حياة الحيوان الكبري - ج1

- الدميري المزيد...
520 /
203

ماه، و كان عالما عاملا. قال الشافعي: قيل لمالك هل رأيت أبا حنيفة؟قال: نعم رأيت رجلا لو كلمك في هذه السارية أن يجعلها ذهبا، لقام بحجته!و كان الشافعي يقول: الناس عيال على أبي حنيفة في الفقه، و على زهير بن أبي سلمى‏ (1) في الشعر، و على محمد بن إسحاق‏ (2) في المغازي، و على الكسائي‏ (3) في النحو، و على مقاتل بن سليمان‏ (4) في التفسير. و كان أبو حنيفة إماما في القياس، و داوم على صلاة الفجر بوضوء العشاء أربعين سنة. و كان عامة ليلة يقرأ القرآن في ركعة واحدة، و كان يبكي في الليل حتى يرحمه جيرانه. و ختم القرآن في الموضع الذي توفي فيه سبعة آلاف مرة. و لم يفطر منذ ثلاثين سنة، و لم يكن يعاب بشي‏ء سوى قلة العربية. حكي أن أبا عمرو بن العلاء، سأله عن القتل بالمثقل، هل يوجب القود؟قال: لا، على قاعدة مذهبه خلافا للشافعي. فقال له أبو عمرو: لو قتله بحجر المنجنيق؟فقال: و لو قتله بأبا قبيس: يعني الجبل المطل على مكة. و قد اعتذر عن أبي حنيفة بأنه قال ذلك على لغة من يعرب الأسماء الستة بالألف في الأحوال الثلاثة و أنشدوا على ذلك:

إن أباها و أبا أباها # قد بلغا في المجد غايتاها

و هي لغة الكوفيين، و أبو حنيفة من أهل الكوفة. و توفي أبو حنيفة في السجن ببغداد سنة خمسين و مائة، و قيل غير ذلك، و قيل لم يمت في السجن، و قيل مات في اليوم الذي ولد فيه الشافعي، و قيل في العام لا في اليوم كما تقدم. و قال النووي في تهذيب الأسماء و اللغات: توفي في سنة إحدى و قيل ثلاث و خمسين و مائة و اللّه أعلم قلت: البيت المذكور في حكاية الإسكافي المتقدمة، للعرجي عبد اللّه بن عمرو بن عثمان بن عفان رضي اللّه تعالى عنهم. و قد استشهد به النضر بن شميل على المأمون، قال ابن خلكان: دخل النضر (5) بن شميل على المأمون ليلة، فتفاوضا الحديث فروى المأمون عن هشيم بسنده إلى ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما، أنه قال:

قال‏ (6) رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: «إذا تزوج الرجل المرأة لدينها و جمالها، كان فيه سداد من عوز» بفتح السين. فقال النضر: يا أمير المؤمنين صدق هشيم حدثنا فلان عن فلان إلى علي بن أبي طالب رضي اللّه تعالى عنه، قال: قال‏ (7) رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: «إذا تزوج الرجل المرأة لدينها و جمالها، فهو سداد من عوز» بكسر السين. قال: و كان المأمون متكئا، فاستوى جالسا و قال: كيف قلت

____________

(1) زهير بن أبي سلمى المزني. الشاعر الجاهلي الحكيم.

(2) محمد بن إسحاق بن يسار بن خيار، أبو بكر، إمام في المغازي و السير و ثقة في الحديث، توفي ببغداد سنة 151 هـ-.

(3) الكسائي أبو الحسن علي بن حمزة بن عبد اللّه بن بهمن، أحد القراء السبعة، إمام في النحو و اللغة و القراءات. مات بطوس سنة 183 هـ و قيل سنة 189 هـ- بالري.

(4) مقاتل بن سليمان بن بشير، أبو الحسن، الأزدي بالولاء، المفسّر المشهور و المحدث في بغداد. و قد ساق ابن خلكان الخبر بتمامه في ترجمته لمقاتل. توفي مقاتل سنة 150 هـ- في البصرة. وفيات الأعيان: 5/255.

(5) النضر بن شميل بن خرشة بن يزيد بن كلثوم بن عبدة بن زهير السّكب، الشاعر النحوي، له دراية في الفقه و اللغة و أيام العرب. توفي سنة 203 هـ- بمرو. و الخبر في ترجمته في وفيات الأعيان: 5/399.

(6) رواه مسلم في الرضاع 54، و الترمذي في النكاح 4. و ابن ماجة في النكاح 6.

(7) رواه مسلم في الرضاع 54، و الترمذي في النكاح 4. و ابن ماجة في النكاح 6.

204

سداد؟قال: قلت لأن السداد هاهنا لحن. فقال المأمون: أ تلحنني قلت إنما لحن هشيم، فتبع أمير المؤمنين لفظه. فقال ما الفرق بينهما؟قلت: السّداد بالفتح القصد في الدين و السبيل و السّداد بالكسر البلغة و كل ما سددت به شيئا فهو سداد. فقال المأمون: أو تعرف العرب ذلك؟قال:

قلت: نعم هذا العرجي يقول: (1) :

أضاعوني و أيّ فتى أضاعوا # ليوم كريهة و سداد ثغر

فأخذ المأمون القرطاسي و كتب فيه، ثم قال لخادمه: ابلغ معه إلى الفضل‏ (2) بن سهل فلما قرأ الفضل الرقعة قال: يا نضر قد أمر لك أمير المؤمنين بخمسين ألف درهم، فما كان السبب؟ فأخبرته فأمر لي بثلاثين ألف درهم أخرى. فأخذت ثمانين ألف درهم بحرف واحد استفيد مني.

و توفي النضر بن شميل في سنة أربع و مائتين بمرو رحمه اللّه تعالى. و في تاريخ بغداد عن أبي يوسف‏ (3) صاحب أبي حنيفة و اسمه يعقوب أنه قال: أويت ذات ليلة إلى فراشي و إذا بالباب يدق دقا عنيفا، فخرجت فإذا هرثمة بن أعين‏ (4) فقال: أجب أمير المؤمنين. فركبن بغلتي و مضيت خائفا، إلى أن وصلت دار أمير المؤمنين، فإذا أنا بمسرور فسألته من عند أمير المؤمنين؟فقال:

عيسى بن‏ (5) جعفر فدخلت فإذا هو جالس و عن يمينه عيسى بن جعفر فسلمت عليه، و جلست فقال الرشيد: أظن أننا روّعناك؟فقلت: أي و اللّه و من خلفي كذلك. فسكت ساعة ثم قال:

أ تدري يا يعقوب لم دعوتك؟قلت: لا، قال: دعوتك لأشهدك على هذا، أن عنده جارية، و قد سألته أن يهبها لي، فأبي و و اللّه لئن لم يفعل لأقتله!قال: فالتفت إلى عيسى و قلت له ما بلغ من قدر الجارية حتى إنك تمنعها من أمير المؤمنين، و تنزل نفسك هذه المنزلة من أجلها؟ثم هي ذاهبة من يدك على كل حال؟فقال: عجلت علي بالتوبيخ من قبل أن تعرف ما عندي، قلت: و ما هو؟ قال: إن علي يمينا بالطلاق و العتاق، و صدقة ما أملكه لا أبيع هذه الجارية و لا أهبها. فالتفت إليّ الرشيد و قال: هل لك في هذه من مخرج؟قلت: نعم: و ما هو؟قلت: يهبك نصفها و يبيعك نصفها، فيكون لم يهبها و لم يبعها قال عيسى أو يجوز ذلك؟قلت: نعم. قال فاشهد، أني وهبته نصفها، و بعته نصفها الباقي بمائة ألف دينار. فقال الرشيد: قد قبلت الهبة، و اشتريت النصف بمائة ألف دينار. ثم قال: علي بالجارية و المال فأتي بالجارية و المال. فقال: خذها يا أمير المؤمنين، بارك اللّه لك فيها. فقال الرشيد: يا يعقوب بقيت واحدة؟فقلت: و ما هي؟قال: إنها مملوكة و لا

____________

(1) الأغاني: 1/413.

(2) الفضل بن سهل السّرخسي، وزير المأمون، لقبه ذو الرئاستين، الوزارة و السيف، قتل سنة 203 هـ- بسرخس.

(3) أبو يوسف القاضي أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم بن حبيب بن خنيس بن سعد ابن حبتة الأنصاري، صاحب أبي حنيفة النعمان، حافظ محدث فقيه عالم بالسير. توفي سنة 172 هـ-.

(4) ابن أعين هرثمة بن أعين، أمير من القادة، تولى مصر أيام الرشيد، و شمالي افريقية، ثم خراسان، أخلص للمأمون، و قتل في الحبس سنة 200 هـ-.

(5) عيسى بن جعفر بن المنصور العباسي، أمير عباسي ابن عم هارون الرشيد. قتل سنة 185 هـ-.

205

بد أن تستبرأ و و اللّه لئن لم أبت معها ليلتي هذه، أظن أن نفسي تخرج!فقلت: يا أمير المؤمنين تعتقها و تتزوّجها، فإن الحرة لا تستبرأ. قال: فإني قد أعتقتها. فمن يزوّجنيها؟قلت له: أنا.

فدعا بمسرور و حسين، فخطبت و حمدت اللّه تعالى، و زوّجته بها على عشرين ألف دينار، ثم قال:

علي بالمال، فجي‏ء به فدفعه إليها ثم قال لي: يا يعقوب انصرف، و قال لمسرور: احمل إلى يعقوب مائتي ألف درهم، و عشرين تختا من الثياب فحمل ذلك إليه. ا هـ.

و كان أبو يوسف يحفظ التفسير و المغازي و أيام العرب فمضى يوما ليسمع المغازي، و أخل بمجلس أبي حنيفة اياما فلما أتاه قال له: يا أبا يوسف من كان صاحب راية جالوت؟فقال له أبو يوسف: إنك إمام، و إن لم تمسك عن هذا سألتك على رءوس الناس، أيما كان أول وقعة بدر أو أحد؟فإنك لا تدري ذلك، و هي أهون مسائل التاريخ، فأمسك عنه. قيل: كان يجلس إلى أبي يوسف رجل فيطيل الصمت و لا يتكلم فقال له أبو يوسف يوما: أ لا تتكلم؟فقال: بلى. متى يفطر الصائم؟قال: إذا غابت الشمس. قال: فإن لم تغب إلى نصف الليل كيف يصنع؟فضحك أبو يوسف و قال له: أصبت في صمتك، و أخطأت أنا في استدعائي نطقك و أنشد (1) :

عجبت لإزراء الغبي بنفسه # و صمت الذي قد كان بالقول أعلما

و في الصمت ستر للغبي و إنما # صحيفة لب المرء أن يتكلما

و روي أن رجلا كان يجلس إلى بعض العلماء و لا يتكلم، فقيل له يوما: أ لا تتكلم؟قال:

نعم أخبرني لأي شي‏ء يستحب صيام الأيام البيض من كل شهر؟فقال: لا أدري: فقال الرجل:

لكني أدري. قال: و ما هو؟قال لأن القمر لا ينكسف إلا فيهن، فأحب اللّه تعالى أن لا يحدث في السماء آية، إلا حدث في الأرض مثلها. و هذا أحسن ما قيل فيه. و ذكر (2) ابن خلكان أن رجلا كان يجالس الشعبي و يطيل الصمت فقال له الشعبي يوما أ لا تتكلم؟فقال: أصمت فأسلم، و أسمع فأعلم، إن حظ المرء في أذنه له، و في لسانه لغيره. و تكلم شاب يوما عند الشعبي بكلام، فقال الشعبي: ما سمعنا بهذا. فقال الشاب: أكل العلم سمعت؟قال: لا. قال فشطره؟قال:

نعم. قال: فاجعل هذا في الشطر الذي لم تسمعه. فأفحم الشعبي. و أبو يوسف هو أول من دعي بقاضي القضاة، و أول من غير لباس العلماء إلى هذه الهيئة التي هم عليها إلى هذا الزمان، و كان ملبوس الناس قبل ذلك، شيئا واحدا لا يتميز أحد عن أحد بلباسه و حكي أن عبد الرحمن بن مسهر، كان قاضيا على بليدة، بين بغداد و واسط، يقال لها المبارك، فبلغه خروج الرشيد إلى البصرة، و معه أبو يوسف القاضي في الحراقة. فقال عبد الرحمن لأهل المبارك:

اثنوا علي عندهما، فأبوا عليه. فلبس ثيابه و تلقاهما، و قال نعم القاضي قاضينا، ثم مضى إلى موضع آخر و أعاد عليهما هذا القول فالتفت الرشيد إلى أبي يوسف و قال: يا يعقوب قاض في موضع لا

____________

(1) البيتان في وفيات الأعيان: 6/383 دون عزو.

(2) وفيات الأعيان: 3/14، و الشعبي هو: أبو عمرو عامر بن شراحيل بن عبد بن ذي كبار، يمني الأصل، من حمير و هو كوفي تابعي عالم بالمغازي و السير و الحديث. مات سنة 105 هـ- بالكوفة.

206

يثني عليه إلا رجل واحد بئس القاضي. فقال أبو يوسف: و العجب يا أمير المؤمنين أنه هو القاضي، و هو يثني على نفسه. فضحك الرشيد و قال: هذا أظرف الناس هذا لا يعزل أبدا توفي أبو يوسف في شهر ربيع الأول سنة اثنتين و ثمانين و مائة، و قيل غير ذلك. و أنشد أبو السعادات‏ (1)

المبارك بن الأثير لصاحب الموصل و قد زلت به بغلته:

إن زلت البغلة من تحته # فإنّ في زلتها عذرا

حملها من علمه شاهقا # و من ندى راحتيه بحرا

و روى الحافظ أبو القاسم بن عساكر في تاريخ دمشق، عن علي بن أبي طالب رضي اللّه تعالى عنه، أن البغال كانت تتناسل، و كانت من أسرع الدواب في نقل الحطب لنار إبراهيم، خليل الرحمن عليه الصلاة و السلام، فدعا عليها فقطع اللّه نسلها.

فائدة غريبة:

روي عن إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة، قال: كان عندنا طحان رافضي، له بغلان، سمي أحدهما أبا بكر و الآخر عمر، فرمحه أحدهما فقتله. فأخبر جدي أبو حنيفة بذلك، فقال: انظروا الذي رمحه فإنه الذي سماه عمر فنظروا فوجدوه كذلك. و في كامل ابن عدي في ترجمة خالد بن يزيد العمري المكي، عن سفيان بن أبان، عن أنس رضي اللّه تعالى عنه «أن النبي صلى اللّه عليه و سلم ركب بغلة فحادت به، فحبسها» و أمر (2) رجلا أن يقرأ عليها قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ اَلْفَلَقِ‏ (3) فسكنت و سيأتي، إن شاء اللّه تعالى، هذا في الدابة. و فيه عنه أيضا أنه روى عن ابن عمر رضي اللّه تعالى عنهما أن النبي صلى اللّه عليه و سلم قال: «من ولد له ثلاثة و لم يسم أحدهم محمدا فهو من الجفاء، و إذا سميتموه محمدا فلا تسبوه و لا تعيبوه و لا تضربوه و شرفوه و كرموه و عظموه و بروا قسمه» .

فائدة:

روى أبو داود و النسائي، عن عبد اللّه بن زرير الغافقي المصري، عن علي رضي اللّه تعالى عنه قال: «أهديت لرسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم بغلة، فركبها فقالوا: لو حملنا الحمير على الخيل لكان لنا مثل هذه. فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: «إنما يفعل ذلك الذين لا يعلمون‏ (4) » قال ابن حبان: معناه الذين لا يعلمون النهي عنه و قال الخطابي: يشبه أن يكون المعنى في ذلك، و اللّه أعلم، أن الحمير، إذا حملت على الخيل، تعطلت منافع الخيل و قل عددها، و انقطع نماؤها، و الخيل يحتاج إليها للركوب و العدو و الركض و الطلب، و عليها يجاهد العدوّ، و بها تحرز الغنائم.

و لحمها مأكول، و يسهم للفرس كما يسهم للرجل. و ليس للبغل شي‏ء من هذه الفضائل، فأحب النبي صلى اللّه عليه و سلم، أن ينمو عدد الخيل و يكثر نسلها، لما فيها من النفع و الصلاح، فإذا كانت الفحول خيلا، و الأمهات حميرا فيحتمل أن لا يكون داخلا في النهي إلا أن يتأوّل متأوّل أن المراد بالحديث

____________

(1) المبارك بن محمد بن محمد بن عبد الكريم الشيباني الجزري، أبو السعادات المحدث اللغوي الأصولي. توفي في قرية بالموصل سنة 606 هـ-.

(2) رواه ابن حنبل: 1/453، 5/190. و رواه مسلم في الجنة: 67.

(3) سورة الفلق: الآية 1.

(4) رواه ابن حنبل: 1/78، 100، 158. و أبو داود في الجهاد: 53. و النسائي في الطهارة: 105.

207

صيانة الخيل عن مزاوجة الحمير، و كراهة اختلاط مائها بمائها لئلا يكون منها الحيوان المركب من نوعين مختلفين. فإن أكثر الحيوانات المركبة من نوعين من الحيوان أخبث طبعا من أصولها التي تتولد منها، و أشد شراسة كالسّمع و العسبار و نحوهما. ثم إن البغل حيوان عقيم ليس له نسل و لا نماء و لا يذكى و لا يزكى ثم قال: و لا أرى لهذا الرأي طائلا، فإن اللّه تعالى قال: وَ اَلْخَيْلَ وَ اَلْبِغََالَ وَ اَلْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهََا وَ زِينَةً . (1) فذكر البغال و امتن علينا بها، كامتنانه بالخيل و الحمير، و أفرد ذكرها بالاسم الخاص الموضوع لها، و نبه على ما فيها من الأرب و المنفعة. و المكروه من الأشياء مذموم، لا يستحق المدح و لا يقع الامتنان به، و قد استعمل صلى اللّه عليه و سلم البغل و اقتناه و ركبه حضرا و سفرا، و لو كان مكروها لم يقتنه و لم يستعمله، انتهى.

و روى مسلم عن يزيد بن ثابت رضي اللّه تعالى عنه قال: بينما النبي صلى اللّه عليه و سلم في حائط لبني النجار، على بغلة، و نحن معه، إذ حادت به فكادت أن تلقيه، و إذا أقبر ستة أو خمسة أو أربعة، فقال صلى اللّه عليه و سلم: «من يعرف أصحاب هذه الأقبر» فقال رجل: أنا فقال: «متى مات هؤلاء» ؟قال: ماتوا على الإشراك. فقال صلى اللّه عليه و سلم: «إن هذه الأمة تبتلى في قبورها، فلولا أن لا تدافنوا لدعوت اللّه عزّ و جلّ أن يسمعكم من عذاب القبر الذي أسمع منه» . ثم أقبل النبي صلى اللّه عليه و سلم علينا بوجهه الكريم، فقال: «تعوّذوا باللّه من عذاب القبر» . فقالوا: نعوذ باللّه من عذاب القبر. فقال:

«تعوّذوا باللّه من عذاب النار» . فقالوا: نعوذ باللّه من عذاب النار. فقال: «تعوّذوا باللّه من الفتن ما ظهر منها و ما بطن» . فقالوا: نعوذ باللّه من الفتن ما ظهر منها و ما بطن. فقال: «تعوّذوا باللّه من فتنة الدجال» . (2) فقالوا: نعوذ باللّه من فتنة الدجال.

فائدة أخرى‏

: كانت بغلة رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم الدلدل، التي يركبها في الأسفار، أنثى كما أجاب به ابن الصلاح و غيره. و عاشت بعده حتى كبرت و زالت أضراسها، فكان يحش لها الشعير إلى أن ماتت بالبقيع، في زمن معاوية رضي اللّه تعالى عنه، و كانت شهباء، و نقل الحافظ قطب الدين في شرح السيرة، عن شرح الجامع الكبير، أنه لو حلف لا يركب بغلا فركب ذكرا أو أنثى يحنث، لأنه اسم جنس. و كذلك البغلة و الهاء فيها للإفراد، و هاء الإفراد تقع على الذكر و الأنثى، كالجرادة و التمرة. و كذا لو حلف لا يركب بغلة فركب ذكرا أو أنثى حنث أيضا. ثم قال: و أجمع أهل الحديث على أن بغلة رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم كانت ذكرا لا أنثى ثم عد للنبي صلى اللّه عليه و سلم، خمس بغال. و قال السهيلي: و مما ذكر في غزوة حنين، أن النبي صلى اللّه عليه و سلم، «أخذ و هو على بغلته حفنة من البطحاء، فرمى بها في وجوه الكفار، و قال: شاهت الوجوه فانهزموا» . و كانت البغلة ضربت ببطنها الأرض، حتى أخذ الحفنة، ثم قامت. قال: و تلك البغلة هي التي تسمى البيضاء. و هي التي أهداها له فروة بن نعامة و في معجم الطبراني الأوسط، من حديث أنس رضي اللّه تعالى عنه، قال: لما انهزم المسلمون

____________

(1) سورة النحل: الآية 8.

(2) الحديث بتمامه رواه البخاري في الوضوء: 37، و الأذان: 149، و الكسوف: 10، و تفسير سورة: 16-1 و الدعوات 37، و الفتن: 26، و رواه مسلم في المساجد: 33، 127، و المسافرين: 251 و الكسوف: 8، 11، 12، 22. و رواه أبو داود في الفتن: 24/149. كما رواه آخرون.

208

يوم حنين، و رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، على بغلته الشهباء، التي يقال لها الدلدل، فقال لها رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم:

«دلدل أسدى فألصقت بطنها بالأرض حتى أخذ النبي صلى اللّه عليه و سلم حفنة من تراب، فرمى بها وجوههم و قال: حم* (1) لا ينصرون قال: فانهزم القوم و ما رميناهم بسهم، و لا طعناهم برمح، و لا ضربناهم بسيف» . و فيه من حديث شيبة بن عثمان أن النبي صلى اللّه عليه و سلم قال يوم حنين لعمه العباس:

«ناولني من البطحاء» ، فأفقه اللّه تعالى البغلة كلامه فانخفضت به حتى كاد بطنها يمس الأرض، فتناول رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم من الحصباء، فنفخ في وجوههم، و قال: «شاهت الوجوه حم لا ينصرون» .

تتمة:

روى الطبراني و أبو نعيم من طرق صحيحه عن خزيمة بن أوس، قال: هاجرت إلى النبي صلى اللّه عليه و سلم، فقدمت عليه عند منصرفه من تبوك فأسلمت، فسمعته يقول‏ (2) : «هذه الحيرة قد رفعت لي و إنكم ستفتحونها، و هذه الشيماء بنت نفيل الأزدية، على بغلة شهباء معتجرة بخمار أسود» . فقلت: يا رسول اللّه إن نحن دخلنا الحيرة، فوجدناها على هذه الصفة، فهي لي. قال عليه الصلاة و السلام: «هي لك» فأقبلنا مع خالد بن الوليد نريد الحيرة، فلما دخلناها كان أول من تلقانا الشيماء بنت نفيل، كما قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: «على بغلة شهباء معتجرة بخمار أسود» فتعلقت بها، و قلت هذه وهبها لي رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم. فطلب مني خالد عليها البينة فأتيته بها، فسلمها لي، و نزل إلينا أخوها عبد المسيح فقال لي: أ تبيعينها؟فقلت: نعم، فقال: احتكم ما شئت فقلت: و اللّه لا أنقصها عن ألف درهم. فدفع لي ألف درهم. فقيل لي: لو قلت مائة ألف درهم لدفعها إليك فقلت: لا أحسب مالا أكثر من ألف درهم. قال الطبراني: و بلغني أن الشاهدين كانا محمد ابن مسلمة و عبد اللّه بن عمر رضي اللّه تعالى عنهم.

الحكم:

يحرم أكل المتولد منها بين الحمار الأهلي و الفرس، لما روى جابر قال: «ذبحنا يوم حنين البغال و الحمير و الخيل فنهانا رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم عن الحمير و البغال، و لم ينهنا عن الخيل و لأنه متولد بين ما يحل و ما يحرم» (3) . فغلب جانب التحريم، فإن تولد بين حمار وحشي و فرس حل.

