حياة الحيوان الكبري - ج1

- الدميري المزيد...
520 /
453

الرياشي: رأيت أحمد بن المعذل في الموقف في يوم شديد الحر، و قد ضحى للشمس، فقلت له:

يا أبا الفضل إن هذا أمر قد اختلف فيه فلو أخذت بالتوسعة فأنشأ يقول:

ضحيت له كي استظل بظله # إذا الظل أضحى في القيامة قالصا

فوا أسفا إن كان سعيك باطلا # و يا حسرتا إن كان حجك ناقصا

و أحمد بن المعذل هذا بصري مالكي المذهب، يعد من زهاد البصرة و علمائها و أخوه عبد الصمد بن المعذل شاعر ماهر.

الداجن:

الشاة التي يعلفها الناس في منازلهم، و كذلك الناقة و الحمام البيوتي. و الأنثى داجنة، و الجمع دواجن. و قال أهل اللغة: دواجن البيوت ما ألفها من الطير و الشاة و غيرهما. و قد دجن في بيته إذا لزمه قال ابن السكيت: شاة داجن و راجن، إذا ألفت البيوت و استأنست. قال:

و من العرب من يقولها بالهاء. و كذلك غير الشاة ككلاب الصيد، و قد أنشد عليه الجوهري بيتا للبيد رضي اللّه تعالى عنه. قال: و أبو دجانة كنية سماك بن خرشة، و سيأتي إن شاء اللّه تعالى ذكره في القنفذ. و في صحيح مسلم عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما، أن ميمونة اخبرته أن داجنة كانت لبعض نساء النبي صلى اللّه عليه و سلم فماتت، فقال‏ (1) رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: «أ لا أخذتم إهابها فاستمتعتم به» . و فيه و في السنن الأربعة، عن عائشة رضي اللّه عنها قالت: «لقد نزلت آية الرجم و رضاعة الكبير عشرا، و لقد كانت في صحيفة تحت سريري، فلما مات رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم و تشاغلنا بموته، دخل داجن فأكلها» . و في‏ (2) حديثها أيضا: «كانت عندنا داجن فإذا كان رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، عندنا قم و ثبت و إذا خرج صلى اللّه عليه و سلم جاء و ذهب» . و في الحديث «لعن اللّه من مثل بدواجنه‏ (3) » . و عن عمران بن حصين رضي اللّه تعالى عنه قال: كانت العضباء داجنا لا تمنع من حوض و لا بيت، و هي ناقة رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم. و في حديث الإفك فتدخل الداجن فتأكل من عجينها.

تتمة:

دجين بن ثابت أبو اليربوعي البصري، روى عن أسلم مولى عمرو بن هشام بن عروة بن الزبير، قال ابن معين: حديثه ليس بشي‏ء. و قال أبو حاتم و أبو زرعة: ضعيف. و قال النسائي: ليس بثقة. و قال الدارقطني و غيره: ليس بالقوي. و قال ابن عدي: روي لنا عن ابن معين إنه قال: دجين هو جحا. و قال البخاري: دجين بن ثابت هو أبو الغصن سمع مسلمة و ابن مبارك، و روى عنه وكيع. قال عبد الرحمن بن مهدي قال لنا مرة دجين: و هو جحا، حدثني مولى لعمر بن عبد العزيز فقلنا له إن مولى لعمر بن عبد العزيز لم يدرك النبي صلى اللّه عليه و سلم، فقال: إنما هو أسلم مولى عمر بن الخطاب رضي اللّه تعالى عنه. قال: قلنا لعمر ما بالك لا تحدثنا عن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم؟فقال: إنما أخشى أن أزيد أو أنقص، و إني قد سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم يقول‏ (4) : «من

____________

(1) رواه مسلم في الحيض: 103. و ابن حنبل: 5/417.

(2) رواه ابن ماجة في النكاح: 36.

(3) رواه البخاري في الذبائح: 25. و النسائي في الضحايا: 41. و الدارمي أضاحي: 13.

(4) رواه البخاري علم: 38. جنائز: 33. و رواه مسلم زهد: 72. و أبو داود علم: 4. و الترمذي فتن: 70.

و ابن ماجة مقدمة: 4. و الدارمي مقدمة: 25. و أحمد: 2/47.

454

كذب علي متعمدا فليتبوّأ مقعده من النار» . و قال حمزة و الميداني في الأمثال: جحا رجل من فزارة، كنيته أبو الغصن و هو من أحمق الناس. فمن حمقه، أن موسى بن عيسى الهاشمي مر به يوما و هو يحفر بظهر الكوفة موضعا، فقال له: ما بالك يا أبا الغصن لأي شي‏ء تحفر؟فقال: إني دفنت في هذه الصحراء دراهم و لست أهتدي إلى مكانها. فقال له موسى: كان ينبغي أن تجعل عليها علامة، قال: لقد فعلت، قال: ما ذا؟قال: سحابة في السماء كانت تظلها، و لست أدري موضع العلامة الآن. و من حمقه أيضا أنه خرج يوما بغلس، فعثر في دهليز منزله بقتيل، فالقاه في بئر هناك، فعلم به أبوه فأخرجه و دفنه، ثم خنق كبشا و القاه في البئر، ثم إن أهل القتيل طافوا في سكك الكوفة يبحثون عنه، فتلقاهم جحا و قال: في دارنا رجل مقتول فانظروا لعله صاحبكم، فغدوا إلى منزله، فأنزلوه في البئر، فلما رأى الكبش، ناداهم هل كان لصاحبكم قرون؟ فضحكوا منه و انصرفوا. و من حمقه أيضا أن أبا مسلم الخراساني، صاحب الدعوة، لما ورد الكوفة، قال لمن حوله: أيكم يعرف جحا فيدعوه إلي؟فقال يقطين: أنا. فخرج و دعاه، فلما دخل لم يجد في المجلس غير أبي مسلم و يقطين، فقال جحا: يا يقطين أيكما أبو مسلم؟!و جحا اسم لا ينصرف لأنه معدول من جاح مثل عمر من عامر يقال جحا يجحو جحوا إذا رمى.

الدارم:

القنفذ. قاله ابن سيده و سيأتي إن شاء اللّه تعالى في باب القاف.

الدبى:

بفتح الدال المهملة و تخفيف الباء الموحدة الجراد قبل أن يطير. الواحدة دباة قال الراجز:

كأن خوف قرطها المعقوب # على دباة أو على يعسوب‏

و أرض مدبية أي كثيرة الدبى، و قالوا في أمثالهم‏ (1) : «أكثر من الدبى» . و في حديث عائشة رضي اللّه تعالى عنها قالت: يا رسول اللّه كيف الناس بعد ذلك؟قال‏ (2) صلى اللّه عليه و سلم: «دبى يأكل شداده ضعفاءه حتى تقوم الساعة» . و قد تقدم الكلام على عموم الجراد.

الدب:

من السباع معروف، و الأنثى دبة و كنيته أبو جهينة و أبو الجلاح و أبو سلمة و أبو حميد و أبو قتادة و أبو اللماس: و أرض مدبة أي ذات أدباب. و الدب يحب العزلة فإذا جاء الشتاء دخل و جاره الذي اتخذه في الغيران، و لا يخرج حتى يطيب الهواء، و إذا جاع يمتص يده و رجليه فيندفع عنه بذلك الجوع. و يخرج في الربيع كأسمن ما يكون. و هو مختلف الطباع، لأنه يأكل ما تأكله السباع، و ما ترعاه البهائم، و ما يأكله الناس و من طبعه أنه إذا كان أوان السفاد، خلا كل ذكر بأنثاه، و الذكر يسافد أنثاه مضطجعة على الأرض، و تضع الأنثى جروها قطعة لحم غير مميز الجوارح، فتهرب به من موضع إلى موضع، خوفا عليه من النمل، كما تقدم في جهير، و هي مع ذلك تلحسه حتى تتميز أعضاؤه و يتنفس. و في ولادتها صعوبة و ربما أشرفت على التلف حالة الوضع، و زعم بعضهم أنها تلد من فيها، و إنما تلده ناقص الخلق تشوقا للذكر و حرصا على السفاد، و لشدة شهوتها تدعو الآدمي إلى وطئها. و من شأن هذا الجنس أن يسمن في الشتاء و تقل

____________

(1) جمهرة الأمثال: 2/147.

(2) رواه ابن حنبل: 6/81-90.

455

فيه حركته و تضع الإناث حينئذ. و إذا جثم في مكان لا يتحرك منه إلى أن يمضي عليه أربعة عشر يوما، و بعد ذلك يتدرج في الحركة. و الأنثى إذا انهزمت دفعت جراءها بين يديها، فإذا اشتد خوفها عليها صعدت بها الأشجار. و في طبعه فطنة عجيبة لقبول التأديب، لكنه لا يطيع معلمه إلا بعنف و ضرب شديد.

و حكمه:

تحريم الأكل لأنه سبع يتقوى بنابه. و قال الإمام أحمد: إن لم يكن له ناب فلا بأس به، لأن الأصل الإباحة، و لم يتحقق وجود المحرم.

فائدة:

قال الإمام أبو الفرج بن الجوزي في آخر الأذكياء (1) : هرب رجل من أسد، فوقع في بئر، فوقع الأسد خلفه، فإذا في البئر دب، فقال له الأسد: منذ كم لك هاهنا؟قال: منذ أيام، و قد قتلني الجوع. فقال: له الأسد: أنا و أنت نأكل هذا الإنسان و قد شبعنا، فقال له الدب فإذا عاودنا الجوع ما نصنع؟و إنما الرأي أن نحلف له، أنا لا نؤذيه ليحتال في خلاصنا و خلاصه، فإنه على الحيلة أقدر منا فحلفا له فتشبث حتى وجد نقبا فوصل إليه، ثم إلى الفضاء فتخلص و خلصهما. و معنى هذا أن العاقل لا يترك الحزم في كل أموره، و لا يتبع شهوته لا سيما إذا علم أن فيها هلاكه بل ينظر في عاقبة أمره و يأخذ بالحزم في ذلك. و حكى القزويني في عجائب المخلوقات أن أسدا قصد إنسانا فهرب و التجأ إلى شجرة، فإذا على بعض أغصانها دب يقطف ثمرتها، فلما رأى الأسد أنه فوق الشجرة، جاء و افترش تحتها ينتظر نزول الإنسان. قال: فنظرت إلى الدب، فإذا هو يشير بإصبعه إلى فيه، أن اسكت لئلا يعرف الأسد أني هنا. قال: فبقيت متحيرا بين الأسد و الدب، و كان معي سكين صغير فأخرجته و قطعت بعض الغصن الذي عليه الدب حتى إذا لم يبق منه إلا اليسير سقط الدب بسبب ثقله فوثب الأسد عليه و تصارعا زمانا ثم غلبه الأسد فافترسه و رجع عني.

الأمثال:

تقدم أنهم قالوا: «أحمق من جهبر» . و هي أنثى الدب. و أما قولهم‏ (2) : «ألوط من دب» . فهو رجل من العرب كان يتجاهر بعمل ذلك. و أما قولهم‏ (3) : «ألوط من ثفر» ، فإنما قالوه لأن الثفر لا يفارق دبر الدابة، و قولهم‏ (4) : «ألوط من راهب» . هذا من قول الشاعر:

و ألوط من راهب يدّعي # بأن النساء عليه حرام‏

الخواص:

نابه يلقى في لبن المرضعة و يسقاه الصبي تنبت أسنانه بسهولة. و شحمه يزيل البرص طلاء، و إذا شدت عينه اليمنى في خرقة، و علقت على عضد إنسان لم يخف السباع، و إن علقت على من به الحمى الدائمة ابرأته، و مرارته إذا اكتحل بها مع العسل و ماء الرازيانج اذهبت ظلمة البصر، و إذا طلي بذلك موضع داء الثعلب، أنبت الشعر فيه، و إذا شرب من مرارته وزن دانقين بعسل و ماء حار، نفع الرئة و البواسير و طرد الرياح. و إذا ربطت مرارته على فخذ الرجل اليمنى جامع ما شاء و لا يضره، و دمه إذا

____________

(1) الأذكياء: 243.

(2) جمهرة الأمثال: 2/183.

(3) جمهرة الأمثال: 2/183.

(4) جمهرة الأمثال: 2/183.

456

اكتحل به منع طلوع الشعر في اجفان العين. و إن اكتحل به بعد نتفه لم ينبت، و إذا دلك الولد بشحمه، كان له حرزا من كل سوء، و إذا جشي بشحمه موضع الناسور نفعه، و إذا طلي بشحمه كلب جن. و قطعة من جلده إذا علقت على الصبي الذي ساء خلقه يزول عنه ذلك، و عينه اليمنى إذا جففت و علقت على الطفل لم يفزع في نومه.

التعبير:

الدب في المنام يدل على الشر و النكد و الفتنة، و ربما دلت رؤيته على المكر و الخديعة، و على المرأة الثقيلة البدن الموحشة المنظر، ذات اللهو و اللعب و الطرب، و ربما دلت رؤيته على الأسر و السجن و ربما دلت رؤيته على عدو أحمق، لص محتال مخنث، فمن رأى أنه ركب دبا نال ولاية دنيئة، إن كان لها أهلا، و إلا ناله هم و خوف ثم ينجو و ربما دل على سفر ثم يرجع إلى مكانه و اللّه تعالى أعلم.

الدبدب:

حمار الوحش قاله في العباب. و قد تقدم الكلام عليه في باب الحاء المهملة.

الدبر:

بفتح الدال جماعة النحل. و قال السهيلي الدبر الزنابير، و أما الدبر بكسر الدال فصغار الجراد. قال الأصمعي لا واحد له من لفظه، و يقال إن واحده خشرمة، و يجمع الدبر على دبور قال الهذلي في وصف عسال:

إذا لسعته الدبر لم يرج لسعها.

أي لم يخف لسعها به فسر قوله‏ (1) تعالى: فَمَنْ كََانَ يَرْجُوا لِقََاءَ رَبِّهِ و قوله‏ (2)

تعالى: مَنْ كََانَ يَرْجُوا لِقََاءَ اَللََّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اَللََّهِ لَآتٍ أي من كان يخاف لقاءه. قال النحاس: أجمع أهل التفسير على أن الرجاء في الآيتين بمعنى الخوف. و يقال أيضا للزنابير دبر، كما قاله السهيلي. و منه قيل لعاصم بن ثابت الأنصاري رضي اللّه تعالى عنه: حمى الدبر، و ذلك أن المشركين لما قتلوه أرادوا أن يمثلوا به، فحماه اللّه تعالى بالدبر فارتدعوا عنه، حتى أخذه المسلمون فدفنوه. و كان رضي اللّه تعالى عنه، قد عاهد اللّه تعالى أن لا يمس مشركا و لا يمسه مشرك، فحماه اللّه تعالى منهم بعد وفاته. و في أوائل تاريخ نيسابور للحاكم عن ثمامة بن عبد اللّه عن أنس بن مالك رضي اللّه عنه، و هو ممن روى له الجماعة أنه قال: خرجنا مرة من خراسان و معنا رجل يشتم أو ينال من أبي بكر و عمر رضي اللّه تعالى عنهما فنهيناه فأبى، فحضر غداؤنا ذات يوم ثم مضى إلى حاجته فأبطأ علينا فبعثنا في طلبه فرجع إلينا الرسول و قال: أدركوا صاحبكم، فذهبنا إليه فإذا هو قد قعد على حجر يقضي حاجته فخرج عليه عنق من الدبر، فنثرت مفاصله مفصلا مفصلا. قال: فجمعنا عظامه، و إنها لتقع علينا فما تؤذينا، و هي تبري مفاصله. و جاء في الحديث: «لتسلكن سنن من قبلكم ذراعا بذراع، حتى لو سلكوا

____________

(1) سورة الكهف: الآية 11.

(2) سورة العنكبوت: الآية 5.

457

خشرم دبر لسلكتموه» (1) و الخشرم مأوى النحل. و في الفائق أن سكينة بنت الحسين رضي اللّه تعالى عنهما، جاءت إلى أمها الرباب و هي صغيرة تبكي، فقالت: ما بك؟قالت: مرت بي دبيرة، فلسعتني بأبيرة أرادت تصغير دبرة و هي النحلة سميت بذلك لتدبيرها في عمل العسل.

الدبسي:

بفتح الدال المهملة و كسر السين المهملة، و يقال له أيضا الدبسي، بضم الدال طائر صغير منسوب إلى دبس الرطب لأنهم يغيرون في النسب كالدهري و السهلي و الفامي بائع الفوم، و القياس فومي. و الأدبس من الطير و الخيل، الذي في لونه غبرة بين السواد و الحمرة. و هذا النوع قسم من الحمام البري و هو أصناف مصري و حجازي و عراقي، و هي متقاربة لكن أفخرها المصري. و لونه الدكنة و قيل: هو ذكر اليمام. قال الجاحظ: قال صاحب منطق الطير: يقال في الحمام الوحشي من القماري و الفواخت، و ما أشبه ذلك: دباسي و يقال: هدل يهدل هديلا، إذا صاح فإذا طرب قيل: غرد يغرد تغريدا و التغريد يكون أيضا للإنسان، و أصله من الطير، و بعضهم يزعم أن الهديل من أسماء الحمامة الذكر قال الراجز (2) :

كهداهد كسر الرماة جناحه # يدعو بقارعة الطريق هديلا

و سيأتي إن شاء اللّه تعالى ذكر الهديل في باب الهاء. روى الإمام أحمد و الطبراني و رجال المسند رجال الصحيح عن يحيى بن عمارة عن جده حنش، قال: دخلت الأسواق، فأخذت دبسيتين و أمهما ترفرف عليهما، و أنا أريد أن أذبحهما قال: فدخل علي أبو حنش فأخذ متيخة فضربني بها و قال: أ لم تعلم أن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم حرم ما بين لابتي المدينة. المتيخة أصل جريد النخل و أصل العرجون و الأسواف، سيأتي إن شاء اللّه تعالى ذكره في النهاس أيضا في باب النون. و في الموطأ عن عبد اللّه بن أبي بكر أن أبا طلحة الأنصاري رضي اللّه تعالى عنه كان يصلي في حائط له، فطار دبسي فأعجبه، و هو طائر في الشجر يلتمس مخرجا، فأتبعه بصره ساعة و هو في صلاته، فلم يدركم صلى فذكر للنبي صلى اللّه عليه و سلم ما أصابه من الفتنة. ثم قال: يا رسول اللّه هو صدقة فضعه حيث شئت، قال مالك: و عن عبد اللّه بن أبي بكر أن رجلا من الأنصار، كان يصلي في حائط له بالقف في زمن التمر و النخل، قد ذللت فهي مطوقة بثمرها فنظر إليها فأعجبه ما رأى من ثمرها، ثم رجع إلى صلاته فإذا هو لا يدري كم صلى. فقال لقد أصابتني في مالي هذا فتنة. فجاء عثمان بن عفان رضي اللّه تعالى عنه، و هو يومئذ خليفة فذكر له ذلك و قال: هو صدقة فاجعله في سبيل الخير فباعه عثمان بن عفان رضي اللّه تعالى عنه بخمسين ألفا فسمى ذلك الحائط الخمسون و القف واد من أودية المدينة. و كان ابن عمر رضي اللّه تعالى عنهما لا يعجبه شي‏ء من ماله إلا خرج عنه للّه تعالى، و كان رقيقه يعرفون منه ذلك فربما لزم أحدهم المسجد، فإذا رآه ابن عمر رضي اللّه تعالى عنهما، على تلك الحالة الحسنة عتقه، فيقول له أصحابه: إنهم يخدعونك فيقول: من خدعنا باللّه تعالى، انخدعنا له. و طلب منه خادم بثلاثين ألفا، فقال: أخاف أن تفتني دراهم ابن عامر، و كان

____________

(1) رواه البخاري أنبياء: 50. و فيه: حتى لو سلكوا جحر ضب لسلكتموه.

(2) هو الراعي النميري، و البيت في الحيوان للجاحظ: 3/243.

458

هو الطالب له، فقال للخادم اذهب فأنت حر للّه تعالى. و لذلك قال أبو سعيد الخدري رضي اللّه تعالى عنه: ما منا أحد إلا و قد مالت به الدنيا، الا ابن عمر رضي اللّه تعالى عنهما، و لم يمت إلى أن أعتق ألف نسمة أو أكثر من ذلك. و مناقبه و فضائله رضي اللّه تعالى عنه لا تحصى قال حجة الإسلام الغزالي: و كانوا يفعلون ذلك قطعا لمادة الفكرة، و كفارة لما جرى من نقصان الصلاة و هذا هو الدواء القاطع لمادة العلة و لا يغني غيره.

و من طبع الدبسي إنه لا يرى ساقطا على وجه الأرض بل في الشتاء له مشتى و في الصيف له مصيف و لا يعرف له وكره .

و حكمه:

الحل بالاتفاق. و في سنن البيهقي عن ابن أبي ليلى، عن عطاء عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما، أنه قال في الخضري: و الدبسي و القمري و القطا و الحجل إذا قتله المحرم شاة شاة.

الخواص:

قال صاحب المنهاج في الطب: إنه أفضل الطير البري، و بعده الشحرور و السماني، ثم الحجل و الدراج، و فراخ الحمام و الورشان و هو حار يابس.

و الدباساء ممدودا الأنثى من الجراد. و هو في المنام كالسماني و سيأتي إن شاء اللّه تعالى الكلام عليهما في باب السين المهملة فلينظر هناك.

الدجاج:

مثلث الدال حكاه ابن معن الدمشقي و ابن مالك و غيرهما، الواحدة دجاجة الذكر و الأنثى فيه سواء و الهاء فيه كبطة و حمامة، و قال ابن سيده: سميت الدجاجة دجاجة لإقبالها و ادبارها يقال: دج القوم يدجون دجيجا إذا مشوا مشيا رويدا في تقارب خطو. و قيل هو أن يقبلوا و يدبروا. و قال الأصمعي: الدجاجة بالفتح الواحدة من الدجاج، و بالكسر الكبة من الغزل.

و قال غيره: الكبة من الغزل دجاجة بفتح الدال أيضا. قاله الإمام ابن بيدار في شرح الفصيح.

و كنية الدجاجة أم الوليد و أم حفصة و أم جعفر و أم عقبة و أم إحدى و عشرين و أم قوب و أم نافع.

و إذا هرمت الدجاجة لم يكن لبيضها مح، و إذا كانت كذلك لم يخلق منها فرخ، و من عجيب أمرها أنه يمر بها سائر السباع فلا تخشاها فإذا مر بها ابن آوى و هي على سطح أو جدار أو شجرة رمت بنفسها إليه. و توصف الدجاجة بقلة النوم، و سرعة الانتباه. يقال إن نومها و استيقاظها إنما هو بمقدار خروج النفس و رجوعه، و يقال إنها تفعل ذلك من شدة الجبن، و أكثر ما عندها من الحيلة أنها لا تنام على الأرض، بل ترتفع على رف أو على جذع، أو جدار أو ما قارب ذلك، و إذا غربت الشمس فزعت إلى تلك العادة و بادرت إليها. و الفرخ يخرج من البيضة كاسيا كاسيا، ظريفا مقبولا، سريع الحركة يدعى فيجيب، ثم هو كلما مرت عليه الأيام، حمق و نقص حسنه و كيسه و زاد قبحه، فلا يزال كذلك حتى ينسلخ من جميع ما كان فيه إلى أن يصير إلى حالة لا يصلح فيها إلا للذبح أو الصياح أو البيض. و الدجاج مشترك الطبيعة يأكل اللحم و الذباب، و ذلك من طباع الجوارح، و يأكل الخبز و يلتقط الحب، و ذلك من طباع البهائم و الطير. و يعرف الديك من الدجاجة و هو في البيضة و ذلك أن البيضة إذا كانت مستطيلة محدودة الأطراف فهي مخرج الإناث، و إذا كانت مستديرة عريضة الأطراف، فهي مخرج الذكور. و الفرخ يخرج من البيضة تارة بالحضن‏

459

و تارة بأن يدفن في الزبل و نحوه. و من الدجاج ما يبيض مرتين في اليوم، و الدجاجة تبيض في جميع السنة، إلا في شهرين منها شتويين، و يتم خلق البيض في عشرة أيام، و تكون البيضة عند خروجها لينة القشر، فإذا أصابها الهواء يبست، و هي تشتمل على بياض و صفرة، بينهما قشر رقيق، يسمى قميصا، و يعلوه قشر صلب. فالبياض رطوبة مختلطة لزجة متشابهة الأجزاء، و هي بمنزلة المني. و الصفرة رطوبة سلسة ناعمة أشبه شي‏ء بدم قد جمد، و هي للفرخ مادة يغتذي بها من سرته.

