حياة الحيوان الكبري - ج1

- الدميري المزيد...
520 /
253

أرب‏ (1) يبول الثعلبان برأسه # لقد ذل من بالت عليه الثعالب‏

هكذا أنشده جماعة، و هو وهم. فقد رواه أبو حاتم الرازي: الثعلبان، بالفتح على أنه تثنية ثعلب، و ذكر أن بني ثعلب كان لهم صنم يعبدونه، فبينما هم ذات يوم إذ أقبل ثعلبان يشتدان فرفع كل منهما رجله و بال على الصنم، و كان للصنم سادن يقال غاوي بن ظالم. فقال البيت المتقدم، ثم كسر الصنم، و أتى النبي صلى اللّه عليه و سلم، فقال له النبي صلى اللّه عليه و سلم: «ما اسمك قال: غاوي بن ظالم.

قال: لا، بل أنت راشد بن عبد ربه» . و في نهاية الغريب أنه كان لرجل صنم، و كان يأتي بالخبز و الزبد، فيضعه عند رأسه، و يقول له: أطعم فجاء ثعلبان فأكل الخبز و الزبد، ثم عصل على رأس الصنم، أي بال. و الثعلبان ذكر الثعالب. و في كتاب الهروي: فجاء ثعلبان فأكلا الخبز و الزبد، .

أراد تثنية ثعلب. قال الحافظ بن ناصر: أخطأ الهروي في تفسيره، و صحف في روايته. و إنما الحديث فجاء ثعلبان، و هو الذكر من الثعالب، اسم له معروف لا مثنى، فأكل الخبز و الزبد ثم عصل، بالعين و الصاد، على رأس الصنم. فقام الرجل فضرب الصنم فكسره ثم جاء إلى النبي صلى اللّه عليه و سلم فأخبره بذلك و قال فيه شعرا و هو:

لقد خاب قوم أملوك لشدة # أرادوا نزالا أن تكون تحارب

فلا أنت تغني عن أمور تواترت # و لا أنت دفاع إذا حل نائب

أ ربّ يبول الثعلبان برأسه # لقد ذل من بالت عليه الثعالب‏

و الحديث مذكور في معجم البغوي و ابن شاهين و غيرهما. و الرجل المذكور راشد بن عبد ربه. و حديثه مشروح في كتاب دلائل النبوة لأبي نعيم الأصفهاني. و أهل اللغة يستشهدون بهذا البيت في أسماء الحيوان و الفرق في ذلك بين الذكر و الأنثى كما قالوا لأفعوان ذكر الأفاعي و العقربان ذكر العقارب و الثعلب سبع جبان مستضعف ذو مكر و خديعة، لكنه لفرط الخبث و الخديعة، يجري مع كبار السباع. و من حيلته في طلب الرزق أنه يتماوت و ينفخ بطنه، و يرفع قوائمه حتى يظن أنه مات، فإذا قرب منه حيوان وثب عليه و صاده. و حيلته هذه لا تتم على كلب الصيد. قيل للثعلب: ما لك تعدو أكثر من الكلب؟فقال: لأني أعدو و لنفسي و الكلب يعدو لغيره. قال الجاحظ: و من أشد سلاح الثعلب عندهم الروغان و التماوت و سلاحه سلحه، فإن سلاحه أنتن و ألزج و أكثر من سلاح الحبارى. قالت العرب:

أدهى و أنتن من سلاح الثعلب.

و الجاحظ اسمه عمرو بن بحر الكناني الليثي و قيل له الجاحظ، لأن عينيه كانتا جاحظتين، و يقال له الحدقي أيضا، لذلك أصابه الفالج في آخر عمره، فكان يطلي نصفه بالصندل و الكافور لشدة حرارته، و النصف الآخر لو قرض بالمقاريض لما أحس به من خدره و شدة برده. و كان يقول: أنا من جانبي الأيمن مفلوج، فلو قرض بالمقاريض ما علمت. و من جانبي الأيسر منقرس، فلو مر به الذباب تألمت. و قال: اصطلحت على جسدي الأضداد فإن أكلت باردا أخذ

____________

(1) الحيوان للجاحظ: 6/303 و فيه: «إله بدل رب» . و لم يعزه. و في الاصابة: 5213 هو لغاوي بن ظالم.

254

برجلي، و إن أكلت حارا أخذ برأسي و كان ينشد:

أ ترجو أن تكون و أنت شيخ # كما قد كنت أيام الشباب

لقد كذبتك نفسك ليس ثوب # دريس كالجديد من الثياب‏

و له التصانيف في كل فن و هو من رءوس المعتزلة، و إليه تنسب الطائفة الجاحظية من المعتزلة. و من أحسن تصانيفه كتاب الحيوان. توفي سنة خمس و خمسين و مائتين بالبصرة. قال: و من العجب في قسمة الأرزاق أن الذئب يصيد الثعلب فيأكله، و الثعلب يصيد القنفذ فيأكله، و القنفذ يصيد الأفعى فيأكلها، و الأفعى تصيد العصفور فتأكله، و العصفور يصيد الجراد فيأكله، و الجراد يلتمس فراخ الزنابير فيأكلها، و الزنبور يصيد النحلة فيأكلها، و النحلة تصيد الذبابة فتأكلها، و الذبابة تصيد البعوضة فتأكلها. روى صاحب الغيلانيات، في الجزء الأول، عن الشعبي، عن جابر بن عبد اللّه، قال: جاء رجل إلى أبي بكر الصديق رضي اللّه تعالى عنه فقال: رأيت كأني أجري مع الثعلب أحسن جري. فقال: أجريت ما لا يجري، أنت رجل في لسانك كذب فاتق اللّه عزّ و جلّ!و من شأن الثعلب، إذا دخل برج حمام، و كان شبعان، قتلها و رمى بها لعلمه أنه إذا جاع عاد إليها و أكلها. و هو من الحيوان الذي سلاحه سلاحه، و هو أنتن من سلاح الحبارى كما تقدم.

فإذا تعرض للقنفذ و لقيه كالكرة و تحصن بشوكه سلح عليه فينبسط، فعندها يقبض على مراق بطنه.

و من ظريف ما يحكى عنه، أن البراغيث، إذا كثرت في صوفه، تناول صوفة منه بفيه، ثم يدخل النهر قليلا قليلا، و البراغيث تصعد فرارا من الماء حتى تجتمع في الصوفة التي في فيه، فيلقيها في الماء ثم يهرب. و الذئب يطلب أولاد الثعلب فإذا ولد له ولد، وضع أوراق العنصل على باب و جاره، ليهرب الذئب منها. و فروه أفضل الفراء و منه: الأبيض و الأسود و الخلنجي و قال القزويني في عجائب المخلوقات: إنه أهدي إلى نوح بن منصور الساماني‏ (1) ثعلب له جناحان من ريش إذا قرب الإنسان منه نشرهما، و إذا بعد عنه ألصقهما بجانبيه. ثم قال: و كانت الثعالب تطير في الزمن الأول. و في آخر (2) كتاب الأذكياء لأبي الفرج بن الجوزي عن المعافى بن زكريا قال زعموا أن أسدا و ثعلبا و ذئبا اصطحبوا، فخرجوا يتصيدون فصادوا حمارا و ظبيا و أرنبا، فقال الأسد للذئب: اقسم بيننا صيدنا، فقال: الأمر أبين من ذلك الحمار لك، و الأرنب لأبي معاوية يعني الثعلب، و الظبي لي. فخبطه الأسد فأطاح رأسه. ثم أقبل على الثعلب، و قال: قاتله اللّه ما أجهله بالقسمة!هات أنت يا أبا معاوية. فقال الثعلب: يا أبا الحارث، الأمر أوضح من ذلك الحمار لغدائك، و الظبي لعشائك، و الأرنب فيما بين ذلك. فقال له الأسد: قاتلك اللّه ما أقضاك!من علمك هذه الأقضية؟ قال: رأس الذئب الطائح عن جثته، و في رواية عن الشعبي فقال له الأسد: قاتلك اللّه ما أبصرك بالقضاء و القسمة؟من أين تعلمت هذا؟قال: مما رأيت من أمر الذئب. و مما يروى من حيل الثعلب ما ذكره الشافعي قال: كنا في سفر في أرض اليمن، فوضعنا سفرتنا لنتعشى، و حضرت صلاة المغرب، فقمنا نصلي ثم نتعشى، فتركنا السفرة كما هي، و قمنا إلى الصلاة، و كان فيها دجاجتان،

____________

(1) هو نوح بن منصور بن نوح بن نصر الساماني، أمير ما وراء النهر مات في بخارى سنة 387 هـ-.

(2) الأذكياء: 242.

255

فجاء الثعلب فأخذ إحدى الدجاجتين فلما قضينا الصلاة، أسفنا عليها، و قلنا حرمنا طعامنا فبينما نحن كذلك، إذ جاء الثعلب و في فمه شي‏ء كأنه الدجاجة فوضعه، فبادرنا إليه لنأخذه و نحن نحسبه الدجاجة. قد ردها، فلما قمنا جاء إلى الأخرى و أخذها من السفرة و أصبنا الذي قمنا إليه لنأخذه فإذا هو ليف قد هيأه مثل الدجاجة. و مما وقع من فطنة البهائم مما يقارب هذا ما يحكى عن القاسم بن أبي طالب التنوخي الأنباري قال: كنت ماضيا إلى انبار في رفقة فيها بازدارية السلطان قد خرجوا يروضونها فأطلقوا بازيا على دراج، فطار الدراج إلى غيضة فدخل فيها، و ألقى نفسه بين شوك كان فيها، فأخذ من ذلك الشوك أصلين كبيرين في رجليه، و نام على قفاه و رفع رجليه، فاستتر بذلك من الباز، فلما قرب منه البازداري طار فصاده البازي. فقالوا: ما رأينا قط دراجا أحذق من هذا!و قد أورد هذه الحكاية القاضي أبو علي الحسن بن على التنوخي أيضا في كتاب أخبار المذاكرة و نشوان المحاضرة بألفاظ مخالفة لما سيق هنا فقال و حدثني أبو القاسم بن أبي طالب التنوخي الأنباري قال:

كنت ماضيا إلى الأنبار مع رفقة بازدارية للسلطان، فأطلقوا بازيا على دراج لاح لهم، فطار الدراج و لحقه الباز فأخذوا يهللون و يكبرون و يعجبون، فلحقتهم و سألتهم فإذا بالدراج قد دخل غيضة فألقى نفسه بين شوك كان فيها، و أخذ من ذلك الشوك أصلين كبيرين بين رجليه، و نام على قفاه و شال رجليه و فيهما الشوك، ليختفي به عن الباز، و الباز قد طلبه طويلا فلم يره، و قد خفي عليه أمره بذلك الشوك الذي شاله في رجليه حتى ستر به نفسه، إلى أن جاء البازدارية فرأوا الدراج فقصدوه، و قربوا منه فطار، و أحس به الباز فاصطاده، فسمعتهم يقولون: ما رأينا قط دراجا أمكر من هذا، و لا أحذق منه بالتوقي و لا سمعنا بمثل هذا و أسرفوا في التعجب منه. و هذه أخبار تقارب ما تقدم في فطنة الطير و ذكائه و قال القاضي أبو علي التنوخي حدثني أبو الفتح البصروي قال: حدثني بعض أهل الموصل ممن كان مغرى بالصيد، و طلب الجوارح، أن صيادا من أهل أرمينية و تلك النواحي حدثه قال: خرجت إلى الصحراء يوما، فنصبت شبكتي و جعلت فيها طائرا مستأنسا، و دخلت في كوخ تحت الأرض يسترني، و جعلت أنظر إلى الشبكة حتى إذا وقع فيها شي‏ء من البزاة أو الصقورة أو الشواهين أو غير ذلك من الجوارح، أخذته فلما كان قريبا من الظهر، و إذا بزمجة لطيفة قد طارت على الشبكة، فلما رأتها نفرت و ترجلت قريبا منها، فجلست على الأرض ساعة، فإذا بعقاب جائر فلما رآها ترجل معها و جلسا جميعا، و إذا بطائر يطير في الجو فنهضت الزمجة قبل العقاب و طارت خلف الطائر، فلم تزايله إلى أن صادته و جاءت به فنسرته و صار لحما، و أقبلت تأكل فجاء العقاب و أكل معها، فلما فني اللحم زاف العقاب عليها فضربت وجهه بجناحها، فزاف ثانية فضربته أشد من الأولى، فزاف الثالثة فضربته أشد من ذلك، و لم تزل تضربه بمنسرها إلى أن قتلته و طارت، فتعجبت من نفورها من الشبكة و قلت هي كرزة و يجوز أن تعرف الشبكة بالعادة، و مما سوى ذلك من مناهضتها للطائر قبل العقاب حتى صادته. ثم إنها منعت العقاب من سفادها و أنها أطعمته من صيدها ثم لم ترض بذلك حتى قتلته لما ألح عليها، و طمعت في أن أصيدها لأصيد بها ما لا قيمة له فبت ليلتي في ذلك الكوخ، فلما كان من الغد فإذا هي قد ترجلت قريبا من الشبكة في مثل ذلك الوقت فنزل إليها عقاب فجلس معها و عن لهما صيد فجرت صورتها مع العقاب الثاني كما جرت مع العقاب الأول سواء بلا اختلاف البتة. و طارت فزاد تعجبي و حرصي عليها. و بت ليلتي الثانية في‏

256

الكوخ، فلما كان في اليوم الثالث فإذا بها قد ترجلت على الصورة و الرسم و إذا بعد ساعة بعقاب لطيف وحشي الريش، قد ترجل فما مضت ساعة حتى عن لهما صيد، فهمت الزمجة بالنهوض فضربها العقاب بجناحه ضربة كاد يقتلها و نهض مسرعا إلى الطيران حتى اصطاد الطائر و جاء به فنسره و طرحه بين يديها، و لم يذق منه شيئا حتى أكلت الزمجة و استوفت، ثم أكل هو بعدها لحم الطائر الباقي و فني. فزاف عليها فزافت له، و لم تمنعه فزاف الثانية فركبها فمكنته حتى سفدها ثم طارا معا.

و حكى: القاضي أبو علي التنوخي أيضا قال: حدثني فارس بن مشغف أحد الجند القدماء المولدين و قد صار بوّابا لأبي محمد يحيى بن محمد بن سليمان بن فهد قال: كنت أصحب قائدا من قواد السلطان يعرف بأبي إسحاق بن أبي مسعود الأزدي، و كانت إليه إمارة المدائن اسبانين و المدينة العتيقة، و كانت إذ ذاك عامرة آهلة و السلاطين ينزلون بها، و كنت مقيما فيها معه، و كان لهجا بالصيد، فخرج ذات يوم و أنا معه، إلى المدينة المعروفة بالرومية، المقابلة للمدينة العتيقة، و هي إذ ذاك خراب، و معه صقارته و آلة صيده و جنده حتى مل و سلك الطريق راجعا، و كان معه صقر له فاره و قد شبع مما أطعمه من صيده، فمسح الصقار صدره و حمله على يده و هو يسير إذ اضطرب الصقر اضطرابا شديدا فقال له ابن أبي مسعود: قد شاهد الصقر طريدة، و هذا الاضطراب لأجلها فأرسله، فقال: يا سيدي هو صقر شره و اضطرابه ليس لهذا، و قد شبع و لا آمن أن أرسله على طريدة و هو شبعان فيتيه. فزاد اضطراب الصقر فقال: أرسله و ليس عليك منه شي‏ء فأرسله فطار و تراكضنا خلفه حتى جاء إلى أجمة صغيرة تستره، و نحن نراه فرفرف عليها و إذا بشي‏ء قد صعد منها مثل النشاب في مقدار زج النشابة فقط فحاص عنه الصقر ثم انحط في الأجمة فدخلنا خلفه فإذا هو قد ترجل على حبارى و اصطادها، و إذا هو طلع على يد الصقار. و من عادة الحبارى أن تذرق على الجارح الذي يصيدها لتجرح جناحه و تعقره بذرقها لحماه وحدته و ينسلخ جلده و الصقر عارف بذلك، فاحتال عليها الصقر فرفرف عليها كأنه يريد صيدها، فذرقت الحبارى إلى فوق حتى صعدت ذرقتها فلما أخطأت الصقر انحط عليها في الحال فاصطادها، و كان الصقارون، و من حضر من الجند و المتصيدين المدنيين يعجبون من ذلك، و يعدونه من غرائب ما شاهدوه من أفعال الجوارح. و ذكر القاضي التنوخي عن فارس هذا قال: كنت مع هارن بن غريب الحبال، من جملة عسكره و رجاله، و نحن قيام بين يدي حلوان، و الجند سائرون و هو يتصيد في طريقه، إذ عن له غزال فأرسل عليه صقرا كان بحضرته، و لم يكن الكلابون بالقرب منه، فيرسلون معه كلبا لأن العادة أن الصقر لا يصيد غزالا إلا إذا كان معه كلب، و ذلك أن الصقر يطير فيقع على رأسه فيعقره و يضرب بجناحيه بين عينيه، فيمنعه من شدة العدو فيلحقه الكلب فيصيده. هكذا جرت العادة في صيد الغزلان بالصقور، إلا أن ابن الحبال، لما لاح له الغزال، أطلق الصقر لئلا يفوته الغزال، و غرر به لحوق الكلاب في الحال، و قد رأى أن يشغله الصقر عن العدو، فتلحقه خيلنا و رماحنا فطار الصقر، و تراكضنا خلفه، و أنا ممن ركض، و جرى الغزال فوافى إلى منحدر في الصحراء، فانحدر فيه، فلما حصل منحدرا سقط الصقر على خده و عنقه، فأنشب مخلبيه فيهما و حمله الغزال. فرأينا الصقر قد سدل أحد مخلبيه حتى إنه يخط في الأرض، حتى إذا وصل إلى وضع من الصحراء فيه شوك فعلق بأصل شوك عظيم، ثم جذب‏

257

عنق الغزال بالمخلب الآخر الذي كان أمسكه به في خده و أصل عنقه. و إذا به قد دق عنقه و صرعه، فلحقناه و ذكيناه و وقعت البشارة فقال ابن الحبال و من معه: ما رأينا قط صقرا أفره من هذا و خلع على الصقار خلعة حسنة.

و حكى: القاضي أبو علي التنوخي، قال: أخبرني أبو القاسم البصري قال: أخبرني بعض الجمدارية من الجند أنه كان مع قائد من قوادهم في الصيد و معه عقاب يتصيد به و قد اصطاد و استكفى، إذ اضطرب العقاب، على يد العقاب اضطرابا شديدا فخاف على نفسه، لأن العقاب ربما أتلف عقابه، إذا منعه من إرادته و ليس يجري مجرى غيره من الجوارح فأرسله العقاب فطار، و طرد وراءه فإذا به قد سقط على شيخ ضعيف، كان يجر شوكا، و هو يمشي على أربعة فنسره و دق عنقه و أتلفه، و ولغ في دمه و أكل من لحمه. و إذا بالعقاب قد جاء إلى القائد فقال له: ما الخبر؟فقال له: يا سيدي اصطاد العقاب شيخا وحشيا بريا، و كان يسمعنا نقول اصطد لنا وحشيا و سنورا بريا فقد رأى شيخا بريا وحشيا مثله، و لم يفكر أن العقاب أتلف رجلا مسلما.

فقال القائد: ويحك ما تقول؟و حرك فحركنا وراءه فوجدنا الشيخ فاغتم لذلك غما شديدا و عجبنا من أمر العقاب.

و حكى: القاضي التنوخي في كتابه أيضا، قال: حدثني أبو محمد يحيى بن محمد بن سليمان ابن فهد قال: حدثني بعض المتصيدين. و قد تجارينا عجائب ما يجري فيه، فقال: من أحسن و أظرف ما رأينا منه أن بازيا كان لفلان، و سماه أرسله فاصطاد دراجا، و قبض عليه بإحدى يديه، و ترجل كما جرت به العادة و أمسكه ينتظر البازداري فيذبحه و يطعمه منه، كما جرت العادة في مثل ذلك. و هو على جانبه إذ أبصر دراجا آخر يطير، فطار و الدراج الأول في إحدى يديه حتى قبض على الدراج الآخر فاصطاده و ترجل، و قد أمسكهما بيديه جميعا، فاجتمعنا و شاهدناه على هذه الحالة، فاستظرفناه ثم أخذناهما من يديه. و ذكر (1) ابن الجوزي في آخر كتاب الأذكياء، و الحافظ أبو نعيم في حلية الأولياء، عن الشعبي، أنه قال: مرض الأسد فعاده جميع السباع ما خلا الثعلب، فنم عليه الذئب، فقال الأسد: إذا حضر فأعلمني. فلما حضر أعلمه فعاتبه في ذلك فقال: كنت في طلب الدواء لك. قال: فأي شي‏ء أصبت؟قال: خرزة في ساق الذئب ينبغي أن تخرج!فضرب الأسد بمخالبه في ساق الذئب، و انسل الثعلب. فمر به الذئب بعد ذلك، و دمه يسيل، فقال له الثعلب: يا صاحب الخف الأحمر إذا قعدت عند الملوك فانظر ما ذا يخرج من رأسك. قال الحافظ أبو نعيم: لم يقصد الشعبي، من هذا سوى ضرب المثل و تعليم العقلاء و تنبيه الناس، و تأكيد الوصية في حفظ اللسان، و تهذيب الأخلاق و التأدب بكل طريق. و في مثل ذلك قيل:

احفظ لسانك لا تقول فتبتلي # إن البلاء موكل بالمنطق‏

و روى الإمام أحمد، عن أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه، أنه‏ (2) قال: «نهانا رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم في الصلاة عن ثلاثة نقرة كنقرة الديك، و إقعاء كإقعاء الكلب، و التفات كالتفات الثعلب» . و قيل للشعبي: يقال: في المثل إن «شريحا أدهى من الثعلب و أحيل» : فما هذا؟فقال: خرج شريح أيام

____________

(1) كتاب الأذكياء: 241.

(2) رواه أحمد: 2/311.

258

الطاعون إلى النجف، فكان إذا قام يصلي يجي‏ء ثعلب، فيقف تجاهه و يحاكيه، و يخيل بين يديه، و يشغله عن صلاته، فلما طال ذلك عليه نزع قميصه فجعله على قصبة، و أخرج كميه و جعل قلنسوته عليها.

فأقبل الثعلب فوقف بين يديه على عادته فأتاه شريح من خلفه و أخذه بغتة فلذلك يقال: «سريح أدهى من الثعلب و أحيل» . و يقال: ضغا الثعلب و السنو يضغو ضغوا و ضغاء، أي صاح و كذلك صوت كل ذليل مقهور. و يقال للإمام العلامة أبي منصور عبد الملك‏ (1) بن محمد النيسابوري، رأس المؤلفين، و إمام المصنفين صاحب التصانيف الفائقة، و الآداب الرائقة، كثمار القلوب، وفقه اللغة، و يتيمة الدهر في محاسن أهل العصر، و غير ذلك من التصانيف، الثعالبي منسوب إلى خياطة جلود الثعالب لأنه كان فراء، و يتيمة الدهر أكبر كتبه و أحسنها، و فيها يقول أبو الفتح نصر اللّه بن قلاقس الإسكندراني‏ (2) :

أبيات أشعار اليتيمة # أبكار أفكار قديمة

ماتوا و عاشت بعدهم # فلذاك سميت اليتيمة

و من شعر أبي منصور الثعالبي:

يا سيدا بالمكرمات ارتدى # و انتعل العيوق و الفرقدا

مالك لا تجري على مقتضى # مودة طال عليها المدى

إن غبت لم أطلب و هذا سليمـ # ان بن داود نبي الهدى

تفقد الطير على شغله # فقال ما لي لا أرى الهدهدا

و له في غلام مسافر:

فديت مسافرا ركب الفيافي # فأثر في محاسنه السفار

فمسك ورد خديه السواقي # و غبر مسك صدغيه الغبار

توفي سنة تسع و عشرين و قيل سنة ثلاثين و أربعمائة.

الحكم:

نص إمامنا الشافعي رحمه اللّه، على حل أكله. و قال ابن الصلاح: ليس في حله حديث عن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم و في تحريمه حديثان في إسنادهما ضعف و اعتمد الشافعي في ذلك على عادة العرب في أكله فيندرج في عموم قوله‏ (3) تعالى: قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ اَلطَّيِّبََاتُ و بحله قال طاوس و عطاء و غيره و نقل في فوائد رحلته عن أبي سعيد الدارمي، الإمام في الحديث و الفقه تلميذ البويطي رحمه اللّه أن الثعلب حرام. و كره أبو حنيفة و مالك أكله و أكثر الروايات عن أحمد تحريمه لأنه سبع.

الأمثال:

قالوا (4) «أروغ من ثعلب» (5) . قال الشاعر:

____________

(1) هو عبد الملك بن محمد بن إسماعيل أبو منصور الثعالبي، لغوي أديب عالم توفي سنة 429 هـ-. له تصانيف كثيرة.

(2) نصر بن عبد اللّه بن عبد القوي اللخمي، أبو الفتوح المعروف بابن قلاقس الاسكندري شاعر كاتب. مات سنة 567 هـ-.

(3) سورة المائدة: الآية 4.

(4) جمهرة الأمثال: 1/406.

(5) البيتان لطرفة عيون الأخبار: 2/5.

259

كل خليل كنت خاللته # لا ترك اللّه له واضحه

كلهم أروغ من ثعلب # ما أشبه الليلة بالبارحة

و في المجالسة للدينوري، أن عمر بن الخطاب رضي اللّه تعالى عنه، قال: و هو على المنبر:

إن الذين قالوا ربّنا اللّه ثم استقاموا و لم يروغوا روغان الثعالب. و في رواية الثعلب و في شعب البيهقي و أمثال العسكري عن الحسن بن سمرة رضي اللّه تعالى عنه، أن النبي صلى اللّه عليه و سلم قال: «مثل الذي يفر من الموت كالثعلب تطلبه الأرض بدين فجعل يسعى حتى إذا أعيا و انبهر دخل حجره فقالت له الأرض: يا ثعلب ديني ديني، فخرج فلم يزل كذلك حتى انقطعت عنقه فمات» .

