حياة الحيوان الكبري - ج1

- الدميري المزيد...
520 /
303

فخار و هو الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و القيام بهما، و حوله حصن من زمرذ، و هو الصدق و الاخلاص له تعالى، و حوله حصن من لؤلؤ رطب، و هو أدب النفس. فالمؤمن من داخل هذه الحصون، و ابليس من ورائها ينبح كما ينبح الكلب، و المؤمن لا يبالي به لأنه قد تحصن بهذه الحصون. فينبغي للمؤمن أن لا يترك أدب النفس في جميع أحواله و يتهاون به في كل ما يأتي، فإن من ترك أدب النفس و تهاون به، فإنه يأتيه الخذلان لتركه حسن الأدب مع اللّه تعالى، و لا يزال ابليس يعالجه، و يطمع فيه و يأتيه حتى يأخذ منه جميع الحصون، و يرده إلى الكفر نعوذ باللّه من ذلك. انتهى و ما ذكره من الفريضتين في الآية قد يشكل، فيقال: ليس فيها إلا فريضة واحدة، و هي قوله تعالى: فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا (1) إذ الأمر يقتضي الوجوب عند عدم قرينة تدل على خلافه.

و قد سألت شيخنا الإمام اليافعي رحمه اللّه عن الفريضة الثانية، أين هي من الآية؟فأجاب قدّس اللّه روحه، بأن فيها فريضة علمية و فريضة عملية، فالأولى العلم بكونه عدوّا و الثانية العمل في اتخاذ العداوة له انتهى و أما ما تقدم من ذكر الحصون فهو في نهاية الحسن و التحقيق، لكن قد يستولي الشيطان على بعض الحصون المذكورة دون بعض فيرد العبد إلى الفسق دون الكفر، فيستحق النار من غير تخليد، و قد لا يرده إلى الفسق، و لكن يردّه إلى ضعف الايمان، فلا يستحق النار و لكن يستحق النزول عن رتبة أهل الايمان الكامل، و كل هذا التفاوت بسبب تفاوت الحصون المذكورة، إذ ليس أخذ حصن المعرفة و الإيمان كأخذ بقية الحصون المذكورة، و بقية الحصون تتفاوت أيضا، فليس أخذ حصن الصدق و الإخلاص، كأخذ حصن الأمر و النهي و كذلك سائر الحصون، و الكلام في ذلك يطول و لكن مهما بقي حصن الايمان و حصن التوكل كاملين للعبد لم يقدر عليه الشيطان، لقوله تعالى: إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطََانٌ عَلَى اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَلى‏ََ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (2) و هؤلاء المتصفون بالعبودية الكاملة لقوله تعالى: إِنَّ عِبََادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطََانٌ* (3) و هم المؤمنون حقا لقوله تعالى: إِنَّمَا اَلْمُؤْمِنُونَ اَلَّذِينَ إِذََا ذُكِرَ اَللََّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَ إِذََا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيََاتُهُ زََادَتْهُمْ إِيمََاناً وَ عَلى‏ََ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (4) ثم قال في آخر وصفهم: أُولََئِكَ هُمُ اَلْمُؤْمِنُونَ حَقًّا* (5) و قد يكون أخذ حصن واحد مؤدّيا إلى الكفر، و موجبا للتخليد في النار، كحصن الإيمان باللّه. و نعوذ باللّه من ذلك، و لكن لا يقدر على أخذ حصن الايمان، حتى يأخذ الحصون التي حوله نسأل اللّه الكريم الهدى و السلامة من الزيغ و الردى. و اعلم أن أوّل الواجبات المعرفة، و قال الاستاذ: النظر و قال ابن فورك و إمام الحرمين: القصد إلى النظر و قد بسطنا الكلام على ذلك، في كتابنا الجوهر الفريد في علم التوحيد، و ما قاله في ذلك علماء الشريعة و مشايخ الصوفية رحمهم اللّه تعالى. فليراجع ذلك في الجزء السابع من الكتاب المذكور، و باللّه التوفيق. و اختلفوا هل بعث اللّه تعالى من الجن إليهم رسلا قبل بعثه نبينا محمد صلى اللّه عليه و سلم؟فقال الضحاك: كان منهم رسل لظاهر قوله تعالى: يََا مَعْشَرَ اَلْجِنِّ وَ اَلْإِنْسِ أَ لَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ (6) و قال المحققون: لم يرسل إليهم منهم رسول و لم يكن ذلك في الجن قط و إنما الرسل من الإنس خاصة، و هذا هو الصحيح

____________

(1) سورة فاطر: الآية 6.

(2) سورة النحل: الآية 99.

(3) سورة الإسراء: الآية 65.

(4) سورة الأنفال: الآية 2.

(5) سورة الأنفال: الآية 4.

(6) سورة الأنعام: الآية 30.

304

المشهور. و أما الجن ففيهم النذر. و أما الآية فمعناها من أحد الفريقين، كقوله تعالى: يَخْرُجُ مِنْهُمَا اَللُّؤْلُؤُ وَ اَلْمَرْجََانُ (1) و إنما يخرجان من الملح دون العذب. و قال منذر بن سعيد البلوطي: قال ابن مسعود رضي اللّه تعالى عنه: إن الذين لقوا النبي صلى اللّه عليه و سلم من الجن، كانوا رسلا إلى قومهم، و قال مجاهد: النذر من الجن، و الرسل من الإنس و لا شك أن الجن مكلفون في الأمم الماضية كما هم مكلفون في هذه الأمة لقوله تعالى: أُولََئِكَ اَلَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ اَلْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ اَلْجِنِّ وَ اَلْإِنْسِ إِنَّهُمْ كََانُوا خََاسِرِينَ (2) و قوله تعالى: وَ مََا خَلَقْتُ اَلْجِنَّ وَ اَلْإِنْسَ إِلاََّ لِيَعْبُدُونِ (3) و قيل المراد: مؤمنو الفريقين. فما خلق أهل الطاعة منهم إلا لعبادته، و ما خلق الأشقياء إلا للشقاوة، و لا مانع من اطلاق العام و إرادة الخاص. و قيل: معناه إلا لآمرهم بعبادتي و أدعوهم إليها و قيل: إلا ليوحدون، فإن قيل: لم اقتصر على الفريقين و لم يذكر الملائكة؟فالجواب أن ذلك لكثرة من كفر من الفريقين، بخلاف الملائكة فإن اللّه قد عصمهم كما تقدم، فإن قيل: لم قدّم الجن على الإنس في هذه الآية؟فالجواب أن لفظ الإنس أخف لمكان النون الخفيفة و السين المهموسة، فكان الأثقل أولى بأوّل الكلام من الأخف لنشاط المتكلم و راحته.

فرع:

كان الشيخ عماد الدين بن يونس رحمه اللّه، يجعل من موانع النكاح اختلاف الجنس، و يقول: لا يجوز للإنسي أن يتزوج جنية لقوله‏ (4) تعالى: وَ اَللََّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوََاجاً و قال‏ (5) تعالى: وَ مِنْ آيََاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوََاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهََا وَ جَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَ رَحْمَةً فالمودة الجماع و الرحمة الولد. و نص على منعه جماعة من أئمة الحنابلة. و في الفتاوى السراجية: لا يجوز ذلك لاختلاف الجنس. و في القنية سئل الحسن البصري عنه؟فقال:

يجوز بحضرة شاهدين. و في مسائل ابن حرب، عن الحسن و قتادة أنهما كرها ذلك. ثم روي بسند فيه ابن لهيعة، أن النبي صلى اللّه عليه و سلم «نهى عن نكاح الجن» . و عن زيد العمى، أنه كان يقول: اللهم ارزقني جنية أتزوج بها تصاحبني حيثما كنت. و روى ابن عدي في ترجمة نعيم بن سالم بن قنبر مولى علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه، عن الطحاوي قال: حدثنا يونس بن عبد الأعلى قال: قدم علينا نعيم بن سالم مصر فسمعته يقول: تزوجت امرأة من الجن. فلم أرجع إليه. و روى في ترجمة سعيد بن بشير، عن قتادة، عن النضر بن أنس، عن بشير بن نهيك، عن أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: «أحد أبوي بلقيس كان جنيا» . و قال الشيخ نجم الدين القمولي: و في المنع من التزوج نظر، لأن التكليف يعم الفريقين، قال: و قد رأيت شيخا كبيرا صالحا أخبرني أنه تزوج جنية. انتهى قلت: و قد رأيت أنا رجلا من أهل القرآن و العلم، أخبرني أنه تزوج أربعا من الجن، واحدة بعد واحدة. لكن يبقى النظر في حكم طلاقها، و لعانها، و الإيلاء منها، و عدتها، و نفقتها، و كسوتها، و الجمع بينها و بين أربع سواها، و ما يتعلق بذلك.

و كل هذا فيه نظر لا يخفى. قال شيخ الإسلام شمس الدين الذهبي رحمه اللّه تعالى: رأيت بخط الشيخ فتح الدين اليعمري، و حدثني عنه عثمان المقاتلي قال: سمعت الشيخ أبا الفتح القشيري

____________

(1) سورة الرحمن: الآية 22.

(2) سورة الأحقاف: الآية 18.

(3) سورة الذاريات: الآية 56.

(4) سورة النمل: الآية 72.

(5) سورة الروم: الآية 21.

305

يقول: سمعت الشيخ عز الدين بن عبد السلام يقول: و قد سئل عن ابن عربي فقال: شيخ سوء كذاب. فقيل له: و كذاب أيضا؟قال: نعم. تذاكرنا يوما نكاح الجن، فقال: الجن روح لطيف و الإنس جسم كثيف فكيف يجتمعان؟ثم غاب عنا مدة و جاء في رأسه شجة، فقيل له في ذلك، فقال: تزوجت امرأة من الجن فحصل بيني و بينها شي‏ء فشجتني هذه الشجة!قال الشيخ الذهبي بعد ذلك: و ما أظن ابن عربي تعمد هذه الكذبة و إنما هي من خرافات الرياضة.

فرع:

روى أبو عبيدة في كتاب الأموال و البيهقي عن الزهري عن النبي صلى اللّه عليه و سلم، أنه «نهى عن ذبائح الجن» . قال: و ذبائح الجن أن يشتري الرجل الدار، أو يستخرج العين أو ما أشبه ذلك، فيذبح لها ذبيحة للطيرة. و كانوا في الجاهلية يقولون إذا فعل ذلك: لم يضر أهلها الجن فأبطل صلى اللّه عليه و سلم ذلك و نهى عنه.

تتمة:

في كتاب مناقب الشيخ عبد القادر الكيلاني‏ (1) قدس اللّه سره، أنه جاءه بعض أهل بغداد، و ذكر أن له بنتا اختطفت من سطح داره، و هي بكر. فقال له الشيخ: اذهب هذه الليلة إلى خراب الكرخ، و اجلس عند التل الخامس و خط عليك دائرة في الأرض، و قل و أنت تخطها:

بسم اللّه على نية عبد القادر، فإذا كانت فحمة العشاء، مرت بك طوائف من الجن، على صور شتى، فلا يروعك منظرهم، فإذا كان السحر مر بك ملكهم في محفل منهم، فيسألك عن حاجتك فقل: قد بعثني إليك عبد القادر و اذكر له شأن ابنتك. قال: فذهبت و فعلت ما أمرني به الشيخ فمر بي صور مزعجة المنظر و لم يقدر أحد منهم على الدنو من الدائرة التي أنا فيها، و ما زالوا يمرون زمرا زمرا إلى أن جاء ملكهم، راكبا فرسا، و بين يديه أمم منهم، فوقف بازاء الدائرة و قال:

يا انسي ما حاجتك؟قلت: قد بعثني إليك الشيخ عبد القادر، فنزل عن فرسه و قبل الأرض و جلس خارج الدائرة، و جلس من معه ثم قال لي: ما شأنك؟فذكرت له قصة ابنتي، فقال لمن حوله: علي بمن فعل هذا فأتى بمارد و معه ابنتي. فقيل له: إن هذا مارد من مردة الصين، فقال له:

ما حملك على أن اختطفت من تحت ركاب القطب؟فقال: إنها وقعت في نفسي، فأمر به فضربت عنقه، و أعطاني ابنتي فقلت: ما رأيت كالليلة في امتثالك أمر الشيخ عبد القادر!قال: نعم. إنه لينظر من داره إلى مردة الجن و هم بأقصى الأرض فينفرون من هيبته و أن اللّه تعالى إذا أقام قطبا مكنه من الجن و الإنس. و روي عن أبي القاسم الجنيد أنه قال: سمعت سريا السقطي رحمه اللّه، يقول: كنت يوما مارا في البادية، فآواني الليل إلى جبل لا أنيس فيه، فبينا أنا في جوف الليل ناداني مناد فقال: لا تدور القلوب في الغيوب حتى تذوب النفوس من مخافة فوت المحبوب.

فعجبت و قلت: أجني ينادي أم إنسي؟فقال: بل جني مؤمن باللّه سبحانه، و مع إخواني، فقلت:

و هل عندهم ما عندك؟قال: نعم و زيادة. قال فناداني الثاني منهم، فقال: لا تذهب من البدن الفترة إلا بدوام الفكرة. قال: فقلت في نفسي: ما أنفع كلام هؤلاء؟فناداني الثالث فقال: من أنس به في الظلام نشرت له غدا الأعلام. قال فصعقت. فلما أفقت إذا أنا بنرجسة على صدري

____________

(1) الكيلاني: عبد القادر بن موسى بن عبد اللّه بن جنكي‏دوست الحسني، مؤسس الطريقة القادرية زاهد متصوف. توفي سنة 561 هـ-.

306

فشممتها فذهب عني ما كان بي من الوحشة، و اعتراني الأنس. فقلت: وصية رحمكم اللّه، فقالوا: أبى اللّه أن يحيا بذكره و يأنس به إلا قلوب المتقين، فمن طمع في غير ذلك فقد طمع في غير مطمع، وفقنا اللّه و إياك. ثم ودعوني و مضوا و قد أتى علي حين، و أنا أرى برد كلامهم في خاطري. و في كفاية المعتقد و نكاية المنتقد، لشيخنا اليافعي عن السري أيضا أنه قال: كنت أطلب رجلا صديقا مدة من الأوقات، فمررت يوما في بعض الجبال، فإذا أنا بجماعة زمنى و عميان و مرضى، فسألت عن حالهم فقالوا: هاهنا رجل يخرج في السنة مرة فيدعو لهم فيجدون الشفاء، قال: فمكثت حتى خرج و دعا لهم فوجدوا الشفاء فقفوت أثره فأدركته، و تعلقت به، و قلت له: بي علة باطنة فما دواؤها؟فقال يا سري خل عني. فإنه غيور و إياك أن يراك تأنس إلى غيره، فتسقط من عينه، ثم تركني و ذهب. و في كتاب التوحيد للإمام محمد بن أبي بكر الرازي، عن الجنيد أنه قال: كنت أسمع السري يقول يبلغ العبد من الهيبة و الانس إلى حد لو ضرب وجهه بالسيف لم يشعر به. قال: و كان في نفسي منه شي‏ء حتى بان لي أن الأمر كذلك. انتهى قلت: و ذلك لأن الهيبة و الأنس فوق القبض و البسط، و القبض و البسط فوق الخوف و الرجاء، فالهيبة مقتضاها الغيبة و الدهش، فكل هائب غائب حتى لو قطع قطعا لم يحضر من غيبته، إلا بزوال الهيبة عنه. و الأنس مقتضاه الصحو و الإفاقة، ثم إنهم يتفاوتون في الهيبة و الأنس، فأدنى مرتبة في الأنس أنه لو ألقي في لظى ما تكدر أنسه، لأنه لا يشهد إلا هو، و لا يعرف إلا هو، أ لا ترى إلى قول السري رحمه اللّه: يبلغ العبد من الهيبة و الأنس إلى حد لو ضرب وجهه بالسيف لم يشعر به!و ذلك لأن الأنس يتولد من السرور باللّه، و من صح له الأنس باللّه، استوحش مما سواه، فهو باق باللّه فان عن السوى لم ير غيره. و لم يشهد لسواه فعلا فلم ير في الكونين إلا إياه فلا يقع نظره إلا عليه، و لا بصره إلا على فعله، و خلقه لأن العارف عرف الصنعة بالصانع، و لم يعرف الصانع بالصنعة، فلم ير إلا فعله و خلقه. و لذلك قال الصديق الأكبر أبو بكر رضي اللّه تعالى عنه: ما رأيت شيئا إلا و رأيت اللّه قبله. و هذا هو المقام الشريف من التوحيد. و اعلم أن العبد لا يذوق حلاوة الأنس باللّه تعالى، إلا إذا قطع العلائق، و رفض الخلائق، و غاص في الدقائق، مطلعا على الحقائق. و لا ينبئك مثل خبير. و اعلم أن حالتي الهيبة و الأنس، و إن جلتا، فأهل الحقيقة يعدونهما نقصا لتضمنهما تغير العبد، فإن أهل التوحيد المتمكنين سمت أحوالهم عن التغير، فلهم كمال في المحو، و وجود في العين و لا هيبة لهم و لا أنس و لا علم و لا حس، و ارتقاؤهم عن هذا المقام بالجود و الفيض الإلهي. فسبحان من خص برحمته من شاء من عباده.

و قال السري رحمه اللّه: صحبت رجلا يقال له الوالد سنة لم أسأله عن مسألة، فقلت له يوما:

ما المعرفة التي ليس فوقها معرفة؟فقال: أن تجد اللّه أقرب إليك من كل شي‏ء، و أن ينمحي عن سرائرك و ظواهرك كل شي‏ء غيره. فقلت له: بأي شي‏ء أصل إلى هذا؟فقال: بزهدك فيك و رغبتك فيه سبحانه و تعالى. قال: فكان كلامه سبب انتفاعي بهذا الأمر. توفي السري لست خلون من رمضان، سنة ثلاث و خمسين و مائتين. و قيل غير ذلك و اللّه أعلم بالصواب.

الخواص:

لا تدخل الجن بيتا فيه الأترج‏ (1) . روينا عن الإمام أبي الحسن، علي بن الحسن،

____________

(1) الأترج: ضرب من الحمضيات.

307

بن الحسن، بن محمد الخلعي، نسبة إلى بيع الخلع، و هو من أصحاب الشافعي، و قبره معروف بالقرافة، و الدعاء عنده مستجاب. و كان يقال له قاضي الجن أنه أخبر أنهم كانوا يأتون إليه، و يقرءون عليه، و أنهم أبطئوا عنه جمعة ثم أتوه فسألهم عن ذلك فقالوا: كان في بيتك شي‏ء من الأترج و إنا لا ندخل بيتا هو فيه. قال الحافظ أبو طاهر السلفي: و كان الخلعي إذا سمع عليه الحديث يختم مجلسه بهذا الدعاء: اللهم ما مننت به فتممه، و ما أنعمت به فلا تسلبه، و ما سترته فلا تهتكه، و ما علمته فاغفره. توفي في شوال سنة ثمان و أربعين و أربعمائة. قلت: و لهذا ضرب النبي صلى اللّه عليه و سلم المثل للمؤمن الذي يقرأ القرآن بالأترجة، لأن الشيطان يهرب عن قلب المؤمن القارئ للقرآن، كما يهرب عن مكان فيه الأترج، فناسب ضرب المثل به، بخلاف سائر الفواكه. و في المستدرك في تراجم الصحابة من حديث أحمد بن حنبل عن عبد القدوس بن بكير بإسناده إلى مسلم بن صبيح، قال‏ (1) : دخلت على عائشة رضي اللّه تعالى عنها و عندها رجل مكفوف، و هي تقطع له الأترج و تطعمه إياه بالعسل، فقالت: إن هذا ابن أم مكتوم الذي عاتب اللّه فيه نبيه صلى اللّه عليه و سلم، ما زال هذا له من آل محمد. قلت: و في تخصيصه بالأترج و العسل ما لا يخفى على متأمل.

و في معجم الطبراني، عن حبيب بن عبد اللّه عن أبي كبشة عن أبيه عن جده، قال: كان رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم يعجبه النظر إلى الحمام الأحمر و الأترج. و سيأتي في باب الفاء حديث سليمان بن موسى أن النبي صلى اللّه عليه و سلم قال: إن الجن لا يدخلون دارا فيها فرس عتيق.

التعبير:

الجن في المنام دهاة الناس أصحاب، مكر و حيل، لما كانوا يصنعون لسليمان عليه الصلاة و السلام من المحاريب و التماثيل، فمن عالج أحدا من الجن في المنام، فإنه ينازع قوما أصحاب مكر و حيل، و من رأى أنه يعلم الجن القرآن فإنه ينال رئاسة و ولاية لقوله‏ (2) تعالى: قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اِسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ اَلْجِنِّ و الجن في الرؤيا بمنزلة اللصوص، فمن دخلت الجن داره فليحذر اللصوص، و الجنون في المنام على وجوه: فمن رأى أنه قد جن فإنه ينال غنى كما قال الشاعر:

جن له الدهر فنال الغنى # يا ويحه إن عقل الدهر

و قيل: الجنون دال على أكل الربا لقوله تعالى: اَلَّذِينَ يَأْكُلُونَ اَلرِّبََا لاََ يَقُومُونَ إِلاََّ كَمََا يَقُومُ اَلَّذِي يَتَخَبَّطُهُ اَلشَّيْطََانُ مِنَ اَلْمَسِّ (3) و ربما دل على دخول الجنة لقوله عليه الصلاة و السلام:

«اطلعت على الجنة فرأيت أكثر أهلها البله و المجانين» فانسب الجنون إلى الرائي بما يليق به، و إن رأت امرأة أنها قد جنت و عولجت بالرقى، فإنها تحمل بولد يكون له دهاء فيكون الجنون جنينا تحمل به و اللّه تعالى أعلم.

جنان البيوت:

بجيم مكسورة و نون مفتوحة مشددة، و هي الحيات جمع جان و هي الحية الصغيرة و قيل الدقيقة الصغيرة، و قيل الدقيقة البيضاء. روى البخاري و مسلم و أبو داود عن أبي لبابة رضي اللّه تعالى عنه أن النبي صلى اللّه عليه و سلم «نهى عن قتل الجنان التي في البيوت إلا الابتر و ذا الطفيتين،

____________

(1) رواه النسائي في الطلاق: 73.

(2) سورة الجن: الآية 1.

(3) سورة البقرة: الآية 275.

308

فإنهما اللذان يخطفان البصر و يطرحان أولاد النساء» (1) . و الطفيتان بضم الطاء الخطان الأبيضان على ظهر الحية و الأبتر قصير الذنب. و قال النضر بن شميل: هو صنف من الحيات أزرق مقطوع الذنب لا تنظر إليه حامل إلا ألقت ما في بطنها و في كتاب الحشرات قال ابن خالويه: سمعت ابن عرفة يقول: الجنان حيات إذا مشت رفعت رأسها عند المشي و أنشد يقول‏ (2) :

رفعن بالليل إذا ما أسدفا # أعناق جنان و هاما رجفا

الجندبادستر:

حيوان كهيئة الكلب ليس ككلب الماء و يسمي القندر، و سيأتي في باب القاف، و لا يوجد إلا ببلاد القفجاق و ما يليها، و يسمى السمور أيضا، و هو على هيئة الثعلب، أحمر اللون ليس له يدان، و له رجلان و ذنب طويل و رأس كرأس الإنسان و وجه مدوّر و هو يمسي متكفيا على صدره كأنه يمشي على أربع، و له أربع خصيات: اثنتان ظاهرتان، و اثنتان باطنتان.

و من شأنه أنه إذا رأى الصيادين له لأخذ الجندبادستر و هو الموجود في خصيتيه البارزتين، هرب فإذا جدوا في طلبه قطعهما بفيه، و رمى بهما إليهم إذ لا حاجة لهم إلا بهما. فإذا لم يبصرهما الصيادون و داموا في طلبه استلقى على ظهره حتى يريهم الدم فيعلمون أنه قطعهما فينصرفون عنه و هو إذا قطع الظاهرتين أبرز الباطنتين عوضا عنهما. و في باطن الخصية شبه الدم أو العمل زهم الرائحة، سريع التفرك إذا جف. و هذا الحيوان يهرب إلى الماء و يمكث فيه زمانا حابسا نفسه، ثم يخرج و هو حيوان يصلح أن يحيا في الماء و خارج الماء، و أكثر أوقاته في الماء و يغتذي فيه بالسمك و السرطان، و خصاه تنفع من نهش الهوام و تصلح لأشياء كثيرة، و هو دواء محمود يسخن الأعضاء الباردة و يجفف الرطبة، و ليس له مضرة أصلا في شي‏ء من الأعضاء و له خاصية في جميع العلل الباردة الرطبة التي تحدث في الرئة، و في الدماغ، و ينفع من الصمم البارد، و لا شي‏ء أنفع للريح في الأذن منه. و ينفع من لدغ العقرب إذا طلي به موضعها، و إذا طلي به الرأس مدرفا (3) بأحد الأدهان نفع المصروعين، و ينفع من الفالج و استرخاء الأعضاء و النقرس البارد منفعة عظيمة و إذا شرب كان ترياقا للسموم الباردة كلها، حيوانية و نباتية، لا سيما الأفيون و هو يلطف الأخلاط، و يذهب البلغم حيث كان، و ينفع الخفقان المتولد من أسباب باردة، و جلده غليظ الشعر، يصلح لبسه للمشايخ و المبرودين، و لحمه نافع للمفلوجين و أصحاب الرطوبات، و إذا شرب الإنسان من الجندبادستر الأسود وزن درهم هلك بعد يوم.

