حياة الحيوان الكبري - ج1

- الدميري المزيد...
520 /
53

فاكتسب اللحم منها هذه الخاصية. و قال إياد: إنما علمت أن الملك ليس بابن أبيه الذي يدعى إليه لأنه صنع لنا طعاما و لم يأكل معنا، فعرفت ذلك من طباعه، لأن أباه لم يكن كذلك و قال أنمار: إنما علمت أن الخبز عجنته حائض، لأن الخبز إذا فت انتفش في الطعام، و هو بخلاف ذلك فعلمت أنه عجين حائض.

فأخبر الرجل الأفعى بذلك، فقال: ما هؤلاء إلا شياطين، ثم أتاهم فقال لهم: قصوا قصتكم، فقصوا عليه ما أوصاهم به أبوهم، و ما كان من اختلافهم. فقال: ما أشبه القبة الحمراء من مال فهو لمضر، فصارت له الدنانير و الإبل و هي حمر فسميت مضر الحمراء. ثم قال و ما أشبه الخباء الأسود من دابة و مال، فهو لربيعة فصارت له الخيل و هي دهم فسميت ربيعة الفرس. ثم قال: و ما أشبه الخادم، و كانت شمطاء، من مال، فهو لإياد، فصارت له الماشية البلق‏ (1) من الخيل و غيرها و قضى لأنمار بالدراهم و الأرض. فساروا من عنده على ذلك.

و سيأتي، إن شاء اللّه تعالى، في باب الكاف في الكلام على الكلب، ما نقله السهيلي من أن ربيعة و مضر كانا مؤمنين.

و في وفيات الأعيان في ترجمة ابن التلميذ (2) شيخ النصارى و الأطباء، أنه كان بينه و بين أوحد الزمان‏ (3) هبة اللّه الحكيم المشهور تنافس، و كان يهوديا فأسلم في آخر عمره، و أصابه الجذام، فعالج نفسه بتسليط الأفاعي على جسده بعد أن جوّعها، فبالغت في نهشه، فبرئ من الجذام و عمي فعمل‏ (4) فيه ابن التلميذ شعرا:

لنا صديق يهودي حماقته # إذا تكلم تبدو فيه من فيه

يتيه و الكلب أعلى منه منزلة # كأنه بعد لم يخرج من التيه‏

و كان ابن التلميذ متواضعا و أوحد الزمان متكبرا، فعمل فيهما البديع‏ (5) الاسطرلابي شعرا:

أبو الحسن الطبيب و مقتفيه # أبو البركات في طرفي نقيض

فهذا بالتواضع في الثريا # و هذا بالتكبر في الحضيض‏

و قد ألغز أبو الحسن بن التلميذ في الميزان و أجاد (6) :

____________

(1) الماشية البلق: فيها سواد و بياض.

(2) ابن التلميذ هو هبة اللّه بن صاعد، أبو الحسن، حكيم طبيب و أديب مترسل و له شعر. عاش في بغداد و اتصل بالخلفاء العباسيين، و كان نصرانيا، و له مؤلفات كثيرة في الطب و غيره. توفي سنة 560 هـ.

(3) أوحد الزمان هو هبة اللّه بن علي بن ملكا البلدي، أبو البركات، طبيب بغدادي، كان يهوديا و أسلم في أواخر حياته و عاش في خدمة المستنجد باللّه العباسي. مات في همذان سنة 560 هـ. و ترك مؤلفات كثيرة متنوعة.

(4) وفيات الأعيان: 6/74.

(5) هو هبة اللّه بن الحسين بن يوسف الاسطرلابي، أبو القاسم، المعروف بالبديع فيلسوف من علماء الأطباء و الفلكيين، من أهل بغداد، له شعر. مات سنة 534 هـ. و الشعر في وفيات الأعيان: 6/75.

(6) وفيات الأعيان: 6/69.

54

ما واحد مختلف الأسماء # يعدل في الأرض و في السماء

يحكم بالقسط بلا رياء # أعمى يرى الإرشاد كل راء

أخرس لا من علة و داء # يغني عن التصريح بالإيماء

يجيب إن ناداه ذو امتراء # بالرفع و الخفض عن النداء

يفصح إن علق في الهواء

و قوله مختلف الأسماء يعني ميزان الشمس للأسطرلاب، و سائر آلات الرصد، و هو معنى قوله يعدل في الأرض و في السماء.

و ميزان الكلام النحو، و ميزان الشعر العروض، و ميزان المعاني المنطق، و هذه الميزان و غير ذلك. و الأسطرلاب بفتح الهمزة و إسكان السين و ضم الطاء و معناه ميزان الشمس. لأن أسطر اسم للميزان، و لاب اسم للشمس بلسان اليونان، و أول من وضعه بطليموس بفتح الباء و اللام و إسكان الطاء و الياء و ضم الميم و له في وضعه قصة عجيبة، تركناها لطولها.

و كان ابن التلميذ قد جمع أنواعا من العلوم، حتى كان يتعجب من أمره كيف حرم الإسلام، مع كمال فهمه و غزارة عقله و علمه، و هذا سر قوله تعالى: مَنْ يُضْلِلِ اَللََّهُ فَلاََ هََادِيَ لَهُ (1) نسأل اللّه الوفاة على التوحيد آمين. توفي ابن التلميذ في صفر سنة ستين و خمسمائة.

الخواص:

دمها يكتحل به يجلو البصر، و قلبها يجفف و يشد على الإنسان، فلا يؤثر فيه السحر و إذا علق ضرس الأفعى الأيسر، على من يشتكي ضرسه، نفعه و إن علق على فخذ امرأة لم تحبل ما دام عليها. و قال القزويني، و ابن زهر، و ابن بختيشوع: إن قلب الأفعى، إذا علق على من به حمى الربع أبرأه. و شحمها ينفع من لسع سائر الهوام دلكا. و إن نتف الشعر من مكان، و طلي ذلك المكان بشحمها، منعه من النبات و إذا أمسك إنسان نوشادرا في فمه، حتى يذوب ثم بصق في فم الحية و الأفعى ماتا من وقتهما. و سلخ الأفعى إذا طبخ بالخل، و تمضمض به نفع من وجع الأسنان و الأضراس. و إذا سحق بالتراب، و اكتحل به نفع من ظلمة البصر. و شحمها ينفع البواسير و بياض العين طلاء و كحلا. و مرارتها سم ساعة. و قال أبقراط: من أكل لحم الأفعى، أمن من الأمراض الصعبة.

حكي: عن عمرو بن يحيى العلوي أنه قال: كنا في طريق مكة فأصاب رجلا منا استسقاء، فاتفق أن العرب سرقوا قطارا منا فيه ذلك الرجل العليل، فلما رجعنا إلى الكوفة، وجدناه معافى، فسألناه عن حاله فقال: إن الأعراب لما انتهوا بي إلى مساكنهم، و هي على فراسخ، طرحوني في أواخر بيوتهم، فكنت أتمنى الموت، إلى أن رأيتهم يوما قد أخرجوا أفاعي اصطادوها، فقطعوا رءوسها و أذنابها و شووها فقلت في نفسي: هؤلاء اعتادوا أكلها فلا تضرهم فلعلي إن أنا أكلت منها مت و استرحت، فاستطعمتهم فرمى إلي رجل منهم واحدة، فأكلتها فنمت نوما ثقيلا ثم استيقظت و قد عرقت عرقا شديدا و اندفعت طبيعتي أكثر من مائة مرة، فلما أصبحت، وجدت

____________

(1) سورة الأعراف: الآية 186.

55

بطني قد ضمر فطلبت منهم مأكولا فأكلت، و أقمت عندهم إلى أن وثقت من نفسي بالشفاء ثم أخذت الطريق مع بعضهم و أتيت الكوفة.

الأقهبان:

الفيل و الجاموس قال رؤبة (1) يصف نفسه بالشدة:

ليث يدق الأسد الهموسا # و الأقهبين الفيل و الجاموسا (2)

الأملول:

دويبة فتكون في الرمل تشبه القطاة قاله ابن سيده.

الإنس:

البشر الواحد انسي و أنسي أيضا بالتحريك، و الجمع أناسي، و إن شئت جعلته إنسانا، ثم جمعته على أناسي فتكون الياء عوضا عن النون. قال‏ (3) تعالى: وَ أَنََاسِيَّ كَثِيراً و كذلك الأناسية مثل الصيارفة و الصياقلة، و يقال للمرأة أيضا إنسان و لا يقال إنسانة و العامة تقوله قال الجوهري و أنشدوا على ذلك:

إنسانة فتانة # بدر الدجى منها خجل

إذا زنت عيني بها # فبالدموع تغتسل‏

الإنسان:

نوع العالم، و الجمع: الناس. قال الجوهري و تقدير إنسان على فعلان، و إنما زيد في تصغيره ياء. و قيل أنيسيان كما زيد في تصغير رجل، فقيل: رويجل. و قال قوم: أصله إنسيان على وزن افعلان، فحذفت الياء تخفيفا لكثرة ما يجري على الألسنة، و إذا صغروها ردوها لأن التصغير لا يكبر و استدلوا عليه بقول ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما: إنه إنما سمي إنسانا لأنه عهد إليه فنسي و الأناس لغة في الناس، و هو الأصل فخفف، قال‏ (4) تعالى: لَقَدْ خَلَقْنَا اَلْإِنْسََانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ، و هو اعتداله، و تسوية أعضائه، لأنه خلق كل شي‏ء منكبا على وجهه، و خلقه سويا و له لسان ذلق، ينطق به و يد و أصابع يقبض بها، مزينا بالعقل مؤدبا بالأمر، مهذبا بالتمييز، يتناول مأكوله و مشروبه بيده.

و روى الطبراني في معجمه الأوسط، بإسناد صحيح، عن أبي مزينة الدارمي، و كانت له صحبة، قال: كان الرجلان من أصحاب النبي صلى اللّه عليه و سلم، إذا التقيا لم يفترقا حتى يقرأ أحدهما على الآخر: وَ اَلْعَصْرِ `إِنَّ اَلْإِنْسََانَ لَفِي خُسْرٍ (5) .

فائدة:

قال ابن عطية: من الدليل على أن القرآن غير مخلوق، أن اللّه تعالى ذكر القرآن في كتابه العزيز في أربعة و خمسين موضعا، ما فيها موضع صرح فيه بلفظ الخلق، و لا أشار إليه، و ذكر الإنسان على الثلث من ذلك في ثمانية عشر موضعا، كلها نصّت على خلقه، و قد افترق ذكرهما على هذا النحو، في قوله‏ (6) تعالى: اَلرَّحْمََنُ `عَلَّمَ اَلْقُرْآنَ `خَلَقَ اَلْإِنْسََانَ . قال القاضي

____________

(1) رؤبة بن عبد اللّه العجّاج بن رؤبة التميمي السعدي، أبو الجحّاف، راجز من الفصحاء من مخضرمي الدولتين الأموية و العباسية، أكثر مقامه في البصرة. مات سنة 145 هـ.

(2) ديوانه: 69.

(3) سورة الفرقان: الآية 49.

(4) سورة التين: الآية 4.

(5) سورة العصر: الآية 2.

(6) سورة الرحمن: الآية 1، 2.

56

أبو بكر بن العربي المالكي الإمام العلامة: ليس للّه تعالى خلق أحسن من الإنسان، فإن اللّه تعالى خلقه حيا عالما قادرا متكلما سميعا بصيرا مدبرا حكيما، و هذه صفات الرب جل و علا و عنها وقع البيان بقوله صلى اللّه عليه و سلم: «إن اللّه تعالى خلق آدم على صورته يعني‏ (1) على صفاته، التي قدمنا ذكرها.

قلت: و هنا مجال رحب لأصحاب الكلام في أصول الدين أضربنا عنه، إذ ليس هو من غرضنا في هذا الكتاب.

و روى أبو بكر المتقدم ذكره، بإسناده أن موسى بن عيسى‏ (2) الهاشمي، كان يحب زوجته حبا شديدا فقال لها يوما: أنت طالق ثلاثا، إن لم تكوني أحسن من القمر، فاحتجبت عنه، و قالت: طلقت. فبات بليلة عظيمة، فلما أصبح أتى المنصور و أخبره بذلك، فاستحضر الفقهاء، و سألهم عن ذلك؟فأجاب كل منهم بالطلاق، إلا واحدا منهم، فقال: لا تطلق لقوله تعالى‏ (3) :

لَقَدْ خَلَقْنَا اَلْإِنْسََانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ . فقال المنصور: الأمر كما ذكرت، ثم أرسل إلى زوجته بذلك. و هذا الجواب ينقل عن الإمام الشافعي رضي اللّه تعالى عنه، و عندي في قوله: موسى بن عيسى نظر، و الذي أظنه أنه عيسى بن موسى فإنه كان ولي عهد المنصور، ثم خلعه من ولاية العهد لولده المهدي، و قد تقدم أن الشافعي رضي اللّه تعالى عنه، ولد في سنة خمسين و مائة، و المنصور كانت وفاته على ما ذكره ابن خلكان و غيره في سنة ثمان و خمسين و مائة، فكيف يتصور أن يكون الشافعي المفتي في هذه الواقعة؟فليتأمل ذلك.

قلت: و قد أذكرتني هذه الحكاية، ما ذكره الزمخشري، عند قوله‏ (4) تعالى: وَ يَسْتَفْتُونَكَ فِي اَلنِّسََاءِ أن عمران بن حطان‏ (5) الخارجي كان شديد السواد، و كانت امرأته من أجمل النساء، فأطالت نظرها في وجهه يوما و قالت: الحمد للّه فقال: ما لك؟فقالت: حمدت اللّه تعالى على أني و إياك في الجنة. قال: كيف؟قالت: لأنك رزقت مثلي فشكرت، و رزقت مثلك فصبرت و قد وعد اللّه عباده الصابرين و الشاكرين الجنة. و ذكر (6) ابن الجوزي في الأذكياء و غيره أن عمران بن حطان هذا كان أحد الخوارج، و هو القائل يمدح عبد الرحمن بن ملجم لعنهما اللّه على قتل علي بن أبي طالب رضي اللّه تعالى عنه:

يا ضربة من تقى ما أراد بها # إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا

إني لأذكره يوما فأحسبه # أوفى البرية عند اللّه ميزانا

____________

(1) رواه ابن حنبل: 3/244، 251، 315، 323، 434، 463. و رواه البخاري في الاستئذان: 1. و مسلم في البر: 115 و الجنة: 28.

(2) هو موسى بن عيسى بن محمد العباسي الهاشمي من الولاة، و كان جوادا عاقلا، مات سنة 183 هـ.

(3) سورة التين: الآية 4.

(4) سورة النساء: الآية 127.

(5) هو عمران بن حطان بن ظبيان السدوسي، من رءوس الصّفرية من الخوارج خطيب و شاعر. مات سنة 84 هـ.

(6) الأذكياء: 210.

57

أكرم بقوم بطون الأرض أقبرهم # لم يخلطوا دينهم بغيا و عدوانا

فبلغت القاضي أبا الطيب الطبري‏ (1) هذه الأبيات فقال مجيبا له:

إني لأبرأ مما أنت قائله # في ابن ملجم الملعون بهتانا

إني لأذكره يوما فألعنه # دينا و ألعن عمران بن حطانا

عليك ثم عليه الدهر متصلا # لعائن اللّه إسرارا و إعلانا

فأنتم من كلاب النار جاء لنا # نص الشريعة برها و تبيانا (2)

أشار أبو الطيب إلى قوله صلى اللّه عليه و سلم «الخوارج كلاب‏ (3) النار» .

عجيبة:

رأيت في ذيل تاريخ بغداد لابن النجار، في ترجمة علي بن نصر الفقيه ابن أحمد المالكي، والد القاضي عبد الوهاب، و كان ثقة عدلا قال: زوجت أيام عضد الدولة ابن بويه، بعض غلمانه الأتراك صبية في جوارنا، و كان لها و لوالدتها أنس بدارنا، و كانت من الموصوفات بالستر و العفاف، و مضى على ذلك سنتان فحضر إلي الغلام التركي، و قال: يا سيدي هذه المرأة التي زوجتني بها قد ولدت مني ابنا، و لا أشكو شيئا من أمرها، و لا أنكره، غير أنها ما أرتني ولدي منذ ولدته و كلما طالبتها به دافعتني عنه، و أريد أن تستدعيها و تسألها عن ذلك، قال: فاستدعيت والدتها فحضرت و خاطبتها من وراء الستر، على ما قاله زوج ابنتها فأسرّت إلي و قالت: يا سيدي صدق فيما حكاه، و إنما دافعناه عن هذا لأنا قد بلينا ببلية قبيحة، و ذلك أن زوجته ولدت منه ولدا أبلق من رأسه إلى سرته أبيض، و بقية بدنه أسود!قال فسمع التركي قولها أبلق فصاح ابني ابني! و هكذا كان جدي ببلاد الترك و قد رضيت ففرحت المرأة بقوله و انصرفت و أظهرت له الولد.

و افتتح ابن بختيشوع و معناه عبد المسيح كتابه في الحيوان، بالإنسان و قال: إنه أعدل الحيوان مزاجا، و أكمله أفعالا و ألطفه حسا، و أنفذه رأيا، فهو كالملك الملط القاهر لسائر الخليقة، و الآمر لها، و ذلك بما وهبه اللّه تعالى له من العقل، الذي به يتميز على كل الحيوان البهيمي، فهو بالحقيقة ملك العالم و لذلك سماه قوم من الأقدمين العالم الأصغر.

فائدة:

نقل الشيخ شهاب الدين أحمد البوني رحمه اللّه في كتابه المسمى بسر الأسرار عن عبد اللّه بن عمر رضي اللّه تعالى عنهما، أنه قال: من كانت له حاجة فليصم الأربعاء و الخميس و الجمعة، فإذا كان يوم الجمعة تطهر و راح إلى الجمعة و قال: اللهم إني أسألك باسمك بسم اللّه الرحمن الرحيم، الذي لا إله إلا هو عالم الغيب و الشهادة، هو الرحمن الرحيم، و أسألك باسمك بسم اللّه الرحمن الرحيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم، لا تأخذه سنة و لا نوم الذي ملأت عظمته السموات و الأرض، و أسألك باسمك بسم اللّه الرحمن الرحيم الذي لا إله إلا هو عنت له

____________

(1) الطبري: طاهر بن عبد اللّه بن طاهر الطبري، أبو الطيّب، قاض من أعيان الشافعية، عاش و مات في بغداد سنة 450 هـ.

(2) الأبيات في الأذكياء: 210. و في البيت الأخير: «جاء به... بيانا و برهانا» .

(3) رواه ابن ماجة مقدمة: 12، 50 و ابن حنبل: 4/35، 382.

58

الوجوه، و خشعت له الأبصار، و وجلت القلوب من خشيته، أن تصلي على محمد و على آل محمد و أن تعطيني مسألتي و تقضي حاجتي و تسميها برحمتك، يا أرحم الراحمين. و هو سر لطيف مجرب.

و قال: من كتب: محمد رسول اللّه، أحمد رسول اللّه خمسا و ثلاثين مرة يوم الجمعة، بعد صلاة الجمعة، على طهارة كاملة و حملها معه، رزقه اللّه تعالى القوة على الطاعة، و معونة على البركة، و كفاه همزات الشياطين. و إن هو استدام النظر إلى تلك البطاقة كل يوم عند طلوع الشمس، و هو يصلي على محمد صلى اللّه عليه و سلم، كثرت رؤيته للنبي صلى اللّه عليه و سلم. و هو سر لطيف مجرب.

و روى الإمام أحمد بن حنبل رضي اللّه تعالى عنه، أنه رأى رب العزة في المنام تسعا و تسعين مرة، فقال: إن رأيته تمام المائة لأسألنه، فرآه تمام المائة فسأله و قال: يا رب بما ذا ينجو العباد يوم القيامة؟فقال له: من قال كل يوم، بكرة و عشيا، ثلاث مرات سبحان الأبدي الأبد، سبحان الواحد الأحد، سبحان الفرد الصمد، سبحان من رفع السماء بغير عمد، سبحان من بسط الأرض على ماء جمد، سبحانه لم يتخذ صاحبة و لا ولدا، سبحانه لم يلد و لم يولد و لم يكن له كفوا أحد.

و قال الإمام أحمد رضي اللّه تعالى عنه، من قال كل يوم، بين صلاة الفجر و الصبح، أربعين مرة يا حي يا قيوم، يا بديع السموات و الأرض، يا ذا الجلال و الإكرام، يا اللّه لا إله إلا أنت، أسألك أن تحيي قلبي بنور معرفتك، يا أرحم الراحمين. أحيا اللّه قلبه يوم تموت القلوب.

فائدة أخرى‏

: في كتاب البستان عن ابن عمر رضي اللّه عنهما، أنه قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم:

«من أحب أن يحفظ اللّه عليه الإيمان، حتى يلقاه يوم القيامة، فليصل كلّ ليلة بعد سنّة المغرب، قيل أن يتكلم، ركعتين يقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب مرة، و قل أعوذ برب الفلق مرة و قل أعوذ برب الناس مرة، و يسلم منهما، فإن اللّه تعالى يحفظ عليه الإيمان، حتى يوافي ربه يوم القيامة» .

قال الراوي و هذه فائدة عظيمة غنيمة.

و ذكر النسفي هذا الحديث بسند طويل و زاد فيه: إِنََّا أَنْزَلْنََاهُ فِي لَيْلَةِ اَلْقَدْرِ (1) قبل الإخلاص، و يسبح خمس عشرة مرة بعد السلام، و يقول عقب التسبيح: اللهم أنت العالم ما أردت بهاتين الركعتين، اللهم اجعلهما لي ذخرا يوم لقائك، اللهم احفظ بهما ديني، في حياتي و عند مماتي، و بعد وفاتي، آمنه اللّه سلب الإيمان. و هذه فائدة عظيمة من أعظم المهمات. و سئل بعض الحكماء و ذوي الفصاحة من العلماء، أي الخصال من الإنسان خير؟قال: الدين قال: فإذا كانت اثنتين؟قال: الدين و المال. قال فإذا كانت ثلاثا؟قال: الدين و المال و الحياء. قال: فإذا كانت أربعا؟قال: الدين و المال و الحياء و حسن الخلق. قال: فإذا كانت خمسا؟قال: الدين و المال و الحياء و حسن الخلق و السخاء. فمن اجتمع فيه هذه الخصال الخمس فهو تقي نقي للّه ولي، و من

____________

(1) سورة القدر: الآية 1.

59

الشيطان بري و قال: المؤمن شريف ظريف، لطيف لا لعان و لا نمام، و لا مغتاب و لا قتات، و لا حسود و لا حقود، و لا بخيل و لا مختال، يطلب من الخيرات أعلاها، و من الأخلاق أسناها، إن سلك مع أهل الآخرة، كان أورعهم، غضيض الطرف سخي الكف، لا يرد سائلا و لا يبخل بنائل، متواصل الأحزان، مترادف الإحسان، يزن كلامه و يحرس لسانه، و يحسن عمله، و يكثر في الحق أمله، متأسف على ما فاته من تضييع أوقاته، كأنه ناظر إلى ربّه مراقب لما خلق له لا يرد الحق على عدوّه، و يبطل الباطل من صديقه، كثير المعونة قليل المئونة، يعطف على أخيه عند عسرته لما مضى من قديم صحبته فهذه صفات المؤمنين، الخالصين الموحدين لرب العالمين.

و كان رجل من عباد اللّه الصالحين الموحدين يصحب إبراهيم‏ (1) بن أدهم رضي اللّه تعالى عنه، فقال له: علمني اسم اللّه الأعظم الذي إذا دعي به أجاب، و إذا سئل به أعطى فقال: قل هذه الكلمات صباحا و مساء فإنه ما دعا بهن خائف، إلا أمن و لا سائل إلا أعطاه اللّه مسألته و هي هذه الكلمات: يا من له وجه لا يبلى و نور لا يطفى، و اسم لا ينسى، و باب لا يغلق، و ستر لا يهتك، و ملك لا يفنى، أسألك و أتوسل إليك بجاه محمد صلى اللّه عليه و سلم أن تقضي حاجتي و تعطيني مسألتي.

و قال بعض العلماء: اسم اللّه الأعظم الذي إذا دعي به أجاب، و إذا سئل به أعطى هو لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك أنت اللّه الأحد، اللهم إني أسألك بأن لك الحمد، لا إله إلا أنت، الحنّان المنّان، بديع السموات و الأرض، يا ذا الجلال و الإكرام يا حي يا قيوم.

و سئل الإمام النووي رحمه اللّه تعالى، عن اسم اللّه الأعظم ما هو، و في أي سورة هو؟ فأجاب رضي اللّه تعالى عنه: فيه أحاديث كثيرة ففي سنن ابن ماجة، و غيره عن أبي أمامة رضي اللّه تعالى عنه، عن النبي صلى اللّه عليه و سلم أنه قال: «في ثلاث سور في البقرة و آل عمران و طه» . قال بعض الأئمة المتقدمين: هو الحي القيوم، لأنه في البقرة، في آية الكرسي، و في أول آل عمران، و في طه في قوله‏ (2) تعالى: وَ عَنَتِ اَلْوُجُوهُ لِلْحَيِّ اَلْقَيُّومِ . و هذا استنباط حسن و اللّه أعلم.

