حياة الحيوان الكبري - ج1

- الدميري المزيد...
520 /
153

الأوس:

الذئب و به سمي الرجل. و أويس اسم للذئب جاء مصغرا مثل الكميت و اللجين. قال الهذلي:

يا ليت شعري عنك و الأمر أمم # ما فعل اليوم أويس بالغنم‏

و قال الكميت‏ (1) :

كما خامرت في حضنها أم عامر # لذي الحبل حتى عال أوس عيالها

لأن الضبع، إذا صيدت و لها ولد من الذئب، لم يزل الذئب يطعم ولدها إلى أن يكبر. قاله الجوهري. قال و قوله: لذي الحبل، أي للصائد الذي يعلق الحبل في عرقوبها. و سيأتي هذا إن شاء اللّه تعالى في العسبار أيضا.

روى الحافظ أبو نعيم بسنده إلى حمزة بن أسد الحارثي، قال: «خرج رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم في جنازة رجل من الأنصار إلى بقيع الغرقد، فإذا ذئب مفترش ذراعيه، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: هذا أويس فافرضوا له فلم يفعلوا» انتهى. و سيأتي إن شاء اللّه تعالى في باب الذال المعجمة في لفظ الذئب قصة وافد الذئاب على رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم. و بهذا سمي أويس بن عامر القرني أدرك النبي صلى اللّه عليه و سلم و لم يره، و سكن الكوفة و هو من أكبر تابعيها.

روى مسلم عن أسيد بن جابر عن عمر بن الخطاب رضي اللّه تعالى عنه، أن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم قال: خير التابعين رجل يقال له أويس القرني، يأتي عليكم في أمداد أهل اليمن لو أقسم على اللّه لأبره، فإن استطعت أن يستغفر لك فافعل‏ (2) » . فلما قدم على عمر رضي اللّه تعالى عنه سأله أن يستغفر له فاستغفر له الحديث بطوله. و قتل أويس يوم صفين مع علي بن أبي طالب رضي اللّه تعالى عنه.

و روى‏ (3) أحمد بن حنبل رضي اللّه تعالى عنه في الزهد عن الحسن البصري أنه قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: «يدخل الجنة بشفاعة رجل من أمتي أكثر من ربيعة و مضر» . قال الحسن: هو أويس القرني، و هو منسوب إلى قرن بفتح الراء، قبيلة من مراد. و للجوهري رحمه اللّه في ذلك غلط مشهور.

و خرج ابن السماك عن يحيى بن جعفر، قال: حدثنا شبابة بن سوار قال: حدثنا جرير بن عثمان عن عبد اللّه بن ميسرة و حبيب بن عبيد الرحبي، عن أبي أمامة قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم:

«يدخل الجنة بشفاعة رجل من أمتي مثل أحد الحيين ربيعة و مضر. قيل: يا رسول اللّه و ما ربيعة من مضر؟قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: إنما أقول ما أقول‏ (4) » . قال فكان المشيخة يرون أن ذلك الرجل عثمان بن عفان رضي اللّه تعالى عنه. و ذكر القاضي عياض في الشفاء عن كعب أن لكل رجل من

____________

(1) هو الكميت بن زيد الأسدي المتوفّى سنة و البيت في كتاب الحيوان للجاحظ: 1/198.

(2) رواه مسلم في فضائل الصحابة: 224. و ابن حنبل: 1/38 و 3/480.

(3) ابن حنبل 4/212 و رواه مسلم في الزهد: 38.

(4) رواه الترمذي في القيامة: 12 و ابن ماجة زهد: 37. و الدارمي رفاق: 87، و أحمد: 3/63، 469...

154

الصحابة شفاعة. و ذكر ابن المبارك. قال: أخبرنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر أنه بلغه أن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم قال: «يكون في أمتي رجل يقال له صلة بن أشيم يدخل الجنة بشفاعته كذا و كذا» .

ايلس:

قال القزويني‏ (1) إنه نوع من السمك عظيم جدا و حيوانات البحر كلها تصاد سواه. و من خواصه إنه إذا شوي و أكل منه شخصان معا بينهما عداوة و خصومة تبدلت ألفة.

الأيم و الأين‏

: الحية و قال الأزرقي في تاريخ مكة الأيم الحية الذكر ثم روى بإسناده عن طلق بن حبيب قال: كنا جلوسا مع عبد اللّه بن عمرو بن العاص رضي اللّه تعالى عنهما في الحجر إذ قلص الظل و قامت المجالس، و إذا نحن ببريق أيم طالع من باب بني شيبة، فاشرأبت له أعين الناس، فطاف بالبيت سبعا و صلى ركعتين وراء المقام. فقمنا إليه و قلنا له: أيها المعتمر قد قضى اللّه نسكك و إن بأرضنا عبيدا و سفهاء، و إنا نخشى عليك منهم، فمر ذاهبا نحو السماء فلم نره.

و في الحديث‏ (2) : «إنه أمر بقتل الأيم» .

قال ابن السكيت أصله أيم فخفف مثل لين و لين و هين و هين و الجمع أيوم و سيأتي إن شاء اللّه تعالى في الكعيب ما ذكره الأزرقي عقب هذا مما يشابهه.

الأيّل:

بتشديد الياء المكسورة ذكر الأوعال و الأيل لغة فية و يقال هو الذي سمي بالفارسية كوزن. و أكثر أحواله شبيه ببقر الوحش و هو إذا خاف من الصياد يرمي نفسه من رأس الجبل و لا يتضرر بذلك و عدد سني عمره عدد العقد التي في قرنه و إذا لسعته الحية أكل السرطان. و يصادق السمك فهو يمشي إلى الساحل ليرى السمك. و السمك يقرب من البر ليراه و الصيادون يعرفون هذا، فيلبسون جلده ليقصدهم السمك فيصيدوا منه. و هو مولع بأكل الحيات، يطلبها حيث وجدها و ربما لسعته فتسيل دموعه إلى نقرتين تحت محاجر عينيه، يدخل الإصبع فيهما فتجمد تلك الدموع، و تصير كالشمس، فيتخذ درياقا (3) لسم الحيات، و هو الباد زهر الحيواني. و أجوده الأصفر و أماكنه بلاد الهند و السند و فارس. و إذا وضع على لسع الحيات و العقارب نفعها، و إن أمسكه شارب السم في فيه نفعه، و له في دفع السموم خاصية عجيبة. و هذا الحيوان لا تنبت له قرون إلا بعد مضي سنتين عن عمره، فإذا نبتت قرناه، نبتا مستقيمين كالوتدين و في الثالثة يتشعبان و لا يزال التشعب في زيادة إلى تمام ست سنين، فحينئذ يكونان كالشجرتين في رأسه ثم بعد ذلك يلقي قرنيه في كل سنة مرة، ثم ينبتان فإذا نبتا تعرض بهما للشمس ليصلبا، و قال ارسطو: إن هذا النوع يصاد بالصفير و الغناء، و لا ينام ما دام يسمع ذلك، فالصيادون يشغلونه

____________

(1) القزويني: زكريا بن محمد بن محمود.

(2) رواه البخاري في بدء الخلق: 14 و مسلم في السلام: 128، 130، 137. و أبو داود في الأدب: 162 و رواه الترمذي في الصيد: 15 و ابن ماجة في الطب: 42 و ابن حنبل: 2/9، 3/452، 453.

(3) الدرياق: علاج.

155

بذلك و يأتونه من ورائه، فإذا رأوه قد استرخت أذناه أخذوه. و ذكره من عصب لا لحم و لا عظم، و قرنه مصمت لا تجويف فيه.

و هو في نفسه جبان دائم الرعب، و هو يأكل الحيات أكلا ذريعا و إذا أكل الحية بدأ بأكل ذنبها إلى رأسها. و هو يلقي قرونه في كل سنة، و ذلك الهام من اللّه تعالى، لما للناس فيها من المنفعة، لأن الناس يطردون بقرنه كل دابة سوء و ييسر عسر الولادة و ينفع الحوامل، و يخرج الدود من البطن إذا أحرق منه جزء و لعق بالعسل، قاله في النعوت، و يسمن هذا الحيوان سمنا كثيرا فإذا اتفق له ذلك هرب خوفا من أن يصاد.

تتمة: قال الزجاجي سئل ابن دريد (1) عن معنى قول الشاعر:

هجرتك لا قلى مني و لكن # رأيت بقاء ودك في الصدود

كهجر الحائمات الورد لما # رأت أن المنية في الورود

تغيظ نفوسها ظمأ و تخشى # حماما فهي تنظر من بعيد

تصد بوجه ذي البغضاء عنه # و ترمقه بالحاظ الودود

فقال: الحائم الذي يدور حول الماء و لا يصل إليه. و معنى الشعر أن الأيايل تأكل الأفاعي في الصيف، فتحمى و تلتهب لحرارتها فتطلب الماء، فإذا رأته امتنعت من شربه، و حامت عليه تتنسمه، لأنها لو شربته في تلك الحالة فصادف الماء السم الذي في أجوافها هلكت، فلا تزال تمتنع من شرب الماء، حتى يطول بها الزمان فيذهب ثوران السم ثم تشربه فلا يضرها.

فيقول هذا الشاعر: أنا في تركي وصالك مع شدة حاجتي إليه بمثابة الحائمات التي تدع شرب الماء مع شدة حاجتها إليه، إبقاء على حياتها.

و الزجاجي هو عبد الرحمن بن إسحاق أبو القاسم الزجاجي، إمام النحو صحب أبا إسحاق الزجاج، فعرف به و نسب إليه. و صنف كتاب الجمل و طوله بكثرة الأمثلة و لم يشتغل به أحد إلا انتفع به، لأنه صنفه بمكة المشرفة و كان إذا فرغ من باب طاف أسبوعا و سأل اللّه تعالى أن يغفر له و أن ينفع به قارئه. و من كلامه ما حرم اللّه شيئا إلا و أحل بازائه خيرا منه: حرم الميتة و أباح المذكي، و حرم الخمر و أباح النبيذ، و حرم السفاح و أباح النكاح، و حرم الربا و أباح البيع.

توفي سنة سبع أو تسع و ثلاثين و ثلاثمائة بدمشق، و قيل بطبرية و ما أحسن قول أبي منصور موهوب الجواليقي‏ (2) اللغوي:

ورد الورى سلسال جودك فارتووا # و وقفت حول الورد وقفة حائم

حيران أطلب غفلة من وارد # و الورد لا يزداد غير تزاحم‏

و كان الجواليقي إماما في فنون الأدب، و له تصانيف مفيدة و كان إماما للخليفة المقتفي يصلي به الصلوات الخمس. و لما دخل عليه أول دخلة، قال السلام على أمير المؤمنين و رحمة اللّه

____________

(1) ابن دريد: أبو بكر محمد بن دريد اللغوي صاحب الجمهرة. المتوفى سنة 321 هـ-.

(2) البيتان مع ترجمته في وفيات الأعيان: 5/343.

156

و بركاته، فقال له الطبيب هبة اللّه بن صاعد بن التلميذ النصراني‏ (1) : ما هكذا يسلم على أمير المؤمنين يا شيخ!فلم يلتفت إليه الجواليقي، و قال للمقتفي: يا أمير المؤمنين سلامي هو ما جاءت به السنة النبوية. و روى له خبرا في صورة السلام. ثم قال: يا أمير المؤمنين لو حلف حالف أن نصرانيا أو يهوديا لم يصل إلى قلبه نوع من أنواع العلم على الوجه المعتبر، لما لزمته كفارة الحنث، لأن اللّه تعالى ختم على قلوبهم، و لن يفك ختمه إلا الإيمان. فقال: صدقت و أحسنت. قال:

فكأنما ألقم ابن التلميذ بحجر مع فضله و غزارة أدبه. و وجدت البيتين لابن الخشاب‏ (2) من أبيات. توفي الجواليقي في سنة تسع و ثلاثين و خمسمائة ببغداد.

الحكم:

يحل أكله لأنه مستطاب كالوعل. و لم يذكره الرافعي في باب الأطعمة و إنما ذكره في باب الربا. فقال: و في لحم الظباء مع الأيل تردد للشيخ أبي محمد، و استقر جوابه على إنهما كالضأن مع المعز، أي فلا يباع أحدهما بالآخر إلا مثلا بمثل. انتهى.

و حكى المتولي في ذلك وجهين من غير ترجيح.

الخواص:

إذا بخر بقرنه طرد الهوام و كل ذي سم، و إذا أحرق قرنه و سحق و استيك به قطع الصفرة و الحفر من الأسنان، و شد أصولها، و من علق عليه شي‏ء من أجزائه لم ينم ما دام عليه و إذا جفف قضيبه و سقي هيج الباه. و إذا شرب دمه فتت الحصاة التي في المثانة و اللّه تعالى أعلم.

ابن آوى:

جمعه بنات آوى و كذلك ابن عرس و ابن المخاض و ابن اللبون تقول بنات عرس و بنات مخاض و بنات لبون و بنات آوى و لا ينصر قال الشاعر (3) :

ان ابن آوى لشديد المقتنص # و هو إذا ما صيد ريح في قفص‏

و كنيته أبو أيوب و أبو ذؤيب و أبو كعب و أبو رائل و سمي ابن آوى لأنه يأوي إلى عواء أبناء الشجرة كقاضيان و يقال للبزاة و الشواهين و غيرهما مما يصيد صقور، و لفظه مشتق من البزوان و هو طويل المخالب و الأظفار يعدو على غيره، و يأكل مما يصيد من الطيور و غيرها. و خوف الدجاج منه أشد من خوفها من الثعلب، لأنه إذا مر تحتها و هي على الشجرة أو الجدار تساقطت و إن كانت عددا كثيرا.

الحكم:

الأصح تحريم أكله، لأنه يعدو بنابه و لو قيل إن نابه ضعيف فيكون كالضبع و الثعلب لكان مذهبا. و ملخص ما فيه عندنا وجهان: الأصح في المحرر و المنهاج و الشرح و الحاوي الصغيرين التحريم. و الثاني و هو اختيار الشيخ أبي حامد الحل. و سئل الإمام أحمد عنه؟فقال كل ما نهش بأنيابه فهو من السباع. و بحظره قال أبو حنيفة و صاحباه.

____________

(1) ابن صاعد بن التلميذ: هبة اللّه بن صاعد المتوفى سنة 560 هـ-.

(2) ابن الخشّاب: عبد اللّه بن أحمد، من أهل بغداد، فقيه، مات سنة 567 هـ-.

(3) في وفيات الأعيان: 2/119.

157

الخواص:

إذا ترك لسانه في بيت وقعت الخصومة بين أهله. و لحمه ينفع من الجنون و الصرع العارض في أواخر الشهر، و إذا علقت عينه اليمنى على من يخاف العين أمن و لم تضره عين عائن. و قلبه إذا علق على شخص أمن من سائر السباع بإذن اللّه تعالى و اللّه تعالى أعلم.

باب الباء الموحدة

البابوس:

الصغير من أولاد الناس و غيرهم. قال ابن أحمر (1) :

حنّت قلوصي إلى بابوسها طربا # و ما حنينك بل ما أنت و الذّكر

البازي:

أفصح لغاته بازى مخففة الياء، و الثانية باز، و الثالثة بازي بتشديد الياء، حكاهما ابن سيده، و هو مذكر لا اختلاف فيه. و يقال في التثنية بازيان، و في الجمع بزاة كقاضيان و قضاة.

و قضاة. و يقال للبزاة و الشواهين و غيرهما مما يصيد صقور، و لفظه مشتق من البزوان و هو الوثب.

و كنيته أبو الأشعث و أبو البهلول و أبو لاحق، و هو من أشد الحيوانات تكبرا و أضيقها خلقا. قال القزويني في عجائب المخلوقات: قالوا إنه لا يكون إلا أنثى و ذكرها من نوع آخر كالحدا و الشواهين، و لهذا اختلفت أشكالها روينا عن عبد اللّه بن المبارك إنه كان يتجر و يقول: لو لا خمسة (2) ما اتجرت السفيانان و فضيل و ابن السماك و ابن علية أي ليصلهم فقدم سنة فقيل له: قد ولي ابن علية القضاء فلم يأته و لم يصله بشي‏ء، فأتي إليه ابن علية فلم يرفع رأسه إليه، ثم كتب إليه ابن المبارك يقول‏ (3) :

يا جاعل العلم له بازيا # يصطاد أموال المساكين

احتلت للدنيا و لذاتها # بحيلة تذهب بالدين

فصرت مجنونا بها بعد ما # كنت دواء للمجانين

أين رواياتك في سردها # لترك أبواب السلاطين

أين رواياتك فيما مضى # عن ابن عوف و ابن سيرين‏ (4)

إن قلت أكرهت فذا باطل # زل حمار العلم في الطين‏

فلما وقف إسماعيل بن علية على الأبيات، ذهب إلى الرشيد و لم يزل به إلى أن استعفاه من القضاء فأعفاه.

و عبد اللّه بن المبارك إمام جليل زاهد عابد جمع بين العلم و العمل. ذكر ابن خلكان في

____________

(1) ابن أحمر: هني‏ء بن أحمر، شاعر جاهلي من كنانة. و البيت في الشعر و الشعراء: 224 و فيه: فما حنينك أم ما أنت و الذكر.

(2) الخمسة هم: سفيان بن سعيد الثوري المتوفى سنة 161 هـ-. و سفيان بن عيينة الهلالي المتوفى سنة 198 هـ-.

و الفضيل بن عياض بن مسعود المتوفى سنة 187 هـ-. و ابن علية إسماعيل بن إبراهيم المتوفى سنة 193.

و كلهم محدّثون.

(3) الأبيات في وفيات الأعيان: 3/33.

(4) ابن: محمد بن سيرين البصري، إمام وقته في علم الدين أشهر بالحديث و التعبير وفاته سنة 110 هـ-.

158

ترجمته قال: عطس رجل عند عبد اللّه بن المبارك فلم يحمد اللّه عز و جل، فقال له ابن المبارك:

أي شي‏ء يقول العاطس إذا عطس؟قال الحمد للّه. فقال ابن المبارك: يرحمك اللّه. فعجب الحاضرون من حسن أدبه، و قال أيضا: قدم هارون الرشيد الرقة، فانحفل الناس خلف عبد اللّه بن المبارك، و تقطعت النعال، و ارتفعت الغيرة، فأشرفت أم ولد الرشيد من قصر الخشب، فلما رأت الناس قالت: من هذا؟قالوا: عالم من أهل خراسان، يقال له عبد اللّه بن المبارك. فقالت: هذا و اللّه الملك لا ملك هارون الذي لا يجمع الناس إلا بشرط و أعوان. و ذكر غيره أن عبد اللّه بن المبارك استعار قلما من الشام، فعرض له سفر فسافر إلى انطاكية، و كان قد نسي القلم معه فتذكره هناك فرجع من انطاكية إلى الشام ماشيا حتى رد القلم إلى صاحبه و عاد.

و روي أن عند ذكره تنزل الرحمة توفي رحمه اللّه تعالى سنة إحدى و ثمانين و مائة رحمة اللّه تعالى عليه.

و من أخبار الرشيد، أنه خرج يوما إلى الصيد فأرسل بازيا أشهب فلم يزل يحلق حتى غاب في الهواء ثم رجع بعد اليأس منه، و معه سمكة فأحضر الرشيد العلماء و سألهم عن ذلك فقال مقاتل: يا أمير المؤمنين روينا عن جدك ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما أن الهواء معمور بأمم مختلفة الخلق سكان، فيه دواب بيض تفرخ فيه شيئا على هيئة السمك لها أجنحة ليست بذوات ريش فأجاز مقاتلا على ذلك و أكرمه.

و هو خمسة أصناف البازي و الزرق و الباشق و البيدق و الصقر. و البازي أحرها مزاجا لأنه قليل الصبر على العطش، و مأواه مساقط الشجر العادية الملتفة و الظل الظليل و هو خفيف الجناح، سريع الطيران و إناثه أجرأ على عظام الطير من ذكوره، و هذا الصنف تصيبه الأمراض و انحطاط اللحم و الهزال. و أحسن أنواعه ما قل ريشه و احمرت عيناه مع حدة فيهما كما قال الناشئ‏ (1) :

لو استضاء المرء في ادلاجه # بعينه كفته عن سراجه‏

و دونه الأزرق الأحمر العينين و الأصفر دونهما و من صفاته المحمودة: أن يكون طويل العنق، عريض الصدر بعيد ما بين المنكبين، شديد الانخراط إلى ذنبه، و أن تكون فخذاه طويلتين مسرولتين بريش، و ذراعاه غليظتين قصيرتين. و فرخ البازي يسمى غطريفا و يضرب بالبازي المثل في نهاية الشرف كما قال الشاعر:

إذا ما اعتز ذو علم بعلم # فعلم الفقه أولى باعتزاز

و كم طيب يفوح و لا كمسك # و كم طير يطير و لا كباز

قال الشيخ الزاهد أبو العباس القسطلاني: سمعت الشيخ أبا شجاع زاهر بن رستم

____________

(1) الناشئ: عبد اللّه بن محمد، الأنباري، أبو العباس. شاعر مجيد، اصله بغدادي، توفي في مصر سنة 293 هـ- البيت في وفيات الأعيان 3/92.

159

الأصبهاني إمام مقام إبراهيم بمكة يقول: سمعت الشيخ أحمد خادم الشيخ حماد يقول:

دخل الشيخ عبد القادر على الشيخ حماد الدباس يزوره فنظر إليه الشيخ، و كان قد رأى أنه قد اصطاد بازيا فأثرت نظرة الشيخ فيه، فخرج من عنده و تجرد عن أسبابه و كان من أكابر أصحابه انتهى. و لهذا كان الشيخ عبد القادر يقول:

أنا بلبل الأفراح أملأ دوحها # طربا و في العلياء باز أشهب‏

قال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في طبقاته: كان ابن شريح يقال له الباز الأشهب. و قال الوعيظي في أول قصيدته:

ليس المقام بدار الذل من شيمي # و لا معاشرة الأنذال من هممي

و لا مجاورة الأوباش تجمل بي # كذلك الباز لا يأوي مع الرخم‏

و أما الباشق بفتح الشين و كسرها فأعجمي معرب، و كنيته أبو الآخذ و هو أيضا حار المزاج، يغلب عليه القلق و الزعارة، يأنس وقتا و يستوحش وقتا و هو قوي النفس، فإذا أنس منه الصغير، بلغ صاحبه من صيده المراد و هو خفيف المحمل، ظريف الشمائل، يليق بالملوك أن تخدمه، لأنه يصيد أفخر ما يصيده البازي و هو الدراج و الحمام و الورشان، و هو كثير الشبق و إذا قوي عليه صيده لا يتركه إلا أن يتلف أحدهما. و أحمد صفاته أن يكون صغيرا في المنظر ثقيلا في الميزان، طويل الساقين قصير الفخذين.

و أما البيدق فلا يصيد إلا العصافير، و هو قليل الغناء قريب في الطبع من العقصي قال أبو الفتح كشاجم‏ (1) في المعنى:

حسبي من البزاة و البيادق # ببيدق يصيد صيد الباشق

مؤدب مدرب الخلائق # أصيد من معشوقة لعاشق

يسبق في السرعة كل سابق # ليس له في صيده من عائق

ربيته و كنت غير واثق # أن الفرازين من البيادق‏

و أما العقصي فهو أصغر الجوارح نفسا، و أضعفها حيلة، و أشدها ذعرا، و أيبسها مزاجا، يصيد العصفور في بعض الأحايين، و ربما هرب منه. و هو يشبه الباشق في الشكل إلا أنه أصغر منه.

الحكم:

يحرم أكله بجميع أنواعه «لنهيه صلى اللّه عليه و سلم عن أكل كل ذي ناب من السباع و مخلب من الطيور» . رواه‏ (2) مسلم عن ميمون بن مهران عن ابن عباس رضي اللّه عنهما، و بهذا قال أكثر أهل العلم.

____________

(1) كشاجم: أبو الفتح، محمود بن حسين السندي، أديب كاتب شاعر من أهل الرملة بفلسطين. مات سنة 360 هـ-.

