حياة الحيوان الكبري - ج1

- الدميري المزيد...
520 /
103

تذكر به عليا على المنابر، و جعل مكان ذلك قوله تعالى‏ إِنَّ اَللََّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ اَلْإِحْسََانِ الآية و قال‏ (1) فيه كثير عزة:

ولّيت و لم تسبب عليا و لم تخف # مريبا و لم تقبل مقالة مجرم‏ (2)

و صدّقت القول الفعال مع الذي # أتيت فأمسى راضيا كلّ مسلم‏ (3)

فما بين شرق الأرض و الغرب كلها # مناد ينادي من فصيح و أعجم

يقول أمير المؤمنين ظلمتني # بأخذك ديناري و أخذك درهمي‏ (4)

فأربح بها من صفقة لمبايع # و أكرم بها من بيعة ثم أكرم‏ (5)

و كتب إلى عماله أن لا يقيدوا مسجونا بقيد، فإنه يمنع من الصلاة. و كتب إلى عامله بالبصرة عدي بن ارطاة: عليك بأربع ليال من السنة، فإن اللّه تبارك و تعالى يفرغ فيها الرحمة إفراغا و هي أول ليلة من رجب، و ليلة النصف من شعبان، و ليلتا العيدين. و كتب إلى عماله: إذا دعتكم قدرتكم على الناس إلى ظلمهم، فاذكروا قدرة اللّه تعالى عليكم، و نفاد ما تأتون إليه و بقاء ما يأتي إليكم، من العذاب بسببهم. و ذكر غير واحد عن محمد المرزوي قال: أخبرت أن عمر بن عبد العزيز رضي اللّه تعالى عنه، لما دفن سليمان بن عبد الملك، و خرج من قبره سمع للأرض هدة أو رجة، فقال: ما هذه؟فقيل: هذه مراكب الخلافة قربت إليك يا أمير المؤمنين لتركبها!فقال:

ما لي و لها نحّوها عني و قربوا إلي دابتي!فقربت إليه فركبها، فجاء صاحب الشرطة ليسير بين يديه بالحربة، جريا على عادة الخلفاء قبله، فقال له: تنح عني، ما لي و لك إنما أنا رجل من المسلمين، ثم سار مختلطا بين الناس حتى دخل المسجد، فصعد المنبر فاجتمع الناس إليه، فحمد اللّه و أثنى عليه، و ذكر النبي صلى اللّه عليه و سلم، ثم قال: أيها الناس إني ابتليت بهذا الأمر من غير رأي مني فيه، و لا طلبة و لا مشورة من المسلمين، و إني قد خلعت ما في أعناقكم من بيعتي، فاختاروا لأنفسكم غيري.

فصاح المسلمون صيحة واحدة قد اخترناك يا أمير المؤمنين، و رضيناك أميرنا باليمن و البركة. فلما سكتوا، حمد اللّه تعالى، و أثنى عليه، و صل على النبي صلى اللّه عليه و سلم، ثم قال:

أوصيكم بتقوى اللّه فإن تقوى اللّه تعالى خلف من كل شي‏ء، و ليس من تقوى اللّه خلف، و اعملوا لآخرتكم، فإنه من عمل لآخرته كفاهه اللّه أمر دنياه و آخرته، و أصلحوا سرائركم يصلح اللّه علانيتكم، و أكثروا ذكر الموت، و احسنوا له الاستعداد قبل أن ينزل بكم، فإنه هاذم اللذات، و إني و اللّه لا أعطي أحدا باطلا، و لا أمنع أحدا حقا.

____________

(1) الأبيات في العقد الفريد: 2/88.

(2) في العقد: و ليت فلم تشتم و لم تخف بريا...

(3) في العقد: و صدّقت بالفعل المقال...

(4) في العقد: بأخذ لدينار و لا أخذ درهم.

(5) في العقد: و أعظم بها أعظم بها ثم أعظم.

104

يا أيها الناس، من أطاع اللّه، وجبت طاعته، و من عصى اللّه فلا طاعة له، أطيعوني ما أطعت اللّه، فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم.

ثم نزل و دخل دار الخلافة، فأمر بالستور فهتكت، و بالبسط فرفعت، و أمر ببيع ذلك، و ادخال أثمانه في بيت المسلمين، ثم ذهب يتبوأ مقيلا، فأتاه ابنه عبد الملك فقال: ما تريد أن تصنع يا أبتاه؟قال: إي بني أقيل: قال: تقيل و لا ترد المظالم، قال: إي بني إني قد سهرت البارحة في أمر عمك سليمان، فإذا صليت الظهر، رددت المظالم. فقال: يا أمير المؤمنين، من أين لك أن تعيش إلى الظهر؟فقال: أدن مني يا بني، فدنا منه فقبله بين عينيه، و قال: الحمد للّه الذي أخرج من ظهري من يعينني على ديني. فخرج و لم يقل، و أمر مناديه أن ينادي: ألا كل من كانت له مظلمة فليرفعها، فتقدم إليه ذمي من أهل حمص فقال: يا أمير المؤمنين أسألك كتاب اللّه قال: و ما ذاك؟ قال: إن العباس‏ (1) بن الوليد اغتصبني أرضي، و العباس جالس، فقال عمر: ما تقول يا عباس؟ قال: إن أمير المؤمنين الوليد أقطعني إياها، و هذا كتابه. فقال عمر: ما تقول يا ذمي؟قال: يا أمير المؤمنين أسألك كتاب اللّه تعالى. فقال عمر: كتاب اللّه أحق أن يتبع من كتاب الوليد، اردد إليه أرضه يا عباس. فردها إليه ثم جعل لا يدع شيئا، مما كان في يد أهل بيته، من المظالم إلا رده مظلمة مظلمة. فلما بلغ الخوارج سيرته، و ما رد من المظالم اجتمعوا و قال: ما ينبغي لنا أن نقاتل هذا الرجل، و لما بلغ عمر (2) بن الوليد رد الضيعة على الذمي، كتب إلى عمر بن عبد العزيز:

إنك قد أزريت على من كان قبلك من الخلفاء، و عبت عليهم، و سرت بغير سيرتهم، بغضا لهم و شينا لمن بعدهم من أولادهم، و قطعت ما أمر اللّه به أن يوصل، إذ عمدت إلى أموال قريش و مواريثهم، فأدخلتها بيت المال جورا و عدوانا، و لن تترك على هذا الحال و السلام. فلما قرأ كتابه، كتب إليه:

بسم اللّه الرحمن الرحيم، من عبد اللّه عمر بن عبد العزيز إلى عمر بن الوليد السلام على المرسلين، و الحمد للّه رب العالمين. أما بعد فقد بلغني كتابك، أما أوّل شأنك يا ابن الوليد، فأمك بنانة أمة السكون، كانت تطوف في سوق حمص، و تدخل في حوانيتها، ثم اللّه أعلم بها. ثم اشتراها ذبيان، من بيت مال المسلمين، فأهداها لأبيك، فحملت بك فبئس المولود. ثم نشأت فكنت جبارا عنيدا، تزعم أني من الظالمين، إذ حرمتك و أهل بيتك، مال اللّه، الذي فيه حق القرابة و المساكين و الأرامل، و أنّ أظلم مني و أترك لعهد اللّه من استعملك صبيا سفيها على جند المسلمين، تحكم فيهم برأيك، و لم يكن له في ذلك نية إلا حب الوالد لولده، فويل لأبيك ما أكثر خصماءه يوم القيامة. و كيف ينجو أبوك من خصمائه؟و إن أظلم مني و أترك لعهد اللّه، من استعمل الحجاج يسفك الدم و يأخذ المال الحرام، و إن أظلم مني و أترك لعهد اللّه، من استعمل قرة أعرابيا جافيا، على مصر و أذن له في المعازف و اللهو و الشرب، و إن أظلم مني و أترك لعهد اللّه، من جعل لغالية البربرية في خمس العرب

____________

(1) هو العباس بن الوليد بن عبد الملك.

(2) هو عمر بن الوليد بن عبد الملك.

105

نصيبا فرويدا يا ابن بنانة فلو التقت حلقتا البطان، و رد الفي‏ء إلى أهله لتفرغت لك، و لأهل بيتك فوضعتهم على المحجة البيضاء، فطالما تركتم الحق و أخذتم في الباطل، و من وراء ذلك ما أرجو أن أكون رأيته من بيع رقبتك، و قسم ثمنك بين اليتامى و المساكين و الأرامل، فإن لكل فيك حقا.

و السلام على من اتبع الهدى، و لا ينال سلام اللّه القوم الظالمين.

و روي أنه وقع في زمانه غلاء عظيم، فقدم عليه وفد من العرب، فاختاروا رجلا منهم لخطابه فتقدم إليه و قال: يا أمير المؤمنين إنا وفدنا إليك من ضرورة عظيمة، و راحتنا في بيت المال، و ماله لا يخلو من أن يكون للّه أو لعباده أو لك، فإن كان للّه فاللّه غني عنه، و إن كان لعباده فآتهم إياه، و إن كان لك فتصدق به علينا، إن اللّه يجزي المتصدقين. فتغرغرت عينا عمر رضي اللّه تعالى عنه بالدموع، و قال: هو كما ذكرت، و أمر بحوائجهم فقضيت فهم الأعرابي بالانصراف، فقال عمر: أيها الرجل كما أوصلت حوائج عباد اللّه إليّ، فأوصل حاجتي و أرفع فاقتي إلى اللّه. فقال الأعرابي: إلهي اصنع بعمر بن عبد العزيز، كصنيعه في عبادك فما استتم كلامه حتى ارتفع غيم عظيم، و أمطرت السماء مطرا كثيرا فجاء في المطر بردة كبيرة، فوقعت على جرة فانكسرت، فخرج منها كاغد مكتوب فيه: هذه براءة من اللّه العزيز الجبار لعمر بن عبد العزيز من النار.

قال رجاء بن حيوة: كان عمر بن عبد العزيز رضي اللّه تعالى عنه، من أعظم الناس، و أجملهم في مشيته و لبسه، فلما استخلف قومت ثيابه و عمامته، و قميصه و قباؤه، و خفاه و رداؤه، فإذا هن يعدلن اثني عشر درهما.

و ذكر ابن عساكر و غيره، أن عمر بن عبد العزيز رضي اللّه تعالى عنه، كان قد شدد على أقاربه، و انتزع كثيرا مما في أيديهم، فتبرموا به و سموه، و يروى أنه دعا بخادمه الذي سمه، فقال له: ويحك ما حملك على أن سقيتني السم؟قال: ألف دينار أعطيتها. قال: هاتها فجاء بها فأمر بطرحها في بيت مال المسلمين، و قال لخادمه: أخرج بحيث لا يراك أحد.

و عن فاطمة بنت عبد الملك، زوج عمر بن عبد العزيز رضي اللّه تعالى عنه، أنها قالت:

و اللّه ما اغتسل عمر من حلم و لا من جنابة منذ ولي هذا الأمر، و كان نهاره في أشغال الناس، و رد المظالم و ليله في عبادة ربه تعالى. قال مسلمة بن عبد الملك: دخلت على أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز رضي اللّه تعالى عنه، أعوده في مرضه الذي مات فيه، فإذا عليه قميص وسخ، فقلت لفاطمة بنت عبد الملك: يا فاطمة اغسلي قميص أمير المؤمنين، فقالت نفعل إن شاء اللّه تعالى، ثم عدت فإذا القميص على حاله، فقلت: يا فاطمة أ لم آمرك أن تغسلي قميص أمير المؤمنين؟فإن الناس يعودونه. فقالت: و اللّه ماله قميص غيره. و كان عمر رضي اللّه تعالى عنه كثيرا ما يتمثل بهذه الأبيات:

نهارك يا مغرور سهو و غفلة # و ليلك نوم و الردى لك لازم

يغرك ما يفنى و تفرح بالمنى # كما غر بالذات في النوم حالم

و شغلك فيما تكره غبة # كذلك في الدنيا تعيش البهائم‏

106

و اعلم أن مناقب عمر بن عبد العزيز رضي اللّه تعالى عنه، كثيرة جدا. فمن أراد معرفة ذلك فعليه بسيرة العمرين و الحلية، و غيرهما. و كان مرضه رضي اللّه تعالى عنه، بدير سمعان من أرض حمص، و لما احتضر قال: اجلسوني فاجلسوه فقال: إلهي أنا الذي أمرتني فقصرت، و نهيتني فعصيت، و لكن لا إله إلا اللّه. و توفي رضي اللّه تعالى عنه، لخمس و قيل لست مضين و قيل لعشر بقين من رجب الفرد سنة إحدى و مائة و هو ابن تسع و ثلاثين سنة و أشهر، و قيل و هو ابن أربعين سنة.

و كان رضي اللّه تعالى عنه، أبيض مليحا جميلا مهيبا، نحيف الجسم حسن اللحية، بجبهته شجة من حافر فرس ضربه و هو صغير و كان إليه المنتهى، في العلم و الفضل، و الشرف و الورع، و التألف و نشر العدل. جدّد اللّه تعالى به للأمة دينها و سار فيها بسيرة جده لأمه عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه. و كانت دولته في طول مدة أبي بكر الصديق رضي اللّه تعالى عنهم أجمعين. و قبره رضي اللّه تعالى عنه، بدير سمعان ظاهر يزار. قال الشافعي رضي اللّه تعالى عنه: الخلفاء الراشدون خمسة: أبو بكر و عمر و عثمان و علي و عمر بن عبد العزيز رضي اللّه تعالى عنهم أجمعين.

و ذكر الحافظ ابن عساكر أنه لما وضع في قبره بدير سمعان هبت ريح شديدة فسقطت منها صحيفة مكتوبة بأحسن خط: بسم اللّه الرّحمن الرحيم براءة من اللّه العزيز الجبار لعمر بن عبد العزيز من النار. فأخذوها و وضعوها في أكفانه و كانت خلافته رضي اللّه تعالى عنه سنتين و خمسة أشهر.

خلافة يزيد بن عبد الملك‏

ثم قام بالأمر بعده يزيد بن عبد الملك بن مروان. بويع له بالخلافة يوم مات ابن عمه عمر بن عبد العزيز، بعهد له من أخيه سليمان في ذلك. و لما ولي قال: خذوا بسيرة عمر بن عبد العزيز، فساروا بسيرته أربعين يوما، فدخل عليه أربعون رجلا من مشايخ دمشق، و حلفوا له أنه ليس على الخلفاء حساب و لا عقاب في الآخرة، و خدعوه بذلك، فانخدع لهم. و كان طائفة من جهال الشاميين يعتقدون ذلك. و كان أبيض جسيما مليح الوجه، و قال بعض المؤرخون: إن يزيد هذا هو المعروف بالفاسق و هو غلط و إنما الفاسق ولده الوليد كما سيأتي إن شاء اللّه تعالى. و ذكر الحافظ ابن عساكر رحمه اللّه و غيره، أن يزيد بن عبد الملك كان قد اشترى في أيام أخيه سليمان جارية من عثمان بن سهيل بن حنيف بأربعة آلاف دينار، و كان اسمها حبّابة بتشديد الباء الموحدة، و أحبها حبا شديدا، فبلغ أخاه سليمان ذلك، فقال: هممت أحجر على يزيد، فبلغ ذلك يزيد فباعها خوفا من أخيه سليمان. فلما أفضت الخلافة إليه قالت له زوجته: يا أمير المؤمنين هل بقي في نفسك من الدنيا شي‏ء؟قال: نعم. قالت: و ما هو؟قال: حبابة. فاشترتها له، و هو لا يعلم، و زينتها و أجلستها من وراء ستر لها، ثم قالت: يا أمير المؤمنين هل بقي في نفسك من الدنيا شي‏ء؟قال: أ و ما أعلمتك إنها حبابة. فرفعت الستر، و قالت: ها أنت و حبابة، و تركته و إياها، فحظيت عنده، و غلبت على عقله، و لم ينتفع به في الخلافة و إنه قال يوما: إن بعض الناس يقولون أنه لن يصفو لأحد من الملوك يوم كامل من الدهر، و إني أريد أن أكذبهم في ذلك.

107

ثم أقبل على لذاته و اختلى مع حبابة، و أمر أن يحجب عن سمعه و بصره كل ما يكره، فبينما هو على تلك الحالة في صفو عيشه و زيادة فرحه و سروره، إذ تناولت حبابة حبة رمان، و هي تضحك، فغصت بها فماتت، فاختل عقل يزيد، و تكدر عيشه و ذهب سروره، و وجد عليها وجدا شديدا و تركها أياما، لم يدفنها بل يقبلها و يرتشفها، حتى أنتنت و جافت، فأمر بدفنها ثم نبشها من قبرها و لم يعش بعدها إلا خمسة عشر يوما و كان مرضه بالسل و قال‏ (1) فيها:

فإن تسل عنك النفس أو تدع الهوى # فباليأس تسلو عنك لا بالتجلد

و كلّ خليل زارني فهو قائل # من أجلك هذا هالك اليوم أو غد (2)

و سيأتي إن شاء اللّه تعالى قريب من هذا في باب الدال المهملة في الدابة، عن سليمان بن داود عليهما الصلاة و السلام، و توفي يزيد بن عبد الملك بإربل من أرض البلقاء و قيل بالجولان، و حمل على أعناق الرجال إلى دمشق، و دفن بين باب الجابية و باب الصغير و ذلك لخمس بقين من شعبان سنة خمس و مائة و له تسع و عشرون و قيل ثمان و ثلاثون سنة و شهر و كانت خلافته أربع سنين و شهرا.

خلافة هشام بن عبد الملك‏

ثم قام بالأمر بعده أخوه هشام بن عبد الملك بن مروان. بويع له بالخلافة يوم مات أخوه يزيد بعهد منه إليه. و لما أتته الخلافة، كان بالرصافة فسجد و سجد أصحابه، لما بشر بها و سار إلى دمشق، قال مصعب الزبيري: زعموا أن عبد الملك بن مروان رأى في منامه أنه بال في المحراب أربع مرات، فدس من سأل سعيد بن المسيب، و كان يعبر الرؤيا، فقال: يملك من صلبه أربعة.

فكان آخرهم هشاما انتهى.

و كان هشام حازما عاقلا، صاحب سياسة حسنة، أبيض جميلا، سمينا أحول، يخضب بالسواد. و كان ذا رأي و دهاء و حزم و فيه حلم و قلة شره. و قام بالخلافة أتم قيام و كان يجمع الأموال، و يوصف بالبخل و الحرص، يقال: إنه جمع من الأموال مالا ما جمعه خليفة قبله. فلما مات احتاط الوليد بن يزيد على تركته فما غسل و كفن، إلا بالقرض و العارية و كان به حول.

و توفي بالرّصافة في شهر ربيع الآخر بدمشق سنة خمس و عشرين و مائة و هو ابن ثلاث و خمسين سنة و قيل أربع و خمسين سنة. و كانت خلافته تسع عشرة سنة و تسعة أشهر و قيل عشرين عاما.

خلافة الوليد بن يزيد بن عبد الملك و هو السادس فخلع كما سيأتي‏

ثم قام بالأمر بعده ابن أخيه الوليد بن يزيد الفاسق. كان أبوه حين احتضر عهد بالأمر إلى هشام أخيه بأن يكون العهد، من بعده لولده الوليد بن يزيد. فلما مات هشام بويع له بالخلافة يوم موت عمه هشام و هو إذ ذاك بالبريّة فارا من عمه هشام لأنه كان بينه و بين عمه منافسة،

____________

(1) البيتان في العقد الفريد لكثير عزه: 6/62.

(2) في العقد: ... هذا هامة اليوم أو غد.

108

لأجل استخفافه بالدين و شربه الخمر، و اشتهاره بالفسق. فهم هشام بقتله ففر منه و صار لا يقيم بأرض خوفا من هشام، فلما كانت الليلة التي قدم عليه البريد في صبيحتها بالخلافة، قلق تلك الليلة قلقا شديدا فقال لبعض أصحابه: ويحك إنه قد أخذني الليلة قلق فاركب بنا حتى ننبسط، فسارا مقدار ميلين و هما يتحدثان في أمر هشام و ما يتعلق به من كتبه إليه بالتهديد و الوعيد، ثم نظرا فرأيا من بعد رهجا و صوتا، ثم انكشف ذلك عن برد يطلبونه، فقال لصاحبه: ويحك إن هذه رسل هشام، اللهم اعطنا غيرهم، فلما قرب البرد منهما و أثبتوا الوليد معرفة، ترجلوا و جاءوا فسلموا عليه بالخلافة فبهت، و قال: ويحكم أمات هشام؟قالوا: نعم، ثم أعطوه الكتب فقرأها و سار من فوره إلى دمشق، فأقام في الخلافة سنة واحدة، ثم أجمع أهل دمشق على خلعه و قتله، لاشتهاره بالمنكرات و تظاهره بالكفر و الزندقة.

قال الحافظ ابن عساكر و غيره: انهمك وليد في شربه الخمر و لذاته، و رفض الآخرة وراء ظهره، و أقبل على القصف و اللهو و التلذذ مع الندماء و المغنين، و كان يضرب بالعود و يوقع بالطبل و يمشي بالدف و كان قد انتهك محارم اللّه تعالى، حتى قيل له الفاسق. و كان أكمل بني أمية أدبا، و فصاحة، و ظرفا، و أعرفهم بالنحو و اللغة و الحديث، و كان جوادا مفضالا. و مع ذلك لم يكن في بني أمية أكثر إدمانا للشراب و السماع، و لا أشد مجونا و تهتكا و استخفافا بأمر الأمة من الوليد بن يزيد. يقال: إنه واقع جارية له و هو سكران، و جاءه المؤذنون يؤذنونه بالصلاة، فحلف أن لا يصلي بالناس إلا هي، فلبست ثيابه و تنكرت وصلت بالمسلمين و هي جنب سكرى.

و يقال: إنه اصطنع بركة من خمر و كان إذا طرب ألقى نفسه فيها و شرب منها حتى يبين النقص في أطرافها. و حكى الماوردي، في كتاب أدب الدين و الدنيا، عنه أنه تفاءل يوما في المصحف فخرج له قوله‏ (1) تعالى: وَ اِسْتَفْتَحُوا وَ خََابَ كُلُّ جَبََّارٍ عَنِيدٍ فمزق المصحف و أنشأ يقول:

أتوعد كل جبار عنيد # فها أنا ذاك جبار عنيد

إذا ما جئت ربك يوم حشر # فقل يا رب مزقني الوليد

فلم يلبث إلا أياما يسيرة، حتى قتل شر قتلة و صلب رأسه على قصره، ثم على أعلى سور بلده. اهـ-. و سيأتي هذا أيضا إن شاء اللّه تعالى في باب الطاء المهملة في الكلام على الطيرة في لفظ الطير و أخباره في مثل هذا كثيرة مشهورة في كتب التواريخ، فلا نطيل بذكرها. و قد جاء في الحديث: «ليكونن في هذه الأمة رجل يقال له الوليد، هو شر من فرعون» . فتأوله العلماء الوليد ابن يزيد هذا.

و لما خلعه أهل دمشق بايعوا ابن عمه يزيد بن الوليد بن عبد الملك، فقال: من أحضر رأس الوليد فله مائة ألف درهم. و كان الوليد بالبحرة فحصره أصحاب يزيد، فهم أصحاب الوليد بالقتال، فنهاهم عن ذلك فانفلوا من حوله، ثم دخلوا عليه في قصره، فقال: يوم كيوم عثمان؟فقيل له: و لا سواء. فقطع رأسه، و طيف به في دمشق و نصب على قصره، ثم على أعلى سور دمشق.

____________

(1) سورة إبراهيم: الآية 15.

109

و لما قتل الوليد اضطربت البلاد و استنصر على بني أمية أعداؤهم و لم تقم لهم قائمة بعده.

و قتل في جمادى الأولى سنة ست و عشرين و مائة. و كانت خلافته سنة واحدة و قيل سنة و شهرين.

و كان من أجمل الناس و أحسنهم و أقواهم و أجودهم شعرا و كان فاسقا مشتهرا منهمكا متهتكا فقاموا عليه لفسقه و ارتكابه القبائح فخرج عليه تدينا ابن عمه يزيد بن الوليد بن عبد الملك، الملقب بالناقص، و تغلب على دمشق و كان الوليد بناحية تدمر في الصيد فجهز يزيد عسكرا فحاربه إلى أن أحاطوا به بحصن البحرة من أرض تدمر، ثم تسوروا عليه و ذبحوه و أتوا برأسه على رمح ثم نصبوه على سور دمشق.