الجنين:

هو ما يوجد في بطن البهيمة بعد ذبحها، فإن وجد ميتا بعد ذبحها فهو حلال بإجماع الصحابة، كما نقله الماوردي في الحاوي، و به قال مالك و الأوزاعي و الثوري، و أبو سيف، و محمد، و إسحاق و الإمام أحمد، و تفرد أبو حنيفة بتحريم أكله محتجا بقوله‏ (4) تعالى:

____________

(1) رواه البخاري في بدء الخلق: 15، و المغازي: 12. و مسلم في السلام: 131، 134، 136. و رواه أبو داود في الأدب: 163، و النسائي في الحج: 87. و الموطأ في الاستئذان: 31-32. و رواه أحمد: 2، 146، 3-430، 6-83.

(2) الحيوان للجاحظ: 6/173 و نسبه للخطفي. و فيه: «يرفعن بالليل» .

(3) مدرف: ممزوج.

(4) سورة المائدة: الآية 3.

309

حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ اَلْمَيْتَةُ وَ اَلدَّمُ و بقوله صلى اللّه عليه و سلم: «أحلت لنا ميتتان و دمان: السمك و الجراد و الكبد و الطحال» (1) . و هذه ميتة ثالثة لم تذكر. و دليل الجمهور أحلت لكم بهيمة الأنعام قال ابن عباس و ابن عمر رضي اللّه تعالى عنهم: بهيمة الأنعام أجنتها توجد ميتة في بطن الأم يحل أكلها بذكاة الأمهات. و هو من أحكام هذه السورة و فيه بعد لأن اللّه تعالى قال: إِلاََّ مََا يُتْلى‏ََ عَلَيْكُمْ* (2)

و ليس في الأجنة ما يستثنى و قد تقدم ذلك في باب الباء الموحدة. و روي عن أبي هريرة رضي اللّه عنه، أنه قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: «ذكاة الجنين ذكاة أمه» . فجعل إحدى الذكاتين نائبة عن الأخرى، و قائمة مقامها. فإن قيل: إنما أراد التشبيه دون النيابة، فيكون المعنى ذكاة الجنين كذكاة أمه، لأنه قدم الجنين على الأم فصار تشبيها بالأم، و لو أراد النيابة لقدم الأم على الجنين إنما يطلق عليه ما دام مستجنا في بطن أمه، فأما إذا انفصل، فإن الاسم يزول عنه و يسمى ولدا قال اللّه تعالى: وَ إِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهََاتِكُمْ (3) و هو في بطن الأم لا يقدر عليه، فوجب حمله على النيابة دون التشبيه. الثاني أنه لو أراد التشبيه دون النيابة، لساوى الأم غيرها، و لم يكن لخصوصية التشبيه بالأم فائدة. الثالث أنه لو أراد التشبيه لنصب ذكاة الأم بحذف كاف التشبيه و الروايتان إنما هما برفع ذكاة أمه فثبت أنه أراد النيابة دون التشبيه، فإن قيل: فقد روي ذكاة أمه بالنصب و معناها كذكاة أمه، فالجواب أن هذه الرواية غير صحيحة و لو سلمت كانت محمولة على نصبها بحذف الياء الموحدة دون الكاف. و يكون معناه ذكاة الجنين بذكاة أمه، و لو احتمل الأمرين لكانتا مستعملتين فتستعمل الرواية المرفوعة في النيابة، إذا خرج ميتا، و الرواية المنصوبة في التشبيه إذا خرج حيا فيكون أولى من استعمال إحدى الروايتين و ترك الأخرى. و يدل عليه أيضا نص لا يحتمل التأويل، و هو ما رواه أبو سعيد الخدري قال: قلت: يا رسول اللّه إنا ننحر الناقة و نذبح البقرة و الشاة و في بطونها الجنين أ نلقيه أم نأكله؟فقال عليه الصلاة و السلام: «كلوه إن شئتم فإن ذكاة الجنين ذكاة أمه» (4) . و استدل الشيخ أبو محمد كما قال الرافعي بأنه لو لم يحل الجنين بذكاة الأم، لما جاز ذبح الأم مع ظهور الحمل. كما لا تقتل الحامل قصاصا و لا حدا. فألزم عليه ذبح رمكة في بطنها بغلة، فمنع ذبحها. و الرمكة أنثى الخيل، كما سيأتي بيانه إن شاء اللّه تعالى و هي مأكولة، و البغل لا يؤكل، إذا ثبت هذا فاعلم أن للجنين ثلاثة أحوال ذكرها الماوردي: أحدها أن يكون كاملا كما سبق، ثانيها أن يكون علقة فهذا غير مأكول، لأن العلقة دم، ثالثها أن يكون مضغة، قد انعقد لحمه و لم تبن صورته، و لم تتشكل أعضاؤه، ففي إباحة أكله وجهان: من اختلاف قوليه في وجوب الغرة كونها أم ولد، قال الماوردي، و قال بعض أصحابنا: إذا نفخ فيه الروح لم يؤكل، و إلا أكل، و هذا مما لا سبيل إلى إدراكه و لو خرج الجنين و به حياة مستقرة، اشترط ذبحه أو غير مستقرة حل بغير ذكاة. و لو خرج رأسه ثم ذكيت الأم قال القاضي و البغوي:

____________

(1) رواه ابن ماجة في الأطعمة: 31، و ابن حنبل: 2-97.

(2) سورة المائدة: الآية 1.

(3) سورة النجم: الآية 32.

(4) رواه أبو داود في الأضاحي: 18. و الترمذي في الصيد: 10. و ابن ماجة في الذبائح: 15. و رواه الدارمي في الأضاحي: 18، و ابن حنبل: 3-31.

310

لم يحل إلا بذكاة لأنه مقدور عليه. و قال القفال: يحل لأن خروج بعض الولد كعدم خروجه في العدة و غيرها، قال في الروضة قول القفال أصح. و اللّه أعلم. و ذكر ابن خلكان في تاريخه ان الامام صائن الدين أبا بكر القرطبي‏ (1) كان كثيرا ما ينشد هذين البيتين متمثلا:

جرى قلم القضاء بما يكون # فسيان التحرك و السكون

جنون منك أن تسعى لرزق # و يرزق في غشاوته الجنين‏

هما لأبي الخير الكاتب الواسطي رحمة اللّه عليه.

جهبر:

كجعفر أنثى الدب، و هي إذا أرادت الولادة، استقبلت بنات نعش الصغرى، فتسهل ولادتها. و إذا ولدت يكون ولدها قطعة لحم تخاف عليه من النمل، فتنقله من موضع إلى موضع خوفا من النمل، و ربما تركت أولادها و أرضعت ولد الضبع. و لهذا قالت العرب «أحمق من جهبر» .

الجواد:

الفرس الجيد العدو سمي بذلك لأنه يجود بجريه و الأنثى جواد أيضا قال الشاعر:

نمته جواد لا يباع جنينها

و الجمع جود و جياد كثوب و كثياب. و أجياد جبل بمكة، سمي بذلك لموضع خيل تبع.

و يسمى قعيقعان لموضع سلاحه، و روى جعفر الفريابي، في كتابه فضل الذكر، عن سهل بن سعد الساعدي رضي اللّه تعالى عنه أن النبي صلى اللّه عليه و سلم قال: «لأن أصلي الصبح ثم أجلس في مجلسي فأذكر اللّه تعالى حتى تطلع الشمس، أحب إليّ من شد على جياد الخيل في سبيل اللّه عز و جل» .

و روى النسائي و الحاكم و ابن السني و البخاري في تاريخه عن سعد بن أبي وقاص رضي اللّه تعالى عنه، قال: ان رجلا جاء إلى الصلاة و رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم يصلي فقال، حين انتهى إلى الصف الأول:

اللهم آتني أفضل ما تؤتي عبادك الصالحين. فلما قضى رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم الصلاة قال: «من المتكلم آنفا؟قال: أنا يا رسول اللّه. قال: إذن يعقر جوادك و تستشهد في سبيل اللّه تعالى» . و في سنن ابن ماجة من حديث عمرو بن عبسة رضي اللّه تعالى عنه قال: «أتيت النبي صلى اللّه عليه و سلم فقلت: يا رسول اللّه أي الجهاد أفضل؟فقال صلى اللّه عليه و سلم: من أهريق دمه و عقر جواده» (2) . و في كتاب النصائح لابن ظفر، أن أمة لعمر بن الخطاب رضي اللّه تعالى عنه، اسمها زائدة، و كان النبي صلى اللّه عليه و سلم يقول: «يا زائدة انك لموفقة» . فأتته يوما فقالت: يا رسول اللّه إني عجنت عجينا لأهلي ثم ذهبت أحتطب، فاحتطبت و أكثرت، فرأيت فارسا على جواد لم أرقط أحسن منه وجها و ملبسا و جوادا، و لا أطيب منه ريحا، فأتاني و سلم علي و قال: كيف أنت يا زائدة؟قلت: بخير و الحمد للّه. قال: و كيف محمد؟قلت:

____________

(1) القرطبي: أبو بكر يحيى بن سعدون بن تمام بن محمد الأزدي القرطبي، إمام في القراءات و علوم القرآن الكريم و الحديث و النحو و اللغة. مات سنة 567 هـ-. و البيتان في وفيات الأعيان: 6/172.

(2) رواه أبو داود في الوتر: 12، و التطوع: 11، و رواه النسائي في الزكاة: 49. و ابن ماجة في الجهاد: 15، و رواه الدارمي في الصلاة: 135، و الجهاد: 3. و أحمد: 2/191-300-302-346-391- 412-4/114-385-5/265.

311

بخير، و ينذر الناس بأمر اللّه. قال: إذا أتيت محمد فأقرئيه مني السلام، و قولي له رضوان خازن الجنة يقرئك السلام، و يقول لك: ما فرح أحد بمبعثك ما فرحت به، فإن اللّه جعل أمتك ثلاث فرق: فرقة يدخلون الجنة بغير حساب، و فرقة يحاسبون حسابا يسيرا و يدخلون الجنة و فرقة تشفع لهم فتشفع فيهم فيدخلون الجنة. قلت: نعم. ثم ولى عني فأخذت في رفع حطبي فثقل عليّ فالتفت إلي و قال: يا زائدة أثقل عليك حطبك؟قلت: نعم بأبي و أمي. فعطف عليّ و غمز الحزمة بقضيب أحمر في يده فرفعها، و نظر فإذا هو بصخرة عظيمة فوضع الحزمة بالقضيب عليها، و قال:

اذهبي يا صخرة بالحطب معها، فجعلت الصخرة تدهده بين يدي بالحطب، حتى أتيت «فسجد النبي صلى اللّه عليه و سلم شكرا و حمدا للّه تعالى على بشرى رضوان. ثم قال لأصحابه: قوموا لننظر فقاموا و انطلقوا إلى الصخرة فرأوها و عاينوا آثارها» . و يقرب من هذه البشرى ما روي عن عبد اللّه ابن عمر رضي اللّه تعالى عنهما، قال: إن رجلا من أهل اليمن جاء إلى كعب الأحبار فقال له: إن فلانا الحبر اليهودي أرسلني إليك برسالة فقال له كعب: هاتها فقال له الرجل: إنه يقول لك: أ لم تكن فينا سيدا شريفا مطاعا فما الذي أخرجك من دينك إلى أمة محمد؟فقال له كعب: أتراك راجعا إليه؟قال: نعم. قال: فإن رجعت إليه فخذ بطرف ثوبه لئلا يفر منك، و قل له: يقول لك كعب: أسألك باللّه الذي فلق البحر لموسى، و أسألك باللّه الذي ألقى الألواح إلى موسى بن عمران فيها علم كل شي‏ء، أ لست تجد في كلمات اللّه تعالى، أن أمة محمد ثلاثة أثلاث: فثلث يدخلون الجنة بغير حساب، و ثلث يحاسبون حسابا يسيرا ثم يدخلون الجنة، و ثلث يدخلون الجنة بشفاعة أحمد، فإنه سيقول لك: نعم. فقل له: يقول لك كعب: اجعلني في أي هذه الأثلاث شئت. و في كتاب خير البشر بخير البشر لمحمد بن ظفر أيضا، قال: روي أن مرثد بن عبد كلال قفل من غزاة غزاها بغنائم عظيمة فوفد عليه زعماء العرب، و شعراؤها و خطباؤها، يهنئونه، فرفع الحجاب عن الوافدين، و أوسعهم عطاء، و اشتد سروره بهم، فبينما هو على ذلك، إذ نام يوما فرأى رؤيا في المنام أخافته و أذعرته و أهالته في حال منامه، فلما انتبه أنسيها حتى لم يذكر منها شيئا، و ثبت ارتياعه في نفسه بها فانقلب سروره حزنا و احتجب عن الوفود حتى أساء به الوفود الظن، ثم إنه حشر الكهان فجعل يخلو بكاهن كاهن ثم يقول له اخبرني عما أريد أن أسألك عنه، فيجيبه الكاهن بأن لا علم عندي، حتى لم يدع كاهنا علمه إلا كان إليه منه ذلك. فتضاعف قلقه، و طال أرقه، و كانت أمه قد تكهنت، فقالت له: أبيت اللعن أيها الملك، إن الكواهن أهدى إلى ما تسأل عنه لأن أتباع الكواهن من الجان، ألطف و أظرف من أتباع الكهان!فأمر بحشر الكواهن إليه، و سألهن كما سأل الكهان فلم يجد عند واحدة منهن علما مما أراد علمه. و لما يئس من طلبته، سلا عنها.

ثم إنه بعد ذلك ذهب يتصيد فأوغل في طلب الصيد، و انفرد عن أصحابه فرفعت له أبيات في ذرى جبل و كان قد لفحه الهجير، فعدل إلى الأبيات و قصد بيتا منها، كان منفردا عنها فبرزت إليه منه عجوز، فقالت له انزل بالرحب و السعة و الأمن و الدعة، و الجفنة المدعدعة، و العلبة المترعة، فنزل عن جواده و دخل البيت، فلما احتجب عن الشمس، و خفقت عليه الأرواح نام، فلم يستيقظ حتى تصرم الهجير، فجلس يمسح عينيه، فإذا بين يديه فتاة، لم ير مثلها قواما

312

و لا جمالا، فقالت له: أبيت اللعن أيها الملك الهمام، هل لك في الطعام؟فاشتد اشفاقه و خاف على نفسه، لما رأى أنها عرفته و تصامم عن كلمتها، فقالت له: لا حذر فداك البشر، فجدك الأكبر، و حظنا بك الأوفر، ثم قربت إليه ثريدا و قديدا و حيسا. و قامت تذب عنه، حتى انتهى أكله. ثم سقته لبنا صريفا و ضريبا. فشرب ما شاء و جعل يتأملها مقبلة و مدبرة، فملأت عينيه حسنا و قلبه هوى، فقال لها: ما اسمك يا جارية؟قالت: اسمي عفيراء. فقال لها: يا عفيراء من الذي دعوته بالملك الهمام؟قالت: مرثد العظيم الشان، حاشر الكواهن و الكهان، لمعضلة بعد عنها الجان. فقال: يا عفيراء أ تعلمين تلك المعضلة؟قالت: أجل أيها الملك إنها رؤيا منام، ليست بأضغاث أحلام. قال الملك: أصبت يا عفيراء، فما تلك الرؤيا؟قالت: رأيت أعاصير زوابع، بعضها لبعض تابع، فيها لهب لامع، و لها دخان ساطع، يقفوها نهر متدافع، و سمعت فيما أنت سامع، دعاء ذي جرس صادع، هلموا إلى المشارع، فروي جارع، و غرق كارع. فقال الملك:

أجل هذه رؤياي. فما تأويلها يا عفيراء؟قالت: الأعاصير الزوابع ملوك تبايع، و النهر علم واسع، و الداعي نبي شافع، و الجارع ولي تابع، و الكارع عدوّ منازع. فقال الملك: يا عفيراء أسلم هذا النبي أم حرب؟فقالت: أقسم برافع السماء، و منزل الماء من العماء، إنه لمطل الدماء، و منطق العقائل نطق الإماء. فقال الملك: الام يدعو يا عفيراء؟قالت إلى صلاة و صيام، و صلة أرحام، و كسر أصنام، و تعطيل أزلام، و اجتناب آثام. فقال الملك: يا عفيراء من قومه؟قالت مضر بن نزار، و لهم منه نقع مثار، ينجلي عن ذبح و آثار. فقال الملك: يا عفيراء إذا ذبح قومه فمن أعضاده؟قالت أعضاده غطاريف يمانون، طائرهم به ميمون، يغزيهم فيغزون، و يدمث بهم الحزون‏ (1) و إلى نصره يعتزون. فأطرق الملك يؤامر نفسه في خطبتها، فقالت: أبيت اللعن أيها الملك، إن تابعي غيور، و لأمري صبور، و ناكحي مثبور، و الكلف بي ثبور، فنهض الملك و جال في صهوة جواده، و انطلق فبعث إليها بمائة ناقة كوماء. قال محمد بن ظفر: أوغل في طلب الصيد أي بالغ في ذلك و أمعن، و الوغول الدخول في الشي‏ء بقوة.

و ذر جبل بفتح الذال المعجمة الكن و المدعدعة هي التي ملئت بقوة ثم حركت حتى تراص ما فيها ثم ملئت بعد ذلك. و العلبة بضم العين المهملة و اسكان اللام اناء من جلد. و الأرواح هي الرياح. و صريفا اللبن المحض بحدثان الحلاب يصرف عن الضرع إلى الشارب و ضريبا اللبن الرائب. و بعد عنها الجان أي جبنوا عنها و لم يطيقوها. و أعاصير زوابع هي من الرياح ما يثير التراب فيعليه في الجوّ، و يديره و ساطع أي مرتفع. و دعاء ذي جرس صادع. الجرس الصوت و المشارع المداخل إلى النهر. و جارع أي من شرب جرعا أمن و كارع أي من أمعن غرق. و تبايع جمع تبع، و هذا لقب لملوك اليمن، و هو من الأتباع لأن بعضهم كان يتبع في الملك بعضا. و العماء هو الغيم و الغمام، و منطق العقائل هن الكرائم من النساء، أي يسبيهن فيشددن النطق على أوساطهن، كالإماء للمهنة و الخدمة. و نقع مثار: النقع الغبار يثيره المتحاربون. و الأعضاد الأنصار. و الغطاريف السادة و التغطرف التكبر. و يدمث أي يسهل و يؤامر نفسه يراد به تعارض

____________

(1) الحزون: جمع الحزن: الأرض الغليظة.

313

الرأيين المتضادين في النفس وجال في صهوة جواده: جال أي وثب، و الصهوة مقعد الفارس من ظهر فرسه. و الكوماء الناقة العظيمة السنام.

و نظير هذا من الرؤيا المنسية، و ليست من أخبار الكهان، و إنما هو خبر نبوي، رؤيا بختنصر، و ذلك أن بختنصر، لما غزا بيت المقدس، اختار من سبي بني إسرائيل مائة ألف صبي، فكان منهم دانيال عليه السلام، فرأى بختنصر رؤيا ارتاع لها، و حدث له في المنام ما أنساه الرؤيا، فسأل الكهان و السحرة و المنجمين عن ذلك، فقالوا له: إن أخبرتنا عن رؤياك أخبرناك عن تأويلها، فقال: إني قد أنسيتها، و لئن لم تخبروني بها لأنزعن أكتافكم. فخرجوا من عنده مذعورين ثم رجع إليه أحدهم فقال له: أيها الملك، إن لم يكن أحد عنده علم بالرؤيا، فهو دانيال الغلام الإسرائيلي، فأحضره و سأله فقال له دانيال: إن لي ربا عنده علم ذلك، فأجلني فأجله ثلاثا، فخرج دانيال فأقبل على الصلاة و الدعاء، فأوحى اللّه إليه بالرؤيا و بتأويلها، فأتى إلى بختنصر و قال له: إنك رأيت صنما قدماه و ساقاه من فخار، و ركبتاه و فخذاه من نحاس، و بطنه من فضة، و صدره من ذهب، و عنقه و رأسه من حديد. قال: صدقت: قال دانيال: فبينما أنت تنظر إليه و تتعجب منه، إذ أرسل اللّه عليه صخرة من السماء فهشمته، فصار رفاتا، ثم عظمت تلك الصخرة، حتى ملأت الدنيا، فهي التي أنستك الرؤيا. قال: صدقت. فما تأويلها؟قال دانيال: أما الصنم فهو مثل لملوك الدنيا، و كان بعضهم ألين ملكا من بعض، فكان أول الملك الفخار و هو أضعفه، ثم كان فوقه النحاس و هو أفضل منه و أشد، ثم كان فوقه الفضة و هي أفضل و أحسن، ثم كان فوقه الذهب و هو أفضل منها و أحسن من ذلك كله، ثم كان الحديد من فوقه و هو أشد منه، و هو ملكك فهو أشد ملك، و أعز مما كان قبله. و أما الصخرة التي أرسلها اللّه من السماء، فنبي يبعثه اللّه في آخر الزمان، فيدق ذلك كله أجمع، و تمتلئ الدنيا بدينه، و يصير الأمر إليه و يقيم له ملكا لا يزول أبدا ما بقي الدهر. فعجب بختنصر مما سمع، و أحسن إلى دانيال و قربه و أعلى منزلته.

و ذكر ابن خلكان في ترجمة ابن القرية (1) و اسمه أيوب بن زيد بن القرية، بكسر القاف و تشديد الراء المهملة و كسرها بالياء المثناة تحت. و كان أعرابيا مقربا عند الحجاج، أن الحجاج بعثه إلى عبد الرحمن بن الأشعث بن قيس الكندي لما خرج على عبد الملك بن مروان، و خلعه و دعا إلى نفسه، فقال ابن الأشعث: لتقومن خطيبا، و لتخلعن ابن مروان، و لتسبن الحجاج، أو لأضربن عنقك. ففعل ابن القرية ذلك و أقام عند ابن الأشعث، فلما قتل ابن الأشعث بدير الجماجم، في الوقعة التي كانت بينه و بين الحجاج، جي‏ء بابن القرية إلى الحجاج فسأله عن أشياء، فمن كلامه في جواب الحجاج ملخصا: أهل العراق أعلم الناس بحق و باطل. أهل الحجاز أسرع الناس إلى فتنة و أعجزهم فيها. أهل الشأم أطوع الناس لخلفائهم. أهل مصر عبيد من غلب. أهل اليمن أهل طاعة و لزوم جماعة. أرض الهند بحرها در و جبلها ياقوت، و شجرها عود، و ورقها عطر.

اليمن أصل العرب و أصل البيوتات و الحسب. مكة رجالها علماء حفاة، و نساءها كساة عراة.

____________

(1) وفيات الأعيان: 1/250.

314

المدينة رسخ العلم فيها و ظهر منها. البصرة شتاؤها جليد، و حرها شديد، و ماؤها ملح، و حربها صلح. الكوفة ارتفعت عن حر البحر، و سفلت عن برد الشأم. واسط جنة بين حمأة و كنة. قال و ما حمأتها و كنتها؟قال: البصرة و الكوفة يحسدانها و ما يضرها، و دجلة و الفرات يتجاريان بإضافة الخير عليها. الشأم عروس بين نسوة جلوس. ثم قال في أثناء كلامه «لكل جواد كبوة» (1) ، «و لكل صام نبوة» (2) ، «و لكل حليم هفوة» (3) . فقال الحجاج: إن العرب تزعم أن لكل شي‏ء آفة. قال:

صدقت العرب، أصلح اللّه الأمير، آفة الحلم الغضب، و آفة العقل العجب، و آفة العلم النسيان، و آفة السخاء المن عند البذل، و آفة العبادة الفترة، و آفة الكرم مجاورة اللئام، و آفة الشجاعة البغي، و آفة الماء سوء التدبير، و آفة الكامل من الرجال العدم. قال: فما آفة الحجاج؟ قال: لا آفة لمن كرم حسبه، و طاب نسبه، و زكا فرعه. فقال الحجاج: امتلأت شقاقا، و أظهرت نفاقا. اضربوا عنقه. فلما رآه قتيلا ندم على قتله. و كان قتله في سنة أربع و ثمانين و قد ذكرت هذه الحكاية بطولها في كتاب «غاية الارب في كلام حكماء العرب» . و هو في ثلاثة مجلدات. و من أمثال العرب المشهورة «ان الجواد عينه‏ (4) فراره» . أي يغنيك شخصه و منظره، عن أن تخبره و أن تفر أسنانه.

و حكى صاحب ابتلاء الأخيار بالنساء الأشرار، أنه عرض على أبي مسلم الخراساني، صاحب الدعوة جواد لم ير مثله، فقال لقواده: لما ذا يصلح هذا الجواد؟قالوا: للغزو في سبيل اللّه. قال: لا. قالوا: فيطلب عليه العدوّ. قال: لا. قالوا: فلما ذا يصلح أصلح اللّه الأمير؟قال:

ليركبه الرجل، و يفر به من المرأة السوء، و الجار السوء. و من أحسن أوصاف الخيل الصافنات قال اللّه تعالى: إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ اَلصََّافِنََاتُ اَلْجِيََادُ (5) قال أهل التفسير: إنها كانت ألف فرس لسليمان عليه الصلاة و السلام، و إنما عقرها لأنها كانت سببا في فوت الصلاة. قال بعض العلماء:

لما ترك الخيل للّه، عوضه اللّه عنها، ما هو خير له منها، و هو الريح التي كان غدوها شهرا و رواحها شهرا. و روى الإمام أحمد قال: حدثنا اسماعيل قال: حدثنا سليمان بن المغيرة عن حميد بن هلال، عن أبي قتادة و أبي الدهماء، و كانا يكثران السفر نحو هذا البيت قالا: أتينا على رجل من أهل البادية، فقال البدوي: أخذ بيدي رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، فجعل يعلمني مما علمه اللّه عز و جل، فكان من كلامه: «إنك لا تدع شيئا اتقاء اللّه عز و جل إلا أعطاك اللّه خيرا منه» . و أخرجه‏ (6)

النسائي من حديث ابن المبارك عن سليمان بن الحسين. و أبو الدهماء اسمه قرفة بن بهيس، و قيل بن بيهس. روى له الجماعة إلا البخاري. و قال الثعلبي: كانت بالناس مجاعة، و لحوم الخيل لهم حلال، و إنما عقرها لتؤكل، على وجه القربة بها، كالهدي عندنا، و نظير هذا ما فعله أبو طلحة الأنصاري بحائطه، إذ تصدق به لما دخل عليه الدبسي، و هو في الصلاة فشغله.