و قد ثبت في صحيح مسلم رضي اللّه عنه عن أبي هريرة رضي اللّه عنه، أن النبي صلى اللّه عليه و سلم‏ (3)

قال: «لا يزال يستجاب للعبد ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم، ما لم يستعجل» قيل: يا رسول اللّه ما الاستعجال؟قال: «يقول قد دعوت فلم يستجب لي، فيستحسر عند ذلك و يدع الدعاء» .

فائدة: فيمن يستجاب دعاؤهم قطعا: المضطر، و المظلوم مطلقا، و لو كان فاجرا أو كافرا، أو الوالد على ولده، و الإمام العادل، و الرجل الصالح، و الولد البار بوالديه، و المسافر حتى يرجع، و الصائم حتى يفطر، و المسلم للمسلم ما لم يدع بظلم، أو قطيعة رحم، أو يقل دعوت فلم أجب.

و من الفوائد المجربة:

العظيمة البركة، الكثيرة الخير، لقضاء الحوائج، و تفريج الهم و الغم، و هي من الأسرار المخزونة المكنونة، كما قاله شيخنا اليافعي: أن تقرأ بعد صلاة العشاء،

____________

(1) هو إبراهيم بن أدهم بن منصور التميمي البلخي، زاهد مشهور، مات سنة 161 هـ-.

(2) سورة طه: الآية 111.

(3) رواه مسلم في الذكر: 92.

60

على طهارة كاملة، في جلسة واحدة، اسمه تعالى «لطيف» ست عشرة ألف مرة و ستمائة مرة و إحدى و أربعين مرة، و الحذر ثم الحذر من الزيادة و النقص فإنه يبطل السر. و الحيلة في معرفة ضبط ذلك أن تأخذ سبحة عدتها 129 فتقرأ الاسم عليها 129، فيحصل المقصود، و هذه أقرب الطرق المستقيمة لمعرفتها فإن عدة حروفه أربعة و هي ل ط ي ف جملتها 129 فاضربها في مثلها، فتكون جملتها ستة عشر ألفا و ستمائة و إحدى و أربعين و تسمي حاجتك فإنها تقضى إن شاء اللّه تعالى لا محالة و في كل مائة و تسع و عشرين مرة تقول: لا تدركه الأبصار و هو يدرك الأبصار و هو اللطيف الخبير، و هذه للدعاء على الظالم و منها لجلب الخير و الرزق و البركة، تقول عقب كل صلاة مائة ثم تقول: اللّه لطيف بعباده يرزق من يشاء و هو القوي العزيز. و منها لدفع كيد الظلمة لا تدركه الأبصار و هو يدرك الأبصار و هو اللطيف الخبير. و الدعاء بعد تمام قراءة الاسم المبارك:

اللهم وسع علي رزقي، اللهم عطف علي خلقك كما صنت وجهي عن السجود لغيرك، فصنه عن ذل السؤال لغيرك، برحمتك يا أرحم الراحمين.

قال سيدنا الشيخ أبو الحسن الشاذلي رحمه اللّه تعالى: كن متمسكا بهذه الصفات الحميدة تفز بسعادة الدارين، لا تتخذ من الكافرين وليا و لا من المؤمنين عدوا، و ارتحل بزادك من التقوى في الدنيا، وعد نفسك من الموتى، و اشهد للّه بالوحدانية و لرسوله بالرسالة، و حسبك عمل صالح و إن قل، و قل آمنت باللّه و ملائكته و كتبه و رسله، و قالوا سمعنا و أطعنا غفرانك ربنا و إليك المصير. فمن كان متمسكا بهذه الصفات الحميدة، ضمن اللّه عزّ و جلّ له أربعة في الدنيا:

الصدق في القول و الإخلاص في العمل و الرزق كالمطر و الوقاية من الشر و أربعة في الآخرة المغفرة العظمى، و القربة الزلفى، و دخول جنة المأوى، و اللحوق بالدرجة العليا.

و إن أردت الصدق في القول، فداوم على قراءة إنا أنزلناه في ليلة القدر، و إن أردت الرزق كالمطر، فداوم على قراءة قل أعوذ برب الفلق، و إن أردت السلامة من شر الناس فداوم على قراءة قل أعوذ برب الناس، و إن أردت جلب الخير و الرزق و البركة، فداوم على قراءة بسم اللّه الرحمن الرحيم الملك الحق المبين هو نعم المولى و نعم النصير، و قراءة سورة الواقعة و سورة يس فإنه يأتيك الرزق كالمطر و إن أردت أن يجعل اللّه لك من كل هم فرجا، و من كل ضيق مخرجا، و يرزقك من حيث لا تحتسب، فالزم الاستغفار و إن أردت أن تأمن مما يروعك و يفزعك، فقل: أعوذ بكلمات اللّه التامات من غضبه، و عقابه، و من شر عباده، و من همزات الشياطين و إن يحضرون.

و إن أردت أن تعرف أي وقت تفتح فيه أبواب السماء، و يستجاب الدعاء فاشهد وقت نداء المنادي فأجبه ففي الحديث‏ (1) «من نزل به كرب أو شدة فليجب المنادي» ، و المنادي هو المؤذن. و إن أردت أن تسلم من أمر يكربك، فقل: توكلت على الحي الذي لا يموت أبدا، و الحمد للّه الذي لم يتخذ ولدا و لم يكن له شريك في الملك، و لم يكن له ولي من الذل، و كبره تكبيرا. ففي الحديث‏ (2)

____________

(1) رواه أحمد: 1/91، 94.

(2) رواه البخاري في تفسير سورة: 4، 8 و رواه مسلم في الإيمان: 2، 3.

61

«مما كربني أمر إلا تمثل لي جبريل، فقال يا محمد قل توكلت على الحي الذي لا يموت أبدا و قل الحمد للّه الذي لم يتخذ ولدا، و لم يكن له شريك في الملك، و لم يكن له ولي من الذل، و كبّره تكبيرا» .

و إن أردت أن تنجو من هم أو غم أو خوف يصيبك، فقل: اللهم إني عبدك، و ابن عبدك، و ابن أمتك، ناصيتي بيدك ماض في حكمك عدل في قضائك، أسألك بكل اسم سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدا، من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن ربيع قلبي، و نور صدري و جلاء حزني، و ذهاب همي و غمي فيذهب عنك همك و غمك و حزنك. و إن أردت أن يداويك اللّه من تسعة و تسعين داء، أيسرها اللمم، فقل ما ورد في الحديث‏ (1) : «لا حول و لا قوة إلا باللّه العلي العظيم» فإنها دواء مما ذكر. و إن أردت أن تؤجر بما يصيبك من مصيبة، فقل: إنا للّه و إنا إليه راجعون، اللهم عندك احتسبت مصيبتي فأجرني فيها و أبدلني خيرا منها. و منه: حسبنا اللّه و نعم الوكيل، توكلنا على اللّه، و على اللّه توكلنا. و إن أردت أن يذهب همّك، و يقضى دينك، فقل، إذا أصبحت و إذا أمسيت: اللهم إني أعوذ بك من الهم و الحزن، و أعوذ بك من العجز و الكسل، و أعوذ بك من الجبن و البخل، و أعوذ بك من غلبة الدّين، و قهر الرجال. و إن أردت أن توفق للخشوع، فاترك فضول النظر. و إن أردت أن توفق للحكمة، فاترك فضول الكلام. و إن أردت أن توفق لحلاوة العبادة، فاترك فضول الطعام، و عليك بالصوم، و قيام الليل و التهجد فيه. و إن أردت أن توفق للهيبة فاترك المزح و الضحك، فإنهما يسقطان الهيبة.

و إن أردت أن توفق للمحبة، فاترك فضول الرغبة في الدنيا. و إن أردت أن توفق لإصلاح عيب نفسك، فاترك التجسس عن عيوب الناس، فإن التجسس من شعب النفاق، كما أن حسن الظن من شعب الإيمان. و إن أردت أن توفق للخشية فاترك التوهم في كيفية ذات اللّه تعالى تسلم من الشك و النفاق. و أن أردت أن توفق للسلامة من كل سوء، فاترك الظن السيئ بكل الناس. و إن أردت العزلة، فاترك الاعتقاد في الناس و توكل على اللّه و إن أردت أن لا يموت قلبك، فقل كل يوم أربعين مرة: يا حي يا قيوم لا إله إلا أنت. و إن أردت أن ترى النبي صلى اللّه عليه و سلم يوم القيامة، يوم الحسرة و الندامة، فأكثر من قراءة: إذا الشمس كورت، و إذا السماء انفطرت، و إذا السماء انشقت. و إن أردت أن ينور وجهك، فداوم على قيام الليل. و إن أردت السلامة من عطش يوم القيامة، فلازم الصوم. و إن أردت أن تسلم من عذاب القبر، فاحترز من النجاسات، و اترك أكل المحرمات، و ارفض الشهوات. و إن أردت أن تكون غنيا فلازم القناعة و إن أردت أن تكون خير الناس، فكن نافعا للناس. و إن أردت أن تكون أعبد الناس، فكن متمسكا بقوله‏ (2) صلى اللّه عليه و سلم: «من يأخذ عني هذه الكلمات فيعمل بهن، أو يعلّم من يعمل بهن؟قال أبو هريرة: قلت أنا يا رسول اللّه فأخذ بيدي، و عدّ خمسا، قال: اتق المحارم تكن أعبد الناس، و ارض بما قسم اللّه لك، تكن أغنى الناس، و أحسن إلى جارك تكن مؤمنا، و أحب لناس ما تحب لنفسك تكن مسلما، و لا تكثر الضحك، فإن كثرة الضحك تميت القلب» .

____________

(1) رواه ابن ماجة في الأدب: 59.

(2) رواه أحمد: 2/310، 3/425. و الترمذي في الزهد: 2.

62

و إن أردت أن تكون من المحسنين الخالصين، فاعبد اللّه كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك. و إن أردت أن يكمل إيمانك، فحسن خلقك. و إن أردت أن يحبك اللّه فاقض حوائج إخوانك المسلمين. ففي الحديث «إذا أحب اللّه عبدا صير حوائج الناس إليه» . و إن أردت أن تكون من المطيعين، فأد ما فرض اللّه عليك، و إن أردت أن تلقى اللّه تعالى نقيا من الذنوب، فاغتسل من الجنابة، و لازم غسل الجمعة، تلق اللّه تعالى يوم القيامة، و ما عليك من ذنب. و إن أردت أن تحشر يوم القيامة في النور الهادي، و تسلم من الظلمات، لا تظلم أحدا من خلق اللّه تعالى. و إن أردت أن تقل ذنوبك، فالزم دوام الاستغفار. و إن أردت أن تكون أقوى الناس فتوكل على اللّه. و إن أردت أن يوسع اللّه عليك الرزق طموما كالمطر، فلازم الدوام على الطهارة الكاملة. و إن أردت أن تكون آمنا من سخط اللّه، فلا تغضب على أحد من خلق اللّه. و إن أردت أن يستجاب دعاؤك، فاجتنب الحرام، و أكل الربا، و أكل السحت. و إن أردت أن لا يفضحك اللّه على رءوس الخلائق، فاحفظ فرجك و لسانك. و إن أردت أن يستر اللّه تعالى عليك عيبك، فاستر على عيوب الناس فإن اللّه تعالى ستار و يحب من عباده الستارين. و إن أردت أن تمحي خطاياك، فأكثر من الاستغفار، و الخشوع، و الخضوع، و الحسنات في الخلوات. و إن أردت الحسنات العظام، فعليك بحسن الخلق، و التواضع، و الصبر على البلية. و إن أردت السلامة من السيئات العظام، فاجتنب سوء الخلق و الشح المطاع. و إن أردت أن يسكن عنك غضب الجبار، فعليك بإخفاء الصدقة، و صلة الرحم. و إن أردت أن يقضي اللّه عنك الدين، فقل ما قاله النبي صلى اللّه عليه و سلم للأعرابي حين سأله، و قال‏ (1) عليه الصلاة و السلام له: «لو كان عليك مثل الجبال دينا، أداه اللّه عنك، قل اللهم اكفني بحلالك عن حرامك و اغنني بفضلك عمن سواك» . و في الحديث: «لو كان على أحدكم جبل من ذهب دينا فدعا بذلك لقضاه اللّه عنه و هو اللهم فارج الكرب اللهم كاشف الهم اللهم مجيب دعوة المضطرين رحمن الدنيا و الآخرة و رحيمهما، أسألك أن ترحمني رحمة تغنيني بها عمن سواك» . و إن أردت أن تنجو إذا وقعت في هلكة فالزم ما في الحديث‏ (2) ، إذا وقعت في ورطة فقل «بسم اللّه الرحمن الرحيم و لا حول و لا قوة إلا باللّه العلي العظيم» . فإن اللّه تعالى يصرف عنك ما شاء من أنواع البلاء و الورطة. بفتح الواو و إسكان الراء الهلاك. و إن أردت أن تأمن من قوم خفت شرهم فقل ما ورد في الحديث‏ (3) : «اللهم إنا نجعلك في نحورهم و نعوذ بك من شرورهم» . و منه اللهم اكفناهم بما شئت إنك على كل شي‏ء قدير.

و إن أردت أن تأمن، إن خفت من سلطان، فقل ما ورد في الحديث‏ (4) : «لا إله إلا اللّه الحليم الكريم رب السموات السبع و رب العرش العظيم لا إله إلا أنت عزّ جارك و جل ثناؤك لا إله إلا أنت» و يستحب أن يقول ما تقدم اللهم إنا نجعلك في نحورهم إلى آخره. و في الحديث: «إذا

____________

(1) رواه الترمذي في الدعاء: 110.

(2) رواه البخاري في الآذان: 7. و التهجد: 21، و القدر: 7، و الدعوات: 68. و مسلم في الصلاة: 12، و المساجد: 139، و الذكر: 32، 44، 46.

(3) رواه أبو داود في الوتر: 30، و ابن حنبل: 4/414، 415.

(4) رواه مسلم في الذكر: 1، و الترمذي في الطب: 32، و ابن ماجة في الدعاء: 2/17.

63

أتيت سلطانا مهابا تخاف أن يسطو عليك، فقل اللّه أكبر اللّه أكبر اللّه أعز من خلقه جميعا اللّه أعز مما أخاف و احذر، و الحمد للّه رب العالمين» . و إن أردت ثبات القلب على الدين، فقد أسند مرفوعا أنه كان من دعائه‏ (1) صلى اللّه عليه و سلم: «اللهم ثبت قلبي على دينك» و في رواية (2) : «يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك» .

فائدة:

مجربة لمن دخل على سلطان يخاف شره، فليقرأ: اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَلى‏ََ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ‏ (3) اَلَّذِينَ قََالَ لَهُمُ اَلنََّاسُ إِنَّ اَلنََّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزََادَهُمْ إِيمََاناً وَ قََالُوا حَسْبُنَا اَللََّهُ وَ نِعْمَ اَلْوَكِيلُ `فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اَللََّهِ وَ فَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَ اِتَّبَعُوا رِضْوََانَ اَللََّهِ وَ اَللََّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (4) . و إن أردت كثرة الخير و الرزق، فداوم على قراءة أ لم نشرح و سورة الكافرون.

و إن أردت الستر من الناس فداوم على قول اللهم استرني بسترك الجميل، الذي سترت به نفسك، فلا عين تراك. و إن أردت عدم الجوع و العطش، فداوم على قراءة لإيلاف قريش إيلافهم، و قد جرب ذلك مرارا و صح. و إن خفت على تجارتك أو مالك فاكتب سورة الشعراء و علقها في موضع تجارتك يكثر فيه البيع و الشراء. و من كتب سورة القصص، و علقها على من يخاف عليه التلف، فإنها أمان له من ذلك و هو سر لطيف مجرب.

فائدة:

عن عبد اللّه بن عمر رضي اللّه تعالى عنهما قال سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم يقول: «من قرأ آية الكرسي دبر كل صلاة مكتوبة لم يتول قبض روحه إلا اللّه تعالى» . و عن أبي نعيم قال:

سمعت معروفا الكرخي يقول لما «اجتمعت اليهود على قتل عيسى عليه السلام، اهبط اللّه تعالى جبريل عليه السلام مكتوبا في باطن جناحه اللهم إني أعوذ باسمك الأحد الأعز و أدعوك اللهم باسمك الكبير المتعال، الذي ملأ الأركان كلها أن تكشف عني ضر ما أمسيت و أصبحت فيه.

فقال ذلك عيسى فأوحى اللّه عزّ و جلّ إلى جبريل عليه السلام أن ارفع عبدي إلي» .

فائدة:

مما جرب للصداع فصح ما روي عن الإمام الشافعي رضي اللّه عنه أنه قال: وجد في بعض دور بني أمية درج من فضة و عليه قفل من ذهب، مكتوب على ظهره: شفاء من كل داء، و في داخله مكتوب هذه الكلمات: بسم اللّه الرحمن الرحيم، بسم اللّه و باللّه و لا حول و لا قوة إلا باللّه العلي العظيم اسكن أيها الوجع سكنتك بالذي يمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه إن اللّه بالناس لرءوف رحيم بسم اللّه الرحمن الرحيم بسم اللّه و باللّه و لا حول و لا قوة إلا باللّه العلي العظيم اسكن أيها الوجع سكنتك بالذي يمسك السموات و الأرض أن تزولا و لئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده إنه كان حليما غفورا قال الإمام الشافعي رضي اللّه تعالى عنه: فما احتجت معه إلى طبيب قط بإذن اللّه تعالى فإنه هو الشافي.

و مما جرب للصداع أيضا أن يكتب على ورقة بيضاء، و تلصق على المحل الذي فيه

____________

(1) رواه الترمذي: 7، و ابن ماجة في المقدمة: 13.

(2) رواه ابن ماجة في الدعاء: 2، و الترمذي في الدعوات: 89، 124. و القدر: 7.

(3) سورة النحل: الآية 99.

(4) سورة آل عمران: الآية 174.

64

الصداع، فإنه يزول بإذن اللّه تعالى و هو صحيح مجرب دم 5 م ل 5. و وجد أيضا في ذخائر بني أمية ترس مربع من ذهب، و عليه أزرار من الزمرد الأخضر مملوء بالمسك و الكافور و العنبر الخام، و كان من جعله على رأسه، أزال عنه الصداع البتة في الوقت و الساعة ففتقوا الترس فوجدوا في باطن أزراره بطاقة مكتوبا فيها: بسم اللّه الرحمن الرحيم: ذََلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَ رَحْمَةٌ (1)

بسم اللّه الرحمن الرحيم: يُرِيدُ اَللََّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ، وَ خُلِقَ اَلْإِنْسََانُ ضَعِيفاً (2) ، بسم اللّه الرحمن الرحيم: وَ إِذََا سَأَلَكَ عِبََادِي عَنِّي، فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ اَلدََّاعِ إِذََا دَعََانِ‏ (3) بسم اللّه الرحمن الرحيم: أَ لَمْ تَرَ إِلى‏ََ رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ اَلظِّلَّ وَ لَوْ شََاءَ لَجَعَلَهُ سََاكِناً (4) . بسم اللّه الرحمن الرحيم: وَ لَهُ مََا سَكَنَ فِي اَللَّيْلِ وَ اَلنَّهََارِ، وَ هُوَ اَلسَّمِيعُ اَلْعَلِيمُ‏ (5) ..

و مما جرب للصداع أيضا أن تكتب هذه الأحرف على لوح خشب أو مكان طاهر، و تدق في الحرف الأول مسمارا و تقرأ أ لم تر إلى ربك كيف مد الظل و لو شاء لجعله ساكنا، و له ما سكن في الليل و النهار و هو السميع العليم، و تدق دقا خفيفا فإن سكن الصداع فبالغ، عليه بالدق إلى قرصه، و إن لم يسكن فانقل المسمار من حرف إلى حرف إلى أن يسكن الصداع فلا بد أن يسكن في حرف منها كما جرب ذلك مرارا و هي هذه ا ح ا ك ك ح ع ح ا م ح و السواد موضع وضع المسمار و يجمعهما قولك:

إني حملت إليك كل كريمة # حوراء عن حظ المتيم ما حنت

فأوائل الكلمات منها مقصدي # لصداع رأس يا فتى قد جربت‏

ثم قال أي ابن بختيشوع: و مما ذكر من الخواص، و شهدت به التجربة، ما قاله الحكيم جالينوس: إذا أخذت شعر ابن آدم و أحرقته، و خلطته بماء الورد، و وضعته المرأة على رأسها، عند الطلق تسهل عليها الولادة. و إن طليت البرص و البهق بمني ابن آدم أبرأه. و إذا حططته في البيت، اجتمعت عليه البراغيث. و بصاق ابن آدم سم الحيات فإنك إن بصقت في فم الحية ثلاث مرات تموت من ساعتها. و إذا أوقدت سراجا من دهن ابن آدم، في ليلة ذات رياح، سكنت الرياح. و شعر المرأة بطوله، إذا طرح في ماء البحر بحيث لا يخرج منه، صار حية مائية. و إذا اكتحل الإنسان بلبن النساء مع سكر طبرزذ ينفع لبياض العين. و الطفل الأزرق العينين إذا رضع من لبن الجارية الحبشية أربعين يوما اسودت عيناه. و إذا أخذت بول الصبي و خلط برماد حطب الكرم، و حط على القرحة نفعها. و إذا علقت المرأة عليها سن الطفل الذي وقع في أول سنة لا تحبل. قال جالينوس‏ (6) و يحيى‏ (7) بن ماويشه: مرارة ابن آدم سم قاتل، و من اكتحل بمرارة

____________

(1) سورة البقرة: الآية 198.

(2) سورة النساء: الآية 28.

(3) سورة البقرة: الآية 186.

(4) سورة الفرقان: الآية 45.

(5) سورة الأنعام: الآية 13.

(6) جالينوس: عالم يوناني ظهر بعد ستمائة و خمس و ستين سنة من وفاة ابقراط. الفهرست: 402.

(7) هو يحيى بن ماسويه، طبيب مقدم، عالم مصنف خدم المأمون و المعتصم و الواثق و المتوكل الفهرست: 411.

65

ابن آدم نفعته من بياض العين. و قال ابن ماويشه: سرة الطفل أول ما تقطع إذا علقتها المرأة على يدها، و بها ألم سكن. و إذا أخذ عظم ابن آدم و أحرق و سحق و خلط معه صبر و نفخ في الأنف الذي فيه البسور أبرأه بإذن اللّه تعالى. و إذا أخذت الحيات التي تخرج من بطن ابن آدم و جففت و سحقت ناعما، و اكتحل بها من في عينه بياض ذهب. و إذا أخذ رجيع ابن آدم يابسا و سحق و نخل و عجن بالخل و عسل النحل و طلي به على الأكلة برئت بإذن اللّه تعالى. و كذلك إذا طليت به الخوانيق التي في الحلق برئت و شعر ابن آدم إذا علق على من يشتكي الشقيقة سكنت. و إذا بل الشعر بالخل و وضع على عضة الكلب برئت. و دم ابن آدم إذا أخذ و عجن بدقيق الحلبة و بماء السذاب و طلي به كل قرحة تتكون في البدن برئت لوقتها البتة لا سيما التي تكون في الساقين، و القروح الرطبة التي يسيل منها الدم و القيح. و إذا أخذ دم الحيض من جارية بكر أو ثيب، و خلط معه خمر عتيق و اكتحل به من في عينه بياض أبرأه. و خرقة الحيض إذا علقت على مؤخر السفينة، لا يدخلها ريح و لا زوبعة. و إذا أصاب المرأة وجع السرة، تأخذ خرقة الحيض، فتحرقها حتى تصير رمادا، ثم تأخذ من ذلك الرماد جزءا و من الكزبرة جزءا و يدق الجميع بماء فاتر و يطلى به ما حول السرة تبرأ بإذن اللّه تعالى. و كذلك إذا أصابها عند النفاس، فإنه يسكن بذلك بإذن اللّه تعالى. و رجيع الطفل عند الولادة يجفف و يسحق و يكتحل به من في عينه بياض فإنه يذهب بإذن اللّه تعالى. و إذا أخذت قلفة الصبيان، و هي طهارتهم، و جففت و سحقت و خلط معها شي‏ء من المسك و ماء الورد و سقي من ذلك صاحب البرص و الجذام، وقف عنه بإذن اللّه تعالى. و إذا أحرقت و سحقت و سقيت لمن غلب عليه البرص ذهب عنه بإذن اللّه تعالى. و يؤخذ من رجيع ابن آدم مقدار حمصة و يسحق و يذاب بماء فاتر و يسقى لصاحب القولنج يبرأ بإذن اللّه تعالى. و إذا سحق و ديف بالخل كان أبلغ و إذا أخذ رجيع ابن آدم، أول ما يخرج و هو حار و يخلط بخمر عتيق، و يسقى للدابة المريضة تبرأ بإذن اللّه تعالى. و إذا غسلت وسخ رجلي ابن آدم و يديه بالماء، و أسقيته لمن شئت فإنه يحبك محبة شديدة، و لا يكاد يطيق فراقك، و هو سر عجيب مجرب. و مثله إذا أردت أن يحبك إنسان حبا شديدا فاغسل جيب قميصك و اسقه ماءه، و هو لا يعلم، فإنه يحبك حبا شديدا. و إن أردت أن تجمع الحمام في البرج فخذ رأس ابن آدم، و هو ميت قد مضى عليه من السنين مدة، و ادفنه في ذلك البرج، فإن الحمام يعمره و يجتمع إليه من كل مكان حتى يضيق به. و إذا أصاب إنسانا اللقوة و الفالج يسعط بلبن جارية سوداء أو حبشية، مع شي‏ء من دهن الزنبق فإنه يبرأ بإذن اللّه تعالى. و مقدار السعوط منه وزن قيراط للرجل الكامل، و للطفل و الصبي وزن حبة، و يخلط معه في بعض الأوقات أنزروت أبيض، و يقطر في العين المحمرة تبرأ.