و قالوا: «أذل ممن بالت عليه الثعالب» . يضرب لمن يستذل كما تقدم. «و أدهى من ثعلب» .

«و أعطش من ثعالة (1) . قال حميد بن ثور (2) :

أ لم تر ما بيني و بين ابن عامر # من الود قد بالت عليه الثعالب

و أصبح صافي الود بيني و بينه # كأن لم يكن و الدهر فيه عجائب‏

الخواص:

رأسه إذا ترك في برج حمام هربت كلها. و نابه يشد على الصبي الذي به ريح الصبيان يذهب عنه، و لا يفزع في نومه، و تحسن أخلاقه. و مرارته إذا نفخت في أنف المصروع لا يصرع أبدا. و لحمه ينفع من اللقوة و الجذام. و شحمه يذاب و يطلى به من به النقرس يزول وجعه في الحال. و خصيته تشد على الصبي فتنبت أسنانه بغير ألم. و فروه أنفع شي‏ء للمرطوبين بخورا و لبسا. و دمه إذا طلي به رأس صبي نبت شعره، و إن كان أقرع. و إذا استصحب دمه إنسان، لا تؤثر فيه حيلة محتال. و رئته إذا سحقت و شربت، نفعت من الريح. و أنيابه إذا علقت على المصروع برئ. و طحاله له إذا شد على ذي الطحال الوجع أبرأه. و قال هرمس: من أمسك كليتي الثعلب بيده لم يخف الكلاب و لم تنبح عليه. و أذنه إذا علقت على الخنازير، التي في العنق أبرأتها. و شحمه إذا أذيب و قطر في الأذن الوجعة سكن وجعها. و ذكره ينفع من الصداع إذا علق على الرأس. و مرارته إذا طلي بها الذهب يصير لونه لون النحاس. و خصيته تنفع من الورم الكائن عند الأذنين إذا دلك بها. و كبده إذا سقي منه وزن مثقال بشراب، من به وجع الطحال، أبرأه من ساعته. و شحمه إذا طلي به أطراف اليدين و الرجلين أمنت مضرة البرد و دماغه إذا خلط بورس و طلي به الرأس أذهب القرع و الحزاز و البثور و سقوط الشعر. و قضيبه إذا علق على الصبي الذي يبكي بالليل و يفزع يذهب ذلك عنه. و كذلك يفعل الناب. و شحمه تجتمع عليه البراغيث حيث كان. و خصيته إذا جففت، و سقي منها رجل وزن درهم زاد في الجماع و الإنعاظ. و زبله يسحق بدهن ورد و يطلى به الإحليل وقت الجماع يزيد فيه ما شاء. و في كتاب الإبدال: إن طلبت شحم الثعلب فلم تجده فبدله شحم الذئب.

التعبير:

الثعلب في المنام امرأة فمن رأى أنه يلاعب ثعلبا فإن له امرأة يحبها و تحبه. و قيل الثعلب رجل ذو مكر و خديعة، فمن نازعه فإنه ينازع غريما كذلك و أكل لحمه يدل على وجع

____________

(1) جمهرة الأمثال: 2/61.

(2) هو حميد بن ثور بن حزن الهلالي شاعر جاهلي أدرك الإسلام و أسلم توفي سنة 30 هـ-.

260

يصيب الآكل من الرياح و يبرأ و قيل إنه عدو من قبل سلطان و قالت اليهود إنه يدل على الطبيب أو المنجم. و قالت النصارى: من قبل ثعلبا فإنه يصيب امرأة غزيرة. و قيل: من قتل ثعلبا قتل ولد رجل شريف، و من شرب لبن ثعلب شفي من مرض. و قيل: من نازع ثعلبا في نومه، خاصم بعض أهله أو أصدقائه. و اللّه تعالى أعلم.

الثفا:

بالثاء المثلثة و بالفاء و الألف في آخره: السنور البري و هو قريب من الثعلب على شكل السنور الأهلي و سيأتي في بابه إن شاء اللّه تعالى.

الثقلان:

الإنس و الجن، سميا بذلك لأنهما ثقلا الأرض و قيل: لشرفهما، و كل شريف يقال له ثقيل و قيل لأنهما مثقلان بالذنوب.

الثلج:

فرخ العقاب قاله ابن سيده.

الثني‏

: الذي يلقي ثنيته و يكون ذلك في ذوات الظلف و الحافر في السنة الثالثة و في ذي الخف في السنة السادسة و الجمع ثنيان و ثنايا و الأنثى ثنية و الجمع ثنيات.

الثور:

الذكر من البقر. و كنيته أبو عجل. و الأنثى ثورة و الجمع ثورة و ثيران و ثيرة. قال سيبويه: قلبوا الواو ياء حيث كانت بعد كسرة، قال: و ليس هذا بمطرد. و قال المبرد: إنما قلبوا ثيرة ليفرقوا بينه و بين ثورة الإقط و بنوه على فعلة ثم حركوه. و سمي الثور ثورا لأنه يثير الأرض، كما سميت البقرة بقرة لأنها تبقرها، قال في الإحياء: نظر أبو الدرداء إلى ثورين يحرثان في قرن فوقف أحدهما يحك جسمه، فوقف له الآخر فبكى أبو الدرداء رضي اللّه عنه. و قال: هكذا الإخوان في اللّه عزّ و جلّ يعملان للّه تعالى، فإذا وقف أحدهما وافقه الآخر، و بالموافقة يتم الإخلاص. و من لم يكن مخلصا في إخائه فهو منافق. و الإخلاص استواء الغيب و الشهادة و القلب و اللسان.

فائدة:

قال وهب بن منبه: كانت الأرض كالسفينة تذهب و تجي‏ء، فخلق اللّه تعالى ملكا في غاية العظم و القوة، و أمره أن يدخل تحتها، و يجعلها على منكبيه ففعل، و أخرج يدا من المشرق و يدا من المغرب، و قبض على أطراف الأرض و أمسكها. ثم لم يكن لقدميه قرار فخلق اللّه تعالى صخرة من ياقوتة حمراء في وسطها سبعة آلاف ثقبة يخرج من كل ثقبة بحر لا يعلم عظمه إلا اللّه عزّ و جلّ. ثم أمر الصخرة فدخلت تحت قدمي الملك، ثم لم يكن للصخرة قرار، فخلق اللّه عزّ و جلّ ثورا عظيما له أربعة آلاف عين، و مثلها آذان و مثلها أنوف و أفواه و ألسنة و قوائم، ما بين كل اثنتين منها مسيرة خمسمائة عام. و أمر اللّه تعالى هذا الثور فدخل تحت الصخرة فحملها على ظهره و قرنه. و اسم هذا الثور كيوثا، ثم لم يكن للثور قرار. فخلق اللّه تعالى حوتا عظيما لا يقدر أحد أن ينظر إليه لعظمه و بريق عينيه و كبرهما، حتى إنه لو وضعت البحار كلها في إحدى مناخره لكانت كخردلة في فلاة، فأمر اللّه تعالى ذلك الحوت أن يكون قرارا لقوائم هذا الثور، و اسم هذا الحوت يهموت. ثم جعل قراره الماء، و تحت الماء هواء، و تحت الهواء ماء، و تحت‏

261

الماء ظلمات. ثم انقطع علم الخلائق عما تحت الظلمات. هكذا نقله القاضي شهاب الدين بن فضل، في كتاب مسالك الأبصار في ممالك الأبصار في الجزء الثالث و العشرين منه.

فائدة أخرى:

روى مسلم في كتاب الظهار و النسائي في عشرة النساء، عن ثوبان: «إن أهل الجنة، حين يدخلونها، ينحر لهم ثور الجنة الذي كان يأكل من أطرافها، و يأكلون من زيادة كبد الحوت‏ (1) » و روى هناد بن السري و ابن إسحاق بإسناد حسن: «إن الشهداء حين يدخلون الجنة يخرج عليهم حوت و ثور من الجنة لغدائهم فيلعبان حتى إذا كثر عجبهم منهما طعن الثور الحوت بقرنه فبقره لهم كما يذبحون، ثم يروحان عليهم أيضا لعشائهم فيلعبان فيضرب الحوت الثور بذنبه فيبقره كما يذبحون» . قال السهيلي: و في هذا الحديث من باب التفكر و الاعتبار، أن الحوت لما كان عليه قرار هذه الأرض و هو حيوان سابح استشعر أهل هذه الدار أنهم في منزل قلعة و بوار، و ليست بدار قرار. فإذا نحر لهم قبل أن يدخلوا الجنة فأكلوا من كبده كان في ذلك أشعار لهم بالراحة من دار الزوال و إنهم قد صاروا إلى دار القرار كما يذبح لهم الكبش الأملح على الصراط، ليعلموا أنه لا موت و لا فناء. و أما الثور فهو آلة الحرث و أهل الدنيا لا يخلون من أحد هذين الحرثين: حرث لدنياهم و حرث لأخراهم. ففي نحر الثور هنالك إشعار براحتهم من الكدين و ترفيههم من نصب الحرثين.

فائدة أخرى:

روى‏ (2) البخاري في بدء الخلق عن أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه أن النبي صلى اللّه عليه و سلم قال: «الشمس و القمر يكوران يوم القيامة» .

انفرد به البخاري و قد رواه الحافظ أبو بكر البزار بأبسط من هذا السياق فقال: حدثنا إبراهيم بن زياد البغدادي حدثنا يونس بن محمد حدثنا عبد العزيز بن المختار عن عبد اللّه الداناج قال: سمعت أبا سلمة بن عبد الرحمن زمن خالد بن عبد اللّه القسري، في هذا المسجد، مسجد الكوفة، و جاء الحسن فجلس إليه فحدث عن أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه أن النبي صلى اللّه عليه و سلم قال:

«إن الشمس و القمر ثوران في النار يوم القيامة» . فقال الحسن: و ما ذنبهما؟فقال: أحدثك عن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم و تقول و ما ذنبهما؟!ثم قال البزار: و لا يروى عن أبي هريرة إلا من هذا الوجه. و لم يرو عبد اللّه الداناج عن أبي سلمة سوى هذا الحديث. و روى الحافظ أبو يعلى الموصلي من طريق درست بن زياد، عن يزيد الرقاشي، و هما ضعيفان، عن أنس بن مالك رضي اللّه عنه أن النبي صلى اللّه عليه و سلم قال: «الشمس و القمر ثوران عقيران في النار» . و قال كعب الأحبار: (3) : يجاء بالشمس و القمر يوم القيامة كأنهما ثوران عقيران فيقذفان في جهنم ليراهما من عبدهما. كما قال‏ (4) تعالى:

إِنَّكُمْ وَ مََا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اَللََّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ الآية. و خرج أبو داود الطيالسي عن أنس أن النبي صلى اللّه عليه و سلم قال: «إن الشمس و القمر ثوران عقيران في النار» . و في نهاية الغريب، قيل لما وصفهما اللّه تعالى بالسباحة في قوله‏ (5) تعالى: وَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ثم أخبر سبحانه و تعالى على بجعلهما في

____________

(1) رواه مسلم في الحيض: 34.

(2) رواه البخاري في بدء الخلاق: 4-45.

(3) كعب الأحبار، هو كعب بن ماتع بن ذي هجن الحميري، تابعي، أسلم زمن أبي بكر، مات سنة 32 هـ-.

(4) سورة الأنبياء: الآية 98.

(5) سورة يس: الآية 40.

262

النار يهذب بهما أهلها بحيث لا يبرحان بها صار كأنهما ثوران عقيران لا يبرحان. كذلك ذكر ذلك أبو موسى و هو كما تراه. و قيل: إنما يجمعان في جهنم لأنهما عبدا من دون اللّه عزّ و جلّ و لا يكون لهما عذاب لأنهما جماد و إنما يفعل ذلك بهما زيادة على تبكيت الكافرين و خزيهم. و ردّ ابن عباس قول كعب الأحبار، و قال: اللّه أجلّ و أكرم من أن يعذب الشمس و القمر، و إنما يخلقهما يوم القيامة أسودين مكوّرين، فإذا كانا حيال العرش خرّا ساجدين للّه تعالى، و يقولان: إلهنا قد علمت طاعتنا لك و سرعتنا في المضي في أمرك أيام الدنيا، فلا تعذبنا في عبادة الكافرين إيانا.

فيقول الرب تعالى: صدقتما إني قضيت على نفسي أن أبدئ و أعيد و أني أعيد كما إلى ما بدأتكما منه، و إني خلقتكما من نور عرشي فارجعا إليه فيختلطان بنور العرش. فذلك معنى قوله تعالى:

إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَ يُعِيدُ (1) . و روى أبو نعيم في ترجمة سعيد بن جبير أنه قال: أهبط اللّه تعالى إلى آدم ثورا أحمر، فكان يحرث عليه و يمسح العرق عن جبينه و هو الذي قال اللّه تعالى فيه: فَلاََ يُخْرِجَنَّكُمََا مِنَ اَلْجَنَّةِ فَتَشْقى‏ََ (2) فكان ذلك شقاءه و كان عليه السلام يقول لحواء: أنت عملت بي هذا فليس أحد من ولد آدم يعمل على ثور إلاّ قال: حو دخلت عليه من قبل آدم. و كانت العرب إذا أوردوا البقر فلم تشرب إما لكدر الماء، أو لقلة العطش، ضربوا الثور فيقتحم الماء لأن البقرة تتبعه. و قال في ذلك أنس بن مدركة (3) في قتله سليك ابن سلكة (4) :

إني و قتلي سليكا ثم أعقله # كالثور يضرب لما عافت البقر (5)

الأمثال:

قالوا (6) : «الثور يحمي أنفه بروقه» و الروق القرن. يضرب في الحث على حفظ الحريم. و في سنن النسائي و سيرة ابن هشام، أما الصديق رضي اللّه تعالى عنه، لما قدم المدينة مع رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، أخذته الحمى و عامر بن فهيرة و بلالا قالت عائشة رضي اللّه تعالى عنها: فدخلت عليهم، و هم في بيت واحد، فقلت: كيف أصبحت يا أبت؟فقال:

كل امرئ مصبح في أهله # و الموت أدنى من شراك نعله‏

فقلت إنّا للّه و إنا إليه راجعون إن أبي ليهذي ثم قلت لعامر كيف تجدك؟فقال:

لقد وجدت الموت قبل ذوقه # و المرء يأتي حتفه من فوقه

كل امرئ مجاهد بطوقه # كالثور يحمي أنفه بروقه‏

فقلت: و اللّه هذا ما يدري ما يقول. ثم قلت لبلال: كيف أصبحت؟فقال:

ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة # بفخ و حولي أذخر و جليل‏

____________

(1) سورة البروج: الآية 13.

(2) سورة طه: الآية 117.

(3) ذكر صاحب الشعر و الشعراء أن قاتل السليك هو أنس بن مدرك الخثعمي.

(4) و السّليك هو ابن عمير بن يتربي بن سنان، و السّلكة أمه، شاعر أسود صعلوك من صعاليك الجاهلية قتل في نحو 17 ق. هـ-.

(5) البيت في ترجمته السليك. الشعر و الشعراء: 232.

(6) مجمع الأمثال: 1/153.

263

و هل أردن يوما مياه مجنة # و هل يبدون لي شامة و طفيل‏

قالت: ثم إني دخلت على رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، فأخبرته، فقال: «اللهم حبّب إلينا المدينة كما حببت إلينا مكة، اللهم بارك لنا في صاعنا و مدنا، اللهم انقل حماها إلى مهيعة» (1) قول عامر: بطوقه الطوق الطاقة. و قول بلال بفخ هو واد بمكة، و مجنة سوق بأسفل مكة و شامة و طفيل جبلان مشرفان على مجنة. و قوله صلى اللّه عليه و سلم مهيعة الجحفة و قالت العرب: «أرعى من ثور» . و قالوا: «إنما أكلت يوم أكل الثور الأبيض» (2) . روي عن علي رضي اللّه تعالى عنه، أنه قال: إنما مثلي و مثل عثمان، كمثل ثلاثة أثوار كانت في أجمة: أبيض و أسود و أحمر، و معها فيها أسد فكان لا يقدر منها على شي‏ء لاجتماعها عليه، فقال الأسد للثور الأسود و للثور الأحمر إنه لا يدل علينا في أجمتنا إلا الثور الأبيض، فإن لونه مشهور و لوني على لونكما فلو تركتماني آكله خلت لكما الأجمة وصفت!فقالا:

دونك و إياه فكله. فأكله و مضت مدة على ذلك، ثم إن الأسد قال للثور الأحمر: لوني على لونك فدعني آكل الثور الأسود!فقال له: شأنك به. فأكله. ثم بعد أيام قال للثور الأحمر: إني آكلك لا محال فقال: دعني أنادي ثلاثة أصوات، فقال: افعل فنادى: «إنما أكلت يوم أكل الثور الأبيض» . قالها ثلاثا، ثم قال علي كرّم اللّه وجهه: إنما هنت يوم قتل عثمان رضي اللّه عنه يرفع بها صوته.

و من خواصه:

إنه إذا نزل الثور على البقرة، ثم بال بعد نزوله فمن أخذ من ذلك الطين، و طلى به إحليله هيج الباه و انعظ. و مثانته إذا أخذت و جففت و سحقت و سقيت لمن يبول في فراشه بخل و ماء بارد نفعه و أبرأه. و إذا وقف الثور عن السير فاربط خصيتيه فإنه يسير بنشاط و ينساق سريعا. و إذا طرح في أذن الثور زئبق مات مكانه. و إن طلي منخره بدهن ورد صرع. و إن كتب ببوله على الحديد أثر فيه حتى يقرأ. و قد تقدم له خواص في باب الباء الموحدة في البقرة.

و أما تعبيره:

فإنه يدل على سيد شديد البأس، كثير النفع و العون، موافق مطواع، و ربما دل على الشباب الجميل لأنه من أسمائه. و تدل رؤيته أيضا على ثوران الفتنة، أو العون على ما يذلل الأمور الصعاب، خصوصا لأرباب الحرف و الزراعة و الإنشاء. و ربما دلت رؤيته على البلادة و الذهول. و رؤية الثور الأبلق فرح و سرور و الأسود سؤدد أو شفاء للمريض و ربما دل الثور على الجنون لأنه من أسمائه.

الثول:

بفتح الثاء و سكون الواو ذكر النحل و قيل جماعة النحل و على هذا قال الأصمعي:

لا واحد له من لفظه. و الثول بالتحريك جنون يصيب الشاة فلا تتبع الغنم و تستدبر مرتعها و شاة ثولاء و تيس أثول.

الثيتل:

الذكر المسن من الأوعال. و في حديث النخعي: «في الثيتل بقرة» . يعني إذا صاده المحرم أو في الحرم.

____________

(1) الخبر و الأبيات في العقد الفريد: 5/288 و الحديث أيضا.

(2) مجمع الأمثال: 1/25.

264

باب الجيم‏

الجأب:

الأسد و الحمار الوحشي الغليظ و الجمع جؤب.

الجارف:

ولد الحية.

الجارحة:

ما تعلم الاصطياد من كلب أو فهد أو باز أو نحو ذلك. و الجمع الجوارح. قال اللّه تعالى: وَ مََا عَلَّمْتُمْ مِنَ اَلْجَوََارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمََّا عَلَّمَكُمُ اَللََّهُ (1) سمي جارحة لأنه يكسب لصاحبه و الجوارح الكواسب قال تعالى: وَ يَعْلَمُ مََا جَرَحْتُمْ بِالنَّهََارِ أي ما كسبتم‏ (2) .

الجاموس:

واحد الجواميس، فارسي معرب، و هو حيوان عنده شجاعة و شدة بأس، و هو مع ذلك أجزع خلق اللّه يفرق من عض بعوضة و يهرب منها إلى الماء و الأسد يخافه و هو مع شدته و غلظه ذكي ينادي راعيه الإناث: يا فلانة يا فلانة فتأتي إليه المناداة و من طبعه كثرة الحنين إلى وطنه و يقال: إنه لا ينام أصلا لكثرة حراسته لنفسه و أولاده. و إذا اجتمع ضرب دائرة و تجعل رءوسها خارج الدائرة و أذنابها إلى داخلها، و الرعاة و أولادها من داخل، فتكون الدائرة كأنها مدينة مسورة من صياصيها، و الذكر منها يناطح ذكر آخر، فإذا غلب أحدهما، دخل أجمة فيقيم فيها حتى يعلم أنه قوي، فيخرج و يطلب ذلك الفحل الذي غلبه فيناطحه حتى يغلبه و يطرده.

و هو ينغمس في الماء غالبا إلى خرطومه.

حكمه و خواصه:

كالبقر، لكن إذا بخر البيت بجلد الجاموس طرد منه البق و أكل لحمه يورث القمل و شحمه إذا خلط بملح أندراني و طلي به الكلف و الجرب و البرص أزالها و أبرأها.

و قال ابن زهر، نقلا عن ارسطاطاليس: في دماغ الجاموس دود من أخذ منه شيئا و علقه عليه أو على غيره لم ينم ما دام عليه.

التعبير:

الجاموس في المنام رجل شجاع جلد لا يخاف أحدا يحتمل أذى الناس فوق طاقته، فإن رأت امرأة أن لها قرن جاموس، فإنها تتزوج ملكا و إلا كان ذلك قوة و منعة لقيمها و اللّه أعلم.

الجان:

حية بيضاء، و قيل: الحية الصغيرة قال اللّه تعالى: فَلَمََّا رَآهََا تَهْتَزُّ كَأَنَّهََا جَانٌّ وَلََّى مُدْبِراً* (3) و قال تعالى في آية أخرى: وَ مََا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يََا مُوسى‏ََ إلى قوله: فَإِذََا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى‏ََ (4) و قال تعالى: فَإِذََا هِيَ ثُعْبََانٌ مُبِينٌ* . قال ابن عباس رضي اللّه تعالى عنه: صارت حية صفراء، لها عرف كعرف الفرس، و صارت تتورم حتى صارت ثعبانا، و هو أعظم ما يكون من الحيات. قال تعالى: فَإِذََا هِيَ ثُعْبََانٌ مُبِينٌ* (5) . فلما ألقى موسى العصا، صارت جانا في الابتداء، ثم صارت ثعبانا في الانتهاء. و يقال: وصف اللّه تعالى العصا بثلاثة أوصاف: بالحية و الجان و الثعبان، لأنها كانت كالحية لعدوها، و كالثعبان لابتلاعها، و كالجان لتحركها. قال فرقد السنجي: كان بين لحييها أربعون ذراعا. قال ابن عباس و السدي: إنه لما ألقى العصا، صارت

____________

(1) سورة المائدة: الآية 4.

(2) سورة الأنعام: الآية 60.

(3) سورة النحل: الآية 10.

(4) سورة طه: الآية 17-20.

(5) سورة الأعراف: الآية 107

265

حية عظيمة صفراء شقراء فاغرة فاها، بين لحييها ثمانون ذراعا، و ارتفعت من الأرض بقدر ميل، و قامت على ذنبها واضعة لحيها الأسفل في الأرض، و الأعلى على سور القصر، و توجهت نحو فرعون لتأخذه. و روي أنها أخذت قبة فرعون بين نابيها، فوثب فرعون من سريره هاربا، و أخذته قبل أخذه البطن في ذلك اليوم أربعمائة مرة، و حملت على الناس فانهزموا و صاحوا، و مات منهم خمسة و عشرون ألفا، قتل بعضهم بعضا. و يقال: كانت العصا حية لموسى، و ثعبانا لفرعون، و جانا للسحرة. و أما قوله: وَ لِيَ فِيهََا مَآرِبُ أُخْرى‏ََ (1) فكان يحمل عليها زاده و سقاءه و كانت تماشيه و تحادثه، و كان يضرب بها الأرض فيخرج منها ما يأكل يومه، و يركزها فيخرج الماء، فإذا رفعها ذهب الماء، و كان يرد بها غنمه، و كانت تقيه الهوام بإذن اللّه تعالى، و إذا ظهر له عدو حاربته و ناضلت عنه، و إذا أراد الاستقاء من البئر، صارت شعبتاها كالدلو يستقي به. و كان يظهر على شعبتيها نور كالشمعتين تضي‏ء له و يهتدي بها، و إذا اشتهى ثمرة من الثمار ركزها في الأرض فتغصن أغصان تلك الشجرة، و تورق ورقها و تثمر ثمرها. قاله ابن عباس. و اللّه أعلم، و قد تقدم في باب التاء المثناة أن العصا كانت من آس الجنة أهبطت مع آدم إلى الأرض.

الجبهة:

الخيل و هو المراد بقوله صلى اللّه عليه و سلم في حديث‏ (2) الزكاة: «ليس في الجبهة و لا في النخة و لا في الكسعة صدقة» . و قيل للخيل ذلك لأنها خيار البهائم كما يقال. وجه السلعة لخيارها، و وجه القوم و جبهتهم سيدهم. و النخة البقر العوامل، مأخوذ من النخ، و هو السوق الشديد، و الكسعة الحمير، مأخوذ من الكسع و هو ضرب الادبار. قاله الزمخشري و غيره و اللّه تعالى أعلم.

الجثلة:

النملة السوداء و سيأتي إن شاء اللّه تعالى في باب النون في لفظ النملة ما فيه.

الجحل:

بتقديم الجيم على الحاء الحبارى. و ستأتي إن شاء اللّه تعالى و قيل: هو الحرباء، و قيل: هو الجعل، و قيل هو الضب الكبير المسن. و قيل: هو اليعسوب العظيم كالجراد إذا سقط لا يضم جناحه. و الجمع جحول و جحلان.