و أما الحديث الذي رواه البزار، بإسناد صحيح، عن أبي واقد «أن قوما لهم بغل، و لم يكن لهم شي‏ء غيره، فجاءوا إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، «فرخص لهم فيه» فهذا محمول على أنهم كانوا مضطرين، يحل لهم أكل الميتة.

فرع:

و إذا أوصى لزيد ببغلة، لا تتناول الذكر على الأصح. كما لا تتناول البقرة الثور و الثاني تتناوله و الهاء للوحدة كبقرة و زبيبة.

الأمثال:

«قيل للبغل: من أبوك؟قال الفرس خالي‏ (4) » . يضرب للمخلط في أمره. و قالوا:

____________

(1) حم من افتتاحيات السور: الشورى، فصلت، غافر، الزخرف، الدخان الجاثية، الأحقاف.

(2) رواه البخاري في المدينة: 5. و الموطأ: مدينة 7. و لفظه: «و تفتح العراق» .

(3) رواه الترمذي في الصيد: 11. و أبو داود في الأطعمة: 25-32. و النسائي في الصيد: 69، 71، و رواه ابن ماجة في الذبائح: 14. و ابن حنبل: 3/323، 356، 362.

(4) جمهرة الأمثال: 2/87.

209

«أعقر من بغل و أعقم من‏ (1) بغلة» . و قالوا: «أعيب من بغلة أبي دلامة» ، و اسمه زند بن الجون كوفي أسود، كان مولى لبني أسد، و كان صاحب نوادر: فمنها أنه مرض له ولد، فاستدعى طبيبا ليداويه و شرط له جعلا معلوما، فلما برئ ولده، قال له: و اللّه ما عندنا شي‏ء نعطيك إياه، و لكن ادّع على فلان اليهودي بمقدار الجعل، و كان ذا مال كثير، و أنا و ولدي نشهد لك بذلك. فمضى الطبيب إلى محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى و حمل إليه اليهودي و ادعى عليه بذلك المبلغ، فأنكر.

فقيل: أ لك بينة؟قال: نعم، قال: أحضرها، فدخل أبو دلامة و هو ينشد و القاضي يسمع شعره‏ (2) :

إن الناس غطوني تغطيت عنهم # و إن بحثوا عني ففيهم مباحث

و إن نبئوا بئري نبئت بئارهم # ليعلم قوم كيف تلك النبائث‏

فلما شهدا عند القاضي، قال لهما: شهادتكما مقبولة و كلامكما مسموع. ثم غرم المبلغ من عنده و جمع بين المصلحتين. و منها أنه خاصم رجلا إلى عافية بن يزيد القاضي فقال:

لقد خاصمتني غواة الرجال # و خاصمتهم سنة وافية

فما أدحض اللّه لي حجة # و ما خيّب اللّه لي قافية

فمن كنت من جوره خائفا # فلست أخافك يا عافية

فقال له عافية: لأشكونك لأمير المؤمنين، قال و لم؟قال: لأنك هجوتني. قال: أبو دلامة إن شكوتني ليعزلنك قال: و لم؟قال: لأنك لا تعرف الهجاء من المدح. و منها ما قاله الإمام أبو الفرج ابن الجوزي: روي أن أبا دلامة دخل على المهدي، فأنشده قصيدة فقال له: سلني حاجتك، فقال:

يا أمير المؤمنين هب لي كلبا، فغضب المهدي و قال: أقول لك سلني حاجتك، فتقول: هب لي كلبا!. فقال: يا أمير المؤمنين الحاجة لي أم لك؟قال: بل لك قال: فإني أسألك أن تهب لي كلب صيد، فأمر له بكلب. فقال: يا أمير المؤمنين هبني خرجت إلى الصيد، أ فأعدو على رجلي؟فأمر له بدابة. فقال: يا أمير المؤمنين فمن يقوم عليها؟فأمر له بغلام. فقال يا أمير المؤمنين هبني صدت صيدا فأتيت به المنزل فمن يطبخه لي؟فأمر له بجارية. فقال: يا أمير المؤمنين هؤلاء أين يبيتون؟ فأمر له بدار. فقال: يا أمير المؤمنين قد صار في عنقي جماعة من العيال، فمن أين لي ما يقوت هؤلاء؟قال: فإن أمير المؤمنين قد أقطعك ألف جريب عامرا و ألف جريب غامرا. فقال: أما العامر فقد عرفت. فما الغامر؟قال: الخراب الذي لا شي‏ء فيه. فقال: أنا أقطع أمير المؤمنين مائة ألف جريب غامرة بالبدو، و لكني أسأل أمير المؤمنين من ألف جريب جريبا واحدا عامرا.

قال: من أين؟قال: من بيت المال. فقال المهدي حوّلوا المال و أعطوه جريبا. فقال: يا أمير المؤمنين إذا حوّلوا منه المال صار غامرا فضحك المهدي منه و أرضاه.

قلت: و قد أذكرتني هذه الحكاية ما ذكره أبو الفرج بن الجوزي في الأذكياء، بسنده عن محمد بن إسحاق السراج، قال: أنبأنا داود بن رشيد قال: قلت للهيثم بن عدي: بأي شي‏ء استحق سعيد بن عبد الرحمن أن ولاه المهدي القضاء و أنزله منه تلك المنزلة الرفيعة؟قال: إن

____________

(1) مجمع الأمثال: 2/44، و فيه: أعقر من بغلة.

(2) البيتان في وفيات الأعيان: 2/325.

210

خبره لظريف، فإن أحببت شرحته لك؟قلت: قد و اللّه أحببت ذلك. قال: اعلم أنه وافى الربيع‏ (1) الحاجب حين أفضت الخلافة إلى المهدي، فقال: استأذن لي علي أمير المؤمنين فقال له الربيع: من أنت؟و ما حاجتك؟قال: أنا رجل قد رأيت لأمير المؤمنين رؤيا صالحة، و قد أحببت أن تذكرني له. فقال له الربيع: يا هذا إن القوم لا يصدقون ما يرونه لأنفسهم، فكيف ما يراه لهم غيرهم؟فاحتل بحيلة غير هذه، تكون أدر عليك من هذه. فقال: إن لم تخبره بمكاني و إلا سألت من يوصلني إليه و أخبره إني سألتك الإذن عليه فلم تفعل. فدخل الربيع على المهدي و قال له: يا أمير المؤمنين إنكم قد أطمعتم الناس في أنفسكم و قد احتالوا لكم بكل ضرب. فقال له المهدي: هكذا صنع الملوك فما ذا؟قال: رجل بالباب يزعم أنه رأى لأمير المؤمنين رؤيا صالحة، و قد أحب أن يقصها على أمير المؤمنين، فقال له المهدي: ويحك يا ربيع إني و اللّه قد أرى الرؤيا لنفسي فلا تصح لي، فكيف إذا ادعاها لي من لعله افتعلها؟قال: قد قلت له و اللّه مثل هذا فلم يقبل: قال فهات الرجل. فأدخل عليه سعيد بن عبد الرحمن، و كان له رواء و جمال و ثروة ظاهرة و لحية عظيمة و لسان طلق، فقال له المهدي: هات بارك اللّه عليك ما رأيت قال: يا أمير المؤمنين، رأيت كأن آتيا أتاني في منامي، فقال لي أخبر أمير المؤمنين أنه يعيش ثلاثين سنة في الخلافة، و آية ذلك أن يرى في ليلته هذه في منامه، كأنه يقلب ياقوتا فيعده فيجده ثلاثين ياقوتة، كأنها قد وهبت له. فقال له المهدي: ما أحسن ما رأيت!و نحن نمتحن رؤياك في ليلتنا المقبلة، على ما أخبرتنا به، فإن كان الأمر كما ذكرته أعطيناك ما تريد، و إن كان الأمر بخلاف ذلك لم نعاقبك لعلمنا أن الرؤيا ربما صدقت و ربما اختلقت. فقال له سعيد: يا أمير المؤمنين فما ذا أصنع أنا الساعة إذا صرت إلى منزلي و عيالي، و أخبرتهم أني كنت عند أمير المؤمنين ثم رجعت صفر اليدين. فقال له المهدي:

فكيف نصنع؟فقال: تعجل لي يا أمير المؤمنين ما أحب، و أحلف لك بالطلاق أني صادق في رؤياي فأمر له بعشرة آلاف درهم، و أمر أن يؤخذ منه كفيل فمد عينيه فرأى خادما واقفا على رأس المهدي، حسن الوجه و الزي، فقال: هذا يكفلني. فقال له المهدي: أ تتكفل به؟فاحمر وجهه و خجل، و قال: نعم أتكفله. و انصرف سعيد بالمال. فلما كان في تلك الليلة رأى المهدي ما ذكره له سعيد حرفا بحرف. و أصبح سعيد فوافى الباب قائما و استأذن فأذن له، فلما وقعت عين المهدي عليه، قال له: أين مصداق ما قلت؟فقال له سعيد: أ و ما رأى أمير المؤمنين شيئا؟فتلجلج في جوابه فقال له سعيد امرأته طالق أن لم تكن رأيت شيئا، فقال له المهدي: ويحك ما أجرأك على الحلف بالطلاق، قال لأني أحلف على صدق. فقال المهدي: قد و اللّه رأيت ذلك بينا. فقال سعيد: اللّه أكبر أنجز لي يا أمير المؤمنين ما وعدتني. فقال له: حبا و كرامة ثم أمر له بثلاثة آلاف دينار، و عشرة تخوت ثياب، و ثلاثة مراكب من أنفس دوابه. و قال غيره: ثلاث بغال شهب. فأخذ ذلك و انصرف، فلحقه الخادم الذي كان تكفل به، و قال له: سألتك باللّه الذي لا إله إلا هو هل كان لتلك الرؤيا التي ذكرت حقيقة؟فقال له سعيد: لا و اللّه. فقال له: و كيف ذلك و قد رأى أمير المؤمنين ما ذكرته؟فقال: هذه من المخاريق الكبار التي لا يأبه لها أمثالكم، و ذلك أني لما

____________

(1) الربيع: هو أبو الفضل الربيع بن يونس بن محمد بن عبد اللّه بن أبي فروة و اسمه كيسان، كان حاجبا لأبي جعفر المنصور ثم للمهدي، مات سنة 170 هـ-.

211

ألقيت إليه هذا الكلام، خطر بباله و حدث به نفسه و اشرأب به قلبه، و اشتغل به فكره، فساعة ما نام خيل له ما كان في قلبه، مما شغل به فكره، فرآه في منامه. فقال له الخادم: فقد حلفت بالطلاق قال: طلقت واحدة و بقيت معي على اثنتين فأزيد في المهر عشرة دراهم و أحصل على عشرة آلاف درهم و ثلاثة آلاف دينار و عشرة تخوت من أصناف الثياب و ثلاثة مراكب. فبهت الخادم في وجهه و تعجب من أمره فقال له سعيد: قد و اللّه صدقتك، و جعلت صدقي لك مكافأتك على كفالتك لي، فاستر ذلك علي ففعل. ثم إن المهدي طلبه لمنادمته، فجعل ينادمه و حظي عنده و قلده القضاء على عسكره، فلم يزل كذلك حتى مات المهدي ثم قال ابن الجوزي: هكذا رويت لنا هذه الحكاية و إني لمرتاب من صحتها و ما أبعد هذا أن يحكى عن قاض من القضاة.

قلت: و قد سئل الإمام أحمد عن سعيد بن عبد الرحمن هذا فقال: ليس به بأس. و قال يحيى بن معين: هو ثقة، و إنما اتهم بهذا الهيثم بن عدي، فقد قال يحيى بن معين: الهيثم ليس بثقة، كان يكذب. و قال علي بن المديني: لا أرضاه في شي‏ء. و قال أبو داود العجلي: الهيثم كذاب. و قال إبراهيم بن يعقوب الجرجاني:

الهيثم ساقط قد كشف قناعه. و قال أبو زرعة: ليس بشي‏ء. و في كتاب الفرج بعد الشدة، عن رجل من الجند قال: خرجت من بعض بلدان الشأم، أريد قرية من قراها، فلما صرت في بعض الطريق، و قد سرت عدة فراسخ، لحقني التعب و كان معي بغلة عليها خرجي و قماشي، و كان قد قرب المساء، فإذا بدير عظيم، و فيه راهب في صومعة، فنزل إلي و استقبلني و سألني المبيت عنده، و أن يضيفني ففعلت فلما دخلت الدير لم أجد فيه غيره، فأخذ بغلتي و طرح لها شعيرا، و عزل رحلي في بيت، و جاءني بماء حار، و كان الزمان شديد البرد و الثلج يسقط، و أوقد بين يدي نارا عظيمة، و جاء بطعام طيب فأكلت و مضت قطعة من الليل، فأردت النوم، فسألته عن طريق المستراح، فدلني عليه، و كنا في غرفة، فنزلت و مشيت، فلما صرت على باب المستراح، إذا بارية عظيمة، فلما صارت رجلاي عليها، سقطت فإذا أنا بالصحراء، و إذا البارية كانت مطروحة على غير سقف، و كان الثلج يسقط سقوطا عظيما، فصحت بالراهب، فلم يكلمني.

فقمت و قد تجرح بدني إلا أني سالم، فجئت فاستظللت بطق باب الدير من الثلج. فإذا حجارة قد أتتني لو تمكنت من دماغي لطحنته. فخرجت أعدو و أصيح فشتمني. فعلمت أني أتيت من جانبه، و أنه طمع في رحلي فلما خرجت من ظل الدير، وقع الثلج عليّ وبل ثيابي، فنظرت فإذا أنا تالف من البرد و الثلج، فولد لي الفكر أن أخذت حجرا قريبا من الثلاثين رطلا، فوضعته على عاتقي و جعلت أعدو به في الصحراء شوطا طويلا، حتى يأخذني التعب، فإذا تعبت و حميت و عرقت طرحت الحجر، و جلست أستريح، فإذا سكنت و أخذني البرد تناولت الحجر و عدوت به فلم أزل على تلك الحالة إلى الصبح. فلما كان قبل طلوع الشمس، و أنا خلف الدير، إذ سمعت حس باب الدير و قد فتح و إذا بالراهب قد خرج و جاء إلى الموضع الذي سقطت منه فلم يرني، فقال: يا قوم ما فعل؟و أنا أسمعه، ثم مشى فخالفته إلى باب الدير، و دخلت الدير و هو دائر يطلبني حول الدير، و وقفت خلف الباب، و كان في وسطي خنجر لم يشعر به الراهب، فطاف حول الدير فلما لم يقف لي على علم و لا خبر، و لا عرف لي أثرا، عاد و دخل الدير و أغلق الباب، ـ

212

فجئت عليه و وجأته بالخنجر، فصرعته و ذبحته، و أغلقت باب الدير و صعدت إلى الغرفة، و اصطليت بنار كانت موقودة هناك، و طرحت عليّ من رحلي ثيابا كثيرة، و أخذت كساء الراهب فنمت فيه، فما أفقت إلا قرب العصر، فلما انتبهت طفت الدير حتى وقفت على طعام فأكلت منه، و سكنت نفسي. و وقعت بمفاتيح بيوت الدير، فوقفت أفتح بيتا بيتا، فإذا أموال عظيمة، من عين و ورق، و أمتعة و ثياب، و آلات و رحال قوم، و أخراجهم و حمولاتهم، و إذا الراهب كان من عادته ذلك، مع كل من يجتاز به وحيدا و يتمكن منه. قال: فتحيرت في نفسي و لم أدر كيف أعمل في نقل المال فلبست من ثياب الراهب شيئا، و أقمت في صومعته أياما، أ تراءى لمن يجتاز بي من بعيد لئلا يشكوا أني أنا هو فإذا قربوا مني لم أبرز إليهم وجهي إلى أن خفي أثري، فنزعت ثياب الراهب، و أخذت جوالقين كانا في الدير من تلك الأمتعة، و جعلتهما على ظهر البغلة و ذهبت إلى قرية قريبة من الدير فاكتريت بها منزلا و لم أزل أنقل إليه على البغلة حتى أخذت الصامت كله مما خف حمله و كثرت قيمته و لم أدع فيه إلا الأمتعة الثقيلة، فاكتريت عدة دواب و رجال، و جئت بهم دفعة واحدة، و حملت كل ما قدرت عليه، و سرت في قافلة عظيمة بغنيمة هائلة حتى قدمت على بلدي، و قد حصلت على مال عظيم. و قد ذكر هذه الحكاية الحافظ ابن شاكر في تاريخه عن أبي محمد البطال و فيها بعض مخالفة.

الخواص:

إذا جفف قلب البغل و نحت و سقي من نحاتته امرأة لم تحبل أبدا. و كذلك وسخ أذنه إذا تحملت به المرأة لم تحبل أبدا. و إن علقته في جلد بغل عليها لم تحبل أبدا ما دام عليها.

و رماد حافره إذا سحق و عجن بدهن الآس، و جعل على رأس الأقرع أو الموضع الذي لا ينبت فيه شعر، نبت الشعر. و إذا دفن حافر البغلة السوداء، أو دمها تحت عتبة باب لم يقربه فار. و إذا بخر البيت بحافر بغلة ذكر هرب منه الفأر و سائر الهوام. و نقل ابن زهر عن سقراطيس أن من كان عاشقا و أحب أن يزول عشقه، فليتمرغ في مراغة بغل ذكر إن كان عشقه من ذكر، و إن كان عشقه من أنثى ففي مراغة بغل أنثى. و زبله إذا شمه المزكوم و تفل عليه و رماه على الطريق، فمن تخطاه انتقل الزكام إليه و برئ التافل عليه. و قال هرمس: إذا أخذ وسخ أذن البغل في بندقة من فضة، و علق على الحبالى منعهن الولادة ما دام عليهن. و إذا سقي منه إنسان في نبيذ، سكر من وقته. و إن شربت امرأة من بول بغل مقدار ثلاثين درهما لم تحبل أبدا. و إن سقيت المرأة الحامل من دماغ بغل شيئا جاء ولدها مجنونا. و قال ابن بختيشوع: عرق البغلة إذا تحملت به امرأة في قطنة لم تحبل أبدا.

التعبير:

البغل في المنام يدل على السفر براكبه، و على طول العمر، و يعبر أيضا بولد زنا لا أصل له. فمن ركب بغلا و لم يكن من المسافرين، فإنه يقهر رجلا شديدا. و البغلة مرتبة. و قيل امرأة عاقر فالسوداء ذات مال و البيضاء ذات حسب. و قيل: البغلة سفر، فمن نزل عن بغلته نزول مفارقة نزل عن مرتبته أو فارق زوجته التي هي مركبه أو يطول سفره و اللّه أعلم.

البغيبغ:

تيس الظباء السمين. و سيأتي إن شاء اللّه تعالى ما فيه في الظبي في حرف الظاء.

البقر الأهلي:

اسم جنس يقع على الذكر و الأنثى و إنما دخلته الهاء للوحدة و الجمع‏

213

بقرات. قال‏ (1) اللّه تعالى: سَبْعَ بَقَرََاتٍ سِمََانٍ* قال المبرد في الكامل: إذا أردت التمييز قلت:

هذا بقرة للذكر و هذه بقرة للأنثى كما تقول: هذا بطة للذكر و هذه بطة للأنثى. و البقير و البقران و الباقر جماعة البقر. مع رعاتها. و البيقور الجماعة. قال‏ (2) الشاعر:

أ جاعل أنت بيقورا مسلعة # ذريعة لك بين اللّه و المطر

و أهل اليمن يسمون البقرة باقورة. كتب النبي صلى اللّه عليه و سلم إليهم كتاب الصدقة: «في كل ثلاثين باقورة بقرة (3) » و اشتق هذا الإسم من بقر إذا شق لأنها تشق الأرض بالحراثة و منه قيل لمحمد بن علي زين العابدين بن الحسين الباقر، لأنه بقر العلم أي شقه و دخل فيه مدخلا بليغا. و في الحديث «أنه عليه الصلاة و السلام ذكر فتنة كوجوه‏ (4) البقر» . أي يشبه بعضها بعضا ذهبوا إلى قوله‏ (5) تعالى: إِنَّ اَلْبَقَرَ تَشََابَهَ عَلَيْنََا و فيه أيضا «رجال بأيديهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس‏ (6) » .

و روى الحاكم عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال: سمعت النبي صلى اللّه عليه و سلم يقول‏ (7) : «إن طابت بك حياة يوشك أن ترى قوما يغدون في سخط اللّه، و يروحون في لعنته في أيديهم مثل أذناب البقر» . و فيه أيضا «بينما رجل يسوق بقرة، إذ تكلمت فقالوا سبحان اللّه بقرة تتكلم!قال: آمنت بذلك أنا و أبو بكر و عمر» .

و في سنن أبي داود الترمذي عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص رضي اللّه تعالى عنهما، أن النبي صلى اللّه عليه و سلم قال: «إن اللّه يبغض البليغ من الرجال الذي يتخلل بلسانه كما تتخلل البقرة (8) » . قال الترمذي: حديث حسن و هو الذي يتشدق في الكلام و يفخم به لسانه، و يلفه كما تلف البقرة الكلأ بلسانها لفا.

و في سنن أبي داود من حديث عطاء الخراساني، عن نافع عن ابن عمر رضي اللّه تعالى عنهما، أن النبي صلى اللّه عليه و سلم قال: «إذا تبايعتم بالعينة، و أخذتم أذناب البقر، و رضيتم بالزرع، و تركتم الجهاد، سلط اللّه عليكم ذلا لا ينزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم‏ (9) » . و في نهاية الغريب في باب السين المهملة في الحديث: «ما دخلت السكة دار قوم إلا ذلوا» . و السكة هي التي يحرث بها

____________

(1) سورة يوسف: الآية 43 و تمامها: وَ قََالَ اَلْمَلِكُ إِنِّي أَرى‏ََ سَبْعَ بَقَرََاتٍ سِمََانٍ .

(2) الحيوان للجاحظ: 4/468، و نسبته فيه إلى ورل الطائي.

(3) رواه أبو داود في الزكاة: 5، 12 و النسائي في الزكاة: 8. و أحمد: 5، 230، 233، 240.

(4) رواه أحمد: 5، 391.

(5) سورة البقرة: الآية 70.

(6) رواه مسلم في الجنة: 5، 54 و أحمد: 2، 308، 323، 356، 440، 5، 250.

(7) رواه مسلم في الفضائل: 9. الموطأ سوا: 2 أحمد: 2، 298، 299، 5، 238.

(8) رواه الترمذي في الأدب: 72.

(9) رواه أبو داود في البيوع: 54. و الملاحم: 10، و رواه أحمد: 2، 42.

214

الأرض أي إن المسلمين إذا أقبلوا على الزراعة شغلوا عن الغزو، فيأخذهم السلطان بالمطالبات و الجبايات. و قريب من هذا الحديث قوله صلى اللّه عليه و سلم: «العزفي نواصي الخيل و الذل في أذناب البقر (1) » . و البقر حيوان شديد القوة كثير المنفعة، خلقه اللّه ذلولا و لم يخلق له سلاحا شديدا كما للسباع، لأنه في رعاية الإنسان، فالإنسان يدفع عنه ضرر عدوه فلو كان له سلاح لصعب على الإنسان ضبطه. و البقر الأجم يعلم أن سلاحه في رأسه فيستعمله في محل القرن كما يرى في العجاجيل قبل نبات قرونها، تنطح برءوسها تفعل ذلك طبعا و هي أجناس: فمنها الجواميس و هي أكثرها ألبانا و أعظمها أجساما، قال الجاحظ: الجواميس ضأن البقر و هذا يقتضي أنها أطيب و أفضل من العراب، حتى إنها تكون مقدمة عليها في الأضحية، كما يقدم الضأن فيها على المعز و قال الزمخشري في ربيع الأبرار: أشراف السباع ثلاثة: الأسد و النمر و الببر و أشراف البهائم ثلاثة:

الفيل و الكركدن و الجاموس. و منها العراب و هي جرد ملس الألوان. و منها نوع آخر يقال له الدربانة بدال مهملة ثم راء ثم باء موحدة ثم نون و هي التي تنقل عليها الأحمال، و ربما كانت لها أسمنة.