و إذا أخذ الكاشم و دق ناعما و ديف ببول صبي لم يبلغ الحلم و سقي للدابة المغولة برئت بإذن اللّه تعالى و إذا أردت أن لا يقرب المرأة أحدا غيرك، فخذ ما تستخرجه من شعرها من تسريح أو غيره، و احرقه حتى يصير رمادا، ثم اجعل منه على رأس احليلك عند الجماع معها، فلا أحد يجامعها بعد ذلك مثلك، و لا تقبل أحدا غيرك، و هو سر عجيب مجرب، و يؤخذ من مني الرجل جزء و من الزئبق جزء و يخلط الجميع و يسعط منه صاحب اللقوة ثلاثة أيام متوالية يبرأ بإذن اللّه تعالى. و إذا أخذ رجيع إنسان، و أحرق و سحق ناعما و خلط معه ملح اندراني و شي‏ء من حزنبل

66

و خلط الجميع و نفخ في عين الدابة التي فيها البياض برئت، و إذا أخذ بول صبي قبل أن يبلغ الحلم، و جعل في وعاء و ترك على النار حتى حمي و غمست صوفة في ذلك البول، و طلي به على العين التي بها ورم أو حمرة برئت. و إذا أخذ مني ابن آدم و هو حار و طلي به البرص غير لونه بقدرة اللّه تعالى. و إذا أخذ شي‏ء من أبوال، و جعل في قدر نحاس، و طبخ حتى انعقد، ثم جفف و خلط معه ملح الطعام و سحق و عجن بماء الزعفران، و جعل في بودقة و أوقد عليه حتى يدور كما تدور الفضة، فاجعله سبيكة و حكه على المسن بالماء و المسك، و كحل به العين التي غلب عليها البياض، تبرأ بإذن اللّه تعالى البتة و هو سر لطيف مجرب و كان الحكماء المتقدمون يسمونه الجوهر النفيس و يؤخذ لبن جارية سوداء فيذاب فيه شي‏ء من الزعفران و شي‏ء من لعاب السفرجل و يقطر في العين التي بها الوجع و الضربان و النقطة، فإنها تبرأ بإذن اللّه تعالى. و إذا أردت أن تكون نهود الجارية قائمة لا تنكسر، فخذ دم حيض الجارية من أول حيضها، و اطل به رءوس النهدين، فإنهما لا ينكسران و لا يزالان قائمين، و هذا سر عجيب مجرب. و إذا أخذ دم الحيض و هو حار طري و لطخ به العين يزول ما بها من الحمرة و النقطة و الورم. و إن أردت أن تسمن المرأة فخذ شحم وزة أنثى، يدق و يخلط معه بورق و كمون كرماني و دقيق الحلبة يمزج الجميع، و يجعل مثل البنادق، و يبلغ ذلك لدجاجة سوداء سبعة أيام متوالية، ثم تذبح و تصلق‏ (1) ، فكل من أكل من تلك الدجاجة، أو من مرقتها يسمن، حتى يكاد يغلب عليه الشحم، من ذكر كان أو أنثى.

و إن أردت أبلغ من ذلك، فخذ مرارة آدمي و خذ ما تيسر من القمح، وضع تلك المرارة عليه، مع قليل من الماء و اصبر على القمح حتى ينتفخ، و بلعه لدجاجة سوداء و افعل ما تقدم ذكره فمن أكل من تلك الدجاجة، رأى العجب العجاب من السمن و الشحم حتى لا يستطيع القيام، ذكرا كان أو أنثى، و هو سر لطيف مجرب. و إذا أردت أن تقطع لبن المرأة، فخذ حلبة و اسحقها و اعجنها بالماء، و اطل بها ثدي المرأة ينقطع اللبن البتة بإذن اللّه تعالى. و إذا أردت أن يدر اللبن، فخذ حنظلة و دقها و اعجنها بالزيت، و خذ صوفة زرقاء و لفها على عود و اغمسها في الزيت و الحنظلة، و اطل بها رأس الثدي يدر اللبن بقدرة اللّه تعالى. و كلاهما صحيح مجرب. و متى صور صورة صبي حسن الوجه، و نصب قبالة المرأة بحيث تراه وقت الجماع خرج الولد يشبه تلك الصورة في أكثر الأعضاء البتة. قال: و ضرس الميت إذا علق على من به وجع الضرس، سكن وجعه. و إذا أخذ ضرس إنسان، و عظم جناح الهدهد الأيمن، و جعلا تحت رأس النائم لم يزل كذلك حتى يؤخذا من تحت رأسه. و بصاق الإنسان ينفع من لدغ الهوام و القوباء و الثآليل إذا طلي عليها قبل أن يأكل الإنسان شيئا. و لبن النساء إذا شرب مع عسل، فتت الحصا من المثانة.

و بول الإنسان إذا وضع على عضة الكلب الكلب نفعها نفعا بينا. و قال قوم: إن المكلوب، إذا شرب من دم إنسان شريف، برئ من ساعته و أنشدوا على ذلك قول الشاعر:

أحلامكم لسقام الجهل شافية # كما دماؤكم تبري من الكلب‏

و قلامة ظفر الإنسان، إذا أحرقت و سقيت لإنسان آخر، أحبه ذلك الإنسان حبا شديدا.

____________

(1) تصلق: تسلق.

67

و شرب بول الإنسان ينفع من لسع جميع ذوات السموم، و إن طلي به بعد أن يغلى، رجل صاحب النقرس سكن الوجع و الضربان، و ينفع من جميع القروح الحادثة في أصابع القدم و القروح التي فيها دود خصوصا البول العتيق. و ينفع من عضة الإنسان و القرد و جميع الحيوان السمي و إذا بال رجل على الجرح حين يجرح قطع الدم لساعته و أبرأه. و هو صحيح مجرب. و عرق الإنسان إذا أخذ منه و عجن بغبار الرحا، و وضع على الثدي الوارم نفعه و ينفع من جمود اللبن في الضرع و الثدي، و تعقده بعد الولادة و مني الإنسان إذا أخذ و هو يابس و معه سذاب‏ (1) مدقوق، و ذر على الأكلة أبرأها البتة و إن عجن بعسل و طلي به الحلق من خارج نفع الخناق. و إذا أخذ نجو صبي حين يولد و و جفف و سحق و كحل به بياض العين نفع، و ينفع من الغشاوة نفعا جيدا. و إذا أخذ من نجو إنسان قدر حمصة و ديف‏ (2) بخل خمر و سقي لصاحب القولنج و عسر البول نفعهما. و هو إذا كان حارا نفع الفرس الحمراء، و ينفع من عضة الإنسان من ساعته و لعاب الصائم إذا قطر في الأذن أخرج الدود منها. و إن خلط مع الرازوند و وضع على البواسير أبرأها. و سرة الصبي عند ما تقطع إذا أخذ منها شي‏ء، و وضع تحت فص خاتم، فإنه ينفع لابسه من القولنج. و قال ابن زهر: سن الصبي الذكر أول ولد من المرأة إن جعل تحت فص خاتم ذهب أو فضة بحيث يكون فصه منه لم يصب من لبسه من الرجال القولنج البتة. و إن بخرت المرأة بشعر إنسان، نفعها من جميع أوجاع الرحم و إذا طلت المرأة بدنها بدم النفاس من أول ولدها منعها الحبل ما عاشت و إن جعل سن الصبي، أول ما يسقط، قبل أن يصل الأرض تحت فص خاتم و علق على امرأة منعها الحبل. و عرق النساء يطلى به الجرب يبرأ و بول الصبي الذي لم يبلع عشرين سنة إذا شربه صاحب البرص برئ. و بول الإنسان مع رماد الكرم يوضع على موضع نزف الدم يقف.

و رماد العيشوم و رماد الشونيز (3) مع الزيت العتيق ينبت اللحية. و دم الحيض إذا طلي به عضة الكب الكلب تبرأ. و كذلك البهق و البرص. و قال القزويني في عجائب المخلوقات: إذا رعف الإنسان فليكتب اسمه بدمه على خرقة و تجعل نصب عينيه فإنه ينقطع رعافه و نطفة الإنسان إذا طلي بها البهق و البرص و القوباء أبرأتها، و إذا خلط بها زهر الغبيراء و جفف و اسقاه إنسان لامرأة عشقته.

و دم البكارة حين افتضاضها، إذا طلي به الثدي لا يكبر.

قاعدة:

قال الأطباء: إذا أردت أن تعلم هل المرأة عقيم أم لا؟فمرها أن تتحمل بثومة في قطنة و تمكث سبع ساعات فإن فاح من فمها رائحة الثوم فعالجها بالأدوية، فإنها تحمل بإذن اللّه تعالى. و إلا فلا قال الرازي: و هي مجربة لذلك و اللّه أعلم.

التعبير:

الإنسان في المنام كل شخص يعرف فهو ذاك بعينه، ذكرا كان أو أنثى، أو سميه أو نظيره. و الشاب المجهول عدوّ. و الشيخ جد و سعادة، و ربما عبر بالصديق فمن رأى شيخا ضعيفا أو صغير الصورة، فذاك نقص في جد الإنسان و سعده. و الكهل إذا لم ينق البياض أقوى لجد الإنسان و سعده. و الصبي هم إذا كان طفلا يحمل لقوله‏ (4) تعالى: فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهََا تَحْمِلُهُ .

____________

(1) السّذاب: من البقول.

(2) ديف: خلط.

(3) الشونيز: الحبة السوداء.

(4) سورة مريم: الآية 27.

68

و البالغ قوة و بشارة لقوله‏ (1) تعالى: يََا بُشْرى‏ََ هََذََا غُلاََمٌ و الصبي الحسن الصورة، إذا دخل مدينة محاصرة، أو كان بها طاعون أو قحط، فرج عنهم و كذلك إذا نزل من السماء أو خرج من الأرض فهو بشارة لكل ذي هم. و يعبر أيضا بملك من الملائكة، مثال ذلك أن يرى المريض أو يرى له كأن صبيا أمرد أخذه أو ضرب عنقه، فإنه ملك الموت و الشاب الأشقر عدو شحيح.

و الشاب التركي عدو لا أمان له. و الشاب الضعيف عدو ضعيف. و الشاب الأسمر عدو غني و الشاب الأبيض عدو دين.

و المرأة في المنام دنيا، و المجهولة أقوى من المعروفة، و حسنها أحسن شي‏ء، و قبحها أقبح شي‏ء. و الزانية زيادة في الخير و الصلاح، لقول‏ (2) النبي صلى اللّه عليه و سلم: «عرضت على الدنيا ليلة أسري بي في صورة امرأة حاسرة الذراعين، فقال لها: طلقتك ثلاثا» . أراد بها الدنيا. و المرأة السوداء تعبر بليلة مظلمة، و البيضاء بالنهار فمن رأى امرأة سوداء غابت عنه، و ظهرت له امرأة بيضاء، فإن ذلك دليل الصباح و زوال الظلام. و المرأة التي تكون للسلطان أو هي سلطانة فإنه تعبر بملك ظالم معجب. أو تكون بمنزلة العروس لأهله و مال حرام لغير ذلك. و الشابة إذا رأتها المرأة فهي عدو لها، إذا كانت مجهولة. و العجوز المجهولة لها جد و تعبر المرأة بالسنة فإن كانت سمينة فهي خصب، و إن كانت هزيلة فهي جدب. و إنما شبهت المرأة بالسنة لأنها كالأرض. قال‏ (3) اللّه تعالى: نِسََاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنََّى شِئْتُمْ و لأنها ذات نتاج و كذلك الأرض. و المرأة المتنقبة عسر لمن رآها. و المكشوفة الوجه دنيا ليس فيها تعب. و النساء زينة الدنيا، فمن أقبلن عليه، أقبلت عليه الدنيا، و من أدبرن عنه أدبرت عنه الدنيا. و الإنسان القبيح الصورة أمر مكروه، و الأسود سوء و الخصي المجهول يعبر بملك من الملائكة لانتزاع الشهوة منه. فمن رأى أنه خصي أو كأنه خصي ناله ذل و خضوع. و قالت النصارى: من رأى نفسه خصيا، نال منزلة في العبادة و عفة الفرج. و من رأى بيده رأس إنسان فإنه ينال ألف دينار أو ألف درهم أو مائة درهم و الرءوس المقطعة في المنام رؤساء الناس، فمن أخذ شيئا من لحمها أو شعرها، نال مالا من قوم رؤساء. و من رأى رأسه كبيرا حسنا نال رئاسة. و من قطع رأسه، و كان مملوكا عتق. أو مهموما فرج اللّه همه. أو مريضا شفي. فإن كان ممن يخدم فارق خدمه. و من رأى رأسه يرضخ بحجر، فإنه قد نام عن صلاة العشاء. و من رأى رأسه رأس كلب أو فرس أو جمل أو حمار أو بغل أو غير ذلك من البهائم التي تنالها مشقة التعب و العمل نال تعبا، لأن هذه الحيوانات خلقت للكلف و التعب. و إن رأى رأسه رأس طير، كثر سفره. و من رأى رأسه بيده، و كان له رأس آخر، فإن ذلك يدل على تدبير الأمور الرديئة و إصلاحها و أكل الرأس من الحيوان مال، لم يكن يرجوه، و طول حياة إذا كان غير ني‏ء. و الرأس يعبر بالرئيس، و السيد و الأب. و يعبر أيضا برأس

____________

(1) سورة يوسف: الآية 19.

(2) رواه البخاري في بدء الخلق: 7. و الانبياء: 24، 48. و رواه مسلم في الإيمان: 267، 272، و الفضائل:

164. و رواه الترمذي في تفسير سورة: 17: 1، 2، 5.

(3) سورة البقرة: الآية 223.

69

الممال فما رؤي فيه من زيادة أو نقص أو وجع، فهو عائد إلى ما ذكرناه، و من رأى رأسه تحوّل رأس أسد، فإنه ينال ملكا إن كان من أهله أو رئاسة أو ولاية أو وجاهة. و من رأى أنه يأكل لحم إنسان فإنه يغتابه. و من أكل لحم نفسه فإنه يغتاب. و قيل: أكل اللحم الني‏ء خسارة في المال.

و اللحوم في الرؤيا أموال إذا كانت مطبوخة ناضجة، و إذا أكلت المرأة لحم امرأة فإنها تساحقها.

و إن أكلت لحم نفسها فإنها تزني. و أكل لحم البقر الهزيل مرض. و انسب كل لحم إلى حيوانه فلحم الحية مال من عدو فإن كان نيئا فهو غيبة. و لحم السبع مال من سلطان. و كذلك لحوم السباع الضواري و جوارح الطير و لحم الخنزير مال حرام و اللّه تعالى أعلم.

إنسان الماء:

يشبه الإنسان، إلا أن له ذنبا. قال القزويني: و قد جاء شخص بواحد منها في زماننا، مقدر كما ذكرنا. و قيل: إن في بحر الشأم، في بعض الأوقات من شكله، شكل إنسان و له لحية بيضاء، يسمونه شيخ البحر، فإذا رآه الناس استبشروا بالخصب. و حكي أن بعض المملوك، حمل إليه إنسان ماء، فأراد الملك أن يعرف حاله فزوجه امرأة، فأتاه منها ولد يفهم كلام أبويه، فقال للولد: ما يقول أبوك؟قال: يقول أذناب الحيوان كلها في أسفلها، فما بال هؤلاء أذنابهم في وجوههم؟و سيأتي إن شاء اللّه تعالى في باب الباء الموحدة في بنات الماء قريب من هذا.

الكم: سئل الليث‏ (1) بن سعد رضي اللّه عنه عن أكله فقال: لا يؤكل على شي‏ء من الحالات و اللّه تعالى أعلم.

الأنقد:

بالنون الساكنة و فتح القاف و بالدال المهملة القنفذ.

الأمثال:

يقال: «بات فلان بليل انقد» ، (2) لأنه لا ينام الليل كله. و سيأتي إن شاء اللّه تعالى في باب القاف في القنفذ. قال الميداني: أنقد معرفة لا تدخله الألف و اللام، يضرب لمن سهر ليله أجمع. قال: و قيل الأنقد الذي يشتكي سنه من النقد، و هو فساد في الأضراس يحركها و صاحبه لا ينام.

فائدة:

و مما جرب لوجع الضرس أن يكتب و يحمل قوله تعالى: وَ ضَرَبَ لَنََا مَثَلاً وَ نَسِيَ خَلْقَهُ قََالَ مَنْ يُحْيِ اَلْعِظََامَ وَ هِيَ رَمِيمٌ `قُلْ يُحْيِيهَا اَلَّذِي أَنْشَأَهََا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَ هُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (3)

محوصه سمه و لها، و لا حول و لا قوة إلا باللّه العلي العظيم، جهكر طكفوم طسم طس طسم حم حم حم حم حم حم حم. أسكن أيها الوجع بالذي سكن له ما في الليل و النهار، و هو السميع العليم، اليقس تقس قسا مسقس أن البهر بهر هرا وراب.

و يكتب لوجع الضرس أيضا، على جدار هذه الأحرف و هي ح ب ر ص لا و ع م لا و تأمر الموجوع أن يضع اصبعه على الضرس الضارب و يكون ذلك في حال ضربانه، و تضع مسمارا على

____________

(1) هو الليث بن سعد بن عبد الرحمن الفهمي بالولاء، إمام أهل مصر في عصره في الحديث و الفقه. مات في القاهرة سنة 175 هـ-.

(2) جمهرة الأمثال: 1/128.

(3) سورة يس: الآية 78-79.

70

أول حرف من الحروف المتقدمة، و تدق عليه دقا خفيفا، و أنت تقرأ وَ لَوْ شََاءَ لَجَعَلَهُ سََاكِناً وَ لَهُ مََا سَكَنَ فِي اَللَّيْلِ وَ اَلنَّهََارِ وَ هُوَ اَلسَّمِيعُ اَلْعَلِيمُ‏ (1) في حالتي الدق و الكتابة، فإذا علق رأس المسمار يسيرا سله هل سكن الوجع فإن قال نعم فبلغ المسمار بالدق إلى قرصه و إن قال لا، فانقل المسمار إلى الحرف الثاني و افعل ما تقدم ذكره، و لا تزال تنقله حرفا حرفا إلى آخر الحروف ففي أي حرف سكن الوجع، فبلغ المسمار فيه بالدق إلى قرصه فإنه لا بد أن يسكن في حرف منها كما جرب مرارا و ما دام المسمار مدقوقا، دام الوجع ساكنا، فإذا قلع المسمار عاد الوجع و النقط الحمر في الحروف موضع وضع المسمار و هو سر عجيب مجرب صحيح. و قد نظم ذلك بعض الفضلاء في أبيات و هي:

و للضرس فاكتب في الجدار مفرقا # بما جمعه حبر صلاء و عملا

و مره على الموجوع يجعل اصبعا # وضع أنت مسمارا على الحرف أولا

و دق خفيفا ثم سله ترى به # سكونا نعم إن قال بلغه موصلا

و إن قال لا فانقله ثاني حروفه # و في كل حرف مثل ما قلت فافعلا

و في سورة الفرقان تقرأ ساكنا # كذا آية الإنعام فاتل مرتّلا

و تترك ذا المسمار في الحيط مثبتا # مدى الدهر فالأسقام تذهب و البلا

فخذها أخي كنزا لديك مجربا # ذخيرة أهل الفضل من خيرة الملا

و قد أحسن الأمير أسامة بن منقذ (2) حيث قال‏ (3) ملغزا في ضرسه و قد قلعه:

و صاحب لا أمل الدهر صحبته # يشقى لنفعي و يسعى سعي مجتهد

لم ألقه مذ تصاحبنا فمذ وقعت # عيني عليه افترقنا فرقة الأبد (4)

و له‏ (5) أيضا في الصبر:

اصبر إذا ناب خطب و انتظر فرجا # يأتي به اللّه بعد الريب و الياس

إن اصطبار ابنة العنقود إذ حبست # في ظلمة القار أداها إلى الكاس‏

و له أيضا فيه:

من يرزق الصبر نال بغيته # و لاحظته السعود في الفلك

إن اصطبار الزجاج حين بدا # للسبك أدناه من فم الملك‏ (6)

____________

(1) سورة الفرقان: الآية 45.

(2) ابن منفذ: هو أسامة بن مرشد بن علي بن مقلد بن نصر بن منقذ الكناني، من امراء قلعة شيزر في حماة. له تصانيف في الأدب و التاريخ. مات سنة 584 هـ-.

(3) وفيات الأعيان: 1/198.

(4) في الوفيات: «... تصاحبنا فحين بدا... لناظري افترقنا... » .

(5) وفيات الأعيان: 1/462 و في شطر البيت الأول: «بعد الريب و الياس» .

(6) في الوفيات: «إن اصطبار الزجاج للسبك وال فيسان أدياه... » .

71

الإنكليس:

بفتح الهمزة و اللام و كسرهما معا سمك شبيه بالحيات، ردي‏ء الغذاء و هو الذي يسمى الجري الآتي في باب الجيم إن شاء اللّه تعالى، و يسمى المارماهي، و سيأتي إن شاء اللّه تعالى في باب الصاد، في لفظ الصيد، فإن البخاري ذكره في صحيحه. و في حديث علي رضي اللّه تعالى عنه أنه بعث عمار إلى السوق فقال: لا تأكلوا الأنكليس من السمك، و إنما كرهه لما تقدم، لا لأنه حرام. و فيه لغتان الأنكليس و الأنقليس بفتح الهمزة و اللام و منهم من يكسرهما. قال الزمخشري: و قيل إنه الشلق. و قال ابن سيده: هو على هيئة السمك صغير له رجلان عند ذنبه كرجلي الضفدع، و لا يد له يكون في أنهار البصرة و ليس لفظه عربيا.

الأنن:

بضم الهمزة و بالنونين طائر يضرب إلى السواد و له طوق كطوق الدبسي أحمر الرجلين و المنقار مثل الحمامة إلا أنه أسود و صوته أنين أوه أوه حكاه في المحكم.

الأنيس:

و تسميه الرماة الأنيسة طائر حاد البصر، يشبه صوته صوت الجمل، و مأواه قرب الأنهار و الأماكن الكثيرة المياه، الملتفة الأشجار، و له لون حسن و تدبير في معاشه. قال ارسطو: إنه يتولد من الشرقراق‏ (1) و الغراب، و ذلك بين في لونه. و هو طائر يحب الأنس و يقبل الأدب و التربية و في صفيره و قرقرته أعاجيب: و ذلك أنه ربما أفصح بالأصوات كالقمري، و ربما ابهم كحمحمة الفرس. و غذاؤه الفاكهة و اللحم و غير ذلك و يألف الغياض.

الحكم:

يحمل أكله لأنه من الطيبات، و ينبغي أن يخرج فيه وجه بالحرمة لأكله اللحم و لسبب تولده من الغراب و الشرقراق.

الأنوق:

على فعول الرخمة أو طائر أسود له شي‏ء كالعرف أو أصلع الرأس أصفر المنقار قيل: إن في أخلاقها أربع خصال: تحضن بيضها، و تحمي فرخها، و تألف ولدها، و لا تمكن من نفسها غير زوجها.

و في المثل: «أعز من بيض الأنوق‏ (2) » و «أبعد (3) من بيض الأنوق» . فلا يكاد يظفر به، لأن أوكارها في رءوس الجبال و الأماكن الصعبة و هي تحمق مع ذلك قال الشاعر:

و ذات اسمين و الألوان شتى # و تحمق و هي كيسة الحويل‏ (4)

و قال غيره:

و كنت إذا استودعت سرا كتمته # كبيض أنوق لا ينال لها وكر

و قال رجل لمعاوية: زوجني هندا، يعني أمه، فقال: إنها قعدت عن الولد فلا حاجة لها إلى الزواج. قال فولى ناحية كذا. فأنشد معاوية رضي اللّه تعالى عنه:

طلب الأبلق العقوق فلما # أعجزته أراد بيض الأنوق‏ (5)

____________

(1) الشرقرق: طائر مرقّط ملوّن.

(2) جمهرة الأمثال: 2/55.

(3) جمهرة الأمثال: 1/194.

(4) الخويل: الشاهد.

(5) في الحيوان للجاحظ: 3/522.