خلافة يزيد بن الوليد بن عبد الملك بن مروان‏

ثم قام بالأمر بعده يزيد بن الوليد بن عبد الملك. بويع له بالخلافة يوم خلع ابن عمه الوليد بن يزيد، و هو أول خليفة كانت أمه أمة، و كان بنو أمية يتحرزون ذلك تعظيما للخلافة، و لما سقط إليهم أن ملكهم يزول على يد خليفة كانت أمه أمة، و كانوا يتخوفون من ذلك، إلى أن ولي الخلافة الوليد بن يزيد فعلموا أن ملكهم قد انقضى. و كان يزيد يسمى الناقص و إنما سمي بذلك لأنه نقص أعطيات الناس، وردهم إلى ما كانوا عليه أيام هشام، و قيل النقصان كان في أصابع رجليه، و أول من سماه بهذا مروان بن محمد. و أقام يزيد في الخلافة و الأمور مضطربة عليه، و كان مظهرا للنسك، و قراءة القرآن، و أخلاق عمر بن عبد العزيز رضي اللّه تعالى عنه، و كان ذا دين و ورع، إلا أنه لم يمتع و بغتته المنية. و توفي في ثامن عشر جمادى الآخرة من السنة المذكورة و هو ابن أربعين سنة و قيل ست و أربعين و قال الشافعي رحمه اللّه تعالى: ولي يزيد بن عبد الملك فدعا الناس إلى القدر و حملهم عليه. و كانت خلافته خمسة أشهر و نصفا و قيل ستة أشهر و اللّه أعلم.

خلافة ابراهيم بن الوليد

و لما مات يزيد بويع أخوه إبراهيم بن الوليد، بعهد من أخيه يزيد بن الوليد، و لم يثبت له أمر فكان جمعة يسلم عليه بالخلافة و جمعة بالأمارة و جمعة لا يسلم عليه لا بالخلافة و لا بالإمارة، و ما زالت الأمور مضطربة عليه. إلى أن قتله مروان بن محمد و صلبه. و كانت ولايته شهرين و عشرة أيام. و في هذا نظر لأن مروان بن محمد بن مروان الحمار، لما سمع بمبايعته، و كان نائبا على أذربيجان و تلك النواحي، و صاحب الفتوحات سار لحينه، و دعا إلى نفسه و قدم الشام فجهز له إبراهيم بن الوليد أخويه بشرا و مسرورا، فالتقوا و انتصر عليهم مروان فزحف حتى نزل مرج عذراء فبرز إليه سليمان بن هشام بن عبد الملك، فانكسر فبرز إليه الخليفة إبراهيم بن الوليد و عسكر بظاهر دمشق، فخذله جنده و خامروا عليه بعد أن أنفق عليهم الخزائن فاختفى أمرهم.

فبايع الناس مروان و استوثق له الأمر فظهر إبراهيم و دخل عليه و نزل له عن الخلافة.

110
خلافة مروان بن محمد

و لما قتل إبراهيم بن الوليد، بويع لمروان بن محمد المنبوز بالحمار، بالخلافة. و في أيامه ظهر أبو مسلم الخراساني صاحب الدعوة و ظهر السفاح بالكوفة، و بويع له بالخلافة، و جهز عمه عبد اللّه بن علي بن عبد اللّه بن عباس رضي اللّه تعالى عنهم، لقتال مروان بن محمد فالتقى الجمعان بالزاب، زاب الموصل، و اقتتلوا قتالا شديدا فانهزم مروان، و قتل من عسكره و غرق ما لا يحصى. و تبعه عبد اللّه إلى أن وصل إلى نهر الأردن فلقي جماعة من بني أمية، و كانوا نيفا و ثمانين رجلا، فقتلهم عن آخرهم ثم أمر عبد اللّه بسحبهم فسحبوا، و بسط عليهم بساطا و جلس هو و أصحابه فوقهم و استدعى بالطعام فأكلوا و هم يسمعون أنينهم من تحتهم، فقال عبد اللّه: يوم كيوم الحسين و لا سواء.

ثم جهز السفاح عمه صالح بن علي على طريق السماوة، فلحق بأخيه عبد اللّه، و قد نازل دمشق ففتحها عنوة و أباحها ثلاثة أيام، و نقض عبد اللّه سورها حجرا حجرا، و هرب مروان إلى مصر فتبعه صالح و قتل مروان بأبي صير، قرية من قرى الصعيد كما سيأتي في باب الهاء في لفظ الهر، و كان قد عزم على الدخول إلى الحبشة فبيتوه، فقال حين قتل: انقرضت دولتنا.

و كان بطلا شديدا شجاعا مهابا ذا هيئة أبيض ربعة أشهل ضخما، كث اللحية و كان حازما سائسا. و تمزقت بموته دولة بني أمية. و كان قتل مروان الجعدي في سنة ثلاث و ثلاثين و مائة، و هو ابن ست و خمسين سنة، و كانت خلافته خمس سنين قيل و شهرين و عشرة أيام. و هو آخر خلفاء بني أمية و هم أربعة عشر خليفة: أولهم معاوية بن أبي سفيان بن صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، و آخرهم مروان الجعدي المنبوز بالحمار و كانت مدة خلافتهم نيفا و ثماني و ثمانين سنة، و هي ألف شهر و لما انقضت دولتهم على ما قال الحسن بن علي بن أبي طالب رضي اللّه تعالى عنهما لما قيل له: تركت الخلافة لمعاوية؟فقال: ليلة القدر خير من ألف شهر. و بدولة مروان اختل النظام في أن كل سادس يخلع، لأن العدة لم تكتمل، لأن الوليد بن يزيد المخلوع لم يل بعده من بني أمية، سوى ثلاثة يزيد بن الوليد بن عبد الملك ثم أخوه إبراهيم ثم مروان بن محمد بن مروان بن الحكم و به انقرضت دولة بني أمية، و جاءت الدولة العباسية ثبتها اللّه تعالى إلى قيام الساعة.

الدولة العباسية خلافة أبي العباس السفاح‏

قال المؤرخون: و لما أتى اللّه تعالى بالدولة العباسية، كان أولهم السفاح، و هو أبو العباس عبد اللّه بن محمد بن علي بن عبد اللّه بن عباس الهاشمي، بويع له بالخلافة في سنة اثنتين و ثلاثين و مائة يوم الجمعة ثالث عشر شهر ربيع الأول و استوزر أبا سلمة حفصا الخلالي، و هو أول من لقب بالوزير و استمر اللقب لمن بعده إلى زمن الصاحب ابن عباد. و إنما سمي بالصاحب، لأنه صحب‏

111

ابن العميد و استمر على هذا الوزراء من بعده، إلى زمننا قال الإمام أبو الفرج بن الجوزي و غيره:

أن السفاح خطب يوما فسقطت العصا من يده، فتطير بذلك، فقام شخص من أصحابه و مسح العصا و ناوله إياها و أنشد (1) :

فألقت عصاها و استقر بها النوى # كما قر عينا بالإياب المسافر

فسرّي عنه، و ذكر ابن خلكان في ترجمته‏ (2) ، أنه نظر يوما في المرآة، و كان من أجمل الناس وجها فقال: اللهم إني لا أقول كما قال سليمان بن عبد الملك، و لكني أقول: اللهم عمرني طويلا في طاعتك، متمتعا بالعافية، قال: فما استتم كلامه، حتى سمع غلاما يقول لغلام آخر:

الأجل بيني و بينك شهران و خمسة أيام، فتطير من كلامه. و قال: حسبي اللّه و لا حول و لا قوة إلا باللّه عليه توكلت و به استعنت فما مضت الأيام المذكورة حتى أخذته الحمى فمرض و مات، بعد شهرين و خمسة أيام بالجدري، بالأنبار بمدينته التي بناها و سماها الهاشمية. و هو ابن اثنتين و ثلاثين سنة و نصف سنة و كانت خلافته أربع سنين و تسعة أشهر. و كان أبيض مليحا جميلا حسن اللحية و الهيئة.

خلافة أبي جعفر المنصور

ثم قام بالأمر بعده أخوه أبو جعفر، عبد اللّه بن محمد المنصور. بويع له بالخلافة يوم وفاة أخيه، بعهد منه. و كان السفاح قد ولاه إمرة الحج فأتته الخلافة بمكان يعرف بالصافية، فقال:

صفا أمرنا إن شاء اللّه تعالى. فبايعه الناس و حج بهم فلما رجع و دخل الهاشمية بايعه الناس البيعة العامة. و إنه حج ثانيا فلما قرب من مكة رأى على جدار سطرين مكتوبين و هما (3) :

أبا جعفر حانت وفاتك و انقضت # سنوك و أمر اللّه لا بد واقع

أبا جعفر هل كاهن أو منجم # لك اليوم من ريب المنية دافع‏

فلما قرأهما تيقن انقضاء أجله فمات بعد ثلاثة أيام و كان قد رأى في نومه قبل موته قائلا يقول‏ (4) :

كأني بهذا القصر قد باد أهله # وعّري منه أهله و منازله

و صار رئيس القوم من بعد بهجة # إلى جدث تبنى عليه جنادله‏

و كانت وفاته في سنة ثمان و خمسين و مائة، ببئر ميمونة على أميال من مكة، و هو محرم بالحج و هو ابن ثلاث و ستين سنة. و كانت خلافته إحدى و عشرين سنة و أحد عشر شهرا و أربعة عشر يوما. و أمه بربرية، و كان طويلا أسمر نحيفا، خفيف اللحية رحب الجبهة، كأن عينيه لسانان،

____________

(1) وفيات الأعيان: 1/234.

(2) وفيات الأعيان: 1/46.

(3) عيون الأخبار: 2/335. و فيه: فهل كاهن اعددته أو منجم أبا جعفر عنك المنية دافع.

(4) عيون الأخبار: 2/334. و فيه: و صار عميد القوم بعد نعمة إلى...

112

ناطقا صارما مهيبا ذا جبروت و سطوة و حزم و رأي و شجاعة، و كمال عقل و دهاء، و علم وفقه و خبرة بالأمور، تقبله النفوس و تهابه الرجال. و كان يخلط أبهة الملك بزي النسك و كان بخيلا بالمال إلا عند النوائب.

خلافة محمد المهدي‏

ثم قام بالأمر بعده ابنه أبو عبد اللّه محمد المهدي باللّه. بويع له بالخلافة يوم وفاة أبيه المنصور، بعهد منه و هو يومئذ ببغداد ثم بويع له بها لإحدى عشرة من ذي الحجة البيعة العامة. و توفي بقرية من قرى ماسبذان ساق خلف صيد، فدخل خربة فدق ظهره باب الخربة، من قوة سوق الفرس فتلف لوقته، و قيل: بل سمته جاريته، قيل: إنها جعلت السم في طعام لضرتها، فدخل و مد يده فأكل، فما جسرت أن تقول له هو مسموم.

و كانت وفاته لثمان بقين من المحرم سنة تسع و ستين و مائة، و لم يوجد له نعش يحمل عليه، فحمل على باب و دفن تحت شجرة جوز، و له اثنتان و أربعون سنة و نصف، و قيل ثلاث و أربعون سنة و كانت خلافته عشر سنين و شهرا و كان جوادا ممدوحا محببا إلى رعيته حسن الخلق و الخلق يقال: إن أباه خلف في الخزائن مائة ألف ألف درهم و ستين ألف ألف درهم ففرقها و يقال أنه أجاز شاعرا بمائة ألف درهم.

خلافة موسى الهادي‏

ثم قام بالأمر بعده ابنه موسى الهادي بويع له بالخلافة يوم موت أبيه، و كان مقيما بجرجان يحارب أهل طبرستان بويع له بماسبذان ثم أخذ له أخوه الرشيد البيعة ببغداد، و بعث إليه يعزيه بوالده و يهنيه بالخلافة، فقدم بغداد على خيل البريد، فتلقاه الناس و بايعوه ثم عزم على خلع أخيه الرشيد من ولاية العهد فعاجله القضاء، و حال بينه و بين مراده. و كانت وفاة الهادي ببغداد رابع عشر شهر ربيع الأول سنة سبعين و مائة و له أربع و عشرون سنة و قيل نحو خمس و عشرين سنة، بقرحة أصابته. و كانت خلافته سنة واحدة و خمسة و أربعين يوما، و قيل سنة و شهرين و كان طويلا مليحا جسيما ذا ظلم و جبروت سامحه اللّه تعالى.

خلافة هارون الرشيد

ثم قام بالأمر بعده أخوه هارون الرشيد بن محمد المهدي. و كان أبوهما قد أخذ لهما ولاية العهد معا. بويع له بالخلافة في الليلة التي توفي فيها أخوه، و ولد له في تلك الليلة المأمون، و كانت ليلة عجيبة لم ير مثلها في بني العباس مات فيها خليفة و ولد فيها خليفة. و لما بويع الرشيد قلد يحيى بن خالد بن برمك وزارته. و سيأتي إن شاء اللّه تعالى في باب العين المهملة في لفظ العقاب ايقاع الرشيد بالبرامكة، و قتله جعفر بن يحيى بن خالد بن برمك، و تخليد يحيى و ولده في السجن إلى أن ماتا و سبب ذلك مبينا إن شاء اللّه.

113

و من غريب ما اتفق لهارون الرشيد، إن أخاه موسى الهادي، لما ولي الخلافة، سأل عن خاتم عظيم القدر كان لأبيه المهدي فبلغه أن الرشيد أخذه، فطلبه منه فامتنع من إعطائه، فألح عليه فيه، فحنق عليه الرشيد و مر على جسر بغداد فرماه في الدجلة. فلما مات الهادي و ولي الرشيد الخلافة أتى ذلك المكان بعينه، و معه خاتم رصاص، فرماه في ذلك المكان، و أمر الغطاسين أن يلتمسوه، ففعلوا فاستخرجوا الخاتم الأول. فعد ذلك من سعادة الرشيد و إبقاء ملكه. و نظير هذا ما حكاه ابن الأثير في حوادث سنة ستين و خمسمائة، قال: لما فتح السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب، قلعة بانياس و أخذها من الفرنج، ملأها ذخائر و عدة و رجالا، ثم عاد إلى دمشق، و في يده خاتم بفص ياقوت، قيمته ألف و مائة دينار، فسقط من يده في شجرة بانياس، و هي كثيرة الأشجار ملتفة الأغصان فلما بعد عن المكان الذي ضاع فيه الخاتم، علم به فأعاد بعض أصحابه في طلبه و دلهم على مكانه، و قال: أظنه هناك سقط فرجعوا إليه فوجدوه.

انتهى.

و كان الرشيد، مع عظم ملكه، يعتريه خوف اللّه تعالى، فمن ذلك ما ذكره الإمام العلامة محمد بن ظفر و غيره أن خارجيا خرج عليه فقتل أبطاله، و انتهب أمواله مرارا، ثم إنه جهز إليه مرة جيشا كثيفا، فقاتلوه فغلبوه، بعد جهد و أمسكوه و أتوا به الرشيد فجلس مجلسا عاما، و أمر بإدخاله عليه فلما مثل بين يديه قال له: يا هذا ما تريد أن أصنع بك؟قال: ما تريد أن يصنع اللّه بك إذا وقفت بين يديه، فعفا عنه و أمر بإطلاقه. فلما خرج قال بعض جلسائه: يا أمير المؤمنين رجل قتل أبطالك و انتهب أموالك تطلقه بكلمة واحدة تأمل هذا الأمر، فأنه مما يجرئ عليك أهل الشر. فقال الرشيد: ردوه فعلم الرجل أنه قد تكلم في أمره، فقال: يا أمير المؤمنين لا تطعهم، فلو أطاع اللّه فيك الناس ما ولاك طرفة عين. قال: صدقت. ثم أمر له بصلة و صرفه. و سيأتي إن شاء اللّه تعالى، ما اتفق له مع الفضيل بن عياض، و سفيان الثوري في باب الباء الموحدة و الفاء.

و توفي الرشيد في سنة ثلاث و تسعين و مائة بطوس ليلة السبت لثلاث خلون من جمادى الآخرة و هو ابن سبع و أربعين سنة و قيل خمس و أربعين. و كانت خلافته ثلاثا و عشرين سنة و شهرا و قيل ثلاثا و عشرين فقط. و ولد بالرى و كان جوادا ممدوحا غازيا مجاهدا شجاعا مهيبا مليحا أبيض طويلا عبل‏ (1) الجسم، قد وخطه الشيب يقال إنه منذ استخلف كان يصلي كل يوم و ليلة مائة ركعة و يتصدق من خالص ماله بألف درهم و كان له معرفة جيدة بالعلوم.

خلافة محمد الأمين و هو السادس فخلع و قتل كما سيأتي‏

ثم قام بالأمر بعده ابنه محمد الأمين. بويع له بالخلافة يوم توفي والده بطوس و استناب أخاه المأمون على ممالك خراسان، و هو إذ ذاك ببغداد فورد بها عليه خاتم الخلافة و البردة و القضيب، ثم بويع له بها البيعة العامة و في سائر الآفاق. و كان الرشيد قد جدد البيعة بطوس بولاية العهد لابنه المأمون بعد الأمين، و أشهد على نفسه أن جميع ما معه من مال و سلاح و غير ذلك، للمأمون و أوصى أن

____________

(1) العبل: الضخم.

114

يكون ما معه من الجيوش مضمومين إليه بخراسان. فلما مات الرشيد، نادى الفضل‏ (1) بن الربيع في عسكر الرشيد بالرحيل إلى بغداد، و خالف وصية الرشيد فعظم ذلك على المأمون، و كتب إلى الفضل يذكره العهود التي أخذها عليه الرشيد، و يحذره البغي و يسأله الوفاء. فلم يلتفت الفضل إليه فكان هذا الأمر سبب ابتداء الوحشة بين و المأمون.

و ذكر أبو حنيفة في الأخبار الطوال و غيره عن الكسائي أنه قال: إن الرشيد و لاني تأديب الأمين و المأمون فكنت أشدد عليهما في الأدب، و آخذهما به أخذا شديدا و خاصة الأمين، فأتتني حاجتي ذات يوم خالصة، جارية زبيدة و قالت: يا كسائي إن السيدة تقرأ عليك السلام، و تقول لك: حاجتي إليك أن ترفق بابني محمد فإنه قرة عيني و ثمرة فؤادي و أنا أرقّ عليه رقة شديدة.

فقلت لخالصه: إن محمدا مرشح للخلافة بعد أبيه، و لا يجوز التقصير في أمره. فقالت خالصة:

إن لرقة هذه السيدة سببا أنا أخبرك إياه، إنها في الليلة التي ولدته فيها رأت في منامها كأنّ أربع نسوة أقبلن إليه، فاكتنفنه عن يمينه و شماله و أمامه و ورائه، فقالت التي بين يديه: ملك قليل العمر عظيم الكبر ضيق الصدر واهي الأمر كبير الوزر شديد الغدر. و قالت التي من ورائه: ملك قصاف مبذر متلاف، قليل الإنصاف كثير الإسراف. و قالت التي عن يمينه. : ملك عظيم الطخم، قليل الحلم، كثير الإثم قطوع للرحم. و قالت التي عن يساره: ملك غدار كثير العثار، سريع الدمار. ثم بكت خالصة و قالت: يا كسائي و هل ينفع الحذر من القدر؟ثم إن المأمون خلع الأمين من الخلافة، و جهز لقتاله طاهر بن الحسين و هرثمة بن أعين فسارا إليه و حاصراه ببغداد بعد حروب كثيرة ببغداد و تراموا بالمجانيق و جرت بينهم وقائع في أيام متعددة، و عظم الأمر و اشتد البلاء، حتى خرب بسبب ذلك منازل المدينة و وثب العيارون على أموال الناس، فانتهبوها و أقام الحصار مدة سنة فتضايق الأمر على الأمين، و فارقه أكثر أصحابه و كتب طاهر إلى وجوه أهل بغداد سرا يعدهم إن أعانوه، و يتوعدهم إن لم يدخلوا في طاعته، فأجابوه و صرحوا بخلع الأمين.

و تفرّق عنه أكثر من معه فالتجأ إلى مدينة أبي جعفر، فحاصره طاهر بها و منعه من كل شي‏ء حتى كاد هو و أصحابه يموتون جوعا و عطشا، فلما عاين الأمين ذلك كاتب هرثمة بن أعين، و طلب منه أن يؤمنه حتى يأتيه، فأجابه إلى ذلك. فبلغ ذلك طاهرا فشق عليه، كراهية أن يظهر الفتح لهرثمة دونه، فلما كان يوم الخميس لخمس بقين من المحرم سنة ثمان و تسعين و مائة خرج الأمين إلى هرثمة فلقيه هرثمة في حراقة فركب الأمين معه، و كان طاهر قد أكمن للأمين فلما صار الأمين في الحراقة خرج عليه كمين طاهر، و رموا الحراقة بالحجارة فغرق من فيها فشق الأمين ثيابه، و سبح إلى بستان فأدركوه و أخذوه، و حملوه على برذون، و أتوا به طاهرا، فبعث إليه جماعة و أمرهم بقتله، فهجموا عليه و بأيديهم السيوف، فركبوا عليه و ذبحوه من قفاه، و أخذوا رأسه و أتوا به طاهرا، فأمر بنصبه. فلما رآه الناس، سكنت الفتنة ثم جهزه طاهر إلى المأمون و صحبته خاتم

____________

(1) الفضل بن الربيع بن يونس، وزير أديب، وزر للرشيد. و مات سنة 208 هـ-.

115

الخلافة، و بردة رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم و قضيبه، فلما وضع الرأس بين يديه خرّ ساجدا شكرا للّه تعالى على ما رزقه من الظفر. و أمر للرسول بألف ألف درهم.

و ذكر عن الأصمعي أنه قال: دخلت على الرشيد و كنت قد غبت عنه بالبصرة حولا، فسلمت عليه بالخلافة فأومأ إلى بالجلوس قريبا منه فجلست قليلا ثم نهضت، فأومأ إلي أن اجلس فجلست، حتى خف الناس ثم قال لي: يا أصمعي أ لا تحب أن ترى محمدا و عبد اللّه بني؟قلت:

بلى يا أمير المؤمنين إني لأحب ذلك، و ما أردت القصد إلا إليهما لأسلم عليهما، فقال: يكفي ذلك ثم قال: علي بمحمد و عبد اللّه، فانطلق الرسول إليهما و قال أجيبا أمير المؤمنين فأقبلا كأنهما قمرا أفق، قد قاربا خطاهما و رميا ببصرهما الأرض، حتى وقفا على أبيهما، فسلما عليه بالخلافة، فأومأ إليهما بالجلوس، فجلس محمد عن يمينه و عبد اللّه عن يساره، ثم أمرني بمطارحتهما الأدب فكنت لا ألقي عليهما شيئا من فنون الأدب إلا أجابا فيه، و أصابا فقال: كيف ترى أدبهما؟قلت: يا أمير المؤمنين ما رأيت مثلهما في ذكائهما و جودة فهمهما و ذهنهما، فأطال اللّه تعالى بقاءهما، و رزق الأمة من رأفتهما و معطفتهما فضمهما إلى صدره و سبقته عبرته فبكى حتى تحدرت دموعه على لحيته، ثم أذن لهما في القيام فنهضا حتى إذا خرجا قال لي: يا أصمعي كيف بهما إذا ظهر تعاديهما، و بدا تباغضهما و وقع بأسهما بينهما، حتى تسفك الدماء. و يود كثير من الأحياء أنهم كانوا موتى؟قلت: يا أمير المؤمنين هذا شي‏ء قضى به المنجمون عند مولدهما، أو شي‏ء أثرته العلماء في أمرهما؟قال: لا بل شي‏ء أثرته العلماء عن الأوصياء عن الأنبياء في أمرهما. و كان المأمون يقول في خلافته: كان الرشيد سمع جميع ما يجري بيننا من موسى بن جعفر، و لذلك قال ما قال. و ذكر صاحب عيون التواريخ و غيره، أن المأمون مرّ يوما على زبيدة أم الأمين، فرآها تحرك شفتيها بشي‏ء لا يفهمه، فقال لها: يا أماه أ تدعين علي لكوني قتلت ابنك و سلبته ملكه؟فقالت: لا و اللّه يا أمير المؤمنين. قال فما الذي قلته؟ قالت: يعفيني أمير المؤمنين، فألح عليها و قال لا بد أن تقوليه، قالت: قلت قبح اللّه الملاححة.