(2) رواه مسلم في الصيد: 12، 15. و البخاري في الذبائح: 28، 29، و غيرهما.

160

و قال مالك و الليث و الاوزاعي و يحيى بن سعيد لا يحرم من الطير شي‏ء و احتجوا بعموم الآيات المبيحة، و لم يثبت عند مالك حديث النهي عن أكل كل ذي ناب من السباع، فكان على الإباحة. قال الأبهري‏ (1) : ليس في ذي المخلب عن النبي صلى اللّه عليه و سلم نهي صحيح. و قال غيره: لم يثبت حديث النهي عن أكل كل ذي مخلب من الطير لأن ميمون بن مهران رواه عن ابن عباس و سقط بينهما سعيد بن جبير، فصار هذا علة تحطه عن رتبة الصحيح. و قال إمامنا الشافعي رضي اللّه تعالى عنه: يكره للمحرم استصحاب البازي، و كل صائد من كلب و غيره لأنه ينفر الصيد و ربما انفلت فقتل صيدا، فإن حمله فأرسله على صيد فلم يقتله و لم يؤذه فلا جزاء عليه، لكن يأثم كما لو رماه بسهم فأخطأه فإنه يأثم بالرمي لقصده الحرام. و لا ضمان لعدم الإتلاف قال: و ما فيه مضرة و منفعة لا يستحب قتله لما فيه من المنفعة و لا يكره لعدوانه على الناس كالبازي و الفهد و الصقر و العقاب، و نحوها. و يصح بيع البازي و إجارته بلا خلاف لأنه طاهر منتفع به روى الترمذي عن عدي بن حاتم رضي اللّه تعالى عنه قال: سألت رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم عن صيد البازي فقال‏ (2) : «ما أمسك عليك فكل» .

الأمثال‏

: قالت‏ (3) العرب: «و هل ينهض البازي بغير جناح» . يضرب في الحث على التعاون و الوفاق قال الشاعر (4) :

أخاك أخاك إن من لا أخا له # كساع إلى الهيجا بغير سلاح

و ان ابن عم المرء فاعلم جناحه # و هل ينهض البازي بغير جناح‏

و من ملح أمثال أبي أيوب سليمان بن أبي مجالد قال خالد بن يزيد الأرقط: بينما أبو أيوب في أمره و نهيه إذ طلبه المنصور فاصفر و ارتعد، فلما خرج من عنده تراجع لونه و كان ذلك دأبه، كلما طلبه، فقيل له: إنا نراك مع كثرة دخولك إلى أمير المؤمنين و أنسه بك تتغير إذا دخلت عليه؟ فضرب لذلك مثلا فقال: زعموا أن بازيا و ديكا تناظرا فقال البازي للديك: ما أعرف أقل وفاء منك!فقال: و كيف؟قال: لأنك تؤخذ بيضة فيحضنك أهلك، و تخرج على أيديهم فيطعمونك بأكفهم، حتى إذا كبرت صرت لا يدنو منك أحد إلا طرت هاهنا و هاهنا و صحت، و إن علوت حائط دار، كنت فيها سنين طرت و تركتها و صرت إلى غيرها، و أنا أؤخذ من الجبال، و قد كبر سني فأطعم الشي‏ء القليل، و أونس يوما أو يومين ثم أطلق، على الصيد فأطير وحدي، فآخذه و أجي‏ء به إلى صاحبي، فقال له الديك: ذهبت عنك الحجة، أما لو رأيت بازيين في سفود ما عدت إليهم أبدا، و أنا كل يوم و وقت أرى السفافيد مملوة ديوكا، و أقيم معهم فأنا أو في منك لو كنت مثلك، و أنتم لو عرفتم من المنصور ما أعرف، لكنتم أسوأ حالا مني عند طلبه إياكم، ثم إنه قتله في سنة

____________

(1) الأبهري: هو المفضل بن عمر بن المفضّل الأبهري السمرقندي، نطقي اشتغل بالحكمة و الطبيعيات و الفلك. توفي سنة 663 هـ-.

(2) رواه الترمذي في الصيد: 3. و الموطأ في الصيد: 8.

(3) المستقصى: 2/392.

(4) البيت لمسكين الدارمي. العقد الفريد: 2/304.

161

أربع و خمسين و مائة، بعد أن عذبه و أخذ أمواله و كان قد تمكن من المنصور، غاية التمكن لاحسان فعله مع المنصور قبل خلافته ثم أبغضه، و هم أن يوقع به و تطاول ذلك، و كان كلما دخل عليه ظن أنه سيوقع به ثم يخرج سالما.

قيل: إنه كان معه شي‏ء من الدهن قد عمل فيه سحرا فكان يدهن حاجبيه إذا دخل على المنصور، فصار مثلا في العامة يقولون: دهن أبي أيوب قال في الجواهر الزواهر. و كان المنصور يوده كثيرا و يتبسم إليه و أنشد على ذلك لناصح الدين سعيد بن الدهان‏ (1) سيبويه عصره في النحو قوله: (2)

لا تجعل الهزل دأبا فهو منقصة # و الجد تعلو به بين الورى القيم‏ (3)

و لا يغرنك من ملك تبسمه # ما سحت السحب إلا حين تبتسم‏

و من محاسن شعره قوله‏ (4) :

بادر إلى العيش و الأيام راقدة # و لا تكن لصروف الدهر تنتظر

فالعمر كالكأس يبدو في أوائله # صفو و آخره في قعره كدر

و له أيضا (5) و يقال إنه لابن طباطبا الطالبي:

تأمل نحولي و الهلال إذا بدا # لليلته في أفقه أينا أضنى

على أنه يزداد في كل ليلة # نموّا و جسمي بالضنى دائما يفنى‏

و له أيضا:

و اللّه لو لا أن يقال تغيرا # و صبا و إن كان التصابي أجدرا

لا عدت تفاح الخدود بنفسجا # لثما و كافور الترائب عنبرا

و كانت وفاته سنة تسع و ستين و خمسمائة قال الغزنوي: الترائب جمع تريبة و هو موضع القلادة من الصدر، و زاد الكواشي و قيل: الصدر و قيل: النحر و قيل: أطراف الرجل.

الخواص:

مرارته من اكتحل بها أمن من نزول الماء في عينيه. و إن شربت امرأة من زرق البازي مدافا بماء أعان على الحبل، و إن كانت عاقرا.

و أما الباشق فدماغه ينفع من الخفيقان العارض من السوداء، إذا سقي منه وزن درهم بماء ورد، و مرارته تنفع من ظلمة العين اكتحالا.

____________

(1) ابن الدهان: أبو محمد سعيد بن المبارك، النحوي البغدادي صاحب التصانيف المتوفى سنة 569 هـ-.

(2) الأبيات جميعها في وفيات الأعيان مع ترجمة ابن الدهان: 2/383.

(3) في الوفيات: «... و الجد تغلو به... » . و في البيت الثاني «... ما تصخب السحب... » .

(4) وفيات الأعيان 2/384.

(5) وفيات الأعيان: 1/455.

162

التعبير:

البازي في المنام يدل على سلطان لمن هو من أهل الإمارة، فإن ذهب من يديه و بقي منه ساقه، ذهب ملكه و بقي ذكره. و إن بقي في يده شي‏ء من الريش، بقي في يده شي‏ء من المال. و ذبح البازي ظفر بلص، و ذبح البزاة يدل على موت الملوك، الذين يأخذون الأموال جهارا، و لحوم البزاة أموال السلاطين، و البزاة للرجل السوقي رئاسة و شرف. و الباشق في المنام لص و قيل ولد ذكر.

البازل:

البعير الذي فطر نابه أي انشق، ذكرا كان أو أنثى، و ذلك في السنة الثامنة.

و الجمع: بزل و بزل و بوازل.

روى مسلم عن أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه، «أن النبي صلى اللّه عليه و سلم استقرض بكرا فرد بازلا و قال: خيركم أحسنكم‏ (1) قضاء» و روى الخطابي عن ابن خزيمة قال: سمعت يونس بن عبد الأعلى يقول: سئل ابن عيينة عن معنى قول‏ (2) رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: «من استجمر فليوتر» .

فسكت ابن عيينة فقيل: أ ترضى بما قاله مالك؟قال: و ما قال مالك؟قال: قال: الاستجمار الاستطابة بالأحجار. قال فقال ابن عيينة إنما مثلي و مثل مالك كما قال الأوّل:

و ابن اللبون إذا ما لزّ في قرن # لم يستطع صولة البزل القناعيس‏

الباقعة:

الداهية يقال رجل باقعة، إذا كان ذا دهاء. و نقل الهروي عن أبي عمرو أنه طائر حذر إذا شرب الماء يطير يمنة و يسرة. و في حديث القبائل أن عليا قال لأبي بكر رضي اللّه تعالى عنهما: لقد عثرت من الأعراب على باقعة و في حديث آخر ففاتحته فإذا هو باقعة.

بالام:

روى البخاري و مسلم عن أبي الخدري عن النبي صلى اللّه عليه و سلم قال: «تكون الأرض يوم القيامة خبزة واحدة يكفؤها الجبار بيده، كما يكفأ أحدكم خبزته في السفر، نزلا لأهل الجنة (3) » .

قال: فأتى رجل من اليهود، فقال: بارك الرحمن فيك يا أبا القاسم أ لا أخبرك بنزل أهل الجنة يوم القيامة؟قال: بلى. قال: تكون الأرض خبزة واحدة. كما قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، قال فنظر رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم إلينا ثم ضحك حتى بدت نواجذه، ثم قال: أ لا أخبرك بإدامهم؟قال: بلى. قال:

بالام و نون. قال: و ما هما؟قال: ثور و نون يأكل من زيادة كبدهما سبعون ألفا» .

هكذا عند البخاري سبعون بتقديم السين.

و في صحيح مسلم في كتاب الظهار من حديث ثوبان. قال: «كنت قائما عند رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، فجاء حبر من أحبار اليهود فقال: السلام عليك يا محمد فدفعته دفعة، كاد يصدع منها فقال لم تدفعني؟فقلت لم لا تقول رسول اللّه فقال اليهودي: إنا ندعوه باسمه الذي سماه به أهله. فقال

____________

(1) رواه ابن ماجة في التجارات: 62 و الصدقات: 16. و رواه البخاري في الاستقراض: 4، 6، 7 و في الوكالة: 5، 6. و رواه في المساقاة: 118، 122. و رواه الترمذي في البيوع: 73.

(2) رواه البخاري في الوضوء: 25، 26. و مسلم في الطهارة: 22، 24 و رواه أبو داود في الطهارة: 19.

و النسائي في الطهارة: 71.

(3) رواه البخاري في الرفاق: 44. و مسلم في المنافقين: 30.

163

رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: إن اسمي محمد الذي سماني به أهلي. فقال اليهودي: جئت أسألك. فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: أ ينفعك شي‏ء إن حدثتك؟فقال: أسمع بأذني فنكت رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم بعود معه و قال: سل. فقال اليهودي أين يكون الناس يوم تبدل الأرض غير الأرض و السموات؟فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: هم في «ظلمة دون‏ (1) الحشر» . فقال: فمن أول الناس إجازة يوم القيامة؟ قال صلى اللّه عليه و سلم: «فقراء المهاجرين» . قال اليهودي: فما تحفتهم حين يدخلون الجنة؟قال: «زيادة كبد النون» . قال: فما غذاؤهم على أثرها؟قال: «ينحر لهم ثور الجنة الذي كان يأكل من أطرافها» .

قال: فما شرابهم عليه؟قال: «من عين فيها تسمى سلسبيلا» . قال: صدقت. و جئت أسألك عن شي‏ء لا يعلمه أحد من أهل الأرض إلا نبي أو رجل أو رجلان. قال: «أ ينفعك إن حدثتك؟قال:

اسمع بأذني. قال: سل. قال: أسألك عن الولد؟قال صلى اللّه عليه و سلم: «ماء الرجل أبيض و ماء المرأة أصفر فإذا اجتمعا فعلا مني الرجل مني المرأة، كان ذكرا بإذن اللّه تعالى، و إذا علا مني المرأة مني الرجل، كان أنثى بإذن اللّه تعالى‏ (2) » . قال: صدقت إنك لنبي، ثم انصرف. فلما ذهب قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: «قد سألني هذا عن الذي سألني عنه، و ما لي علم بشي‏ء منه، حتى أتاني اللّه عزّ و جلّ» .

و في صحيح البخاري من حديث أنس قريب من هذا، و أن اليهودي هو عبد اللّه بن‏ (3)

سلام رضي اللّه عنه هكذا جاء الحديث مفسرا.

أما النون فهو الحوت و به سمي يونس عليه السلام ذا النون. و أما بالام، فقد تكلفوا له شرحا غير مرضي، و لعل اللفظة عبرانية. كذا قال في النهاية، و قال الخطابي: لعل اليهودي أراد التعمية فقطع الهجاء، و قدّم أحد الحرفين على الآخر و هي لام ألف و ياء، يريد لأي بوزن لعي، و هو الثور الوحشي فصحف الراوي الياء بالباء، قال: و هذا أقرب ما يقع لي فيه. ا هـ و الصحيح أنها لفظة عبرانية. و أما زيادة كبد الحوت، فهي القطعة المنفردة المتعلقة بها، و هي أطيبها و هؤلاء السبعون ألفا يحتمل أنهم الذين يدخلون الجنة بغير حساب، و يحتمل أنه عبر بالسبعين ألفا عن العدد الكثير من غير إرادة حصر و رواه النسائي في عشرة النساء أيضا.

البال: سمكة تكون في البحر الأعظم، يبلغ طولها خمسين ذراعا يقال لها العنبر، و ليست بعربية قال الجواليقي: كأنها عربت. و قال في الصحاح: البال الحوت العظيم، من حيتان البحر ليس بعربي. و قال القزويني: البال سمكة طولها خمسمائة ذراع أو أكثر، تظهر في بعض الأوقات، طرف جناحها كالشراع العظيم و أهل المراكب يخافون منها أعظم خوف، فإذا أحسوا بها ضربوا بالطبول لتنفر عنهم، فإذا بغت على حيوان البحر بعث اللّه سمكة نحو الذراع تلصق بأذنها، فلا خلاص للبال منها، فتطلب قعر البحر و تضرب الأرض برأسها حتى تموت، و تطفو على الماء كالجبل العظيم. و لها أناس من الزنج يرصدونها، فإذا وجدوها طرحوا فيها الكلاليب و جذبوها إلى الساحل، و شقوا بطنها و استخرجوا العنبر منها و سيأتي إن شاء اللّه تعالى في باب العين المهملة ذكر هذا الحيوان و ما يتعلق بالعنبر من الأحكام.

____________

(1) رواه مسلم في الحيض: 34.

(2) رواه مسلم في الحيض: 34.

(3) عبد اللّه بن سلام بن الحارث الإسرائيلي، أبو يوسف، صحابي، أسلم عند قدوم النبي صلى اللّه عليه و سلم.

المدينة وفاته سنة 43 هـ- بالمدينة.

164

الببر: بباءين موحدتين الأولى مفتوحة و الثانية مكسورة ضرب من السباع يعادي الأسد من العدو لا من العدوان. و يقال له: البريد، و يقال له الفرانق بضم الفاء و كسر النون. و هو هندي معرب شبيه بابن آوى، و يقال إنه متولد من الزبرقان و اللبوة و من طبعه أن الأنثى منه تلقح من الريح، و لهذا كان عدوه كالريح و لا يقدر أحد على صيده، و إنما تسرق جراؤه فتجعل في مثل القوارير من زجاج، و يركض بها على الخيول السابقة، فإذا أدركهم أبوها ألقوا إليه قارورة منها فيشتغل بالنظر إليها، و الحيلة في إخراج ولده منها فيفوته بقيتها فيربى حينئذ، و يألف الصبيان و يأنس بالأنس، و هو بألف شجرة الكافور كثيرا فإذا كان عندها لم يستطع أحد أن يأخذ منها شيئا لكنه يفارقها في زمن معلوم، فإذا علم أهل تلك النواحي بذلك أتوا إلى الشجرة و أخذوا منها الكافور.

الحكم:

يحرم أكله لأنه يتقوى بنابه.

الخواص:

من أصابه سرسام أو برسام، يطلي رأسه بمرارة الببر مضروبة بالماء، ينفعه نفعا بينا. و إذا تحملتها المرأة لا تحمل أبدا و إذا كانت حاملا أسقطت، و كعبه يشد على الزند فلا يتعب حامله أبدا، و لو سار كل يوم عشرين فرسخا. و جلده يجلس عليه من به حب القرع يزول عنه.

و ذكر في ربيع الأبرار أن الببر على صورة الأسد الكبير و هو أبيض يلمع بصفرة و خطوط سود و قال ارسطو: الببر سبع مهيب يكون بأرض الحبشة خاصة لا بغيرها.

الببغاء

: بثلاث باءات موحدات أولاهنّ و ثالثتهنّ مفتوحتان و الثانية ساكنة و بالغين المعجمة و هي هذا الطائر الأخضر المسمي بالدرة، بدال مهملة مضمومة، قاله في العباب و ضبطها ابن السمعاني‏ (1) في الأنساب بباءين بفتح الأولى و بإسكان الثانية. و قال: لقب بها أبو الفرج‏ (2) الشاعر لفصاحته، و قال القضاعي: للثغة كانت في لسانه، و هي في قدر الحمام يتخذها الناس للانتفاع بصوتها، كما يتخذون الطاوس للانتفاع بصوته و لونه. و من الببغاء، نوع أبيض و قد أهدي لمعز (3)

الدولة بن بويه درة بيضاء اللون، سوداء المنقار و الرجلين على رأسها ذؤابة فستقية، و جميع أنواعها معدوم سوى الأخضر فهو الموجود الآن.

و هو حيوان دمث الخلق، ثاقب الفهم، له قوة على حكاية الأصوات و قبول التلقين، يتخذه الملوك و الأكابر لينم بما يسمع من الأخبار، و يتناول مأكوله برجله، كما يتناول الإنسان الشي‏ء بيده. و الناس يحتالون في تعليمه بطرق عدة: قال أرسطاطاليس: إذا أردت تعليم الببغاء الكلام، فخذ مرآة و اجعلها أمامها، فترى صورتها أي صورة نفسها، ثم تكلم من ظاهر المرآة و تعاودها،

____________

(1) ابن السمعاني: عبد الكريم بن محمد بن منصور، مؤرخ، رحّالة، فحدّث. توفي سنة 562 هـ-.

(2) ابو الفرج الببغاء: عبد الواحد بن نصر بن محمد المخزومي. شاعر و كاتب من أهل نصيبين. له منادمات مع الملوك. مات سنة 398 هـ-.

(3) معز الدولة: أحمد بن بويه بن فناخسرو بن تمام، من سلالة سابور ذي الأكتاف الساساني، و يقال له الأقطع، تولى كرمان و سجستان و الأهواز و بغداد لفترة مات في بغداد سنة 356 هـ-.

165

فإنها تعيد الكلام. و قال ابن الفقيه‏ (1) : رأيت بجزيرة رانج حيوانات غريبة الأشكال و رأيت فيها صنفا من الببغاء أحمر و أبيض و أصفر، يعيد الكلام بأي لغة كانت قال أبو إسحاق الصابي‏ (2) في وصفها:

أنعتها صبيحة مليحة # ناطقة باللغة الفصيحة

عدت من الأطيار و اللسان # يوهمني بأنها إنسان

تنهي إلى صاحبها الاخبارا # و تكشف الاسرار و الاستارا

بكماء إلا أنها سميعه # تعيد ما تسمعه طبيعة

زارتك من بلادها البعيدة # و استوطنت عندك كالقعيدة

ضيف قراه الجوز و الارز # و الضيف في اتيانه يعز

تراه في منقارها الخلوقي # كلؤلؤ يلقط بالعقيق

تنظر من عينين كالفصين # في النور و الظلمة بصاصين

تميس في حلتها الخضراء # مثل الفتاة الغادة العذراء

خريدة خدورها الأقفاص # ليس لها من حبسها خلاص

نحبسها و ما لها من ذنب # و إنما ذاك لفرط الحب

تلك التي قلبي بها مشغوف # كنيت عنها و اسمها معروف

يشرك فيها شاعر الزمان # الكاتب المعروف بالبيان

ذلك عبد الواحد بن نصر # تقيه نفسي حادثات الدهر

فأجابه أبو الفرج بقوله:

من منصفي من محكم الكتاب # شمس العلوم قمر الآداب

أمسى لأصناف العلوم محرزا # و سام أن يلحق لما برزا

و هل يجارى السابق المقصر # أو هل يبارى المدرك المغرر

إلى أن قال في وصفها:

ذات شغا تحسبه ياقوتا # لا ترتضي غير الأرز قوتا

كأنما الحبة في منقارها # حبابة تطفو على عقارها

و قال‏ (3) القاضي ابن خلكان في ترجمة الفضل بن الربيع: إن أحمد بن يوسف الكاتب كتب إلى بعض إخوانه و قد ماتت له ببغاء، و له أخ كثير التخلف يسمى عبد الحميد:

أنت تبقى و نحن طرا فداكا # أحسن اللّه ذو الجلال عزاكا

____________

(1) ابن الفقيه: عبد الواحد بن ابراهيم بن الحسن، شاعر، فاضل موصلي مات سنة 636 هـ-.

(2) الصابئ: ابراهيم بن هلال بن زهرون الحرّاني، أبو إسحاق الصابئ اديب من المقدمين تقلد دواوين الرسائل و المظالم للمطيع العباسي. و مات سنة 384 هـ-. و لم يسلم و بقي على صابئيته. الأعلام: 1/78.

(3) وفيات الأعيان: 4/37.

166

فلقد جل خطب دهر أتاكا # بمقادير أتلفت ببغاكا

عجبا للمنون كيف أتتها # و تخطت عبد الحميد أخاكا

كان عبد الحميد أجمل للمو # ت من الببغا و أولى بذاكا (1)

شملتنا المصيبتان جميعا # فقدنا هذه و رؤية ذاكا

قال الزمخشري: إن الببغاء تقول: ويل لمن كانت الدنيا همه.

الحكم:

يحرم أكلها على الأصح في الرافعي، و نقله في البحر عن الصيمري‏ (2) ، و أقره و علل ذلك بخبث لحمها، و قيل: حلال لأنها تأكل من الطيبات، و ليست من ذوات السموم و لا من ذوات المخلب، و لا أمر بقتلها و لا نهي عنه. و قطع المتولي بجواز استئجارها للأنس بصوتها.

و حكى البغوي في ذلك وجهين. و كذا كل ما يستأنس بصوته كالعندليب و غيره.

الخواص:

من أكل لسان الببغاء، صار فصيحا جريئا في الكلام. و مرارتها تثقل اللسان أكلا. و دمها يجفف و يسحق و ينثر بين الصديقين، تظهر بينهما العداوة. و ذرقها بخلط بماء الحصرم، ينفع من الظلمة و الرمد اكتحالا.

التعبير:

الببغاء في المنام رجل نحس كذاب. و قيل رجل فيلسوف، و فرخه ولد فيلسوف و قيل: و هي جارية أو غلام يتيم.

البج:

من طير الماء و سيأتي إن شاء اللّه تعالى ذكر الجنس أجمع في باب الطاء المهملة.

البجع:

الحوصل. و سيأتي إن شاء اللّه تعالى في باب الحاء و قد أحسن الشاعر حيث قال فيه ملغزا:

ما طائر في قلبه # يلوح للناس عجب

منقاره في بطنه # و العين منه في الذنب‏

قال التميمي‏ (3) في منافع القرآن: من كتب على جلد حوصلة البجع بماء ورد أو بماء مطر قوله‏ (4) تعالى: وَ رَبُّكَ يَعْلَمُ مََا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَ مََا يُعْلِنُونَ ثم جعل ذلك على صدر النائم من رجل أو امرأة فإنه يخبر بكل ما عمل.