72

و معناه أنه طلب ما لا يكون، فلما لم يجده، طلب ما يطمع في الوصول إليه، و هو مع ذلك بعيد. كذا قاله جماعة ممن تكلم على الأمثال. و هو غلط لأن أم معاوية ماتت في المحرم سنة أربع عشرة. في اليوم الذي مات فيه أبو قحافة والد أبي بكر الصديق رضي اللّه تعالى عنهما و الصواب الذي في نهاية ابن الأثير و غيرها أن رجلا قال لمعاوية رضي اللّه تعالى عنه: افرض لي قال: نعم قال:

و لولدي: قال: لا، قال: و لعشيرتي، قال: لا. ثم تمثل معاوية رضي اللّه تعالى عنه بقول الشاعر طلب الأبلق العقوق إلى آخره. و العقوق الخامل من الفوق و الأبلق من صفات الذكور، و الذكر لا يحمل. فكأنه قال طلب الذكر الحامل و بيض الأنوق، مثل يضرب للذي يطلب المحال الممتنع.

و قال السهيلي في أوائل الروض: الأنوق الأنثى من الرخم يقال في المثل أراد بيض الأنوق إذا طلب ما لا يوجد لأنها تبيض حيث لا يدرك بيضها في شواهق الجبال. و هذا قول المبرد (1) في الكامل و لم يوافق عليه. فقد قال الخليل‏ (2) : الأنوق الذكر من الرخم. و هذا أشبه بالمعنى لأن الذكر لا يبيض، فمن أراد بيض الأنوق فقد أراد المحال، كمن أراد الأبلق العقوق. و قال القالي في الأمالي: الأنوق يقع على الذكر و الأنثى من الرخم.

و حكم الأنوق يأتي إن شاء اللّه تعالى في باب الراء في الرخمة.

تتمة:

السهيلي اسمه عبد الرحمن بن محمد السهيلي الخثعمي الإمام المشهور قال أبو الخطاب‏ (3) بن دحية: أنشدني السهيلي أبياتا و قال ما سأل اللّه تعالى بها أحد حاجة إلا قضاها، و في رواية إلا أعطاه اللّه إياها و كذلك من استعمل إنشادها و هي‏ (4) :

يا من يرى ما في الضمير و يسمع # أنت المعدّ لكل ما يتوقع

يا من يرجى للشدائد كلها # يا من إليه المشتكى و المفزع

يا من خزائن رزقه في قول كن # امنن فإن الخير عندك أجمع

ما لي سوى فقري إليك وسيلة # فبالافتقار إليك فقري أدفع

ما لي سوى قرعي لبابك حيلة # فلئن رددت فأي باب أقرع

و من الذي أدعو و أهتف باسمه # إن كان فضلك عن فقيرك يمنع

حاشا لجودك أن تقنط عاصيا # فالفضل أجزل و المواهب أوسع‏

و كان السهيلي مكفوف البصر توفي سنة إحدى و ثمانين و خمسمائة رحمه اللّه تعالى و اللّه الموفق للصواب.

الإوز:

بكسر الهمزة و فتح الواو البط واحدته إوزة و جمعوا بالواو و النون فقالوا: اوزون.

و قد أجاد في وصفها أبو نواس‏ (5) حيث قال:

____________

(1) المبرّد: أبو العباس محمد بن يزيد النحوي المتوفّي سنة 285 هـ-.

(2) الخليل بن أحمد الفراهيدي اللغوي النحوي صانع علم العروض.

(3) ابن دحية: عمر بن الحسن بن علي بن محمد، أديب مؤرخ محدث من أهل سبتة رحل إلى مراكش و منها إلى مصر. مات بالقاهرة سنة 633 هـ-.

(4) وفيات الأعيان: 3/143.

(5) أبو نواس: الحسن بن هانئ الشاعر العباسي الماجن مات سنة 194 هـ-.

73

كأنما يصفرن من ملاعق # صرصرة لأقلام في المهارق‏ (1)

و أبو نواس شاعر ماهر، و هو من شعراء الدولة العباسية و له أخبار عجيبة، و نكت غريبة، و خمريات أبدع فيها، و اسمه الحسن بن هانئ بن عبد الأول. قال ابن خلكان في ترجمة أبي نواس قال المأمون: لو وصفت الدنيا نفسها لما وصفت بمثل قول‏ (2) أبي نواس:

ألا كلّ حي هالك و ابن هالك # و ذو نسب في الهالكين عريق

إذا امتحن الدنيا لبيب تكشفت # له عن عدو في ثياب صديق‏

قال‏ (3) و من أحسن ما أتى به من المغاني و أغربها و يدل على حسن ظنه باللّه تعالى قوله:

تكثر ما استطعت من الخطايا # فإنك بالغ ربا غفورا

ستبصر إن وردت عليه عفوا # و تلقى سيدا ملكا كبيرا

تعض ندامة كفيك مما # تركت مخافة النار الشرورا

قال محمد بن نافع: رأيت أبا نواس في المنام بعد موته فقلت: يا أبا نواس، فقال: لات حين كنية، فقلت: الحسن بن هانئ قال: نعم، قلت: ما فعل اللّه بك؟قال: غفر لي بأبيات قلتها في علتي قبل موتي و هي تحت الوسادة، قال: فأتيت أهله فقلت: هل قال أخي شعرا قبل موته؟قالوا: لا نعلم، إلا إنه دعا بدواة و قرطاس و كتب شيئا لا ندري ما هو قال: فدخلت و رفعت و سادته فإذا أنا برقعة مكتوب فيها (4) :

يا رب إن عظمت ذنوبي كثرة # فلقد علمت بأن عفوك أعظم

إن كان لا يرجوك إلا محسن # فمن الذي يدعو و يرجو المجرم‏ (5)

أدعوك رب كما أمرت تضرعا # فإذا رددت يدي فمن ذا يرحم

ما لي إليك وسيلة إلا الرجا # و جميل عفوك ثم إني مسلم‏

قال: و سئل أبو نواس عن نسبه فقال: أغناني أدبي عن نسبي. و توفي سنة أربع و تسعين و مائة.

و الأوز يحب السباحة، و فرخه يخرج من البيضة فيسبح في الحال، و إذا حضنت الأنثى قام الذكر يحرسها لا يفارقها طرفة عين، و تخرج أفراخها في أواخر الشهر. روى الإمام أحمد في المناقب، عن الحسين بن كثير، عن أبيه و كان قد أدرك عليا رضي اللّه تعالى عنه، قال: خرج علي بن أبي طالب رضي اللّه تعالى عنه، إلى صلاة الفجر فإذا إوز يصحن في وجهه، فطردوهن فقال: دعوهن، فإنهن نوائح، فضربه ابن ملجم، فقلت: يا أمير المؤمنين خل بيننا و بين مراد فلا

____________

(1) المهارق: جمع المهرق: الصحيفة.

(2) ديوان أبي نواس: 465. و فيه: «كل حي هالكا... و ذا نسب» .

(3) ديوانه: 307. و فيه: «فإنك قاصد» .

(4) ديوانه: 587.

(5) في الديوان: «فبمن يلوذ و يستجير المجرم» .

74

تقوم لهم ثاغية و لا راغية أبدا، فقال: لا و لكن احبسوا الرجل، فإن أنا مت فاقتلوه، و إن أعش فالجروح قصاص. انتهى.

و سبب ذلك، على ما ذكره ابن خلكان و غيره، أنه اجتمع قوم من الخوارج فتذاكروا أصحاب النهروان، و ترحموا عليهم، و قالوا ما نصنع بالبقاء بعدهم؟فتحالف عبد الرحمن بن ملجم، و البرك بن عبد اللّه، و عمرو بن بكر التميمي على أن يأتي كل واحد منهم واحدا من علي و معاوية و عمرو بن العاص رضي اللّه تعالى عنهم، فقال ابن ملجم و هو أشقى الآخرين: أنا أكفيكم علي بن أبي طالب، و قال البرك: و أنا أكفيكم معاوية، و قال ابن بكر: و أنا أكفيكم عمرو بن العاص. ثم سموا سيوفهم و تواعدوا لسبع عشرة ليلة خلت من رمضان. فدخل ابن ملجم الكوفة فرأى امرأة حسناء، يقال لها قطام، كان علي بن أبي طالب رضي اللّه تعالى عنه قد قتل أباها و أخاها يوم النهروان، فخطبها فقالت لا أتزوجك حتى أشترط، قال: و ما شرطك؟قالت:

ثلاثة آلاف و عبد و وصيفة و قتل علي فقال لها: و كيف لي بقتل علي؟فقالت: تروم ذلك غيلة فإن سلمت أرحت الناس من شره، و أقمت مع أهلك، و إن أصبت خرجت إلى الجنة و نعيم لا يزول فأنعم لها، و قال: ما جئت إلا لقتله. ثم أقبل ابن ملجم حتى جلس مقابل السدة التي يخرج منها علي رضي اللّه تعالى عنه: فزت و رب الكعبة، شأنكم بالرجل فخذوه، فحمل ابن ملجم علي رضي اللّه تعالى عنه: فزت و رب الكعبة، شأنكم بالرجل فخذوه، فحمل ابن ملجم على الناس بسيفه، فأفرجوا له، و تلقاه المغيرة بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب بقطيفة فرمى بها عليه و احتمله، فضرب به الأرض و جلس على صدره. قالوا: و أقام علي رضي اللّه عنه يومين و مات. و قتل الحسن بن علي عبد الرحمن بن ملجم، فاجتمع الناس و أحرقوا جثته.

و أما البرك فإنه ضرب معاوية رضي اللّه عنه، فأصاب أوراكه، و كان معاوية عظيم الأوراك، فقطع منه عرق النكاح، فلم يولد له بعد ذلك. فلما أخذ قال: الأمان و البشارة، فقد قتل علي في هذه الليلة، فاستبقاه حتى جاءه الخبر بذلك، فقطع معاوية يده و رجله و أطلقه. فرحل إلى البصرة، و أقام بها حتى بلغ زياد ابن أبيه أنه ولد له، فقال: أ يولد له و أمير المؤمنين لا يولد له؟ فقتله قالوا: و أمر معاوية رضي اللّه عنه باتخاذ المقصورة من ذلك الوقت، و أما ابن بكر فإنه رصد عمرو ابن العاص رضي اللّه تعالى عنه، فاشتكى عمرو بطنه، فلم يخرج للصلاة، فصلى بالناس رجل من بني سهم يقال له خارجة فضربه ابن بكر فقتله فأخذ ابن بكر فلما أدخل على عمرو رضي اللّه تعالى عنه، و رآهم يخاطبونه بالإمارة قال: أ و ما قتلت عمرا قال له: لا و إنما قتلت خارجة. قال:

أردت عمرا و أراد اللّه خارجة. فقتله عمرو رضي اللّه تعالى عنه و قيل: إن عليا رضي اللّه عنه، كان إذا رأى ابن ملجم يتمثل ببيت عمرو (1) بن معد يكرب بن قيس بن مكشوح المرادي و هو قوله‏ (2) :

____________

(1) هو عمرو بن معد يكرب بن ربيعة بن عبد اللّه الزبيدي، فارس اليمن، و صاحب الغارات، اسلم سنة 9 هـ-. و شهد اليرموك و القادسية، له شعر جيد، مات سنة 21 هـ-.

(2) العقد الفريد: 2/152.

75

أريد حياته و يريد قتلي # عذيرك من خليلك من مراد

فقيل لعلي رضي اللّه تعالى عنه: كأنك عرفته و عرفت ما يريد أ فلا تقتله؟قال: كيف أقتل قاتلي؟و لما انتهى إلى عائشة رضي اللّه تعالى عنها قتل علي رضي اللّه تعالى عنه قالت‏ (1) :

فألقت عصاها و استقر بها النوى # كما قر عينا بالإياب المسافر

و علي رضي اللّه تعالى عنه، أول إمام خفي قبره. قيل: إن عليا رضي اللّه عنه أوصى أن يخفى قبره لعمله أن الأمر يصير إلى بني أمية فلم يأمن أن يمثلوا بقبره. و قد اختلف في قبره فقيل: في زاوية الجامع بالكوفة و قيل في قصر الإمارة بها، و قيل بالبقيع و هو بعيد، و قيل: إنه بالنجف في المشهد الذي يزار اليوم و سيأتي إن شاء اللّه تعالى ما ذكره ابن خلكان في ذلك في باب الفاء في لفظ الفهد و اللّه الموفق.

فائدة أجنبية:

و لما كان الحديث ذا شجون، و إفادة العلم تحقق للطالبين ما يرجون، و تجدد لهم ما ينسى الخليع أيام المجون، أحببت أن أذكر هاهنا فائدة غريبة ذكرها المؤرخون، و هو أن كل سادس قائم بأمر الأمة مخلوع، و ها أنا أذكر ما ذكروه، و أزيد عليه قدرا يسيرا من سيرة كل واحد منهم، و أيامه و سبب موته و مدة خلافته و عمره، لتكمل بذلك الفائدة، و تحل الجدوى و العائدة.

قال المؤرخون: إن أول قائم بأمر الأمة النبي صلى اللّه عليه و سلم، بعثه اللّه تعالى على فترة من الرسل، رحمة للعالمين، فبلغ الرسالة و جاهد في اللّه حق جهاده، و نصح الأمة و عبد ربه حتى أتاه اليقين، فهو أفضل الخلق و أشرف الرسل، نبي الرحمة و إمام المتقين، و حامل لواء الحمد و صاحب الشفاعة، و المقام المحمود، و الحوض المورود. آدم فمن دونه يوم القيامة تحت لوائه، فهو خير الأنبياء، و أمته خير الأمم، و أصحابه أفضل الناس بعد الأنبياء، و ملته أشرف الملل له المعجزات الباهرة، و الخلق العظيم و العقل الكامل الجسيم، و النسب الأشرف و الجمال المطلق، و الكرم الأوفر و الشجاعة التامة، و الحلم الزائد، و العلم النافع، و العمل الأرفع و الخوف الأكمل، و التقوى الباهرة، فهو أفصح الخلق و أكملهم في كل صفات الكمال و أبعد الخلق عن الدناءات و النقائص و فيه قال الشاعر:

لم يخلق الرحمن مثل محمد # أبدا و علمي أنه لا يخلق‏

قالت عائشة رضي اللّه عنها: كان النبي صلى اللّه عليه و سلم، إذا كان في بيته في مهنة أهله، أي في خدمتهم، و كان يفلي ثوبه و يرقعه، و يخصف نعله و يخدم نفسه، و يعلق ناضحه، و يقم البيت أي يكنسه، و يعقل البعير و يأكل مع الخادم، و يعجن معها، و يحمل بضاعته من السوق، و كان عليه الصلاة و السلام متواصل الأحزان، دائم الفكر، ليست له راحة. و قد قال علي رضي اللّه تعالى عنه: سألت رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم عن سنته، فقال: «المعرفة رأس مالي و الحب أساسي و الشوق

____________

(1) البيت في وفيات الأعيان: 1/234.

76

مركبي، و ذكر اللّه أنيسي و الحزن رفيقي، و العلم سلاحي، و الصبر ردائي، و الرضا غنيمتي، و الفقر فخري، و الزهد حرفتي، و اليقين قوتي و الصدق شفيعي، و الطاعة حسبي، و الجهاد خلقي و قرة عيني في الصلاة.

و أما حلمه صلى اللّه عليه و سلم، وجوده و شجاعته، و حياؤه و حسن عشرته، و شفقته و رأفته، و رحمته و بره، و عدله و وقاره، و صبره و هيبته، و ثقته و بقية خصاله الحميدة، التي لا تكاد تحصر فكثيرة جدا فقد صنف العلماء رضي اللّه تعالى عنهم في سيرته و أيامه، و مبعثه و غزواته، و أخلاقه و معجزاته، و محاسنه و شمائله، كتبا جمة، و لو أردنا ذكر قدر يسير منها لجاء في مجلدات كثيرة، و لسنا بصدد ذلك في هذا الكتاب، قالوا: و كانت وفاته صلى اللّه عليه و سلم بعد أن أكمل اللّه تعالى لنا ديننا و أتم علينا نعمته في وسط يوم الاثنين الثاني عشر من ربيع الأول سنة إحدى عشرة، و له صلى اللّه عليه و سلم ثلاث و ستون سنة و تولى غسله علي بن أبي طالب رضي اللّه تعالى عنه، و دفن صلى اللّه عليه و سلم في حجرته التي بناها لأم المؤمنين عائشة رضي اللّه تعالى عنها.

خلافة أبي بكر الصديق رضي اللّه تعالى عنه‏

ثم قام بالأمر بعده صلى اللّه عليه و سلم، خليفته على الصلاة أيام مرضه، و ابن عمه الأعلى و نسيبه و صهره و مؤنسه في الغار، و وزيره و صديقه الأكبر، و خير الخلق بعده أبو بكر الصديق رضي اللّه تعالى عنه. بويع له بالخلافة في اليوم الذي توفي فيه رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم بسقيفة بني ساعدة، و لذلك قصة تركناها لطولها و اشتهارها، فقام بالأمر أتم قيام، و فتح في دولته اليسيرة اليمامة و أطراف العراق و بعض مدن الشام. و كان رضي اللّه عنه كبير الشأن زاهدا خاشعا، إماما حليما، وقورا شجاعا، صابرا رءوفا، عديم النظير في الصحابة رضي اللّه تعالى عنهم.

و لما مات النبي صلى اللّه عليه و سلم ارتدت العرب، و منعت الزكاة، فلما استخلف الصديق جمع الصحابة رضي اللّه تعالى عنهم و شاورهم في القتال، فاختلفوا عليه و قال له عمر رضي اللّه تعالى عنه كيف نقاتل الناس و قد قال‏ (1) رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا اللّه؟فمن قالها فقد عصم مني دمه و ماله إلا بحقه و حسابه على اللّه عزّ و جلّ؟فقال الصديق رضي اللّه عنه:

«و اللّه لأقتلن من فرق بين الصلاة و الزكاة، فإن الزكاة حق المال و اللّه لو منعوني عناقا كانوا يؤدونها رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم لقاتلتهم على منعها (2) » . قال عمر رضي اللّه عنه: «فو اللّه ما هو إلا أن قد شرح اللّه صدر أبي بكر للقتال، فعرفت أنه الحق» . (3) و في رواية قال عمر رضي اللّه عنه: فقلت تألف الناس و ارفق بهم فقال لي: «أجبار في الجاهلية و خوار في الإسلام يا عمر؟إنه قد انقطع الوحي و تم الدين أ ينقص و أنا حي» . ثم خرج لقتالهم.

و ذكر جماعة من المؤرخين و غيرهم أن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، كان قد وجه أسامة بن زيد رضي اللّه عنهما

____________

(1) رواه البخاري في الإيمان: 7. و الصلاة: 28. زكاة: 1. و رواه مسلم في الإيمان: 32-36.

(2) رواه ابن حنبل: 2/529.

(3) رواه النسائي في الزكاة: 3، و مسلم في الإيمان: 32. و أبو داود في الزكاة: 1.

77

في سبعمائة بطل إلى الشام فلما نزل بذي خشب، قبض رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، و ارتدت العرب فاجتمعت الصحابة رضي اللّه عنهم و قالوا للصديق رضي اللّه عنه: رد هؤلاء أي أسامة و من معه، فقال: و اللّه الذي لا إله إلا هو، لو جرت الكلاب بأرجل أزواج النبي صلى اللّه عليه و سلم، ما رددت جيشا جهزه رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، و لا حللت عقد لواء عقده رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، و في رواية لو علمت أن السباع تجر برجلي إن لم أرده ما رددته. و أمر أسامة (1) رضي اللّه عنه أن يمضي لوجهه و قال له: إن رأيت أن تأذن لعمر رضي اللّه عنه بالمقام عندي أستأنس به و أستعين برأيه، فقال له أسامة رضي اللّه عنه: قد فعلت. و سار أسامة رضي اللّه تعالى عنه، فجعل لا يمر بقبيلة تريد الارتداد، إلا قالوا: لو لا أن لهؤلاء قوة ما خرج مثل هذا الجيش من عندهم، فلقوا الروم فقاتلوهم و هزموهم و رجعوا سالمين.

و عن عائشة رضي اللّه تعالى عنها قالت: خرج أبي يوم الردة شاهرا سيفه، راكبا راحلته، فجاء علي رضي اللّه تعالى عنه حتى أخذ بزمام راحلته، و قال: أقول لك ما قال لك رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم يوم أحد: «شم سيفك لا تفجعنا بنفسك فو اللّه لئن أصبنا بك، لا يكون للإسلام بعدك نظام أبدا» و معنى شم اغمد. و قال ابن قتيبة: ارتدت العرب إلا القليل منهم فجاهدهم الصديق حتى استقاموا و فتح اليمامة و قتل مسيلمة الكذاب بها و الأسود العنسي الكذاب بصنعاء. و بعث الجيوش إلى الشأم و العراق و قال أبو رجاء العطاردي: دخلت المدينة فرأيت الناس مجتمعين و رأيت رجلا يقبل رأس رجل و يقول: أنا فداؤك، و اللّه لو لا أنت لهلكنا. فقلت: من المقبل و المقبل؟فقالوا:

عمر يقبل رأس أبي بكر رضي اللّه تعالى عنهما، من أجل قتال أهل الردة. و قالت عائشة رضي اللّه تعالى عنها: لما قبض رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم ارتدت العرب، و اشرأب‏ (2) النفاق، و نزل بأبي ما لو نزل على الجبال الراسيات لهاضها، و قال أبو هريرة رضي اللّه تعالى عنه: و اللّه الذي لا إله إلا هو لو لم يستخلف أبو بكر رضي اللّه تعالى عنه، ما عبد اللّه تعالى. ثم قال الثانية ثم قال الثالثة. قالوا:

و كان من اللين و التواضع على جانب عظيم. و لما مرض ترك التطبيب تسليما لأمر اللّه تعالى فعاده الصحابة رضي اللّه تعالى عنهم، و قالوا أ لا ندعو لك طبيبا ينظر إليك؟فقال: نظر إلي قالوا و ما قال لك؟قال: قال لي إني فعال لما أريد.

توفي رضي اللّه عنه ليلة الثلاثاء بين المغرب و العشاء لثمان بقين من جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة من الهجرة، و له رضي اللّه عنه ثلاث و ستون سنة و كان سبب موته كمدا لحقه على رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم ما زال يذيبه. و الكمد الحزن المكتوم و دفن في حجرة عائشة أم المؤمنين مع سيدنا رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم و كانت خلافته رضي اللّه عنه سنتين و ثلاثة أشهر و ثمانية أيام.

____________

(1) أسامة بن زيد بن حارثة، الكناني، صحابي جليل، كان النبي صلى اللّه عليه و سلم يحبه، مات بالجرف في الحجاز سنة 54 هـ-.

(2) اشرأب: علا و ظهر.

78
خلافة عمر الفاروق رضي اللّه تعالى عنه‏

ثم قام بالأمر بعده أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي اللّه تعالى عنه. بويع له بالخلافة في اليوم الذي مات فيه أبو بكر رضي اللّه تعالى عنه، بوصية من أبي بكر إليه رضي اللّه تعالى عنهما.

فقام بعده بمثل سيرته و جهاده و ثباته، و صبره على العيش الخشن، و خبز الشعير، و الثوب الخام المرقع، و القناعة باليسير، و فتح الفتوحات الكبار، و الأقاليم الشاسعة. و هو أول من سمي بأمير المؤمنين، و هو من المهاجرين الأولين صلى إلى القبلتين و شهد بدرا و بيعة الرضوان، و جميع المشاهد مع رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم. و لما أسلم رضي اللّه تعالى عنه أعزّ اللّه به الإسلام و توفي رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، و هو عنه راض، و بشره بالجنة.

و مناقبه رضي اللّه عنه كثيرة جدا و حسبك أنه كان وزير سيدنا محمد صلى اللّه عليه و سلم، و عاش حميدا و توفي فقيرا سعيدا شهيدا. فما يبغضه إلا زنديق أو حمار مفرط الجهل، و هو أول من عس في عمله رضي اللّه تعالى عنه، أي كان يمشي ليلا لحفظ الدين و الناس، وهابه الناس هيبة عظيمة حتى تركوا الجلوس بالأفنية فلما بلغه رضي اللّه تعالى عنه هيبة الناس له، جمعهم ثم قام على المنبر حيث كان أبو بكر رضي اللّه تعالى عنه يضع قدميه، فحمد اللّه تعالى و أثنى عليه بما هو أهله، و صلّى على النبي صلى اللّه عليه و سلم، ثم قال: بلغني أن الناس قد هابوا شدتي، و خافوا غلظتي و قالوا: قد كان عمر يشتد علينا و رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم بين أظهرنا، ثم اشتد علينا و أبو بكر رضي اللّه تعالى عنه و الينا دونه، فكيف الآن و قد صارت الأمور إليه؟و لعمري من قال ذلك صدق كنت مع رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، فكنت عبده و خادمه حتى قبضه اللّه عزّ و جلّ و هو عني راض، و الحمد للّه و أنا أسعد الناس بذلك. ثم ولي أمر الناس أبو بكر رضي اللّه تعالى عنه فكنت خادمه و عونه أخلط شدّتي بلينه، فأكون سيفا مسلولا حتى يغمدني أو يدعني فما زلت معه كذلك حتى قبضه اللّه تعالى و هو عني راض، و الحمد للّه و أنا أسعد الناس بذلك. ثم إني وليت أموركم اعلموا أن تلك الشدّة قد تضاعفت، و لكنها إنما تكون على أهل الظلم و التعدي على المسلمين، و أما أهل السلامة و الدين و القصد فأنا ألين لهم من بعضهم لبعض، و لست أدع أحدا يظلم أحدا و يتعدى عليه، حتى أضع خده على الأرض، و أضع قدمي على الخد الآخر حتى يذعن بالحق. و لكم علي أيها الناس أن لا أخبأ عنكم شيئا من خراجكم و إذا وقع عندي، أن لا يخرج إلا بحقه و لكم علي أن لا ألقيكم في المهالك و إذا غبتم في البعوث فأنا أبو العيال حتى ترجعوا. أقول قولي هذا و أستغفر اللّه العظيم لي و لكم.