و الذي يتكون من الرطوبة البيضاء عين الفرخ ثم دماغه ثم رأسه ثم ينحاز البياض في لفافة واحدة هي جلدة الفرخ، و تنحاز الصفرة في غشاء واحد هي سرته، فيتغذى منها كتغذي الجنين من سرته من دم الحيض، و ربما وجد في البيضة الواحدة محان أصفران، فإذا حضنت هذه البيضة خرج منها فرخان، و قد شوهد ذلك. و أغذى البيض و ألطفه ذوات الصفرة، و أقله غذاء ما كان من دجاج لا ديك لها، و هذا النوع من البيض، لا يتولد منه حيوان، و لا مما يباض في نقصان القمر على الأكثر، لأن البيض من الاستهلال إلى الابدار يمتلئ و يرطب، فيصلح للكون و بالضد من الابدار إلى المحاق. و يعرف الفرخ الذكر من الأنثى، بعد عشرة أيام، بأن يعلق بمنقاره، فإن تحرك فذكر، و إن سكن فأنثى. و قد وصف الشعراء البيضة بأوصاف مختلفة منها قول أبي الفرج الأصبهاني من أبيات:

فيها بدائع صنعة و لطائف # ألفن بالتقدير و التعليق

خلطان مائيان ما اختلطا على # شكل و مختلف المزاج رقيق‏

روى ابن ماجة (1) من حديث أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه أن النبي صلى اللّه عليه و سلم «أمر الأغنياء باتخاذ الغنم، و أمر الفقراء باتخاذ الدجاج» . و قال: «عند اتخاذ الأغنياء الدجاج يأذن اللّه تعالى بهلاك القرى» . و في اسناده علي بن عروة الدمشقي، قال ابن حبان: كان يضع الحديث. قال عبد اللطيف البغدادي: إنما أمر الأغنياء باتخاذ الغنم و الفقراء باتخاذ الدجاج لأنه أمر كل قوم بحسب مقدرتهم و ما تصل إليه قوتهم و القصد من ذلك كله أن لا يقعد الناس عن الكسب، و إنماء المال و عمارة الدنيا، و أن لا يدعوا التسبب فإن ذلك يوجب التعفف و القناعة، و ربما أدّى إلى الغنى و الثروة. و ترك الكسب و الاعراض عنه يوجب الحاجة و المسألة للناس و التكفف منهم، و ذلك مذموم شرعا و أما قوله: «عند اتخاذ الأغنياء الدجاج يأذن اللّه تعالى بهلاك القرى» . يعني أن الأغنياء إذا ضيقوا على الفقراء في مكاسبهم، و خالطوهم في معايشهم تعطل سببهم و هلكوا، و في هلاك الفقراء بوار، و في ذلك هلاك القرى و بوارها. و في آخر البخاري‏ (2) و غيره أن النبي صلى اللّه عليه و سلم قال: «تلك الكلمة من الحق يختطفها الجني فيقرقرها في أذن وليه كقرقرة الدجاجة» . و ذكر الإمام العلامة أبو الفرج بن الجوزي، في الأذكياء (3) ، عن أحمد بن طولون، صاحب مصر، أنه جلس

____________

(1) رواه ابن ماجة في التجارات: 69.

(2) البخاري أدب: 117، توحيد: 57. و رواه مسلم في السلام: 123. و أحمد: 6/87.

(3) الأذكياء: 56.

460

يوما في منتزه له يأكل مع ندمائه فرأى سائلا و عليه ثوب خلق، فوضع يده في رغيف و دجاجة و قطعة لحم و فالوذج و أمر بعض الغلمان بمناولته فأخذ ذلك الغلام و ذهب به إلى السائل و رجع، فذكر أنه ما هش له و لا بش، فقال ابن طولون للغلام: ائتني به فأحضره بين يديه فاستنطقه فأحسن الجواب، و لم يضطرب من هيبته، فقال له أحضر لي الكتب التي معك، و أصدقني عمن بعث بك، فقد صح عندي أنك صاحب خبر، و أحضر السياط فاعترف له بذلك. فقال بعض من حضر هذا: و اللّه السحر. فقال أحمد: ما هو بسحر و لكنه قياس صحيح و فراسة، و ذلك أني لما رأيت سوء حاله وجهت إليه بطعام يشره إلى أكله الشبعان، فما هش و لا بش و لا مد يده إليه، فأحضرته و خاطبته فتلقاني بقوة جأش و جواب حاضر. فلما رأيت رثاثة حاله، و قوة جأشه، و سرعة جوابه، علمت أنه صاحب خبر انتهى. و قال ابن خلكان في ترجمته‏ (1) : كان أبو العباس أحمد بن طولون صاحب الديار المصرية و الشامية و الثغور، ملكا عادلا شجاعا متواضعا، حسن السيرة، يحب أهل العلم، كريما له مائدة يحضرها الخاص و العام، كثير الصدقة. نقل أنه قال له وكيله يوما إن امرأة تأتيني و عليها الازار الرفيع، و في يدها الخاتم الذهب، فتطلب مني أ فأعطيها؟فقال: من مد يده إليك فأعطه. و كان يحفظ القرآن، و رزق حسن الصوت فيه، و كان مع ذلك طائش السيف سفاك الدماء. قيل إنه أحصى من قتله صبرا و من مات في حبسه فكان ثمانية عشر ألفا توفي سنة سبعين و مائتين بزلق الأمعاء. و يقال إن طولون تبناه و لم يكن ابنه. و روي أن رجلا كان يواظب القراءة على قبره، فرآه ذات ليلة في المنام، فقال: أحب منك أن لا تقرأ علي!قال: و لم؟قال: لأنه لا تمر بي آية إلا قرعت بها، و يقال لي أ ما سمعت هذه أ ما مرت بك هذه؟ا هـ و روى الإمام الحافظ ابن عساكر في تاريخه أن سليمان بن عبد الملك رحمه اللّه تعالى، كان نهما في الأكل، و قد نقل عنه فيه أشياء غريبة، فمنها أنه اصطبح في بعض الأيام بأربعين دجاجة مشوية، و أربعين بيضة، و أربع و ثمانين كلوة بشحمها، و ثمانين جردقة، ثم أكل مع الناس على السماط العام. و منها أنه دخل ذات يوم بستانا له، و كان قد أمر قيمه أن يجني ثماره و يستطيب له، و كان معه أصحابه، فأكل القوم حتى اكتفوا و استمر هو يأكل فأكل أكلا ذريعا، ثم استدعى بشاة مشوية فأكلها، ثم أقبل على الفاكهة فأكل أكلا ذريعا، ثم أتى بدجاجتين مشويتين فأكلهما، ثم مال إلى الفاكهة فأكل أكلا ذريعا، ثم أتى بقعب يقعد فيه الرجل مملوء سمنا و سويقا و سكرا فأكله أجمع، ثم سار إلى دار الخلافة، و أتى بالسماط فما نقص من أكله شي‏ء. و منها أنه حج فأتى الطائف فأكل سبعمائة رمانة و خروفا و ست دجاجات، و أتى بمكوك زبيب طائفي فأكله أجمع. و قيل إنه كان له بستان فجاء رجل ليضمنه و دفع له قدرا من المال، فاستؤذن في ذلك فدخل البستان لينظره و جعل يأكل من ثماره، ثم أذن في ضمانه فلما قيل للضامن أحمل المال، قال: كان ذلك قبل ان يدخله أمير المؤمنين. قيل كان سبب مرضه أنه أكل أربعمائة بيضة، و ثمانمائة حبة تين، و أربعمائة كلوة بشحمها، و عشرين دجاجة فحم، و فشت الحمى في عسكره، و كان موته بالتخمة رحمة اللّه تعالى عليه في مرج دابق.

فائدة:

ذكر بعض العلماء أن من أكل كثيرا و خاف على نفسه من التخمة، فليمسح على

____________

(1) وفيات الأعيان: 1/173.

461

بطنه بيده، و ليقل: الليلة ليلة عيدي يا كرشي و رضي اللّه عن سيدي أبي عبد اللّه القرشي. يفعل ذلك ثلاثا، فإنه لا يضره الأكل و هو عجيب مجرب.

و قد روينا بأسانيد شتى من طرق مختلفة، أن امرأة جاءت بولدها إلى سيدي الشيخ عبد القادر الكيلاني قدس اللّه روحه، و قالت: إني رأيت قلب ابني هذا شديد التعلق بك، و قد خرجت عن حقي فيه للّه عز و جل و لك، فاقبله فقبله الشيخ، و أمره بالمجاهدة و سلوك الطريق، فدخلت عليه أمه يوما، فوجدته نحيلا مصفرا من آثار الجوع و السهر، و وجدته يأكل قرصا من الشعير، فدخلت إلى الشيخ فوجدت بين يديه إناء فيه عظام دجاجة مسلوقة، قد أكلها فقالت:

يا سيدي تأكل لحم الدجاج و يأكل ابني خبز الشعير، فوضع الشيخ يده على تلك العظام، و قال:

قومي بإذن اللّه تعالى الذي يحيى العظام و هي رميم، فقامت دجاجة سوية و صاحت، فقال الشيخ: إذا صار ابنك هكذا فليأكل ما شاء. و ذكر ابن خلكان أيضا في ترجمة (1) الهيثم بن عدي أن رجلا من الأولين كان يأكل و بين يديه دجاجة مشوية، فجاءه سائل فرده خائبا، و كان الرجل مترفا فوقع بينه و بين امرأته فرقة، و ذهب ماله و تزوجت امرأته، فبينما الزوج الثاني يأكل و بين يديه دجاجة مشوية إذ جاءه سائل، فقال لامرأته: ناوليه الدجاجة فناولته، و نظرت إليه فإذا هو زوجها الأول. فأخبرت زوجها الثاني بالقصة فقال الزوج الثاني: و أنا و اللّه ذلك المسكين الأول، خولني اللّه نعمته و أهله لقلة شكره. و قال الهيثم: خرجت في سفر على ناقة، فأمسيت عند خيمة اعرابي، فنزلت. فقالت ربة الخباء: من أنت؟فقلت: ضيف. قالت: و ما يصنع الضيف عندنا إن الصحراء لواسعة؟ثم قامت إلى بر فطحنته و عجنته و خبزته، ثم قعدت تأكل، فلم ألبث أن جاء زوجها و معه لبن، فسلم ثم قال: من الرجل؟قلت: ضيف. قال: أهلا و سهلا حياك اللّه، و ملأ قعبا من لبن و سقاني. ثم قال: ما أراك أكلت شيئا!و ما أراها أطعمتك!فقلت: لا و اللّه.

فدخل عليها مغضبا، و قال: ويلك أكلت و تركت الضيف؟قالت: و ما أصنع به أطعمه طعامي؟ و زاد بينهما الكلام، فضربها حتى شجها، ثم أخذ شفرة و خرج إلى ناقتي فنحرها، فقلت: ما صنعت عافاك اللّه؟فقال: و اللّه لا يبيت ضيفي جائعا، ثم جمع حطبا، و أجج نارا و أقبل يشوي و يطعمني، و يأكل و يلقي إليها، و يقول: كلي لا أطعمك اللّه!حتى إذا أصبح تركني و مضى، فقعدت مغموما، فلما تعالى النهار، أقبل و معه بعير ما يسأم الناظر من النظر إليه، و قال: هذا مكان ناقتك ثم زودني من ذلك اللحم و مما حضره. و خرجت من عنده فضمني الليل إلى خيمة أعرابي، فسلمت فردت صاحبة الخباء علي السلام، و قالت: من الرجل؟قلت: ضيف. فقالت:

مرحبا بك حياك اللّه و عافاك، فنزلت ثم عمدت إلى بر فطحنته و عجنته و خبزته، ثم روت ذلك بالزبد و اللبن و وضعته بين يدي، و معه دجاجة مشوية، و قالت: كل و اعذر، فلم البث إذ أقبل أعرابي كريه المنظر، فسلم فرددت عليه السلام، فقال: من الرجل؟قلت: ضيف. قال: و ما يصنع الضيف عندنا؟ثم دخل إلى أهله و قال: أين طعامي؟قالت: أطعمته للضيف. فقال:

أ تطعمين طعامي للأضياف؟ثم تكالما فضربها فشجها، فجعلت أضحك فخرج إليّ و قال: ما يضحكك؟فأخبرته بقصة الرجل و المرأة اللذين نزلت عندهما قبله، فاقبل علي و قال: إن هذه

____________

(1) وفيات الأعيان: 6/106.

462

المرأة التي عندي أخت ذلك الرجل، و تلك المرأة التي عنده أختي. قال: فنمت ليلتي متعجبا فلما أن أصبحت انصرفت.

الحكم:

يحل أكل الدجاج لأنه من الطيبات، لما روى الشيخان و الترمذي و النسائي عن زهدم بن مضرب الجرمي قال: كنا عند أبي موسى الأشعري رضي اللّه عنه، فدعا بمائدة عليها لحم دجاج فدخل رجل من بني تيم اللّه، أحمر شبيه بالموالي، فقال له: هلم فتلكأ، فقال: هلم فإني رأيت رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم يأكل منه و في لفظ «رأيت النبي صلى اللّه عليه و سلم يأكل دجاجة (1) » . و هذا الرجل إنما تلكأ لأنه رآه يأكل العذرة فقذره و يحتمل أن يكون تردد لالتباس الحكم عليه، أو لم يكن عنده دليل فتوقف حتى يعلم حكم اللّه تعالى و قد جاء النهي عن لبن الجلالة و لحمها و بيضها. و في الكامل و الميزان في ترجمة غالب بن عبيد اللّه الجذري و هو متروك عن نافع عن ابن عمر رضي اللّه تعالى عنهما، أن النبي صلى اللّه عليه و سلم كان إذا أراد أن يأكل دجاجة أمر بها فربطت أياما ثم يأكلها بعد ذلك.

و في فتاوى القاضي حسين لو قال رجل لامرأته إن لم تبيعي هذه الدجاجات فأنت طالق فقتلت واحدة منهن طلقت لتعذر البيع، و إن جرحتها ثم باعتها فإن كانت بخبث لو ذبحت لم تحل لم يصح البيع و وقع الطلاق و إلا فتحل اليمين.

فرع

لا يجوز بيع دجاجة فيها بيض ببيض كما لا يجوز بيع شاة في ضرعها لبن بلبن، و يحرم بيع الحنطة بدقيقها و السمسم بكسبه، و ما أشبهه لأنه يحرم بيع مال الربا بأصله المشتمل عليه.

فرع:

البيضة التي في جوف الطائر الميت فيها ثلاثة أوجه حكاها الماوردي و الروياني و الشاشي أصحها، و هو قول ابن القطان و أبي الفياض، و به قطع الجمهور إن تصلبت فطاهرة و إلا فنجسة. و الثاني طاهرة مطلقا، و به قال أبو حنيفة لتميزها عنه فصارت بالولد أشبه. و الثالث نجسة مطلقا، و به قال مالك لأنها قبل الانفصال جزء من الطائر و حكاه المتولي عن نص الشافعي رضي اللّه تعالى عنه. و هو نقل غريب شاذ ضعيف، و قال صاحب الحاوي و البحر: فلو وضعت هذه البيضة تحت طائر فصارت فرخا، كان الفرخ طاهرا على الأوجه كلها كسائر الحيوان، و لا خلاف أن ظاهر البيضة نجس، و أما البيضة الخارجة في حال حياة الدجاجة فهل يحكم بنجاسة ظاهرها؟فيه وجهان: حكاهما الماوردي و الروياني و البغوي و غيرهم، بناء على الوجهين في نجاسة رطوبة فرج المرأة قال في المهذب: إن المنصوص نجاسة رطوبة فرج المرأة. و قال الماوردي: إن الشافعي رضي اللّه تعالى عنه قد نص في بعض كتبه على طهارتها. ثم حكى التنجيس عن ابن سريج. فملخص الخلاف فيها قولان لا وجهان. و قال الإمام النووي: رطوبة الفرج طاهرة مطلقا، سواء كان الفرج من بهيمة أو امرأة، و هو الأصح. و إذا فرعنا على نجاسة رطوبة الفرج فنقل النووي في شرح المهذب عن فتاوى ابن الصباغ، و لم يخالفه أن المولود لا يجب غسله إجماعا.

و قال في آخر باب الآنية من الشرح المذكور: إن فيه وجهين حكاهما الماوردي و الروياني، و قد حكاهما الشيخ أبو عمرو بن الصلاح في فتاويه. و رأيت في الكافي للخوارزمي أن الماء لا ينجس بوقوعه فيه فيحتمل أن يكون الخلاف مفرعا على القول القديم بعدم وجوب الغسل، لكونه نجسا

____________

(1) رواه البخاري في الذبائح: 26، و المغازي: 73. و رواه مسلم في الإيمان: 9. و الدارمي أطعمة: 27.

463

معفوا عنه، و أما إذا انفصل الولد حيا، بعد موتها، فعينه طاهرة بلا خلاف. و يجب غسل ظاهره بلا خلاف. و أما البلل الخارج مع الولد أو غيره فنجس، كما جزم به الرافعي في الشرح الصغير و النووي في شرح المهذب. و قال الإمام لا شك فيه. و أما الرطوبة الخارجة من باطن الفرج فإنها نجسة كما تقدم، و إنما قلنا بطهارة ذكر المجامع و نحوه، على ذلك القول لأنا لا نقطع بخروجها.

قال في الكفاية: و الفرق بين رطوبة فرج المرأة، و رطوبة باطن الذكر لأنها لزجة لا تنفصل بنفسها، و لا تمازج سائر رطوبات البدن، فلا حكم لها قلت: و الرطوبة هي ماء أبيض متردد بين المذي و العرق. كما قاله في شرح المهذب و غيره. و سيأتي إن شاء اللّه تعالى الكلام على الجلالة من الدجاج و غيره في باب السين المهملة في حكم السخلة و اللّه الموفق.

الأمثال‏ (1)

: قالوا: «أعطف من أم إحدى و عشرين» . و هي الدجاجة كما تقدم.

الخواص:

لحم الدجاج معتدل الحرارة جيد. و أكل لحم الفتي من الدجاج يزيد في العقل و المني و يصفي الصوت، لكنه يضر بالمعدة و المرتاضين. و دفع مضرته أن يتناول بعده شراب العسل. و هو يولد غذاء معتدلا يوافق من الأمزجة المعتدلة و من الإنسان الفتيان، و من الأزمان الربيع. و أعلم أن الدجاج المعتدلة الغذاء ليست حارة مستحيلة: إلى الصفراء، و لا باردة مولدة للبلغم، و لا أعلم من أين أجمعت العامة و الأطباء الأغمار على مضرتها بالنقرس و توليد هاله، و القائلون بذلك لعلهم معتقدون بالخاصية و حسب لا غير. و هي محسنة للون و أدمغتها تزيد في الأدمغة و العقل. و هي من أغذية المترفهين، لا سيما من قبل أن تبيض. و إما بيضها فحار مائل إلى الرطوبة و اليبس و قال بياروق: بياضه بارد رطب، و صفرته حارة جيدة للكاد. و الطري منفعته تزيد في الباه لكنه إذا أدمن أكله يولد كلفا. و هو بطي‏ء الهضم و دفع ضرره بالاقتصار على صفرته هو يولد خلطا محمودا. و أعلم أن أجود البيض للإنسان بيض الدجاج، و الدراج إذا كانا طريين معتدلي النضج، فإن الصلب إما أن يتخم، أو يورث حمى، و هو يلبث طويلا و يغذو إذا انهضم كثيرا، و النيمرشت يغذو غذاء كثيرا و المسلوق بخل يعقل البطن، و الساذج ينفع من حرارة المعدة و المثانة و نفث الدم، و يصفي الصوت. و أنفع السليق ما ألقي على الماء و هو يغلي عد مائة و رفع.

و مما ينفع لحل المعقود أن تكتب على جوانب السيف هذه الأحرف بكصم لا لا و م ما ما لا لا لا ه ه ه و تقطع به بيضة دجاجة سوداء نظيفة مناصفة، فتأكل المرأة النصف و الرجل النصف، فإنه مجرب و هو يحل اثنين و سبعين بابا بإذن اللّه تعالى. و مما ينفع لحل المعقود أيضا أن يكتب و يعلق في عنق الرجل، ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر و فجرنا الأرض عيونا فالتقى الماء على أمر قد قدر و حملناه على ذات ألواح و دسر تجري بأعيننا جزاء لمن كان كفر. و مما جرب أيضا لحل المعقود أن تكتب و تعلق عليه الفاتحة و الإخلاص و المعوّذتين، و يَسْئَلُونَكَ عَنِ اَلْجِبََالِ فَقُلْ يَنْسِفُهََا رَبِّي نَسْفاً `فَيَذَرُهََا قََاعاً صَفْصَفاً `لاََ تَرى‏ََ فِيهََا عِوَجاً وَ لاََ أَمْتاً (2) أَ وَ لَمْ يَرَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضَ كََانَتََا رَتْقاً فَفَتَقْنََاهُمََا وَ جَعَلْنََا مِنَ اَلْمََاءِ كُلَّ شَيْ‏ءٍ حَيٍّ أَ فَلاََ يُؤْمِنُونَ‏ (3) وَ نُنَزِّلُ مِنَ اَلْقُرْآنِ مََا هُوَ

____________

(1) مجمع الأمثال: 2/53.

(2) سورة طه: الآية 105-107.

(3) سورة الأنبياء: الآية 30.

464

شِفََاءٌ وَ رَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ‏ (1) فَلَمََّا تَجَلََّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَ خَرَّ مُوسى‏ََ صَعِقاً (2) مَرَجَ اَلْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيََانِ `بَيْنَهُمََا بَرْزَخٌ لاََ يَبْغِيََانِ‏ (3) فقلنا اِضْرِبْ بِعَصََاكَ اَلْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكََانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ اَلْعَظِيمِ‏ (4) و هُوَ اَلَّذِي خَلَقَ مِنَ اَلْمََاءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَ صِهْراً وَ كََانَ رَبُّكَ قَدِيراً (5)

و عَنَتِ اَلْوُجُوهُ لِلْحَيِّ اَلْقَيُّومِ‏ (6) و قَدْ خََابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً (7) و مَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اَللََّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ (8) إِنَّ اَللََّهَ بََالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اَللََّهُ لِكُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدْراً (9) و تكتب اسم الرجل و المرأة في آخر الكتاب و تقول: اللهم إني أسألك أن تجمع بين فلان بن فلانة و بين فلانة بنت فلانة بحق هذه الأسماء و الآيات إنك على كل شي‏ء قدير. باهيا شراهيا أصبأوت آل شداي و لا حول و لا قوة إلا باللّه العلي العظيم في في في في تم و كمل. و قال ابن وحشية: دماغ الدجاجة إذا وضع على لسعة الحية خاصة أبرأتها. و قال القزويني: إذا طبخت الدجاجة مع عشر بصلات بيض و كف سمسم مقشور حتى تتهرى و يؤكل لحمها و يشرب مرقتها فإنه يزيد في الباه و يقوّي الشهوة. و قال غيره: المداومة على أكل لحم الدجاج تورث البواسير و النقرس. و هذا قول جاهل بالطب و هو قول أغمار الأطباء كما تقدم. قال القزويني: و في قانصة الدجاجة حجر إذا شد على المصروع أبرأه، و إذا علق على إنسان زاد في قوّة الباه، و يدفع عنه عين السوء، و إذا ترك تحت رأس الصبي فإنه لا يفزع في نومه. و ذرق الدجاجة السوداء إذا ألصق على باب قوم، وقع بينهم الخصومة و الشر، و إذا طلي الذكر بمرارة الدجاجة السوداء و جامع من شاء لم ينله أحد بعده. و إذا دفنت رأس دجاجة سوداء في كوز جديد، تحت فراش رجل قد خاصم زوجته، صالحها من وقته. و إذا احتمل رجل من دهن الدجاجة السوداء قدر أربعة دارهم هيج الباه. و إذا أخذ عينا دجاجة سوداء شديدة السواد، و عينا سنبور أسود، و جففن و سحقن و اكتحل بهن، رأى من يفعل ذلك الروحانيين، فإن سألهم أخبروه بما يريد و اللّه أعلم.

التعبير:

الدجاج في المنام نساء ذليلات مهينات، فالرقادة ذات نشاط و أصالة و بدالة.

و الدبيبة امرأة دنيئة الأصل أو خائنة و فروخها أولاد زنا، و ربما دلت الدجاجة على المرأة ذات الأولاد، و دخولها على المريض عافيته و آذان الدجاجة شر و نكد أو موت. و كذلك الفروخ ربما دل دخولها على السليم، على انذار بمرض يحتاج فيه إليها و ربما دل دخولها على زوال الهموم و الانكاد، و على الأفراح و التظاهر بالرفاهية و النعم، و الفروج ولد أو ملبوس مفرح أو فرج لمن هو في شدة، و ربما كانت الدجاجة في المنام تدل رؤيتها على امرأة رعناء حمقاء ذات جمال، أو سرية أو خادم.

فمن رأى كأنه ذبح دجاجة افتض جارية. و من صادها نال ولاية و مالا هنيئا من العجم. و من رأى الدجاج أو الفراريج تساق من مكان إلى مكان فإنه سبي. و من رأى الدجاج أو الطواويس تهدر في منزله، فإنه صاحب فجور. و ريش الدجاج مال، و البيض في المنام يعبر بالنساء لقوله تعالى:

____________

(1) سورة الإسراء: الآية 82.