البحزج:

بالباء الموحدة و الزاي و الجيم ولد البقرة الوحشية.

البجاق:

كغراب الذئب الذكر.

____________

(1) الأبيات جميعا في وفيات الأعيان: 4/40. و فيه: «كان عبد الحميد أصلح للموت» .

(2) الصيمري: الحسين بن علي بن محمد بن جعفر، أبو عبد اللّه، قاض فقيه، و كان شيخ الحنفية في بغداد. مات في بغداد سنة 436 هـ-.

(3) التميمي: عبد العزيز بن الحارث بن أسد بن الليث فقيه حنبلي مات سنة 371 هـ-.

(4) سورة القصص: الآية 69.

167

البخت:

من الإبل معرب. و بعضهم يقول: هو عربي الواحد الذكر بختي، و الأنثى بختية، و جمعه بخاتي، غير مصروف لأنه بزنة جمع الجمع، و لك أن تخفف الياء فتقول البخاتي.

و كذا كل ما أشبهها مما واحده مشدد يجوز في جمعه التشديد و التخفيف: كالعواري و السواري و العلالي و الأواني و الأثافي و الكراسي و المهاري و شبهها. و ممن ذكر هذه القاعدة ابن السكيت‏ (1) في إصلاحه و الجوهري‏ (2) في صحاحه، قال ابن السكيت: و الأثفية بثاء مثلثة مفرد الأثافي و هي الأعمدة الثلاثة تتخذ لوضع القدر عليها حال الطبخ و من كلام العرب رماه اللّه بثالثة الأثافي يعني الجبل لأن الإنسان إذا لم يجد إلا اثنتين جعل الثالثة الجبل، فعبروا بثالثة الأثافي عن الجبل.

و البخاتي جمال طوال الأعناق.

روى أبو داود و الترمذي و النسائي و أحمد من حديث جنادة بن أبي أمية قال: كنا مع بسر بن أرطاة في البحر فأتي بسارق قد سرق بختية، فقال: سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم يقول‏ (3) : «لا تقطع الأيدي في السفر و لو لا ذلك لقطعته» .

و في صحيح مسلم من حديث زهير عن جرير بن سهل عن أبيه عن أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه أن النبي صلى اللّه عليه و سلم قال‏ (4) في صفة النساء، اللائي يأتين في آخر الزمان: «رءوسهن كأسنمة البخت لا يجدن ريح الجنة، و إن ريحها ليوجد من مسيرة خمسمائة عام» .

و في المستدرك، من حديث عبد اللّه بن عمر أن النبي صلى اللّه عليه و سلم قال: «سيكون في آخر هذه الأمة رجال يركبون على المياثر (5) ، حتى يأتوا أبواب مساجدهم نساؤهم كاسيات عاريات على رءوسهن كأسنمة البخت العجاف، العنوهن فإنهن ملعونات» .

و في الكامل في ترجمة فضل بن مختار البصري عن عبيد اللّه بن موهب عن عصمة بن مالك قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: «إن في الجنة طيرا أمثال البخاتي» . قال أبو بكر رضي اللّه تعالى عنه:

إنها لناعمة يا رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: «أنعم منها من يأكلها و أنت ممن يأكلها يا أبا بكر (6) » .

البدنة:

جمعها. بدن بضم الدال و إسكانها جاء القرآن و ممن ذكر الضم الجوهري رحمه اللّه.

و هو ما أشعر من ناقة أو بقرة. سميت بذلك لأنها تبدن أي تسمن. و قال النووي: هي البعير ذكرا كان أو أنثى و شرطها أن تكون في سن الأضحية عند الفقهاء و عند اللغويين، أو أكثرهم، تطلق على الإبل و البقر. و قال الأزهري: تكون في الإبل و البقر و الغنم، سميت بذلك لعظم أبدانها و يشهد لاختصاصها بالإبل، ما روى مسلم عن أبي هريرة رضي اللّه عنه أن النبي صلى اللّه عليه و سلم

____________

(1) ابن السّكيت: يعقوب بن إسحاق أبو يوسف إمام في اللغة و الأدب. مات سنة 244 هـ-.

(2) الجوهري: إسماعيل بن حمّاد، أبو نصر، لغوي خطاط. نحوي، و قد حاول الطيران و مات في سبيل ذلك سنة 393 هـ-. أهم كتبه «الصحاح» معجم لغوي.

(3) رواه أبو داود: في الحدود 19، و النسائي: سارق 16.

(4) رواه مسلم في اللباس: 125 و في الجنة: 52، و رواه أحمد: 2/223، 356.

(5) المياثر: الفرش.

(6) رواه أحمد: 3/221.

168

قال‏ (1) : «من اغتسل يوم الجمعة ثم راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة، و من راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، و من راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشا أقرن، و من راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، و من راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة» .

و في مسند الإمام أحمد رضي اللّه تعالى عنه، «في الساعة الرابعة بطة، و في الخامسة دجاجة، و في السادسة بيضة» .

و وصف الكبش بالقرن لأنه أكمل و أحسن صورة و جمع البدنة بدن. قال تعالى:

وَ اَلْبُدْنَ جَعَلْنََاهََا لَكُمْ مِنْ شَعََائِرِ اَللََّهِ (2) أي من أعلام دين اللّه، لكم فيها خير. قال ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما هي نفع في الدنيا و أجر في الآخرة.

حج صفوان بن سليم و ليس معه إلا سبعة دنانير، فاشترى بها بدنة فقيل له في ذلك فقال:

إني سمعت اللّه تعالى يقول: وَ اَلْبُدْنَ جَعَلْنََاهََا لَكُمْ مِنْ شَعََائِرِ اَللََّهِ لَكُمْ فِيهََا خَيْرٌ و أول من أهدى البدن إلى البيت الحرام الياس بن مضر، و هو أول من وضع مقام إبراهيم عليه السلام للناس بعد غرق البيت و انهدامه، زمن نوح عليه السلام. فكان الياس أوّل من ظفر به فوضعه في زاوية البيت و لم تزل العرب تعظم الياس بن مضر إلى أن مات. و لما مات أسفت عليه زوجته خندف أسفا شديدا و حرمت الرجال، و الطيب و نذرت أن لا تقيم ببلدة مات فيها و لا يأويها بيت، فلم تزل سائحة حتى هلكت حزنا. و كانت وفاته يوم الخميس، فنذرت أن تبكيه كلما طلعت شمس يوم الخميس حتى تغيب الشمس. قال السهيلي: و يذكر عن النبي صلى اللّه عليه و سلم أنه قال:

«لا تسبوا الياس فإنه كان مؤمنا» . و ذكر أن الياس كان يسمع من صلبه تلبية النبي صلى اللّه عليه و سلم بالحج.

و روى مسلم عن موسى بن سلمة الهذلي قال: انطلقت أنا و سنان بن سلمة معتمرين، قال و انطلق سنان و معه بدنة يسوقها فأرجفت عليه بالطريق فغمني شأنها إذ هي أبدعت أي كلّت، فأتينا إلى ابن عباس نسأله فقال: على الخبير سقطت بعث رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم بست عشرة بدنة، مع رجل و أمره فيها فقال: يا رسول اللّه و ما أصنع بما أبدع على منها قال‏ (3) صلى اللّه عليه و سلم: «انحرها ثم اصبغ نعلها في دمها ثم اجعله على صفحتها، و لا تأكل منها أنت و لا أحد من رفقتك» . و سيأتي إن شاء اللّه تعالى في باب الهاء الكلام على الهدى.

و روى البخاري و مسلم و أبو داود و النسائي عن أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه أن النبي صلى اللّه عليه و سلم رأى رجلا يسوق بدنة فقال له‏ (4) : «اركبها قال: يا رسول اللّه إنها بدنة قال: اركبها،

____________

(1) رواه البخاري في الجمعة: 4، 31. و رواه مسلم في الجمعة: 10، 24. و رواه أبو داود في الطهارة: 127.

و الترمذي في الجمعة، و النسائي في الجمعة: 13، 14 و الدارمي في الصلاة: 193.

(2) سورة الحج: الآية 36.

(3) رواه مسلم في الحج: 348 و 34. و البخاري في الحج: 120، 121. و أبو داود في المناسك: 20.

و ابن ماجة في المناسك: 97.

(4) رواه النسائي في الحج: 73، 74. و ابن ماجة في المناسك: 100. و أحمد في: 3/245، 254، 278 و الموطأ في الحج: 135.

169

قال: إنها بدنة، قال: اركبها ويلك في الثانية أو في الثالثة و في رواية ويلك اركبها ويلك اركبها» .

و روى الحاكم عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما أنه قال إذا أردت أن تنحر البدنة فأقمها، ثم قل اللّه أكبر اللهم منك و إليك ثم سم و انحرها و كذلك في الأضحية.

و في الصحيحين‏ (1) عن زياد بن جبير قال رأيت ابن عمر رضي اللّه تعالى عنهما أتى على رجل قد أناخ بدنة ينحرها فقال: ابعثها قائمة مقيدة سنة محمد صلى اللّه عليه و سلم. و روى الإمام أحمد و أبو داود عن عبد اللّه بن قرظ أن النبي صلى اللّه عليه و سلم قال‏ (2) : «أعظم الأيام عند اللّه يوم النحر ثم يوم القرو قرب إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم خمس بدنات أو ست ينحرهن فطفقن يزدلفن إليه أيتهن يبدأ بها» .

و في ركوب البدنة مذاهب للعلماء: فذهب الشافعي إلى أنه يركبها إذا احتاج و لا يركبها من غير حاجة و إنما يركبها بالمعروف من غير اضرار بها. و بهذا قال ابن المبارك و ابن المنذر و جماعة.

و قال مالك و أحمد: له ركوبها من غير حاجة. و به قال عروة بن الزبير و إسحاق بن راهويه. و قال أبو حنيفة: لا يركبها إلا أن لا يجد منه بدا. و حكى القاضي عن بعض العلماء أنه يجب ركوبها لظاهر الأمر و دليل الجمهور أن النبي صلى اللّه عليه و سلم «أهدي و لم يركب هديه، و لم يأمر الناس بركوب الهدايا» . و قول النبي صلى اللّه عليه و سلم: «ويلك» هذه الكلمة أصلها لمن وقع في هلكة فقال له ذلك لأنه كان محتاجا قد وقع في جهد و تعب و قيل: هذه الكلمة تجري على اللسان و تستعمل من غير قصد إلى ما وضعت له أولا و هي كقولهم لا أم له، لا أب له، تربت يداه، قاتله اللّه عقري حلقي و ما أشبه ذلك.

البذج:

بالذال المعجمة من أولاد الضأن بمنزلة العتود من أولاد المعز و جمعه بذجان قال الشاعر:

قد هلكت جارتنا من الهمج # و إن تجع تأكل عتودا أو بذج‏

قال الجوهري و مراده بالهمج، سوء التدبير في المعاش. و في الحديث «يخرج رجل من النار كأنه بذج ترعد أوصاله» و روى ابن المبارك عن إسماعيل بن مسلم عن الحسن و قتادة عن أنس رضي اللّه تعالى عنه عن النبي صلى اللّه عليه و سلم‏ (3) : قال: «يجاء برجل يوم القيامة كأنه بذج من الذل، فيوقف بين يدي اللّه تعالى، فيقول له: أعطيتك و خوّلتك و أنعمت عليك، فما ذا صنعت؟فيقول:

رب جمعته و نميته و تركته أكثر ما كان فارجعني آتك به، فيقول اللّه تعالى: أرني ما قدمت فإذا هو عبد لم يقدم خيرا فيمضي به إلى النار» . خرجه ابن العربي المالكي في سراج المريدين. و قال:

حديث صحيح من مراسيل الحسن. قال الحافظ المنذري في الترغيب و الترهيب، رواه الترمذي عن إسماعيل بن مسلم المكي، و هو رواه عن الحسن، و البذج بباء موحدة مفتوحة و ذال معجمة ساكنة ثم جيم من أولاد الضأن شبه به هذا لما يأتي به من الذل و الحقارة انتهى.

____________

(1) رواه البخاري في الحج: 118 و مسلم في الحج: 358.

(2) رواه أبو داود في المناسك: 19.

(3) رواه الترمذي في القيامة: 6 و رواه أحمد: 2/105. و لفظه: «يجاء بابن آدم. »

170

و في مسند أبي يعلى الموصلي، عن أنس بن مالك رضي اللّه تعالى عنه، قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: «يؤتى بابن آدم يوم القيامة، كأنه بذج من الذل فيقول اللّه تعالى: أنا خير قسيم يا ابن آدم انظر إلى عملك الذي عملت لي فأنا أجزيك به، و انظر إلى عملك الذي عملت لغيري فإن جزاءك على الذي عملت له» . و رواه‏ (1) الحافظ أبو نعيم في ترجمة الربيع بن صبيح مرفوعا.

و البذج كلمة فارسية تكلمت بها العرب و عن بعض الأعراب أنه وجد متعلقا باستار الكعبة و هو يقول اللهم أمتني ميتة أبي خارجة فقيل له: و كيف مات أبو خارجة؟قال: أكل بذجا و شرب مشعلا و نام شامسا فلقي اللّه تعالى شبعان ريان دفآن. المشعل أناء ينبذ فيه.

الأمثال:

قالوا (2) : «فلان أذل من بذج» لأنه أضعف ما يكون من الحملان.

البراق:

الدابة التي ركبها سيد المرسلين صلى اللّه عليه و سلم ليلة الاسراء و ركبها الأنبياء عليهم الصلاة و السلام. مشتقة من البرق الذي يلمع في الغيم. كما روي في حديث‏ (3) المرور على الصراط.

«فمنهم من يمر كالبرق الخاطف، و منهم من يمر كالريح العاصف، و منهم من يمر كالفرس الجواد» .

و في الصحيح أنه دابة دون البغل و فوق الحمار، أبيض يضع خطوه عند أقصى طرفه، و يؤخذ من هذا أنه أخذ من الأرض إلى السماء في خطوة و إلى السموات السبع في سبع خطوات.

و به يرد على من استبعد من المتكلمين احضار عرش بلقيس في لحظة واحدة، و قال: إنه أعدم ثم أوجد و علله بأن المسافة البعيدة لا يمكن قطعها في هذه اللحظة، و هذا أوضح دليل في الرد عليه.

قال السهيلي: و مما يسأل عنه شماس البراق حين ركبه صلى اللّه عليه و سلم فقال له جبريل عليه السلام: أ ما تستحي يا براق فما ركبك عبد قبل محمد أكرم على اللّه منه؟قال ابن بطال: إنما كان ذلك لبعد عهده بالأنبياء، و طول الفترة بين عيسى و محمد عليهما الصلاة و السلام. و نقل النووي عن الزبيدي في مختصر العين و عن صاحب التحرير، أنها دابة كان الأنبياء عليهم السلام يركبونها. ثم قال: و هذا الذي قالاه من اشتراك جميع الأنبياء فيها يحتاج إلى نقل صحيح. و قال صاحب المقتفي: و الحكمة في كونه على هيئة بغل و لم يكن على هيئة فرس، التنبيه على أن الركوب كان في سلم و أمن لا في حرب و خوف، أو لإظهار الآية في الإسراع العجيب في دابة لا يوصف شكلها بالإسراع فإن قيل: ركب صلى اللّه عليه و سلم البغلة في الحرب، فالجواب أن ذلك كان لتحقيق نبوّته و شجاعته صلى اللّه عليه و سلم.

قال: و كان البراق أبيض و كانت بغلته شهباء، و هي التي أكثرها بياض إشارة إلى تخصيصه بأشرف الألوان قال: و اختلف الناس هل ركب جبريل عليه السلام معه صلى اللّه عليه و سلم؟فقيل: نعم، كان رديفه صلى اللّه عليه و سلم. قال: و الظاهر عندي أنه لم يركب معه لأنه صلى اللّه عليه و سلم هو المخصوص بشرف الإسراء، لكن روي أن إبراهيم عليه السلام كان يزور ولده إسماعيل على البراق و أنه ركبه هو و إسماعيل و هاجر، حين أتى بهما البيت الحرام. و في أواخر المستدرك عن عبد اللّه رضي اللّه عنه أن النبي صلى اللّه عليه و سلم قال:

____________

(1) رواه الترمذي في القيامة: 6 و ابن حنبل: 2/105.

(2) جمهرة الأمثال: 1/382.

(3) رواه أحمد: 3/178.

171

«أتيت بالبراق فركبت خلف جبريل‏ (1) » . إلى أن قال: تفرد به أبو حمزة ميمون الأعور، و قد اختلفوا فيه، و فيه في ذكر مناقب فاطمة الزهراء رضي اللّه عنها عن أبي هريرة رضي اللّه عنه أن النبي صلى اللّه عليه و سلم قال: «تبعث الأنبياء عليهم السلام يوم القيامة على الدواب ليوافوا بالمؤمنين من قومهم المحشر، و يبعث صالح على ناقته، و أبعث على البراق خطوها عند أقصى طرفها، و تبعث فاطمة أمامي» و قال أبو القاسم إسماعيل بن محمد الأصفهاني، في كتاب الحجة إلى بيان المحجة: إن قيل لم عرج البراق به صلى اللّه عليه و سلم إلى السماء و لم ينزل عند منصرفه عليه؟فالجواب أنه عرج به عليه إظهارا لكرامته، و لم ينزل عليه إظهارا لقدرة اللّه تعالى. و قيل: دل بالصعود على النزول به عليه كقوله‏ (2) تعالى:

سَرََابِيلَ تَقِيكُمُ اَلْحَرَّ يعني: و البرد و كقوله: بيده الخير أي و الشر. و قال حذيفة: ما زايل ظهر البراق حتى رجع.

ثم إن البراق يوم القيامة يركبه النبي صلى اللّه عليه و سلم دون سائر الأنبياء يدل لذلك ما رواه الحاكم قريبا و ما رواه أبو الربيع بن سبع السبتي في شفاء الصدور عن سويد بن عمرو أن النبي صلى اللّه عليه و سلم قال: «حوضي أشرب منه يوم القيامة أنا و من استسقاني من الأنبياء عليهم السلام، و يبعث اللّه تعالى لصالح ناقته يحلبها و يشرب هو و الذين آمنوا معه، ثم يركبها حتى يوافي بها الموقف و لها رغاء» فقال له رجل يا رسول اللّه و أنت يومئذ على العضباء؟قال صلى اللّه عليه و سلم: «تلك تحشر عليها ابنتي فاطمة، و أنا أحشر على البراق، أخص به دون الأنبياء عليهم الصلاة و السلام» .

و اختلف الناس في تاريخ الإسراء، فقال ابن الاثير: الصحيح عندي إنه كان ليلة الاثنين لسبع و عشرين من شهر ربيع الأول قبل الهجرة بسنة، و بهذا جزم شيخ الإسلام محي الدين النووي في شرح مسلم و جزم في فتاويه في كتاب الصلاة بأنه كان في شهر ربيع الآخر. و في سير الروضة أنه كان في رجب و إنما كان ليلا لتظهر الخصوصية بين جليس الملك نهار أو جليسه ليلا.

قال أهل التاريخ: ولد النبي صلى اللّه عليه و سلم عام الفيل، و أقام في بني سعد خمس سنين ثم توفيت أمه بالأبواء، و هو ابن ست سنين، و كفله جده عبد المطلب. ثم توفي و هو ابن ثمان سنين فكفله عمه أبو طالب، و خرج معه إلى الشام و هو ابن اثنتي عشرة سنة، ثم خرج صلى اللّه عليه و سلم في تجارة لخديجة و هو ابن خمس و عشرين سنة، و تزوجها في تلك السنة و بنت قريش الكعبة، و رضيت بحكمه فيها و هو ابن خمس و ثلاثين سنة و بعث صلى اللّه عليه و سلم و هو ابن أربعين سنة. و توفي أبو طالب و هو ابن تسع و أربعين سنة و ثمانية أشهر و أحد عشر يوما. و توفيت خديجة رضي اللّه تعالى عنها بعد أبي طالب بثلاثة أيام، ثم خرج صلى اللّه عليه و سلم إلى الطائف و معه زيد بن حارثة رضي اللّه عنه بعد ثلاثة أشهر من موت خديجة رضي اللّه عنها، فأقام به شهرا ثم رجع إلى مكة في جوار المطعم بن عدي. فلما أتت له خمسون سنة قدم عليه جن نصيبين‏ (3) فأسلموا. فلما أتت له إحدى و خمسون سنة و تسعة أشهر أسرى به صلى اللّه عليه و سلم.

____________

(1) رواه مسلم في الإيمان: 259 و النسائي في الصلاة: 10.

(2) سورة النحل: الآية 81.

(3) نصيبين قاعدة ديار ربيعة.

172

و هاجر إلى المدينة و هو ابن ثلاث و خمسين سنة و هي السنة الثالثة عشرة من بعثته صلى اللّه عليه و سلم، و قيل هاجر في الرابعة عشرة من بعثته صلى اللّه عليه و سلم، و معه أبو بكر الصديق و مولاه عامر بن فهيرة و دليلهم عبد اللّه بن أريقط. و هذه السنة عليها مبني التاريخ الإسلامي و هي سنة أحد.

و فيها آخى رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم بين الصحابة رضي اللّه عنهم و اتخذ علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه أخا. و فيها أتمت صلاة الحضر، و قصرت صلاة السفر، و فيها تزوج علي فاطمة رضي اللّه تعالى عنهما و في سنة اثنتين كانت غزوة و دان و هو اسم مكان، و غزوة بواط و هي من ناحية رضوى، و غزوة العشيرة، و غزوة بدر الأولى و كانت في جمادى الآخرة، و غزوة بدر الكبرى و هي التي قتل فيها صناديد قريش، و أعز اللّه تعالى بها الدين، و كانت يوم الجمعة ثالث عشر رمضان، و غزوة بني سليم، و كانت في ذي الحجة، خرج صلى اللّه عليه و سلم يريد أبا سفيان فلم يلفه، و في سنة ثلاث كانت غزوة بني غطفان و غزوة نجران، و غزوة قينقاع و غزوة أحد و غزوة حمراء الأسد. و في سنة أربع كانت غزوة بني النضير و غزوة ذات الرقاع و في سنة خمس كانت غزوة دومة الجندل و غزوة الخندق و غزوة بني قريظة، و في سنة ست كانت غزوة بني لحيان و غزوة بني المصطلق، و في سنة سبع اتخذ النبي صلى اللّه عليه و سلم المنبر و غزا غزوة خيبر، و فيها كانت قصة فدك و هي مشهورة و كانت فدك لرسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم خالصة.

و في سنة ثمان كانت غزوة مؤتة و فتح مكة المشرفة، و غزوة حنين و غزوة الطائف، و قسمة أموال هوازن. و في سنة تسع كانت غزوة تبوك، و في سنة عشر كانت حجة الوداع، و نحر فيها بيده الشريفة صلى اللّه عليه و سلم ثلاثا و ستين بدنة، و أعتق ثلاثا و ستين رقبة هي عدد سني عمره. و في سنة إحدى عشرة كانت وفاته صلى اللّه عليه و سلم، و كان ابتداء الوجع في مستهل شهر ربيع الأول و توفي في الثاني عشر منه.

و عاش صلى اللّه عليه و سلم ثلاثا و ستين سنة و كانت مدة مقامه في المدينة عشر سنين، و قد تقدم ذكر ذلك في باب الهمزة في الكلام على الاوز. و كان أولاده صلى اللّه عليه و سلم كلهم من خديجة رضي اللّه تعالى عنها، إلا إبراهيم فإنه من مارية القبطية و هم: الطيب و الطاهر و القاسم و فاطمة و زينب و رقية و أم كلثوم و إبراهيم سلام اللّه و رضوانه عليهم أجمعين. فأما الذكور فماتوا كلهم أطفالا. و لم يتزوج صلى اللّه عليه و سلم في حياة خديجة غيرها، فلما ماتت تزوج سودة بنت زمعة رضي اللّه عنها و عائشة رضي اللّه تعالى عنها.