الجحمرش:

الأرنب المرضع و العجوز الكبيرة، و المرأة الثقيلة السمجة. و الجمع جحامر و التصغير جحيمر.

الجحش:

ولد الحمار الوحشي و الأهلي قيل: و إنما يسمى بذلك قبل أن يعظم، و الجمع جحاش و جحشان. و الأنثى جحشة. و ربما سمي المهر جحشا تشبيها بولد الحمار، و الجحش ولد الظبية في لغة هذيل. و يقال للرجل، إذا كان مستبدا برأيه: «جحيش وحده» (3) ، كما قالوا: «عيير وحده» (4) يشبهونه في ذلك بالجحش و العير، و قالت عائشة رضي اللّه تعالى عنها: كان عمر أجودنا «نسيج وحده» (5) و قد أعد للأمور أقرانها. و روى الدارقطني أن زينب بنت جحش أم المؤمنين،

____________

(1) سورة طه: الآية 18.

(2) رواه مسلم في الزكاة: 9. و أبو داود في الزكاة: 11 و النسائي في الزكاة: 16، 17. و ابن ماجة في الزكاة:

15. و الدارمي في الزكاة: 10. ، و الموطأ في الزكاة: 37. و أحمد: 2/242، 249، 254.

(3) مجمع الأمثال: 2/13.

(4) مجمع الأمثال: 2/13.

(5) مجمع الأمثال: 2/13.

266

رضي اللّه عنها، كان اسم أبيها برة، و قيل كان اسمه برة بالضم. و قال النبي صلى اللّه عليه و سلم «لو كان أبوك مؤمنا لسميته باسم رجل منا أهل البيت، و لكني قد سميته جحشا» و الجحش أكبر من البرة.

الجخدب:

بضم الجيم و بالخاء المعجمة و فتح الدال المهملة و جمعه جخادب. ضرب من الجنادب و هو الأخضر الطويل الرجلين و قيل: هو دويبة نحو من العظاءة و يقال له أبو جخادب.

الجدجد:

بالضم صرار الليل، قاله الجوهري، و هو قفاز و فيه شبه بالجراد، و الجمع الجداجد و قال الميداني: الجدجد ضرب من الخنافس، يصوت في الصحارى من أول الليل إلى الصبح فإذا طلبه طالب لم يره، و لذلك قالوا: «أكمن من جدجد» (1) . و في حديث عطاء في الجدجد: يموت في الوضوء قال: لا بأس به. و الوضوء بفتح الواو اسم للماء الذي يتوضأ به.

و بالضم اسم للفعل. و سيأتي ذكر الجدجد في باب الصاد المهملة في الكلام على الصرار.

الجداية:

بكسر الجيم و فتحها الذكر و الأنثى من أولاد الظباء إذا بلغ ستة أشهر أو سبعة، و خص بعضهم به الذكر منها. قال الأصمعي: الجداية بمنزلة العناق من الغنم. و في سنن أبي داود الترمذي عن كلدة بن حنبل الغساني، و ليس له في الكتب الستة سواه، قال: بعثني صفوان بن أمية إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم بلبن و جداية و ضغابيس، و النبي صلى اللّه عليه و سلم بأعلى مكة، فدخلت و لم أسلم فقال‏ (2) : «ارجع و قل السلام عليكم» . و ذلك بعد ما أسلم صفوان، الضغابيس صغار القثاء، و الجداية الصغير من الظباء ذكرا كان أو أنثى.

الجدي:

الذكر من أولاد المعز، و ثلاثة أجد، فإذا كثرت فهي الجداء. روى أبو داود عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما «أن النبي صلى اللّه عليه و سلم كان يصلي فذهب جدي يمرّ بين يديه فجعل يتقيه‏ (3) » و روى الطبراني و البزار بإسناد حسن عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص رضي اللّه تعالى عنهما أن النبي صلى اللّه عليه و سلم قال: «كان جدي في غنم كثيرة ترضعه أمه فترويه، فانفلت يوما فرضع الغنم كلها ثم لم يشبع فقيل: إن مثل هذا، مثل قوم يأتون من بعدكم فيعطى الرجل منهم ما يكفي القبيلة أو الأمة ثم لم يشبع‏ (4) » . و في صفة الصفوة و غيرها عن مجاهد، قال كان عمر رضي اللّه عنه يقول: «لو مات جدي بطف الفرات لخشيت أن يطالب اللّه به عمر» . الطف اسم موضع بناحية الكوفة، و أضيف إلى الفرات لقربه منه.

الأمثال:

قالوا تغد بالجدي قبل أن يتعشى بك يضرب للأخذ بالحزم.

الخواص:

لحم الجدي أقل حرارة و رطوبة من الخروف و أسرع المعز هضما و أجوده الجدي

____________

(1) مجمع الأمثال: 2/171.

(2) رواه أبو داود في الأدب: 127، و الترمذي في الاستئذان: 18 و أحمد: 4/414.

(3) رواه أبو داود في الصلاة: 110. و ابن ماجة في الإقامة: 39، و ابن حنبل: 1/247، 291، 308، 341، 343.

(4) رواه البخاري في الجهاد: 37، و في الوصايا 9، و الرفاق 7، 11، و الزكاة: 47-50 و رواه مسلم في الزكاة: 96، 98، 121، 122، 123. الترمذي قيامه: 29. النسائي زكاة: 50-81-93- و ابن ماجة فتن: 18، الدارمي زكاة: 20.

267

الأحمر و الأزرق و لحمه سريع الانهضام، لكنه يضر بأصحاب القولنج، و العسل يذهب مضرته و هو جيد الغذاء و يكره السمين من ذكورها و إناثها لعسر انهضامها، و رداءة غذائها. و لحوم المعز بالجملة نافعة لمن به الدماميل و البثور، و لحومها في الشتاء رديئة و في الصيف جيدة و في باقي الفصول متوسطة.

التعبير:

الجدي في المنام ولد فمن رأى جديا مذبوحا فهو موت ولد. و أكل الجدي المشوي يدل على موت ولد ذكر، فإن أكل منه ذراعه نجا من الهلكة، و إن أكل منه الجنب اليسار، فإنه يدل على هم و حزن. و النصف مما يلي الرأس إلى السرة يعبر بالمرأة و البنات و النصف مما يلي السرة إلى الرجلين يعبر بالبنين. و الذراع المشوي في المنام إذا كان ناضجا فهو رزق من امرأة يمكر بها.

و إذا كان غير ناضج فهو غيبة و نميمة و يأتي القول فيه في باب الخروف فإنه مثله.

الأجدل:

الصقر صفة غالبة عليه، و أصله من الجدل الذي هو الشدة. و هي الأجادل كسروه تكسير الأسماء، لغلبة الصفة، و لذلك جعله سيبويه مما يكون صفة في بعض الكلام، و اسما في بعض اللغات. و قد يقال للأجدل أجدلي، و نظيره أعجم و أعجمي. و هو ممنوع من الصرف كأخيل عند قليل، و الأكثر أنهما مصروفان.

الأمثال‏

: قالوا (1) : «بيض القطا يحضنه الأجدل» يضرب للشريف يأوي إليه الوضيع.

الجذع:

بفتح الجيم و الذال المعجمة، و هو من الضأن ما له سنة تامة، هذا هو الأصح عند أصحابنا، و هو الأشهر عند أهل اللغة و غيرهم و قيل: ما له ستة أشهر. و قيل: ما له سبعة و قيل ثمانية و قيل عشرة حكاه القاضي عياض. و هو غريب و قيل: إن كان متولدا بين شابين فستة أشهر، و إن كان بين هرمين، فثمانية أشهر. قال بعض أهل البادية: الأجذاع هو أن تكون الصوفة على الظهر قائمة. و إذا أجذع نامت، و الجذع من المعز ما له سنتان على الأصح، و قيل سنة قال:

الجوهري: الجذع قبل الثني، و الجمع جذعان و جذاع، و الأنثى جذعة و الجمع جذعات. تقول لولد الشاة في السنة الثانية و لولد المعز و الحافر في السنة الثالثة و للإبل في السنة الخامسة أجذع.

و الجذع اسم له في زمن و ليس لسن تنبت و لا تسقط. روى زر بن حبيش عن عبد اللّه بن مسعود قال: كنت غلاما يافعا أرعى غنما لعقبة بن أبي معيط، فجاء النبي صلى اللّه عليه و سلم و أبو بكر، و قد نفرا من المشركين فقالا: «يا غلام هل عندك من لبن تسقينا فقلت: إني مؤتمن و لست بساقيكما» فقال‏ (2)

النبي صلى اللّه عليه و سلم: «هل عندك من جذعة لم ينز عليها الفحل» . قلت: نعم قال: فائتني بها. قال:

فأتيتهما بها فاعتقلها النبي صلى اللّه عليه و سلم، و مسح الضرع و دعا، فجعل الضرع يحفل، ثم أتاه أبو بكر بصخرة منقعرة فاحتلب فيها و شرب رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، و شرب أبو بكر ثم شربت. ثم قال صلى اللّه عليه و سلم للضرع: «أقلص» فقلص أي اجتمع. قال: فأتيته بعد ذلك فقلت: علمني من هذا القول قال:

إنك عليم معلم. قال: فأخذت من فيه سبعين سورة لا ينازعني فيها أحد. و في حديث المبعث أن ورقة بن نوفل قال: يا ليتني فيها جذعا. الضمير في فيها للنبوّة. أي ليتني كنت شابا عند ظهورها، حتى أبالغ في نصرتها و حمايتها و جذعا منصوب على الحال من الضمير في فيها تقديره

____________

(1) مجمع الأمثال: 1/109.

(2) رواه أحمد: 1/462.

268

ليتني مستقر فيها جذعا أي شابا و قيل: هو منصوب بإضمار كان و ضعف ذلك لأن كان الناقصة لا تضمر إلا إذا كان في الكلام لفظ ظاهر يقتضيها كقولهم: إن خيرا فخير، و إن شرا فشر أي إن كان خيرا فخير و روى الحافظ الدمياطي عن علي بن صالح، قال: كان ولد عبد المطلب عشرة، كل منهم يأكل جذعة. و روى أبو عمر بن عبد البر، في التمهيد، من طريق صحيح، أن أعرابيا سأل النبي صلى اللّه عليه و سلم عن شجرة طوبى، فقال له: «هل أتيت الشأم؟فإن فيها شجرة يقال لها الجوزة» .

ثم وصفها. ثم إن الأعرابي سأل عن عظم أصلها فقال له لو ركبت جذعة من ابل أهلك، ثم طفت بها أو قال درت بها، حتى تندق ترقوتها هرما ما قطعتها» (1) و ذكر السهيلي في التعريف و الاعلام أن أصلها في قصر النبي صلى اللّه عليه و سلم في الجنة، ثم تنقسم فروعها على منازل أهل الجنة كما انتشر منه العلم و الإيمان على جميع أهل الدنيا و هذه الشجرة من شجرة الجوز.

الجراد:

معروف الواحدة جرادة الذكر و الأنثى فيه سواء. يقال: هذا جرادة ذكر و هذه جرادة أنثى كنملة و حمامة. قال أهل اللغة: و هو مشتق من الجرد. قال: و الاشتقاق في أسماء الأجناس قليل جدا. يقال ثوب جرد أي أملس. و ثوب جرد إذا ذهب زئيره. و هو بري و بحري.

و الكلام الآن في البري. قال‏ (2) اللّه تعالى: يَخْرُجُونَ مِنَ اَلْأَجْدََاثِ، كَأَنَّهُمْ جَرََادٌ مُنْتَشِرٌ أي في كل مكان. و قيل: وجه التشبيه أنهم حيارى فزعون لا يهتدون و لا جهة لأحد منهم يقصدها.

و الجراد لا جهة له فيكون أبدا بعضه على بعض. و قد شبههم في آية أخرى بالفراش المبثوث.

و فيهم من كل هذا شبه، و قيل: إنهم أولا كالفراش حين يموج بعضهم في بعض ثم كالجراد إذا توجهوا نحو المحشر و الداعي. و الجرادة تكنى بأم عوف قال أبو عطاء السندي‏ (3) :

و ما صفراء تكنى أم عوف # كأن رجيلتيها منجلان‏

و الجراد أصناف مختلفة: فبعضه كبير الجثة، و بعضه صغيرها، و بعضه أحمر و بعضه أصفر و بعضه أبيض. و كان مسلمة بن عبد الملك بن مروان يلقب بالجرادة الصفراء، و كان موصوفا بالشجاعة و الاقدام و الرأي و الدهاء. ولي أرمينية و أذربيجان غير مرة، و إمرة العراقين و سار في مائة و عشرين ألفا و غزا القسطنطينية في خلافة سليمان أخيه. و روى عن عمر بن عبد العزيز، و هو مذكور في سنن أبي داود و كانت وفاته سنة احدى و عشرين و مائة.

و من الفوائد عنه‏

أنه لما حضر عمورية حصل له صداع فلم يركب في الحرب فقال أهل عمورية للمسلمين: ما بال أميركم لم يركب اليوم فقالوا: حصل له صداع، فأخرجوا لهم برنسا و قالوا ألبسوه إياه ليزول عنه ما يجد. فلبسه مسلمة فشفي، ففتقوه فلم يجدوا فيه شيئا ثم فتقوا أزراره فإذا فيه بطاقة مكتوب فيها هذه الآيات: بسم اللّه الرحمن الرحيم‏ ذََلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَ رَحْمَةٌ (4) بسم اللّه الرحمن الرحيم‏ اَلْآنَ خَفَّفَ اَللََّهُ عَنْكُمْ وَ عَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً (5) بسم اللّه الرحمن الرحيم‏ يُرِيدُ اَللََّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَ خُلِقَ اَلْإِنْسََانُ ضَعِيفاً (6) بسم اللّه الرحمن الرحيم

____________

(1) رواه أحمد: 4/184.

(2) سورة القمر: الآية 7.

(3) أبو عطاء السندي.

(4) سورة البقرة: الآية 178.

(5) سورة الأنفال: الآية 66.

(6) سورة النساء: الآية 28.

269

حم `عسق (1) بسم اللّه الرحمن الرحيم‏ وَ إِذََا سَأَلَكَ عِبََادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ اَلدََّاعِ إِذََا دَعََانِ (2) بسم اللّه الرحمن الرحيم‏ أَ لَمْ تَرَ إِلى‏ََ رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ اَلظِّلَّ وَ لَوْ شََاءَ لَجَعَلَهُ سََاكِناً (3)

بسم اللّه الرحمن الرحيم‏ وَ لَهُ مََا سَكَنَ فِي اَللَّيْلِ وَ اَلنَّهََارِ وَ هُوَ اَلسَّمِيعُ اَلْعَلِيمُ (4) فقال المسلمون:

من أين لكم هذا و إنما أنزل على نبينا محمد صلى اللّه عليه و سلم؟قالوا: وجدناه منقوشا في حجر في كنيسة قبل أن يبعث نبيكم بسبعمائة عام. قال الحافظ ابن عساكر: و يكتب للصداع أيضا بسم اللّه الرحمن الرحيم‏ كهيعص `ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيََّا `إِذْ نََادى‏ََ رَبَّهُ نِدََاءً خَفِيًّا `قََالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ اَلْعَظْمُ مِنِّي وَ اِشْتَعَلَ اَلرَّأْسُ شَيْباً وَ لَمْ أَكُنْ بِدُعََائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (5) أَ لَمْ تَرَ إِلى‏ََ رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ اَلظِّلَّ وَ لَوْ شََاءَ لَجَعَلَهُ سََاكِناً (6) كهيعص (7) حم‏ عسق (8) كم للّه من نعمة على كل عبد شاكر و غير شاكر. و كم للّه من نعمة في كل قلب خاشع و غير خاشع و كم للّه من نعمة في كل عرق ساكن و غير ساكن اذهب أيها الصداع بعز عز اللّه و بنور وجه اللّه‏ وَ لَهُ مََا سَكَنَ فِي اَللَّيْلِ وَ اَلنَّهََارِ وَ هُوَ اَلسَّمِيعُ اَلْعَلِيمُ (9) و لا حول و لا قوة إلا باللّه العلي العظيم، و صلى اللّه على سيدنا محمد خاتم النبيين و المرسلين و على آله و صحبه أجمعين. قال: يكتب و يجعل على الرأس فإنه نافع. قلت: و هو عجيب مجرب. قال: و مما جرب أيضا للصداع أن تكتب هذه الأحرف الآتية على دف خشب و تدق فيه مسمارا على حرف بعد حرف إلى أن يكن الصداع، و تقرأ و أنت تدق‏ وَ لَوْ شََاءَ لَجَعَلَهُ سََاكِناً (10) وَ لَهُ مََا سَكَنَ فِي اَللَّيْلِ وَ اَلنَّهََارِ وَ هُوَ اَلسَّمِيعُ اَلْعَلِيمُ (11) و هي هذه الأحرف:

ا ح ا ك ك ح ع ح ا م ح. و ذكر لها خبرا اتفق لهارون الرشيد مع بعض ملوك الروم، و سيأتي إن شاء اللّه تعالى في السوس شي‏ء يتعلق بهذا. و الجراد إذا خرج من بيضه يقال له الدبى، فإذا طلعت أجنحته و كبرت فهو الغوغاء الواحدة غوغاءة و ذلك حين يموج بعضه في بعض، فإذا بدت فيه الألوان و اصفرت الذكور و اسودت الإناث سمي جرادا حينئذ و هو إذا أراد أن يبيض، التمس لبيضه المواضع الصلدة و الصخور الصلبة التي لا تعمل فيها المعاول، فيضربها بذنبه فتفرج له فيلقي بيضه في ذلك الصدع، فيكون له كالأفحوص و يكون حاضنا له و مربيا. و للجرادة ست أرجل: يدان في صدرها، و قائمتان في وسطها، و رجلان في مؤخرها، و طرفا رجليها منشاران.

و هو من الحيوان الذي ينقاد لرئيسه فيجتمع كالعسكر إذا ظعن أوله تتابع جميعه ظاعنا و إذا نزل أوله نزل جميعه. و لعابه سم ناقع للنبات، لا يقع على شي‏ء إلا أهلكه. و في البخاري عن أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه، أن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، قال‏ (12) : «بينما أيوب عليه الصلاة و السلام يغتسل عريانا خر عليه رجل جراد من ذهب، فجعل يحثي في ثوبه، فناداه اللّه تعالى: يا أيوب أ لم أكن

____________

(1) سورة الشورى: الآية 1 و 2.

(2) سورة البقرة: الآية 186.

(3) سورة الفرقان: الآية 45.

(4) سورة الأنعام: الآية 13.

(5) سورة مريم: الآية 1-4.

(6) سورة الفرقان: الآية 45.

(7) سورة مريم: الآية 1.

(8) سورة الشورى: الآية 1-2.

(9) سورة الأنعام: الآية 13.

(10) سورة الفرقان: الآية 45.

(11) سورة الأنعام: الآية 13.

(12) رواه البخاري في الغسل: 20 و التوحيد: 35 و الأنبياء: 20، و رواه النسائي في الغسل: 7. و رواه ابن حنبل: 2/243، 304، 314، 490، 511.

270

أغنيك عما ترى؟قال: بلى يا رب و لكن لا غنى لي عن بركتك» قال الشافعي: في هذا الحديث نعم المال الصالح مع العبد الصالح. و روى الطبراني و البيهقي عن شعبة عن أبي زهير النميري قال‏ (1) : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: «لا تقتلوا الجراد فإنه جند اللّه الأعظم» . قلت هذا، و إن صح، أراد به ما لم يتعرض لإفساد الزرع و غيره، فإن تعرض لذلك، جاز دفعه بالقتل و غيره. و الجند العسكر و الجمع أجناد و جنود. و في الحديث: «الأرواح جنود مجندة» أي مجموعة، كما يقال ألوف مؤلفة، و قناطير مقنطرة. ثم أسند عن ابن عمر: أن جرادة وقعت بين يدي رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم فإذا مكتوب على جناحيها بالعبرانية: نحن جند اللّه الأكبر و لنا تسع و تسعون بيضة و لو تمت المائة لأكلنا الدنيا بما فيها فقال‏ (2) رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: «اللهم أهلك الجراد اقتل كبارها، و أمت صغارها، و أفسد بيضها، و سد أفواهها عن مزارع المسلمين و معايشهم، إنك سميع الدعاء. فجاءه جبريل عليه السلام و قال: إنه قد استجيب لك في بعضه» . و كذلك أسنده الحاكم في تاريخ نيسابور أيضا ثم أسند الطبراني أيضا عن الحسن بن علي قال: كنا على مائدة نأكل أنا و أخي محمد بن الحنفية و بنو عمي عبد اللّه و قثم و الفضل أولاد العباس، فوقعت جرادة على المائدة فأخذها عبد اللّه و قال لي:

ما مكتوب على هذه فقلت سألت أبي أمير المؤمنين عن ذلك؟فقال: سألت رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم عنه فقال لي: «مكتوب عليها: أنا اللّه لا إله إلا أنا رب الجراد و رازقها إن شئت بعثتها رزقا لقوم، و إن شئت بعثتها بلاء على قوم» . فقال عبد اللّه: هذا من العلم المكنون. ثم أسند أيضا هو و أبو يعلى الموصلي عن جابر بن عبد اللّه أن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه في سنة من سني خلافته فقد الجراد فاهتم لذلك هما شديدا فبعث إلى اليمن راكبا، و إلى الشام راكبا و إلى العراق راكبا، كل يسأل هل رأوا الجراد؟فأتاه الراكب الذي سار إلى اليمن بقبضة منه فنثرها بين يديه فلما رأى عمر الجراد، كبر و قال: سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم يقول؛ «إن اللّه عز و جل خلق ألف أمة ستمائة منها في البحر، و أربعمائة في البر. و إن أوّل هلاك هذه الأمم الجراد، فإذا هلك الجراد، تتابعت الأمم مثل النظام إذا قطع سلكه‏ (3) » . و رواه ابن عدي في ترجمة محمد بن عيسى العبدي و ذكره الحكيم الترمذي في نوادره و قال: إنما صار الجراد أول هذه الأمم هلاكا، لأنه خلق من الطينة التي فضلت من خلق آدم عليه الصلاة و السلام. و إنما تهلك الأمم بهلاك الآدميين لأنها سخرت لهم و هو في الكامل و الميزان في ترجمة محمد بن عيسى بن كيسان. و في الحلية في ترجمة حسان بن عطية. قال الأوزاعي حدثني حسان قال: «إنما مثل الشياطين في كثرتهم كمثل رجل دخل زرعا فيه جراد كثير، فكلما وضع رجله تطاير الجراد يمينا و شمالا و لو لا أن اللّه عز و جل غض البصر عنهم، ما رؤي شي‏ء إلا و عليه شيطان» . و فيها في ترجمة يزيد بن ميسرة قال: كان طعام يحيى بن زكريا عليهما الصلاة و السلام الجراد و قلوب الشجر، و كان يقول: من أنعم منك يا يحيى و طعامك الجراد و قلوب الشجر: و في الجراد خلقة عشرة من جبابرة الحيوان مع ضعفه وجه فرس و عينا فيل و عنق ثور و قرنا أيل و صدر أسد و بطن عقرب و جناحا نسر و فخذا جمل و رجلا نعامة و ذنب حية.

____________

(1) رواه النسائي في الصيد: 37.

(2) رواه الترمذي في الأطعمة: 23، و ابن ماجة في الصيد: 9.

(3) الكامل لابن عدي: 6/2249.

271

و قد أحسن القاضي محيي الدين الشهرزوري‏ (1) في وصف الجراد بذلك في قوله:

لها فخذا بكر و ساقا نعامة # و قادمتا نسر و جؤجؤ ضيغم‏ (2)

حبتها أفاعي الأرض بطنا و أنعمت # عليها جياد الخيل بالرأس و الفم‏

و ما يستحسن و يستجاد من شعره قوله يصف نزول الثلج من الغيم:

و لما شاب رأس الدهر غيظا # لما قاساه من فقد الكرام

أقام يميط عنه الشيب غيظا # و ينثر ما أماط على الأنام‏ (3)

توفي الشهرزوري في سنة ست و ثمانين و خمسمائة و ليس في الحيوان أكثر افسادا لما يقتاته الانسان من الجراد. قال الأصمعي: أتيت البادية، فإذا أعرابي زرع برا له، فلما قام على سوقه و جاد سنبله أتاه رجل جراد فجعل الرجل ينظر إليه و لا يدري كيف الحيلة فيه فأنشأ يقول:

مر الجراد على زرعي فقلت له # لا تأكلنّ و لا تشغل بإفساد

فقام منهم خطيب فوق سنبلة # أنا على سفر لا بد من زاد

و قيل لأعرابي: أ لك زرع؟فقال: نعم. و لكن أتانا رجل من جراد، بمثل مناجل الحصاد، فسبحان من يهلك القوي الأكول بالضعيف المأكول.

