر، لا ان الحكم الذي هو مؤداها يجعل بعد قيام الامارة عليه، و لذا كان قاعدة قبح العقاب بلا بيان جريانها قبل الفحص من باب عدم العذر في حال عدم الفحص عما هو الحجة المجعول، لا ان الجعل يكون بعد قيام الحجة، و إلّا

390

[الجواب الثاني عن العلم الاجمالي‏]

هذا إذا لم يعلم بثبوت التكاليف الواقعية في موارد الطرق المثبتة بمقدار المعلوم بالاجمال، و إلا فالانحلال إلى العلم بما في الموارد و انحصار أطرافه بموارد تلك الطرق بلا إشكال. كما لا يخفى (1).

____________

لكانت الحجة على الحكم قبل قيامها مقطوعة بعدم الحكم حينئذ، لا ان الحكم موجود و التقصير في الفحص غير معذر.

(1) هذا هو الجواب الثاني عن العلم الاجمالي، و حاصله: ان متعلق العلم الاجمالي ليس التكاليف بنحو الاطلاق بل المتعلق له هو التكاليف المنحصرة في موارد الطرق المثبتة للتكاليف.

و بعبارة اخرى: انه كما انه لنا علم بتكاليف واقعية لنا علم آخر بان تلك التكاليف ثابتة في موارد الطرق المثبتة للتكاليف، و لازم هذين العلمين هو كون العلم الاجمالي بالتكاليف الواقعية منحصرا في الطرق، فالعلم الاجمالي في المقام هو العلم الاجمالي المنحصر في موارد الطرق.

و لازم هذا العلم الاجمالي المقيد بانحصاره في موارد الطرق هو كون التكاليف الثابتة بالطرق هي بمقدار المعلوم بالاجمال، و اذا كان الامر كذلك فانحلال العلم الاجمالي الى العلم التفصيلي الذي تثبته الطرق و الشك البدوي في غير موارد الطرق من الواضحات، لوضوح انه اذا كان منحصرا كذلك فلا بد من انحصار اطرافه بها ايضا، و اذا كانت اطرافه منحصرة بالطرق فخروج غير موارد الطرق عن اطرافه بديهي، و الدليل على هذا الانحلال هو انه لو عزلنا الطرق المعتبرة لا يبقى لنا علم اجمالي بثبوت تكاليف واقعية مقطوعة الثبوت بنحو الاجمال في غيرها، بخلاف ما لو عزلنا من الطرق غير المعتبرة بمقدار المعلوم بالاجمال لا ينحل علمنا الاجمالي بالتكاليف الواقعية، و بالوجدان يبقى لنا علم اجمالي بتكاليف واقعيّة، و الى ما ذكرنا اشار بقوله: «هذا اذا لم يعلم ثبوت التكاليف الواقعيّة في» خصوص «موارد الطرق المثبتة» للتكاليف «بمقدار المعلوم بالاجمال و إلّا» أي و ان قلنا بان‏

391

[الاستدلال باصالة الحظر]

و ربما استدل بما قيل من استقلال العقل بالحظر في الافعال غير الضرورية قبل الشرع، و لا أقل من الوقف و عدم استقلاله، لا به و لا بالاباحة و لم يثبت شرعا إباحة ما اشتبه حرمته، فإن ما دل على الاباحة معارض بما دلّ على وجوب التوقف أو الاحتياط (1).

____________

العلم الاجمالي هو على هذا النحو من اول الامر «فالانحلال الى العلم» التفصيلي بالتكاليف «بما في» تلك «الموارد» و الشك البدوي في غيرها واضح «و» قد ظهر ايضا «انحصار اطرافه» أي اطراف هذا العلم الاجمالي «بموارد تلك الطرق» و هو واضح ايضا «بلا اشكال».

(1) هذا هو الدليل العقلي الثاني للاخباريين القائلين بالاحتياط أو التوقف في الشبهة التحريمية، و هو عبارة من مقدمتين:

الاولى: ان الاصل في عامة الافعال غير الضرورية الفعل للناس هو الحظر و المنع، أو لا اقل من التوقف فيها حتى بإذن فيها المالك الحقيقي كشرب التتن فانه غير ضروري للناس، بخلاف اصل اكل ما يقوم به أود الحياة و الشرب لما تتوقف عليه الحياة ايضا فان العقل لا يرى ان الاصل فيها هو الحظر و المنع او التوقف.