و لم يتزوج صلى اللّه عليه و سلم بكرا غيرها و ماتت رضي اللّه تعالى عنها في أيام معاوية رضي اللّه تعالى عنه، سنة ثمان و خمسين عن سبع و ستين سنة. و تزوج صلى اللّه عليه و سلم حفصة بنت عمر بن الخطاب رضي اللّه تعالى عنهما سنة ثلاث و توفيت في أيام عثمان رضي اللّه تعالى عنه. و تزوج صلى اللّه عليه و سلم زينب بنت خزيمة و توفيت في حياته صلى اللّه عليه و سلم لم يمت عنده من نسائه غيرها، و غير خديجة رضي اللّه تعالى عنهما. و تزوج صلى اللّه عليه و سلم أم سلمة رضي اللّه تعالى عنها سنة أربع، و أمها عاتكة عمة رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، و توفيت سنة تسع و خمسين في أيام معاوية أيضا رضي اللّه تعالى عنده، و قيل توفيت سنة إحدى و ستين في يوم عاشوراء، و هو اليوم الذي قتل فيه الحسين رضي اللّه تعالى عنه. و تزوج صلى اللّه عليه و سلم زينب بنت جحش في سنة خمس و توفيت في سنة عشرين في أيام عمر رضي اللّه عنهما، و هي أول أزواجه صلى اللّه عليه و سلم لحوقا به. و تزوج أم حبيبة و اسمها رملة بنت أبي سفيان و توفيت سنة أربع و أربعين في أيام أخيها معاوية رضي اللّه تعالى‏

173

عنهما. و تزوج جويرية بنت الحارث المصطلقية، و توفيت سنة ست و خمسين في أيام معاوية. و تزوج ميمونة بنت الحارث في سنة سبع، و توفيت سنة أربعين و مات عليه الصلاة و السلام عن تسع.

البرذون:

بكسر الباء و بالذال المعجمة، و الجمع براذين و الأنثى برذونة و كنيته أبو الأخطل.

كني به لخطل أذنيه و هو استرخاؤهما، بخلاف أذن الفرس العربي، و هو الذي أبو أعجميان، و الأعجمي من الناس الذي لا يفصح الكلام عجميا كان أو عربيا أ لا تراهم قالوا زياد (1)

الأعجم، لعجمة كانت في لسانه، و هو عربي قال صلى اللّه عليه و سلم: «صلاة النهار عجماء لإخفاء القراءة فيها» . لكن قال النووي إنه حديث باطل و يطلق العجمي و الأعجمي على من ليس من أهل الكلام، قال صلى اللّه عليه و سلم: «العجماء جرحها جبار» و هي‏ (2) الدابة المنفلتة. و إلا فالإجماع على تضمين السائق و القائد. و قال صاحب منطق الطيران: البرذون يقول كل يوم: اللهم إني أسألك قوت يوم بيوم.

و روى الحاكم عن ابن مسعود رضي اللّه تعالى عنه قال: «كأني بالترك و قد أتتكم على براذين مجدّعة الآذان حتى تربطها بشط الفرات» . و روي أيضا عن أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه أنه مر بمروان و هو يبني في داره بالمدينة، قال: فجلست إليه، و العمال يعملون فقلت ابنوا مشيدا و أملوا بعيدا و موتوا قريبا. فقال مروان إن أبا هريرة يحدث العمال فما ذا تقول لهم يا أبا هريرة؟قال: قلت ابنوا مشيدا و أملوا بعيدا و موتوا قريبا، يا معشر قريش ثلاث مرات اذكروا كيف كنتم أمس، و كيف أصبحتم اليوم تخدمون، أرقاؤكم فارس و الروم، كلوا خبز السميذ و اللحم السمين، لا يأكل بعضهم بعضا، و لا تكادموا تكادم البراذين، و كونوا اليوم صغارا تكونوا غدا كبارا، و اللّه لا يرتفع رجل منكم في الدنيا درجة إلا وضعه اللّه يوم القيامة درجة و انشد السراج الوراق في مناهج الفكر في أوصاف الخيل المذمومة:

لصاحب الأحباس برذونة # بعيدة العهد عن القرط

إذا رأت خيلا على مربط # تقول سبحانك يا معطي

تمشي إلى خلف إذا ما مشت # كأنما تكتب بالقبطي‏

قال الجاحظ: سألت بعض الأعراب أي الدواب آكل؟قال: برذونة رغوث.

و في أواخر الجزء الخامس من الغيلانيات، و في المستدرك في كتاب اللباس عن عائشة رضي اللّه تعالى عنها قالت: أتي رجل إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم على برذون و عليه عمامة و قد أرخى طرفها

____________

(1) زياد الأعجم: هو زياد بن سليمان، أبو أمامة العبدي من شعراء الدولة الأموية جزل الشعر، مات في خراسان سنة 100 هـ-.

(2) رواه البخاري في الديات: 28، 29 و الزكاة: 66. و رواه مسلم في الحدود: 45، 46. و أبو داود في الديات: 27. و الترمذي في الزكاة: 16 و النسائي في الزكاة: 28، 40.

174

بين كتفيه، فسألت رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم عنه؟فقال: «هل رأيته» ؟قلت نعم. قال‏ (1) : «ذاك جبريل أمرني أن أمضي إلى بني قريظة» . و قال في الكامل، في حوادث سنة خمس عشرة. لما افتتح عمر رضي اللّه تعالى عنه بيت المقدس، و قدم إلى الشام أربع مرات: الأولى على فرس، و الثانية على بعير، و الثالثة رجع لأجل الطاعون، و الرابعة على حمار، و كتب إلى امراء الأجناد أن يوافوه بالجابية (2) ، فركب فرسه فرأى به عرجا فنزل عنه، و أتى ببرذون فركبه، فجعل يتجلجل به أي يزهو في مشيته، فنزل عنه و صرف عنه وجهه، و قال: لا علّم اللّه من علّمك هذه الخيلاء. ثم ركب ناقته و لم يركب برذونا بعده و لا قبله أبدا.

و كان عمر رضي اللّه تعالى عنه لما أراد الخروج إلى الشام، استخلف على المدينة علي بن أبي طالب رضي اللّه تعالى عنه، فقال له علي: أنت تخرج بنفسك إلى هذا العدوّ الكلب؟فقال عمر رضي اللّه تعالى عنه: أبادر بالجهاد قبل موت العباس رضي اللّه تعالى عنه، إنكم إذا فقدتم العباس رضي اللّه تعالى عنه انتقض بكم الشر، كما ينتقض الحبل، فمات العباس رضي اللّه تعالى عنه لست سنين من خلافة عثمان رضي اللّه تعالى عنه و انتقض بالناس الشر كما قال عمر رضي اللّه تعالى عنه.

و في وفيات الأعيان في ترجمة (3) أبي الهذيل محمد بن الهذيل العلاف البصري شيخ البصريين في الاعتزال، قال: خرجت من البصرة على برذون أريد المأمون ببغداد، فسرت إلى دير هرقل، فإذا رجل مشدود في حائط الدير، فسلمت عليه فرد علي السلام، و حملق إلي و قال: أ معتزلي أنت؟ قلت: نعم. قال: و أمامي أنت؟قلت: نعم. قال: أنت إذن أبو الهذيل العلاف!قلت: أنا ذاك. قال: فهل للنوم لذة؟قلت: نعم. قال: و متى يجدها صاحبها؟فقلت لقلبي: إن قلت مع النوم أخطأت، فإنه ذاهب العقل، و إن قلت قبل النوم أخطأت أيضا، لأنك أحلت على عدم، و إن قلت بعد النوم غلطت، لأنه شي‏ء قد انقضى، قال: فتحير فهمي، وجال في الخاطر وهمي ، و قلت له: قل أنت حتى أسمع منك و أنقل عنك؟فقال: بشرط أن تسأل امرأة صاحب هذا الدير أن لا تضر بني يومي هذا. فسألتها فاجابت. فقال: اعلم أن النعاس داء يحل بالبدن و دواؤه النوم. فاستحسنت ذلك منه، و هممت بالانصراف، فقال: يا أبا الهذيل قف و اسمع مسألة عظمى، قال: ما تقول في رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم أمين هو في السماء و الأرض؟قلت: نعم. قال: أ تحب أن يكون الخلاف في أمته أم الوفاق؟قلت: بل الوفاق و الاتفاق: فقال: قال تعالى‏ (4) : وَ مََا أَرْسَلْنََاكَ إِلاََّ رَحْمَةً لِلْعََالَمِينَ فما باله صلى اللّه عليه و سلم حين مرض مرض موته ما قال: هذا خليفتكم من بعدي؟و قد نص صلى اللّه عليه و سلم على الوصية و حث عليها و حرض. قال أبو الهذيل: فلم أحر جوابا. و سألته الجواب فتنكرت حاله، ففتلت عنان برذوني و انصرفت عنه. فوصلت إلى المأمون فاستخبرني عن طريقي،

____________

(1) رواه ابن حنبل: 6/148، 152.

(2) الجابية: موضع بالشام.

(3) وفيات الأعيان: 4/265. و توفي أبو الهذيل سنة 227 هـ-.

(4) سورة الأنبياء: الآية 107.

175

فأخبرته بما جرى، فأمر بإحضاره على حالته التي هو عليها، فأحضر فقال له المأمون، أعد السؤال الذي سألت عنه أبا الهذيل؟فاعاده، و كان في المجلس جماعة من العلماء الأفاضل فما منهم من أجاب، فقال له المأمون: ما الجواب؟فقال: سبحان اللّه أكون سائلا و مجيبا في حالة واحدة؟فقال المأمون: و ما عليك أن تفيدنا؟فقال: نعم يا أمير المؤمنين، اعلم أن اللّه عز و جل حكم في سالف أزله، و قضى و قدر في سابق علمه، و أطلع نبيه صلى اللّه عليه و سلم من ذلك على حكمه، فلم يكن له أن يتعداه و لا أن يتخطاه، فترك الأمر على ما قدره اللّه تعالى و قضاه إذ لا راد لأمره، و لا معقب لحكمه، فاستحسن المأمون ذلك، و عرض له شغل فقام داخلا إلى داره فقال له المجنون: يا ابن اللخناء أخذت منفوعنا و فررت منا!فعاد المأمون و قال له: ما تشتهي؟فقال: ألف دينار. و قال: و ما تصنع بها؟قال: آكل بها كسبا و تمرا، فأمر له بها و حمله إلى أهله و هو على حاله، و توفي أبو الهذيل العلاف سنة سبع و عشرين و مائتين و ذكروا أن السّنة في الرأس، و النعاس في العين، و النوم في القلب، و هو غشية ثقيلة تقع على القلب، تمنعه المعرفة بالأشياء. و قد نفى اللّه ذلك عن نفسه، بقوله‏ (1) تعالى: لاََ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَ لاََ نَوْمٌ لأنه آفة، و هو سبحانه و تعالى منزه عن الآفات. و لأنه تغير و لا يجوز عليه تبارك و تعالى.

و ذكر (2) الإمام أبو الفرج بن الجوزي في كتاب الأذكياء، عن خالد بن صفوان التيمي، أنه دخل على أبي العباس السفاح، و ليس عنده أحد فقال: يا أمير المؤمنين إني و اللّه ما زلت منذ قلدك اللّه الخلافة، أطلب أن أصير إلى مثل هذا الموقف في الخلوة، فإن رأى أمير المؤمنين أن يأمر بإمساك الباب، حتى أفرغ فليفعل فأمر الحاجب بذلك، فقال: يا أمير المؤمنين إني فكرت في أمرك، و أجلت الفكر فيك، فلم أر أحدا له قدرة و اتساع على الاستمتاع بالنساء مثلك، و لا أضيق فيهن عيشا منك، إنك ملكت نفسك امرأة من نساء العالمين، فاقتصرت عليها، فإن مرضت مرضت، و إن غابت غبت، و إن عركت عركت، و حرمت نفسك يا أمير المؤمنين التلذذ باستطراق الجواري، و معرفة اختلاف أحوالهن، و التلذذ بما يشتهى منهنّ، فإن منهنّ الطويلة التي تشتهى لجسمها، و البيضاء التي تحب لرؤيتها، و السمراء اللعساء، و الصفراء الذهبية، و مولدات المدينة، و الطائف و اليمامة، ذوات الألسن العذبة و الجواب الحاضر، و بنات سائر الملوك، و ما يشتهى من نضارتهنّ و نظافتهنّ. و تخلل خالد بلسانه فأطنب في صفات ضروب الجواري و شوقه إليهن، فلما فرغ من كلامه قال له السفاح: ويحك ملأت مسامعي بما شغل خاطري، و اللّه ما سلك مسامعي كلام أحسن من هذا، فأعد علي كلامك فقد وقع مني موقعا فأعاد إليه خالد كلامه بأحسن مما ابتدأه، ثم قال له انصرف فانصرف.

و بقي أبو العباس مفكرا فدخلت عليه أم سلمة زوجته، و كان قد حلف لها أن لا يتخذ عليها زوجة و لا سرية، و وفى لها بذلك، فلما رأته على تلك الحالة قالت له: إني لأنكرك يا أمير

____________

(1) سورة البقرة: الآية 255.

(2) كتاب الأذكياء 116.

176

المؤمنين، فهل حدث شي‏ء تكرهه؟أو أتاك خبرا رتعت له؟قال لا فلم تزل حتى أخبرها بمقالة خالد، فقالت: و ما قلت لابن الفاعلة؟فقال لها: أ ينصحني و تشتمينه؟فخرجت إلى مواليها و أمرتهم بضرب خالد.

قال خالد: فخرجت من الدار مسرورا بما ألقيت إلى أمير المؤمنين، و لم أشك في الصلة، فبينما أنا واقف، إذ أقبلوا يسألون عني فحققت أنه أمر لي بالجائزة، فقلت لهم: ها أنا ذا، فاستبق إلي أحدهم بخشبة فغمزت برذوني، فلحقني و ضرب كفل البرذون، فركضت ففتهم، و استخفيت في منزلي أياما و وقع في قلبي أني أتيت من أم سلمة. فبينما أنا ذات يوم جالس في المجلس، فلم أشعر إلا بقوم قد هموا علي و قالوا: أجب أمير المؤمنين، فسبق إلى قلبي أنه الموت، فقلت: إنا للّه و إنا إليه راجعون، و اللّه لم أر دم شيخ أضيع من دمي، فركبت إلى دار أمير المؤمنين فأصبته جالسا، و لحظت في المجلس بيتا عليه ستور رقاق، و سمعت حسا من خلف الستر فأجلسني، ثم قال:

ويحك يا خالد وصفت لأمير المؤمنين صفة فأعدها فقلت: نعم يا أمير المؤمنين، أعلمتك أن العرب إنما اشتقت اسم الضرتين من الضرر، و إن أحدا يكون عنده من النساء أكثر من واحدة إلا كان في ضر و تنغيص!فقال السفاح: لم يكن هذا كلامك أولا. قلت: بلى يا أمير المؤمنين، و أخبرتك أن الثلاث من النساء يدخلن على الرجل البئوس، و يشبن الرءوس!فقال السفاح: برئت من رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، إن كنت سمعت هذا منك أو مر في حديثك. قلت: بلى يا أمير المؤمنين، و أخبرتك أن الأربع من النساء شر مجموع لصاحبهن، يشيبنه و يهرمنه. قال: و اللّه ما سمعت هذا منك أولا. قلت: بلى و اللّه. قال: أ تكذبني؟قلت: أ فتقتلني؟نعم و اللّه يا أمير المؤمنين إن أبكار الإماء رجال، إلا أنهن ليس لهن خصى، قال خالد: فسمعت ضحكا من خلف الستر ثم قلت:

و اللّه و أخبرتك أن عندك ريحانة قريش، و أنت تطمح بعينيك إلى النساء و الجواري؟فقيل لي من وراء الستر: صدقت و اللّه يا عماه، بهذا حدثته، و لكنه غير حديثك، و نطق بما في خاطره عن لسانك، فقال له السفاح: قاتلك اللّه. قال خالد: فانسللت و خرجت. فبعثت إلي أم سلمة بعشرة آلاف درهم و برذون و تخت ثياب.

الحكم‏

: هو كعموم الخيل.

الخواص:

إذا شربت امرأة دم برذون لم تحمل أبدا و زبله يخرج المشيمة و الجنين الميت لخاصية فيه. و إذا جفف، و ذر منه في الأنف حبس الرعاف. و إذا ذر على الجراحات حبس الدم.

التعبير:

البرذون في المنام خصومة، و قيل غلام، و يعبر أيضا برجل عجمي. و البراذين رجال أعاجم، و يعبر أيضا بامرأة فمن سرق برذونه طلق زوجته و ضياعه فجور المرأة و اللّه أعلم.

البرغش:

بفتح الباء و الغين المعجمة نوع من البعوض. و أنشد الحافظ زكي الدين عبد العظيم لشيخه الحافظ أبي الحسن المقدسي شيخ والد الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد و وفاته في مستهل شعبان سنة إحدى و عشرين و ستمائة بالقاهرة:

ثلاث باءات بلينا بها # البق و البرغوث و البرغش‏ (1)

____________

(1) البيتان في وفيات الأعيان: 3/291.

177

ثلاثة أوحش ما في الورى # يا ليت شعري أيها أوحش‏ (1)

البرغن:

بفتح الباء و الغين المعجمة و ضمهما ولد البقرة الوحشية.

البرغوث:

بالثاء المثلثة واحد البراغيث. و ضم بائه أشهر من كسرها و قولهم: أكلوني البراغيث لغة طيئ، و هي لغة ثابتة خرجوا عليها قوله‏ (2) تعالى: وَ أَسَرُّوا اَلنَّجْوَى اَلَّذِينَ ظَلَمُوا على أحد المذاهب و قوله‏ (3) عز و جل‏ خُشَّعاً أَبْصََارُهُمْ و مثل: يتعاقبون فيكم ملائكة، و قوله في صحيح مسلم و غيره: «حتى احمرتا عيناه» و اشباهه كثيرة معروفة. و قال سيبويه:

لغة أكلوني البراغيث ليست في القرآن قال و الضمير في و أسروا النجوى فاعل و الذين بدل منه.

و كنية البرغوث أبو طامر و أبو عدي و أبو الوثاب، و يقال له طامر بن طامر. و هو من الحيوان الذي له الوثب الشديد و من لطف اللّه تعالى به، أنه يثب إلى ورائه ليرى من يصيده، لأنه لو وثب إلى أمامه، لكان ذلك أسرع إلى حمامه. و حكى الجاحظ (4) عن يحيى‏ (5) البرمكي، أن البرغوث من الخلق الذي يعرض له الطيران، كما يعرض للنمل. و هو يطيل السفاد، و يبيض و يفرخ بعد أن يتولد، و هو ينشأ أولا من التراب، لا سيما في الأماكن المظلمة، و سلطانه في أواخر فصل الشتاء و أول فصل الربيع، و هو أحدب نزاء. و يقال: إنه على صورة الفيل له أنياب يعض بها و خرطوم يمص به.

و حكمه:

تحريم الأكل و استحباب قتله للحلال و المحرم، و لا يسب لما روى الإمام أحمد و البزار و البخاري في الأدب و الطبراني في الدعوات عن أنس رضي اللّه تعالى عنه أن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم سمع رجلا يسب برغوثا. فقال: لا تسبه فإنه أيقظ نبيا لصلاة الفجر.

و في معجم الطبراني عن أنس رضي اللّه تعالى عنه. قال: ذكرت البراغيث عند رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم فقال: «إنها توقظ للصلاة أي لصلاة الفجر» . و فيه عن علي رضي اللّه تعالى عنه قال: نزلنا منزلا فآذتنا البراغيث فسببناها فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم؛ «لا تسبوها فنعمت الدابة فإنها أيقظتكم لذكر اللّه تعالى» .

و يعفى عن قليل دمها في الثوب و البدن لعموم البلوى به و عسر الاحتراز. و قال أبو عمر بن عبد البر: أجمع العلماء على التجاوز و العفو عن دم البراغيث، ما لم يتفاحش. قال أصحابنا: و لا خلاف في العفو عن قليله إلا إذا حصل بفعله كما إذا قتله في ثوبه أو بدنه ففي العفو عنه وجهان:

أصحهما العفو أيضا. و كذلك كل ما ليس له نفس سائلة كالبق و البعوض و شبههما. و سئل شيخ الإسلام عز الدين بن عبد السلام عن ثوب فيه دم البراغيث هل يجوز للإنسان أن يلبسه رطبا ثم يصلي فيه؟و إذا عرق فيه هل يصلي فيه؟و هل يتنجس بذلك بدنه أو يعفي عنه؟و هل يندب له غسله قبل وقته المعتاد؟فأجاب نعم ينجس الثوب و البدن بذلك و لا يؤمر بغسله إلا في الأوقات المعتادة و غسله في غير ذلك ورع خارج عما كان السلف عليه. و كانوا أحرص على حفظ أديانهم من غيرهم. و أما الكثير من دم البراغيث فالأصح عند المحققين، كما قاله النووي، العفو عنه مطلقا

____________

(1) في الوفيات «... لست أدري أيها... » .

(2) سورة الأنبياء: الآية 3.

(3) سورة القمر: الآية 7.

(4) الأديب الكبير عمرو بن بحر بن محبوب أبو عثمان المتوفى سنة 255 هـ-.

(5) البرمكي: يحيى بن خالد، وزير هارون الرشيد، أبو الفضل، و كان من العقلاء البلغاء. مات في سجنه سنة 190 هـ- بعد نكبة البرامكة.

178

سواء انتشر بعرق أم لا.

فائدة:

مجربة صحيحة، للبراغيث و هو أن تأخذ قصبة فارسية، و تلطخها بلبن حمارة و شحم تيس و تغرسها في وسط الدار ثم تقول 25 مرة: أقسمت عليكم أيها البراغيث، إنكم جند من جنود اللّه من عهد عاد و ثمود، و أقسمت عليكم بخالق الوجود، الفرد الصمد المعبود، أن تجتمعوا إلى هذا العود، و لكم علي المواثيق و العهود، إن لا أقتل منكم والدا و لا مولود، فإنها تجتمع فإذا اجتمعت إلى العود فخذها و ارمها إلى مكان آخر و لا تقتل منها أحدا يبطل السر ثم تكنس البيت و تقول عليه 40 مرة وَ مََا لَنََا أَلاََّ نَتَوَكَّلَ عَلَى اَللََّهِ وَ قَدْ هَدََانََا سُبُلَنََا وَ لَنَصْبِرَنَّ عَلى‏ََ مََا آذَيْتُمُونََا وَ عَلَى اَللََّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ اَلْمُتَوَكِّلُونَ‏ (1) فإن فعل ذلك، لم يدخل البيت برغوث أبدا و هو سر لطيف مجرب.

فائدة:

سئل مالك رحمة اللّه عليه، عن البراغيث أملك الموت يقبض أرواحها؟فأطرق مليا، ثم قال أ لها نفس؟قالوا: نعم. قال: ملك الموت يقبض أرواحها. ثم قرأ قوله‏ (2) تعالى:

اَللََّهُ يَتَوَفَّى اَلْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهََا الآية. و يدل له ما يأتي في البعوض.

الأمثال:

قالوا (3) : «أطمر من برغوث» . «و أطير من برغوث» .

و خاصيته:

اللسع و الأذى. قال بعض‏ (4) الأعراب يصف البراغيث و قد سكن مصر:

تطاول في الفسطاط ليلي و لم يكن # بأرض الفضا ليل عليّ يطول

ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة # و ليس لبرغوث عليّ سبيل‏

و قد أجاد مجد الدين أبو الميمون الكناني حيث قال ملغزا في البراغيث:

و معشر يستحل الناس قتلهم # كما استحلوا دم الحجاج في الحرم

إذا سفكت دما منهم فما سفكت # يداي من دمه المسفوك غير دمي‏

و قال أبو الحسن بن سكرة الهاشمي في مليح يعرف بابن برغوث:

بليت و لا أقول بمن لاني # متى ما قلت من هو يعشقوه

حبيب قد نفى عني رقادي # فإن أغمضت أيقظني أبوه‏

و من محاسن شعره:

كأن خالا لاح في خده # للعين في سلسلة من عذار

أسود يستخدم في جنة # قيده مولاه خوف الفرار

و له‏ (5) أيضا:

و ما عشقي له وحشا لأني # كرهت الحسن و اخترت القبيحا

و لكن غرت أن أهوى مليحا # و كل الناس يهوون المليحا

____________

(1) سورة إبراهيم: الآية 12.