و البقر ينزو ذكورها على إناثها، إذا تم لها سنة من عمرها في الغالب. و هي كثيرة المني. و كل الحيوان إناثه أرق صوتا من ذكوره إلا البقر، فإن الأنثى أفخم و أجهر، و هي تقلق إذا ضربها الذكر و تتلوى تحته لا سيما إذا أخطأ المجرى لصلابة ذكره، و هي إذا اشتاقت للذكر، نفرت و أتبعت الرعاة. و بأرض مصر بقر يقال لها بقر الخيس، طوال الرقاب قرونها كالأهلة، و هي كثيرة اللبن.

و قال المسعودي: رأيت بالري بقرا تبرك كما تبرك الإبل، و تثور بحملها كما تثور. و ليس لجنس البقر ثنايا عليا فهي تقطع الحشيش بالسفلى.

فائدة:

في آخر كتاب المجالسة لأحمد بن مروان المالكي‏ (2) الدينوري بإسناده إلى عكرمة عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما قال: «مر عيسى عليه السلام ببقرة قد اعترض ولدها في بطنها، فقالت: يا كلمة اللّه ادع اللّه أن يخلصني، فقال: يا خالق النفس من النفس و يا مخرج النفس من النفس خلصها فألقت ما في بطنها» قال: فإذا عسر على المرأة ولدها فليكتب لها هذا.

و أسند عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما قال: إذا عسر على المرأة ولدها فليكتب لها بسم اللّه الرحمن الرحيم لا إله إلا اللّه الحليم الكريم، سبحان اللّه رب العرش العظيم، الحمد للّه رب العالمين، كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار بلاغ فهل يهلك إلا القوم الفاسقون. قلت: و هذا بعض حديث رواه الطبراني عن أنس أن النبي صلى اللّه عليه و سلم‏ (3)

قال: «إذا طلبت حاجة و أحببت أن تنجح فقل لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له العلي العظيم، لا

____________

(1) رواه البخاري في الجهاد: 43 و مسلم في الإمامة: 100، و النسائي في الخيل: 6، و ابن ماجة في التجارات: 69. و أحمد: 3، 114، 127، 171، 4، 184، 188 و فيه: «البركة في نواصي... » .

(2) الدّينورّي: أحمد بن مروان، المالكي أبو بكر، قاضي محدّث. مات بالقاهرة سنة 333 هـ-.

(3) رواه مسلم في الإيمان: 46، و في الطهارة: 17 و الجمعة: 46. و رواه البخاري في الأذان: 155. و في التهجد: 21، و العمرة: 12 و القدر: 12 و الاعتصام: 3 و الآحاد: 5 و الجهاد 158 و الديات 17. و رواه الترمذي في الصلاة: 42، 108 و رواه النسائي في السهو: 83، 86.

215

إله إلا اللّه وحده لا شريك له الحليم الكريم، لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له رب السموات و الأرض و رب العرش العظيم، الحمد للّه رب العالمين، كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار بلاغ فهل يهلك إلا القوم الفاسقون، كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها، اللهم إني أسألك موجبات رحمتك، و عزائم مغفرتك، و السلامة من كل إثم، و الغنيمة من كل بر، و الفوز بالجنة، و النجاة من النار، اللهم لا تدع لنا ذنبا إلا غفرته، و لا هما إلا فرّجته، و لا حاجة هي لك رضا إلى قضيتها، برحمتك يا أرحم الراحمين» . و مما جرب لعسر الولادة، أن يكتب و يسقى للمطلقة و هو: بسم اللّه الرحمن الرحيم الحمد للّه رب العالمين إلى آخرها. بسم اللّه الرحمن الرحيم قل هو اللّه أحد إلى آخرها. بسم اللّه الرحمن الرحيم قل أعوذ برب الفلق إلى آخرها. بسم اللّه الرحمن الرحيم قل أعوذ برب الناس إلى آخرها بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ `إِذَا اَلسَّمََاءُ اِنْشَقَّتْ `وَ أَذِنَتْ لِرَبِّهََا وَ حُقَّتْ `وَ إِذَا اَلْأَرْضُ مُدَّتْ `وَ أَلْقَتْ مََا فِيهََا وَ تَخَلَّتْ‏ (1) اللهم يا مخلص النفس من النفس، و يا مخرج النفس من النفس، يا عليم يا قدير، خلص فلانة مما في بطنها من ولدها، خلاصا في عافية إنك أرحم الراحمين.

فائدة أخرى:

روى صاحب‏ (2) الترغيب و الترهيب و البيهقي في الشعب، عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما أن ملكا من الملوك خرج من بلده يسير في مملكته و هو مستخف من الناس، فنزل على رجل له بقرة، فراحت عليه تلك الليلة البقرة، فحلبت مقدار ثلاثين بقرة، فعجب الملك من ذلك، و حدث نفسه بأخذها، فلما كان من الغد غدت البقرة إلى مرعاها، ثم راحت فحلبت نصف ذلك، فدعا الملك صاحبها و قال له: أخبرني عن بقرتك هذه لم نقص حلابها؟أ لم يكن مرعاها اليوم مرعاها بالأمس؟قال: بلى، و لكن أرى الملك أضمر لبعض رعيته سوءا فنقص لبنها فإن الملك إذا ظلم أو همّ بظلم ذهبت البركة قال: فعاهد الملك ربه أن لا يأخذها و لا يظلم أحدا. قال: فغدت فرعت ثم راحت فحلبت حلابها في اليوم الأول فاعتبر الملك بذلك و عدل، و قال: إن الملك إذا ظلم أو هم بظلم ذهبت البركة. لا جرم لأعدلن و لأكونن على أفضل الحالات.

و ذكرها ابن الجوزي في كتاب مواعظ الملوك و السلاطين، على غير هذا الوجه، فقال: خرج كسرى في بعض الأيام للصيد فانقطع عن أصحابه و أظلته سحابة فأمطرت مطرا شديدا، حال بينه و بين جنده فمضى لا يدري أين يذهب، فانتهى إلى كوخ فيه عجوز، فنزل عندها و أدخلت العجوز فرسه، فأقبلت ابنتها ببقرة قد رعتها فاحتلبتها، و رأى كسرى لبنها كثيرا فقال: ينبغي أن نجعل على كل بقرة خراجا فهذا حلاب كثير، ثم قامت البنت في آخر الليل لتحلبها، فوجدتها لا لبن فيها، فنادت: يا أماه قد أضمر الملك لرعيته سوءا. قالت أمها: و كيف ذلك؟قالت: إن البقرة ما تبز بقطرة من لبن، فقالت لها أمها: اسكتي فإن عليك ليلا فأضمر كسرى في نفسه

____________

(1) سورة الانشقاق: الآية 1-4.

(2) صاحب الترغيب و الترهيب هو الإمام المحدّث أبو محمد، عبد العظيم بن عبد القوي المنذري الشامي ثم المصري، له تصانيف كثيرة. مات سنة 656 هـ-.

216

العدل و الرجوع عن ذلك العزم. فلما كان آخر الليل، قالت لها أمها: قومي احلبي، فقامت فوجدت البقرة حافلا، فقالت: يا أماه قد و اللّه ذهب ما في نفس الملك من السوء. فلما ارتفع النهار، جاء أصحاب كسرى فركب و أمر بحمل العجوز و ابنتها إليه، فأحسن إليهما، و قال: كيف علمتما ذلك؟فقالت العجوز: أنا بهذا المكان منذ كذا و كذا ما عمل فينا بعدل إلا أخصبت أرضنا، و اتسع عيشنا، و ما عمل فينا بجور إلا ضاق عيشنا، و انقطعت مواد النفع عنا. و ذكر الإمام الطرطوشي، في سراج الملوك، أنه كان بصعيد مصر نخلة تحمل عشرة أرادب تمرا و لم يكن في ذلك الزمان نخلة تحمل نصف ذلك فغصبها السلطان، فلم تحمل في ذلك العام و لا تمرة واحدة. قال الطرطوشي: و قال لي شيخ من أشياخ الصعيد: أعرف هذه النخلة في الغربية تجني عشرة أرادب ستين ويبة، و كان صاحبها يبيع في سني الغلاء كل ويبة بدينار. و ذكر ابن خلكان، في ترجمة جلال‏ (1) الدولة ملك شاه السلجوقي، أن واعظا دخل عليه، فكان من جملة ما وعظه به أن بعض الأكاسرة اجتاز منفردا عن عسكره، على باب بستان، فتقدّم إلى الباب و طلب ماء يشربه، فخرجت له صبية بإناء، فيه ماء قصب السكر و الثلج، فشربه فاستطابه فقال لها: هذا كيف يعمل؟فقالت: إن القصب يزكو عندنا حتى نعصره بأيدينا فيخرج منه هذا الماء. فقال: ارجعي و اعصري شيئا آخر، و كانت الصبية غير عارفة به، فلما ولت قال في نفسه: الصواب أن أعوضهم غير هذا المكان و اصطفيه لنفسي، فما كان بأسرع من خروجها باكية و قالت: إن نية سلطاننا قد تغيرت: قال: و من أين علمت ذلك؟قالت: كنت آخذ من هذا ما أريد بغير تعب، و الآن قد اجتهدت في عصره فلم أستطع، فرجع عن تلك النية، ثم قال لها: ارجعي الآن فإنك تبلغين الغرض، و عقد في نفسه، أن لا يفعل ما نواه. فذهبت ثم جاءت و معها ما شاءت من ماء القصب، و هي مستبشرة. قال: و كان ملك شاه من أحسن الملوك سيرة، حتى لقب بالملك العادل، و كان قد أبطل المكوس و الخفارات في جميع البلاد فكثر الأمن في زمانه، و كان قد ملك ما لم يملكه أحد من ملوك الإسلام. و كان لهجا بالصيد، قيل إنه ضبط ما اصطاده بيده فكان عشرة آلاف، فتصدق بعشرة آلاف دينار و قال: إني خائف من اللّه تعالى من إزهاق الأرواح لغير مأكله، و كان كلما اصطاد صيدا يتصدق بدينار. و قيل إنه خرج مرة من الكوفة، فاصطاد في طريقه وحشا كثيرا فبنى هناك منارة من حوافر حمر الوحش و قرون الظباء التي صادها في تلك الطريق. قال: يعني ابن خلكان و المنارة باقية إلى الآن تعرف بمنارة القرون.

و كانت وفاته ببغداد سادس عشر شوّال سنة خمس و ثمانين و أربعمائة. و من عجيب الاتفاق أنه المقتدي باللّه كان قد بايع لولده المستظهر بولاية العهد من بعده، فلما دخل ملك شاه بغداد المرة الثالثة ألزم المقتدي أن يعزل ولده المستظهر و يجعل ولده جعفر، الذي رزقه من ابنته ولي العهد و يخرج المقتدي إلى البصرة. فشق ذلك على المقتدي، و بالغ في استنزال ملك شاه عن هذا الرأي فلم يفعل، فسأله المهلة عشرة أيام ليتجهز، فأمهله فجعل المقتدي يصوم و يطوى، و إذا

____________

(1) ملكشاه السلجوقي، جلال الدولة، أبو الفتح بن ألب أرسلان محمد بن داود بن ميكائيل بن سلجوق بن دقاق، اتسعت مملكته حتى خطب له في جميع بلاد ما وراء النهر و باب الأبواب و الروم و ديار بكر و الجزيرة و الشام، و كان حسن السيرة و يلقب بالعادل. مات في بغداد سنة 485 هـ-. وفيات الأعيان: 5/283.

217

أفطر جلس على الرماد للإفطار، و هو يدعو على السلطان، ملك شاه فمرض ملك شاه و مات في تلك الأيام، و لم تشهد له جنازة، و لا صلّى عليه أحد في الصورة الظاهرة، و حمل في تابوته إلى أصبهان و دفن بها.

أما البقرة التي أمر اللّه تعالى بني إسرائيل بذبحها، فقصتها مشهورة و ستأتي الإشارة إلى شي‏ء منها في باب العين في لفظ العجل إن شاء اللّه تعالى، فسبحان من فاوت بين الخلق. قيل لإبراهيم عليه الصلاة و السلام: اذبح ولدك، فتله للجبين. و قيل لبني إسرائيل: اذبحوا بقرة فَذَبَحُوهََا، وَ مََا كََادُوا يَفْعَلُونَ‏ (1) . و خرج أبو بكر الصديق رضي اللّه عنه من جميع ماله.

و بخل ثعلبة بن حاطب بالزكاة، و جاد حاتم في حضرة و أسفاره. و بخل الحباحب بضوء ناره، و كذلك فاوت بين الفهوم، فسبحان أنطق متكلم، و باقل أعجز من أخرس. و فاوت بين الأماكن فزرود تشكو العطش، و البطائح تشكو الغرق.

غريبة

: كانت العرب إذا أرادت الاستسقاء في السنة الأزمة جعلت النيران في أذناب البقر و أطلقوها فتمطر السماء لأن اللّه تعالى يرحمها بسبب ذلك قال‏ (2) الشاعر في ذلك:

أ جاعل أنت بيقورا مسلّعة # ذريعة لك بين اللّه و المطر

و قال أمية بن أبي الصلت‏ (3) الثقفي يذكر ذلك:

سنة أزمة تخيل بالنا # من ترى للعضاه فيها صريرا (4)

لا على كوكب ينوء و لا ريـ # ح جنوب و لا ترى طخرورا (5)

و يسوقون باقرا لسهل للطو # دمها زيل خشية أن تبورا (6)

عاقدين النيران في هلب الأذ # ناب منها لكي تهيج البحورا (7)

سلع ما و مثله عشر ما # عائل ما و عالت البيقورا (8)

و حكى في الإحياء أن شخصا كانت له بقرة يحلبها و يخلط في لبنها الماء و يبيعه، فجاء سيل فغرق البقرة فقال له بعض أولاده: إن تلك المياه المتفرقة التي صببناها في اللبن اجتمعت دفعة واحدة و أخذت البقرة. و روى الخلال، في المجلس التاسع من مجالسه، عن جابر بن عبد اللّه

____________

(1) سورة البقرة: الآية 71.

(2) البيت في الحيوان: 4/468. و نسبته لورل الطائي.

(3) أمية بن أبي الصلت، شاعر جاهلي حكيم أدرك النبي صلى اللّه عليه و سلم. مات بالطائف سنة 5 هـ-.

(4) البيت في الحيوان للجاحظ: 4/466. و فيه: «تخيل بالنا... » العضاة: شجر له شوك.

(5) هذا البيت لم يرد في الحيوان. الطخرور: السحاب القليل.

(6) في الحيوان: «و يسوقون باقرا يطرد السهد» .

(7) في الحيوان: «في شكر الأذناب عمدا كيما... » .

(8) في الحيوان: «... و عالت البنقورا» .

218

رضي اللّه تعالى عنهما أن بقرة انفلتت على خمر، فشربت منه فذبحوها. ثم أتوا إلى النبي صلى اللّه عليه و سلم فأخبروه فقال: «كلوها أولا بأس بها» .

الحكم:

يحل أكلها و شرب ألبانها إجماعا. و في الصحيح عن عائشة رضي اللّه تعالى عنها أن النبي صلى اللّه عليه و سلم قال: «سمن البقر و ألبانها شفاء و لحمها داء» . و رواه‏ (1) ابن عدي في ترجمة محمد بن زياد الطحان عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما بمعناه. و في الصحيح عن عائشة رضي اللّه تعالى عنها أن النبي صلى اللّه عليه و سلم «ضحى عن نسائه بالبقر» . و روى‏ (2) الطبراني عن زهير قال: حدثتني امرأة من أهلي، عن مليكة بنت عمرو الزيدية من ولد زيد بن عبد اللّه بن سعد، قالت: اشتكيت وجعا في حلقي فأتيتها تعني مليكة بنت عمرو فوصفت لي سمن بقر، و قالت: إن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم قال:

«ألبانها شفاء و سمنها دواء و لحمها داء» . و المرأة التابعية لم تسم و بقية رجاله ثقات. و في المستدرك من حديث ابن مسعود رضي اللّه تعالى عنه أن النبي صلى اللّه عليه و سلم قال‏ (3) «عليكم بألبان البقر و أسمانها، و إياكم و لحومها، فإن ألبانها و أسمانها دواء و لحومها داء» . ثم قال: صحيح الإسناد. و روى الحاكم أيضا و ابن حبان عن ابن مسعود أيضا أن النبي صلى اللّه عليه و سلم قال‏ (4) : «ما أنزل اللّه داء إلا و أنزل له دواء، جهله من جهله، و علمه من علمه، و في ألبان البقر شفاء من كل داء، فعليكم بألبان البقر، فإنها ترم من كل الشجر؟أي تأكل و في رواية ترتم، و هي بمعناها. و رواه ابن ماجة عن أبي موسى خلا ذكر ألبان البقر و رواه بتمامه البزار و فيه محمد بن جابر بن سيار و هو صدوق عند الأكثرين، و ضعيف عند غيرهم و بقية رجاله ثقات. و رواه الحاكم أيضا في تاريخ نيسابور من حديث عبد اللّه بن المبارك عن أبي حنيفة، عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب، عن عبد اللّه بن مسعود.

و في كتاب ابن السني عن علي بن أبي طالب رضي اللّه تعالى عنه أنه قال: لم يستشف الناس بشي‏ء أفضل من السمن و إذا أوصى ببقرة لم يتناول الثور على الأصح. لأن لفظها موضوع للأنثى، و الثاني يتناوله و الهاء للوحدة. قال الرافعي: و قياس تكميل البقر بالجواميس في الزكاة، دخولها هنا و في العمدة و الكفاية لا تدخل إلا إذا قال من بقري و ليس له إلا الجواميس و لو لم يكن إلا بقرات وحش فوجهان كما ذكرنا في الظباء و الإيل. و أما زكاتها ففي كل ثلاثين منها سائمة تبيع ابن سنة و في كل أربعين مسنة لها سنتان. لما روى مالك عن طاوس، أن معاذ بن جبل رضي اللّه تعالى عنه أخذها كذلك و أتى بما دون ذلك، فلم يأخذ منها شيئا و سمي تبيعا لأنه يتبع أمه في المسرح و قيل لأن قرنه يتبع أذنه و لو أخرج تبيعة أجزأته، بل هي أولى للأنوثة، و سميت مسنة لتكامل سنها.

____________

(1) الكامل في ضعفاء الرجال لابن عدي: 6/2141.

(2) رواه مسلم في الحج: 356، 357، و رواه الدارمي في المناسك: 62. و ابن حنبل: 3، 378، 6، 165، 164، 219، 273.

(3) رواه أحمد: 4/215.

(4) رواه مسلم في السلام: 69، و في فضائل الصحابة: 92. و رواه البخاري في الطب. و رواه أبو داود في الطب: 1، 11. و ابن ماجة في الطب: 1 و أحمد: 1/377، 413، 443، 446.

219

فلو أخرج عن أربعين تبيعين أجزأه على الصحيح. و قال البغوي: لا، لأن العدد لا يقوم مقام السن.

فائدة:

في الحلية، ترجمة عكرمة، قال: كانت القضاة في بني إسرائيل، ثلاثة: فمات أحدهم، فولّى غيره مكانه، ثم قضوا ما شاء اللّه أن يقضوا، ثم بعث اللّه لهم ملكا يمتحنهم فوجد رجلا يسقي بقرة على ماء، و خلفها عجلة فدعاها الملك و هو راكب فرسا، فتبعتها العجلة فتخاصما فجاء إلى القاضي الأوّل فدفع إليه الملك درة كانت معه، و قال له: احكم بأن العجلة لي، قال: بما ذا أحكم؟قال ارسل الفرس و البقرة و العجلة فإن تبعت الفرس فهي لي فأرسلها فتبعت الفرس فحكم له بها. و أتيا القاضي الثاني فحكم كذلك. و أخذ درة و أما القاضي الثالث فدفع له الملك درة و قال: احكم بيننا قال: إني حائض. قال الملك سبحان اللّه أ يحيض الذكر؟ قال: سبحان اللّه أتلد الفرس بقرة؟و حكم بها لصاحبها. قلت: هؤلاء كما قال نبينا صلى اللّه عليه و سلم:

«قاضيان في النار و قاض في الجنة (1) » .

الأمثال:

قالوا: «تركت زيدا بملاحس البقر أولادها (2) » أي بحيث تلحس البقر أولادها، يعنون المكان القفر. و قالوا: «الكلاب على البقر (3) » . و سيأتي معناه في باب الكاف إن شاء اللّه تعالى.

الخواص:

شحم البقر إذا بخر به البيت مع زرنيخ أحمر طرد العقارب و الحيات و سائر الهوام. و إذا طلي به إناء اجتمعت إليه البراغيث. و قرنه إذا سحق و جعل في طعام صاحب حمى الربع زالت عنه. و إذا شرب زاد في الإنعاظ. و دمه يحبس الدم السائل و إذا طلي بمرارتها مع ماء الكراث البواسير نفعها و سكنها و أزال وجعها. و إذا طلي به الآثار السود من البدن قلعها و أزالها.

و إذا خلطت مع العسل و اكتحل بها أزالت الظلمة. و إذا طلي بها مع النطرون و العسل و شحم الحنظل المقعد نفعه. و قال أرسطو: مرارة البقر السوداء إذا اكتحل بها أحدّت البصر و قال كيماس:

إذا فقئت عين البقرة، أو قلعت و كتب بمائها على كاغد لم تبن بالنهار و تقرأ بالليل. و شعورها إذا أحرقت و شربت نفعت من وجع الأسنان. و إذا شربت بالسكنجبين، أزالت الطحال. و إن شربت بالعسل أخرجت حب القرع من البطن. و قال يونس: إذا طليت التواكيل بخثى البقر تناثرت و برئت من وقتها. و إذا طليت به الأورام الصلبة لينها و إن بخر به قرية النمل، قبل ظهورها لم تظهر. و إن وضع على النقرس نفع صاحبه. و إن بخر به الحامل سهل الولادة، و أخرج الجنين حيا و ميتا و المشيمة و إن أحرق في بيت طرد هوامه. و إن سحق المحرق منه و نفخ في الأنف حبس الرعاف. و إن طلي به على البدن مرارا و ترك حتى يجف أخرج السهم و الشوكة منه. و إن طلي به مع الكبريت، على خرقة كتان، و بسطت على جميع البطن نشف الماء الأصفر. و قال هرمس: إذا طليت منخر البقرة بدهن ورد دهشت و شردت.

____________

(1) رواه أبو داود في الأقضية: 2. و ابن ماجة في الأحكام: 3.

(2) مجمع الأمثال: 1/135 و لفظه: تركته بملاحس البقر أولادها.

(3) جمهرة الأمثال: 2/141.

220

التعبير:

البقر في المنام يعبر بالسنين، كما عبرها يوسف الصديق صلى اللّه عليه و سلم، فالسمان خصب، و الضعاف جدب، هذا إذا كانت بيضا أو سودا. و إذا كانت صفرا أو حمرا و هي تنطح الشجر بقرونها فتقلعها أو الأبنية فتسقطها، فإنها فتن تحل بذلك المكان الذي دخلته لقوله‏ (1) عليه الصلاة و السلام: «إن الفتن تكون في آخر الزمان كصياصي البقر و كعيون البقر» و البقرة الصفراء سنة فيها سرور. و الغبرة في البقر شدة في أوّل السنة و البلقة في أعجازها شدة في آخر السنة. و النصف من البقرة مصيبة في أخت أو بنت. و كذلك كل سهم ينسب إلى من يرثه كالربع و الثمن. و من حلب بقرة غيره فإنه يخون رجلا في امرأته. و مهما رأى الإنسان ببقرته فذلك عائد إلى زوجته أو بنته.

و حليب البقرة مال حلال جزيل و أصواتها تدل على ناس معروفين بالأدب. و خدشها مرض. و من وثب عليه بقرة أو ثور و لم يفلته فإنه يموت في تلك السنة، و البقرة في المنام للفلاحين خير و انسب البقر في ألوانها إلى ما تنسب إليه الخيل. و يأتي بيان ذلك إن شاء اللّه تعالى في باب الخاء المعجمة.