و توضيح هذه القاعدة ببيان امرين:

الاول: ان الموضوع فيها هو الافعال قبل ورود تكليف شرعي بها.

الثاني: هو ان من شأن العبد بالنسبة الى مولاه هو ان يكون صدوره و وروده منوطا بما يتلقاه عنه و يكون عن اذنه، فتصرف العبد في افعاله بما يشاء من دون صدور الاذن من مولاه خروج عن زي الرقية و رسم العبوديّة، و كل ما كان خروجا عن زي الرقية و رسم العبودية كان ظلما من العبد لمولاه، فهو قبيح و مذموم عليه، فاذا ثبت الذم عليه، فان قلنا بان كل ذم عند العقل يستلزم استحقاق العقاب كان لازم الارتكاب هو استحقاق العقاب، و ان قلنا بانه لا يستلزم كل ذم عنده استحقاق‏

392

.....

____________

العقاب عليه عند العقل فلا اقل من احتمال العقاب، و سيأتي انه لازم الاول لزوم الاحتياط، و لازم الثاني التوقف.

فاذا تمّ هذا الاصل للافعال قبل ورود الحكم فيها من الشارع يتمّ المطلوب بالمقدمة الثانية، و هي ان ما ورد من الشارع في الشبهة التحريمية مما يدل على الاباحة معارض بما ورد منه مما يدل على الاحتياط فيتعارضان و يتساقطان فيبقى الاصل العقلي الاولى المذكور بما لا مانع يمنع عنه شرعا، و لازم الاصل المذكور هو اما المنع و لزوم الاحتياط فيه، فيما اذا قلنا بملازمة الذم لاستحقاق العقاب، لبداهة انه لازم حكم العقل باستحقاق العقاب على فعل هو لزوم الترك له و وجوب الاحتياط فيه عقلا، و ان قلنا بعدم الملازمة فلا اقل من احتمال العقاب، و لا بد من التوقف فيه لانه مظنة للعقاب و لا يؤمن فيه.

و الى ما ذكرنا اشار بقوله: «و ربما استدل» على الاحتياط او التوقف عقلا في الشبهة التحريمية «بما قيل من استقلال العقل بالحظر» أي المنع «في الافعال غير الضرورة» كشرب التتن مثلا «قبل الشرع» أي ان العقل مستقل بالمنع عن الارتكاب في الافعال غير الضرورة بما هي فعل للشخص، لا بما هي محتملة للتكليف، فموضوع هذا الاصل هي الافعال قبل ورود الحكم فيها من الشارع، و قد عرفت الوجه في حكم العقل بالمنع و الحظر فيها، و ان ذلك مبنيّ على القول باستحقاق العقاب على كل ما فيه الذم، و انه ان لم نقل بلزوم المنع فلا محالة من كونه محتملا فلا بد من التوقف، و اليه اشار بقوله: «و لا اقل من الوقف» في الفعل المحتمل حرمته «و» ذلك لاجل «عدم استقلاله» أي العقل «لا به» أي بالمنع فيه «و لا بالاباحة» و بهذا كله اشار الى المقدمة الاولى، ثم اشار الى المقدمة الثانية بقوله: «و لم يثبت شرعا اباحة ما اشتبه حرمته» لاجل المعارضة «فان ما دلّ على الاباحة» شرعا «معارض بما دل» شرعا «على وجوب التوقف او الاحتياط» فيتساقطان و يكون المرجع هو الاصل الاولي في مشتبه الحرمة.

393

[الجواب عن الاستدلال باصالة الحظر]

و فيه أولا: إنه لا وجه للاستدلال بما هو محل الخلاف و الاشكال، و إلا لصح الاستدلال على البراءة بما قيل من كون تلك الافعال على الاباحة (1).