(2) سورة الزمر: الآية 42.

(3) مجمع الأمثال: 1/441.

(4) هو أبو الرمّاح الأسدي. و البيتان في الحيوان للجاحظ: 5/389.

(5) وفيات الأعيان: 3/389 و نسبته إلى ابن أفلح الشاعر المتوفى سنة 537 هـ-.

179

و له‏ (1) أيضا:

تحمّل عظيم الذنب ممن تحبه # و إن كنت مظلوما فقل أنا ظالم

فإنك إن لم تغفر الذنب في الهوى # يفارقك من تهوى و أنفك راغم‏

و قيل: إن هذين البيتين للعباس بن الأحنف. توفي ابن سكرة سنة خمس و ثمانين و ثلاثمائة.

فائدة:

روى ابن أبي الدنيا في كتاب التوكل إن عامل افريقية كتب إلى عمر بن عبد العزيز رضي اللّه عنه يشكو إليه الهوام و العقارب. فكتب إليه و ما على أحدكم إذا أمسى و أصبح أن يقول وَ مََا لَنََا أَلاََّ نَتَوَكَّلَ عَلَى اَللََّهِ الآية. قال: زرعة عبد اللّه أحد رواته. و ينفع من البراغيث و سيأتي إن شاء اللّه تعالى في باب الهاء آية أخرى نظير هذه، ذكرها في فردوس الحكمة.

و في كتاب الدعوات للمستغفري عن أبي الدرداء رضي اللّه تعالى عنه، و شرح المقامات للمسعودي عن أبي ذر رضي اللّه تعالى عنه، أن النبي صلى اللّه عليه و سلم قال: «إذا آذاك البرغوث، فخذ قدحا من ماء، و اقرأ عليه سبع مرات‏ وَ مََا لَنََا أَلاََّ نَتَوَكَّلَ عَلَى اَللََّهِ (2) الآية. ثم تقول إن كنتم مؤمنين فكفوا شركم و أذاكم عنا، ثم ترشه حول فراشك، فإنك تبيت آمنا من شرها. و قال حسين بن إسحاق: و الحيلة في طرد البراغيث أن يؤخذ شي‏ء من الكبريت و الراوند، فيدخن بهما في البيت، فإنهن يهربن أو يمتن، أو يحفر في البيت حفيرة، و يلقي فيها ورق الدفلى، فإنهن يأوين إليها كلهن فيقعن فيها. و قال الرازي: يرش البيت بطبيخ الشونيز فإنه يقتل براغيثه. و قال غيره:

إذا نقع السذاب في ماء ورش في بيت ماتت براغيثه. و إذا بخر البيت بمشاق الكتان القديم و قشور النارنج لا تعود البراغيث إليه أبدا. و إذا دخل البرغوث في أذن الإنسان اليمنى، فليمسك بيده اليمنى خصية نفسه اليسرى، و إذا دخل في أذنه اليسرى فليسمك بيده اليسرى خصية نفسه اليمنى، فإنه يخرج سريعا.

التعبير:

البراغيث في المنام اعداء ضعاف طعانون، و تعبر أيضا بأوباش الناس، و قال جاماسب: من قرصه برغوث نال مالا.

البرا:

بضم الباء طائر يسمى السمويل و سيأتي إن شاء اللّه تعالى في باب السين المهملة.

البرقانة:

الجرادة المتلونة و جمعها برقان قاله ابن سيده.

البرقش:

بكسر الباء الموحدة ثم راء مهملة فقاف فشين معجمة، طائر صغير مثل العصفور، و يسميه أهل الحجاز الشرشور و أما أبو براقش، فسيأتي في آخر الباب إن شاء اللّه تعالى. و براقش اسم كلبة ضرب بها المثل فقالوا «على أهلها دلت براقش» . لأنها سمعت وقع حوافر الدواب، فنبحت فاستدلوا بنباحها على القبيلة فاستباحوهم.

____________

(1) وفيات الأعيان: 7/240 و نسبته إلى العباس بن الأحنف الشاعر المتغزل المتوفى سنة 192 هـ-.

(2) سورة إبراهيم: الآية 12 و تمامها: وَ مََا لَنََا أَلاََّ نَتَوَكَّلَ عَلَى اَللََّهِ وَ قَدْ هَدََانََا سُبُلَنََا وَ لَنَصْبِرَنَّ عَلى‏ََ مََا آذَيْتُمُونََا وَ عَلَى اَللََّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ اَلْمُتَوَكِّلُونَ .

180

البركة:

بالضم طائر من طيور الماء و الجمع برك. قال زهير (1) يصف قطاة فرت من صقر إلى ماء جار على وجه الأرض:

حتى استغاثت بماء لا رشاء له # بين الأباطح في حافاته البرك‏

قال ابن سيده: البركة من طير المساء، و الجمع برك و أبراك و بركان. و عندي إن ابراكا و بركانا جمع الجمع، و البركة أيضا الضفدع، و قد فسر به بعضهم قول زهير في حافاته البرك انتهى كلامه. قال: و البرك: جماعة الإبل الباركة الواحد بارك و الأنثى باركة قاله في العباب.

البشر:

الإنسان الواحد و الجمع و المذكر و المؤنث في ذلك سواء. و قد يثنى و في التنزيل أ نؤمن لبشرين مثلنا و الجمع أبشر.

البط:

طائر الماء الواحدة بطة، و ليست الهاء للتأنيث و إنما هي للواحد من الجنس يقال:

هذه بطة للذكر و الأنثى جميعا مثل حمامة و دجاجة و ليس بعربي محض و البط عند العرب صغاره و كباره أوز و حكمه، و خواصه كالاوز.

و في مسند الإمام أحمد عن عبد اللّه بن رويس، قال: دخلت على عليّ بن أبي طالب رضي اللّه تعالى عنه في يوم نحر فقرب إلينا خزيرة، فقلنا: أصلحك اللّه لو قربت إلينا من هذا البط. يعنون الأوز فإن اللّه تعالى قد أكثر الخير. فقال: يا ابن رويس سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم يقول‏ (2) : «لا يحل لخليفة من مال اللّه تعالى إلا قصعتان: قصعة يأكلها، و قصعة يضعها بين أيدي الناس» .

و في كامل ابن عدي في ترجمة علي بن زيد بن جدعان قال سفيان بن عيينة: سمعت علي بن زيد بن جدعان سنة سبع و ستين يقول: مثل النساء إذا اجتمعن بمنزلة البط إذا صاحت واحدة صحن جميعا.

فرع:

قال الماوردي: البط الذي لا يطير من الاوز لا جزاء فيه إذا قتله المحرم، لأنه ليس بصيد، و قال غيره: الطيور المائية التي تغوص في الماء، و تخرج منه محرمة على المحرم، و مثلوه بالبط. أما الذي لا يعيش إلا في الماء كالسمك فلا يحرم صيده. و لا جزاء فيه و الجراد من صيد البر يجب الجزاء بقتله على الصحيح.

و من الأمثال السائرة بين العامة: «أ و للبط تهددين بالشط» قلت: و قد أذكرني هذا ما حكاه القاضي أحمد بن خلكان رحمه اللّه في ترجمة (3) السلطان نور الدين محمود بن زنكي رحمه اللّه، و كان بينه و بين أبي الحسن سنان بن سنان بن سليمان بن محمد الملقب براشد الدين صاحب القلاع الاسماعيلية مكاتبات، فكتب السلطان إليه كتابا يهدده فيه فكتب سنان جوابه أبياتا و رسالة و هما:

يا للرجال لأمر هال مفظعه # ما مر قط على سمعي توقعه‏

____________

(1) هو زهير بن أبي سلمى الشاعر الجاهلي الحكيم. و البيت في ديوانه: 50. و فيه: «... من الأباطح... » .

(2) رواه أحمد: 1/78.

(3) وفيات الأعيان: 5/186-187.

181

يا ذا الذي بقراع السيف هدّدنا # لا قام قائم جنبي حين تصرعه‏ (1)

قام الحمام إلى البازي يهدده # و استيقظت لأسود الغاب اضبعه‏ (2)

أضحى يسد فم الأفعى بإصبعه # يكفيه ما قد تلاقي منه إصبعه‏

وقفنا على تفصيله و جمله، و علمنا ما تهددنا به من قوله و عمله، فيا للّه العجب من ذبابة تطن في إذن فيل، و بعوضه تعد في التماثيل، و لقد قالها قبلك آخرون، فدمرنا عليهم و ما كان لهم ناصرون، أو للحق تدحضون، و للباطل تنصرون، و سيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون، و أما ما صدرت به من قولك من قطع راسي و قلعك لقلاعي من الجبال الرواسي، فتلك أماني كاذبة، و خيالات غير صائبة، فإن الجواهر لا تزول بالأعراض، كما أن الأرواح لا تضمحل بالأمراض. كم بين قوي و ضعيف، و دني و شريف؟و إن عدنا إلى الظواهر و المحسوسات، و عدلنا عن البواطن و المعقولات، قلنا اسوة برسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم في قوله‏ (3) «ما أوذي نبي ما أوذيت» .

و قد علمتم ما جرى على عترته، و أهل بيته و شيعته، و الحال ما حال و الأمر ما زال، و للّه الحمد في الآخرة و الأولى، إذ نحن مظلومون لا ظالمون، و مغصوبون لا غاصبون. و قل جاء الحق و زهق الباطل إن الباطل كان زهوقا، و قد علمتم ظاهر حالنا، و كيف قتال رجالنا، و ما يتمنونه من الفوت، و يتقربون به إلى حياض الموت، قال: فَتَمَنَّوُا اَلْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صََادِقِينَ `وَ لاََ يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً بِمََا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَ اَللََّهُ عَلِيمٌ بِالظََّالِمِينَ (4) .

و في أمثال العامة السائرة: «أ و للبط تهددين بالشط» .

فهي للبلايا جلبابا، و تدرع للرزايا أثوابا، فلأظهرن عليك منك، و لأفنينهم فيك عنك، و لا تكونن كالباحث عن حتفه بظلفه، و الجادع مارن أنفه بكفه، و إذا وقفت على كتابنا فكن لأمرنا بالمرصاد، و من حالك على اقتصاد، و اقرأ أوّل النحل و آخر صاد، ثم اختتمها بهذين البيتين‏ (5) .

بنا نلت هذا الملك حتى تأثلت # بيوتك فيه و استقرّ عمودها

فأصبحت ترمينا بنبل بنا استوى # مغارسها قد ما وفينا جديدها

و يشبه هذا ما حكاه أيضا في ترجمة يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن صاحب بلاد المغرب، و كان بينه و بين الأدفونش صاحب طليطلة، مكاتبات قال: بعث الأدفونش رسولا إلى الأمير يعقوب يتوعده و يتهدده، و يطلب منه بعض الحصون، و كتب إليه رسالة من إنشاء وزيره ابن النجار و هي:

____________

(1) في الوفيات: «لا قام مصرع» .

(2) في الوفيات: «لأسود البر» .

(3) رواه الترمذي في القيامة: 34. و ابن ماجة في المقدمة: 11. و رواه ابن حنبل: 3/120، 286.

(4) سورة الجمعة: الآية 6-7.

(5) وفيات الأعيان: 5/187. و في البيت الأول: «بيوتك فيها و اشمخر... » و في البيت الثاني «... مغارسها منا و فينا حديدها» .

182

باسمك اللهم فاطر السموات و الأرض، و صلى اللّه على السيد المسيح روح اللّه و كلمته الرسول الفصيح.

أما بعد: فإنه لا يخفى على ذي ذهن ثاقب، و لا ذي عقل لازب، أنك أمير الملة الحنيفية، كما أني أمير الملة النصرانية، و قد عملت الآن ما عليه رؤساء الأندلس من التخاذل، و التواكل و التكاسل، و اهمالهم أمر الرعية، و اخلادهم إلى الراحة و الأمنية، و أنا أسوسهم بحكم القهر و جلاء الديار، و أسبي الذراري و امثل بالرجال، و أذيقهم عذاب الهون و شديد النكال، و لا عذر لك في التخلف عن نصرتهم إذا أمكنتك يد القدرة، و ساعدك من عساكرك و جنودك ذو رأي و خبرة، و أنتم تزعمون أن اللّه تعالى قد فرض عليكم قتال عشرة منا بواحد منكم، و الآن خفف اللّه عنكم و علم أن فيكم ضعفا رحمة منه و منا، و نحن الآن نقاتل عشرة منكم بواحد منا لا تستطيعون دفاعا، و لا تملكون امتناعا، و قد حدثنا عنك إنك أخذت في الاحتفال، و أشرفت على ربوة القتال، و تماطل نفسك سنة بعد أخرى، و تقدم رجلا و تؤخر أخرى، فلا أدري أ كان الجبن أبطأ بك، أم التكذيب بوعد ربك؟ثم قيل لي: إنك لا تجد إلى جواز البحر سبيلا، و لعله لا يسوغ لك التقحم فيه سبيلا، و ها أنا أقول لك، ما فيه الراحة لك، و اعتذر عنك و لك، على أن تفي بالعهود و المواثيق، و الاستكثار من الرهان، و ترسل إلي جملة من عبيدك بالمراكب و الشواني، و الطرائد و المسطحات، و إلا جزت بجملتي إليك، فأقاتلك في أعز الأماكن لديك، فإن كانت لك فغنيمة كبيرة جلبت إليك، و هدية عظيمة مثلت بين يديك و إن كانت لي كانت لي اليد العليا عليك، و استحقيت إمارة الملتين، و الحكم على البرين، و اللّه يوفق للسعادة، و يسهل الإرادة لا رب غيره، و لا خير إلا خيره.

فمزق يعقوب الكتاب و كتب على قطعة منه‏ اِرْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لاََ قِبَلَ لَهُمْ بِهََا، وَ لَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهََا أَذِلَّةً وَ هُمْ صََاغِرُونَ (1) الجواب ما ترى لا ما تسمع و استشهد ببيت المتنبي:

و لا كتب إلا المشرفيّة عنده # و لا رسله إلا الخميس العرموم‏ (2)

ثم أمر بكتب الاستنفار، و استدعى الجيوش من الأمصار، و ضربت السرادقات من يومه بظاهر البلد، و سار إلى البحر المعروف بزقاق سبته فعبر فيه إلى الأندلس، و دخل بلاد الفرنج فكسرهم كسرة شنيعة، و عاد بغنائمهم. و كان الأمير يعقوب متمسكا بالشرع يأمر بالمعروف، و يقيم الحدود في أهل بيته، كما يقيمها في الناس أجمعين و أمر برفض فروع الفقه، و أن الفقهاء لا يفتون إلا بالكتاب العزيز و السنة النبوية، و لا يقلدون أحدا، و أن تكون أحكامهم بما يؤدّي إليه اجتهادهم، من استنباطهم القضايا من الكتاب و الحديث، و الإجماع و القياس.

و قد وصل إلينا من المغرب جماعة على تلك الطريقة منهم: أبو عمرو و أبو الخطاب ابنا دحية و محيي الدين بن عربي الصوفي، «صاحب الفصوص» . «و الفتوحات المكية» . «و عنقاء مغرب» . و غيرهم. و توفي الأمير يعقوب في سنة تسع أو عشر و ستمائة رحمة اللّه تعالى عليه.

____________

(1) سورة النحل: الآية 37.

(2) البيت في ديوان المتنبي: 2/352 و فيه: «و لا رس... » .

183

و لنعد إلى ذكر السلطان محمود، قال ابن الأثير: بلغ من عدل نور الدين الشهيد، أنه أوّل من بنى دارا لكشف الظلامات، و سماها دار العدل، و سببه أنه لما أقام بدمشق بأمرائه و فيهم أسد الدين‏ (1) شيركوه، تعدى كل منهم على من جاوره، فكثرت الشكاوى إلى القاضي كمال الدين السّهروردي‏ (2) ، فأنصف بعضهم من بعض، و لم يقدر على الإنصاف من شيركوه، لأنه كان أكبر الأمراء فبلغ ذلك نور الدين الشهيد، فأمر ببناء دار العدل، فلما سمع شيركوه قال لنوّابه: ما بنى نور الدين هذه الدار إلا بسببي، و إلا فمن يمتنع على القاضي كمال الدين؟و اللّه لئن أحضرت إلى دار العدل بسبب أحد منكم لأصلبنه!فامضوا إلى كل من كان بينكم و بينه شي‏ء فافصلوا الحال معه، و أرضوه، و لو أتى على جميع ما بيدي. قال: فظلم رجل بعد موت نور الدين الشهيد فشق ثوبه و استغاث: يا نور الدين فاتصل خبره بالسلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب، فأزال ظلامته فبكى الرجل أشد من الأول، فسئل عن ذلك فقال: أبكي على سلطان عدل فينا بعد موته.

و توفي نور الدين الشهيد في شوّال سنة تسع و ستين و خمسمائة بقلعة دمشق بعلة الخوانيق، و كان الأطباء قد أشاروا عليه بالفصد فامتنع، و كان مهيبا فما روجع و دفن بالقلعة. ثم نقل إلى تربته بمدرسته التي أنشأها عند باب سوق الخوّاصين. و الدعاء عند قبره مستجاب و قد جرب، و كان رحمه اللّه، ملكا عادلا عابدا ورعا متمسكا بالشريعة، مائلا إلى أهل الخير مجاهدا، كثير الصدقات بنى المدارس بجميع بلاد الشأم، و المارستان بدمشق، و دار الحديث بها و بنى بمدينة الموصل الجامع النوري، و بحماة الجامع الذي على نهر العاصي، و بني الرباطات للصوفية و الفنادق في المنازل، و أثر في الإسلام آثارا حسنة لم يسبق إليها و انتزع من أيدي الكفار نيفا و خمسين مدينة، و محاسنه كثيرة رحمه اللّه تعالى.

و توفي السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب في صفر سنة تسع و ثمانين و خمسمائة بها، قال‏ (3) ابن خلكان: و لما مات كتب القاضي الفاضل‏ (4) ساعة موته بطاقة إلى ولده الملك الظاهر صاحب حلب، مضمونها: لقد كان لكم في رسول اللّه أسوة حسنة إن زلزلة الساعة شي‏ء عظيم، كتبت إلى مولانا السلطان الملك الظاهر أحسن اللّه عزاءه، و جبر مصابه، و جعل فيه الخلف في الساعة المذكورة و قد زلزل المسلمون زلزالا شديدا و قد حفرت الدموع المحاجر، و بلغت القلوب الحناجر، و قد ودّعت أباك مخدومي وداعا لا تلاقي بعده و قبلت عني و عنك خده و أسلمته إلى اللّه عز و جل مغلوب الحيلة، ضعيف القوّة راضيا عن اللّه و لا حول و لا قوّة إلا باللّه، و بالباب من الأجناد المجندة و الأسلحة و الأعمدة ما لا يردّ البلاء، و لا يملك دفع القضاء و تدمع العين و يحزن القلب، و لا نقول إلا ما يرضي الرب و إنا عليك لمحزونون يا يوسف، و أما الوصايا فلا

____________

(1) هو أبو الحارث شيركوه بن شاذي بن مروان و لقبه أسد الدين الملك المنصور و هو عم صلاح الدين الأيوبي تولى الوزارة في مصر و مات سنة 564 هـ بالقاهرة.

(2) السّهروردي: يحيى بن حبش بن أميرك، أبو الفتوح، قتل في حلب سنة 587 هـ-.

(3) وفيات الأعيان: 7/139.

(4) القاضي الفاضل، أبو علي عبد الرحيم بن القاضي الأشرف بهاء الدين، اللخمي العسقلاني وزر للسلطان الناصر صلاح الدين، و برز في صناعة الإنشاء و له شعر. مات سنة 596 هـ-.

184

يحتاج إليها، و الآراء فقد شغلتني المصائب عنها، و أما لائح الأمر فإنه إن وقع الاتفاق فما عدمتم إلا شخصه الكريم. و إن كان غيره فالمصائب المستقبلة أهونها موته، و هو البلاء العظيم، و السلام. و كان رحمه اللّه مع سعة ملكه كثير التواضع، قريبا من الناس، رحيم القلب، كثير الاحتمال و المداراة يميل لأهل الفضل و يستحسن الأشعار الجيدة و يرددها في مجلسه و كان كثيرا ما ينشد قول محمد بن الحسين الحميري‏ (1) :

و زارني طيف من أهوى على حذر # من الوشاة و داعي الصبح قد هتفا (2)

فكدت أوقظ من حولي به فرحا # و كاد يهتك ستر الحب بي شغفا

ثم انتبهت و آمالي تخيل لي # نيل المتى فاستحالت غبطتي أسفا

و كان رحمه اللّه كثيرا ما يتمثل بهذين البيتين و هما (3) :

عجبت لمبتاع الضلالة بالهدى # و للمشتري دنياه بالدين أعجب

و أعجب من هذين من باع دينه # بدنيا سواه فهو من ذين أخيب‏

و عمر رحمه اللّه ستا و خمسين سنة و شهورا.

البطس:

أنواع من السمك لها مرارات يكتب بها الكتب فإذا جففت قرئت في الظلام كما نقرأ بالنهار في ضوء الشمس ذكر ذلك صاحب المعطار.

البعوض:

دويبة. قال الجوهري: إنه البق الواحدة بعوضة و هو وهم و الحق أنه صنفان، و هو يشبه القراد لكن أرجله خفيفة، و رطوبته ظاهرة و يسمى بالعراق و الشأم الجرجس. قال الجوهري: و هو لغة في القرقس، و هو البعوض الصغار، و البعوض على خلقة الفيل إلا أنه أكثر أعضاء من الفيل فإن للفيل أربع أرجل و خرطوما و ذنبا. و له مع هذه الأعضاء رجلان زائدتان، و أربعة أجنحة و خرطوم الفيل مصمت، و خرطومه مجوّف نافذ للجوف، فإذا طعن به جسد الإنسان استقى الدم و قذف به إلى جوفه فهو له كالبلعوم و الحلقوم، و لذلك اشتد عضها و قويت على خرق الجلود الغلاظ قال الراجز:

مثل السّفاة دائما طنينها # ركّب في خرطومها سكينها (4)

و مما ألهمه اللّه تعالى إنه إذا جلس على عضو من أعضاء الإنسان، لا يزال يتوخى بخرطومه المسام التي يخرج منها العرق، لأنها أرق بشرة من جلدة الإنسان فإذا وجدها وضع خرطومه فيها، و فيه من الشره أن يمص الدم إلى أن ينشق و يموت أو إلى أن يعجز عن الطيران، فيكون ذلك سبب هلاكه. و من عجيب أمره أنه ربما قتل البعير و غيره، من ذوات الأربع، فيبقى طريحا في

____________

(1) هو محمد بن الحسين بن أحمد بن الحسين بن إسحاق الحميري.

(2) الأبيات الثلاثة في وفيات الأعيان: 7/207.

(3) وفيات الأعيان: 6/170 دون عزو لأحد.

(4) الأمالي: 3/129. و فيه: «مثل السفاة دائم.. » و البيت عن ابن الأعرابي.