و من رأى بقرة دخلت داره و نطحته فإنه يرى خسرانا في ماله. و قالت النصارى: من أكل لحم بقر في نومه تقدم إلى حاكم. و الشحم مال لمن حواه خالص لا يغادره منه شي‏ء و هو بلا تعب. و أما شواء البقر فهو أمن للخائف. و من كانت له زوجة و هي حامل بشر بولد ذكر.

و الشواء بشارة في معيشته فإن كان غير ناضج فهو هم من قبل امرأة. و قيل لحم البقر رزق و خصب لمن أكله مطبوخا أو مشويا. و من الرؤيا المعبرة قول عائشة رضي اللّه تعالى عنها: رأيت كأني على تل و حولي بقر ينحر، فقصصتها على مسروق، فقال: إن صدقت رؤياك فإنه يكون حولك ملحمة قتال. فكان كذلك يوم الجمل. و من رأى بقرة تمص لبن عجلها فإن امرأته تقود على ابنتها. و من رأى عبدا يحلب بقرة مولاه فإنه يتزوّج امرأة المولى و اللّه تعالى أعلم.

البقر الوحشي‏

هذا النوع أربعة أصناف: المها و الأيل و اليحمور و الثيتل. و كلها تشرب الماء في الصيف إذا وجدته، و إذا عدمته صبرت عنه، و قنعت باستنشاق الريح، و في هذا الوصف يشاركها الذئب و الثعلب و ابن آوى و الحمر الوحشية و الغزلان و الأرانب. فأما الأيل فتقدم ذكره و اليحمور و سيأتي إن شاء اللّه تعالى في باب الياء آخر الحروف.

و الكلام الآن في المها فمن طبعه الشبق و الشهوة، فلذلك إذا جملت الأنثى هربت من الذكر خوفا من عبثه بها و هي حامل. و لفرط شهوته يركب الذكر ذكرا آخر، و إذا ركب واحد منها شم الباقي منه رائحة الماء فيثبن عليه. و قرون البقر الوحشي مصمتة بخلاف قرون سائر الحيوانات فإنها مجوّفة كما تقدم و البقر الوحشي أشبه شي‏ء بالمعز الأهلية و قرونها صلاب جدا تمنع بها عن نفسها و أولادها كلاب الصيد و السباع التي تطيف بها.

فائدة

: لما أرسل رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم خالد بن الوليد إلى أكيدر دومة الجندل، و هو أكيدر (2) بن

____________

(1) رواه ابن حنبل: 5/391.

(2) أكيدر الكندي، ملك دومة الجندل المعروف اليوم بالجوف، عاهد النبي صلى اللّه عليه و سلم، و نقض من بعده فقتله خالد بن الوليد سنة 12 هـ-.

221

عبد الملك رجل من كندة، كان ملكا عليها، و كان نصرانيا، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم لخالد: «إنك تجده يصيد بقر الوحش‏ (1) » . فلما وصل إليه كان في ليلة مقمرة، فأذن اللّه تعالى للبقر الوحشية أن تأتيه من كل جانب، تحك قصره بقرونها، فأشرف عليها و قال: ما رأيت أكثر منها الليلة و لقد كنت أكمن لها اليومين و الثلاثة و لا أجدها. و لكن قدر اللّه و ما شاء فعله. ثم أمر بفرسه فأسرج و ركب هو و أخوه حسان، و عليه قباء من الديباج المخوص بالذهب. فلما نزل وافته خيل رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم فأخذته أسيرا و أرسلوه بقبائه إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، فتعجب منه بعض أصحابه فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: المناديل سعد في الجنة خير من هذا ثم إن النبي صلى اللّه عليه و سلم عرض عليه الإسلام فأبى، فأقره بالجزية في أرضه في شهر رجب سنة تسع من الهجرة. و أشار إلى هذه البقرات الوحشية بجير بن بجرة الطائي بقوله:

تبارك سائق البقرات إني # رأيت اللّه يهدي كل هادي

فمن يك حائدا عن ذي تبوك # فإنا قد أمرنا بالجهاد

و سيأتي مزيد كلام في المها في باب الميم إن شاء اللّه تعالى.

الحكم:

يحل أكلها بجميع أنواعها بالإجماع لأنها من الطيبات.

الأمثال:

قالت العرب: «تتابعي‏ (2) بقر» . زعموا أن بشر بن الحارث الأسدي خرج في سنة جهد فيها قومه، فمروا ببقر فنفرت منهم، فقام على رأس جبل فرماها بقوسه، فجعلت تلقي نفسها و هو يقول: «تتابعي بقر» حتى تكسرت ثم رجع إلى قومه، فدعاهم لأكلها. يضرب عند تتابع الأمر و سرعته.

الخواص:

مخه يطعم لصاحب الفالج، ينفعه نفعا شديدا. و من استصحب معه شعبة من قرونه نفرت منه السباع و إذا دخن بقرنه أو جلده أو ظلفه في بيت نفرت منه الحيات. و رماده يذر على السن المتأكلة المتألمة يسكن وجعها. و شعره يبخر به البيت يهرب منه الفأر و الخنافس. و قرنه يحرق و يجعل في طعام صاحب حمى الربع تزول عنه. و يشرب في شي‏ء من الأشربة يزيد في الباه و يقوي العصب و يزيد في الإنعاظ. و ينفخ في أنف الراعف يقطع دمه و يحرق قرناه حتى يصيرا رمادا. و يداف في الخل، و يطلى به موضع البرص مستقبلا به الشمس، فإنه يزول و يسف منه مقدار مثقال فإنه لا يخاصم أحدا إلا غلبه.

بقر الماء

: قال القزويني: زعموا أن بقرا يطلع من الماء يرعى الزرع و روثها العنبر، و اللّه أعلم بصحة ذلك، فإن الناس ذكروا أن العنبر نبت بقعر البحر فإن صح ما قالوه فروث هذا الحيوان ينفع الدماغ و الحواس و القلب و اللّه أعلم.

بقرة بني إسرائيل:

هي التي يقال لها أم قيس و أم عويف و هي دابة صغيرة لها قرنان تكون

____________

(1) رواه البخاري في الهبة: 28، و بدء الخلق 8، و اللباس: 25، و الإسكان: 3 و مسلم في فضائل الصحابة:

126، 127، و رواه الترمذي في اللباس: 3 و في المناقب: 50 و ابن ماجة في المقدمة: 11.

(2) مجمع الأمثال: 1/127.

222

في الرمل فإذا أردت أن تخرجها فاطرح في موضعها قملة فتخرج فتأخذها فإذا صارت في يدك فشق ظهرها، و أدخل فيه ميلا و اكحل به من بعينيه بياض ثلاث مرات، فإنه يذهب و إذا دلك بهذه الدابة موضع القرع نبت فيه الشعر.

البق:

قال الجوهري: البقة البعوضة و الجمع البق. و أنشد في باب العين و الياء و اللام لزفر بن الحارث‏ (1) الكلابي:

ألا إنما قيس بن عيلان بقة # إذا وجدت ريح العصير تغنت‏

و البق المعروف هو الفسافس الآتي في باب الفاء إن شاء اللّه تعالى. يقال إنه يتولد من النفس الحار، و لشدة رغبته في الإنسان، لا يتمالك إذا شم رائحته إلا رمى نفسه عليه، و هو كثير بمصر و ما شاكلها من البلاد.

و حكمه‏

: تحريم الأكل لاستقذاره كالبعوض. و هو من الحيوان الذي لا نفس له سائلة أصلا، كما قاله الرافعي رحمه اللّه في الدم. و الدم الذي فيه يمتصه من بني آدم، كما يمتصه القمل و البرغوث. و وقع في كلام الرافعي و النووي و غيرهما تمثيل ما لا نفس له سائلة، بالبعوض و البق.

قال الشيخ: و في ذكر البق المعروف في بلادنا فيما لا نفس له سائلة نظر. و قد رأيت بعض الناس يذكر أنه في كثير من البلاد اسم للبعوض فلعل من أطلقه أراد به البعوض.

الخواص:

قال القزويني في عجائب المخلوقات و غرائب الموجودات: إذا بخر البيت بالقلقند و الشونيز (2) لم يدخله البق بالكلية، و كذلك إذا بخر بنشارة الصنوبر طرده أيضا. و قال حنين‏ (3) بن إسحاق: إذا بخر البيت بحب المحلب هرب منه البق أجمع. و كذلك إذا بخر بالعلق أو العاج أو بجلد جاموس أو بأغصان شجر السرو. و قال غيره. إذا نقع ورق الحرمل في خل و نضح به البيت هرب منه، و إذا وضع الحرمل‏ (4) عند رأس الإنسان أو رجليه لم يقرب منه البق.

و إذا نقع السداب‏ (5) في خل و نضح به البيت هرب منه. و إذا أخذ كندر و كبريت و دقا و ديفا بماء و طلي بذلك قضيب قنب و وضعه إنسان عند رأسه حيث ينام لم يقربه بق البتة. و قال ابن جميع في الإرشاد: دخان الكمون و الآس اليابس و الترمس يطرد البق و البعوض. و مما جرب فوجد نافعا لطرد البق أن يكتب على أربع ورقات و يلصق في الحيطان الأربع ما صورته 2 1 2 1 1 1.

تذنيب:

قد ذكر النبي صلى اللّه عليه و سلم البق في حديث رواه الطبراني، بإسناد جيد، عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال: سمعت أذناي هاتان و أبصرت عيناي هاتان رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم و هو آخذ بكفيه

____________

(1) زفر بن الحارث بن عبد عمرو بن معاذ الكلابي، أبو الهذيل، تابعي، كان زعيم قيس في زمانه، شهد وقعة مرج راهط. مات سنة 75 هـ-.

(2) الشونيز: الحبة السوداء.

(3) حنين بن إسحاق العبّادي، كنيته أبو زيد، و العباد نصارى الحيرة و كان فاضلا في صناعة الطب فصيحا في اليونانية و السريانية و العربية. مات سنة 260 هـ-. له كتب من تأليفه، غير ذلك التي نقلها.

(4) الحرمل و السذاب: من النباتات.

(5) الحرمل و السذاب: من النباتات.

223

جميعا حسنا أو حسينا و قدماه على قدمي رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم و هو يقول: «حزقة حزقة، ترق عين بقة» فيرقى الغلام فيضع قدميه على صدر رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم. ثم قال صلى اللّه عليه و سلم: «افتح فاك» ثم قبله ثم قال:

«اللهم من أحبه فإني أحبه‏ (1) » و رواه البزار ببعض هذا اللفظ. و الحزقة الضعيف المتقارب الخطو ذكر ذلك له على سبيل المداعبة و التأنيس. و ترق معناه اصعد و عين بقة كناية عن صغر العين مرفوع على أنه خبر مبتدإ محذوف. و في كامل ابن عدي و تاريخ ابن النجار في ترجمة محمد بن علي بن الحسين بن محمد عن الأصبغ بن نباتة الحنظلي قال: سمعت علي بن أبي طالب رضي اللّه تعالى عنه يقول في خطبته: ابن آدم و ما ابن آدم تؤلمه بقة، و تنتنه عرقه، و تقتله شرقه.

و الأصبغ بن نباتة الحنظلي المذكور يروي عن علي رضي اللّه تعالى عنه أشياء لم يتابعه عليها أحد فاستحق من أجلها الترك روى له ابن ماجة حديثا واحدا: «نزل جبريل عليه السلام على النبي صلى اللّه عليه و سلم بحجامة الأخدعين و الكاهل‏ (2) » .

الحكم:

يحرم أكل البق لاستقذاره كالبعوض.

الأمثال:

قالوا: «أضعف من بقة (3) » .

التعبير

: البق في المنام أعداء ضعاف طعانون، و هم جندلا وفاء لهم و لا جلد. و يدل أيضا على الهم و الحزن لأن البق يمنع النوم و الهم و الحزن يمنعان النوم و اللّه أعلم.

البكر

: الفتى من الإبل و الأنثى بكرة. و الجمع بكار مثل فرخ و فراخ و قد يجمع في القلة على ابكر. قال أبو عبيدة: البكر من الإبل بمنزلة الفتى من الناس، و البكرة بمنزلة الفتاة و القلوص بمنزلة الجارية، و البعير بمنزلة الإنسان، و الجمل بمنزلة الرجل، و الناقة بمنزلة المرأة.

روى مسلم عن أبي رافع أن النبي صلى اللّه عليه و سلم استلف من رجل بكر، فلما جاءت إبل الصدقة أمرني أن أقضي الرجل بكرا فقلت: لم أجد في الإبل إلا جملا خيارا رباعيا، فقال‏ (4) صلى اللّه عليه و سلم: «أعطه فإن خياركم أحسنكم قضاء» . و في رواية بازلا بدل رباعيا. و روى الحاكم عن العرباض بن سارية رضي اللّه عنه قال: بعت من رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم بكرا فجئت أتقاضاه فقلت: يا رسول اللّه اقضني ثمن بكري. قال: «نعم ثم قضاني فأحسن قضائي» . ثم جاءه أعرابي فقال: يا رسول اللّه اقضني بكري فقضاه بعيرا مسنا، فقال يا رسول اللّه هذا أفضل من بكري!فقال صلى اللّه عليه و سلم: «هو لك إن خير القوم خيرهم‏ (5) قضاء» . ثم قال صحيح الإسناد.

____________

(1) رواه الترمذي في المناقب 30، و ابن ماجة في المقدمة 11، و ابن حنبل: 4/173.

(2) رواه ابن ماجة في الطب: 21.

(3) جمهرة الأمثال: 2/8.

(4) رواه البخاري في الوكالة: 5، 6. و في الاستقراض: 4، 6، 7. و في الهبة: 23، 25. و رواه مسلم في المساقاة: 118، 122. و أبو داود في البيوع: 11 و الترمذي بيوع: 73، 75 و النسائي بيوع: 64، 103 و ابن ماجة صدقات: 16.

(5) رواه أحمد: 2/377، 393، 416، 431، 456، 476، الموطأ بيوع: 89. و رواه الدارمي في البيوع:

31.

224

و روى الحافظ أبو يعلى بإسناده إلى ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما قال: حج رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم فلما أتى وادي عسفان قال: «يا أبا بكر أي واد هذا» ؟قال وادي عسفان. قال صلى اللّه عليه و سلم:

«لقد مرّ بهذا الوادي نوح و هود و إبراهيم على بكرات لهم حمر خطمهم الليف و أزرهم العباء و أرديتهم النمار يحجون البيت العتيق‏ (1) » . و روى مسلم عن سيرين بن معبد الجهني رضي اللّه تعالى عنه أنه غزا مع رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم في فتح مكة قال: «فأذن لنا رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم في المتعة» .

فانطلقت أنا و رجل إلى امرأة من بني عامر كأنها بكرة عيطاء أي شابة طويلة العنق في اعتدال فعرضنا عليها أنفسنا فقالت ما تعطيني؟فقلت: ردائي. و قال صاحبي ردائي. و كان رداء صاحبي أجود من ردائي و كنت أشب منه، فكانت إذا نظرت إلى رداء صاحبي أعجبها، و إذا نظرت إلي أعجبتها، ثم قالت: أنت و رداؤك تكفيني. فمكثت معها ثلاثا ثم إن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم قال: «من كان عنده شي‏ء من هذه النساء التي يتمتع بهن فليخل سبيلها» (2) . و في رواية فلم أخرج عنها حتى حرمها رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم.

و روى أبو داود و النسائي و الترمذي و الحاكم عن أبي هريرة رضي اللّه عنه أن أعرابيا أهدى لرسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم ناقة، فعوّضه منها ست بكرات فتسخطها، فبلغ ذلك النبي صلى اللّه عليه و سلم فحمد اللّه و أثنى عليه ثم قال: «إن فلانا أهدى إلي ناقة فعوضته منها ست بكرات، فظل ساخطا لقد هممت أن لا أقبل هدية إلا من قرشي أو أنصاري أو ثقفي أو دوسي‏ (3) » . و في حديث علي رضي اللّه تعالى عنه «صدقني سن بكره» . و هو مثل تضربه العرب للصادق في خبره. و يقوله الإنسان على نفسه و إن كان ضارا له و أصله أن رجلا ساوم رجلا في بكر يشتريه، فسأل صاحبه عن سنه فأخبره بالحق، فقال المشتري: «صدقني سن بكره» . و في مسند الشافعي عن مولى لعثمان قال: بينما أنا مع عثمان رضي اللّه تعالى عنه في يوم صائف إذ رأى رجلا يسوق بكرين، و على الأرض مثل الفراش من الحر، فقال: ما على هذا لو أقام بالمدينة حتى يبرد ثم يروح. فدنا الرجل فقال: انظر فنظرت، فإذا هو عمر بن الخطاب رضي اللّه تعالى عنه. فقلت: هذا أمير المؤمنين، فقام عثمان رضي اللّه تعالى عنه فأخرج رأسه من الباب فآذاه نفح السموم، فأعاد رأسه حتى إذا حاذاه قال: ما أخرجك في هذه الساعة؟قال: بكران من إبل الصدقة تخلفا، و قد مضى بإبل الصدقة فأردت أن ألحقهما بالحمى خشية أن يضيعا فيسألني اللّه عنهما فقال عثمان: هلم إلى الماء و الظل فقال: عد إلى ظلك، فقال: عندنا من يكفيك فقال: عد إلى ظلك ثم مضى. فقال عثمان: من أحب أن ينظر إلى القوي الأمين فلينظر إلى هذا.

الأمثال:

في الحديث‏ (4) : «جاءت هوازن على بكرة أبيها» و قالوا (5) : «جاءوا على بكرة أبيهم» يصفونهم بالقلة أي جاءوا بحيث تحملهم بكرة أبيهم قلت: و أصله أن قوما قتلوا و حملوا

____________

(1) رواه أحمد: 1/232.

(2) رواه أبو داود في النكاح: 13، و رواه الترمذي في النكاح: 28. و أحمد: 3/404.

(3) رواه الترمذي في المناقب: 73. و أحمد: 2/292.

(4) رواه أبو داود في الجهاد: 16.

(5) مجمع الأمثال: 1/176.

225

على بكرة أبيهم، فقيل فيهم ذلك، ثم صار مثلا لقوم جاءوا مجتمعين. و قال أبو عبيدة: معناه جاءوا جميعا لم يتخلف منهم أحد، و ليس هناك بكرة في الحقيقة. و قال بعضهم: البكرة هاهنا هي التي يستقى عليها أي جاءوا بعضهم في إثر بعض كدوران البكرة على نسق واحد. و قال قوم أراد بالبكرة الطريقة، أراد أنهم جاءوا على طريقة أبيهم أي يقتفون أثره و قيل: هو ذم و وصف بالقلة و الذلة أي يكفيهم للركوب بكرة واحدة و ذكر الأب احتقار و تصغير لهم.

و حكمه و خواصه و تعبيره كالإبل.

البلبل:

من أنواع العصافير. و يقال له الكعيت و الجميل مصغرات، و هو النغر و سيأتي في بابه و قد أحسن من ألعز فيه بقوله:

و ما طائر نصفه كله # له في ذرا الدوح سير و لبث

رأينا ثلاثة أرباعه # إذا صحفوها غدت و هي ثلث‏

و قد أجاد علي بن المظفر أبو الفضل الآمدي‏ (1) قاضي واسط حيث قال:

و أهاله ذكر الحمى فتأوّها # و دعا به داعي الصبا فتولّها

هاجت بلابله البلابل فانثلت # أشجانه تثني عن الحلم النهى‏ (2)

فشكا جوا و بكى أسى و تنبه الـ # وجد القديم و لم يزل متنبها

لا تكرهوه على السلو فطالما # حمل الغرام فكيف يسلو مكرها (3)

لا عبت يا سعدى عليك فسامحي # و صلي فقد بلغ السقام المنتهى‏ (4)

و ما أحسن قول يوسف‏ (5) بن لؤلؤ حيث يقول:

باكر إلى الروضة تستجلها # فثغرها في الصبح بسام

و النرجس الغض اعتراه الحيا # فغض طرفا فيه أسقام

و بلبل الدوح فصيح # على الأيكة و الشحرور تمتام

و نسمة الصبح على ضعفها # لها بنا مرّ و إلمام

فعاطني الصهباء، مشمولة # عذراء فالواشون نوّام

و اكتم أحاديث الهوى بيننا # ففي خلال الروض نمّام‏

____________

(1) الآمدي: أبو الفضائل علي بن أبي المظفر يوسف بن أحمد بن محمد بن عبيد اللّه بن الحسين، و هو من بيت معروف بواسط بالصلاح و الرواية و العدالة مات سنة 608 هـ-. و الأبيات مع ترجمته في وفيات الأعيان:

3/397.

(2) في الوفيات: «... البلابل فانثنت» .

(3) في الوفيات: «... السلوّ فطائعا... » .

(4) في الوفيات: «يا عتب لا عتب... » .

(5) يوسف بن لؤلؤ بدر الدين الدمشقي الشاعر مات سنة 680 هـ-. و الأبيات مع ترجمته في فوات الوفيات:

4/378.

226

و من محاسن شعره أيضا قوله:

سقى اللّه أرضا نور وجهك شمسها # و أحيا بلادا أنت في افقها بدر

و روّى بقاعا جود كفك غيثها # ففي كل قطر من نداك بها قطر

و له أيضا:

تسلسل دمعي و هو لا شك مطلق # و صح حقيقا حين قالوا: تكسرا

و في قلب مائي للقلوب مسرة # و قالوا سيجزى بالهنا و كذا جرى‏

و له أيضا:

بعيني رأيت الماء ألقى بنفسه # على رأسه من شاهق فتكسرا

و قام على إثر التكسر جاريا # ألا فاعجبوا ممن تكسر قد جرى‏

و له أيضا:

أنفقت كنز مدائحي في ثغره # و جمعت فيه كل معنى شارد

و طلبت منه جزاء ذلك قبلة # فأبى و راح تغزلي في البارد

و العرب تقول: البلبل يعندل، أي يصوّت و روى الحافظ أبو نعيم و صاحب الترغيب و الترهيب من حديث مالك بن دينار أن سليمان بن داود صلى اللّه عليهما و سلم، مر على بلبل فوق شجرة يصفر و يحرك رأسه و يميل ذنبه فقال لأصحابه: أ تدرون ما يقول؟قالوا: لا، قال: إنه يقول:

أكلت نصف تمرة فعلى الدنيا العفاء. و هو بالمد أي على الدنيا الدروس، و ذهاب الأثر. و قيل: العفاء التراب. و سيأتي إن شاء اللّه تعالى في باب العين في لفظ العقعق. عن الزمخشري أنه ذكر في تفسير قوله‏ (1) تعالى: وَ كَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لاََ تَحْمِلُ رِزْقَهَا اَللََّهُ يَرْزُقُهََا عن بعضهم أن البلبل يحتكر القوت. حكى البويطي عن الشافعي رضي اللّه تعالى عنه أنه كان في مجلس مالك بن أنس رضي اللّه تعالى عنه و هو غلام، فجاء رجل إلى مالك فاستفتاه، فقال: إني حلفت بالطلاق الثلاث إن هذا البلبل لا يهدأ من الصياح. فقال له مالك: قد حنثت. فمضى الرجل، فالتفت الشافعي رضي اللّه تعالى عنه إلى بعض أصحاب مالك فقال: إن هذه الفتيا خطأ فأخبر مالك بذلك، و كان مالك رضي اللّه تعالى عنه مهيب المجلس لا يجسر أحد أن يراده، و ربما جاء صاحب الشرطة فوقف على رأسه إذا جلس في مجلسه، فقالوا لمالك: إن هذا الغلام يزعم أن هذه الفتيا إغفال و خطأ!فقال له مالك: من أين قلت هذا؟فقال له الشافعي أ ليس أنت الذي رويت لنا عن النبي صلى اللّه عليه و سلم، في قصة فاطمة بنت قيس رضي اللّه تعالى عنها، أنها قالت للنبي صلى اللّه عليه و سلم أن «أبا جهم و معاوية خطباني، فقال صلى اللّه عليه و سلم: «أما أبو جهم فلا يضع العصا عن عاقته، و أما معاوية فصعلوك لا مال له‏ (2) » . فهل كانت عصا أبي جهم دائما على عاتقه؟و إنما أراد من ذلك الأغلب. فعرف مالك

____________

(1) سورة العنكبوت: الآية 60.