(2) سورة الأعراف: الآية 143.

(3) سورة الرحمن: الآية 19-20.

(4) سورة الشعراء: الآية 63.

(5) سورة الفرقان: الآية 54.

(6) سورة طه: الآية 111.

(7) سورة طه: الآية 111.

(8) سورة الطلاق: الآية 3.

(9) سورة الطلاق: الآية 3.

465

كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ (1) و البيضة الواحدة لمن رآها بيده، فإن كانت زوجته حاملا فإنها تضع له بنتا و إن كان أعزب تزوّج و من رأى البيض يجرف من مكان إلى مكان، كما تجرف الزبالة، فإنه سبي نساء ذلك المكان. و من رأى بيضا نيئا و هو يأكله، فإنه يأكل مالا حراما و للطبوخ رزق حلال بتعب. و إذا رأت الحامل كأنها أعطيت بيضة مقشرة فإنها تلد بنتا و فراريج الدجاج أولاد زنا. و من قشر بيضة فأكل بياضها، و رمى صفارها، فإنه نباش للقبور، و يأخذ أكفان الموتى. لما روى عن ابن سيرين أنه أتاه رجل، فقال: إني رأيت كأني أقشر بيضة و أرمي صفارها و آكل بياضها. فقال ابن سيرين: هذا رجل نباش للقبور. فقيل له: من أين أخذت هذا؟فقال: البيضة القبر، و الصفار الجسد، و البياض الكفن. فيلقى الميت و يأكل ثمن الكفن، و هو البياض. و حكي أن امرأة أتت إلى ابن سيرين فقالت: رأيت كأني أضع البيض تحت الخشب، فتخرج فراريج. فقال ابن سيرين: ويلك اتقي اللّه، فإنك امرأة توفقين بين الرجال و النساء فيما لا يحبه اللّه عز و جل فقال له جلساؤه: قذفت المرأة يا محمد، من أين أخذت ذلك؟فقال: من قوله تعالى في النساء يشبهن بالبيض‏ كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ و قال جل و علا، يشبه المنافقين بالخشب: كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ (2) فالبيض هو النساء، و الخشب هم المفسدون و الفراريج هم أولاد الزنا و اللّه أعلم.

الدجاجة الحبشية:

هي نوع مما تقدم. قال الشافعي: يحرم على المحرم الدجاجة الحبشية لأنها وحشية تمتنع بالطيران، و إن كانت ربما ألفت البيوت. قال القاضي حسين: الدجاجة الحبشية شبيهة بالدراج. قال: و تسمى بالعراق الدجاجة السندية، فإن أتلفها لزمه الجزاء. و قال مالك: لا جزاء في دجاج الحبش على المحرم لاستئناسه، و كذلك كل ما تأنس من الوحشي عند الشافعي فيه الجزاء، خلافا لمالك. و الدجاج الحبشي هو الدجاج البري، و هو في الشكل و اللون قريب من الدجاج يسكن في الغالب سواحل البحر، و هو كثير ببلاد المغرب، يأوي مواضع الطرفاء و يبيض فيها. قال الجاحظ: و يخرج فراخه و كذلك فراخ الطاوس و البط السندي كيسة كاسية تلتقط الحب من ساعتها كفراخ الدجاج الأهلي و يقال له الغرغر، و سيأتي الكلام عليه إن شاء اللّه تعالى في باب الغين المعجمة.

الدج:

طائر صغير في حد اليمام من طير الماء سمين طيب اللحم و هو كثير بالاسكندرية و ما يشابهها من بلاد السواحل قاله ابن سيده.

الدحرج:

بضم الدال المهملة دويبة قاله ابن سيده.

الدخاس:

كنحاس دويبة تغيب في التراب و الجمع الدخاخيس.

الدخس:

بضم الدال المهملة و تشديد الخاء المعجمة ضرب من السمك و هو الدلفين. قاله ابن سيده أيضا و قال الجوهري: الدخس مثال الصرد دويبة في البحر تنجي الغريق تمكنه من ظهرها ليستعين على السباحة و تسمى الدلفين و سيأتي قريبا إن شاء اللّه تعالى في هذا الباب.

____________

(1) سورة الصافات: الآية 49.

(2) سورة المنافقون: الآية 4.

466

الدخل:

بتشديد الخاء المعجمة أيضا طائر صغير و الجمع الدخاخيل و هو أغبر يسقط على رءوس الشجر و النخل. واحدته دخلة و في أدب الكاتب لابن قتيبة الدخل ابن تمرة.

بضم الدال و فتح الراء المهملتين كنيته أبو الحجاج و أبو خطار و أبو ضبة، و سيأتي إن شاء اللّه تعالى، في باب الضاد المعجمة الساقطة واحدته دراجة، هو طائر مبارك، كثير النتاج، مبشر بالربيع، و هو القائل: «بالشكر تدوم النعم» و صوته مقطع على هذه الكلمات، و تطيب نفسه على الهواء الصافي، و هبوب الشمال، و يسوء حاله بهبوب الجنوب، حتى إنه لا يقدر على الطيران، و هو طائر أسود باطن الجناحين، و ظاهرهما أغبر على خلقة القطا إلا أنه الطف. و الدراج اسم يطلق على الذكر و الأنثى، حتى تقول الحيقطان:

فيختص بالذكر، و أرض مدرجة أي ذات دراج. كذا قاله الجوهري. و قال سيبويه:

واحدة الدراج درجوج، و الديلم ذكر الدراج و قال ابن سيده: الدراج طائر شبيه بالحيقطان، و هو من طير العراق قال ابن دريد أحسبه مولدا و هو الدرجة مثل الرطبة. و أما الجاحظ فجعله من أقسام الحمام لأنه يجمع فراخه تحت جناحيه، كما يجمع الحمام من شأنه أنه لا يجعل بيضه في موضع واحد، بل ينقله لئلا يعرف أحد مكانه و لا يتسافد في البيوت و إنما يفعل ذلك في البساتين قال أبو الطيب المأموني يصف دراجة:

قد بعثنا بذات حسن بديع # كنبات الربيع بل هي أحسن

في رداء من جلنار و آس # وقيص من ياسمين و سوسن‏

و سيأتي إن شاء اللّه تعالى في القبج زيادة في نعتها في باب القاف، قال الجاحظ: و هو من الخلق الذي لا يسمن بل يعظم و إذا عظم لم يحمل اللحم.

و حكمه:

الحل لأنه إما من الحمام أو من القطا و هما حلالان.

الأمثال:

قالوا (1) : «فلان يطلب الدراج من خيس الأسد» . يضرب لمن يطلب ما يتعذر وجوده.

الخواص:

يؤخذ شحمه فيذوب بدهن كادي و يقطر في الأذن الوجعة ثلاث قطرات، يسكن وجعها بإذن اللّه تعالى. قال ابن سينا: لحمه أفضل من لحم الفواخت، و اعدل و الطف. و أكله يزيد في الدماغ و الفهم و المني.

التعبير:

الدراج في المنام مال، و قيل امرأة أو مملوك. فمن ملكه أو رآه عنده فإنه يملك مالا أو سرية أو مملوكا أو يتزوج و اللّه أعلم.

الدراج:

بفتح الدال و الراء المهملتين القنفذ، صفة غالبة عليه لأنه يدرج ليله كله. قاله ابن سيده.

____________

(1) مجمع الأمثال: 2/423.

467

فائدة أجنبية:

استدراج اللّه تعالى العبد، أنه كلما جدد خطيئة. جدد اللّه له نعمة و أنساه الاستغفار و أن يأخذه قليلا قليلا و لا يباغته.

روى: أحمد في الزهد عن عقبة بن عامر رضي اللّه تعالى عنه عن النبي صلى اللّه عليه و سلم أنه قال‏ (1) :

«إذا رأيت اللّه تعالى يعطي العبد، من الدنيا على معاصيه ما يحب، فإنما هو استدراج» . ثم تلا قوله‏ (2) تعالى: فَلَمََّا نَسُوا مََا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنََا عَلَيْهِمْ أَبْوََابَ كُلِّ شَيْ‏ءٍ حَتََّى إِذََا فَرِحُوا بِمََا أُوتُوا أَخَذْنََاهُمْ بَغْتَةً فَإِذََا هُمْ مُبْلِسُونَ قال ابن عطية: روي عن بعض العلماء أنه قال: رحم اللّه امرأ تدبر هذه الآية حَتََّى إِذََا فَرِحُوا بِمََا أُوتُوا أَخَذْنََاهُمْ بَغْتَةً فَإِذََا هُمْ مُبْلِسُونَ و قال محمد بن النضر الحارثي: أمهل هؤلاء القوم عشرين سنة و قال الحسن. و اللّه ما أحد من الناس بسط اللّه تعالى له في الدنيا فلم يخف أن يكون قد مكر به فيها إلا كان قد نقص في عمله و عجز في رأيه ما أمسكها اللّه تعالى عن عبد، فلم يظن أنه خير له فيها، إلا كان قد نقص في عمله، و عجز في رأيه. و في الخبر أن اللّه تعالى أوحى إلى موسى عليه السلام، إذا رأيت الفقر مقبلا إليك فقل:

مرحبا بشعار الصالحين. و إذا رأيت الغنى مقبلا إليك فقل: ذنب عجلت عقوبته.

الدرباب:

طائر مركب من الشقراق و الغراب، و ذلك بين في لونه، و هو كما قال أرسطاطاليس في النعوت: إنه طائر يحب الأنس، و يقبل التأديب و التربية، و في صفيره و قرقرته أعاجيب، و ذلك أنه ربما أفصح بالأصوات و قرقر كالقمري و ربما حمحم كالفرس و ربما صفر كالبلبل و غذاؤه من النبت و الفاكهة و اللحم و غير ذلك، و مألفه الغياض و الأشجار الملتفة. انتهى قلت:

و هذه صفة الطائر المسمى عند الناس بأبي زريق فإنه على هذا النعت الذي ذكره. و يقال له القيق أيضا و سيأتي إن شاء اللّه تعالى له مزيد بيان في باب القاف.

الدرحرج:

قال القزويني: إنها دويبة مبرقشة بحمرة و سواد يقال إنها سم، من أكلها تقرحت مثانته، و سد بوله و أظلم بصره، و تورم قضيبه و عانته، و يعرض له اختلاط في عقله.

و حكمها:

التحريم لضررها بالبدن و العقل.

الدرص:

بكسر الدال ولد القنفذ و الأرنب و اليربوع و الفأرة و الهرة و الذئبة و نحوها و الجمع ادراص و درصة. قال السهيلي في التعريف و الإعلام: العرب تقول للأحمق أبو دراص للعبه بالأدراص، و هو جمع درص، و هو ولد الكلبة و ولد الهرة و نحو ذلك. و كنية اليربوع أم أدراص قاله الأصمعي.

الأمثال:

قالت العرب: «ضل دريص نفقه» (3) أي جحره يضرب لمن لا يعبأ بأمره قال طفيل‏ (4) :

فما أم أدراص بأرض مضلة # بأغدر من قيس إذا الليل أظلما

____________

(1) رواه أحمد: 4/145.

(2) سورة الأنعام: الآية 44.

(3) مجمع الأمثال: 1/419.

(4) طفيل: هو طفيل بن كعب الغنوي، جاهلي، شعره جيد.

468

الدرة:

بضم الدال المهملة الببغاء المتقدمة في باب الموحدة. حكى الشيخ كمال الدين جعفر الأدفوي في كتابه الطالع السعيد في ترجمة محمد بن محمد النصيبي القوصي الفاضل المحدث الأديب، أنه أخبره أنه حضر مرة عند عز الدين بن البصراوي الحاجب بقوص، و كان له مجلس يجتمع فيه الرؤساء و الفضلاء و الأدباء، فحضر الشيخ علي الحريري، و حكى أنه رأى ذرة تقرأ سورة يس، فقال النصيبي: و كان غراب يقرأ سورة السجدة فإذا جاء إلى السجدة سجد و يقول سجد لك سوادي و اطمأن بك فؤادي.

الدساسة:

بفتح الدال حية صماء تندس تحت التراب اندساسا أي تندفن و قيل: هي شحمة الأرض. و ستأتي إن شاء اللّه تعالى في باب الشين المعجمة.

الدعسوقة:

بفتح الدال دويبة كالخنفساء و ربما قيل ذلك للصبية و المرأة القصيرة تشبيها بها قاله في المحكم و في مختصر العين للزبيدي أيضا إلا أنه ضبطه بالقلم بفتح الدال في نسخة صحيحة.

الدعموص:

بضم الدال دويبة تغوص في الماء، و الجمع الدعاميص، كبرغوث و براغيث، و قال السهيلي: الدعموص سمكة صغيرة كحية الماء، و دعيميص اسم رجل كان داهيا سيأتي ذكره إن شاء اللّه تعالى في الأمثال، و يقال: «هذا دعيميص هذا الأمر» (1) . أي عالم به انتهى. روى مسلم عن أبي حسان قال: قلت لأبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه أنه قد مات لي اثنان من الولد، فهل أنت محدثي عن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم بحديث تطيب به أنفسنا عن موتانا؟قال: نعم. «صغاركم دعاميص الجنة» (2) . أي لا يمنعون من بيت، فيلقى أحدهم أباه أو قال أبويه فيأخذ بيده أو بثوبه كما آخذ أنا ببعض ثوبك هذا فيقول: هذا فلان فلا يتناهى حتى يدخل هو و أبوه الجنة. و في الحديث أن رجلا زنى فمسخه اللّه تعالى دعموصا. و بعضهم يقول الدعموص هو الآذن على الملك المتصرف بين يديه قال أمية بن أبي الصلت:

دعموص أبواب الملو # ك و حاجب للخلق فاتح‏

قال الحافظ المنذري في الترغيب و الترهيب، في الكلام على هذا الحديث: الدعاميص بفتح الدال جمع دعموص بضمها، و هي دويبة صغيرة يضرب لونها إلى سواد تكون في الغدران، شبه الطفل بها في الجنة لصغره و سرعة حركته. و قيل: هو اسم للرجل الزوار للملوك، الكثير الدخول عليهم. و الخروج، لا يتوقف على أذن منهم، و لا يخاف أين يذهب من ديارهم، شبه طفل الجنة به لكثرة ذهابه في الجنة حيث شاء، لا يمتنع من بيت فيها و لا موضع، و هذا قول ظاهر انتهى. قال الجاحظ: إذا كبر الناموس صار دعاميص و هو يتولد من الماء الراكد، و إذا كبر صار فراشا، و لعل هذا هو عمدة من جعل الجراد بحريا. و الدعموص من الخلق الذي لا يعيش في ابتداء أمره إلا في الماء، ثم بعد ذلك يستحيل بعوضا و ناموسا.

فائدة:

في فتاوى القاضي حسين، أن دود الماء لو انشق أو ذاب، فخرج منه ماء، كان ذلك

____________

(1) جمهرة الأمثال: 2/294.

(2) رواه مسلم بر: 154، و أحمد: 2-477-510.

469

الماء طهورا يجوز منه التوضؤ، و علله بأن هذا الدود ليس بحيوان، بل هو منعقد من بخار يصعد من الماء، فيشبه الدود، و هذا منه صريح في جواز شرب الدعاميص مع الماء، لأنها ماء منعقد.

و يحتمل أن يكون منه اختيار الأن دود الخل و الفاكهة يعطى حكم ما يتولد منه حتى يجوز أكله منفردا. كما هو وجه في المذهب موجها بأنه يشبهه طعما و طبعا. و الظاهر أن هذا لا يوافق عليه.

و المشهور خلاف ما قاله تفسيرا و حكما. و إن الدعموص محرم الأكل لاستقذاره لأنه من الحشرات.

الأمثال:

قالوا (1) : «أهدى من دعيميص الرمل» . و هو عبد أسود كان داهية خريتا لم يكن يدخل في بلاد و بار غيره فقام في الموسم و قال:

فمن يعطني تسعا و تسعين بكرة # هجانا راد ما أهدها لوبار

فقام رجل من مهرة و أعطاه ما سأل و تحمل معه بأهله و ولده، فلما توسطوا الرمل طمست الجن عين دعيميص، فتحير و هلك هو و من معه في تلك الرمال، و في ذلك يقول الفرزدق.

كهلاك ملتمس طريق وبار.

الدغفل:

كجعفر ولد الفيل، و ذكر الثعالب أيضا. و كان دغفل بن حنظلة النسابة، أحد بني شيبان يسمى بذلك. روى عنه الحسن البصري شيئا من سنن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، و خولف فيه، و يقال: إن له صحبة و لم يصح، و لم يعرفه أحمد بن حنبل، و روى عنه الحسن أنه قال: «كان على النصارى صوم شهر رمضان فولي عليهم ملك، فمرض فنذر، إن شفاه اللّه أن يزيد الصوم عشرا، ثم كان عليهم ملك بعده، يأكل اللحم، فمرض فنذر إن شفاه اللّه أن لا يأكل اللحم و يزيد الصوم ثمانية أيام، ثم كان ملك بعده فقال: ما ندع هذه الأيام إلا أن نتمها خمسين و نجعلها في الربيع فصارت خمسين يوما» . قال البخاري: لا يتابع دغفل على ذلك و لا يعرف للحسن سماع منه. و قال ابن سيرين: كان دغفل رجلا عالما، لكن اغتلمته النساء. أرسل إليه معاوية رضي اللّه تعالى عنه، يسأله عن أنساب العرب و عن النجوم و عن العربية و عن أنساب قريش فأخبره، فإذا هو رجل عالم فقال له من أين حفظت هذا يا دغفل؟قال: بلسان سئول و قلب عقول، فأمره أن يعلم ولده يزيد.

الدغناش:

طائر صغير من أنواع العصافير أصغر من الصرد مخطط الظهر بحمرة مطوق بالسواد و البياض، و هو شرير الطبع شديد المنقار. يوجد كثيرا بسواحل البحر الملح و غيره.

و حكمه:

الحل لأنه من أنواع العصافير.

الدقيش:

بضم الدال و فتح القاف، طائر صغير أصغر من الصرد و تسميه العامة الدقناس.

و حكمه‏

: كالذي قبله و لعله هو، و لكن تلاعبوا به فسموه تارة كذا و تارة كذا. و في

____________

(1) جمهرة الأمثال: 2/294.

470

الصحاح قيل لأبي الدقيش الشاعر ما الدقيش؟فقال: لا أدري إنما هي أسماء نسمعها فنتسمى بها!

الدلدل:

عظيم القنافذ. و الدلدال الاضطراب، و قد تدلدل السحاب أي تحرك متدليا، و به سميت بغلة النبي صلى اللّه عليه و سلم التي أهداها له المقوقس. و في حديث أبي مرثد الآتي إن شاء اللّه تعالى في باب العين، قالت «عناق البغي: يا أهل الخيام هذا الدلدل الذي يحمل أسراكم» (1) . و إنما شبهته بالقنفذ لأنه أكثر ما يظهر في الليل و لأنه يخفي رأسه في جسده ما استطاع. و قال الجاحظ:

الفرق بين الدلدل و القنفذ، كالفرق بين البقر و الجواميس و البخاتي و العراب و الجرذ و الفأر و هو كثير ببلاد الشام و العراق و بلاد المغرب في قدر الثعلب القلطي. و قال الإمام الرافعي: الدلدل على حد السخلة، و من شأنه أن يسفد قائما و ظهر الأنثى لاصق بظهر الرجل. و الأنثى تبيض خمس بيضات و ليس هو بيضا في الحقيقة، إنما هو على صورة البيض يشبه اللحم. و من شأنه أن يجعل لجحره بابين: أحدهما في جهة الجنوب، و الآخر في جهة الشمال. فإذا هبت ريح سد باب جهتها، و إذا رأى ما يكرهه القبض، فيخرج منه شوك كالمسال يجرح من أصابه، و الشوك الذي على ظهره نحو الذراع، و زعم بعض المتكلمين على طبائع الحيوان، أن الشوك الذي على ظهره نحو الذراع شعر، و أنه لما غلظ البخار، و اشتد غلظه، و غلب عليه اليبس، عند صعوده من المسام، صار شوكا

الحكم:

نص الشافعي على حله، رواه عنه ابن ماجة و غيره. و قال الرافعي: قطع الشيخ أبو محمد بتحريمه في الوسيط أنه كان يعده من الخبائث. و قال ابن الصلاح: هذا غير مرضي و كأنه لم يعرف ما الدلدل، و اعتقد ما بلغنا عن الشيخ أبي أحمد الأشنهي أنه قال: الدلدل كبار السلاحف. و هذا غير مرضي، و المحفوظ أنه ذكر القنافذ و قطع بحله الماوردي و الروياني و غيرهما و هو الصواب.

الأمثال: (2)

قالوا «أسمع من دلدل» .

و خواصه و تعبيره:

كالقنافذ و ستأتي إن شاء اللّه تعالى في باب القاف.

الدلفين:

الدخس و ضبطه الجوهري في باب السين المهملة بضم الدال فقال: الدخس مثال الصرد دابة في البحر تنجي الغريق تمكنه من ظهرها ليستعين به على السباحة. و يسمى الدلفين و قال غيره: إنه خنزير البحر. و هو دابة تنجي الغريق و هو كثير بأواخر نيل مصر من جهة البحر الملح، لأنه يقذف به البحر إلى النيل و صفته كصفة الزق المنفوخ، و له رأس صغير جدا و ليس في دواب البحر ما له رئة سواه فلذلك يسمع منه النفخ و النفس، و هو إذا ظفر بالغريق كان أقوى الأسباب في نجاته لأنه لا يزال يدفعه إلى البر حتى ينجيه، و لا يؤذي أحدا و لا يأكل إلا السمك. و ربما ظهر على وجه الماء كأنه ميت و هو يلد و يرضع، و أولاده تتبعه حيث ذهب، و لا يلد إلا في الصيف، من طبعه الأنس بالناس و خاصة بالصبيان و إذا صيد جاءت دلافين كثيرة لقتال

____________

(1) رواه النسائي في النكاح: 12.

(2) جمهرة الأمثال: 1/433.

471

صائده، و إذا لبث في العمق حينا حبس نفسه، و صعد بعد ذلك مسرعا مثل السهم لطلب النفس، فإن كانت بين يديه سفينة وثب وثبة ارتفع بها عن السفينة، و لا يرى منها ذكر إلا مع أنثى.

الحكم:

يحل أكله لعموم حل السمك إلا ما استثنى منه، و ليس هذا من المستثنيات كما سيأتي إن شاء اللّه تعالى.

الخواص:

إذا غلي شحمه في حنظلة فارغة و قطر في الأذن نفع من الصمم، و لحمه بارد بطي‏ء الهضم. و إذا علقت أسنانه على الصبيان يفزعوا. و أكل شحمه ينفع من أوجاع المفاصل.

و شحم كلاه إذا أذيب بالنار، و دهن به مع دهن الزنبق وجه امرأة أحبها زوجها و طلب مرضاتها. و كفاه يعلقان على من يفزع فيذهب فزعه. و إذا وضع نابه الأيمن في دهن ورد سبعة أيام و مسح به وجه إنسان كان محبوبا عند عامة الناس و نابه الأيسر بالضد من ذلك.

التعبير:

الدلفين تدل رؤيته على ما دلت عليه رؤية التمساح، و ربما دلت رؤيته على المكايد، و الاختفاء بالأعمال، و على التلصص و استراق السمع، و ربما دلت رؤيته على كثرة الدعاء و المطر، قاله ابن الدقاق. و قال المقدسي: من رآه في المنام، و كان خائفا، أمن و نجا لأنه ينجي الغرقى. و كل حيوان يرى مما يخشى منه في اليقظة كالتمساح و نحوه، إذا كان خارج الماء فهو عدو عاجز لا يقدر على مضرة من رآه في المنام، لأن قوته و بطشه في الماء فإذا خرج منه زالت قوّته و اللّه اعلم.

الدلق:

بالتحريك فارسي معرب، و هو دويبة تقرب من السمور. قال عبد اللطيف البغدادي: إنه يفترس في بعض الأحايين و يكرع الدم. و ذكر ابن فارس، في المجمل، إنه النمس، و فيه نظر. قال الرافعي: و الدلق يسمى ابن مقرس و قال القزويني: إنه حيوان وحشي عدو الحمام إذا دخل البرج لا يترك فيه واحدا أو تنقطع الثعابين عند صوته، و سيأتي إن شاء اللّه تعالى الكلام في باب الميم على ابن مقرص و ما وقع فيه للرافعي و النووي.

و في رحلة ابن الصلاح، عن كتاب لوامع الدلائل، في زوايا المسائل للكياالهراسي أنه قال: يجوز أكل الفنك و السنجاب و الدلق و القاقم، و الحوصل و الزرافة كالثعلب. ثم إن ابن الصلاح كتب بخطه: الدلق النمس. فاستفدنا من هذا حل النمس و الزرافة. و سيأتي إن شاء اللّه تعالى بيانهما في بابيهما.