185

الصحراء، فتجتمع السباع حوله و الطير التي تأكل الجيف فمن أكل منها شيئا مات لوقته. و كان بعض الجبابرة من الملوك بالعراق يعذب بالبعوض، فيأخذ من يريد قتله فيخرجه مجردا إلى بعض الآجام التي بالبطائح و يتركه فيها مكتوفا، فيقتل في أسرع وقت، و أقرب زمان و ما أحسن قول أبي الفتح البستي‏ (1) في هذا المعنى:

لا تستخفن الفتى بعداوة # أبدا و إن كان العدو ضئيلا

إن القذى يؤذي العيون قليله # و لربما جرح البعوض الفيلا

و ما ألطف ما قال بعضهم:

لا تحقرن صغيرا في عداوته # إن البعوضة تدمي مقلة الأسد

و نحوه قول أبي نصر السعدي‏ (2) :

و لا تحقرن عدوا رماك # و إن كان في ساعديه قصر

فإن الحسام يحز الرقاب # و يعجز عما تنال الإبر

و له أيضا و قيل إنه لجمال الدين بن مطروح‏ (3) :

يا من لبست عليه أثواب الضنا # صفرا موشحة بحمر الأدمع‏ (4)

أدرك بقية مهجة لو لم تذب # أسفا عليك رميتها عن أضلعي‏

و من محاسن شعره أيضا قوله‏ (5) :

لما وقفنا للوداع و صارما # كنا نظن من النوى تحقيقا

نثروا على ورق الشقائق لؤلؤا # و نثرت من ورق البهار عقيقا (6)

و نحوه قول إبراهيم علي القيرواني صاحب‏ (7) زهر الأدب و غيره و كان كلفا بالمعذرين:

و معذرين كأن نبت خدودهم # أقلام مسك تستمد خلوقا

____________

(1) أبو الفتح علي بن محمد الكاتب البستي الشاعر. صاحب الطريقة الأنيقة في التجنيس، مات سنة 400 هـ- في بخارى.

(2) أبو النصر السعدني، هو عبد العزيز بن عمر بن محمد بن أحمد بن نباتة السعدي الشاعر المدّاح و من أهم ممدوحيه سيف الدولة الحمداني. مات ببغداد سنة 405 هـ-.

(3) ابن مطروح: هو أبو الحسن يحيى بن عيسى بن إبراهيم بن الحسين، الملقب جمال الدين من أهل صعيد مصر، اتصل بنجم الدين أيوب سلطان مصر. مات سنة 649 هـ-.

(4) في الوفيات: «... صفرا موشقة... » و «أسفا عليك نفيتها... » .

(5) وفيات الأعيان: 7/51.

(6) في الوفيات: و نثرت من فوق.

(7) و صاحب زهر الآداب هو إبراهيم الحصري بن علي بن تميم، أبو إسحاق القيرواني الشاعر المتوفى سنة 453 هـ-.

186

نظموا البنفسج بالشقيق و نضدوا # تحت الزبرجد لؤلؤا و عقيقا (1)

و روى‏ (2) الترمذي، و قال حديث حسن صحيح عن سهل بن سعد رضي اللّه تعالى عنه أن النبي صلى اللّه عليه و سلم قال: «لو كانت الدنيا تعدل عند اللّه جناح بعوضة، ما سقى منها كافرا شربة ماء» .

و كذلك رواه الحاكم و صححه.

و قال الشاعر في ذلك:

إذا كان شي‏ء لا يساوي جميعه # جناح بعوض عند من كنت عبده

و أشغل جزء منه كلك ما الذي # يكون على ذا الحال قدرك عنده‏

و معنى هوان الدنيا على اللّه تعالى أنه سبحانه لم يجعلها مقصودة لنفسها، بل جعلها طريقا موصلة إلى ما هو المقصود بنفسه. و إنه لم يجعلها دار إقامة و لا جزاء إنما جعلها دار محنة و بلاء و إنه ملكها في الغالب الجهلة و الكفرة، و حماها الأنبياء و الأولياء و الأبدال. و حسبك بها هوانا على اللّه أنه سبحانه و تعالى، صغرها و حقرها و أبغضها، و أبغض أهلها و محبيها، و لم يرض لعاقل فيها، إلا بالتزود منها، و التأهب للارتحال عنها.

و يكفي في ذلك ما رواه الترمذي عن أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه، عن النبي صلى اللّه عليه و سلم أنه قال: «الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر اللّه تعالى و ما والاه أو عالم أو متعلم» . و هو (3) حديث حسن غريب. و لا يفهم من هذا اباحة لعن الدنيا و سبها مطلقا. لما روى أبو موسى الأشعري، رضي اللّه تعالى عنه أن النبي صلى اللّه عليه و سلم قال: «لا تسبوا الدنيا فنعمت مطية المؤمن عليها يبلغ الخير و بها ينجو من الشر، إن العبد إذا قال: لعن اللّه الدنيا قالت الدنيا لعن اللّه أعصانا لربه» . خرجه الشريف أبو القاسم زيد بن عبد اللّه بن مسعود الهاشمي و هذا يقتضي المنع من سب الدنيا و لعنها. و وجه الجمع بينهما أن المباح لعنه من الدنيا ما كان منها مبعدا عن ذكر اللّه و شاغلا عنه، كما قال بعض السلف كل ما يشغلك عن ذكر اللّه من مال و ولد فهو مشئوم عليك، و هو الذي نبه عليه اللّه تعالى بقوله‏ (4) : اِعْلَمُوا أَنَّمَا اَلْحَيََاةُ اَلدُّنْيََا لَعِبٌ وَ لَهْوٌ وَ زِينَةٌ وَ تَفََاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَ تَكََاثُرٌ فِي اَلْأَمْوََالِ وَ اَلْأَوْلاََدِ و أما ما كان من الدنيا، يقرب من اللّه و يعين على عبادته، فهو المحمود بكل لسان المحبوب لكل إنسان، فمثل هذا لا يسب، بل يرغب فيه و يحب، و إليه الإشارة بالاستثناء حيث قال: إلا ذكر اللّه و ما والاه أو عالم أو متعلم، و هو المصرح به في قوله «نعمت مطية المؤمن عليها يبلغ الخير و بها ينجو من الشر» ، و بهذا يرتفع التعارض بين الحديثين و في الإحياء للغزالي في الباب السادس من أبواب العلم أن النبي صلى اللّه عليه و سلم قال‏ (5) : «إن العبد لينشر له من الثناء ما بين

____________

(1) البيتان في وفيات الأعيان: 7/50 و فيه: «قرنوا البنفسج... » .

(2) رواه الترمذي في الزهد: 13. و ابن ماجة من الزهد: 3.

(3) رواه الترمذي في الزهد: 14. و ابن ماجة في الزهد: 3.

(4) سورة الحديد: الآية 20.

(5) رواه البخاري في تفسير سورة: 18-6. و مسلم في صفات المنافقين: 18. و رواه الترمذي في الزهد:

13، و ابن ماجة في الزهد: 3.

187

المشرق و المغرب و لا يزن عند اللّه جناح بعوضة» . و في الحديث عن أبي هريرة رضي اللّه عنه عن النبي صلى اللّه عليه و سلم أنه قال‏ (1) : «ليأتي الرجل السمين العظيم يوم القيامة لا يزن عند اللّه جناح بعوضة اقرءوا إن شئتم فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا» . رواه البخاري في التفسير، و مثله في التوبة. قال العلماء: معنى هذا الحديث أنهم لا ثواب لهم و أعمالهم مقابلة بالعذاب فلا حسنة لهم توزن في موازين القيامة و من لا حسنة له فهو في النار. و قال أبو سعيد الخدري رضي اللّه تعالى عنه: يؤتى بأعمال كجبال تهامة فلا تزن عند اللّه شيئا، و قيل: المراد المجاز و الاستعارة كأنه قال لا قدر لهم عندنا يوم القيامة و فيه من الفقه ذم السمن لمن تكلفه لما في ذلك من تكلف المطاعم الزائدة على قدر الكفاية و قد قال صلى اللّه عليه و سلم: «إن أبغض الرجال إلى اللّه الحبر السمين» . قال وهب بن منبه لما أرسل اللّه تعالى البعوض على النمروذ، اجتمع منه في عسكره ما لا يحصى عددا، فلما عاين النمروذ ذلك، انفرد عن جيشه و دخل بيته و أغلق الأبواب و أرخى الستور و نام على قفاه مفكرا، فدخلت بعوضة في أنفه و صعدت إلى دماغه فعذب بها أربعين يوما حتى إنه كان يضرب برأسه الأرض و كان أعز الناس عنده من يضرب رأسه ثم سقطت منه كالفرخ و هي تقول كذلك يسلط اللّه رسله على من يشاء من عباده ثم هلك حينئذ. و قال محمد بن العباس‏ (2) الخوارزمي الطبرخزي في الوزير أبي القاسم المزني لما قبض عليه:

لا تعجبوا من صيد صعو بازيا # إن الأسود تصاد بالخرفان

قد غرقت أملاك حمير فأرة # و بعوضة قتلت بني كنعان‏

و روى جعفر (3) الصادق بن محمد الباقر، عن أبيه قال: نظر رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم إلى ملك الموت عليه السلام، عند رأس رجل من الأنصار فقال له رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: «ارفق بصاحبي فإنه مؤمن» .

قال: «إني بكل مؤمن رفيق و ما من أهل بيت إلا أتصفحهم في كل يوم خمس مرات و لو أني أردت قبض روح بعوضة ما قدرت حتى يكون من اللّه تعالى الأمر بقبضها» . قال جعفر بن محمد بلغني أنه يتصفحهم عند مواقيت الصلاة انتهى.

و من هذا و ما تقدم عن مالك في البراغيث، يعلم أن ملك الموت هو الموكل بقبض كل ذي روح و البعوضة على صغر جرمها قد أودع اللّه تعالى في دماغها قوة الحفظ و في وسطه قوة الفكر و في مؤخره قوة الذكر. و خلق لها حاسة البصر و حاسة اللمس و حاسة الشم، و خلق لها منفذا للغذاء و مخرجا للفضلة، و خلق لها جوفا و أمعاء و عظاما. فسبحان من قدر فهدى و لم يخلق شيئا من المخلوقات سدى و أنشد الزمخشري‏ (4) في تفسير سورة البقرة:

____________

(1) رواه البخاري في تفسير السورة: 18-6. و رواه مسلم في المنافقين: 18.

(2) هو محمد بن العباسي الخوارزمي، أبو بكر، كاتب شاعر عالم، توفي في نيسابور سنة 383 هـ-.

(3) جعفر بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين السبط، سادس الأئمة الاثني عشر عند الإمامية، مات سنة 148 هـ-.

(4) الزمخشري: هو محمود بن عمر بن محمد بن أحمد الخوارزمي الزمخشري، جار اللّه أبو القاسم، عالم مفسّر لغوي أديب، من مؤلفاته اللغوية «أساس البلاغة» و في التفسير «الكشّاف» . توفي سنة 538 هـ-. و الأبيات في وفيات الأعيان: 5/172.

188

يا من يرى مد البعوض جناحها # في ظلمة الليل البهيم الأليل

و يرى مناط عروقها في نحرها # و المخ في تلك العظام النحل‏ (1)

امنن علي بتوبة تمحو بها # ما كان مني في الزمان الأول‏ (2)

و نقل ابن خلكان عن بعض الفضلاء، أن الزمخشري أوصى أن تكتب هذه الأبيات على قبره. و يروي عوض امنن علي بتوبة كما قال بعضهم:

اغفر لعبد تاب من فرطاته # ما كان منه في الزمان الأول‏

و في تاريخ‏ (3) ابن خلكان و غيره أن الزمخشري كان يعتقد الاعتزال و يتظاهر به، و كان إذا استأذن على صاحب له بالدخول، يقول: أبو القاسم المعتزلي بالباب. و أول ما صنف من الكتب الكشاف فكتب في أول خطبته: الحمد للّه الذي خلق القرآن فقيل له: إن تركته على هذه الهيئة، هجره الناس فغيره، و قال: الحمد للّه الذي جعل القرآن و جعل عندهم بمعنى خلق. و يوجد في كثير من النسخ الحمد للّه الذي أنزل القرآن و هو من إصلاح الناس لا من إصلاح المصنف فافهم. توفي الزمخشري ليلة عرفة سنة ثمان و ثلاثين و خمسمائة و قد تكلم في الإحياء في باب المحبة على خلق البعوضة و صفتها و ما أودعه اللّه تعالى فيها من الأسرار.

فائدة:

رأيت في كتاب الدعاء للشيخ الإمام العلامة أبي بكر محمد بن الوليد الفهري الطرطوشي‏ (4) ، و يعرف بابن أبي رنده بالراء المهملة المفتوحة و تسكين النون، و هو إمام ورع أديب متقلل، وفاته بالإسكندرية سنة اثنتين و خمسمائة، عن مطرف بن عبد اللّه بن أبي مصعب المدني أنه قال: دخلت على المنصور فوجدته مغموما حزينا قد امتنع من الكلام، لفقد بعض أحبته فقال لي: يا مطرف طرقني من الهم ما لا يكشفه إلا اللّه الذي بلا به، فهل من دعاء أدعو به عسى يكشفه اللّه عني؟فقلت: يا أمير المؤمنين حدثني محمد بن ثابت عن عمر بن ثابت البصري قال:

دخلت في أذن رجل من أهل البصرة بعوضة حتى وصلت إلى صماخه فأنصبته و أسهرته ليله و نهاره، فقال له رجل من أصحاب الحسن البصري: يا هذا ادع بدعاء العلاء بن الحضرمي صاحب رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم الذي دعا به في المفازة و في البحر فخلصه اللّه تعالى. فقال له الرجل: و ما هو رحمك اللّه؟فقال قال أبو هريرة رضي اللّه تعالى عنه: بعث العلاء بن الحضرمي في جيش، كنت فيهم، إلى البحرين فسلكنا مفازة فعطشنا عطشا شديدا حتى خفنا الهلاك، فنزل العلاء و صلى ركعتين ثم قال: يا حليم يا عليم يا علي يا عظيم اسقنا، فجاءت سحابة كأنها جناح طائر، فقعقعت علينا و أمطرتنا حتى ملأنا الآنية، و سقينا الركاب ثم انطلقنا حتى أتينا على خليج من البحر، ما خيض قبل ذلك اليوم، و لا خيض بعده، فلم نجد سفنا فصلى العلاء ركعتين، ثم

____________

(1) في الوفيات: «و يرى عروق نياطها في نحرها» .

(2) في الوفيات: «اغفر لعبد تاب من فرطاته ما كان منه... » .

(3) وفيات الأعيان: 5/172.

(4) هو محمد بن الوليد بن محمد بن خلف القرشي الفهري الأندلسي، أديب فقيه مالكي من أهل طرطوشة بشرقي الأندلس. مات سنة 502 هـ-.

189

قال: يا حليم يا عليم يا علي يا عظيم أجرنا، ثم أخذ بعنان فرسه ثم قال بسم اللّه جوزوا. قال أبو هريرة رضي اللّه تعالى عنه: فمشينا على الماء فو اللّه ما ابتل لنا قدم و لا خف و لا حافر. و كان الجيش أربعة آلاف. قال فدعا الرجل بها فو اللّه ما برحنا حتى خرجت من أذنه لها طنين، حتى صكت الحائط و برأ الرجل.

قال: فاستقبل المنصور القبلة و دعا بهذا الدعاء ساعة ثم أقبل بوجهه إلي و قال: يا مطرف قد كشف اللّه عني ما كنت أجده من الهم، و دعا بالطعام فأجلسني فأكلت معه. و يقرب من هذا ما حكاه ابن خلكان في ترجمة موسى‏ (1) الكاظم بن جعفر الصادق أن هارون الرشيد حبسه في بغداد ثم دعا صاحب شرطته ذات يوم فقال له: رأيت في منامي حبشيا أتاني، و معه حربة، و قال: إن لم تخل عن موسى بن جعفر و إلا نحرتك بهذه الحربة فاذهب فخلّ عنه و أعطه ثلاثين ألف درهم، و قل له إن أحببت المقام عندنا فلك عندي ما تحب، و إن أحببت المضي إلى المدينة فامض. قال صاحب الشرطة: ففعلت ذلك و قلت له: لقد رأيت من أمرك عجبا فقال: أنا أخبرك بينما أنا نائم إذ أتاني رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم فقال: يا موسى حبست مظلوما، فقل هذه الكلمات فإنك لا تبيت هذه الليلة في السجن، قل: يا سامع كل صوت و يا سابق كل فوت و يا كاسي العظام لحما و منشرها بعد الموت، أسألك بأسمائك العظام و باسمك الأعظم الأكبر المخزون المكنون الذي لم يطلع عليه أحد من المخلوقين يا حليما ذا أناة لا يقدر على اناته يا ذا المعروف الذي لا ينقطع معروفه أبدا، و لا نحصي له عددا، فرّج عني. فكان ما ترى.

و توفي موسى الكاظم في رجب سنة ثلاث و قيل سنة سبع و ثمانين و مائة ببغداد مسموما، و قيل إنه توفي في الحبس و كان الشافعي يقول قبر موسى الكاظم الترياق المجرب، و قد أذكرتني هذه الحكاية ما حكاه الخطيب أبو بكر في تاريخه و ابن خلكان أيضا في ترجمة يعقوب‏ (2) بن داود أن المهدي حبسه في بئر و بنى عليها قبة فمكث فيها خمس عشرة سنة و كان يدلي له فيها كل يوم رغيف خبز و كوز ماء، و يؤذن بأوقات الصلاة قال فلما كان في رأس ثلاث عشرة سنة أتاني آت في منامي فقال:

قد حن يوسف إلى رب فأخرجه # من قعر جب و بيت حوله غمم‏ (3)

قال: فحمدت اللّه تعالى و قلت: أتاني الفرج، فمكثت حولا لا أرى شيئا، ففي رأس الحول أتاني ذلك الآتي فأنشدني:

عسى فرج يأتي به اللّه إنه # له كل يوم خليقته أمر

____________

(1) هو أبو الحسن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر. و كان يدعى العبد الصالح كان يقيم بالمدينة حتى أيام الرشيد حيث حبسه في بغداد و مات في حبسه سنة 183 هـ-. قاله ابن خلكان في ترجمته في وفيات الأعيان: 5/308.

(2) يعقوب بن داود أبو عبد اللّه وزير المهدي العباسي. مات سنة 187 هـ-.

(3) البيت و ما يليه في ترجمة يعقوب. وفيات الأعيان: 7/25. و فيه: «حسن علي يوسف رب فأخرجه.

190

قال: ثم أقمت حولا آخر لا أرى شيئا، ثم أتاني ذلك الآتي في رأس الحول فأنشدني:

عسى الكرب الذي أمسيت فيه # يكون وراءه فرج قريب

فيأمن خائف و يفك عان # و يأتي أهله النائي الغريب‏

قال: فلما أصبحت نوديت فظننت أني أوذن بالصلاة فأدلي لي حبل، فربطت نفسي به و نشلت من البئر فانطلق بي، فأدخلت على الرشيد فقيل لي: سلم على أمير المؤمنين، فقلت السلام عليك يا أمير المؤمنين المهدي فقال لي: لست به. فقلت: السلام عليك يا أمير المؤمنين الهادي. فقال لي: لست به. فقلت: السلام عليك يا أمير المؤمنين، فقال: الرشيد، فقلت الرشيد.

فقال: يا يعقوب، ما شفع فيه إلى أحد غير أني حملت الليلة صبية لي على عنقي فذكرت حملك إياي على عنقك، فرثيت لك و أخرجتك. و كان يعقوب يحمل الرشيد على عنقه و هو صغير يلاعبه ثم أمر له بجائزه و صرفه.

الحكم:

يحرم أكلها لاستقذارها.

فائدة:

روى البخاري في الأدب و الترمذي في مناقب الحسن و الحسين رضي اللّه تعالى عنهما، من حديث عبد الرحمن بن أبي نعيم قال: كنت عند ابن عمر رضي اللّه تعالى عنهما، فسأله رجل عن دم البعوض فقال: ممن أنت؟قال: من أهل العراق. فقال ابن عمر رضي اللّه عنهما أنظروا إلى هذا يسألني عن دم البعوض و قد قتلوا ابن بنت الرسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، و سمعته صلى اللّه عليه و سلم يقول‏ (1) : «هما ريحانتاي من الدنيا» . قال: و لم يكن أحد أشبه برسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، من الحسن و الحسين رضي اللّه تعالى عنهما. و روى ابن حبان و الترمذي عن علي رضي اللّه تعالى عنه، قال: «كان الحسن أشبه برسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم ما بين الصدر و الرأس و الحسين أشبه برسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم ما كان أسفل من ذلك‏ (2) » .

فائدة أخرى:

ذكر في الروض الزاهر عن الشعبي، قال: لما بلغ الحجاج أن يحيى بن يعمر يقول: إن الحسن و الحسين رضي اللّه تعالى عنهما من ذرية رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، و كان يحيى‏ (3) بن يعمر بخراسان. فكتب الحجاج إلى قتيبة بن مسلم والي خراسان أن ابعث إلي يحيى بن يعمر، فبعث به إليه قال الشعبي: و كنت عند الحجاج حين أتي به إليه، فقال له الحجاج: بلغني أنك تزعم أن الحسن و الحسين من ذرية رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم!قال: أجل يا حجاج. قال الشعبي: فعجبت من جراءته بقوله يا حجاج!فقال له الحجاج: و اللّه إن لم تخرج منها، و تأتني بها مبينة واضحة من كتاب اللّه تعالى، لألقين الأكثر منك شعرا. و لا تأتني بهذه الآية نَدْعُ أَبْنََاءَنََا وَ أَبْنََاءَكُمْ وَ نِسََاءَنََا وَ نِسََاءَكُمْ (4) قال: فإن خرجت من ذلك، و أتيتك بها واضحة مبينة من كتاب اللّه تعالى، فهو أماني؟قال: نعم. فقال: قال اللّه تعالى: وَ وَهَبْنََا لَهُ إِسْحََاقَ وَ يَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنََا وَ نُوحاً هَدَيْنََا

____________

(1) رواه البخاري في فضائل الصحابة: 22 و الأدب: 18، و رواه الترمذي في المناقب: 30.

(2) رواه الترمذي في المناقب: 30.

(3) يحيى بن يعمر الوشقي العدواني، أبو سليمان تابعي عالم بالحديث و الفقه و اللغة و كان تلميذا لأبي الأسود الدؤلي. مات سنة 129 هـ-.

(4) سورة آل عمران: الآية 61.

191

مِنْ قَبْلُ وَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ دََاوُدَ وَ سُلَيْمََانَ وَ أَيُّوبَ وَ يُوسُفَ وَ مُوسى‏ََ وَ هََارُونَ وَ كَذََلِكَ نَجْزِي اَلْمُحْسِنِينَ `وَ زَكَرِيََّا وَ يَحْيى‏ََ وَ عِيسى‏ََ وَ إِلْيََاسَ (1) ثم قال يحيى بن يعمر: فمن كان أبا عيسى و قد ألحقه اللّه بذرية إبراهيم؟و ما بين عيسى و إبراهيم أكثر مما بين الحسن و الحسين. و محمد صلوات اللّه عليه و سلامه.

فقال له الحجاج: ما أراك إلا قد خرجت، و أتيت بها مبينة واضحة، و اللّه لقد قرأتها و ما علمت بها قط، و هذا من الاستنباطات البديعة. ثم قال له الحجاج: أخبرني عني هل ألحن؟فسكت. فقال:

أقسمت عليك. فقال: أما إذ أقسمت علي أيها الأمير، فإنك ترفع ما يخفض و تخفض ما يرفع.

فقال: ذاك و اللّه اللحن السيئ. ثم كتب إلى قتيبة بن مسلم: إذا جاءك كتابي هذا فاجعل يحيى بن يعمر على قضائك و السلام. و قيل: إن الحجاج قال ليحيى: أسمعتني ألحن؟قال: في حرف واحد. قال: في أي؟قال: في القرآن. قال: ذلك أشنع ما هو!قال: تقول‏ قُلْ إِنْ كََانَ آبََاؤُكُمْ وَ أَبْنََاؤُكُمْ (2) إلى قوله: أَحَبَّ إِلَيْكُمْ فتقرأها بالرفع. فقال له الحجاج: لا جرم تسمع لي لحنا. و ألحقه بخراسان. قال الشعبي: كان الحجاج لما طال عليه الكلام نسي ما ابتدأ به.