و الصافن الذي يرفع إحدى يديه و يقف على طرف سنبكه و قد يفعل ذلك برجله، و هي

____________

(1) جمهرة الأمثال: 2/173.

(2) جمهرة الأمثال: 1/249.

(3) جمهرة الأمثال: 1/249.

(4) مجمع الأمثال: 1/9.

(5) سورة ص: الآية 31.

(6) رواه أحمد: 5، 78.

315

علامة الفراسة كما قال في حقه العجّاج‏ (1) :

ألف الصفون فلا يزال كأنه # مما يقوم على الثلاث كسير

و قال بعضهم: الخير في الآية الخيل. و العرب تسمي الخيل خيرا. و لذلك قال عليه الصلاة و السلام لزيد الخيل: «أنت زيد الخير» . و كان رضي اللّه عنه، إذا ركب الخيل، خطت رجلاه الأرض و اسمه زيد بن مهلهل بن زيد الطائي، و كان كثير الخيل، لم يكن لأحد من قومه، و لا لكثير من العرب إلا الفرس أو الفرسان، و كان له الخيل الكثيرة منها الهطال و الكميت و الورد و الكامل و لاحق و دموك قدم على رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم في وفد طي‏ء سنة تسع فأسلم و قال له النبي صلى اللّه عليه و سلم:

«ما وصف لي أحد في الجاهلية فرأيته في الإسلام إلا رأيته بدون تلك الصفة إلا أنت، فإنك فوق ما قيل لي إن فيك لخصلتين يحبهما اللّه و رسوله الأناة و الحلم» . و في رواية الحياء و الحلم. فقال:

الحمد للّه الذي جبلني على ما يحب اللّه و رسوله. مات بعد رجوعه من عند النبي صلى اللّه عليه و سلم محموما عند قومه. و كان صلى اللّه عليه و سلم يقول: «إنه نعم الفتى إن لم تدركه أم مبدم» . و روي أنه صلى اللّه عليه و سلم قال له: «يا زيد الخير تقتلك أم كلبة» يعني الحمى. فلما رجع إلى أهله حم و مات، رضي اللّه تعالى عنه.

و قال ابن عباس و الزهري: مسح سليمان صلى اللّه عليه و سلم بالسوق و الأعناق، لم يكن بالسيف بل بيده تكريما لها و محبة. و رجحه الطبري و قال بعضهم: بل غسلها بالماء و ذكر الثعلبي أن هذا المسح إنما كان وسما بالتحبيس في سبيل اللّه تعالى. و جمهور المفسرين على أنها كانت خيلا موروثة. و قال بعضهم: قتلها حتى لم يبق منها أكثر من مائة فرس. فمن نسل تلك المائة كل ما يوجد من الخيل، و هذا بعيد. و قال بعضهم: كانت عشرين فرسا أخرجها الشيطان له من البحر، و كانت ذوات أجنحة. و أما قوله‏ (2) وَ هَبْ لِي مُلْكاً لاََ يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي فقال الجمهور أراد أن يفرده من بين البشر ليكون خاصة له و كرامة و هذا هو الظاهر من خبر العفريت الذي ظهر للنبي صلى اللّه عليه و سلم في صلاته فأخذه و أراد أن يوثقه بسارية من سواري المسجد كما تقدم. و سيأتي إن شاء اللّه تعالى في باب العين المهملة أيضا.

و روى النسائي و ابن ماجة، عن عبد اللّه ابن عمرو بن العاص رضي اللّه عنهما، أن النبي صلى اللّه عليه و سلم قال: «إن سليمان بن داود عليه الصلاة و السلام، لما فرغ من بنيان بيت المقدس سأل اللّه تعالى حكما يصادف حكمه و ملكا لا ينبغي لأحد من بعده، و أن لا يأتي هذا المسجد أحد لا يريد إلا الصلاة فيه، إلا خرج من خطيئته كيوم ولدته أمه. قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم أما الاثنتان، فقد أعطيهما، و أنا أرجو أن يكون قد أعطي الثالثة؟؟. انتهى فقد دعا نبي و رجا نبي. و أما صفة كرسيه عليه الصلاة و السلام، فقد روي عن ابن عباس أنه قال: كان يوضع لسليمان ستمائة كرسي ثم يجي‏ء أشراف الإنس فيجلسون مما يليه، ثم يجي‏ء أشراف الجن فيجلسون مما يلي الإنس، ثم يدعو الطير فتظلهم، ثم يدعو الريح فتقلهم، و تسير مسيرة شهر غدوا و رواحا، و ذلك أن سليمان عليه الصلاة و السلام لما ملك بعد أبيه، أمر باتخاذ كرسي، يجلس عليه للقضاء،

____________

(1) العجّاج: عبد اللّه بن رؤبة بن لبيد بن صخر السعدي، راجز مجيد توفي سنة: 90 هـ-.

(2) سورة ص: الآية 35.

316

و أمر بأن يعمل عملا بديعا مهولا بحيث إذا رآه مبطل أو شاهد زور، ارتدع و بهت، فأمر أن يجعل من أنياب الفيلة مرصعا بالدر و الياقوت و الزبرجد، و أن يحف بأربع نخلات من ذهب شماريخها (1)

الياقوت منهما عمود من الزبرجد الأخضر. على رأس نختلتين منها طاوسان من ذهب، و على رأس نخلتين نسران من ذهب، بعضها يقابل بعضا. و جعل بجانب الكرسي أسدين من ذهب، و على رأس كل واحد منهما عمود من الزبرجد الأخضر. و قد عقد على النخلات أشجار كروم من الذهب الأحمر و عناقيدها من الياقوت الأحمر، بحيث تظل عروش الكروم و النخل الكرسي. و كان سليمان إذا أراد صعوده وضع قدميه على الدرجة السفلى فيستدير الكرسي كله بما فيه دوران الرحا المسرعة و تنشر تلك الطيور و النسور أجنحتها، و يبسط الأسدان أيديهما، و يضربان الأرض بأذنابهما، فإذا استوى على أعلاه أخذ النسران، اللذان في النخلتين، تاج سليمان فوضعاه على رأسه، ثم يستدير الكرسي بما فيه فيدور معه النسران و الطاوسان و الأسدان مائلات برءوسها إلى سليمان، و ينضحن عليه من أجوافهن المسك و العنبر، ثم تناوله حمامة من ذهب، قائمة على عمود، من أعمدة الجواهر، فوق الكرسي، التوراة فيفتحها سليمان و يقرؤها على الناس و يدعوهم إلى فصل القضاء.

و يجلس عظماء بني اسرائيل على كراسي الذهب المرصعة بالجوهر، و هي ألف كرسي عن يمينه، و يجلس عظماء الجن على كراسي الفضة عن يساره، و هي ألف كرسي، ثم تحف بهم الطيور فتظلهم. و يتقدم الناس لفصل الخصومات، فإذا تقدمت الشهود لأداء الشهادات، دار الكرسي بما فيه و عليه، دوران الرحا المسرعة، و يبسط الأسدان أيديهما، و يضربان الأرض بأذنابهما، و ينشر النسران و الطاوسان أجنحتها، فيفزع الشهود فلا يشهدون إلا بالحق. فلما توفي سليمان عليه الصلاة و السلام، و غزا بختنصر بيت المقدس، حمل الكرسي إلى انطاكية و أراد أن يصعد عليه فلم يقدر، و ضرب الأسدان رجله فكسراها. ثم لما هلك بختنصر حمل الكرسي إلى بيت المقدس، فلم يستطع ملك قط أن يجلس عليه. و لم يدر أحد ما آل إليه عاقبة أمره، و لعله رفع. و إنما ذكرت صفته هنا لأنه من الملك الذي لا ينبغي لأحد من بعده. و زعم الطبري أن بختنصر، ليس من الملوك الأربعة الذين ملكوا الأقاليم كلها، كما قاله العتبي و من تقدمه إلى هذا القول. قال: و لكنه كان عاملا على العراق للملك المالك للأقاليم في ذلك الحين و هو كي‏لهراسب. و الصحيح ما قاله العتبي و غيره.

و ذكر أهل التاريخ و أصحاب السير أن رجلا من بني إسرائيل اسمه إسحاق في زمن عيسى بن مريم عليهما السلام، كان له ابنة عم من أجمل أهل زمانها و كان مغرما بها، فماتت فلزم قبرها و مكث زمانا لا يفتر عن زيارته، فمرّ به عيسى يوما و هو على قبرها يبكي، فقال له عيسى عليه السلام: ما يبكيك يا إسحاق؟فقال له: يا روح اللّه كانت لي ابنة عم و هي زوجتي، و كنت أحبها حبا شديدا و إنها قد توفيت، و هذا قبرها و إني لا أستطيع الصبر عنها و قد قتلني فراقها، فقال له عيسى: أ تحب أن أحييها لك بإذن اللّه؟قال: نعم يا روح اللّه فوقف عيسى على القبر، و قال: قم يا صاحب هذا القبر بإذن اللّه: فانشق القبر و خرج منه عبدا أسود، و النار خارجة من مناخره و عينيه، و منافذ وجهه، و هو يقول:

____________

(1) الشماريخ: جمع الشمراخ: الطرف.

317

لا إله إلاّ اللّه عيسى روح اللّه و كلمته و عبده و رسوله، فقال إسحاق: يا روح اللّه:

و كلمته ما هذا القبر الذي فيه زوجتي، و إنما هو هذا و أشار إلى قبر آخر، فقال عيسى للأسود: ارجع إلى ما كنت فيه فسقط ميتا فواراه في قبره. ثم وقف على القبر الآخر و قال: قم يا ساكن هذا القبر بإذن اللّه، فقامت المرأة و هي تنثر التراب عن وجهها، فقال عيسى: هذه زوجتك؟قال: نعم يا روح اللّه. قال: خذ بيدها و انصرف. فأخذها و مضى فأدركه النوم فقال لها: إنه قد قتلني السهر على قبرك، و أريد أن آخذ لي راحة. قالت:

افعل فوضع رأسه على فخذها و نام. فبينما هو نائم إذ مر عليها ابن الملك، و كان ذا حسن و جمال و هيئة عظيمة، راكبا على جواد حسن، فلما رأته هويته، و قامت إليه مسرعة، فلما نظرها وقعت في قلبه، فأتت إليه و قالت: خذني. فأردفها على جواده و سار فاستيقظ زوجها و نظر فلم يرها فقام يطلبها، و قص أثر الجواد فأدركهما، و قال لابن الملك: اعطني زوجتي و ابنة عمي، فأنكرته و قالت: أنا جارية ابن الملك فقال: بل أنت زوجتي و ابنة عمي. فقالت: ما أعرفك!و ما أنا إلا جارية ابن الملك!فقال له ابن الملك: أ فتريد أن تفسد جاريتي؟فقال: و اللّه إنها لزوجتي و إن عيسى بن مريم أحياها لي بإذن اللّه، بعد أن كانت ميتة، فبينما هم في المنازعة إذ مر عيسى صلى اللّه عليه و سلم فقال إسحاق: يا روح اللّه أ ما هذه زوجتي التي أحييتها لي بإذن اللّه؟قال: نعم. فقالت: يا روح اللّه إنه يكذب و إني جارية ابن الملك. و قال ابن الملك: هذه جاريتي. قال عيسى: أ لست التي أحييتك بإذن اللّه؟قالت: لا و اللّه يا روح اللّه. قال: فردي علينا ما أعطيناك. فسقطت ميتة.

فقال عيسى: من أراد أن ينظر إلى رجل أماته اللّه كافرا ثم أحياه و أماته مسلما، فلينظر إلى ذلك الأسود. و من أراد أن ينظر إلى امرأة أماتها اللّه مؤمنة، ثم أحياها و أماتها كافرة، فلينظر إلى هذه.

و إن إسحاق الإسرائيلي، عاهد اللّه تعالى أن لا يتزوج أبدا، و هام على وجهه في البراري باكيا.

و في هذه الحكاية أعظم عبرة لأولي الألباب و هي من أعجب ما يسمع في التوفيق و الخذلان، نسأل اللّه تعالى السلامة، و حسن الخاتمة، بجاه سيدنا محمد و آله. و قد أحببت أن أذكر هنا ما أخبرني به بعض العلماء العارفين و هو أن عيسى صلى اللّه عليه و سلم اجتاز في بعض الأيام بجبل، فرأى فيه صومعة فدنا منها فرأى فيها متعبدا قد انحنى ظهره، و نحل جسمه، و بلغ به الاجتهاد أقصى غاياته، فسلم عليه و قال له: منذ كم أنت في هذه الصومعة؟فقال: منذ سبعين سنة أسأله حاجة واحدة و ما قضاها لي بعد!فعساك يا روح اللّه أن تكون شفيعا لي فيها فعساها تقضى!فقال له عيسى: و ما حاجتك؟ قال: أن يذيقني مثقال ذرة من خالص محبته. فقال عيسى: ها أنا أدعو اللّه لك في ذلك فدعا له عيسى في تلك الليلة فأوحى اللّه إليه إني قد قبلت شفاعتك، و أجبت دعوتك. فعاد عيسى بعد أيام إلى ذلك الموضع فرأى الصومعة قد وقعت و الأرض التي تحتها قد شقت، فنزل عيسى ذلك الشق إلى منتهاه فرأى العابد في مغارة تحت ذلك الجبل، واقفا شاخصا مثقال ذرة من خالص محبتنا فعلمنا أنه لا يطيق ذلك، فوهبناه جزءا من سبعين ألف جزء من ذرة، فهو فيها حائر كما ترى فكيف لو وهبناه أكثر من ذلك؟!ا هـ قلت: فمحبة الخواص من هذه المعادن رشحت، و بهذه الأوصاف عرفت، و اعلم أن المحبة هي أوّل أودية الفناء، و العقبة التي تنحدر منها إلى منازل المحو. و قد اختلفت إشارات أهل التحقيق في العبارة عنها، فكل نطق بحسب ذوقه، و افصح‏

318

بمقدار شوقه. ليس هذا موضع حكاية أقوالهم، و اختلاف عباراتهم فيها، و قد بسطنا الكلام في ذلك في كتابنا الجوهر الفريد في أواخر الجزء الثامن، و لنذكر لمعة يستأنس بها الناظر، في هذا الكتاب. فاعلم أن المحبة على الإجمال موافقة المحبوب فيما شاء سواء فيما حزن أو سر، نفع أو ضر، و قد أشار بعضهم إلى ذلك بقوله‏ (1) :

وقف الهوى بي حيث أنت فليس لي # متأخر عنه و لا متقدم

أجد الملامة في هواك لذيذة # حبا لذكرك فليلمني اللّوم

أشبهت أعدائي فصرت أحبهم # إذ كان حظي منك حظي منهم

فأهنتني فأهنت نفسي صاغرا # ما من يهون عليك ممن يكرم‏ (2)

و اعلم أن الغيرة من أوصاف المحبة، و الغيرة تأبى الستر و الإخفاء، فكل من بسط لسانه في العبارة عنها و الكشف عن سرها فليس له منها ذوق، و إنما حركه وجدان الرائحة، و لو ذاق منها شيئا لغاب عن الشرح و الوصف. فالمحبة الصادقة لا تظهر على المحب بلفظه، و إنما تظهر بشمائله و لحظه، و لا يفهم حقيقتها من المحب سوى المحبوب، لموضع امتزاج الأسرار من القلوب، و قد قيل في ذلك:

تشير فأدري ما تقول بطرفها # و أطرق طرفي عند ذاك فتفهم

تكلم منا في الوجوه عيوننا # فنحن سكوت و الهوى يتكلم‏

و أما محبة العوام، فهي محبة تنبت من مطالعة المنة، و تثبت باتباع السنة، و تنمو على الإجابة للغاية، و هي محبة تقطع الوساوس، و تلذذ الخدمة، و تسلي عن المصائب، و هي في طريق العوام عمدة الإيمان فعند القوم كل ما كان من العبد، فهو علة تليق بعجز العبد و فاقته. و إنما عين الحقيقة أن يكون العبد قائما بإقامة الحق له، محبا بمحبته له نظارا بنظره إليه من غير أن تبقى فيه بقية تقف على رسم، أو تناط باسم، أو تتعلق بأثر، أو توصف بنعت، أو تنسب إلى وقت، صم بكم عمي لدينا محضرون.

و روي: عن إبراهيم الخواص، رحمة اللّه عليه، أنه قال: عطشت، في بعض سياحاتي، عطشا شديدا، حتى سقطت من شدة العطش، فإذا أنا بماء قد سقط على وجهي، فأحسست ببرده على فؤادي، ففتحت عيني فإذا أنا برجل ما رأيت أحسن منه على جواد أشهب، عليه ثياب خضر و عمامة صفراء، و بيده قدح، فسقاني منه شربة، و قال لي: ارتدف خلفي فارتدفت، فلم يبرح حتى قال لي: ما ترى؟قلت: المدينة. قال: انزل و اقرأ على رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم مني السلام و قل له:

رضوان خازن الجنة يقرأ عليه السلام. و هذه كرامة عظيمة، ذلك فضل اللّه يؤتيه من يشاء، و اللّه ذو الفضل العظيم. قال شيخنا اليافعي: من رأيتموه يزدري بالأولياء، أو ينكر مواهب الأصفياء، فاعلموا أنه محارب للّه مبعد من رحمته مطرود عن حقيقة قربه به و اللّه أعلم.

____________

(1) في العقد الفريد: 5/374 لأبي الشيص، انظر ديوانه 101.

(2) و في الديوان: «نفسي جاهدا» .

319

الجواف:

بالضم و التخفيف ضرب من السمك و ليس من جيده و منه قول مالك بن دينار:

أكلت رغيفا و رأس جوافة، فعلى الدنيا العفاء. أي الدروس، و ذهاب الأثر و قيل العفاء التراب.

الجوذر

: بفتح الذال المعجمة و ضمها، و الجؤذر بالهمزة أيضا مع الواو: ولد البقرة الوحشية قال الشاعر:

أن من يدخل الكنيسة يوما # يلق فيها جآذرا و ظباء (1) ؟

و لقد أجاد علي بن إسحاق الزاهي حيث يقول‏ (2) :

و بيض بالحاظ العيون كأنما # هززن سيوفا و استللن خناجرا

تصدين لي يوما بمنعرج اللوى # فغادرن قلبي بالتصبر غادرا

سفرن بدورا و انتقبن أهلة # و مسن غصونا و التفتن جآذرا

و اطلعن في الأجياد بالدر أنجما # جعلن لحبات القلوب ضرائرا

و مما يستجاد من شعره:

الريح تعصف و الأغصان تعتنق # و المزن باكية و الزهر مغتبق

كأنما الليل جفن و البروق له # عين من الشمس تبدو ثم تنطبق‏

و له أيضا و أجاد (3) :

تبدت فهذا البدر من خجل بها # و حقك مثلي في دجى الليل حائر (4)

و ماست فشق الغصن غيظا جيوبه # أ لست ترى أوراقه تتناثر

فأجيز على ذلك:

و فاحت فألقى العود في النار جسمه # كذا نقلت عنه الحديث المجامر (5)

و قالت فغار الدر و اصفر لونه # كذلك ما زالت تغار الضرائر

و له أيضا و قيل لغيره:

بادر إذا حاجة في وقتها عرضت # فللحوائج أوقات و ساعات

إن أمكنت فرصة فانهض لها عجلا # و لا تأخر فللتأخير آفات‏

____________

(1) الجآذر: جمع الجؤذر: البقرة الوحشية.

(2) ابن إسحاق: علي بن إسحاق بن خلف، أبو الحسن القطان المعروف بالزاهي شاعر من أهل بغداد. توفي سنة 352 هـ-. و الأبيات في وفيات الأعيان: 3/372.

(3) فوات الوفيات: 2/305.

(4) في فوات الوفيات: «... من كلف بها... » و نسبتهما إلى زكي الدين القوصي.

(5) البيتان لابن المرصص، و في الأول: «... في النار نفسد... » فوات الوفيات: 2/305.

320

و له و أحسن:

أما ترى الغيث كلما ضحكت # كمائم الزهر في الرياض بكى

كالحب يبكي لديه عاشقه # و كلما فاض دمعه ضحكا

و له أيضا:

لحى اللّه امرأ أولا لسرا # فبحت به و فض اللّه فاه

لأنك بالذي استودعت منه # أنم من الزجاج بما وعاه‏

و قد قيل في المعنى و أجاد قائله:

ينم بسر مستوعبه سرا # كما نم الظلام بسر نار

أتم من النصول على مشيب # و من صافي الزجاج على عقار

توفي الزاهي سنة ستين و ثلاثمائة و هو شاعر ماهر رحمه اللّه تعالى.

الجوزل:

بفتح الجيم، فرخ الحمام و القطا و أنواعهما. و سيأتي ذكره في لفظ القطا و الجمع جوازل قال الشاعر:

يا ابنة عمي لا أحب الجوزلا # و لا أحب قرصك المفلفلا

و إنما أحب ظبيا أعبلا # و ربما سمي الشاب جوزلا

جيال:

كجبال، اسم للضبع على فعال، و هي معرفة بلا ألف و لام.

و حكمها يأتي في باب الضاد المعجمة.

الأمثال:

قالوا: «أنبش من جيال» (1) لأنها تنبش القبور، و تخرج جيف الموتى من باطن الأرض إلى ظاهرها.

أبو جرادة: هو الطائر الذي يسميه أهل العراق الباذنجان، و يسميه أهل الشأم البصير، يؤخذ لحمه فيذوب و يتمسح به من كانت البواسير به ظاهرة ينفعه نفعا بينا و اللّه أعلم.

باب الحاء المهملة

حائم:

هو الغراب الأسود لأنه يحوم عندهم بالفراق قال المرقش‏ (2) :

و لقد غدوت و كنت لا # أغدو على واق و حائم‏ (3)

فإذا الأشائم كالايا # من و الأيامن كالأشائم

و كذاك لا خير و لا # شر على أحد بدائم‏

____________

(1) المستقصى: 1/378.

(2) المرقش: عوف بن سعد بن مالك، شاعر جاهلي متين و هو المرقش الأكبر أبو عمرو. مات سنة 75 ق. هـ-.

(3) البيت في الحيوان للجاحظ: 3/436. و فيه: «على واق أتم» .

321

و ستأتي، إن شاء اللّه تعالى، هذه الأبيات في أول باب الواو. و يسمى غراب البين و سيأتي إن شاء اللّه تعالى في باب الغين المعجمة.

الحارية:

نوع من الأفعى و قد تقدم في باب الهمزة.

الحباب:

الحية قال الجوهري: و إنما قيل لها ذلك لأن الحبائب اسم شيطان، و الحية يقال لها شيطان. روي عن سعيد بن المسيب أنه قال: «بلغني أن النبي صلى اللّه عليه و سلم غير اسم رجل من الأنصار، كان اسمه الحباب. و قال: «الحباب اسم شيطان» . و قال أبو داود في باب تغيير الاسم القبيح.

و غير النبي صلى اللّه عليه و سلم اسم العاص و عزيز و عتلة و شيطان و الحكم و غراب و هشاب و حباب. و الرجل الذي غير النبي صلى اللّه عليه و سلم اسمه هو عبد اللّه بن عبد اللّه بن أبي ابن سلول. كان اسمه الحباب «فسماه النبي صلى اللّه عليه و سلم عبد اللّه» . و أبوه كان يكنى أبا الحباب.

الحبتر:

الثعلب و قد تقدم ذكره في باب الثاء المثلثة.

الحبث:

حية بتراء ذات سم قاتل. و سيأتي إن شاء اللّه تعالى لفظ الحية في آخر هذا الباب.

حباحب:

كهداهد حيوان له جناحان كالذباب يضي‏ء بالليل كأنه نار و قد ضربت العرب به المثل فقالوا: «أضعف من نار الحباحب» (1) و قيل: الحباحب اسم رجل من محارب بن خصفة، مشهور بالبخل، كانت له نار ضعيفة يوقدها مخافة الضيفان، فضربوا به المثل لذلك. قال الجوهري: و ربما قيل نار أبي الحباحب، و هو ذباب. و قال في المرصع: يقال للنار القليلة التي لا ينتفع بها، و للذباب الطائر في الليل أبو حباحب. غير مصروف قلت: و هذا الطائر يسمى القطرب ذكره ابن البيطار و غيره و قال في الصحاح: القطرب طائر.

و حكمه:

تحريم الأكل لأنه من الحشرات.

الحبارى:

بضم الحاء المهملة و فتح الباء الموحدة: طائر معروف و هو اسم جنس يقع على الذكر و الأنثى. واحده و جمعه سواء، و إن شئت قلت في الجمع: حباريات. قال الجوهري: و ألف حبارى ليست للتأنيث و لا للإلحاق و إنما بني الاسم عليها، فصارت كأنها من نفس الكلمة، لا تنصرف في معرفة و لا نكرة، أي لا تنون. قلت: و هذا سهو منه بل ألفها للتأنيث كسماني و لو لم تكن له لانصرفت. و أهل مصر يسمون الحبارى الحبرج. و هي من أشد الطير طيرانا، و أبعدها شوطا، و ذلك أنها تصاد بالبصرة، و فيوجد في حواصلها الحبة الخضراء، التي شجرها البطم، و منابتها تخوم بلاد الشأم. و لذلك قالوا في المثل «أطلب من الحبارى» . و إذا نتف ريشها أو تحسر و أبطأ نباته ماتت كمدا. و الكمد الحزن المكتوم. و هو طائر طويل العنق رمادي اللون في منقاره بعض طول و قال الجاحظ: الحبارى لها خزانة في دبرها و أمعائها لها أبدا فيها سلح رقيق. فمتى ألح عليها الصقر سلحت عليه فينتف ريشه كله، و في ذلك هلاكه. و قد جعل اللّه تعالى سلحها سلاحا لها قال الشاعر (2) :

____________

(1) جمهرة الأمثال: 2/245.