قال: و كيف ذلك؟قالت: لأني لعبت يوما مع أمير المؤمنين الرشيد بالشطرنج على الحكم و الرضا، فغلبني فأمرني أن أتجرد من أثوابي و أطوف القصر عريانة، فاستعفيته فلم يعفني، فتجردت من أثوابي و طفت القصر عريانة، و أنا حنقة عليه ثم عاودنا اللعب فغلبته، فأمرته أن يذهب إلى المطبخ، فيطأ أقبح جارية و أوشهها خلقة فيه فاستعفاني من ذلك فلم أعفه، فبذل إلى خراج مصر و العراق فأبيت، و قلت: و اللّه لتفعلن ذلك فأبى، فألححت عليه، و أخذت بيده و جئت به للمطبخ، فلم أر جارية أقبح و لا أقذر و لا أشوه خلقة من أمك مراجل، فأمرته أن يطأها فوطئها، فعلقت منه بك فكنت سببا لقتل ولدي و سلبه ملكه. فولى المأمون و هو يقول: لعن اللّه الملاححة أي التي ألح عليها حتى أخبرته بهذا الخبر.

و قتل الأمين و هو ابن ثمان و عشرين سنة و قيل سبع و عشرين و كان طويلا أبيض بديع الحسن. و كانت خلافة أربع سنين و ثمان شهور و قيل ثلاثة أعوام و أياما لأنه خلع في رجب سنة ست. و من حسب له موته فخلافته خمس سنين خلا أشهرا و كان مبذرا للأموال لعابا لا يصلح للخلافة و كان مشتغلا باللهو و القصف و الإقبال على اللذات فقال فيه بعضهم من أبيات:

116

إذا غدا ملك باللهو مشتغلا # فاحكم على ملكه بالويل و الحرب

أما ترى الشمس في الميزان هابطة # لما غدا و هو برج اللهو و الطرب‏

خلافة عبد اللّه المأمون‏

ثم قام بالأمر بعده أخوه عبد اللّه المأمون. بويع له بالخلافة، البيعة العامة، صبيحة الليلة التي قتل فيها الأمين بإجماع من الأمة على ذلك، خلا ما كان من أمير الأندلس فإنه كان و الأمراء قبله و بعده لم يتقيدوا بطاعة العباسيين لبعد الديار. قال في الأخبار الطوال: كان المأمون شهما بعيد الهمة أبي النفس، و كان نجم بني العباس في العلم و الحكمة، و كان قد أخذ من العلوم بقسط، و ضرب فيها بسهم، و هو الذي استخرج كتاب إقليدس، و أمر بترجمته و تفصيله، و عقد المجالس في خلافته للمناظرة في الأديان و المقالات، و كان أستاذه فيها أبا الهذيل محمد بن الهذيل البصري المعتزلي، الذي يقال له العلاف، و ستأتي الإشارة إليه في باب الباء الموحدة في لفظ البرذون و في أيامه ظهر القول بخلق القرآن. و قال غيره: إن القول بخلق القرآن ظهر في أيام الرشيد، و كان الناس فيه بين أخذ و ترك، إلى زمن المأمون، فحمل الناس على القول بخلق القرآن، و كل من لم يقل بخلق القرآن عاقبه أشد عقوبة. و كان الإمام أحمد (1) رضي اللّه تعالى عنه إمام أهل السنة من الممتنعين من القول بخلق القرآن، فحمل إلى المأمون مقيدا، فمات المأمون قبل وصوله إليه.

و سيأتي ذكر محنته في خلافة المعتصم.

و قالوا: دخل المأمون بلاد الجزيرة و الشام، و قام بها مدة طويلة، ثم غزا الروم و فتح فتوحات كثيرة و أبلى بلاء حسنا. و توفي بنهر بردى لاثنتي عشرة ليلة بقيت من رجب، و قيل لثمان مضين منه سنة ثمان عشرة و مائتين، و هو ابن تسع و أربعين سنة و قيل تسع و ثلاثين و الأول أصح و قيل ثمان و أربعين، و كانت خلافته عشرين سنة و خمسة أشهر و دفن بطرسوس.

قال ابن خلكان: كان المأمون عظيم العفو جوادا بالمال، عارفا بالنجوم و النحو، و غيرهما من أنواع العلوم، خصوصا علم النجوم، و كان يقول: لو يعلم الناس ما أجد في العفو من اللذة لتقربوا إلي بالذنوب. و قال غيره: إنه لم يكن في بني العباس أعلم من المأمون و كان يشتغل بعلم النجوم كثيرا و في ذلك يقول الشاعر:

هل علوم النجوم أغنت عن المأ # مون شيئا أو ملكه المأنوس

خلفوه بساحتي طرسوس # مثلما خلفوا أباه بطوس‏

و كان أبيض مليح الوجه، مربوعا طويل اللحية، دينا عارفا بالعلم، فيه دهاء و سياسة.

خلافة أبي إسحاق ابراهيم المعتصم‏

ثم قام بالأمر بعده أخوه أبو إسحاق إبراهيم المعتصم بن هارون الرشيد. بويع له بالخلافة

____________

(1) هو الإمام أحمد بن حنبل صاحب المسند.

117

يوم موت أخيه بعهد منه فأمر بهدم ما بنوا من طوانة و غزا عمورية و أناخ عليها و حاصرها حصارا شديدا. و لم يكن في بني العباس مثله في القوة و الشجاعة و الإقدام قيل إنه أصبح ذات يوم برد عظيم و ثلج فلم يقدر أحد على إخراج يده و لا امساك قوسه فأوتر المعتصم في ذلك اليوم أربعة آلاف قوس، و لم يزل يحاصرها حتى فتحها عنوة و احتوى على ما فيها من الأموال و غيرها، و أخذ أهلها أسرى.

و لما ولي طلب الإمام أحمد، و كان في سجن المأمون كما تقدم، و امتحنه بخلق القرآن كما سنذكره إن شاء اللّه تعالى. و تلخيص ما كان من أمره أن هارون الرشيد لم يقل بخلق القرآن مدة خلافته، و لهذا السبب كان الفضيل بن عياض يتمنى طول عمر الرشيد، لأنه و اللّه أعلم، كان قد كشف له بأن فتنة تحدث بعد موت الرشيد، و لم تحدث في أيام خلافته فتنة، و لكن كان الأمر في زمن ولايته بين أخذ و ترك، كما قدمنا قريبا إلى أن ولي ابنه المأمون، فقال بخلق القرآن، و بقي يقدم رجلا و يؤخر أخرى في دعواه الناس إلى ذلك، إلى أن قوي عزمه في السنة التي مات فيها، فمل الناس على القول بخلق القرآن. و كل من لم يقل بخلقه عاقبه أشد عقوبة. و إنه طلب الإمام أحمد بن حنبل، و جماعة فحمل إليه الإمام أحمد فلما كان ببعض الطريق، توفي المأمون و عهد إلى أخيه المعتصم بالخلافة و أوصاه بأن يحمل الناس على القول بخلق القرآن، و استمر الإمام أحمد محبوسا إلى أن بويع المعتصم، فأحضر الإمام أحمد إلى بغداد، و عقد له مجلسا للمناظرة و فيه عبد الرحمن بن إسحاق، و القاضي أحمد بن أبي دؤاد، و غيرهما فناظروه ثلاثة أيام، و لم يزل معهم في جدال، إلى اليوم الرابع، فأمر بضربه، فضرب بالسياط و لم يزل عن الصراط، إلى أن أغمي عليه، و نخسه عجيف بالسيف، و رمي عليه بارية و ديس عليه، ثم حمل و صار إلى منزله و كانت مدة مكثه في السجن ثمانية و عشرين شهرا، و لم يزل بعد ذلك يحضر الجمعة و الجماعات و يفتي و يحدث إلى أن مات المعتصم و ولي الواثق، فأظهر ما أظهره المأمون و المعتصم من المحنة، و قال للإمام أحمدا: لا تجمعن إليك أحدا و لا تساكني في بلد أنا فيه، فأقام الإمام أحمد مختفيا، لا يخرج إلى صلاة و لا غيرها، حتى مات الواثق و ولي المتوكل، فرفع المحنة و أمر بإحضار الإمام أحمد، و إكرامه و إعزازه و أطلق له مالا كثيرا فلم يقبله، و فرقه على الفقراء و المساكين. و أجرى المتوكل على أهله و ولده في كل شهر أربعة آلاف درهم، فلم يرضى الإمام أحمد بذلك رحمه اللّه تعالى و ذكر العراقي في مجمع الأخبار و غيره أنه نوظر في الأيام الثلاثة، و أن المعتصم كان يخلو به و يقول له:

ويحك يا أحمد أنا و اللّه عليك شفيق، و إني لا شفق عليك مثل شفقتي على ابني هارون يعني الواثق فأجبني فو اللّه لئن أجبتني لاطلقن غلك بيدي، و لأطأن عتبتك، و لأركبن إليك بجندي. فيقول:

يا أمير المؤمنين أعطوني شيئا من كتاب اللّه تعالى أو سنة رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، فإذا طال به المجلس، ضجر و قام و رد أحمد في الموضع الذي كان فيه. و تتردد إليه رسل المعتصم يقولون: يا أحمد، أمير المؤمنين يقول لك: ما تقول في القرآن؟فيرد عليهم كما رد أولا. فلما كان في اليوم الثالث، طلب للمناظرة فأدخل على المعتصم، و عنده محمد بن عبد الملك الزيات، و القاضي أحمد بن أبي دؤاد، فقال المعتصم: كلموه و ناظروه فلم يزالوا في جدال إلى أن قالوا: يا أمير المؤمنين اقتله و دمه في أعناقنا. فرفع المعتصم يده و لطم بها وجه الإمام أحمد، فخر مغشيا عليه، فتمعرت وجوه قواد خراسان، و كان عم أحمد فيهم، فخاف الخليفة منهم على نفسه فدعا بماء ورش على وجهه، فلما

118

أفاق من غشيته، رفع رأسه إلى عمه و قال: يا عم لعل هذا الماء الذي رش على وجهي غصب عليه صاحبه، فقال المعتصم: ويحكم أ ما ترون ما يتهجم به علي هذا و قرابتي من رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم؟لا رفعت السوط عنه حتى يقول القرآن مخلوق. ثم التفت إلى أحمد و أعاد عليه القول، فرد أحمد كالأول. فلم يزل كذلك حتى ضجر و طال المجلس فعند ذلك قال: عليك لعنة اللّه، لقد كنت طمعت فيك قبل هذا، خذوه اخلعوه اسحبوه فأخذ و سحب ثم خلع. ثم قال المعتصم:

السياط. قال الإمام أحمد: و كان عندي شعرات من شعر النبي صلى اللّه عليه و سلم، قد صررتها في كم قميصي فجاء بعض القوم إلى قميصي ليحرقه فقال له المعتصم: لا تحرقوه و انزعوه عنه و إنما درئ عن القميص الحرق ببركة شعر النبي صلى اللّه عليه و سلم. و شدوا يديه فتخلعت. و لم يزل أحمد يتوجع منها حتى مات. ثم قال المعتصم للجلادين: تقدموا و نظر إلى السياط، فقال: ائتوا بغيرها ثم قال لأحدهم:

أذمه‏ (1) و أوجع قطع اللّه يدك: فتقدم و ضربه سوطين، ثم تنحى. ثم قال لآخر: أذمه و شد قطع اللّه يدك، فتقدم و ضربه سوطين، ثم تنحى. و لم يزل يدعو رجلا رجلا فيضربه كل واحد سوطين و يتنحى. ثم قال المعتصم و جاءه، و هم محدقون به، و قال: يا أحمد تقتل نفسك: أجبني حتى أطلق غلك بيدي و جعل بعضهم يقول له: يا أحمد إمامك على رأسك قائم فاجبه، و عجيف ينخسه بالسيف، و يقول أ تريد أن تغلب هؤلاء كلهم، و بعضهم يقول: يا أمير المؤمنين اجعل دمه في عنقي، فرجع المعتصم إلى الكرسي، ثم قال للجلاد: أذمه قطع اللّه يدك ثم جاء المعتصم إليه ثانيا، و قال: يا أحمد أجبني: فقال كالأول. فرجع المعتصم و جلس على الكرسي، ثم قال للجلاد: شد عليه قطع اللّه يدك. قال أحمد: فذهب عقلي فما عقلت إلا و أنا في حجرة مطلق عني. و كل ذلك و هو صائم لم يفطر رضي اللّه تعالى عنه. و ضرب ثمانية عشر سوطا، فلما كان في أثناء الضرب، انحلت و زرته فهمهم بشفتيه، فخرجت يدان فربطتاها. فسئل عن ذلك بعد اطلاقه. فقال: قلت اللهم إن كنت على الحق فلا تفضحني. ثم وجه المعتصم رجلا ينظر الضرب و الجراحات و يعالجه، فنظر إليه و قال: و اللّه لقد رأيت من ضرب ألف سوط، فما رأيت ضربا أشد من هذا. ثم عالجه و بقي أثر الضرب بينا في ظهره إلى أن مات رحمة اللّه تعالى عليه. و قال صالح: سمعت أبي يقول: و اللّه لقد أعطيت المجهود من نفسي، و لوددت أني أنجو من هذا الأمر كفافا لا علي و لا لي.

و حكي أن الشافعي رضي اللّه تعالى عنه، لما كان بمصر، رأى في المنام سيد المرسلين صلى اللّه عليه و سلم، و هو يقول له: بشر أحمد بن حنبل بالجنة، على بلوى تصيبه فإنه يدعى إلى القول بخلق القرآن فلا يجب إلى ذلك، بل يقول هو منزل غير مخلوق. فلما أصبح الشافعي رضي اللّه تعالى عنه، كتب صورة ما رآه في منامه، و أرسله مع الربيع إلى بغداد إلى أحمد فلما وصل بغداد، قصد منزل أحمد و استأذن عليه فأذن له، فلما دخل عليه قال له: هذا كتاب أخيك الشافعي، فقال له: هل تعلم ما فيه؟قال: لا ففتحه و قرأه و بكى. و قال ما شاء اللّه لا قوة إلا باللّه. ثم أخبره بما فيه، فقال:

الجائزة، و كان عليه قميصان أحدهما على جسده، و الآخر فوقه. فنزع الذي على جسده و دفعه

____________

(1) أذمه من قولك ذمه: شدّ.

119

إليه. فأخذه و رجع إلى الشافعي. فقال له الشافعي: ما أجازك؟قال: أعطاني القميص الذي على جسده. فقال: أما أنا فلا أفجعك فيه، و لكن أغسله و ائتني بمائة، فغسله و أتاه بالماء، فأفاضه على سائر جسده.

و قال إبراهيم الحربي: جعل الإمام أحمد بن حنبل جميع من ضربه أو حضره أو ساعد عليه في حل، إلا ابن أبي دؤاد. و قال: لو لا أنه ذو بدعة لأحللته، و لو تاب من بدعته لأحللته، و قال أحمد بن سنان: بلغنا أحمد بن حنبل جعل المعتصم في حل، يوم فتح بابل أو فتح عمورية.

و قال: هو في حل من ضربي. قال عبد اللّه بن الورد: رأيت النبي صلى اللّه عليه و سلم، في المنام، فقلت له:

يا رسول اللّه ما شأن أحمد بن حنبل؟فقال صلى اللّه عليه و سلم: سيأتيك موسى بن عمران، فاسأله فإذا أنا بموسى بن عمران صلى اللّه عليه و سلم، فقلت: يا كليم اللّه ما شأن أحمد بن حنبل، فقال: أحمد بن حنبل بلي في السراء و الضراء، فوجد صابرا صادقا، فألحق بالصديقين.

و الحكمة في إحالة النبي صلى اللّه عليه و سلم على موسى عليه السلام أمور: منها بيان فضيلة أمة محمد صلى اللّه عليه و سلم على الأمم، حتى إن موسى عليه السلام يبين ذلك و يقرره. و منها بيان فضل الإمام أحمد بن حنبل رضي اللّه تعالى عنه و ما جعل له من الثواب العظيم في المحنة لما جرى عليه، حتى إنه شهد بعظيم فضله و علو منزلته نبي كريم. و منها أن محنة الإمام أحمد في كون القرآن مخلوقا، و هو كلام اللّه تعالى، و موسى بن عمران عليه السلام كليم اللّه تعالى، كلمه اللّه تكليما، و هو يعلم أن القرآن كلام اللّه تعالى ليس بمخلوق. فناسب الإحالة ليعرف الناس ذلك، ليزداد يقينهم بأنه منزل غير مخلوق.

و ذكر ابن خلكان في ترجمته‏ (1) أنه ولد في سنة أربع و ستين و مائة و توفي في سنة إحدى و أربعين و مائتين. و حزر من حضر جنازته من الرجال، فكانوا ثمانمائة ألف، و من النساء ستين ألفا، و أسلم يوم موته عشرون ألفا من اليهود و النصارى و المجوس انتهى.

و قال الإمام النووي في تهذيب الأسماء و اللغات: إن المتوكل أمر أن يقاس الموضع، الذي وقف الناس فيه للصلاة على الإمام أحمد، فبلغ مقام ألفي ألف و خمسمائة ألف و وقع المأتم في أربعة أصناف: في المسلمين و اليهود و النصارى و المجوس انتهى. قال محمد بن خزيمة: لما بلغني موت الإمام أحمد بن حنبل اغتممت غما شديدا، فرأيت من ليلتي في المنام، و هو يتبختر في مشيته، فقلت: يا أبا عبد اللّه ما هذه المشية؟فقال: مشية الخدام في دار السلام. فقلت: ما فعل اللّه بك؟ فقال: غفر لي و توجني و ألبسني نعلين من ذهب، و قال يا أحمد هذا بقولك القرآن كلامي غير مخلوق، ثم قال تبارك و تعالى: يا أحمد ادعني بتلك الدعوات التي بلغتك عن سفيان‏ (2) التي كنت تدعو بهن في دار الدنيا. قال: فقلت يا رب كل شي‏ء أسألك بقدرتك على كل شي‏ء، لا تسألني عن شي‏ء، و اغفر لي كل شي‏ء. فقال جل و علا: يا أحمد هذه الجنة قم فادخلها فدخلتها فإذا أنا بسفيان الثوري له جناحان أخضران، يطير بهما من نخلة إلى نخلة، و هو يقول: الحمد للّه الذي

____________

(1) وفيات الأعيان: 1/63.

(2) هو سفيان الثوري الفقيه المتوفى بالبصرة سنة 160 هـ-.

120

صدقنا وعده، و أورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء، فنعم أجر العاملين. قال: قلت ما فعل اللّه بعبد الوهاب الوراق‏ (1) ؟قال: تركته في بحر من نور، في زورق من نور، يزور ربه الملك الغفور. فقلت: فما فعل ببشر (2) بن الحارث فقال لي: بخ بخ، و من مثل بشر؟تركته بين يدي اللّه جل جلاله، و بين يديه مائدة من الطعام، و الجليل جل جلاله مقبل عليه، و هو يقول:

كل يا من لم يأكل، و اشرب يا من لم يشرب، و انعم يا من لم ينعم.

و في سنة سبع و عشرين و مائتين احتجم المعتصم بسر من رأى، فحم و مات، و ذلك لاثنتي عشرة ليلة من شهر ربيع الأول و هو ابن ثمان أو سبع و أربعين سنة. و كانت خلافته ثمان سنين و ثمانية شهور و ثمانية أيام، و هو الثامن من خلفاء بني العباسي. و خلف من الذهب ثمانية آلاف دينار، و من الدراهم ثمانية عشر ألف درهم، و من الخيل ثمانية آلاف فرس، و مثلها من الجمال و البغال، و من المماليك ثمانية آلاف مملوك، و ثمانية آلاف جارية، و كان يقال له الثماني لأجل ذلك.

و كان أميا و ذلك إنه كان له مملوك صغير، يذهب معه إلى الكتاب فمات فقال له الرشيد:

مات مملوكك يا إبراهيم، فقال: استراح من الكتاب يا أمير المؤمنين، فقال: أو بلغ الكتاب منك إلى هذا الحد؟اتركوا ولدي لا تعلموه. فكان أميا لذلك و كان أبيض أصهب اللحية، مربوعا و كان شجاعا مهيبا، قوي البدن إلى الغاية فتح الفتوحات الكبار مثل عمورية من أقصى بلاد الروم و دانت له الأمم، و كان فيه ظلم و عنف و بذلك أرهب الأعداد سامحه اللّه تعالى.

خلافة هارون الواثق باللّه‏

ثم قام بالأمر بعده ابنه هارون الواثق باللّه بويع له بالخلافة بسر من رأى يوم موت أبيه، و نفذت البيعة إلى بغداد، و استقر له الأمر ببغداد و غيرها. و لما ولي قتل أحمد بن نصر (3) الخزاعي، على القول بخلق القرآن و نصب رأسه إلى الشرق، فدار إلى القبلة فأجلس رجلا معه رمح أو قصبة، فكان كلما دار الرأس إلى القبلة أداره إلى الشرق. و روي أنه رؤي في المنام فقيل له: ما فعل اللّه بك؟فقال: غفر لي و رحمني إلا أني كنت مهموما منذ ثلاث. قيل: و لم؟قال: لأن النبي صلى اللّه عليه و سلم مر علي مرتين فأعرض بوجهه الكريم عني، فغمني ذلك، فلما مر علي صلى اللّه عليه و سلم الثالثة، قلت له:

يا رسول اللّه أ لست على الحق و هم على الباطل؟قال: بلى. قلت: فما بالك تعرض عني بوجهك الكريم؟فقال النبي صلى اللّه عليه و سلم: حياء منك إذ قتلك رجل من أهل بيتي.

و قد رأيت حكاية تدل على أن الواثق رجع عن هذا الاعتقاد و الامتحان، و ذلك فيما ذكره الخطيب البغدادي في تاريخه في ترجمته قال: سمعت طاهر بن خلف يقول: سمعت محمد بن الواثق الذي يقال له المهتدي باللّه يقول: كان أبي إذا أراد أن يقتل رجلا أحضرنا ذلك المجلس،

____________

(1) الوراق هو عبد الوهاب بن عبد الحكم الوراق البغدادي، الإمام الحجة المحدّث. توفي سنة 251 هـ-.

(2) بشر بن الحارث بن عبد الرحمن بن عطاء، الإمام المحدّث المشهور بالحافي. مات سنة 227 هـ-.

(3) الخزاعي: أحمد بن نصر بن مالك بن الهيثم من أشراف بغداد، من بني العباس، قبض عليه الواثق و قتله لمخالفته القول بخلق القرآن سنة 231 هـ-.

121

فبينما نحن ذات يوم عنده إذ أتي بشيخ مصفود مقيد، فقال أبي: ائذنوا لأبي عبد اللّه يعني ابن أبي دؤاد و أصحابه، و أدخل الشيخ في مصلاه، فقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين. فقال له: لا سلم اللّه عليك. فقال: يا أمير المؤمنين، بئسما أدبك مؤدبك قال اللّه تعالى: وَ إِذََا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهََا أَوْ رُدُّوهََا (1) و اللّه ما حييتني بها، و لا بأحسن منها، فقال ابن أبي دؤاد: يا أمير المؤمنين الرجل متكلم، فقال: كلمه فقال: يا شيخ ما تقول في القرآن؟قال: انصفني في السؤال؟ فقال له: سل. فقال الشيخ: ما تقول أنت في القرآن؟قال: مخلوق. فقال الشيخ: هذا شي‏ء علمه النبي صلى اللّه عليه و سلم و أبو بكر و عمر و عثمان و علي رضي اللّه تعالى عنهم، و الخلفاء الراشدون، أم شي‏ء لم يعلموه؟ فقال: شي‏ء لم يعلموه فقال: سبحان اللّه شي‏ء لم يعلمه النبي صلى اللّه عليه و سلم و لا أبو بكر و لا عمر و لا عثمان و لا علي و لا الخلفاء الراشدون تعلمه أنت؟فخجل و قال: أقلني فقال: قد فعلت. و المسألة بحالها قال: نعم قال: فما تقول في القرآن. قال: مخلوق. قال: هذا شي‏ء علمه النبي صلى اللّه عليه و سلم و أبو بكر و عمر و عثمان و علي و الخلفاء الراشدون أم لم يعلموا. قال: علموه و لم يدعوا الناس إليه. فقال أ فلا وسعك ما وسعهم؟قال: ثم قام أبي فدخل مجلس الخلوة و استلقى على قفاه و وضع إحدى رجليه على الأخرى و هو يقول: هذا شي‏ء لم يعلمه النبي صلى اللّه عليه و سلم و لا أبو بكر و لا عمر و لا عثمان و لا علي و لا الخلفاء الراشدون، تعلمه أنت!سبحان اللّه شي‏ء علمه النبي صلى اللّه عليه و سلم و أبو بكر و عمر و عثمان و علي و الخلفاء الراشدون و لم يدعوا الناس إليه أ فلا وسعك ما وسعهم؟ثم دعا عمارا الحاجب فأمره أن يرفع القيود عنه، و يعطيه أربعمائة دينار، يأذن له في الرجوع و سقط من عينه ابن أبي دؤاد. و لم يمتحن بعد ذلك أحدا، رحمه اللّه تعالى عليه.