فائدة:

تكتب هذه الكلمات و تجعل في أنبوبة قصب و تدمن في الزرع أو في الكرم فإنه لا يؤذيه الجراد بإذن اللّه تعالى و هي بسم اللّه الرحمن الرحيم، اللهم صلي على سيدنا محمد، و على آل سيدنا محمد و سلم، اللهم أهلك صغارهم، و اقتل كبارهم، و أفسد بيضهم، و خذ بأفواههم عن معايشنا و أرزاقنا، إنك سميع الدعاء إني توكلت على اللّه ربي و ربكم، ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم. اللهم صلي على سيدنا محمد، و على آل سيدنا محمد و سلم، و استجب منا يا أرحم الراحمين. و هو عجيب مجرب. و مما يفعل لطرد الجراد أيضا، و قد جرب و فعل، فصرفه اللّه به و أخبرني به الشيخ يحيى بن عبد اللّه القرشي، و أنه فعل ذلك غير مرة، فصرفه اللّه سبحانه و تعالى عن البلاد التي هو فيها، و كفاهم شره و أن بعض العلماء أفاده ذلك، و قد سماه لي و ذهب عني اسمه الآن، انه إذا وقع الجراد بأرض و أردت أن اللّه سبحانه و تعالى يصرفه، فخذ منه أربع جرادات، و اكتب على أجنحتها أربع آيات من كتاب اللّه تعالى، في جناح كل جرادة آية، ثم توجه بها إلى أي بلد تسميها و تقول لهم: انصرفوا إليها. على الأولى:

فَسَيَكْفِيكَهُمُ اَللََّهُ وَ هُوَ اَلسَّمِيعُ اَلْعَلِيمُ (4) و على الثانية وَ حِيلَ بَيْنَهُمْ وَ بَيْنَ مََا يَشْتَهُونَ (5) و على

____________

(1) الشهرزوري هو أبو حامد محمد بن القاضي كمال الدين بن الشهرزوري الملقب محي الدين. دخل بغداد ثم قصد الشام و ولي قضاء دمشق و مات سنة 586 هـ-.

(2) الأبيات الأربعة مع ترجمته: وفيات الأعيان: 4/246.

(3) في الوفيات: «... يميط هذا الشيب عنه» .

(4) سورة البقرة: الآية 137.

(5) سورة سبأ: الآية 54.

272

الثالثة ثُمَّ اِنْصَرَفُوا صَرَفَ اَللََّهُ قُلُوبَهُمْ (1) و على الرابعة فَلَمََّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلى‏ََ قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (2) .

الحكم:

أجمع المسلمون على إباحة أكله و قد قال عبد اللّه بن أبي أوفى: «غزونا مع رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم سبع غزوات نأكل الجراد» (3) رواه أبو داود و البخاري و الحافظ أبو نعيم. و فيه و يأكله رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم معنا.

و روى ابن ماجة عن أنس قال: «كن أزواج النبي صلى اللّه عليه و سلم يتهادين الجراد في الأطباق‏ (4) » . و في الموطأ من حديث ابن عمر سئل عن الجراد فقال: وددت أن عندي قفة آكل منها. و روى البيهقي عن أبي امامة الباهلي رضي اللّه عنه أن النبي صلى اللّه عليه و سلم قال: «إن مريم بنت عمران عليها السلام سألت ربها أن يطعمها لحما لا دم له فأطعمها الجراد فقالت: اللّه أعشه بغير رضاع و تابع بينه بغير شياع» قلت: يا أبا الفضل ما الشياع؟قال: الصوت. و تقدم أن يحيى بن زكريا كان يأكل الجراد و قلوب الشجر، يعني الذي ينبت في وسطها غضا طريا قبل أن يقوى و يصلب، واحدها قلب بالضم للفرق. و كذلك قلب النخلة. و قالت الأئمة الأربعة: يحل أكله سواء مات حتف أنفه، أو بذكاة أو باصطياد مجوسي أو مسلم قطع منه شي‏ء أم لا. و عن أحمد رحمه اللّه أنه إذا قتله البرد لم يؤكل، و ملخص مذهب مالك أنه إن قطع رأسه حل، و إلا فلا. و الدليل على عموم حله، قوله صلى اللّه عليه و سلم: « أحلت لنا ميتتان و دمان: الكبد و الطحال و السمك و الجراد» (5) رواه الإمام الشافعي و الإمام أحمد و الدارقطني و البيهقي من حديث عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن ابن عمر رضي اللّه تعالى عنهما مرفوعا. قال البيهقي.

و روي عن ابن عمر موقوفا و هو الأصح و اختلف أصحابنا و غيرهم في الجراد هل هو صيد بري أو بحري فقيل: بحري لما روى ابن ماجة عن أنس رضي اللّه تعالى عنه أن النبي صلى اللّه عليه و سلم دعا على الجراد فقال: «اللهم أهلك كباره، و أفسد صغاره، و اقطع دابره، و خذ بأفواهه عن معايشنا و أرزاقنا إنك سميع الدعاء (6) » . فقال رجل: يا رسول اللّه كيف تدعو على جند من أجناد اللّه تعالى بقطع دابره؟فقال صلى اللّه عليه و سلم: «إن الجراد نثرة الحوت من البحر (7) » . أي عطسته و المراد أن الجراد من صيد البحر يحل للمحرم أن يصيده. و فيه عن أبي هريرة قال: خرجنا مع رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم في حج أو عمرة فاستقبلنا رجل جراد، فجعلنا نضربهن بنعالنا و أسواطنا. فقال صلى اللّه عليه و سلم: «كلوه فإنه صيد البحر (8) » . و الصحيح أنه بري لأن المحرم يجب عليه فيه الجزاء إذا أتلفه عندنا و به قال عمر و عثمان

____________

(1) سورة التوبة: الآية 127.

(2) سورة الأحقاف: الآية 129.

(3) رواه البخاري في الذبائح: 13، و مسلم في الصيد: 52، و الترمذي في الأطعمة 22. و النسائي في الصيد:

37. و الدارمي في الصيد: 5. و ابن حنبل: 4/353، 357، 385.

(4) رواه ابن ماجة في الصيد: 9.

(5) رواه ابن ماجة في الصيد: 9، و الأطعمة: 31، و أبو داود في الأطعمة: 34. و الموطأ صفة النبي: 30، و ابن حنبل: 2/97.

(6) رواه الترمذي في الأطعمة: 23، و ابن ماجة في الصيد: 9.

(7) رواه ابن ماجة في الصيد: 9.

(8) رواه أبو داود في المناسك: 41. و ابن ماجة في الصيد: 9.

273

و ابن عمر و ابن عباس و عطاء. قال العبدري: و هو قول أهل العلم كافة إلا أبا سعيد الخدري فإنه قال: لا جزاء فيه و حكاه ابن المنذر عن كعب الأحبار، و عروة بن الزبير فإنهم قالوا: هو من صيد البحر لا جزاء فيه. و احتج لهم بحديث أبي المهزم عن أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه قال:

أصبنا رجلا من جراد فكان الرجل منا يضربه بسوطه، و هو محرم، فقيل: ان هذا لا يصلح.

فذكر ذلك لرسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، فقال: «إنما هو من صيد البحر» رواه أبو داود و الترمذي و غيرهما، و اتفقوا على ضعفه لضعف، أبي المهزم و هو بضم الميم و كسر الزاي و فتح الهاء بينهما. و اسمه يزيد ابن سفيان و سيأتي ذكره في حكم النعامة. و احتج الجمهور بما رواه الإمام الشافعي بإسناده الصحيح أو الحسن، عند عبد اللّه بن أبي عمار، أنه قال: أقبلت مع معاذ بن جبل رضي اللّه تعالى عنه و كعب الأحبار في أناس محرمين من بيت المقدس بعمرة، حتى إذا كنا ببعض الطريق، و كعب على نار يصطلي «فمرت به رجل من جراد، فأخذ جرادتين فقتلهما، و كان قد نسي إحرامه ثم ذكر إحرامه، فألقاهما» . فلما قدمنا المدينة دخل القوم على عمر رضي اللّه عنه و دخلت معهم فقص كعب قصة الجرادتين على عمر، فقال: «ما جعلت على نفسك يا كعب؟فقال: درهمين فقال: بخ بخ درهمان خير من مائة جرادة اجعل ما جعلت على نفسك» (1) و بإسناد الشافعي و البيهقي الصحيح عن القاسم بن محمد قال: كنت جالسا عند ابن عباس فسأله رجل عن جرادة قتلها، و هو محرم فقال ابن عباس: فيها قبضة من طعام و لتأخذن بقبضة جرادات. قال الإمام الشافعي رحمه اللّه: أشار بذلك إلى أن فيها القيمة فالجراد و بيضه مضمونان بالقيمة على المحرم، و في الحرم فلو وطئه عامدا أو جاهلا ضمن، و لو عم الجراد المسالك و لم يجد بدا من وطئه فالأظهر أنه لا ضمان. و قيل: لا ضمان قطعا. و يجوز السلم في الجراد و السمك حيا و ميتا عند عموم وجودهما.

و يوصف كل جنس بما يليق به و حكى الرافعي في باب الربا ثلاثة أوجه: أحدها: أنه ليس من جنس اللحوم، قال في الروضة و هو الأصح. و الثاني أنه من اللحوم البريات. و الثالث أنه من اللحوم البحريات. و يظهر أثر الخلاف في جواز بيعه بلحم بحري أو بري و فيما لو حلف لا يأكل لحما. و حكى الموفق بن طاهر قولا غريبا أنه من صيد البحر لأنه يتولد من روث السمك و هو شاذ.

الأمثال:

قالت العرب: «تمرة خير من جرادة و أطيب من جرادة» . «و جاء القوم كالجراد المنتشر (2) » . أي متفرقين. «و أجرد من الجراد (3) » . «و أغوى من غوغاء (4) الجراد» . و قالوا: «كالجراد لا يبقي و لا يذر» (5) . يضرب في اشتداد الأمر و استئصال القوم. و قالوا: «أحمى من مجير الجراد (6) » .

و هو مدلج بن سويد الطائي، و كان من حديثه فيما ذكر ابن الأعرابي، عن الكلبي أنه خلا ذات يوم في خيمته فإذا هو بقوم من طي‏ء، و معهم أوعيتهم، فقال: ما خطبكم؟قالوا: جراد وقع بفنائك فجئنا لنأخذه. فركب فرسه و أخذ رمحه و قال: و اللّه لا يتعرض له أحد منكم إلا قتلته

____________

(1) الحديث بتمامه في الموطأ حج: 235-236.

(2) مجمع الأمثال: 1/165.

(3) جمهرة الأمثال: 1/271.

(4) جمهرة الأمثال: 2/76.

(5) مجمع الأمثال: 1/162.

(6) جمهرة الأمثال: 1/330.

274

أ يكون في جواري ثم تريدون أخذه!و لم يزل يحرسه حتى حميت عليه الشمس فطار. فقال:

شأنكم الآن به فقد تحول عن جواري.

الخواص:

إذا تبخر الإنسان بالجراد البري نفعه من عسر البول. و قال ابن سينا: إذا أخذ منه اثنتا عشرة جرادة، و نزعت رءوسها و أطرافها، و جعل معها قليل من الآس اليابس، و شربه صاحب الاستسقاء نفعه. و الجراد الطويل العنق، إذا علق على من به حمى الربع نفعه. و إذا طلي ببيضه و جوفه الكلف أبرأه.

التعبير:

الجراد في الرؤيا جند اللّه لأنه من آيات موسى عليه الصلاة و السلام. و هو عذاب، و الدبى منه ناس سيئة أخلاقهم قبيحة سيرتهم. و إذا وقع في موضع يؤخذ و يؤكل فإنه خير و نعمة و إذا رأى أنه جعله في جرة أو قدر فإنه ينال دراهم و دنانير. و روي أن رجلا جاء إلى ابن سيرين رحمه اللّه فقال: رأيت كأني أخذت جرادا فجعلته في جرة فقال ابن سيرين: دراهم توصلها إلى امرأة فكان كذلك و من رأى أنه يمطر عليه جراد من ذهب عوضه اللّه ما ذهب منه لقصة أيوب عليه السلام.

الجراد البحري:

قال الشريف: هو حيوان له رأس مربع، و له مما يلي رأسه صدف خزفي، و نصفه الثاني لا خزف عليه، و له في كلا الجانبين عشرة أيد طوال شبيهة بأيدي العناكب، إلا أنها كبار جدا منها ما هو قدر الرغيف، و منها ما هو دون ذلك. و هو كثير بساحل البحر ببلاد الغرب، و يأكلونه كثيرا مشويا و مطبوخا. و له قرنان دقيقان أحمران، و عينان بارزتان متدليتان من رأسه، و هذا الجراد حار يابس و أجود ما يؤكل منه مشويا في الفرن و هو داخل في عموم أنواع الصدف و خاصية لحمه النفع من الجذام.

الجرارة:

نوع من العقارب إذا مشى على الأرض جر ذنبه. و سيأتي إن شاء اللّه تعالى في باب العين. و هي عقارب صغار صفر على مقدار ورق الانجذان. و تكون بعسكر مكرم. و أكثر ما توجد في كهارات السكر و في الطين الذي هو قوالب السكر. قاله في كامل الصناعة. و قال موسى بن عبد اللّه الاسرائيلي القرطبي: الجرارة نوع من العقارب صغير الجسم لا يقوم ذنبه على جسمه كما تفعل العقارب بل يجره على الأرض و كذلك توجد ببلاد المشرق قال الجاحظ: و هي تكون بعسكر مكرم و جنديسابور إذا لسعت أحدا قتلته. و ربما تناثر لحمه، و ربما يعفن و ينتن، حتى لا يدنو منه أحد إلا و هو محمر الوجه مخافة أعدائه. و هذا النوع يألف الحشوش و المواضع النادية و سمها حار محرق. و قال ابن جميع، في كتابه الارشاد: و الجرارة نوع من العقارب، و سمها حار يابس يعرض للبدن منه التهاب و كرب، و ليس يجد لموضع لسعها ألما قال: و من الأشربة النافعة لها ماء الشعير و ماء الجبن و سويق التفاح بالماء البارد. ا هـ و قال القزويني و الجاحظ: و هذا النوع يقتل غالبا ا هـ.

الجرذ:

بضم الجيم و فتح الراء المهملة و بالذال المعجمة ذكر الفيران و قيل: هو ضرب من الفأر أعظم من اليربوع أكدر في ذنبه سواد حكاه ابن سيده قال الجاحظ: و الفرق بين الجرذ و الفأر كالفرق بين الجواميس و البقر و البخاتي و العراب، قال: و جرذان انطاكية لا تقوى عليها السنانير

275

لعظمها إلا للواحد بعد الواحد. قال: و هي ببلاد خراسان قوية جدا و ربما عضت النائم فقطعت أذنه و أنا رأيت جرذا قاتل سنورا ففقأ عين السنور و هرب منه. و قال الزمخشري في ربيع الأبرار:

الجرذ إذا خصي أكل جميع الفأر. و الجرذ لا يقوم له شي‏ء منها. قال: و زعموا أن الخصي من كل جنس أضعف من الفحل إلا الجرذان فإن الخصاء يحدث فيه شجاعة و جراءة و الجمع جرذان، كصرد و صردان. و أرض جرذة أي ذات جرذان. و كنيته أبو جوال و أبو راشد و أبو العدرج و سيأتي في باب الفاء إن شاء اللّه تعالى. و روى أبو داود و ابن ماجة و غيرهما عن ضباعة بنت الزبير زوج المقداد بن الأسود (1) قالت: ذهب المقداد بن الأسود لحاجة ببقيع الخبخبة و هو بفتح الخاءين المعجمتين و سكون الباء الأولى، موضع بنواحي المدينة، فدخل خربة فإذا الجرذ يخرج من حجر دينارا دينارا، حتى أخرج سبعة عشر دينارا، ثم أخرج طرف خرقة خضراء، قال المقداد: فقمت فمددت طرف الخرقة، فوجدت فيها دينارا فكانت ثمانية عشر دينارا. قالت: فذهب بها المقداد فاستأذن على رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، فلما دخل عليه أخبره بذلك، و قال: خذ صدقتها يا رسول اللّه فقال: رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: «هل أهويت بيدك إلى الحجر؟» قال المقداد لا و الذي بعثك بالحق. فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم بعد ذلك للمقداد «خذها بارك اللّه لك فيها» و في رواية: «هذا رزق ساقه اللّه إليك‏ (2) » . و في صحيح مسلم من حديث سعيد بن أبي عروبة عن أبي سعيد الخدري رضي اللّه تعالى عنه قال: إن ناسا من عبد القيس قدموا على رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم فقالوا: يا رسول اللّه إنا حي من ربيعة فذكر الحديث إلى أن قالوا يا رسول اللّه فيم نشرب؟قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم «في أسقية الأدم» فقالوا: يا رسول اللّه إن أرضنا كثيرة الجرذان و لا نبقى فيها أسقية الأدم. فقال‏ (3) رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم:

«و إن أكلتها الجرذان و إن أكلتها الجرذان» .

و حكي: أن امرأة جاءت إلى قيس بن سعد (4) بن عبادة بن دليم، و كان حليما جوادا، فقالت له: مشت جرذان بيتي على العصا قال: لادعهن يثبن وثب الأسود ثم ملأ بيتها طعاما و ودكا و إداما. و روي إنه كان له ديون كثيرة فمرض فاستبطأ عوّاده فقيل له: إنهم يستحيون من أجل دينك عليهم. فأمر مناديا ينادي من كان لقيس بن سعد عليه دين فهو بري‏ء منه!فأتى الناس حتى هدموا درجة كان يصعد عليها إليه. قال عروة و كان قيس بن سعد يقول: اللهم ارزقني مالا فإنه لا تصلح الفعال إلا بالمال. قال: و كان أبوه سعد بن عبادة يقول: اللهم هب لي حمدا وهب لي مجدا فإنه لا مجد إلا بفعال، و لا فعال إلا بمال، اللهم إن القليل لا يصلحني و لا أصلح عليه. و قال يحيى بن أبي كثير: كان قيس بن سعد، إذا انصرف من صلاة مكتوبة، قال:

اللهم ارزقني مالا استعين به على الفعال، فإنه لا تصلح الفعال إلا بالمال. قال الجوهري: الفعل بالفتح مصدر فعل يفعل. و قرأ بعضهم‏ وَ أَوْحَيْنََا إِلَيْهِمْ فِعْلَ اَلْخَيْرََاتِ (5) و الفعل بالكسر

____________

(1) هو المقداد بن عمرو و يعرف بابن الأسود الكندي صحابي توفي سنة 33 هـ-.

(2) رواه أبو داود في الإمارة: 40، و ابن ماجة لقطة: 3.

(3) رواه مسلم في الإيمان: 26، و أحمد 3، 23.

(4) قيس بن سعد بن عبادة بن دليم الأنصاري الخزرجي المدني صحابي من الدهاة الأجواد توفي سنة 60 هـ-.

(5) سورة الأنبياء: الآية 73.

276

الاسم، و الجمع الفعال، مثل قدح و قداح و بئر و بئار و الفعال بالفتح الكرم قال هدبة (1) :

ضروبا بلحييه على عظم زوره # إذا القوم هشّوا للفعال تقنّعا

انتهى. و قال ابن سيده: الفعال بالفتح اسم للفعل الحسن انتهى توفي قيس بن سعد سنة ستين و قيل سنة تسع و خمسين للهجرة النبوية.

و حكمه و خواصه‏

: كالفأر و سيأتي في باب الفاء إن شاء اللّه تعالى.

التعبير:

الجرذ في المنام تدل رؤيته على الفسق و الأذى و الاجتماع، و ربما دلت رؤيته على الذل و المقت، و ربما دلت على نساء جفاة. و من أكل لحمه في المنام نال رزقا من حرام. و قال بعض أهل التعبير يدل على النقلة من أخذه أو دخل إلى منزله لقوله‏ (2) تعالى‏ فَأَرْسَلْنََا عَلَيْهِمْ سَيْلَ اَلْعَرِمِ . و كان سببه الجرذ فوقعت النقلة من تلك الأرض و أكل لحمه يدل على غيبة رجل فاسق و اللّه أعلم.

الجرجس:

لغة في القرقس و هو البعوض الصغار و سيأتي في باب القاف إن شاء اللّه تعالى.

الجوارس:

النحل و جرست النحل العرفط تجرس جرسا إذا أكلته و الجرس في الأصل الصوت الخفي. و العرفط بالضم شجرة الطلح و له صمغ كريه الرائحة. فإذا أكلته النحلة حصل في عسلها شي‏ء من ريحه.

الجرو:

بكسر الجيم و فتحها و ضمها ثلاث لغات مشهورات الصغير من أولاد الكلب و سائر السباع و في المثل لا تقتن من كلب سوء جروا قال الشاعر:

و لو ولدت فقيرة جرو كلب # لسب بذلك الجرو الكلاب‏

و قال ابن سيده: الجرو الصغير من كل شي‏ء حتى من الحنظل و البطيخ و القثاء و الرمان. روى مسلم في صحيحه عن ميمونة رضي اللّه تعالى عنها «أن النبي صلى اللّه عليه و سلم أصبح يوما واجما، فقالت ميمونة: يا رسول اللّه إني قد استنكرت هيئتك فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: إن جبريل وعدني أن يلقاني الليلة فلم يلقني أما و اللّه ما أخلفني قط قالت: فظل رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم يومه ذلك على ذلك الحال، ثم وقع في نفسه أن جرو كلب تحت فسطاط لنا فأمر به فأخرج ثم أخذ صلى اللّه عليه و سلم بيده ماء فنضح مكانه.

فلما أمسى لقيه جبريل، فقال له صلى اللّه عليه و سلم: قد كنت وعدتني أن تلقاني البارحة فقال: أجل و لكنا معشر الملائكة لا ندخل بيتا فيه كلب و لا صورة. فأصبح رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم يومئذ فأمر بقتل الكلاب حتى إنه أمر بقتل كلب الحائط الصغير و بترك كلب الحائط الكبير (3) » . و رواه الطبراني عن خولة خادم النبي صلى اللّه عليه و سلم بزيادة على ذلك، و لفظها إن جروا دخل البيت، و دخل تحت السرير و مات. «فمكث رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم أياما لا ينزل عليه الوحي، فقال: «يا خولة ما حدث في بيت رسول اللّه فإن جبريل

____________

(1) هدبة: هو هدبة بن خشرم بن كرز من عذرة، مات سنة 50 هـ-. و البيت مع ترجمته في الشعر و الشعراء 462.

(2) سورة سبأ: الآية 16.

(3) رواه أبو داود في اللباس: 45.

277

لا يأتيني؟فهل حدث في بيت رسول اللّه حدث؟» ثم خرج إلى المسجد قالت: فقمت فكنست البيت فأهويت بالمكنسة تحت السرير فإذا شي‏ء تحت المكنسة ثقيل فلم أزل حتى أخرجته، فإذا هو جرو كلب ميت فأخذته بيدي و ألقيته خلف الدار فجاء رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم ترعد لحيته و كان إذا أتاه الوحي أخذته الرعدة فقال: يا خولة دثريني فأنزل اللّه عز و جل‏ وَ اَلضُّحى‏ََ `وَ اَللَّيْلِ إِذََا سَجى‏ََ `مََا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَ مََا قَلى‏ََ (1) قال ابن عبد البر: و ليس إسناد حديثها هذا مما يحتج به. و الصحيح أن هذه السورة، نزلت في أول ما نزل من القرآن، لما انقطع عنه الوحي فقال المشركون إن محمدا قد ودّعه ربه أي هجره فأنزل اللّه هذه السورة. و روى البيهقي في أواخر الباب السابع و الأربعين من الشعب عن معاذ بن جبل قال: كان في بني إسرائيل رجل عقيم لا يولد له، و كان يخرج فإذا رأى غلاما من غلمان بني إسرائيل عليه حلى يخدعه، حتى يدخله بيته، فيقتله و يلقيه في مطمورة له، فبينما هو كذلك إذ لقى غلامين أخوين عليهما حلى فأدخلهما بيته و قتلهما و طرحهما في مطمورته. و كانت له امرأة مسلمة تنهاه عن ذلك، و تقول له إني أحذرك النقمة من اللّه عز و جل.

فيقول: لو أن اللّه يأخذني على شي‏ء لأخذني يوم فعلت كذا و كذا فتقول له المرأة: إن صاعك لم يمتلئ و لو امتلأ صاعك لأخذت فلما قتل الغلامين، خرج أبوهما في طلبهما فلم يجد أحدا يخبره عنهما، فأتى نبيا من أنبياء اسرائيل، و ذكر ذلك له فقال له ذلك النبي: هل كان معهما لعبة يلعبان بها؟فقال أبوهما: نعم كان لهما جرو. قال فائتني به فأتاه به فوضع النبي خاتمه بين عينيه ثم خلى سبيله، ثم قال: أول دار يدخلها من دور بني إسرائيل فيها بيان ذلك. فأقبل الجرو يتخلل الدور حتى دخل دار من دور بني إسرائيل، فدخلوا خلفه فوجدوا الغلامين مقتولين مع غلمان كثيرة قد قتلهم و طرحهم في المطمورة. فانطلقوا به إلى ذلك النبي عليه السلام فأمر به أن يصلب، فلما رفع إلى الخشبة أتته امرأته و قالت: قد كنت أحذرك هذا اليوم، و أخبرك أن اللّه غير تاركك، و أنت تقول: لو أن اللّه يأخذني على شي‏ء لأخذني يوم فعلت كذا و كذا. فأخبرك أن صاعك لم يمتلئ بعد.

ألا و إن صاعك قد امتلأ. و سيأتي إن شاء اللّه تعالى في باب الكاف في لفظ الكلب الحديث الذي في مسند الإمام أحمد الطبراني و البزار في الكلبة التي عوى جروها في بطنها. و روى الحاكم في المناقب من حديث أبي ذر رضي اللّه عنه أن النبي صلى اللّه عليه و سلم قال: «إذا اقترب الزمان كثر لبس الطيالسة و كثرت التجارة و كثر المال و عظم رب المال بماله و كثرت الفاحشة و كثرت النساء، و كانت امارة الصبيان، و جار السلطان و طفق في المكيال الميزان، و يربي الرجل جرو كلب خير له من أن يربي ولدا. و لا يوقر كبير و لا يرحم صغير، و يكثر الزنا حتى إن الرجل ليغشى المرأة على قارعة الطريق فيقول أمثلهم في ذلك الزمان: لو اعتزلتم عن الطريق. و يلبسون جلود الضأن على قلوب الذئاب، أمثلهم في ذلك الزمان المداهن» (2) و كذلك رواه الطبراني في معجمه الأوسط و فيه سيف ابن مسكين و هو ضعيف.