الخواص:

عينه اليمنى تعلق على من به حمى الربع تزول عنه بالتدريج، و إذا علق اليسرى عليه عادت. و شحمه إذا بخر به برج الحمام هربت كلها. و هو يزيل الكلال الحاصل للإنسان من أكل الحامض. و دمه يقطر في أنف المصروع منه نصف دانق ينفعه، و جلده يجلس عليه صاحب القولنج و البواسير ينفعه.

الدلم:

نوع من القراد، قالت العرب في أمثالها: «فلان أشد من الدلم» (1) .

____________

(1) مجمع الأمثال: 1/391.

472

الدلهاما:

قال القزويني: هو شي‏ء يوجد في جزائر البحار، على هيئة إنسان راكب على نعامة، يأكل لحوم الناس الذين يقذفهم البحر، و ذكر بعضهم أنه عرض لمركب في البحر فحاربهم و حاربوه، فصاح بهم صيحة خروا على وجوههم فأخذهم.

الدم:

بكسر الدال السنور، حكاه في المحكم عن النضر في كتاب الوحوش.

الدنة:

بتشديد النون دويبة كالنملة قاله ابن سيده.

الدنيلس:

معروف و هو نوع من الصدف و الحلزون، قال جبريل بن بختيشوع: إنه ينفع من رطوبة المعدة و الاستسقاء.

و حكمه:

حل الأكل لأنه من طعام البحر، و لا يعيش إلا فيه. و لم يأت على تحريمه دليل.

كذا أفتى به الشيخ شمس الدين بن عدلان و علماء عصره و غيرهم. و ما نقل عن الشيخ عز الدين بن عبد السلام من الافتاء بتحريم أكله لم يصح. فقد نص الشافعي على أن حيوان البحر الذي لا يعيش إلا فيه يؤكل لعموم الآية، و لقوله صلى اللّه عليه و سلم «هو الطهور ماؤه، الحل ميتته» (1) .

و وراء ذلك وجهان، و قيل قولان أحدهما يحرم لأنه صلى اللّه عليه و سلم خص السمك بالحل، و الثاني ما أكل شبهه في البر، كالبقر و الشاء حلال. و ما لا كخنزير الماء و كلبه حرام و على هذا لا يؤكل ما أشبه الحمار و إن كان في البر الحمار الوحشي حلالا. قال في كتاب التبيان: فيما يحل و يحرم من الحيوان للشيخ عمار الدين الاقفهسي، و قد نقل عن الشيخ عز الدين بن عبد السلام أنه كان يفتي بتحريم الدنيلس، قال: و هذا مما لا يرتاب فيه سليم الطبع. قلت: و قد ذكر ارسطاطاليس، في كتابه نعوت الحيوان، أن السرطان لا يخلق بتولد و نتاج، و إنما يستحيل في الصدف أي يتخلق فيه ثم يخرج، و منه ما يتولد ثم ينشق عنه الصدف و يخرج، كما أن البعوض يتولد من أوساخ المياه و نتنها.

فقد استفدنا من كلام ارسطاطاليس أن ما في داخل الدنيلس و غيره، من الأصداف يستحيل سرطانات، و إذا كان الحيوان غير مأكول، فأصله كذلك إلا على القول الضعيف. و سمعت عن بعض الفقهاء أنه كان يفتي بحل الدنيلس، و يأخذه من كلام الأصحاب ما أكل مثله في البر، أكل مثله في البحر. و قال إن الدنيلس له نظير في البر، و هو الفستق، و هذه غباوة منه لأن مراد الأصحاب ما أكل في البر من حيوان أكل مثله في البحر. ثم هل يجب مع ذلك ذبحه أم لا؟فيه وجهان: و ليس مرادهم تشبيه حيوان بحري بحمار بري حتى يصح القياس. و بالجملة فهذا القائل، قد قاس الخبيث بالطيب، و يلزمه أن يقول بحل سائر المحار و الأصداف لأن الدنيلس محار صغير، ثم يأخذ بعد ذلك في الكبر، و الدليل على ذلك أنه يوجد منه صغير و كبير فإذا تكامل بقي محارا، فينبغي القطع بتحريم الدنيلس لأنه من أنواع الصدف، و الصدف مستخبث كالسلحفاة و الحلزون. قال الجاحظ: و الملاحون يأكلون البلبل، و هو ما في جوف الصدفة، و هذا يدل على أنه غير مستطاب و إلا لما عده من خواص الملاحين. و أهل مصر يعيبون أهل الشام

____________

(1) رواه أبو داود في الطهارة: 41. و الترمذي في الطهارة: 52. و النسائي في الطهارة: 46 و ابن ماجة في الطهارة: 38. الموطأ في الطهارة: 12، و الدارمي وضوء: 53. و أحمد: 2/237.

473

بأكلهم السرطان، و أهل الشام يعيبون أهل مصر بأكلهم الدنيلس و لم أجد لهم مثلا إلا قول الشاعر:

و من العجائب و العجائب جمة # أن يلهج الأعمى بعيب الأعمش‏

انتهى كلام الأقفهسي، و هو مخالف لما ذكره المؤلف و اللّه أعلم.

الدهانج:

بضم الدال الجمل الضخم ذو السنامين. و سيأتي إن شاء اللّه تعالى في باب الفاء في الفالج.

الدوبل:

الحمار الصغير الذي لا يكبر و كان الأخطل يلقب به و منه قول جرير (1) :

بكى دوبل لا يرقئ اللّه دمعه # ألا إنما يبكي من الذل دوبل‏ (2)

الدود:

جمع دودة و جمع الدود ديدان، و التصغير دويد، و قياسه دويدة وداد الطعام يداد و أداد و دوّد. إذا وقع فيه السوس قال الراجز:

قد أطعمتني دفلا حوليا # مسوسا مدوّدا حجريا

و الدود أيضا صغار الدود. و دويد بن زيد عاش أربعمائة و خمسين سنة، و أدرك الإسلام و هو لا يعقل، و ارتجز و هو محتضر:

اليوم يبنى لدويد بيته # لو كان للدهر بلى ابليته

أو كان قرني واحدا كفيته # يا رب نهب صالح حويته

و رب غيل حسن لويته # و معصم مخضب ثنيته‏

و في تاريخ‏ (3) ابن خلكان، إنه سعى بأبي الحسن الهادي، بن محمد الجواد، بن علي الرضا إلى المتوكل بأن في منزله سلاحا و كتبا من شيعته، و أنه يطلب الأمر لنفسه، فبعث المتوكل إليه جماعة فهجموا عليه في منزله فوجدوه على الأرض مستقبل القبلة يقرأ القرآن، فحملوه على حاله إلى المتوكل و المتوكل يشرب، فاعظمه و أجله و قال له: أنشدني فقال: إني قليل الرواية للشعر. فقال له المتوكل: لا بد فأنشده:

باتوا على قلل الأجبال تحرسهم # غلب الرجال فما أغنتهم القلل

و استنزلوا بعد عز من معاقلهم # و أودعوا حفرا يا بئس ما نزلوا

ناداهم صارخ من بعد ما قبروا # أين الأسرة و التيجان و الحلل

فأفصح القبر عنهم حين ساءلهم # تلك الوجوه عليها الدود يقتتل

قد طالما أكلوا دهرا و ما شربوا # فأصبحوا بعد ذاك الأكل قد أكلوا

____________

(1) جرير بن عطية الخطفي، الشاعر المجيد من شعراء العصر الأموي. و المتوفى سنة 110 هـ-.

(2) البيت في ديوانه: ص 366. و فيه: لا يرقأ.

(3) وفيات الأعيان: 3/272.

474

فبكى المتوكل و الحاضرون. ثم قال له المتوكل: يا أبا الحسن هل عليك دين؟قال: نعم أربعة آلاف درهم، فأمر له بها و صرفه مكرما. فلما كثرت السعاية به عند المتوكل أحضره المدينة، و أقره بسر من رأى، و تدعى العسكر لأن المعتصم لما بناها انتقل إليها بعسكره، فقيل لها:

العسكر، فأقام بها عشرين سنة و تسعة أشهر، و لهذا قيل له العسكري. و توفي في جمادى الآخرة سنة أربع و خمسين و مائتين، و هو أحد الأئمة الاثني عشر على مذهب الإمامية رضي اللّه تعالى عنه و عن آبائه الكرام. و الدود أنواع كثيرة يدخل فيها الأساريع و الحلم و الأرضة و دود الخل و الزبل، و دود الفاكهة و دود القز و الدود الأخضر الذي يوجد في شجر الصنوبر، و هو في القوة و الفعل كالذراريح، و كله معروف و منه ما يتولد في جوف الإنسان. و روى ابن عدي بسند فيه عصمة بن محمد بن فضالة عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما أن النبي صلى اللّه عليه و سلم قال: «كلوا التمر على الريق فإنه يقتل الدود (1) » . و قالت الحكماء: شرب الوخشيرق يرمي الدود من البطن، و ورق الخوخ إذا ضمدت السرة به قتل ديدان البطن. روى البيهقي في الشعب، عن صدقة بن يسار أنه قال:

دخل داود عليه الصلاة و السلام في محرابه، فأبصر دودة صغيرة فتفكر في خلقها، و قال: ما يعبأ اللّه بخلق هذا الدودة، فأنطقها اللّه فقالت: يا داود أ تعجبك نفسك؟لأنا على قدر ما أتاني اللّه، أذكر للّه و أشكر له منك، على ما آتاك اللّه. قال اللّه تعالى: وَ إِنْ مِنْ شَيْ‏ءٍ إِلاََّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ (2) و أما دود الفاكهة فذكر الزمخشري في تفسير قوله‏ (3) تعالى: وَ إِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ الآية أنها بعثت خمسمائة غلام، عليهم ثياب الجواري و حليهن، و خمسمائة جارية على زي الغلمان، كلهم على سروج الذهب و الخيل المسومة، و ألف لبنة من ذهب و فضة، و تاجا مكللا بالدر و الياقوت و المسك و العنبر، و حقا فيه درة يتيمة و خرزة مثقوبة معوجة الثقب، و بعثت برجلين من أشراف قومها المنذر بن عمرو و آخر ذي رأي و عقل. و قالت: إن كان نبيا ميز بين الغلمان و الجواري، و ثقب الدرة ثقبا مستويا، و سلك في الخرزة خيطا ثم قالت للمنذر: إن نظر إليك نظر غضبان، فهو ملك فلا يهولنك أمره، و إن رأيت شيئا لطيفا فهو نبي، فأعلم اللّه نبيه سليمان بذلك، فأمر الجن فضربوا لبن الذهب و الفضة، و فرشت في ميدان بين يديه طوله سبعة فراسخ، و جعلوا حول الميدان حائطا، شرفة من ذهب و شرفة من فضة، و أمر بأحسن الدواب في البر و البحر فربطوها، عن يمين الميدان و يساره على اللبن، و أمر بأولاد الجن، و هم خلق كثير، فاقيموا على اليمين و اليسار، ثم قعد على كرسيه، و الكراسي عن يمينه و يساره، و اصطفت الشياطين صفوفا فراسخ، و الجن صفوفا فراسخ، و الإنس صفوفا فراسخ، و الوحش و السباع و الطيور و الهوام كذلك، فلما دنا القوم، نظروا فرأوا الدواب تروث على لبنات الذهب و الفضة، فرموا بما معهم منها، فلما وقفوا بين يديه، نظر إليهم بوجه طلق، ثم قال: أين الحق الذي فيه كذا و كذا؟فقدموه بين يديه فأمر الأرضة، فأخذت شعرة و نفدت فيها، فجعل رزقها في الشجر، و أخذت دودة بيضاء بفيها الخيط، و نفذت فيها فجعل رزقها في الفواكه، و دعا بالماء، فكانت الجارية تأخذ الماء بيدها، فتجعله في الأخرى، ثم تضرب به وجهها، و الغلام كما يأخذه يضرب به وجهه، ثم ردا الهدية، و قال للمنذر: ارجع إليهم. فلما رجع و أخبرها الخبر قالت: هو نبي و ما

____________

(1) الكامل لابن عدي 5/2009.

(2) سورة الإسراء: الآية 44.

(3) سورة النمل: الآية 35.

475

لنا به طاقة فشخصت إليه في أثنى عشر ألف قيل تحت يد كل قبل ألوف.

و أما دود القز فيقال لها الدودة الهندية، و هي من أعجب المخلوقات، و ذلك إنه يكون أولا بزرا من قدر حب التين، ثم يخرج من الدود عند فصل الربيع، و يكون عند الخروج أصغر من الذر، و في لونه و يخرج من الأماكن الدافئة من غير حضن، إذا كان مصرورا مجعولا في حق، و ربما تأخر خروجه فتصره النساء و تجعله تحت ثديهن، و إذا خرج أطعم ورق التوت الأبيض، و لا يزال يكبر و يعظم إلى أن يصير في قدر الإصبع، و ينتقل من السواد إلى البياض أولا فأولا، و ذلك في مدة ستين يوما على الأكثر، ثم يأخذ في النسج على نفسه بما يخرجه من فيه إلى أن ينفد ما في جوفه منه. و يكمل عليه ما يبنيه إلى أن يصير كهيئة الجوزة، و يبقى فيه محبوسا قريبا من عشرة أيام، ثم ينقب عن نفسه تلك الجوزة، فيخرج منها فراش أبيض له جناحان، لا يسكنان من الاضطراب، و عند خروجه يهيج إلى السفاد، فيلصق الذكر ذنبه بذنب الأنثى و يلتحمان مدة، ثم يفترقان، و تبزر الأنثى البزر الذي تقدم ذكره على خرق بيض، تفرش له قصدا إلى أن ينفد ما فيها منه، ثم يموتان هذا إن أريد منهما البزر و إن أريد الحرير ترك في الشمس بعد فراغه من النسج، بعشرة أيام يوما بعض يوم فيموت. و فيه من أسرار الطبيعة أنه يهلك من صوت الرعد، و ضرب الطست و الهاون و من شم الخل و الدخان و مس الحائض و الجنب. و يخشى عليه من الفأر و العصفور و النمل و الوزغ و كثرة الحر و البرد و قد ألغز فيه بعض الشعراء فقال:

و بيضة تحضن في يومين # حتى إذا دبت على رجلين

و استبدلت بلونها لونين # حاكت لها خيسا بلا نيرين

بلا سماء و بلا بابين # و نقبته بعد ليلتين

فخرجت مكحولة العينين # قد صبغت بالنقش حاجبين

قصيرة ضئيلة الجنبين # كأنها قد قطعت نصفين

لها جناح سابع النبردين # ما نبتا إلا لقرب الحين

إن الردى كحل لكل عين‏

قال الإمام أبو طالب المكي‏ (1) ، في كتابه قوت القلوب: و قد مثل بعض الحكماء ابن آدم بدود القز، لا يزال ينسج على نفسه، من جهله حتى لا يكون له مخلص، فيقتل نفسه و يصير القز لغيره، و ربما قتلوه إذا فرغ من نسجه، لأن القز يلتف عليه فيروم الخروج عنه فيشمس، و ربما غمز بالأيدي حتى يموت لئلا يقطع القز ليخرج القز صحيحا. فهذه صورة المكتسب الجاهل الذي أهلكه أهله و ماله و تتنعم ورثته بما شقي هو به فإن أطاعوا به، كان أجره لهم، و حسابه عليه، و إن عصوا به كان شريكهم في المعصية لأنه أكسبهم إياها به، فلا يدري أي الحسرتين عليه أعظم إذهابه عمره لغيره، أو نظره إلى ماله في ميزان غيره؟انتهى. و قد أشار إلى ذلك أبو الفتح البستي‏ (2)

بقوله:

____________

(1) مكي بن أبي طالب حموش بن محمد الأندلس. مقرئ عالم بالعربية و التفسير. مات سنة 437. من أهل القيروان، طاف في بلاد المشرق و عاد إلى موطنه. له تصانيف كثيرة.

(2) البستي: علي بن محمد، أبو الفتح البستي. وفاته سنة 400 هـ-. شاعر رقيق.

476

أ لم تر أن المرء طول حياته # معنى بأمر لا يزال يعالجه

كدود كدود القز ينسج دائما # و يهلك غما وسط ما هو ناسجه‏

و له أيضا و أجاد:

لا يغرنك أنني لين اللمـ # س فعزمي إذا انتضيت حسام

أنا كالورد فيه راحة قوم # ثم فيه لآخرين زكام‏

و قال آخر (1) في المعنى:

يفنى الحريص بجمع المال مدته # و للحوادث ما يبقى و ما يدع‏ (2)

كدودة القز ما تبنيه يهلكها # و غيرها بالذي تبنيه ينتفع‏ (3)

لما أخذت دودة القز تنسج، أقبل العنكبوت يتشبه بها، و قال: لي نسج و لك نسج. فقالت دودة القز: إن نسجي ملابس الملوك و نسجك ملابس الذباب، و عند مس الحاجة يتبين الفرق و لذلك قيل:

إذا اشتبكت دموع في خدود # تبين من بكى ممن تباكى‏

تتمة:

شجرة الصنوبر تثمر في كل ثلاثين سنة مرة، و شجرة الدبا تصعد في كل أسبوعين، فتقول لشجرة الصنوبر: إن الطريق التي قد قطعتها في ثلاثين سنة قطعتها في أسبوعين. و يقال:

لك شجرة و لي شجرة، فتقول شجرة الصنوبر لها: مهلا إلى أن تهب رياح الخريف، فحينئذ يتبين لك اغترارك بالاسم. و قال المسعودي في ترجمة الراضي إن دودة بطبرستان، تكون من المثقال إلى ثلاثة مثاقيل، تضي‏ء في الليل كما يضي‏ء الشمع، و تطير بالنهار فترى لها أجنحة، و هي خضراء ملساء لا جناحين لها في الحقيقة، غذاؤها التراب، لم تشبع قط منه خوفا أن تفنى تراب الأرض فتهلك جوعا. قال: و فيها منافع كثيرة و خواص واسعة انتهى. و سيأتي عن الجاحظ قريب من هذا.

الحكم:

يحرم أكله بجميع أنواعه، لأنه مستخبث إلا ما تولد من مأكول فعندنا فيه ثلاثة أوجه: أصحها جواز أكله معه لا منفردا، و الثاني يجب تمييزه و لا يؤكل أصلا، و الثالث يؤكل معه و منفردا. و على الأصح ظاهر اطلاقهم أنه لا فرق بين أن يسهل تمييزه أو يشق. و لا يجوز بيع الدود إلا القرمز الذي يصبغ به و هو دود أحمر يوجد في شجر البلوط في بعض البلاد صدفي يشبه الحلزون. تجمعه نساء تلك البلاد بأفواههن. و أما دود القز فيجوز بيعه، و يجب إطعامه ورق الفرصاد، و هو التوت الأبيض، و يجوز تشميسه، و إن هلك لتحصيل فائدته. و يجوز بيع الفيلج و في باطنه الدود الميت لأن بقاءه فيه من مصلحته، فيجوز بيعه وزنا و جزفا، كما صرح به القاضي

____________

(1) هو أبو علي، ابن الشبل. و البيتان في فوات الوفيات: 3/340.

(2) في الفوات: «يغنى البخيل» . «و للحوادث و الأيام ما يدع» .

(3) في الفوات: «تبنيه يهدمها» .

477

حسين. و قال الإمام: إن باعه جزافا كما صرح به القاضي حسين و قال الإمام إن باعه جزافا جاز، و إن باعه وزنا لم يجز. قلت: و هذا هو الصحيح المعتمد، لأن الدود الذي فيه، يمنع معرفة مقدار ما فيه من المقصود. و هو القز و قد جزم به الشيخان، في آخر كتاب السلم. و جزم به ابن الرفعة و غيره. و في روثه الخلاف في روث ما لا نفس له سائلة. و في بزره الوجهان في بيض ما لا يؤكل و الأصح الطهارة. و قال الفوراني و المتولي: إن قلنا دود القز طاهر، بعد الموت فبزره طاهر، و إن قلنا إنه نجس فالبزر كالبيض لأن له نماء مثله. و في فتاوى القفال: إن بزر القز لا مثل له، و لا يجوز السلم فيه، لأن أهل الصنعة لا يعرفون أن هذا البزر يكون نسجه أحمر أو أبيض، فهو كالسلم في الجواهر.

الأمثال:

قالوا (1) : «أصنع من دود القز» . و ربما قالوا: «أكثر من الدود و أضعف من الدود» . قال ابن رشد، في جامع البيان و التحصيل: سأل عمر بن الخطاب رضي اللّه تعالى عنه، عمرو بن العاص رضي اللّه تعالى عنه، عن البحر، فقال: خلق قوي يركبه خلق ضعيف، دود على عودان ضاعوا هلكوا، و إن بقوا فرقوا. فقال عمر: لا أحمل فيه أحدا أبدا.

الخواص:

إذا أخذ دود القز، و خلط بالزيت و لطخ به بدن إنسان نفع من نهش الهوام، و ذوات السموم و دودة القز إن أخرجت منه و أكلها الدجاج حصل له سمن كثير، و دود الزبل الأصفر الذي يخلق منه، إذا طبخ في زيت عتيق حتى ينضج و يدهن بذلك الزيت داء الثعلب، فإنه يبرئه، و هو في ذلك عجيب مجرب إذا داوم عليه.

التعبير:

الدود في المنام عدو من الأهل، و دود القز زبون للتاجر، و رعية للسلطان، فمن أخذ منه شيئا نال منفعة منهم، و ربما دلت رؤية الدود على مال حرام. و يعبر أيضا بالضر فمن زال عنه زال ذلك عنه، و ربما عبر الدود بالأولاد القصيري الأعمار، و أصحاب التركات السنية، و ربما دلت رؤيته على قرب الأجل و نهاية العمر، و ربما دلت على الحاكة من الرجال و النساء، و المحاكين للصور و اللّه أعلم.

دؤالة:

كنخالة من أسماء الثعلب، سمي بذلك لنشاطه و خفة مشيه و الدألان مشية النشيط.

الدودمس:

ضرب من الحيات محرنفش الغلاصيم، ينفخ فيحرق ما أصاب و الجمع دودمسات و دواميس قاله ابن سيده.

الدوسر:

الجمل الضخم و الأنثى دوسرة. و جمل دوسري كأنه منسوب إليه.

الديسم:

بالفتح ولد الدب قال الجوهري: قلت لأبي الغوث: يقال إنه ولد الذئب من الكلبة!فقال: ما هو إلا ولد الدب. و قال في المحكم: إنه ولد الثعلب. و قال الجاحظ: إنه ولد الذئب من الكلبة. و هو أغبر اللون و غبرته ممتزجة بسواد. و حكمه: تحريم الأكل على كل تقدير.

الديك:

ذكر الدجاج و جمعه ديوك و ديكة، و تصغيره دويك، و كنيته أبو حسان،

____________

(1) جمهرة الأمثال: 1/479.

478

و أبو حماد و أبو سليمان، و أبو عقبة، و أبو مدلج، و أبو المنذر، و أبو نبهان و أبو يقظان، و أبو برائل و البرائل الذي يرتفع من ريش الطائر في عنقه، و ينفشه الديك للقتال، و قيل: إن للديك خاصة.

و يسمى الأنيس و المؤانس، و من شأنه أنه لا يحنو على ولده، و لا يألف زوجة واحدة، و هو أبله الطبيعة، و ذلك أنه إذا سقط من حائط لم يكن له هداية ترشده إلى دار أهله. و فيه من الخصال الحميدة أنه يسوي بين دجاجه، و لا يؤثر واحدة على واحدة إلا نادرا، و أعظم ما فيه من العجائب، معرفة الأوقات الليلية فيقسط أصواته عليها تقسيطا، لا يكاد يغادر منه شيئا سواء طال أو قصر.

و يوالي صياحه قبل الفجر و بعده، فسبحان من هداه لذلك. و لهذا أفتى القاضي حسين و المتولي و الرافعي بجواز اعتماد الديك المجرب في أوقات الصلوات. و من غريب أمره، إذا كانت الديكة بمكان، و دخل عليها ديك غريب سفدته كلها، و قد أجاد أبو بكر الصنوبري في مدحه حيث قال‏ (1) :

مغرد الليل ما يألوك تغريدا # مل الكرى فهو يدعو الصبح مجهودا

لما تطرب هز العطف من طرب # و مد للصوت لما مده الجيدا

كلابس مطرفا مرخ ذوائبه # تضاحك البيض من اطرافه السودا

حالى المقلد لو قيست قلائده # بالورد قصر عنها الورد توريدا

و في تاريخ‏ (2) ابن خلكان في ترجمة محمد بن معن بن محمد بن صمادح، المنعوت بالمعتصم، من قصيدة مدحه بها أبو القاسم الأسعد بن بليطة في صفة الديك:

كأن أنو شروان أعطاه تاجه # و ناط عليه كفّ مارية القرطا (3)

سبى حلة الطاوس حسن لباسه # و لم يكفه حتى سبى المشية البطا

قال‏ (4) الجاحظ: و يدخل في الديك الهندي و الجلاسي و النبطي و السندي و الزنجي، و زعم أهل التجربة أن الديك الأبيض الأفرق من خواصه أن يحفظ الدار التي هو فيها، و زعموا أن الرجل إذا ذبح الديك الأبيض الأفرق، لم يزل ينكب في أهله و ماله.