(2) رواه: أبو داود في الطلاق: 39. و مسلم في الرضاع: 101. و الموطأ طلاق: 67. و أحمد: 6/412.

227

محل الشافعي و مقداره. قال الشافعي: فلما أردت أن أخرج من المدينة جئت إلى مالك فودّعته، فقال لي مالك حين فارقته: يا غلام اتق اللّه تعالى و لا تطفئ هذا النور الذي أعطاكه اللّه بالمعاصي يعني بالنور: العلم، و هو قوله‏ (1) تعالى: وَ مَنْ لَمْ يَجْعَلِ اَللََّهُ لَهُ نُوراً فَمََا لَهُ مِنْ نُورٍ هكذا جاء في هذه الرواية: البلبل. و جاء في رواية أخرى: القمري. و سيأتي إن شاء اللّه تعالى.

التعبير

: هو في الرؤيا رجل موسر، و قيل امرأة موسرة و قيل ولد قارئ لكتاب اللّه لا يلحق.

البلح:

بضم الباء و فتح اللام قال ابن سيده: إنه طائر أغبر اللون أعظم من النسر محترق الريش لا تقع ريشة منه وسط ريش طائر آخر إلا أحرقته و قيل: هو النسر القديم الهرم و الجمع بلحان.

البلشون:

هو مالك الحزين. و سيأتي إن شاء اللّه تعالى في باب الميم.

البلّصوص:

بضم الباء و اللام المشددة طائر و جمعه البلنصي على غير قياس. و قال سيبويه النون زائدة لأنك تقول للواحد البلصوص. و العامة تسمية أبو لصيص. قال البطليوسي في الشرح: و قد اختلف اللغويون في هذين الاسمين أيهما الواحد و أيهما الجمع. فقال قوم:

البلصوص هو الواحد و البلنصي هو الجمع و عكس ذلك آخرون و قال قوم: البلصوص الذكر و البلنصي الأنثى ذكره ابن ولاد (2) و أنشد:

و البلصوص يتبع البلنصي.

قال: و قياس جمع البلصوص بلا صيص. و لم أدر ما حكم هذا الطائر.

بنات الماء:

قال ابن أبي الأشعث: هي سمك ببحر الروم، شبيهة بالنساء ذوات شعر سبط، ألوانهن إلى السمرة، ذوات فروج عظام و ثدي، و كلام لا يكاد يفهم، و يضحكن و يقهقهن. و ربما وقعن في أيدي بعض أهل المراكب، فينكحونهن ثم يعيدونهن إلى البحر. و حكي عن الروياني صاحب البحر، أنه كان إذا أتاه صياد بسمكة على هيئة المرأة، حلفه أنه لم يطأها.

و ذكر القزويني أنه صيد لبعض الملوك رجل إذا تكلم، لا يفهم ما يقول، فزوجه بامرأة فرزق منها ولدا فصار يتكلم بلغة أبيه و لغة أمه. و قد تقدم هذا في باب الهمزة في إنسان الماء.

بنات وردان:

يأتي ذكرها في آخر باب الواو إن شاء اللّه تعالى.

البهار

: بضم الباء حوت أبيض طيب من حيتان البحر، قال الجوهري: و البهار بالضم شي‏ء يوزن به، و هو ثلاثمائة رطل و قال عمرو بن العاص: إن ابن الصعبة يعني طلحة بن عبيد اللّه ترك مائة بهار في كل بهار ثلاثة قناطير ذهب فجعله وعاء. قال أبو عبيد القاسم بن سلام و البهار في كلامهم ثلاثمائة رطل و أحسبها غير عربية و أراها قبطية.

____________

(1) سورة النور: الآية 40.

(2) ابن ولاّد: أحمد بن محمد بن ولاّد التميمي أبو العباس، نحوي مصري. مات سنة 332 هـ.

228

البهثة

: بالضم، البقرة الوحشية و قد تقدم ذكرها.

البهرمان: ضرب من العصفور قاله ابن سيده.

البهمة:

بفتح الباء، الصغير من أولاد الغنم و البقر و الوحش و غيرها. الذكر و الأنثى فيه سواء و الجمع بهم و بهم و بهام و بها مات. قال الأزهري في شرح ألفاظ المختصر: أما أسنان الغنم فساعة تضعها أمها من الضأن و المعز، ذكرا كان أو أنثى سخلة، و جمعها سخال، ثم هي بهمة فإذا بلغت أربعة أشهر و فصلت عن أمها، فما كان من أولاد المعز فهو جفار واحدها جفر. فإذا رعى و قوي فهو عريض و عتود و جمعها عرضان و عتدان. و هو في كل ذلك جدي، و الأنثى عناق ما لم يأت عليها الحول، و جمعها عنق و الذكر تيس إذا أتى عليه الحول و الأنثى عنز ثم تجذع في السنة الثانية فالذكر جذع و الأنثى جذعة فعلم منه أن ما نقله النووي رحمه اللّه، عنه في عناق فيه نوع خلل، و اللّه أعلم. و روى الشافعي و ابن خزيمة و ابن حبان و الحاكم و أصحاب السنن الأربعة، من حديث لقيط بن صبرة، و اللفظ لأبي داود، قال: كنت وافد بني المنتفق، أو في وفد بني المنتفق إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، فلما قدمنا عليه لم نجده في منزله، فصادفنا عائشة أم المؤمنين رضي اللّه عنها فأمرت لنا بحريرة، أو قال بعصيدة، فصنعت لنا و أتينا بقناع، و القناع طبق فيه تمر ثم جاء رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم فقال‏ (1) : «هل أصبتم شيئا أو آمر لكم بشي‏ء: قلنا: نعم يا رسول اللّه. قال:

فبينما نحن مع رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، إذ دفع الراعي غنمه إلى المراح، و معه سخلة تبعر، فقال صلى اللّه عليه و سلم: ما ولدت يا غلام» ؟قال بهمة قال: فاذبح لنا مكانها شاة» . ثم قال صلى اللّه عليه و سلم: «لا تحسبن أنا من أجلك ذبحناها، لنا غنم مائة ما نريد أن تزيد فإذا ولدت لنا بهمة ذبحنا مكانها شاة» . قلت:

يا رسول اللّه إن لي امرأة و إن في لسانها شيئا يعني البذاءة. قال: فطلقها إذن» . قلت:

يا رسول اللّه إن لها صحبة و إن لي منها ولدا. قال: «فعظها فإن يك فيها خير فستفعل، و لا تضرب ظعينتك ضربك لأمتك» . قال: قلت: يا رسول اللّه أخبرني عن الوضوء، قال: أسبغ الوضوء و خلل الأصابع و بالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائما» .

و في سنن أبي داود من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: إن النبي صلى اللّه عليه و سلم صلى إلى جدار اتخذه قبلة و نحن خلفه، فجاءت بهمة تمر بين يديه، فما زال صلى اللّه عليه و سلم «يدرؤها حتى لصق بطنه بالجدار، فمرت من ورائه» . و سيأتي في الجدي نحو ذلك. و في صحيح‏ (2) مسلم و سنن أبي داود و النسائي و ابن ماجة من حديث يزيد بن الأصم عن ميمونة «أن النبي صلى اللّه عليه و سلم كان إذا سجد جافى بين يديه، حتى لو أن بهمة أرادت أن تمر بين يديه مرت» .

البهيمة:

كل ذات أربع من دواب البر و البحر. قاله ابن سيده. و الجمع بهائم.

قال‏ (3) صلى اللّه عليه و سلم: «إن لهذه البهائم أوابد كأوابد الوحش» . سميت بهيمة لإبهامها، من جهة نقص

____________

(1) الحديث بتمامه رواه أحمد: 4، 33.

(2) رواه مسلم في الصلاة: 237. و أبو داود في الصلاة: 110، 154. و النسائي تطبيق: 52. و رواه ابن ماجة في الإقامة: 19. و الدارمي في الصلاة: 79 و أحمد: 6/331.

(3) رواه البخاري في الجهاد: 191، و الشركة: 3، 16 و الذبائح: 15، 36، و رواه أبو داود في الأضاحي: 7، 15. و الترمذي في الصيد: 19 و النسائي الصيد: 17 و الدارمي أضاحي: 15، أحمد: 4/140.

229

نطقها و فهمها، و عدم تمييزها و عقلها. و منه باب مبهم أي مغلق، و ليل بهيم. قال‏ (1) اللّه تعالى:

أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ اَلْأَنْعََامِ فأضاف الجنس إلى ما هو أخص منه، و ذلك أن الأنعام هي الثمانية الأزواج و ما أضيف إليها من سائر الحيوان. يقال له أنعام مجموعة معها و كأن المفترس كالأسد و كل ذي ناب خارج عن حد الأنعام فبهيمة الأنعام هي الراعي من ذوات الأربع.

و روي عن عبد اللّه بن عمر رضي اللّه تعالى عنهما أنه قال: بهيمة الأنعام الأجنة التي تخرج عند الذبح من بطون الأمهات، فهي تؤكل من غير ذكاة. و نقل عن ابن عباس، رضي اللّه تعالى عنهما أيضا، و فيه بعد: لأن اللّه تعالى قال‏ (2) : إِلاََّ مََا يُتْلى‏ََ عَلَيْكُمْ* و ليس في الأجنة ما يستثنى.

و حل بهيمة الأنعام من حكم اللّه تعالى، إذ لو لا الليل ما عرف قدر النهار، و لو لا المرض لم يتنعم الأصحاء بالصحة، و لو لا النار ما عرف أهل الجنة قدر النعمة. كما أن فداء أرواح الإنس بأرواح البهائم، و تسليطهم على ذبحها ليس بظلم، بل تقديم الكامل على الناقص عين العدل. و كذلك تفخيم النعم على سكان الجنان، بتعظيم العقوبة على أهل النيران، فداء لأهل الإيمان بأهل الكفر هو عين العدل. و ما لم يخلق الناقص لم يعرف الكامل، فلولا خلق البهائم لما ظهر شرف الإنسان.

روى البخاري و مسلم و أبو داود و النسائي و ابن ماجة عن أنس بن مالك رضي اللّه تعالى عنه أنه دخل دار الحكم بن أيوب، فإذا قوم قد نصبوا دجاجة يرمونها، فقال أنس: «نهى رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم أن تصبر البهائم و هو أن يمسك من ذوات الروح شي‏ء حي ثم يرمي بشي‏ء حتى يموت» .

و في الصحيحين‏ (3) و غيرهما: «أن النبي صلى اللّه عليه و سلم لعن فاعل ذلك» . و لأنه تعذيب للحيوان، و إتلاف لنفسه، و تضييع لماليته، و تفويت لذكاته، إن كان يذكى. و في الحديث‏ (4) أنه صلى اللّه عليه و سلم «نهى عن المجثمة» و هي كل حيوان ينصب و يرمى ليقتل. إلا أنها تكثر في الطير و الأرانب و نحو ذلك مما يجثم في الأرض أي يلزمها و يلتصق بها. و جثم الطائر جثوما، و هو بمنزلة البروك للإبل. و روى أبو داود و الترمذي عن مجاهد عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما أن النبي صلى اللّه عليه و سلم «نهى عن التحريش بين البهائم‏ (5) » . و في شفاء الصدور، لابن سبع، عن أنس بن مالك رضي اللّه تعالى عنه، أن النبي صلى اللّه عليه و سلم قال: «أجل البهائم و خشاش الأرض و القمل و البراغيث و الجراد و الخيل و البغال و الدواب و البقر و ما سوى ذلك في التسبيح، فإذا انقضى تسبيحها قبض اللّه عزّ و جلّ أرواحها» .

فائدة

: قال ابن دحية، في كتاب الآيات البينات: اختلف الناس في حشر البهائم، و في جريان القصاص بينها فقال الشيخ أبو الحسن الأشعري: لا يجري القصاص بين البهائم لأنها غير مكلفة و ما ورد في ذلك من الأخبار نحو قوله صلى اللّه عليه و سلم: «يقتص للجماء من القرناء و يسأل العود لم

____________

(1) سورة المائدة: الآية 1.

(2) سورة المائدة: الآية 1.

(3) رواه البخاري في الذبائح: 25. و مسلم في الصيد: 58، و الأضاحي: 12. و النسائي ضحايا: 41 و ابن ماجة ذبائح: 10 و ابن حنبل: 2، 94، 60، 3، 117، 180، 191.

(4) رواه النسائي في الصيد: 128، و الضحايا: 41، 44. و البخاري في الذبائح: 25، و رواه أبو داود في الأشربة: 14. و الترمذي صيد: 9 و أطعمة: 24. و الدارمي أضاحي: 13، 18، 27. و أحمد: 1/226.

(5) رواه أبو داود في الجهاد: 51. و الترمذي في الجهاد: 30.

230

خدش العود (1) » فعلى سبيل المثل و الإخبار عن شدة التقصي في الحساب. و أنه لا بد من أن يقتص للمظلوم من الظالم و قال الأستاذ أبو إسحاق الإسفرايني: يجري القصاص بينها، و يحتمل أنها كانت تعقل هذا القدر في دار الدنيا. قال ابن دحية و هذا جار على مقتضى العقل و النقل لأن البهيمة تعرف النفع و الضر، فتنفر من العصا و تقبل للعلف، و ينزجر الكلب إذا انزجر و إذا أشلى استشلى. و الطير و الوحش تفر من الجوارح، استدفاعا لشرها. فإن قيل: القصاص انتقام و البهائم ليست بمكلفة فالجواب أنها غير مكلفة، إلا أن اللّه يفعل في ملكه، ما أراد كما سلط عليها في الدنيا التسخير لبني آدم، و الذبح لما يؤكل منها فلا اعتراض عليه سبحانه و تعالى. و أيضا فإن البهائم إنما يقتص منها لبعضها من بعض إلا أنها لا تطالب بارتكاب نهي و لا بمخالفة أمر لأن هذا مما خص اللّه به العقلاء، و لما كثر التنازع رجعنا لما أمرنا به ربنا بقوله: فَإِنْ تَنََازَعْتُمْ فِي شَيْ‏ءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اَللََّهِ وَ اَلرَّسُولِ (2) و وجدنا القرآن العظيم يدل على الإعادة في الجملة:

قال‏ (3) اللّه تعالى: وَ مََا مِنْ دَابَّةٍ فِي اَلْأَرْضِ وَ لاََ طََائِرٍ يَطِيرُ بِجَنََاحَيْهِ إِلاََّ أُمَمٌ أَمْثََالُكُمْ إلى قوله:

ثُمَّ إِلى‏ََ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ و قال‏ (4) و قال تعالى: وَ إِذَا اَلْوُحُوشُ حُشِرَتْ و الحشر في اللغة الجمع. و في الصحيحين. عن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: «يحشر الناس على ثلاث طرائق راغبين، و راهبين، و اثنان على بعير، و ثلاثة على بعير، و عشرة على بعير، و تحشر بقيتهم النار تقيل معهم حيث قالوا، و تبيت معهم حيث باتوا، و تصبح معهم حيث أصبحوا، و تمسي معهم حيث أمسوا.

فهذا يدل على حشر الإبل مع الناس. و روى الإمام أحمد بسند صحيح إلى أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه، أن النبي صلى اللّه عليه و سلم قال: «يقتص للخلق بعضهم من بعض، حتى للجماء من القرناء، حتى للذرة من‏ (5) الذرة» فإذا كانت البهائم و الذر يقتص منها فكيف يغفل من هو مكلف مأمور؟ و نسأل اللّه السلامة من شرور أنفسنا و سيئات أعمالنا.

و في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه، أيضا أن رسول صلى اللّه عليه و سلم قال: «لتؤدين الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء» . و فيه أيضا و في غيره:

«ما من صاحب إبل لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة بطح لها بقاع قرقر. ثم يؤتى بها أوفر ما كانت، لا يفقد منها فصيل واحد تطؤه بأخفافها، و تعضه بأفواهها» . الحديث‏ (6) بطوله.

و في صحيح البخاري: «ليأتين أحدكم يوم القيامة بشاة، يحملها على رقبته لها ثغاء، فيقول: يا محمد فأقول لا أملك لك من اللّه شيئا قد بلغت» . و صح عنه صلى اللّه عليه و سلم أيضا أنه قال‏ (7) : «ما

____________

(1) رواه أحمد: 2/235، 323، 363، 442، 1/72.

(2) سورة النساء: الآية 59.

(3) سورة الأنعام: الآية 38.

(4) سورة التكوير: الآية 5.

(5) رواه أحمد: 2/35، 323، 363، 442، 1/72.

(6) رواه مسلم في الزكاة: 245، 26، 27، 28. و أبو داود في الزكاة: 325. و النسائي في الزكاة: 2/9، و الدارمي في الزكاة: 3. و أحمد: 2/262، 383، 490، 3/321.

(7) الموطأ في الجمعة: 16. و النسائي الجمعة: 45.

231

من دابة إلا و هي مصيخة يوم الجمعة فرقا من قيام الساعة إلا الجن و الإنس» . و إصاختها بإلهام اللّه إياها في ذلك اليوم، محمول على ما جبلها اللّه تعالى عليه من توقيها لما يضرها، و انقيادها إلى ما ينفعها جبلة لا عقلا و إحساسا حيوانيا، لا إدراكا فهميا. و إذا جبل اللّه النملة على حمل قوتها و ادّخاره لزمن الشتاء فجبله البهيمة على الإصاخة محاذرة يوم القيامة أولى. و من استقرى أحوال الحيوانات، رأى حكمة اللّه فيها لما سلبها العقل جعل لها حسا تفرق به بين الضار لها و النافع، و جبلها على أشاء و ألهمها إياها لا توجد في الإنسان إلا بعد التعلم و تدقيق النظر فمنها النحلة المحكمة لتسديس مخزن قوتها، حين يتعجب منه أهل الهندسة. و العنكبوت المتقنة لخيوط بيوتها و تناسب دوائرها. و كذلك السرفة في إحكام بيتها مربعا من عيدان و قد ظهرت من البهائم الصنائع العجيبة، و الأفاعيل الغريبة، و لم يسلبها رب العالمين سوى العبارة عن ذلك، و النطق به و لو شاء أنطقها كما أنطق النملة في عهد سليمان على نبينا و عليه أفضل الصلاة و السلام. و البهيم من الخيل الذي لا شية فيه الذكر و الأنثى فيه سواء. و البهم من النعاج السود التي لا بياض فيها و أما قوله صلى اللّه عليه و سلم في الحديث‏ (1) : «يحشر الناس يوم القيامة بهما» فمعناه أنه ليس بهم شي‏ء مما كان في الدنيا نحو البرص و العرج و العمى و العور و غير ذلك. و إنما هي أجساد مصححة لخلود الأبد في الجنة أو النار. و قيل: بل عراة ليس عليهم من متاع الدنيا شي‏ء و هذا يخالف الأول من حيث المعنى و من شعر مسعر بن‏ (2) كدام أحد الأعلام:

نهارك يا مغرور سهو و غفلة # و ليلك نوم و الردى لك لازم

و تتعب فيما سوف تكره غبه # كذلك في الدنيا تعيش البهائم‏

فرع:

اختلف أصحابنا في نقض الوضوء بمس فرج البهيمة على وجهين: أحدهما ينقض لعموم النقض بمس الفرج. و الأصح أنه لا ينقض، إذ لا حرمة لها و لا تعبد عليها. و أما دبرها فلا ينقض قطعا، قال الدارمي: و لا فرق في الخلاف بين البهائم و الطير.

الأمثال:

قالوا: «ما الإنسان لو لا اللسان إلا صورة ممثلة أو بهيمة مهملة» يضرب في مدح القدرة على الكلام.

البوم و البومة

: بضم الباء طائر يقع على الذكر و الأنثى حتى تقول: صدى أو قياد فيختص بالذكر و كنية الأنثى أم الخراب و أم الصبيان و يقال لها أيضا غراب الليل. قال‏ (3) الجاحظ:

و أنواعها الهامة و الصدى و الضوع و الخفاش و غراب الليل و البومة. و هذه الأسماء كلها مشتركة أي تقع على كل طائر من طير الليل يخرج من بيته ليلا قال و بعض هذه الطيور يصيد الفأر و سام أبرص و العصافير و صغار الحشرات و بعضها يصيد البعوض. و من طبعها أن تدخل على كل طائر

____________

(1) رواه أحمد 3/495.

(2) هو مسعر بن كدام بن ظهير الهلالي العامري الرواسي، أبو سلمة، محدّث كوفي، كان من المرجئة. توفي بمكة سنة 152 هـ-.

(3) كتاب الحيوان: 2/298.

232

في وكره و تخرجه منه و تأكل فراخه و بيضه. و هي قوية السلطان بالليل لا يحتملها شي‏ء من الطير و لا تنام بالليل، فإذا رآها الطير بالنهار قتلنها و نتفن ريشها، للعداوة التي بينهن، و بينها و من أجل ذلك صار الصيادون يجعلونها تحت شباكهم ليقع لهم الطير. و نقل المسعودي عن الجاحظ أن البومة لا تظهر بالنهار، خوفا من أن تصاب بالعين لحسنها و جمالها و لما تصور في نفسها أنها أحسن الحيوان لم تظهر إلا بالليل. و تزعم العرب في أكاذيبهم أن الإنسان إذا مات أو قتل، تتصور نفسه في صورة طائر، تصرخ على قبره، مستوحشة لجسدها، و الطائر ذكر البوم و هو الصدى. و في ذلك يقول توبة الحميري‏ (1) أحد عشاق العرب:

و لو أن ليلى الأخيلية سلمت # علي و دوني جندل و صفائح

لسلمت تسليم البشاشة أوزقا # إليها صدى من جانب القبر صائح‏

فيقال: إنها مرت بقبره فأنشدت ذلك فارتفع شي‏ء من القبر كالطائر، نفرت منه ناقتها فسقطت ميتة و دفنت إلى جانبه. و البوم أصناف و كلها تحب الخلوة بأنفسها و التفرد و في أصل طبعها عداوة الغربان. و في تاريخ ابن النجار أن كسرى قال لعامل له: صد لي شر الطير، و اشوه بشر الوقود، و أطعمه شر الناس، فصاد بومة و شواها بحطب الدفلى و أطعمها ساعيا. و في سراج الملوك للإمام أبي بكر الطرطوشي، في الباب السابع و الأربعين أن عبد الملك بن مروان، أرق ليلة فاستدعى سميرا له يحدثه، فكان فيما حدثه به أن قال: يا أمير المؤمنين كان بالموصل بومة و بالبصرة بومة، فخطبت بومة الموصل إلى بومة البصرة بنتها لابنها، فقالت بومة البصرة: لا أفعل إلا أن تجعلي لي صداقها مائة ضيعة خراب. فقالت بومة الموصل: لا أقدر على ذلك الآن و لكن إن دام و الينا، سلمه اللّه علينا، سنة واحدة فعلت لك ذلك. قال: فاستيقظ لها عبد الملك، و جلس للمظالم و أنصف الناس بعضهم من بعض، و تفقد أمور الولاة. و رأيت في بعض المجاميع، بخط بعض العلماء الأكابر، أن المأمون أشرف يوما من قصره فرأى رجلا قائما و بيده فحمة و هو يكتب بها على حائط قصره، فقال المأمون لبعض خدمه: اذهب إلى ذلك الرجل، و انظر ما يكتب و ائتني به. فبادر الخادم إلى الرجل مسرعا و قبض عليه و تأمل ما كتبه فإذا هو:

يا قصر جمع فيك الشوم و اللوم # متى يعشش في أركانك البوم

يوم يعشش فيك البوم من فرحي # يكون أول من ينعيك مرغوم‏

ثم إن الخادم قال له: أجب أمير المؤمنين: فقال له الرجل: سألتك باللّه لا تذهب بي إليه.

فقال الخادم: لا بد من ذلك. ثم ذهب به فلما مثل بين يدي المأمون، أعلمه الخادم بما كتب.

فقال المأمون: ويلك ما حملك على هذا؟فقال: يا أمير المؤمنين إنه لن يخفى عليك ما حواه قصرك هذا من خزائن الأموال و الحلى و الحلل و الطعام و الشراب و الفراش و الأواني و الأمتعة و الجواري و الخدم و غير ذلك، مما يقصر عنه وصفي و يعجز عنه فهمي، و إني يا أمير المؤمنين قد مررت الآن

____________

(1) توبة بن الحمير بن حزم بن كعب بن خفاجة العقيلي العامري أبو حرب: شاعر من عشاق العرب، كان يهوى ليلى الأخيلية و لم يتزوجها، و تغزل بها، قتل سنة 85 هـ-. و البيتان في الحيوان للجاحظ: 2/299.