الجريث:

بكسر الجيم بالراء المهملة و الثاء المثلثة، و هو هذا السمك الذي يشبه الثعبان.

و جمعه جراثي. و يقال له أيضا الجري‏ء بالكسر و التشديد و هو نوع من السمك يشبه الحية و يسمى

____________

(1) سورة الضحى: الآية 1-3.

(2) رواه الدرامي في فضائل القرآن: 4.

278

بالفارسية مارماهي و قد تقدم في باب الهمزة أنه الأنكليس. قال الجاحظ: إنه يأكل الجرذان و هو حية الماء.

و حكمه:

الحل قال البغوي عند قوله‏ (1) تعالى: أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ اَلْبَحْرِ وَ طَعََامُهُ إن الجريث حلال بالاتفاق، و هو قول أبي بكر و عمر و ابن عباس و زيد بن ثابت و أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنهم و به قال شريح و الحسن و عطاء، و هو مذهب مالك و ظاهر مذهب الشافعي. و المراد هذه الثعابين التي لا تعيش إلا في الماء. و أما الحيات التي تعيش في البر و البحر، فتلك من ذوات السموم، و أكلها حرام. و سئل ابن عباس عن الجري فقال: هو شي‏ء حرمته اليهود و نحن لا نحرمه.

الخواص:

مرارته يسعط بها الفرس المجنون يذهب جنونه. و لحمه يجوّد الصوت. و سيأتي إن شاء اللّه تعالى في باب الصاد المهملة في لفظ الصيد ما ذكره البخاري في صحيحه في الجري.

الجزور: من الإبل يقع على الذكر و الأنثى، و هو مؤنث، و الجمع جزر. و كذا قاله الجوهري، و قال ابن سيده: الجزور الناقة التي تجزر و الجمع جزائر و جزر و جزرات جمع الجمع كطرق و طرقات. قالت خرنق بنت هفان‏ (2) :

لا يبعدن قومي الذين هم # سم العداة و آفة الجزر

النازلون بكل معترك # و الطيبين معاقد الأزر

و بها سميت المجزرة و هي الموضع الذي يذبح فيه. و في كتاب العين الجزور من الضأن و المعز خاصة مأخوذ من الجزر، و هو القطع. و في صحيح مسلم، من حديث عبد الرحمن بن شماسة أن عمرو بن العاص قال عند موته: إذا دفنتموني فسنوا عليّ التراب سنائم، أقيموا حول قبري قدر ما تنحر الجزور و يقسم لحمها، حتى أستأنس بكم، و أنظر ما ذا أراجع به رسل ربي.

قلت: و إنما ضرب المثل بنحر الجزور و تقسيم لحمها، لأنه كان في أول أمره جزارا بمكة، فألف نحر الجزائر، و ضرب به المثل، و كونه كان جزارا جزم به ابن قتيبة في المعارف، و نقله ابن دريد في كتاب الوشاح و كذلك ابن الجوزي في التلقيح، و أضاف إليه الزبير بن العوام بن كرير فقال:

هؤلاء كانوا جزارين و ذكر التوحيدي في كتاب «بصائر القدماء و سرائر الحكماء» صناعة كل من علمت صناعته من قريش فقال: كان أبو بكر الصديق رضي اللّه تعالى عنه بزازا، و كذلك عثمان و طلحة و عبد الرحمن بن عوف رضي اللّه تعالى عنهم، و كان عمر رضي اللّه تعالى عنه دلالا يسعى بين البائع و المشتري، و كان سعد بن أبي وقاص يبري النبل. و كان الوليد بن المغيرة (3) حدادا،

____________

(1) سورة المائدة: الآية 96.

(2) الخرنق بنت بدر بن هفّان بن مالك من بني ضبيعة شاعرة جاهلية و هي أخت طرفة بن العبد. ماتت في نحو سنة 50 ق. هـ-. و البيتان في ديوانها 43. و في الديوان: «... و الطيبين معاقد الأزر» .

(3) الوليد بن المغيرة، من القضاة في الجاهلية، كان يكسو الكعبة وحده، أدرك الإسلام كبيرا و لم يسلم. مات سنة 1 هـ.

279

و كذلك أبو العاص‏ (1) أخو أبي جهل‏ (2) و كان عقبة (3) بن أبي معيط خمارا، و كان أبو سفيان‏ (4) بن حزب يبيع الزيت و الأدم، و كان عبد اللّه بن جدعان نخاسا يبيع الجواري، و كان النضر (5) بن الحارث عوادا يضرب بالعود، و كان الحكم بن أبي العاص‏ (6) خصاء يخصي الغنم. و كذلك حريث ابن عمرو و الضحاك بن قيس الفهري‏ (7) و ابن سيرين‏ (8) . و كان العاص‏ (9) بن وائل السهمي بيطارا يعالج الخيل، و كان ابنه عمرو بن العاص جزارا. و كذلك أبو حنيفة صاحب الرأي و القياس و كان الزبير بن العوام خياطا، و كذلك عثمان بن طلحة الذي دفع له النبي صلى اللّه عليه و سلم مفتاح الكعبة، و قيس‏ (10) بن مخرمة و كان مالك بن دينار (11) وراقا، و كان المهلب‏ (12) بن أبي صفرة بستانيا، و كان قتيبة بن مسلم‏ (13) الذي فتح بلاد العجم إلى ما وراء النهر جمالا، و كان سفيان‏ (14) بن عيينة معلما، و كذلك الضحاك‏ (15) بن مزاحم، و عطاء (16) بن أبي رباح، و الكميت الشاعر (17) ، و الحجاج ابن يوسف الثقفي، و عبد الحميد (18) بن يحيى صاحب الرسائل، و أبو عبيد اللّه القاسم بن

____________

(1) أبو العاص بن هشام بن المغيرة المخزومي. أخو أبي جهل قتل في بدر سنة 2 هـ-.

(2) أبو جهل: عمرو بن هشام بن المغيرة المخزومي، من قادة قريش في الجاهلية قتل و أخوه مشركا في بدر.

(3) عقبة بن أبي معيط: من مقدمي قريش في الجاهلية قتل مشركا في بدر سنة 2 هـ-.

(4) أبو سفيان بن حرب: صخر بن حرب بن أمية، صحابي، و هو والد معاوية. أسلم يوم فتح مكة و مات سنة 31 هـ-.

(5) النضر بن الحارث بن علقمة بن كلدة، و هو أول من غنى على العود ألحان القرس، و هو ابن خالة النبي صلى اللّه عليه و سلم، من أسرى بدر، أسره المسلمون و قتلوه سنة 2 هـ-.

(6) الحكم بن أبي العاص، صحابي أسلم يوم الفتح. مات سنة 32 هـ.

(7) الضحّاك بن قيس بن خالد الفهري، شهد صفين مع معاوية تولى الكوفة لمعاوية. مات سنة 65 هـ.

(8) ابن سيرين: محمد بن سيرين البصري الأنصاري، إمام عصره في العلوم الدينية في البصرة تابعي كاتب، توفي سنة 110 هـ. اشتهر في تعبير الرؤيا.

(9) العاص بن وائل بن هاشم السهمي القرشي أحد الحكام في الجاهلية، أدرك الإسلام و ظل على الشرك مات سنة 3 ق. هـ.

(10) قيس بن مخرمة.

(11) مالك بن دينار البصري، من رواة الحديث. مات سنة 131 هـ.

(12) المهلب بن أبي صفرة ظالم بن سراق الأزدي، أمير جواد، قاتل الأزارقة و ظفر بهم، تولى خراسان. مات سنة 83 هـ.

(13) قتيبة بن مسلم بن عمرو بن الحصين الباهلي فاتح بلاد خوارزم و سجستان و سمرقند غزا أطراف الصين، و مات سنة 96 هـ.

(14) سفيان بن عيينة بن ميمون، محدث الحرم المكي. مات سنة 198 هـ.

(15) الضحاك بن مزاحم، كان مفسرا مؤدبا للأولاد. مات بخراسان سنة 105 هـ.

(16) عطاء بن أسلم بن صفون، تابعي فقيه، محدث. مات سنة 114 هـ.

(17) الكميت بن زيد بن خنيس الأسدي، شاعر الهاشميين كوفي من شعراء العصر الأموي مات سنة 126 هـ.

(18) عبد الحميد بن يحيى العامري، الكاتب من ائمة الكتاب مات سنة 132 هـ.

280

سلام‏ (1) و الكسائي‏ (2) هذه صناعة الأشراف.

قال و أما أديان العرب فإن النصرانية كانت في ربيعة و غسان و بعض قضاعة و اليهودية كانت في حمير و كنانة و كندة و بني الحارث بن كعب و المجوسية في تميم و منهم الحاجب‏ (3) بن زرارة الذي رهن قوسه عند كسرى، و وفى به حتى ضرب المثل به فقالوا: «أوفى من قوس حاجب» و فكت أيام النبي صلى اللّه عليه و سلم، و أهديت إليه و الزندقة كانت في قريش انتهى. و ما ذكره من كون الزبير بن العوام كان خياطا، فيه نظر، و الصواب أنه كان جزارا. ذكره ابن الجوزي و غيره كما تقدم. و لأن عمرو بن العاص يومئذ كان كبير مصر و عظيم أهلها، فأشبه الجزور بالنسبة إلى غيرها، من بهيمة الأنعام و نحرها موته، و تفرقة لحمها قسمة أمواله بعد موته. و كان من جملة تركته تسعة أرادب ذهبا. و أما الوضوء من أكل لحم الجزور فقد تقدم في باب الهمزة في لفظ الإبل ذكر من ذهب إليه من الأئمة و أنه المختار المنصور من جهة الدليل ففي صحيح مسلم و غيره عن جابر بن سمرة رضي اللّه تعالى عنه: أن رجلا سأل النبي صلى اللّه عليه و سلم أ نتوضأ من لحوم الغنم فقال: «إن شئت توضأ و إن شئت فلا تتوضأ» فقال: أ نتوضأ من لحوم الإبل؟قال: «نعم توضأ من لحوم الإبل» (4) . و روى أحمد و أبو داود و غيرهما عن البراء بن عازب قال: سئل النبي صلى اللّه عليه و سلم عن الوضوء من لحوم الإبل فقال: «توضؤا منها» . و سئل عن لحوم الغنم فقال: «لا تتوضئوا منها» (5) . قال النووي رحمه اللّه هذان حديثان صحيحان ليس عنهما جواب شاف و قد اختاره جماعة من محققي أصحابنا المحدثين ا هـ.

و روى البخاري و مسلم و أبو داود النسائي عن ابن مسعود رضي اللّه تعالى عنه، قال: بينما النبي صلى اللّه عليه و سلم ساجد إذ جاءه عقبة بن أبي معيط بسلى جزور فقذفه على ظهر النبي صلى اللّه عليه و سلم فلم يرجع رأسه حتى جاءت فاطمة رضي اللّه تعالى عنها فأخذته من على ظهره، ودعت على من صنع ذلك.

فقال‏ (6) النبي صلى اللّه عليه و سلم: «اللهم عليك بالملإ من قريش اللهم عليك بأبي جهل بن هشام و عتبة بن ربيعة و شيبة بن ربيعة و عقبة بن أبي معيط و أمية بن خلف أو أبي بن خلف» . قال: فلقد رأيتهم قتلوا يوم بدر فألقوا في بئر، غير أمية أو أبي فإنه كان ضخما فلما جروه تقطعت أوصاله قبل أن يلقى في البئر.

الجساسة:

بفتح الجيم و تشديد السين المهملة الأولى. قال ابن سيده: هي دابة في جزائر البحر تجس الأخبار و تأتي بها الدجال. و كذا قال أبو داود السجستاني: سميت بذلك لتجسسها الأخبار للدجال. و جاء عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص انها دابة الأرض المذكورة في القرآن

____________

(1) القاسم بن سلام الهروي، عالم محدث أديب فقيه مؤدب مات سنة 224 هـ.

(2) الكسائي: علي بن حمزة بن عبد اللّه الأسدي، الكوفي اللغوي النحوي. مات سنة 189 هـ. كان مؤدب الرشيد العباسي و ابنه الأمين.

(3) الحاجب بن زرارة بن عدس الدارمي، من سادات العرب في الجاهلية، أسلم ثم مات سنة 3 هـ.

(4) رواه مسلم في الحيض: 97 و البخاري في الصلاة: 50.

(5) رواه أحمد: 4، 352.

(6) رواه البخاري في الجزية: 21 و الوضوء 69 و الصلاة 109، و مناقب الأنصار: 29، و رواه مسلم في الجهاد:

107، 108، و النسائي في الطهارة: 191 و ابن حنبل: 1/393-417.

281

و هي بجزيرة ببحر القلزم. و روى مسلم و أبو داود و الترمذي و النسائي و ابن ماجة عن فاطمة بنت قيس، قالت: خرج علينا رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم فقام خطيبا فقال: «إني لم أجمعكم لرغبة و لا لرهبة، و لكن لحديث حدثنيه تميم الداري، حدثني أنه ركب سفينة بحرية في ثلاثين رجلا من لخم و جذام فألجأهم ريح عاصف إلى جزيرة، فإذا هم بدابة فقالوا لها: ما أنت؟قالت: أنا الجساسة. قالوا:

أخبرينا الخبر. قالت: إن أردتم الخبر فعليكم بهذا الدير، فإن فيه رجلا بالأشواق إليكم» (1) .

قال: فأتيناه فذكر الحديث. و تميم الداري هذا هو تميم بن أوس بن خارجة بن سويد أبو رقبة أسلم سنة تسع من الهجرة و روي له عن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم ثمانية عشر حديثا. روى مسلم منها حديث‏ (2) «الدين النصيحة» و من مناقبه العظيمة التي لا يشاركه فيها غيره أن النبي صلى اللّه عليه و سلم روى عنه قصة الجساسة. و روى عنه جماعة من الصحابة كابن عباس و أنس و أبي هريرة و جماعة من التابعين. و كان بالمدينة ثم انتقل إلى بيت المقدس، بعد قتل عثمان. و كان كثير التهجد و هو أول من قص على الناس، و أول من أسرج المسجد. قال الحافظ أبو نعيم. و كذلك رواه أبو داود الطيالسي عن أبي سعيد الخدري رضي اللّه تعالى عنه. قال: أول من أسرج المسجد تميم الداري و توفي سنة أربعين و أما تميم الداري المذكور في صحيح البخاري في قصة الجام فذاك نصراني من أهل دارين قاله مقاتل بن حيان و غيره.

جعار:

الضبع و في المثل «أعيث من جعار» (3) . أي أفسد و العيث الفساد. قال الشاعر:

فقلت لها عيثي جعار و جرري # بلحم امرئ لم يشهد النوم ناظره‏

الجعدة:

الشاة و ستأتي في كنى الذئب إن شاء اللّه تعالى في باب الذال المعجمة.

الجعل:

كصرد و رطب جمعه جعلان بكسر الجيم و العين ساكنة. و الناس يسمونه أبا جعران لأنه يجمع الجعر اليابس و يدخره في بيته. و هو دويبة معروفة يسمى الزعقوق، تعض البهائم في فروجها فتهرب، و هو أكبر من الخنفساء شديد السواد، في بطنه لون حمرة، للذكر قرنان، يوجد كثيرا في مراح البقر و الجواميس و مواضع الروث، و يتولد غالبا من أخثاء البقر، و من شأنه جمع النجاسة و ادخارها كما تقدم. و من عجيب أمره أنه يموت من ريح الورد و ريح الطيب، فإذا أعيد إلى الروث عاش. قال أبو الطيب يصفه في شعره:

كما تضر رياح الورد بالجعل.

و له جناحان لا يكادان يريان إلا إذا طار و له ستة أرجل و سنام مرتفع جدا، و هو يمشي القهقرى أي يمشي إلى خلف و هو مع هذه المشية يهتدي إلى بيته، و يسمى الكبرتل و إذا أراد الطيران تنفش فيظهر جناحاه فيطير. و من عادته أن يحرس النيام فمن قام لقضاء حاجته تبعه،

____________

(1) رواه مسلم في الفتن: 119. و رواه أبو داود في الملاحم: 14-15. و الترمذي في الفتن: 66. و ابن ماجة في الفتن: 33 و أحمد: 6-373-413-417-418.

(2) رواه أبو داود في الأدب: 59. و النسائي: 31. و أحمد: 4-102-103.

(3) جمهرة الأمثال: 2/63.

282

و ذلك من شهوته للغائط لأنه قوته. روى الطبراني و ابن أبي الدنيا في كتاب العقوبات، و البيهقي في شعب الايمان، عن ابن مسعود رضي اللّه تعالى عنه، أنه قال: إن ذنوب بني آدم لتقتل الجعل في حجره. و روى الحاكم عن أبي الأحوص عن ابن مسعود أنه قرأ وَ لَوْ يُؤََاخِذُ اَللََّهُ اَلنََّاسَ بِمََا كَسَبُوا مََا تَرَكَ عَلى‏ََ ظَهْرِهََا مِنْ دَابَّةٍ وَ لََكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى‏ََ أَجَلٍ مُسَمًّى (1) ثم قال: كاد الجعل يعذب في حجره بذنب بني آدم. ثم قال الحاكم: صحيح الإسناد و لم يخرجاه. و قال مجاهد في قوله تعالى:

وَ يَلْعَنُهُمُ اَللاََّعِنُونَ (2) إنهم دواب الأرض: الخنافس و الجعلان، يمنعون القطر بخطاياهم.

و روى أبو داود و الترمذي و حسنه و هو آخر حديث في جامعه، قبل العلل، و ابن حيان عن أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه، أن النبي صلى اللّه عليه و سلم قال: «ان اللّه قد أذهب عنكم عيبة الجاهلية و فخرها بالآباء إما مؤمن تقي أو فاجر شقي، أنتم بنو آدم، و آدم من تراب، ليسد عن رجال فخرهم بأقوام ما هم إلا فحم من فحم جهنم، أو ليكونن على اللّه أهون من الجعل الذي يدفع بأنفه النتن» (3) و في رواية: أهون على اللّه من الجعل يدفع الخراء بأنفه» (4) و في مسند أبي داود الطيالسي، و شعب الايمان عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما أن النبي صلى اللّه عليه و سلم قال: «لا تفخروا بآبائكم الذين ماتوا في الجاهلية فو الذي نفسي بيده لما يدحرج الجعل بأنفه خير من آبائكم الذين ماتوا في الجاهلية» (5) . و روى البزار في مسنده عن حذيفة رضي اللّه تعالى عنه قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم:

«كلكم بنو آدم و آدم من تراب، لينتهين قوم يفخرون بآبائهم، أو ليكونن أهون على اللّه من الجعلان» (6) . و كان عامر بن مسعود الجمحي الصحابي رضي اللّه تعالى عنه يلقب دحروجة الجعل لقصره و هو راوي حديث الصوم في الشتاء الغنيمة الباردة و روى الرياشي عن الأصمعي قال:

مر بنا أعرابي ينشد ابنا له فقلنا له: صفه لنا فقال: كأنه دنينير. فقلنا له لم نره فذهب فلم نلبث أن جاء بصغير أسود كأنه جعل قد حمله على عنقه، فقلت له: لو سألتنا عن هذا لأرشدناك. فإنه لم يزل عامة يومه بين أيدينا ثم أنشد الأصمعي:

زينها اللّه في الفؤاد كما # زين في عين والد ولده‏

الحكم: يحرم أكله لاستقذاره.

الأمثال: قالوا (7) : «ألصق من جعل» لأنه يتبع الإنسان إلى الغائط كما تقدم. قال الشاعر:

إذا أتيت سليمى شب لي جعل # إن الشقي الذي يغري به الجعل‏

و هو يضرب للرجل يلصق به من يكرهه فلا يزال يهرب منه.

الخواص: إذا أخذ الجعل غير مطبوخ، و لا مملوح و جفف و شرب، من غير إضافة إلى غيره، نفع من لسع العقرب نفعا عظيما.

التعبير: الجعل في المنام عدو بغيض ثقيل، و ربما دل على رجل مسافر، ينقل الأموال من

____________

(1) سورة فاطر: الآية 45.

(2) سورة البقرة: الآية 159.

(3) رواه أحمد: 1/301.

(4) رواه الترمذي في المناقب: 74.

(5) رواه أحمد: 1/301.

(6) رواه أبو داود في الأدب: 111. و الترمذي في المناقب: 73.

(7) المستقصى: 1/323.

283

بلد إلى بلد، و ماله حرام أو فيه شبهة. و اللّه أعلم.

الجعول:

ولد النعامة لغة يمانية. قاله ابن سيده. و سيأتي لفظ النعامة في باب النون.

الجفرة:

بفتح الجيم ما بلغت أربعة أشهر من أولاد المعز و فصلت عن أمها و الذكر جفر سمي بذلك لأنه جفر جنباه أي عظما. و الجمع أجفار و جفار.

فائدة:

قال ابن قتيبة، في كتابه أدب الكاتب، و كتاب الجفر جلد جفر كتب فيه الإمام جعفر بن محمد الصادق لآل البيت كل ما يحتاجون إلى علمه و كل ما يكون إلى يوم القيامة و إلى هذا الجفر أشار أبو العلاء المعري‏ (1) بقوله:

لقد عجبوا لأهل البيت لما # أتاهم علمهم في مسك جفر

و مرآة المنجم و هي صغرى # أرته كل عامرة و قفر

و المسك الجلد و قيل: إن ابن تومرت‏ (2) المعروف بالمهدي ظفر بكتاب الجفر فرأى فيه ما يكون على يد عبد (3) المؤمن صاحب المغرب، و قصته و حليته و اسمه. فأقام ابن تومرت مدة يتطلبه حتى وجده و صحبه، و كان يكرمه و يقدمه على سائر أصحابه و ينشد (4) إذا أبصره:

تكاملت فيك أوصاف خصصت بها # فكلنا بك مسرور و مغتبط

السن ضاحكة و الكف مانحة # و النفس واسعة و الوجه منبسط

و لم يصح أن ابن تومرت استخلف عبد المؤمن عند موته، و إنما راعى أصحابه إشارته في تقديمه و إكرامه فتم له الأمر. و عبد المؤمن هو الذي حمل الناس في المغرب حين تم له الأمر على مذهب مالك رحمه اللّه في الفروع و على مذهب أبي الحسن الأشعري رحمه اللّه في الأصول. و كان عبد المؤمن ملكا حازما عاقلا سفاكا للدماء يقتل على الذنب الصغير. توفي في جمادى الآخرة سنة ثمان و خمسين و خمسمائة و مدة ولايته ثلاث و ثلاثون سنة و أشهر.

و حكمها:

الحل يفدى بها اليربوع إذا قتله المحرم.

و خواصها:

و تعبيرها كالمعز و اللّه أعلم.

جلكى:

كمرطى نوع متولد بين الحية و السمك إذا ذبح لا يخرج منه دم و عظمه رخو يؤكل مع لحمه يسمن النساء إذا أكل و هو نعم العلاج لذلك و اللّه أعلم.

الجلالة:

من الحيوان الذي يأكل الجلة و العذرة. و الجلة البعر يوضع موضع العذرة يقال:

جلت الدابة الجلة و اجتلتها فهي جالة و جلالة إذا التقطتها. روى أبو داود و غيره من حديث نافع

____________

(1) المعري: أحمد بن عبد اللّه بن سليمان، اللغوي النحوي الشاعر المتفلسف. مات بالمعرة سنة 449 هـ.

(2) ابن تومرت: محمد بن عبد اللّه بن تومرت المصمودي، صاحب دعوة عبد المؤمن بن علي سلطان المغرب.

(3) و كان ابن تومرت أديبا فصيحا. مات سنة 524 هـ. و عبد المؤمن بن علي توفي سنة 558 هـ.

(4) البيتان لأبي الشيعي. ديوانه 83. و في وفيات الأعيان: 3/230.

284

عن ابن عمر و ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهم «أن النبي صلى اللّه عليه و سلم نهى عن ركوب الجلالة (1) » . و روى الحاكم، من حديث عبد اللّه بن عمر رضي اللّه تعالى عنهما، قال: «نهى رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم عن أكل لحم الجلالة» ، و شرب لبنها و أن لا يحمل عليها و لا يركبها الناس حتى تعلف أربعين ليلة» و روى البيهقي و غيره عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما أن النبي صلى اللّه عليه و سلم «نهى عن الشرب من في السقاء عن ركوب الجلالة و عن المجثمة» (2) و هي كل حيوان ينصب و يرمى ليقتل إلا أنها تكثر في الطيور و الأرانب و أشباه ذلك مما يجثم بالأرض أي يلزمها و يلتصق بها و جثم الطائر جثوما و هو بمنزلة البروك للابل و سيأتي الكلام على الجلالة في فرع في الكلام على السخلة.

الجلم:

اليؤيؤ و هو نوع من الصقور و سيأتي ذكره فيها إن شاء اللّه تعالى و في باب الياء أيضا.

الجمل:

الذكر من الإبل قال الفراء هو زوج الناقة. و كذا قال ابن مسعود لما سئل عن الجمل كأنه استجهل من سأله عما يعرفه الناس جميعا و جمع الجمل جمال و أجمال و جمائل و جمالات.

قال اللّه تعالى: كَأَنَّهُ جِمََالَتٌ صُفْرٌ (3) قال أكثر المفسرين: هي جمع جمال على تصحيح البناء، كرجال و رجالات و قال ابن عباس و ابن جبير لجمالات قلوس السفن و هي حبالها العظام إذا جمعت مستديرة بعضها إلى بعض جاء منها أجرام عظام و قال ابن عباس أيضا: الجمالات قطع النحاس العظام و إنما يسمى البعير جملا إذا أربع.