و روى عبد الحق بن قانع بإسناده إلى جابر بن أثوب، بسكون الثاء المثلثة و فتح الواو، و هو أثوب بن عتبة، أن النبي صلى اللّه عليه و سلم قال: «الديك الأبيض خليلي» . و إسناده لا يثبت. و رواه غيره بلفظ: «الديك الأبيض صديقي و عدو الشيطان، يحرس صاحبه و سبع دور خلفه» . قال: و كان النبي صلى اللّه عليه و سلم يقتنيه في البيت و المسجد. و في التهذيب في ترجمة البزي الراوي عن ابن كثير، و هو أبو الحسن أحمد بن محمد بن عبد اللّه بن القاسم بن نافع بن أبي بزة المكي، و هو ضعيف الحديث، عن الحسن عن أنس أن النبي صلى اللّه عليه و سلم قال: «الديك الأبيض الأفرق حبيبي و حبيب حبيبي جبريل يحرس بيته و ستة عشر بيتا من جيرانه» . و روى الشيخ محب الدين الطبري «أن النبي صلى اللّه عليه و سلم كان له ديك أبيض و كان الصحابة رضي اللّه عنهم يسافرون بالديكة لتعرفهم أوقات الصلوات» .

____________

(1) العقد الفريد: 6/171.

(2) وفيات الأعيان: 5/43.

(3) أنو شروان: من أكاسرة الفرس. و في الوفيات: «أعلاه تاجه» و «ناطت عليه» .

(4) الحيوان: 3/145.

479

و في الصحيحين و سنن أبي داود و الترمذي و النسائي عن أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه أن النبي صلى اللّه عليه و سلم‏ (1) قال: «إذا سمعتم صياح الديكة فاسألوا اللّه من فضله فإنها رأت ملكا، و إذا سمعتم نهاق الحمير فتعوذوا باللّه من الشيطان، فإنها رأت شيطانا» . قال القاضي عياض: سببه رجاء تأمين الملائكة على الدعاء، و استغفارهم و شهادتهم له بالإخلاص و التضرع و الابتهال. و فيه استحباب الدعاء عند حضور الصالحين و التبرك بهم و إنما أمرنا بالتعوذ من الشيطان عند نهيق الحمير، لأن الشيطان يخاف من شره عند حضوره فينبغي أن يتعوذ منه انتهى. و في معجم الطبراني و تاريخ أصبهان، عن النبي صلى اللّه عليه و سلم أنه قال: «إن للّه سبحانه ديكا أبيض جناحاه موشيان بالزبرجد و الياقوت و اللؤلؤ، جناح بالمشرق و جناح بالمغرب، و رأسه تحت العرش و قوائمه في الهواء، يؤذن في كل سحر فيسمع تلك الصيحة أهل السموات و أهل الأرض، إلا الثقلين، الإنس و الجن، فعند ذلك تجيبه ديوك الأرض فإذا دنا يوم القيامة يقول اللّه تعالى: ضم جناحيك، و غض صوتك. فيعلم أهل السموات و أهل الأرض إلا الثقلين أن الساعة قد اقتربت» . و روى الطبراني و البيهقي في الشعب، عن محمد بن المنكدر، عن جابر رضي اللّه تعالى عنه أن النبي صلى اللّه عليه و سلم قال: «إن للّه ديكا رجلاه في التخوم، و عنقه تحت العرش منطوية، فإذا كان هنة من الليل، صاح: سبوح قدوس، فتصيح الديكة» . و هو في كامل ابن عدي في ترجمة علي بن أبي علي اللهبي. قال: و هو يروي أحاديث منكرة عن جابر رضي اللّه عنه. و في كتاب فضل الذكر، للحافظ العلامة جعفر بن محمد بن الحسن الفريابي، عن ثوبان مولى رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم قال: «إن للّه عز و جل ديكا رجلاه في الأرض السفلى، و عنقه مثنية تحت العرش، و جناحاه في الهواء يخفق بهما في السحر كل ليلة، يقول: سبحان الملك القدوس ربنا الملك الرحمن لا إله غيره» . و روى الثعلبي أن النبي صلى اللّه عليه و سلم قال: «ثلاثة أصوات يحبها اللّه تعالى. صوت الديك، و صوت قارئ القرآن، و صوت المستغفرين بالأسحار» . و روى الإمام أحمد و أبو داود و ابن ماجة، عن زيد بن خالد الجهني رضي اللّه تعالى عنه، أن النبي صلى اللّه عليه و سلم قال: «لا تسبوا الديك فإنه يوقظ للصلاة» . إسناده‏ (2)

جيد و في لفظ «فإنه يدعو إلى الصلاة» قال الإمام الحلمي في قوله صلى اللّه عليه و سلم «فإنه يدعو إلى الصلاة» .

دليل على أن كل من استفيد منه خير، لا ينبغي أن يسب و يستهان به، بل حقه أن يكرم و يشكر و يتلقى بالإحسان، و ليس معنى دعاء الديك إلى الصلاة أنه يقول بصراخه حقيقة: الصلاة أو قد حانت الصلاة، بل معناه أن العادة قد جرت بأنه يصرخ صرخات متتابعة، عند طلوع الفجر، و عند الزوال، فطرة فطره اللّه عليها فيتذكر الناس بصراخه الصلاة، و لا يجوز لهم أن يصلوا بصراخه، من غير دلالة سواه إلا من جرب منه ما لا يخلف فيصير ذلك له إشارة و اللّه أعلم انتهى. و روى الحاكم في المستدرك في أوائل كتاب الإيمان و الطبراني و رجاله رجال الصحيح عن أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه أن النبي صلى اللّه عليه و سلم قال: «إن اللّه أذن لي أن أحدث عن ديك رجلاه في الأرض و عنقه مثنية تحت العرش، و هو يقول: سبحانك ما أعظم شأنك، قال: فيرد عليه ما يعلم ذلك من حلف بي كاذبا» . و روى الإمامان أبو طالب المكي و حجة الإسلام الغزالي، عن

____________

(1) رواه البخاري: بدء الخلق: 15. و مسلم ذكر: 82. الترمذي دعوات: 56.

(2) رواه أحمد: 5/193-4/115.

480

ميمون بن مهران، أنه قال: بلغني أن تحت العرش ملكا في صورة ديك، براثنه من لؤلؤة و صيصته من زبرجد أخضر، فإذا مضى ثلث الليل الأول ضرب بجناحيه و زقا و قال: ليقم القائمون، فإذا مضى نصف الليل ضرب بجناحيه و زقا و قال: ليقم المصلون، فإذا طلع الفجر ضرب بجناحيه و زقا و قال: ليقم الغافلون و عليهم أوزارهم و معنى زقا صاح.

نكتة:

كان سهل بن هارون بن راهويه، في خدمة المأمون، و كان حكيما فصيحا شاعرا فارسي الأصل شيعي المذهب، شديد التعصب على العرب، و له مصنفات عديدة في الأدب و غيره، و كان الجاحظ يصف براعته و حكمته و شجاعته في كتبه، و كان إليه النهاية في البخل و له فيه حكايات عجيبة: فمن ذلك قال دعبل: كنا عنده يوما فأطلنا القعود، حتى كاد يموت جوعا، ثم قال: ويحك يا غلام غدنا!فأتاه بقصعة فيها ديك مطبوخ، فتأمله ثم قال أين الرأس يا غلام؟ قال: رميت به. فقال: إني و اللّه لأمقت من يرمي برجله، فكيف برأسه؟و لو لم يكن فيما فعلت إلا الطيرة و الفأل لكراهته، أ ما علمت أن الرأس رئيس الأعضاء، و منه يصرخ الديك، و لو لا صوته ما أريد، و فيه عرفه الذي يتبرك به، و عينه التي يضرب بها المثل في الصفاء، فيقال: «شراب كعين الديك» . و دماغه عجب لوجع الكليتين، و لم ير عظم أهش تحت الأسنان منه، وهب أنك ظننت أني لا آكله أ و ليس العيال كانوا يأكلونه؟فإن كان قد بلغ من نبلك أنك لا تأكله، فعندنا من يأكله، أ و ما علمت أنه خير من طرف الجناح، و من رأس العنق؟انظر لي أين هو؟فقال:

و اللّه ما أدري أين هو، و لا أين رميت به. فقال: رميته في بطنك قاتلك اللّه.

الحكم‏

: يحل أكله لما تقدم في الدجاج، و يكره سبه لما تقدم في حديث زيد بن خالد الجهني، و يجوز اعتماد الديك المجرب في أوقات الصلوات كما تقدم قريبا. قال أصبغ بن زيد الواسطي: كان لسعيد بن جبير ديك يقوم في الليل بصياحه، فلم يصح ليلة حتى أصبح فلم يصل سعيد تلك الليلة فشق ذلك عليه، فقال: ما له قطع اللّه صوته؟فلم يسمع له صوت بعد ذلك. و في مناقب إمامنا الشافعي رحمه اللّه تعالى، أن رجلا سأله عن رجل خصى ديكا له، فقال: عليه أرشه. و في الكامل. في ترجمة عبد اللّه بن نافع مولى ابن عمر عن ابن عمر رضي اللّه تعالى عنهما، أن النبي صلى اللّه عليه و سلم: «نهى عن خصاء الديك و الغنم و الخيل. و قال‏ (1) : «إنما النماء في الخيل» . و تحرم المنافرة بالديكة. و سيأتي ما ورد في ذلك من النهي في باب الكاف، في المناطحة بالكباش، في لفظ الكبش إن شاء اللّه تعالى.

الأمثال:

قالوا (2) : «أشجع من ديك» «و أسفد من ديك‏ (3) » .

فائدة:

روى‏ (4) مسلم و غيره أن عمر رضي اللّه عنه خطب الناس يوما فحمد اللّه و أثنى عليه. ثم قال: إني رأيت رؤيا لا أراه إلا لحضور أجلي و هي أن ديكا نقرني ثلاث نقرات، و في لفظ رأيت كأن ديكا أحمر نقرني نقرة أو نقرتين. فحدثتها أسماء بنث عميس رضي اللّه عنها فحدثتني بأن يقتلني رجل من الأعاجم. و كان هذا القول منه يوم الجمعة فطعن يوم الأربعاء

____________

(1) رواه ابن حنبل: 2/24.

(2) جمهرة الأمثال: 1/460.

(3) المستقصى: 1/169.

(4) رواه مسلم في المساجد: 78. و ابن حنبل: 1/15-27-48.

481

رضي اللّه عنه. و روى الحاكم عن سالم بن أبي الجعد عن معدان بن أبي طلحة عن عمر رضي اللّه تعالى عنه أنه قال على المنبر: رأيت في المنام كأن ديكا نقرني ثلاث نقرات فقلت: أعجمي يقتلني، و إني جعلت أمري إلى هؤلاء الستة، الذي توفي رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم و هو عنهم راض: عثمان و علي و طلحة و الزبير و عبد الرحمن بن عوف و سعد بن أبي وقاص. فمن استخلف فهو الخليفة. و ذكر ابن خلكان و غيره، أن عمر رضي اللّه عنه، لما طعن، اختار من الصحابة ستة نفر، و هم المتقدم ذكرهم. و كان سعد بن أبي وقاص غائبا، و جعل عبد اللّه ابنه مشيرا، و ليس له من الأمر شي‏ء و أقام المسور بن مخرمة، و ثلاثين نفسا من الأنصار، و قال: إن اتفقوا على واحد إلى ثلاثة أيام، و إلا فاضربوا رقاب الكل فلا خير للمسلمين فيهم، و إن افترقوا فرقتين، فالفرقة التي فيها عبد الرحمن بن عوف. و أوصي أن يصلي صهيب بالناس ثلاثة أيام، فأخرج عبد الرحمن بن عوف نفسه من الشورى، و اختار عثمان فبايعه الناس. و نقل أن العباس بن عبد المطلب قال لعلي:

يا ابن أخي لا تدخل نفسك في الشورى مع القوم، فإني أخاف أن يخرجوك منها فتبقى و صمة فيك فلم يقبل منه.

و كان عمر قد بويع له بالخلافة يوم مات الصديق بعهد منه له في ذلك كما سبق في باب الهمزة في لفظ الأوز. و ضربه أبو لؤلؤة فيروز الفارسي غلام المغيرة بن شعبة، و كان مجوسيا، و قيل: كان نصرانيا، ثلاث ضربات أحداهن تحت سرته، فقال: قتلني الكلب. و خرج من المحراب و دخل عبد الرحمن بن عوف، فأتم الصلاة بالناس. و مر أبو لؤلؤة هاربا في يده خنجر يضرب به يمينا و شمالا فطرح عليه رجل من الأنصار رداءه، فلما علم أنه مأخوذ، نحر نفسه.

و كان بعض الذين في المسجد لم يشعروا بذلك لشغلهم بالصلاة إلا أنهم فقدوا صوت عمر و لم يعلموا ما سببه. و إنه لما طعن، قيل له: ما أحب الأشربة إليك يا أمير المؤمنين؟قال: النبيذ فسقوه نبيذا، فخرج من جرحه، فقال قوم: نبيذ و قال قوم: دم فسقوه لبنا فخرج من جرحه.

فقيل له: أوص يا أمير المؤمنين، فأوصى بالشورى كما تقدم. و كان قتله في ذي الحجة سنة ثلاث و عشرين و بقي ثلاثة أيام، و توفي لأربع بقين من ذي الحجة. و قيل لليلتين و قد تقدم بعض ذلك في الأوز.

و يقال إن عبيد اللّه بن عمر وثب على الهرمزان فقتله، و قتل معه رجلا نصرانيا، يعرف بحفنة من أهل نجران، كانا قد اتهما بإغراء أبي لؤلؤة بعمر رضي اللّه عنه. و قتل بنتا لأبي لؤلؤة طفلة. و وداهم عثمان رضي اللّه عنه. و لحق عبيد اللّه بمعاوية في خلافة علي رضي اللّه عنه.

و كان في أيام عمر الفتوحات العظام، و هو الذي سمى الغزوات الشواتي و الصوائف، و هو أول من أرخ التاريخ بعام الهجرة، و أول من دعي بأمير المؤمنين و أول من ختم الكتب، و كان في يده خاتم رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، و فيه نظر. و أول من ضرب بالدرة و حملها. و أول من قال: أطال اللّه بقاءك، قالها لعلي رضي اللّه عنهما، و هو الذي أخر المقام إلى موضعه اليوم، و كان ملصقا بالبيت، و هو أول من جمع الناس على إمام واحد في التراويح. و حج بالناس عشر سنين متوالية آخرها سنة ثلاث و عشرين، و معه نساء رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم في الهوادج و رجع إلى المدينة فرأى الرؤيا المتقدم‏

482

ذكرها، و تزوّج عمر أم كلثوم بنت علي رضي اللّه عنه، و أصدقها أربعين ألف درهم، و كان أي عمر رضي اللّه عنه قد حد ابنه عبيد اللّه على الشراب، فقال له و هو يحده: قتلتني يا أبتاه. فقال له: يا بني إذا لقيت ربك فأخبره أن أباك يقيم الحدود. و الذي في السير أن المحدود في الشراب ابنه الأوسط أبو شحمة، و اسمه عبد الرحمن، و أمه أم ولد يقال لها الهيبة. و قتل عبيد اللّه الرجلين مشكل و قتله الطفلة أشكل و اللّه أعلم. و ذكر غير واحد من الثقات، أنه كان لرقية بنت رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، من عثمان، ولد يقال له عبد اللّه، و به كان يكنى، بلغ سبع سنين نقره ديك في وجهه فمات بعد أمه في جمادى سنة أربع. و لم يولد له غيره من بنات النبي صلى اللّه عليه و سلم. و لما هاجرت رقية إلى الحبشة كان فتيان الحبشة يتعرضون لرؤيتها و يتعجبون من جمالها، فآذاها ذلك فدعت عليهم فهلكوا جميعا. و قالوا: «ما كلمته إلا كحسو الديك» (1) يريدون السرعة قال الشاعر:

و يوما كحسو الديك قد بات صحبتي # ينالونه فوق القلاص العياهل‏ (2)

يريد قتله و سرعته و ضربوا المثل بصفاء عينه فقالوا: «أصفى من عين الديك» (3) .

و من المشهور في ذلك قصيدة عدي بن زيد العبادي التي يقول‏ (4) فيها:

بكر العاذلون في وضح الصبـ # بح يقولون لي أ ما تستفيق

و يلومون فيك يا ابنة عبد اللّه # و القلب عندكم موهوق‏ (5)

لست أدري إذا أكثروا العذل فيها # أ عدوّ يلومني أم صديق

ودعوا بالصبوح يوما فجاءت # قينة في يمينها إبريق

قدمته على عقار كعين الـ # ديك صفيّ سلافها الراووق‏ (6)

و لهذه الأبيات حكاية حسنة مشهورة مذكورة في درة الغواص. و في تاريخ ابن خلكان، في ترجمة حماد الراوية قال: كنت منقطعا إلى يزيد بن عبد الملك، و كان أخوه هشام يجفوني لذلك في أيامه، فلما مات يزيد، و أفضت الخلافة إلى هشام، خفته فمكثت في بيتي سنة لا أخرج إلا لمن أثق به، من إخواني سرا، فلما لم أسمع أحدا ذكرني في السنة، أمنت فخرجت يوما، و صليت الجمعة بالرصافة، و إذا شرطيان قد وقفا عليّ و قالا: يا حماد أجب الأمير يوسف بن عمر، و كان واليا على العراق، فقلت في نفسي: من هذا كنت أخاف. ثم قلت للشرطين: هل لكما أن تدعاني حتى آتي أهلي، فاودعهم وداع من لا يرجع إليهم أبدا، ثم أسير معكما إليه؟فقالا: ما إلى ذلك سبيل. فاستسلمت في أيديهما، ثم صرت إلى يوسف بن عمر، و هو في الايوان الأحمر، فسلمت

____________

(1) المستقصى: 2/216.

(2) القلاص: جمع القلوص: الناقة الشابة.

(3) مجمع الأمثال: 1/417.

(4) وفيات الأعيان: 2/208. و عدي بن زيد بن حماد بن زيد العبّادي التميمي، شاعر جاهلي من الدهاة.

(5) موهوق: محبوس.

(6) السلاف: الخمرة المصفاة. الراووق: ما تروّق به الخمرة.

483

فرد علي السلام، ورم إلي كتابا فيه: بسم اللّه الرحمن الرحيم من عبد اللّه هشام أمير المؤمنين إلى يوسف بن عمر الثقفي، أما بعد فإذا قرأت كتابي هذا فابعث إلى حماد الراوية من يأتيك به، من غير ترويع، و ادفع له خمسمائة دينار و جملا مهريا، يسير عليه لاثنتي عشرة ليلة إلى دمشق. قال:

فأخذت الدنانير و نظرت فإذا جمل مرحول فجعلت رحلي في الغرز و سرت اثنتي عشرة ليلة حتى وافيت دمشق، فنزلت على باب هشام، فاستأذنت فأذن لي فدخلت عليه في دار قوراء مفروشة بالرخام، و بين كل رخامتين قضيب من ذهب، و هشام جالس على طنفسة حمراء، و عليه ثياب حمر من الخز، و قد تضمخ بالمسك و العنبر، فسلمت عليه فرد علي السلام، و استدناني فدنوت إليه حتى قبلت رجله فإذا جاريتان لم أر مثلهما قط في أذن كل واحدة منهما حلقتان، فيهما لؤلؤتان تتقدان، فقال لي: كيف أنت يا حماد و كيف حالك؟قلت: بخير يا أمير المؤمنين. فقال: أ تدري فيم بعثت إليك؟قلت: لا. قال: بعثت إليك لبيت خطر ببالي لم أدر قائله!قلت: و ما هو؟قال:

ودعوا بالصبوح يوما فجاءت # قينة في يمينها ابريق‏ (1)

فقلت: يقوله عدي بن زيد العبادي في قصيدة له فقال: أنشدنيها فانشدته:

بكر العاذلون في وضح الصبـ # ح يقولون لي أ ما تستفيق

و يلومون فيك يا ابنة عبد اللّه # و القلب عندكم موهوق

لست أدري إذا أكثروا العذل فيها # أ عدوّ يلومني أم صديق‏

قال حماد فانتهيت فيها إلى قوله:

ودعوا بالصبوح يوما فجاءت # قينة في يمينها ابريق‏ (2)

قدمته على عقار كعين الـ # ديك صفيّ سلافها الراووق

مرة قبل مزجها فإذا ما # مزجت لذ طعمها من يذوق

و طفا فوقها فقاقيع كاليا # قوت حمر يزينها التصفيق

ثم كان المزاج ماء سحاب # لا صرى آجن و لا مطروق‏ (3)

قال: فطرب هشام، ثم قال لي: أحسنت يا حماد و اللّه، يا جارية اسقيه فسقتني شربة ذهبت بثلث عقلي، فقال: أعده فاعدته فاستخفه الطرب حتى نزل عن فرشه، ثم قال للجارية الأخرى: اسقيه فسقتني، شربة ذهبت بثلث آخر من عقلي، ثم قال: سل حاجتك يا حماد.

فقلت: كائنة ما كانت؟قال: نعم. قلت: إحدى هاتين الجاريتين، فقال: هما لك بما عليهما، ثم قال للجارية الأولى: اسقيه فسقتني شربة، فسقطت منها فلم أعقل حتى أصبحت، و الجاريتان عند رأسي، فإذا عشرة من الخدم، و مع كل واحد منهم بدرة فيها عشرة آلاف درهم. فقال أحدهم: إن أمير المؤمنين يقرأ عليك السلام و يقول لك: خذ هذه و انتفع بها في سفرك فأخذتها و الجاريتين و عدت إلى أهلي انتهى. هكذا ساقها الحريري في كتابه درة الغواص، و فيه

____________

(1) وفيات الأعيان: 2/208.

(2) الصّبوح: شراب الصباح.

(3) آجن: فاسد.

484

اعتراضان: أحدهما قوله: يا جارية اسقيه، فإن هشام لم يكن يشرب الخمر، اللهم إلا أن كان يشرب بحضرته. و الثاني قوله: إن هشاما بعث إلى يوسف بن عمر الثقفي، فإنه في هذا التاريخ، لم يكن متوليا على العراق، و إنما كان واليا عليه في التاريخ المذكور خالد بن عبد اللّه القسري حسبما ذكره أهل التاريخ.

الخواص:

لحم الديوك حار يابس، باعتدال أجوده عند اعتدال أصواتها، و هو ينفع أصحاب القولنج، و يستحب كدها قبل ذبحها، و أكل لحمها يولد غذاء محمودا و يوافق من الأمزجة الباردة و من الأسنان الشيوخ، و من الزمان الشتاء. و الديوك العتيقة تنحل منها قوة في الطبخ، و لحمها يطلق البطن، و ينفع المفاصل، و الرعشة و الحمى العتيقة، ذات الأدوار، و لا سيما إذا عمل بملح كثير و ماء كرنب، و لبان القرطم و الإسفاناخ. و أما الفراخ فغذاؤها موافق لجميع الناس حين تبتدئ بالصياح. و الدجاج قبل أن يبيض. و ينبغي أن يواصل أكلها دائما. و أما خواص أجزائه فدم الديك أو دماغه إذا طلي به على لسع الهوام أبرأه، و الاكتحال بدمه ينفع البياض في العين، و عرف الديك إذا أحرق و سقي منه من يبول في فراشه أزال عنه ذلك و أبرأه.

و إذا طليت جبهة الديك و عرفه بدهن لم يصح. و إذا نتف الريش الطويل الذي في ذنبه، عند ركوبه على الدجاجة و هو يسفدها، و جعل في مجرى الحمام، فمن اغتسل من ذلك الماء أنعظ. و في طرف جناحيه عظمتان، إذا علقت اليمنى على من به الحمى الدائمة أبرأته، و إذا علقت اليسرى على من به حمى الربع أبرأته. و هاتان العظمتان يمنعان الإعياء و النعاس إذا علقتا على بهيمة.

و خصيته إذا شويت و أكلتها المرأة التي لا تحبل، في حيضها قبل الطهر بثلاثة أيام، و جامعها زوجها حبلت. و إذا أخذ هذا العضو من يريد الجماع الكثير، و صره في قرطاس و علقه على عضده الأيسر، أنعظ انعاظا شديدا عجيبا، فإذا حله سكن ذلك عنه. و عرف الديك الأبيض أو الأحمر إذا بخر به المجنون نفعه نفعا عجيبا. و مرارة تخلط بمرق ضأن و تؤكل على الريق تذهب النسيان، و تذكر ما نسي. و دمه يخلط بعسل و يعرض على النار، و يطلى به الذكر يقوي الذكر و الباه. و خصية الديك تعلق على الديك المهارش لا يغلبه ديك.