كذا وقع في هذه الرواية، أن المهتدي باللّه بن الواثق اسمه محمد و بذلك سماه الحافظ أبو عبد اللّه الذهبي، في كتاب دول الإسلام، و ذكر المؤلف بعد في ترجمته: أن اسمه جعفر، و قد جاء في رواية غير هذه ما يدل على أن اسمه أحمد، و فيها زيادة و نقص و مغايرة في بعض الألفاظ، و المعنى، و ذلك فيما ذكره الحافظ أبو نعيم في حليته، قال: قال الحافظ أبو بكر الآجري بلغني عن المهتدي رحمه اللّه تعالى، أنه قال ما قطع أبي يعني الواثق إلا شيخ جي‏ء به من المصيصة (2) فمكث في السجن مدة، ثم إن أبي ذكره يوما، فقال: علي بالشيخ فأتي به مقيدا فلما وقف بين يديه، سلم عليه فلم يرد عليه السلام، فقال له الشيخ يا أمير المؤمنين ما استعملت معي أدب اللّه عز و جل، و لا أدب رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، قال اللّه تعالى: وَ إِذََا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهََا أَوْ رُدُّوهََا و أمر النبي صلى اللّه عليه و سلم برد السلام، فقال له أبي: و عليك السلام، ثم قال لابن أبي دؤاد: سله فقال:

يا أمير المؤمنين أنا محبوس مقيد أصلي في الحبس و أتيمم للصلاة، فمر لي بحل القيد و بالوضوء، فأمر بحله و أمر بماء فتوضأ و صلى، ثم قال لابن أبي دؤاد: سله، فقال الشيخ: المسألة لي فمره أن يجيبني، فقال سل: فأقبل الشيخ على ابن أبي دؤاد، فقال: أخبرني عن هذا الأمر الذي تدعو الناس إليه، أ شي‏ء دعا إليه رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم؟قال: لا قال: فشي‏ء دعا إليه أبو بكر رضي اللّه تعالى

____________

(1) سورة النساء: 86.

(2) المصّيصة: مدينة على شاطئ جيحان من ثغور الشام بين أنطاكية و بلاد الروم.

122

عنه بعده؟قال: لا قال: فشي‏ء دعا إليه عمر بن الخطاب رضي اللّه تعالى عنه بعدهما؟قال: لا قال: فشي‏ء دعا إليه عثمان بن عفان رضي اللّه تعالى عنه بعدهم؟قال: لا قال: فشي‏ء دعا إليه علي بن أبي طالب رضي اللّه تعالى عنه بعدهم؟قال لا. قال الشيخ: فشي‏ء لم يدع إليه رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، و لا أبو بكر و لا عمر و لا عثمان و لا علي رضي اللّه تعالى عنهم، تدعو أنت الناس إليه؟ليس يخلو أن تقول علموه أو جهلوه فإن قلت: علموه و سكتوا عنه، و سعني و إياك من السكوت، ما وسع القوم. و إن قلت: جهلوه و علمته أنت!فيا لكع بن لكع يجهل النبي صلى اللّه عليه و سلم و الخلفاء الراشدون رضي اللّه تعالى عنهم شيئا و تعلمه أنت و أصحابك؟قال المهتدي: فرأيت أبي وثب قائما و دخل الحجرة، و جعل ثوبه في فيه و هو يضحك، ثم جعل يقول: صدق ليس يخلو من أن يقول علموه أو جهلوه فإن قلنا علموه و سكتوا عنه وسعنا من السكوت ما وسع القوم، و إن قلنا جهلوه و علمته أنت، فيا لكع بن لكع يجهل النبي صلى اللّه عليه و سلم شيئا و أصحابه و تعلمه أنت و أصحابك؟ثم قال: يا أحمد فقلت:

لبيك قال: لست أعنيك إنما أعني المهتدي كان اسمه أحمد لقوله: لست أعنيك لأنه ربما قال قائل: إنما كان استجابة المهتدي لأبيه على طريق الأدب، فقوله إنما أعني ابن أبي دؤاد يبطل، لأن اسمه أحمد و سيأتي إن شاء اللّه تعالى في ترجمة المهتدي هذه الحكاية بطريقة أخرى، بسياق غير هذا.

و هذا الذي قاله الشيخ إلزام صحيح و بحث لازم للمعتزلة.

و كان الواثق مؤثرا لكثرة الجماع، فقال لطبيبه: اصنع لي دواء للباه، فقال له الطبيب:

يا أمير المؤمنين لا تهدم بدنك بالجماع، واثق اللّه في نفسك فقال: لا بد من ذلك، فأمره الطبيب أن يأخذ لحم سبع فيغلي عليه سبع غليات بخل خمر، و يتناول منه إذا شرب وزن ثلاثة دراهم و لا يجاوز هذا القدر، فأمر بذبح سبع فذبح و طبخ له من لحمه، و صار يتنقل منه على شرابه فلم يكن إلا قليلا حتى استسقى فأجمع رأي الأطباء على أن لا دواء له إلا أن يبزل بطنه، ثم يترك في تنور قد سجر بحطب زيتون، حتى يصير جمرا، ثم يجلس فيه ففعل ذلك و منع الماء ثلاث ساعات، فجعل يستغيث و يطلب الماء، فلم يسقوه فصار في جسده نفاطات مثل البطيخ ثم أخرجوه فجعل يقول ردوني في التنور و إلا مت فردوه، فسكن صياحه، ثم انفجرت تلك النفاطات و قطر منها ماء، فأخرج من التنور و قد أسود جسده، و مات بعد ساعة و لما احتضر جعل يقول:

الموت فيه جميع الناس تشترك # لا سوقة منهم يبقى و لا ملك

ما ضر أهل قليل في مقابرهم # و ليس يغني عن الملاك ما ملكوا

ثم أمر بالبسط فطويت، و ألصق خده بالأرض، و جعل يقول: يا من لا يزول ملكه، ارحم من قد زال ملكه. و لما مات سجي بثوب. و اشتغل الناس بالبيعة للمتوكل، فجاء جرذون من البستان، فاستل عينيه و ذهب بهما و لم يعلموا به حتى غسلوه و هذا من أغرب ما سمع.

حكي أن ذلك له سبب، و هو أن الواثقي قال: كنت أمرض الواثق إذ لحقته غشية، فما

123

شككت أنه قد مات فقال بعضنا لبعض: تقدموا فما جسر أحد منا، فتقدمت أنا، فلما أردت أن أضع إصبعي على أنفه، فتح عينيه فكدت أن أموت فزعا، و تأخرت إلى خلفي، فتعلقت قبيعة (1)

السيف بالعتبة، و عثرت فاندق السيف فكاد أن يدخل في لحمي، فخرجت و طلبت سيفا غيره، ثم رجعت فوقفت عنده، فوجدته مات بلا شك. فشددت لحييه، و غمضته و سجيته، و أخذ الفراشون تلك الفرش الثمينة، ليردوها إلى الخزانة، و ترك وحده في البيت، فقال لي أحمد بن أبي دؤاد القاضي: إنا نشتغل بعقد البيعة، فاحفظه حتى يدفن، فرجعت و جلست عند الباب، فسمعت بعد ساعة حركة أفزعتني، فدخلت فإذا بجرذون قد جاء فاستل عينيه فأكلهما. فقلت: لا إله إلا اللّه هذه العين التي فتحها من ساعة، فعثرت و اندق سيفي هيبة لها.

و توفي الواثق بسر من رأى في رجب سنة اثنتين و ثلاثين و مائتين و هو ابن ست و ثلاثين سنة و أشهر و كانت خلافته خمس سنين و تسعة أشهر و كان أبيض مليحا، يعلوه اصفرار، حسن اللحية، في عينيه نكتة، عالما أديبا جيد الشعر، شجاعا مهابا حازما، فيه جبروت كأبيه سامحهما اللّه تعالى.

خلافة جعفر المتوكل‏

ثم قام بالأمر بعده أخوه جعفر المتوكل. بويع له بالخلافة بسر من رأى، يوم موت أخيه الواثق، بعهد منه في ذي الحجة سنة اثنتين و ثلاثين و مائتين، فرفع المحنة بخلق القرآن، و أظهر السنة، و أمر بنشر الآثار النبوية، و ذكر (2) ابن خلكان في ترجمته أنه قال: ركبت إلى دار الواثق، في مرضه الذي مات فيه لأعوده، فجلست في الدهليز أنتظر الإذن، فبينما أنا جالس إذ سمعت النياحة عليه، و إذا ايداخ و محمد بن عبد الملك الزيات‏ (3) يأتمران في أمري، فقال محمد: نقتله في التنور، و قال إيداخ‏ (4) . بل ندعه في الماء البارد حتى يموت، و لا يرى عليه أثر القتل، فبينما هما على ذلك، إذا جاء أحمد بن أبي دؤاد القاضي، فدخل و حدثهما كلاما لا أعقله، لما داخلني من الخوف، و شغل القلب بإعمال الحيلة في الهرب. فبينما أنا كذلك، و إذا بالغلمان يتعادون و يقولون: انهض يا مولانا، فلم أشك أني داخل لأبايع ولد الواثق ثم ينفذ في ما قدر، فلما دخلت بايعوني فسألت عن الحال فأعلمت أن ابن أبي دؤاد كان سبب ذلك.

ثم إن المتوكل قتل إيداخ بالماء البارد و ابن الزيات في التنور. قال: و هذا من أغرب الاتفاق و عجيب الظفر، و من العجب أيضا، أن محمد بن عبد الملك الزيات، هو الذي صنع التنور ليعذب فيه الناس، فعذبه اللّه فيه. و كان التنور من حديد داخله مسامير غير مثنية، و كان يسجر بحطب الزيتون، حتى يصير كالجمر، ثم يدخل الإنسان فيه. نسأل اللّه العافية في الدنيا و الآخرة.

____________

(1) قبيعة السيف: ما على طرف مقبضه من فضة أو حديد.

(2) هو وزير المعتصم ثم الواثق، له معرفة بالأدب و الشعر. نكبه المتوكل فمات سنة 233 هـ-.

(3) إيداخ أو إيتاخ هو حاجب الواثق.

(4) وفيات الأعيان: 1/350 و ما بعد.

124

و لما ولي المتوكل أحيا السنة، و أمات البدعة، و كتب للآفاق برفع المحنة و اظهار السنة.

و تكلم في مجلسه بالسنة و أعز أهلها، و أخمد المعتزلة، و كانوا في قوة و نماء إلى أيام المتوكل فخمدوا.

و لم يكن في هذه الملة الإسلامية أهل بدعة أشر منهم، نعوذ باللّه من شر مقالتهم، و نسأل اللّه السلامة من الزيغ و الردى. و كان المتوكل يبغض عليا رضي اللّه تعالى عنه، و يتنقصه، فذكر عليا رضي اللّه عنه يوما و غض منه فتمعر وجه ابنه المنتصر لذلك فشتمه المتوكل و أنشد مواجها له:

غضب الفتى لابن عمه # رأس الفتى في حرامه‏

فحقد عليه، و أغراه ذلك على قتله، لما كان يغلو في بغض علي رضي اللّه تعالى عنه، و يكثر الوقيعة فيه و الاستخفاف به. فبينما المتوكل في قصره، يشرب مع ندمائه، و قد سكر إذا دخل بغا الصغير، و أمر الندماء بالانصراف فانصرفوا، و لم يبق عنده إلا الفتح بن خاقان، فإذا الغلمان الذين عينهم المنتصر لقتل المتوكل قد دخلوا بايديهم السيوف مصلتة، فهجموا عليه فقال الفتح بن خاقان: ويلكم أمير المؤمنين ثم رمى نفسه عليه، فقتلوهما جميعا ثم خرجوا إلى المنتصر، فسلموا عليه بالخلافة.

و كان قتل المتوكل في شوال سنة سبع و أربعين و مائتين و عمره أربعون سنة. و كانت خلافته أربع عشرة سنة و عشرة أشهر و قيل خمس عشرة سنة. و كان أسمر رقيقا، ملج العينين، خفيف اللحية، ليس بالطويل، فيه قصف و انهماك على اللهو و المكاره، لكنه أحيا السنة، و أمات بدعة القول بخلق القرآن، و له كرم زائد و كان قد عزم على خلع ولده المنتصر من ولاية العهد، و تقديم ابنه المعتز عليه، لفرط محبته لأمه، و أخذ يؤذيه و يتهدده إن لم يخلع نفسه، و اتفق مصادرته لوصيف‏ (1) و بغا، فعملوا على قتله، فدخل عليه خمسة نصف الليل و هو في مجلس لهو ففتكوا به و ضربوه بسيوفهم و قتلوا معه وزيره الفتح بن خاقان كما تقدم.

خلافة محمد المنتصر باللّه‏

ثم قام بالأمر بعده ابنه محمد المنتصر باللّه. بويع له بالخلافة في الليلة التي قتل فيها أبوه، و بويع له من الغد البيعة العامة، فلم تطل دولته، و لم يمتع بالملك. روى إنه بسط بين يديه بساطا، فرأى عليه شيئا مكتوبا فلم يعلم ما هو، فأمر بإحضار من قرأه، فإذا كتابته بقلم اليونان، و إذا عليه مكتوب: عمل هذا البساط للملك قباذ بن كسرى قاتل أبيه، و فرش قدامه، فلم يلبث غير ستة أشهر و مات. فتطير المنتصر و اغتم لذلك و أمر برفع البساط و مات في آخر الستة أشهر.

و كانت خلافته ستة أشهر و أياما و عمره ست و عشرون سنة و أمه رومية، و كان مربوعا سمينا أعين أقنى الأنف، مليحا مهيبا، كامل العقل يحب الخير. قيل إن أمراء الترك خافوه، فلما حم دسوا إلى الطبيب بكيس فيه ألف دينار، ففصده بريشة مسمومة و قيل بل سم في طعامه، فقال لأمه: ذهبت عني الدنيا و الآخرة عاجلت أبي فعوجلت.

____________

(1) وصيف و بغا: حاجبا المتوكل و ابنه المنتصر من بعده.

125
خلافة أحمد المستعين باللّه و هو السادس فخلع و قتل‏

ثم قام بالأمر بعده ابن عمه أحمد المستعين باللّه بن محمد المعتصم. بويع له بالخلافة ليلة الاثنين لست خلون من شهر ربيع الآخر، و عمره إذ ذاك ثمان و عشرون سنة، و كان كثير الجماع، مغرما يحب النساء و كان له ابنة عم بديعة الحسن و الجمال، فطلبها من أبيها فامتنع فأحضر الأصمعي‏ (1) و الرقاشي‏ (2) و أبا نواس‏ (3) ، و قال: كل من أنشد لي بطبق مرادي في ابنة عمي أعطيته الجائزة العظمى فانشد أبو نواس:

ما روض ريحانكم الزاهر # و ما شذا نشركم العاطر

و حق وجدي و الهوى قاهر # مذ غبتمو لم يبق لي ناظر

و القلب لا سال و لا صابر # قالت: ألا لا تلجن دارنا

و كابد الأشواق من أجلنا # و اصبر على مر الجفا و الضنا

و لا تمرن على بيتنا # إن أبانا رجل غائر

فقلت: إني طالب غرة # يحظى بها القلب و لو مرة

قالت: بعيد ذاك مت حسرة # قلت سأقضي غرتي جهرة

منك و سيفي صارم باتر # قالت: فإن البحر من بيننا

فابرح و لا تأت إلى حينا # و اشرب بكأس الموت من هجرنا

قلت و لو كان كثير العنا # يكفيك إني سابح ماهر

قالت: فإن القصر عالي البنا # قلت: و لو كان عظيم السنا (4)

أو كان بالجو بلغت المنى # قالت: منيع في الورى‏ (5) قصرنا

قلت و إني فوقه طائر # قالت فعندي لبوة والد

فقلت إني أسد شارد # غشمشم مقتنص صائد

قالت: لها شبل بها لا بد # قلت: و إني لبثها الكاسر

قالت فعندي إخوة سبعة # جمعا إذا ما التقوا عصبة

قلت و لي يوم اللقا وثبة # قالت: لهم يوم الوغى سطوة

قلت: إني قاتل قاهر # قالت: فإن اللّه من فوقنا

يعلم ما نبديه من شوقنا # نمضي إلى الحق غدا كلنا

و نختشي النقمة من ربنا # قلت: و ربي ساتر غافر

____________

(1) هو عبد الملك بن قريب بن علي بن أصمع الباهلي، أبو سعيد الأصمعي، راوية، إمام في اللغة و الشعر و أيام العرب، مات في البصرة سنة 216 هـ-.

(2) الرقاشي: الفضل بن عبد الصمد بن الفضل، أبو العباس، شاعر مجيد، مدح البرامكة و الخلفاء، مات سنة 200 هـ-.

(3) أبو نواس: الحسن بن هانئ الشاعر المتهتك، عاش في البصرة، ثم بغداد كالرقاشي، مات سنة 198 هـ-.

(4) السنا: النور.

(5) الورى: الخلق.

126

قالت فكم أعييتنا حجة # تجي بها كاملة بهجة

فيا لها بين الورى خجلة # إن كنت ما تمهلنا ساعة

فائت إذا ما هجّع الساهر # و اسقط علينا كسقوط الندى

إياك أن تظهر حرف الندا # يستيقظ الواشي و يأتي الردى

و كن كضيف الطيف مسترصدا # ساعة لا ناه و لا آمر

حاججتها عشرا و صافحتها # على دنان الخمر صافيتها (1)

رامت مواثيقا فوافيتها # ملتحفا سيفي و لاقيتها

آخر ليلى و الدجى عاكر # يا ليلة قضيتها خلوة

مرتشفا من ريقها قهوة # تكر من قد يبتغي سكرة

ظننتها من طيبها لحظة # يا ليت لا كان لها آخر

فلما أنشد ذلك أبو نواس بحضرة الخليفة، أعجبه ذلك و أمر له بالجائزة العظمى، و وفى بما عهد.

ثم إن المستعين أشهد على نفسه أنه قد خلعها من الخلافة، و أنه قد أحل الناس من بيعته بشروط، و خطب للمعتز بن المتوكل.

فنقل المستعين إلى قصر الحسن بن وهب فاعتقل به تسعة أشهر، و وكل به من يحفظه ثم أحضر به إلى واسط و دس عليه المعتز، سعيدا الحاجب فقتله صبرا في أوّل شهر رمضان سنة اثنتين و خمسين و مائتين و جي‏ء برأسه إلى المعتز، و هو يلعب الشطرنج، فقيل له: هذا رأس المخلوع، فقال: دعوه هناك حتى أفرغ من اللعب. فلما فرغ أحضره و نظره، ثم أمر بدفنه. و كانت خلافته سنتين و تسعة أشهر، و عمره إحدى و ثلاثون سنة و كان مربوعا مليح الوجه به أثر جدري، و كان ألثغ يجعل السين ثاء و كان كريما مبذرا للأموال رحمه اللّه تعالى.

خلافة أبي عبد اللّه محمد المعتز باللّه بن المتوكل‏

ثم قام بالأمر بعده ابن عمه محمد المعتز بن المتوكل. بويع له بالخلافة لما خلع المستعين نفسه، في أوّل سنة اثنتين و خمسين و مائتين، ثم دبر عليه صالح بن وصيف حاجبه، فجاء إليه و معه جماعة، و بعثوا إليه أن أخرج، فاعتذر بأنه تناول دواء، فأمر صالح أن يدخل إليه بعضهم، فدخلوا و جروا برجله إلى باب الحجرة، فأقيم في الشمس الحارة، فصار يرفع قدما و يضع أخرى، و هم يلطمونه و يقولون له: اخلعها و هو يتقي بيديه و يأبى، ثم أجابهم و خلع نفسه. فتسلمه صالح بن وصيف، و منعه من الطعام و الشراب ثلاثة أيام، ثم أنزله إلى سرداب مجصص و أطبقه عليه حتى مات. ثم أخرجه و أشهد عليه أنه لا أثر به. و قيل: إنه بعد خلعه بخمسة أيام أدخله الحمام، و منعه الماء حتى عاين التلف، ثم أتوه بماء

____________

(1) دنان الخمر: أوعية الخمر.

127

مالح فشربه فسقط ميتا. و ذلك في رجب سنة خمس و خمسين و مائتين، و كان عمره ثلاثا و عشرين سنة و خلافته أربع سنين و ستة أشهر و كان بديع الحسن رحمه اللّه تعالى.

خلافة جعفر المهتدي باللّه بن هارون‏

ثم قام بالأمر بعده ابن عمه، جعفر بن هارون المعتصم. و رأيت في غير هذا الموضع أن المهتدي اسمه محمد بأبي إسحاق. بويع له بالخلافة يوم خلع ابن عمه المعتز باللّه و لما ولي أخرج الملاهي و حرم سماع الغناء و الشراب، و أمر بنفي المغنيات و طرد الكلاب، و السباع و ألزم نفسه الإشراف على الدواوين، و الجلوس للناس، و إزالة المظالم، و تغيير المنكرات. و قال: إني أستحيي من اللّه أن لا يكون في بني العباس مثل عمر بن عبد العزيز في بني أمية. فتبرم به بابك التركي، و كان ظلوما غشوما، فأمر المهتدي بقتله، و لما قتل هاجت الأتراك، و وقعت الحرب بينهم و بين المغاربة، فقتل من الفريقين أربعة آلاف، و خرج المهتدي و المصحف في عنقه، و هو يدعو الناس إلى نصرته، و المغاربة معه و بعض العامة، فحمل عليهم طيبغا أخو بابك فهزمهم. و مضى المهتدي مهزما، و السيف في يده، و قد جرح جرحين، حتى دخل دار محمد (1) بن يزداد، فتجمعت الأتراك و هجموا عليه و أخذوه أسيرا. و حمله أحمد بن خاقان على دابة و أردف خلفه سائسا بيده خنجر، فأدخل إلى دار أحمد بن خاقان، و جعلوا يصفعونه و يقولون اخلعها، فأبى عليهم فسلم إلى رجل، فوطئ مذاكيره حتى قتله، و ذلك في رجب سنة ست و خمسين و مائتين، و هو ابن سبع و ثلاثين سنة، و كانت خلافته أحد عشر شهرا، رحمة اللّه تعالى عليه، و قيل سنة.

و كان أسمر مليح الصورة دينا ورعا عابدا عاد لا حازما شجاعا خليقا للإمارة، لكنه لم يجد ناصرا. يقال: إنه كان يسرد الصوم، و ربما كان فطوره في بعض الليالي، على خبز و خل وزيت، و قد كان سد باب اللهو و الطرب و الغناء، و حسم الأمراء عن الظلم و كان يجلس لحساب الدواوين بنفسه.

و مما يحكى: من محاسنه، ما ذكره الحافظ أبو بكر محمد بن الحسين بن عبد اللّه البغدادي، في كتابه قال: إن أبا الفضل صالح بن علي بن يعقوب بن المنصور الهاشمي، و كان من وجوه بني هاشم، و أهل الخلافة و السبق منهم، قال: حضرت المهتدي باللّه أمير المؤمنين، و قد جلس ينظر في أمور الناس، في دار العامة، فنظرت إلى قصص الناس تقرأ عليه، من أوّلها إلى آخرها، فيأمر بالتوقيع فيها، و إنشاء الكتب لأصحابها، فتختم و تدفع إلى أصحابها بين يديه. فسرني ذلك و جعلت أنظر إليه، ففطن لي و نظر إلي، فغضضت عنه حتى كان ذلك مني و منه مرارا إذا نظر إلي غضضت، و إذا اشتغل عني نظرت. فقال: يا صالح قلت: لبيك يا أمير المؤمنين، و قمت قائما فقال: أ في نفسك مني شي‏ء تحب أن تقوله؟فقلت: نعم يا سيدي. فقال لي: عد إلى موضعك، فعدت و عاد في النظر حتى قام و قال للحاجب: لا يبرح صالح فانصرف الناس. ثم أذن لي و قد أهمتني نفسي، فقمت فدخلت و دعوت له، فقال لي: اجلس فجلست، فقال: يا صالح تقول ما

____________

(1) محمد بن يزداد بن سويد المروزي، من كتّاب الإنشاء في الدولة العبّاسية وزر للمأمون. له شعر جيد و قد عاش حتى أيام الواثق و مات سنة 230 هـ-.