فائدة:

كان اسم الجمل الذي ركبته عائشة رضي اللّه تعالى عنها يوم وقعته عسكر اشتراه لها يعلى بن أمية بأربعمائة درهم، و قيل بمائتي درهم، و هو الصحيح. قال ابن الأثير: مر مالك بن الحارث المعروف بالأشتر النخعي، و كان من الأبطال المشهورة، و كان من أصحاب علي يوم الجمل، بعبد اللّه بن الزبير، و كان مع عائشة رضي اللّه تعالى عنها و كان من الأبطال فتماسكا فصار كل واحد منهما إذا قوي على صاحبه، جعله تحته و ركب على صدره فعلا ذلك مرارا، و ابن الزبير يصيح‏ (4) بأعلى صوته:

اقتلوني و مالكا # و اقتلوا مالكا معي‏

يريد بذلك الاشتر النخعي قال ابن الزبير: أمسيت يوم الجمل وفيّ سبع و ثلاثون جراحة ما بين طعنة رمح و ضربة سيف و رمية سهم قال: و لا ينهزم من الفريقين أحد و ما أخذ أحد بخطام الجمل إلا قتل فأخذت الخطام فقالت عائشة رضي اللّه تعالى عنها: من أنت؟قلت: ابن

____________

(1) رواه أبو داود في الجهاد: 47. و في الأطعمة: 24-33. و الأشربة: 14. و رواه الترمذي في الأطعمة:

24، و النسائي في الضحايا: 43-44، و ابن ماجة في الذبائح: 11 و الموطأ أضاحي: 28 و أحمد: 1- 219-226.

(2) رواه البخاري في الأشربة: 24. و أبو داود في الأشربة: 14، النسائي في الضحايا: 44...

(3) سورة المرسلات: الآية 33.

(4) وفيات الأعيان: 7/195. و في: «أقتلاني.. و أقتلا» .

285

الزبير. فقالت: و اثكل أسماء و مر بي الأشتر فعرفته فاقتتلنا فو اللّه ما ضربته ضربة إلا ضربني بها ستا أو سبعا فجعلت أنادي:

اقتلوني و مالكا # و اقتلوا مالكا معي‏

و ضاع الخطام مني ثم أخذ مالك برجلي فرماني في الخندق، و قال: لو لا قرابتك من رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم ما اجتمع منك عضو إلى عضو أبدا. و في رواية فجاء أناس منا و منهم، و تقاتلوا حتى تحاجزنا، و ضاع مني الخطام و سمعت عليا رضي اللّه عنه يقول: اعقروا الجمل، فإنه إن عقر تفرقوا فضربه رجل فسقط. فما سمعت قط أشد من عجيج الجمل، ثم أمر علي بحمل الهودج من بين القتلى، فاحتمله محمد بن أبي بكر و عمار بن ياسر، فأدخل محمد بن أبي بكر يده في الهودج.

فقالت عائشة رضي اللّه تعالى عنها: من هذا الذي يتعرض لحرم رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم؟أحرقه اللّه بالنار! فقال: يا أختاه قولي بنار الدنيا فقالت: بنار الدنيا. و قتل طلحة رضي اللّه تعالى عنه في الوقعة، و كان من حزب عائشة. و رجع الزبير فقتله عمرو بن جرموز بوادي السباع و هو نائم، و عاد بسيفه إلى علي، فلما رآه قال: إنه لسيف طالما جلا الكرب عن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم. و أحيط بعائشة و دخل علي البصرة فبايعه أهلها، و أطلق عثمان بن حنيف و جهز عائشة و أخرج أخاها محمدا معها و شيعها علي بنفسه أميالا و سرح بنيه معها يوما و قيل: إن عدة المقتولين من أصحاب الجمل ثمانية آلاف و قيل سبعة عشر ألفا. و من أصحاب علي نحو ألف و قطع علي خطام الجمل يومئذ نحو ثمانين كفا معظمهم من بني ضبة كلما قطعت يد رجل أخذ الخطام آخر و في ذلك يقول الضبي‏ (1) :

نحن بني ضبة أصحاب الجمل # ننازل الموت إذا الموت نزل

و الموت أحلى عندنا من العسل‏ (2)

و كانوا قد ألبسوه الأدراع إلى أن عقر. و نصب نبي، عند النحويين على المدح و التخصيص، و كانت وقعة الجمل يوم الخميس العاشر من جمادى الأولى أو الآخرة و قيل في خامس عشرة سنة ست و ثلاثين من ارتفاع الشمس إلى قريب العصر. و يروى أن عائشة أعطت الذي بشرها بسلامة ابن الزبير لما لاقى الأشتر عشرة آلاف درهم.

و ذكر: ابن خلكان و غيره أن الأشتر دخل على عائشة رضي اللّه تعالى عنها، بعد وقعة الجمل، فقالت له: يا أشتر أنت الذي أردت قتل ابن أختي يوم الجمل؟فأنشدها:

أ عائش لو لا أنني كنت طاويا # ثلاثا لألفيت ابن أختك هالكا

غداة ينادي و الرماح تنوشه # بآخر صوت اقتلوني و مالكا

فنجاه مني أكله و شبابه # و خلوة جوف لم يكن متماسكا

و نقل أنه كان في رأس ابن الزبير رضي اللّه عنه ضربة عظيمة من الأشتر لو صب فيها قارورة دهن لاستقر. و روى الحاكم من حديث قيس بن أبي حازم و ابن أبي شيبة، من حديث ابن

____________

(1) الضبي: في هامش العقد الفريد هو الحارث الضبي. العقد: 4/327.

(2) العقد الفريد: 4/327.

286

عباس رضي اللّه عنهما، أن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم قال لنسائه: «أيتكن صاحبة الجمل الأديب تسير، أو تخرج حتى ينبحها كلاب الحوأب؟» و الحوأب نهر بقرب البصرة و الأديب الأزب و هو الكثير شعر الوجه. قال ابن دحية و العجب من ابن العربي كيف أنكر هذا الحديث في كتاب الغوامض و العواصم له!و ذكر أنه لا يوجد له أصل و هو أشهر من فلق الصبح. و روي أن عائشة لما خرجت، مرت بماء يقال له الحوأب فنبحتها الكلاب، فقالت: ردوني ردوني فإني سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم يقول: «كيف بإحداكن إذا نبحتها كلاب الحوأب» (1) . و هذا الحديث مما أنكر على قيس بن أبي حازم. و أما قول الشاعر:

شكا إلى جملي طول السرى # يا جملي ليس إلى المشتكى

صبرا جميلا فكلانا مبتلى‏

فمعلوم أن الجمل لا ينطق، و إنما أراد التجوز و مقابلة الكلام بمثله كقوله‏ (2) تعالى: فَمَنِ اِعْتَدى‏ََ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اِعْتَدى‏ََ عَلَيْكُمْ و كقول عمرو بن كلثوم‏ (3) :

ألا لا يجهلن أحد علينا # فنجهل فوق جهل الجاهلينا

و كقول الآخر:

و لي فرس للحلم بالحلم ملجم # و لي فرس للجهل بالجهل مسرج

فمن رام تقويمي فإني مقوم # و من رام تعويجي فإني معوج‏

يريد: أكافى‏ء الجاهل و المعوج لا أنه امتدح بالجهل و الاعوجاج. و أما قوله تعالى: حَتََّى يَلِجَ اَلْجَمَلُ فِي سَمِّ اَلْخِيََاطِ (4) فأراد به الحيوان المعروف لأنه أعظم الحيوانات المتداولة للإنسان جثة فلا يلج إلا في باب واسع كأنه قال لا يدخلون الجنة أبدا قال الشاعر:

لقد عظم البعير بغير لب # فلم يستغن بالعظم البعير

و قرأ ابن عباس و مجاهد الجمل بضم الجيم و تشديد الميم و فسر بحبل السفينة الغليظ. و سم الخياط هو بخش الإبرة أي ثقبها و قد ألغز فيها الشاعر فقال:

سعت ذات سم في قميصي فغادرت # به أثرا و اللّه يشفي من السم

كست قيصرا ثوب الجمال و تبعا # و كسرى و عادت و هي عارية الجسم‏

و كنية الجمل أبو أيوب و أبو صفوان. و في حديث أم زرع زوجي «لحم جمل غث على رأس جبل وعر» . و في سنن أبي داود عن مجاهد عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما أن النبي صلى اللّه عليه و سلم «أهدى عام

____________

(1) رواه ابن حنبل: 6/52/97.

(2) سورة البقرة: الآية 194.

(3) عمرو بن كلثوم، شاعر جاهلي، فارس شجاع من أصحاب المعلقات من تغلب و البيت في معلقته، انظر المعلقات السبع الزوزني: و العقد الفريد: 5/87.

(4) سورة الأعراف: الآية 40.

287

الحديبية في هداياه جملا كان لأبي جهل بن هشام في أنفه برة من فضة يغيظ بذلك المشركين» (1) .

قال الخطابي و فيه من الفقه أن الذكران في الهدي جائزة. و قد روي عن ابن عمر أنه كان يكره ذلك في الإبل و يرى أن تهدى الإناث منها. و فيه دليل أيضا على جواز استعمال اليسير من الفضة في لجم المراكب من الخيل و غيرها و قوله: يغيظ بذلك المشركين، معناه أن هذا الجمل كان معروفا لأبي جهل، فحازه النبي صلى اللّه عليه و سلم، فكان يغيظهم أن يروه في يده صلى اللّه عليه و سلم، و صاحبه قتيل سليب. و روى أبو داود و الترمذي و ابن ماجة عن العرباض بن سارية قال: وعظنا رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم موعظة ذرفت منها العيون و وجلت منها القلوب فقلنا: يا رسول اللّه هذه موعظة مودع فما تعهد إلينا؟فقال صلى اللّه عليه و سلم:

«قد تركتكم على بيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك، و من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا فعليكم بما عرفتم من سنتي و سنة الخلفاء الراشدين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ، و اياكم و محدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة، و كل بدعة ضلالة، و عليكم بالطاعة و إن كان عبدا حبشيا فإنما المؤمن كالجمل الأنف حيثما قيد انقاد» (2) . و الأنف الجمل المخزوم الأنف الذي لا يمتنع على قائده. و قيل: الأنف الذلول و يروى كالجمل الآنف بالمد و هو بمعناه: و فيه أن قيد انقاد و إن أنيخ على صخرة استناخ» و النواجذ بالذال المعجمة الأشهر أنها أقصى الأسنان أي تمسكوا بها كما يتمسك العاض بجميع أضراسه. و في الحديث أنه صلى اللّه عليه و سلم «ضحك حتى بدت نواجده» (3) . و المراد هاهنا الضواحك و هي التي تبدو عند الضحك لأنه صلى اللّه عليه و سلم كان ضحكه تبسما.

و روى الإمام أحمد أبو داود النسائي عن أبي هريرة أنه صلى اللّه عليه و سلم قال‏ (4) : «إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك الجمل، و ليضع يديه ثم ركبتيه» . قال الخطابي: حديث وائل بن حجر أثبت من هذا و هو ما رواه الأربعة عنه أنه قال: رأيت النبي صلى اللّه عليه و سلم إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه، و إذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه. و روى البخاري و مسلم و أبو داود و الترمذي و النسائي عن جابر بن عبد اللّه رضي اللّه عنه «أنه كان مع النبي صلى اللّه عليه و سلم على جمل فأعيا، فنخسه النبي صلى اللّه عليه و سلم و دعا له و قال: اركب فركب فكان أمام القوم قال فقال لي النبي صلى اللّه عليه و سلم: كيف ترى بعيرك؟فقلت: قد أصابته بركتك قال: أ فتبيعنيه؟ فاستحييت و لم يكن لي ناضح غيره، فقلت: نعم. فما زال صلى اللّه عليه و سلم يزيدني و يقول: و اللّه يغفر لك حتى بعته بأوقية من ذهب، على أن لي ركوبه حتى أبلغ المدينة. فلما بلغتها، قال صلى اللّه عليه و سلم لبلال: اعطه الثمن و زده. ثم رد صلى اللّه عليه و سلم علي الجمل» (5) . و في كتاب ابن حيان من حديث حماد بن سلمة عن أبي الزبير عن جابر رضي اللّه تعالى عنه، قال: «استغفر لي رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، ليلة البعير، خمسا

____________

(1) رواه ابن ماجة في المناسك: 84-98. و ابن حنبل: 1/234-261، 269، 273.

(2) رواه ابن ماجة في المقدمة: 6.

(3) رواه البخاري في تفسير سورة: 39-2. و التوحيد: 19. و الكفارات: 3. و رواه مسلم في المنافقين: 20- 21-30. و في الإيمان: 308، 309، 314. و الجهاد 132-55. و أبو داود في الطلاق: 32. و في الاستسقاء 2.

(4) رواه أبو داود في الصلاة: 137. و الترمذي في الصلاة 85، و النسائي في التطبيق: 38، و ابن حنبل: 2-381.

(5) رواه البخاري في البيوع: 34، و الجهاد: 49، و الشروط: 4. و مسلم في المساقاة: 109، 111، 114.

و الرضاع 59. و النسائي في البيوع: 77.

288

و عشرين مرة» (1) . و بهذا استدل على جواز بيع و شرط. و الخلاف فيه مقرر في كتب الفقه، قال السهيلي: و الحكمة في شرائه الجمل، و رده عليه و إعطائه الثمن بزيادة، أنه عليه الصلاة و السلام كان أخبره بأن اللّه تعالى أحيا أباه و رد عليه روحه. فاشترى الجمل منه. و هو مطيته كما اشترى اللّه أنفس الشهداء، بثمن هو الجنة. و نفس الإنسان مطيته ثم زادهم فقال‏ (2) لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا اَلْحُسْنى‏ََ و زيادة ثم رد عليهم أنفسهم التي اشترى منهم فقال‏ (3) وَ لاََ تَحْسَبَنَّ اَلَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اَللََّهِ أَمْوََاتاً بَلْ أَحْيََاءٌ الآية. فأشار صلى اللّه عليه و سلم بالشراء و رد الثمن و الزيادة ثم رد الجمل إليه إلى تأكيد الخبر الذي أخبر به عن اللّه عز و جل فتشاكل الفعل و الخبر. و في مسند الإمام أحمد و الحاكم، عن عبد اللّه بن جعفر رضي اللّه عنه، أن النبي صلى اللّه عليه و سلم «دخل حائطا لبعض الأنصار فإذا فيه جمل، فلما رأى النبي صلى اللّه عليه و سلم ذرفت عيناه، فمسح النبي صلى اللّه عليه و سلم سنامه، و في رواية فمسح ذفرييه، فسكن. ثم قال صلى اللّه عليه و سلم: من رب هذا الجمل؟فجاء فتى من الأنصار فقال: هو لي يا رسول اللّه فقال صلى اللّه عليه و سلم: أ لا تتقي اللّه في هذه البهيمة التي ملكك اللّه إياها، فإنه شكا لي أنك تجيعه و تدئبه» . (4) و روى الطبراني عن جابر رضي اللّه عنه، قال: «خرجنا مع النبي صلى اللّه عليه و سلم في غزوة ذات الرقاع، حتى إذا كنا بحرة واقم، إذ أقبل جمل يرقل حتى دنا من النبي صلى اللّه عليه و سلم، فجعل يرغو على هامته، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: إن هذا الجمل يستعديني على صاحبه، يزعم أنه كان يحرث عليه منذ سنين، حتى إذا أعجزه و أعجفه و كبر سنه، أراد نحره، اذهب يا جابر إلى صاحبه فائت به. قلت: ما أعرفه. فقال: إنه سيدلك عليه، قال فخرج الجمل بين يدي معنقا حتى وقف بي في مجلس بني خطمة. فقلت أين رب هذا الجمل؟ فقالوا: هذا لفلان بن فلان، فجئته فقلت له: أجب رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، فخرج معي حتى جاء رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، فقال النبي صلى اللّه عليه و سلم: إن جملك يزعم أنك حرثت عليه زمانا حتى إذا أعجزته و أعجفته و كبر سنه أردت أن تنحره، فقال: و الذي بعثك بالحق إن ذلك لكذلك، فقال صلى اللّه عليه و سلم: ما هكذا جزاء المملوك الصالح. ثم قال صلى اللّه عليه و سلم: تبيعه؟قال: نعم فابتاعه منه ثم أرسله صلى اللّه عليه و سلم في الشجر حتى نصب سنامه» . فكان إذا اعتل على بعض المهاجرين و الأنصار من نواضحهم شي‏ء أعطاه إياه، فمكث كذلك زمانا.

و حكى: القشيري في رسالته و ابن الجوزي في مثير الغرام الساكن عن أحمد بن عطاء الروذباري، أنه قال: كنت راكبا جملا فغاصت رجلا الجمل في الرمل فقلت: جل اللّه، فقال الجمل: جل اللّه.

و حكى: القشيري عنه أيضا في باب كرامات الأولياء، قال: كلمني رجل في طريق مكة، فقال: إني رأيت جمالا و المحامل عليها و قد مدت أعناقها في الليل، فقلت سبحان اللّه سبحان من يحمل عنها ما هي فيه، فالتفت إلي جمل، و قال: قل جل اللّه. فقلت: جل اللّه.

غريبة:

رأيت بخط بعض العلماء المتقدمين المبرزين، أنه كان بخراسان رجل عائن، فجلس يوما إلى جماعة فمر بهم قطار جمال فقال العائن: من أي جمل تريدون أن أطعمكم من

____________

(1) رواه الترمذي في المناقب: 52.

(2) سورة يونس: الآية 26.

(3) سورة آل عمران: الآية 161.

(4) رواه أحمد: 1/204-205. و أبو داود في الجهاد: 44.

289

لحمه؟فأشاروا إلى جمل من أحسنها، فنظر إليه العائن فوقع الجمل لساعته. و كان صاحب الجمل حكيما، فقال: من ربط جملي فليحله، و ليقل: بسم اللّه عظيم الشان شديد البرهان ما شاء اللّه، كان حبس حابس من حجر يابس و شهاب قابس، اللهم إني رددت عين العائن عليه، و في أحب الناس إليه و في كبده و كليتيه لحم رقيق، و عظم دقيق فيما له يليق‏ فَارْجِعِ اَلْبَصَرَ هَلْ تَرى‏ََ مِنْ فُطُورٍ `ثُمَّ اِرْجِعِ اَلْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ اَلْبَصَرُ خََاسِئاً وَ هُوَ حَسِيرٌ (1) . فوقف الجمل لساعته كأن لم يكن به بأس و ندرت عين العائن.

فائدة:

العائن إذا اعترف أنه قتل غيره بالعين فلا قود عليه، و لا دية و لا كفارة، و إن كانت العين حقا، لأنه لا يفضي إلى القتل غالبا، و يندب للعائن أن يدعو له بالبركة فيقول اللهم بارك فيه و لا تضره و أن يقول ما شاء اللّه لا قوة إلا باللّه.

و ذكر القاضي حسين أن نبيا من الأنبياء عليهم الصلاة و السلام استكثر قومه ذات يوم فأمات اللّه تعالى منهم مائة ألف في ليلة واحدة، فلما أصبح شكا إلى اللّه من ذلك، فقال اللّه تعالى له: إنك لما استكثرتهم عنتهم فهلا حصنتهم!فقال: يا رب فكيف أحصنهم؟قال: تقول حصنتكم بالحي القيوم الذي لا يموت أبدا، و دفعت عنكم السوء بلا حول و لا قوة إلا باللّه العلي العظيم. قال القاضي: و هكذا السنة في الرجل إذا رأى نفسه سليمة و أحواله معتدلة، يقول في نفسه ذلك.

و كان القاضي يحصن تلامذته بذلك إذا استكثرهم. و ذكر الإمام فخر الدين الرازي في بعض كتبه أن العين لا تؤثر ممن له نفس شريفة لأنها استعظام للشي‏ء و ما ذكره القاضي حسين يرد ذلك.

و حكى القشيري في رسالته عن محمد بن سعيد البصري أنه قال: بينما أنا أمشي في بعض طرق البصرة إذ رأيت أعرابيا يسوق جملا، ثم التفت فإذا الجمل قد وقع ميتا، و وقع الرجل و القتب، فمشيت قليلا ثم التفت، فإذا الأعرابي يقول يا مسبب كل سبب يا مؤمل كل من طلب رد على ما ذهب، يحمل الرجل و القتب، فقام الجمل و عليه الرجل و القتب. و احياء الموتى كرامة فهو و إن كان عظيما إلا أنه جائز على القول الصحيح المختار، عند المحققين المعتمدين من أئمة الأصول، إذ ما جاز أن يكون معجزة لنبي جاز أن يكون كرامة لولي، بشرط أن لا يدعي التحدي كالنبوة. و إحياء الموتى كرامة للأولياء كثير لا ينحصر و سيأتي إن شاء اللّه تعالى ذكر طرف من ذلك في أماكنه من هذا الكتاب.

فائدة:

قال شيخنا اليافعي رحمه اللّه: لا يلزم أن يكون من له كرامة من الأولياء أفضل ممن ليس له كرامة منهم، بل قد يكون بعض من ليس له كرامة منهم أفضل من بعض، من له كرامة، لأن الكرامة قد تكون لتقوية يقين صاحبها، و كمال المعرفة باللّه. و لهذا قال قطب العلوم و تاج العارفين و قرة أعين الصديقين أبو القاسم الجنيد (2) قدس اللّه سره: قد مشى رجال باليقين على الماء، و مات بالعطش رجال أفضل منهم. و قال أيضا: اليقين ارتفاع الريب في مشهد الغيب و قال أيضا: اليقين هو استقرار العلم الذي لا ينقلب و لا يحول و لا يتغير و قال: (يعني اليافعي) ، قلت:

و لأن الكرامة قد تقع لكثير من المحبين و الزهاد، و لا تقع لكثير من العارفين، و المعرفة أفضل من

____________

(1) سورة الملك: الآية 4.

(2) الجنيد.

290

المحبة عند الأكثرين، و أفضل من الزهد عند الكل. ا هـ قلت: و هذا هو المختار عند المحققين و اللّه أعلم.

و في كتاب خبر البشر بخير البشر، للإمام العلامة محمد بن ظفر (1) أنه كان على باب من أبواب الاسكندرية، صورة جمل من نحاس، عليه راكب من نحاس، في هيئة العرب متزر مرتد، و عليه عمامة و في رجليه نعلان، كل ذلك من نحاس. و كانوا إذا تظالموا يقول المظلوم للظالم:

أعطني حقي قبل أن يخرج هذا فيأخذ بحقي منك شئت أو أبيت!و لم يزل الصنم على ذلك حتى افتتح عمرو بن العاص رضي اللّه تعالى عنه أرض مصر، فغيبوا الصنم و في ذلك إشارة إلى البشارة بمحمد صلى اللّه عليه و سلم.

و حكمه و خواصه:

تقدما في الإبل.

الأمثال:

قالوا: «الجمل من جوفه يجتر» (2) . يضرب لمن يأكل من كسبه، أو ينتفع بشي‏ء يعود عليه منه ضرر. و قالوا (3) : أخلف من بول الجمل» . و هو من الخلف لا من الخلاف، لأنه يبول إلى خلف. و قالوا: «وقع القوم في سلى جمل» (4) . يضرب لمن بلغ في الشدة منتهى غاياتها.

كما قالوا: «بلغ السكين العظم» (5) و ذلك أن الجمل لا يكون له سلى فأرادوا أنهم وقعوا في أمر صعب. و السلى الجلدة الرقيقة التي يكون فيها الولد من المواشي إن نزعت عن وجه الفصيل ساعة ما يولد إلا قتلته. و هذا كقولهم: «أعز من الأبلق العقوق» (6) و قالوا: «الثمر في البئر و على ظهر الجمل» (7) . و أصله أن مناديا، كان في الجاهلية، يقف على أطم من آطام المدينة حين يدرك الثمر، ينادي بذلك. أي من سقى ماء البئر على ظهر الجمل بالسانية وجد عاقبة سقيه في ثمره. و هذا قريب من قولهم: «عند الصباح يحمد القوم السرى» (8) . و قريب من قول الشاعر:

إذا أنت لم تزرع و أبصرت حاصدا # ندمت على التفريط في زمن الزرع‏

و قول الآخر:

تسألني أم الوليد جملا # يمشي رويدا و يكون أولا

يضرب في طلب ما لا يكون، هذا إذا ذكر البيت كله. و أما قولهم: «يمشي رويدا و يكون أولا» (9) فيضرب للرجل يدرك حاجته في تؤدة ودعة. و أما قولهم‏ (10) : «لا ناقتي فيها و لا جملي» ، فسيأتي إن شاء اللّه تعالى في باب النون في الكلام على الناقة.

التعبير:

الجمل في المنام حج لقول النبي صلى اللّه عليه و سلم: «و الجمل الأعرابي يدل على الحج» لقوله‏ (11)

____________

(1) محمد بن ظفر.

(2) مجمع الأمثال: 1/175.

(3) جمهرة الأمثال: 1/351.

(4) المستقصى: 2/377.

(5) المستقصى: 2/13.

(6) جمهرة الأمثال: 2/56.

(7) مجمع الأمثال: 1/137.

(8) جمهرة الأمثال 2/38.

(9) مجمع الأمثال: 2/421.

(10) جمهرة الأمثال: 2/305.

(11) سورة النحل: الآية 7.

291

تعالى: وَ تَحْمِلُ أَثْقََالَكُمْ إِلى‏ََ بَلَدٍ الآية. و الجمل البختي رجل أعجمي. و من رأى جملا يصول عليه فإنه يخاصم سفيها. و من قاد جملا بخاطمه، فإنه يهدي رجلا ضالا و من أكل رأس جمل، اغتاب رجلا رئيسا. و من رأى جمالا عربا، ولي على قوم من الأعراب. و من رأى جملين يقتتلان، فإنهما ملكان. و من رأى أنه يجر جملا فإنه يقهر عدوا. و قال ارطاميدورس: رؤية الجمل تدل على مجاديف السفينة و على سرعة سيرها و الجمال تدل على أقوام جهال، لا معرفة لهم و لا رأي.