و ذكره ابن خلكان في ترجمة يحيى بن يعمر (3) ، و فيه بعض مخالفة. قلت: في كلام يحيى تصريح بأن الضمير في و من ذريته، يعود على إبراهيم و الذي في الكواشي و البغوي و غيرهما أن الضمير يعود إلى نوح، لأن اللّه تعالى ذكر من جملتهم يونس و لوطا فقال: وَ زَكَرِيََّا وَ يَحْيى‏ََ وَ عِيسى‏ََ وَ إِلْيََاسَ كُلٌّ مِنَ اَلصََّالِحِينَ `وَ إِسْمََاعِيلَ وَ اَلْيَسَعَ وَ يُونُسَ وَ لُوطاً وَ كلاًّ فَضَّلْنََا عَلَى اَلْعََالَمِينَ‏ (4) و يونس و لوط من ذرية نوح لا من ذرية إبراهيم، لكن استدلاله صحيح على القول الثاني أيضا. قال ابن خلكان: كان يحيى بن يعمر تابعيا عالما بالقرآن و النحو، و كان شيعيا من الشيعة الأول، يتشيع تشيعا حسنا، يقول بتفضيل أهل البيت من غير تنقيص لأحد من الصحابة رضي اللّه تعالى عنهم. قال ابن خلكان: خطب أمير بالبصرة فقال: اتقوا اللّه فإنه من يتق اللّه فلا هوارة عليه.

فلم يدروا ما قال الأمير فسألوا أبا سعيد يحيى بن يعمر العدواني، فقال: الهوارة الضياع، كأنه قال من اتقى اللّه فلا ضياع عليه. و الهورات المهالك واحدها هورة. و حدث الأصمعي بهذا الحديث، فقال: إن الغريب لواسع، لم أسمع بهذا قط. و توفي يحيى بن يعمر سنة تسع و عشرين و مائة و يعمر بفتح الياء و الميم بينهما عين مهملة ساكنة و قيل بضم الميم و الأول أصح انتهى.

تتمة:

قال نصر اللّه بن يحيى، و كان من الثقات و أهل السنة: رأيت علي بن أبي طالب رضي اللّه تعالى عنه في المنام، فقلت له: يا أمير المؤمنين تفتحون مكة فتقولون: من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ثم يتم على ولدك الحسين ما تم فقال لي: أ ما سمعت أبيات ابن الصيفي في هذا؟فقلت: لا. فقال: اسمعها منه. ثم انتبهت فبادرت إلى حيص بيص، فذكرت له الرؤيا فشهق و بكى و حلف باللّه لم تخرج من فمه و لا خطه إلى أحد و ما نظمها إلا في ليلته ثم أنشدني قوله‏ (5) :

ملكنا فكان العفو منا سجية # فلما ملكتم سال بالدم أبطح‏

____________

(1) سورة الأنعام: الآية 84-85-86.

(2) سورة التوبة: الآية 24.

(3) وفيات الأعيان: 6/173.

(4) سورة الأنعام: الآية 85.

(5) الأبيات مع ترجمة حيص بيص: 2/365.

192

و حللتموا قتل الأسارى و طالما # عدونا على الأسرى فنعفو و نصفح‏ (1)

و حسبكموا هذا التفاوت بيننا # و كل إناء بالذي فيه ينضح‏ (2)

و اسم الحيص بيص سعد بن محمد أبو الفوارس التميمي شاعر مشهور، و يعرف بابن الصيفي و لقب بالحيص بيص لأنه رأى الناس يوما في حركة مزعجة و أمر شديد، فقال: ما للناس في حيص بيص؟فبقي عليه هذا اللقب. و معنى هاتين الكلمتين الشدة و الاختلاط، و تفقه على مذهب الإمام الشافعي و غلب عليه الأدب و نظم الشعر و كان مجيدا فيه و كان إذا سئل عن عمره يقول: أنا أعيش في الدنيا مجازفة لأنه كان لا يحفظ مولده و توفي سنة أربع و سبعين و خمسمائة.

و من محاسن شعره:

يا طالب الرزق في الآفاق مجتهدا # أقصر عناك فإن الرزق مقسوم

الرزق يسعى إلى من ليس يطلبه # و طالب الرزق يسعى و هو محروم‏

و له أيضا:

يا طالب الطب من داء أصيب به # إن الطبيب الذي أبلاك بالداء

هو الطبيب الذي يرجى لعافية # لا من يذيب لك الترياق في الماء

و له أيضا:

إله عما استأثر اللّه به # أيها القلب ودع عنك الحرق

فقضاء اللّه لا يدفعه # حول محتال إذا الأمر سبق‏

و له أيضا:

أنفق و لا تخش إقلالا فقد قسمت # على العباد من الرحمن ارزاق

لا ينفع البخل مع دنيا مولية # و لا يضر مع الإقبال إنفاق‏

الأمثال: قالوا (3) : «أعز من مخ البعوض» و قالوا (4) : «كلفتني مخ البعوض» ، يضرب لمن يكلف الأمور الشاقة. «و أضعف من بعوضة (5) » .

فائدة:

قوله تعالى: إِنَّ اَللََّهَ لاََ يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مََا بَعُوضَةً فَمََا فَوْقَهََا (6) . قال الحسن و غيره: سبب نزولها أن الكفار أنكروا ضرب الأمثال، في غير هذه السورة بالذباب و العنكبوت، و قيل لما ضرب اللّه تعالى المثلين، في أول السورة للمنافقين، يعني قوله‏ (7) تعالى:

مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ اَلَّذِي اِسْتَوْقَدَ نََاراً و قوله تعالى: أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ اَلسَّمََاءِ (8) قالوا: و اللّه أجل و أعلى من أن يضرب الأمثال. فأنزل اللّه تعالى هذه الآية. قال الكسائي و أبو عبيدة و غيرهما:

____________

(1) في الوفيات: «... نعف و نصفح.. » .

(2) «فحسبكم هذا... » .

(3) جمهرة الأمثال: 2/56.

(4) مجمع الأمثال: 2/147.

(5) جمهرة الأمثال: 2/8.

(6) سورة البقرة: الآية 26.

(7) سورة البقرة: الآية 17.

(8) سورة البقرة: الآية 19.

193

المعنى فما فوقها في الصغر. و قال قتادة و ابن جريج و غيرهما: المعنى في الكبر. قال ابن عطية: الكل محتمل و اللّه أعلم.

البعير:

سمي بعيرا لأنه يبعر، يقال: بعر البعير بفتح العين فيهما بعرا بإسكان العين كذبح يذبح ذبحا، قاله ابن السكيت و هو اسم على الذكر و الأنثى و هو من الإبل بمنزلة الإنسان من الناس، فالجمل بمنزلة الرجل، و الناقة بمنزلة المرأة، و القعود بمنزلة الفتى، و القلوص بمنزلة الجارية، و حكي عن بعض العرب: صرعتني بعيري، أي ناقتي، و شربت من لبن بعيري. و إنما يقال له بعيرا إذا أجذع، و الجمع أبعرة و أباعر و بعران. قال مجاهد في قوله‏ (1) تعالى: وَ لِمَنْ جََاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ أراد بالبعير الحمار، لأن بعض العرب يقول للحمار بعير، و هذا شاذ، و لو أوصى ببعير تناول الناقة على الأصح. و هو كالخلاف في تناول الشاة الذكر، و إن كان عكسه في الصورة.

و الوجه الثاني عدم التناول. و هو المحكي عن النص، و المعروف في كلام الناس خلاف كلام العرب تنزيلا للبعير منزلة الجمل. قال الرافعي: و ربما أفهمك كلامهم توسطا بين تنزيل النص، على ما إذا عم العرف باستعمال البعير بمعنى الجمل، و العمل بما تقتضيه اللغة إذا لم يعم لا جرم.

قال الشيخ الإمام السبكي: إن تصحيح خلاف النص في مثل هذه المسائل بعيد، لأن الشافعي رضي اللّه عنه اعرف باللغة، فلا يخرج عنها إلا لعرف مطرد، فإن صح عرف بخلاف قوله اتبع، و إلا فالأولى اتباع قوله.

فرع:

لو وقع بعيران في بئر، أحدهما فوق الآخر، فطعن الأعلى و مات الأسفل بثقله، حرم الأسفل لأن الطعنة لم تصبه، فإن أصابتها حلا جميعا. فإذا شك هل مات بالثقل أم بالطعنة النافذة، و قد علم أنها اصابته قبل مفارقة الروح حل. و إن شك هل أصابته قبل مفارقة الروح أم بعدها؟قال البغوي في الفتاوى: يحتمل وجهين، بناء على أن العبد الغائب المنقطع خبره هل يجزئ اعتاقه عن الكفارة أم لا؟و من ذلك ما لو رمى غير مقدور عليه، فصار مقدورا عليه، ثم أصاب غير مذبحه لم يحل. و لو رمى مقدورا عليه فصار غير مقدور عليه، فأصاب غير مذبحه لم يحل. فإن أصاب مذبحه حل. و في سنن أبي داود النسائي و ابن ماجة، عن عبد اللّه بن عمر رضي اللّه تعالى عنهما، أن النبي صلى اللّه عليه و سلم قال: «إذا تزوج أحدكم امرأة أو اشترى جارية أو غلاما أو دابة، فليأخذ بناصيتها و ليقل: اللهم إني أسألك خيره و خير ما جبل عليه، و أعوذ بك من شره و شر ما جبل عليه. و إذا اشترى بعيرا فليأخذ بذروة سنامه و ليدع بالبركة و ليقل مثل‏ (2) ذلك» .

فائدة:

قال ابن الأثير: «خرج خلاد بن رافع و أخوه رضي اللّه عنهما إلى بدر على بعير أعجف، فلما انتهيا إلى قرب الروحاء، برك البعير. قال فقلنا: اللهم لك علينا، إن انتهينا إلى بدر، أن ننحره فرآنا النبي صلى اللّه عليه و سلم فقال: «ما بالكما» . فأخبرناه، فنزل النبي صلى اللّه عليه و سلم فتوضأ ثم بزق في وضوئه ثم أمرهما ففتحا فم البعير فصب في جوفه، ثم على رأسه، ثم على عنقه، ثم على غاربه، ثم على سنامه، ثم على عجزه، ثم على ذنبه، ثم قال صلى اللّه عليه و سلم: «اللهم احمل رفاعة و خلادا» . فقمنا نرحل،

____________

(1) سورة يوسف: الآية 72.

(2) رواه أبو داود في النكاح: 45. و ابن ماجة في النكاح: 27. و الموطأ في النكاح: 52.

194

فأدركنا أول الركب فلما انتهينا إلى بدر برك فنحرناه و تصدقنا بلحمه.

فائدة أخرى:

روى أبو القاسم الطبراني، في كتاب الدعوات، عن زيد بن ثابت رضي اللّه تعالى عنه، قال: غزونا غزوة مع رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، حتى إذا كنا في مجمع طرق المدينة، فبصرنا بأعرابي أخذ بخطام بعير حتى وقف على رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، و نحن حوله فقال: السلام عليك أيها النبي و رحمة اللّه و بركاته، فرد النبي صلى اللّه عليه و سلم عليه السلام، و قال: «كيف أصبحت» ؟فجاء رجل كأنه حرسي فقال: يا رسول اللّه هذا الأعرابي سرق بعيري هذا، فرغا البعير و حن ساعة، فأنصت له النبي صلى اللّه عليه و سلم يسمع رغاءه و حنينه، فلما هدأ البعير أقبل النبي صلى اللّه عليه و سلم على الحرسي و قال: «انصرف عنه، فإن البعير يشهد عليك أنك كاذب» . فانصرف الحرسي و أقبل النبي صلى اللّه عليه و سلم على الأعرابي، و قال:

«أي شي‏ء قلت حين جئتني» ؟فقال: بأبي أنت و أمي يا رسول اللّه قلت: اللهم صلّ على محمد حتى لا تبقى صلاة، اللهم و بارك على محمد حتى لا تبقى بركة، اللهم و سلم على محمد حتى لا يبقى سلام، اللهم و ارحم محمدا حتى لا تبقى رحمة. فقال صلى اللّه عليه و سلم: «إن اللّه تبارك و تعالى أبداها لي، و البعير ينطق بقدرته، و إن الملائكة قد سدوا أفق السماء» . و فيه أيضا عن نافع عن ابن عمر رضي اللّه تعالى عنهما قال: «جاءوا برجل إلى النبي صلى اللّه عليه و سلم، فشهدوا عليه أنه سرق ناقة لهم فأمر النبي صلى اللّه عليه و سلم أن يقطع، فولى الرجل و هو يقول: اللهم صلّ على محمد حتى لا يبقى من صلواتك شي‏ء، و بارك على محمد حتى لا يبقى من بركاتك شي‏ء، و سلم على محمد حتى لا يبقى من سلامك شي‏ء.

فتكلم البعير و قال يا محمد إنه بري‏ء من سرقتي. فقال النبي صلى اللّه عليه و سلم: «من يأتي بالرجل فابتدر إليه سبعون من أهل بدر، فجاءوا به إلى النبي صلى اللّه عليه و سلم، فقال: يا هذا ما قلت آنفا؟فأخبره بما قال، فقال النبي صلى اللّه عليه و سلم: «لأجل ذلك رأيت الملائكة يخترقون سكك المدينة، حتى كادوا يحولون بيني و بينك، ثم قال صلى اللّه عليه و سلم: لتردن على الصراط و وجهك أضوأ من القمر ليلة البدر» . اهـ-. و سيأتي، إن شاء اللّه تعالى، في الناقة حديث رواه الحاكم في هذا المعنى.

و روى‏ (1) ابن ماجة عن تميم الداري رضي اللّه تعالى عنه قال: «كنا جلوسا مع رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، إذ أقبل علينا بعير يعدو حتى وقف على هامة رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم و رغا، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: «أيها البعير اسكن فإن تك صادقا فلك صدقك، و إن تك كاذبا فعليك كذبك، مع أن اللّه قد أمن عائذنا، و ليس بخائب لائذنا» . فقلنا: يا رسول اللّه ما يقول هذا البعير؟ فقال صلى اللّه عليه و سلم: «هذا بعير قد هم أهله بنحره و أكل لحمه، فهرب منهم و استغاث بنبيكم» . فبينما نحن كذلك، إذ أقبل أصحابه يتعادون فلما نظر إليهم البعير، عاد إلى هامة رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم فلاذ بها، فقالوا: يا رسول اللّه هذا بعيرنا هرب منذ ثلاثة أيام فلم نلقه إلا بين يديك. فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: «أما أنه يشكو إلي و يبث الشكاية» فقالوا: يا رسول اللّه ما يقول؟قال: يقول:

«إنه ربي في أمنكم أحوالا، و كنتم تحملون عليه في الصيف إلى موضع الكلأ فإذا كان الشتاء، حملتم عليه إلى موضع الدف‏ء فلما كبر استفحلتموه، فرزقكم اللّه تعالى منه إبلا سائمة، فلما أدركته هذه السنة الخصبة هممتم بنحره و أكل لحمه» . فقالوا: يا رسول اللّه قد و اللّه كان ذلك: فقال

____________

(1) الحديث بتمامه رواه ابن حنبل: 4/172، 173.

195

عليه الصلاة و السلام: «ما هذا جزاء المملوك الصالح من مواليه» . فقالوا: يا رسول اللّه فإنا لا نبيعه و لا ننحره. فقال النبي صلى اللّه عليه و سلم: «كذبتم فقد استغاث بكم فلم تغيثوه، و أنا أولى بالرحمة منكم، فإن اللّه تعالى قد نزع الرحمة من قلوب المنافقين، و أسكنها في قلوب المؤمنين» فاشتراه عليه الصلاة و السلام منهم بمائة درهم، و قال: «أيها البعير انطلق فأنت حر لوجه اللّه تعالى» . قال: فرغا البعير على هامة رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، فقال عليه الصلاة و السلام. «آمين» ، ثم رغا الثانية فقال: «آمين» ثم رغا الثالثة فقال: «آمين» ثم رغا الرابعة فبكى عليه الصلاة و السلام. فقلنا: يا رسول اللّه ما يقول هذا البعير؟قال صلى اللّه عليه و سلم: «قال جزاك اللّه أيها النبي عن الإسلام و القرآن خيرا فقلت: آمين.

ثم قال: سكن اللّه رعب أمتك إلى يوم القيامة كما سكنت رعبي، فقلت: آمين. ثم قال: حقن اللّه دماء أمتك من أعدائها كما حقنت دمي. فقلت: آمين. ثم قال: لا جعل اللّه بأسها بينها، فبكيت. فإن هذه الخصال سألتها ربي فأعطانيها، و منعني هذه و أخبرني جبريل عليه السلام، عن اللّه عزّ و جلّ، أن فناء أمتي بالسيف جرى القلم بما هو كائن» .

تتمة:

قال الطرطوشي في سراج الملوك، و ابن بلبان‏ (1) ، و المقدسي في شرح الأسماء الحسنى، و غيرهم عن الفضل بن الربيع قال: حج الرشيد، فبينما أنا نائم ذات ليلة إذ سمعت قرع الباب فقلت: من هذا؟قيل: أجب أمير المؤمنين: فخرجت مسرعا فوجدت الرشيد، فقلت: يا أمير المؤمنين لو أرسلت إلي أتيتك. فقال: ويحك قد حاك في نفسي أمر لا يخرجه إلا عالم، فانظر لي رجلا اسأله عنه. فقلت: يا أمير المؤمنين، هاهنا سفيان بن عيينة، قال: فامض بنا إليه، فأتيناه فقرعنا عليه الباب فقال: من هذا؟فقلت: أجب أمير المؤمنين، فخرج مسرعا و قال: يا أمير المؤمنين لو أرسلت إلي أتيتك. قال: جد لما جئنا له، فحادثه ساعة، ثم قال له: أ عليك دين؟قال: نعم.

قال: يا عباس اقض دينه. ثم انصرفنا فقال: ما أغنى عني صاحبك هذا شيئا. فانظر لي رجلا أسأله. قال: فقلت: هاهنا الفضيل بن عياض، قال: امض بنا إليه. فأتيناه فإذا هو قائم يصلي، يتلو آية من كتاب اللّه عزّ و جلّ و يرددها فقرعت الباب، فقال: من هذا؟فقلت: أجب أمير المؤمنين فقال: ما لي و لأمير المؤمنين؟فقلت: سبحان اللّه أ ما تجب عليك طاعته؟فقال: أ و ليس قد روي عن النبي صلى اللّه عليه و سلم أنه قال: «ليس لمؤمن أن يذل نفسه‏ (2) » . و فتح الباب ثم ارتقى إلى أعلى الغرفة مسرعا، فأطفأ السراج و التجأ إلى زاوية من زوايا الغرفة، فجعلنا نجول عليه بأيدينا فسبقت كف الرشيد إليه فقال: أواه ما ألينها من يد، إن نجت غدا من عذاب اللّه!فقلت في نفسي ليكلمنه الليلة بكلام نقي من قلب تقي، فقال: جد لما جئنا له، قال: و فيم جئت حملت على نفسك، و جميع من معك حملوا عليك، حتى لو سألتهم عند انكشاف الغطاء عنك و عنهم، أن يحملوا عنك شقصا من ذنب ما فعلوا، و لكان أشدهم حبا لك، أشدهم هربا منك. ثم قال: إن عمر بن عبد العزيز، لما ولي

____________

(1) هو علي بن عبد اللّه علاء الدين الفارسي فقيه حنفي سكن القاهرة، له مصنفات منها «الأحاديث العوالي» توفي سنة 739 هـ.

(2) رواه ابن ماجة في الفتن 21، و الترمذي في الفتن 66، و ابن حنبل: 5/405. و لفظه: «لا ينبغي لمؤمن... » .

196

الخلافة، دعا سالم‏ (1) بن عبد اللّه بن عمرو محمد بن كعب القرظي‏ (2) و رجاء بن‏ (3) حيوة، و قال لهم: إني قد ابتليت بهذا البلاء، فأشيروا علي؟فعد الخلافة بلاء و عددتها أنت و أصحابك نعمة.

فقال له سالم بن عبد اللّه: إن أردت النجاة غدا من عذاب اللّه، فصم عن الدنيا، و ليكن إفطارك فيها على الموت. و قال له محمد بن كعب: إن أردت النجاة غدا من عذاب اللّه، فليكن كبير المسلمين لك أبا، و أوسطهم لك أخا، و أصغرهم لك ولدا، فبر أباك، و ارحم أخاك، و تحنن على ولدك. و قال له رجاء بن حيوة: إن أردت النجاة غدا، من عذاب اللّه، فأحب للمسلمين ما تحب لنفسك، و اكره لهم ما تكره لنفسك، ثم متى شئت مت، و إني لأقول لك هذا، و إني لأخاف عليك أشد الخوف، يوم تزل الاقدام، فهل معك، يرحمك اللّه، مثل هؤلاء القوم، من يأمرك بمثل هذا؟قال: فبكى هارون الرشيد بكاء شديدا حتى غشي عليه. فقلت: يا أمير المؤمنين بلغني أن عاملا لعمر بن عبد العزيز شكا إليه السهر، فكتب إليه عمر يقول: يا أخي اذكر سهر أهل النار في النار، و خلود الآباد فيها، فإن ذلك يطرد بك إلى ربك نائما و يقظان، و إياك أن تزل قدمك عن هذا السبيل، فيكون آخر العهد بك، و منقطع الرجاء منك، و السلام. فلما قرأ كتابه طوى البلاد حتى قدم عليه، فقال له عمر: ما أقدمك؟قال: خلعت قلبي بكتابك، لا وليت لك ولاية أبدا حتى ألقى اللّه سبحانه و تعالى. فبكى هارون بكاء شديدا، ثم قال: زدني يرحمك اللّه، فقال: يا أمير المؤمنين، إن جدك العباس رضي اللّه عنه عم النبي صلى اللّه عليه و سلم جاءه، فقال: يا رسول اللّه أمرني على إمارة، فقال له النبي صلى اللّه عليه و سلم: «يا عباس يا عم النبي نفس تحييها خير من إمارة تحصيها إن الإمارة حسرة و ندامة يوم القيامة فإن استطعت أن لا تكون أميرا فافعل‏ (4) » . فبكى هارون بكاء شديدا. ثم قال: زدني يرحمك اللّه، فقال: يا حسن الوجه أنت الذي يسألك اللّه عزّ و جلّ يوم القيامة عن هذا الخلق، فإن استطعت أن تقي هذا الوجه من النار فافعل، و إياك أن تصبح أو تمسي و في قلبك غش لرعيتك، فقد قال النبي صلى اللّه عليه و سلم: «من أصبح لهم غاشا لم يرح رائحة الجنة (5) » . فبكى هارون بكاء شديدا ثم قال:

أ عليك دين؟قال: نعم دين لربي يحاسبني عليه، فالويل لي إن سألني، و الويل لي إن لم يلهمني حجتي. فقال: هارون إنما أعني دين العباد. فقال: إن ربي لم يأمرني بهذا، و إنما أمرني أن أصدق وعده، و أطيع أمره، فقال‏ (6) تعالى: وَ مََا خَلَقْتُ اَلْجِنَّ وَ اَلْإِنْسَ إِلاََّ لِيَعْبُدُونِ `مََا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَ مََا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ `إِنَّ اَللََّهَ هُوَ اَلرَّزََّاقُ ذُو اَلْقُوَّةِ اَلْمَتِينُ فقال له الرشيد: هذه ألف دينار، خذها فأنفقها على عيالك، و تقو بها على عبادة ربك. فقال فضيل: سبحان اللّه أنا أدلك على النجاة

____________

(1) رواه البخاري في الأحكام: 7. و النسائي في البيعة 39، و القضاة: 5 و ابن حنبل: 2/448، 476.

(2) سالم بن عبد اللّه بن عمر بن الخطاب، من فقهاء المدينة السبعة. توفي بالمدينة سنة 106 هـ-.

(3) محمد بن كعب بن سليم القرظي، عالم بتفسير القرآن مات سنة 108 هـ-. و قيل سنة 117 هـ-.