(2) البيت في الحيوان للجاحظ: 5/448. و هو منسوب إلى أوس بن غلفاء الهجيمي، و هو شاعر جاهلي.

322

و هم يتركوك أسلح من حبارى # رأت صقرا و أشرد من نعام‏

و من شأنها أنها تصاد و لا تصيد. روى البيهقي في الشعب من حديث يحيى بن أبي كثير عن سلمة عن أبي هريرة رضي اللّه عنه أنه سمع رجلا يقول: إن الظالم لا يضر إلا نفسه فقال أبو هريرة: كذب و الذي نفسي بيده إن الحبارى لتموت هزالا من خطايا بني آدم، و هو كذلك في تفسير الثعلبي في آخر سورة فاطر يعني إذا كثرت الخطايا، منع اللّه القطر عن أهل الأرض. و إنما يصيب الطير من الحب و الثمرة على قدر المطر قال الشاعر:

يسقط الطير حيث يلتقط # الحب و تغشى منازل الكرماء (1)

و هي من أكثر الطير حيلة في تحصيل الرزق، و مع ذلك تموت جوعا لهذا السبب فسبحان القادر على ما يشاء و ولدها يقال له نهار، و فرخ الكروان يقال له ليل و لذلك قال الشاعر:

و نهارا رأيت منتصف الليـ # ل و ليلا رأيت وسط النهار

الحكم:

يحل أكلها لأنها من الطيبات. روى أبو داود و الترمذي عن يزيد بن عمر بن سفينة مولى رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، عن أبيه عن جده أنه قال: «أكلت مع رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم حبارى» . (2) قال الترمذي غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه.

الأمثال:

قالوا: «أنكد من الحبارى» كما تقدم. و قال عثمان: «كل شي‏ء يحب ولده حتى الحبارى» . (3) و إنما خصها بالذكر لأنها يضرب بها المثل في الحمق، فهي، على حمقها، تحب ولدها فتطعمه و تعلمه الطيران كغيرها من الحيوان. و قالوا: «أسلح من الحبارى» (4)

حالة الخوف «و أسلح من الدجاج» (5) حالة الأمن. و قالوا: «الحبارى خالة الكروان» (6) و قالوا: (7) «أقصر من إبهام الحبارى» و «من إبهام القطاة» .

الخواص:

لحم الحبارى بين لحم الدجاج و لحم البط في الغلظ، و هو أخف من لحم البط لأنه بري و هو حار و رطب جدا. و أجوده المخاليف المكدودة قبل الذبح و هو نافع لتسكين الرياح، لكنه يضر بالمفاصل و القولنج. و يدفع ضرره الدارصيني و الزيت و الخل، و يتولد منه دم بلغمي و يوافق أصحاب الأمزجة الباردة من الشبان، لا سيما إذا أكل في الشتاء و في البلاد الباردة. و قال صاحب تقويم الصحة: يكره لحم الحبارى لغلظه و عسر انهضامه و أجوده ما طبخ بعد أن يمضي عليه يومان ثم يغرز في صدره و أفخاذه الثوم الكثير و الفلفل، و يعمل بالأبازير و هو إذا انهضم ولد غذاء كثيرا. و ما كان منه مخلفا خير مما كان عتيقا، و يجب أن يتناول بعده حلواء العسل انتهى.

و قال القزويني: يوجد في حوصلته حجر إذا علق على الإنسان لا يحتلم ما دام عليه و إن

____________

(1) البيت لبشار بن برد و هو في الحيوان للجاحظ: 5/445. و فيه: «.. حيث ينتشر... » .

(2) رواه أبو داود في الأطعمة: 28. و الترمذي في الأطعمة: 62.

(3) المستقصى: 2/227.

(4) جمهرة الأمثال: 1/436.

(5) جمهرة الأمثال: 1/436.

(6) مجمع الأمثال: 1/215.

(7) جمهرة الأمثال: 2/109.

323

كان به إسهال حبس بطنه. و إذا علق قلبه على من يكثر النوم قل نومه. و قال أرسطاطاليس في النعوت: بيض الحبارى ما كان منه ذكرا يسود الشعر، و يبقى صبغه سنة لا ينصل و ما كان منه أنثى لا يسود الشعر، و يعرف ما يسود بأن يؤخذ خيط فيدخل في إبرة و يدخل في بيضة فإذا اسود الخيط صبغ بها و إلا فلا.

التعبير:

الحبارى في المنام رجل سخي صاحب دخل و خرج بلا منفعة كثير الأكل و التعب لا يفتر ليلا و لا نهارا.

الحبرج:

ذكر الحبارى و اليحبور ولدها و قيل اليحبور من طير الماء.

الحبركى:

القراد قالت‏ (1) الخنساء:

فلست بمرضع ثديي حبركى # أبوه من بني جشم بن بكر

و الأنثى حبركاة و قال أبو عمرو الجرمي: قد جعل بعضهم الألف في حبركى للتأنيث، فلم يصرفه. و ربما شبه به الرجل الغليظ الطويل الظهر القصير اليدين.

حبلق:

كعملس غنم صغار لا تكبر و قيل قصار الغنم و دقاقها.

حبيش:

قال الجوهري هو طائر جاء مصغرا كالكميت و الكعيب انتهى. و الكعيب البلبل كما تقدم.

الحجر:

الأنثى من الخيل لم يدخلوا فيه الهاء لأنه اسم لا يشركها فيه الذكر. و الجمع أحجار و حجور و قيل: أحجار الخيل ما يتخذ منها للنسل، و ليس بقوي. و في كامل ابن عدي في ترجمة محمد بن عبد اللّه العرزمي، عن عمر بن شعيب، عن أبيه عن جده، أن النبي صلى اللّه عليه و سلم قال‏ (2) :

«ليس في حجرة و لا بغلة زكاة» و هذا يدل على أنه يقال لها حجرة بالهاء. لكن في المستدرك، من حديث أبي حيان التيمي عن أبي زرعة عن أبي هريرة رضي اللّه عنه أن النبي صلى اللّه عليه و سلم كان يسمي الأنثى من الخيل فرسا.

و حكمها:

و خواصها كالخيل و سيأتي ذكر ذلك في باب الخاء المعجمة و الفاء.

التعبير:

الحجرة في المنام امرأة شريفة مباركة لقوله صلى اللّه عليه و سلم: «ظهورها عز و بطونها كنز» . (3)

فمن ركب حجرة في منامه بآلة الركوب، فإنه ينكح امرأة شريفة مباركة في عقد صحيح. و من ركب حجرة بلا سرج و لا لجام، فإنه ينكح امرأة في غير عصمه، أو يركب أمرا لا يثبت عليه.

و ربما دلت الحجرة البيضاء على امرأة ذات حسب و نسب و الحمراء على امرأة ذات زينة. و الصفراء على امرأة ذات مرض. و السوداء على امرأة ذات ملك و سودد و الدهماء كذلك. و ربما دلت الحجرة على السنة فالسمينة خصب، و الضعيفة جدب. و قد تكون ضعف الجاه و القوى و الحيل و اللّه تعالى أعلم.

____________

(1) ديوان الخنساء: 77.

(2) الكامل لابن عدي: 6/2112. و رواه النسائي في الزكاة: 16.

(3) رواه البخاري: مناقب 28. و مسلم: زكاة 25 و إمارة: 96-99. و أبو داود في الجهاد: 41. و ابن ماجة في التجارات: 29. و الجهاد: 14. و الدارمي في الجهاد: 33. و الموطأ في الجهاد: 44. و أحمد: 3/39. و في البخاري: .. الخير معقود بنواصي الخيل إلى يوم القيامة.

324

الحجروف:

دويبة طويلة القوائم أعظم من النمل حكاه ابن سيده.

الحجل:

بالفتح الذكر من القبج الواحدة حجلة و اسم جمعه حجلى. و لم يأتي جمع على فعلى بكسر الفاء. إلا حرفان حجلى و ظربي جمع ظربان و هو دويبة منتنة الريح و ستأتي في باب الظاء المشالة إن شاء اللّه تعالى. و الحجل طائر على قدر الحمام، كالقطا أحمر المنقار و الرجلين و يسمى دجاج البر، و هو صنفان: نجدي و تهامي، فالنجدي أخضر اللون أحمر الرجلين، و التهامي فيه بياض و خضرة. و فراخ هذا الطائر تخرج كاسية، و من شأنها إذا لم تلقح أن تتمرغ في التراب، و تصبه على أصول ريشها فتلقح. و يقال إنها تبيض من سماع صوت الذكر أو بريح تهب من قبله، و إذا باضت ميز الذكر الذكور منها، فحضنها و هي تحضن الإناث و هما كذلك في التربية. قال التوحيدي: و يعيش الحجل عشر سنين و يصنع عشين يجلس الذكر على واحد، و الأنثى على واحد، و من طبع الحجل أنه يأتي أعشاش نظرائه، فيأخذ بيضها و يحضنه. فإذا طارت الفراخ لحقت بأمهاتها التي باضتها و في تركيبه قوّة الطيران حتى إن الإنسان، إذا لم يره يظنه حجرا خرج من مقلاع. و الذكر شديد الغيرة على الأنثى، فلذلك إذا اجتمع ذكران اقتتلا على الأنثى فأيهما غلب ذل الآخر. و تبعت الأنثى الغالب منهما. و في طبع الذكر أن يخدع أمثاله بقرقرته، و لهذا يتخذه الصيادون في أشراكهم ليكثر القرقرة فيجتمع إليه أبناء جنسه فيقعن معه. و هو يفعل ذلك كالحاسد لها و المنتقم منها و الأنثى إذا أصيب بيضها قصدت عش غيرها، و غلبتها على بيضها أو تسرقه و تحضنه.

فائدة:

ذكر في كتاب النشوان، و تاريخ ابن النجار عن أبي نصر محمد بن مروان الجعدي، أنه أكل بعض مقدمي الأكراد على سماط فيه حجلتان مشويتان، فأخذ الكردي بيده واحدة و ضحك، فسأله عن ذلك فقال: قطعت الطريق في عنفوان شبابي على تاجر، فلما أردت قتله تضرع إلي فلم أقبل تضرعه، و لم أفلته فلما رأى الجد مني، التفت إلى حجلتين كانتا في جبل و قال اشهدا لي عليه إنه قاتلي ظلما فقتلته. فلما رأيت هاتين الحجلتين، تذكرت حمقه في استشهادهما علي. فقال ابن مروان لما سمع ذلك منه قد شهدتا و اللّه عليك عند من يفيدك عند من يقيدك بالرجل ثم أمر بضرب عنقه.

الحكم:

أكلها حلال اتفاقا. و سيأتي إن شاء اللّه تعالى، في النحام، في باب النون عن كامل ابن عدي أن الطير المشوي الذي أهدي للنبي صلى اللّه عليه و سلم، كان حجلا. و قيل: كان نحاما. و صح أنه صلى اللّه عليه و سلم كان بين كتفيه خاتم مثل زر الحجلة. قال الترمذي: المراد بالحجلة هذا الطائر وزرها بيضها قلت: و الصواب إنها حجلة السرير واحدة الحجال، وزرها الذي يدخل في عروتها.

و روى البيهقي في دلائل النبوّة عن الواقدي عن شيوخه أنهم قالوا: لما شك في موت النبي صلى اللّه عليه و سلم قال بعضهم: قد مات، و قال بعضهم: لم يمت، فوضعت أسماء بنت عميس يدها بين كتفيه، ثم قالت: توفي رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، قد رفع الخاتم من بين كتفيه. فكان هذا هو الذي عرف به موته صلى اللّه عليه و سلم. و أسماء بنت عميس كانت زوجة جعفر بن أبي طالب ثم تزوّجها الصديق، فأولدها محمدا ثم تزوّجها علي بن أبي طالب، بعد وفاة الصديق. و كان محمد بن أبي بكر صغيرا فرباه علي‏

325

فهو ربيب علي بن أبي طالب رضي اللّه تعالى عنهم أجمعين.

فائدة أخرى:

في المستدرك، عن وهب بن منبه، أنه قال: «لم يبعث اللّه نبيا إلا و قد كان عليه شامة النبوة في يده اليمنى، إلا نبينا محمدا صلى اللّه عليه و سلم فإن شامة النبوة كانت بين كتفيه» . (1) و قال علي رضي اللّه تعالى عنه: لأهل العراق يا أشباه الرجال و لا رجال، يا عقول ربات الحجال!و قال كثير عزة:

و أنت الذي حببت كل قصيرة # إلي فلا تدرك نداك القصائر

عنيت قصيرات الحجال و لم أرد # قصار الخطاشر النساء البحاتر (2)

و سيأتي الكلام على خاتم النبوة في باب الكاف في لفظ الكركي.

الأمثال:

ضرب النبي صلى اللّه عليه و سلم المثل بالحجل فقال‏ (3) : «اللهم إني أدعو قريشا و قد جعلوا طعامي طعام الحجل» . يريد أنه يأكل الحبة بعد الحبة لا يجد في الأكل. و قال الأزهري: أراد إنهم غير جادين في إجابتي فلا يدخل منهم في دين اللّه إلا النادر القليل. و روى الحافظ أبو القاسم الأصبهاني في كتاب الترغيب و الترهيب، عن أنس رضي اللّه تعالى عنه أن النبي صلى اللّه عليه و سلم قال‏ (4)

«أول ما يحاسب العبد عليه يوم القيامة صلاته فإن صلحت صلح سائر عمله، و إن فسدت فسد سائر عمله» . قال و كان يقول: «حاذوا المناكب في الصلاة فإن الشيطان يتخلل الصفوف كما يتخلل الحجل و الصف الأيمن خير من الصف الأيسر» قال قوله: حاذوا من الحذاء و هو أن يجعل المنكب بجنب المنكب.

الخواص:

لحمها معتدل جيد سريع الهضم إذا ابتلع من كبدها و هي حارة قدر نصف مثقال نفع من الفزع، و مرارتها تنفع الغشاوة المظلمة في العين اكتحالا. و إذا سعط بمرارتها إنسان في كل شهر مرة احتد ذهنه، و قل نسيانه، و قوي بصره. و قال المختار بن عبدون: بيض الحجل ألطف من بيض الدجاج، و هو نافع للمترفهين و ضار بأصحاب الكد، و يولد غذاء معتدلا، و يوافق أصحاب الأمزجة المعتدلة، و هو أجود هضما من بيض الدجاج، و أجود ما يعمل أن يلقى في الماء و هو يغلي و فيه ملح أو خل، و يكون الماء متساويا عليه. و كذلك كل بيض، و أما المطجن من كل بيض فردي‏ء جدا يولد حجارة في المثانة، و يحدث غما و قولنجا. و المغلي في الماء أهضم منه و أنفع و من المقلي في الأدهان أيضا انتهى. و قال غيره: بيض الحجل إذا طبخ في الماء المغلي في الكمون و الملح أو بخل العنصل و أكل نفع من المغص و سائر أوجاع البطن.

و أما رؤيته في المنام:

فالحجلة تدل على امرأة غير الفة و ربما تدل رؤيتها على محبة الأولاد.

الحدأة:

بكسر الحاء المهملة، أخس الطير، كنيته أبو الخطاف، و أبو الصلت، و لا تقل

____________

(1) رواه البخاري في الوضوء: 40، و المرضى: 18، و الدعوات: 31. و رواه مسلم في الفضائل: 112.

(2) البحاتر: القصار.

(3) رواه أحمد: 1/104.

(4) مختصر الترغيب و الترهيب ص 26. و رواه الترمذي في الصلاة: 188. و النسائي صلاة 9.

326

حدأة بفتح الحاء، لأنها الفاس التي لها رأسان و قد جاء في الحديث الحديا على وزن الثريا، كذا قيده الأصيلي. و قد جاء الحدياة بغير همز و في بعض الروايات الحديثة بالهمزة كأنه تصغير. ذكره الصاغاني قال: و صواب تصغيره الحديثة بالهمز و إن ألقيت حركة الهمزة على الياء شددتها، و قلت: الحدية على مثال عليّة. و في الحديث لا بأس بقتل الحدو و الأفعو، قال الأزهري: هي لغة فيهما. و قال ابن السراج: بل هي على مذهب الوقف لا على هذه اللغة قلب الألف واوا على لغة من قال حدا و كذا أفعى انتهى. و قال الأصمعي: جمع الحدأة حدأ كلبا و زاد ابن قتيبة حدءان.

قال الجوهري: هي مثل عنبة و عنب و قد قال في ع ن ب الحبسة من العنب عنبة و هو بناء نادر لأن الأغلب على هذا البناء الجمع نحو قرد و قردة و فيل و فيلة و ثور و ثورة. إلا أنه قد جاء للواحد، و هو قليل نحو العنبة و التولة و الطيبة و الخيرة و الطيرة و لا أعرف غيره انتهى. و هو قد ذكر ذلك في حدأة كما تقدم و الطيبة المغنم الهني‏ء و التولة ما تحبب به المرأة لزوجها، و الخيرة و الطيرة معروفتان. قلت: و قد يرد عليه ثومة جمعه ثوم و ذبحة و هو وجع في الحلق و منة و هو العنكبوت، و رمخة و هي البلحة و ضمخة و هي السمينة و هننة و هي نوع من القنافذ و تيمة و هي شجرة بوادي إبراهيم بالحجاز، و الحدأة تبيض بيضتين، و ربما باضت ثلاثا، و خرج منها ثلاثة أفراخ، و تحضن عشرين يوما، و من ألوانها السود و الرمد و هي لا تصيد و إنما تخطف. و من طبعها أنها تقف في الطيران، و ليس ذلك لغيرها من الكواسر. و زعم ابن وحشية و ابن زهر أن العقاب و الحدأة يتبدلان فيصير العقاب حدأة و الحدأة عقابا. و في نسخة الغراب بدل العقاب فسبحان القادر على ما يشاء. و يقال: إنها أحسن الطير مجاورة لما جاورها من الطير، فلو ماتت جوعا لا تعدو على فراخ جارها و تزعم رواة الأخبار و نفلة الآثار أنها كانت من جوارح سليمان بن داود عليهما الصلاة و السلام، و إنما امتنعت من أن تؤلف أو تملك لأنها من الملك الذي لا ينبغي لأحد من بعده.

و السبب في صياحها عند سفادها أن زوجها قد جحد ولدها منه، فقالت: يا نبي اللّه قد سفدني حتى إذا حضنت بيضي و خرج منه ولدي جحدني. فقال سليمان عليه السلام للذكر: ما تقول؟فقال: يا نبي اللّه إنها تحوم البراري و لا تمتنع من الطير فلا أدري أ هو مني أو من غيري! قال: فأمر سليمان عليه السلام بإحضار الولد فوجده شبه والده فألحقه به. ثم قال لها سليمان عليه السلام: لا تمكنه أبدا حتى تشهدي عليه ذلك الطير لئلا يجحد بعدها. فصارت إذا سفدها صاحت و قالت: يا طيور اشهدوا فإنه سفدني ا هـ-. و تقول في صياحها كل شي‏ء هالك إلا وجهه و هي طرشاء و لو كانت مما يصاد بها لما كان من الكواسر أحسن صيدا منها، و لا أجل ثمنا. و من طبعها أنها لا تخطف إلا من يمين من تخطف منه، دون شماله، حتى إن بعض الناس يقول: إنها عسراء لأنها لا تأخذ من شمال إنسان شيئا. و قال القزويني: إنها سنة ذكر و سنة أنثى. و في صحيح البخاري و غيره أن أعرابية كانت تخدم نساء النبي صلى اللّه عليه و سلم و كانت كثيرا ما تتمثل بهذا البيت‏ (1) .

و يوم الوشاح من أعاجيب ربنا # على أنه من ظلمة الكفر نجاني‏

____________

(1) البيت في كتاب الحيوان للجاحظ: 5/153. و فيه:

و يوم السّخاب من تعاجيب ابنا # كما أنه من بلدة الكفر نجاني‏

327

فقالت لها عائشة رضي اللّه تعالى عنها: ما هذا البيت الذي أسمعه منك: فقالت شهدت عروسا لنا تجلى، إذ دخلت مغتسلا لنا و عليها وشاح، فوضعته فجاءت الحديا فأبصرت حمرته فأخذته، ففقدوا الوشاح فاتهموني به ففتشوني حتى قبلي فدعوت اللّه أن يبرئني «فجاءت الحديا بالوشاح حتى ألقته بينهم» (1) . كذا قيده الأصيلي الحديا على وزن الثريا. و روي من طريق الصاغاني و غيره: الحدياة بغير همزة و الحديئة بالهمز. و في رواية فرفعت رأسي و قلت يا غياث المستغيثين فما أتممتهن، حتى جاء غراب فرمى الوشاح، أو قالت فألقى الوشاح بيننا فلو رأيتني يا أم المؤمنين و هن حولي يقلن: اجعلينا في حل، فنظمت ذلك في بيت، فأنا أنشده لئلا أنسى النعمة فأترك شكرها. و روى الحافظ النسفي في كتاب فضائل الأعمال بإسناده إلى حماد بن سلمة، أن عاصم بن أبي النجود، شيخ القراء، في زمانه قال: أصابتني خصاصة (2) فجئت إلى بعض إخواني فأخبرته بأمري فرأيت في وجهه الكراهة، فخرجت من منزله إلى الجبانة فصليت ما شاء اللّه، ثم وضعت وجهي على الأرض، و قلت: يا مسبب الأسباب، يا مفتح الأبواب، يا سامع الأصوات، يا مجيب الدعوات، يا قاضي الحاجات اكفني بحلالك عن حرامك، و أغنني بفضلك عمن سواك. قال: فو اللّه ما رفعت رأسي حتى سمعت وقعة بقربي فرفعت رأسي فإذا حدأة طرحت كيسا أحمر فأخذت الكيس فإذا فيه ثمانون دينارا جوهرة ملفوفة في قطنة مندوفة. قال: فبعت الجوهرة بمال عظيم و فضلت الدنانير فاشتريت بها عقارا و حمدت اللّه على ذلك انتهى. و حكى القشيري في الرسالة، في آخر باب كرامات الأولياء، عن شبل المروزي أنه اشترى لحما بنصف درهم فاستلبته منه حدأة فدخل شبل مسجدا يصلي فيه، فلما رجع إلى منزله قدمت له زوجته لحما، فقال لها من أين لكم هذا؟فقالت: تنازع حدأتان فسقط هذا منهما!فقال شبل: الحمد للّه الذي لم ينس شبلا، و إن كان شبل ينساه. و في كتاب المجالسة للدينوري، في الجزء الثالث، عن عثمان بن عفان رضي اللّه تعالى عنه، قال: كان سعد بن أبي وقاص بين يديه لحم، فجاءت حدأة فأخذته فدعا عليها سعد فاعترض عظم في حلقها فوقعت ميتة انتهى. و روينا بالسند الصحيح أن الشيخ عبد القادر الجيلي قدس اللّه روحه، جلس يوما يعظ الناس، و كانت الريح عاصفة، فمرت على مجلسه حدأة طائرة، فصاحت فوشوشت على الحاضرين ما هم فيه، فقال الشيخ: يا ريح خذي رأس هذه الحدأة فوقعت لوقتها في ناحية و رأسها في ناحية فنزل الشيخ عن الكرسي و أخذها بيده، و أمر يده الأخرى عليها. و قال: بسم اللّه الرحمن الرحيم فحييت و طارت و الناس يشاهدون ذلك.

الحكم:

يحرم أكلها لأنها من الفواسق الخمس المأمور بقتلها. قال الخطابي: المراد بفسقها تحريم أكلها. و سيأتي إن شاء اللّه تعالى في باب الفاء في لفظ الفأر بيان ذلك. و في الصحيحين من حديث ابن عمر و عائشة و حفصة رضي اللّه تعالى عنهم أجمعين، أن النبي صلى اللّه عليه و سلم قال‏ (3) : «خمس

____________

(1) رواه البخاري في مناقب الأنصار: 26.

(2) الخصاصة: الفقر.

(3) رواه مسلم في الحج: 67، 68، 69. و النسائي في المناسك 113، 114، 118، 119. و ابن ماجة في المناسك: 91، و في الموطأ: حج 90، و أحمد: 6/33-87-97-122-164-259.

328

فواسق يقتلن في الحل و الحرم» . و في رواية «ليس على المحرم في قتلهن جناح الحدأة و الغراب الأبقع و العقرب و الفأرة و الكلب و العقور» . نبه صلى اللّه عليه و سلم بذكر هذه الخمسة على جواز قتل كل مضر فيجوز له أن يقتل الفهد و النمر و الذئب و الصقر و الشاهين و الباشق و الزنبور و البرغوث و البق و البعوض و الوزغ و الذباب و النمل إذا آذاه. قال الرافعي: و في معنى هذه الخمسة: الفحية و الذئب و الأسد و النمر و النسر و العقاب، فهذه الأنواع يستحب قتلها للمحرم و غيره. و قال في باب الأطعمة ما يخالف ذلك و هو أن قتلها على سبيل الوجوب و سيأتي بيان هذا إن شاء اللّه تعالى، في باب الصاد في الكلام على الصيد.

الأمثال:

قالوا (1) : «حدأة حدأة وراءك بندقة» قال أبو عبيدة: يراد بذلك هذه الحدأة التي تطير، و البندقة ما يرمي به يضرب للتحذير.