قال سعيد بن المسيب: وفى و اللّه عمر و زاد في الشدة في مواضعها، و اللين في مواضعه، و كان رضي اللّه تعالى عنه أبا العيال، حتى كان يمشي إلى المغيبات أي التي غاب عنهن أزواجهن، و يقول: ألكن حاجة حتى أشتري لكن؟فإني أكره أن تخدعن في البيع و الشراء، فيرسلن بجواريهن معه فيدخل في السوق، و وراءه من جواري النساء غلمانهن ما لا يحصى، فيشتري لهن حوائجهن.

و من كان ليس عندها شي‏ء، اشترى لها من عنده رضي اللّه تعالى عنه. و روي أن طلحة، رضي اللّه تعالى عنه، خرج فرأى عمر رضي اللّه تعالى عنه، قد دخل بيتا ثم خرج، فلما أصبح طلحة ذهب إلى ذلك البيت، فإذا عجوز عمياء مقعدة، فقال لها طلحة: ما بال هذا الرجل‏

79

يأتيك؟فقالت: إنه يتعاهدني منذ كذا و كذا بما يصلحني و يخرج عني الأذى. تعني القذر.

و لما رجع رضي اللّه تعالى عنه من الشام إلى المدينة، انفرد عن الناس، ليتعرف أخبار رعيته، فمر بعجوز في خبائها فقصدها فقالت: يا هذا ما فعل عمر؟قال: قد أقبل من الشام سالما فقالت: لا جزاه اللّه عني خيرا قال: و لم قالت: لأنه و اللّه ما نالني من عطائه منذ ولي أمر المؤمنين دينار و لا درهم. فقال: و ما يدري عمر بحالك و أنت في هذا الموضع؟فقالت: سبحان اللّه و اللّه ما ظننت أن أحدا يلي على الناس، و لا يدري ما بين مشرقها و مغربها!فبكى عمر رضي اللّه تعالى عنه، و قال: وا عمراه كل أحد أفقه منك حتى العجائز يا عمر. ثم قال يا أمة اللّه بكم تبيعيني ظلامتك من عمر، فإني أرحمه من النار، فقالت: لا تهزأ بنا يرحمك اللّه!فقال: لست بهزاء فلم يزال بها حتى اشترى منها ظلامتها بخمسة و عشرين دينارا، فبينما هو كذلك، إذ أقبل علي بن أبي طالب، و ابن مسعود، فقالا: السلام عليك يا أمير المؤمنين، فوضعت العجوز يدها على رأسها، و قالت: وا سوأتاه شتمت أمير المؤمنين في وجهه، فقال لها عمر رضي اللّه تعالى عنه: لا بأس عليك رحمك اللّه. ثم طلب رقعة، يكتب فيها فلم يجد، فقطع قطعة من مرقعته و كتب فيها: بسم اللّه الرحمن الرحيم هذا ما اشترى عمر من فلانة ظلامتها منذ ولي إلى يوم كذا و كذا، بخمسة و عشرين دينارا فما تدعي عند وقوفه في المحشر بين يدي اللّه تعالى فعمر منه بري‏ء شهد على ذلك علي بن أبي طالب و ابن مسعود رضي اللّه تعالى عنهما، ثم دفع الكتاب إلى ولده، و قال إذا أنا مت فاجعله في كفني، ألقى به ربي و أخباره رضي اللّه تعالى عنه في مثل هذا كثيرة جدا.

و ذكر الفضائلي أن عمر رضي اللّه تعالى عنه كتب إلى سعد بن أبي وقاص رضي اللّه تعالى عنه، و هو بالقادسية بأن يوجه نضلة الأنصاري رضي اللّه تعالى عنه، إلى حلوان العراق ليغير على ضواحيها، فبعث سعد نضلة في ثلاثمائة فارس، فساروا حتى أتوا حلوان العراق، فأغاروا على ضواحيها فأصابوا غنيمة و سبيا، فأقبلوا بذلك حتى أرهقهم العصر، و كادت الشمس تغرب، فألجأ نضلة السبي و الغنيمة إلى سفح جبل، ثم قام فأذن فقال اللّه أكبر اللّه أكبر فأجابه مجيب من الجبل: كبرت كبيرا يا نضلة، فقال: أشهد أن لا إله إلا اللّه فقال: كلمة الإخلاص يا نضلة، ثم قال: أشهد أن محمدا رسول اللّه فقال: هو الذي بشرنا به عيسى بن مريم عليه السلام، و على رأس أمته تقوم الساعة، ثم قال: حي على الصلاة فقال: طوبى لمن سعى إليها و واظب عليها، ثم قال: حي على الفلاح، فقال: قد أفلح من أجاب داعي اللّه، ثم قال: اللّه أكبر اللّه أكبر لا إله إلا اللّه، قال: أخلصت الإخلاص كله يا نضلة، حرم اللّه بها جسدك على النار. فلما فرغ من أذانه قام فقال: من أنت يرحمك اللّه أملك أنت أم من الجن، أم طائف من عباد اللّه قد أسمعتنا صوتك فأرنا شخصك فإن الوفد وفد رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، و وفد عمر بن الخطاب رضي اللّه تعالى عنه، فانفلق الجبل عن هامة كالرحا، أبيض الرأس و اللحية، عليه طمران من صوف فقال: السلام عليكم و رحمة اللّه و بركاته، فقالوا: عليك السلام و رحمة اللّه و بركاته، من أنت يرحمك اللّه؟قال:

أبا رزين بن برثملا وصي العبد الصالح عيسى بن مريم عليه السلام، أسكنني في هذا الجبل، و دعا لي بطول البقاء إلى حين نزوله من السماء فاقرءوا عمر مني السلام و قولوا له: يا عمر سدد

80

و قارب فقد دنا الأمر، و أخبروه بهذه الخصال التي أخبركم بها: يا عمر إذا ظهرت هذه الخصال في أمة محمد صلى اللّه عليه و سلم، فالهرب الهرب إذا استغنى الرجال بالرجال، و النساء بالنساء، و انتسبوا إلى غير مناسبهم، و انتموا إلى غير مواليهم، و لم يرحم كبيرهم صغيرهم، و لم يوقر صغيرهم كبيرهم، و ترك الأمر بالمعروف، فلم يؤمر به و ترك النهي عن المنكر فلم ينه عنه، و تعلم عالمهم العلم ليجلب به الدنيا، و كان المطر قيظا و الولد غيظا، و طولوا المنارات و فضضوا المصاحف، و زخرفوا المساجد و أظهروا الرشا و شيدوا البناء، و اتبعوا الهوى و باعوا الدين بالدنيا، و قطعت الأرحام و منعت الأحكام، و أكلوا الرباء و حاز الغني عزا، و الفقير ذلا، و خرج الرجل من بيته، فقام إليه من هو خير منه فسلم عليه، و ركبت الفروج السروج. ثم غاب عنهم فلم يروه. فكتب نضلة إلى سعد بذلك، فكتب سعد بذلك إلى عمر، رضي اللّه تعالى عنهم أجمعين، فكتب إليه عمر رضي اللّه تعالى عنه: سر أنت بنفسك و من معك، من المهاجرين و الأنصار، حتى تنزلوا بهذا الجبل، فإن لقيته فاقرئه مني السلام، فخرج سعد رضي اللّه تعالى عنه، في أربعة آلاف فارس من المهاجرين و الأنصار و أبنائهم، حتى نزلوا بذلك الجبل، و مكث سعد رضي اللّه تعالى عنه أربعين يوما ينادي بالصلاة، فلا يجد جوابا و لا يسمع خطابا فكتب بذلك إلى عمر رضي اللّه تعالى عنه.

و عمر رضي اللّه تعالى عنه أول من أرخ التاريخ و ذلك في سنة ست عشرة، و فيها كان فتح بيت المقدس صلحا. و فيها نزل سعد بن أبي وقاص رضي اللّه تعالى عنه الكوفة و مصرها، و هو أول من دون الدواوين و مصر الأمصار و حقق كلمته في إعلاء كلمة اللّه تعالى، ففتح اللّه تعالى على يديه مواضع عديدة ففتح رضي اللّه تعالى عنه دمشق ثم الروم ثم القادسية، ثم انتهى الفتح إلى حمص و حلوان و الرقة و الرها و حران و رأس العين و خابور و نصيبين و عسقلان و طرابلس، و ما يليها من الساحل و بيت المقدس و بيسان و اليرموك و الأهواز و قيسارية و مصر و تستر و نهاوند و الري و ما يليها، و أصبهان و بلاد فارس و اصطخر و همذان و النوبة و البرلس و البربر و غير ذلك و كانت درته أهيب من سيف الحجاج، وهابه ملوك فارس و الروم و غيرهم، و مع ذلك كله بقي على حاله كما كان قبل الولاية في لبسه و زيه و أفعاله و تواضعه يسير منفردا في حضره و سفره من غير حرس و لا حجاب لم تغيره الإمرة، و لم يستطل على مسلم بلسانه، و لا حابى أحدا في الحق، و كان لا يطمع الشريف في حيفه، و لا ييأس الضعيف من عدله، و لا يخاف في اللّه لومة لائم. و نزّل نفسه رضي اللّه تعالى عنه، من مال اللّه تعالى منزلة رجل من المسلمين، و جعل فرضه كفرض رجل من المهاجرين، و كان يقول: أنا في مالكم كولي مال اليتيم، إن استغنيت استعففت، و إن افتقرت أكلت بالمعروف أراد بذلك أنه يأكل ما تقوم به بنيته و لا يتعداه، و قال مجاهدا: تذاكر الناس في مجلس ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما، فأخذوا في فضل أبي بكر ثم في فضل عمر رضي اللّه تعالى عنهما، فلما سمع ابن عباس ذكر عمر رضي اللّه تعالى عنه، بكى بكاء شديدا حتى أغمي عليه، ثم قال:

رحم اللّه عمر قرأ القرآن و عمل بما فيه فأقام حدود اللّه كما أمر لا تأخذه في اللّه لومة لائم لقد رأيت عمر رضي اللّه تعالى عنه، و قد أقام الحد على ولده فقتله فيه. و ستأتي الإشارة إلى ذلك في باب الدال المهملة في لفظ الديك، و قتل رضي اللّه عنه في سنة ثلاث و عشرين، قتله أبو لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة، و اسمه فيروز، و كان المغيرة رضي اللّه تعالى عنه، يستغله كل يوم أربعة دراهم،

81

لأنه كان يصنع الأرحاء، فلقي عمر يوما فقال: يا أمير المؤمنين إن المغيرة قد أثقل على غلتي فكلمه لي ليخفف عني، فقال له عمر رضي اللّه تعالى عنه اتق اللّه و أحسن إلى مولاك.

فغضب أبو لؤلؤة و قال: يا عجباه قد وسع الناس عدله غيري، و أضمر على قتله و اصطنع له خنجرا له رأسان، وسمه و تحين به عمر رضي اللّه تعالى عنه، فجاء عمر إلى صلاة الغداة، قال عمرو بن ميمون: إني لقائم في الصلاة، و ما بيني و بين عمر إلا ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما، فما هو إلا أن كبر فسمعته يقول: قتلني الكلب، حين طعنه، و طار العلج‏ (1) بسكين كان ذات طرفين لا يمر على أحد يمينا أو شمالا إلا طعنه، حتى طعن ثلاثة عشر رجلا، مات سبعة، و قيل تسعة. فلما رأى ذلك رجل من المسلمين طرح عليه برنسا، فلما علم أنه مأخوذ نحر نفسه. فقال عمر رضي اللّه تعالى عنه: قاتله اللّه لقد أمرت به معروفا. ثم قال الحمد للّه الذي لم يجعل منيتي بيد رجل يدعي الإسلام. و كان أبو لؤلؤة مجوسيا و يقال كان نصرانيا توفي في ذي الحجة لأربع عشرة ليلة مضت منه في السنة المذكورة بعد طعنه بيوم و ليلة عن ثلاث و ستين سنة، و دفن مع صاحبه في الحجرة النبوية. و لما توفي عمر رضي اللّه تعالى عنه، أظلمت الأرض فجعل الصبي يقول: يا أماه أقامت القيامة؟فتقول لا يا بني، و لكن قتل عمر رضي اللّه تعالى عنه. و سيأتي طرف من هذا، و ذكر الشورى في لفظ الديك أيضا قال ابن إسحاق: و كانت خلافته رضي اللّه تعالى عنه عشر سنين و ستة أشهر و خمس ليال و قال غيره و ثلاثة عشر يوما و اللّه أعلم.

خلافة أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي اللّه تعالى عنه‏

ثم قام بعده بالأمر أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي اللّه تعالى عنه. اشتور أهل الحل و العقد بعد دفن عمر بثلاثة أيام و اتفقوا على مبايعته. و هو ابن عم المصطفى صلى اللّه عليه و سلم الأعلى، بويع له بالخلافة في أول يوم من سنة أربع و عشرين، قال أهل التاريخ إنه لم يزل اسمه في الجاهلية و الإسلام عثمان و يكنى أبا عمرو و أبا عبد اللّه، و الأول أشهر، و ينسب إلى أمية بن عبد شمس، فيقال: الأموي، يجتمع مع رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم في عبد مناف، و يدعى بذي النورين، قيل لأنه تزوج بابنتي رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، رقية و أم كلثوم رضي اللّه تعالى عنهما، و لم يعلم أحد تزوج بابنتي نبي غيره رضي اللّه تعالى عنه، و قيل لأنه إذا دخل الجنة برقت له برقتين، و قيل لأنه يختم القرآن في الوتر، و القرآن نور و قيام الليل نور، و قيل غير ذلك.

و هو رضي اللّه تعالى عنه، من السابقين و صلّى إلى القبلتين و هاجر الهجرتين، و هو أول من هاجر إلى الحبشة فارا بدينه، و معه زوجته رقية رضي اللّه تعالى عنهما. و عد من البدريين، و من أهل بيعة الرضوان، و لم يحضرهما، و كان سبب غيبته عن بدر أن بنت رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، كانت تحته و هي مريضة، فأذن له رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم في الجلوس عندها ليمرضها، و قال له: لك أجر رجل ممن شهد بدرا، و سهمه. و أما غيبته عن بيعة الرضوان، فلو كان أحد أعزّ منه ببطن مكة، لبعثه رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم مكانه، و أن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، قال بيده اليمنى هذه يد عثمان. و توفي رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم

____________

(1) العلج: الكافر من كفار العجم.

82

و هو عنه راض، و بشره بالجنة و دعا له بالخصوصية، غير مرة فأثرى و كثر ماله، و كانت له شفقة و رأفة، فلما ولي زاد تواضعه و شفقته و رأفته برعيته، و كان يطعم الناس طعام الإمارة و يأكل الخل و الزيت، و جهز جيش العسرة بتسعمائة و خمسين بعيرا بأحلاسها و أقتابها (1) ، و أتم الألف بخمسين فرسا، و قال قتادة: حمل عثمان رضي اللّه تعالى عنه على ألف بعير، و سبعين فرسا، و قال الزهري:

حمل على تسعمائة و أربعين بعيرا و ستين فرسا.

و عن حذيفة بن اليمان، قال‏ (2) : «بعث رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم إلى عثمان رضي اللّه تعالى عنه في تجهيز جيش العسرة، فبعث إليه عثمان بعشرة آلاف دينار، فصبت بين يديه فجعل صلى اللّه عليه و سلم يقلبها بيده، و يقول غفر اللّه لك يا عثمان، ما أسررت و ما أعلنت، و ما هو كائن إلى يوم القيامة» . و في رواية: «ما يضر عثمان ما فعل بعد اليوم و اشترى بئر رومة بخمسة و ثلاثين ألفا و سبلها» .

و له رضي اللّه تعالى عنه من الخيرات و أفعال البر ما يطول ذكره. قال ابن قتيبة و افتتح في أيامه الإسكندرية و سابور و إفريقية، و قبرس و سواحل الروم، و اصطخر الأخرى و فارس الأولى و خوزستان، و فارس الأخرى و طبرستان، و كرمان و سجستان، و الأساورة و إفريقية، من حصون قبرص و ساحل الأردن و مرو. و لما عمرت المدينة و صارت وافرة الأنام و قبة الإسلام، و كثرت فيها الخيرات و الأموال وجبى إليها الخراج، من الممالك و بطرت الرعية من كثرة الأموال و الخيل، و النعم، و فتحوا أقاليم الدنيا و اطمأنوا و تفرغوا، أخذوا ينقمون على خليفتهم عثمان رضي اللّه تعالى عنه، لأنه كان له أموال عظيمة، و كان له ألف مملوك و لكونه يعطي المال لأقاربه و يوليهم الولايات الجليلة، فتكلموا فيه إلى أن قالوا: هذا لا يصلح للخلافة و هموا بعزله و ثاروا لمحاصرته و جرت أمور يطول ذكرها فحاصروه في داره أياما و كانوا أهل جفاء، و رءوس شر، فوثب عليه ثلاثة فذبحوه في بيته، و المصحف بين يديه، و هو شيخ كبير، و كان ذلك أول وهن و بلاء على هذه الأمة بعد نبيهم صلى اللّه عليه و سلم فإنا للّه و إنا إليه راجعون. قتلوه قاتلهم اللّه، يوم الجمعة الثامن عشر من ذي الحجة الحرام سنة خمس و ثلاثين.

و مناقبه رضي اللّه تعالى عنه كثيرة جدا. شهد له رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم بالجنة و قال: أ لا أستحيي ممن تستحيي منه الملائكة و أخبر صلى اللّه عليه و سلم، بأنه شهيد و أنه يبتلى، و تفرقت الكلمة بعد قتله رضي اللّه تعالى عنه، و ماج الناس و اقتتلوا للأخذ بثاره حتى قتل من المسلمين تسعون ألفا، و قال ابن خلكان و غيره: لما بويع عثمان رضي اللّه تعالى عنه، نفى أبا ذر الغفاري‏ (3) رضي اللّه تعالى عنه إلى الربذة (4) لأنه كان يزهد الناس في الدنيا ورد الحكم بن أبي العاص‏ (5) و كان قد نفاه

____________

(1) الحلس: كساء على ظهر البعير. و القتب واحد الأقتاب: الإكاف الصغير على قدر سنام البعير.

(2) رواه: ابن حنبل 6/49، 63.

(3) أبو ذر: جندب بن جنادة بن سفيان بن عبيد، الغفاري الكناني، من كبار الصحابة دعا إلى مشاركة الأغنياء أموالهم لصالح الفقراء فنفاه عثمان إلى الربذة. مات سنة 32 هـ-.

(4) الرّبذة: موضع قرب المدينة المنورة.

(5) الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس القرشي الأموي، صحابي، نفاه النبي صلى اللّه عليه و سلم إلى الربذة، و هو عمّ عثمان بن عفان الذي ردّه إلى المدينة. مات سنة 32 هـ-.

83

رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم إلى الربذة و لم يرده أبو بكر و لا عمر فرده عثمان رضي اللّه تعالى عنهم. قيل: إنما رده بإذن من النبي صلى اللّه عليه و سلم، قاله غير واحد. ولى مصر عبد اللّه بن أبي‏ (1) سرح، و أعطى أقاربه الأموال فكان ذلك مما نقم عليه الناس، فلما كانت سنة خمس و ثلاثين، قدم المدينة مالك الأشتر (2)

النخعي في مائتي رجل من أهل الكوفة، و مائة و خمسين من أهل البصرة و ستمائة من أهل مصر، كلهم مجمعون على خلع عثمان رضي اللّه تعالى عنه من الخلافة، فلما اجتمعوا في المدينة سير إليهم عثمان رضي اللّه تعالى عنه المغيرة بن شعبة (3) و عمرو بن العاص رضي اللّه تعالى عنهما، يدعوهم إلى كتاب اللّه و سنة رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، فردوهما أقبح رد، و لم يسمعوا كلامهما. فبعث إليهم عليا رضي اللّه تعالى عنه فردهم إلى ذلك، و ضمن لهم ما يعدهم به عثمان رضي اللّه تعالى عنه، و كتبوا على عثمان كتابا بإزاحة عللهم، و السير فيهم بكتاب اللّه عزّ و جلّ، و سنة نبيّه صلى اللّه عليه و سلم، و أخذوا عليه عهدا بذلك، و أشهدوا على علي رضي اللّه تعالى عنه أنه ضمن ذلك، و اقترح المصريون على عثمان رضي اللّه تعالى عنه عزل عبد اللّه بن أبي سرح، و تولية محمد بن أبي بكر فأجابهم إلى ذلك و ولاه و افترق الجمع كل إلى بلده، فلما وصل المصريون إلى إيلة وجدوا رجلا على نجيب لعثمان رضي اللّه تعالى عنه و معه كتاب مختوم بخاتم عثمان، مصطنع على لسانه، و عنوانه من عثمان إلى عبد اللّه بن أبي سرح و فيه إذا قدم محمد بن أبي بكر و معه فلان و فلان فاقطع أيديهم و أرجلهم و ارفعهم على جذوع النخل، فرجع المصريون و رجع البصريون و الكوفيون لما بلغهم ذلك و أخبروه الخبر فحلف عثمان رضي اللّه تعالى عنه أنه ما فعل ذلك، و لا أمر به، فقالوا: هذا أشد عليك يؤخذ خاتمك و نجيب من إبلك و أنت لا تعلم. ما أنت إلا مغلوب على أمرك!ثم سألوه أن يعتزل فأبى، فأجمعوا على حصاره فحاصروه في داره، و كان من أكبر المؤلبين عليه محمد بن أبي بكر. و كان الحصار في سلخ شوال، و اشتد الحصار، و منع من أن يصل إليه الماء قال أبو أمامة الباهلي رضي اللّه تعالى عنه: كنا مع عثمان و هو محصور في الدار، فقال: «و بم يقتلوني؟سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم يقول‏ (4)

لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث رجل كفر بعد إسلام، أو زنى بعد إحصان، أو قتل نفسا بغير حق فيقتل بها، فو اللّه ما أحببت بديني بدلا، منذ هداني اللّه تعالى، و لا زنيت في جاهلية و لا إسلام، و لا قتلت نفسا بغير حق فبم يقتلوني» ؟رواه الإمام أحمد.

و عن شداد بن أوس رضي اللّه تعالى عنه أنه قال «لما اشتد الحصار بعثمان رضي اللّه تعالى عنه، يوم الدار رأيت عليا رضي اللّه تعالى عنه خارجا من منزله معتما بعمامة رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، متقلدا بسيفه و أمامه ابنه الحسن و عبد اللّه بن عمر في نفر من المهاجرين و الأنصار، رضي اللّه تعالى

____________

(1) هو عبد اللّه بن سعد بن أبي سرح القرشي فاتح افريقية و فارس بني عامر، ولي مصر سنة 25 هـ-، اعتزل الفتنة أيام صفين. مات سنة 37 هـ- في عسقلان.

(2) هو مالك بن الحارث بن عبد يغوث النخعي من الأمراء، شهد اليرموك، و كان فيما بعد ممن حرضوا ضد عثمان و ثاروا ضده و شهد صفين و الجمل مع علي. له شعر جيد. مات سنة 37 هـ-.

(3) المغيرة بن شعبة بن أبي عامر بن مسعود الثقفي صحابي من الدهاة. شهد فتح الشام و العراق، و تولى البصرة و اعتزل الفتنة أيام صفين. مات سنة 50 هـ-.

(4) رواه أحمد: 6/205.

84

عنهم، فحملوا على الناس و فرقوهم، ثم دخلوا على عثمان رضي اللّه تعالى عنه، فقال له علي رضي اللّه تعالى عنه: السلام عليك يا أمير المؤمنين، إن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم لم يلحق هذا الأمر حتى ضرب بالمقبل المدبر، و إني و اللّه لا أرى القوم إلا قاتليك فمرنا فلنقاتل، فقال عثمان: أنشد اللّه رجلا رأى للّه عزّ و جلّ عليه حقا، و أقر أن لي عليه حقا، أن يهريق بسببي مل‏ء محجمة من دم، أو يهريق دمه في. فأعاد علي عليه القول، فأجابه بمثل ما أجابه، قال فرأيت عليا رضي اللّه تعالى عنه خارجا من الباب، و هو يقول: اللهم إنك تعلم أنا قد بذلنا المجهود. ثم دخل المسجد فاقتحموا على عثمان رضي اللّه تعالى عنه الدار، و المصحف بين يديه، فأخذ محمد بن أبي بكر بلحيته، فقال له عثمان رضي اللّه تعالى عنه: أرسل لحيتي يا بن أخي فو اللّه لو رأى أبوك مقامك هذا لساءه. فأرسل لحيته و ولى، فضربه بتار بن عياض و سودان بن حمران بسيفيهما فنضح الدم على قوله‏ (1) تعالى: فَسَيَكْفِيكَهُمُ اَللََّهُ وَ هُوَ اَلسَّمِيعُ اَلْعَلِيمُ و جلس عمرو بن الحمق على صدره، و ضربه حتى مات. و وطئ عمير بن صابي على بطنه، فكسر له ضلعين من أضلاعه.