____________

(1) توضيح هذا الايراد الاول: انه لا نسلّم كون الاصل عند العقل في هذه الافعال قبل ورود الحكم فيها من الشارع هو المنع و الحظر و انه من الامور المسلّمة، بل هو محل الخلاف و الاشكال، و هناك من يقول بان الاصل في هذه الافعال هو الاباحة عقلا دون المنع و الحظر، و اذا كان الحكم العقلي في هذا الاصل هو من موارد الخلاف فلا يصح الاستدلال به، لان الاستدلال على القائلين بالاباحة في المشتبه لا بد و ان يكون بما هو المسلّم لا بما هو محل الخلاف، و لو صحّ الاستدلال بما هو محل الخلاف لصحّ الاستدلال من القائلين بالاباحة في المشتبه بالاباحة عقلا في الافعال قبل ورود حكم الشرع فيها، لوجود القائل بالاباحة فيه لو لم يكن القول به هو الاقوى كما سنشير اليه، و الى ما ذكرنا اشار بقوله: «و فيه اولا انه لا وجه للاستدلال بما هو محل الخلاف و الاشكال» و انما يصح بما هو المسلّم «و إلّا» أي و لو صحّ الاستدلال بما هو محل الخلاف «لصحّ الاستدلال» من القائلين بالبراءة «على البراءة بما قيل من كون» حكم العقل «في تلك الافعال» غير الضرورية هو «على الاباحة» دون الحظر.

و مزيدا للتوضيح في هذه المسألة نقول: ان العقل مستقل بالاباحة دون المنع في الافعال قبل ورود الحكم من الشرع، و ما يقال من ان شأن العبد ان يكون صدوره و وروده منوطا بما يتلقاه من مولاه انما هو في الموالي و العبيد العاديين دون العبيد بالنسبة الى مولى الموالى، لان المناط في الشأنية المدعاة لا وجه لها، الا دعوى كون التصرّف من العبد بدون اذن مولاه خروجا منه عن زي الرقية و رسم العبوديّة، و هذا انما يمكن ان يدعى فيما احتمل ان يكون في الفعل غرض للمولى، فيكون التصرف فيما احتمل غرض للمولى فيه من دون حكمه فيه من احتمال التصرّف في غرضه‏

394

و ثانيا: إنه تثبت الاباحة شرعا، لما عرفت من عدم صلاحية ما دل على التوقف أو الاحتياط، للمعارضة لما دلّ عليها (1).

و ثالثا: أنه لا يستلزم القول بالوقف في تلك المسألة، للقول بالاحتياط في هذه المسألة، لاحتمال أن يقال معه بالبراءة لقاعدة قبح العقاب بلا بيان (2)، و ما قيل من أن الاقدام على ما لا يؤمن المفسدة فيه كالاقدام‏

____________

بدون اذنه، اما مولى الموالى فمن الواضح انه عين الغنى و عدم الحاجة، فلا يعقل ان يكون له غرض عائد الى ذاته جلّ و علا عن ذلك في افعال العباد، فلا يكون التصرّف من العبد من احتمال التصرف في غرض المولى، و انما اوامره و نواهيه تابعة لمصالح اما نوعية او شخصية عائدة الى عباده دون ذاته تعالى شانه، و لما كان من اللطف ايصال العباد الى ما فيه مصالحهم، فلا بد ان يكون عدم وصول ذلك اليهم لمانع يمنع عن فعلية هذا الاقتضاء من اللطف، فالعقل يحكم بان الافعال قبل ورود الحكم فيها من الشارع لا تأثير للمصالح و لا المفاسد فيها على نحو اللزوم، فالافعال مباحة حقيقة عقلا لعدم تأثير ما فيه الاقتضاء للحكم فيها، و مع كونها كذلك عند العقل فلا يكون التصرّف من العبد خروجا عن زي الرقية و لا رسم العبوديّة.

(1) حاصل هذا الجواب الثاني: هو منع المقدمة الثانية و ان دليل الاباحة الشرعية غير ساقط بالمعارضة بأدلة الاحتياط، لما عرفت من عدم تمامية دلالتها على لزوم الاحتياط و لا على لزوم التوقف، فلو فرضنا ان الاصل العقلي الاولى هو ما ذكر من لزوم الاحتياط او التوقف قبل ورود الحكم من الشارع، و لكن بعد ورود الاذن و الترخيص من الشارع يسقط تأثير هذا الاصل من أصله، و عبارة المتن واضحة، و الضمير في قوله: «لما دل عليها» راجع الى الاباحة شرعا.