و الغالب عليهم الذلة و من رأى أنه سقط من ظهر جمل خشي عليه الفقر. و من رأى أنه رمحه جمل مرض. و القطار من الجمال إذا كان يتلو بعضها بعضا أمطار لأن المطر يتلو بعضه بعضا، و هي تحمل الأثقال كما تحمل السحب الأمطار. و إذا ذبحت الجمال و لم يكن في ذلك المكان رجل فتاك فإنها دعوة لكرام. و من رأى كأنه صار جملا فإنه يحمل أثقالا من تبعات الناس. و البخت سفر بعيد لراكبها بلا عناء. و ربما دل الجمل على المسكن، و على السفينة، لأنه من سفن البر. و ربما دل على الموت، لأنه يظعن بالأحباب إلى الأمكنة البعيدة. و ربما دل على الزوجة و يدل الجمل على الحقد و أخذ الثأر و لو بعد حين. و ربما دل على الرجل الصبور. و ربما دل على البطء في الأحوال لمن يريد الاستعجال. و ربما دل الجمل على الجمال، لأنه مشتق من لفظها. و للآية و تدل رؤيا الجمال على الجان، لأنها خلقت من أعين الجان. و تدل الجمال على الأرزاق و الفوائد لامتهانها و ملكها قال ابن المقري: و رؤية الجمال البخت تدل على الأجلاء من الناس و أرباب الأسفار كالتجار في البر و البحر. و ربما دلت على الأعجام و الغرباء. و ربما تدل رؤيتها على الهموم و الأنكاد و السبي و سلب المال. و اللّه سبحانه و تعالى أعلم.

جمل البحر

: سمكة طولها ثلاثون ذراعا كذا قاله ابن سيده. و للعجاج‏ (1) فيه رجز حسن، قاله الجاحظ في كتاب البيان و التبيين. و في حديث أبي عبيدة رضي اللّه تعالى عنه أنه أذن في أكل جمل البحر، و هو سمك شبيه بالجمل.

جمل الماء:

البجع و هو الحوصل و سيأتي إن شاء اللّه تعالى في باب الحاء المهملة.

جمل اليهود:

الحرباء و سيأتي إن شاء اللّه تعالى في باب الحاء المهملة.

الجمعليلة:

بفتح الجيم و الميم الضبع و سيأتي إن شاء اللّه في باب الضاد المعجمة.

جميل و جميل:

طائر جاء مصغرا و الجمع جملان مثل كعيب و كعبان قال سيبويه: و هو البلبل.

الجنبر:

كمقعد فرخ الحبارى مثل به سيبويه و فسره السيرافي كذا قاله ابن سيده.

الجندب:

ضرب من الجراد، و قيل: ذكر الجراد مثلث الدال. و الجمع جنادب. قال سيبويه: نونه زائدة. و قال الجاحظ: إنه يحفر بذراعيه و يغوص في الطين و في الأرض إذا اشتد الحر و ربما يطير في شدة الحر أيضا. و في الحديث‏ (2) «إن مثل ما بعثني اللّه تعالى به كمثل رجل أوقد نارا

____________

(1) العجاج: عبد اللّه بن رؤبة بن لبيد بن صخر السعدي التميمي، أبو الشعثاء، الراجز. مات سنة 90 هـ-.

(2) رواه مسلم في الفضائل: 19. و ابن حنبل: 3-361-392.

292

فجعل الجنادب يقعن فيها» الحديث رواه مسلم و الترمذي كلاهما عن قتيبة بن سعيد، عن المغيرة ابن عبد الرحمن عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه، عن النبي صلى اللّه عليه و سلم.

و في حديث ابن مسعود «كان يصلي الظهر و الجنادب ينفرن من الرمضاء» أي تثب من شدة حرارة الأرض.

الجندع:

كقنفذ جندب أسود له قرنان طويلان، و هو أثخن الجنادب و لا يؤكل قاله ابن سيده. و قال أبو حنيفة الجندع جندب صغير.

الجن:

أجسام هوائية قادرة على التشكل بأشكال مختلفة، لها عقول و أفهام و قدرة على الأعمال الشاقة. و هم خلاف الإنس. الواحد جني و يقال: إنما سميت بذلك لأنها تتقى و لا ترى و جن الرجل جنونا، و أجنه اللّه فهو مجنون، و لا تقل مجن و قولهم في المجنون: ما أجنه شاذ لا يقاس عليه، لأنه لا يقال في المضروب: ما أضربه، و لا في المشكوك ما أشكه. روى الطبراني بإسناد حسن، عن أبي ثعلبة الخشني، أن النبي صلى اللّه عليه و سلم قال‏ (1) : «الجن ثلاثة أصناف، فصنف لهم أجنحة يطيرون بها في الهواء، و صنف حيات و صنف يحلون و يظعنون» . و كذلك رواه الحاكم، و قال: صحيح الإسناد، و سيأتي إن شاء اللّه تعالى، في باب الخاء المعجمة في الكلام على الخشاش، حديث أبي الدرداء رضي اللّه تعالى عنه، أن النبي صلى اللّه عليه و سلم قال‏ (2) : خلق اللّه الجن ثلاثة أصناف: صنف حيات و عقارب و خشاش الأرض، و صنف كالريح في الهواء، و صنف كبني آدم عليهم الحساب و العقاب، و خلق الإنس ثلاثة أصناف: صنف كالبهائم قال اللّه عز و جل‏ إِنْ هُمْ إِلاََّ كَالْأَنْعََامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً (3) و قال تعالى: لَهُمْ قُلُوبٌ لاََ يَفْقَهُونَ بِهََا وَ لَهُمْ أَعْيُنٌ لاََ يُبْصِرُونَ بِهََا وَ لَهُمْ آذََانٌ لاََ يَسْمَعُونَ بِهََا أُولََئِكَ كَالْأَنْعََامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولََئِكَ هُمُ اَلْغََافِلُونَ (4)

و صنف أجسادهم كأجساد بني آدم، و أرواحهم كأرواح الشياطين. و صنف في ظل اللّه عز و جل يوم لا ظل إلا ظله» . قال ابن حبان رواه يزيد بن سفيان الرهاوي، عن أبي المنيب عن يحيى بن كثير، عن أبي سلمة عن أبي الدرداء رضي اللّه عنه، و يزيد بن سفيان ضعفه يحيى بن معين و الامام أحمد بن حنبل و ابن المديني.

الحكم:

أجمع المسلمون قاطبة على أن نبينا محمدا صلى اللّه عليه و سلم مبعوث إلى الجن كما هو مبعوث إلى الإنس قال اللّه تعالى‏ وَ أُوحِيَ إِلَيَّ هََذَا اَلْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ (5) و من بلغ، و الجن بلغهم القرآن.

و قال تعالى: وَ إِذْ صَرَفْنََا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ اَلْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ اَلْقُرْآنَ (6) الآية. و قال‏ (7) تبارك و تعالى:

تَبََارَكَ اَلَّذِي نَزَّلَ اَلْفُرْقََانَ عَلى‏ََ عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعََالَمِينَ نَذِيراً و قال عز و جل‏ وَ مََا أَرْسَلْنََاكَ إِلاََّ رَحْمَةً لِلْعََالَمِينَ (8) و قال تعالى: وَ مََا أَرْسَلْنََاكَ إِلاََّ كَافَّةً لِلنََّاسِ (9) قال الجوهري: الناس قد تكون من الإنس و الجن، و قال تعالى خطابا للفريقين: سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ اَلثَّقَلاََنِ `فَبِأَيِّ آلاََءِ رَبِّكُمََا

____________

(1) رواه أحمد: 4/128.

(2) رواه أحمد: 4/128.

(3) سورة الفرقان: الآية 44.

(4) سورة الأعراف: الآية 179.

(5) سورة الأنعام: الآية 19.

(6) سورة الأحقاف: الآية 29.

(7) سورة الفرقان: الآية 1.

(8) سورة لأنبياء: الآية 107.

(9) سورة سبأ: الآية 28.

293

تُكَذِّبََانِ* (1) و الثقلان: الإنس و الجن، سميا بذلك لأنهما ثقلا الأرض و قيل: لأنهما مثقلان بالذنوب. و قال‏ (2) تعالى: وَ لِمَنْ خََافَ مَقََامَ رَبِّهِ جَنَّتََانِ و لذلك قيل: إن من الجن مقربين و أبرارا، كما أن من الإنس كذلك. و بهذه الآية استدل الجمهور، على أن الجن المؤمنين، يدخلون الجنة و يثابون، كما يثاب الإنس. و خالف أبو حنيفة و الليث في ذلك، فقالا ثواب المؤمنين منهم أن يجاروا من النار. و خالفهما الأكثرون حتى أبو يوسف و محمد و ليس لأبي حنيفة و الليث حجة سوى قوله‏ (3) تعالى: وَ يُجِرْكُمْ مِنْ عَذََابٍ أَلِيمٍ و قوله‏ (4) تعالى: فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلاََ يَخََافُ بَخْساً وَ لاََ رَهَقاً قالا: فلم يذكر في الآيتين ثوابا سوى النجاة من العذاب. و الجواب من وجهين أحدهما أن الثواب مسكوت عنه، و الثاني أن ذلك من قول الجن و يجوز أن يكونوا لم يطلعوا إلا على ذلك، و خفي عليهم ما أعد اللّه لهم من الثواب و قيل: إنهم إذا دخلوا الجنة لا يكونون مع الإنس، بل يكونون في ربضها. و في الحديث عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال: «الخلق كلهم أربعة أصناف: فخلق في الجنة كلهم و هم الملائكة، و خلق كلهم في النار و هم الشياطين و خلق في الجنة و النار و هم الجن، و الإنس لهم الثواب و عليهم العقاب» . و هو موقوف على ابن عباس رضي اللّه عنهما، و فيه شي‏ء و هو أن الملائكة لا يثابون بنعيم الجنة. و من المستغربات، ما رواه أحمد بن مروان المالكي الدينوري في أوائل الجزء التاسع من المجالسة عن مجاهد، أنه سئل عن الجن المؤمنين أ يدخلون الجنة؟فقال: يدخلونها و لكن لا يأكلون فيها و لا يشربون بل يلهمون التسبيح و التقديس، فيجدون فيهما ما يجد أهل الجنة من لذيذ الطعام و الشراب، و يدل لعموم بعثته صلى اللّه عليه و سلم من السنة أحاديث منها ما روى مسلم عن أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه أن النبي صلى اللّه عليه و سلم قال‏ (5) :

أعطيت جوامع الكلم، و أرسلت إلى الناس كافة» و فيه من حديث جابر رضي اللّه عنه «و بعثت إلى كل أحمر و أسود» (6) و في كتاب «خير البشر بخير البشر» للامام العلامة محمد بن ظفر، عن ابن مسعود رضي اللّه عنه أنه قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم لأصحابه، و هو بمكة: «من أحب منكم أن يحضر الليلة أمر الجن فلينطلق معي فانطلقت معه، حتى إذا كنا بأعلى مكة خط إلي خطا، ثم انطلق حتى قام فافتتح القرآن، فغشيه اسودة كثيرة و حالت بيني و بينه، حتى ما أسمع صوته ثم انطلقوا يتقطعون كما يتقطع السحاب ذاهبين حتى بقي منهم رهط، ثم أتى النبي صلى اللّه عليه و سلم فقال:

ما فعل الرهط؟قلت: هم أولئك يا رسول اللّه. قال: فأخذ عظما و روثا فأعطاهم إياه و نهى أن يستطيب أحد بعظم أو روث» (7) و في اسناده ضعف، و فيه أيضا عن بلال بن الحارث رضي اللّه عنه، قال: نزلنا مع النبي صلى اللّه عليه و سلم في بعض أسفاره بالعرج، فتوجهت نحوه فلما قاربته سمعت لغطا و خصومة رجال، لم أسمع لغة أحد من ألسنتهم، فوقفت حتى جاء النبي صلى اللّه عليه و سلم و هو يضحك،

____________

(1) سورة الرحمن: الآية 31-32.

(2) سورة الرحمن: الآية 46.

(3) سورة الأحقاف 31.

(4) سورة الجن: الآية 13.

(5) رواه البخاري في التعبير: 11، و مسلم في المساجد: 5 و ابن حنبل: 2، 250، 412، 442، 501.

(6) رواه الدارمي في السير: 28. و مسلم في المساجد: 3.

(7) رواه النسائي في الطهارة: 34، 35. و رواه البخاري في الوضوء: 21-20. و رواه مسلم في الطهارة:

58. و أبو داود في الطهارة: 45، و الترمذي في الطهارة: 64 و غيرهم.

294

فقال: «اختصم إلي الجن المسلمون و الجن المشركون، و سألوني أن أسكنهم فأسكنت المسلمين الجلس، و أسكنت المشركين الغور» . و كل مرتفع من الأرض جلس و نجد و كل منخفض غور.

و فيه أيضا عن ابن عباس رضي اللّه عنهما أنه قال: انطلق النبي صلى اللّه عليه و سلم في طائفة من أصحابه، عامدين إلى سوق عكاظ، و قد حيل بين الشياطين و خبر السماء فرجعت الشياطين إلى قومهم فقالوا: ما لكم قالوا حيل بيننا و بين خبر السماء، و أرسلت علينا الشهب. فقالوا: ما ذاك إلا من شي‏ء حدث، فاضربوا مشارق الأرض و مغاربها فالتقى الذين أخذوا نحو تهامة النبي صلى اللّه عليه و سلم و أصحابه و هم بنخلة عامدين إلى سوق عكاظ، «و هو صلى اللّه عليه و سلم يصلي بأصحابه صلاة الفجر فلما سمعوا القرآن أنصتوا له، و قالوا: هذا الذي حال بيننا و بين خبر السماء، و رجعوا إلى قومهم فقالوا: إِنََّا سَمِعْنََا قُرْآناً عَجَباً (1) الآيتين‏ (2) . و هذا الذي ذكره ابن عباس رضي اللّه عنهما أول ما كان من أمر الجن مع النبي صلى اللّه عليه و سلم و لم يكن النبي صلى اللّه عليه و سلم رآهم إذ ذاك، إنما أوحي إليه بما كان منهم. و فيه أيضا، و في صحيح مسلم عن ابن مسعود رضي اللّه عنه قال: كنا مع النبي صلى اللّه عليه و سلم، ذات ليلة، ففقدناه فالتمسناه، في الأودية و الشعاب، فقلنا: استطير أو اغتيل فبتنا بشر ليلة بات بها قوم، فلما أصبحنا إذا هو جاء من قبل حراء فقلنا: يا رسول اللّه فقدناك فطلبناك فلم نجدك فبتنا بشر ليلة بات بها قوم!فقال‏ (3) صلى اللّه عليه و سلم: «أتاني داعي الجن فذهبت معه فقرأت عليهم القرآن قال: فانطلق بنا فأرانا آثار نيرانهم و سألوه الزاد فقال: لكم كل عظم ذكر اسم اللّه عليه، تأخذونه فيقع في أيديكم أوفر ما كان لحما، و كل بعر علف لدوابكم» . ثم قال‏ (4) صلى اللّه عليه و سلم: «فلا تستنجوا بهما فإنهما طعام إخوانكم» .

و روى الطبراني بإسناد حسن، عن الزبير بن العوام رضي اللّه عنه، قال: «صلى بنا رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم يوما صلاة الصبح، في مسجد المدينة، فلما انصرف رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم قال: «أيكم يتبعني إلى وفد الجن الليلة» فسكت القوم و لم يتكلم منهم أحد. قال ذلك ثلاثا، فمر بي يمشي فأخذ بيدي فجعلت أمشي معه حتى تباعدت عنا جبال المدينة كلها، و أفضينا إلى أرض براز و إذا رجال طوال كأنهم الرماح متدثري ثيابهم من بين أرجلهم فلما رأيتهم، غشيتني رعدة شديدة، حتى ما تمسكني رجلاي، من الفرق، فلما دنونا منهم خط لي رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم بابهام رجله في الأرض خطا و قال لي «اقعد في وسطه» فلما جلست ذهب عني كل شي‏ء كنت أجده من ريبة، و مضى رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم بيني و بينهم فتلا قرآنا رفيعا، حتى طلع الفجر، ثم أقبل صلى اللّه عليه و سلم حتى مر بي فقال: «الحق بي» فجعلت أمشي معه فمضينا غير بعيد، فقال صلى اللّه عليه و سلم لي: «التفت فانظر هل ترى حيث كان أولئك من أحد؟» فالتفت فقلت: يا رسول اللّه سوادا كثيرا فخفض رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم رأسه إلى الأرض فنظر عظما و روثة «فرمى بهما إليهم» ثم قال‏ (5) صلى اللّه عليه و سلم: «هؤلاء وفد جن نصيبين سألوني الزاد فجعلت لهم كل

____________

(1) سورة الجن: الآية 1.

(2) رواه البخاري في الآذان: 105. و في تفسير سورة 72. و رواه مسلم في الصلاة: 149. و الترمذي في تفسير سورة: 72.

(3) رواه مسلم في الصلاة: 150.

(4) رواه مسلم: طهارة 145. الدارمي: وضوء 12. أحمد: 3-487.

(5) رواه البخاري في مناقب الأنصار: 32.

295

عظم و روثة» . قال الزبير رضي اللّه عنه: فلا يحل لأحد أن يستنجي بعظم و لا روثة. و روي أيضا عن ابن مسعود رضي اللّه عنه، قال: استتبعني رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم ليلة فقال: «إن نفرا من الجن خمسة عشر، بنو اخوة و بنو عم، يأتون الليلة فأقرأ عليهم القرآن» . فانطلقت معه إلى المكان الذي أراد فجعل لي خطا ثم أجلسني فيه، و قال: «لا تخرج من هذا» فبت فيه حتى أتاني رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم مع السحر، و في يده عظم حائل و روثة و خمة. فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: «إذا أتيت الخلاء فلا تستنج بشي‏ء من هذا» قال: فلما أصبحت قلت: لأعلمن حيث كان رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، فذهبت فرأيت موضع سبعين بعيرا. و روى الشافعي و البيهقي أن رجلا من الأنصار رضي اللّه عنهم، خرج يصلي العشاء فسبته الجن و فقد أعواما، و تزوجت زوجته. ثم أتى المدينة فسأله عمر رضي اللّه عنه، عن ذلك، فقال: اختطفتني الجن، فلبثت فيهم زمانا طويلا، فغزاهم جن مؤمنون و قاتلوهم، فأظفرهم اللّه عليهم، و سبوا منهم سبايا و سبوني معهم، فقالوا: تراك رجلا مسلما، و لا يحل لنا سباؤك، فخيروني بين المقام عندهم و القفول إلى أهلي؟فاخترت أهلي فأتوا بي إلى المدينة فقال له عمر رضي اللّه عنه: ما كان طعامهم؟قال: الفول و كل ما لم يذكر اسم اللّه عليه.

قال: فما كان شرابهم؟قال: الجدف. و هو الرغوة، لأنها تجدف عن الماء، و قيل: نبات يقطع و يؤكل، و قيل كل إناء كشف عنه غطاؤه. و أما الاجماع فنقل ابن عطية و غيره الاتفاق على أن الجن متعبدون بهذه الشريعة على الخصوص، و أن نبينا محمدا صلى اللّه عليه و سلم مبعوث إلى الثقلين، فإن قيل: لو كانت الأحكام بجملتها لازمة لهم لكانوا يترددون إلى النبي صلى اللّه عليه و سلم، حتى يتعلموها، و لم ينقل أنهم أتوه إلا مرتين بمكة، و قد تجدد بعد ذلك أكثر الشريعة قلنا: لا يلزم من عدم النقل عدم اجتماعهم به، و حضوره مجلسه و سماعهم كلامه، من غير أن يراهم المؤمنون، و يكون هو صلى اللّه عليه و سلم يراهم، و لا يراهم أصحابه، فإنه تعالى يقول‏ (1) عن رأس الجن: إِنَّهُ يَرََاكُمْ هُوَ وَ قَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاََ تَرَوْنَهُمْ فقد يراهم صلى اللّه عليه و سلم بقوة يعطيها اللّه له زائدة على قوة أصحابه، و قد يراهم بعض الصحابة في بعض الأحوال كما رأى أبو هريرة رضي اللّه عنه الشيطان الذي أتاه ليسرق من زكاة رمضان.

كما رواه البخاري فإن قيل: ما تقول فيما حكي عن بعض المعتزلة انه ينكر وجود الجن؟قلنا عجيب أن يثبت ذلك عمن يصدق بالقرآن، و هو ناطق بوجودهم. و روى البخاري و مسلم و النسائي عن أبي هريرة رضي اللّه عنه أن النبي صلى اللّه عليه و سلم قال‏ (2) : «ان عفريتا من الجن تفلت عليّ البارحة، يريد أن يقطع عليّ صلاتي فذعته، بالذال المعجمة و العين المهملة، أي خنقته، و أردت أن أربطه في سارية من سواري المسجد، فذكرت قول أخي سليمان، و قال‏ (3) صلى اللّه عليه و سلم: «إن بالمدينة جنا قد أسلموا و قال: لا يسمع مدى صوت المؤذن جن و لا إنس و لا شي‏ء إلا شهد له يوم القيامة» .

و روى مسلم عن سالم بن عبد اللّه بن أبي الجعد و ليس له في الكتب الستة سواه عن ابن مسعود

____________

(1) سورة الأعراف: آية 27.

(2) رواه البخاري في الصلاة: 75، الأنبياء: 40، تفسير سورة: 38. و رواه مسلم في المساجد: 39. و أحمد:

2/298.

(3) رواه البخاري في الأذان: 5، و بدء الخلق: 12، و التوحيد: 52. و النسائي أذان: 14، و ابن ماجة أذان:

5 و الموطأ نداء: 5. و ابن حنبل: 3، 6، 35، 43.

296

رضي اللّه تعالى عنه أن النبي صلى اللّه عليه و سلم قال: «ما منكم من أحد إلا و قد وكل به قرينه من الجن، قالوا:

و إياك يا رسول اللّه؟قال: و اياي إلا أن اللّه أعانني عليه فأسلم فلا يأمرني إلا بخير» (1) . روي فأسلم بفتح الميم و ضمها و صحح الخطابي الرفع و رجح القاضي عياض و النووي الفتح و هو المختار. و أجمعت الأمة على عصمة النبي صلى اللّه عليه و سلم من الشيطان، و إنما المراد تحذير غيره من فتنة القرين و وسوسته و إغوائه، فأعلمنا أنه معنا لنحترز منه، بحسب الإمكان. و أما عصمته صلى اللّه عليه و سلم من الكبائر، فمجتمع عليها و كذلك سائر الأنبياء صلوات اللّه و سلامه عليهم أجمعين. و في الصغائر خلاف ليس هذا موضع ذكره. و الصحيح أنهم صلى اللّه عليهم و سلم معصومون من الكبائر و الصغائر.

و كذلك الملائكة عليهم السلام كما قاله القاضي و غيره من المحققين. فإذا علم هذا فاعلم أن الأحاديث في وجود الجن و الشياطين لا تحصى و كذلك أشعار العرب و أخبارها، فالنزاع في ذلك مكابرة فيما هو معلوم بالتواتر ثم إنه أمر لا يحيله العقل، و لا يكذبه الحس و لذلك جرت التكاليف عليهم. و مما اشتهر أن سعد بن عبادة رضي اللّه عنه لما لم يبايعه الناس و بايعوا أبا بكر رضي اللّه عنه، سار إلى الشأم فنزل حوران و أقام بها إلى أن مات في سنة خمس عشرة و لم يختلف أنه وجد ميتا في مغتسله بحوران و أنهم لم يشعروا بموته بالمدينة حتى سمعوا قائلا يقول في بئر:

قد قتلنا سيد الخز # رج سعد بن عبادة

فرميناه بسهميـ # ن و لم نخط فؤاده‏

فحفظوا ذلك اليوم فوجدوه اليوم الذي مات فيه. و وقع في صحيح مسلم أن سعدا شهد بدرا. و قال الحافظ فتح الدين بن سيد الناس: و الصحيح أنه لم يشهد بدرا. كذا رواه الطبراني من حديث محمد بن سيرين و قتادة و كلاهما أدرك سعد أو روى عن حجاج بن علاط السلمي و هو والد نصر بن حجاج الذي قيل‏ (2) فيه:

هل من سبيل إلى خمر فأشربها # أم من سبيل إلى نصر بن حجاج‏

انه قدم مكة في ركب فأجنهم الليل بواد مخيف موحش، فقال له أهل الركب: قم فخذ لنفسك أمانا و لأصحابك فجعل يطوف بالركب و يقول:

أعيذ نفسي و أعيذ صحبي # من كل جني بهذا النقب

حتى أعود سالما و ركبي‏

فسمع قائلا يقول: يََا مَعْشَرَ اَلْجِنِّ وَ اَلْإِنْسِ إِنِ اِسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطََارِ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ (3) الآية فلما قدم مكة أخبر كفار قريش بما سمع، فقالوا: صبأت يا أبا كلاب. إن هذا الذي قلته يزعم محمد أنه أنزل عليه، فقال: و اللّه لقد سمعته و سمعه هؤلاء معي. ثم أسلم و حسن إسلامه، و هاجر إلى المدينة، و ابتنى بها مسجدا يعرف به. و عند ابن سعد و الطبراني

____________

(1) رواه مسلم في المنافقين: 69، و الدارمي في الرفاق 25. و ابن حنبل: 1-385-397-401-460.