و روى الإمام أحمد عن كعب بن عجرة رضي اللّه تعالى عنه، قال: «ذكر (2) رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم فتنة و عظمها و قربها، ثم مر رجل مقنع في ملحفة، فقال: هذا يومئذ على الحق فإذا هو عثمان رضي اللّه تعالى عنه» . و روى‏ (3) الترمذي معناه فقال: «هذا يومئذ على الهدى» . و قال إنه حديث حسن صحيح.

و كان لأمير المؤمنين عثمان رضي اللّه تعالى عنه شيئان ليسا لأبي بكر و لا لعمر رضي اللّه تعالى عنهما، صبره على نفسه حتى قتل مظلوما، و جمعه الناس على المصحف. قاله ابن مهدي و غيره.

و قال المدائني: قتل رضي اللّه تعالى عنه يوم الأربعاء بعد العصر، و دفن يوم السبت قبل الظهر. و قيل يوم الجمعة لثمان عشرة خلت من ذي الحجة سنة خمس و ثلاثين. و قال المهدوي:

قتل في وسط أيام التشريق و أقام ثلاثة أيام، لم يدفن و لم يصل عليه و قيل صلّى عليه رضي اللّه تعالى عنه جبير بن مطعم. و دفن رضي اللّه تعالى عنه ليلا. و اختلف في مدة الحصار فقيل: أكثر من عشرين يوما، و قيل تسعة و أربعون يوما، قاله الواقدي، و قال الزبير بن بكار و غيره: ثمانون يوما.

و كانت خلافته رضي اللّه تعالى عنه اثنتي عشرة سنة إلا اثني عشر يوما، و قتل رضي اللّه تعالى عنه و هو ابن ثمانين سنة، قاله ابن إسحاق. و قال غيره كانت خلافته إحدى عشرة سنة و أحد عشر شهرا و أربعة عشر يوما و قتل رضي اللّه تعالى عنه و عمره ثمان و ثمانون سنة. و قيل كانت خلافته اثنتي عشرة سنة و قتل و هو ابن اثنتين و ثمانين سنة و قيل ابن ثلاث و ثمانين سنة و قيل تسعين و قيل غير ذلك و اللّه أعلم.

خلافة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي اللّه تعالى عنه‏

ثم قام بعده بالامر أمير المؤمنين علي رضي اللّه تعالى عنه. بويع له بالخلافة يوم قتل عثمان

____________

(1) سورة البقرة: الآية 137.

(2) رواه الترمذي في المناقب: 18، و ابن ماجة في المقدمة: 1. و أحمد: 4/226، 243.

(3) رواه الترمذي في المناقب: 18.

85

رضي اللّه تعالى عنه كما سيأتي أن شاء اللّه تعالى.

و هو رضي اللّه تعالى عنه يجتمع مع رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم في عبد المطلب، الجد الأدنى ينسب إلى هاشم فيقال القرشي الهاشمي ابن عم رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم لأبويه. و لم يزل اسمه في الجاهلية و الإسلام عليا، و يكنى أبا الحسن و أبا تراب، كناه به رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، و كان أحب الكنى إليه.

أسلم رضي اللّه تعالى عنه و هو ابن سبع، و قيل ابن تسع و ابن عشر، و قيل خمس عشرة و قيل غير ذلك. و شهد رضي اللّه تعالى عنه المشاهد كلها إلا تبوك فإنه صلى اللّه عليه و سلم، خلفه في أهله.

و كان رضي اللّه تعالى عنه غزير العلم، و لما هاجر رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، أقام بعده ثلاث ليال و أيامها، حتى أدى عن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، الودائع ثم لحق به. و يقال إنه رضي اللّه تعالى عنه أول من أسلم، و أول من صلى، و زوجه صلى اللّه عليه و سلم ابنته فاطمة رضي اللّه تعالى عنها، و بعث معها خميلة و وسادة من أدم حشوها ليف، و رحيين و سقاء و جرتين. و شهد له بالجنة صلى اللّه عليه و سلم. و مناقبه رضي اللّه تعالى عنه كثيرة جدا و يكفي منها قوله صلى اللّه عليه و سلم «أنا مدينة العلم و علي‏ (1) بابها» .

فائدة لطيفة: قال أبو هريرة رضي اللّه تعالى عنه: سادات الأنبياء خمسة (2) نوح و إبراهيم الخليل و موسى و عيسى و محمد صلى اللّه عليه و سلم أجمعين.

ذكر أسماء من ولد من الأنبياء مختونا: عن كعب الأحبار رضي اللّه تعالى عنه أنه قال: هم ثلاثة عشر: آدم و شيث و إدريس و نوح و سام و لوط و يوسف و موسى و شعيب و سليمان و يحيى و عيسى و محمد صلى اللّه عليه و سلم و عليهم أجمعين. و قال محمد بن حبيب الهاشمي: هم أربعة عشر: آدم و شيث و نوح و هود و صالح و لوط و شعيب و يوسف و موسى و سليمان و زكريا و عيسى و حنظلة بن صفوان نبي أصحاب الرس، و محمد صلى اللّه عليه و سلم و عليهم أجمعين.

ذكر أسماء من كان يكتب لرسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: أبو بكر و عمر و عثمان و علي و أبي بن كعب، و هو أول من كتب له و زيد بن ثابت الأنصاري و معاوية بن أبي سفيان، و حنظلة بن الربيع الأسدي، و خالد بن سعيد بن العاص. و كان المداوم له على الكتابة زيدا و معاوية.

ذكر من جمع القرآن حفظا على عهد رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: أبي بن كعب و معاذ بن جبل و أبو يزيد الأنصاري و أبو الدرداء و زيد بن ثابت، و عثمان بن عفان و تميم الداري و عبادة بن الصامت و أبو أيوب الأنصاري.

ذكر من كان يضرب الأعناق بين يديه صلى اللّه عليه و سلم: علي و الزبير و محمد بن مسلمة و المقداد و عاصم بن أبي الأفلح.

ذكر من كان يحرسه صلى اللّه عليه و سلم: سعد بن أبي وقاص، و سعد بن معاذ، و عباد بن بشر، و أبو

____________

(1) رواه الترمذي في المناقب: 20 و لفظه: «أنا ذر الحكمة... » .

(2) الأنبياء الخمسة المذكورون هم أولو العزم.

86

أيوب الأنصاري و محمد بن مسلمة الأنصاري. فلما نزل قوله‏ (1) تعالى: وَ اَللََّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ اَلنََّاسِ ترك الحراسة.

ذكر من كان يفتي على عهد رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم من أصحابه: أبو بكر و عمر و عثمان و علي، و عبد الرحمن بن عوف، و أبي بن كعب، و عبد اللّه بن مسعود، و معاذ بن جبل، و عمار بن ياسر، و حذيفة و زيد بن ثابت و سلمان و أبو الدرداء و أبو موسى الأشعري.

ذكر من انتهت الفتوى إليهم من التابعين بالمدينة: سعيد بن المسيب و أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث و قاسم و عبيد اللّه و عروة و سليمان و خارجة.

ذكر من تكلم في المهد: و هم أربعة: صاحب جريج ببراءته من الزنا، و شاهد يوسف ببراءته من زليخا، و ابن الماشطة التي لبنت فرعون حذرها من الكفر، و عيسى بن مريم ببراءة أمه عليهما السلام.

و تكلم بعد الموت أربعة: يحيى بن زكريا حين ذبح، و حبيب النجار حيث قال يا ليت قومي يعلمون، و جعفر الطيار حيث قال: وَ لاََ تَحْسَبَنَّ اَلَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ‏ (2) اَللََّهِ إلخ، و الحسين بن علي رضي اللّه تعالى عنهما حيث قال: سَيَعْلَمُ اَلَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ‏ (3) .

ذكر من حملته أمه أكثر من مدة الحمل: سفيان بن حبان ولد لاربع سنين خلون في بطن أمه، و محمد بن عبد اللّه بن حسن الضحاك بن مزاحم، ولد و هو ابن ستة عشر شهرا خلون في بطن أمه، و يحيى بن علي بن جابر البغوي كذلك، و سلمان الضحاك ولد ابن سنتين خلتا في بطن أمه.

ذكر النماردة: و هم ستة فالأول نمرود بن كنعان بن حام بن نوح عليه السلام، و هو أحد ملوك الأرض الذين ملكوا الدنيا بأجمعها، و قد كان في أيام إبراهيم عليه السلام، الثاني نمرود بن كوش بن كنعان بن حام بن نوح عليه السلام، و هو صاحب النسور و قصته مشهورة. الثالث نمرود بن ماش بن كنعان بن حام بن نوح عليه السلام. الرابع نمرود بن سنجار بن نمرود ابن كوش بن كنعان بن حام بن نوح عليه السلام. الخامس نمرود بن ساروع بن أرغو بن مالخ السادس نمرود بن كنعان بن المصاص بن نقطا.

ذكر الفراعنة: و هم ثلاثة: فأولهم سنان الأشعل بن علوان بن العميد بن عمليق، و هو فرعون إبراهيم عليه السلام. الثاني الريان بن الوليد، و هو فرعون يوسف عليه السلام. الثالث الوليد بن مصعب، و هو فرعون موسى عليه السلام.

ذكر أصحاب المذاهب المتبعة، و وفاتهم من كتاب علوم الحديث للنووي رحمه اللّه: سفيان الثوري مات بالبصرة سنة إحدى و ستين و مائة، و مولده سنة سبع و عشرين. مالك بن أنس مات بالمدينة سنة تسع و سبعين و مائة، و ولد سنة تسعين. و أبو حنيفة النعمان بن ثابت، مات في بغداد

____________

(1) سورة المائدة: الآية 67.

(2) سورة آل عمران: الآية 169.

(3) سورة الشعراء: الآية 227.

87

سنة خمسين و مائة و هو ابن سبعين سنة. و أبو عبد اللّه محمد بن إدريس الشافعي، مات بمصر آخر رجب سنة أربع و مائتين، و ولد سنة خمسين و مائة. و أبو عبد اللّه أحمد بن حنبل، مات في بغداد في شهر ربيع الآخر سنة أربع و ستين و مائة، رضي اللّه تعالى عنهم أجمعين.

ذكر أصحاب الأحاديث المعتمدة: أبو عبد اللّه البخاري، ولد يوم الجمعة لثلاث عشرة خلت من شوال سنة أربع و تسعين و مائة، و مات ليلة الفطر سنة ست و خمسين و مائتين. و مسلم مات بنيسابور لخمس بقين من رجب سنة إحدى و ستين و مائتين، و هو ابن خمس و خمسين.

و أبو داود مات بالبصرة في شوال سنة خمس و سبعين و مائتين. و أبو عيسى الترمذي مات بترمذ لثلاث عشر مضت من رجب سنة تسع و سبعين و مائتين. و أبو عبد الرحمن النسائي، مات سنة ثلاث و ثلاثمائة. و أبو الحسن الدارقطني، مات في بغداد في ذي القعدة سنة خمس و ثمانين و ثلاثمائة، و ولد في سنة ست و ثلاثمائة رحمة اللّه عليهم أجمعين.

قال أهل التاريخ: و لما قتل عثمان رضي اللّه تعالى عنه، أتى الناس عليا و ضربوا عليه الباب و دخلوا فقالوا: إن هذا الرجل قد قتل، و لا بد للناس من إمام، و لا نعلم أحدا أحق بها منك، فردهم عن ذلك فأبوا، فقال: إن أبيتم إلا بيعتي فإن بيعتي لا تكون سرا فأتوا المسجد فحضر طلحة و الزبير و سعد بن أبي وقاص و الأعيان، و أول من بايعه طلحة، ثم بايعه الناس. و اجتمع على بيعته المهاجرون و الأنصار، و تخلف عن بيعته نفر فلم يكرههم. و قال قوم قعدوا عن الحق و لم يقوموا مع الباطل. و تخلف عن بيعته أيضا معاوية و من معه بالشام، إلى أن كان منهم ما كان في صفين. ثم خرج عليه الخوارج فكفروه و كل من معه و أجمعوا على قتاله قاتلهم اللّه. و شقوا العصا يعني عصا المسلمين، و نصبوا راية الخلاف، و سفكوا الدماء، و قطعوا السبيل، فخرج إليهم بمن معه، و رام رجوعهم، فأبوا إلا القتال، فقاتلهم بالنهروان فقتلهم و استأصل جمهورهم، و لم ينج منهم إلا القليل. و كان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي اللّه تعالى عنه قد قال حين طعن: أن ولوها الأجلح سلك بهم الطريق المستقيم، يعني عليا و كان كما قال سلك بهم و اللّه الطريق المستقيم. و كان له رضي اللّه عنه شفقة على رعيته متواضعا و رعا ذا قوة في الدين. و كان قوته رضي اللّه تعالى عنه، من دقيق الشعير يأخذ منه قبضة فيضعها في القدح ثم يصب عليها ماء فيشربه.

و كان قد تفرق عليه الخوارج، و اعتقد بعض الناس فيه الإلهية فأحرقهم بالنار، و سأل رجل ابن عباس رضي اللّه عنهما، أ كان علي رضي اللّه تعالى عنه يباشر القتال بنفسه يوم صفين؟فقال:

و اللّه ما رأيت رجلا أطرح لنفسه في متلفة، مثل علي رضي اللّه تعالى عنه، و لقد كنت أراه يخرج حاسرا على رأسه، بيده السيف، إلى الرجل الدارع فيقتله. قال في درة الغواص: و مما يؤثر من شجاعة علي رضي اللّه تعالى عنه، أنه إذا اعتلى قد، و إذا اعترض قط. فالقد قطع الشي‏ء طولا و القط قطعه عرضا. و قد تقدم ذكر قتله رضي اللّه تعالى عنه و من قتله، و كان طعن ابن ملجم له في ليلة الجمعة السابعة عشرة من شهر رمضان سنة أربعين من الهجرة. وثب عليه فضربه بخنجر على دماغه فمات بعد يومين. و أخذوا ابن ملجم، فعذبوه و قطعوه إربا إربا بعد موت علي.

88

و كان أفضل من بقي من الصحابة رضي اللّه تعالى عنه، و مناقبه كثيرة جدا جمعها الحافظ أبو عبد اللّه الذهبي في مجلد. و ذكر غير واحد أنه رضي اللّه تعالى عنه، لما ضربه ابن ملجم، قاتله اللّه أوصى الحسن و الحسين وصية طويلة، و في آخرها يا بني عبد المطلب، لا تخوضوا دماء المسلمين خوضا تقولون: قتل أمير المؤمنين ألا لا يقتلن بي غير قاتلي، اضربوه ضربة بضربة و لا تمثلوا به، فإني سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم يقول‏ (1) : «إياكم و المثلة» . و لما مات علي رضي اللّه تعالى عنه، قتل الحسن رضي اللّه تعالى عنه، عبد الرحمن بن ملجم، فقطع يديه و رجليه و كحل عينيه بمسمار محمى في النار، كل ذلك و لم يتأوه و لم يجزع فلما أرادوا قطع لسانه، تأوه و جزع، فسئل عن ذلك. فقال: و اللّه ما اتأوه فزعا و لا جزعا من الموت، و إنما أتأوه لأن تمر عليّ ساعة من ساعات الدنيا لا أذكر اللّه تعالى فيها فقطعوا لسانه فمات بعد ذلك و في الحديث: «أن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم قال لعلي رضي اللّه تعالى عنه: يا علي أ تدري من أشقى الأولين؟قال: اللّه و رسوله أعلم. قال عاقر ناقة صالح، ثم قال: أ تدري من أشقى الآخرين؟قال: اللّه و رسوله أعلم. قال: الذي يضربك على هذا فيبل منها هذه، و أخذ بلحيته» و كان علي رضي اللّه تعالى عنه يقول: و اللّه لوددت لو انبعث أشقاها فضربه ابن ملجم الخارجي قاتله اللّه كما تقدم. و كانت وفاته رضي اللّه تعالى عنه في سن سبع و قبل ثمان و خمسين و قيل ثلاث و قيل ثمان و ستين. و قال ابن جرير الطبري: مات علي رضي اللّه تعالى عنه، و عمره خمس و ستون سنة. و قال غيره: ثلاث و ستون سنة و كانت خلافته أربع سنين و تسعة أشهر و يوما واحدا و كانت مدة إقامته رضي اللّه تعالى عنه بالمدينة أربعة أشهر ثم سار إلى العراق، و قتل بالكوفة كما تقدم، و للناس خلاف في مدة عمره و في قدر خلافته رضي اللّه تعالى عنه و اللّه أعلم.

خلافة أمير المؤمنين الحسن بن علي رضي اللّه تعالى عنه‏

و هو السادس فخلع كما سيأتي. قالوا: ثم قام بالأمر بعده أمير المؤمنين الحسن بن علي بن أبي طالب رضي اللّه تعالى عنه. و كنيته أبو محمد و لقبه الزكي، و أمه فاطمة الزهراء رضي اللّه تعالى عنهما.

بويع له بالخلافة بعد وفاة والده ثم سار إلى المدائن، و استقر بها و بينما هو بالمدائن إذ نادى مناد: إن قيسا قد قتل، فانفروا و كان الحسن رضي اللّه تعالى عنه قد جعله على مقدمة الجيش، و هو قيس بن سعد بن عبادة رضي اللّه تعالى عنهما، فلما خرج الحسن رضي اللّه تعالى عنه، عدا عليه الجراح الأسدي قاتله اللّه، و هو يسير معه فوجأه بالخنجر في فخذه ليقتله، فقال الحسن رضي اللّه تعالى عنه: قتلتم أبي بالأمس و وثبتم علي اليوم تريدون قتلي زهدا في العادلين، و رغبة في القاسطين، و اللّه لتعلمن نبأه بعد حين، ثم كتب إلى معاوية رضي اللّه تعالى عنهما بتسليم الأمر إليه و اشترط عليه شروطا، فأجابه معاوية رضي اللّه تعالى عنه، إلى ما التمسه منه و صير له ما اشترط عليه، فسلم الأمر إلى معاوية و بايع له لخمس بقين من شهر ربيع الأول، و ذلك لأنه رأى المصلحة في

____________

(1) رواه البخاري في المظالم: 30 و الذبائح: 20 و المغازي: 36. و رواه أبو داود في الجهاد: 110 و رواه أحمد في:

4/246.

89

جمع الكلمة و ترك القتال. و ظهرت المعجزة في قوله صلى اللّه عليه و سلم: «إن ابني هذا سيد و سيصلح‏ (1) اللّه به» .

و في رواية «و لعل اللّه أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين» . و يقال أنه أخذ منه يعني من معاوية ألف ألف درهم. و قالت فرقة أنه صالحه بأذرح في جمادى الأولى و أخذ منه مائة ألف دينار، و يقال أربعمائة ألف درهم، و يقال إنه شرط عليه أن يمكنه من بيت المال يأخذ منه حاجته، و أن يكون ولي العهد من بعده ففرح معاوية بذلك، و أجاب فخلع الحسن رضي اللّه تعالى عنه نفسه و سلم الأمر إلى معاوية و صالحه. و دخل هو و إياه الكوفة فسمي عام الجماعة لاجتماع الأمة بعد الفرقة على خليفة واحد. قال الشعبي: شهدت خطبة الحسن رضي اللّه تعالى عنه حين صالح معاوية، و خلع نفسه من الخلافة، فحمد اللّه و أثنى عليه ثم قال: أما بعد فإن أكيس الكيس التقى، و أحمق الحمق الفجور، و إن هذا الأمر الذي اختلفت أنا و معاوية فيه، إن كان له فهو أحق مني به و إن كان لي فقد تركته له إرادة لإصلاح الأمة و حقن دماء المسلمين، و أنا أدرى لعله فتنة لكم و متاع إلى حين.

ثم رجع إلى المدينة، و أقام بها، فعوتب على ذلك فقال رضي اللّه تعالى عنه: اخترت ثلاثا على ثلاث: الجماعة على الفرقة، و حقن الدماء على سفكها، و العار على النار.

و في الحديث الصحيح عن أبي بكر رضي اللّه تعالى عنه قال: «رأيت رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم على المنبر و الحسن و إلى جنبه، و هو يقبل على الناس مرة و عليه أخرى، و يقول إن ابني هذا سيد و لعل اللّه أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين‏ (2) » .

و يروى عن الحسن رضي اللّه تعالى عنه أنه قال: إني لأستحيي من ربي عز و جل، أن ألقاه و لم أمش إلى بيته، فمشى عشرين مرة على رجليه من المدينة إلى مكة و إن النجائب لتقاد معه.

و خرج رضي اللّه تعالى عنه من ماله مرتين، و قاسم اللّه عز و جل ماله ثلاث مرات، حتى إنه يعطي نعلا و يمسك أخرى. قال ابن خلكان: لما مرض الحسن رضي اللّه تعالى عنه، كتب مروان بن الحكم إلى معاوية بذلك، فكتب إليه معاوية أن أقبل المطي إلي بخبر الحسن، فلما بلغ معاوية موته سمع تكبيرة من الخضراء، فكبر أهل الشام لذلك التكبير، فقالت فاختة بنت قريظة لمعاوية: أقر اللّه عينك ما الذي كبرت لأجله؟فقال: مات الحسن، فقالت أعلى موت ابن فاطمة تكبر؟فقال:

و اللّه ما كبرت شماتة بموته، و لكن استراح قلبي و دخل عليه ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما فقال له: يا ابن عباس هل تدري ما حدث في أهل بيتك؟فقال: لا أدري ما حدث. إلا أني أراك مستبشرا و قد بلغني تكبيرك، فقال: مات الحسن فقال ابن عباس يرحم اللّه أبا محمد ثلاثا، و اللّه يا معاوية لا تسد حفرته حفرتك، و لا يزيد عمره في عمرك، و لئن كنا قد أصبنا بالحسن، فلقد أصبنا بإمام المتقين و خاتم النبيين، فجبر اللّه تلك الصدعة، و سكن تلك العبرة، و كان اللّه الخلف علينا من بعده.

و كان الحسن رضي اللّه تعالى عنه قد سم، سمته امرأته جعدة بنت الأشعث، فمكث

____________

(1) رواه البخاري في الصلح: 9. و فضائل الصحابة: 22 و الفتن: 20 و المناقب: 25. و رواه أبو داود في السنة: 12، و رواه الترمذي في المناقب: 30. و النسائي في الجمعة: 27.

(2) رواه البخاري و غيره كما تقدم.

90

شهرين يرفع من تحته في اليوم كذا و كذا مرة طست من دم، و كان رضي اللّه تعالى عنه يقول:

سقيت السم مرارا ما أصابني فيها ما أصابني في هذه المرة. و كان قد أوصى لأخيه الحسين رضي اللّه تعالى عنهما. و قال إذا أنا مت فادفني مع جدي رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، إن وجدت إلى ذلك سبيلا، و إن منعوك فأدفني ببقيع الغرقد. فلما مات رضي اللّه تعالى عنه، لبس الحسين و مواليه السلاح و خرجوا ليدفنوه مع جده، فخرج مروان بن الحكم في موالي بني أمية، و هو يومئذ عامل على المدينة، فمنع الحسين رضي اللّه تعالى عنه من ذلك و كانت وفاته في شهر ربيع الأول سنة تسع و أربعين، و قيل سنة خمسين و صلى عليه سعيد بن العاص، و دفن مع أمه فاطمة رضي اللّه تعالى عنهما، و قيل دفن بالبقيع في قبر في قبة العباس، و دفن في هذا القبر أيضا علي زين العابدين و ابنه محمد الباقر و ابن ابنه جعفر بن محمد الصادق فهم أربعة في قبر واحد فأكرم به قبرا. و كانت خلافته ستة أشهر و خمسة أيام و قيل ستة أشهر إلا أياما و هي تكملة ما ذكره رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، من مدة الخلافة «ثم يكون ملكا عضوضا، ثم يكون جبروتا و فسادا في الأرض‏ (1) » و كان كما قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم.

و مات الحسن رضي اللّه تعالى عنه و عمره سبع و أربعون سنة.