233

عليه و أنا في غاية من الجوع و الفاقة، فوقفت مفكرا في أمري، و قلت في نفسي: هذا القصر عامر عال، و أنا جائع و لا فائدة لي فيه، فلو كان خرابا و مررت به لم أعدم منه رخامة أو خشبة أو مسمارا أبيعه، و أتقوت بثمنه أ و ما علم أمير المؤمنين ما قال الشاعر؟قال: و ما قال الشاعر؟قال:

إذا لم يكن للمرء في دولة امرئ # نصيب و لا حظ تمنى زوالها

و ما ذاك من بغض لها غير أنه # يرجي سواها فهو يهوى انتقالها

فقال المأمون: اعطه يا غلام ألف دينار. ثم قال له: هي لك في كل سنة ما دام قصرنا عامرا بأهله و أنشدوا في معنى ذلك:

إذا كنت في أمر فكن فيه محسنا # فعما قليل أنت ماض و تاركه

فكم دحت الأيام أرباب دولة # و قد ملكوا أضعاف ما أنت مالكه‏

الحكم:

يحرم أكل جميع أنواعها. قال الرافعي: ذكر أبو عاصم العبادي أن البوم حرام كالرخم، و كذلك الضوع. و عن الشافعي رحمه اللّه قول إنه حلال، و هذا يقتضي أن الضوع غير البوم. لكن في الصحاح أن الضوع طائر من طير الليل من جنس الهام. و قال المفضل: إنه ذكر البوم فعلى هذا إذا كان في الضوع قول، لزم إجراؤه في البوم لأن الأنثى و الذكر من الجنس الواحد لا يختلفان في الحل و الحرمة ا هـ. و قال في الروضة: الأشهر أن الضوع من جنس الهام فنحكم بتحريمه.

فائدة:

روى ابن السني عن الحسن بن علي بن أبي طالب رضي اللّه تعالى عنهما قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: «من ولد له مولود فأذن في أذنه اليمنى و أقام في أذنه اليسرى لم تضره أم الصبيان‏ (1) » . و كان عمر بن عبد العزيز رحمه اللّه تعالى يفعله. و اختلف في أم الصبيان فقيل البومة كما تقدم، و قيل: التابعة من الجن.

الخواص:

إذا ذبح البوم بقيت إحدى عينيه مفتوحة و الأخرى مضمومة، فالمفتوحة إذا جعلت تحت فص خاتم، من لبسه سهر ما دام عليه، و الأخرى بالعكس.

قال الطبري: فإذا اشتبه عليك المنومة من المسهرة فاجعلهما في الماء فالتي ترتفع على الماء هي المسهرة، و التي ترسب هي المنومة. و قال هرمس: إذا أخذ قلب بومة و جعل على اليد اليسرى من المرأة في حال نومها تكلمت بكل ما فعلته في يومها. و الاكتحال بمرارتها ينفع من ظلمة البصر.

و قلب البومة الكبيرة إذا قلع و شد في جلد ذئب و علق على العضد أمن حامل ذلك من اللصوص و سائر الهوام و لم يخف أحدا من الناس. و إن اكتحل بمذاب شحمها فأي مكان دخله بالليل رآه مبيضا. و هي تبيض بيضتين إحداهما تخلق و الأخرى لا تخلق، فإن أردت معرفة التي تخلق من التي لا تخلق فأدخل فيها ريشة فالتي تخلق تبين لك تخلقها الريشة.

التعبير

: البوم في المنام لص مكار، و قيل ملك مهيب تشق مرائر الرعية هيبته. و يدل على البطالة و ذهاب الخوف لأنه من طيور الليل و اللّه أعلم.

____________

(1) رواه البخاري في بدء الخلق: 11. و الترمذي في النكاح: 8. و الدارمي في النكاح: 29.

234

البوّة:

بضم الباء و تشديد الواو طائر يشبه البوم إلا أنه أصغر منه و الأنثى بوهة و يشبه بها الرجل الأحمق قال امرؤ القيس:

أيا هند لا تنكحي بوهة # عليه عقيقته أحسبا (1)

الأحسب من الناس الذي في شعره شقرة وصفه باللؤم و الشح، يقول كأنه لم تخلق عقيقته في صغره حتى شاخ. و قيل: إنه الرجل الضعيف الطائش. و البوهة ما أطارته الريح و البوه ذكر البوم و قيل البوه الكبير من اليوم قال‏ (2) رؤبة يذكر كبره:

كالبوة تحت الظلمة المرشوش.

و قيل: البوه طائر يشبه البوم و قيل: الأحسب الذي ابيض جلده من داء ففسدت شعرته فصار أحمر و أبيض و يكون ذلك في الناس و الإبل. و قيل الأحسب الأبرص. و حكمه و خواصه و تعبيره كالبوم في جميع ما تقدم.

بوقير

: قال القزويني: إنه طائر أبيض تجي‏ء منه طائفة كل سنة، في وقت معلوم، إلى جبل يقال له جبل الطير بصعيد مصر بقرب انصنا بلدة مارية أم إبراهيم ابن النبي صلى اللّه عليه و سلم، فتتعلق على هذا الجبل، و فيه كوة يأتي كل واحد منها و يدخل رأسه فيها ثم يخرجه و يلقي نفسه في النيل ثم يخرج و يذهب من حيث جاء. و لم تزل هكذا حتى يدخل واحد منها رأسه فيها فيقبض عليه شي‏ء من تلك الكوة فيضطرب و يبقى معلقا حتى يتلف ثم يسقط بعد مدة فإذا تعلق ذلك الطائر انصرف الباقون في الحال فلا يرى شي‏ء من ذلك الطير في ذلك الجبل إلى مثل ذلك الزمان من العام المقبل. قال أبو بكر الصولي‏ (3) : سمعت من أعيان تلك البلاد أنه إذا كان العام مخصبا قبضت تلك الكوة على طائرين و إن كان متوسطا قبضت على طائر واحد و إن كان مجدبا لم تقبض على شي‏ء.

البينيب:

على وزن فيعيل سمك بحري معروف عند أهل البحر.

البياح:

بكسر الباء مخففا ضرب من السمك و ربما فتح و شدد قاله الجوهري.

أبو براقش:

طائر كالعصفور يتلون ألوانا قال الشاعر:

كأبي براقش كل يو # م لونه يتخيل‏

يضرب به المثل في التنقل و التحول. و قال القزويني: إنه طائر حسن الصوت، طويل الرقبة و الرجلين، أحمر المنقار في حجم اللقلق، يتلون في كل ساعة يكون أحمر و أزرق و أخضر و أصفر.

قال: و لم يحضرني شي‏ء من خواصه.

____________

(1) ديوان امرئ القيس: 74.

(2) ديوانه: 79. و شطره: في هبريات الكرسف المنقوش.

(3) محمد بن يحيى بن عبد اللّه، أبو بكر الصولي، الشطرنجي، عالم أديب، نادم ثلاثة من الخلفاء العباسيين. له مصنفات كثيرة. مات سنة 335 هـ-.

235

أبو برا:

طائر يسمى السموأل و سيأتي في باب السين المهملة إن شاء اللّه تعالى.

أبو بريص:

بفتح الباء هو الوزغ الذي يسمى سام أبرص. و سيأتي الكلام عليه في باب السين و الواو في لفظ الوزغ و سام أبرص إن شاء اللّه تعالى.

باب التاء المثناة

التالب:

الوعل و الأنثى تالبة حكاه ابن سيده. و سيأتي الكلام عليه في باب الواو و في لفظ الوعل إن شاء اللّه تعالى.

التبيع:

ولد البقرة أول سنة. و بقرة تبيع معها ولدها و الأنثى تبيعة و الجمع تباع و تبائع مثل أفيل و إفال و أفائل. و قد تقدم في باب الهمزة روى الإمام مالك في الموطأ و أبو داود الترمذي و النسائي و آخرون عن معاذ بن جبل رضي اللّه تعالى عنه، قال: «بعثني رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم إلى اليمن و أمرني أن آخذ من كل أربعين بقرة بقرة، و من كل ثلاثين مسنة تبيعا أو تبيعة (1) » . قال الترمذي:

حديث حسن، و روي مرسلا و هو أصح. و المسنة: ما استكملت سنتين و دخلت في الثالثة.

و التبيع هو الذي يتبع أمه، و إن كان له دون سنة. قال الرافعي: و حكى جماعة أن التبيع الذي له ستة أشهر و المسنة التي لها سنة و هذا غلط ليس معدودا من المذهب.

التبشر

: في أدب الكاتب لابن قتيبة أنه بفتح التاء المثناة من فوق و بالباء الموحدة ثم بالشين المعجمة و قيل بضم التاء و فتح الباء الموحدة و تشديد الشين المعجمة طائر يقال له الصفارية، و التاء فيه زائدة و سيأتي الكلام عليه في باب الصاد المهملة إن شاء اللّه تعالى.

التثفل:

بضم التاء أوله و سكون الثاء المثلثة كقنفذ ولد الثعلب و التاء فيه زائدة.

التدرج‏

: كحبرج طائر كالدراج، يغرد في البساتين بأصوات طيبة، يسمن عند صفاء الهواء و هبوب الشمال، و يهزل عند، كدورته و هبوب الجنوب. يتخذ داره في التراب اللين و يضع البيض فيها لئلا يتعرض للآفات. و قال ابن زهر هو طائر مليح يكون بأرض خراسان و غيرها من بلاد فارس.

و حكمه‏

: الحل لعدم استخباثه، و إن كان نوعا من الدراج و سيأتي في بابه إن شاء اللّه تعالى.

الخواص‏

: لحمه من أفضل لحوم الطير يزيد في الفهم و الباه. و إذا أخذت مرارته و سعط بها من به خبل أو وسواس نفعه و إن شوي لحمه و أطعم منه و هو حار ثلاثة أيام أبرأه.

التخس:

كصرد الدلفين و سيأتي في باب الدال المهملة إن شاء اللّه تعالى.

التفلق:

كزبرج طائر من طير الماء قاله في العباب.

____________

(1) رواه مالك في الموطأ: زكاة 24-و النسائي زكاة 8-و الدارمي زكاة 5.

236

التفه‏

: و يسمى عناق الأرض، و الغنجل: نوع من السباع نحو الكلب الصغير على شكل الفهد، و صيده في غاية الجودة و الملاحة، و ربما واثب الإنسان فيعقره و لا يطعم غير اللحوم. و ربما صاد الكركي و ما قاربه من الطير، فيفعل به فعلا حسنا. و قد وصفه الناشئ‏ (1) في أبيات منها:

حلو الشمائل في أجفانه وطف # صافي الأديم هضيم الكشح ممسود (2)

فيه من البدر أشباه توافقه # منها له سفع في وجهه سود

كوجه ذا وجه هذا في تدوره # كأنه منه في الأجفان معدود

له من الليث ناباه و مخلبه # و من غرير الظباء النحر و الجيد (3)

إذا رأى الصيد أخفى شخصه أدبا # و قلبه باقتناص الطير مزءود (4)

الحكم:

يحرم أكله لعموم النهي عن أكل كل ذي ناب و مخلب من السباع. و قال بعض أصحابنا: إنه السنور البري و إنه قريب من الثعلب و إنه على شكل السنور الأهلي و في حكمه وجهان: أصحهما التحريم لأنه يأكل الفأر.

الأمثال:

قالت‏ (5) العرب: «أغنى من التفه عن الرفه» . و الرفه التبن. و الأصل فيهما رفهة و تفهة قال حمزة: و جمعهما تفات و رفات قال الشاعر:

غنينا عن حديثكم قديما # كما غنى التفات عن الرفات‏

و يقال‏ (6) أيضا: «استغنت التفه عن الرفه» . و ذلك أن التفه سبع لا يقتات الرفه أصلا، و إنما يغتذي باللحم فهو يستغني عن التبن، و المعروف في التفه و الرفه تخفيف الفاء و قال الأستاذ أبو بكر: هما مشددتان. و قد أوردهما الجوهري في باب الهاء فقال: التفه و الرفه، و في الجامع مثله، إلا أنه قال: و يخففان. و أما الأزهري‏ (7) فإنه أورد الرفه في باب الرفت، بمعنى الكسر. و قال ثعلب عن ابن الأعرابي: الرفت التبن: و في المثل: «أغنى من التفه عن الرفت» قال الأزهري:

و التفه تكتب بالهاء، و الرفت بالتاء قال الميداني: و هذا من أصح الأقوال لأن التبن مرفوت أي مكسور.

التم:

طائر نحو الإوز في منقاره طول و عنقه أطول من عنق الأوز.

و حكمه‏

: الحل لأنه من الطيبات.

____________

(1) عبد اللّه بن محمد، الناشئ الأنباري أبو العباس سكن مصر و مات فيها سنة 293 هـ-.

(2) هضيم الكشح: ضامر البطن.

(3) غرير الظباء: الظباء الصغار. النحر: الصدر.

(4) مزءود: فزع.

(5) جمهرة الأمثال: 2/75.

(6) جمهرة الأمثال: 2/75.

(7) الأزهري: محمد بن أحمد بن الأزهر الهروي، أبو منصور. إمام في اللغة و الأدب مولده و وفاته بخراسان سنة 370 هـ-. من مؤلفاته تهذيب اللغة و غريب الألفاظ.

237

التمساح:

اسم مشترك بين الحيوان المعروف و الرجل الكذاب، قال القزويني: و هذا الحيوان على صورة الضب و هو من أعجب حيوان الماء، له فم واسع و ستون نابا في فكه الأعلى و أربعون في فكه الأسفل، و بين كل نابين سن صغيرة مربعة و يدخل بعضها في بعض عند الانطباق. و له لسان طويل، و ظهر كظهر السلحفاة لا يعمل الحديد فيه، و له أربع أرجل و ذنب طويل، و هذا الحيوان لا يكون إلا في نيل مصر خاصة. و زعم قوم أنه في بحر السند أيضا، و هو شديد البطش في الماء لا يقتل إلا من إبطيه، و يعظم حتى يكون طوله عشرة أذرع في عرض ذراعين و أكثر. و يفترس الفرس. و إذا أراد السفاد خرج هو و الأنثى إلى البر فيلقي الأنثى على ظهرها و يستبطنها فإذا فرغ قلبها لأنها لا تتمكن من الانقلاب لقصر يديها و رجليها و يبس ظهرها.

و هو إذا تركها على تلك الحال، لم تزل كذلك حتى تقلب. و تبيض في البر، فما وقع من ذلك في الماء صار تمساحا و ما بقي صار سقنقورا.

و من عجائب أمره أنه ليس له مخرج فإذا امتلأ جوفه بالطعام خرج إلى البر و فتح فاه، فيجي‏ء طائر يقال له القطقاط فيلقط ذلك من فيه. و هو طائر أرقط صغير يأتي لطلب المطعم، فيكون في ذلك غذاء له و راحة للتمساح، و لهذا الطائر في رأسه شوكة، فإذا أغلق التمساح فمه عليه نخسه بها فيفتحه. و سيأتي ذكر هذا الطائر إن شاء اللّه تعالى. و زعم بعض الباحثين عن طبائع الحيوان، أن للتمساح ستين سنا و ستين عرقا. و يسفد ستين مرة، و تبيض الأنثى ستين بيضة و يعيش ستين سنة. و قال أبو حامد الأندلسي: إن له ثمانين نابا أربعون نابا في الفك الأعلى و أربعون في الفك الأسفل و هو أبدا يحرك فكه الأعلى و فكه الأسفل. عظمه متصل بصدره و ليس له دبر و له فرج ينسل منه. و هو شر من كل سبع في الماء. و من شأنه أنه يغيب في باطن الماء أربعة أشهر، مدة الشتاء كله و لا يظهر. و الكلب البحري عدوه فإذا نام فتح فاه فيطرح كلب الماء نفسه في الطين و يتجفف ثم يأتيه مفاجأة فيدخل فاه و يأكل أمعاءه و يخرج من مراق بطنه بعد أن يقتله و كذلك يفعل معه ابن عرس أيضا.

و حكمه‏

: تحريم الأكل للعدو بنابه كذا علله جماعة من الأصحاب. و قال الشيخ محب الدين الطبري، في شرح التنبيه: القرش حلال. ثم قال: فإن قلت أ ليس هو مما يتقوى بنابه؟فهو كالتمساح. و الصحيح تحريم التمساح. قلت لا نسلم أن ما يتقوى بنابه من حيوان البحر حرام. و إنما حرم التمساح كما قال الرافعي في الشرح للخبث و الضرر نعم كلام التنبيه يقتضي أن تحريمه لكونه مما يتقوى بنابه و لا ينبغي تعليل تحريمه بذلك فإن في البحر حيوانا كثيرا يفترس بنابه كالقرش و غيره و هو حلال و لا ريب في أن البحري مخالف للبري. ا هـ و هو الظاهر و اللّه أعلم.

الأمثال:

قالوا (1) «أظلم من تمساح» و «كافأه مكافأة التمساح» .

الخواص:

عينه تشد على صاحب الرمد، يسكن وجعه في الحال، اليمنى لليمنى و اليسرى لليسرى. و إذا عجن شحمه بشمع و جعل فتيلة و أسرج في نهر لم تصح ضفادعه. و إذا

____________

(1) جمهرة الأمثال: 2/28.

238

قطر شحمه في الأذن الوجعة شفاها. و إذا أدمن تقطيره في الأذن نفع الصمم. و مرارته يكتحل بها للبياض الذي في العين فيذهب. و إذا علق شي‏ء من أسنانه التي في الجانب الأيمن على الرجل، زاد جماعه. و قال القزويني، في عجائب المخلوقات: أول سن من الجانب الأيسر يشد على صاحب القشعريرة يذهبها. و كبده يبخر به صاحب الصرع يزول صرعه. و قطعة من جلده تشد على جبهة الكبش يغلب الكباش. و زبله الذي يوجد في بطنه يزيل البياض الحادث و القديم اكتحالا، و رائحته كرائحة المسك و تقول القبط إنه المسك إلا أنه فيه سهوكة.

التعبير:

التمساح في المنام عدوّ مسلط و هو نظير الأسد و قيل: التمساح لص مكابر ذو مكر و غدر و خديعة.

التميلة:

دويبة بالحجاز على قدر الهرة و الجمع تملان قاله ابن سيده.

التنوّط:

في الكفاية لابن الرفعة أنه بضم التاء و كسر الواو و يجوز فتح التاء المشددة و فتح النون و ضم الواو المشددة. و قال غيره: هو طائر يجوز في واوه الضم و الفتح قال الأصمعي: إنما سمي بذلك لأنه يدلي خيطا من شجرة يفرخ فيها الواحدة تنوطة. و من شأن هذا الطائر أنه إذا أقبل عليه الليل يتنقل في زوايا بيته و يدور فيها و لا يأخذه قرار إلى الصبح خوفا على نفسه و هذا الطائر هو الصفا. و سيأتي في بابه إن شاء اللّه تعالى.

و حكمه:

الحل لأنه من نوع العصافير.

الخواص:

قال القزويني في عجائب المخلوقات: يذبح التنوط بسكين و يسقى دمه لمن يعربد في سكره فلا يعود إلى ذلك أبدا و مرارته تطبخ بالسكر و تسقى لصبي فيحسن خلقه.

و عظمه يعلق على الصبي وقت زيادة القمر فيبقى محبوبا إلى الناس و لو كان كريه اللقاء.

التنين:

ضرب من الحيات كأكبر ما يكون منها و كنيته أبو مرداس و هو أيضا نوع من السمك. و قال القزويني في عجائب المخلوقات: إنه شر من الكوسج، في فمه أنياب مثل أسنة الرماح. و هو طويل كالنخلة السحوق، أحمر العينين مثل الدم، واسع الفم و الجوف، براق العينين يبتلع كثيرا من الحيوان، يخافه حيوان البر و البحر، إذا تحرك يموج البحر لشدة قوته و أول أمره يكون حية متمردة تأكل من دواب البر ما ترى، فإذا كثر فسادها، احتملها ملك و ألقاها في البحر، فتفعل بدواب البحر ما كانت تفعله بدواب البر، فيعظم بدنها فيبعث اللّه إليها ملكا يحملها و يلقيها إلى يأجوج و مأجوج. روي عن بعضهم أنه رأى تنينا طوله نحو من فرسخين، و لونه مثل لون النمر مفلسا مثل فلوس السمك بجناحين عظيمين، على هيئة جناحي السمك، و رأسه كرأس الإنسان لكنه كالتل العظيم، و أذناه طويلتان و عيناه مدورتان كبيرتان جدا. روى ابن أبي شيبة عن أبي سعيد الخدري رضي اللّه تعالى عنه أن النبي صلى اللّه عليه و سلم قال: «يسلط اللّه على الكافر في قبره تسعة و تسعين تنينا تنهشه و تلدغه، حتى تقوم الساعة لو أن تنينا منها نفخ على الأرض ما نبتت خضرا» .

و رواه‏ (1) الترمذي عنه مطولا. قال: دخل رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم يوم مصلاه، فرأى ناسا كأنهم يكشرون

____________

(1) رواه الدارمي في الرفاق: 94، و ابن حنبل: 3/38.

239

فقال: أما أنكم لو أكثرتم ذكر هاذم اللذات لشغلكم عما أرى، أكثروا ذكر هاذم اللذات فإنه لم يأت على القبر يوم إلا تكلم فيه فيقول: أنا بيت الغربة، أنا بيت الوحدة، أنا بيت التراب، أنا بيت الدود و الهوام. فإذا دفن العبد المؤمن قال له القبر: مرحبا و أهلا، أما إن كنت لمن أحب من يمشي على ظهري إلي فمذ وليتك اليوم و صرت إلي فسترى صنيعي بك قال: فيتسع له قبره مد بصره، و يفتح له باب إلى الجنة و إذا دفن العبد الكافر أو الفاجر، يقول له القبر: لا مرحبا و لا أهلا أما إن كنت لمن أبغض من يمشي على ظهري إلي فمذ وليتك اليوم و صرت إلي فسترى صنيعي بك، فيلتئم عليه حتى يلتقي و تختلف أضلاعه. قال: و قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: بأصابع يديه هكذا و شبكها. ثم يقيض له تسعون تنينا أو تسعة و تسعون تنينا لو أن واحدا منها نفخ في الأرض ما أنبتت شيئا ما بقيت الدنيا فتنهشه و تخدشه حتى يبعث إلى الحساب‏ (1) » . قال: و قال‏ (2)

رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: «إنما القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار» . و روى الأئمة أن موسى عليه الصلاة و السلام لما قال لشعيب عليه الصلاة و السلام: أَيَّمَا اَلْأَجَلَيْنِ (3) الآية.

أمره لما جن الليل أن يدخل بيتا عينه له، و يأخذ منه عصا من العصي التي فيه دخل موسى البيت، و أخذ العصا التي أخرجها آدم معه من الجنة، و كانت من آس الجنة، فتوارثها الأنبياء عليهم الصلاة و السلام، حتى صارت إلى شعيب عليه السلام، فأمره أن يلقيها في البيت و يدخل و يأخذ عصا أخرى فدخل و أخرجها، كذلك سبع مرات فعلم شعيب أن لموسى شأنا، فلما أصبح قال له سق الأغنام إلى مفرق الطريق، ثم خذ عن يمينك، و ليس بها عشب كثير، و لا تأخذ عن يسارك فإنها و إن كان بها عشب كثير، ففيها تنين كبير يقتل المواشي فساق موسى الأغنام إلى مفرق الطريق، فأخذت نحو اليسار و لم يقدر على ردها فسرحها في الكلأ، ثم نام فخرج التنين فحاربته العصا حتى قتلته فلما انتبه موسى رأى العصا مخضوبة بالدم و التنين مقتولا، فعاد إلى شعيب فأخبره الخبر فسر بذلك، و قال: كل ما ولدت هذه المواشي ذا لونين في هذه السنة فهو لك. فقدر اللّه تعالى أن ولدت كلها في تلك السنة ذا لونين. فعلم شعيب أن لموسى عند اللّه مكانة، فأقام عنده ثمانيا و عشرين سنة إلى أن تمت له أربعون سنة ثم خرج عنه بأهله.