التعبير:

الديك تدل رؤيته على الخطيب و المؤذن، و القارئ المطرب، و ربما دلت رؤيته على الرجل الذي يأمر بالمعروف و لا يأتيه، لأنه يذكر بالصلاة و لا يصلي، و ربما دلت رؤيته على الرجل الكثير النكاح، أو السمار الكثير العياط، أو الزمار الذي يأوي إلى النساء، أو الحارس، و ربما دلت رؤيته على الرجل الكريم المؤثر على نفسه بما يحتاج إليه، أو القانع بما يجد أو الناقص الحظ، و العائل أو الكثير الوقوع في الشدائد، و ربما تدل رؤيته على رب الدار كما أن الدجاجة ربة البيت، و يعبر أيضا بمملوك، لأنه ضمن المدرج لنوح عليه الصلاة و السلام لما أنفذه، يكشف خبر الماء إن كان نقص فغدر و لم يأت، فبقي الديك رهينا كالمملوك من ذلك الزمان و امتنع من الطيران.

و قيل: الديك في المنام رجل محارب من قبل المماليك. و قيل: الديك إذا كان أبيض أفرق فأنه مؤذن، فمن ذبحه في المنام، فإنه لا يجيب المؤذن، و قيل: رؤية الديك تدل على مصاحبة العلماء و أولي الحكمة. روي أن رجلا أتى ابن سيرين، فقال له: رأيت كأن ديكا دخل منزلي فلقط حبات شعير كانت فيه، فقال له ابن سيرين: إن سرق لك شي‏ء فأعلمني. فما كان إلا أيام إذ أتى الرجل‏

485

إليه فقال: سرق لي بساط من سطح منزلي، فقال ابن سيرين: المؤذن أخذه، فكان كذلك. و قال آخر لابن سيرين: رأيت كأني أخنق ديكا، فقال ابن سيرين؟هذا رجل ينكح يده. و قال له آخر:

رأيت كأن ديكا يصيح بباب بيت إنسان و ينشد:

قد كان من رب هذا البيت ما كانا # هيوا لصاحبه يا قوم أكفانا

فقال يموت صاحب الدار بعد أربعة و ثلاثين يوما، فكان كذلك. و هي عدد حروف الديك بالجمل، و جاءه آخر فقال: رأيت كأن ديكا يقول: اللّه اللّه اللّه فقال له: بقي من أجلك ثلاثة أيام فكان كذلك.

ديك الجن:

دويبة توجد في البساتين، إذا ألقيت في خمر عتيق حتى تموت، و تترك في محارة، و تسد رأسها و تدفن في وسط الدار، فإنه لا يرى فيها شي‏ء من الأرضة أصلا قاله القزويني. و ديك الجن لقب لأبي محمد بن عبد السلام الحمصي الشاعر المشهور من شعراء الدولة العباسية، كان يتشيع تشيعا حسنا و له مراث في الحسين رضي اللّه عنه، و كان ماجنا خليعا عاكفا على القصف و اللهو متلافا لما ورثه. مولده سنة إحدى و ستين و مائة و عاش بضعا و سبعين سنة، و توفي في أيام المتوكل سنة خمس أو ست و ثلاثين و مائتين. و لما اجتاز أبو نواس بحمص، قاصدا مصر لامتداح الخصيب، جاءه إلى بيته فاختفى منه، فقال لامته: قولي له: اخرج فقد فتنت أهل العراق بقولك‏ (1) :

موردة من كف ظبي كأنما # تناولها من خده فأدارها

فلما سمع ذلك ديك الجن خرج إليه و اجتمع به و أضافه. و في تاريخ‏ (2) ابن خلكان أن دعبلا الخزاعي‏ (3) ، لما اجتاز يحمص سمع ديك الجن بوصوله فاختفى منه، خوفا أن يظهر لدعبل، لأنه كان قاصرا بالنسبة إليه، فقصده في داره، فطرق الباب و استأذن عليه، فقالت الجارية: ليس هو هنا، فعرف قصده، فقال لها: قولي له: اخرج فأنت أشعر الإنس و الجن بقولك:

فقام تكاد الكأس تحرق كفه # من الشمس أو من وجنتيه استعارها

موردة من كف ظبي كأنما # تناولها من خده فأدارها

فلما بلغ ذلك ديك الجن خرج إليه و أضافه.

الديلم:

ذكر الدراج و حكمه و خواصه و أمثاله و تعبيره كالدراج.

ابن دأية:

الغراب الأبقع سمي بذلك لأنه إذا رأى دبرة في ظهر بعير، أو قرحة في عنقه نزل عليه و نقرها إلى الديات.

فائدة:

الدّيات بتشديد الدال و بالياء المثناة تحت و التاء المثناة فوق في آخره هي عظام الرقبة،

____________

(1) وفيات الأعيان: 3/185.

(2) وفيات الأعيان: 3/185.

(3) دعبل بن علي بن رزين الخزاعي، أبو علي، شاعر هجّاء، بغدادي. وفاته سنة 246 هـ-.

486

و فقار الظهر. قال ابن الأعرابي في نوادره: فقار البعير ثمان عشرة فقرة، و أكثرها إحدى و عشرون فقرة، و فقار الإنسان سبع عشرة فقرة. و قال جالينوس: خرز الظهر من لدن منبت النخاع من الدماغ، إلى عظم العجز أربع و عشرون خرزة، سبع منها في العنق، و سبع عشرة في الظهر، ثنتا عشرة في الصلب، و خمس في البطن، و هو العجز. قال: و الاضلاع أربع و عشرون: اثنتا عشرة في كل جانب، و جملة العظام التي في جسم الإنسان مائتان و ثمانية و أربعون عظما، حاشا العظم الذي في القلب و العظام التي حشي بها خلل المفاصل، و تسمى السمسمية، و إنما سميت بالسمسمية لصغرها قال: و جميع الثقب التي في بدن الإنسان اثنتا عشرة: العينان و الأذنان، و المنخران، و الفم، و الثديان، و الفرجان، و السرة، حاشا الثقب الصغار التي تسمي المسام، و هي التي يخرج منها العرق فإنها لا تكاد تنحصر.

روي: أن عتبة بن أبي سفيان، ولى رجلا من أهله على الطائف، فظلم رجلا من الأزد، فأتى الأزدي عتبة، فمثل بين يديه، فقال: أصلح اللّه الأمير إنك قد أمرت من كان مظلوما أن يأتيك، فقد أتاك مظلوم غريب الديار، ثم ذكر ظلامته بضجة و جفاء فقال له عتبة: أني أراك أعرابيا جافيا، و اللّه ما أحسبك تدري كم فرض اللّه عليك من ركعة بين يوم و ليلة!فقال الأزدي:

أ رأيتك إن أنبأتك بها أ تجعل لي عليك مسألة؟قال عتبة: نعم. قال‏ (1) :

إن الصلاة أربع و أربع # ثم ثلاث بعدهن أربع‏

ثم صلاة الفجر لا تضيّع.

فقال عتبة: صدقت ما مسألتك؟قال: كم فقار ظهرك؟قال عتبة: لا أدري. فقال:

أ فتحكم بين الناس و أنت تجهل هذا من نفسك؟فقال عتبة: أخرجوه عني، و ردوا عليه غنيمته.

و الإبل تعرف من الغراب ذلك فهي تخافه و تحذره و هو الذي تسميه العرب الأعور و تتشاءم به.

و سيأتي الكلام عليه، في باب الغين المعجمة إن شاء اللّه تعالى.

الدئل:

بضم الدال و كسر الهمزة دابة شبيهة بابن عرس، و كان من حقه أن يكتب في أول الباب، و إنما أخرناه لأنه يكتب في الرسم بالياء قال كعب‏ (2) بن مالك الأنصاري رضي اللّه عنه:

جاءوا بجيش لوقيس معرسه # ما كان إلا كمعرس الدئل‏

أراد موضع نزولهم ليلا كبيت ابن عرس. قال أحمد بن يحيى: ما نعلم اسما جاء على فعل غير هذا. قال الأخفش: و إليه ينسب أبو الأسود الدئلي، قاضي البصرة، إلا أنهم فتحوا الهمزة، على مذهبهم في النسبة، استثقالا لتوالي الكسرتين مع ياء النسب، كما نسبوا إلى نمرة نمري و إلى ملك ملكي. و اسم أبي الأسود ظالم بن عمرو بن سليمان بن عمرو و في اسمه و نسبه اختلاف كثير، و كان من سادات التابعين و أعيانهم. يروي عن علي و أبي موسى و أبي ذر و عمران بن حصين

____________

(1) العقد الفريد: 3/458 و لم ينسبه إلى أحد.

(2) كعب بن مالك بن عمرو بن القين الأنصاري، صحابي شاعر، أشتهر في الجاهلية، و كان من شعراء النبي صلى اللّه عليه و سلم في الإسلام. مات سنة 50 هـ-.

487

رضي اللّه تعالى عنهم أجمعين. و صحب عليا رضي اللّه عنه، و شهد معه وقعة صفين، و هو بصري، و كان من أكمل الرجال رأيا، و أسدهم عقلا، و يعد من الشعراء و المحدثين و البخلاء و الفرسان و البخر و العرج و المفاليج و النحويين. و هو أول من وضع النحو، فقيل: إن عليا رضي اللّه تعالى عنه، وضع له: الكلام كله ثلاثة أضرب: اسم و فعل و حرف، ثم دفعه إليه، و قال له: تمم على هذا و سمي النحو نحوا، لأن أبا الأسود قال: استأذنت على علي بن أبي طالب، رضي اللّه تعالى عنه، في أن أضع نحو ما وضع، فسمي لذلك نحوا. و هو القائل لبنيه: لا تجاودوا اللّه عز و جل، فإنه أجود و أمجد، و لو شاء أن يوسع على الناس كلهم لفعل، فلا تجهدوا أنفسكم في التوسعة على الناس فتهلكوا هزالا. و هو صاحب نوادر، فمنها: أنه سمع رجلا يقول: من يعشي الجائع؟فدعاه و عشاه، فلما ذهب السائل ليخرج، قال له: هيهات إنما أطعمتك على أن لا تؤذي المسلمين الليلة. ثم وضع رجله في الأدهم حتى أصبح. و الأدهم القيد. و منها أنه قال له رجل: إنك ظرف علم، و وعاء حلم، غير أنك بخيل. فقال: لا خير في ظرف لا يمسك ما فيه.

و منها أنه اشترى حصانا بتسعة دنانير، و اجتاز به على رجل أعور، فقال: بكم اشتريته؟فقال:

قومه. فقال: قيمته أربعة دنانير و نصف. فقال: معذور أنت لأنك نظرته بعين واحدة فقومته بنصف قيمته، و لو نظرته بالعين الأخرى، لو كانت صحيحة، لقومته ببقية القيمة. و مضى إلى داره و نام، فلما استيقظ سمعه يقضم، فقال: ما هذا؟قالوا: الفرس يأكل شعيره، فقال: لا أترك في مالي من أنام و هو يمحقه و يتلفه، و لا أترك إلا ما يزيده و ينميه فباعه و اشترى بثمنه أرضا للزراعة.

و منها أن جيرانه بالبصرة، كانوا يخالفونه في الاعتقاد و يؤذونه و يرجمونه في الليل بالحجارة، و يقولون له: إنما يرجمك اللّه تعالى فيقول لهم: كذبتم لو رجمني اللّه لأصابني و أنتم ترجموني فلا يصيبني. ثم باع الدار. فقيل له: بعت دارك؟فقال: بل بعت جاري فأرسلها مثلا. و هذا عكس ما جرى لأبي الجهم العدوي، فإنه باع داره بمائة ألف درهم، ثم قال: بكم تشترون جوار سعيد (1) بن العاص؟فقالوا: و هل يشترى جوار قط؟قال: ردوا علي داري، و خذوا دراهمكم، و اللّه لا أدع جوار رجل إن فقدت سأل عني، و إن رآني رحّب بي، و إن غبت حفظني، و إن شهدت قربني، و إن سألته أعطاني، و إن لم أسأله ابتدأني، و إن نابتني جائحة فرج عني. فبلغ ذلك سعيدا فبعث إليه بمائة ألف درهم. و منها أنه دخل على معاوية رضي اللّه تعالى عنه يوما فبينما هو يخاطبه إذا ضرط أبو الأسود، فضحك معاوية فقال له: يا أمير المؤمنين لا تخبر بها أحدا، فلما خرج من عنده، دخل عمرو بن العاص، فأخبره معاوية بما كان من أبي الأسود، فلما رآه عمرو قال له:

يا أبا الأسود ضرطت بين يدي أمير المؤمنين؟فلما دخل على معاوية قال له: أ لم أسألك أن لا تخبر بها أحدا؟فقال له معاوية: ما علم بها إلا عمرو، فقال: اياه كنت أحذر، و لكن فأنت لا تصلح للخلافة!قال: كيف؟قال: إذا لم تكن لك أمانة على ضرطة فكيف تؤمن على أموال المسلمين و دمائهم؟فضحك معاوية و وصله. و منها أنه قيل له: هل شهد معاوية بدرا؟قال: نعم. لكن من ذلك الجانب. و كان أبو الأسود يعلم أولاد زياد ابن أبيه، والي العراقين فخاصمته امرأته إلى زياد في ولدها، و قالت: إنه يريد أن يغلبني على ولدي، و قد كان بطني له وعاء، و ثديي له سقاء،

____________

(1) سعيد بن العاص بن سعيد بن العاص، الأموي القرشي، صحابي توفي سنة 59 هـ-.

488

و حجري له وطاء. فقال: أبو الأسود: بهذا تريدين أن تغلبيني على ولدي و قد حملته قبل أن تحمليه، و وضعته قبل أن تضعيه. فقالت: و لا سواء إنك حملته خفا و حملته ثقلا، و وضعته شهوة و وضعته كرها. فقال له زياد: إني أرى امرأة عاقلة فادفع ابنها إليها فأخلق أن تحسن أدبه. توفي أبو الأسود بالبصرة في طاعون الجارف سنة تسع و ستين، و عمره خمس و ثمانون سنة، و هذا الطاعون كان بالبصرة مات فيه سراة الناس. قيل إنه مات فيه لانس بن مالك رضي اللّه تعالى عنه ثلاثون ولدا و اللّه تعالى أعلم.

باب الذال المعجمة

ذؤالة

: اسم للذئب كأسامة للأسد، و هو معرفة سمي بذلك لأنه يذأل في مشيته من الذألان، و هو المشي الخفيف، و في الحديث أن النبي صلى اللّه عليه و سلم مر بجارية سوداء ترقص صبيا لها و تقول:

ذؤال يا ابن القرم يا ذؤال.

فقال صلى اللّه عليه و سلم: «لا تقولي ذؤالة فإنه شر السباع» . و ذؤال ترخيم ذؤالة و القرم السيد.

الذباب:

معروف واحدته ذبابة و لا تقل ذبانة. جمعه في القلة أذبة و في الكثرة ذبان بكسر الذال و تشديد الباء الموحدة و بالنون في آخره كغراب و أغربة و غربان و قراد و أقردة و قردان قال النابغة:

يا واهب الناس بعيرا صلبه # ضرّابة بالمشفر الأذبّه‏

و لا يقال ذبابات إلا في الديون قال الراجز:

أو يقضى اللّه ذبابات الديون.

و أرض مذبة بفتح الميم و الذال أي ذات ذباب. و قال الفراء: أرض مذبوبة، كما يقال أرض موحوشة، أي ذات وحوش. و سمي ذبابا لكثرة حركته و اضطرابه، و قيل لأنه كلم ذب آب، و كنيته أبو حفص و أبو حكيم و أبو الحدرس و الذباب أجهل الخلق لأنه يلقي نفسه في الهلكة. قال الجوهري: يقال ليس شي‏ء من الطيور يلغ إلا الذباب، و سيأتي إن شاء اللّه تعالى في باب العين المهملة في العنكبوت قول افلاطون: إن الذباب أحرص الأشياء و لم يخلق للذباب أجفان لصغر أحداقها، و من شأن الأجفان أن تصقل مرآة الحدقة من الغبار، فجعل اللّه لها عوضا من الأجفان يدين تصقل بهما مرآة حدقتها، فلهذا ترى الذباب أبدا يمسح بيديه عينيه، و هو أصناف كثيرة متولدة من العفونة. قال‏ (1) الجاحظ: الذباب عند العرب يقع على الزنابير و النحل و البعوض بأنواعه، كالبق و البراغيث و القمل و الصؤاب و الناموس و الفراش و النمل. و الذباب المعروف عند الاطلاق العرفي و هو أصناف النعر و القمع و الخازباز و الشعراء و ذباب الكلاب و ذباب الرياض و ذباب الكلى و الذباب الذي يخالط الناس يخلق من الفساد، و قد يخلق من الأجساد، و يقال: إن

____________

(1) الحيوان للجاحظ: 3/316، 314، 351، 342، 328، 309، 310، 502، 317، 390.

489

الباقلا إذا عتق في موضع استحال كله ذبابا، و طار من الكوى التي في ذلك الموضع و لا يبقى فيه غير القشر انتهى. روى الحاكم عن النعمان بن بشير رضي اللّه تعالى عنه أنه قال، و هو على المنبر:

سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم يقول: «ألا إنه لم يبق من الدنيا إلا مثل الذباب تمور في جوها، فاللّه اللّه في اخوانكم من أهل القبور، فإن أعمالكم تعرض عليهم» . و معنى تمور تذهب و تجي‏ء، و الجوّ ما بين السماء و الأرض. و في مسند أبي يعلى الموصلي، من حديث أنس رضي اللّه تعالى عنه أن النبي صلى اللّه عليه و سلم، قال: «عمر الذباب أربعون ليلة، و الذباب كله في النار، إلا النحل‏ (1) . و هو في الكامل في ترجمة عمرو بن شقيق عن مجاهد عن ابن عمر رضي اللّه عنهما، أنه قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم:

«الذباب كله في النار إلا النحل. قيل كونه في النار ليس بعذاب له، و إنما ليعذب به أهل النار بوقوعه عليهم» (2) . و روى النسائي و الحاكم عن أبي المليح عن أبيه أسامة بن عمير بن عامر الأقيش الهذلي البصري قال: كنت رديف رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم فعثر بعيرنا فقلت: تعس الشيطان.

فقال صلى اللّه عليه و سلم: «لا تقل تعس الشيطان فإنه يعظم حتى يصير مثل البيت، و يقول: بقوتي، و لكن قل بسم اللّه فإنه يصغر حتى يصير مثل الذبابة» (3) . و رواه أبو داود عن أبي المليح عن رجل قال:

كنت رديف رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم فعثرت دابته فقلت: الخ و رواه ابن السني كما رواه النسائي و الحاكم، و صرح فيه بأن أبا المليح رواه عن أبيه أسامة بن مالك. و كلتا الروايتين صحيحة فإن الرجل المجهول في رواية أبي داود صحابي و الصحابة كلهم عدول، لا تضر الجهالة بأعيانهم. و قال الإمام العلامة الذهبي: الرجل المجهول المبهم أبو عزة. و رواه خالد الحذاء عن أبي تميمة الهجيمي عن أبيه خالد قال: كنت رديفا للنبي صلى اللّه عليه و سلم، فعثرت الناقة، فقال إلى آخره. كذا هو في أسد الغاية، في ذكر المنسوبين إلى القبائل. و أما قوله: تعس، فقيل: معناه هلك، و قيل: سقط و قيل: عثر، و قيل لزمه الشر. و تعس بفتح العين و كسرها و الفتح أشهر، و لم يذكر الجوهري غير الفتح. و روى الطبراني و ابن أبي الدنيا، من حديث أبي أمامة رضي اللّه عنه أن النبي صلى اللّه عليه و سلم قال: «و كل بالمؤمن مائة و ستون ملكا يذبون عنه ما لم يقدر عليه، فمن ذلك سبعة أملاك يذبون عنه كما يذب عن قصعة العسل الذباب، في اليوم الصائف و لو بدوا لكم لرأيتموهم على كل سهل و جبل كل باسط يديه فاغر فاه، و لو وكل العبد إلى نفسه طرفة عين لاختطفته الشياطين» . و العرب تجعل الذباب و الفراش و النحل و الدبر و نحوها كلها واحدا كما تقدم. و جالينوس يقول: إنه ألوان فللإبل ذباب، و للبقر ذباب.

و أصله دود صغار يخرج من أبدانهن فيصير ذبابا و زنابير. و ذباب الناس يتولد من الزبل و يكثر الذباب إذا هاجت ريح الجنوب و يخلق في تلك الساعة، و إذا هبت ريح الشمال خف و تلاشى.

و هو من ذوات الخراطيم كالبعوض. انتهى. و من عجيب أمره أنه يلقي رجيعه على الأبيض أسود، و على الأسود أبيض، و لا يقع على شجرة اليقطين. و لذلك أنبتها اللّه على نبيه يونس عليه الصلاة و السلام، لأنه حين اخرج من بطن الحوت لو وقعت عليه ذبابة لآلمته فمنع اللّه عنه الذباب بذلك، فلم يزل كذلك حتى تصلب جسمه. و لا يظهر كثيرا إلا في الأماكن العفنة، و مبدأ خلقه

____________

(1) الكامل لابن عدي: 5/1701.

(2) رواه أبو داود في الأدب: 77. و ابن حنبل: 5/59.

(3) في الكامل لابن عدي « وكل به سبعون ملكا... » من حديث أبي هريرة: 2/690.

490

منها ثم من السفاد، و ربما بقي الذكر على الأنثى عامة اليوم. و هو من الحيوانات الشمسية، لأنه يخفي شتاء و يظهر صيفا، و بقية أنواعه كالناموس و الفراش و النعر و القمع و غيرها، ستذكر في أبوابها إن شاء اللّه تعالى و ما أحسن قول أبي العلاء المعري، و وفاته سنة تسع و أربعين و أربعمائة:

يا طالب الرزق الهنيّ بقوّة # هيهات أنت بباطل مشغوف

رعت الأسود بقوة جيف الفلا # و رعى الذباب الشهد و هو ضعيف‏

و لمحمد الأندلسي في المعنى:

مثل الرزق الذي تطلبه # مثل الظل الذي يمشي معك

أنت لا تدركه متبعا # و إذا وليت عنه تبعك‏

و في المعنى‏ (1) أيضا لأبي الخير الكاتب الواسطي:

جرى قلم القضاء بما يكون # فسيان التحرك و السكون

جنون منك أن تسعى لرزق # و يرزق في غشاوته الجنين‏

و قد أجاد الأمير سيف الدين علي بن فليح الظاهري في التحذير من احتقار العدوّ بقوله:

لا تحقرن عدوّا لأن جانبه # و إن تراه ضعيف البطش و الجلد

فللذبابة في الجرح المديد يد # تنال ما قصّرت عنه يد الأسد

و في تاريخ‏ (2) ابن خلكان، في ترجمة الإمام يوسف بن زهرة الهمذاني الزاهد، صاحب المقامات و الكرامات و الأحوال الظاهرات، أنه جلس يوما للوعظ فاجتمع إليه العالم، فقام من بينهم فقيه يعرف بابن السقاء و آذاه، و سأله عن مسألة، فقال له الإمام يوسف: اجلس فإني أجد من كلامك رائحة الكفر، و لعلك أن تموت على غير دين الإسلام!فقدم رسول ملك الروم إلى الخليفة فخرج ابن السقاء مع الرسول إلى القسطنطينية فتنصر و مات نصرانيا. و كان ابن السقاء قارئا للقرآن، محمودا في تلاوته. و حكى من رآه بالقسطنطينية قال: رأيته مريضا ملقى على دكة، و بيده مروحة يدفع بها الذباب عن وجهه، فقلت له: هل القرآن باق على حفظك؟فقال: ما أذكر منه إلا آية واحدة و هي‏ رُبَمََا يَوَدُّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كََانُوا مُسْلِمِينَ (3) و الباقي أنسته. ا هـ نعوذ باللّه من سخطه و خذلانه، و نسأله حسن الخاتمة. فانظر يا أخي كيف هلك هذا الرجل، و خذل بالانتقاد، و ترك الاعتقاد. نسأل اللّه السلامة، فعليك يا أخي بالاعتقاد، و ترك الانتقاد على المشايخ العارفين، و العلماء العاملين، و المؤمنين الصالحين، فإن حرابهم مسمومة. فقل من تعرض لهم و سلم، فسلم تسلم و لا تنتقد تندم، و اقتد بإمام العارفين، و رأس الصديقين، و علامة العلماء العاملين في وقته الشيخ محي الدين عبد القادر الكيلاني رحمه اللّه تعالى، لما عزم على زيارة قطب

____________

(1) وفيات الأعيان: 6/172.

(2) وفيات الأعيان: 7/78. و ذكر ابن خلكان في ترجمته أن اسمه يوسف بن أيوب بن وهرة. و وفاته سنة 535 هـ-.

(3) سورة الحجر: الآية 2.