خلافة أمير المؤمنين معاوية بن أبي سفيان رضي اللّه تعالى عنه‏

قالوا: و لما خلع الحسن رضي اللّه تعالى عنه من الخلافة، تم الأمر لمعاوية رضي اللّه تعالى عنه و استقام له الملك وصفت له الخلافة، و كان قد بويع له بالخلافة يوم التحكيم بايعه أهل الشام و اختلف عليه أهل العراق إلى أن صالحه الحسن رضي اللّه تعالى عنه، فأجمع الناس على بيعته و مولده رضي اللّه تعالى عنه بالخيف من منى. أسلم قبل أبيه أبي سفيان، و صحب رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم و كتب له، و كان في عسكر أخيه يزيد بن أبي سفيان. و كان عاملا لعمر رضي اللّه تعالى عنه استعمله على إمرة دمشق فلما احتضر استخلف أخاه عليها، فأقره عمر رضي اللّه تعالى عنه على ذلك في سنة عشرين، فلم يزل متوليا على الشام عشرين سنة، و ذلك بقية خلافة عمر رضي اللّه تعالى عنه، و خلافة عثمان رضي اللّه تعالى عنه، و في خلافة علي رضي اللّه تعالى عنه متغلبا عليها إلى أن سلم إليه الحسن رضي اللّه تعالى عنه الخلافة، فاجتمع له الأمر و بعث نوّابه إلى البلاد، و ذلك في سنة إحدى و أربعين، فسمي عام الجماعة لأن الأمة اجتمعت فيه بعد الفرقة، على إمام واحد. و كانت امرأة استشارت النبي صلى اللّه عليه و سلم في أن تتزوج به فقال‏ (2) : «إنه صعلوك لا مال له» . ثم بعد هذا القول بإحدى عشرة سنة صار نائب دمشق، ثم بعد الأربعين صار ملك الدنيا. و كان مليح الشكل عظيم الهيبة، وافر الحشمة، يلبس الثياب الفاخرة، و العدة الكاملة، و يركب الخيل المسومة، و كان كثير البذل و العطاء، محسنا إلى رعيته كبير الشأن يجتمع مع رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم في عبد

____________

(1) رواه أحمد: 4/273 و لفظه: «ثم تكون ملكا عافيا، جبرية» .

(2) رواه مسلم في الرضاع: 103، و الطلاق 36. و رواه أبو داود في الطلاق: 39. و الترمذي في النكاح: 38.

و النسائي في النكاح: 22. و رواه مالك في الموطأ: الطلاق: 67، و أحمد: 6/412. و لفظه: «و أما معاوية فصعلوك لا مال له» .

91

مناف بن قصي، و ينسب إلى أمية بن عبد شمس، فيقال: الأموي. و خرج عليه مرة بن نوفل الأشجعي الحروري و ورد الكوفة، و هو أول الخوارج، فكتب معاوية إلى أهل الكوفة ألا لا ذمة لكم عندي حتى تكفوني أمره فقاتلوه و قتلوه. و هو أول من اتخذ المقاصير و أقام الحرسي و الحجاب. و أول من مشى بين يديه صاحب الشرطة بالحربة، و أول من تنعم في مأكله و ملبسه و مشربه. و كان رضي اللّه عنه حليما، و له في الحلم أخبار كثيرة، و لما حضرته الوفاة جمع أهله فقال: أ لستم أهلي؟قلوا بلى فداك اللّه بنا. فقال: و عليكم حزني و لكم كدي و كسبي، قالوا:

بلى، فداك اللّه بنا، قال فهذه نفسي قد خرجت من قدمي، فردوها علي إن استطعتم، فبكوا و قالوا ما لنا إلى هذا من سبيل. فرفع صوته بالبكاء، ثم قال: فمن تغره الدنيا بعدي؟و ذكر غير واحد أنه لما ثقل في الضعف و تحدث الناس أنه الموت، قال لأهله: احشوا عيني اثمدا و اسبغوا رأسي دهنا ففعلوا، و برقوا وجهه بالدهن ثم مهدوا له مجلسا و أسندوه، و أذنوا للناس فدخلوا و سلموا عليه قياما، فلما خرجوا من عنده أنشد قائلا:

و تجلدي للشامتين أريهم # أني لريب الدهر لا أتضعضع‏ (1)

فسمعه رجل من العلويين فأجابه:

و إذا المنية أنشبت أظفارها # ألفيت كل تميمة لا تنفع‏ (2)

ثم أنه أوصى أن تدق قلامة أظفار رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، و تجعل من منافذ وجهه، و أن يكفن بثوب سيدنا رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم. و توفي في دمشق في نصف رجب و قيل في مستهل رجب سنة ستين.

و صلى عليه الضحاك الفهري لغيبة ابنه يزيد ببيت المقدس. و اخلف في عمره فقيل ثمانون و قيل خمس و سبعون سنة و قيل خمس و ثمانون سنة و قيل ثمان و ثمانون سنة و قيل تسعون. و كانت خلافته منذ خلص له الأمر تسع عشرة سنة و ثلاثة أشهر و خمسة أيام. و كان أميرا و خليفة أربعين سنة. منها أربع سنين في خلافة عمر رضي اللّه تعالى عنه و اللّه تعالى أعلم.

خلافة يزيد بن معاوية

ثم قام بالأمر بعده ابنه يزيد. بويع له بالخلافة يوم مات أبوه، و ذلك أن أباه كان قد جعله ولي العهد من بعده و كان بحمص، فقدم منها و بادر إلى قبر أبيه، ثم دخل دمشق إلى الخضراء، و كانت دار السلطنة فخطب الناس بها و بايعوه بالخلافة. و كتب إلى الأقاليم بذلك فبايعوه، و لم يبايعه الحسين بن علي رضي اللّه تعالى عنهما و لا عبد اللّه بن الزبير رضي اللّه تعالى عنه، و اختفيا من عامله، الوليد بن عقبة بن أبي سفيان. و أقاما مصرين على الامتناع إلى أن قتل الحسين رضي اللّه تعالى عنه بكربلاء، و كان الذي باشر قتله الشمر بن ذي الجوشن، و قيل سنان بن أنس النخعي و قيل أن الشمر ضربه على وجهه، و أدركه سنان فطعنه فألقاه عن فرسه، و نزل خولي بن يزيد

____________

(1) البيت لأبي ذؤيب الهذلي و هو في وفيات الأعيان: 6/155.

(2) البيت لأبي ذؤيب أيضا، في وفيات الأعيان: 6/155.

92

الأصبحي ليحز رأسه، فارتعدت يداه، فنزل أخوه شبل بن يزيد فاحتز رأسه، و دفعه إلى أخيه خولي و كان أمير الجيش عبيد اللّه بن زياد ابن أبيه، من قبل يزيد بن معاوية. قالوا: ثم إن عبيد اللّه بن زياد جهز علي بن الحسين، و من كان مع الحسين من حرمه، بعد أن اعتمدوا ما اعتمدوه، من سبي الحريم و قتل الزراري مما تقشعر من ذكره الأبدان، و ترتعد منه الفرائص إلى البغيض يزيد بن معاوية، و هو يومئذ بدمشق مع الشمر بن ذي الجوشن في جماعة من أصحابه فساروا إلى أن وصلوا إلى دير في الطريق، فنزلوا ليلقوا به فوجدوا مكتوبا على بعض جدرانه:

أ ترجو أمة قتلت حسينا # شفاعة جده يوم الحساب‏

فسألوا الراهب عن السطر و من كتبه؟فقال إنه مكتوب هنا من قبل أن يبعث نبيكم بخمسمائة عام. و قيل إن الجدار انشق فظهر منه كف مكتوب فيه بالدم هذا السطر. ثم ساروا حتى قدموا دمشق، و دخلوا على يزيد بن معاوية، و معهم رأس الحسين رضي اللّه تعالى عنه، فرمي به بين يدي يزيد، ثم تكلم شمر بن ذي الجوشن، فقال: يا أمير المؤمنين ورد علينا هذا يعني الحسين في ثمانية عشر رجلا من أهل بيته، و ستين رجلا من شيعته، فسرنا إليهم و سألناهم النزول على حكم أميرنا عبيد اللّه بن زياد أو القتال فاختاروا القتال، فغدونا عليهم عند شروق الشمس و أحطنا بهم من كل جانب، فلما أخذت السيوف مأخذها جعلوا يلوذون لوذان الحمام من الصقور، فما كان إلا مقدار جزر جزور أو نومة قائل، حتى أتينا على آخرهم فهاتيك أجسادهم مجردة، و ثيابهم مزملة و خدودهم معفرة، تسفي عليهم الرياح، زوّارهم العقبان و وفودهم الرخم.

فلما سمع يزيد بذلك، دمعت عيناه، و قال: ويحكم قد كنت أرضى من طاعتكم بدون قتل الحسين، لعن اللّه ابن مرجانة أما و اللّه لو كنت صاحبه لعفوت عنه ثم قال: يرحم اللّه أبا عبد اللّه ثم تمثل بقول‏ (1) الشاعر:

يفلقن هاما من رجال أعزة # علينا و هم كانوا أعق و أظلما

ثم أمر بالذرية فأدخلوا دار نسائه، و كان يزيد إذا حضر غداؤه، دعا علي بن الحسين و أخاه عمر بن الحسين، فأكلا معه ثم وجه الذرية صحبة علي بن الحسين، إلى المدينة و وجه معه رجلا في ثلاثين فارسا، يسير أمامهم حتى انتهوا إلى المدينة، و كان بين وفاة رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، و بين اليوم الذي قتل فيه الحسين رضي اللّه تعالى عنه خمسون عاما. و قيل: إن الحسين رضي اللّه عنه لما وصل إلى كربلاء سأل عن اسم المكان؟فقيل له: كربلاء فقال ذات كرب و بلاء، لقد مر أبي بهذا المكان عند مسيره إلى صفين، و أنا معه، فوقف و سأل عنه فأخبروه باسمه، فقال: «هاهنا محط رحالهم و هاهنا مهراق‏ (2) دمائهم» . فسئل عن ذلك فقال نفر من آل محمد ينزلون هاهنا، ثم أمر باثقاله فحطت في ذلك المكان. و كان قتله رضي اللّه تعالى عنه يوم عاشوراء في سنة ستين. ذكره أبو حنيفة رضي اللّه تعالى عنه، في الأخبار الطوال. و سيأتي إن شاء اللّه تعالى، في باب الكاف في

____________

(1) البيت لحصين بن الحمام المرّي و هو في العقد الفريد: 4/382 و فيه: «نفلّق هاما» .

(2) رواه مسلم في الفتن: 28. و رواه أحمد: 5/29، 45.

93

لفظ الكلب، ما ذكره ابن عبد البر في بهجة المجالس و أنس المجالس: أنه قيل لجعفر الصادق:

كم تتأخر الرؤيا؟فقال خمسين سنة، لأن النبي صلى اللّه عليه و سلم رأى كأن كلبا أبقع ولغ في دمه، فأوله بأن رجلا يقتل الحسين ابن بنته. فكان الشمر بن ذي الجوشن الكلب، قاتل الحسين رضي اللّه تعالى عنه، و كان أبرص فتأخرت الرؤيا بعده صلى اللّه عليه و سلم خمسين سنة.

و في هذه السنة أي سنة ستين، دعا ابن الزبير رضي اللّه تعالى عنهما، إلى نفسه بالخلافة بمكة و عاب يزيد بشرب الخمر، و اللعب بالكلاب، و التهاون بالدين، و أظهر ثلبه و تنقصه، فبايعه أهل تهامة و الحجاز، فلما بلغ يزيد ذلك ندب له الحصين بن نمير السكوني، و روح بن زنباع الجذامي، و ضم إلى كل واحد جيشا، و استعمل على الجميع مسلم بن عقبة المري، و جعله أمير الأمراء، و لما ودعهم قال: يا مسلم لا نردن أهل الشام عن شي‏ء يريدونه بعدوهم، و اجعل طريقك على المدينة فإن حاربوك، فحاربهم فإن ظفرت بهم فأبحها ثلاثا فسار مسلم بن عقبة حتى نزل الحرة، و خرج أهل المدينة فعسكروا بها، و أميرهم عبد اللّه بن حنظلة الراهب، و هو غسيل الملائكة، فدعاهم مسلم ثلاثا فلم يجيبوه، فقاتلهم فغلب أهل الشام و قتلوا أمير المدينة عبد اللّه بن حنظلة و سبعمائة من المهاجرين و الأنصار، و دخل مسلم المدينة و أباحها ثلاثة أيام و قد جاء في الحديث عنه صلى اللّه عليه و سلم أنه قال: «من أباح حرمي فقد حلّ عليه غضبي» ثم شخص بالجيش إلى مكة و كتب إلى يزيد بما صنع بالمدينة. فلما بلغ مسلم هرشى اعتل و مات، فتولى أمر الجيش الحصين بن نمير السكوني فسار حتى وافى مكة، فتحصن منه ابن الزبير رضي اللّه تعالى عنهما في المسجد الحرام، بجميع من كان معه، فنصب الحصين المنجنيق على أبي قبيس، و رمى به الكعبة المعظمة، فبينما هم كذلك إذ ورد الخبر إلى الحصين بموت يزيد بن معاوية، فأرسل إلى ابن الزبير يسأله الموادعة، فأجابه إلى ذلك و فتح الأبواب و اختلط العسكران يطوفون بالبيت، فبينما الحصين يطوف ليلة بعد العشاء، إذ استقبله ابن الزبير فأخذ الحصين بيده، و قال له سرا: هل لك في الخروج معي إلى الشام، فأدعو الناس إلى بيعتك؟فإن أمرهم قد مرج، و لا أرى أحدا أحق بها اليوم منك، و لست أعصى هناك. فاجتذب ابن الزبير يده من يده، و قال و هو يجهر بقوله: دون أن أقتل بكل واحد من أهل الحجاز عشرة من أهل الشام؟فقال الحصين: لقد كذب الذي يزعم إنك من دهاة العرب، أكلمك سرا فتكلمني علانية، و أدعوك إلى الخلافة و تدعوني إلى الحرب.

ثم انصرف بمن معه إلى الشام و توفي يزيد بن معاوية في شهر ربيع الأول سنة أربع و ستين و له تسع و ثلاثون سنة و دفن بمقبرة باب الصغير. و كانت خلافته ثلاث سنين و تسعة أشهر، و قد وقع للغزالي و الكياالهراسي فيه كلام و سيأتي إن شاء اللّه تعالى في باب الفاء في لفظ الفهد.

خلافة معاوية بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان‏

ثم قام بالأمر بعده ابنه معاوية، و كان خيرا من أبيه، فيه دين و عقل، بويع له بالخلافة يوم موت أبيه، فأقام فيها أربعين يوما، و قيل أقام فيها خمسة أشهر و أياما. و خلع نفسه و ذكر غير

94

واحد، أن معاوية بن يزيد لما خلع نفسه صعد المنبر فجلس طويلا، ثم حمد اللّه و أثنى عليه بأبلغ ما يكون من الحمد و الثناء، ثم ذكر النبي صلى اللّه عليه و سلم، بأحسن ما يذكر به، ثم قال: يا أيها الناس، ما أنا بالراغب في الائتمار عليكم، لعظيم ما أكرهه منكم، و إني لأعلم أنكم تكرهوننا أيضا لأنا بلينا بكم و بليتم بنا، إلا أن جدي معاوية رضي اللّه تعالى عنه، قد نازع في هذا الأمر من كان أولى به منه، و من غيره لقرابته من رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، و عظم فضله و سابقته، أعظم المهاجرين قدرا، و أشجعهم قلبا، و أكثرهم علما و أولهم إيمانا، و أشرفهم منزلة، و أقدمهم صحبة، ابن عم رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، و صهره و أخوه. زوجه صلى اللّه عليه و سلم ابنته فاطمة، و جعله لها بعلا باختياره لها، و جعلها له زوجة باختيارها له، أبو سبطيه سيدي شباب أهل الجنة و أفضل هذه الأمة تربية الرسول و ابني فاطمة البتول، من الشجرة الطيبة الطاهرة الزكية، فركب جدي معه ما تعلمون، و ركبتم معه ما لا تجهلون، حتى انتظمت لجدي الأمور، فلما جاءه القدر المحتوم، و اخترمته أيدي المنون، بقي مرتهنا بعمله، فريدا في قبره، و وجد ما قدمت يداه، و رأى ما ارتكبه و اعتداه، ثم انتقلت الخلافة إلى يزيد أبي فتقلد أمركم لهوى كان أبوه فيه، و لقد كان أبي يزيد بسوء فعله و إسرافه على نفسه، غير خليق بالخلافة على أمة محمد صلى اللّه عليه و سلم، فركب هواه و استحسن خطاه، و أقدم على ما أقدم من جراءته على اللّه، و بغيه على من استحل حرمته، من أولاد رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، فقلت مدته و انقطع أثره، و ضاجع عمله، و صار حليف حفرته رهين خطيئته، و بقيت أوزاره و تبعاته، و حصل على ما قدم و ندم حيث لا ينفعه الندم، و شغلنا الحزن له، عن الحزن عليه، فليت شعري ما ذا قال و ما ذا قيل له هل عوقب بإساءته؟و جوزي بعمله و ذلك ظني ثم اختنقته العبرة، فبكى طويلا و علا نحيبه، ثم قال:

و صرت أنا ثالث القوم و الساخط علي أكثر من الراضي، و ما كنت لأتحمل آثامكم و لا يراني اللّه جلّت قدرته متقلدا أوزاركم، و ألقاه بتبعاتكم، فشأنكم أمركم فخذوه، و من رضيتم به عليكم فولوه، فلقد خلعت بيعتي من أعناقكم و السلام.

فقال له مروان بن الحكم، و كان تحت المنبر: أسنة عمرية يا أبا ليلى؟فقال أغد عني أ عن ديني تخدعني؟فو اللّه ما ذقت حلاوة خلافتكم فأتجرع مرارتها، ائتني برجال مثل رجال عمر رضي اللّه تعالى عنه، على أنه ما كان من حين جعلها شورى، و صرفها عمن لا يشك في عدالته ظلوما، و اللّه لئن كانت الخلافة مغنما، لقد نال أبي منها مغرما و مأثما، و لئن كانت سوءا فحسبه منها ما أصابه. ثم نزل فدخل عليه أقاربه و أمه فوجدوه يبكي، فقالت له أمه: ليتك كنت حيضة، و لم أسمع بخبرك. فقال: وددت و اللّه ذلك، ثم قال ويلي إن لم يرحمني ربي.

ثم إن بني أمية قالوا لمؤدبه عمر المقصوص: أنت علمته هذا و لقنته إياه، و صددته عن الخلافة، و زينت له حب علي و أولاده، و حملته على ما و سمنا به من الظلم، و حسّنت له البدع، حتى نطق بما نطق، و قال ما قال. فقال: و اللّه ما فعلته، و لكنه مجبول و مطبوع على حب علي. فلم يقبلوا منه ذلك، و أخذوه و دفنوه حيا حتى مات.

و توفي معاوية بن يزيد رحمه اللّه بعد خلعه نفسه، بأربعين ليلة و قيل بسبعين ليلة، و كان عمره ثلاثا و عشرين سنة، و قيل إحدى و عشرين سنة و قيل ثماني عشرة و لم يعقب.

95
خلافة مروان بن الحكم‏

ثم قام بالأمر بعده مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف. بويع له بالخلافة بالجابية، ثم دخل الشام فأذعن أهلها له بالطاعة، ثم دخل مصر بعد حروب كثيرة فبايعه أهلها. و كان يقال له ابن الطريد، لأن النبي صلى اللّه عليه و سلم، كان قد طرد أباه إلى الطائف، فرده عثمان رضي اللّه تعالى عنه حين ولي كما تقدم قريبا. و توفي مروان سنة خمس و ستين، و ثبت عليه زوجته، لكونه شتمها فوضعت على وجهه مخدة كبيرة، و هو نائم، و قعدت هي و جواريها فوقها حتى مات.

و كان قد لحق النبي صلى اللّه عليه و سلم و هو صبي و ولي نيابة المدينة مرات، و هو قاتل طلحة أحد العشرة رضي اللّه تعالى عنهم. و كان كاتب السر لعثمان رضي اللّه تعالى عنه، و بسببه جرى عليه ما جرى.

و كانت خلافته عشرة أشهر و كان عمره ثلاثا و ثمانين سنة. روى الحاكم في كتاب الفتن و الملاحم من المستدرك، عن عبد الرحمن بن عوف رضي اللّه تعالى عنه. قال: «كان لا يولد لأحد مولود إلا أتي به رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، فيدعو له فأدخل عليه مروان بن الحكم، فقال‏ (1) : «هو الوزغ ابن الوزغ الملعون ابن الملعون» . ثم قال صحيح الإسناد.

ثم روي أيضا عن عمرو بن مرة الجهني، و كانت له صحبة، أن الحكم بن أبي العاص، استأذن على النبي صلى اللّه عليه و سلم، فعرف صوته فقال‏ (2) : «ائذنوا له عليه و على من يخرج من صلبه لعنة اللّه إلا المؤمن منهم و قليل ما هم يترفهون في الدنيا، و يضيعون في الآخرة ذوو مكر و خديعة يعطون في الدنيا و ما لهم في الآخرة من خلاق» . و سيأتي هذا إن شاء اللّه تعالى في باب الواو في لفظ الوزغ.

خلافة عبد الملك بن مروان‏

ثم قام بالأمر بعده ابنه عبد الملك. بويع له بالخلافة يوم موت أبيه مروان، و هو أول من سمي بعبد الملك في الإسلام، و أوّل من ضرب الدراهم و الدنانير بسكة الإسلام. و كان على الدنانير نقش بالرومية، و على الدراهم نقش بالفارسية. قلت: و لهذا سبب و هو أني رأيت في كتاب المحاسن و المساوي، للإمام إبراهيم بن محمد البيهقي ما نصه قال الكسائي: دخلت على الرشيد ذات يوم، و هو في ديوانه، و بين يديه مال كثير، قد شق عنه البدر شقا. و أمر بتفريقه في خدمه الخاصة، و بيده درهم تلوح كتابته، و هو يتأمله و كان كثيرا ما يحدثني، فقال: هل علمت أول من سن هذه الكتابة في الذهب و الفضة؟قلت: يا سيدي هو عبد الملك بن مروان. قال: فما كان السبب في ذلك؟قلت: لا علم لي، غير أنه أوّل من أحدث هذه الكتابة. فقال: سأخبرك كانت القراطيس للروم و كان أكثر من بمصر نصرانيا على دين ملك الروم، و كانت تطرز بالرومية، و كان طرازها أبا و ابنا و روحا، فلم يزل ذلك كذلك صدر الإسلام كله، يمضي على ما كان عليه، إلى

____________

(1) رواه أبو داود في الطلاق: 34. و ابن حنبل: 1/59، 65، 69.

(2) رواه أحمد: 4/5.

96

أن ملك عبد الملك بن مروان فتنبه له، و كان فطنا فبينما هو ذات يوم، إذ مر به قرطاس، فنظر إلى طرازه، فأمر أن يترجم بالعربية، ففعل ذلك فأنكره، و قال: ما أغلظ هذا في أمر الدين و الإسلام، أن يكون طراز القراطيس، و هي تحمل في الأواني و الثياب، و هما يعملان بمصر و غير ذلك مما يطرز من ستور و غيرها من عمل هذا البلد، على سعته و كثرة ماله، و البلد يخرج منه هذه القراطيس تدور في الآفاق و البلاد، و قد طرزت بسطر مثبت عليها، فأمر بالكتاب إلى عبد العزيز ابن مروان، و كان عامله بمصر، بإبطال ذلك الطراز على ما كان يطرز به من ثوب و قرطاس و ستر و غير ذلك، و أن يأمر صناع القراطيس، أن يطرزوها بصورة التوحيد: شهد اللّه أن لا إله إلا هو، و هذا طراز القراطيس خاصة، إلى هذا الوقت، لم ينقص و لم يزد و لم يتغير، و كتب إلى عمال الآفاق جميعا بإبطال ما في أعمالهم من القراطيس المطرزة بطراز الروم، و معاقبة من وجد عنده بعد هذا النهي شي‏ء منها بالضرب الوجيع، و الحبس الطويل. فلما ثبتت القراطيس بالطراز المحدث بالتوحيد، و حمل إلى بلاد الروم منها انتشر خبرها و وصل إلى ملكهم و ترجم له ذلك الطراز، فأنكره و غلظ عليه و استشاط غيظا، فكتب إلى عبد الملك:

أن عمل القراطيس بمصر و سائر ما يطرز هناك للروم، و لم يزل يطرز بطراز الروم، إلى أن أبطلته فإن كان من تقدمك من الخلفاء قد أصاب فقد أخطأت، و إن كنت قد أصبت فقد أخطئوا، فاختر من هاتين الحالتين أيهما شئت و أحببت، و قد بعثت إليك بهدية تشبه محلك، و أحببت أن تجعل رد ذلك الطراز إلى ما كان عليه، في جميع ما كان يطرز من أصناف الأعلاق، حاجة أشكرك عليها، و تأمر بقبض الهدية، و كانت عظيمة القدر.