الخواص:

مرارتها تجفف في الظل و تنقع في إناء زجاج، فمن لسعه شي‏ء من الهوام، قطر منه في الموضع الذي لسع فيه، و اكتحل مخالفا إن لسع في الجانب الأيمن، اكتحل في العين اليسرى، و إن لسع في الجانب الأيسر اكتحل في العين اليمنى ثلاثة أميال، فإنه ينجيه. و إن سحقت و طرحت في سلة الحاوي، ماتت الحيات كلها. و دمها إذا خلط بقليل مسك و ماء ورد شرب على الريق نفع من ضيق النفس. و إن علقت و هي حية في بيت لم يدخله حية و لا عقرب.

التعبير:

الحدأة تدل رؤيتها على الحرب و القتال، لما قيل «حدأة حدأة وراءك بندقة» قال بعض أهل اللغة: إن حدأة و بندقة كانتا قبيلتين من سعد العشيرة، فأغارت حدأة و تغلبت، و كانت تنزل بالكوفة على بندقة، و كانت تنزل باليمن، فنالت منهم، ثم كسرت بندقة حدأة و تغلبت عليهم. و قيل: هي الطائر المعروف، و بندقة الرامي كما تقدم. و ربما دلت على الرجل المتجرم أو المرأة الزانية. و جماعة الحدأ تدل على قطاع الطريق، و ربما دلت رؤيتها على من يحل قتاله لكفره و شركه، فإن قتلهم مباح في الحل و الحرم، و كذلك الحدأة قاله ابن الدقاق. و قال غيره: الحدأة في المنام ملك خامل الذكر ظالم، و ذلك لقوة سلاحه و قربه من الأرض. و من أصاب حدأة ولد له غلام و ينال قبل البلوغ ملكا، فإن طارت منه مات الولد. و قال أراطيمدورس:

الحدأة في المنام تدل على اللصوص و الخطافين و تدل على النساء و اللّه أعلم.

الحذف:

بفتح الحاء و الذال المعجمة غنم سود صغار من غنم الحجاز، الواحد حذفة و في حديث الصلاة «لا يتخللكم الشياطين كأنها حذف» . و في رواية (2) كأولاد الحذف قيل: «يا رسول اللّه و ما أولاد الحذف؟قال: ضأن سود جرد صغار تكون باليمن» .

الحر:

الفرس العتيق و فرخ الحمامة و قيل الذكر منها و ولد الظبية و ولد الحية و الصقر البازي و قال ابن سيده: الحر طائر صغير أنمر أصقع قصير الذنب عظيم المنكبين و الرأس. و قيل إنه يضرب إلى الخضرة و هو يصيد.

____________

(1) جمهرة الأمثال: 1/305.

(2) رواه ابن حنبل: 4-297، 3-260-283-5-266 و أبو داود في الصلاة: 93. و النسائي إمامة: 28.

329

الحرباء:

كنيته أبو خجادب و أبو الزنديق و أبو الشقيق و أبو قادم. و يقال له جمل اليهود كما تقدم. قال الإمام القزويني في كتاب عجائب المخلوقات: لما كان الحرباء خلقا بطي‏ء النهضة و كان لا بد له من القوت خلقه اللّه على صورة عجيبة فخلق عينيه تدور إلى كل جهة من الجهات، حتى يدرك صيده من غير حركة في يديه، و لا قصد إليه، و يبقى كأنه جامد، أو كأنه ليس من الحيوان.

ثم أعطي مع السكون خاصية أخرى، و هو أنه يتشكل بلون الشجرة التي يكون عليها، حتى يكاد يختلط لونه بلونها، ثم إذا قرب منه ما يصطاده من ذباب و غيره، أخرج لسانه و يخطف ذلك بسرعة، كلحوق البرق، ثم يعود إلى حاله كأنه جزء من الشجرة، و خلق اللّه لسانه بخلاف المعتاد ليلحق ما بعد عنه بثلاثة أشبار و نحوها، يصطاد به على هذه المسافة، و إذا رأى ما يروعه و يخوفه تشكل و تكوّن على هيئة و شكل، يفر منه كل من يريد من الجوارح و يكرهه بسبب ذلك التلون.

انتهى.

و الحرباء أكبر من العظاية، و هي تستقبل الشمس و تدور معها كيفما دارت، و تتلون بحر الشمس كما قال الإمام الغزالي ألوانا مختلفة، فتتلون إلى حمرة و صفرة و خضرة و ما شاءت. و هو ذكر أم حبين و الجمع الحرابي و الأنثى حرباءة. قال رجل: خاصمت ابن أخي إلى معاوية فجعلت أحجه، فقال: أنت كما قال الشاعر (1) :

إني أتيح له حرباء تنضبة # لا يرسل السماق إلا ممسكا ساقا

أراد بالساق هنا الغصن من أغصان الشجرة. و المعنى: أنه لا تنقضي له حجة حتى يتمسك بأخرى، تشبيه بالحرباء. قال الجوهري: و يقال حرباء تنضب كما يقال ذئب غضى. و التنضب شجر يتخذ منه السهام و التاء زائدة لأنه ليس في الكلام فعلل، و في الكلام تفعل مثل تقتل و تخرج، و الواحدة تنضبة، و يقال لها أيضا حرباء الظهيرة. و هي دويبة غبراء ما دامت فرخا، ثم تصفو و هي أبدا تطلب الشمس، فحين تبدو تنحرف بوجهها إليها حتى إذا استوت الشمس، علت رأس شجرة و ما يجري مجراها، فإذا صار قرص الشمس فوق رأسها، بحيث لا تراها أصابها مثل الجنون، فلا تزال طالبة لها، و لا تفتر إلى أن تتصوّب إلى جهة المغرب، فترجع بوجهها إليها مستقبلة لها، و لا تنحرف عنها إلى أن تغيب الشمس، فإذا غابت الشمس، طلب هذا الحيوان معاشه ليله كله إلى أن يصبح. حتى إن طائفة من المتكلمين على طبائع الحيوان، يقولون: إنه مجوسي و لسانه طويل جدا مقدار ذراع كما تقدم، و ذلك دليل على أنه يكون مطويا في حلقه، و هو يبلغ به ما بعد عنه من الذباب و الأنثى من هذا النوع تسمى أم حبين. و ستأتي في آخر الباب.

و قد سمي أبو النجم في بعض شعره الحرباء بالشقي، و ليس الشقي باسم للحرباء، و إنما سماه به لاستقباله الشمس، كذا ذكره في المحكم في العين و النون و الباء.

و هذا الحيوان يوصف بالحزم لأنه، مع تقلبه مع الشمس، لا يرسل يده من غصن حتى يمسك غيره، و هو يشبه رأس العجل و على هيئة السمكة الصغيرة، و له أربعة أرجل كسام أبرص. و ذكر الشيخ جمال الدين بن هشام، في شرح بانت سعاد، أن للحرباء سناما كسنام البعير و إنه يتلون ألوانا، و يكنى أبا قرة، و هي تتلون بلون الشجرة، التي تكون عليها، حتى تكاد تختلط بلونها، فإذا

____________

(1) هو أبو داود الأيادي و البيت في الحيوان: 6/367. و فيه: «... لا يترك الساق... » .

330

قرب منها الذباب و نحوه اختطفته بلسانها، و قد تقدم عن القزويني نظير ذلك.

الحكم:

قال في الروضة إنها نوع من الوزغ غير مأكولة لكن مقتضى ما قاله الجاحظ و الجوهري من أنها ذكر أم حبين، أنها تؤكل، لأن أم حبين مأكولة كما سيأتي إن شاء اللّه تعالى.

لكن قالوا: إن الحرباء من ذوات السموم، فيكون هذا علة تحريمها إلا إنها نوع من الوزغ.

الأمثال:

قالوا: «فلان يتلون تلون الحرباء» ، يضرب لمن لا يثبت على حالة، و قالوا:

«أجود من عين الحرباء» «و أحزم من الحرباء» لما (1) تقدم. و الحزم الاحتراس و النظر في الأمر قبل الإقدام عليه.

الخواص:

دمها إذا نتف الشعر النابت في أجفان العين و جعل في أصوله لم ينبت أبدا و مرارتها إذا اكتحل بها أزالت غشاوة البصر. و شحمها إذا جعل على حديدة و أحرق بالنار و خلط بالدم، مع شي‏ء يسير من الماء و جدد عليه الدم و الشحم، و طلي به قروح الرأس و الأبثار، فإنه يبرئها من أول طلية.

التعبير:

الحرباء في المنام وزير ملك أو خليفته، لا يكاد يفارقه لأنها تدور أبدا مع الشمس، و لا تفارقها كما تقدم. و ربما دلت على الخدمة للسلطان، أو الفتنة في الدين أو المرأة المجوسية و ربما دلت على الحرب و الندب و على الميت و اللّه أعلم.

الحرذون:

بكسر الحاء و بالذال المعجمة دويبة شبيهة بالضب، و قيل: هو ذكر الضب لأن له ذكرين مثله و هو من ذوات السموم يوجد في العمران المهجورة كثيرا له كف ككف الإنسان مقسومة الأصابع إلى الأنامل، و جلده لا برص فيه، بخلاف سام أبرص، و الحق أنه غير الورل خلافا لعبد اللطيف البغدادي.

و حكمه‏

: تحريم الأكل لأنه من ذوات السموم.

الخواص:

قال أرسطو: من اطّلى بشحم الحرذون، و ألقى نفسه على التمساح لم يضره التمساح، و إذا شم رائحته خدر و انقلب على ظهره. و إن أحرق جلده و اطلى به إنسان لم يحس بألم الضرب و القطع، و لو فرق بين رأسه و جسده، و العيارون يفعلون ذلك، فيظهر منهم الثبات على الضرب و غيره، و الحرذون يقتل العقرب و إذا علق شحمه على صاحب حمى الربع في خرقة سوداء أبرأه و أزالها، و قال مهراريس: إنما يعلق قلبه على الوصف الذي تقدم.

و رؤيته في المنام:

تدل على الطمع و الشره في الكسب و اختلاف المزاج و الذهول و النسيان و اللّه تعالى أعلم.

الحرشاف أو الحرشوف:

الجراد المهزول الكثير الأكل الواحدة حرشافة. و في حديث خولة بنت ثعلبة زوج أوس بن الصامت رضي اللّه عنهما، لما قال لها: أنت كظهر أمي، و جاءت تستفتي له رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم و تشتكي إلى اللّه، فأنزل اللّه عزّ و علا فيها:

____________

(1) جمهرة الأمثال: 1/329.

331

قَدْ سَمِعَ اَللََّهُ قَوْلَ اَلَّتِي تُجََادِلُكَ فِي زَوْجِهََا وَ تَشْتَكِي إِلَى اَللََّهِ (1) إلى آخر الآيات. قال لها النبي صلى اللّه عليه و سلم: «مريه أن يعتق رقبة (2) . قالت:

و اللّه ما يجد رقبة و ما له خادم غيري. قال: مريه فليصم شهرين متتابعين. قالت: و اللّه يا رسول اللّه ما يقدر على ذلك، إنه ليشرب في اليوم كذا كذا مرة قد ذهب بصره مع ضعف بدنه، و إنما هو كالحرشافة» شبهته بالجراد المهزول الكثير الأكل.

الحرقوص:

بضم الحاء المهملة و بالقاف المضمومة و بالصاد المهملة في آخره و بالسين في لغة عوض الصاد دويبة كالبرغوث صغير أرقط بحمرة أو صفرة، و لونه الغالب عليه السواد. و ربما نبت له جناحان فطار قال الراجز:

ما لقى البيض من الحرقوص # يدخل تحت الحلق المرصوص

من مارد لص من اللصوص # بمهر لا غال و لا رخيص‏

أراد بلا مهر أصلا. و قيل هي دويبة مثل القراد و أنشدوا:

مثل الحراقيص على حمار

و في ربيع الأبرار للزمخشري: أنها دويبة أكبر من البرغوث، و عضها أشد من عضه، و هي مولعة بفروج النساء تولع النمل بالمذاكير، و ينبت لها جناحان كما ينبت للنملة، و قيل الحرقوص البرغوث بعينه، و احتج له بقول الطرماح: (3)

و لو أن حرقوصا على ظهر قملة # يكر على صفي تميم لولت‏ (4)

و يقال له النهيك و قالت أعرابية:

يا أيها الحرقوص مهلا مهلا # أ إبلا أعطيتني أم نحلا

أم أنت شي‏ء لا تبالي الجهلا

و قال ابن سيده: الحرقوص دويبة محزمة لها حمة كحمة الزنبور تلدغ بها كأطراف السياط، و لذلك يقال لمن ضرب بأطراف السياط أخذته الحراقيص.

فائدة:

الحرقوص السعدي رجل من الصحابة و هو ذو الخويصرة التميمي، الذي بال في المسجد و هو القائل للنبي صلى اللّه عليه و سلم، و هو يقسم: اعدل. فقال: «ويلك فمن يعدل إذا لم أعدل» قد «خبت و خسرت إن لم أعدل» (5) . و هو الذي خاصم الزبير في شراج الحرة، و قال أن كان ابن عمتك «فأمر النبي صلى اللّه عليه و سلم الزبير باستيفاء حقه» .

____________

(1) سورة المجادلة: الآية 1.

(2) الموطأ طلاق: 23. و ابن حنبل: 6-410.

(3) الطرماح بن حكيم بن الحكم، من طي‏ء شاعر إسلامي فحل، كان يدافع عن المعتزلة مات سنة 125.

(4) الشعر و الشعراء: 389. و فيه: «و لو أن برغوثا» .

(5) رواه البخاري في المناقب: 25، و الأدب: 95. و رواه ابن ماجة في المقدمة: 12. و رواه مسلم في الزكاة:

142-148 و ابن حنبل: 3-56-65-353-355.

332

و قال ابن الأثير، في أسد الغابة: الحرقوص بن زهير السعدي من الصحابة ذكره الطبري و قال: إن الهرمز أن الفارسي، كفر و منع ما قبله و استعان بالأكراد و كثر جمعه فكتب عتبة بن غروان إلى عمر رضي اللّه عنه بذلك، فكتب إليه عمر يأمره بقصده و أمد المسلمين بحرقوص بن زهير.

و كانت له صحبة من رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، و أمره بالقتال فاقتتل المسلمون و الهرمزان، فانهزم الهرمزان.

و فتح حرقوص سوق الأهواز و نزل بها. و له أثر كبير في قتال الهرمزان. و بقي حرقوص إلى أيام علي رضي اللّه تعالى عنه و شهد معه صفين ثم صار مع الخوارج و من أشدهم على علي. و كان مع الخوارج لما قاتلهم علي فقتل حرقوص يومئذ سنة سبع و ثلاثين.

و حكمه:

تحريم الأكل لأنه من الحشرات.

الحريش:

نوع من الحيات أرقط. كذا قاله الجوهري بعد هذا: الحريش دابة لها مخالب كمخالب الأسد، و لها قرن واحد في هامتها و يسميها الناس بالكركدن. و قال أبو حيان التوحيدي: هي دابة صغيرة في جرم الجدي ساكنة جدا. غير أن لها من قوّة الجسم و سرعة الحركة ما يعجز القناص و لها في وسط رأسها قرن واحد مصمت مستقيم، تناطح به جميع الحيوان، فلا يغلبها شي‏ء و يحتال لصيدها بأن تتعرض لها فتاة عذراء أو صبية فإذا رأتها و ثبت إلى حجرها كأنها تريد الرضاع، و هذه محبة فيها طبيعية ثابتة فإذا هي صارت في حجرة الفتاة، أرضعتها من ثديها على غير حضور اللبن فيها، حتى تصير كالنشوان من الخمر، فيأتيها القناص على تلك الحالة، فيشدها وثاقا على سكون منها، بهذه الحيلة. و قال القزويني في الأشكال: الحريش حيوان في حجم الجدي ذو عدو شديد، و على رأسه قرن واحد كقرن الكركدن، و أكثر عدوه على رجليه لا يلحقه شي‏ء في عدوه، و يوجد في غياض بلغار و سجستان انتهى.

و حكمه:

التحريم سواء كان من نوع الحيات أو الحيوان الموصوف لعموم النهي عن أكل كل ذي ناب من السباع.

الخواص:

دمه يشربه من به خناق ينفتح في الحال، و لحمه يبرئ صاحب القولنج أكلا.

و كعبه يجعل على العرق المدمي يسكن ألمه.

الحسبان:

الجراد واحده حسبانة و كذلك النملة الصغيرة.

الحساس:

جنس من السمك صغار و هو الهف.

الحسل:

ولد الضب. و الجمع أحسال و حسول و حسلان و حسلة. يقال ذلك لولد الضب حين يخرج من بيضته و كنية الضب أبو حسل.

و حكمه‏

: كأبيه.

الأمثال:

قالوا (1) : «لا آتيك سن الحسل» . أي أبدا لأن سنها لا تسقط حتى تموت و أنشد العجاج يقول‏ (2) :

____________

(1) جمهرة الأمثال: 1/336.

(2) البيتان لرؤية بن العجّاج و هو في ديوانه: 128.

333

إنك لو عمرت عمر الحسل # أو عمر نوح زمن الفطحل‏ (1)

و الصخر مبتل كطين الوحل # كنت رهين هرم و قتل‏ (2)

الفطحل على وزن الهزبر زمن لم يخلق فيه الناس و كانت الحجارة فيه رطبة.

الحسيل:

ولد البقرة الأهلية لا واحد له من لفظه. و الأنثى حسيلة. كذا قاله الجوهري و هو و هم و الصواب الحسيل أولاد البقر واحده حسيلة لأنه سمع له واحد من لفظه. و في كفاية المتحفظ: الحسيلة البقرة و جمعها حسائل.

حسون:

عصفور ذو ألوان، بحمرة و صفرة و بياض و سواد و زرقة و خضرة، يسميه أهل الأندلس أبا الحسن، و المصريون أبا زقاية و ربما أبدلوا الزاي سينا، و هو يقبل التعليم فيعلم أخذ الشي‏ء من يد الإنسان المتباعد و يأتي به إلى مالكه. و هو داخل في عموم العصافير. و سيأتي إن شاء اللّه تعالى في باب العين المهملة.

الحشرات:

صغار دواب الأرض و صغار هوامها. الواحدة حشرة بالتحريك. و ابن أبي الأشعث يسمي جميع هذا الحيوان الأرضي، لأنه لا يفارقها إلى الهواء، و لا إلى الماء و هو يأوي في حجرته، و يركز في بطنها و لا يحتاج إلى شرب الماء، و لا إلى شم النسيم. و هو قرين الأفاعي و الحيات و الجرذان الأهلية و البرية، و اليربوع و الضب و الحرذون و القنفذ و العقرب و الخنفساء و الوزغ و النمل و الحلم، و أنواع أخرى، سيأتي منها ما لم يتقدم له ذكر.

فائدة:

قوله‏ (3) تعالى: أُولََئِكَ يَلْعَنُهُمُ اَللََّهُ وَ يَلْعَنُهُمُ اَللاََّعِنُونَ قال مجاهد: اللاعنون الحشرات و البهائم، يصيبهم الجدب بذنوب علماء السوء الكاتمين، فيلعنونهم. رواه ابن ماجة مرفوعا إلى النبي صلى اللّه عليه و سلم. فإن قيل: كيف جمع ما لا يعقل جمع من يعقل؟فالجواب أنه أسند إليهم فعل من يعقل كما قال: رَأَيْتُهُمْ لِي سََاجِدِينَ (4) . و لم يقل ساجدات. و كقوله‏ (5) تعالى:

وَ قََالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنََا و قال ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما. اللاعنون كل المخلوقات ما عدا الجن و الإنس. و قيل ما عدا الملائكة فقط.

الحكم:

يحرم أكل الحشرات، و لا يصح بيعها لعدم النفع بها. و به قال الإمام أحمد و أبو حنيفة و داود. و قال مالك: إنها حلال لقوله‏ (6) تعالى: قُلْ لاََ أَجِدُ فِي مََا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى‏ََ طََاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاََّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً الآية. و لحديث التلب بن ثعلبة بن ربيعة التميمي قال:

«صحبت النبي صلى اللّه عليه و سلم فلم أسمع لحشرة الأرض تحريما» . رواه أبو داود و التلب بتاء مثناة من فوق مفتوحة ثم لام مكسورة ثم باء ثالثة الحروف. و قال شعبة الثلب بثاء مثلثة و في سنن أبي داود، في كتاب العتاق، عن أحمد أنه قال: كان شعبة ألثغ لم يبين التاء من الثاء. و كذلك قال الإمام الحافظ أبو عمر بن عبد البر، ثم قال: و كان التلب يكنى أبا الملقام، روى عنه ابنه ملقام أنه أتى

____________

(1) في الديوان: «فقلت: لو عمرت سن الحسل.

(2) في الديوان: «... كنت رهين... » .

(3) سورة البقرة: الآية 159.

(4) سورة يوسف: الآية 4.

(5) سورة فصلت: الآية 21.

(6) سورة الأنعام: الآية 145.

334

النبي صلى اللّه عليه و سلم فقال: «استغفر لي يا رسول اللّه، فقال: اللهم اغفر للتلب و ارحمه» . ثلاثا. و احتج الشافعي و الأصحاب بقوله‏ (1) تعالى: وَ يُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ اَلْخَبََائِثَ و هو ما تستخبثه العرب. و بقوله‏ (2)

صلى اللّه عليه و سلم: «خمس من الدواب كلهن فاسق يقتلن في الحل و الحرم: الغراب و الحدأة و العقرب و الفأرة و الكلب العقور» . رواه البخاري و مسلم من رواية عائشة و حفصة و ابن عمر رضي اللّه عنهم و عن أم شريك أنه صلى اللّه عليه و سلم «أمر بقتل الأوزاغ» . رواه‏ (3) الشيخان. و أما قوله تعالى: قُلْ لاََ أَجِدُ فِي مََا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً (4) الآية: فقد قال الشافعي و غيره من العلماء: معناه مما كنتم تأكلونه و تستطيبونه. و قال الغزالي، في الوسيط: لا يؤكل من الحشرات إلا الضب. و قد استدرك عليه اليربوع و ابن عرس و أم حبين و القنفذ و الدلدل. و سيأتي الكلام عليهن في أماكنهن إن شاء اللّه تعالى.

الحشو و الحاشية:

صغار الإبل التي لا كبار فيها و كذلك من الناس.

الحصان:

بكسر الحاء المهملة الذكر من الخيل. قيل: إنما سمي حصانا لأنه حصن ماء فلم ينز إلا على كريمة. روى البخاري و مسلم و الترمذي و النسائي عن البراء بن عازب رضي اللّه تعالى عنه، قال: كان رجل يقرأ سورة الكهف، و إلى جانبه حصان مربوط، فغشيته سحابة فجعلت تدنو و تدنو فجعل فرسه ينفر، فلما أصبح ذكر ذلك للنبي صلى اللّه عليه و سلم فقال: «تلك السكينة تنزلت للقرآن» (5) . و الرجل المذكور أسيد بن حضير.

و في الخبر أن فرعون هاب دخول البحر، و كان على حصان أدهم، و لم يكن في خيل فرعون أنثى، فجاءه جبريل على فرس وديق أي تشتهي الفحل على صورة هامان، و قال له: تقدم فخاض للبحر، فتبعها حصان فرعون و ميكائيل يسوقهم لا يشرد منهم أحد، فلما صار آخرهم في البحر، و هم أولهم أن يخرج انطبق عليهم فأغرقهم أجمعين. و روي عن ابن مسعود رضي اللّه تعالى عنه، أنه قال: كان أصحاب موسى ستمائة ألف و سبعين ألفا. و قال عمرو بن ميمون: كانوا ستمائة ألف. و قيل: خرج موسى في ستمائة ألف و عشرين ألف مقاتل لا يعدون ابن العشرين لصغره، و لا ابن الستين لكبره. و كانوا يوم دخول مصر مع يعقوب اثنين و سبعين ألفا، ما بين رجل و امرأة. فلما أراد المسير، ضرب اللّه عليهم التيه، فلم يدروا أين يذهبون، فدعا موسى مشيخة

____________

(1) سورة الأعراف: الآية 157.

(2) رواه مسلم في الحج: 66-69-71-77-79-و البخاري في الصيد: 7. و بدء الخلق: 16، و أبو داود في المناسك: 39، و الترمذي في الحج: 21، و النسائي في الحج: 82-84-86-88 و ابن ماجة مناسك: 91. و الدارمي مناسك: 19. الموطأ حج: 88-90. أحمد: 2-3-8-30- 32.

(3) رواه البخاري في بدء الخلق: 15، أنبياء: 8. و رواه مسلم في السلام: 142-144. و أبو داود في الأدب: 163. النسائي مناسك: 115. و ابن ماجة صيد: 12. الدارمي أضاحي: 27. أحمد: 1- 176.

(4) سورة الأنعام: الآية 145.

(5) رواه البخاري في المناقب: 25، و فضائل القرآن: 11، و رواه مسلم في المسافرين: 240-241. و رواه الترمذي في ثواب القرآن: 6. و ابن حنبل: 4/281-293-298.