و أما حكمه‏

: فعلى ما قال القزويني أكله حرام لكونه من جنس الحيات و على أنه سمك يؤذي بنابه فالظاهر التحريم أيضا كالتمساح.

الخواص:

زعموا أن أكل لحمه يورث الشجاعة و دمه إذا طلي به على الذكر و جامع امرأته حصل لها لذة عظيمة.

التعبير:

التنين في المنام ملك فإن كان له رأسان أو ثلاثة فهو أشد لشره. و المريض إذا رأى تنينا دل على موته. و من الرؤيا المعبرة أن امرأة رأت في منامها كأنها وضعت تنينا فولدت ولدا زمنا و ذلك لأن التنين يجر نفسه إذا مشى و كذلك الزمن يجر نفسه.

____________

(1) رواه الترمذي في القيامة: 26، و الدارمي في الرفاق: 94، و أحمد: 3، 38.

(2) رواه الترمذي في القيامة: 26.

(3) سورة القصص: الآية 28. و تمامها: أيما الأجلين قضيت فلا عدوان عليّ.

240

التورم:

القطقاط: قال ابن بختيشوع: هو على شكل الحمامة، و يقال له طير التمساح قال: و في جناحه شوكتان هما سلاحه إذا أطبق عليه التمساح فمه نخسه، فيفتح فاه فيخرج كما تقدم قال: و من خواصه إذا أخذتا يعني الشوكتين أو إحداهما و صيرتا في موضع قد بال فيه إنسان مرض ذلك الإنسان، و لم يزل مريضا حتى تنزع الشوكة من ذلك المكان الذي بال فيه، و إذا علق قلبه على من به وجع المعدة أبرأه اللّه تعالى.

التولب:

الجحش قالوا (1) «أطوع من تولب» . قال سيبويه: هو مصروف لأنه فوعل.

و يقال للأتان أم تولب و سيأتي حكمه في باب الحاء المهملة إن شاء اللّه تعالى.

التيس:

الذكر من المعز و الوعول و الجمع تيوس و أتياس قال الهذلي:

من فوقه أنسر سود و أغربة # و تحته أعنز كلف و أتياس‏

و التياس الذي يمسكه، و يقال: في فلان تيسية و ناس يقولون تيوسية. قال الجوهري: و لا أعرف صحتها. و يقال للذكر من الضباء أيضا تيس و يقال نب التيس ينب نبيبا إذا صاح و هاج و قد مثل النبي صلى اللّه عليه و سلم بذلك فيما روى مسلم عن جابر بن سمرة رضي اللّه تعالى عنه قال‏ (2) : «أتي رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم برجل قصير أشعث، ذي عضلات عليه إزار قد زنى فرده مرتين ثم أمر به فرجم فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم كلما نفرنا غازين في سبيل اللّه تخلف أحدكم ينب نبيب التيس يمنح إحداهن الكثبة إن اللّه لا يمكنني من أحد منهم إلا جعلته نكالا أو نكلته» . و في كامل ابن عدي في ترجمة إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة من حديث عائشة رضي اللّه تعالى عنها أن النبي صلى اللّه عليه و سلم بعث إلى سعد بن أبي وقاص رضي اللّه تعالى عنه بقطيع من غنم يقسمها بين أصحابه فبقي منها تيس فضحى به. و فيه في ترجمة أبي صالح كاتب الليث بن سعد و اسمه عبد اللّه بن صالح عن عقبة بن عامر أن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم قال: «أ لا أخبركم بالتيس المستعار هو المحلل» . ثم قال: «لعن اللّه المحلل و المحلل له» . (3) و الحديث المذكور رواه الدارقطني و ابن ماجة عن كاتب الليث بن سعد عن مشرح بن هاعان المصري عن عقبة بن عامر بإسناد حسن. و كذلك رواه الحاكم و قال: صحيح الإسناد. قيل: إنما لعنه النبي صلى اللّه عليه و سلم مع حصول التحليل لأن التماس ذلك هتك للمروءة و الملتمس ذلك هو المحلل له، و إعارة التيس للوطء. لغرض الغير أيضا رذيلة. و لذلك شبهه بالتيس المستعار و إنما يكون كالتيس المستعار إذا سبق التماس من المطلق، و العرب تعير بإعارة التيس قال الشاعر:

و شر منيحة تيس معار.

و في آخر شفاء الصدور لابن سبع السبتي عن علي بن عبد اللّه بن عباس رضي اللّه تعالى

____________

(1) جمهرة الأمثال: 1/150، و لفظه: «أتبع من تولب» .

(2) رواه مسلم في الحدود: 17، 18، 20. و أبو داود في الحدود: 23، و الدارمي في الحدود: 12 و رواه ابن حنبل: 5، 86، 87، 102، 103.

(3) رواه ابن ماجة في النكاح: 33. و أبو داود في النكاح: 15. و الترمذي في النكاح: 28 و رواه النسائي في الطلاق: 13، و الدارمي في النكاح: 53.

241

عنهم قال: كنت مع أبي بعد ما كف بصره و هو بمكة فمررنا على قوم من أهل الشام في صفة زمزم، فسبوا علي بن أبي طالب رضي اللّه تعالى عنه فقال لسعيد بن جبير و هو يقوده: ردني إليهم فرده فقال: أيكم الساب للّه و لرسوله فقالوا: سبحان اللّه ما فينا أحد سب اللّه و رسوله. فقال: أيكم الساب لعلي؟قالوا: أما هذا فقد كان. فقال ابن عباس إني أشهد لسمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم يقول‏ (1) : «من سب عليا فقد سبني و من سبني فقد سب اللّه و من سب اللّه كبه اللّه تعالى على منخريه في النار» . ثم ولى عنهم فقال: يا بني ما رأيتهم صنعوا فقلت يا أبت:

نظروا إليك بأعين محمرة # نظر التيوس إلى شفار الجازر

فقال زدني يا بني فقلت:

شزر العيون منكسي أذقانهم # نظر الذليل إلى العزيز القاهر

اهـ- و في تهذيب الكمال، في ترجمة عبد العزيز بن منيب القرشي، و كان طويل اللحية أن علي بن حجر السعدي نظر إليه و قال:

ليس بطول اللحى # تستوجبون القضا

إن كان هذا كذا # فالتيس عدل رضا

قال: و مكتوب في التوراة لا يغرنك طول اللحى فإن التيس له لحية. و سيأتي في المعز بيان حكمه. و في تاريخ الإسلام للعلامة الذهبي أن في سنة تسع و تسعين و مائتين وردت هدايا مصر على المقتدر فيها خمسمائة ألف دينار و تيس له ضرع يحلب لبنا و ضلع إنسان عرض شبر في طول أربعة عشر شبرا، و في كتاب الترغيب و الترهيب في باب ذم الحاسد من حديث نافع عن ابن عمر رضي اللّه تعالى عنهما أن النبي صلى اللّه عليه و سلم قال: «يأتي على أمتي زمان يحسد فيه الفقهاء بعضهم بعضا و يغار بعضهم على بعض كتغاير التيوس بعضها على بعض» و في الحلية عن مالك بن دينار أنه قال: تجوز شهادة القراء في كل شي‏ء إلا شهادة بعضهم على بعض فإنهم أشد تحاسدا من التيوس في الزرب. ا هـ. قال الجوهري: الزرب و الزربية حظيرة الغنم من خشب. و في مروج الذهب للمسعودي و شرح السيرة للحافظ قطب الدين و غيرهما أن أم الحجاج بن يوسف، و هي الفارعة بنت همام، كانت تحث الحارث بن كلدة الثقفي‏ (2) ، حكيم العرب، فدخل عليها ليلة في السحر فوجدها، تتخلل فطلقها، فسألته عن سبب ذلك؟فقال: دخلت عليك في السحر فوجدتك تتخللين، فإن كنت بادرت الغداء فأنت شرهة، و إن كنت بت و الطعام بين أسنانك فأنت قذرة.

فقالت: كل ذلك لم يكن، لكني تخللت من شظايا السواك. فتزوجها بعده يوسف بن الحكم بن أبي عقيل الثقفي، فأولدها الحجاج و كان الحجاج مشوها لا دبر له فثقب دبره و أبى أن يقبل ثدي أمه و غيرها فأعياهم أمره فيقال: إن الشيطان تصور لهم في صورة الحارث بن كلدة فقال: ما خبركم

____________

(1) رواه أحمد: 6/323.

(2) الحارث بن كلدة الثقفي: طبيب، حكيم، من الطائف. اختلف في إسلامه. مات سنة 50 هـ-.

242

فقالوا: لنا ولد ليوسف من الفارعة، و قد أبى أن يقبل ثدي أمه. فقال: اذبحوا له تيسا أسود و ألعقوه دمه. ثم ذبحوا له أسود سالخا و أولغوه من دمه، و أطلوا به وجهه ثلاثة أيام فإنه يقبل الثدي في اليوم الرابع. ففعلوا به كذلك فقبل الثدي. و كان لا يصبر عن سفك الدماء و كان يخبر عن نفسه أن أكبر لذاته سفك الدماء. و ارتكب أمورا لا يقدر عليها غيره. و في تاريخ‏ (1) ابن خلكان أن عبد الملك بن مروان كتب إلى الحجاج كتابا يتهدده في آخره بهذه الأبيات:

إذا أنت لم تترك أمورا كرهتها # و تطلب رضاي بالذي أنا طالبه‏ (2)

و تخش الذي يخشاه مثلك هاربا # إليّ فها قد ضيع الدر جالبه

فإن ترمني غفلة قرشية # فيا ربما قد غصّ بالماء شاربه

و إن ترمني وثبة أموية # فهذا و هذا كله أنا صاحبه

فلا تأمنني و الحوادث جمة # فإنك تجزي بالذي أنت كاسبه‏ (3)

فأجابه الحجاج و قال في آخر جوابه: و أما ما أتاني من أمريك فألينهما غرة، و أصعبهما محنة، و قد عبأت للغرة الجلد و للمحنة الصبر، فلما قرأ عبد الملك كتابه قال: خاف أبو محمد صولتي و لن أعود إلى ما يكره. و كان الحجاج كثيرا ما يسأل القراء، فدخل عليه يوما رجل فقال له الحجاج: ما قبل قوله تعالى: أَمَّنْ هُوَ قََانِتٌ (4) ؟فقال له الآخر: قوله تعالى‏ (5) قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحََابِ اَلنََّارِ فما سأل أحدا بعدها. و قال الحجاج لرجل من أصحاب عبد الرحمن بن الأشعث‏ (6) : و اللّه إني لأبغضك. فقال الرجل: أدخل اللّه أشدنا بغضا لصاحبه الجنة. و كان أول ما ظهر من كفاءة الحجاج أنه كان في شرطة روح بن زنباع‏ (7) وزير عبد الملك بن مروان، و كان عسكر عبد الملك لا يرحل برحيله و لا ينزل بنزوله. فشكا عبد الملك ذلك لروح بن زنباع فقال له: يا أمير المؤمنين في شرطتي رجل يقال له الحجاج بن يوسف، لو ولاه أمير المؤمنين أمر العسكر، لأرحل الناس برحيل أمير المؤمنين و أنزلهم بنزوله. فولاه عبد الملك أمر العسكر فأرحل الناس برحيل عبد الملك و أنزلهم بنزوله. فرحل يوما عبد الملك و رحل الناس، و تأخر أصحاب روح بن زنباع عن الرحيل، فمرّ عليهم الحجاج و هم يأكلون، فقال لهم: ما بالكم لن ترحلوا مع العسكر؟فقالوا له: انزل و تغد ودع عنك هذا الكلام يا ابن اللخناء. فقال: هيهات ذهب ما هناك ثم أمر بهم فضربت أعناقهم، و بخيل روح فعرقبت، و بالفساطيط فأحرقت فبلغ ذلك

____________

(1) وفيات الأعيان: 2/35.

(2) في الوفيات: «... طلبت رضاي بالذي أنت طالبه» .

(3) في الوفيات: «... فإنك مجزي... » .

(4) سورة الزمر: الآية 9.

(5) سورة الزمر: الآية 8.

(6) ابن الأشعث: عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث بن قيس الكندي، أمير من القادة الدهاة، سيره الحجاج إلى سجستان فافتتح بعض قلاعها و لم يتوغل إلى داخلها، فاتهمه الحجاج بالضعف، فعاد إليه و قاتل جيشه و ظفر، و لكن، و بعد مواقع كثيرة قضي على ثورته و قتل سنة 85 هـ-.

(7) روح بن زنباع بن روح بن سلامة الجذامي، أبو زرعة، أمير فلسطين لعبد الملك بن مروان. مات سنة 84 هـ-.

243

روحا، فدخل على عبد الملك و قال: يا أمير المؤمنين انظر ما ذا جرى علي اليوم من الحجاج!فقال:

و ما ذاك؟قال: قتل غلماني و عرقب خيلي و أحرق فساطيطي فأمر بإحضار الحجاج، فلما حضر قال له عبد الملك: ويلك ما ذا فعلت اليوم مع سيدك روح بن زنباع؟فقال له: يا أمير المؤمنين إن يدي يدك و سوطي سوطك و ما على أمير المؤمنين أن يخلف لروح عوض الغلام غلامين، و الفرس فرسين، و الفسطاط فسطاطين، و لا يسكرني في العسكر. فقال له: افعل، فتم للحجاج ما يريد و قوي من ذلك اليوم أمره، و عظم شره. و كان هذا أول ما عرف من كفاءته. و للحجاج أخبار كثيرة و خطب بليغة: قال المبرد في الكامل: حدثني التوزي بإسناده عن عبد الملك بن عمير الليثي قال: بينما أنا في المسجد الجامع بالكوفة، و أهل الكوفة يومئذ ذوو حالة حسنة، يخرج الرجل منهم في العشرة و العشرين من مواليه إذ قيل: قدم الحجاج أميرا على العراق، فنظرت فإذا به قد دخل المسجد معتما بعمامة قد غطى بها أكثر وجهه، متقلدا سيفا متنكبا قوسا، يؤم المنبر فمال الناس نحوه، فصعد المنبر فمكث ساعة لا يتكلم فقال الناس بعضهم لبعض: قبح اللّه بني أمية حيث تستعمل مثل هذا على العراق!فقال عمير بن ضابئ البرجمي‏ (1) : أ لا أحصبه لكم؟فقيل: أمهل حتى ننظر. فلما رأى الحجاج أعين الناس ترمقه، حسر اللثام عن وجهه و نهض قائما ثم حمد اللّه و أثنى عليه و صلّى على النبي صلى اللّه عليه و سلم ثم قال‏ (2) :

أنا ابن جلا و طلاع الثنايا # متى أضع العمامة تعرفوني‏

ثم قال يا أهل الكوفة إني لأرى رءوسا قد أينعت و حان قطافها و إني لصاحبها، و كأني أنظر إلى الدماء بين العمائم و اللحى.

هذا أوان الشر فاشتدي زيم # قد لفها الليل بسواق حطم‏ (3)

ليس براعي إبل و لا غنم # و لا بجزار على ظهر و ضم‏

ثم قال:

قد لفها الليل بعصلبي # أروع خراج من الدوي‏ (4)

مهاجر ليس بأعرابي # معاود للطعن بالخطّي‏ (5)

ثم قال أيضا:

قد شمرت عن ساقها فشدوا # و جدّت الحرب بكم فجدّوا

و القوس فيها وتر عردّ # مثل ذراع البكر أو أشد

____________

(1) هو عمير بن ضابئ بن الحارث البرجمي، شاعر، من سكان الكوفة، و كان من الذين حاصروا عثمان بن عفان، و علم الحجاج ذلك فأمر به فقتل سنة 75 هـ-.

(2) البيت في وفيات الأعيان: 1/165 و نسبته إلى سحيم بن وثيل الرياحي.

(3) الزّيم: الغارة. و اسم فرس. و الشطر الأول يجري مجرى المثل. جمهرة الأمثال: 2/284.

(4) عصلبي: من العصلوب و هو القوي.

(5) الخطي: الرمح.

244

إني و اللّه يا أهل العراق، مما يقعقع لي بالشنان، و لا يغمز جانبي كتغماز التنين، و لقد فررت عن ذكاء، و فتشت عن تجربة، و إن أمير المؤمنين نثل كنانته، فعجم عيدانها عودا عودا فوجدني أمرها عودا، و أصلبها مكسرا، و أبعدها مرمى، فرماكم بي، لأنكم طالما أوضعتم في الفتنة، و اضطجعتم في مراقد الضلال، و اللّه لأحزمنكم حزم السلمة، و لأضربنكم ضرب غرابيب الإبل، فإنكم لكأهل قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم اللّه فأذاقها اللّه لباس الجوع و الخوف بما كانوا يصنعون. و إني و اللّه ما أقول إلا وفيت، و لا أهم إلا أمضيت، و لا أحلف إلا بريت و إن أمير المؤمنين أمرني بإعطائكم أعطياتكم، و أن أوجهكم لمحاربة عدوّكم مع المهلب بن أبي صفرة، و إني أقسم باللّه لا أجد رجلا تخلف بعد أن أخذ عطائه ثلاثة أيام، إلا ضربت عنقه. يا غلام اقرأ كتاب أمير المؤمنين فقرأ: بسم اللّه الرحمن الرحيم من عبد اللّه عبد الملك بن مروان أمير المؤمنين إلى من بالكوفة من المسلمين سلام عليكم فلم يقل أحد شيئا فقال الحجاج: اكفف يا غلام، ثم أقبل على الناس، فقال: أ يسلم عليكم أمير المؤمنين فلم تردّوا سلامه؟هذا أدب ابن سمية، أما و اللّه لأؤدّبنكم غير هذا الأدب، أو لتستقيمن. اقرأ يا غلام كتاب أمير المؤمنين فلما بلغ إلى قوله سلام عليكم لم يبق في المسجد أحد إلا قال و على أمير المؤمنين السلام. ثم نزل فوضع للناس أعطياتهم فجعلوا يأخذون، حتى أتاه شيخ يرعش كبرا فقال: أيها الأمير إني من الضعف على ما ترى ولي ابن هو أقوى مني على الأسفار أ فتقبله مني بدلا فقال له الحجاج: نفعل أيها الشيخ. فلما ولى، قال له قائل: أ تدري من هذا أيها الأمير؟قال:

لا، قال: هذا عمير بن ضابئ البرجمي الذي يقول‏ (1) أبوه:

هممت و لم أفعل و كدت و ليتني # تركت على عثمان تبكي حلائله‏

و دخل هذا الشيخ على عثمان رضي اللّه تعالى عنه، يوم الدار و هو مقتول، فوطئ بطنه و كسر ضلعين من أضلاعه، فقال: ردّوه، فلما ردّ قال له الحجاج: أيها الشيخ هلا بعثت إلى أمير المؤمنين عثمان بن عفان بديلا يوم الدار. إن في قتلك إصلاحا للمسلمين: يا حرسي اضرب عنقه.

تفسير ما في خطبة الحجاج من الكلام: قوله: أنا ابن جلا إنما أراد المنكشف الأمر، و لم يصرف جلا لأنه أراد الفعل فحكى. و الفعل إذا كان فيه فاعله مضمرا أو مظهرا لم يكن إلا حكاية. كقولك قرأت: اِقْتَرَبَتِ اَلسََّاعَةُ وَ اِنْشَقَّ اَلْقَمَرُ (2) لأنك حكيت و كذلك الابتداء و الخبر تقول قرأت: اَلْحَمْدُ لِلََّهِ رَبِّ اَلْعََالَمِينَ‏ (3) * قال الشاعر:

و اللّه ما زيد بنام صاحبه.

و هذه الكلمة لسحيم بن وثيل الرياحي، و إنما قالها الحجاج متمثلا و قوله طلاع الثنايا جمع ثنية و الثنية الطريق في الجبل و الطريق في الرمل، يقال لها: الجلد و إنما أراد جلد يطلع الثنايا في

____________

(1) الخبر و البيت في وفيات الأعيان: 2/34.

(2) سورة القمر: الآية 1.

(3) سورة الفاتحة: الآية 1.

245

ارتفاعها و صعوبتها. كما قال دريد (1) بن الصمة يرثي أخاه عبد اللّه:

كميش الإزار خارج نصف ساقه # بعيد من السوآت طلاع أنجد (2)

و النجد ما ارتفع من الأرض و قوله: إني لأرى رءوسا، قد أينعت، يريد أدركت يقال أينعت الثمرة إيناعا و ينعت ينعا و ينعا و يقرأ انظروا إلى ثمره إذا أثمر و ينعه و ينعه، و كلاهما جائز قال أبو عبيدة و هذا الشعر مختلف فيه فبعضهم ينسبه إلى الأحوص‏ (3) و بعضهم إلى يزيد بن معاوية (4) و هو:

و لها بالماطرون إذا # أكل النمل الذي جمعا

حرقة حتى إذا ارتفعت # سكنت من جلق نبعا

في قباب عند دسكرة # حولها الزيتون قد ينعا

و قوله: هذا أوان الشر فاشتدي زيم، يعني فرسا أو ناقة، و الشعر للحطيم القيسي. و قوله:

قد لفها الليل بسواق حطم. الحطم الذي لا يبقي من الخبز شيئا، يقال: رجل حطم إذا كان يأتي على الزاد لشدة أكله. و يقال للنار التي لا تبقي على شي‏ء حطمة. و قوله: على ظهر و ضم الوضم كل ما قطع عليه اللحم قال الشاعر:

و فتيان صدق حسان الوجوه # لا يجدون لشي‏ء ألم

من آل المغيرة لا يشهدو # ن عند المجازر لحم الوضم‏

و قوله قد لفها الليل بعصلبي: أي شديد أروع أي ذكي. و قوله خراج من الدوي: يقول خراج عن كل غماء و شدة، و يقال للصحراء دوية و هي التي تنسب للدو، و الدو صحراء ملساء لا علم بها و لا إمارة قال الحطيئة (5) :

و أني اهتدت و الدو بيني و بينها # و ما خلت ساري الدو بالليل يهتدي‏ (6)

و الداوية الفلاة المتسعة التي يسمع لها دوي بالليل، و إنما ذلك الدوي من أخفاف الإبل تنفسخ أصواتها فيها و جهلة الأعراب تقول: إن ذلك عزيف الجن. و قوله: و القوس فيها وتر عردّ أي شديد و يقال عرند. و قوله: إني و اللّه ما يقعقع لي بالشنان واحدها شن. و هي الجلد اليابس فإذا

____________

(1) دريد بن الصمة الجشحي البكري، من هوازن، شاعر سيد فارس أدرك الإسلام و لم يسلم، قتل في حنين سنة 8 هـ-.

(2) كميش الإزار: مشمّره. و البيت في ديوان دريد: 49.

(3) الأحوص: عبد اللّه بن محمد بن عبد اللّه بن عاصم الأنصاري، شاعر هجاء، نفاه الوليد بن عبد الملك، و عاد إلى دمشق أيام يزيد بن عبد الملك و مات فيها سنة 105 هـ-.

(4) يزيد بن معاوية بن أبي سفيان الخليفة الأموي المتوفي سنة 64 هـ-.

(5) الحطيئة: جرول بن أوس بن مالك العبسي، أبو مليكة، شاعر مخضرم، أدرك الجاهلية و الإسلام فأسلم، و كان سليط اللسان هجاء. مات سنة 45 هـ-.

(6) ديوان الخطيئة: 47.