فلام قرأ عبد الملك كتابه، رد الرسول و أعلمه أنه لا جواب له، و رد الهدية فانصرف بها إلى صاحبه، فلما وافاه أضعف الهدية و رد الرسول إلى عبد الملك، و قال: إني ظننتك استقللت الهدية فلم تقبلها و لم تجبني عن كتابي، فأضعفت الهدية و إني أرغب إليك إلى مثل ما رغبت فيه، من رد الطراز إلى ما كان عليه أولا. فقرأ عبد الملك الكتاب، و لم يجبه ورد الهدية فكتب إليه ملك الروم يقتضي أجوبة كتبه و يقول:

إنك قد استخففت بجوابي و هديتي و لم تسعفني بحاجتي، فتوهمتك استقللت الهدية، فأضعفتها فجريت على سبيلك الأول، و قد أضعفتها ثالثة و أنا أحلف بالمسيح، لتأمرن برد الطراز إلى ما كان عليه، أو لأمرن بنقش الدنانير و الدراهم، فإنك تعلم أنه لا ينقش شي‏ء منها إلا ما ينقش في بلادي، و لم تكن الدراهم و الدنانير نقشت في الإسلام، فينقش عليها شتم نبيك فإذا قرأته أرفض جبينك عرقا فأحب أن تقبل هديتي، و ترد الطراز إلى ما كان عليه، و يكون فعل ذلك هدية تودني بها، و نبقى على الحال بيني و بينك.

فلما قرأ عبد الملك الكتاب، صعب عليه الأمر و غلظ، و ضاقت به الأرض، و قال: أحسبني أشأم مولود ولد في الإسلام، لأني جنيت على رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم من شتم هذا الكافر ما يبقى غابر الدهر، و لا يمكن محوه من جميع مملكة العرب، إذا كانت المعاملات تدور بين الناس بدنانير الروم و دراهمهم، فجمع أهل الإسلام و استشارهم، فلم يجد عند أحد منهم رأيا يعمل به، فقال له‏

97

روح‏ (1) بن زنباع: إنك لتعلم المخرج من هذا الأمر و لكنك تتعمد تركه، فقال: ويحك من؟ فقال: عليك بالباقر من أهل بيت النبي صلى اللّه عليه و سلم!قال: صدقت، و لكنه ارتج علي الرأي فيه فكتب إلى عامله بالمدينة أن أشخص إلى محمد بن علي بن الحسين مكرما و متعه بمائة ألف درهم لجهازه، و بثلاثمائة ألف لنفقته، و أرح عليه في جهازه و جهاز من يخرج معه، من أصحابه، و حبس الرسول قبله إلى موافاة محمد بن علي فلما وافاه، أخبره الخبر، فقال له محمد رحمه اللّه تعالى: لا يعظم هذا عليك، فإنه ليس بشي‏ء من جهتين: إحداهما أن اللّه عز و جل، لم يكن ليطلق ما تهدد به صاحب الروم، في رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، و الأخرى وجود الحيلة فيه. قال: و ما هي؟قال: تدعو في هذه الساعة بصناع، فيضربون بين يديك سككا للدراهم و الدنانير، و تجعل النقش عليها صورة التوحيد، و ذكر رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، أحدهما في وجه الدرهم و الدينار، و الآخر في الوجه الثاني، و تجعل في مدار الدرهم و الدينار ذكر البلد الذي يضرب فيه، و السنة التي يضرب فيها تلك الدراهم و الدنانير، و تعمد إلى وزن ثلاثين درهما عددا من الأصناف الثلاثة، التي العشرة منها وزن عشرة مثاقيل، و عشرة منها وزن ستة مثاقيل، و عشرة منها وزن خمسة مثاقيل، فتكون أوزانها جميعا إحدى و عشرين مثقالا، فتجزئها من الثلاثين، فتصير العدة من الجميع وزن سبعة مثاقيل، و تصب صنجات من قوارير لا تستحيل إلى زيادة و لا نقصان، فتضرب الدراهم على وزن عشرة، و الدنانير على وزن سبعة مثاقيل. و كانت الدراهم، في ذلك الوقت، إنما هي الكسروية (2) ، التي يقال لها اليوم البغلية، لأن رأس البغل ضربها لعمر رضي اللّه تعالى عنه، بسكة كسروية في الإسلام مكتوب عليها صورة الملك و تحت الكرسي مكتوب بالفارسية «نوش خور» أي كل هنيئا. و كان وزن الدرهم منها، قبل الإسلام، مثقالا و الدراهم التي كان وزن العشرة منها وزن ستة مثاقيل، و العشرة وزن خمسة مثاقيل، هي السمرية و الخفاف و الثقال، و نقشها نقش فارس ففعل ذلك عبد الملك، و أمره محمد بن علي بن الحسين رضي اللّه تعالى عنه أن يكتب السكك في جميع بلدان الإسلام، و أن يتقدم إلى الناس في التعامل بها. و أن يتهدد بقتل من يتعامل بغير هذه السكة من الدراهم و الدنانير و غيرها، و أن تبطل و ترد إلى مواضع العمل، حتى تعاد إلى السكك الإسلامية ففعل عبد الملك ذلك.

ورد رسول ملك الروم إليه بذلك بقوله: إن اللّه عز و جل مانعك مما قد أردت أن تفعله، و قد تقدمت إلى عمالي في أقطار البلاد بكذا و كذا، و بإبطال السكك و الطروز الرومية. فقيل لملك الروم افعل ما كنت تهددت به ملك العرب، فقال: إنما أردت أن أغيظه بما كتبت إليه لأني كنت قادرا عليه، و المال و غيره برسوم الروم، فأما الآن فلا أفعل، لأن ذلك لا يتعامل به أهل الإسلام، و امتنع من الذي قال. و ثبت ما أشار به محمد بن علي بن الحسين رضي اللّه تعالى عنه إلى اليوم.

ثم رمى، يعني الرشيد، بالدرهم إلى بعض الخدم، و تمكن عبد اللّه بن الزبير، فبايعه أهل الحرمين و اليمن و العراق، و استناب على العراق و ما يليه أخاه مصعب بن الزبير، و تفرقت الكلمة

____________

(1) هو روح بن زنباع بن روح بن سلامة الجذامي، أمير فلسطين له دهاء و علم و شجاعة. مات سنة 84 هـ-.

(2) كسروية: نسبة إلى كسرى ملك الفرس.

98

فبقي في الوقت خليفتان: أكبرهما ابن الزبير رضي اللّه تعالى عنه، ثم لم يزل عبد الملك إلى أن ظفر به و قتله بعد حروب عظيمة. و ذلك أنه سار من دمشق إلى العراق، فبرز إليه نائبها مصعب بن الزبير، و كان عبد الملك قد كاتب جيشه بأمور، فخذلوه و تسللوا عنه، فصار مصعب في نفر يسير، و التحم بينهما القتال، فظهرت من مصعب شجاعة عظيمة، و لم يزل كذلك حتى قتل، فاستولى عبد الملك حينئذ على العراق و خراسان، و استناب عليها أخاه بشر بن مروان، و كر راجعا إلى دمشق، ثم جهز الحجاج بن يوسف الثقفي في جيش لحرب ابن الزبير، فحاصروه و ضايقوه و نصبوا المنجنيق على جبل أبي قبيس، فكان يضرب بشجاعته المثل. كان رضي اللّه تعالى عنه، يحمل عليهم وحده فيهزمهم و يخرجهم، من أبواب المسجد و استمر يقاتلهم أربعة أشهر، ففي آخرها حمل عليهم فسقطت على رأسه شرافة من شراريف المسجد، فخر منها، فبادروا إليه و احتزوا رأسه، رضي اللّه تعالى عنه. فأمر اللعين الحجاج، أخزاه اللّه و قبحه، بصلب جسده.

و كان عبد الملك، قبل الخلافة متعبدا ناسكا عالما فقيها واسع العلم، و كان طويل العنق رقيق الوجه مشدود الأسنان بالذهب، حازما لا يكل أمره إلى سواه شديد البخل، يلقب برشح الحجر لبخله، و يلقب أيضا بأبي ذباب لبخره محبا للفخر، و مقداما على سفك الدماء، و كذلك كان عماله: الحجاج بالعراق، و المهلب بن أبي صفرة بخراسان، و هشام بن إسماعيل و عبد اللّه ابنه بمصر، و موسى بن نصير بالمغرب، و محمد بن يوسف أخو الحجاج باليمن، و محمد بن مروان بالجزيرة. و كل من هؤلاء ظلوم غشوم جبار. قاله ابن خلكان.

و من غريب ما سمع، فيما حكاه ابن خلكان، أن علي بن عبد اللّه بن عباس و محمد ابنه، دخلا على عبد الملك بن مروان، و عنده قائف‏ (1) فأجلسهما، ثم قال للقائف: أ تعرف هذا؟قال: لا و لكن أعرف من أمره، إن هذا الفتى الذي معه ابنه، و أنه يخرج من عقبه فراعنة يملكون الأرض، لا يناويهم مناو إلا و قتلوه. فتغير لون عبد الملك. ثم قال: زعم راهب إيليا، و كان قد رآه عنده، أنه يخرج من صلبه ثلاثة عشر ملكا، و وصفهم بصفاتهم. و ذكر أبو حنيفة في الأخبار الطوال أن عبد الملك بن مروان، أوصى ابنه الوليد، لما ثقل في مرضه، فقال: يا وليد لا ألفينك إذا وضعتني في حفرتي، تعصر عينيك كالأمة الولهاء، بل اتزر و شمر و البس جلد النمر، و ادع الناس إلى البيعة فمن قال برأسه كذا أي لا، فقل بالسيف كذا أي أضرب عنقه.

و كان عبد الملك يلقب بحمامة المسجد، لقبه به ابن عمر رضي اللّه تعالى عنهما، و جاءته الخلافة و هو يقرأ في المصحف، فطبقه و قال: سلام عليك، هذا فراق بيني و بينك. و قيل إنه قيل لابن عمر رضي اللّه تعالى عنه: أ رأيت لو نفاني أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم؟فمن نسأل بعدهم؟ فقال: سلوا هذا الفتى، يعني عبد الملك، توفي عبد الملك بن مروان في شوال سنة ست و ثمانين، و له ثلاث و ستون سنة، و قيل ستون. و خلف سبعة عشر ولدا ولي الخلافة منهم أربعة. و كانت خلافته إحدى و عشرين سنة و خمسة عشر يوما، منها ثمان سنين مزاحما لابن الزبير. ثم انفرد بمملكة الدنيا إلى أن مات رحمة اللّه عليه.

____________

(1) القائف: الذي عنده علم بالأثر.

99
خلافة عبد اللّه بن الزبير رضي اللّه تعالى عنهما و هو السادس فخلع و قتل كما سيأتي‏

قد تقدم، أن معاوية بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان، خلع نفسه من الخلافة، فكيف يكون ابن الزبير رضي اللّه عنهما سادسا؟و سبق قبل ذلك أن الحسن رضى اللّه عنه خلع من الخلافة أيضا. فعلى هذا الحال لا يستقيم أن يكون ابن الزبير رضي اللّه عنهما سادسا، و بويع له يعني ابن الزبير رضي اللّه عنهما، بالخلافة بمكة لسبع بقين من رجب سنة أربع و ستين في أيام يزيد بن معاوية كما تقدم، و بايعه أهل العراق و أهل مصر و بعض أهل الشام، إلى أن بايعوا المروان بعد حروب، و استمر له العراق إلى سنة إحدى و سبعين، و هي التي قتل فيها عبد الملك بن مروان أخاه مصعب بن الزبير، و هدم قصر الإمارة بالكوفة. سبب هدمه أنه جلس و وضع رأس مصعب بين يديه، فقال له عبد الملك بن عمير: يا أمير المؤمنين، جلست أنا و عبيد اللّه بن زياد في هذا المجلس، و رأس الحسين بين يديه، ثم جلست أنا و المختار بن أبي عبيد فإذا رأس عبيد اللّه بن زياد بيت يديه، ثم جلست أنا و مصعب هذا فإذا رأس المختار بين يديه، ثم جلست مع أمير المؤمنين فإذا رأس مصعب بين يديه. و إني أعيذ أمير المؤمنين باللّه من شر هذا المجلس، فارتعد عبد الملك، و قام من فوره، و أمر بهدم القصر.

و كان مصعب شجاعا جوادا حسن الوجه، كالقمر ليلة البدر، رحمه اللّه تعالى. و لما قتل مصعب انهزم أصحابه، فاستدعى بهم عبد الملك بن مروان، فبايعوه و سار إلى الكوفة و دخلها، و استقر له الأمر بالعراق و الشام و مصر. ثم جهز الحجاج سنة ثلاث و سبعين، إلى عبد اللّه بن الزبير رضي اللّه تعالى عنهما، فحصره بمكة و رمى البيت بالمنجنيق، ثم ظفر به فقتله، و احتز الحجاج رأسه و صلبه منكسا. ثم أنزله و دفنه في مقابر اليهود، و قيل إن الحجاج قال: لا أنزله حتى تتشفع فيه أمه أسماء، فتم على تلك الحال مدة، فمرت به أمه يوما فقالت: أ ما آن لهذا الفارس أن يترجل! فبلغ الحجاج ذلك، فأمر بإنزاله، و أن يعطى لأمه أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي اللّه تعالى عنهم، فاخذته و دفنته. و سيأتي ذكر قتله أيضا في باب الشين المعجمة في لفظ الشاة. و كانت خلافته رضي اللّه تعالى عنه بالحجاز و العراق تسع سنين و اثنين و عشرين يوما قتل رضي اللّه تعالى عنه و له من العمر ثلاث و سبعون سنة و قيل اثنتان و سبعون سنة.

خلافة الوليد بن عبد الملك‏

ثم قام بالأمر بعد عبد الملك بن مروان ابنه الوليد. فإنه كان ولي عهده، و كان دميما سائل الأنف، يختال في مشيته، قليل العلم. و كان يختم القرآن في ثلاث ليال، قال إبراهيم بن أبي عبلة: كان يختم في رمضان سبع عشرة مرة، و كان يعطيني أكياس الدراهم، أقسمها في الصالحين و عن الوليد قال: لو لا أن اللّه عزّ و جلّ ذكر اللواط في كتابه ما ظننت أن أحدا يفعله.

بويع له بالخلافة يوم توفي والده، و لم يدخل المنزل، حتى صعد المنبر فقال: الحمد للّه إنا للّه و إنا إليه راجعون، و اللّه المستعان على مصيبتنا بأمير المؤمنين، و الحمد للّه على ما أنعم به علينا من الخلافة، قوموا فبايعوا.

100

قال الحافظ ابن عساكر: كان الوليد عند أهل الشام من أفضل خلفائهم، بنى المساجد بدمشق و أعطى الناس، و فرض للمجذومين، و قال: لا تسألوا الناس. و أعطى كل مقعد خادما، و كل أعمى قائدا و كان يبرّ حملة القرآن، و يقضي عنهم ديونهم، و بنى الجامع الأموي، و هدم كنيسة مريوحنا، و زادها فيه، و ذلك في ذي القعدة سنة ست و ثمانين. و ذكر أنه كان في الجامع و هو يبنى اثنا عشر ألف مرخم.

و توفي الوليد، و لم يتم بناؤه فأتمه سليمان أخوه، فكان جملة ما أنفق على بنائه: أربعمائة صندوق، في كل صندوق ثمانية و عشرون ألف دينار، و كان فيه ستمائة سلسلة ذهب للقناديل، و ما زالت إلى أيام عمر بن عبد العزيز رضي اللّه تعالى عنه، فجعلها في بيت المال، و اتخذ عوضها صفرا و حديدا. و بنى قبة الصخرة ببيت المقدس و بنى المسجد النبوي و وسعه، حتى دخلت الحجرة النبوية فيه. و له آثار حسنة كثيرة جدا و مع ذلك فقد روي أن عمر بن عبد العزيز قال: لما الحدت الوليد ارتكض في اكفانه، و غلت يداه إلى عنقه. نسأل اللّه العافية و السلامة.

و فتح في أيام خلافته الفتوحات العظام، مثل السند و الهند و الأندلس و غير ذلك من الأماكن المشتهرة. و كان يركب المركوب الحسن الجيد، و يتقي الركوب و السفر و الحرب، في هذه الأيام الآتي ذكرها، و ينهى عن ذلك، و هي فائدة جليلة عظيمة القدر.

روى علقمة بن صفوان، عن أحمد بن يحيى مرفوعا قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: «توقوا اثنا عشر يوما في السنة، فإنها تذهب بالأموال، و تهتك الأستار. فقلنا: ما هي يا رسول اللّه؟قال:

ثاني عشر المحرم و عاشر صفر و رابع ربيع الأول و ثامن عشر ربيع الثاني و ثامن عشر جماد الأولى و ثاني عشر جمادى الثانية و ثاني عشر رجب و سادس عشر شعبان و رابع عشر رمضان و ثاني شوّال و ثامن عشر ذي القعدة و ثامن ذي الحجة» .

و قوله أن الوليد بنى قبة الصخرة فيه نظر. و إنما بنى قبة الصخرة عبد الملك بن مروان في أيام فتنة ابن الزبير لما منع عبد الملك أهل الشأم من الحج، خوفا من أن يأخذ منهم ابن الزبير البيعة له، فكان الناس يقفون يوم عرفة بقبة الصخرة إلى أن قتل ابن الزبير رضي تعالى عنهما. كما سيأتي إنشاء اللّه تعالى عن ابن خلكان و غيره. و لعلها تشعثت فهدمها الوليد و بناها، و اللّه تعالى أعلم.

و توفي الوليد بن عبد الملك في خامس عشر جمادى الآخرة سنة ست و تسعين بدير مروان، عن ست و أربعين سنة، و قيل ثمان و أربعين و قيل خمسين سنة و ترك أربعة عشر ولدا. و حمل على أعناق الرجال، و دفن في مقابر باب الصغير و تولى دفنه عمر بن عبد العزيز. و كانت خلافته تسع سنين و ثمانية أشهر و قيل عشر سنين و اللّه أعلم.

خلافة سليمان بن عبد الملك‏

ثم قام بالأمر بعده أخوه سليمان، و ذلك لأن أباهما عقد لهما جميعا بالأمر من بعده. بويع له‏

101

بالخلافة يوم موت أخيه الوليد. و كان سليمان بالرملة، فلما جاءته الخلافة عزم على الإقامة بها، ثم توجه إلى دمشق و كمل عمارة الجامع الأموي كما تقدم، و جهز أخاه مسلمة بن عبد الملك في سنة سبع و تسعين إلى غزو الروم، فانتهى إلى القسطنطينية فنازلها. و ستأتي الإشارة إلى شي‏ء من ذلك في باب الجيم في لفظ الجراد.

و مما يحكى من محاسنه رحمة اللّه تعالى أن رجلا دخل عليه فقال: يا أمير المؤمنين أنشدك اللّه و الآذان. فقال له سليمان: أما أنشدك اللّه فقد عرفناه، فما الآذان؟قال: قوله‏ (1) تعالى‏ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اَللََّهِ عَلَى اَلظََّالِمِينَ فقال له سليمان: ما ظلامتك؟قال ضيعتي الفلانية غلبني عليها عاملك فلان، فنزل سليمان رحمه اللّه عن سريره و رفع البساط و وضع خده بالأرض، و قال:

و اللّه لا رفعت خدي من الأرض، حتى يكتب له برد ضيعته، فكتب الكتاب و هو واضع خده، رحمه اللّه لما سمع كلام ربه، الذي خلقه و خوله في نعمه، خشي على نفسه من لعنة اللّه تعالى و طرده. قيل أنه أطلق من سجن الحجاج ثلاثمائة ألف ما بين رجل و امرأة، و صادر آل الحجاج، و اتخذ ابن عمه عمر بن عبد العزيز رضي اللّه تعالى عنه، وزيرا و مشيرا، و إنه أراد أن يستكتب يزيد بن أبي مسلم وزير الحجاج، فقال له عمر بن عبد العزيز: سألتك باللّه يا أمير المؤمنين لا تحيي ذكر الحجاج باستكتابك يزيد!فقال له: يا عمر إني لم أجد عنده خيانة في درهم و لا دينار، فقال له: إن إبليس أعف منه في الدرهم و الدينار، و قد أغوى الخلق كلهم جميعا فأضرب سليمان عما عزم عليه. و في كامل المبرد و غيره أن يزيد هذا دخل على سليمان بن عبد الملك، و كان يزيد دميما قبيحا، فقال له سليمان: قبح اللّه رجلا أجرك رسنه‏ (2) ، و اشركك في أمانته فقال: يا أمير المؤمنين لا تقل هذا. قال: و لم؟قال: لأنك رأيتني و الأمر عني مدبر و لو رأيتني و الأمر علي مقبل لاستحسنت ما استقبحت مني، و لاستعظمت ما استصغرت مني. فقال له سليمان:

ويحك أو قد استقر الحجاج في قعر جهنم بعد أم لا؟فقال: يا أمير المؤمنين لا تقل ذلك في الحجاج قال:

و لم؟قال: لأن الحجاج وطأ لكم المنابر، و أذل لكم الجبابر، و إنه يأتي يوم القيامة عن يمين أبيك، و يسار أخيك، فحيثما كانا كان.

و كان سليمان رحمه اللّه، فصيحا أديبا بليغا، مؤثرا للعدل، محبا للغزو، محسنا لعلم العربية. و يرجع إلى دين و خير و اتباع القرآن، و اظهار شعائر الإسلام، مترفعا عن سفك الدماء.

و كان شرها نكاحا قال ابن خلكان في ترجمته: إنه كان يأكل في كل يوم نحو مائة رطل شامي، و كان به عرج.

و لما ولي، رد الصلاة إلى ميقاتها الأول، و كان من قبله من خلفاء بني أمية يؤخرونها إلى آخر وقتها، و لذلك قال محمد بن سيرين رحمه اللّه تعالى: إن سليمان افتتح خلافته بخير و اختتمها بخير، افتتحها بإقامة الصلاة لميقاتها الأول، و ختمها باستخلافه لعمر بن عبد العزيز رضي اللّه تعالى

____________

(1) سورة الأعراف: الآية 44.

(2) الرسن: الحبل.

102

عنه. و ذكر المفضل و غيره، أن سليمان بن عبد الملك، خرج من الحمام في يوم الجمعة، فلبس حلة خضراء، و اعتم بعمامة خضراء، و جلس على فراش أخضر، و بسط ما حوله بالخضرة، ثم نظر في المرآة و كان جميلا، فأعجبه جماله، فشمر عن ذراعيه و قال: كان فينا نبينا محمد صلى اللّه عليه و سلم نبيا و رسولا، و كان أبو بكر رضي اللّه تعالى عنه صديقا، و كان عمر رضي اللّه تعالى عنه فاروقا، و كان عثمان رضي اللّه تعالى عنه حييا، و كان علي رضي اللّه تعالى عنه شجاعا، و كان معاوية رضي اللّه تعالى عنه حليما، و كان يزيد صبورا، و كان عبد الملك سائسا، و كان الوليد جبارا، و أنا الملك الشاب. ثم خرج لصلاة الجمعة فوجد حظية له في صحن الدار فانشدته هذه الأبيات:

أنت نعم المتاع لو كنت تبقى # غير أن لا بقاء للإنسان

ليس فيما بدا لنا منك عيب # عابه الناس غير أنك فاني‏

فلما فرغ من الصلاة، و دخل داره، قال لتلك الحظية: ما قلت لي في صحن الدار و أنا خارج؟قالت: ما قلت لك شيئا، و لا رأيتك، و أني لي بالخروج، إلى صحن الدار؟فقال: إنا للّه و إنا إليه راجعون، نعيت إلي نفسي، فما دارت عليه جمعة أخرى حتى مات. و قيل: إنه صعد المنبر و خطب، و إن صوته ليسمع في أقصى المسجد، فأخذته الحمى فما زال صوته يخفى، حتى لم يسمعه من تحته، ثم دخل داره يسحب رجليه بين رجلين، فما دارت عليه جمعة أخرى حتى مات. و قال ابن خلكان: إنه حم و مات في ليلته، و قيل: إنه مات بذات الجنب، و توفي في صفر في عاشره سنة ثمان و تسعين و قيل سنة تسع و تسعين، بمرج دابق من أرض قنسرين، و له تسع و ثلاثون سنة و قيل خمس و أربعون سنة و كانت خلافته سنتين و ثمانية شهور رحمة اللّه تعالى عليه.

خلافة أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز رضي اللّه تعالى عنه‏

ثم قام بالأمر بعده الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز رضي اللّه تعالى عنه. بويع له بالخلافة يوم مات سليمان بن عبد الملك، بعهد له منه بذلك، و كان يقال له: إنه أشج‏ (1) بني أمية، و أمه أم عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب رضي اللّه تعالى عنهما فعمر رضي اللّه تعالى جده من قبل أمه، و هو تابعي جليل، روى عن أنس بن مالك، و السائب بن يزيد رضي اللّه تعالى عنهما.

و روى عنه جماعة. و مولده رضي اللّه تعالى عنه، بمصر سنة إحدى و ستين. قال الإمام أحمد: ليس أحد من التابعين قوله حجة إلا عمر بن عبد العزيز، و في طبقات ابن سعد عن عمر بن قيس، أنه قال لما ولي عمر بن عبد العزيز الخلافة، سمع صوت لا يدري قائله:

من الآن قد طابت وقر قرارها # على عمر المهدي قام عمودها

و كان عمر بن عبد العزيز رضي اللّه تعالى عنه، عفيفا زاهدا ناسكا عابدا مؤمنا تقيا صادقا.

و هو أول من اتخذ دار الضيافة من الخلفاء، و أول من فرض لأبناء السبيل، و أزال ما كانت بنو أمية

____________

(1) الأشج: أي الذي يبدو على وجهه أثر شجة.