335

بني إسرائيل، و سألهم عن ذلك؟فقالوا: إن يوسف عليه الصلاة و السلام، لما حضره الموت أخذ على إخوته عهدا أن لا يخرجوا من مصر حتى يخرجوه معهم، فلذلك انسد علينا الطريق. فسألهم عن موضع قبره فلم يعلموا فقام موسى ينادي أنشد اللّه كل من يعلم أين قبر يوسف إلا أخبرني به، و من لم يعلم فصمت أذنه عن قولي، فكان يمر بين الرجلين و هو ينادي فلا يسمعان صوته، حتى سمعته عجوز من بني إسرائيل فقالت: أ رأيتك إن دللتك على قبره أ تعطيني كل ما سألتك؟ فأبى عليها، و قال: حتى أسأل ربي عزّ و جلّ. فأمره اللّه أن يعطيها سؤالها. فقالت: إني عجوز كبيرة لا أستطيع المشي فاحملني و أخرجني من مصر هذا في الدنيا، و أما في الآخرة فأسألك أن لا تنزل غرفة في الجنة إلا نزلتها معك. قال: نعم. قالت: إنه في جوف الماء في النيل، فادع اللّه حتى يحسر عنه الماء. فدعا اللّه تعالى فحسر عنه الماء. و دعا اللّه تعالى أن يؤخر طلوع الفجر إلى أن يفرغ من أمر يوسف، فحفر موسى ذلك الموضع و استخرجه في صندوق مرمر، و حمله معه حتى دفنه بالشام. ففتح لهم الطريق فساروا و موسى على ساقتهم و هارون على مقدمتهم. و نذر بهم فرعون فجمع قومه، و أمرهم أن لا يخرجوا في طلب بني إسرائيل، حتى تصيح الديكة. قال عمرو بن ميمون: فو اللّه ما صاح ديك تلك الليلة. فخرج فرعون في طلب بني إسرائيل، و على مقدمته هامان في ألف ألف و سبعمائة ألف، و كان فيهم سبعون ألفا من دهم الخيل، سوى سائر الشيات.

و قال شيخ التفسير محمد بن جرير الطبري: كان في عسكر فرعون مائة ألف حصان أدهم، و كان فرعون في سبعة آلاف و كان في الدهم، و كان بين يديه مائة ألف ناشب، و مائة ألف أصحاب حراب، و مائة ألف أصحاب أعمدة. و كان الماء في غاية زيادته، و كان قد أشرف على بني إسرائيل حين أشرقت الشمس، فتحير أصحاب موسى فأوحى اللّه تعالى إلى موسى: أن اضرب بعصاك البحر، فضربه فلم يطعه فأوحى اللّه تعالى إليه أن كنه فضربه و قال انفلق أبا خالد بإذن اللّه تعالى فانفلق، فكان كل فرق كالطود العظيم، و ظهر فيه اثنا عشر طريقا لكل سبط طريق، و ارتفع الماء بين كل طريقين كالجبل. و أرسل اللّه تعالى الريح و الشمس على قعر البحر حتى صار يبسا فحاضت بنو إسرائيل البحر كل سبط في طريق، و عن جانبهم الماء كالجبل الضخم فصار لا يرى بعضهم بعضا فخافوا. و قال كل سبط قد قتل إخواننا فأوحى اللّه تعالى إلى الماء أن يشبك فصار الماء شبكات كالطاقات يرى بعضهم بعضا و يسمع بعضهم كلام بعض، حتى عبروا البحر سالمين.

فذلك قوله‏ (1) تعالى: فَأَنْجَيْنََاكُمْ وَ أَغْرَقْنََا آلَ فِرْعَوْنَ وَ أَنْتُمْ تَنْظُرُونَ و ذلك أن فرعون، لما وصل إلى البحر، و رآه متقطعا قال لقومه: انظروا إلى البحر كيف انفلق من هيبتي، حتى أدرك عبيدي الذين أبقوا!ادخلوا البحر، فهاب قومه أن يدخلوه، و قالوا له: إن كنت ربا فادخل البحر كما دخل. يعني موسى. و كان فرعون على حصان أدهم و لم يكن في خيل فرعون فرس أنثى، فجاء جبريل عليه السلام على فرس أنثى وديق، فتقدمهم و خاض البحر، فلما شم أدهم فرعون ريحها، اقتحم البحر في أثرها، و لم يملك فرعون من أمره شيئا، و هو لا يرى فرس جبريل عليه السلام، فاقتحمت الخيول خلفه البحر، و جاء ميكائيل عليه السلام على فرس، خلف القوم يسوقهم، حتى لم يبق رجل، و هو يقول لهم: الحقوا بأصحابكم، حتى إذا خاضوا كلهم البحر، و خرج

____________

(1) سورة البقرة: الآية 50.

336

جبريل عليه السلام من البحر، و هم أولهم بالخروج، أمر اللّه عزّ و جلّ، البحر أن يأخذهم فالتطم عليهم فأغرقهم أجمعين. و كان بين طرفي البحر أربعة فراسخ. و ذلك بمرأى من بني إسرائيل.

و ذلك قوله تعالى: وَ أَنْتُمْ تَنْظُرُونَ* أي إلى مصارعهم. و قيل: إلى هلاكهم. و البحر هو القلزم طرف من بحر فارس انتهى. و قال قتادة: هو بحر وراء مصر، يقال له أساف.

و لا خلاف أن فرعون مات كافرا، و لا التفات إلى قول من قال خلاف ذلك، و لا تعريج عليه. و النزاع في أنه مات مسلما مكابرة و خرق للإجماع، و اللّه أعلم. و ذكر (1) ابن خلكان أن عبد الملك بن مروان، لما عزم على الخروج لمحاربة مصعب بن الزبير ناشدته زوجته عاتكة بنت يزيد بن معاوية، أن لا يخرج بنفسه، و أن يستنيب غيره، و ألحت عليه في المسألة، فلما لم يسمع منها بكت و بكى من حولها من حشمها. فقال عبد الملك: قاتل اللّه كثيرا كأنه رأى موقفنا هذا حين قال:

إذا ما أراد الغزو لم يثن همّه # حصان عليها نظم دريزينها (2)

نهته فلما لم تر النهي عاقه # بكت فبكى مما شجاها قطينها

ثم عزم عليها أن تقصر، و خرج. و يضاهي هذه الحكاية في طرفة اتفاقها و ملحة مساقها ما حكي أن المأمون حين بنى على بوران بنت الحسن بن سهل، فرش له حصير منسوج بالذهب، ثم نثر على قدميه لآلئ كثيرة، فلما رأى المأمون تساقط اللآلئ المختلفة، على الحصير المنسوج بالذهب، قال: قاتل اللّه أبا نواس كأنه شاهد هذه الحال حين شبه حباب كأسه بقول‏ (3) :

كأن كبرى و صغرى من فواقعها # حصباء در على أرض من الذهب‏

و قد عيب ذلك على أبي نواس و قد اعتذر عنه بأنه جعل من في البيت زائدة على ما أجازه أبو الحسن الأخفش من زيادتها في الكلام الموجب، و أول عليه قوله‏ (4) تعالى: مِنْ جِبََالٍ فِيهََا مِنْ بَرَدٍ و قيل: تقديره فيها برد و اللّه أعلم.

الحصور:

الناقة الضيقة الإحليل و الحصور من الرجال الذي لا يقرب النساء.

فائدة أجنبية:

ذكرها الصاغاني في العباب قال: سألني والدي تغمده اللّه تعالى برحمته، و أسكنه بحبوحة جنته بعزته، قبل سنة تسعين و خمسمائة و أنا إذ ذاك أسحب مطارف الشباب، في رغد العيش اللباب، و هو يفيدني غرر الفوائد و يزقني درر الفرائد. و كان رحمه اللّه ريان من الفضائل، ظعانا عن الرذائل، عن معنى قولهم: قد أثر حصير الحصير في حصير الحصير، فلم أدر ما أقول فقال: الحصير الأول البارية، و الثاني السجن، و الثالث الجنب، و الرابع الملك. انتهى.

حضاجر:

اسم للذكر و الأنثى من الضباع سميت بذلك لسعة بطنها و عظمه و هو معرفة.

قال الحطيئة:

____________

(1) وفيات الأعيان: 108. و فيه: «... لم يثن عزمه.. » .

(2) الحصان: المرأة العفيفة.

(3) البيت في ديوان أبي نواس: 39. و فيه: «كأن صغرى و كبرى... » .

(4) سورة النور: الآية 43.

337

هلا غضبت لرحل جا # رك إذ تنبذه حضاجر (1)

كذا أنشده ابن سيده و أنشده الجوهري:

هلا غضبت لجار بيتك قال السيرافي: و إنما جعل اسما لها على لفظ الجمع إرادة للمبالغة و قال سيبويه: سمعنا العرب تقول: وطب حضجر، و أوطب حضاجر. و لذلك لا ينصرف في معرفة و لا نكرة لأنه اسم لواحد على بنية الجمع. و قال ابن الحاجب في كافيته: و حضاجر اسم علم للضبع غير منصرف لأنه منقول عن الجمع. قلت و هو الأوجه و اللّه أعلم.

الحضب:

الذكر الضخم من الحيات. و قيل حية دقيقة و قيل الأبيض من الحيات.

الحفان:

فراخ النعام واحدها حفانة، الذكر و الأنثى فيه سواء و ربما سموا صغار الإبل حفانا.

الحفص:

ولد الأسد و به سمي الرجل حفصا.

الحقم:

ضرب من الطير يشبه الحمام و يقال إنه الحمام نفسه.

الحلزون:

دود في جوف أنبوبة حجرية يوجد في سواحل البحار و شطوط الأنهار. و هذه الدودة تخرج بنصف بدنها من جوف تلك الأنبوبة الصدفية، و تمشي يمنة و يسرة تطلب مادة تغتذي بها فإذا أحست بلين و رطوبة انبسطت إليها، و إذا أحست بخشونة أو صلابة انقبضت و غاصت في جوف الأنبوبة الصدفية، حذرا من المؤذي لجسمها، و إذا انسابت جرت بيتها معها.

و حكمه:

التحريم لاستخباثه. و قد قال الرافعي في السرطان أنه يحرم لما فيه من الضرر و لأنه داخل في عموم تحريم الصدف. و سيأتي الكلام عليه في باب السين المهملة. و أما المحار الذي يسمى الدنيلس فسيأتي الكلام عليه في باب الدال المهملة.

الخواص:

قال ابن سينا: طلي الجبهة بالحلزون يمنع انصباب المواد إلى العين و اللّه أعلم.

الحلكة و الحلكاء و الحلكاء و الحلكي:

بفتح الحاء المهملة و ضمها و كسرها دويبة شبيهة بالعظاية تغوص في الرمل.

الحلم:

القراد العظيم، الواحدة حلمة. و قال الجوهري: هو مثل القمل و سيأتي أنه القراد المهزول. قال: و الحلم أيضا دود يقع في جلد الشاة الأعلى و جلدها الأسفل. فإذا دبغ لم يزل ذلك الموضع رقيقا يقال: حلم الأديم بكسر اللام يحلم بفتحها حلما إذا أكله قال الشاعر و هو الوليد بن عقبة بن أبي معيط:

فإنك و الكتاب إلى على # كدابغة و قد حلم الأديم‏

قال ابن السكيت: و هذه الدويبة هي التي تأكل الكتب و تمزق الأوراق. و في الحديث أن

____________

(1) ديوان الخطيئة: 33. تنبّذه: تفرقه. حضاجر: اسم من أسماء الضبع.

338

ابن عمر رضي اللّه تعالى عنهما، كان ينهى أن تنزع الحلمة من أذن دابته و روى أبو داود عن أبي سعيد الخدري أن النبي صلى اللّه عليه و سلم صلى بأصحابه يوما «فنزع نعليه، و وضعهما على يساره» ، فلما رأى ذلك القوم، ألقوا نعالهم فلما انقضت الصلاة، قال: «مالكم خلعتم نعالكم» ؟قالوا: يا نبي اللّه رأيناك خلعت نعليك فخلعنا نعالنا. فقال عليه الصلاة و السلام: «إنما نزعتهما لأن جبريل أخبرني أن فيهما دم حلمة» . انتهى‏ (1) قلت و المراد به الدم اليسير المعفو عنه. و إنما فعله النبي صلى اللّه عليه و سلم تنزها عن النجاسة، و إن كان معفوا عنها، و قد أطلق أصحابنا العفو عن اليسير من سائر الدماء إلا المتولي فإنه استثنى من ذلك دم الكلب و الخنزير و احتج بغلظ نجاستهما. و أما الدم الباقي على اللحم و عظامه، فإنه مما تعم به البلوى، و قيل من أصحابنا من تعرض له. و قد ذكر أبو إسحاق الثعلبي المفسر من أئمة أصحابنا، عن جماعة كثيرة من التابعين، أنه لا بأس به. و نقله عن جماعة من أصحابنا لمشقة الاحتراز. و صرح الإمام أحمد و أصحابه بأن ما يبقى من الدم في اللحم معفو عنه، و لو غلبت حمرة الدم في القدر لعسر الاحتراز عنه، و حكوه عن عائشة و عكرمة و الثوري.

و به قال إسحاق لقوله‏ (2) تعالى: إِلاََّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً فلم ينه عن كل دم بل نهى عن المسفوح خاصة. و هو السائل و اللّه تعالى أعلم قال الأصمعي و يقال للقراد: أول ما يكون صغيرا قمقامة، ثم يصير حمنانة، ثم يصير قرادا، ثم يصير حلما. و أنشد أبو علي الفارسي‏ (3) :

و ما ذكر فإن يكبر فأنثى # شديدا لازم ليس له ضروس‏

و الأكثر أن يجمع ضرس على أضراس. و الأسنان كلها إناث إلا الأضراس و الأنياب.

و حكمه:

تحريم الأكل لاستخباثه. و سيأتي الكلام عليه إن شاء اللّه تعالى في باب القاف في لفظ القراد.

الأمثال:

قالت العرب: «القردان فما بال الحلم‏ (4) » و هو قريب من قولهم: «استنت الفصال حتى القرعى» . و سيأتي‏ (5) في بابه.

الحمار الأهلي:

الحمار جمعه حمير و حمر و أحمرة. و ربما قالوا للأتان: حمارة و تصغيره حمير، و منه توبة (6) بن الحميّر صاحب ليلى الأخيلية (7) . الذي تقدم ذكره. و كنية الحمار أبو صابر و أبو زياد قال الشاعر:

زياد لست أدري من أبوه # و لكن الحمار أبو زياد

____________

(1) رواه ابن حنبل: 3-92.

(2) سورة الأنعام: الآية 145.

(3) الفارسي: الحسن بن أحمد، أبو علي، لغوي نحوي، مات سنة 377 هـ-.

(4) مجمع الأمثال: 2/97.

(5) جمهرة الأمثال: 1/91.

(6) توبة بن الحميّر بن حزم العامري، شاعر من العشاق أحب ليلى الأخيلية. قتل سنة 85 هـ-.

(7) ليلى بنت عبد اللّه بن الرحال بن شداد، الأخيلية العامرية، شاعرة فصيحة. جميلة ماتت سنة 80 هـ-.

339

و يقال للحمارة: أم محمود و أم تولب و أم جحش و أم نافع و أم وهب. و ليس في الحيوان ما ينزو على غير جنسه و يلقح إلا الحمار و الفرس. و هو ينزو إذا تم له ثلاثون شهرا و منه نوع يصلح لحمل الأثقال و نوع لين الأعطاف سريع العدو، و يسبق براذين الخيل. و من عجيب أمره أنه إذا شم رائحة الأسد رمى نفسه عليه من شدة الخوف يريد بذلك الفرار منه. قال حبيب بن أوس الطائي‏ (1) ، يخاطب عبد الصمد (2) بن المعذل و قد هجاه:

أقدمت ويحك من هجوي على خطر # و العير يقدم من خوف على الأسد (3)

و يوصف بالهداية إلى سلوك الطرقات التي مشى فيها، و لو مرة واحدة، و بحدة السمع و للناس في مدحه و ذمه أقوال متباينة، بحسب الأغراض. فمن ذلك أن خالد بن صفوان‏ (4)

و الفضل بن عيسى‏ (5) الرقاشي كانا يختاران ركوب الحمير على ركوب البراذين، فأما خالد فلقيه بعض الأشراف بالبصرة على حمار، فقال: ما هذا يا ابن صفوان؟فقال: عير من نسل الكداد، يحمل الرحلة، و يبلغني العقبة، و يقل داؤه، و يخف دواؤه، و يمنعني من أن أكون جبارا في الأرض، و أن أكون من المفسدين. و أما الفضل فإنه سئل عن ركوبه الحمار؟فقال: إنه من أقل الدواب مئونة، و أكثرها معونة، و أخفضها مهوى، و أقربها مرتقى. فسمع أعرابي كلامه، فعارضه بقوله:

الحمار شنار، و العير عار، منكر الصوت لا ترقأ به، و لا تمهر به النساء، و صوته أنكر الأصوات.

قال الزمخشري: الحمار مثل في الذم الشنيع و الشتيمة، و من استيحاشهم لذكر اسمه أنهم يكنون عنه، و يرغبون عن التصريح به، فيقولون: الطويل الأذنين، كما يكنون عن الشي‏ء المستقذر. و قد عد من مساوي الآداب، أن يجري ذكر الحمار في مجلس قوم ذوي مروءة، و من العرب من لا يركب الحمار استنكافا، و إن بلغت به الرحلة الجهد. انتهى. و المروءة بالهمز و تركه، قال الجوهري: هي الإنسانية. و قال ابن فارس هي الرجولية و قيل: إن ذا المروءة من يصون نفسه عن الأدناس، و لا يشينها عند الناس. و قيل: من يسير بسيرة أمثاله، في زمانه و مكانه. قال الدارمي قيل المروءة في الحرفة. و قيل في آداب الدين، كالأكل و الصياح في الجم الغفير و انتهار السائل، و قلة فعل الخير مع القدرة عليه. و كثرة الاستهزاء و الضحك، و نحو ذلك انتهى. و في الصحيحين و غيرهما أن النبي صلى اللّه عليه و سلم قال: «أ ما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يجعل اللّه صورته صورة حمار أو يحول رأسه رأس حمار» (6) . و معنى ذلك، و اللّه أعلم، أن يمسخ صورته كلها فيجعل رأسه رأس حمار، و بدنه بدن حمار، و فيه دليل على جواز وقوع المسخ أعاذنا اللّه منه. و هو لا يكون إلا من شدة الغضب. قال اللّه تعالى: قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذََلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اَللََّهِ مَنْ لَعَنَهُ اَللََّهُ

____________

(1) الطائي: حبيب بن أوس الشاعر المشهور أبو تمّام، من كبار شعراء العصر العباسي، توفي سنة 231 هـ-.

(2) ابن المعذل: عبد الصمد بن المعذل بن غيلان، أبو القاسم من شعراء العصر العباسي. توفي سنة 240 هـ-.

(3) ديوان أبي تمام: 513. و فيه: أطلعت روعك حتى صرت لي غرضا. قد يقدم العير من ذعر على الأسد.

(4) خالد بن صفوان: من الفصحاء الأثرياء في العصر الأموي له أخبار مع الخلفاء. مات سنة 133 هـ-.

(5) الرقاشي: أبو العباس، الفضل بن عبد الصمد، شاعر مجيد من أهل البصرة توفي سنة 200 هـ-.

(6) البخاري في الآذان: 53. و مسلم في الصلاة: 115-116-119. الترمذي جمعه: 56.

340

وَ غَضِبَ عَلَيْهِ وَ جَعَلَ مِنْهُمُ اَلْقِرَدَةَ وَ اَلْخَنََازِيرَ وَ عَبَدَ اَلطََّاغُوتَ (1) الآية. و هذا الحديث صريح في تحريم مسابقة الإمام بالركوع و السجود، و غيرهما من أركان الصلاة. و به صرح البغوي و المتولي و صححه النووي، في شرح المهذب. و هو ظاهرا يراد الكفاية. و في الصحيحين و غيرهما عن أبي هريرة رضي اللّه عنه أن النبي صلى اللّه عليه و سلم قال: «إذا سمعتم نهاق الحمير فتعوذ باللّه من الشيطان فإنها رأت شيطانا، و إذا سمعتم صياح الديكة فاسألوا اللّه من فضله فإنها رأت ملكا» (2) . و سيأتي في باب الدال المهملة إن شاء اللّه تعالى.

غريبة:

رأيت في كتاب النصائح لابن ظفر قال: دخلت ثغرا من ثغور الأندلس فألفيت به شابا متفقها من أهل قرطبة فآنسني بحديثه و ذاكرني طرفا من العلم ثم إني دعوت فقلت: يا من قال و اسألوا اللّه من فضله. فقال: أ لا أحدثك عن هذه الآية بعجب؟قلت: بلى. فحدثني عن بعض سلفه أنه قال: قدم علينا من طليطلة راهبان، كانا عظيمي القدر بها، و كانا يعرفان اللسان العربي، فأظهرا الإسلام و تعلما القرآن و الفقه، فظن الناس بهما الظنون. قال: فضممتهما إلى و قمت بأمرهما، و تجسست عليهما فإذا هما على بصيرة من أمرهما، و كانا شيخين فقلما لبث أحدهما حتى توفي. و أقام الآخر أعواما ثم مرض، فقلت له يوما: ما سبب إسلامكما؟فكره مسألتي فرفقت به فقال: إن أسيرا من أهل القرآن، كان يخدم كنيسة نحن في صومعة منها، فاختصصنا به لخدمتنا، و طالت صحبته لنا، حتى فقهنا اللسان العربي، و حفظنا آيات كثيرة من القرآن، لكثرة تلاوته له، فقرأ يوما: وَ سْئَلُوا اَللََّهَ مِنْ فَضْلِهِ (3) فقلت لصاحبي، و كان أشد مني رأيا و أحسن فهما: أ ما تسمع دعاوى هذه الآية؟فزجرني. ثم إن الأسير قرأ يوما: وَ قََالَ رَبُّكُمُ اُدْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ (4) فقلت لصاحبي: هذه أشد من تلك. فقال: ما أحسب الأمر إلا على ما يقولون. و ما بشر عيسى إلا بصاحبهم. قال: و اتفق يوما أني غصصت بلقمة، و الأسير قائم علينا، يسقينا الخمر على طعامنا، فأخذت الكأس منه فلم أنتفع بها فقلت في نفسي: يا رب إن محمدا قال عنك إنك قلت: وَ سْئَلُوا اَللََّهَ مِنْ فَضْلِهِ (5) و إنك قلت: اُدْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ فإن كان صادقا فاسقني فإذا صخرة يتفجر منها الماء فبادرت فشربت منه، فلما قضيت حاجتي انقطع و ورائي ذلك الأسير فشك في الإسلام و رغبت أنا فيه و أطلعت صاحبي على أمري، فأسلمنا معا. و غدا علينا الأسير يرغب في أن نعمده و ننصره فانتهرناه و صرفناه عن خدمتنا. ثم إنه فارق دينه و تنصر فحرنا في أمرنا، و لم نهتد لوجه الخلاص. فقال صاحبي: و كان أشد مني رأيا: لم لا ندعو بتلك الدعوة؟فدعونا بها في التماس الفرج، و نمنا القائلة، فأريت في المنام أن ثلاثة أشخاص نورانية، دخلوا معبدنا، فأشاروا إلى صور فيه فانمحت، و أتوا بكرسي فنصبوه، ثم أتى جماعة مثلهم في النور و البهجة، و بينهم رجل ما رأيت أحسن خلقا منه، فجلس على الكرسي، فقمت إليه فقلت له: أنت السيد المسيح؟فقال: لا بل أنا أخوه أحمد، أسلم فأسلمت، ثم قلت: يا رسول اللّه كيف لنا بالخروج إلى بلاد أمتك؟فقال لشخص قائم بين

____________

(1) سورة المائدة: الآية 60.

(2) رواه البخاري في بدء الخلق: 15، و مسلم في الذكر: 82. و الترمذي دعوات: 56، و أحمد: 2-306.

(3) سورة النساء: الآية 32.

(4) سورة غافر: الآية 60.

(5) سورة النساء: الآية 32.

341

يديه: اذهب إلى ملكهم، و قل له يحملهما مكرمين، إلى حيث أحبا من بلاد المسلمين، و أن يحضر الأسير فلانا، و يعرض عليه العود إلى دينه، فإن فعل يخلى سبيله، و إن لم يفعل فليقتله، قال:

فاستيقظت من منامي و أيقظت صاحبي، و أخبرته بما رأيت، و قلت له: ما الحيلة؟فقال: قد فرج اللّه أما ترى الصور ممحوّة؟فنظرت فوجدتها ممحوّة. فازددت يقينا. ثم قال لي صاحبي: قم بنا إلى الملك. فأتيناه فجرى في تعظيمنا، على عادته، و أنكر قصدنا له. فقال له صاحبي: افعل ما أمرت به في أمرنا و في أمر فلان الأسير فانتقع لونه و أرعد، ثم دعا بالأسير و قال له: أنت مسلم أو نصراني؟فقال: بل نصراني. فقال له: ارجع إلى دينك، فلا حاجة لنا فيمن لا يحفظ دينه.

فقال: لا أرجع إليه أبدا. فاخترط الملك سيفه و قتله بيده. ثم قال لنا سرا: إن الذي جاء إلى و اليكما شيطان، و لكن ما الذي تريدان؟قلنا: الخروج إلى بلاد المسلمين. قال: أنا أفعل ما تريدان، لكن أظهرا أنكما تريدان بيت المقدس. فقلنا له: نفعل. فجهزنا و أخرجنا مكرمين انتهى.

و روى النسائي و الحاكم عن جابر بن عبد اللّه أن النبي صلى اللّه عليه و سلم قال: «إذا سمعتم نباح الكلاب و نهيق الحمير في الليل فتعوذوا باللّه من الشيطان الرجيم فإنها ترى ما لا ترون، و أقلوا الخروج إذا هدأت الرجل، فإن اللّه يبث في الليل من خلقه ما شاء» (1) . ثم قال الحاكم: صحيح الإسناد على شرط مسلم. و في سنن أبي داود و غيره عن أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه أن النبي صلى اللّه عليه و سلم قال:

«ما من قوم يقومون من مجلس لا يذكرون اللّه تعالى فيه، إلا قاموا عن مثل جيفة حمار و كان عليهم حسرة» . (2) و في تاريخ نيسابور و كامل ابن عدي من حديث ابن عمر رضي اللّه تعالى عنهما أن النبي صلى اللّه عليه و سلم قال: «شر الحمير الأسود القصير» و قال الجوهري تعشير الحمار نهيقه عشرة أصوات في طلق واحد قال الشاعر (3) :

لعمري لئن عشرت من خيفة الردى # نهاق حمارا نبي لجزوع‏

و ذلك أنهم، إذا خافوا من وباء بلد، عشروا كتعشير الحمار، قبل أن يدخلوها. و كانوا يزعمون أن ذلك ينفعهم.