128

دار في نفسك، أو أقول أنا ما دار في نفسي. أنه دار في نفسك. فقلت: يا أمير المؤمنين، ما تعزم عليه و تأمر به، أطال اللّه بقاءك، فقال: كأني بك، و قد استحسنت ما رأيت منا فقلت: أي خليفة خليفتنا، إن لم يكن يقل القرآن مخلوق؟فورد على قلبي أمر عظيم و أهمتني نفسي، ثم قلت: يا نفس هل تموتين إلا مرة؟و هل تموتين قبل أجلك؟و هل يجوز الكذب في جدّ أو هزل؟ فقلت: و اللّه يا أمير المؤمنين ما دار في نفسي إلا ما قلت. ثم أطرق مليا و قال: ويحك اسمع مني ما أقول: فو اللّه لتسمعن الحق فسرّي عني. فقلت: يا سيدي من أولى بقول الحق منك، و أنت أمير المؤمنين، و خليفة رب العالمين، و ابن عم سيد المرسلين، من الأوّلين و الآخرين؟فقال لي: ما زلت أقول القرآن مخلوق صدرا من خلافة الواثق حتى أقدم علينا أحمد بن أبي دؤاد شيخا من أهل الشام، من أهل أذنة، فأدخل الشيخ على الواثق مقيدا، و هو جميل الوجه، تام القامة، حسن الشيبة، فرأيت الواثق قد استحيا منه ورق له، فما زال يدنيه و يقربه حتى قرب منه، فسلم الشيخ بأحسن السلام، و دعا بأبلغ الدعاء، و أوجز. فقال له الواثق: اجلس ثم قال له: يا شيخ ناظر ابن أبي دؤاد على ما يناظرك عليه، قال الشيخ: يا أمير المؤمنين إن ابن أبي دؤاد يقل و يصغر و يضعف عن المناظرة، فغضب الواثق، و عاد مكان الرقة له غضبا، فقال: أبو عبد اللّه بن أبي دؤاد يقل و يصغر و يضعف عن مناظرتك أنت؟فقال الشيخ: هون عليك يا أمير المؤمنين ما بك، و ائذن لي في مناظرته، فقال الواثق: ما دعوتك إلا للمناظرة، فقال الشيخ: يا أحمد بن أبي دؤاد (1)

إلام دعوت الناس و دعوتني إليه؟فقال: إلى أن تقول القرآن مخلوق لأن كل شي‏ء من دون اللّه مخلوق. فقال الشيخ: يا أمير المؤمنين إني رأيت أن تحفظ علي و عليه ما نقول. قال: افعل. فقال الشيخ: يا أحمد أخبرني عن مقالتك هذه، أ واجبة داخلة في عقد الدين، فلا يكون الدين كاملا حتى يقال فيه ما قلت؟قال: نعم. قال الشيخ: يا أحمد أخبرني عن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم حين بعثه اللّه عز و جل هل ستر شيئا مما أمره اللّه به في دينه؟قال: لا قال الشيخ: فدعا رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم الناس إلى مقالتك هذه؟ فسكت ابن أبي دؤاد. فقال الشيخ له: تكلم، فسكت. فالتفت الشيخ إلى الواثق، و قال: يا أمير المؤمنين واحدة. فقال الواثق: واحدة. فقال الشيخ: يا أحمد أخبرني عن آخر ما أنزل اللّه من القرآن على رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم؟فقال: اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ اَلْإِسْلاََمَ دِيناً (2) فقال الشيخ: أ كان اللّه تبارك و تعالى الصادق في اكمال دينه؟أم أنت الصادق في نقصانه فلا يكون الدين كاملا، حتى يقال فيه بمقالتك هذه؟فسكت ابن أبي دؤاد. فقال الشيخ: أجب يا أحمد.

فلم يجب فقال الشيخ: يا أمير المؤمنين اثنتان. فقال الواثق. اثنتان فقال الشيخ: يا أحمد أخبرني عن مقالتك هذه، أ علمها رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، أم جهلها؟فقال ابن أبي دؤاد: علمها. فقال الشيخ: أ دعا الناس إليها فسكت ابن أبي دؤاد. فقال الشيخ: يا أمير المؤمنين ثلاث. فقال الواثق: ثلاث. فقال الشيخ: يا أحمد فاتسع لرسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم كما زعمت، فلم يطالب أمته بها؟قال: نعم فقال الشيخ: و اتسع لأبي بكر رضي اللّه تعالى عنه، و عمر بن الخطاب، و عثمان بن عفان، و علي بن أبي طالب رضي اللّه تعالى

____________

(1) أحمد بن أبي دؤاد بن جرير بن مالك الإيادي، أبو عبد اللّه، من قضاة المعتزلة المشهورين، و رأس الفتنة بالقول بخلق القرآن. مات ببغداد سنة 240 هـ-.

(2) سورة المائدة: الآية 3.

129

عنهم؟قال ابن أبي دؤاد: نعم.

فأعرض الشيخ عنه و أقبل على الواثق فقال: يا أمير المؤمنين قد قدمت القول: إن أحمد يقل و يصغر و يضعف عن المناظرة، يا أمير المؤمنين إن لم يتسع لك من الإمساك عن هذه المقالة ما اتسع لرسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم و لأبي بكر و عمر و عثمان و علي رضي اللّه تعالى عنهم، فلا وسع اللّه على من لم يتسع له ما اتسع لهم من ذلك. فقال الواثق: نعم إن لم يتسع لنا من الإمساك عن هذه المقالة ما اتسع لرسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم و لأبي بكر و عمر و عثمان و علي رضي اللّه تعالى عنهم فلا وسع اللّه علينا، اقطعوا قيد الشيخ، فلما قطعوا قيده ضرب الشيخ بيده إلى القيد ليأخذه، فجذبه الحداد إليه فقال الواثق: دع الشيخ ليأخذه فأخذه الشيخ فوضعه في كمه، فقيل للشيخ: لم جاذبت عليه؟فقال الشيخ: لأني نويت أن أتقدم إلى من أوصي إليه، إذا أنا مت، أن يجعله بيني و بين كفني، حتى أخاصم به هذا الظالم عند اللّه يوم القيامة، و أقول: يا رب سل عبدك هذا لم قيدني و روع أهلي و ولدي و إخوتي بلا حق أوجب ذلك علي؟و بكى الشيخ، و بكى الواثق، و بكيت.

ثم سأله الواثق أن يجعله في حل وسعة مما ناله منه، فقال الشيخ، و اللّه يا أمير المؤمنين قد جعلتك في حل وسعة من أول يوم إكراما لرسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، إذ كنت رجلا من أهله.

فقال الواثق: لي إليك حاجة. فقال الشيخ: إن كانت ممكنة فعلت. فقال الواثق: تقيم قبلنا فتنفع بك فتياننا. فقال الشيخ: يا أمير المؤمنين إن ردك إياي إلى الموضع الذي أخرجني منه هذا الظالم، أنفع لك من مقامي عندك. و أخبرك لم ذلك: أصير إلى أهلي و ولدي، فأكف دعاءهم عليك، فقد خلفتهم على ذلك. فقال له الواثق أ فتقبل منا صلة تستعين بها على دهرك؟فقال الشيخ: يا أمير المؤمنين لا تحل لي، أنا عنها غني و ذو ثروة. فقال له: أ تسأل حاجة؟قال: أو تقضيها يا أمير المؤمنين؟قال: نعم. قال: تخلي سبيلي إلى السفر الساعة، و تأذن لي. قال: قد أذنت لك. فسلم عليه الشيخ و خرج. قال صالح: فقال المهتدي باللّه: فرجعت عن هذه المقالة منذ ذلك اليوم، و أظن أن الواثق باللّه، كان رجع عنها من ذلك الوقت، و لي فيها طرق أخرى، و فيها بعض المغايرة فلهذه و قد سبق في ترجمة الواثق ما يدل على رجوعه و اللّه تعالى أعلم.

خلافة أبي القاسم أحمد المعتمد على اللّه بن المتوكل‏

ثم قام بالأمر بعده ابن عمه أحمد، المعتمد على اللّه بن المتوكل على اللّه بن المعتصم باللّه.

بويع له بالخلافة يوم قتل ابن عمه المهتدي باللّه بسر من رأى، و كان له اسم الخلافة و لأخيه الموفق بن المتوكل تدبير الملك و لما مات الموفق، قام بتدبير الملك بعده، ابنه أحمد المعتضد بن الموفق و غلب على عمه المعتمد كما كان أبوه غالبا عليه، فكان المعتمد يطلب الشي‏ء الحقير فلا يناله و لم يكن له سوى الإسم فقال في ذلك:

أ ليس من العجائب أن مثلي # يرى ما قل ممتنعا عليه

و تؤخذ باسمه الدنيا جميعا # و ما من ذاك شي‏ء في يديه‏

قيل: إنه شرب يوما على الشط شرابا كثيرا فتغشى و مات. و قيل: إنه اغتم و مات و هو نائم‏

130

في بساط. و قيل: إنه سم في لحم و ذلك في شوال سنة تسع و سبعين و مائتين و له خمسون سنة.

و كانت خلافته ثلاثا و عشرين سنة و توفي ببغداد. و كان أسمر ربعة، رقيقا مدوّر الوجه مليح العينين، صغير اللحية أسرع إليه الشيب منهمكا على اللهو و اللذات يسكر و يعض يده.

خلافة أبي العباس أحمد المعتضد باللّه بن الموفق‏

بويع له بالخلافة يوم مات عمه المعتمد، فاستقل بالأمر و كان شجاعا عادلا ذا هيبة عظيمة مع سطوة و جبروت و حزم و رأي، و ذكاء مفرط في أحكامه، و سيأتي ذكر شي‏ء من ذلك. و كان كثير الجماع فاعتراه فساد مزاج و كان ذلك سبب وفاته. و كان محيا للعدل مؤثرا له، و له فيه حكايات نادرة توفي سنة تسعين و مائتين، لسبع بقين من شهر ربيع الآخر و هو ابن ست و أربعين سنة، و قيل أربعين سنة. و كانت خلافته تسع سنين و تسعة أشهر و قيل عشر سنين و كان أسمر مهيبا معتدل الشكل.

خلافة أبي محمد علي المكتفي باللّه بن المعتضد

ثم قام بالأمر بعده ابنه علي أبو محمد المكتفي باللّه بن المعتضد بن الموفق بن المتوكل بن المعتصم بويع له بالخلافة يوم توفي أبوه المعتضد. و توفي ببغداد سنة ثلاث و تسعين و مائتين و هو ابن أربع و ثلاثين سنة، و قيل ثلاثين. و خلافته سنتان و ثمانية أشهر. هكذا ذكروا وفاته، و عمره و خلافته و الذي رأيته في كتب الذهبي‏ (1) أنه كانت وفاته في ذي القعدة سنة تسع و تسعين و مائتين عن إحدى و ثلاثين سنة. و كانت خلافته ست سنين و نصفا. و كان وسيما جميلا بديع الحسن، دري اللون معتدل الطول، أسود الشعر، و كان حسن العقيدة، كارها لسفك الدماء.

و وطأ له أبوه المعتضد الأمر، و كان المكتفي مائلا إلى حب علي بن أبي طالب رضي اللّه تعالى عنه، بارا بأولاده يحكى أن يحيى بن علي‏ (2) الشاعر، أنشده بالرقة قصيدة يذكر فيها فضل أولاد العباس على أولاد علي، فقطع المكتفي عليه إنشاده و قال: يا يحيى كأنهم ليسوا بني عم. ما أحب أن يخاطب أهلنا بشي‏ء من ذلك و إن كانوا خلفاء. و لم يسمع القصيدة و لا أجازه عليها رحمة اللّه عليه.

خلافة أبي الفضل جعفر المقتدر باللّه و هو السادس فخلع مرتين كما سيأتي‏

ثم قام بالأمر بعده، أخوه أبو الفضل جعفر المقتدر بن المعتضد. بويع له بالخلافة ببغداد يوم وفاة أخيه، و هو ابن ثلاث عشرة سنة و أربعين يوما، و لم يل الخلافة بعده. قيل: و لا قبله أصغر منه و ضعف دست الخلافة في أيامه، و ذكر صاحب النشوان و غيره، عن صافي مولى المعتضد،

____________

(1) الذهبي: هو شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان المتوفّى سنة 748 هـ-.

(2) علي بن يحيى بن أبي منصور، نديم المتوكل العباسي و كذلك نديم من جاءوا بعده من الخلفاء العباسيين، و كان شاعرا محسنا توفي بسامراء، سنة 275 هـ-.

131

أنه قال: مشيت يوما بين يدي المعتضد و هو يريد دار الحرم، فلما بلغ باب دار المقتدر، وقف و تسمع و تطلع من خلل في الستر، فإذا هو بالمقتدر، و له إذ ذاك خمس سنين أو نحوها، و هو جالس و حوله قدر عشر وصائف، من أترابه في قدر سنه، و بين يديه طبق فضة و فيه عنقود عنب، في وقت فيه العنب عزيز جدا، و الصبي يأكل عنبة واحدة ثم يطعم الجماعة عنبة عنبة على الدور حتى إذا بلغ الدور إليه، أكل واحدة مثل ما أكلوا، حتى فني العنقود، و المعتضد يتمزق غيظا، ثم رجع و لم يدخل الدار. فرأيته مهموما، فقلت: يا مولاي ما سبب فعلته؟فقال: يا صافي و اللّه لو لا العار و النار لقتلت هذا الغلام اليوم!يعني المقتدر، فإن في قتله صلاحا للأمة. فقلت: يا مولاي ما شأنه و أي شي‏ء عمل؟أعيذك باللّه يا مولاي من هذا. فقال: ويحك أنا أبصر بما أقوله، أنا رجل قد سست الأمور، و أصلحت الدنيا بعد فساد شديد، و لا بد من موتي، و أنا أعلم أن الناس بعدي لا يختارون أحدا على ولدي، و إنهم سيجلسون ابني عليا يعني المكتفي و ما أظن أن عمره يطول، للعلة التي به، يعني الخنازير التي كانت في حلقه، فيتلف عن قريب و لا يرى الناس اخراجها عن ولدي، و لا يجدون بعده أمثل من جعفر يعني المقتدر و هو صبي و له من الطبع و السخاء هذا الذي قد رأيته من أنه أطعم الوصائف مثلما أكل، و ساوى بينه و بينهم في شي‏ء عزيز في العالم، و الشح على مثله في طباع الصبيان غالب، فتحتوي عليه النساء لقرب عهده بهن فيقسم ما جمعته من الأموال كما قسم العنب، و يبدد ارتفاع الدنيا فتضيع الثغور، و تعظم الأمور، و تخرج الخوارج، و تحدث الأسباب التي يكون فيها زوال الملك عن بني العباس رأسا. فقلت: يا مولاي يبقيك اللّه، حتى ينشأ في حياة منك، و يصير كهلا في أيامك و يتأدب بآدابك، و يتخلق بأخلاقك، و لا يكون هذا الذي ظننت. فقال: ويحك احفظ عني ما أقول لك: فإنه كما قلت: قال: و مكث يومه مغموما مهموما.

و ضرب الدهر ضرباته، و مات المعتضد و ولي المكتفي فلم يطل عمره و مات. و ولي المقتدر فكانت الصورة كما قال مولاي المعتضد بعينها، فكنت كلما ذكرت قوله أعجب منه، فو اللّه لقد وقفت يوما على رأس المقتدر و هو في مجلس لهوه، فدعا بالأموال فأخرجت إليه و وضعت البدر (1)

بين يديه، فجعل يفرقها على الجواري و النساء، و يلعب بها و يمحقها أو يهبها. فذكرت قول مولاي المعتضد ثم إن الجند وثبوا على العباس وزيره فقتلوه، و أحضروا عبد اللّه بن المعتز و بايعوه و خلعوا المقتدر.

خلافة عبد اللّه بن المعتز المرتضى باللّه‏

بويع بالخلافة بعد خلع المقتدر. بعد أن شرط عليهم أن لا يكون في ذلك حرب و لا سفك دم. فلما بويع له كتب إلى المقتدر، يأمره بلزوم دار ابن طاهر (2) بوالدته و جواريه، و أمر الحسن بن حمدان و ابن عمرويه، صاحب الشرطة، أن يصير إلى دار المقتدر، فمضيا فخرج إليهما الغلمان

____________

(1) البدر: جمع البدرة و هي الكمية من المال..

(2) ابن طاهر: عبيد اللّه بن عبد اللّه بن طاهر بن الحسين الخزاعي، صاحب الشرطة في بغداد و كان رفيع المنزلة أيام المعتضد العباسي. له شعر. مات في بغداد سنة 300 هـ-.

132

و رموهما بالحجارة، و جرى بينهم حرب شديد، آخره أن أصحاب المقتدر ظهروا عليهما فانهزما و انهزم المرتضى باللّه، و تفرق أصحابه و استتر عند ابن الجصاص، و لم يتم له أمر غير يوم و ليلة، و لذلك يعد المؤرخون خلافته في هذه المدة. ثم عاد المقتدر إلى ما كان عليه، ثم ظفر بالمرتضي باللّه فقتله خنقا، و أظهر أنه مات حتف أنفه، و أخرج و هو ميت من دار الخلافة، فدفنوه في خرابة بازاء داره، و كان عمره خمسين سنة.

قال‏ (1) ابن خلكان في ترجمته كان شاعرا ماهرا، فصيحا مجيدا مخالطا للعلماء و الأدباء، و هو صاحب التشبيهات التي أبدع فيها و لم يتقدمه من شق غباره، و كان قد اتفق معه جماعة و خلعوا المقتدر و بايعوه و لقبوه بالمرتضي باللّه فأقام يوما و ليلة، ثم إن اصحاب المقتدر تحزبوا و حاربوا أعوان ابن المعتز و شتتوهم، فاستخفى ابن المعتز ثم أخذ ليلا، فلما ادخل على المقتدر أمر به فطرح على الثلج عريانا، وحشي سراويله ثلجا. فلم يزل كذلك و المقتدر يشرب، إلى أن مات، و ذلك في شهر ربيع الآخر سنة ست و تسعين و مائتين رحمه اللّه.

ليس هو بمعدود في الخلفاء لأنه لم يثبت له أمر. و استمر للمقتدر الأمر إلى أن بلغ مؤنسا الخادم أن المقتدر قد عزم على اغتياله، و كان مؤنس مقدم جيش المقتدر فبلغ المقتدر ما نقل إلى مؤنس فحلف على بطلان ذلك. و أسرها مؤنس في نفسه، ثم جرى بين العامة و بين بعض مماليكه حرب، فظن أن ذلك بأمر المقتدر فوافى مؤنس دار الخلافة في اثني عشر ألف فارس، فدخل إلى المقتدر و قبض عليه و على والدته السيدة، و حملهما إلى قصره و نهب الجند دار الخلافة و خلع المقتدر نفسه، من الخلافة و كتب بذلك إلى الآفاق فلما كان ثاني يوم خلعه، شغب الجند و قتلوا صاحب الشرطة، و هرب ابن مقلة الوزير، و هرب الحجاب و جاء المقتدر فجلس، و أحضر أخاه القاهر و أجلسه بين يديه، و قبل ما بين عينيه، و قال: يا أخي لا ذنب لك فجعل القاهر يقول: اللّه اللّه في نفسي يا أمير المؤمنين، فقال المقتدر: و اللّه و حق رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم لا جرى عليك مني سوء أبدا و عاد ابن مقلة الوزير و كتب إلى الآفاق بخلافة المقتدر، ثم جرى بين المقتدر و بين مؤنس الخادم حرب فاقتحم المقتدر نهر السكران‏ (2) فأحاط به جماعة من البربر فقتله رجل منهم، و أخذوا رأسه و سلبه و ثيابه، و مضوا إلى مؤنس الخادم، فمر بالمقتدر رجل من الاكراد فستر عورته بحشيش و دفنه، و أخفى أثره.

و كان قتله يوم الأربعاء لثلاث بقين من شوال سنة ست عشرة و ثلاثمائة و هو ابن ثمان و ثلاثين سنة و شهر. و كانت خلافته أربعا و عشرين سنة و إحدى عشر شهرا خلع فيها مرتين ثم قتل كما تقدم.

و حكى الذهبي أن خلافته كانت خمسا و عشرين سنة و انه عاش ثمانيا و ثلاثين سنة، و إنه كان مسرفا مبذرا للمال ناقص الرأي أعطى جارية له الدرة اليتيمة و كان وزنها ثلاثة مثاقيل، و ما كانت تقوم و قيل: إنه محق من الذهب ثمانين ألف ألف دينار في أيامه و إنه خلف من الأولاد عدة منهم الرضي باللّه المقتفي باللّه و إسحاق و المطيع للّه.

____________

(1) وفيات الأعيان: 1/76-80.

(2) واد بمشارف الشام من جهة نجد.

133
خلافة محمد القاهر باللّه‏

ثم قام بالأمر بعده، أخوه أبو منصور محمد بن المعتضد باللّه. بويع له بالخلافة ببغداد لليلتين بقيتا من شوال و لما ولي قبض على ابن أخيه المكتفي، و أمر به فأقيم في بيت و سد عليه بالآجر و الجص حتى مات غما. و قبض على السيدة أم المقتدر، و طالبها بمال لم تقدر عليه، فتهددها و ضربها بيده، و عذبها بأنواع العذاب، و علقها منكسة حتى كان يجري بولها على وجهها، و هي تقول له: أ لست أمك في كتاب اللّه؟و خلصتك من ابني في المرة الأولى؟و أنت تعاقبني بهذه العقوبة!و لم يبق عندي مال. ثم إنها ماتت عقب ذلك.

ثم إن الجند شغبوا عليه، و جاءوا إلى داره، و هجموا عليه من سائر الأبواب، فهرب إلى سطح حمام و استتر فيه، فأتوا إليه و قبضوا عليه و حبسوه و خلعوه من الخلافة، و سملوا عينيه. و ذلك في جمادى الآخرة سنة اثنتين و عشرين و ثلاثمائة. قال ابن البطريق في تاريخه: كان القاهر قد ارتكب أمورا قبيحة لم يسمع بمثلها في الإسلام، و ذكر منها طرفا طويلا.

حكي أن رجلا قال: صليت في جامع المنصور ببغداد فإذا أنا بانسان عليه جبة عنابية، و قد ذهب وجهها و بقي بعض قطن بطانتها، و هو يقول: أيها الناس تصدقوا علي، بالأمس كنت أمير المؤمنين و أنا اليوم من فقراء المسلمين. فسألت عنه فقيل لي إنه القاهر باللّه في هذه الحكاية أعظم عبرة. نعوذ باللّه من سخطه و زوال نعمه.

و كانت خلافته ست سنين و ستة أشهر و سبعة أيام، و كان أهوج طائشا سفاكا للدماء يدمن السكر، و كان له حربة يأخذها بيده، فلا يضعها حتى يقتل إنسانا و لو لا وجود الحاجب سلامة لأهلك الناس.

خلافة أبي العباس أحمد الراضي باللّه بن المقتدر

ثم قام بالأمر بعده أخوه، أبو العباس أحمد الراضي باللّه بن المقتدر بن المعتضد. بويع له بالخلافة يوم خلع عمه القاهر. و استوزر أبا علي بن مقلة، و أطلق كل من كان في حبس القاهر، ثم استدعى بالأمير محمد بن رائق، و كان بواسط متغلبا عليها، لأن الضرورة ألجأته إلى ذلك، لاضطراب الأمور عليه، و لضعف من يلي الوزارة عن القيام بها.