(2) حاصل هذا الجواب الثالث هو: انه لا وجه للاستدلال على لزوم الاحتياط أو التوقف في المقام بلزوم الاحتياط او التوقف في مسألة الحظر فانهما مسألتان في موضوعين مختلفين، فان الموضوع في مسألة الحظر هو الافعال بفرض عدم ورود

395

.....

____________

التكليف فيها من الشارع، ففرض عدم التكليف مأخوذ في موضوع مسألة الحظر، و الموضوع في مسألتنا هذه هو فعل المكلف بما هو محتمل التكليف، فاحتمال التكليف ماخوذ في موضوع هذه، فلو قلنا بان الاصل في الفعل المفروض فيه عدم التكليف هو الحظر فلا ملازمة بينه و بين القول بالاحتياط في الفعل المفروض فيه احتمال التكليف، و لذا يمكن ان نقول بالحظر في تلك المسألة و بالبراءة في هذه المسألة.

و بعبارة اخرى: انه لا مانع من ان نقول بحكم العقل بالحظر على العبد في الفعل الذي لم يصدر فيه حكم من مولاه، و بالبراءة في الفعل الذي احتمل صدور حكم الحرمة فيه من المولى لقاعدة قبح العقاب بلا بيان.

و الوجه في ذلك ان مناط الحظر في تلك المسألة هو ان العبد لا ينبغي ان يصدر و يرد في فعل الّا بما يتلقاه من حكم مولاه في ذلك الفعل، و مناط البراءة في هذه المسألة هو ان المصلحة او المفسدة الملزمة الصادر على طبقها تكليف يقبح العقاب على ذلك التكليف ما لم يصل، و على هذا فلا مانع من القول بالحظر في تلك المسألة و بالبراءة في هذه المسألة.

هذا مضافا الى اختلاف الاثر في المسألتين، فان الاثر في المسألة الاولى هو استحقاق العقاب على الاقدام على الفعل الذي لم يصدر فيه حكم من الشارع غير منوط بالمصادفة و عدم المصادفة، لوضوح انه مع كون الموضوع فيه هو الفعل بفرض عدم التكليف فلا معنى لان يناط العقاب بالمصادفة و عدمها، حيث لا تكليف حتى تكون له مصادفة او لا مصادفة، بل استحقاق العقاب فيه على نفس الاقدام، فهو موجود على كلّ حال، بخلاف الاثر في هذه المسألة فان الاحتياط- بناء عليه- يكون العقاب فيه منوطا بمصادفة الواقع و عدمه.

و قد اشار الى ما ذكرناه من اختلاف الموضوع في المسألتين بقوله: «و ثالثا انه لا يستلزم القول بالوقف» او الاحتياط «في تلك المسألة» أي مسألة الحظر «للقول بالاحتياط» او الوقف «في هذه المسألة» أي مسالة الشبهة لاحتمال التكليف و هي‏

396

[الاستدلال بقبح الاقدام على ما لا يؤمن مفسدته‏]

على ما يعلم فيه المفسدة ممنوع (1)، و لو قيل بوجوب دفع الضرر المحتمل، فإن المفسدة المحتملة في المشتبه ليس بضرر غالبا، ضرورة أن المصالح‏

____________

الشبهة التحريمية او الوجوبية، و الوجه في عدم الاستلزام و انه لا ملازمة بين المسألتين هو اختلاف الموضوع فيهما، فيمكن ان يقال في تلك المسألة بالحظر و بالبراءة في هذه المسألة، و اليه اشار بقوله: «لاحتمال ان يقال معه بالبراءة لقاعدة قبح العقاب بلا بيان» كما مرّ بيانه.

(1) لا يخفى انه قد مرّ الاستدلال بهذه القاعدة المدعاة من استقلال العقل بقبح الاقدام على نفس ما لا يؤمن مفسدته في الشبهة البدوية المحتملة للتكليف، و قد مرّ فيها ان المفسدة المحتملة التي يدعى قبح الاقدام عليها هي مرددة بين العقوبة الاخروية على التكليف المحتمل و بين المفسدة الدنيوية.