(4) رجاء بن حيوة بن جرول الكندي أبو المقدام، شيخ أهل الشام في عصره، لازم عمر بن عبد العزيز و كتب لسليمان بن عبد الملك. مات سنة 112 هـ-.

(5) رواه البخاري في الجزية: 5، و الديات 30، و الأحكام 8، و رواه أبو داود في الترجل: 20 و رواه الترمذي في الطلاق: 11، و الديات: 11، و رواه النسائي في الزينة: 15.

(6) سورة الذاريات: الآية 56.

197

و تكافئني بمثل هذا سلمك اللّه!ثم صمت فلم يكلمنا، فخرجنا من عنده، فقال لي الرشيد: إذا دللتني على رجل فدلّني على مثل هذا فإن هذا سيد المؤمنين اليوم. و يروى أن امرأة من نسائه دخلت عليه فقالت: يا هذا قد ترى ما نحن فيه من ضيق الحال، فلو قبلت هذا المال لانفرجنا به. فقال:

إن مثلي و مثلكم كمثل قوم كان لهم بعير، يأكلون من كسبه، فلما كبر نحروه و أكلوا لحمه. موتوا يا أهلي جوعا و لا تنحروا فضيلا. فلما سمع الرشيد ذلك، قال: ادخل بنا فعسى أن يقبل المال.

قال: فدخلنا فلما علم بنا الفضيل خرج فجلس على السطح، فوق التراب. فجاء هارون الرشيد فجلس إلى جنبه، فكلمه فلم يرد عليه، فبينما نحن كذلك، إذ خرجت جارية سوداء فقالت: يا هذا قد أذيت الشيخ منذ أتيته، فانصرف يرحمك اللّه راشدا. فانصرفنا. و قال القاضي ابن خلكان في ترجمة (1) الفضيل رحمه اللّه: فبلغ ذلك سفيان الثوري، فجاء إليه و قال له: يا أبا علي قد أخطأت في ردك البدرة ألا أخذتها و صرفتها في وجوه البر. فأخذ بلحيته و قال: يا أبا محمد أنت فقيه بالبلد و المنظور إليه و تغلط مثل هذا الغلط!لو طابت لأولئك لطابت لي. ا هـ.

و لعل المذكور إنما كان سفيان بن عيينة لا سفيان الثوري و اللّه أعلم.

و قال الرشيد لفضيل بن عياض: يرحمك اللّه ما أزهدك!فقال: أنت أزهد مني لأني أزهد في الدنيا و أنت تزهد في الآخرة و الدنيا فانية و الآخرة باقية!و قيل إن الفضيل، كانت له ابنة صغيرة، فوجع كفها فسألها يوما و قال: يا بنية ما حال كفك؟فقالت: يا أبت بخير و اللّه لئن كان اللّه تعالى ابتلى مني قليلا، فلقد عافى مني كثيرا ابتلى كفي و عافى سائر بدني فله الحمد على ذلك. فقال: يا بنية أريني كفك فأرته فقبّله، فقالت: يا أبت أناشدك اللّه هل تحبني؟قال:

اللهم نعم. فقالت: سوأة لك من اللّه، و اللّه ما ظننت أنك تحب مع اللّه سواه. فصاح الفضيل و قال: يا سيدي صبية صغيرة، تعاتبني في حبي لغيرك. و عزتك و جلالك لا أحببت معك سواك.

و شكا رجل إلى الفضيل بن عياض حاله فقال له: يا أخي هل من مدبر غير اللّه تعالى؟فقال: لا.

قال: فارض به مدبرا. و قال: إني لأعصى اللّه تعالى، فأعرف ذلك في خلق حماري و خادمي.

و قال: إذا أحب اللّه تعالى عبدا أكثر غمه. و إذا أبغضه وسع عليه دنياه. و قال النووي في أذكاره:

قال السيد الجليل فضيل بن عياض رضي اللّه تعالى عنه: ترك العمل لأجل الناس رياء، و العمل لأجل الناس شرك، و الإخلاص أن يعافيك اللّه منهما. و سئل الفضيل بن عياض رضي اللّه تعالى عنه عن المحبة فقال: هي أن تؤثر اللّه عزّ و جلّ على ما سواه و قال رضي اللّه تعالى عنه: لو كان لي دعوة مستجابة لم أجعلها إلا للإمام لأن اللّه تعالى إذا أصلح الإمام، أمن البلاد و العباد. و قال رضي اللّه تعالى عنه: لأن يلاطف الرجل أهل مجلسه، و يحسن خلقه معهم، خير له من قيام ليله و صيام نهاره. و قال رضي اللّه تعالى عنه: ربما قال الرجل: لا إله إلا اللّه، أو سبحان اللّه، فأخشى عليه النار. فقيل له: كيف ذلك؟قال: يغتاب بين يديه أحد فيعجبه ذلك، فيقول: لا إله إلا اللّه، أو سبحان اللّه، و ليس هذا موضعهما، و إنما هو موضع أن ينصح له في نفسه، و يقول: اتق اللّه. و بلغه رضي اللّه تعالى عنه أن ابنه عليا قال: وددت أن أكون بمكان أرى فيه الناس و لا

____________

(1) وفيات الأعيان: 4/47.

198

يروني. فقال: ويح علي لو أتمها فقال: بمكان لا أرى فيه الناس، و لا يروني. و كان رضي اللّه تعالى عنه، قد جاور بمكة و أقام بها و توفي في المحرم سنة سبع و ثمانين و مائة.

و في تاريخ ابن خلكان أن سفيان الثوري بلغه مقدم الأوزاعي، فخرج إلى ملتقاه فلقيه بذي طوى، فحل سفيان خطام بعيره من القطار و وضعه على رقبته، فكان إذا مر بجماعة قال:

الطريق للشيخ. و الأوزاعي اسمه عبد الرحمن بن عمرو بن بحمد أبو عمرو الأوزاعي، إمام أهل الشأم. قيل: إنه أجاب في سبعين ألف مسألة. و كان يسكن بيروت و بحمد بضم الباء الموحدة و سكون الحاء المهملة. و قال النووي في تهذيب الأسماء و اللغات: بضم الياء المثنات تحت و كسر الميم. و الأوزاعي من تابع التابعين. قال الأوزاعي رحمه اللّه تعالى: رأيت رب العزة في المنام، فقال لي: يا عبد الرحمن أنت الذي تأمر بالمعروف، و تنهى عن المنكر. قلت: بفضلك يا رب. ثم قلت: يا رب أمتني على الإسلام. فقال عزّ و جلّ: و على السنة أيضا. و توفي رحمه اللّه، في شهر ربيع الأول سنة سبع و خمسين و مائة، و كان سبب موته أنه دخل حمام بيروت، و كان لصاحب الحمام شغل، فأغلق الباب عليه، و ذهب ثم جاء و فتح الباب، فوجده ميتا قد وضع يده اليمنى تحت خده، و هو مستقبل القبلة. و قيل: إن امرأته فعلت ذلك به و لم تكن عامدة لذلك. و الأوزاع قرية بدمشق، و لم يكن أبو عمرو منهم، و إنما نزل فيهم، فنسب إليهم.

و هو من سبي اليمن. و قال النووي: إنه ولد ببعلبك سنة ثمان و ثمانين، و هو مدفون في قبلة مسجد قرية حنتوس، و هي على باب بيروت. و أهل القرية لا يعرفونه، بل يقولون: هاهنا قبر رجل صالح ينزل عليه النور، و لا يعرفه إلا الخواص من الناس رحمة اللّه عليه.

الحكم:

البعير تقدم حكمه في الإبل. و يستحب عند ركوب الإبل، أن يذكر اسم اللّه تعالى عليها، لما روى أحمد و الطبراني عن أبي لاس الخزاعي قال: حملنا رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم على إبل من الصدقة ضعاف للحج، فقلنا: يا رسول اللّه ما نرى أن تحملنا هذه!فقال‏ (1) : «ما من بعير إلا و في ذروته شيطان، فإذا ركبتموها، فاذكروا اسم اللّه عليها كما أمركم اللّه، ثم امتهنوها لأنفسكم، فإنما يحمل اللّه عزّ و جلّ» . و قد أشار البخاري، في صحيحه في أبواب الزكاة، إلى بعض هذا الحديث و لم يذكره بتمامه.

الأمثال:

قالوا (2) : «أخف حلما من بعير» . و قالوا (3) : «هما كركبتي بعير» إشارة إلى الاستواء. كما قالوا (4) : «هما كفرسي رهان» . و المثل لهرم بن قطية الفزاري، و قد أطال فيه الميداني

____________

(1) رواه البخاري في الاستئذان: 38، و ابن حنبل: 3/494. 4/221.

(2) جمهرة الأمثال: 1/347.

(3) جمهرة الأمثال: 2/281.

(4) جمهرة الأمثال: 2/289.

199

و غيره. و قالوا (1) «كالحادي و ليس له بعير» . يضرب للمتشبع بما لم يعط، و أحسن من هذا و أوجز قوله‏ (2) صلى اللّه عليه و سلم: «المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور» .

و قال بعض المعمرين:

أصبحت لا أحمل السلاح و لا # أملك رأس البعير إذ نفرا

و الذئب أخشاه إن مررت به # وحدي و أخشى الرياح و المطرا

من بعد ما قوة أصيب بها # أصبحت شيخا أعالج الكبرا

تذنيب:

قال الإمام أبو الفرج بن الجوزي، في الأذكياء (3) و غيره، روي أن الحسن بن هانئ، الشهير بأبي نواس، قال استقبلتني امرأة في هودج على بعير، و لم تكن تعرفني، فأسفرت عن وجهها، فإذا هو في غاية الحسن و الجمال، فقالت: ما اسمك؟فقلت: وجهك.

فقالت: الحسن إذن. و مما يشبه هذا الذكاء، ما نقل أن المأمون غضب على عبد اللّه بن طاهر، و شاور أصحابه في الإيقاع به، و كان قد حضر ذلك المجلس صديق له، فكتب له كتابا فيه «بسم اللّه الرحمن الرحيم يا موسى» ، فلما فضه و وجد ذلك فعجب و بقي يطيل النظر إليه و لا يفهم معناه، و كانت له جارية واقفة على رأسه، فقالت له: يا سيدي إني أفهم معنى هذا. فقال: و ما هو؟فقالت: إنه أراد قوله‏ (4) تعالى: يََا مُوسى‏ََ إِنَّ اَلْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ و كان قد عزم على الحضور إلى المأمون، فثنى العزم عن ذلك و اعتذر للمأمون في عدم الحضور. فكان ذلك سبب سلامته. و أحسن من هذا ما ذكره ابن خلكان فقال: إن بعض الملوك غضب على بعض عماله، فأمر وزيره أن يكتب إليه كتابا يشخصه به، و كان للوزير بالعامل عناية فكتب إليه كتابا، و كتب في آخره إن شاء اللّه تعالى، و جعل في صدر النون شدة، فتعجب العامل كيف وقعت هذه الحركة من الوزير، إذ من عادة الكتاب أن لا يشكلوا كتبهم، ففكر في ذلك فظهر له أنه أراد إِنَّ اَلْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ ، فكشط الشدة و جعل مكانها ألفا، و ختم الكتاب و أعاده للوزير. فلما وقف عليه الوزير سر بذلك و فهم أنه أراد: إِنََّا لَنْ نَدْخُلَهََا أَبَداً مََا دََامُوا (5) فِيهََا و اللّه تعالى أعلم.

البغاث:

بفتح الباء الموحدة و كسرها و ضمها ثلاث لغات، و بالغين المعجمة، طائر أغبر دون الرخمة بطي‏ء الطيران، و هو من شرار الطير، و مما لا يصيد منها، و قال يونس: من جعل البغاث واحدا فجمعه بغثان مثل غزال و غزلان. و من قال للذكر و الأنثى بغاثة فالجمع بغاث مثل نعامة و نعام. و بغاث الطير شرارها و ما لا يصيد منها. قال الشيخ أبو إسحاق في المهذب في باب

____________

(1) جمهرة الأمثال: 2/124.

(2) رواه مسلم في اللباس: 127. و أبو داود في الأدب: 83، و ابن حنبل: 6/90، 167، 345.

(3) الأذكياء: 219.

(4) سورة القصص: الآية 20.

(5) سورة المائدة: الآية 24.

200

الحجر: لا يسافر الولي بمال المحجور عليه، لما روي أن المسافر و ماله لعلي. قلت أي هلاك. و منه قول العباس بن مرداس السّلمي‏ (1) :

بغاث الطير أكثرها فراخا # و أم الصقر مقلات نزور

و قوله مقلات بكسر الميم، و المقلات من النساء التي لا يعيش لها ولد، و من النوق من تلد ولدا واحدا و لا تلد بعده. و قيل: المقلات التي تعمل و كرها في المهالك. و النزور بفتح النون القليلة الأولاد و النزر القليل.

الحكم:

تحريم الأكل لخبثه.

الأمثال:

قالت العرب: «البغاث بأرضنا يستنسر (2) » أي من جاورنا عز بنا. و قيل: معناه إن الضعيف يستضعفنا، و يظهر قوته علينا.

البغل:

معروف، و كنيته أبو الأشحج و أبو الحرون و أبو الصقر و أبو قضاعة و أبو قموص و أبو كعب و أبو مختار و أبو ملعون. و يقال له ابن ناهق و هو مركب من الفرس و الحمار، و لذلك صار له صلابة الحمار و عظم آلات الخيل. و كذلك شحيجه أي صوته مولد من صهيل الفرس و نهيق الحمار، و هو عقيم لا يولد له، لكن في تاريخ ابن البطريق، في حوادث سنة أربع و أربعين و أربعمائة، أن بغلة بنابلس ولدت في بطن حجرة سوداء بغلا أبيض. قال: و هذا أعجب ما سمع. ا هـ.

و شر الطباع ما تجاذبته الأعراق المتضادة، و الأخلاق المتباينة، و العناصر المتباعدة، و إذا كان الذكر حمارا، يكون شديد الشبه بالفرس، و إذا كان الذكر فرسا، يكون شديد الشبه بالحمار. و من العجب أن كل عضو فرضته منه يكون بين الفرس و الحمار، و كذلك أخلاقه ليس له ذكاء الفرس و لا بلادة الحمار. و يقال: إن أول من أنتجها قارون و له صبر الحمار و قوة الفرس، و يوصف برداءة الأخلاق و التلون لأجل التركيب و ينشد في ذلك قوله:

خلق جديد كل يو # م مثل أخلاق البغال‏

لكنه، مع ذلك، يوصف بالهداية في كل طريق يسلكه مرة واحدة، و هو مع ذلك مركب الملوك في أسفارها، و قعيدة الصعاليك‏ (3) في قضاء أوطارها، مع احتماله للأثقال، و صبره على طول الإيغال، و في ذلك يقال:

____________

(1) العباس بن مرداس بن أبي عامر السلمي، أبو الهيثم، شاعر فارسي أمه الخنساء الشاعرة، أدرك الجاهلية و الإسلام. مات سنة 18 هـ-.

(2) جمهرة الأمثال: 1/188.

(3) الصعاليك: جمع الصعلوك: الفقير.

201

مركب قاض و إمام عدل # و عالم و سيد و كهل‏

يصلح للرحل و غير الرحل.

و في الكامل لأبي العباس المبرد، قال العباس بن الفرج: نظر إلى عمرو بن العاص رضي اللّه تعالى عنه و هو على بغلة قد شمط وجهها هرما، فقيل له: أ تركب هذه و أنت على أكرم باحرة بمصر؟فقال: إنه لا ملل عندي لدابتي ما حملت رجلي، و لا لامرأتي ما أحسنت عشرتي، و لا لصديقي ما حفظ سري. إن الملل من كواذب الأخلاق و فيه أيضا أن رجلا من أهل الشام قال: دخلت المدينة فرأيت رجلا راكبا على بغلة، لم أر أحسن وجها و لا سمتا و لا دابة منه، فمال قلبي إليه، فسألت عنه فقيل لي: هذا علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي اللّه تعالى عنهم، فأتيته، و قد امتلأ قلبي له بغضا، فقلت له: أنت ابن أبي طالب؟فقال لي بل أنا ابن ابنه.

فقلت: بك و بأبيك أسب عليا، فلما انقضى كلامي، قال: أحسبك غريبا قلت: أجل قال: فمل بنا إلى الدار فإن احتجت إلى منزل أنزلناك، أو إلى مال واسيناك، أو إلى حاجة عاوناك على قضائها، فانصرفت من عنده و ما على وجه الأرض أحب إلي منه. ا هـ.

قلت: و كان علي بن الحسين رضي اللّه تعالى عنهما، يلقب بزين العابدين، و أمه سلامة، و كان له أخ أكبر منه يسمى عليا أيضا، قتل مع أبيه بكر بلاء، روى الحديث عن أبيه و عن عمه الحسن و جابر و ابن عباس و المسور بن مخرمة و أبي هريرة و صفية و عائشة و أم سلمة، أمهات المؤمنين رضي اللّه عنهم. قال ابن خلكان: كانت أمه سلامة بنت يزدجرد آخر ملوك الفرس، و ذكر الزمخشري في ربيع الأبرار، أن يزدجرد كان له ثلاث بنات، سبين في زمن عمر بن الخطاب رضي اللّه تعالى عنه، فحصلت واحدة منهن لعبد اللّه بن عمر رضي اللّه تعالى عنهما، فأولدها سالما. و الأخرى لمحمد بن أبي بكر رضي اللّه تعالى عنهما، فأولدها قاسما. و الأخرى للحسين بن علي رضي اللّه تعالى عنهما فأولدها عليا زين العابدين رضي اللّه تعالى عنهم، فكلهم بنو خالة.

و كان زين العابدين مع أبيه بكر بلاء فاستبقي لصغر سنه، لأنهم قتلوا كل من أنبت، كما يفعل بالكفار قاتل اللّه فاعل ذلك و أخزاه و لعنه، و كان قد هم عبيد اللّه بن زياد بقتله ثم صرفه اللّه تعالى عنه. و أشار بعض الفجرة، على يزيد بن معاوية بقتله أيضا، فحماه اللّه منه. ثم إن يزيد بن معاوية صار يكرمه و يعظمه و يجلسه معه، و لا يأكل إلا و هو معه ثم بعثه إلى المدينة، فكان بها محترما معظما. قال ابن عساكر و مسجده بدمشق معروف، و هو الذي يقال له مشهد علي بجامع دمشق. قال الزهري: ما رأيت قرشيا أفضل منه. و قال محمد بن سعد: كان زين العابدين ثقة مأمونا، كثير الحديث عن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، عالما، و لم يكن في أهل البيت مثله. و قال الأصمعي: لم يكن للحسين رضي اللّه عنه عقب إلا من ابنه زين العابدين، و لم يكن لزين العابدين نسل إلا من ابنة عمه الحسن رضي اللّه تعالى عنه، فجميع الحسينيين من نسله. و كان إذا توضأ يصفر لونه فإذا قام إلى الصلاة أرعد من الفرق أي الخوف، فقيل له في ذلك فقال: أ تدرون بين يدي من أقوم و لم أناجي؟و يروى أنه احترق البيت الذي هو فيه، و هو قائم يصلي، فلما انصرف، قيل له: ما بالك لم تنصرف حين وقعت النار؟فقال: إني اشتغلت عن هذه النار بالنار الأخرى و يروى أنه لما حج، و أراد أن يلبي أرعد و اصفر و خر مغشيا عليه، فلما أفاق، سئل عن ذلك فقال: إني لأخشى أن‏

202

أقول لبيك اللهم لبيك، فيقول: لا لبيك و لا سعديك، فشجعوه قالوا: لا بد من التلبية، فلما لبى غشي عليه حتى سقط عن راحلته. و كان يصلي في كل يوم و ليلة ألف ركعة، و كان كثير الصدقات، و كان أكثر صدقته بالليل، و كان يقول: «صدقة الليل تطفئ غضب الرب» و كان كثير البكاء، فقيل له في ذلك فقال: إن يعقوب عليه السلام بكى حتى ابيضت عيناه على يوسف، و لم يتحقق موته، فكيف لا أبكي و قد رأيت بضعة عشر رجلا يذبحون من أهلي في غداة واحدة؟ و كان إذا خرج من منزله قال: اللهم إني أتصدق اليوم أو أهب عرضي اليوم لمن يغتابني. و مات لرجل ولد مسرف على نفسه، فجزع عليه، فقال له علي بن الحسين إن من وراء ولدك خلالا ثلاثة: شهادة أن لا إله إلا اللّه، و شفاعة رسول اللّه، و رحمة اللّه. و اختلف أهل التاريخ في السنة التي توفي فيها زين العابدين و المشهور عند الجمهور أنه توفي سنة أربع و تسعين في أولها. و قال ابن الفلاس: و فيها مات سعيد بن المسيب، و سعيد بن جبير، و عروة بن الزبير، و أبو بكر بن عبد الرحمن. و قال بعضهم: توفي في سنة اثنتين أو ثلاث و تسعين. و أغرب المدائني في قوله إنه توفي سنة مائة و قيل توفي في سنة تسع و تسعين. و كان عمره ثمانيا و خمسين سنة، و دفن في قبر عمه الحسن رضي اللّه عنهما، و عن آبائهم الكرام، و عن أصحاب رسول اللّه أجمعين. و في وفيات الأعيان في ترجمة جلال الدولة ملك شاه أن المقتدي بأمر اللّه، جهز الشيخ أبا إسحاق الشيرازي الفيروزآبادي، صاحب التنبيه و المهذب و غيرهما، إلى نيسابور سفيرا له، في خطبة ابنة الملك جلال الدولة فنجز الشغل، و ناظر إمام الحرمين هناك، فلما أراد الانصراف من نيسابور، خرج إمام الحرمين إلى وداعه، و أخذ بركابه حتى ركب أبو إسحاق بغلته، و ظهر له في خراسان منزلة عظيمة، و كانوا يأخذون التراب الذي وطئته بغلته فيتبركون به. و كان رحمه اللّه إماما عالما عاملا ورعا زاهدا عابدا. توفي في سنة ست و سبعين و أربعمائة، و توفي إمام الحرمين في سنة ثمان و سبعين و أربعمائة و غلقت الأسواق يوم موته، و كسر منبره بالجامع، و كانت تلامذته قريبا من أربعمائة نفر، فكسروا محابرهم و أقلامهم و أقاموا على ذلك عاما كاملا. و في تاريخ بغداد و وفيات الأعيان أن أبا حنيفة كان له جار اسكافي يعمل نهاره فإذا رجع إلى منزله ليلا تعشى ثم شرب فإذا دب الشراب فيه أنشد يغني و يقول: (1)

أضاعوني و أيّ فتى أضاعوا # ليوم كريهة و سداد ثغر

و لا يزال يشرب و يردد هذا البيت، حتى يأخذه النوم و أبو حنيفة يسمع جلبته كل ليلة.

و كان أبو حنيفة يصلي الليل كله ففقد أبو حنيفة صوته، فسأل عنه فقيل له: أخذه العسس منذ ليال، فصلى أبو حنيفة الفجر من غده، ثم ركب بغلته و أتى دار الأمير، فاستأذن عليه فقال:

ائذنوا له و أقبلوا به راكبا و لا تدعوه ينزل حتى يطأ البساط، ففعل به ذلك، فوسع له الأمير من مجلسه، و قال له: ما حاجتك؟فشفع في جاره. فقال الأمير: اطلقوه و كل من أخذ في تلك الليلة إلى يومنا هذا فأطلقوهم أيضا فذهبوا فركب أبو حنيفة بغلته، و خرج و الإسكافي معه يمشي وراءه، فقال له أبو حنيفة: يا فتى هل أضعناك؟فقال: بل حفظت و رعيت، فجزاك اللّه خيرا عن حرمة الجوار. ثم تاب الرجل و لم يعد إلى ما كان يفعل. و اسم أبي حنيفة النعمان بن ثابت بن زوطى بن

____________

(1) البيت في الأغاني: 1/413 و هو للعرجي.