فقدم ابن رائق بغداد فجعله الراضي أمير الأمراء و فوض إليه تدبير المملكة، و خلع عليه و أعطاه اللواء. و من ذلك اليوم بطل أمر الوزارة ببغداد، و لم يبق إلا اسمها و الحكم للأمراء و الملوك المتغلبين. و كان قدومه لخمس بقين من ذي الحجة سنة أربع و عشرين و ثلاثمائة ثم دخلت سنة خمس و الدنيا في أيدي المتغلبين، و هم ملوك الأرض، و كل من حصل في يده بلد ملكه و مانع عنه، فالبصرة و واسط و الأهواز في يد عبد اللّه البريدي و أخويه، و فارس في يد عماد الدولة بن بويه، و الموصل و ديار بكر و ديار ربيعة و ديار مضر في يد بني حمدان، و مصر و الشام في يد الأخشيد بن طغج، و المغرب و افريقية في يد المهدي، و الأندلس في يد بني أمية، و خراسان و ما

134

والاها في يد نصر بن أحمد الساماني، و اليمامة و هجر و البحرين في يد أبي طاهر القرمطي، و طبرستان و جرجان في يد الديلم. و لم يبق في يد الراضي و ابن رائق سوى بغداد و ما والاها فبطلت دواوين المملكة، و نقص قدر الخلافة و ضعف ملكها. و عم الخراب لذلك.

و توفي الراضي ليلة السبت خامس عشر ربيع الأول، سنة تسع و عشرين و ثلاثمائة بعلة الاستسقاء و التنحنح. و كان أكبر أسباب علته من كثرة الجماع، و هو ابن اثنتين و ثلاثين سنة و أشهر، و خلافته ست سنين و عشرة أشهر. و كان سمحا جوادا، واسع الصدر أديبا شاعرا، حسن البيان. و قيل: إن عمره كان اثنتين و ثلاثين سنة و خلافته ست سنين و عشرة أيام كان قصيرا أسمر نحيفا، و له شعر جيد مدون. و خطب بالناس في سامرا فأبلغ و أجاد، و مرض أياما ثم قاء دما كثيرا و مات.

خلافة ابراهيم المتقي باللّه‏

ثم قام بالأمر بعده، أخوه أبو العباس إبراهيم المتقي باللّه بن المقتدر بن المعتضد. بويع له بالخلافة يوم موت أخيه الراضي، فصلى ركعتين و صعد على السرير. و كان ذا دين و ورع، و لهذا لقبوه المتقي باللّه، فكان تدبير المملكة إلى الأمير حكم التركي و ليس للمتقي إلا الإسم. ثم إن نوروز استولى على بغداد و خلع المتقي باللّه و سلمه لابن عمه المستكفي باللّه، فأخرجه إلى جزيرة بقرب السندية، و أكحله بعد أن أشهد على نفسه بالخلع. و ذلك يوم السبت لعشر بقين من صفر، سنة ثلاث و ثلاثين و ثلاثمائة. و كانت خلافته ثلاث سنين و أحد عشر شهرا، و قيل: كانت أربع سنين و توفي سنة سبع و سبعين و ثلاثمائة. و كان مولده في سنة سبع و تسعين و مائتين فأبوه أكبر بخمس عشرة سنة. و كان كثير الصوم و التهجد يدمن التلاوة في المصحف و لا يشرب مسكرا و عاش بعد خلعه أربعا و عشرين سنة.

خلافة عبد اللّه المستكفي باللّه بن المكتفي‏

ثم قام بالأمر بعده، ابن عمه أبو العباس عبد اللّه المستكفي باللّه بن المكتفي بن المعتضد.

بويع له بالخلافة يوم خلع ابن عمه المتقي باللّه، و لما ولي الخلافة خلع على نوروز و فوض إليه تدبير المملكة. و في أيامه قدم معز الدولة ابن بويه بغداد، فخلع عليه و فوض إليه ما وراء بابه، و ضرب السكة باسمه، و أمر أن يخطب له على المنابر، و لقبه بمعز الدولة، و لقب أخاه أبا الحسن عليا بعماد الدولة، و هو أكبر بني بويه، له خبر عجيب سيأتي إن شاء اللّه تعالى في باب الحاء المهملة، في لفظ الحية. و لقب أخاهم أبا الفتح بركن الدولة، و هو أوسطهم. و له خبر عجيب أيضا يأتي إن شاء اللّه تعالى في باب الدال المهملة في لفظ الدابة.

و كان قدوم معز الدولة في سنة أربع و ثلاثين و ثلاثمائة، و فيها كان خلع المستكفي باللّه، و سبب ذلك أن معز الدولة بلغه أن المستكفي قد دبر على هلاكه، فدخل على المستكفي و قبل الأرض ثم قبل يديه، فطرح له كرسي فجلس عليه، ثم تقدم لديه جلان من الديلم و مدا أيديهما

135

إلى المستكفي، فظن أنهما يريدان تقبيل يده، فمدها إليهما، فجذباه من على السرير و جعلا عمامته في عنقه، ثم سحب إلى معز الدولة و اعتقل ثم خلع، و سملت عيناه، و انتهبت دار الخلافة حتى لم يبق فيها شي‏ء. و ذلك لثمان بقين من جمادى الآخرة سنة أربع و ثلاثين و ثلاثمائة. و توفي في دار معز الدولة في سنة ثلاث و أربعين و ثلاثمائة و هو ابن ست و أربعين سنة و كانت خلافته سنة و أربعة شهور.

خلافة أبي الفضل المطيع للّه ابن المقتدر و هو السادس فخلع‏

ثم قام بالأمر بعده، ابن عمه أبو الفضل المطيع للّه ابن المقتدر بن المعتضد. بويع له بالخلافة و له يومئذ أربع و ثلاثون سنة، يوم خلع ابن عمه المستكفي باللّه، و تدبير المملكة إلى معز الدولة بن بويه، و في أيامه توفي معز الدولة ببغداد في سنة ست و خمسين و ثلاثمائة. و كانت مدة ملكه بالعراق إحدى و عشرين سنة و أحد عشر شهرا. كان ملكا شجاعا مقداما قوي القلب، إلا أنه كان في أخلاقه شراسة، فما زالت التجارب تحنكه و السعادة تخدمه و ترفعه، إلى أن بلغ الغاية التي لم يبلغها قبله أحد في الإسلام، إلا الخلفاء.

و لما توفي قام ولده عز الدولة بختيار بتدبير المملكة، و قلده المطيع للّه موضع والده، و خلع عليه و استقل بالأمور. و في أيامه أيضا توفي كافور الاخشيدي صاحب مصر، في سنة ثمان و خمسين و ثلاثمائة، و كانت مدة ملكه اثنتين و عشرين سنة، و فيها قدم جوهر القائد، غلام المعز لدين اللّه صاحب القيروان، مصر. فأقام الدعوة بها للمعز لدين اللّه و بايعه بها الناس على ذلك. و انقطعت الخطبة بمصر عن بني العباس، و شرع جوهر القائد في بناء القاهرة لإسكان الجند بها، ثم دخل المعز لدين اللّه مصر لثمان مضين من شهر رمضان سنة اثنتين و ثلاثمائة. و هو أول الخلفاء الفاطميين، بمصر.

و لما تغلب سبكتكين التركي على بغداد، و كان أكبر حجاب معز الدولة، و لم تزل منزلته ترتفع عند معز الدولة، حتى عظم أمره و نفذت كلمته، و خاف المطيع للّه منه على نفسه، و انضاف إلى ذلك أنه لازمه مرض، فخلع نفسه من الخلافة طائعا، و سلمها لولده عبد الكريم و قيل أبي بكر و قيل إنها كنيته، و سماه الطائع للّه و ذلك لثلاث عشرة ليلة خلت من ذي القعدة سنة ثلاث و ستين و ثلاثمائة ثم توفي بدير العاقول‏ (1) ، سنة أربع و ستين و ثلاثمائة و كان بين خلعه و موته شهران.

و كان عمره ثلاثا و ستين سنة و كان وطئ الجانب كثير الصدقات، غير أنه كان مغلوبا على أمره و ليس له من الخلافة إلا الإسم و كانت خلافته تسعا و عشرين سنة و أربعة شهور رحمة اللّه تعالى عليه.

خلافة أبي بكر عبد الكريم الطائع للّه‏

ثم قام بالأمر بعده، ولده عبد الكريم أبو بكر الطائع للّه، بويع له بالخلافة يوم خلع أبوه

____________

(1) دير العاقول: دير بين مدائن كسرى و النعمانية بالقرب من بغداد.

136

نفسه، من الخلافة و عمره سبع و أربعون سنة، و لم يل الخلافة من بني العباس من هو أكبر سنا. قال صاحب رأس مال النديم: إنه لم يتقلد الخلافة من أبوه حي، سوء الطائع للّه و الصدّيق رضي اللّه تعالى عنه، و كلاهما اسمه أبو بكر. و هو السادس، فخلع كما سيأتي إن شاء اللّه تعالى و ذلك إذا لم يعد ابن المعتز و إن عد فالمطيع هو السادس، و قد خلع نفسه لما حصل له من الفالج، و لما ولي، أعني الطائع خلع على سبكتكين التركي، و ولاه ما وراء بابه.

و في أيام الطائع استولى الملك عضد الدولة بن ركن الدولة بن بويه، على بغداد و ملكها، فخلع عليه الطائع للّه الخلع السلطانية، و توجه و طوقه و سوره. و عقد له لواءين، و ولاه ما وراء بابه.

و تسلم عضد الدولة الوزير أبا طاهر بن بقية (1) وزير عز الدولة و صلبه، فرثاه أبو الحسن بن الأنباري‏ (2) بمرثية لم يسمع في مصلوب مثلها فلنأت بها و هي هذه‏ (3) :

علو في الحياة و في الممات # لحق أنت إحدى المعجزات

كأن الناس حولك إذ أقاموا # وفود نداك أيام الصّلات‏ (4)

كأنك قائم فيهم خطيبا # و كلهم قيام للصلاة

مددت يديك نحوهم احتفاء # كمدكها إليهم بالهبات‏ (5)

و لما ضاق بطن الأرض عن أن # يضم علاك من بعد الممات

أصاروا الجو قبرك و استعاضوا # عن الأكفان ثوب السافيات

لعظمك في النفوس تبيت ترعى # بحراس و حفاظ ثقات‏ (6)

و توقد حولك النيران قدما # كذلك كنت أيام الحياة (7)

ركبت مطية من قبل زيد # علاها في السنين الماضيات

و تلك قضية فيها تأس # تباعد عنك تعيير العداة (8)

و لم أر قبل جذعك قط جذعا # تمكن من عناق المكرمات

أسأت إلى النوائب فاشتثارت # فأنت قتيل ثأر النائبات

و كنت تجيرنا من صرف دهر # فعاد مطالبا لك بالترات‏ (9)

و صير دهرك الإحسان فيه # إلينا من عظيم السيئات

و كنت لمعشر سعدا فلما # مضيت تفرقوا بالمنحسات

غليل باطن لك في فؤادي # حقيق بالدموع الجاريات‏ (10)

____________

(1) هو الوزير أبو الطاهر محمد بن محمد بن بقية بن علي و لقبه نصير الدولة، قبض عليه عز الدولة بختيار بن معز الدولة بن بويه، و سمل عينيه سنة 366 هـ- بمدينة واسط. ثم قتل و صلب أيام عضد الدولة سنة 367 هـ-. ببغداد

(2) ابن الانباري: أبو الحسن، محمد بن عمر بن يعقوب، من عدول بغداد، شاعر مقل كاتب، صوفي واعظ توفي سنة 390 هـ-.

(3) الأبيات في وفيات الأعيان: 5/120.

(4) في الوفيات: «... حين أقاموا» .

(5) في الوفيات: «كمدهما إليهم... » .

(6) في الوفيات: «بحفاظ و حراس ثقات» .

(7) في الوفيات: «و تشعل عنك النيران ليلا» .

(8) في الوفيات: «و تلك فضيلة فيها... » .

(9) في الوفيات: «من صرف الليالي» . و الترات: الانتقام.

(10) في الوفيات: «يخفق بالدموع... » .

137

و لو أني قدرت على قيام # بفرضك و الحقوق الواجبات

ملأت الأرض من نظم القوافي # و نحت بها خلاف النائحات

و لكني أصبر عنك نفسي # مخافة أن أعد من الجناة

و مالك تربة فأقول تسقى # لأنك نصب هطل الهاطلات

عليك تحية الرحمن تترى # برحمات غواد رائحات‏

و توفي الملك عضد الدولة بن بويه في ذي الحجة سنة اثنتين و سبعين و ثلاثمائة، و هو ابن تسع و أربعين سنة و أحد عشر شهرا أو كان له ملك العراق و كرمان و عمان و خوزستان و الموصل و ديار بكر و حران و منيج. و كانت مدة ملكه ببغداد خمس سنين. و كان ملكا فاضلا، جليلا عظيما، مهيبا صارما، كريما شجاعا بطلا ذكيا، و له في الذكاء أخبار عجيبة و نكت غريبة، ليس هذا موضع ذكره. و هو أول من تسمى بملك في الإسلام. و لما احتضر جعل يقول: مََا أَغْنى‏ََ عَنِّي مََالِيَهْ `هَلَكَ عَنِّي سُلْطََانِيَهْ (1) و يرددها حتى مات، و لما مات كتم موته و دفن بدار المملكة ببغداد. ثم ظهر موته و أخرج من قبره، و حمل إلى مشهد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي اللّه تعالى عنه فدفن به.

و كان عضد الدولة قد بنى المشهد قبل موته، كما سيأتي إن شاء اللّه تعالى في باب الفاء في لفظ الفهد. و مما يحكى أن عضد (2) الدولة خرج يوما إلى بستان له متنزها فقال: ما أطيب يومنا هذا لو ساعدنا فيه الغيث فجاء المطر في الوقت فقال‏ (3) :

ليس شرب الراح إلا في المطر # و غناء من جوار في السّجر

ناعمات سالبات للنهى # ناغمات في تضاعيف الوتر (4)

مبرزات الكأس من مطلعها # ساقيات الراح من فاق البشر

عضد الدولة و ابن ركنها # ملك الأملاك غلاب القدر (5)

سهل اللّه له بغيته # في ملوك الأرض ما دار القمر

و أراه الخير في أولاده # ليساس الملك منهم بالغرر

فلم يفلح بعد هذه الأبيات و عوجل بقوله غلاب القدر، و لما مات عضد الدولة قام بتدبير المملكة بعده ولده بهاء الدولة فخلع عليه الطائع للّه و قلده ما كان بيد أبيه.

ثم إن بهاء الدولة أمسك الطائع للّه و اعتقله، و نهب دار الخلافة ثم أشهد على الطائع بخلع نفسه من الخلافة. و ذلك في شهر شعبان سنة إحدى و ثمانين و ثلاثمائة و أقام مخلوعا معتقلا إلى أن

____________

(1) سورة الحاقة: الآية 29.

(2) عضد الدولة، أبو شجاع فناخسرو، الملقب عضد الدولة بن ركن الدولة أبي علي الحسن بن بويه الديلمي، تسلم بلاد فارس بعد عمه عماد الدولة، و كان ممدّحا جوادا.

(3) الأبيات في وفيات الأعيان: 4/54.

(4) في الوفيات: غانيات سالبات للنهى ناعمات في... » .

(5) في البيت فساد في المعنى، فلا راد لقضاء اللّه و قدره، و اللّه فعّال لما يريد. و يقال، إن عضد الدولة لم يعش بعد هذه الأبيات إلا أياما و مات بالصّرع.

138

توفي في ليلة عيد الفطر سنة ثلاث و تسعين و ثلاثمائة و كانت خلافته سبع عشرة سنة و تسعة أشهر.

و عمره ثمان و سبعون سنة و كان مربوعا أشقر كبير الأنف شديد القوة في خلقه حدة، كريما شجاعا بطلا جوادا سمحا إلا أن يده كانت قصيرة مع ملوك بني بويه رحمة اللّه تعالى عليه.

خلافة أبي العباس أحمد القادر باللّه بن إسحاق‏

ثم قام بالأمر بعده، أبو العباس أحمد بن إسحاق بن المقتدر بن المعتضد. بويع له بالخلافة ليلة خلع الطائع للّه و عمره يومئذ أربع و أربعون سنة. و كان كثير البرّ و الصدقات، مريدا للفقراء مؤثرا للتبرك بهم، لكنه كان مقهورا على أمره. و توفي في ذي القعدة، و يقال في ليلة الأضحى، و يقال ليلة الحادي عشر من ذي الحجة سنة اثنتين و عشرين و اربعمائة، و هو ابن ست و ثمانين سنة و كانت خلافته إحدى و أربعين سنة و شهورا قيل: هي ثلاثة، و قيل إنه كان ابن سبع و ثمانين سنة.

و كان أبيض طويل اللحية. كبيرها يخضبها لشيبه. و كان دائم التهجد كثير الصدقات من الديانة على عفة اشتهرت عليه. له مصنف في السنة و ذم المعتزلة و الروافض. و كان يقرأ القرآن في كل جمعة مرة و يحضره الناس.

خلافة أبي جعفر عبد اللّه القائم بأمر اللّه بن القادر باللّه‏

ثم قام بالأمر بعده، ابنه أبو جعفر عبد اللّه القائم بأمر اللّه بن القادر. بويع له بالخلافة يوم موت والده. و في أيامه كان ابتداء دولة السلاطين السلجوقية، و انقراض دولة بني بويه، و كانت مدة ملكهم مائة و سبعا و عشرين سنة، و ذلك في سنة ثلاثين و أربعمائة. ذكر ذلك ابن البطريق في تاريخه في حوادث سنة ست و أربعين.

و كان القائم بأمر اللّه أبيض اللون مليح الوجه مشربا بحمرة، ورعا زاهدا عابدا، مريدا لقضاء حوائج المسلمين موقرا لأهل العلم، معتقدا في الفقراء و الصالحين، حسن الطوية. و لم يقم أحد في الخلافة قدر إقامته، و كان كثير الصدقة، له فضل و علم، من خيار الخلفاء لا سيما بعد عوده للخلافة، في نوبة البساسيري فإنه صار يكثر الصيام و التهجد. و ما كان ينام إلا على سجادة و ما تجرد من ثيابه لنوم قط. و توفي القائم بأمر اللّه في سنة سبع و تسعين و أربعمائة لعشر ليال مضت من شعبان، و كانت خلافته أربعا و أربعين سنة و ثمانية أشهر و قيل تسعة أشهر و قيل خمسا و أربعين سنة و أمه أرمنية رحمه اللّه تعالى.

خلافة أبي القاسم المقتدي بأمر اللّه بن محمد بن القائم‏

ثم قام بالأمر بعده ولد ولده أبو القاسم عبد اللّه المقتدي بأمر اللّه بن محمد بن القائم بأمر اللّه. بويع له بالخلافة يوم وفاة جده القائم بأمر اللّه، في ثالث عشر شعبان سنة سبع و ستين و أربعمائة. و ذلك أن جده كان لما مرض افتصد، فانفجر فصاده، و خرج منه دم عظيم، فخارت قوته و عجر. فطلب ابن ابنه و عهد إليه بالأمر و لقبه المقتدي بأمر اللّه بمحضر من الأئمة و العلماء،

139

و كان ولد بعد موت أبيه ذخيرة الدين، بستة أشهر و عمرت بغداد في أيامه، و خطب له بالحجاز و اليمن و الشام.

حكي: أن المقتدي قدم إليه يوما طعام، فتناول منه و غسل يديه، و هو على أكمل حال و أحسن هيئة في نفسه و جسمه، و بين يديه قهرمانته شمس، فقال لها: ما هذه الأشخاص الذين دخلوا بغير إذن؟فالتفتت فلم تر أحدا، ثم نظرت إليه فرأته قد تغير وجهه، و استرخت يداه و انحلت قواه و سقط إلى الأرض، فظنت أنه قد غشي عليه، فإذا هو قد مات. فأمسكت نفسها عن البكاء، و استدعت الخادم فاستدعى الوزير أبا منصور، فبكيا و أحضرا أبا العباس أحمد المستظهر بن المقتدي و كان قد عهد إليه أبوه فعزياه و هنآه. و كان عمره ثلاثا و ثلاثين سنة.

و كانت خلافته تسع عشرة سنة و أشهرا قيل: هي ثلاثة و قيل: إن عمره كان تسعا و ثلاثين سنة و كان موته في المحرم سنة سبع و ثمانين و أربعمائة و يقال: إن جاريته سمته، و قد كان السلطان صمم على إخراجه من بغداد إلى البصرة و كانت حرمته وافرة بخلاف من كان قبله من الخلفاء رحمه اللّه تعالى.

خلافة المستظهر باللّه أبي العباس أحمد

ثم قام بالأمر بعده، ابنه المستظهر باللّه أبو العباس أحمد. بويع له بالخلافة يوم موت أبيه بعهد منه. و كان مولده في سنة سبعين و أربعمائة، و كان المستظهر كريم الأخلاق سخي النفس محبا للعلماء، حافظا للقرآن منكرا للظلم. و كان لين الجانب محبا للخير، جيد الأدب و الفضيلة، قوي الكتابة مسارعا في أعمال البر.

توفي لسبع بقين من شهر ربيع الآخر سنة إحدى عشرة و خمسمائة. و له إحدى و أربعون سنة. و قيل اثنتان و أربعون أو ثلاث بعلة التراقي و هي الخوانيق و خلف أولادا عدة، و توفيت جدته أرجوان بعده بيسير في خلافة ابنه المسترشد و هي سرية محمد الذخيرة. و كانت خلافته أربعا و قيل خمسا و عشرين سنة و ثلاثة أشهر رحمه اللّه تعالى.

خلافة أبي منصور الفضل المسترشد باللّه بن المستظهر

ثم قام بالأمر بعده، ابنه أبو منصور الفضل المسترشد باللّه بن المستظهر باللّه، بويع له بالخلافة يوم موت والده بعهد من أبيه، و سنه يومئذ سبع و عشرون سنة. و روي أنه ورد إليه رسل، فجلس لهم في جماعة من أهل بيته، فلما أحضروهم بين يديه، هجم عليهم الفداوية بالسكاكين فقتلوه و قتلوا معه جماعة من أصحابه. يقال إن مسعودا أخا السلطان محمود جهز عليه الفداوية.

و ذلك في سابع عشر ذي القعدة سنة تسع و عشرين و خمسمائة. و كانت خلافته سبع عشرة سنة و ثمانية شهور و قيل سبعة أو ستة أشهر و عاش أربعا و أربعين سنة، و قيل خمسا و أربعين و لم يل الخلافة بعد المعتضد باللّه أشهم منه. و كان بطلا شجاعا مقداما شديد الهيبة ذا رأي و فطنة و همة عالية ضبط الأمور و أحيا مجد بني العباس و جاهد غير مرة.

140
خلافة أبي منصور جعفر الراشد باللّه‏

هو السادس، فخلع كما سيأتي هذا إذا لم يعد ابن المعتز، و إلا فالسادس المسترشد، و قد هجم عليه قاعدته أي الباطنة، أرسلهم إليه السلطان سنجر الملقب ذا القرنين، فقتلوه ثم قام بالأمر بعده، يعني المسترشد، ابنه أبو منصور جعفر الراشد باللّه بن المسترشد بن المستظهر. بويع له بالخلافة يوم موت أبيه بعهد منه، فمكث ما شاء اللّه ثم وقع بينه و بين السلطان مسعود.

فاستخدم الراشد أجنادا كثيرة و تهيأ للقائه، فكاتب السلطان مسعود أتابك زنكي و استماله، و كذلك فعل بارتقش فأشارا على الراشد بالتوقف، و أقبل السلطان مسعود بجيوشه، فدخل بغداد في ذي القعدة، و قيل في ذي الحجة سنة ثلاثين و خمسمائة. فنهب دور الجند، و منع من نهب البلد.

و استمال الرعية و أحضر القضاة و الشهود فقدحوا في الراشد بأنه صدرت منه سيرة قبيحة من سفك الدماء المحرمة، و ارتكاب المنكرات، و فعل ما لا يجوز فعله، و شهدوا عليه بذلك فحكم قاضي قضاة الممالك و هو ابن الكرخي، و العلم عند اللّه تعالى بخلعه، فخلعوه لأربع عشرة من ذي القعدة سنة ثلاثين و خمسمائة.