و اما الاستدلال بها على مسألة الحظر فلا بد من ان يكون المراد بالمفسدة فيها هي المفسدة الدنيوية دون العقاب الاخروي على التكليف المحتمل، لما عرفت من ان المفروض في موضوع مسألة الحظر هو عدم التكليف، و مع فرض عدمه لا معنى لاحتمال العقوبة عليه، و قد عرفت مما مرّ في مسألة الشبهة البدوية انه اذا اريد من المفسدة هي المفسدة الدنيوية فانها ممنوعة صغرى و كبرى.

اما الكبرى: فلمنع دعوى استقلال العقل بقبح الاقدام من العقلاء على ما لا يؤمن مفسدته لاقدامهم عملا بما هم عقلاء على مقطوع المفسدة فضلا عن محتملها فيما اذا تعلق لهم غرض اهم من المفسدة.

و اما صغرى فلان مفاسد التكليف نوعية غالبا، و المفسدة التي يصح الاقدام عليها- لو سلّم- هي المفسدة الشخصيّة، و احتمال كونها شخصية بعد ان كانت جلّ المصالح و المفاسد نوعية ضعيف احتماله جدا، و لا اعتناء للعقلاء بالاحتمالات الضعيفة في مقام عملهم و هي عندهم بحكم العدم، فلا احتمال للمفسدة معتنى به‏

397

و المفاسد التي هي مناطات الاحكام ليست براجعة إلى المنافع و المضار، بل ربما يكون المصلحة فيما فيه الضرر، و المفسدة فيما فيه المنفعة، و احتمال أن يكون في المشتبه ضرر ضعيف غالبا لا يعتنى به قطعا، مع أن الضرر ليس دائما مما يجب التحرز عنه عقلا، بل يجب ارتكابه أحيانا فيما كان المترتب عليه أهم في نظره مما في الاحتراز عن ضرره، مع القطع به فضلا عن احتماله (1).

____________

حتى يكون الاقدام عليه من مصاديق هذه القاعدة، و لذا اشار (قدس سره) الى منع هذه القاعدة بقوله: «ممنوع».

(1) لا يخفى انه اذا اريد الاستدلال بقاعدة وجوب دفع الضرر المحتمل في مسألة الحظر لا بد و ان يراد ايضا من احتمال الضرر هو المفسدة الدنيوية، بخلاف الاستدلال بها في الشبهة البدوية المحتملة للتكليف، فانه قد مرّ ان احتمال الضرر مردد فيها بين الضرر الاخروي و الضرر الدنيوي كما تقدّم بيانه، لما عرفت من عدم معقولية ان يراد منها المضرة الاخروية و هي العقاب على احتمال التكليف لفرض عدم التكليف هنا، و قد عرفت ايضا ان احتمال المفسدة الدنيوية ضعيف غير معتنى به، و ما كان غير معتنى به عندهم لا يعقل ان يحكموا بوجوب دفعه، و اليه اشار بقوله: «فان المفسدة المحتملة في المشتبه ليس بضرر غالبا»، لان المراد من الضرر هو الضرر الشخصي، و من المعلوم «ضرورة ان المصالح و المفاسد التي هي مناطات الاحكام ليست براجعة الى المنافع و المضار» الشخصية «بل ربما يكون المصلحة فيها الضرر» الشخصي كمصلحة الزكاة «و المفسدة» النوعية «فيما فيه المنفعة» الشخصية كالربا «و احتمال ان يكون في المشتبه ضرر» شخصي «ضعيف غالبا لا يعتنى به قطعا» و ما لا يعتنى به لا يجب دفعه.

و لا يخفى ان هذا راجع الى منع الصغرى و هي ان الشبهة ليست من مصاديق قاعدة وجوب دفع الضرر المحتمل.

398

.....

____________

ثم اشار الى منع الكبرى ايضا و انه لا استقلال للعقل بوجوب دفع الضرر المحتمل، لعمل العقلاء بما هم عقلاء على ارتكاب الضرر المعلوم فضلا عن المحتمل اذا كان لهم غرض في ارتكابه اهم عندهم من الضرر بقوله: «مع ان الضرر ليس دائما مما يجب التحرّز عنه عقلا ... الى آخر العبارة».

399

الفهرس‏

400

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}