491

الغوث بمكة، و قال رفيقاه ما قالا فقال: أما أنا فذاهب على قدم الزيارة و التبرك، لا على قدم الإنكار و الامتحان، فآل أمره إلى أن قال: قدمي هذا على رقبة كل ولي، و آل أمر أحد رفيقيه إلى الكفر، و ترك الإيمان بالانتقاد، و ترك الاعتقاد. كما اتفق في هذه الحكاية. و آل أمره الآخر إلى اشتغاله بالدنيا، و تركه خدمة المولى لقلة التوفيق. فنسأل اللّه التوفيق و الهداية و الأمانة على الإيمان به و برسوله، و الاعتقاد الحسن في أوليائه و أصفيائه، بمحمد و آله. حدث يحيى بن معاذ أن أبا جعفر المنصور كان جالسا، فألح على وجهه ذباب حتى أضجره، فقال: انظروا من بالباب، فقالوا: مقاتل بن سليمان فقال: علي به، فلما دخل عليه، قال له: هل تعلم لما ذا خلق اللّه الذباب؟قال: نعم. ليذل به الجبابرة، فسكت المنصور. و مقاتل بن سليمان مشهور بتفسير كتاب اللّه العزيز، و أخذ الحديث عن جماعة، قال الإمام الشافعي رضي اللّه عنه: الناس كلهم عيال على ثلاثة: على مقاتل بن سليمان في التفسير، و على زهير بن أبي سلمى في الشعر، و على أبي حنيفة في الفقه. قعد مقاتل بن سليمان يوما فقال: سلوني عما دون العرش. فقال له رجل: آدم عليه الصلاة و السلام لما حج أول حجة حجها من حلق رأسه، فقال ليس هذا من علمكم و لكني ابتليت لما اعجبتني نفسي. و قيل إنه قيل له الذرة أو النملة أمعاؤها في مقدمها أو مؤخرها؟فلم يدر ما يقول فكانت عقوبة عوقب بها و أنشد أبو عمرو بن العلاء في هذا المعنى‏ (1) :

من تحلّى بغير ما هو فيه # فضحته شواهد الامتحان‏

و العلماء مختلفون فيه، فمنهم من وثقه و منهم من كذبه، و ترك حديثه. قيل: إنه كان يتكلم في الصفات بما لا تحل الرواية عنه. و قيل: إنه كان يأخذ عن اليهود و النصارى علم القرآن الذي يوافق كتبهم، و كان مشبها. قال ابن خلكان و غيره: و هذا لا أعتقد صحته. و توفي مقاتل بن سليمان في سنة خمس و خمسين و مائة و في مناقب الإمام الشافعي أن المأمون سأله فقال: لاي شي‏ء خلق اللّه الذباب؟فقال: مذلة للملوك. فضحك المأمون و قال: رأيته و قد وقع على جسدي فقال: نعم. و لقد سألتني عنه و ما عندي جواب. فلما رأيته قد سقط منك بموضع لا يناله منك أحد فتح اللّه لي فيه بالجواب. فقال للّه درك. و في شفاء الصدور و تاريخ ابن النجار مسندا أن النبي صلى اللّه عليه و سلم كان لا يقع على جسده و لا ثيابه ذباب أصلا.

الحكم:

كل أنواعه يحرم أكلها، و فيه وجه أنه يحل حكاه الرافعي. و قال الماوردي: و من الفقهاء من أباح الذباب المتولد من مأكول كالفول و نحوه، و لعل قائل هذا القول هو الذي يقول بإباحة المتولد من الفواكه.

فرع:

قال في الأحياء في أول كتاب الحلال و الحرام: لو وقعت ذبابة أو نملة في قدر طبيخ و تهرت أجزاؤها لم يحرم أكل ذلك الطبيخ، لأن تحريم أكل الذباب و النمل و نحوهما إنما كان للاستقذار و لا يعد هذا مستقذرا. قال: و لو وقع فيه جزء من لحم آدمي ميت، لم يحل أكل ذلك الطبيخ، حتى لو كان لحم الآدمي وزن دانق، حرم الطبيخ لا لنجاسته فإن الآدمي الميت

____________

(1) العقد الفريد: 2/218. و أبو عمرو بن العلاء بن عمار بن العريان، المازني البصري، من القراء السبعة، عالم بالعربية و الشعر و النحو مات بالكوفة سنة 156 هـ-.

492

طاهر على الصحيح، خلافا لأبي حنيفة، و لكن لأن أكل لحم الآدمي حرام لحرمته لا لاستقذاره، بخلاف الذباب. هذا كلام الغزالي رحمه اللّه تعالى. قال في شرح المهذب المختار أنه لا يحرم أكل الطبيخ في مسألة لحم الآدمي لأنه صار مستهلكا، فهو كالبول و غيره إذا وقع في قلتين من الماء فإنه يجوز استعمال جميعه لأن البول صار باستهلاكه كالعدم. و روى البخاري و أبو داود و النسائي و ابن ماجة و ابن خزيمة و ابن حبان أن النبي صلى اللّه عليه و سلم قال‏ (1) : إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليمقله، فإن في أحد جناحيه داء و في الآخر دواء و إنه يتقى بجناحه الذي فيه الداء» . و في رواية النسائي و ابن ماجة «أن أحد جناحي الذباب سم و الآخر شفاء فإذا وقع في الطعام فامقلوه فإنه يقدم السم و يؤخر الشفاء» . قال الخطابي: و قد تكلم على هذا الحديث بعض من لا خلاق له، و قال:

كيف يكون هذا و كيف يجتمع الداء و الشفاء في جناحي ذبابة؟و كيف تعلم ذلك من نفسها حتى تقدم جناح الداء و تؤخر جناح الشفاء، و ما أداها إلى ذلك؟قال: و هذا سؤال جاهل، أو متجاهل فإن الذي يجد نفسه، و نفس سائر الحيوانات، قد جمع فيها بين الحرارة و البرودة و الرطوبة و اليبوسة، و هي أشياء متضادة إذا تلاقت تفاسدت ثم يرى أن اللّه قد ألف بينها و قهرها على الاجتماع و جعل منها قوى الحيوان التي منها بقاؤه و صلاحه لجدير أن لا ينكر اجتماع الداء و الشفاء في جزءين من حيوان واحد. و إن الذي ألهم النحلة أن تتخذ البيت العجيب الصنعة و تعسل فيه، و ألهم الذرة أن تكتسب قوتها و تدخره لأوان حاجتها إليه، هو الذي خلق الذبابة و جعل لها الهداية إلى أن تقدم جناحا و تؤخر جناحا لما أراده من الابتلاء الذي هو مدرجة التعبد و الامتحان، الذي هو مضمار التكليف، و له في كل شي‏ء حكمة و عنوان، و ما يذكر إلا أولو الألباب. انتهى. و قد تأملت الذباب فوجدته يتقي بجناحه الأيسر و هو مناسب للداء، كما أن الأيمن مناسب للدواء. و قد استفيد من الحديث أنه إذا وقع في المائع لا ينجسه لأنه ليس له نفس سائلة، هذا هو المشهور و في قول ينجسه، كسائر الميتات النجسة، و في ثالث مخرج أن ما يعم وقوعه كالذباب و البعوض لا ينجس، و ما لا يعم كالخنافس و العقارب ينجس. و هو متجه لا محيد عنه و محمل الخلاف في ميتة أجنبية أما الناشئ منه كدود الفواكه و الجبن و الخل، فلا ينجس ما مات فيه بلا خلاف. كذا قاله الشيخان و ابن الرفعة و حكى الدارمي في المسألة ثلاثة أوجه، ثالثها الفرق بين الكثير و القليل و محل ذلك ما لم يتغير به لكثرته فإن كثر و تغير به فالأصح أنه ينجسه، و محله أيضا إذا وقع فيه بنفسه فإذا طرح فيه ضر.

فرع:

لو وقع الزنبور أو الفراش أو النحل و أشباه ذلك في الطعام، هل يؤمر بغمسه لعموم قوله صلى اللّه عليه و سلم «إذا وقع الذباب في إناء أحدكم» . الحديث‏ (2) ؟و هذه الأنواع كلها يقع عليها اسم الذباب في اللغة كما تقدم نقله عن الجاحظ و غيره. و قد قال علي رضي اللّه تعالى عنه في العسل إنه مذقة ذبابة. و روي الذباب كله في النار إلا النحل كما سبق. فسمي الكل ذبابا و إذا كان كذلك فالظاهر وجوب حمل الأمر بالغمس على الجميع إلا النحل فإن الغمس قد يؤدي إلى قتله و هو حرام.

____________

(1) رواه البخاري: بدء الخلق: 17. و أبو داود أطعمة: 48. و النسائي فرع: 11. و ابن ماجة طب: 31.

و الدارمي أطعمة: 12. و ابن حنبل: 2/229.

(2) رواه البخاري: بدء الخلق: 17. و أبو داود أطعمة: 48. و النسائي فرع: 11. و ابن ماجة طب: 31.

و الدارمي أطعمة: 12. و ابن حنبل: 2/229.

493

الأمثال:

قال‏ (1) اللّه تعالى: يََا أَيُّهَا اَلنََّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ اَلَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اَللََّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبََاباً وَ لَوِ اِجْتَمَعُوا لَهُ الآية. معنى ضرب أثبت و ألزم، نحو ضربت عليه الذلة، و ضربت عليهم الجزية، و يحتمل أن يكون من الضريب الذي هو المثل، و هذا المثل من أبلغ ما أنزل اللّه تعالى في تجهيل قريش و استركاك عقولهم، و الشهادة على أن الشيطان خدعهم، حيث وصفوا بالالهية التي تقتضي الاقتدار على المقدورات كلها، و الاحاطة بالمعلومات عن آخرها، صورا و تماثيل و أدل من ذلك على عجزهم، و انتفاء قدرتهم، أن هذا الخلق الأذل الأقل، لو اختطف منهم شيئا، فاجتمعوا على أن يستخلصوه منه، لم يقدروا. و عن ابن عباس رضي اللّه عنهما أن الأصنام كانت ثلاثمائة و ستين صنما حول الكعبة، و كانوا يضمخونها بأنواع الطيب و يطلون رءوسها بالعسل، و كان الذباب يذهب بذلك، و كانوا يتألمون من هذه الجهة. فجعلت مثلا.

و قالوا: «أجرأ من ذبابة و أهون من ذبابة (2) » . «و اطيش و أخطأ من الذباب» (3) لأنه يلقي نفسه في الشي‏ء الحار، و الشي‏ء الذي يلتصق به و لا يمكنه التخلص و قالوا (4) : «أوغل من ذباب: قال الشاعر:

أوغل في التطفيل من ذباب # على طعام و على شراب

لو أبصر الرغفان في السحاب # لطار في الجو بلا حجاب‏

قال أبو عبيد كان رجل من أهل الكوفة يقال له طفيل بن دلال من بني عبد اللّه بن غطفان، و كان يأتي الولائم من غير أن يدعى إليها، و كان يقال له طفيل الأعراس، و كان أول رجل لابس هذا العمل في الأمصار فصار مثلا ينسب إليه كل من يقتدي به. و قالوا (5) : «أزهى من ذبابة» . و قالوا: «أصابه ذباب لادغ» يضرب لمن نزل به شر عظيم يرق له من سمعه، و قالوا ما يساوي متك ذباب يضرب للشي‏ء الحقير، و المتك العرق الذي في باطن الذكر، و هو كالخيط في باطنه على خلقة العجان. و في كتاب النصائح لابن ظفر قال: رأيت في أخبار بعض الملوك أن وزيره أشار عليه بجمع الأموال و ادخارها و قال: إن الرجال، و إن تفرقوا عنك اليوم، متى احتجتهم عرضت عليهم الأموال فتهافتوا عليك، فقال: هل لهذا من شاهد؟قال: نعم. هل بحضرتنا الساعة ذباب؟قال: لا. فأمر الوزير بجفنة فيها عسل، فأحضرت فتساقط عليهم الذباب، فاستشار الملك بعض خواص أصحابه، فنهاه عن ذلك، و قال: لا تغير قلوب الرجال، فليس كل وقت أردتهم يحضرون، فقال: فهل لذلك من دليل؟قال: نعم. إذا أمسينا أخبرتك فلما أظلم الليل. قال للملك: أحضر جفنة العسل، فأحضرت فلم تحضر ذبابة، فرجع الملك عن رأيه الأول.

الخواص:

قال الجاحظ: إذا ضرب اللبن بالكندس و نضح به البيت لم يدخله ذباب، و إذا أخذت ذبابة و فصلت رأسها و دلكت بها قرصة الزنبور سكنت، و إذا أحرق الذباب و سحق و خلط بعسل و طلي به داء الثعلب فإنه ينبت فيه الشعر، و إذا ماتت الذبابة، فنثر عليها خبث الحديد

____________

(1) سورة الحج: الآية 73.

(2) جمهرة الأمثال: 1/264، 2/289.

(3) جمهرة الأمثال: 2/21، 1/357.

(4) مجمع الأمثال: 2/380.

(5) المستقصى: 1/151.

494

عاشت من وقتها، و إذا بخر البيت بورق القرع أو كندس أو سليخة ذهب منه الذباب، و إذا طبخ ورق القرع ورش به البيت أو الحيطان لم يقع فيه ذباب انتهى.

صفة طلسم لمنع الذباب:

يؤخذ كندس جديد و زرنيخ أصفر أجزاء متساوية، يسحقان و يعجنان بماء بصل الفار، و يدهن و يعمل منه تمثال و يوضع على المائدة، فلا يقربها ذباب ما دام عليها و إذا وضع على باب البيت باقة من الحشيشة التي يقال لها سادريون، فلا يدخل البيت ذباب ما دامت الباقة معلقة على الباب، و إذا أخذت الذباب الكبير فقطعت رءوسهن، و حككت بجسدهن موضع الشعرة التي تنبت في الجفن، حكا شديدا فإنه يذهبها أصلا، و هو عجيب مجرب، و إذا أخذت ذبابة و جعلت في خرقة كتان و ربطت بخيط و وسع الربط عليها و علقت على من يشتكي عينه سكن ألمه، و تعلق في عنقه أو عضده. و إن شدخ الذباب و ضمد به العين الوارمة أبرأها. و قال محمد بن زكريا القزويني: رأيت في كتب الطبيعيات الرومية إذا علقت ذبابة حية على من يشتكي ضرسه برئ. و من عضه كلب فليستر وجهه عن الذباب، فإن ذلك مما يؤذيه و اللّه أعلم.

التعبير:

الذباب في المنام خصم ألد و جيش ضعيف، و ربما دل اجتماعه على الرزق الطيب، و ربما دل على الداء و الدواء للحديث المتقدم. و ربما دلت رؤيته على الأعمال السيئة و الوقوع فيما يوجب التقريع لقوله تعالى: إِنَّ اَلَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اَللََّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبََاباً وَ لَوِ اِجْتَمَعُوا لَهُ إلى قوله: ضَعُفَ اَلطََّالِبُ وَ اَلْمَطْلُوبُ (1) .

الذر:

النمل الأحمر الصغير واحدته ذرة. قال تعالى: إِنَّ اَللََّهَ لاََ يَظْلِمُ مِثْقََالَ ذَرَّةٍ (2) أي لا يبخس و لا ينقص أحدا من ثواب عمله مثقال ذرة، أي وزن ذرة. سئل ثعلب عنها فقال: إن مائة نملة وزن حبة. و الذرة واحدة منها و قيل: إن الذرة ليس لها وزن. و يحكى أن رجلا وضع خبزا حتى علاه الذر و ستره ثم وزنه فلم يزد شيئا. و قيل: الدر اجزاء الهباء في الكوة، و كل جزء منه ذرة و لا يكون لها وزن. و في صحيح مسلم و غيره من حديث أنس رضي اللّه تعالى عنه، في شفاعة النبي صلى اللّه عليه و سلم يوم القيامة: «ثم يخرج من النار من قال لا إله إلا اللّه و كان في قلبه من الخير ما يزن ذرة» . صحفها (3) شعبة بن بسطام، و قال: مثقال ذرة بضم الذال و تخفيف الراء و قال العبدري: إنما قال درة بالدال المهملة و تشديد الراء واحدة الدر و هو تصحيف التصحيف. قال ابن بطة من الحنابلة في تفسير الآية: مثقال مفعال من الثقل، و الذرة النملة الصغيرة الحمراء، و هي أصغر ما يكون إذا مر عليها حول لأنها تصغر و تحرى كما تفعل الأفعى. تقول العرب أفعى حارية و هي أشدها سما قال امرؤ القيس:

من القاصرات الطّرف لو دبّ محول # من الذّر فوق الأتب منها الأثّرا (4)

المحول الذي أتى عليه حول و الأتب ثوب تلقيه المرأة في عنقها بلا كم و لا جيب و قال حسان:

____________

(1) سورة الحج: الآية 73.

(2) سورة النساء: الآية 40.

(3) رواه البخاري: توريد 36-24. و مسلم في الإيمان: 147-149. و الترمذي في البرّ: 61. و رواه النسائي في الإيمان: 18. و ابن حنبل: 1/296.

(4) ديوان امرئ القيس: 96.

495

لو يدب الحولي من ولد الذ # ر عليها لأندبتها الكلوم‏ (1)

أي لو دبت الحولية من الذر عليها لأثرت بها الكلوم. و قال السهيلي و غيره: أهلك اللّه تعالى جرهم بالذر و الرف، حتى كان آخرهم موتا امرأة رؤيت تطوف بالبيت بعدهم بزمان، فتعجبوا من طولها و عظم خلقها، حتى قال لها قائل: أ جنية أنت أم إنسية؟فقالت: بل انسيه من جرهم، ثم اكترت من رجلين من جهينة بعيرا إلى أرض خيبر، فلما أنزلاها استخبراها عن الماء فأخبرتهما، فوليا فأتاها الذر فتعلق بها إلى أن انتهى إلى خياشيمها، ثم نزل إلى حلقها فهلكت.

و عبر عن الذرة يزيد بن هارون بأنها دودة حمراء و هي عبارة فاسدة. و روي عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما أنه قال: الذرة رأس النملة. و قال بعض العلماء لأن تفضل حسناتي سيئاتي بمثقال ذرة أحب إلي من الدنيا و ما فيها قال‏ (2) اللّه تعالى: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقََالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ `وَ مَنْ يَعْمَلْ مِثْقََالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ انتهى. و هذه الآية كان رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم يسميها الجامعة الفاذة، أي المنفردة في معناها. و روى البيهقي في الشعب، من حديث صالح المري عن الحسن عن أنس أن سائلا أتى النبي صلى اللّه عليه و سلم فاعطاه تمرة فقال السائل: سبحان اللّه نبي من أنبياء اللّه يتصدق بتمرة: فقال النبي صلى اللّه عليه و سلم: «أ و ما عملت أن فيها مثاقيل ذر كثير» . «ثم أتاه آخر فسأله فأعطاه تمرة فقال: تمرة من نبي من الأنبياء لا تفارقني هذه التمرة ما بقيت، و لا أزال أرجو بركتها أبدا فأمر له بمعروف.

و في رواية قال للجارية: اذهبي إلى أم سلمة فمريها فلتعطه الأربعين درهما التي عندها قال أنس:

فما لبث الرجل أن استغنى» . و روى الإمام أحمد في مسنده بإسناد رجاله ثقات، عن أبي هريرة رضي اللّه عنه أن النبي صلى اللّه عليه و سلم قال: «يقتص للخلق بعضهم من بعض حتى الجماء من القرناء و حتى الذرة من الذرة» (3) . و أعطى سعد بن أبي وقاص رضي اللّه عنه سائلا تمرتين، فقبض السائل يده فقال له سعد: يا هذا إن اللّه قد قبل منا مثاقيل الذرة. و فعلت عائشة رضي اللّه تعالى عنها هذا في حبة عنب. و سمع هذه الآية صعصعة بن عقال التميمي عند النبي صلى اللّه عليه و سلم فقال: حسبي لا أبالي أن لا أسمع آية غيرها. و سمعها رجل عند الحسن البصري فقال: انتهت الموعظة. فقال الحسن: فقه الرجل. و روى الحاكم في المستدرك عن أبي أسماء الرحبي، أن هذه السورة نزلت و أبو بكر الصديق رضي اللّه تعالى عنه، يأكل مع النبي صلى اللّه عليه و سلم، فترك أبو بكر الأكل و بكى، فقال له النبي صلى اللّه عليه و سلم: «ما يبكيك» . فقال: يا رسول اللّه أو نسأل عن مثاقيل الذر؟فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم:

«يا أبا بكر ما رأيت في الدنيا مما تكره فمثاقيل ذر الشر، و يدخر اللّه لك مثاقيل ذر الخير إلى الآخرة» . قال: و الذرة نملة صغيرة حمراء لا يرجح بها ميزان. و روى الإمام أحمد في الزهد عن أبي هريرة رضي اللّه تعالى أن النبي صلى اللّه عليه و سلم قال: «يجاء بالجبارين و المتكبرين يوم القيامة رجال على صور الذر يطؤهم الناس، من هوانهم على اللّه، حتى يقضي بين الناس، قال: ثم يذهب بهم إلى نار الأنيار. قيل: يا رسول اللّه و ما نار الأنيار؟قال عصارة أهل النار» . و رواه‏ (4) صاحب الترغيب و الترهيب. و عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى اللّه عليه و سلم‏ (5) قال: «يحشر المتكبرون يوم

____________

(1) ديوان حسان بن ثابت 433.

(2) سورة الزلزلة: الآية 7-8.

(3) رواه أحمد: 2/362.

(4) رواه مسلم في الأشربة: 72. و الترمذي في القيامة: 47. و النسائي في الأشربة: 49. و ابن حنبل: 2/82.

(5) رواه الترمذي قيامة: 47. و أحمد: 2/179.

496

القيامة أمثال الذر في صور الناس، يغشاهم الصغار من كل مكان، و يساقون إلى سجن من النار يقال له بولس، تعلوهم نار الأنيار، و يسقون من طينة الخبال، و هي عصارة أهل النار» . رواه الترمذي و قال: حديث حسن غريب. و في شعب الإيمان للبيهقي عن الأصمعي قال: مررت بأعرابية في البادية في كوخ فقلت لها يا اعرابية من يؤنسك هاهنا؟قالت: يؤنسني مؤنس الموتى في قبورهم. قلت: و من أين تأكلين؟قالت: يطعمني مطعم الذرة و هي أصغر مني. و في المدهش للإمام العلامة أبي الفرج بن الجوزي أن رجلا من العجم طلب الأدب حينا فبينما هو في بعض الطريق سائر إذ مرّ بصخرة ملساء فتأملها فإذا ذر يدب عليها، و قد أثر عليها من كثرة دبيبه ففكر و قال: مع صلابة هذا الحجر، و خفة هذا الذر قد أثر فيه هذا الأثر، فأنا أحرى على أن أدوم على الطلب فلعلي أظفر ببغيتي. فراجع الإثبات على الأدب، فلم يلبث أن خرج مبرزا. و هكذا يجب أن يكون طالب فائدة دينية أو دنيوية، لا سيما طالب التوحيد و المعرفة، أن يكون كرارا غير فرار، فإما الظفر و الغنيمة و إما القتل و الشهادة. و سئل أبو زيد البسطامي رحمه اللّه تعالى، عن العارف؟فقال: هو أن يكون وحداني التدبير، فرداني المعنى، صمداني الرؤية، رباني القوة، وحداني العيش، نوراني العلم خلداني العجائب، سماوي الحديث، وحشي الطلب ملكوتي السر، عنده مفاتح الغيب، و خزائن الحكم و جواهر القدس، و سرادقات الأبرار، فإذا جاوز الحد و ارتفع إلى أعلى فهو غير مدرك و حاله غير موصوف. و في صحيح مسلم عن ابن مسعود رضي اللّه عنه، أن النبي صلى اللّه عليه و سلم قال‏ (1) : «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر» . فقال رجل: إن الرجل يجب أن يكون ثوبه حسنا و نعله حسنة، فقال: «إن اللّه جميل يحب الجمال الكبر بطر الحق و غمط الناس» . و رواه‏ (2) الترمذي، و قال: حسن غريب. و قيل: المراد بالكبر هاهنا الكبر عن الإيمان فصاحبه لا يدخل الجنة أصلا إذا مات عليه. و قيل لا يكون في قلبه كبر حين دخول الجنة. كما قال‏ (3) اللّه تعالى: وَ نَزَعْنََا مََا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ* الآية و هذان التأويلان فيهما بعد، فإن الحديث ورد في سياق النهي عن الكبر المعروف، و هو الارتفاع على الناس و احتقارهم، و الظاهر فيه ما اختاره القاضي عياض و غيره من المحققين، أنه لا يدخلها دون مجازاة، أو لا يدخلها مع أول الداخلين، و أما قوله، «فقال رجل» . فذلك الرجل هو مالك بن مرارة الرهاوي، قاله القاضي عياض، و أشار إليه ابن عبد البر. و حكى أبو القاسم خلف بن عبد الملك بن بشكوال في اسمه أقوالا: أحدها أنه أبو ريحانة، و اسمه شمعون، و قيل: ربيعة بن عامر، و قيل: سواد بالتخفيف بن عمرو، و قيل: معاذ بن جبل. ذكره ابن أبي الدنيا في كتاب الخمول و التواضع.