و كان الراشد قد هرب هو و أتابك زنكي، إلى الموصل فطلبه السلطان مسعود، فهرب إلى فارس ثم دخل أصبهان، فحاصرها و تمرض هناك، فوثب عليه جماعة من الفداوية فقتلوه. و له إحدى و عشرون سنة و قيل ثلاثون سنة. و كانت خلافته إلى أن خلع منها سنة إلا أياما، و كان قتله في سنة اثنتين و ثلاثين و خمسمائة و هو صائم، في اليوم السادس و العشرين من شهر رمضان، و قيل:

إنه كان قد سقي أيضا، و دفن في جامع حيي. و خلف بضعا و عشرين ولدا ذكرا، و خطب له بولاية العهد أكثر أيام أبيه، و كان شابا أبيض مليحا تام الشكل شديد البطش، شجاع النفس حسن السيرة شاعرا فصيحا جوادا كريما لم تطل دولته رحمة اللّه تعالى.

خلافة أبي عبد اللّه محمد المقتفي لأمر اللّه‏

ثم قام بالأمر بعده، عمه أبو عبد اللّه محمد بن المستظهر بن المقتدي. بويع له بالخلافة يوم خلع ابن أخيه. و لقب بالمقتفي لأمر اللّه، و سبب لقبه بهذا أنه رأي النبي صلى اللّه عليه و سلم في المنام، قبل خلافته بستة أشهر، و قيل بسنة، و هو يقول له: إنه سيصل إليك هذا الأمر فاقتف بي، و كان آدم اللون بوجهه أثر جدري، مليح الشيبة عظيم الهيبة، سيدا عالما فاضلا، دينا حليما شجاعا، فصيحا مهيبا خليقا للإمارة، كامل السؤدد عظيم المملكة بيده أزمة الأمور كان لا يجري في خلافته أمر، و إن صغر إلا بتوقيعه. و كانت أمه حبشية، كتب في أيام خلافته ثلاث ربعات.

و كانت وفاته بالخوانيق، في شهر ربيع الأول سنة خمس و خمسين و خمسمائة. و هو ابن ست و ستين سنة، و كانت خلافته ثلاثا و عشرين سنة و قيل: خمسا و عشرين سنة و قد جدد باب الكعبة، و عمل لنفسه من العقيق تابوتا دفن فيه. و قد رأيت فيما نقلته من خط صاحبنا الحافظ صلاح الدين خليل بن محمد الأقفهسي، فيما نقله من خط الصدر عبد الكريم، العلامة ابن العلامة علاء الدين القونوي أن القائم بالأمر بعد المقتفي المستظهر. كذا ذكره و لا أعلم من هذا المستظهر

141

فليحرر ذلك و قد ذكر الخلفاء كما هنا الذهبي على هذا الترتيب.

خلافة أبي المظفر يوسف المستنجد باللّه بن المقتفي‏

ثم قام بالأمر بعده، ابنه أبو المظفر يوسف المستنجد باللّه بن المقتفي، و كان أبوه ولاه العهد في سنة سبع و أربعين و خمسمائة. بويع له بالخلافة بعد موت أبيه بيوم و قيل بل يوم مات أبوه، قال ابن خلكان في ترجمته: و هنا نكتة لطيفة و هي أن المستنجد رأى في منامه، في حياة والده المقتفي أن ملكا نزل من السماء، فكتب في كفه أربع خاءات، فطلب معبرا و قص عليه ما رآه، فقال له: تلي الخلافة سنة خمس و خمسين و خمسمائة فكان كذلك. و توفي في سنة ست و سبعين و خمسمائة في ثامن شهر ربيع الثاني و حبس في حمام، و هو ابن ثمان و أربعين سنة و كانت خلافته إحدى و عشرين سنة و كان موصوفا بالعدل و الديانة و أبطل المكوس و قام كل القيام على المفسدين و له شعر وسط و أمه طاوس الكوفية أدركت دولته.

خلافة المستضي‏ء بنور اللّه بن المستنجد

ثم قام بالأمر بعده، ابنه أبو الحسن علي المستضي‏ء بنور اللّه بن المستنجد. بويع له بالخلافة يوم وفاة أبيه، و خطب له بالديار المصرية و اليمن، و كانت الدولة العباسية منقطعة منهما، من زمن المطيع، و كان جوادا كريما مؤثرا للخير كثير الصدقات معظما للعلم و أهله. و توفي في سنة خمس و تسعين و خمسمائة، و كانت خلافته تسع عشرة سنة و عاش تسعا و ثلاثين. و كان سمحا جوادا محبا للسنة، أمنت البلاد في زمنه، و أبطل مظالم كثيرة، و احتجب عن أكثر الناس و لم يكن يركب إلا مع مماليكه و لم يكن يدخل عليه غير الأمير قيماز (1) .

خلافة أبي العباس أحمد الناصر لدين اللّه‏

ثم قام بالأمر بعده، ابنه أبو العباس أحمد الناصر لدين اللّه بن المستضي‏ء. بويع له بالخلافة في بغداد يوم وفاة أبيه، في أول ذي القعدة سنة خمس و تسعين و خمسمائة، و عمره ثلاث و عشرون سنة فبسط العدل و أمر باراقة الخمور و كسر الملاهي و إزالة المكوس و الضرائب. فعمرت البلاد، و كثرت الأرزاق، و قصد الناس بغداد، و تبركوا به. توفي سنة اثنتين و عشرين و ستمائة، و هو ابن خمسين سنة و ذلك في سلخ شهر رمضان، و حمل على أعناق الرجال إلى البدرية و دفن بها رحمة اللّه تعالى عليه.

و كانت خلافته سبعا و عشرين سنة، و كان أبيض تركي الوجه، أقنى الانف مليحا خفيف العارضين، أشقر اللحية رقيق المحاسن، فيه شهامة و إقدام و له عقل و كان فيه دهاء و فطنة، و تيقظ و نهضة بأعباء الخلافة. و كان في أكثر الليل يشق الدروب و الأسواق. و كان الناس يتهيبون

____________

(1) هو أبو منصور قايماز بن عبد اللّه الزيني، لقبه مجاهد الدين الخادم، و هو من أهل سجستان، و كان كثير الخير و الصلاح مات سنة 595 هـ-.

142

لقاءه، و كان مستقلا بالأمور في العراق، متمكنا من الخلافة، يتولى الأمور بنفسه. و ما زال في عز و جلالة، و استظهار و سعادة، أظهر القسي و البندق و الحمام في أيامه و هو أطول بني العباس خلافة و كان له عيون على كل سلطان، يأتونه بالأخبار. و يحكى أن بعض الكبار كان يعتقد فيه أن له كشفا، و اطلاعا على المغيبات و في آخر أيامه أصابه الفالج بقي معه سنتين و ذهب عنه و كان فيه عسف للرعية.

خلافة الظاهر بأمر اللّه بن الناصر لدين اللّه‏

ثم قام بالأمر بعده، ابنه محمد الظاهر بأمر اللّه بن الناصر لدين اللّه. بويع له بالخلافة يوم موت أبيه، فعمل عزاءه ثلاثة أيام و أحسن إلى الناس و أبطل المكوس و أزال المظالم، و أرسل الخلع إلى أولاد الملك العادل أبي بكر بن أيوب، ثم إن حاجبه قرايغدي بلغه أنه يريد قتله، فهجم عليه و امسكه و أشهد عليه بالخلع، و قتله فعمل له العزاء في البلاد كلها لأجل إحسانه إليهم. و كان ذلك في سنة أربعين و ستمائة، و هو ابن ثلاثين سنة. و كانت خلافته ثماني عشرة سنة. هكذا لقيت هذه الترجمة في النسخة التي نقلت منها و فيها تخليط لأنها تحتوي على بعض ترجمة الظاهر بأمر اللّه و بعض ترجمة المستنصر باللّه و أظن أن ذلك من الناسخ. و هذه ترجمة كل واحد منهما على حدته و اللّه الموفق.

فالظاهر بأمر اللّه، هو أبو النصر محمد بن الناصر لدين اللّه أبي العباس أحمد بن المستضي‏ء بنور اللّه حسن بن أبي الحسن المستنجد باللّه أبي المظفر يوسف بن المقتفي لأمر اللّه أبي عبد اللّه محمد العباسي. كان أبوه قد خطب له بولاية العهد، فلما توفي تسلم الخلافة، و بايعه الكبار في يوم موته.

و كان مولد في سنة إحدى و سبعين و خمسمائة و وفاته في ثالث عشر رجب سنة ثلاث و عشرين و ستمائة، و له اثنتان أو ثلاث و خمسون سنة، و كانت خلافته تسعة أشهر، و قيل نصفا.

و كان جميل الصورة أبيض مشربا بحمرة، حلو الشمائل شديد القوى، فيه دين و عقل و وقار، و خير و عدل، حتى بالغ فيه ابن الأثير فقال: لقد أظهر من العدل و الإحسان ما أعاد به سنة العمرين. قيل له: أ لا تتفسح و تتنزه؟فقال لقد يبس الزرع. فقيل له يبارك اللّه في عمرك.

فقال: من فتح دكانه بعد العصر ايش يكسب؟ثم قال: إنه أحسن إلى الرعبة، و بذل الأموال و أزال المظالم، و أبطل المكوس، و كان يقول: الجمع شغل التجار، أنتم إلى إمام فعّال أحوج منكم إلى إمام قوّال، اتركوني أفعل الخير فيكم ما بقيت أعيش. و قد فرق ليلة العيد مائة ألف دينار على العلماء و الصالحين.

و المستنصر باللّه هو أبو جعفر، منصور بن الظاهر بأمر اللّه بن الناصر لدين اللّه العباسي، أمه تركية. ولد في سنة ثمان و ثمانين و خمسمائة. و بويع له بالخلافة بعد موت أبيه، بايعه إخوته، و كان أكبرهم، و بنو عمه، و هو إذ ذاك ابن خمس و ثلاثين سنة. مات في بكرة يوم الجمعة عاشر جمادى الثانية، سنة أربعين و ستمائة. و كان مليح الشكل كأبيه، و كان أشقر ضخما قصيرا، وخطه

143

الشيب فخضب بالحناء ثم ترك قال ابن الساعي‏ (1) : حضرت بيعته فلما رفعت الستارة و شاهدته و قد كمل اللّه صورته، و معناه كان أبيض مشربا بحمرة أزج‏ (2) الحاجبين، أدعج‏ (3) العينين سهل الخدين، أقنى الأنف رحب الصدر، عليه ثوب أبيض، و قباء أبيض، و طرحة قصب بيضاء، فجلس إلى الظهر.

و بلغني أن عدة الخلع التي خلعها بلغت ثلاثة آلاف خلعة و خمسمائة خلعة و سبعين خلعة.

و كانت خلافته وافرة الحشمة، و فيه عدل و دين و قمع للمتمردين، و نهضة بأعباء الخلافة، و وقف المدارس و المساجد و بذل الأموال و دانت له الملوك، و كان جده الناصر يحبه و يسميه القاضي لعقله و محبته للحق. و أنشأ المدرسة التي لا نظير لها في الدنيا، و استخدم عسكرا عظيما إلى الغاية حتى إن جريدة جيشه، بلغت نحو مائة ألف فارس استعدادا لحرب التتار، و قد خطب له بالأندلس و بعض بلاد المغرب.

و كانت خلافته سبع عشرة سنة، فاللّه يتغمده برحمته و مغفرته فلم يخلع هو و لا أبوه. و بهذا انقضت القاعدة إلا أن التتار كان أمرهم قد عظم في أيامهما، فأخذوا جملة مستكثرة من بلاد الإسلام، و فقد جلال الدين خوارزم شاه في أيام المستنصر في وقعة كانت بينه و بين التتار، و هذا أعظم و أطم من الخلع. ثم لم ينتظم لبني العباس في العراق أمر بحيث إن من ولي بعد هؤلاء لم يكملوا العدة المشروطة، فإن الذي جاء بعدهم واحد و هو المستعصم باللّه بن المستنصر و هو الذي قتله التتار. و انقرضت الدولة العباسية من العراق سنة ست و خمسين و ستمائة، فإن المستعصم قتل في الثامن و العشرين من المحرم كما ستراه في ترجمته إن شاء اللّه تعالى.

خلافة المستعصم باللّه‏

ثم قام بالأمر بعده، المستعصم باللّه و هو أبو أحمد عبد اللّه بن المستنصر باللّه أبي جعفر منصور بن الظاهر محمد بن الناصر العباسي، آخر الخلفاء العراقيين، و كانت دولتهم خمسمائة سنة و أربعا و عشرين سنة.

و كان مولد أبي أحمد في خلافة جد أبيه، قال المؤلف رحمه اللّه تعالى: بويع له بالخلافة يوم قتل الظاهر البيعة العامة و ذلك في جمادى الأولى سنة أربعين و ستمائة فظهر بهذه العبارة أن المؤلف جعل الترجمة السابقة للظاهر، و لم يجعل للمستنصر ترجمة و إن الناسخ نقل ذلك كما وجده.

فالاعتماد على ما ذكرته من ترجمتهما، و هو السادس فخلع و قتل، في أيام هولاكو، لما أخذ بغداد، سنة خمس و خمسين و ستمائة و كان ذلك بمواطأة وزيره ابن العلقمي، و سوء تدبير المستعصم، و اشتغاله بلعب الحمام، و بما لا يليق به. و كان قد خرج إلى هولاكو و معه الفقهاء و الصوفية فقتلوا عن آخرهم. و أخذ المستعصم فخلع و وضع في جوالق و ضرب بالمرازب و قيل بمداق الجص إلى أن

____________

(1) ابن الساعي: علي بن أنجب بن عثمان بن عبد اللّه، أبو طالب تاج الدين بن الساعي، مؤرخ ولد و مات في بغداد سنة 674 هـ-.

(2) أزج الحاجبين: طويل الحاجبين مع دقتهما.

(3) أدعج العينين: أسود العينين.

144

مات. و لم ينتظم لبني العباس بعده أمر، و ذلك في الثامن و العشرين من المحرم سنة ست و خمسين و ستمائة.

و كان السبب في قتله أن الطاغية هولاكو بن قبلاي خان بن جنكز خان المغلي، لما كان في أوائل سنة ست و خمسين و ستمائة قصد بغداد بجيش عرمرم، فخرج إليه الدويدار بالعسكر فالتقوا بطلائع هولاكو، و عليهم تايجو فانكسروا لقلتهم ثم أقبل تايجو فنزل غربي بغداد، و نزل هولاكو على شرقيها فأشار الوزير على الخليفة أن يخرج إلى هولاكو في تقرير الصلح، فخرج الكلب و توثق لنفسه، ثم رجع فقال: إن هولاكو رغب في أن يزوج ابنته بابنك، و أن تكون الطاعة له كالملوك السلجوقية، و يرحل عنك فخرج الخليفة في أكابر الوقت، و أعيان دولته ليحضروا العقد، فضربوا رقاب الجميع، و قتل الخليفة. و كان حليما كريما سليم الباطن، قليل الرأي حسن الديانة، مبغضا للبدعة و بالجملة ختم له بخير. فإن الكافر هولاكو أمر به و بولده أبي بكر فرفسا حتى ماتا. و ذلك في حدود آخر المحرم، و كان الأمر أشغل من أن يوجد مؤرخ لموته أو لمواراة جسده. فلا حول و لا قوة إلا باللّه العلي العظيم. و بقي الوقت بلا خليفة ثلاث سنين فلما كان في شهر رجب سنة تسع و خمسين و ستمائة بايع المصريون بمصر المستنصر باللّه.

خلافة المستنصر باللّه أحمد بن الخليفة الظاهر باللّه‏

هو أحمد بن الخليفة الظاهر باللّه بن محمد بن الناصر العباسي الأسود. كانت أمه حبشية و كان بطلا شجاعا، قدم مصر فعرفوه، و هو عم المستعصم المقتول. نهض بإقامة دولته و مبايعته السلطان الملك الظاهر (1) ففوض أمر الأمة إليه. ثم خرجا إلى الشام ثم إن الخليفة فارقه من ثم، و سار بعسكر نحو ألف ليملك بغداد فكان القتال بينه و بين التتار في آخر السنة فعدم في الوقعة، و كان في خدمته الحاكم أبو العباس أحمد فانهزم إلى الشام.

خلافة الحاكم بأمر اللّه‏

فلما كان في ثامن المحرم، سنة إحدى و ستين و ستمائة، عقد مجلس عظيم لعقد البيعة للخليفة، فأحضروا أبا العباس أحمد ابن الأمير أبي علي بن أبي بكر بن المسترشد باللّه بن المستظهر باللّه العباسي، فأثبت نسبه فعند ذلك مد السلطان الملك الظاهر يده و بايعه بالخلافة، ثم بايعه القضاة و الأمراء. و لقب بالحاكم بأمر اللّه فلما كان من الغد خطب خطبة أولها: الحمد للّه الذي أقام لبني العباس ركنا و ظهرا، ثم كتب بدعوته و إمامته إلى الأقطار و بقي في الخلافة أربعين سنة و أشهرا و كانت وفاته في جمادى الأولى سنة إحدى و سبعمائة و دفن عند السيدة نفيسة رحمة اللّه تعالى عليهما.

____________

(1) هو الملك السلطان الظاهر بييرس، تولى حكم مصر سنة 658 هـ. و توفي سنة 676 هـ و له المواقع العظيمة مع الإفرنج و التتار و البطولات و الفتوحات و الجهاد و يكفيه أنه عزز الخلافة.

145
خلافة المستكفي باللّه أبي الربيع سليمان بن الحاكم بأمر اللّه‏

عهد إليه بالأمر أبوه الحاكم بأمر اللّه، و قرئ تقليده بعد عزائه بوالده، و خطب له على المنابر في جمادى الأولى سنة إحدى و سبعمائة و استمر في الخلافة تسعا و ثلاثين سنة. و مات بقوص في شعبان سنة أربعين و سبعمائة، و هو ابن بضع و خمسين سنة رحمة اللّه تعالى عليه.

خلافة الحاكم بأمر اللّه أحمد بن المستكفي باللّه‏

كانت خلافته في المحرم سنة اثنتين و أربعين و سبعمائة بويع للحاكم بأمر اللّه أحمد بن المستكفي باللّه أبي الربيع سليمان بن الحاكم بأمر اللّه العباسي. و كان ولي عهد أبيه. هكذا ذكره الحسيني في ذيله على العبر، و ذكر الذهبي في آخر ذيله عليه في سنة أربعين و سبعمائة أن المستكفي، لما مات بويع لأخيه إبراهيم بغير عهد و استمر الحاكم في الخلافة إلى أن أتاه حمامه و هو بالقاهرة في سنة ثلاث و خمسين و سبعمائة.

خلافة المعتضد باللّه‏

بويع له بالخلافة، بعهد من أخيه الحاكم بأمر اللّه، و لقب بالمعتضد باللّه و هو أبو الفتح أبو بكر بن المستكفي باللّه أبي الربيع سليمان بن الحاكم بأمر اللّه أبي العباس أحمد بن أبي علي بن المسترشد باللّه العباسي، فكانت خلافته نحوا من عشرين سنة و مات في رابع جمادي الأولى سنة ثلاث و ستين و سبعمائة بالقاهرة.

خلافة المتوكل على اللّه‏

بويع له بالخلافة بعد وفاة أبيه بعهد منه، في سابع جمادى الثانية سنة ثلاث و ستين و سبعمائة. و كان مولده في سنة نيف و أربعين و سبعمائة أو قريب منها.

و هو أبو عبد اللّه محمد و قيل حمزة المتوكل على اللّه بن المعتضد باللّه العباسي، فاستقر في الخلافة إلى أن مات في شعبان سنة ثمان و ثمانمائة غير أنه تخلل فيها أعوام خلع فيها، و بويع لقريبه زكريا بن إبراهيم في ثالث عشر صفر، سنة تسع و سبعين و سبعمائة ثم أعيد بعد شهر و استمر إلى شهر رجب سنة خمس و ثمانين، فخلع و حبس و بويع لعمر بن المعتضد و لقب بالواثق ثم مات، فبويع لأخيه زكريا و لقب بالمستعصم و استمر المتوكل محبوسا إلى صفر سنة إحدى و تسعين، فأفرج عنه ثم ضيق عليه، و منع الناس من الدخول إليه فلما كان في سابع عشر شهر ربيع الأول أفرج عنه، فلما كان اليوم الأول من جمادى الأولى بويع و نزل إلى داره و في خدمته الأمراء القضاء و كان يوما مشهودا و استمر إلى أن مات رحمة اللّه تعالى عليه.

خلافة المستعين باللّه‏

هو أبو الفضل العباس بن المتوكل على اللّه أبي عبد اللّه محمد بن المعتضد أبي بكر بن

146

سليمان بن أحمد العباسي، عهد إليه أبوه بالخلافة، و كان قد عهد قبله لولده الآخر المعتمد على اللّه أحمد، ثم خلعه و ولى هذا و استمر أحمد مخلوعا إلى أن مات، فلما مات المتوكل، بويع ابنه العباس، في شهر رجب سنة ثمان و ثمانمائة و استمر في الخلافة إلى أن حوصر الملك الناصر فرج‏ (1) بن برقوق بدمشق، و قيل: بويع له بالسلطنة مضافة إلى الخلافة في يوم السبت خامس عشر المحرم، سنة خمس عشرة و ثمانمائة، اجتمع أهل الحل و العقد و القضاة و الأمراء و من حضر، فسألوه في ذلك فامتنع و اشتد امتناعه و صمم، ثم إنه أجابهم إلى ذلك بعد أن توثق منهم بالأيمان، و لم يغير لقبه.

و ضربت سكة الذهب و الفضة باسمه و تصرف بالولاية و العزل و في الحقيقة إنما كانت إليه العلامة و الخطبة فلما توجه العسكر إلى مصر كانت الأمراء كلهم في خدمته على هيئة السلطنة و لكن الحل و العقد للأمير شيخ‏ (2) . فلما كان اليوم الثامن من شهر ربيع الثاني دخل مصر، فشقها و الأمراء بين يديه، و كان يوما مشهودا فاستمر إلى القلعة فنزلها و نزل شيخ في الإصطبل بباب السلسلة فلما كان في اليوم الثامن. () (3) دخل شيخ و الأمراء إلى القصر، و جلس الخليفة على تخت المملكة، و خلع على شيخ خلعة عظيمة بطراز لم يعهد مثله، و فوض إليه أمر المملكة، و لقبه بنظام الملك. فكان يدعى لهما على المنابر في الحرمين و غيرهما.

و صار الأمراء إذا فرغوا من الخدمة في القصر، نزلوا إلى خدمة شيخ في الإصطبل، فأعيدت الخدمة عنده و وقع الإبرام و النقض، ثم يتوجه دويداره إلى الخليفة، فيعلم على المناشير و التواقيع، و استمر الأمر على ذلك مدة، و كان شيخ يظن أن الخليفة يتوجه إلى بيته و يستعفي من السلطنة، فلما لم يفعل أعرض عنه، و لم يبق عنده إلا من يخدمه من حاشيته، فلما كان في يوم الاثنين مستهل شعبان أحضر شيخ أهل الحل و العقد و القضاة و الأمراء و المباشرين، فبايعوه بالسلطنة و لقبوه بالملك المؤيد أبي النصر ثم إنه صعد القصر و جلس على تخت المملكة فقبل الأمراء الأرض بين يديه و صافحه القضاة و أهل الوظائف، و أرسل إلى الخليفة يسأله أن يشهد عليه بتفويض السلطنة له على عادة من تقدمه، فأجابه بشرط أن يذهب إلى بيته، فلم يوافقه على ذلك أياما ثم إنه نقله من القصر، و أنزله في دار من دور القلعة، و معه أهله و وكل به من يمنع الناس من الدخول إليه، فلما كان في ذي القعدة قطع الدعاء للخليفة على المنابر. و كان قبل أن يلي السلطنة يدعى له مع السلطان و استمر في الخلافة إلى أن خلع في سنة ست عشرة فلما خرج المؤيد إلى نيروز (4) أرسله إلى

____________

(1) الناصر فرج: هو الملك الناصر فرج بن برقوق بن أنس العثماني من ملوك الجراكسة في مصر بويع له بالسلطنة في مصر سنة 801 هـ-، قتل سنة 815 هـ-.

(2) شيخ: هو شيخ بن عبد اللّه المحمودي الظاهري، أبو النصر، من ملوك الجراكسة في مصر. كان عاقلا شجاعا يقول الشعر، مشيّدا للعمائر. مات سنة 824 هـ-.

(3) بياض في الأصل.

(4) نيروز الحافظي: نائب الديار الشامية أيام المؤيد الشيخ السالف الذكر، و قد تمرّد نيروز على المؤيد فجهز إليه جيشا و قضى عليه سنة 817 هـ- و قتل نيروز.