غريبة أخرى:

قال مسروق: كان رجل بالبادية له حمار و كلب و ديك، و كان الديك يوقظهم للصلاة، و الكلب يحرسهم، و الحمار ينقلون عليه الماء و يحمل لهم خيامهم. فجاء الثعلب فأخذ الديك فحزنوا له، و كان الرجل صالحا، فقال: عسى أن يكون خيرا. ثم جاء ذئب فحرق بطن الحمار فقتله. فقال الرجل: عسى أن يكون خيرا. ثم أصيب الكلب بعد ذلك. فقال: عسى أن يكون خيرا. ثم أصبحوا ذات يوم فنظروا فإذا قد سبي من كان حولهم و بقوا سالمين. و إنما أخذوا أولئك بما كان عندهم من أصوات الكلاب و الحمير و الديكة. فكانت الخيرة في هلاك ما كان عندهم من ذلك كما قدر اللّه سبحانه و تعالى. فمن عرف خفي لطف اللّه رضي بفعله.

____________

(1) رواه البخاري في بدء الخلق: 15، و مسلم في الذكر: 82، و الترمذي في الدعوات: 56. و ابن حنبل:

2/306-321-355، 3-306-355.

(2) رواه أبو داود في الأدب: 25، و ابن حنبل: 2/389-494-515-527.

(3) الحيوان للجاحظ: 6/359 و البيت لعروة بن الورد الشاعر الجاهلي.

342

فائدة:

روى البيهقي، في دلائل النبوة، بسنده إلى أبي سبرة النخعي، قال: أقبل رجل من اليمن، فلما كان في أثناء الطريق نفق حماره فقام فتوضأ. ثم صلّى ركعتين، ثم قال: اللهم إني جئت مجاهدا في سبيلك ابتغاء مرضاتك، و أنا أشهد أنك تحيي الموتى و تبعث من في القبور، لا تجعل لأحد علي اليوم منة. أسألك أن تبعث لي حماري، فقام الحمار ينفض أذنيه. قال البيهقي:

هذا إسناد صحيح. و مثل هذا يكون معجزة لصاحب الشريعة، حيث يكون في أمته من يحيي اللّه له الموتى كما سبق. و يأتي و الرجل المذكور اسمه نباتة بن يزيد النخعي. قال الشعبي: أنا رأيت ذلك الحمار يباع بعد ذلك في السوق، فقيل للرجل: أ تبيع حمارا قد أحياه اللّه لك؟قال: فكيف أصنع؟فقال رجل من رهطه ثلاثة أبيات حفظت منها هذا البيت:

و منا الذي أحيا الإله حماره # و قد مات منه كل عضو و مفصل‏

فائدة أخرى:

قوله تعالى: وَ إِذْ قََالَ إِبْرََاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ اَلْمَوْتى‏ََ (1) قال الحسن و قتادة و عطاء الخراساني و الضحاك و ابن جريج رحمهم اللّه تعالى: كان سبب هذا السؤال من إبراهيم صلى اللّه عليه و سلم، أنه مر على دابة ميتة، قال ابن جريح: كانت جيفة حمار بساحل البحر قال عطاء:

بحيرة طبرية، قالوا: فرآها و قد توزعتها دواب البحر و البر، و كان البحر إذا مد جاءت الحيتان و دواب البحر، فأكلت منها فما وقع منها يصير في البحر، و إذا جزر جاءت السباع فأكلت منها فما وقع منها يصير ترابا، فإذا ذهبت السباع جاءت الطير فأكلت منها، فما سقط منها قطعته الرياح في الهواء. فلما رأى إبراهيم ذلك تعجب منها، و قال: يا رب قد علمت لتجمعها من بطون السباع، و حواصل الطير، و أجواف دواب البحر، فأرني كيف تحييها لأعاين ذلك فازداد يقينا، فعاتبه اللّه على ذلك، فقال: أَ وَ لَمْ تُؤْمِنْ قََالَ بَلى‏ََ يا رب قد علمت و آمنت وَ لََكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي (2) أي يسكن إلى المعاينة و المشاهدة فإبراهيم صلى اللّه عليه و سلم كان يعلم يقينا أن اللّه يحيي الموتى، و لكنه أراد أن يصير له علم اليقين، لأن الخبر ليس كالمعاينة و ما أحسن قول بعضهم:

لئن كلمت بالتفريق قلبي # فأنت بخاطري أبدا مقيم

و لكن للعيان لطيف معنى # له سأل المعاينة الكليم‏

و قيل: كان سبب هذا السؤال من إبراهيم أنه لما احتج على نمروذ فقال: رَبِّيَ اَلَّذِي يُحْيِي وَ يُمِيتُ (3) فقال نمروذ أنا أحيي و أميت فقتل رجلا و أطلق آخر، فجعل ترك القتل إحياء. فقال إبراهيم: إن اللّه يقصد إلى جسد ميت فيحييه، فقال له نمروذ: أنت عاينته فلم يقدر أن يقول نعم. فانتقل إلى حجة أخرى، ثم سأل ربه أن يريه إحياء الموتى. قال: أَ وَ لَمْ تُؤْمِنْ قََالَ بَلى‏ََ وَ لََكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي بقوة حجتي، و إذا قيل لي: أنت عاينته؟أقول: نعم قد عاينته. و قال سعيد بن جبير: لما اتخذ اللّه إبراهيم خليلا سأل ملك الموت ربه أن يأذن له فيبشر إبراهيم بذلك، فأذن له فأتى إبراهيم فلم يكن في الدار، فدخل داره و كان إبراهيم من أغير الناس، إذا خرج أغلق بابه. فلما جاء وجد في داره رجلا فثار عليه إبراهيم ليأخذه، فقال له: من أنت؟و من أذن

____________

(1) سورة البقرة: الآية 260.

(2) سورة البقرة: الآية 260.

(3) سورة البقرة: الآية 258.

343

لك أن تدخل داري بغير إذني؟فقال: أذن لي رب هذه الدار. فقال له إبراهيم: صدقت. و عرف أنه ملك فقال له: من أنت؟فقال: أنا ملك الموت، جئت أبشرك بأن اللّه قد اتخذك خليلا، فحمد اللّه تعالى، ثم قال: ما علامة ذلك؟قال: إجابة اللّه دعاءك و إحياء الموتى بسؤالك. فحينئذ قال إبراهيم: رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ اَلْمَوْتى‏ََ قََالَ أَ وَ لَمْ تُؤْمِنْ قََالَ بَلى‏ََ وَ لََكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي (1) إنك قد اتخذتني خليلا و أجبتني إذا دعوتك و روى البخاري عن أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه أن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم قال‏ (2) : «نحن أحق بالشك من إبراهيم إذ قال: رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ اَلْمَوْتى‏ََ قََالَ أَ وَ لَمْ تُؤْمِنْ قََالَ بَلى‏ََ وَ لََكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي » و رحم اللّه لوطا لقد كان يأوي إلى ركن شديد. و لو لبثت في السجن ما لبث يوسف لأجبت الداعي» . و قد (3) أخرجه مسلم عن ابن وهب أيضا.

و قوله: نحن أحق بالشك من إبراهيم قال المزني: لم يشك النبي، و لا إبراهيم صلى اللّه عليه و سلم في أن اللّه قادر على أن يحيي الموتى، و إنما شكا في أنه تعالى هل يجيبهما إلى ما سألاه أم لا. و قال الخطابي: ليس في قوله: «نحن أحق بالشك من إبراهيم» اعتراف بالشك على نفسه، و لا على إبراهيم، لكن فيه نفي الشك عنهما. يقول: إذا لم أشك أنا في قدرة اللّه على إحياء الموتى فإبراهيم أولى بأن لا يشك.

و إنما قال ذلك على سبيل التواضع و الهضم من النفس. و كذلك قوله: «و لو لبثت في السجن ما لبث يوسف لأجبت الداعي» و فيه إعلام أن المسألة من إبراهيم عليه الصلاة و السلام، لم تعرض من جهة الشك، لكن من قبيل زيادة العلم بالعيان. فإن العيان يفيد من المعرفة و الطمأنينة ما لا يفيده الاستدلال. و قيل: لما نزلت هذه الآية. قال قوم: شك إبراهيم و لم يشك نبينا. فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم هذا القول تواضعا منه و تقديما لإبراهيم صلى اللّه عليه و سلم. و سيأتي الكلام على تمام الآية، في باب الطاء المهملة في الكلام على لفظ الطير.

فائدة أخرى:

قوله تعالى: أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى‏ََ قَرْيَةٍ وَ هِيَ خََاوِيَةٌ عَلى‏ََ عُرُوشِهََا قََالَ أَنََّى يُحْيِي هََذِهِ اَللََّهُ بَعْدَ مَوْتِهََا فَأَمََاتَهُ اَللََّهُ مِائَةَ عََامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قََالَ كَمْ لَبِثْتَ قََالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قََالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عََامٍ فَانْظُرْ إِلى‏ََ طَعََامِكَ وَ شَرََابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَ اُنْظُرْ إِلى‏ََ حِمََارِكَ وَ لِنَجْعَلَكَ (4) الآية. هذه الآية منسوقة على الآية التي قبلها تقديره أ لم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه و إلى الذي مر على قرية و هي خاوية على عروشها، و قيل: تقديره هل رأيت كالذي حاج إبراهيم في ربه «و هل رأيت كالذي مر على قرية؟قاله البغوي. و قد اختلف المفسرون و أهل السير، في ذلك المار. فقال وهب بن منبه: هو أرمياء بن حلقيا، و كان من سبط هارون و هو الخضر. و قال قتادة و عكرمة و الضحاك: و هو عزير بن شرخيا، و هو الأصح. و قال مجاهد هو كافر شك في البعث و اختلفوا في تلك القرية، فقال وهب و عكرمة و قتادة. هي بيت المقدس. و قال الضحاك: هي الأرض

____________

(1) سورة البقرة: الآية 260.

(2) رواه البخاري في الأنبياء: 11، تفسير سورة: 2-46. و رواه مسلم في الإيمان: 238، فضائل: 152، و رواه ابن ماجة في الفتن: 23، و ابن حنبل: 2-326.

(3) رواه البخاري في التعبير: 9، أنبياء: 11-19، تفسير سورة: 12، و رواه مسلم في الإيمان: 238، و فضائل الصحابة: 152، و رواه الترمذي في تفسير سورة: 12-1. و ابن حنبل: 6-326-332.

(4) سورة البقرة: الآية 259.

344

المقدسة. و قال الكلبي: هي دير سابرآباد. و قال السدي: سلماباد. و قيل: دير هرقل. و قيل الأرض التي أهلك اللّه فيها الذين خرجوا من ديارهم، و هم ألوف. و قيل: هي قرية العنب، و هي على فرسخين من بيت المقدس، و هي خاوية ساقطة. يقال: خوي البيت بكسر الواو يخوي خوى، مقصورا، إذا سقط. و خوى البيت بالفتح يخوي خواء، ممدودا، إذا خلا. على عروشها سقوفها، واحدها عرش. و كل بناء عرش. و كان السبب في ذلك على ما ذكره محمد بن إسحاق صاحب السيرة. أن اللّه تعالى بعث أرمياء إلى ناشية بن أنوص، ملك بني إسرائيل، ليسدده و يأتيه بالخبر من اللّه و كان قوام أمر بني إسرائيل، بالاجتماع على الملوك و طاعة الملوك أنبياءهم. فكان الملك هو الذي يسير بالجموع و النبي يقيم له أمره، و يشير عليه برشده، و يأتيه بالخبر من ربه عزّ و جلّ. فعظمت الأحداث في بني إسرائيل و ركبوا المعاصي، فأوحى اللّه إلى أرمياء أن ذكر قومك نعمي، و عرفهم أحداثهم. فقام أرمياء فيهم و لم يدر ما يقول فألهمه في الوقت خطبة طويلة بليغة، بين لهم فيها ثواب الطاعة، و عقاب المعصية، و قال في آخرها عن اللّه عزّ و جلّ: و إني أحلف بعزتي لأقيضن لكم فتنة يتحير فيها الحكيم، و لأسلطن عليكم جبارا قاسيا ألبسه الهيبة، و أنزع من قلبه الرحمة، يتبعه عدد مثل سواد الليل المظلم. ثم أوحى اللّه إلى أرمياء إني مهلك بني إسرائيل بيافث، و يافث أهل بابل، و هم ولد يافث بن نوح، فلما سمع أرمياء ذلك صاح و بكى و مزق ثيابه و نبذ التراب على رأسه. فأوحى اللّه إليه: يا أرمياء أشق عليك ما أوحيت إليك؟قال: نعم، يا رب أهلكني قبل أن أرى في بني إسرائيل ما لا أسر به. فأوحى اللّه إليه:

و عزتي لا أهلك بني إسرائيل حتى يكون الأمر في ذلك من قبلك ففرح بذلك أرمياء، و قال: لا و الذي بعث موسى بالحق لا أرضى بهلاك بني إسرائيل أبدا، ثم أتى الملك فأخبره بذلك و كان ملكا صالحا فاستبشر و فرح، و قال: أن يعذبنا ربنا، فبذنوب كثيرة، و إن يعف عنا فبرحمته. ثم إنهم لبثوا بعد الوحي ثلاث سنين لم يزدادوا و إلا معصية تماديا في الشر، و ذلك حين اقترب هلاكهم.

فقل الوحي و دعاهم الملك إلى التوبة فلم يفعلوا فسلط اللّه عليهم بختنصر فخرج في ستمائة ألف راية يريد أهل بيت المقدس، فلما قصد سائرا أتى الخبر للملك فقال لإرمياء: أين ما زعمت أن اللّه عزّ و جلّ أوحى إليك؟فقال أرمياء: إن اللّه لا يخلف الميعاد و أنا به واثق، فلما قرب الأجل بعث اللّه إلى أرمياء ملكا متمثلا في صورة رجل من بني إسرائيل فقال له أرمياء: من أنت؟فقال أنا رجل من بني إسرائيل أتيتك أستفتيك في أهلي و رحمي وصلت أرحامهم و لم آت إليهم إلا حسنا و لم يزدهم إكرامي إياهم إلا سخطا، فأفتني فيهم فقال: أحسن فيما بينك و بين اللّه، وصلهم و ابشر بخير فانصرف الملك فمكث أياما ثم أقبل إليه في صورة ذلك الرجل فجلس بين يديه، فقال له ارمياء: من أنت؟قال: أنا الذي أتيتك أستفتيك في أهلي و رحمي فقال له أرمياء: أ ما ظهرت أخلاقهم لك بعد؟قال: يا نبي اللّه ما أعلم كرامة يأتيها أحد من الناس إلى رحمه إلا أتيتها إليهم و أفضل قاله له أرمياء: ارجع فأحسن إليهم اسأل اللّه الذي يصلح عباده الصالحين أن يصلحهم لك. فانصرف الملك و مكث أياما، و نزل بختنصر و جنوده حول بيت المقدس، أكثر من الجراد المنتشر. ففزع منهم بنو إسرائيل، و قال ملكهم لأرمياء: أين ما وعدك ربك؟فقال أرمياء:

إني واثق بوعد ربي. ثم أقبل الملك على أرمياء، و هو جالس على جدار بيت المقدس يضحك‏

345

و يستبشر بنصر ربه. فجلس بين يديه فقال له أرمياء: من أنت؟قال: أنا الذي أتيتك مرتين أستفتيك في شأن أهلي و رحمي. فقال له أرمياء: أ لم يأن لهم أن يفيقوا من الذي هم فيه؟فقال له الملك: يا نبي اللّه كل شي‏ء كان يصيبني منهم قبل اليوم، كنت أصبر عليه، و اليوم رأيتهم في عمل لا يرضي اللّه تعالى. فقال أرمياء: على أي عمل رأيتهم؟قال على عمل عظيم من سخط اللّه عزّ و جل، فغضبت للّه، و أتيتك و أنا أسألك باللّه الذي بعثك بالحق إلا ما دعوت اللّه عليهم ليهلكهم. فقال أرمياء: يا مالك السموات و الأرض، إن كانوا على حق و صواب فأبقهم و إن كانوا على عمل لا نرضاه فأهلكهم فلما خرجت الكلمة من فم أرمياء، أرسل اللّه صاعقة من السماء في بيت المقدس فالتهب مكان القربان، و خسف بسبعة أبواب من أبوابه، فلما رأى ذلك أرمياء صاح و شق ثيابه و قال: يا مالك السموات و الأرض أين ميعادك الذي وعدتني؟فنودي أنه لم يصبهم ما أصابهم، إلا بفتياك و دعائك. فعلم أنها فتياه و إن ذلك السائل كان رسولا من اللّه إليه فطار أرمياء حتى خالط الوحوش و دخل بختنصر و جنوده بيت المقدس و وطئ الشام و قتل بني إسرائيل حتى أفناهم و خرب بيت المقدس. ثم أمر جنوده أن يملأ كل رجل منهم ترسه ترابا فيقذفه في بيت المقدس ففعلوا حتى ملئوه. ثم أمرهم أن يجمعوا من كان في بلدان بيت المقدس فاجتمع عنده كبيرهم و صغيرهم من بني إسرائيل فاختار منهم سبعين ألف صبي فقسمهم بين الملوك الذين كانوا معه فأصاب كل واحد منهم أربعة أغلمة. و كان من أولئك الأغلمة دانيال و حنانيا. و فرق من بقي من بني إسرائيل ثلاث فرق: فثلثا قتلهم، و ثلثا سباهم، و ثلثا أقرهم بالشأم. فكانت هذه الوقعة الأولى التي أنزلها اللّه تعالى ببني إسرائيل يظلمهم. فلما ولي بختنصر راجعا عنهم إلى بابل، و معه سبايا بني إسرائيل، أقبل أرمياء على حمار له، معه عصير عنب في ركوة و سلة تين، حتى غشي إيلياء فلما وقف عليها و رأى خرابها، قال: أَنََّى يُحْيِي هََذِهِ اَللََّهُ بَعْدَ مَوْتِهََا (1) ثم ربط أرمياء حماره بحبل جديد، فألقى اللّه تعالى عليه النوم، فلما نام نزع اللّه منه الروح مائة عام، و أمات حماره و عصيره و تينه عنده، و أعمى اللّه عنه العيون، فلم يره أحد و ذلك ضحى. و منع اللّه السباع و الطير عن أكل لحمه، فلما مضى من موته سبعون سنة، أرسل اللّه تعالى ملكا من ملوك فارس، يقال له نوشك إلى بيت المقدس ليعمره، فانتدب في ألف قهرمان مع كل قهرمان ثلاثمائة ألف عامل، و جعلوا يعمرونه. و أهلك اللّه بختنصر ببعوضة دخلت في دماغه، و نجى اللّه من بقي من بني إسرائيل، و لم يمت أحد منهم ببابل، وردهم اللّه إلى بيت المقدس و نواحيه، و عمروه ثلاثين سنة و كثروا، حتى كانوا على أحسن ما كانوا عليه. فلما مضت المائة سنة أحيا اللّه تعالى من أرمياء عينيه، و سائر جسده ميت ثم أحيا جسده و هو ينظر، ثم نظر إلى حماره فإذا عظامه متفرقة بيض تلوح، فسمع صوتا من السماء أيها العظام البالية إن اللّه تعالى يأمرك أن تجتمعي فاجتمع بعضها إلى بعض و اتصل بعضها ببعض، ثم نودي إن اللّه عزّ و جلّ يأمرك أن تكتسي لحما و جلدا فكان كذلك ثم نودي إن شاء اللّه عزّ و جلّ يأمرك أن تحيا، فقام بإذن اللّه عزّ و جلّ و نهق، و عمر اللّه تعالى أرمياء فهو الذي يرى في الفلوات فذلك قوله تعالى:

____________

(1) سورة البقرة، الآية: 259.

346

فَأَمََاتَهُ اَللََّهُ مِائَةَ عََامٍ (1) الآية و قوله تعالى: لَمْ يَتَسَنَّهْ (2) أي لم يتغير و كان التين كأنه قطف من ساعته، و العصير كأنه عصر من ساعته. نقله عن وهب بن منبه انتهى. و سيأتي الكلام على الخضر و اختلاف العلماء في اسمه و نبوته في لفظ الحوت من هذا الباب.

و قال قتادة و عكرمة و الضحاك إن بختنصر لما خرب بيت المقدس، و أقدم سبي بني إسرائيل بابل، كان فيهم عزير و دانيال و سبعة آلاف من أهل بيت داود عليه الصلاة و السلام، فلما نجا عزير من بابل ارتحل على حماره حتى نزل بدير هرقل، على شط دجلة فطاف في القرية فلم ير فيها أحدا، و رأى عامة شجرها حاملا فأكل من الفاكهة، و اعتصر من العنب فشرب منه، و جعل الفاكهة في سلة، و العصير في زق. فلما رأى خراب القرية، قال: أَنََّى يُحْيِي هََذِهِ اَللََّهُ بَعْدَ مَوْتِهََا (3) قالها تعجبا لا شكا في البعث. و قال السدي: إن اللّه تعالى أحيا عزيرا ثم قال له: انظر إلى حمارك قد هلك و بليت عظامه، فبعث اللّه ريحا فجاءت بعظام الحمار من كل سهل و جبل ذهب بها الطير و السباع فاجتمعت و ركب بعضها في بعض. و هو ينظر فصار حمارا من عظم ليس فيه لحم و لا دم، ثم كسيت العظام لحما و دما فصار حمارا لا روح فيه، ثم أقبل ملك يمشي حتى أخذ بمنخر الحمار فنفخ فيه، فقام الحمار و نهق بإذن اللّه تعالى. و قال قوم: أراد به عظام هذا الرجل، و ذلك إن اللّه عزّ و جلّ لم يمت حماره فأحيا اللّه عينيه و رأسه و سائر جسده ميت، ثم قال: انظر إلى حمارك فنظر فإذا حماره قائم، كهيئته يوم ربطه حيا لم يطعم و لم يشرب مائة عام. و تقدير الآية:

وَ اُنْظُرْ إِلى‏ََ حِمََارِكَ، وَ اُنْظُرْ إِلَى اَلْعِظََامِ كَيْفَ نُنْشِزُهََا (4) هذا قول قتادة و الضحاك و غيرهما.

و روي عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما أنه قال: لما أحيا اللّه عزّ و جلّ عزيرا بعد ما أماته مائة سنة، ركب حماره و قصد بيت المقدس حتى أتى محلته، فأنكره الناس و أنكروا منزلته فانطلق على وهم حتى أتى منزله فإذا هو بعجوز عمياء مقعدة قد أتى عليها من العمر مائة و عشرون سنة، كانت أمة لهم، و كان عزير قد خرج عنهم و هي ابنة عشرين سنة و كانت قد عرفته و عقلته، فقال لها عزير: يا هذه هذا منزل عزير؟قالت: نعم. هذا منزل عزير، و بكت و قالت: ما رأيت أحدا منذ كذا و كذا سنة يذكر عزيرا. قال: أماتني مائة سنة، ثم بعثني. قالت: فإن عزيرا كان مجاب الدعوة، يدعو للمريض و صاحب البلاء بالعافية. فادع اللّه تعالى أن يرد على بصري حتى أراك، فإن كنت عزيرا عرفتك. فدعا ربه سبحانه و تعالى، و مسح بيده على عينيها فأبصرت، ثم أخذ بيدها و قال:

قومي بإذن اللّه تعالى. فأطلق اللّه رجليها، فقامت صحيحة فنظرت إليه و قالت: أشهد أنك عزير فانطلقت إلى بني إسرائيل، و هم في أنديتهم و مجالسهم، و فيهم ابن لعزير شيخ ابن مائة سنة و ثماني عشرة سنة، و بنو بنيه شيوخ في المجلس، فنادت: هذا عزير قد أتاكم اللّه به، فكذبوها فقالت:

أنا فلانة مولاتكم دعا لي عزير به فردّ علي بصري و أطلق رجلي و زعم أن اللّه سبحانه كان أماته مائة سنة، ثم بعثه. قال: فأقبل الناس إليه فقال ابنه: كان لأبي شامة سوداء مثل الهلال بين كتفيه فكشف عن كتفيه فإذا هو كما قال انتهى. و قال السدّي و الكلبي: لما رجع إلى قريته، و قد أحرق بختنصر التوراة، و لم يكن عهد بين الخلائق، بكى عزير على التوراة فأتاه ملك بإناء من اللّه تعالى، فيه ماء، فشرب منه، فمثلت التوراة في صدره، فرجع إلى بني إسرائيل و قد علمه اللّه

____________

(1) سورة البقرة: الآية 259.

(2) سورة البقرة: الآية 259.

(3) سورة البقرة: الآية 259.

(4) سورة البقرة: الآية 259.

347

التوراة، و بعثه نبيا فقال: أنا عزير فلم يصدقوه فقال: إني عزير بعثني اللّه تعالى إليكم لأجدد لكم توراتكم. قالوا: فأملها علينا فأملاها عليهم عن ظهر قلبه. فقالوا: ما جعل اللّه التوراة في قلب رجل بعد ما ذهبت، إلا أنه ابنه فقالوا عزير ابن اللّه. تعالى اللّه و تقدس عن الصاحبة و الولد. و كان اللّه قد أمات عزيرا و هو ابن أربعين سنة، و بعثه و هو ابن مائة و أربعين سنة، و كان أولاده و أولاد أولاده شيوخا و عجائز، و هو شاب أسود الرأس و اللحية فسبحان من هو على كل شي‏ء قدير.