(2) عيون الأخبار: 4/24. و فيه: «أ لا سبيل... أم هل سبيل» .

(3) سورة الرحمن: الآية 33.

297

و الحافظ أبي موسى و غيرهم عمرو بن جابر الجني في الصحابة فرووا بأسانيدهم عن صفوان بن المعطل السلمي أنه قال خرجنا حجاجا فلما كنا بالعرج، إذا نحن بحية تضطرب فلم نلبث أن ماتت، فأخرج لها رجل منا خرقة فلفها فيها ثم حفر لها في الأرض. ثم قدمنا مكة فأتينا المسجد الحرام فوقف علينا رجل فقال: أيكم صاحب عمرو بن جابر؟قلنا: ما نعرفه. قال: أيكم صاحب الجان‏ (1) ؟قالوا: هذا. قال: جزاك اللّه عنا خيرا. أما انه كان آخر التسعة من الجن الذين سمعوا القرآن من النبي صلى اللّه عليه و سلم. و كذلك رواه الحاكم في المستدرك في ترجمة صفوان بن المعطل و ذكر ابن أبي الدنيا عن رجل من التابعين أن حية دخلت عليه في خبائه تلهث عطشا فسقاها ثم إنها ماتت فدفنها فأتى من الليل فسلم عليه و شكر، و أخبر أن تلك الحية كان رجلا صالحا من جن نصيبين، اسمه زوبعة، قال: و بلغنا من فضائل عمر بن عبد العزيز الأموي أمير المؤمنين رضي اللّه تعالى عنه أنه كان يمشي بأرض فلاة فإذا بحية ميتة فكفنها بفضلة من ردائه و دفنها فإذا قائل يقول: يا سرق اشهد لسمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم يقول لك: ستموت بأرض فلاة فيكفنك و يدفنك رجل صالح فقال: و من أنت يرحمك اللّه؟فقال: من الجن الذين استمعوا القرآن من رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم و لم يبق منهم، إلا أنا و سرق هذا الذي قد مات. و في كتاب خير البشر بخير البشر، عن عبيد المكتب، عن ابراهيم، قال: خرج نفر من أصحاب عبد اللّه بن مسعود رضي اللّه تعالى عنه، و أنا معهم يريدون الحج حتى إذا كانوا ببعض الطريق، رأوا حية بيضاء تتثنى على الطريق، يفوح منها ريح المسك قال: فقلت لأصحابي امضوا فلست ببارح حتى أنظر ما ذا يصير إليه أمرها فما لبثت أن ماتت، فظننت بها الخير لمكان الرائحة الطيبة فكفنتها في خرقة ثم نحيتها عن الطريق و دفنتها.

و أدركت أصحابي في المتعشى قال فو اللّه انا لقعود، إذا أقبل أربع نسوة من قبل المغرب فقال واحدة منهن: أيكم دفن عمرا؟فقلنا من عمر؟فقالت: أيكم دفن الحية؟قال: فقلت: أنا. قالت أما و اللّه لقد دفنت صوّاما قوّاما يؤمن بما أنزل اللّه عز و جل، و لقد آمن بنبيكم محمد صلى اللّه عليه و سلم و سمع صفته في السماء قبل أن يبعث بأربعمائة سنة. قال: فحمدت اللّه تعالى ثم قضينا حجنا ثم مررت بعمر رضي اللّه تعالى عنه فأخبرته خبر الحية و المرأة، فقال: صدقت، سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم يقول فيه هذا. و فيه أيضا عن ابن عمر رضي اللّه عنهما قال: كنت عند أمير المؤمنين عثمان رضي اللّه عنه، إذ جاءه رجل فقال: أ لا أحدثك بعجيب يا أمير المؤمنين؟قال: بلى قال: بينا أنا بفلاة من الأرض لقيت عصابتين قد التفتا ثم افترقتا، قال: فجئت معتركهما فإذا من الحيات شي‏ء ما رأيت مثله قط، و إذا ريح المسك أجده من حية منها صفراء دقيقة، فظننت أن تلك الرائحة لخير فيها فأخذتها، و لففتها في عمامتي ثم دفنتها. فبينما أنا أمشي إذ أنا بمناد ينادي هداك اللّه ان هذين حيان من الجن كان بينهما قتال فاستشهد الحية التي دفنتها و هو من الذين استعلموا الوحي من رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم. و فيه أيضا أن فاطمة بنت النعمان النجارية قالت: قد كان لي تابع من الجن فكان إذا جاء اقتحم البيت الذي أنا فيه اقتحاما، فجاءني يوما فوقف على الجدار و لم يصنع كما كان يصنع، فقلت له، ما بالك لم تصنع ما كنت تصنع صنيعك قبل؟فقال: انه قد بعث اليوم نبي يحرم الزنا. و روى البيهقي في دلائله عن الحسن أن عمار بن ياسر رضي اللّه عنه قال: قاتلت مع

____________

(1) رواه أحمد: 5-312.

298

رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم الجن و الإنس فسئل عن قتال الجن، فقال: أرسلني رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم إلى بئر أستقي منها، فرأيت الشيطان في صورته فصارعني فصرعته، ثم جعلت أدمي أنفه بفهر كان معي أو حجر. فقال صلى اللّه عليه و سلم لأصحابه إن عمارا لقي الشيطان عند البئر فقاتله، فلما رجعت سألني فأخبرته الأمر فكان أبو هريرة رضي اللّه تعالى عنه يقول: إن عمار بن ياسر أجاره اللّه من الشيطان على لسان رسوله صلى اللّه عليه و سلم. و قد أشار إليه البخاري، فيما رواه، عن ابراهيم النخعي قال: «ذهب علقمة إلى الشأم، فلما دخل المسجد، قال: اللهم يسر لي جليسا صالحا فجلس إلى أبي الدرداء فقال أبو الدرداء: ممن أنت؟قال: من أهل الكوفة. قال: أ و ليس فيكم أو منكم صاحب السر الذي لا يعلمه غيره؟يعني حذيفة، قلت: بلى. قال: أ و ليس فيكم أو منكم الذي أجاره اللّه من الشيطان على لسان نبيه محمد صلى اللّه عليه و سلم؟يعني عمارا، قلت: بلى. قال: أ و ليس فيكم أو منكم صاحب السواك و الوساد؟قلت: بلى. قال: كيف كان عبد اللّه يقرأ وَ اَللَّيْلِ إِذََا يَغْشى‏ََ، `وَ اَلنَّهََارِ إِذََا تَجَلََّى (1)

قلت: و الذكر و الأنثى» و ذكر الحديث‏ (2) . و روى أبو بكر في رباعياته، و القاضي أبو يعلى عن عبد اللّه بن حسين المصيصي، قال: دخلت طرسوس، فقيل لي: هاهنا امرأة يقال لها نهوس رأت الجن الذين وفدوا على رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم فأتيتها فإذا هي امرأة مستلقية على قفاها فقلت: أ رأيت أحدا من الجن الذين وفدوا على رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم قالت: نعم حدثني سمحج و سماه النبي صلى اللّه عليه و سلم عبد اللّه قال: قلت: يا رسول اللّه أين كان ربنا قبل خلق السموات و الأرض؟قال على حوت من نور يتلجلج في النور قالت: قال: تعني سمحج. و سمعته صلى اللّه عليه و سلم يقول: «ما من مريض يقرأ عنده سورة يس إلا مات ريان و دخل قبره ريان و حشر يوم القيام ريان» .

و أغرب من هذا ما في أسد الغابة تبعا لأبي موسى باسنادهما عن مالك بن دينار عن أنس بن مالك رضي اللّه تعالى عنه قال: «كنت مع رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم خارجا من جبال مكة، إذ أقبل شيخ يتوكأ على عكازه فقال النبي صلى اللّه عليه و سلم مشية جني و نغمته، قال: أجل فقال النبي صلى اللّه عليه و سلم: من أي الجن؟ قال أنا هامة بن الهيم أو ابن هيم بن لاقيس بن ابليس. فقال: لا أرى بينك و بينه إلا أبوين قال:

أجل. قال كم أتى عليك؟قال أكلت الدنيا إلا أقلها، كنت ليالي قتل قابيل هابيل غلاما ابن أعوام، فكنت أتشوف على الآكام و أورش بين الأنام. فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: بئس العمل؟فقال يا رسول اللّه دعني من العتب فإني ممن آمن بنوح و تبت على يديه و إني عاتبته في دعوته فبكى و أبكاني و قال: إني و اللّه لمن النادمين و أعوذ باللّه أن أكون من الجاهلين و لقيت هودا و آمنت به، و لقيت ابراهيم و كنت معه في النار إذ ألقي فيها، و كنت مع يوسف إذ ألقي في الجب، فسبقته إلى قعره و لقيت شعيبا و موسى، و لقيت عيسى بن مريم، فقال لي: إن لقيت محمدا فاقرئه مني السلام و قد بلغت رسالته، و آمنت بك فقال النبي صلى اللّه عليه و سلم: على عيسى و عليك السلام، ما حاجتك يا هامة قال: إن موسى علمني التوراة، و عيسى علمني الإنجيل، فعلمني القرآن. فعلمه» . و في رواية أنه صلى اللّه عليه و سلم علمه عشر سور من القرآن و قبض رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم و لم ينعه إلينا فلا نراه، و اللّه أعلم، إلا حيا.

____________

(1) سورة الليل: الآية 1-2.

(2) رواه البخاري في فضائل الصحابة: 30-27، و الترمذي في المناقب: 3. و النسائي في الصلاة: 9.

و ابن حنبل: 5-194. 6-444-449-450-451.

299

و فيه أيضا عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي اللّه تعالى عنه، أنه قال ذات يوم لابن عباس:

حدثني بحديث تعجبني به، قال: حدثني أبو خزيم بن فاتك الأسدي أنه خرج يوما في الجاهلية في طلب إبل له قد ضلت فأصابها في ابرق العزاف. و سمي بذلك لأنه يسمع فيه عزيف الجن.

قال: فعقلتها و توسدت ذراع بكر منها ثم قلت: أعوذ بعظيم هذا المكان. و في رواية بكبير هذا الوادي و إذا بهاتف يهتف بي و يقول:

ويحك عذ باللّه ذي الجلال # منزل الحرام و الحلال

و وحد اللّه و لا تبال # ما هول ذا الجني من الأهوال‏

فقلت:

يا أيها الداعي فما تخيل # أرشد عندك أم تضليل‏

فقال:

هذا رسول اللّه ذو الخيرات # جاء بياسين و حاميمات

و سور بعد مفصلات # يدعو إلى الجنة و النجاة

يأمر بالصوم و الصلاة # و يزجر الناس عند الهنات‏

قال: فقلت: من أنت أيها الهاتف يرحمك اللّه؟قال: أنا مالك بن مالك بعثني رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم إلى جن أهل نجد. قال: فقلت: لو كان لي من يكفيني إبلي هذه لأتيته حتى أؤمن به فقال: إن أردت الإسلام فأنا أكفيكها حتى أردها إلى أهلك سالمة إن شاء اللّه تعالى. قال:

فامتطيت راحلتي و قصدت المدينة فقدمتها في يوم جمعة فأتيت المسجد فإذا رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم يخطب فأنخت راحلتي بباب المسجد و قلت ألبث حتى يفرغ من خطبته، فإذا أبو ذر قد خرج فقال: إن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم قد أرسلني إليك و هو يقول لك: مرحبا بك قد بلغني إسلامك فادخل فصل مع الناس. قال: فتطهرت و دخلت فصليت. ثم دعاني. قال: ما فعل الشيخ الذي ضمن أن يرد إبلك إلى أهلك؟. أما إنه قد ردها إلى أهلك سالمة؟فقلت: جزاه اللّه خيرا و رحمه اللّه فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: أجل رحمه اللّه، فأسلم و حسن إسلامه. و في مسند الدارمي عن الشعبي، قال:

قال: عبد اللّه بن مسعود رضي اللّه تعالى عنه لقي رجل من أصحاب محمد صلى اللّه عليه و سلم رجلا من الجن فصارعه فصرعه الإنسي، فقال له الإنسي: إني أراك ضئيلا شخيتا، كأن ذراعيك ذراعا كلب فكذلك أنتم معشر الجن أم أنت من بينهم كذلك؟قال: «لا و اللّه إنني من بينهم لضليع و لكن عاودني الثانية فإن صرعتني علمتك شيئا ينفعك. قال: نعم فعاوده فصرعه. فقال له: أ تقرأ اللّه لا إله إلا هو الحي القيوم؟قال: نعم. قال: فإنك لا تقرؤها في بيت إلا خرج منه الشيطان له حجج كحجج الحمار، ثم لا يدخله حتى يصبح» (1) قال الدارمي: الضئيل الدقيق. و الشخيت المهزول، و الضليع جيد الأضلاع. و الحجج الريح. و قال أبو عبيدة الحجج الضراط و سيأتي في

____________

(1) رواه الدارمي في فضائل القرآن: 14.

300

باب الغين المعجمة في لفظ الغول حديث أبي هريرة و حديث أبي أيوب الأنصاري رضي اللّه تعالى عنهما في ذلك إن شاء اللّه تعالى.

مسألة:

يصح انعقاد الجمعة بأربعين مكلفا سواء كانوا من الجن أو من الإنس أو منهما قاله القمولي. لكن نقل الشيخ أبو الحسن محمد بن الحسين الآبري في مناقب الشافعي رضي اللّه تعالى عنه التي ألفها عن الربيع أنه قال: سمعت الشافعي رضي اللّه تعالى عنه يقول: من زعم، من أهل العدالة، أنه يرى الجن، ردت شهادته و عزر، لمخالفته لقوله‏ (1) تعالى‏ إِنَّهُ يَرََاكُمْ هُوَ وَ قَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاََ تَرَوْنَهُمْ إلا أن يكون الزاعم نبيا و نظير هذا قول الشيخ محيي الدين النووي رحمه اللّه تعالى في الفتاوى: من منع التفضيل بين الأنبياء يعزر لمخالفته القرآن. و يحمل قول الشافعي رحمه اللّه على من ادعى رؤيتهم على ما خلقوا عليه و يحمل كلام القمولي على ما إذا تصوروا في صورة بني آدم، كما تقدم قريبا.

و اعلم أن المشهور أن جميع الجن من ذرية ابليس، و بذلك يستدل على أنه ليس من الملائكة لأن الملائكة لا يتناسلون، لأنهم ليس فيهم إناث. و قيل: الجن جنس، و ابليس واحد منهم و لا شك أن الجن ذريته، بنص القرآن، و من كفر من الجن يقال له شيطان. و في الحديث: «لما أراد اللّه أن يخلق لإبليس نسلا و زوجة ألقى عليه الغضب، فطارت منه شظية من نار فخلق منها امرأته» . و نقل ابن خلكان في تاريخه في ترجمة الشعبي و اسمه عامر أنه قال: إني لقاعد يوما إذ أقبل حمال و معه دن، فوضعه ثم جاءني فقال: أنت الشعبي؟فقلت: نعم. قال: أخبرني هل لإبليس زوجة؟فقلت: إن ذلك العرس ما شهدته!قال: ثم ذكرت قوله‏ (2) تعالى: أَ فَتَتَّخِذُونَهُ وَ ذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيََاءَ مِنْ دُونِي فقلت: إنه لا تكون ذرية إلا من زوجة، فقلت: نعم. فأخذ دنه و انطلق، قال: فرأيت أنه مجتاز بي و روى أن اللّه تعالى قال لإبليس: لا أخلق لآدم ذرية إلا ذرأت لك مثلها، فليس من ولد آدم أحد إلا و له شيطان قد قرن به، و قيل: إن الشياطين فيهم الذكور و الإناث، فيتوالدون من ذلك، و أما ابليس فإن اللّه تعالى خلق له في فخذه اليمنى ذكرا و في اليسرى فرجا فهو ينكح هذا بهذا فيخرج له كل يوم عشر بيضات، يخرج من كل بيضة سبعون شيطانا و شيطانة، و ذكر مجاهد أن من ذرية إبليس لا قيس و ولهان، و هو صاحب الطهارة و الصلاة و الهفاف. و هو صاحب الصحارى و مرة و به يكنى و زلنبور، و هو صاحب الأسواق يزين اللغو و الحلف الكاذب، و مدح السلعة، و بثر و هو صاحب المصائب، يزين خمش الوجوه و لطم الخدود و دوشق الجيوب، و الأبيض و هو الذي يوسوس للأنبياء عليهم السلام، و الأعور و هو صاحب الزنا ينفخ في احليل الرجل و عجز المرأة، و داسم و هو الذي إذا دخل الرجل بيته و لم يسلم و لم يذكر اسم اللّه تعالى دخل معه و وسوس له فألقى الشر بينه و بين أهله، فإن أكل و لم يذكر اسم اللّه أكل معه، فإذا دخل الرجل بيته و لم يسلم و لم يذكر اسم اللّه تعالى و رأى شيئا يكرهه و خاصم أهله فليقل داسم داسم أعوذ باللّه منه، و مطوس و هو صاحب الأخبار يأتي بها فيلقيها في أفواه الناس، و لا يكون لها أصل و لا حقيقة، و الاقنص و أمهم طرطبة، و قال النقاش: بل هي حاضنتهم

____________

(1) سورة الأعراف: الآية 27.

(2) سورة الكهف: الآية 50.

301

و يقال: إنه باض ثلاثين بيضة عشر في المغرب و عشر في المشرق و عشر في وسط الأرض و انه خرج من كل بيضة جنس من الشياطين كالغيلان و العقارب و القطارب و الجان و أسماء أخرى مختلفة. ثم كلهم عدو لبني آدم لقوله‏ (1) تعالى‏ أَ فَتَتَّخِذُونَهُ وَ ذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيََاءَ مِنْ دُونِي و هم لكم عدوّ إلا من آمن منهم قال النووي رحمه اللّه: ابليس كنيته أبو مرة و اختلف العلماء في أنه هل هو من الملائكة من طائفة يقال لهم الجن؟أم ليس من الملائكة و في اسمه هل هو اسم أعجمي أم عربي؟قال ابن عباس و ابن مسعود و ابن المسيب و قتادة و ابن جرير و الزجاج و ابن الأنباري: كان ابليس من الملائكة من طائفة يقال لهم الجن و كان اسمه بالعبرانية عزازيل و بالعربية الحارث و كان من خزان الجنة و كان رئيس ملائكة سماء الدنيا و سلطانها و سلطان الأرض، و كان من أشد الملائكة اجتهادا و أكثرهم علما و كان يسوس ما بين السماء و الأرض فرأى بذلك لنفسه شرفا عظيما و عظمة فذاك الذي دعاه إلى الكبر فعصى و كفر فمسخه اللّه شيطانا رجيما ملعونا نعوذ باللّه من خذلانه و مقته و نسأله العافية و السلامة في الدين و الدنيا و الآخرة. و لذلك قيل: إذا كانت خطيئة الإنسان في كبر فلا ترجه، و إن كانت خطيئته في معصية فارجه. قالوا: و قوله تعالى: كََانَ مِنَ اَلْجِنِّ أي من طائفة من الملائكة، يقال لهم: الجن، و قال سعيد بن جبير و الحسن البصري: لم يكن ابليس من الملائكة طرفة عين، و إنه لأصل الجن كما أن آدم أصل الإنس. و قال عبد الرحمن بن زيد و شهر ابن حوشب ما كان من الملائكة قط. و الاستثناء منقطع زاد شهر بن حوشب، و إنما كان من الجن الذين ظفر بهم الملائكة فأسره بعضهم و ذهب به إلى السماء. و قال أكثر أهل اللغة و التفسير: إنما سمي ابليس لأنه أبلس من رحمة اللّه. و الصحيح كما قاله الإمام النووي و غيره من الأئمة الأعلام أنه من الملائكة و أن اسمه أعجمي و أن الاستثناء متصل لأنه لم ينقل أن غيرهم أمر بالسجود و الأصل في الاستثناء أن يكون من جنس المستثنى منه، و قال القاضي عياض: الأكثر على أنه أبو الجن كما أن آدم أبو البشر. و الاستثناء من غير الجنس شائع في كلام العرب. قال اللّه تعالى:

مََا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اِتِّبََاعَ اَلظَّنِّ (2) و الصحيح المختار ما سبق عن النووي و من وافقه و عن محمد بن كعب القرظي أنه قال: الجن مؤمنون و الشياطين كفار و أصلهم واحد. و سئل وهب بن منبه عن الجن ما هم و هل يأكلون و يشربون و يتناكحون؟فقال: هم أجناس فأما الصميم الخالص من الجن فإنهم ريح لا يأكلون و لا يشربون و لا ينامون في الدنيا و لا يتوالدون. و منهم أجناس يأكلون و يشربون و يتناكحون و هم السعالي و الغيلان، و القطارب و أشباه ذلك و ستأتي في أبوابها إن شاء اللّه.

فائدة:

قال القرافي: اتفق الناس على تكفير ابليس بقصته مع آدم عليه الصلاة و السلام، و ليس مدرك الكفر فيها الامتناع من السجود و إلا لكان كل من أمر بالسجود فامتنع منه كافرا، و ليس كذلك و لا كان كفره لكونه حسد آدم على منزلته من اللّه تعالى، و إلا لكان كل حاسد كافرا، و ليس كذلك، و لا كان كفره لعصيانه و فسوقه و إلا لكان كل عاص و فاسق كافرا. و قد أشكل ذلك على جماعة من متأخري الفقهاء فضلا عن غيرهم، و ينبغي أن يعلم أنه إنما كفر لنسبته

____________

(1) سورة الكهف: الآية 50.

(2) سورة النساء: الآية 157.

302

الحق جل جلاله إلى الجور، و التصرف الذي ليس بمرضي، و ظهر ذلك فحوى قوله: أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نََارٍ وَ خَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ* (1) و مراده على ما قاله الأئمة المحققون، من المفسرين و غيرهم، أن الزام العظيم الجليل بالسجود للحقير من الجور و الظلم فهذا وجه كفره لعنه اللّه. و قد أجمع المسلمون قاطبة على أن من نسب ذلك للحق تعالى كان كافرا. و اختلف هل كان قبل ابليس كافر أو لا فقيل: لا و إنه أول من كفر. و قيل: كان قبله قوم كفار و هم الجن الذين كانوا في الأرض انتهى و قد اختلف أيضا في كفر ابليس، هل كان جهلا أو عنادا؟على قولين لأهل السنة و الجماعة و لا خلاف، أنه كان عالما باللّه تعالى قبل كفره فمن قال: انه كفر جهلا، قال: انه سلب العلم الذي كان عنده عند كفره و من قال: إنه كفر عنادا قال: إنه كفر و معه علمه. قال ابن عطية:

و الكفر مع بقاء العلم مستبعد إلا أنه عندي جائز لا يستحيل مع خذلان اللّه تعالى لمن يشاء و روى البيهقي في شرح الأسماء الحسنى في آخر باب قوله تعالى: مََا كََانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلاََّ أَنْ يَشََاءَ اَللََّهُ (2)

عن عمر بن ذر قال: سمعت عمر بن عبد العزيز رحمه اللّه تعالى يقول لو أراد اللّه أن لا يعصى لم يخلق ابليس. و قد بين ذلك في آية من كتابه و فصلها، علمها من علمها، و جهلها من جهلها، و هي قوله‏ (3) تعالى: مََا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفََاتِنِينَ `إِلاََّ مَنْ هُوَ صََالِ اَلْجَحِيمِ ثم روى من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى اللّه عليه و سلم قال لأبي بكر: يا أبا بكر لو أراد اللّه أن لا يعصى ما خلق ابليس انتهى و قال رجل للحسن: يا أبا سعيد أ ينام ابليس؟فقال: لو نام لوجدنا راحة فلا خلاص للمؤمن منه إلا بتقوى اللّه تعالى. و قال في الإحياء قبيل بيان دواء الصبر: من غفل عن ذكر اللّه تعالى، و لو في لحظة فليس له في تلك اللحظة قرين إلا الشيطان. قال تعالى: وَ مَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ اَلرَّحْمََنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطََاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (4) و قال عليه الصلاة و السلام: «إن اللّه تعالى يبغض الشاب الفارغ» لأن الشاب إذا لم يشغل ظاهره بمباح يستعين به على دينه عشش الشيطان في قلبه و باض و فرخ، ثم تزدوج أفراخه أيضا و يبيض و يفرخ مرة أخرى و هكذا يتوالد نسل الشيطان توالدا أسرع من توالد سائر الحيوانات لأن طبعه من النار و النار، إذا وجدت الحلفاء اليابسة، كثر توالدها فلا تزال تتوالد النار من النار و لا تنقطع البتة، فالشهوة في نفس الشاب للشيطان كالحلفاء اليابسة للنار و لذلك قال الحسين الحلاج: هي نفسك إن لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل.

فائدة:

ذكر بعض العلماء العاملين أن اللّه تعالى افترض على خلقه فريضتين في آية واحدة، و الخلق عنها غافلون فقيل له: و ما هي؟فقال: قال الجليل جل جلاله‏ إِنَّ اَلشَّيْطََانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا (5) فهذا أمر منه سبحانه لنا بأن نتخذه عدوا فقيل له: كيف نتخذه عدوا و نتخلص منه؟فقال: اعلم ان اللّه تعالى جعل لكل مؤمن سبعة حصون. فالحصن الأول من ذهب، و هو معرفة اللّه تعالى، و حوله حصن من فضة و هو الايمان به تعالى و حوله حصن من حديد و هو التوكل عليه جل و علا، و حوله حصن من حجارة، و هو الشكر و الرضا عنه عز شأنه، و حوله حصن من

____________

(1) سورة ص: الآية 56.

(2) سورة الأنعام: الآية 111.

(3) سورة الصافات: الآية 163.

(4) سورة الزخرف: الآية 36.

(5) سورة فاطر: الآية 6.