147

الإسكندرية فعقل بها، و لم يزل بها إلى أن استقر ططر (1) في المملكة، فأرسل في إطلاقه و أذن له في المجي‏ء إلى القاهرة فاختار الإقامة في الاسكندرية، لأنها لاقت بحاله، و استطابها و حصل له بها مال جزيل، من التجارة فاستمر إلى أن مات فيها شهيدا بالطاعون سنة ثلاث و ثلاثين و ثمانمائة.

فصل: فيما يجب على من يصحب الخلفاء الراشدين، و أمراء المؤمنين، و الملوك و السلاطين.

قال الشعبي: قال لي عبد اللّه بن عباس، قال لي العباس: اي بني إني أرى هذا الرجل، يعني عمر بن الخطاب رضي اللّه تعالى عنه، يقدمك على كثير من أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، و إني أوصيك بكلمات أربع لا تفشين لهم سرا، و لا تحدثنهم كذبا، و لا تطرين عندهم نصيحة، و لا تغتابن لديهم أحدا. قال الشعبي: فقلت لابن عباس: كل واحدة منهن خير من ألف، قال: إي و اللّه، و من عشرة آلاف. قال بعض الحكماء: إذا زادك السلطان إكراما، فزده إعظاما و إذا جعلك ولدا فاجعله سيدا، و إذا جعلك أخا فاجعله والدا، و لا تديمن النظر إليه، و لا تكاسر من الدعاء له، و لا تتغير منه إذا سخط، و لا تغتر به إذا رضي و لا تلح في مسألته و قد قيل في المعنى:

قرب الملوك يا أخا البدر السني # حظ جزيل بين شدقي ضيغم‏

قال الفضل بن الربيع‏ (2) : من كلم الملوك في حاجة في غير وقتها، جهل مقامه و ضاع كلامه، و ما أشبه ذلك إلا بأوقات الصلاة، التي لا تقبل إلا في وقتها. قال خالد بن صفوان‏ (3) : من صحب السلطان بالنصيحة و الأمانة، كان أكبر عدو له، ممن صحبه بالفسق و الخيانة، لأنه يجتمع على الناصح عدو السلطان و صديقه، بالعداوة و الحسد، فعدو السلطان يبغضه لنصيحته، و صديقه ينافسه في مرتبته. قال أفلاطون‏ (4) الحكيم: إذا خدمت ملكا، فلا تطعه في معصية ربك، فإن إحسانه إليك أفضل من إحسانه إليك، و إيقاعه بك أغلظ من إيقاعه بك. و قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم:

«من تواضع لغني لأجل غناه، ذهب ثلثا دينه» . رواه البيهقي في الشعب من حديث ابن مسعود و أنس بلفظ: «من أصبح حزينا على الدنيا، أصبح ساخطا على ربه، و من أصبح يشكو مصيبته فإنما يشكو ربه، و من دخل لغني فتضعضع له، ذهب ثلث دينه» .

و أخرج الديلمي، من حديث أبي ذر: «لعن اللّه فقيرا يتواضع لغني من أجل ماله. من فعل ذلك فقد ذهب ثلثا دينه» . و قد قال صلى اللّه عليه و سلم: «من ترك شيئا للّه عوضه اللّه خيرا منه» .

و روى‏ (5) أحمد عن بعض الصحابة مرفوعا «إنك لا تدع شيئا اتقاء اللّه إلا أعطاك اللّه خيرا منه» .

____________

(1) ططر: الظاهري الجركسي أبو سعيد، من ملوك الجراكسة في مصر، تقلد السلطنة سنة 824 هـ-، و مات في السنة ذاتها. و كان دينا لينا كريما.

(2) الفضل بن الربيع بن يونس، أبو العبّاس، وزير أديب، على عهد الرشيد العباسي و استقر على الوزارة أيام الأمين. مات سنة 208 هـ-.

(3) خالد بن صفوان.

(4) افلاطون: فيلسوف اليونان الأول، صاحب الجمهورية الفاضلة.

(5) رواه أحمد: 5/78، 79.

148

و قال افلاطون الحكيم: من لم يعتبر بالتجارب، أوقعه اللّه في المهالك. و قال: كفى بالتجارب تأديبا و بتقلب الأيام عظة. و قال: الملك كالنهر الأعظم تستمد منه الأنهار الصغار، فإن كان عذبا عذبت، و إن كان مالحا ملحت. و سئل عن الرجل العاقل فقال: من اجتمعت فيه خصال الأدب، و لا يقهره الغضب، لأن العقل أصله التثبت في الأمور، و ثمرته السلامة. و قال:

السلطان كالسوق ما راج فيه حمل إليه، و صاحب الملك كراكب الأسد تهابه الناس، و هو لمركوبه أهيب. و قال: من عرف ما يطلب، هان عليه ما يبذل. و من أطلق بصره، طال أسفه، و من طال أمله ساء عمله. و من أطلق لسانه، قيد نفسه. و من أصلح فاسده أرغم حاسده. و من قاسى الأمور، فهم المستور. و من أحب المكارم اجتنب المحارم. و من حسنت به الظنون، رمقته الرجال بالعيون. و قال الأدب ينوب عن الحسب. العفو يفسد اللئيم، بقدر ما يصلح الكريم. من شاور ذوي الألباب، دل على الصواب. من أمل إنسانا هابه، و من قصر عن شي‏ء عابه. من بالغ في الخصومة أثم، و من قصر عنها ظلم. و لا يستطيع أن يتقي اللّه من خاصم. من فرط في الأمانة ضدها عمل. من عرض نفسه لما قصر عنه فعله، فقد نقص في عين غيره. من جاد ساد، و من ساد قاد، و من قاد بلغ المراد. ظلم الأيامى و اليتامى مفتاح العقر. لا يصلح للصدر إلا من يكون واسع الصدر. ما تاه إلا وضيع، و لا فاخر إلا لقيط، و لا تعصب إلا بخيل، و لا أنصف إلا كريم. الحاجة إلى الأخ المعين، كالحاجة إلى الماء المعين. الكريم يلين إذا استعطف، و اللئيم يقسو إذا لوطف. أقرب الناس إلى اللّه، أكثرهم عفوا عند القدرة. و أنقص الناس عقلا من ظلم من هو دونه. من لم يكن له من نفسه واعظ، لم تنفعه المواعظ. من رضي بالقضاء، صبر على البلاء.

من عمر دنياه ضيع ماله. و من عمر آخرته بلغ آماله. القناعة عز المعسر، و الصدقة كنز الموسر.

من سره فساده ساء معاده. الشقي من جمع لغيره، و بخل على نفسه. الخير أجل بضاعة، و الإحسان أفضل صناعة. من استغنى عن الناس، أمن من عوارض الإفلاس. من رفع حاجة إلى اللّه، استظهر في أمره. و من رفعها إلى الناس وضع من قدره. من أبدى سر أخيه أبدى اللّه أسرار مساويه. أعص الجاهل تسلم، و أطع العاقل تغنم. ازدياد الأدب عند الأحمق، كازدياد الماء العذب في أصول الحنظلة، لا يزيدها إلا مرارة. مكتوب في الإنجيل: كما تدين تدان، بالكيل الذي تكيل تكال.

و كان بعض الخلفاء يتلطف في ادخال السرور على إخوانه، فيضع عندهم الصرة فيها ألف درهم، و يقول لبعضهم: امسكها حتى أعود إليك، ثم يرسل إليه بعض غلمانه فيقول له: أنت في حل من ذلك. و قال بعض الحكماء: أحزم الناس: من وقي نفسه بماله، و وفي دينه بنفسه، و أجود الناس: من عاش الناس في فضله. و أفضل اللذات التفضل على الإخوان. و قال: المعروف ذخيرة الأدب، و البر غنيمة الحازم، و الخير عطر الأخيار من بذل ماله، استعبد أمثاله. و من أذل فلسه، أعز نفسه. و إن صاحب المعروف لا يقع و إن وقع وجد متكأ. و قال: إمام عادل خير من مطر و إبل.

و سلطان غشوم خير من فتنة تدوم. و قال: فضل الملوك في الإعطاء، و شرفهم في العفو، و عزهم في العدل. و العدل هو نظام العالم.

149

و قال‏ (1) صلى اللّه عليه و سلم: «سبعة يظلهم اللّه في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل» . فبدأ بالعدل، و قال عليه الصلاة و السلام: «عدل السلطان يوما يعدل عبادة سبعين سنة» . و قال عليه الصلاة و السلام: «عدل ساعة في الحكومة خير من عبادة ستين سنة» . و قال صلى اللّه عليه و سلم: «السلطان ظل اللّه في الأرض، يأوي إليه كل مظلوم من عباده، فإن عدل كان له الأجر و على الرعية الشكر، و إن جار كان عليه الإثم و على الرعية الصبر» .

خلافة المعتضد باللّه أبي الفتح داود

بويع له بالخلافة في سابع عشر ذي الحجة سنة ست عشرة و ثمانمائة، عوضا عن أخيه المستعين باللّه، لما خلعه الملك السلطان المؤيد، فاستدعاه و أجلسه بينه و بين القاضي الشافعي صالح البلقيني و قرره في الخلافة فاستمر فيها إلى أن مات يوم الأحد الرابع من شهر ربيع الأول سنة خمس و أربعين و ثمانمائة و قد قارب السبعين بعد مرض طويل رحمة اللّه تعالى عليه.

خلافة المستكفي باللّه‏

هو سليمان أبو الربيع بن المتوكل على اللّه أبي عبد اللّه محمد بن أبي بكر بن سليمان بن أحمد العباسي. بويع له بالخلافة يوم مات أخيه شقيقه المعتضد باللّه بعهد منه في العشر الأول من شهر ربيع الأول من سنة خمس و أربعين و ثمانمائة. قال الشيخ صلاح الدين الصفدي‏ (2) في شرح لامية العجم. قلت: و كذلك العبيديون الذين تسموا بالفاطميين، خلفاء مصر، فأول من ملك منهم بالمغرب المهدي، ثم القائم ثم ابنه المنصور ثم المعز و هو أول من ملك مصر منهم كما تقدم، ثم العزيز ثم كان السادس الحاكم فقتلته أخته. و سيأتي له ذكر ان شاء اللّه تعالى في باب الحاء المهملة في لفظ الحمار. ثم قال: و إنها لما قتلته ولت ابنه الظاهر، ثم كان المستنصر ثم المستعلي ثم الآمر ثم الحافظ، ثم كان السادس الظافر، فخلع و قتل، ثم ولي ابنه الفائز، ثم العاضد و هو آخرهم.

قال: و كذلك بنو أيوب في ملك مصر، فأولهم صلاح الدين الملك الناصر، ثم ابنه العزيز ثم أخوه الأفضل بن صلاح الدين ثم العادل الكبير أخو صلاح الدين، ثم الكامل ولده، ثم كان السادس العادل الصغير، فقبض عليه أرباب دولته و خلعوه، و ولوا الملك الصالح نجم الدين أيوب، ثم ولده المعظم تورانشاه، و هو آخرهم.

قال: و كذلك دولة الاتراك، فأولهم: المعز عز الدين أيبك الصالحي، ثم ابنه المنصور، ثم المظفر قطز ثم الظاهر بيبرس، ثم ابنه السعيد محمد، ثم كان السادس العادل سلامش بن الظاهر بيبرس، فخلع. ثم ملك السلطان المنصور قلاوون الألفي انتهى.

____________

(1) رواه البخاري في الآذان: 36، و الزكاة: 16، و الرفاق: 54، و الحدود 19. و رواه مسلم في الزكاة: 91، و الترمذي في الزهد 53. و النسائي في القضاء 2.

(2) الصفدي: خليل بن أيبك بن عبد اللّه الصفدي، أديب مؤرخ. توفي سنة 764 هـ-.

150

و قد ذكر المؤلف رحمه اللّه تعالى دولة العبيديين، و غيرهم من ملوك مصر، على الإجمال مختصرا. و ها أنا أذكرهم مفصلا مبينا، و ذلك أن الحسين بن محمد بن أحمد بن عبد اللّه القداح، و ذلك أنه كان يعالج العيون، و يقدحها ابن ميمون بن محمد بن إسماعيل بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي اللّه عنهم، قدم إلى سلمية، قبل وفاته، و كان له بها ودائع و أموال، من ودائع جدّه عبد اللّه القداح، فاتفق أنه جرى بحضرته ذكر النساء، فوصفوا له امرأة يهودي حداد، مات عنها زوجها، و هي في غاية الحسن و الجمال، و له منها ولد يماثلها في الجمال، فتزوجها و أحبها و حسن موضعها منه، و أحب ولدها فعلمه فتعلم العلم، و صارت له نفس عظيمة و همة كبيرة، و كان الحسين يدّعي أنه الوصي، و صاحب الأمر، و الدعاة باليمن و المغرب يكاتبونه و يراسلونه، و لم يكن له ولد، فعهد إلى ابن اليهودي الحداد، و هو عبيد اللّه المهدي أول من ملك من العبيديين. و نسبهم إليه، و عرفه أسرار الدعوة من قول و فعل و أمر الدعاة، و أعطاه الأموال و العلامات، و أمر أصحابه بطاعته و خدمته، و قال: إنه الإمام و الوصي، و زوجه بابنة عمه، فوضع حينئذ المهدي لنفسه نسبا: و هو عبيد اللّه بن الحسين بن علي بن محمد بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي اللّه تعالى عنه.

بعض الناس يقول: إنه من ولد القداح، فلما توفي الحسين، و قام بعده المهدي، انتشرت دعوته، و أرسل إليه داعية بالمغرب يخبره بما فتح اللّه عليه من البلاد، و إنهم ينتظرونه فشاع خبره عند الناس، أيام المكتفي، فطلب فهرب هو و ولده أبو القاسم نزار الملقب بالقائم، و هو يومئذ غلام و معهما خاصتهما و مواليهما يريدان المغرب. فلما وصلا إلى افريقية أحضر الأموال منها، و استصحبها معه فوصل إلى رقادة في العشر الأخير من شهر ربيع الآخر، سنة سبع و تسعين و مائتين و نزل في قصر من قصورها، و أمر أن يدعى له في الخطبة يوم الجمعة في جميع تلك البلاد و يلقب بأمير المؤمنين المهدي و جلس للدعاء في يوم الجمعة. فأحضر الناس بالعنف، و دعاهم إلى مذهبه، فمن أجاب أحسن إليه و من أبي حبسه.

فابتداء دولتهم سنة سبع و تسعين و مائتين، فأولهم المهدي عبيد اللّه ثم ابنه القائم نزار، ثم ابنه المنصور اسماعيل، ثم ابنه المعز معد، و هو أول من ملك مصر من العبيديين، و كان ذلك في سابع عشر شعبان سنة ثلاث و خمسين و ثلاثمائة. و دعي له فيها يوم الجمعة العشرين من شعبان على المنابر، و انقطعت خطبة بني العباس من الديار المصرية من يومئذ، و كان الخليفة العباسي إذ ذاك المطيع للّه الفضل بن جعفر، و في يوم الثلاثاء سادس شهر رمضان سنة اثنتين و ستين و ثلاثمائة، دخل المعز مصر بعد مضي ساعة من اليوم المذكور، و كل هذا جاء بطريق الاستطراد. فإن المقصود خلافه، ثم العزيز بن المعز، ثم ابنه الحاكم أبو العباس أحمد، و هو السادس من العبيديين، فقتل لأنه خرج عشية يوم الاثنين، سابع عشر شوال سنة احدى عشرة و أربعمائة، و طاف على عادته في البلد، ثم توجه إلى شرقي حلوان، و معه ركابيان، فردهما، و انتظره الناس إلى ثالث ذي القعدة، ثم خرجوا في طلبه، فبلغوا ذيل القصر، و أمعنوا في الطلب فشاهدوا حماره على ذروة الجبل مضروب اليدين بالسيف، فتتبعوا الأثر فانتهوا إلى بركة هناك، و نزل شخص فيها فوجد سبع حبات مزررة، و فيها أثر السكاكين، فلم يشكوا حينئذ في قتله، ثم ابنه الظاهر أبو الحسن علي ثم‏

151

ابنه المستنصر، ثم ابنه المستعلي، ثم ابنه الآمر، ثم الحافظ عبد المجيد بن أبي القاسم محمد بن المستنصر، ثم ابنه الظافر و هو السادس، فقتل، و لم يل الخلافة بعده منهم إلا اثنان: ابنه الفائز، ثم العاضد عبد اللّه بن يوسف بن الحافظ.

و انقرضت دولة العبيديين في سنة سبع و ستين و خمسمائة، و ذلك في أيام المستضي‏ء بنور اللّه أبي محمد الحسن بن المستنجد العباسي.

و خلفهم بمصر السلطان السعيد الشهيد الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب، ثم ابنه الملك العزيز عثمان، ثم أخوه الأفضل، ثم الملك العادل الكبير أبو بكر بن أيوب، ثم ابنه الملك الكامل محمد، ثم ابنه الملك العادل الصغير و هو السادس فخلع، ثم الملك الصالح أيوب بن الكامل، ثم ابنه الملك المعظم تورانشاه، ثم أخوه الأشرف يوسف و هو ابن شجرة الدر، ثم المعز أيبك، ثم ابنه المنصور، علي، ثم المظفر قطز و هو السادس فقتل. ثم الظاهر بيبرس، ثم ابنه السعيد محمد بن بركة خان، ثم أخوه العادل سلامش، ثم المنصور قلاون، ثم ابنه الأشرف خليل، ثم القاهر بيدر و هو السادس أقام نصف يوم و قتل، ثم الناصر بن المنصور فخلع مرة بالعادل كتبغا، و خلع نفسه مرة أخرى فتسلطن مملوك أبيه المظفر بيبرس، ثم العادل كتبغا، ثم المنصور لاجين، ثم المظفر بيبرس، ثم المنصور أبو بكر بن الناصر بن المنصور، ثم أخوه الأشرف كجك فخلع ثم قتل و هو السادس، ثم أخوهم الناصر أحمد، ثم أخوهم الصالح إسماعيل، ثم أخوهم الكامل شعبان، ثم أخوهم المظفر حاجي، ثم أخوهم الملك الناصر حسن، ثم أخوهم الملك الصالح صالح و هو السادس فخلع و سجن، و أعيد الملك لمن كان قبله، و هو الملك الناصر حسن، ثم المنصور علي بن الصالح، ثم الأشرف شعبان بن حسين بن الناصر، ثم المنصور علي بن الأشرف شعبان بن حسين بن الناصر، ثم أخوه الصالح حاجي بن الأشرف، ثم الظاهر برقوق، ثم أعيد حاجي و لقّب بالمنصور، ثم أعيد برقوق، ثم ولده الناصر فرج، ثم أخوه العزيز، ثم أعيد فرج فخلع و قتل. ثم الخليفة المستعين باللّه العباسي، ثم الملك المؤيد أبو النصر شيخ، ثم ابنه الملك المظفر أحمد فخلع، ثم الملك الظاهر ططر، ثم ولده الملك الصالح محمد فخلع، ثم الملك الأشرف برسباي، ثم ابنه الملك العزيز يوسف فخلع، ثم الملك الظاهر جقمق، ثم ولده الملك المنصور عثمان فخلع، ثم الملك الأشرف أينال، ثم ولده الملك المؤيد أحمد فخلع، ثم الملك الظاهر خشقدم، ثم الملك الظاهر بلباي فخلع، ثم الملك الظاهر تمريغا فخلع، ثم الملك الظاهر خاير بك فخلع من ليلته، ثم الملك الأشرف قايتباي، ثم ولده الملك الناصر محمد فقتل، ثم الملك الظاهر قانصوه خال الملك الناصر محمد فخلع، ثم الملك الأشرف جانبلاط فخلع و قتل، ثم الملك العادل طومان باي فخلع و قتل، ثم الملك الأشرف قانصوه الغوري، ثم السلطان سليم بن محمد بن بايزيد بن عثمان، ثم ولده السلطان سليمان، ثم ولده السلطان سليم، ثم ولده السلطان مراد، نصره اللّه نصرا عزيزا، و فتح له فتحا مبينا، بمحمد و آله صلى اللّه عليه و سلم و الحمد للّه وحده، و قد أطلنا الكلام في ذلك و لكن لا يخلو من فائدة أو فوائد.

و لنرجع إلى ما قصدنا من الكتاب، و اللّه تعالى الموفق للصواب، فنقول: و هو أي الأوز يحب السباحة في الماء، و فرخة يخرج من البيض، فيسبح في الحال، و إذا حصنت الأنثى، قام الذكر

152

يحرسها لا يفارقها طرفة عين و تخرج فراخها في أواخر الشهر. و في المجالسة للدينوري و الأذكياء (1)

لأبي الفرج بن الجوزي عن محمد بن كعب القرظي قال: جاء رجل إلى سليمان بن داود عليهما الصلاة و السلام، فقال: يا نبي اللّه إن لي جيرانا يسرقون أوزي، فنادى: الصلاة جامعة، ثم خطبهم فقال في خطبته: و أحدكم يسرق أوز جاره، ثم يدخل المسجد و الريش على رأسه، فمسح رجل رأسه بيده، فقال سليمان: خذوه فإنه صاحبكم.

و حكمه:

حل الأكل بالإجماع.

الخواص:

لحم الأوز و البط كثير الحرارة و الرطوبة، و بقراط (2) الحكيم يقول: إنه أرطب الطير الحضري، و أجودها المخاليف، و هو يخصب الأبدان، لكنه يملؤها فضولا و دفع ضررها نفخ البورق‏ (3) في حلوقها، قبل الذبح، و هو يولد خلطا بلغميا، و يوافق أصحاب الأمزجة الحارة، و يختار أن يطلى لحمها قبل الشي بالزيت، لتذهب زهومته، و في طبخه أن يكثر من الأبازير الحارة ليزول غلظه و زهومته، لأنه كثير الفضول غير موافق للمعدة لعسر انهضامه، و هو لتكثيره الفضول يسرع إلى توليد الحميات. قال القزويني: إذا شويت خصية الأوز و أكلها الرجل و جامع زوجته من وقته فإنها تعلق بإذن اللّه تعالى. و في جوفه حصاة تمنع من الاستطلاق، إذا شربها المبطلون نفعته. و دهنه ينفع من ذات الجنب و داء الثعلب، إذا طليا به. و أكل لسانه ينفع من تقطير البول، إذا ديم عليه و غذاؤه جيد إلا أنه بطي‏ء الهضم. و أما بيضه فمعتدل الحرارة، لكنه غليظ و أنفعه النيمبرشت لكنه يضر بأصحاب القولنج‏ (4) ، و الرياح و الدوار، و أكله بالصعتر و الملح يدفع ضرره، و هو يولد دما منتنا، و يوافق أصحاب الأمزجة الحارة. و هو وبيض النعام غليظان بطيئا الانهضام. فمن أحب أكلهما فليقنع بصفرتهما و يجب أن يعلم أن الصفرة، من كل بيض، ألطف من البياض، و البياض أرطب من الصفرة، و أغذى البيض و ألطفه ذو الصفرة، و أقله غذاء ما كان من دجاج لا ديك لها، و هذا النوع لا يتولد منه حيوان و لا مما يباض في نقصان القمر على الأكثر، لأن البيض من الاستهلال إلى الإبدار يمتلئ، و يرطب فيصلح للكون، و بالضد من الابدار إلى المحاق و سيأتي إن شاء اللّه تعالى ذكر بيض الحجل و الدجاج في أماكنها.

الإلقة:

السعلاة، و قيل الذئبة، و سيأتيان إن شاء اللّه تعالى في باب السين المهملة و الذال المعجمة.

الإلق:

بالكسر الذئب و الأنثى القة و جمعهما الق. و ربما قالوا للقردة الالقة و لا يقال للذكر الق و لكن قرد و رباح.

الأودع:

اليربوع. قاله الجوهري: و سيأتي إن شاء اللّه في باب الياء آخر الحروف.

الأورق‏

: من الإبل الذي لونه بياض إلى سواد. قاله الجوهري و هو أطيب الإبل لحما و ليس بمحمود عندهم في عمله و سيره.

____________

(1) الأذكياء: 17. و أبو الفرج هو عبد الرحمن بن علي الجوزي المتوفّي سنة 597 هـ- في بغداد.

(2) بقراط: طبيب و عالم يوناني.

(3) البورق: النطرون.

(4) القولنج: ألم الأمعاء.