فائدة أخرى:

ذكر ابن خلكان و غيره من المؤرخين أن قيصر، ملك الروم، كتب إلى عمر ابن الخطاب رضي اللّه تعالى عنه: إن رسلي أتتني من قبلك، فزعمت أن قبلكم شجرة تخرج مثل آذان الحمر، ثم تنشق عن مثل اللؤلؤ، ثم تخضر فتكون مثل الزمرذ و الزبرجد الأخضر، ثم تحمر فتكون مثل الياقوت الأحمر، ثم تينع و تنضج فتكون كأطيب فالوذج، ثم تيبس فتكون عصمة المقيم و زاد المسافر، فإن تكن رسلي صدقتني فما أرى هذه الشجرة إلا من شجر الجنة. فكتب إليه عمر: من عبد اللّه عمر أمير المؤمنين إلى قيصر ملك الروم: إن رسلك قد صدقتك هذه الشجرة عندنا، و هي الشجرة التي أنبتها اللّه تعالى على مريم حين نفست بعيسى ابنها، فاتق اللّه و لا تتخذ عيسى إلها من دون اللّه.

إِنَّ مَثَلَ عِيسى‏ََ عِنْدَ اَللََّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرََابٍ ثُمَّ قََالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ `اَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلاََ تَكُنْ مِنَ اَلْمُمْتَرِينَ (1) و ذال الزمرذ معجمة و دال الزبرجد مهملة. و قيصر كلمة إفرنجية معناها شق عنه و سببه على ما قاله المؤرخون: إن أم قيصر ماتت في المخاض، فشق بطنها و أخرج فسمي قيصر و كان يفخر بذلك على الملوك. و يقول إنه لم يخرج من الرحم و اسمه أغسطس، و في زمن ملكه ولد المسيح عليه الصلاة و السلام. ثم وضع هذا اللقب لكل من ملك الروم كما لقبوا ملك الترك خاقان، و ملك فارس كسرى، و ملك الشام هرقل، و ملك القبط فرعون، و ملك اليمن تبعا و ملك الحبشة النجاشي و ملك فرغانة الأخشيد، و ملك مصر في الإسلام سلطانا قال ابن خلكان: و هنا نكتة يسأل عنها و هي أن الروم يقال لهم بنو الأصفر فما السبب في تسميتهم بذلك؟فيقال إن ملك الروم كان قد احترق في الزمن الأوّل فبقيت منه امرأة فتنافسوا في الملك حتى وقع بينهم، ثم اصطلحوا على أن يملكوا أول من يشرف عليهم فجلسوا مجلسا لذلك، فأقبل رجل من اليمن، و معه عبد له حبشي، يريد الروم فأبق العبد منه، فأشرف عليهم فقالوا: انظروا في أي شي‏ء وقعتم فزوّجوه تلك المرأة و ملكوه عليهم، فولدت منه غلاما فسموه الأصفر لصفرة لونه لكونه تولد بين الحبشي و المرأة البيضاء. و نسب الروم إليه. ثم إن سيد العبد خاصمهم فيه، فقال العبد: صدق أنا عبده فارضوه فأعطوه حتى أرضوه و بقي هذا النسب على الروم.

و في كتاب النصائح لابن ظفر أنه لما اشتد مرض الرشيد بطوس، أحضر طبيبا طوسيا فارسيا، و أمر أن يعرض عليه ماؤه، هو مع مياه كثيرة لمرضى و أصحاء فجعل يستعرض القوارير حتى رأى قارورة الرشيدة فقال: قولوا لصاحب هذا الماء يوصي فإنه قد انحلت قواه و تداعت بنيته. فأقيم و أمر بالذهاب فذهب و يئس الرشيد من نفسه و تمثل قائلا:

____________

(1) سورة آل عمران: 59.

348

إن الطبيب بطبه و دوائه # لا يستطيع دفاع نحب قد أتى

ما للطبيب يموت بالداء الذي # قد كان يبرئ مثله فيما مضى‏

و بلغه أن الناس قد أرجفوا بموته، فاستدعى بحمار و أمر فحمل عليه، فاسترخت فخذاه فقال: أنزلوني صدق المرجفون. ثم استدعى بأكفان فتخير منها ما أعجبه، و أمر فشق له قبر أمام فراشه، ثم اطلع فيه فقال: مََا أَغْنى‏ََ عَنِّي مََالِيَهْ `هَلَكَ عَنِّي سُلْطََانِيَهْ (1) فتوفي في يومه رحمه اللّه تعالى. و في تاريخ ابن خلكان أن بعض أصحاب الحلاج‏ (2) ادّعى أنه رؤي يوم قتله و هو راكب على حمار في طريق النهروان و أنه قال لهم: لعلكم تظنون أني المضروب و المقتول؟و كان سبب قتله أنه جرى منه كلام في مجلس حامد بن العباس وزير المقتدر باللّه فأفتى القضاة و العلماء بإباحة دمه فرسم المقتدر بتسليمه إلى محمد بن عبد الصمد صاحب الشرطة فتسلمه بعد العشاء خوفا من العامة أن تنزعه من يده، ثم أخرجه يوم الثلاثاء لست بقين من ذي القعدة سنة تسع و ثلاثمائة عند باب الطاق و اجتمع عليه خلق كثير. و أمر به فضربه الجلاد ألف سوط، فما استعفى و لا تأوّه ثم قطع أطرافه الأربعة، و هو ساكن لا يضطرب، ثم حز رأسه و أحرقت جثته و ألقي رمادها في دجلة، و نصب الرأس ببغداد، ثم حمل و طيف به في النواحي و البلاد و جعل أصحابه يعدون أنفسهم برجوعه بعد أربعين يوما. و اتفق إن زادت دجلة تلك السنة زيادة وافرة، فادعى أصحابه أن ذلك بسبب إلقاء رماده فيها. و ادعى بعض أصحابه أنه لم يقتل و إنما ألقي شبهه عند قتله على عدوّ له و لما أخرج ليقتل أنشد قائلا (3) :

طلبت المستقر بكل أرض # فلم أر لي بأرض مستقرّا

أطعت مطامعي فاستعبدتني # و لو أني قنعت لكنت حرّا

و يحكى أن الحلاج أنشد عند قتله:

لم أسلم النفس للأسقام تتلفها # إلا لعلمي بأن الموت يشفيها

و نظرة منك يا سؤلي و يا أملي # أشهى إلي من الدنيا و ما فيها

نفس المحب على الآلام صابرة # لعل متلفها يوما يداويها

و كان الحلاج قد صحب الجنيد و وقع بينه و بين الشبلي و غيره من مشايخ الصوفية رحمة اللّه تعالى عليهم أجمعين انتهى. و ذكر الشيخ الإمام عز الدين بن عبد السلام المقدسي في مفاتيح الكنوز أنه لما أتي به ليصلب و رأى الخشب و المسامير ضحك ضحكا كثيرا ثم نظر في الجماعة فرأى الشبلي فقال: يا أبا بكر أ ما معك سجادة قال: بلى. قال: افرشها لي ففرشها فتقدم و صلى ركعتين فقرأ في الأولى فاتحة الكتاب، و بعدها: وَ لَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْ‏ءٍ مِنَ اَلْخَوْفِ وَ اَلْجُوعِ (4) الآية ثم قرأ في الثانية فاتحة الكتاب و بعدها: كُلُّ نَفْسٍ ذََائِقَةُ اَلْمَوْتِ* الآية (5) ثم ذكر كلاما مطوّلا ثم تقدم

____________

(1) سورة الحاقة: الآية 28-29.

(2) الحلاج، أبو مغيث الحسين بن منصور، الزاهد المشهور، اتهم، لأقوال قالها بالحلول و أفتى القضاة بقتله سنة 309 هـ-.

(3) وفيات الأعيان: 2/144.

(4) سورة البقرة: الآية 155.

(5) سورة آل عمران: 185.

349

أبو الحارث السياف، و لطمه لطمة هشم وجهه و أنفه فصاح الشبلي و مزق ثيابه و غشي على أبي الحسن الواسطي و على جماعة من المشايخ المشهورين. و كان الحلاج يقول: اعلموا أن اللّه قد أباح لكم دمي، فاقتلوني ليس للمسلمين اليوم شغل أهم من قتلي. و قال: إن قتلي قيام بالحدود و وقوف مع الشريعة و من تجاوز الحدود أقيمت عليه الحدود. قلت: و قد اضطرب الناس في أمره اضطرابا كبيرا متباينا فمنهم من يعظمه و منهم من يكفره. و قد ذكر الإمام قطب الوجود حجة الإسلام في كتاب مشكاة الأنوار و مصفاة الأسرار فصلا مطوّلا في أمره و اعتذر عن إطلاقاته كقوله: أنا الحق و ما في الجبة إلا اللّه و حملها كلها على محامل حسنة، و قال: هذا من فرط المحبة و شدة الوجد و هو مثل قول القائل‏ (1) :

أنا من أهوى و من أهوى أنا # فإذا أبصرته أبصرتنا

و حسبك هذا مدحة و تزكية و كان ابن شريح إذا سئل عنه يقول: هذا رجل قد خفي على حاله و ما أقول فيه. و هذا شبيه بكلام عمر بن عبد العزيز رحمه اللّه تعالى و قد سئل عن علي و معاوية رضي اللّه تعالى عنهما فقال: دماء طهر اللّه منها سيوفنا، أ فلا نطهر من الخوض فيهم ألسنتنا؟و هكذا ينبغي لمن يخاف اللّه أن لا يكفر أحدا من أهل القبلة بكلام يصدر عنه يحتمل التأويل على الحق و الباطل. فإن الإخراج من الإسلام عظيم و لا يسارع به إلا جاهل.

و يحكى عن شيخ العارفين قطب الزمان عبد القادر الجيلاني قدس اللّه سره أنه قال: عثر الحلاج و لم يكن له من يأخذ بيده و لو أدركت زمانه لأخذت بيده و هذا و ما سبق عن الإمام الغزالي في أمره كاف لمن له أدنى فهم و بصيرة و سمي الحلاج لأنه جلس يوما على حانوت حلاج و استقضاه حاجة فقال له الحلاج أنا مشتغل بالحلج. فقال له: امض في حاجتي حتى أحلج عنك فمضى الحلاج في حاجته، فلما عاد وجد قطنه كله محلوجا، و كان لا يحلجه عشرة رجال في أيام متعددة.

فمن ثم قيل له الحلاج. و قيل إنه كان يتكلم على الأسرار و يخبر عنها، فسمي حلاج الأسرار و كان من أهل البيضاء بليدة بفارس و اسمه الحسين بن منصور و اللّه أعلم.

و ذكر ابن خلكان و غيره أن علي بن أبي طالب رضي اللّه تعالى عنه ولي محمد بن أبي بكر الصديق مصر، فدخلها سنة سبع و ثلاثين و قام بها إلى أن بعث معاوية بن أبي سفيان عمرو بن العاص في جيوش أهل الشام، و معهم معاوية بن حديج، بحاء مهملة مضمومة و دال مهملة مفتوحة و بالجيم في آخره كذا ضبطه ابن السمعاني في الأنساب و ابن عبد البر و ابن قتيبة و غيرهم.

و وقع في كثير من نسخ تاريخ ابن خلكان معاوية بن خديج بخاء معجمة و دال مكسورة و آخره جيم و هو غلط. و الصواب ما تقدم و أصحابه أي أصحاب معاوية بن خديج فاقتتلوا فانهزم محمد بن أبي بكر و اختبأ في بيت مجنونة فمر أصحاب معاوية بن خديج بالمجنونة و هي قاعدة على

____________

(1) وفيات الأعيان: 2/141. و هما بيتان، و في هامشه إلى انهما في ديوان الحلاج: 93:

أنا من أهوى و من أهوى أنا # نحن روحان حللنا بدنا

فإذا أبصرتني أبصرته # و إذا أبصرته أبصرتنا

350

الطريق، و كان لها أخ في الحبس فقالت: أ تريد قتل أخي قال: لا ما أقتله. قالت: فهذا محمد بن أبي بكر داخل بيتي، فأمر معاوية أصحابه فدخلوا إليه و ربطوه بالحبال و جروه على الأرض و أتوا به معاوية، فقال له محمد: احفظني لأبي بكر فقال له: قتلت من قومي في قضية عثمان ثمانين رجلا، و أتركك و أنت صاحبه لا و اللّه. فقتله في صفر سنة ثمان و ثلاثين. و أمره معاوية أن يجر في الطريق و يمر به على دار عمرو بن العاص لما يعلم من كراهته لقتله، و أمر به أن يحرق بالنار في جيفة حمار.

و قال غيره: بل وضعه حيا في جيفة حمار و أحرقه بالنار، و كان سبب ذلك دعوة أخته عائشة عليه لما أدخل يده في هودجها يوم وقعة الجمل، و هي لا تعرفه فظنته أجنبيا فقالت من هذا الذي يتعرض لحرم رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم أحرقه اللّه بالنار!فقال: يا أختاه قولي بنار الدنيا فقالت: بنار الدنيا. و قد تقدم هذا في باب الجيم في الكلام على لفظ الجمل و دفن في الموضع الذي قتل فيه. فلما كان بعد سنة من دفنه، أتى غلامه و حفر قبره فلم يجد فيه سوى الرأس فأخرجه و دفنه في المسجد تحت المنارة. و يقال إن الرأس في القبلة. قال: و كانت عائشة رضي اللّه تعالى عنها قد أنفذت أخاها عبد الرحمن إلى عمرو بن العاص في شأن محمد فاعتذر بأن الأمر لمعاوية بن خديج. و لما قتل و وصل خبره إلى المدينة مع مولاه مسالم، و معه قميصه، و دخل به داره اجتمع رجال و نساء فأمرت أم حبيبة بنت أبي سفيان زوج النبي صلى اللّه عليه و سلم بكبش فشوي و بعثت به إلى عائشة، و قالت: هكذا قد شوي أخوك فلم تأكل عائشة بعد ذلك شواء حتى ماتت. و قالت هند بنت شمر الحضرمية: رأيت نائلة امرأة عثمان بن عفان تقبل رجل معاوية بن خديج و تقول: بك أدركت ثأري و لما سمعت أمه أسماء بنت عميس بقتله كظمت الغيظ حتى شخبت ثدياها دما. و وجد عليه علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه، وجدا عظيما و قال كان لي ربيبا و كنت أعده ولدا و لبني أخا. و ذلك لأن عليا كان قد تزوج أمه أسماء بنت عميس بعد وفاة الصديق و رباه كما تقدم. و ذكر الإمام العلامة أقضى القضاة الماوردي و غيره أن سفيان بن سعيد الثوري أكل ليلة زائدا على عادته فقال: إن الحمار إذا زيد في علفه زيد في عمله، ثم قام حتى أصبح. قال: و كان فتى يجالس الثوري و لا يتكلم فأحب أن يعرف نطقه فقال: يا فتى إن من كان قبلنا مروا على خيول سابقة و بقينا بعدهم على حمر دبرة فقال الفتى: يا أبا عبد اللّه إن كنا على الطريق فما أسرع لحوقنا بهم. و قال سفيان بن عيينة:

دعانا سفيان الثوري ليلة فقدم لنا تمرا و لبنا خائرا فلما توسط الأكل قال: قوموا فلنصل ركعتين شكرا للّه تعالى فقال ابن وكيع، و كان حاضرا: لو قدم لنا شيئا من اللوزينج، لقال: قوموا فلنصل التراويح فتبسم سفيان. و قال سفيان الثوري ما استودعت قلبي شيئا قط فخانني. و قال له رجل: أوصني فقال: اعمل للدنيا بقدر مقامك فيها، و للآخرة بقدر مقامك فيها، و السلام. و قال له رجل: إني أريد الحج، فقال: لا تصحب من يتكرم عليك فإنك إن ساويته في النفقة أضرّ بك، و إن تفضّل عليك استذلك. و دخل الثوري على المهدي يوما فسلم عليه تسليم العامة، و لم يسلم بالخلافة، فأقبل عليه المهدي بوجه طلق، و قال: يا سفيان تفر منا هاهنا و هاهنا و تظن أنا لو أردناك بسوء لم نقدر عليك؟و قد قدرنا عليك الآن!أ ما تخشى أن نحكم فيك الآن بهوانا؟فقال سفيان: أن تحكم في بحكم الآن، يحكم فيك ملك عادل قادر يفرق بين الحق و الباطل. فقال الربيع: يا أمير المؤمنين أ لهذا الجاهل أن يستقبلك بمثل هذا؟ائذن لي أن اضرب عنقه. فقال له‏

351

المهدي: اسكت ويلك و هل يريد هذا و أمثاله إلا أن تقتلهم فنشقى بهم و يسعدوا بنا اكتبوا عهده على قضاء الكوفة بحيث أن لا يعترض عليه في حكم. فكتب عهده و دفع إليه فأخذه و خرج و رمى به في دجلة و هرب، فطلب في كل بلد فلم يوجد و توفي بالبصرة متواريا سنة إحدى و ستين و مائة رحمه اللّه تعالى. و هو أحد الأئمة المجتهدين، اجمع الناس على دينه و ورعه و ثقته. و يروى أن أبا القاسم الجنيد (1) رحمه اللّه كان يفتي على مذهبه، و هو غلط و الصواب أن الجنيد كان شافعيا و قد عده شيخ الإسلام تقي الدين السبكي في الأصحاب و كذلك عده غيره.

و كان سفيان الثوري كوفيا فإنه سئل عن عثمان و عن علي رضي اللّه تعالى عنهما أيهما أفضل؟ فقال: أهل البصرة يقولون بتفضيل عثمان و أهل الكوفة يقولون بتفضيل علي. فقيل له: فما تقول أنت؟قال أنا رجل كوفي. يعني أنه يقول بتفضيل علي.

و في كتاب ابتلاء الأخيار أن عيسى عليه الصلاة و السلام لقي إبليس و هو يسوق خمسة أحمرة عليها أحمال، فسأله عن الأحمال فقال: تجارة أطلب لها مشترين. قال: و ما هي التجارة؟قال:

أحدها الجور. قال: و من يشتريه؟قال السلاطين. و الثاني الكبر. قال: و من يشتريه؟قال:

الدهاقين: و الثالث الحسد. قال: و من يشتريه؟قال: العلماء. و الرابع الخيانة. قال: و من يشتريها؟قال: عمال التجار. و الخامس الكيد. قال: و من يشتريه؟قال: النساء.

و مما يحكى: من كيد النساء و مكرهن ما روي في بعض التفاسير، عن جعفر الصادق بن محمد الباقر، أنه قال: كان في بني إسرائيل رجل، و كان له مع اللّه معاملة حسنة، و كان له زوجة و كان ضنينا بها، و كانت من أجمل أهل زمانها مفرطة في الجمال و الحسن، و كان يقفل عليها الباب، فنظرت يوما شابا فهويته و هويها، فعمل له مفتاحا على باب دارها، و كان يدخل و يخرج ليلا و نهارا متى شاء، و زوجها لم يشعر بذلك فبقيا على ذلك زمانا طويلا. فقال لها زوجها يوما، و كان أعبد بني إسرائيل و أزهدهم إنك قد تغيرت علي و لم أعلم ما سببه، و قد توسوس قلبي و قد كان أخذها بكرا، ثم قال لها: و اشتهي منك أن تحلفي لي أنك لم تعرفي رجلا غيري، و كان لبني إسرائيل جبل يقسمون به و يتحاكمون عنده، و كان الجبل خارج المدينة، و كان عنده نهر يجري، و كان لا يحلف أحد عنده كاذبا إلا هلك. فقالت له: و يطيب قلبك إذا حلفت لك عند الجبل؟قال: نعم، قالت متى شئت فعلت. فلما خرج العابد لقضاء حاجته، دخل عليها الشاب، فأخبرته بما جرى لها مع زوجها، و أنها تريد أن تحلف له عند الجبل، و قالت: ما يمكنني أن أحلف كاذبة، و لا أقول لزوجي ما أحلف فبهت الشاب و تحير، و قال: فما تصنعين؟فقالت له: بكر غدا، و ألبس ثوب مكار و خذ حمارا و اجلس على باب المدينة، فإذا خرجنا فأنا آمره يكتري منك الحمار، فإذا اكتراه منك بادر و احملني و ارفعني فوق الحمار، حتى أحلف له و أنا صادقة أني ما مسني أحد غيرك و غير هذا المكاري. فقال: حبا و كرامة. فلما جاء زوجها قال قومي بنا إلى الجبل لتحلفي به. فقالت ما لي طاقة بالمشي فقال: اخرجي فإن وجدت مكاريا اكتريت لك. فقامت و لم تلبس لباسها، فلما خرج العابد و زوجته، رأت الشاب ينتظرها فصاحت به يا مكاري أ تكري حمارك إلى الجبل بنصف درهم؟قال: نعم، ثم تقدم و رفعها على الحمار فساروا حتى وصلوا إلى الجبل. فقالت

____________

(1) الجنيد بن محمد بن الجنيد البغدادي الخزاز، بغدادي صوفي، عالم في الأصول مات سنة 297 هـ-.

352

للشاب: انزلني عن الحمار حتى أصعد على الجبل، فلما تقدم الشاب إليها ألقت بنفسها إلى الأرض، فانكشفت عورتها فشتمت الشاب، فقال: و اللّه ما لي ذنب، ثم مدت يدها إلى الجبل فأمسكته و حلفت له أنه لم يمسسها أحد، و لا نظر إنسان مثل نظرك إلي، مذ عرفتك، غيرك و غير هذا المكاري. فاضطرب الجبل اضطرابا شديدا و زال عن مكانه، و أنكرت بنو إسرائيل ذلك.

فذلك قوله تعالى: وَ إِنْ كََانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ اَلْجِبََالُ (1) و يقرب من هذا ما روي عن وهب بن منبه أنه كان في زمن بني إسرائيل في زمن عيسى عليه الصلاة و السلام، رجل اسمه شمشون، و كان من أهل قرية من قرى الروم، كان قد هداه اللّه لرشده و صار من الحواريين، و كان أهله أصحاب أوثان يعبدونها و كان منزله من القرية على أميال، و كان يغزوهم وحده، و يجاهدهم في اللّه حق جهاده فيقتل و يسبي و يصيب المال، و كان ربما لقيهم بغير زاد فإذا قاتلهم و عطش انفجر له من الحجر الذي في القرية ماء فيشرب منه حتى يروى، و كان قد أعطي قوة في البطش و كان لا يوثقه حديد و لا غيره، و كانوا لا يقدرون منه على شي‏ء، فتآمروا فيه فقال بعضهم لبعض: إنكم لن تقدروا على أذاه إلا من قبل زوجته، فدخلوا عليها و جعلوا لها جعلا إن أوثقته، فقالت: نعم أنا أوثقه لكم، فأعطوها حبلا وثيقا و قالوا لها: إذا نام فأوثقي يديه إلى عنقه ثم ذهبوا فجاء شمشون و نام، فقامت إليه فأوثقته كتافا فجعلت يديه إلى عنقه، فلما هب من نومه، جذب يديه فوقع الحبل من عنقه، فقال لها لم فعلت هذا؟قالت لأجرب قوتك ما رأيت مثلك قط. ثم أرسلت إليهم إني قد ربطته بالحبل فلم يغن شيئا فأرسلوا إليها بجامعة من حديد، و قالوا لها إذا نام فاجعليها في عنقه، فلما نام جعلتها في عنقه، فلما هب من نومه جذبها فتقطعت، فقال لها: لم فعلت هذا؟قالت لأجرب قوتك ما رأيت مثلك في الدنيا يا شمشون!أ ما في الأرض شي‏ء يغلبك؟قال: اللّه عزّ و جلّ يغلبني. ثم شي‏ء واحد. قالت: ما هو؟قال: ما أنا بمخبرك به.

فلم تزل تخدعه و تمكر به و تتلطف له في السؤال، و كان ذا شعر كثير جدا فقال: ويحك إن أمي كانت جعلتني نذيرا فلا يغلبني شي‏ء أبدا و لا يوثقني إلا شعري. فتركته حتى نام، ثم قامت إليه فأوثقت يديه إلى عنقه بشعره فأوثقه ذلك. و بعثت إلى القوم فجاءوا و أخذوه فجدعوا أنفه، و فقئوا عينيه و أوقفوه للناس، بين ظهراني المدينة، و كانت المدينة ذات أساطين، و أشرف الملك لينظر ما ذا يفعل به، فدعا اللّه شمشون، حين مثلوا به و أوقفوه، أن يسلطه عليهم، فرد اللّه عليه بصره، و ما أصابوا من جسده، و أمره أن يأخذ بعمود من عمد المدينة الذي عليه الملك و الناس ففعل، فوقعت المدينة و هلك من فيها و أرسل اللّه على زوجته صاعقة فأحرقتها، و نجى اللّه تعالى شمشون بمنه و فضله انتهى. و حكاياتهن في المكر و الكيد لا تحصى و حسبك أن اللّه تعالى استضعف كيد الشيطان فقال: إِنَّ كَيْدَ اَلشَّيْطََانِ كََانَ ضَعِيفاً (2) و استعظم كيد النساء فقال: إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (3) .

و في كتاب نزهة الأبصار في أخبار ملوك الأمصار، و هو كتاب عظيم المقدار، و لا أعلم مصنفه أن بعض الملوك، مر بغلام و هو يسوق حمارا غير منبعث، و قد عنف عليه في السوق، فقال: يا غلام ارفق به فقال الغلام: أيها الملك في الرفق به مضرة عليه، قال: و كيف ذلك؟قال:

____________

(1) سورة إبراهيم: الآية 46.

(2) سورة النساء: الآية 76.

(3) سورة يوسف: الآية 28.