و قيل: عبد اللّه بن عمرو بن العاص. و معنى قوله إن اللّه جميل: أي إن كل أمره سبحانه حسن و جميل، فله الأسماء الحسنى، و صفات الجمال و الكمال، و قيل جميل بمعنى مجمل ككريم و سميع بمعنى مكرم و مسمع. و قال أبو القاسم القشيري: معناه جليل: و قيل معناه ذو النور و البهجة أي مالكهما و قيل: معناه جميل الأفعال بكم، و النظر إليكم يكلفكم اليسير و يعين عليه، و يثيب عليه

____________

(1) رواه البخاري في الإيمان: 33. و الترمذي جهنم: 9، 10. و ابن ماجة مقدمة: 9. و ابن حنبل: 1/416.

(2) رواه مسلم إيمان: 147. و ابن ماجة دعاء: 10. و ابن حنبل: 4/133.

(3) سورة الأعراف: الآية 43.

497

الجزيل سبحانه ما أكرمه!قال شيخ الإسلام يحيى النووي رحمه اللّه تعالى: هذا الإسم ورد في الحديث الصحيح و ورد في الأسماء الحسنى. و في إسناده مقال و المختار جواز اطلاقه على اللّه تعالى، و من العلماء و من معه. و قال إمام الحرمين أبو المعالي: ما ورد به الشرع جوزنا إطلاقه، و ما لم يرد فيه إذن و لا منع لم نقض فيه بتجويز و لا منع، فإن الأحكام الشرعية تتلقى من موارد الشرع، و لو قضينا بتحريم أو تحليل لكنا مثبتين حكما بغير الشرع، ثم لا يشترط في جواز الاطلاق ورود ما نقطع به في الشرع، و لكن ما يقتضي العمل، و إن لم يوجب العمل فإنه كاف إلا أن الأقيسة الشرعية من مقتضيات العمل، و لا يجوز التمسك بها في تسمية اللّه تعالى و صفته. قال النووي:

و قد اختلف أهل السنة في تسميته تعالى و وصفه، من أوصاف الكمال و الجلال و المدح، بما لم يرد به الشرع و لا منعه، فأجازه طائفة و منعه آخرون، إلا أن يرد به شرع مقطوع به من نص كتاب، أو سنة متواترة، أو إجماع على اطلاقه، فإن ورد به خبر واحد فقد اختلفوا فيه، فأجازه طائفة و قالوا الدعاء به و الثناء من باب العمل. و ذلك جائر بخبر الواحد، و منعه آخرون لكونه راجعا إلى اعتقاده ما يجوز أن يستحيل على اللّه تعالى، و طريق هذا القطع، قال القاضي: و الصواب جوازه لاشتماله على العمل، و لقوله تعالى: وَ لِلََّهِ اَلْأَسْمََاءُ اَلْحُسْنى‏ََ فَادْعُوهُ بِهََا (1) و هو كما قال. و أما قوله و غمط الناس كذا في نسخ صحيح مسلم، و كذلك ذكره أبو داود في مصنفه، و ذكره الترمذي و غيره غمص بالصاد المهملة و هما بمعنى واحد و هو احتقارهم.

و أما رؤيته في المنام، فإنها تعبر بالنسل لقوله تعالى: وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ (2) و الذر أيضا يعبر بالضعفاء من الناس. و قيل: الذر جند لأنه من النمل و اللّه تعالى أعلم.

الذراح:

قال الجوهري: الذراح و الذروح بالضم دويبة حمراء منقطة بسواد تطير و هي من السموم و الجمع الذراريح. و قال سيبويه: واحد الذراريح ذرحرح، و ليس عنده في الكلام فعول بواحدة. و كان يقول: سبوح قدوس بفتح أوائلهما. و الذراح أنواع فمنه ما يتولد من الحنطة و منه دود الصنوبر و منه ما في أجنحته خطوط صفر و لونه مختلف و أجسامها كبار طوال ممتلئة قريبة الشبه من بنات وردان.

الحكم:

يحرم أكلها لاستخباثها.

الخواص:

الذراريح تنفع الجرب، و العلة التي ينقشر معها الجلد. و يخلط في الأدوية الموافقة للأورام، كالسرطان و القوابي الرديئة، قال الرازي: الاكتحال منها ينفع الطرفة في العين، و إذا طلي بها مسحوقة قتلت القمل، و إذا طبخت في زيت أبرأ ذلك الزيت داء الثعلب و زعم القدماء من الأطباء: أنه إذا جعل شي‏ء منها من خرقة حمراء و علقت على من به حمى أبرأته بخاصية عجيبة.

الذرع:

بالتحريك ولد البقرة الوحشية تقول منه أذرعت البقرة فهي مذرع.

____________

(1) سورة الأعراف: الآية 180.

(2) سورة الأعراف: الآية 172.

498

الذعلب:

و الذعلبة الناقة السريعة، و في حديث سواد بن مطرف الذعلب الناقة الوجناء (1) .

الذئب:

يهمز و لا يهمز و أصله الهمزة و الأنثى ذئبة، و جمع القلة أذؤب، و جمع الكثرة ذئاب و ذؤبان. و يسمى الخاطف و السّيد و السرحان و ذؤالة و العمّلس و السلق، و الأنثى سلقة و السمسام، و كنيته أبو مذقة لأنه لونه كذلك قال الشاعر:

حتى إذا جن الظلام و اختلط # جاءوا بمذق هل رأيت الذئب قط

و من كناه الشهيرة أبو جعدة. قال عبيد بن الأبرص‏ (2) للمنذر بن ماء السماء ملك الحيرة حين أراد قتله:

و قالوا: هي الخمر تكنى الطلا # كما الذئب يكنى أبا جعدة

ضربه مثلا أي تظهر لي الإكرام و أنت تريد قتلي. كما أن الخمرة، و إن سميت طلاء و حسن اسمها، فإن فعلها قبيح. و كذلك الذئب، و إن حسنت كنيته فإن فعله قبيح. و الجعدة الشاة و قيل: نبت طيب الريح ينبت في الربيع و يجف سريعا و سئل ابن الزبير عن المتعة؟فقال: الذئب يكني أبا جعدة. يعني أن المتعة حسنة الإسم قبيحة المعنى، كما أن الذئب حسن الكنية قبيح الفعل. و من كناه أبو ثمامة و أبو جاعد و أبو رعلة و أبو سلعامة و أبو العطلس و أبو كاسب و أبو سبلة.

و من أصحابه الشهيرة أو يس مصغرا، ككميت و لحيف. قال الشاعر الهذلي:

يا ليت شعري عنك و الأمر عمم # ما فعل اليوم أويس بالغنم‏

و من أوصافه الغبش، و هو لون كلون الرماد يقال: ذئب أغبش و ذئبة غبشاء. و روى الإمام أحمد و أبو يعلي الموصلي و عبد الباقي بن قانع أن الأعشى الشاعر المازني الحرمازي، و اسمه عبد اللّه بن الأعور، كانت عنده امرأة يقال لها معاذة، فخرج في شهر رجب يمير أهله من هجر، فهربت امرأته ناشزة عليه، فعاذت برجل منهم يقال له مطرف بن بهصل بن كعب بن قميع بن دلف بن أهصم بن عبد اللّه بن الحرماز، فجعلها خلف ظهره، فلما قدم لم يجدها في بيته فأخبر بخبرها فطلبها منه، فلم يدفعها إليه و كان مطرف أعز منه في قومه فأتى النبي صلى اللّه عليه و سلم فعاذ به و أنشأ يقول:

يا سيد الناس و ديّان العرب # أشكو إليك ذرية من الذرب

كالذئبة الغبساء في ظلّ السّرب # خرجت أبغيها الطعام في رجب

فخالفتني بنزاع و هرب # و قذفتني بين عيص مؤتشب‏ (3)

أخلفت العهد و لطّت بالذنب # و هن شر غالب لمن غلب‏

فقال‏ (4) النبي صلى اللّه عليه و سلم عند ذلك: «و هن شر غالب لمن غلب» . كنى عن فسادها و خيانتها

____________

(1) الناقة الوجناء: الشديدة.

(2) عبيد بن الأبرص: شاعر جاهلي من أصحاب المعلقات، قتله المنذر في يوم بؤسة سنة 250 ق. هـ-.

(3) العيص المؤتشب: الشجر الملتف. و الأشبة: الذئب كما في القاموس.

(4) رواه أحمد: 2-202.

499

بالذربة، و أصله و من ذرب المعدة و هو فسادها. و قيل: أراد سلاطة لسانها و فساد منطقها مأخوذة من قولهم: ذرب لسانه، إذا كان حاد اللسان لا يبالي بما يقول، و العيص بالعين و الصاد المهملتين أصل الشجر و المؤتشب الملتف و قوله لطت بالذنب، و هو بالطاء المهملة، أراد به أنها منعته بضعها من لطت الناقة بذنبها، إذا سدت فرجها به، إذا أرادها الفحل. و قيل: أراد توارت و أخفت شخصها عنه، كما تخفي الناقة فرجها بذنبها، و كان الأعشى المذكور شكا إلى النبي صلى اللّه عليه و سلم امرأته و ما صنعت، و أنها عند رجل منهم يقال له مطرف بن بهصل، فكتب النبي صلى اللّه عليه و سلم إلى مطرف: «انظر امرأة هذا معاذة فادفعها إليه» . فأتاه‏ (1) بكتاب النبي صلى اللّه عليه و سلم فقرأه عليه، فقال لها: يا معاذة هذا كتاب رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم فيك و أنا دافعك إليه. فقالت: خذ لي العهد و الميثاق و ذمة النبي صلى اللّه عليه و سلم، أن لا يعاقبني فيما صنعت، فأخذ لها ذلك و دفعها مطرف إليه فأنشأ يقول:

لعمرك ما حبي معاذة بالذي # يغيره الواشي و لا قدم العهد

و لا سوء ما جاءت به إذ أزلها # غواة رجال اذينا جونها بعدي‏

و قال الزمخشري في تفسيره قوله‏ (2) تعالى: إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ استعظم كيد النساء على كيد الشيطان، لأنه، و إن كان في الرجال كيد، إلا أن النساء ألطف كيدا، و أنفذ حيلة، و لهن في ذلك رفق و بذلك يغلبن الرجل. و منه قوله تعالى: وَ مِنْ شَرِّ اَلنَّفََّاثََاتِ فِي اَلْعُقَدِ (3) و النفاثات من بينهن اللاتي لهن ما ليس لغيرهن من البوائق. و عن بعض العلماء أنه قال: أنا أخاف من النساء أكثر مما أخاف من الشيطان، لأن اللّه تعالى يقول‏ (4) : إِنَّ كَيْدَ اَلشَّيْطََانِ كََانَ ضَعِيفاً و قال‏ (5) في النساء: إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ و في تاريخ‏ (6) ابن خلكان، في ترجمة عمر بن أبي ربيعة، قال: بينما عمر بن أبي ربيعة يطوف بالبيت، إذ رأى امرأة تطوف بالبيت، فأعجبته فسأل عنها فإذا هي من البصرة، فكلمها مرارا، فلم تلتفت إليه و قالت: إليك عني فإنك في حرم اللّه في موضع عظيم الحرمة، فلما ألح عليها و منعها من الطواف، أتت محرما لها، و قالت له تعالى معي أرني المناسك، فحضر معها فلما رآها عمر بن أبي ربيعة عدل عنها، فتمثلت بشعر الزبرقان‏ (7) بن بدر السعدي:

تعدو الذئاب على من لا كلاب له # و تتقي مربض المستأسد الضاري‏ (8)

فبلغ المنصور خبرهما، فقال: وددت أن لم تبق فتاة في خدرها إلا سمعته. و كانت ولادة عمر بن أبي ربيعة في الليلة التي قتل فيها عمر بن الخطاب رضي اللّه تعالى عنه، فكان الحسن البصري يقول، إذا جرى ذكر ولادته: أي حق رفع و أي باطل وضع، و غزا في البحر فأحرقوا السفينة فاحترق، و ذلك في سنة ثلاث و ثمانين.

____________

(1) رواه أحمد: 2-202.

(2) سورة يوسف: الآية 28.

(3) سورة الفلق: الآية 4.

(4) سورة النساء: الآية 76.

(5) وفيات الأعيان: 3/436.

(6) سورة يوسف: الآية 28.

(7) الزبرقان بن بدر التميمي السعدي، صحابي، من رؤساء قومه. مات سنة 45. هـ-.

(8) البيت في الحيوان للجاحظ غير معزو. و فيه: «و تتقي صولة» .

500

و للأسد و الذئب في الصبر على الجوع ما ليس لغيرهما من الحيوان، لكن الأسد شديد النهم حريص رغيب شره، و هو مع ذلك يحتمل أن يبقى أياما لا يأكل شيئا و الذئب و إن كان أقفر منزلا، و أقل خصبا و أكثر كدا، إذا لم يجد شيئا اكتفى بالنسيم، فيقتات به و جوفه يذيب العظم المصمت، و لا يذيب نوى التمر، و لا يوجد الالتحام عند السفاد إلا في الكلب و الذئب. و متى التحم الذئب و الذئبة، و هجم عليهما هاجم قتلهما كيف شاء، إلا أنهما لا يكادان يوجدان كذلك، لأنهما إذا أرادا السفاد توخيا موضعا لا يطؤه الإنس، خوفا على أنفسهما و يسفد مضطجعا على الأرض، و هو موصوف بالانفراد و الوحدة، و إذا أراد العدو فإنما هو الوثب و القفز، و لا يعود إلى فريسة شبع منها أبدا. و من عجيب امره أنه ينام بإحدى مقلتيه و الأخرى يقظى حتى تكتفي العين النائمة من النوم، فيفتحها و ينام بالأخرى ليحترس باليقظى و يستريح بالنائمة قال حميد (1) بن ثور في وصفه، في أبيات مشهورة منها:

و نمت كنوم الذئب في ذي حفيظة # أكلت طعاما دونه و هو جائع‏ (2)

ينام بإحدى مقلتيه و يتقي # بأخرى الأعادي فهو يقظان هاجع‏

و هو أكثر الحيوان عواء إذا كان مرسلا فإذا أخذ و ضرب بالعصي و السيوف حتى يتقطع أو يهشم لم يسمع له صوت إلى أن يموت. و فيه من قوّة حاسة الشم، أنه يدرك المشموم من فرسخ.

و أكثر ما يتعرض للغنم في الصبح و إنما يتوقع فترة الكلب و نومه و كلاله، لأنه يظل طول ليله حارسا متيقظا. و من غريب أمره أنه إذا اجتمع جلده مع جلد شاة تمغط جلد الشاة، و أنه متى وطئ ورق العنصل مات من ساعته. و الذئب إذا كده الجوع عوى فتجتمع له الذئاب، و يقف بعضها إلى بعض.

فمن ولى منها وثب إليه الباقون و أكلوه، و إذا عرض للإنسان، و خاف العجز عنه، عوى عواء استغاثة فتسمعه الذئاب، فتقبل على الإنسان اقبالا واحدا، و هم سواء في الحرص على أكله، فإن أدمى الإنسان واحدا منها، وثب الباقون على المدمى فمزقوه، و تركوا الإنسان. و قال بعض الشعراء يعاتب صديقا له و كان قد أعان عليه في أمر نزل به:

و كنت كذئب السّوء لما رأى دما # بصاحبه يوما أحال على الدم‏ (3)

روى البيهقي في الشعب، عن الأصمعي، قال: دخلت البادية فإذا بعجوز بين يديها شاة مقتولة و جرو ذئب مقع، فنظرت إليها فقالت: أ تدري ما هذا؟قلت: لا. قالت: جرو ذئب أخذناه و أدخلناه بيتنا، فلما كبر قتل شاتنا. و قد قلت في ذلك شعرا قلت لها: ما هو؟فأنشدته:

بقرت شويهتي و فجعت قلبي # و أنت لشاتنا ولد ربيب‏ (4)

____________

(1) حميد بن ثور بن حزن الهلالي العامري. شاعر جاهلي أدرك الإسلام و أسلم مات سنة 30 هـ-؟.

(2) البيت في الحيوان للجاحظ: 6/472. و فيه: «... الذئب عن حفيظة» . البيت في الشعر و الشعراء 247.

و فيه: «المنايا بأخرى فهو... » .

(3) العقد الفريد: 6/242. و هو للفرزدق. و في العقد: و كنا كذئب...

(4) شويهة تصغير شاة.

501

غذيت بدرّها و ربيت فينا # فمن أنباك أن أباك ذيب

إذا كان الطباع طباع سوء # فليس بنافع فيها الأديب‏

و هو إذا خافه إنسان طمع فيه، و إذا طمع الإنسان فيه خافه، و يقطع العظم بلسانه و يبريه بري السيف، و لا يسمع له صوت، و يقال: عوى الذئب، كما يقال عوى الكلب قال الشاعر: (1)

عوى الذئب فاستأنست للذئب إذ عوى # و صوّت إنسان فكدت أطير (2)

و قال آخر:

ليت شعري كيف الخلاص من النا # س و قد أصبحوا ذئاب اعتداء

قلت لما بلاهم: صدق خبري # رضي اللّه عن أبي الدرداء

أشار إلى قول أبي الدرداء: إياكم و معاشرة الناس فإنهم ما ركبوا قلب امرئ إلا غيروه، و لا جواد إلا عقروه، و لا بعيرا إلا أدبروه. و روى السهيلي، في الكلام على غزوة أحد، في حديث مسند، أنه قال: لما ولد عبد اللّه بن الزبير نظر إليه النبي صلى اللّه عليه و سلم و قال: «هو هو و رب الكعبة» . فلما سمعت أمه أسماء ذلك أمسكت عن ارضاعه، فقال لها النبي صلى اللّه عليه و سلم: «أرضعيه و لو بماء عينيك، كبش بين ذئاب عليها ثياب ليمنعن البيت أو يقتلن دونه» (3) . و روى ابن ماجة و البيهقي عن كعب بن مالك، و قال: حديث صحيح حسن، أن النبي صلى اللّه عليه و سلم قال: «ما ذئبان جائعان أرسلا في زريبة غنم، بأفسد لها من حرص الرجل على المال و الشرف لدينه و قد نص اللّه تعالى على ذم الحرص بقوله: وَ لَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ اَلنََّاسِ عَلى‏ََ حَيََاةٍ (4) و روى ابن عدي عن عمرو بن حنيف عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما أن النبي صلى اللّه عليه و سلم قال: «أدخلت الجنة فرأيت فيها ذئبا، فقلت:

أ ذئب في الجنة؟فقال: أكلت ابن شرطي» . قال ابن عباس: هذا و إنما أكل ابنه فلو أكله رفع في عليين. و قد رأيته كذلك في تاريخ نيسابور للحاكم في ترجمة شيخه علي بن محمد بن إسماعيل الطوسي و هو حديث موضوع.

و روى الحاكم في مستدركه بإسناد على شرط مسلم عن أبي سعيد الخدري رضي اللّه تعالى عنه قال: بينما راع يرعى بالحرة، إذ عدا الذئب على شاة فحال الراعي بينه و بينها فأقعى الذئب على ذنبه، و قال: يا عبد اللّه تحول بيني و بين رزق ساقه اللّه إلي!فقال الرجل: و اعجبا ذئب يكلمني!فقال الذئب: أ لا أخبرك بأعجب مني، هذا رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم بين الحرتين يخبر الناس بأنباء ما قد سبق، فزوى الراعي شياهه إلى زاوية من زوايا المدينة، ثم أتى النبي صلى اللّه عليه و سلم فأخبره فخرج رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم فقال‏ (5) : «صدق و الذي نفسي بيده» .

____________

(1) هو الأصيمر السعدي الشاعر اللص الفاتك، من شعراء الدولتين الأموية و العباسية. مات سنة 170 هـ-.

(2) البيت في الحيوان للجاحظ: 1/379.

(3) رواه مسلم في الرضاع: 26-28-30-و الحدود: 23. و رواه النسائي في النكاح: 53 و الدارمي في الحدود: 17. و أحمد: 5/348، 6/174-201.

(4) رواه الترمذي في الزهد: 43. و الدارمي في الرقاق: 21. و أحمد: /456-460.

(5) رواه البخاري أنبياء: 54. فضائل الصحابة: 5-6. و رواه مسلم في فضائل الصحابة: 13. و رواه الترمذي في المناقب: 17. و ابن ماجة أضاحي: 9. و أحمد: 2/246.

502

فائدة:

قال ابن عبد البر و غيره: كلم الذئب من الصحابة ثلاثة: رافع بن عميرة و سلمة بن الأكوع و أهبان بن أوس الأسلمي رضي اللّه تعالى عنهم. قال: و لذلك تقول العرب: هو كذئب أهبان يتعجبون منه، و ذلك أن أهبان بن أوس المذكور كان في غنم له فشد الذئب على شاة منها فصاح به أهبان فأقعى الذئب و قال: أ تنزع مني رزقا رزقنيه اللّه تعالى؟فقال أهبان: ما سمعت و لا رأيت أعجب من هذا ذئب يتكلم، فقال الذئب: أتعجب من هذا!و رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم بين هذه النخلات و أومأ بيده إلى المدينة يحدث بما كان و بما يكون، و يدعو الناس إلى اللّه و إلى عبادته و هم لا يجيبونه، قال أهبان بن أوس: فجئت النبي صلى اللّه عليه و سلم و أخبرته بالقصة و أسلمت، فقال لي: «حدث به الناس» . قال عبد اللّه بن أبي داود السجستاني الحافظ فيقال لأهبان: مكلم الذئب و لأولاده أولاد مكلم الذئب، و محمد بن الأشعث الخزاعي من ولده و اتفق مثل ذلك لرافع بن عميرة و سلمة بن الأكوع انتهى. و قال البخاري‏ (1) : أنبأنا شعيب عن الزهري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أن أبا هريرة رضي اللّه تعالى عنه قال: سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم يقول: «بينما راع في غنمه إذا عدا عليها الذئب فأخذ منها شاة، فطلبه الراعي فالتفت إليه الذئب، و قال: من لها يوم السبع يوم لا راعي لها غيري. و بينما رجل يسوق بقرة قد حمل عليها، فالتفتت إليه و كلمته فقالت: إني لم أخلق لهذا و لكني خلقت للحرث. فقال الناس: سبحان اللّه ذئب يتكلم، و بقرة تتكلم. فقال النبي صلى اللّه عليه و سلم آمنت بذلك أنا و أبو بكر و عمر؟قال ابن الأعرابي: السبع بسكون الباء الموضع الذي عنده المحشر يوم القيامة. أراد من لها يوم القيامة. و قيل: هذا التفسير يفسد بقول الذئب في تمام الحديث يوم لا راعي لها غيري، و الذئب لا يكون لها راعيا يوم القيامة. و قيل أراد من لها يوم الفتن حين يتركها الناس هملا لا راعي لها نهبة للسباع و الذئاب، فجعل السبع لها راعيا إذ هو منفرد بها.

و يكون حينئذ بضم الباء. و هذا انذار ربما يكون من الشدائد و الفتن التي تأتي حتى يهمل الناس فيها مواشيهم و تتمكن منها السباع بلا مانع. و قال أبو عبيدة معمر بن المثنى‏ (2) يوم السبع عيد كان لهم في الجاهلية يشتغلون فيه بلهوهم و لعبهم و أكلهم فيجي‏ء الذئب فيأخذها و ليس هو بالسبع الذي يفترس الناس. قال: و أملاه أبو عامر العبدي الحافظ بضم الباء و كان من العلم و الاتقان بمكان. و في الصحيحين عن أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه أن النبي صلى اللّه عليه و سلم قال‏ (3) : «كانت امرأتان معهما ابناهما إذ جاء الذئب فذهب بابن إحداهما، فقالت هذه لصاحبتها: إنما ذهب بابنك أنت و قالت الأخرى إنما ذهب بابنك، فتحاكما إلى داود عليه الصلاة و السلام فقضى به للكبرى، فخرجتا على سليمان فأخبرتاه بذلك فقال سليمان عليه الصلاة و السلام: ائتوني بالسكين أشقه بينكما نصفين فقالت الصغرى: لا و يرحمك اللّه هو ابنها فقضى به للصغرى» . قال أبو هريرة

____________

(1) رواه البخاري في الأنبياء: 54 و فضائل الصحابة: 5-6. و غير كما تقدم.

(2) معمر بن المثنى التيمي بالولاء، أبو عبيدة النحوي اللغوي الأديب. له نحو من مائتي مصنف. مات سنة 209 هـ-. و يقال إنه كان إباضيا معتزليا شعوبيا.

(3) رواه البخاري في الفرائض: 30، و الحرث: 4، و الأنبياء: 40، و رواه مسلم في المساجد: 33، و الأقضية:

20، و أبو داود في الصلاة: 167، و النسائي في السهو: 20. و ابن ماجة في الصيد: 14، و ابن حنبل: 2- 322.