246

قعقع به نفرت الإبل منه فضرب ذلك مثلا لنفسه، قال النابغة الذبياني‏ (1) :

كأنك من جمال بني أقيش # يقعقع بين رجليه بشن‏

و قوله: و لقد فررت عن ذكاء يعني عن تمام سن. و الذكاء على ضربين: أحدهما تمام السن و الآخر حدّة القلب، فما جاء في تمام السن قول قيس‏ (2) بن زهير العبسي جرى المذكيات غلاب و قول زهير (3) :

يفضله إذا اجتهدا عليه # تمام السن منه و الذكاء

و قوله: فعجم عيدانها عودا عودا: أي مضغها لينظر أيها أصلب. يقال: عجمت العود إذا مضغته و عضضته و المصدر العجم. يقال: عجمه عجما، و يقال لنوى كل شي‏ء عجم بفتح الجيم و من سكن فقد أخطأ قال الأعشى:

و جذعانها كلقيط العجم و قوله: طالما أوضعتم في الفتنة: الإيضاع ضرب من السير و له أخبار كثيرة تركناها كراهية التطويل. قال ابن خلكان: و لما حضرته الوفاة أحضر منجما و قال: هل ترى في علمك أن ملكا يموت؟قال: نعم، و لست هو. قال و كيف ذلك؟قال: لأن الملك الذي يموت اسمه كليب. فقال الحجاج: أنا هو و اللّه بذلك الاسم سمتني أمي فأوصى عند ذلك و كان ينشد في مرضه:

يا رب قد حلف الأعداء و اجتهدوا # أيمانهم أنني من ساكني النار

أ يحلفون على عمياء ويحهم # ما ظنهم بعظيم العفو غفار (4)

و توفي الحجاج سنة خمس و تسعين في خلافة الوليد بواسط، و دفن بها، و عفا قبره و أجري عليه الماء و لما مات لم يعلم بموته، حتى خرجت جارية من قصره و هي تقول:

اليوم يرحمنا من كان يغبطنا # و اليوم نتبع من كانوا لنا تبعا

فعلم بموته. و قال الحافظ الذهبي و ابن خلكان و غيرهما: أحصي من قتله الحجاج صبرا، سوى من قتل في حروبه، فبلغ مائة ألف و عشرين ألفا. و كذا رواه الترمذي في جامعه. و مات في حبسه خمسون ألف رجل، و ثلاثون ألف امرأة، منهن ستة عشر ألفا مجردات. و كان يحبس الرجال و النساء في موضع واحد. و عرضت سجونه بعده، فوجد فيها ثلاثة و ثلاثون ألفا لم يجب على أحد منهم لا قطع و لا صلب. و قال الحافظ ابن عساكر: إن سليمان بن عبد الملك، أخرج من كان في سجن الحجاج من المظلومين. و يقال: إنه أخرج في يوم واحد ثمانين ألفا. و يقال: إنه

____________

(1) النابغة الذبياني: زياد بن معاوية شاعر جاهلي فحل. و البيت في ديوانه: 190.

(2) قيس بن زهير بن جذيمة بن رواحة العبسي، من العقلاء، مات سنة 10 هـ-.

(3) زهير هو الشاعر زهير بن أبي سلمى، الحكيم الجاهلي. و البيت في ديوانه 16.

(4) البيت و ما قبله في وفيات الأعيان: 2/53 منسوبان إلى عبيد بن سفيان العكلي. و في البيت الثاني: «ما ظنهم بقديم... » .

247

أخرج من سجونه ثلاثمائة ألف. و قال ابن خلكان: و لم يكن لحبسه سقف يستر الناس من الشمس في الصيف، و لا من المطر في الشتاء، بل كان حوشا مبنيا بالرخام. و كان له غير ذلك من أنواع العذاب. و قيل: إنه سأل كاتبه يوما فقال: كم عدة من قتلنا في التهمة؟فقال ثمانون ألفا.

و كانت مدة ولايته على العراق عشرين سنة، و مات و له ثلاث و خمسون سنة. روي أنه ركب يوم جمعة، فسمع ضجة، فقال: ما هذا؟فقيل: المحبوسون يضجون و يشكون مما هم فيه، من الجوع و العذاب. فالتفت إلى ناحيتهم و قال: اِخْسَؤُا فِيهََا وَ لاََ تُكَلِّمُونِ (1) . فما صلى جمعة بعدها. و رأيت على حاشية تاريخ ابن خلكان بخط بعض المشايخ أن بعض العلماء كفره بهذا الكلام و غيره مما وقع منه. و في الكامل للمبرد: و مما كفر به الفقهاء الحجاج أنه رأى الناس يطوفون حول حجرة رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم فقال: إنما تطوفون بأعواد و رمة. قلت: و إنما كفروه بهذا لأن في هذا الكلام تكذيبا لرسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم نعوذ باللّه من اعتقاد ذلك. فإنه صح عنه صلى اللّه عليه و سلم أنه قال: «إن اللّه عزّ و جلّ حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء» أخرجه‏ (2) أبو داود و ذكر أبو جعفر الداودي هذا الحديث بزيادة ذكر الشهداء و العلماء و المؤذنين. و هي زيادة غريبة. قال السهيلي:

الداودي من أهل الفقه و العلم. و لكن روي عن أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز رحمه اللّه، أنه رأى الحجاج في المنام بعد موته و هو جيفة منتنة، فقال له: ما فعل اللّه بك قال: قتلني بكل قتيل قتلته قتلة واحدة إلا سعيد بن جبير (3) فإنه قتلني به سبعين قتلة. فقال له: ما أنت منتظر؟فقال ما ينتظره الموحدون فهذا مما ينفي عنه الكفر. و يثبت أنه مات على التوحيد و عند اللّه علم حاله و هو أعلم بحقيقة أمره.

تنبيه:

فإن قيل: ما الحكمة في أن اللّه تعالى قتل الحجاج بكل قتيل قتله قتلة واحدة إلا سعيد بن جبير رحمه اللّه تعالى؟و هو قد قتل عبد اللّه بن الزبير (4) رضي اللّه تعالى عنهما، و هو صحابي و سعيد بن جبير تابعي؟و الصحابي أفضل من التابعيّ فالجواب أن الحكمة في ذلك، أن الحجاج لما قتل عبد اللّه بن الزبير رضي اللّه تعالى عنهما كان له نظراء في العلم كثيرون كابن عمر و أنس بن مالك و غيرهما من الصحابة، و لما قتل سعيد بن جبير لم يكن له نظير في العلم في وقته.

و ذكر غير واحد من المصنفين أن الحسن البصري رحمه اللّه لما بلغه قتل سعيد بن جبير، قال: و اللّه لقد مات سعيد بن جبير يوم مات و أهل الأرض من مشرقها إلى مغربها محتاجون لعلمه. فمن هذا المعنى ضوعف العذاب على الحجاج بقتله. و اللّه أعلم. و سيأتي حديث قتل سعيد بن جبير في باب اللام في اللبوة. و قتل عبد اللّه بن الزبير تقدم في باب الهمزة في الأوز.

____________

(1) سورة المؤمنون: الآية: 108.

(2) رواه أبو داود في الصلاة: 201. وتر: 26. و النسائي في الجمعة: 5، و رواه ابن ماجة في الإقامة: 79.

و الجنائز: 65. و الدارمي في الصلاة: 206 و ابن حنبل: 4، 8.

(3) سعيد بن جبير الأسدي بالولاء، الكوفي، تابعي كان أعلمهم إطلاقا، و هو حبشي الأصل. قتله الحجّاج، و كان أهل الأرض في حاجة إلى علمه، سنة 95 هـ-.

(4) ابن الزبير: عبد اللّه بن الزبير بن العوام القرشي الأسدي أبو بكر، أول مولود في المدينة بعد الهجرة، بويع له بالخلافة سنة 64 هـ-، حاربه بنو أمية، فحاصره أخيرا الحجاج في البيت الحرام و قتله سنة 73 هـ.

248

الأمثال:

قالوا (1) : «أعلم من تيس بني حمان» بكسر الحاء المهملة، و ذلك أن بني حمان تزعم أن تيسهم سفد سبعين عنزا بعد ما فريت أوداجه، ففخروا بذلك و اللّه أعلم. و يقال للتيس قفط و سفد. و في الأذكياء (2) لابن الجوزي أن مزينة أسرت أبا حسان الأنصاري، و قالوا لا نأخذ فداءه إلا تيسا، فغضب قومه، و قالوا: لا نفعل هذا فأرسل إليهم: أعطوهم ما طلبوا فلما جاءوا بالتيس، قال أعطوهم أخاهم و خذوا أخاكم فسموا مزينة التيس، و صار لهم لقبا و عيبا.

الخواص:

جميع بدنه منتن كالإبط، و لحيته تشد على صاحب حمى الربع، و على من به صداع فيزولان. و طحاله يقطعه صاحب الطحال بيده، و يعلقه في بيت هو فيه، فإذا جف الطحال زال ألم المطحول. و رطوبة كبده حال شقها تقطر في الأذن الوجيعة يزول وجعها. و كعبه إذا سحق و شرب هيج الباه و بوله يغلى حتى يغلظ و يخلط بمثله سكرا و يطلى به الجرب في الحمام فإنه يذهب. و بعره إذا وضع تحت رأس صبي يبكي كثيرا يزول عنه. و سيأتي له منافع أخرى في خواص المعز و اللّه أعلم.

باب الثاء المثلثة

الثاغية:

النعجة قالوا: ما له ثاغية و لا راغية، أي لا نعجة و لا ناقة أي ما له شي‏ء و مثله ما له دقيقة و لا جليلة فالدقيقة الشاة و الجليلة الناقة.

الثرملة:

بالضم أنثى الثعالب و سيأتي إن شاء اللّه تعالى ما في الثعلب في هذا الباب.

الثعبان:

الكبير من الحيات ذكرا كان أو أنثى. و الجمع الثعابين و الثعبة ضرب من الوزغ و سيأتي إن شاء اللّه تعالى في باب الواو. و قال الجاحظ، في كتاب الأمصار: و تفاضل البلدان و الثعابين بمصر و ليست هي في بلد غيرها، و إليها حول اللّه عصا موسى صلى اللّه عليه و سلم، قال اللّه تعالى: فَأَلْقى‏ََ عَصََاهُ فَإِذََا هِيَ ثُعْبََانٌ مُبِينٌ‏ (3) * يعني أنه حولها ثعبانا عظيما و مما يتعلق بخبر الثعبان: أن عبد اللّه بن جدعان‏ (4) ، كان في ابتداء أمره صعلوكا ترب اليدين، و كان مع ذلك شريرا فاتكا لا يزال يجني الجنايات، فيعقل عنه أبوه و قومه حتى أبغضته عشيرته، و نفاه أبوه و حلف لا يؤويه أبدا. فخرج في شعاب مكة حائرا ثائرا، يتمنى الموت أن ينزل به، فرأى شقا في جبل، فظن أن فيه حية فتعرض للشق يريد أن يكون فيه ما يقتله فيستريح، فلم ير شيئا فدخل فيه فإذا فيه ثعبان عظيم له عينان تقدان كالسراجين، فحمل عليه الثعبان. فأفرج له فانساب عنه مستديرا بدارة عند بيت ثم خطا خطوة أخرى، فصفر به الثعبان، فأقبل إليه كالسهم فأفرج له فانساب عنه، فوقف ينظر إليه يفكر في أمره، فوقع في نفسه أنه مصنوع فأمسكه بيديه فإذا هو مصنوع من ذهب، و عيناه ياقوتتان فكسره و أخذ عينيه و دخل البيت، فإذا جثث طوال على سرر لم ير مثلهم طولا و عظما، و عند رءوسهم لوح من فضة فيه تاريخهم، و إذا هم رجال من ملوك جرهم،

____________

(1) جمهرة الأمثال: 2/78.

(2) الأذكياء: 113.

(3) سورة الأعراف: الآية 107.

(4) عبد اللّه بن جدعان التيمي، من الأجواد في الجاهلية.

249

و آخرهم موتا الحارث بن‏ (1) مضاض صاحب العذبة الطويلة، و إذا عليهم ثياب من وشي لا يمس منها شي‏ء إلا انتثر كالهباء من طول الزمان مكتوب في اللوح عظات. قال ابن هشام: كان اللوح من رخام و كان فيه أنا نفيلة (2) بن عبد المدان بن خشرم بن عبديا ليل بن جرهم بن قحطان ابن نبي اللّه هود عليه السلام عشت من العمر خمسمائة عام و قطعت غور الأرض ظاهرها و باطنها في طلب الثروة و المجد و الملك فلم يكن ذلك ينجيني من الموت و تحته مكتوب:

قد قطعت البلاد في طلب الثر # وة و المجد قالص الأثواب

و سريت البلاد قفر القفر # بقناة و قوة و اكتساب

فأصاب الردى بنات فؤادي # بسهام من المنايا صياب

فانقضت مدتي و أقصر جهلي # و استراحت عواذلي من عتابي

و دفعت السفاه بالحلم لما # نزل الشيب في محل الشباب

صاح هل ريت أو سمعت براع # رد في الضرع ما قرى في الحلاب‏

و إذا في وسط البيت كوم عظيم من الياقوت و اللؤلؤ و الذهب و الفضة و الزبرجد فأخذ منه ما أخذ، ثم علم على الشق بعلامة. و أغلق بابه بالحجارة، و أرسل إلى أبيه بالمال الذي خرج به منه يسترضيه و يستعطفه، و وصل عشيرته كلهم فسادهم و جعل ينفق من ذلك الكنز، و يطعم الناس و يفعل المعروف و كانت جفنته، يأكل منها الراكب على البعير و سقط فيها صبي فغرق و مات و في غريب الحديث لابن قتيبة أن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم قال: «كنت أستظل بظل جفنة عبد اللّه بن جدعان صكة عمي» . يعني في الهاجرة. و سميت الهاجرة صكة عمي لخبر ذكره أبو حنيفة في الأنوار، و هو أن عميا رجل من عدوان، و قيل: من إياد و كان فقيه العرب في الجاهلية فقدم في قومه، معتمرا أو حاجا، فلما كان على مرحلتين من مكة، قال لقومه، و هم في وسط الظهيرة: من أتى مكة غدا في مثل هذا الوقت كان له أجر عمرتين!فصكوا الإبل صكة شديدة حتى أتوا مكة من الغداة.

و عمي تصير أعمى على الترخيم فسميت الظهيرة صكة عمي. و عبد اللّه بن جدعان تيمي يكنى أبا زهير، و هو ابن عم عائشة رضي اللّه تعالى عنها. و لذلك قالت: يا رسول اللّه إن ابن جدعان كان يطعم الطعام و يقري الضيف و يفعل المعروف فهل ينفعه ذلك يوم القيامة؟قال صلى اللّه عليه و سلم: «لا إنه لم يقل يوما رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين‏ (3) » . كذا قاله السهيلي في الروض الأنف. و في كتاب ري العاطش و أنس الواحش، لأحمد بن عمار (4) أن ابن جدعان ممن حرم الخمر في الجاهلية، بعد أن كان بها مغرى، و ذلك أنه سكر ليلة فصار يمد يديه و يقبض على ضوء القمر ليأخذه فضحك منه جلساؤه، فأخبر بذلك حين صحا. فحلف أن لا يشربها أبدا. فلما كبر و هرم، أراد بنو تيم أن

____________

(1) ابن مضاض، الحارث، من ملوك الجاهلية من بني جرهم من قحطان.

(2) نفيلة الجرهمي بن عبد المدان من ملوك مكة و الطائف في الجاهلية.

(3) رواه البخاري في الدعوات: 61. و مسلم في الإيمان: 365، و الذكر: 70 و أحمد: 4/417، 50، 270، 6، 93.

(4) ابن عمار: أحمد بن عمار بن أبي العباس المهدوي التميمي مقرئ أندلسي مات سنة 440 هـ-.

250

يمنعون من تبذير ماله، و لاموه في العطاء، فكان يدعو الرجل، فإذا دنا منه، لطمه لطمة خفيفة، ثم يقول له: قم فانشد لطمتك و اطلب ديتها، فإذا فعل ذلك أعطته بنو تيم من مال ابن جدعان.

و لقد أجاد أبو الفتح علي بن محمد البستي، صاحب النظم و النثر، في هذه القصيدة، و هي قصيدة طويلة طنانة تشتمل على مواعظ و حكم فلنأت بها بتمامها و بما ذيل عليها أهل الفضل. و يقال: إنها لأمير المؤمنين الراضي‏ (1) باللّه و هي هذه:

زيادة المرء في دنياه نقصان # و ربحه غير محض الخير خسران

و كل وجدان حظ لا ثبات له # فإن معناه في التحقيق فقدان

يا عامرا لخراب الدهر مجتهدا # باللّه هل لخراب العمر عمران

و يا حريصا على الأموال يجمعها # أنسيت أن سرور المال أحزان

زع الفؤاد عن الدنيا و زخرفها # فصفوها كدر و الوصل هجران

و أوع سمعك أمثالا أفصلها # كما يفصل ياقوت و مرجان

أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم # فطالما استعبد الإنسان، إحسان

و كن على الدهر معوانا لذي أمل # يرجو نداك فإن الحر معوان

من جاد بالمال مال الناس قاطبة # إليه و المال للإنسان فتان

من كان للخير منّاعا فليس له # عند الحقيقة إخوان و أخدان‏ (2)

لا تخدشن بمطل وجه عارفة # فالبر يخدشه مطل وليان

يا خادم الجسم كم تسعى لخدمته # أ تطلب الربح مما فيه خسران

أقبل على النفس فاستكمل فضائلها # فأنت بالنفس لا بالجسم إنسان

من يتق اللّه يحمد في عواقبه # و يكفه شر من عزوا و من هانوا

حسب الفتى عقله خلا يعاشر # إذا تحاماه إخوان و خلان

لا تستشر غير ندب حازم فطن # قد استوى منه إسرار و إعلان

فللتدابير فرسان إذا ركضوا # فيها أبروا كما للحرب فرسان

و للأمور مواقيت مقدرة # و كل أمر له حد و ميزان

من رافق الرفق في كل الأمور فلم # يندم عليه و لم يذممه إنسان

و لا تكن عجلا في الأمر تطلبه # فليس يحمد قبل النضج بحران

و ذو القناعة راض في معيشته # و صاحب الحرص ان أثرى فغضبان

كفى من العيش ما قد سد من رمق # ففيه للحران حققت غنيان

هما رضيعا لبان حكمة و تقى # و ساكنا وطن مال و طغيان

من مد طرفا بفرط الجهل نحو هوى # أغضى عن الحق يوما و هو خزيان

من استشار صروف الدهر قام له # على حقيقة طبع الدهر برهان

من عاشر الناس لاقى منهم نصبا # لأن طبعهم بغي و عدوان‏ (3)

____________

(1) الراضي: الخليفة العباسي محمد بن جعفر بن المعتضد باللّه أحمد. مولوده سنة 297 هـ-. و وفاته سنة 329 هـ-.

(2) أخدان: جمع خدن أي خليل و صاحب.

(3) النصب: التعب.

251

و من يفتش على الإخوان مجتهدا # فجل إخوان هذا الدهر خوان

من يزرع الشر يحصد في عواقبه # ندامة و لحصد الزرع إبان

من استنام إلى الأشرار نام و في # قميصه منهم صل و ثعبان

من سالم الناس يسلم من غوائلهم # و عاش و هو قرير العين جذلان

من كان للعقل سلطان عليه غدا # و ما على نفسه للحرص سلطان

و إن أساء مسي‏ء فليكن لك في # عروض زلته صفح و غفران

إذا نبا بكريم موطن فله # وراءه في بسيط الأرض أوطان

لا تحسبن سرورا دائما أبدا # من سره زمن ساءته أزمان

يا ظالما فرحا بالعز ساعده # إن كنت في سنة فالدهر يقظان

يا أيها العالم المرضي سيرته # أبشر فأنت بغير الماء ريان

و يا أخا الجهل لو أصبحت في لجج # فأنت ما بينها لا شك ظمآن

دع التكاسل في الخيرات تطلبها # فليس يسعد بالخيرات كسلان

صن حر وجهك لا تهتك غلالته # فكل حر لحر الوجه صوان

لا تحسب الناس طبعا واحدا فلهم # غرائز لست تحصيها و ألوان

ما كل ماء كصداء لوارده # نعم و لا كل نبت فهو سعدان

من استعان بغير اللّه في طلب # فإن ناصره عجز و خذلان

و اشدد يديك بحبل اللّه معتصما # فإنه الركن إن خانتك أركان

لا ظل للمرء يغني عن تقى و رضا # و إن أظلته أوراق و أفنان

سحبان من غير مال باقل حصر # و باقل في ثراء المال سحبان‏ (1)

و الناس إخوان من والته دولته # و هم عليه إذا عادته أعوان

يا رافلا في الشباب الرحب منتشيا # من كأسه هل أصاب الرشد نشوان

لا تغترر بشباب ناعم خضل # فكم تقدم قبل الشيب شبان

و يا أخا الشيب لو ناصحت نفسك لم # يكن لمثلك في الإسراف إمعان

هب الشبيبة تبدي عذر صاحبها # ما بال شيبك يستهويه شيطان

كل الذنوب فإن اللّه يغفرها # إن شيع المرء إخلاص و إيمان

و كل كسر فإن اللّه يجبره # و ما لكسر قناة الدين جبران

أحسن إذا كان إمكان و مقدرة # فلا يدوم على الإنسان إمكان

فالروض يزدان بالأنوار فاغمة # و الحر بالعدل و الإحسان يزدان

خذها سرائر أمثال مهذبة # فيها لمن يبتغي التبيان تبيان

ما ضر حسابها و الطبع صائغها # إن لم يصغها قريع الشعر حسان‏

____________

(1) سحبان بن زفر بن إياس الوائلي الباهلي، خطيب يضرب به المثل في البلاغة مات سنة 54 هـ-. و باقل:

علم يضرب به المثل في العي.

252

و من هنا ذيل من ذيل عليها فقال:

و كن لسنة خير الخلق متبعا # فإنها لنجاة العبد عنوان

فهو الذي شملت للخلق أنعمه # و عمهم منه في الدارين إحسان

جبينه قمر قد زانه خفر # و ثغره درر غر و مرجان

و البدر يخجل من أنوار طلعته # و الشمس من حسنه الوضاح تزدان

به توسلنا في محو زلتنا # لربنا أنه ذو الجود منان

و مذ أتى أبصرت عمى القلوب به # سبل الهدى و وعت للحق آذان

يا رب صل عليه ما همي مطر # فأينعت منه أوراق و أغصان

و ابعث إليه سلاما زاكيا عطرا # و الآل و الصحب لا تفنيه أزمان‏

و من نثرة، يعني أبا القاسم البستي: من أصلح فاسده، أرغم حاسده. و من أطاع غضبه، أضاع أدبه عادات السادات سادات العادات. من سعادة جدك، وقوفك عند حدك. الرشوة رشاء الحاجات. أجهل الناس من كان للإخوان مذلا، و على السلطان مدلا.

الفهم شعاع العقل. المنية تضحك من الأمنية. حد العفاف الرضا بالكفاف.

توفي البستي رحمه اللّه سنة أربعمائة.

ثعالة:

كنخالة و زبالة و فضالة ثلاثة أخوة يشبه بعضهم بعضا: اسم للثعلب و هو معرفة و أرض مثعلة بالفتح، أي كثيرة الثعالب كما قالوا: معقرة للأرض من الكثيرة العقارب.

الأمثال:

قالوا (1) : «أروغ من ثعالة» . قال الشاعر:

فاحتلت حين صرمتني # و المرء يعجز لا محاله

و الدهر يلعب بالفتى # و الدهر أروغ من ثعاله

و المرء يكسب ماله # و الشيخ يورثه الفساله

و العبد يقرع بالعصا # و الحر تكفيه المقالة

و قالوا: «أعطش من ثعالة» . (2) و اختلفوا في تفسيره، فزعم محمد بن حبيب أنه الثعلب، و خالفه ابن الأعرابي فزعم أن ثعالة رجل من بني مجاشع شرب بول رفيق له في مفازة فمات عطشا.

الثعبة

: ضرب من الوزغ قاله الجوهري.

الثعلب:

معروف، و الأنثى ثعلبة، و الجمع ثعالب و أثعل. روى ابن قانع في معجمه عن وابصة بن معبد، قال: سمعت النبي صلى اللّه عليه و سلم يقول: «شر السباع هذه الأثعل» . يعني الثعالب. و كنية الثعلب أبو الحصين و أبو النجم و أبو نوفل و أبو الوثاب و أبو الحنبص. و الأنثى أم عويل و الذكر ثعلبان. و أنشد الكسائي عليه:

____________

(1) جمهرة الأمثال: 1/406.

(2) جمهرة الأمثال: 2/61.